٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
23
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن المقصود من ذكر هذه الآية أن يكون جواباً عن شبهة أخرى ذكروها في أن البراءة من الكفار غير ممكنة وتلك الشبهة إن قالوا إن الرجل المسلم قد يكون أبوه كافراً والرجل الكافر قد يكون أبوه أو أخوه مسلماً، وحصول المقاطعة التامة بين الرجل وأبيه وأخيه كالمتعذر الممتنع، وإذا كان الأمر كذلك كانت تلك البراءة التي أمر الله بها، كالشاق الممتنع المتعذر، فذكر الله تعالى هذه الآية ليزيل هذه الشبهة. ونقل الواحدي عن ابن عباس أنه قال: لما أمر المؤمنون بالهجرة قبل فتح مكة فمن لم يهاجر لم يقبل الله إيمانه حتى يجانب الآباء والأقارب إن كانوا كفاراً، قال المصنف رضي الله عنه: هذا مشكل، لأن الصحيح أن هذه السورة إنما نزلت بعد فتح مكة، فكيف يمكن حمل هذه الآية على ما ذكروه؟ والأقرب عندي أن يكون محمولاً على ما ذكرته، وهو أنه تعالى لما أمر المؤمنين بالتبري عن المشركين وبالغ في إيجابه، قالوا كيف تمكن هذه المقاطعة التامة بين الرجل وبين أبيه وأمه وأخيه، فذكر الله تعالى: أن الانقطاع عن الآباء والأولاد والأخوان واجب بسبب الكفر وهو قوله: {إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَـٰنِ } والاستحباب طلب المحبة يقال: استحب له، بمعنى أحبه، كأنه طلب محبته. ثم إنه تعالى بعد أن نهى عن مخالطتهم، وكان لفظ النهي، يحتمل أن يكون نهي تنزيه وأن يكون نهي تحريم، ذكر ما يزيل الشبهة فقال: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } قال ابن عباس: يريد مشركاً مثلهم لأنه رضي بشركهم، والرضا بالكفر كفر، كما أن الرضا بالفسق فسق. قال القاضي: هذا النهي لا يمنع من أن يتبرأ المرء من أبيه في الدنيا، كما لا يمنع من قضاء دين الكافر ومن استعماله في أعماله.
القرطبي
تفسير : ظاهر هذه الآية أنها خطاب لجميع المؤمنين كافَّةً، وهي باقية الحكم إلى يوم القيامة في قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين. ورَوَت فرقة أن هذه الآية إنما نزلت في الحضّ على الهجرة ورفض بلاد الكفرة. فالمخاطبة على هذا إنما هي للمؤمنين الذين كانوا بمكة وغيرِها من بلاد العرب؛ خُوطبوا بألاّ يوالوا الآباء والإخوة فيكونوا لهم تبعاً في سكنى بلاد الكفر. {إَنِ ٱسْتَحَبُّواْ} أي أحبّوا؛ كما يُقال: استجاب بمعنى أجاب. أي لا تطيعوهم ولا تخصوهم. وخصَّ الله سبحانه الآباء والإخوة إذ لا قرابة أقرب منها. فنفى الموالاة بينهم كما نفاها بين الناس بقوله تعالىٰ: {أية : يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ} تفسير : [المائدة: 51] ليبيّن أن القرب قرب الأديان لا قرب الأبدان. وفي مثله تنشد الصوفية:شعر : يقولون لي دار الأحبّة قد دنتْ وأنت كَئيبٌ إنّ ذا لعجيب فقلت وما تغني ديارٌ قريبة إذا لم يكن بين القلوب قريب فكم من بعيد الدار نال مُرادَه وآخر جارُ الجَنْب مات كئيب تفسير : ولم يذكر الأبناء في هذه الآية؛ إذ الأغلب من البشر أن الأبناء هم التَّبع للآباء. والإحسان والهبة مستثناة من الولاية.حديث : قالت أسماء: يا رسول الله، إن أُميّ قدِمت عليّ راغبةً وهي مشركة أفأصلها؟ قال: «صِلِي أُمَّك»تفسير : خرّجه البخاري. قوله تعالىٰ: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} قال ابن عباس: هو مشرك مثلهم؛ لأن مَن رضي بالشرك فهو مشرك.
ابن كثير
تفسير : أمر تعالى بمباينة الكفار به، وإن كانوا آباء أو أبناء، ونهى عن موالاتهم، إن استحبوا، أي: اختاروا الكفر على الإيمان، وتوعد على ذلك كقوله تعالى: {أية : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} تفسير : [المجادلة: 22] الآية، وروى الحافظ البيهقي من حديث عبد الله بن شوذب قال: جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح ينعت له الآلهة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر الجرّاح، قصده ابنه أبو عبيدة، فقتله، فأنزل الله فيه هذه الآية: {أية : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاَْخِرِْ} تفسير : [المجادلة: 22] الآية. ثم أمر تعالى رسوله أن يتوعد من آثر أهله وقرابته وعشيرته على الله ورسوله وجهاد في سبيله، فقال: {قُلْ إِن كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا} أي: اكتسبتموها وحصلتموها {وَتِجَـٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَـٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ} أي: تحبونها؛ لطيبها وحسنها، أي: إن كانت هذه الأشياء {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ} أي: فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله بكم، ولهذا قال: {حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ}. وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة عن زهرة بن معبد عن جده قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال: والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه» تفسير : فقال عمر: فأنت الآن والله أحب إليّ من نفسي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : الآن يا عمر» تفسير : انفرد بإخراجه البخاري، فرواه عن يحيى بن سليمان عن ابن وهب عن حيوة بن شريح عن أبي عقيل زهرة بن معبد: أنه سمع جده عبد الله بن هشام عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا، وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» تفسير : وروى الإمام أحمد وأبو داود واللفظ له من حديث أبي عبد الرحمن الخراساني عن عطاء الخراساني عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» تفسير : وروى الإمام أحمد أيضاً: عن يزيد بن هارون عن أبي جناب عن شهر بن حوشب: أنه سمع عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ذلك، وهذا شاهد للذي قبله، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل فيمن ترك الهجرة لأجل أهله وتجارته:{ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوٰنَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ } اختاروا {ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَٰنِ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَٱئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ }.
الشوكاني
. تفسير : الخطاب للمؤمنين كافة، وهو حكم باق إلى يوم القيامة يدل على قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين، وقالت طائفة من أهل العلم: إنها نزلت في الحضّ على الهجرة ورفض بلاد الكفر، فيكون الخطاب لمن كان من المؤمنين بمكة وغيرها من بلاد العرب، نهوا بأن يوالوا الآباء والإخوة، فيكونون لهم تبعاً في سكنى البلاد الكفر إن استحبوا: أي أحبوا، كما يقال استجاب بمعنى أجاب، وهو في الأصل: طلب المحبة، وقد تقدّم تحقيق المقام في سورة المائدة في قوله تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَاء } تفسير : [المائدة: 51] ثم حكم على من يتولى من استحب الكفر على الإيمان من الآباء والإخوان بالظلم. فدلّ ذلك على أن تولي من كان كذلك من أعظم الذنوب وأشدّها، ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم: {إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ} إلى آخره، والعشيرة: الجماعة التي ترجع إلى عقد واحد، وعشيرة الرجل: قرابته الأدنون، وهم الذين يعاشرونه، وهي اسم جمع. وقرأ أبو بكر وحماد "عشيراتكم" بالجمع. قال الأخفش: لا تكاد العرب تجمع عشيرة على عشيرات. وإنما يجمعونها على عشائر. وقرأ الحسن "عشائركم". وقرأ الباقون {عشيرتكم} والاقتراف: الاكتساب، وأصله: اقتطاع الشيء من مكانه، والتركيب يدور على الدنو. والكاسب يدني الشيء من نفسه ويدخله تحت ملكه، والتجارة الأمتعة التي يشترونها ليربحوا فيها، والكساد عدم النفاق لفوات وقت بيعها بالهجرة ومفارقة الأوطان. ومن غرائب التفسير ما روي عن ابن المبارك أنه قال: إن المراد بالتجارة في هذه الآية البنات والأخوات، إذا كسدن في البيت لا يجدن لهنّ خاطباً، واستشهد لذلك بقول الشاعر:شعر : كسدن من الفقر في قومهن وقد زادهنّ مقامي كسادا تفسير : وهذا البيت وإن كان فيه إطلاق الكساد على عدم وجود الخاطب لهنّ فليس فيه جواز إطلاق اسم التجارة عليهنّ. والمراد بالمساكن التي يرضونها: المنازل التي تعجبهم وتميل إليها أنفسهم، ويرون الإقامة فيها أحبّ إليهم من المهاجرة إلى الله ورسوله، و{أحبّ} خبر {كان}: أي كانت هذه الأشياء المذكورة في الآية أحبّ إليكم من الله ورسوله ومن الجهاد في سبيل الله {فَتَرَبَّصُواْ} أي: انتظروا {حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ } فيكم، وما تقتضيه مشيئته من عقوبتكم، وقيل: المراد بأمر الله سبحانه: القتال. وقيل: فتح مكة وفيه بعد، فقد روى أن هذه السورة نزلت بعد الفتح. وفي هذا وعيد شديد، ويؤكده إبهام الأمر وعدم التصريح به، لتذهب أنفسهم كل مذهب وتتردّد بين أنواع العقوبات، {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } أي الخارجين عن طاعته، النافرين عن امتثال أوامره ونواهيه. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، قال: أمروا بالهجرة فقال العباس بن عبد المطلب: أنا أسقي الحاج. وقال طلحة أخو بني عبد الدار: أنا أحجب الكعبة فلا نهاجر، فأنزلت {لاَ تَتَّخِذُواْ ءابَاءكُمْ وَإِخْوٰنَكُمْ } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل، في هذه الآية قال: هي الهجرة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة {ٱقْتَرَفْتُمُوهَا } قال: أصبتموها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ } قال: بالفتح في أمره بالهجرة، هذا كل قبل فتح مكة. وأخرج البيهقي من حديث عبد الله بن شوذب قال: جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح ينعت له الآلهة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر الجراح قصده ابنه أبو عبيدة فقتله، فأنزل الله: {أية : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ }تفسير : [المجادلة: 22] الآية، وهي تؤكد معنى هذه الآية، وقد تقدم بيان حكم الهجرة في سورة النساء.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {قُلْ إِن كَانَ ءَآبَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا} يعني اكتسبتموها. {وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا} فيها وجهان: أحدهما: أنها أموال التجارات إذا نقص سعرها وكسد سوقها. والثاني: أنهن البنات الأيامى إذا كسدن عند آبائهن ولم يخطبن. {وَمَسَاكِنَ تَرْضَونَهَا} وهذا نزل في قوم أسلموا بمكة فأقاموا بها ولم يهاجروا إِشفاقاً على فراق ما ذكره الله تعالى ميلاً إليه وحبّاً له فذمهم الله تعالى على ذلك وقال: {...فَتَربَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} فيه وجهان: أحدهما: أنه فتح مكة، قاله مجاهد. والثاني: حتى يأتي الله بأمره من عقوبة عاجلة أو آجلة، قاله الحسن.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ}، ظاهر هذه المخاطبة: أنها لجميع المؤمنين كافَّة، وهي باقيةُ الحُكْمِ إلى يوم القيامة، وروتْ فرقة أنها نزلَتْ في الحَضِّ على الهجرة، ورفضِ بلادِ الكُفْر. قوله سبحانه: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ...} الآية: هذه الآيةُ تقوِّي مذهب مَنْ رأى أن هذه الآية والَّتي قبلها إنما مقصودُهُما الحَضِّ على الهجْرة، وفي ضمْن قوله: {فَتَرَبَّصُواْ}: وعيدٌ بيِّن. وقوله: {بِأَمْرِهِ}، قال الحَسَنُ: الإشارة إلى عذابٍ أو عقوبةٍ من الله تعالىٰ. وقال مجاهدٌ: الإِشارة إِلى فتح مكَّة، وذكر الأَبناء في هذه الآية دون التي قَبْلَها، لما جلبتْ ذِكرهم المَحَبَّة، والأبناء: صَدْرٌ في المحبة وليسوا كذلك، في أن تتبع آراؤهم؛ كما في الآية المتقدمة، واقترفتموها: معناه: ٱكتسبتموها، ومساكِنُ: جَمْعُ مَسْكَنٍ - بفتح الكاف:، مَفْعَلٌ من السُّكْنَى، وما كان من هذا معتلَّ الفاءِ، فإِنما يأتي على مَفْعِلٍ (بكسر العين)؛ كموعِدٍ ومَوْطِنٍ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ} الآية. والمقصود من هذه الآية: أن تكون جواباً عن شبهة أخرى، ذكروها في أن البراءة من الكافر غيرُ ممكنة، فإنَّ المسلم قد يكون أبوه كافراً أو ابنُه والكافر قد يكون أبوهُ أو أخوه مسلماً والمقاطعة بين الرَّجُلِ وأبيه وابنه وأخيه كالمتعذر، فأزال اللهُ تعالى هذه الشبهة بهذه الآية. ونقل المفسِّرون عن ابنِ عبَّاسٍ "أنَّه تعالى لمَّا أمر المسلمين بالهجرةِ قبل فتح مكَّة، فمنْ لم يهاجر لم يقبل اللهُ إيمانه، حتى يجانب الآباء والأقرباء إن كانُوا كفاراً". قال ابنُ الخطيب "وهذا مشكل؛ لأنَّ الصحيح أنَّ هذه السورة إنَّما نزلت بعد فتح مكة، فكيف يمكن حمل هذه الآية على ما ذكروه؟ وإنَّما الأقربُ أنَّهُ تعالى أمر المؤمنين بالتبرِّي عن المشركين بسبب الكفر، لقوله: {إَنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ} أي: اختاروا الكفر على الإيمان، والاستحباب: طلب المحبة، يقال استحب له، بمعنى: أحبه، كأنه طلب محبته". ولمَّا نهى الله عن مخالطتهم، وكان النَّهي يحتملُ أن يكُون نَهْيَ تنزيهٍ وأن يكون نهي تحريم، ذكر ما يزيل الشبهة فقال: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}. قال ابن عباسٍ "يريدُ: مشركاً مثلهم، لأنه رضي بكفرهم، والرَّضى بالكُفرِ كفر، كما أنَّ الرضا بالفسقِ فسق". قال القاضي: "هذا النَّهي لا يمنعُ أن يتبرأ المرءُ من أبيه في الدُّنيا، كما لا يمنع من قضاء دين الكافر، ومن استعمله في الأعمال". قوله: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ} "آباؤكم" وما عطف عليه اسم "كان"، و "أحب" خبرها، فهو منصوبٌ، وكان الحجاجُ بنُ يوسف يقرها بالرفع، ولحَّنَه يحيى بن يعمر فنفاه. قال أبو حيَّان "إنَّما لحَّنَه باعتبار مخالفةِ القراء النَّقلة، وإلاَّ فهي جائزةٌ في العربية، يُضمر في "كان" اسماً، وهو ضميرُ الشأن، ويُرفع ما بعدها على المبتدأ والخبر، وحينئذٍ تكونُ الجملة خبراً عن "كان". قال شهاب الدِّين. فيكون كقول الشاعر: [الطويل] شعر : 2772- إذَا مِتُّ كَانَ النَّاسُ صِنْفَانِ شَامِتٌ وآخَرُ مُثْنٍ بالذي كُنتُ أصْنَعُ تفسير : وهذا في أحد تأويلي البيت. والآخر: أنَّ "صنفان: خبرٌ منصوب، وجاء به على لغةِ بني الحارث، ومن وافقهم. والحكاية التي أشار إليها الشَّيْخُ من تلحين يحيى للحجَّاج هي: أنَّ الحجاج كان يَدَّعي فصاحةً عظيمة، فقال يوماً ليحيى بن يعمر وكان يعظِّمه: هل تجدني ألحن؟ فقال: الأميرُ أجَلُّ من ذلك، فقال: عَزمْتُ عليك إلاَّ ما أخبرتني، وكانوا يُعظِّمون عزائم الأمراء، فقال: نعم، فقال: في أي شيءٍ؟ فقال: في القرآن، فقال: ويْلَك!! ذلك أقبحُ بي، في أيِّ آية؟ قال: سَمعتُك تقر: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ} إلى أن انتهيت إلى "أحَبّ" فرفعتها، فقال: إذن لا تسمعني ألْحَنُ بعدها، فنفاهُ إلى "خراسان" فمكث بها مدةً، وكان بها حينئذٍ يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، فجاءهم جيش، فكتب إلى الحجاج كتاباً، وفيه: "وقد جاءنا العدوُّ فتركناهم بالحضيض، وصعدنا عُرعُرةَ الجبل"، فقال الحجاج: ما لابن المهلب ولهذا الكلام، فقيل له: إنَّ يحيى هناك، فقال: إذن ذاك. وقرأ الجمهور "عَشيرَتُكُمْ" بالإفراد، وأبو بكر عن عاصم "عَشِيراتكم" جمع سلام. [ووجه الجمع أنَّ لكلٍّ من المخاطبين عشيرة، فحسن الجمع، وزعم الأخفشُ أنَّ "عشيرة" لا تجمع بالألف والتاء، وإنَّما تكسيراً على "عشائر"، وهذه القراءة حجةٌ عليه، وهي قراءة أبي عبد الرحمن السلمي وأبي رجاء. وقرأ الحسن "عَشائرُكُم" قيل: وهي أكثر مِنْ "عشيراتكم"]. و "العَشِيرةُ": هي: الأهلُ الأدنون. وقيل: هم أهلُ الرَّجُلِ الذين يتكثَّر بهم، أي: يصيرون له بمنزلةِ العدد الكامل، وذلك أنَّ العشيرة هي العددُ الكاملُ، فصارت العشيرةُ اسماً لأقارب الرَّجُلِ الذين يتكثَّر بهم، سواءً بلغوا العشرة أم فوقها. وقيل: هي الجماعةُ المجتمعة بنسبٍ، أو وداد، لعقد العشرة. فصل هذه الآية هي تقريرُ الجواب المذكور في الآية الأولى، وذلك لأنَّ جماعة المؤمنين، قالوا: يا رسُول الله كيف يمكن البراءة منهم بالكلِّية؟ وهذه الآية توجب انقطاعنا عن آبائنا وإخواننا وعشيرتنا، وإن نحن فعلنا ذلك، ذهبت تجارتنا، وهلكت أموالنا، وخربت ديارنا، فأنزل الله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ} أي: تَسْتوطنُونَها راضين بسكناها {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ} فانتظروا {حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ}. قال عطاءٌ: "بقضائه". وقال مجاهدٌ ومقاتلٌ: "بفتح مكَّة". وهذا أمر تهديد، فبيَّن تعالى أنَّه يجب تحمل جميع هذه المضارّ في الدُّنيا، ليبقى الدِّين سليماً. ثم قال {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} أي: الخارجين عن الطاعةِ، وهذه الآية تدلُّ على أنَّه إذا وقع التَّعارضُ بين مصلحةٍ واحدة من مصالح الدِّين، وبين مهمات الدُّنيا؛ وجب ترجيح الدِّين على الدنيا.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال: أمروا بالهجرة فقال العباس بن عبد المطلب: أنا أسقي الحاج. وقال طلحة أخو بني عبد الدار، أنا أحجب الكعبة فلا نهاجر، فانزلت {لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإِيمان} . وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في هذه الآية قال: هي في الهجرة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وأموال اقترفتموها} قال: أصبتموها. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله {وتجارة تخشون كسادها} يقول: تخشون أن تكسد فتبيعونها {ومساكن ترضونها} قال: هي القصور والمنازل. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} قال: بالفتح في أمره بالهجرة هذا كله قبل فتح مكة. وأخرج أحمد والبخاري عن عبد الله بن هشام رضي الله عنه قال: حديث : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: والله لأنت يا رسول الله أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه" تفسير : والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ءابَاءكُمْ وَإِخْوٰنَكُمْ أَوْلِيَاء} نهيٌ لكل فردٍ من أفراد المخاطَبـين عن موالاة فردٍ من المشركين بقضية مقابلةِ الجمعِ بالجمع الموجبةِ لانقسام الآحادِ إلى الآحاد كما في قوله عز وجل: {أية : وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ }تفسير : [البقرة: 270] لا عن موالاة طائفةٍ منهم فإن ذلك مفهومٌ من النظم دِلالةً لا عبارةً والآية نزلت في المهاجرين فإنهم لما أُمروا بالهجرة قالوا: إنْ هاجرنا قطَعْنا آباءَنا وأبناءَنا وعشيرتَنا وذهبت تجارتُنا وهلكتْ أموالُنا وخَرِبَتْ ديارُنا وبقِينا ضائعين فنزلت فهاجروا فجعل الرجلُ يأتيه ابنُه أو أبوه أو أخوه أو بعضُ أقاربه فلا يلتفت إليه ولا يُنزِله ولا يُنفق عليه ثم رُخِّصَ لهم في ذلك. وقيل: نزلت في التسعة الذين ارتدوا ولحِقوا بمكةَ نهياً عن موالاتهم، وعن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يطعَمُ أحدُكم طعمَ الإيمانِ حتى يُحب في الله أبعدَ الناس منه ويُبغضَ في الله أقربَ الناس إليه» تفسير : {إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ} أي اختاروه {عَلَى ٱلإِيمَـٰنِ} وأصرّوا عليه إصراراً لا يُرجى معه الإقلاعُ عنه أصلاً، وتعليقُ النهي عن الموالاة بذلك لما أنها قبلَ ذلك ربما تؤدي بهم إلى الإسلام بسبب شعورِهم بمحاسن الدين {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ} أي واحداً منهم كما أشير إليه، وإفرادُ الضميرِ في الفعل لمراعاة لفظِ الموصولِ وللإيذان باستقلال كلِّ واحدٍ منهم في الاتصاف بالظلمِ لا أن المرادَ تولي فردٍ واحدٍ، وكلمةُ مِنْ في قوله تعالى: {مّنكُمْ} للجنس لا للتبعيض {فَأُوْلَـئِكَ} أي أولئك المتولّون {هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} بوضعهم الموالاةَ في غير موضعِها كأنّ ظلمَ غيرِهم كلا ظلمٍ عند ظلمِهم. {قُلْ} تلوين للخطاب وأمرٌ له عليه الصلاة والسلام بأن يُثبِّت المؤمنين ويقوّيَ عزائمَهم على الانتهاء عما نُهوا عنه من موالاة الآباءِ والإخوانِ ويزهِّدَهم فيهم وفيمن يجري مجراهم من الأبناء والأزواج ويقطعَ علائقَهم عن زخارف الدنيا وزينتِها على وجه التوبـيخ والترهيب {إِن كَانَ ءابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوٰنُكُمْ وَأَزْوَاجُكُم} لم يُذكر الأبناءُ والأزواجُ فيما سلف لأن موالاةَ الأبناءِ والأزواجِ غيرُ معتادةٍ بخلاف المحبة {وَعَشِيرَتُكُمْ} أي أقرباؤُكم مأخوذ من العِشرة أي الصحبة وقيل: من العشَرة فإنهم جماعةٌ ترجِع إلى عَقد كعقد العشرة، وقرىء عشيراتكم وعشائرُكم {وَأَمْوٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا} أي اكتسبتموها وإنما وصفت بذلك إيماءً إلى عزتها عندهم لحصولها بكد اليمين {وَتِجَـٰرَةٌ} أي أمتعةٌ اشتريتموها للتجارة والربح {تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا} بفوات وقتِ رواجِها بغَيْبتكم عن مكةَ المعظمةِ في أيام الموسم {وَمَسَـٰكِنُ تَرْضَوْنَهَا} أي منازلُ تعجبكم الإقامةُ فيها من الدور والبساتينِ، والتعرُّضُ للصفات المذكورة للإيذان بأن اللومَ على محبة ما ذكر من زينة الحياةِ الدنيا ليس لتناسي ما فيها من مبادي المحبة وموجباتِ الرغبة فيها وأنها مع ما لها من فنون المحاسنِ بمعزل عن أن يُؤثَرَ حبُّها على حبه تعالى وحبِّ رسولِه عليه الصلاة والسلام كما في قوله عز وجل: {أية : مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ ٱلْكَرِيمِ} تفسير : [الانفطار: 6] {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} بالحب الاختياري المستتبع لأثره الذي هو الملازمة وعدمُ المفارقةِ لا الحُبُّ الجِبِليُّ الذي لا يخلو عنه البشرُ فإنه غيرُ داخلٍ تحت التكليفِ الدائرِ على الطاقة. {وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ} نُظم حبُّه في سلك حبِّ الله عز وجل وحبِّ رسولِه صلى الله عليه وسلم تنويهاً لشأنه وتنبـيهاً على أنه مما يجب أن يُحَبَّ فضلاً عن أن يُكرَه وإيذاناً بأن محبتَه راجعةٌ إلى محبتهما فإن الجهادَ عبارةٌ عن قتال أعدائِهما لأجل عداوتِهم فمَن يحبُّهما يجب أن يحِبَّ قتالَ من لا يحبُّهما {فَتَرَبَّصُواْ} أي انتظروا {حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فتحُ مكةَ وقيل: هي عقوبةٌ عاجلةٌ أو آجلة {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} الخارجين عن الطاعة في موالاة المشركين أو القومَ الفاسقين كافةً فيدخل في زمرتهم هؤلاءِ دخولاً أولياً، أي لا يرشدهم إلى ما هو خيرٌ لهم وفي الآية الكريمة من الوعيد ما لا يكاد يَتخلّص منه إلا من تداركه لطفٌ من ربه والله المستعان.
القشيري
تفسير : مَنْ لم يَصْلُحْ بطاعته لربه لا تَسْتَخْلِصْه لصحبة نَفْسِك. ويقال من آثر على الله شيئاً يُبَارِكْ له فيه؛ فيَبْقى بذلك عن الله، ثم لا يُبْقِي ذلك معه، فإنْ استبقاه بجهده - كيف يستبقي حياته إذا أَذِنَ الله في ذهاب أَجَلِه؟ وفي معناه أنشدوا: شعر : مَنْ لم تَزُلْ نعمتُه قَبْلَهُ زَالَ مع النعمة بالموتِ
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا} سبب نزولها انه لما امر رسول الله صلى الله عليه وسلم اصحابه بالهجرة الى المدينة كان من الناس من يتعلق به زوجته وولده واقاربه فيقولون ننشدك الله ان لا تروح وتدعنا الى غير شيء فنضيع بعدك فيرق لهم ويدع الهجرة فقال الله تعالى ايها المؤمنون {لا تتخذوا آباءكم واخوانكم} الكفرة بمكة {أولياء} يعنى [اين كروه بدوستى مكيريد] {إن استحبوا الكفر} اى اختاروه {على الايمان} عدى استحب بعلى لتضمنه معنى اختار وحرص {ومن يتولهم منكم} [وهو كرا ازشما ايشانرا دوست دارد يعنى اين عمل ازيشان بسندد] ومن للجنس لا للتبعيض {فاولئك} المتولون {هم الظالمون} بوضعهم الموالاة فى غير موضعها كأن ظلم غيرهم كلا ظلم عند ظلمهم. قال الامام الصحيح ان هذه السورة انما نزلت بعد فتح مكة فكيف يمكن حمل هذه الآية على ايجاب الهجرة والحال ان الهجرة انما كانت واجبة قبل فتح مكة. والاقرب ان تكون هذه الآية محمولة على ايجاب التبرى من اقربائهم المشركين وترك الموالاة معهم باتخاذهم بطانة واصدقاء بحيث يفشون اليهم اسرارهم ويؤثرون المقام بين اظهرهم على الهجرة الى دار الاسلام ويدل عليه قوله تعالى {ومن يتولهم منكم فاولئك هم الظالمون} اى المشركون مثلهم. قال الحدادى انما جعلوا ظالمين لمولاة الكفار لان الراضى بالكفر يكون كافرا. قال الكاشفى [جواين آيت آمد متخلفان ازهجرت كفتندكه حالا ما درميان قبائل وعشائر خوديم وبمعاملات وتجارات اشتغال نموده اوقات ميكذارنيم جون عزيمت هجرت كنيم بالضرورة قطع بدر وفرزند بايد كرد تجارت ازدست برود ومابى كسبى وبى مالى بمانيم آيت ديكر آمدكه]
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم}؛ الذين بقوا على كفرهم {أولياءَ}؛ توالونهم بالمحبة والطاعة، {إِن استحبوا الكفرَ} واختاروه على الإيمان. نزلت في شأن المهاجرين؛ فإنهم لما أُمروا بالهجرة قالوا: إن هاجرنا قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا، وذهبت تجارتنا، وبقينا ضائعين. وقيل: نزلت فيمن ارتد ولحق بمكة، فنهى الله عن موالاتهم. {ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون}؛ بوضعهم الموالاة في غير موضعها. {قل إِن كان آباؤكُم وأبناؤكُم وإِخوانُكم وعشيرتُكم} أي: أصحابكم، أو أقرباؤكم، {وأموال اقترفتُموها}؛ اكتسبتموها، {وتجارة تخشوْنَ كسادَهَا} أي: فوات وقت إنفاقها، {ومساكنُ ترضونها}؛ لحسنها وسعتها، فإن كان ذلك {أحبَّ إليكم من الله ورسولهِ} أي: من الإيمان بالله وصحبة ورسوله، {وجهادِ في سبيله}، فآثرتم ذلك، وتخلفتم عن الإيمان والهجرة، {فتربصوا حتى يأتي اللَّهُ بأمره} أي: بعقوبة عاجلة أو آجلة، أو بنصر وفتح على المؤمنين، كفتح مكة وغيرها، والمراد بالمحبة: الاختيارية دون الطبيعة؛ فإنها لا تدخل تحت التكليف، والتحفظ عنها؛ لأن حب الأوطان والعشائر طبيعي، والحب المكلف به اختياري، بحيث يجاهد نفسه في إبدال الطبيعي بالاختياري. ثم هدد من وقف مع حب الأوطان بقوله: {والله لا يهدي القوم الفاسقين} لا يرشدهم ولا يوفقهم. وفي الآية تهديد عظيم، وقلَّ من تحفظ عنه. قاله البيضاوي. الإشارة: الهجرة من أوطان الغفلة واجبة، ومفارقة الأصحاب والعشائر؛ الذين لا يوافقون العبد على النهوض إلى الله فريضة، فيجب على المريد أن يهاجر من البلد التي لا يجد فيها قلبه، ولا يجد فيها من يتعاون به على ربه، كائنة ما كانت، وما رأينا ولياً قط أنتج في بلده، إلا القليل، فلما هاجر صلى الله عليه وسلم من وطنه إلى المدينة. وحينئذ نصر الدين، بقيت سنة في الأولياء، لا تجد ولياً يعمر سوقُه إلا في غير بلده، ويجب عليه أيضاً أن يعتزل من يشغله عن الآباء والأبناء والأزواج والعشائر، وكذلك الأموال والتجارات التي تشغل قلبه عن الله، بعد أن يقيم في أولاده حقوق الشريعة، فاللبيب هو الذي يجمع بين الحقيقة والشريعة، فلا يضيع من يعول، ولا يترك حق من يتعلق به من الزوجة أو غيرها، ويذكر الله مع ذلك، فيخالطهم بحسه، ويفارقهم بقلبه، فإن لم يستطع وأراد دواء قلبه فليخير الزوجة، ويُوكل من ينوب عنه في القيام بحقوق العيال، حتى يقوى قلبه ويتمكن مع ربه، {أية : وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجعَل لَّهُ مَخرَجَاً وَيَرزُقهُ مِن حَيثُ لاَ يَحتَسِبُ وَمَن يَتَوَّكَّل عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسبُهُ} تفسير : [الطلاق: 2 ـ 3]. تفسير : ولإبراهيم بن أدهم رضي الله عنه: شعر : هَجَرْتُ الخَلْقَ طُرّاً في رِضاكَا وأَيْتَمْتُ البَنينَ لِكَيْ أَرَاكَا فَلَوْ قَطَّعْتَني إِرْباً فَإرْباً لِمَا حنَّ الفُؤَادُ إِلَى سِوَاكَا تفسير : وبالله التوفيق. ثم ذكر بالنعم، فقال: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ}.
الطوسي
تفسير : روي عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام ان هذه الآية نزلت في حاطب بن بلتعة حيث كتب إلى قريش بخبر النبي صلى الله عليه وآله حين أراد فتح مكة. هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين ينهاهم فيه عن اتخاذ آبائهم وإخوانهم أولياء متى استحبوا الكفر. وآثروه على الايمان. و "الاتخاذ" هو الافتعال من اخذ الشيء. والاتخاذ اعداد الشيء لأمر من الامور. واتخاذهم اولياء: هو ان يعتقدوا موالاتهم ووجوب نصرتهم فيما ينوبهم، وليس ذلك بمانع من صلتهم. والاحسان اليهم، لأنه تعالى حث على ذلك، فقال: {أية : وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً }. تفسير : والاب والوالد نظائر. والاخ الشقيق في النسب من قبل الأب والام، وكل من رجع مع آخر إلى واحد في النسب من والد ووالدة، فهو أخ. والأولياء جمع ولي وهو من كان مختصاً بايلاء التصرف في وقت الحاجة. وقال الحسن: من تولى المشرك. فهو مشرك. وهذا إذا كان راضياً بشركه، ويكون سبيله سبيل من يتولى الفاسق أن يكون فاسقاً. وقوله {إن استحبوا الكفر على الإيمان} معناه إن طلبوا محبة الكفر على الايمان. وقد يكون استحب بمعنى أحب كما ان استجاب بمعنى اجاب. ثم اخبر تعالى ان من استحب الكفار على المؤمنين فانهم أيضاً ظالمون نفوسهم والباخسون حظها من الثواب، لأنهم وضعوا الموالاة في غير موضعها.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالايمان العامّ {لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إَنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ} فانّ نسبة الايمان قطعت النّسبة الجسمانيّة فهى مقدّمة على نسبة القرابة الجسمانيّة، ونقل عن الباقر (ع) انّ الكفر فى الباطن فى هذه الآية ولاية مخالفى علىّ (ع) والايمان ولاية علىّ بن ابى طالب (ع)؛ وعلى هذا فليعمّ الايمان الايمان الخاصّ، ومعلوم انّ احكام الايمان العامّ جارية فى الايمان الخاصّ بل هو اولى بها من الايمان العامّ {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} حيث وضع ولايته فى غير موضعها وظلم نفسه بالصّرف عن جهة الايمان الى جهة الكفر.
اطفيش
تفسير : {يا أيُّها الَّذين آمنُوا لا تتَّخذُوا آباءكم وإخْوانَكم أوْلياءَ} تختارونهم على أمر الله، فالخطاب لمن آمن، وكان فى مكة أو بلاد العرب ولم يهاجر للمدينة، وذلك يقتضى أن صاحب المفتاح، آمن قبل فتح مكة، وذلك الذى قاله ابن عباس ومجاهد مشكل، فإن الآية نزلت بعد فتح مكة، وقد نسخت الهجرة، فكيف تكون الآية حصنا عليها، ولعلها عند ابن عباس، ومجاهد: نزلت قبل الفتح، وجعلت فى هذه السورة، وكان من عصى مانعة فهاجر، يأتيه ابنه أو أبوه أو أخوه غيرهم، فلا يلتفت إليه ولا ينزله، ولا ينفق عليه، ثم رخص لهم بعد ذلك فى الإنزال والإنفاق ونحوهما. وقال مقاتل: نزلت الآية فى عشرة ارتدوا ولحقوا بمكة، أن لا يلونهم بإفشاء السر إليهم، ومحبتهم، والتحقيق أن الآية ناهية عن اتخاذ الكفار أولياء على الإطلاق، وحكمها باق إلى يوم القيامة، ولو كانوا آباء أو إخوانا أو أبناء أو نحوهم من الأقارب، وإنما لم يذكر الأبناء لأنهم غالبا تابعون للآباء لا بالعكس. {إنِ استَحبُّوا الكُفْر عَلى الإيمانِ} فإنهم حينئذ صادوكم عن الإيمان والطاعة، وقرأ عيسى بن عمرو بفتح همزة أن، أى لأن استحبوا فهى مصدرية، وإنما عدى استحب بعلى لتضمنه معنى التفضيل والحرص. {ومَنْ يتَولَّهم منْكُم فأولئكَ هُم الظَّالمونَ} وضع التولى فى غير موضعه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتى يحب فى الله، ويبغض فى الله، حتى يحب فى الله أبعد الناس عنه، ويبغض فى الله أقرب الناس إليه".
الالوسي
تفسير : {يَـيٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ} نهي لكل فرد من أفراد المخاطبين عن موالاة فرد من المشركين لا عن موالاة طائفة منهم فإن ذلك مفهوم من النظم الكريم دلالة لا عبارة، والآية على ما روى الثعلبـي عن ابن عباس نزلت في المهاجرين فأنهم لما أمروا بالهجرة قالوا: إن هاجرنا قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشيرتنا وذهبت تجاراتنا وهلكت أموالنا وخربت ديارنا وبقينا ضائعين فنزلت فهاجروا فجعل الرجل يأتيه ابنه أو أبوه أو أخوه أو بعض أقاربه فلا يلتفت إليه ولا ينزله ولا ينفق عليه ثم رخص لهم في ذلك. وروي عن مقاتل أنها نلزت في التسعة الذين ارتدوا ولحقوا مكة نهياً عن موالاتهم. وروي عن أبـي جعفر وأبـي عبد الله رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في حاطب بن أبـي بلتعة حين كتب إلى قريش يخبرهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عزم على فتح مكة، وهذا ونحوه يقتضي أن هذه الآية نزلت قبل الفتح. واستشكل ذلك الإمام الرازي بأن الصحيح أن هذه السورة إنما نزلت بعد فتح مكة فكيف يمكن أن يكون سبب النزول ما ذكر. وأجيب بأن نزولها قبل الفتح لا ينافي كون نزول السورة بعده لأن المراد معظمها وصدرها، وعلى القول بأنها نزلت في حاطب فالمعتبر عموم اللفظ لا خصوص السبب ويدخل حاطب في النهي عن الاتخاذ بلا شبهة {إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ} أي اختاروا {ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَـٰنِ} وأصروا عليه إصراراً لا يرجى معه إقلاع أصلاً، ولتضمن استحب معنى ما ذكر تعدى بعلى، وتعليق النهي عن الاتخاذ بذلك لما أنه قبل ذلك ربما يؤدي بهم إلى الإسلام بسبب شعورهم بمحاسن الدين {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ} أي واحداً منهم، و[إفراد] الضمير في الفعل لمراعاة لفظ الموصول وللإيذان باستقلال كل واحد منهم بالاتصاف بالظلم الآتي لا أن المراد تولي فرد واحد منهم و {مِنْ} في قوله سبحانه: {مّنكُمْ} للجنس لا للتبعيض {فَأُوْلَـٰئِكَ} أي المتولون {هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} بوضعهم الموالاة في غير موضعها فالظلم بمعناه اللغوي، وقد يراد به التجاوز والتعدي عما حد الله تعالى إن كان المراد ومن يتولهم بعد النهي، والحصر ادعائي كأن ظلم غيرهم كلا ظلم عند ظلمهم / وفي ذلك من الزجر عن الموالاة ما فيه.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي لافتتاح غرض آخر وهو تقريع المنافقين ومن يواليهم، فإنّه لمّا كان أوّل السورة في تخطيط طريقة معاملة المظهرين للكفر، لا جرم تهيّأ المتامُ لمثل ذلك بالنسبة إلى من أبطنوا الكفر وأظهروا الإيمان: المنافقينَ من أهل المدينة ومن بقايا قبائل العرب؛ ممّن عُرفوا بذلك، أو لم يعرفوا وأطْلَعَ الله عليهم نبيَه صلى الله عليه وسلم وحذّر المؤمنين المطّلعين عليهم من بطانتهم وذوي قرابتهم ومخالطتهم، وأكثر ما كان ذلك في أهل المدينة لأنّهم الذين كان معظمهم مؤمنين خلصاً، وكانت من بينهم بقية من المنافقين وهم من ذوي قرابتهم، ولذلك افتتح الخطاب {يأيها الذين آمنوا} إشعاراً بأنّ ما سيلقى إليهم من الوصايا هو من مقتضَيات الإيمان وشِعاره. وقد أسفرت غزوة تبوك التي نزلت عقبها هذه السورة عن بقاء بقية من النفاق في أهل المدينة والأعراب المجاورين لها كما في قوله تعالى: {أية : وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم}تفسير : [التوبة: 90] ــــ وقوله ــــ {أية : وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق}تفسير : [التوبة: 101] ونظائرهما من الآيات. روى الطبري عن مجاهد، والواحدي عن الكلبي أنّهم لمّا أمِروا بالهجرة وقال العبّاس: أنا أسقي الحاج، وقال طلحة أخو بني عبد الدار: أنا حاجب الكعبة، فلا نهاجر، تعلّق بعض الأزواج والأبناء ببعض المؤمنين فقالوا «أتضيّعوننا» فَرَقُّوا لهم وجلسوا معهم، فنزلت هذه الآية. ومعنى {استحبوا الكفر} أحبّوه حبّاً متمكّناً. فالسين والتاء للتأكيد، مثل ما في استقام واستبشر. حذر الله المؤمنين من موالاة من استحبّوا الكفر على الإيمان، في ظاهر أمرهم أو باطنه، إذا اطّلعوا عليهم وبدت عليهم أمارات ذلك بما ذَكَر من صفاتهم في هذه السورة، وجعل التحذير من أولئك بخصوص كونهم آباء وإخواناً تنبيهاً على أقصى الجدارة بالولاية ليعلم بفحوى الخطاب أنّ مَن دونهم أولى بحكم النهي. ولم يذكر الأبناء والأزواج هنا لأنّهم تابعون فلا يقعدون بعدَ متبوعيهم. وقوله: {فأولئك هم الظالمون} أريد به الظالمون أنفسَهم لأنّهم وقعوا فيما نهاهم الله، فاستحقّوا العقاب فظلموا أنفسهم بِتسبّب العذاب لها، فالظلم إذن بمعناه اللغوي وليس مراداً به الشرك. وصيغة الحصر للمبالغة بمعنى أنّ ظلم غيرهم كلا ظلم بالنسبة لعظمة ظلمهم. ويجوز أن يكون هم {الظالمون} عائِداً إلى ما عاد إليه ضمير النصب في قوله: {ومن يتولهم} أي إلى الآباء والإخوان الذين استحبّوا الكفر على الإيمان، والمعنى ومن يتولّهم فقد تولّى الظالمين فيكون الظلم على هذا مراداً به الشرك، كما هو الكثير في إطلاقه في القرآن. والإتيان باسم الإشارة لزيادة تمييز هؤلاء أو هؤلاء، وللتنبيه على أنّ جدارتهم بالحكم المذكور بعد الإشارة كانت لأجل تلك الصفات أعني استحباب الكفر على الإيمان.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ} الآية. نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن موالاة الكفار، ولو كانوا قرباء، وصرح في موضع آخر: بأن الاتصاف بوصف الإيمان مانع من موادة الكفار ولو كانوا قرباء، وهو قوله: {أية : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُم} تفسير : [المجادلة: 22] الآية.
الواحدي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم...} الآية. لمَّا أُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة كان من النَّاس مَنْ يتعلَّق به زوجته وولده وأقاربه، ويقولون: ننشدك بالله أن تضيِّعنا، فيرقُّ لهم ويدع الهجرة، فأنزل الله تعالى: {لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء} أصدقاء تُؤثرون المقام بين أظهرهم على الهجرة {إن استحبوا} اختاروا {الكفر على الإِيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون} أَيْ: مشركون مثلهم، فلمَّا نزلت هذه الآية قالوا: يا نبيَّ الله، إن نحن اعتزلنا مَنْ خالفنا في الدِّين نقطع آباءنا وعشائرنا، وتذهب تجارتنا وتخرب ديارنا، فأنزل الله تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها} أَيْ: اكتسبتموها {فتربصوا} مقيمين بمكَّة {حتى يأتي الله بأمره} فتح مكَّة، فيسقط فرض الهجرة، وهذا أمر تهديد {والله لا يهدي القوم الفاسقين} تهديدٌ لهؤلاء بحرمان الهداية. {ولقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين} وهو وادٍ بين مكَّة والطَّائف، قاتل عليه نبيُّ الله عليه السَّلام هوازن وثقيفاً {إذ أعجبتكم كثرتكم} وذلك أنَّهم قالوا: لن نُغلب اليوم من قلَّةٍ، وكانوا اثني عشر ألفاً {فلم تغن} لم تدفع عنكم شيئاً {وضاقت عليكم الأرض بما رحبت} لشدَّة ما لحقكم من الخوف ضاقت عليكم الأرض على سعتها، فلم تجدوا فيها موضعاً يصلح لقراركم {ثم وليتم مدبرين} انهزمتم. أعلمهم الله تعالى أنَّهم ليسوا يغلبون بكثرتهم، إنَّما يَغلبون بنصر الله. {ثم أنزل الله سكينته} وهو ما يسكن إليه القلب من لطف الله ورحمته {على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها} يريد: الملائكة {وعذب الذين كفروا} بأسيافكم ورماحكم {وذلك جزاء الكافرين}. {ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء} فيهديهم إلى الإِسلام، من الكفَّار {والله غفور رحيم} بمَنْ آمن.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أولياء: جمع وليّ وهو من تتولاه بالمحبة والنصرة ويتولاك بمثل ذلك. استحبوا: أي أحبوا الكفر على الإِيمان. الظالمون: الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ومن أحب من لا تجوز محبته فقد وضع شيئاً في غير موضعه فهو ظالم. وعشيرتكم: أي قرابتكم من النسب كالأعمام الأباعد وأبنائهم. اقترفتموها: أي اكتسبتموها. كسادها: بوارها وعدم رواجها. فتربصوا: أي انتظروا. حتى يأتي الله بأمره: أي بعقوبة هذه المعصية يوم فتح مكة. معنى الآيتين: هذا إنذار الله تعالى للمؤمنين ينهاهم فيه عن اتخاذ من كفر من آبائهم وإخوانهم أولياء لهم يوادونهم ويناصرونهم ويطلعونهم على أسرار المسلمين وبواطن أمورهم. فيقول تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي بالله ورسوله ولقاء الله ووعده ووعيده {لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ} أي اثروا الكفر والإِصرار عليه على الإِيمان بالله ورسوله ثم يهددهم إن لم يمتثلوا أمره ويفاصلوا آباءهم وإخوانهم المستحبين للكفر على الإِيمان فيقول {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} ووجه الظلم ظاهر وهو أنهم وضعوا المحبة موضع البغضاء، والنصرة موضع الخذلان. والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه. ثم أمر تعالى رسوله أن يقول لهم، وفي هذا العدول عن خطابهم مباشرة إلى الواسطة ما يشعر بالغضب وعدم الرضى، والتهديد والوعيد {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ} فتركتم الهجرة والجهاد لذلك {فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} أي انتظروا أمر الله وهو فتح مكة عليكم وإنزال العقوبة بكم، {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} أي لا يوفقهم لسبيل نجاتهم وسعادتهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة اتخاذ الكافرين أولياء يُوادون ولو كانوا من أقرب الأقرباء كالأب والابن والأخ. 2- من الظلم الفظيع موالاة من عادى الله ورسوله والمؤمنين. 3- فرضية محبة الله ورسوله والجهاد في سبيله، ومحبة سائر محاب الله تعالى وكره سائر مكاره الله تعالى من العقائد والأحوال والأعمال الذوات والصفات. 4- حرمان أهل الفسق المتوغلين فيه من هداية الله تعالى إلى ما يكملهم ويسعدهم.
القطان
تفسير : استحب: احب. الظلم: وضع الشيء في غير موضعه. العشيرة: ذو القرابة الادنون، وقبيلة الرجل. قال تعالى: {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} تفسير : [الشعراء: 214]. اقترفتموها: اكتسبتموها. فتربصوا: انتظروا. امره: عقوبته. لمَّا اعلن الله براءته وبراءة رسوله من المشركين وآذنهم بنبذ عهودهم، عز ذلك على بعض المسلمين وتبرّم به ضعفاء الايمان، وكان اكثرهم من الطلقاء الذين أعتقهم النبيُّ يوم فتحِ مكة. وكان موطن الضعف نصرةَ القرابة وعصبية النسب. فجاء "الكتاب" هنا يجرد المشاعرَ والصلاتِ في قلوب المؤمنين، ويمحّصها فيدعو الى تخليصها من وشائج القربى والمصلحة. ثم إنه يجمع لذائذ البشر، ووشائج الحياة فيضمها في كفّةٍ، ويضع حبّ الله ورسوله وحب الجهاد في الكفّة الاخرى ويدعو المسلمين للخيار. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إَنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ}. يا أيها المؤمنون لا تتخذوا من آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وعشيرتكم وأزواجِكم نصراءَ لكم ما داموا يحبّون الكفرَ ويفضّلونه على الايمان. {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}. ومن يتولّهم ويستنصر بالكافرين فإنه من الظالمين الّذين تجاوزوا الطريق المستقيم. وبعد ان بيّن ما وصل اليه حالُهم من الإخلال بالإيمان انتقل الى بيان سبب ذلك فقال: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ...} الآية. قل أيها الرسول للمؤمنين: إن كنتم تفضّلون حظوظَ الدنيا وشهواتِها من الآباء والأنباء والإخوان والأزواج والعشيرةِ والأموال، والتجارة التي تخافون كسادها، والمساكن التي ترضُونها، على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله الذي وُعِدتُم عليه أنواعَ السعادة الابدية في الآخرة - فانتظِروا حتى يأتي الله بحكمه فيكم وعقوبته لكم. والخلاصة: ان كانت رعايةُ هذه المصالح الدنيوية أَوْلى عندكم من طاعة الله والرسول والجهادِ في سبيل الله، فتربّصوا بما تحبون حتى يأتي الله بعقوبته من عنده. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} الخارجين على حدود الدين. قراءات: قرأ أبو بكر: "وعشيراتكم".
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {آبَآءَكُمْ} {وَإِخْوَانَكُمْ} {ٱلإِيمَانِ} {فَأُوْلَـٰئِكَ} {ٱلظَّالِمُونَ} (23) - بَعْدَ أنْ أعْلَنَ اللهُ تَعَالَى بَرَاءَتَهُ، وَبَرَاءَةَ رَسُولِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَآذَنهم بِنَبْذِ عُهُودِهِمْ، بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ تَعَالَى أنَّهُمْ لاَ عُهُودَ لَهُمْ، عَزَّ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ المُسْلِمِينَ، وَتَبَرَّمَ مِنْهُ ضُعَفَاءُ الإِيمَانِ، وَكَانَ مَوْضِعَ الضَعْفِ نُصْرَةُ القَرَابَةِ وَالعَصَبِيّةِ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: إنَّ فَضْلَ الإِيمَانِ وَالهِجْرَةِ وَالجِهَادِ لاَ يَتَحَقَّقُ، وَلاَ يَكْتَمِلُ إلا بِتَرْكِ وَلاَيَةِ الكَافِرِينَ، وَإِيثَارِ حُبِّ اللهِ وَرَسُولِهِ وَالجِهَادِ فِي سَبيلهِ، عَلَى حُبِّ الوَلَدِ وَالوَالِدِ وَالأخِ وَالعَشِيرَةِ، فَنَهَى اللهُ المُؤْمِنينَ عَنْ مُوَالاَةِ الذِينَ يَخْتَارُونَ الكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ. وَتَوَعَّدَ مَنْ يَتَولاَّهُمْ مِنَ المُؤْمِنينَ بِالعِقَابِ الشَّدِيدِ، فِي هذِهِ الآيَةِ، وَفي آيَاتٍ أُخْرَى، وَعَدَّ مَنْ يَتَولَّى الكُفَّارَ، وَلَوْ كَانُوا آبَاءً أوْ إخْواناً، مِنَ الظَّالِمِينَ. (وَكَثِيراً مَا عَبَّرَ اللهُ تَعَالَى عَنِ الكُفْرِ بِالظُلْمِ وَمَاثَلَ بَيْنَهُمَا). اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ - اخْتَارُوهُ وَأقَامُوا عَليهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والولي هو الذي يليك وينجز ما تحبه، وتلجأ إليه في كل أمر، وتأخذ منه النصيحة، كما أنه القادر أن يجيرك حين تفزع إليه، ويكون دائما بمثابة المعين لك، والقريب الذي يسمع منك، إذا استغثت يغيثك وينصرك، ويكون معك في كل أمورك. إن قارنا بين طلب المخلوق وطلب الخالق. والحق سبحانه وتعالى يوضح لنا هنا: إن أردتم أن يكون بناء الإسلام قويا لا خلل فيه، فإياكم أن يكون انتماؤكم غير انتماء الإيمان، فهو فوق انتماء النسب والحسب وغير ذلك، وإن قارنا بين طلب المخلوق وطلب الخالق، فما يطلبه الخالق فوق ما يطلبه المخلوق؛ لأنك إن أغضبت المخلوق في رضا الخالق تكون أنت الفائز، ويقذف الله في قلب كل من حولك رضاهم عنك، وسيقال عنك صاحب مبدأ وضمير، ولا ترضى أن تغضب الله ليرضى عنك أحد. وإن أسخطت الله لإرضاء مخلوق مهما كان، تجد أن الله يجعل هذا المخلوق يسخط عليك ويحتقرك. فإن شهدت زورا لصالح بشر. يعرف عنك هذا الذي شهدت زوراً في حقه أنك شاهد زور فلا يأمنك، وإن جئت بالصدفة لتشهد عنده فهو لا يقبل شهادتك ويحتقر كلامك. ولذلك قال الحكماء: شاهد الزور قد يرفع رأسك على الخصم بشهادته، ولكنك تدوس بقدمك على كرامته لأنه سقط في نظرك. والانتماء إذن هو انتماء لله، فإن صادفك قريب يريد منك أن تفعل ما يغضب الله فلا تطعه، ولكن لا تكن فظا معه. وخصوصا مع الوالدين لأن الله سبحانه وتعالى يقول عنهما: {أية : وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً}تفسير : [لقمان: 15]. والحق سبحانه وتعالى يقول هنا: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَٰنِ} [التوبة: 23]. إذن فالذي يربط كل شيء هو الكفر أو الإيمان. وقد أعطانا صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المثل الخالد. فقد كان سيدنا مصعب بن عمير أكثر الفتيان تدللا في مكة، وكانت حياته في مكة قبل إسلامه غاية في الترف، وكان يرفل في الثياب الفاخرة، فلما هاجر إلى المدينة عاش ظروف الفقر المادي الصعب، لدرجة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رآه في الطريق ساترا عورته بجلد شاة فلفت النبي عليه الصلاة والسلام نظر الصحابة إلى حالته هذه وكيف فعل الإينما بمصعب حيث فضل الإيمان على نعيم الدنيا كلها. لقد رأى مصعب - رضي الله عنه - أن شرفه بالانتماء إلى الإسلام أكبر من فاخر الثياب، وترف العيش وانطبق عليه قول الحق تبارك وتعالى: {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} تفسير : [التوبة: 20-22]. وأعطانا سيدنا مصعب ومن معه المثل العظيم في الانتماء الإيماني، والمجاهدة في سبيل الله بالمال والنفس، وكيف نجعل اختيارنا مع منهج الله، هذا المنهج الذي يقيد الإنسان فيما له اختيار فيه. فالإنسان مقهور في أشياء ومخير في أشياء. ونعلم أن التكليف لا يأتي في الأمور التي نحن مقهورون عليها. وإنما يأتي فيما لنا فيه اختيار. فإذا ما كان لنا اختيار، فلنراع أن نختار بين البدائل في إطار منهج الله تعالى، ولا نخرج بعيدا عن هذا الإطار. وكان المسلمون الأوائل يضحون بالبيت والمال والولد، ويهاجرون في سبيل الله. واستقبلوا كل هذه التضحيات الصعبة بصدور مؤمنة، وصبر واحتمال شديدين؛ لأنهم وثقوا في البشارة من الله سبحانه وتعالى بأن لهم الجنة والرضوان، والنعيم المقيم؛ خالدين فيه لا يفارقهم ولا يفارقونه. وبهذا أقيم بناء الإسلام. وبعد أن بيَّن لنا الحق أسس الانتماء للدين، وجزاء هذا الانتماء، حذرنا أن ننحرف عنه لنرضى أبا أو إخوة أو أقارب، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَٰنِ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [التوبة: 23]. ويريدنا الله سبحانه وتعالى أن نعرف أن الانتماء لله لا يعلو عليه شيء، فإذا مِلْناَ عن الحق لنرضي أقارب، أو لنحتفظ بمال أو منصب، فذلك ظلم للنفس؛ لأن جزاء الحق ونعيمه أكبر، فلا ينصرن أحد الباطل، ولا يجعل أحدنا الإيمان خادما لكفار لا يؤمنون بالله. ويوضح الحق سبحانه وتعالى هذه الصورة بقوله تعالى: {إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَٰنِ}، وكلمة "استحب" أي: طلب الحب ومثلها مثل "استخرج" أي: طلب إخراج الشيء. وإذا قلنا "استجاب الله" معناها: أجاب. إذن فـ"استحب" معناها: أحب، ولكن "استحب" فيها افتعال. و"أحب" فيها اندفاع بلا افتعال. وقول الحق تبارك وتعالى {إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَٰنِ} يدل على أن الكفر مخالف للفطرة الإيمانية للإنسان، لأن الإنسان بفطرته مؤمن محب للإيمان، فإن حاول أن يحب غير الإيمان، لا بد أن يتكلف ذلك؛ وأن يفتعله لأنه غير مفطور عليه؛ وليس من طبيعته. ولذلك يقول القرآن الكريم: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 28]. وهذا التساؤل والتعجب يوضح لنا أن الذين يحكّمون المنطق والفكر والعقل يصعب عليهم الكفر بالله، لماذا؟؛ لأن الكون وجد أولا، ثم وجد الإنسان، فكان من الواجب حين نأتي إلى كون لم نصنع فيه شيئا أن نسأل: من الذي أوجده؟ وكان من الطبعي أن يبحث العقل عن الموجدة، وخصوصا أن في الكون أشياء، لا قدرة للبشر على إيجادها؛ كالشمس، والأرض، والماء، والهواء، والنبات، والحيوان. وكلها تمثل الاستقبال الجامع لمقومات حياتك. كان من الطبعي - إذن - أن نسأل: من الذي أوجد هذا الكون؟. خصوصاً أننا نفتش عمن اخترع لنا اختراعا بسيطا مثل: مصباح الكهرباء وندرس تاريخ حياته، وكيفية اكتشافه، لمجرد أنه أضاف إلى حياتنا اختراعا استفدنا منه، فما بالنا بمن خلق هذا الكون؟. ولقد رحمنا سبحانه وتعالى من ضلالات الحيرة، فأرسل لنا رسولا برحمة منه؛ لينبهنا ويقول لنا: إن هذا الكون من خلق الله العظيم. لماذا إذن لا نصدق الرسول، ونتبع المنهج الذي أنزل إلينا؟ ولقد ضربنا مثلاً - ولله المثل الأعلى - بشخص سقطت به الطائرة وسط الصحراء وبقي حيا، لكن لا ماء ولا طعام، ثم أخذته سِنَةٌ من النوم واستيقظ ليجد الطعام والشراب، وكل ما يحتاج إليه حوله؛ ألا يفكر قبل أن يأكل من كل هذا: من الذي جاء به؟. وأنت أيها الإنسان قد جئت إلى هذا الكون العظيم وقد أُعِدَّ إعداداً مثالياً لحياتك، وهو إعداد فوق القدرة البشرية، فكان يجب أن تفكر من الذي أوجد هذا الكون؟. إذن: فالإيمان ضرورة فطرية؛ وضرورة عقلية أيضا، وإن ابتعدت عن الإيمان فهذا يحتاج إلى تكلف؛ لأنك تبتعد عن منطق الفطرة والعقل؛ لتحقق شهوات نفسك. وما دمت قد اتبعت هواك وخضعت لشهوات النفس، فهذا لون من التكلف الذي يصيب ملكاتك بالخلل، وعقلك بالخبل، فحب الكفر لا يكون عاطفياً، أو فطرياً، كما لا يكون منسجما مع العقل السليم، بل هو حب متكلَّف. فالذي يفعل حلالاً يحيا وملكاته كلها منسجمة، والذي يفعل حراما يعيش وملكاته مضطربة، والمثال: حين ينظر الرجل إلى زوجته، فهو ينظر إلى حلاله ويشعر أن ملكاته منسجمة، ولكن إن نظر إلى امرأة أخرى، فهو.. يشعر باضطراب الملكات. فالسلوك المتفق مه الإيمان سلوك سوي. أما السلوك الخارج عن منهج الإيمان فهو الذي يحتاج إلى تكلف، وهذا التكلف يعارض الطباع الإنسانية. بينما توابع الإيمان من الاستقامة لا تكلف شيئا، فالمؤمن يكون مستقيماً فلا يرتشي، ولا يسرق، ولا يدخل بنفسه إلى مزالق الهوى أو الشهوة، ويحيا حياة طيبة، فإن فتح "دولابه" الخاص، وأخذ منه شيئا فهو يأخذ ما يريد بهدوء واطمئنان، لكن المنحرف من يدخل إلى غير حجرته ليأخذ شيئا من "دولاب" ما، حتى ولو كان "دولاب" الأب النائم، لذلك نجده يسير على أطراف أصابعه متلصصا ليفتح "دولاب" أبيه. إذن: فالاستقامة لا تحتاج إلى تكلف، ولكن الانحراف هو الذي يحتاج إلى تكلف، ولذلك قال الله سبحانه: {ٱسْتَحَبُّواْ} ولم يقل؛ "أحبوا"، لأن الحب أمر فطري، فالإنسان - مثلا - يحب ابنه حبا فطرياً عاطفياً، والحب العاطفي لا يقنن. فأنت لا تستطيع أن تقول: سأحب فلاناً وسأكره فلاناً؛ لأن العاطفة لا تأتي بهذه الطريقة؛ لذلك أنت تحب ابنك عاطفياً، حتى وإن كان فاشلاً في دراسته. لكنك تحب ابن عدوك عقليا إن كان متفوقاً، إذن فالحب العقلي هو الذي يقنن له. وكذلك أنت تكره الدواء المر بعاطفتك، لكنك تحبه بعقلك إن كان فيه شفاؤك، فتبحث عنه، وتدفع المال من أجله، وتحرص على أن تتناوله، وكلنا نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى أكون عنده أحب إليه من نفسه ". تفسير : ووقف عند هذه سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقال: يا رسول الله: أنا أحبك عن مالي وأحبك عن ولدي، ولكن كيف أحبك عن نفسي؟ فكرر رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث قائلا: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى أكون عنده أحب إليه من نفسه ". تفسير : وكررها عليه الصلاة والسلام ثلاثا، فعلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن هذا تكليف. والتكليف لا يأتي إلا بالحب العقلي الذي يمكن أن يقنن. وقد يتسامى المؤمن في الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليصير حباً عقلياً وعاطفياً. ولكن الحب العقلي هو مناط التكليف، أما الحب العاطفي فلا يكلف به. ولم يقنن الحق سبحانه وتعالى لانفعالات العواطف، لأنه سبحانه لا يمنع العواطف أن تنفعل انفعالاتها الطبيعية، فأنت تحب من يسدي إليك معروفاً، وهناك من تحبه دون أن تعرف السبب. وهناك من تبغضه دون أن يكون أن يؤدي ذلك إلى عدوان على الحق، فقال سبحانه وتعالى: {أية : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ} تفسير : [المائدة: 8]. أي: لا يدفعكم كره قوم على أن تخرجوا عن طريق الحق وتظلموهم، فإن كرهتموهم فتمسكوا بالعدل معهم. إذن فالله سبحانه وتعالى لم ينه عن الحب أو الكره؛ ولكنه نهانا عن أن نظلم من نكره أو نجامل من نحب على حساب الحق والعدل. ويعطينا سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صورة حية لهذا؛ فقد قتل أبو مريم الحنفي زيد بن الخطاب شقيق سيدنا عمر في معركة اليمامة، ثم دخل في الإسلام؛ فكان كلما مر أمام سيدنا عمر قال له: إلو وجهك بعيدا عني، فإني لا أحبك. فقال له أبو مريم الحنفي: أو عدم حبك لي يمنعني حقاً من حقوقي. قال: لا. فقال الرجل: إنما يبكي على الحب النساء. والحق سبحانه وتعالى حين قال: {إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَٰنِ} إنما يريد أن يلفتنا إلى أنهم عارضوا فطرتهم وعقولهم؛ ولذلك لا نجعل انتماءنا لهم فوق انتمائنا لله، فالولاء لله فوق كل حق؛ حتى لو كان حق الأبوة، صحيح أن الأب سبب وجودك، ولكنه سبحانه وتعالى خلق أباك الأول آدم من عدم، فلا تجعل الخلق الفرعي يطغى على الخلق الأصلي. ولذلك يذيل الحق هذه الآية الكريمة بقوله: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} لأنهم نقلوا الحق من الله سبحانه وتعالى إلى الخلق، ولأنهم ظلموا أنفسهم فحرموها من الجزاء في الآخرة ليحققوا نفعا عاجلا في الدنيا. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [البقرة: 57]. لأن أحدا لا يستطيع أن يظلم الله سبحانه وتعالى، والذي يتمرد على الإيمان بعد أن يسمع الدعوة إليه ولا يؤمن، ومن يأمره الحق بالطاعة فيعصي، فهذا تمرد على الإيمان، وإن كنت من المتمردين وجاءك الله بمرض؛ فهل تقدر على دفع المرض ولا تمرض؟. وإذا جاءك الله بالموت. أتستطيع أن تتمرد على الموت وتبعده عنك فلا تموت؟. إذن: هناك أقدار لا تستطيع التمرد عليها، وأنت متمرد - فقط - فيما لك فيه اختيار. وبعد ذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن يخاطبهم خطاباً صريحاً فقال: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى قبائح المشركين، وأثنى على المهاجرين المؤمنين الذين هجروا الديار والأوطان حباً في الله ورسوله، حذر هنا من ولاية الكافرين وذكر أن الانقطاع عن الآباء والأقارب واجب بسبب الكفر، ثم استطرد إِلى تذكير المؤمنين بنصرهم في مواطن كثيرة ليعتزوا بدينهم، ثم عاد إِلى الحديث عن قبائح أهل الكتاب للتحذير من موالاتهم، وأنهم كالمشركين يسعون لإِطفاء نور الله. اللغَة: {أَوْلِيَآءَ} جمع ولي: وهو الناصر والمعين الذي يتولى شئون الغير وينصره ويقويه {وَعَشِيرَتُكُمْ} العشيرة: الجماعة التي يعتز ويحتمي بها الإِنسان قال الواحدي: عشيرة الرجل أهله الأدنون وهو من العِشرة أي الصحبة لأنها من شأن القربى {كَسَادَهَا} كسد الشيء كساداً وكسوداً إِذا بار ولم يكن له تفاق {عَيْلَةً} فقراً يقال: عال الرجل يعيل إذا افتقر قال الشاعر: شعر : وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل تفسير : {ٱلْجِزْيَةَ} ما أخذ من أهل الذمة سميت جزية لأنهم أعطوها جزاء ما مُنحوا من الأمن {يُضَاهِئُونَ} يشابهون والمضاهاة المماثلة والمحاكاة {يُؤْفَكُونَ} يصرفون عن الحق والإِفك الصرف يقال: أُفك الرجل أي قلب وصرُف. سَبَبُ النّزول: قال الكلبي: لما أُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة الى المدينة، جعل الرجل يقول لأبيه وأخيه وامرأته: لقد أمرنا بالهجرة، فمنهم من يسرع إِلى ذلك ويعجبه، ومنهم من تتعلق به زوجته وولده فيقولون: نشدناك الله إن تدعنا من غير شيء فنضيع، فيرق فيجلس معهم ويدع الهجرة فنزلت الآية تعاتبهم {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ..} الآية. التفسِير: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ} النداء بلفظ الإِيمان للتكريم ولتحريك الهمة للمسارعة إِلى امتثال أوامر الله قال ابن مسعود: "إِذا سمعت الله تعالى يقول: يا أيها الذين آمنوا فأَرْعِها سمعك، فإِنه خير تؤمر به، أو شر تنهى عنه" والمعنى: لا تتخذوا آباءكم وإِخوانكم الكافرين أنصاراً وأعواناً تودونهم وتحبونهم {إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ} أي إِن فضلوا الكفر واختاروه على الإِيمان وأصروا عليه إِصراراً {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} قال ابن عباس: هو مشرك مثلهم، لأن من رضي بالشرك فهو مشرك {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ} أي إِن كان هؤلاء الأقارب من الآباء، والأبناء، والإِخوان، والزوجات ومن سواهم {وَعَشِيرَتُكُمْ} أي جماعتكم التي تستنصرون بهم {وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا} أي وأموالكم التي اكتسبتموها {وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا} أي تخافون عدم نفاقها {وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ} أي منازل تعجبكم الإِقامة فيها {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} هذا هو جواب كان أي إِن كانت هذه الأشياء المذكورة أحب إِليكم من الهجرة إِلى الله ورسوله {وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ} أي وأحب إِليكم من الجهاد لنصرة دين الله {فَتَرَبَّصُواْ} أي انتظروا وهو وعيد شديد وتهديد {حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} أي بعقوبته العاجلة أو الآجلة {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} أي لا يهدي الخارجين عن طاعته إِلى طريق السعادة، وهذا وعيد لمن آثر أهله، أو ماله، أو وطنه، على الهجرة والجهاد، ثم ذكرهم تعالى بالنصر على الأعداء في مواطن اللقاء فقال {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} أي نصركم في مشاهد كثيرة، وحروب عديدة {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} أي ونصركم أيضاً يوم حنين بعد الهزيمة التي منيتم بها بسبب اغتراركم بالكثرة {إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً} أي حين أعجبكم كثرة عددكم فقلتم: لن نغلب اليوم من قلة، وكنتم اثني عشر ألفاً وأعداؤكم أربعة آلاف، فلم تنفعكم الكثرة ولم تدفع عنكم شيئاً {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} أي وضاقت الأرض على رحبها وكثرة اتساعها بكم من شدة الخوف {ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} أي وليتم على أدباركم منهزمين قال الطبري: يخبرهم تبارك وتعالى أن النصر بيده ومن عنده، وأنه ليس بكثرة العدد، وأنه ينصر القليل على الكثير إِذا شاء، ويخلي القليل فيهزم الكثير، قيل للبراء بن عازب: أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين؟ فقال البراء: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، ولقد رأيته على بغلته البيضاء - وأبو سفيان آخذ بلجامها يقودها - فلما غشيه المشركون نزل فجعل يقول: شعر : أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب تفسير : ثم أخذ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه المشركين وقال: شاهت الوجوه ففروا، فما بقي أحد إِلا ويمسح القذى عن عينيه، وقال البراء: حديث : كنا والله إِذا حميَ البأس نتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم وإِن الشجاع منا الذي يحاذيه تفسير : {ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي أنزل بعد الهزيمة الأمن والطمأنينة على المؤمنين حتى سكنت نفوسهم قال أبو السعود: أي أنزل رحمته التي تسكن بها القلوب وتطمئن إليها {وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} قال ابن عباس: يعني الملائكة {وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي بالقتل والأسر وسبي النساء والذراري {وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ} أي وذلك عقوبة الكافرين بالله. {ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} أي يتوب على من يشاء فيوفقه للإِسلام، وهو إِشارة إِلى إِسلام هوازن {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي عظيم المغفرة واسع الرحمة {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} أي قذر لخبث باطنهم قال ابن عباس: أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير، وقال الحسن: من صافح مشركاً فليتوضأ، والجمهور على أن هذا على التشبيه أي هم بمنزلة النجس أو كالنجس لخبث اعتقادهم وكفرهم بالله جعلوا كأنهم النجاسة بعينها مبالغة في الوصف على حد قولهم: عليٌّ أسدٌ أي كالأسد {فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} أي فلا يدخلوا الحرم، أطلق المسجد الحرام وقصد به الحرم كله قال أبو السعود: وقيل: المراد المنع عن الحج والعمرة أي لا يحجوا ولا يعتمروا بعد حج عامهم هذا وهو عام تسع من الهجرة ويؤيده حديث "حديث : وألاَّ يحج بعد هذا العام مشرك" تفسير : وهو العام الذي نزلت فيه سورة براءة ونادى بها عليٌّ في المواسم {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} أي وإِن خفتم أيها المؤمنون فقراً بسبب منعهم من دخول الحرم أو من الحج فإِن الله سبحانه يغنيكم عنهم بطريق آخر من فضله وعطائه قال المفسرون: لما مُنع المسلمون من تمكين المشركين من دخول الحرم، وكان المشركون يجلبون الأطعمة والتجارات اليهم في المواسم، ألقى الشيطان في قلوبهم الحزن فقال لهم: من أين تأكلون؟ وكيف تعيشون وقد منعت عنكم الأرزاق والمكاسب؟ فأمنهم الله من الفقر والعيلة، ورزقهم الغنائم والجزية {إِن شَآءَ} أي يغنيكم بإِرادته ومشيئته {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} قال ابن عباس: عليم بما يصلحكم، حكيم فيما حكم في المشركين.. ولما ذكر حكم المشركين ذكر حكم أهل الكتاب فقال {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي قاتلوا الذين لا يؤمنون إِيماناً صحيحاً بالله واليوم الآخر وإِن زعموا الإِيمان، فإِن اليهود يقولون عزير ابن الله، والنصارى يعتقدون بألوهية المسيح ويقولون بالتثليث {وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} أي لا يحرمون ما حرم الله في كتابه، ولا رسوله في سنته، بل يأخذون بما شرعه لهم الأحبار والرهبان ولهذا يستحلون الخمر والخنزير وما شابههما {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ} أي لا يعتقدون بدين الإِسلام الذي هو دين الحق {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} هذا بيان للمذكورين أي من هؤلاء المنحرفين من اليهود والنصارى الذين نزلت عليهم التوراة والإِنجيل {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ} أي حتى يدفعوا إِليكم الجزية منقادين مستسلمين {وَهُمْ صَاغِرُونَ} أي أذلاء حقيرون مقهورون بسلطان الإِسلام، ثم ذكر تعالى طرفاً من قبائحهم فقال {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} أي نسب اللعناء إلى الله الولد، وهو واحد أحد فرد صمد قال البيضاوي: وإِنما قالوا ذلك لأنه لم يبق فيهم بعد بختنصر من يحفظ التوراة، فلما أحياه الله بعد مائة عام أملى عليهم التوراة حفظاً فتعجبوا من ذلك وقالوا: ما هذا إِلا لأنه ابن الله {وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ} أي وزعم النصارى - أعداء الله - أن المسيح ابن الله قالوا: لأن عيسى ولد بدون أب، ولا يمكن أن يكون ولد بدون أب، فلا بد أن يكون ابن الله، قال تعالى رداً عليهم {ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ} أي ذلك القول الشنيع هو مجرد دعوى باللسان من غير دليل ولا برهان قال في التسهيل: يتضمن معنيين: أحدهما إِلزامهم هذه المقالة والتأكيد في ذلك، والثاني أنهم لا حجة لهم في ذلك، وإِنما هو مجرد دعوى كقولك لمن تكذبه: هذا قولك بلسانك {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ} أي يشابهون بهذا القول الشنيع قول المشركين قبلهم: الملائكة بنات الله {أية : تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} تفسير : [البقرة: 118] {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} دعاء عليهم بالهلاك أي أهلكهم الله كيف يُصرفون عن الحق الى الباطل بعد وضوح الدليل حتى يجعلوا لله ولداً! قال الرازي: الصيغة للتعجب وهو راجع إِلى الخلق على عادة العرب في مخاطباتهم، والله تعالى عجَّب نبيه من تركهم الحق وإِصرارهم على الباطل {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} أي أطاع اليهود أحبارهم والنصارى رهبانهم في التحليل والتحريم وتركوا أمر الله فكأنهم عبدوهم من دون الله والمعنى: أطاعوهم كما يطاع الرب وإِن كانوا لم يعبدوهم وهو التفسير المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عدي ابن حاتم: حديث : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: يا عدي إِطرح عنك هذا الوثن، قال وسمعته يقرأ سورة براءة {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} فقلت يا رسول الله: لم يكونوا يعبدونهم فقال عليه السلام: أليس يُحرمون ما أحل الله تعالى فيحرمونه، ويحلون ما حرم الله فيستحلون؟! فقلت: بلى، قال: فذلك عبادتهم تفسير : {وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ} أي اتخذه النصارى رباً معبوداً {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً} أي والحال أن أولئك الكفرة ما أمروا على لسان الأنبياء إِلا بعبادة إِله واحد هو الله رب العالمين {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} لا معبود بحق سواه {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تنزه الله عما يقول المشركون وتعالى علواً كبيراً {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} أي يريد هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب أن يطفئوا نور الإِسلام وشرع محمد عليه السلام بأفواههم الحقيرة، بمجرد جدالهم وافترائهم، وهو النور الذي جعله الله لخلقه ضياءً، فمثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس أو نور القمر بنفخه بفمه ولا سبيل إِلى ذلك {وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ} أي ويأبى الله إِلا أن يعليه ويرفع شأنه {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ} أي ولو كره الكافرون ذلك {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ} أي أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم بالهداية التامة والدين الكامل وهو الإِسلام {لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} أي ليعليه على سائر الأديان {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} جوابه محذوف أي ولو كره المشركون ظهوره. البَلاَغَة: 1- {فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} صيغته أمر وحقيقته وعيد كقوله {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} تفسير : [فصلت: 40]. 2- {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} من باب عطف الخاص على العام للتنويه بشأنه حيث جاء النصر بعد اليأس، والفرج بعد الشدة. 3- {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} شبه ما حل بهم من الكرب والهزيمة والضيق النفسي بضيق الأرض على سعتها على سبيل الاستعارة. 4- {إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} الصيغة لإِفادة الحصر واللفظ فيه تشبيه بليغ أي كالنجس في خبث الباطن وخبث الاعتقاد حذفت منه أداة الشبه ووجه الشبه فأصبح بليغاً ومثله {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً} أي كالأرباب في طاعتهم وامتثال أوامرهم في التحريم والتحليل. 5- {فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ} عبَّر عن الدخول بالقرب للمبالغة. 6- {يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ} أراد به نور الإِسلام فإِن الإِسلام بنوره المضيء وحججه القاطعة يشبه الشمس الساطعة في نورها وضيائها فهو من باب الاستعارة. وهي من لطائف الاستعارات. لطيفَة: قال العلامة القرطبي دل قوله تعالى {لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآء} على أن القرب قرب الأديان لا قرب الأبدان، وقد أنشدوا في ذلك أبياتاً: شعر : يقولون لي دار الأحبة قد دنت وأنت كئيبٌ إِن ذا لعجيب فقلت: وما تغني ديارٌ قريبة إِذا لم يكن بين القلوب قريب
الأندلسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ} الآية، نهى عن اتخاذ الآباء والإِخوان أولياء إذ كانوا قد آثروا الكفر على الإِيمان، وحكم بأن من تولاهم كان منهم وأنه ظالم. {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ} الآية، هذه الآية تقتضي الحض على الهجرة، وذكر الأبناء لأنهم أعلق بالنفس، وقدم الآباء لأنهم هم الذين يجب برهم وإكرامهم وحبّهم، وثنى بالأبناء لأنهم أعلق بالقلوب، ولما ذكر الأصل والفرع، ذكر الحاشية وهي الاخوان، ثم ذكر الأزواج وهن في المحبة والإِيثار كالأبناء، ثم الأبعد بعد الأقرب في القرابة فقال: {وَعَشِيرَتُكُمْ}. ثم ذكر {وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا} أي اكتسبتموها لأن الأموال يعادل حبها حب القرابة بل حبها أشد، وكانت الأموال في ذلك الوقت عزيزة وأكثر الناس كانوا فقراء. ثم ذكر {وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا} والتجارة لا تتهيأ إلا بالأموال. وجعل تعالى التجارة سبباً لزيادة الأموال ونمائها. ثم ذكر {وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ} وهي القصور والدور. ومعنى ترضونها تختارون الإِقامة بها. وانتصب أحب على أنه خبر كان، واسمها آباؤكم فما بعده. وقرأ الحجاج بن يوسف أحب بالرفع فخطأه يحيى بن يعمر من حيث الرواية لأنه لم يرو إلا النصب وإن كان الرفع جائزاً من جهة العربية لأنه كان يكون في كان ضمير الأمر والشأن وهو اسمها. وآباؤكم وما عطف عليه مبتدأ. وأحب خبر. والجملة في موضع نصب على أنها خبر كان. {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ} أي من الإِيمان بالله واتباع رسوله عليه السلام. {وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ} أي انتظروا. وهو أمر يتضمن التهديد. {حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} قال ابن عباس: هو فتح مكة. {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ} الآية، المواطن مقامات الحرب ومواقفها. وهذه المواطن وقعات بدر وقريظة والنضير والحديبية وخيبر وفتح مكة، ووصفت بالكثرة. قال أئمة التاريخ: كانت ثمانين موطناً. {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} حنين هو واد بين مكة والطائف قريب من ذي المجاز، وصرف مذهوباً به مذهب المكان ولو ذهب به مذهب البقعة لم يصرف، كما قال الشاعر: شعر : نصروا نبيّهم وشدوا أزره بحنين يوم تواكل الأبطال تفسير : وإذ بدل من يوم، وأضاف الإِعجاب إلى جميعهم وإن كان صادراً من واحد منهم لما رأى الجمع الكثير أعجبه ذلك وقال: لن نغلب اليوم من قلة وهذه الكثرة. قال ابن عباس: كانوا ستة عشر ألفاً. والباء في {بِمَا رَحُبَتْ} للحال، وما: مصدرية، أي ضاقت بكم الأرض مع كونها رحبة واسعة لشدة الحال عليهم. والرحب: السعة، وبفتح الراء الواسع. يقال: فلان رحب الصدر، وبلد رحب، وأرض رحبة، وقد رحبت رحباً ورحابة. {ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} أي وليتم فارين على إدباركم منهزمين تاركين رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وأسند التولي إلى جميعهم وهو واقع من أكثرهم إذ ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ناس من الأبطال على ما يأتي ذكره. فنقول: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة كان في عشرة آلاف من أصحابه وانضاف إليه ألفان من الطلقاء فصاروا في اثني عشر ألفاً إلى ما انضاف إليهم من الأعراب من سليم وبني كلاب وعبس وذبْيان، وسمع بذلك كفار العرب فشق عليهم فجمعت له هوازن وألفافها، وعليهم مالك بن عوف النضري، وثقيف عليهم عبد يا ليل بن عمرو، وانضاف إليهم اخلاط من الناس حتى كانوا ثلاثين ألفاً فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد استعماله عتّاب بن أسيد على مكة حتى اجتمعوا بحنين، فلما تضافّ الناس حمل المشركون على مجابي الوادي وكانوا قد كمنوا بها فانهزم المسلمون. قال قتادة: ويقال ان الطلقاء من أهل مكة فروا وقصدوا إلقاء الهزيمة في المسلمين وبلغ فلهم مكة، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مركزه على بغلة شهباء تسمى دلدل لا يتخلخل، والعباس قد اكتنفه آخذاً بلجامها وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابنه جعفر وعلي بن أبي طالب وربيعة بن الحارث والفضل بن العباس وأسامة بن زيد وأيمن بن عبيد ـ وهو أيمن ابن أمّ أيمن وقتل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه ـ وهؤلاء من أهل بيته وثبت معه أبو بكر وعمر فكانوا عشرة رجال رضي الله عنهم. ولهذا قال العباس: شعر : نصرنا رسول الله في الحرب تسعة وقد فر من قد فر منهم وأقشعوا وعاشرنا لاقي الحمام بنفسه بما مسه في الله لا يتوجع تفسير : وثبتت أم سليم رضي الله عنها في جملة من ثبت ممسكة بعيراً لأبي طلحة وفي يدها خنجر. حديث : ونزل صلى الله عليه وسلم عن بغلته إلى الأرض واستنصر الله تعالى وأخذ قبضة من تراب وحصى فرمى بها في وجوه الكفار، وقال: شاهت الوجوهتفسير : . قال يعلى بن عطاء: فحدثني ابناؤهم عن آبائهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا ودخل عينيْه من ذلك التراب. حديث : وقال عليه السلام للعباس وكان صيّتاً: نادِ أصحاب السَمُرة، فنادى الأنصار: فخذا فخذا، ثم نادي: يا أصحاب الشجرة! يا أصحاب البقرة! فكروا عنقاً واحداً وهم يقولون: لبيك لبيك. وانهزم المشركون. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قتال المسلمين فقال: هذا حين حمي الوطيس، وركض رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفهم على بغلتهتفسير : . وفي صحيح مسلم من حديث البراء حديث : ان هوازن كانوا رماة فرموهم برشق من نبل كأنها رجل من جراد فانكشفوا فأقبل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان يقود بغلته فنزل ودعا واستنصر الله تعالى وهو يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، اللهم أنزل نصرك تفسير : . قال البراء: كنا والله إذا حمي الوطيس نتقي به صلى الله عليه وسلم وان الشجاع منا الذي يتحاذى به ـ يعني النبي صلى الله عليه وسلم ـ . وفي أول هذا الحديث: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة فقال: أشهد علي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ما ولى. تفسير : {ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ} السكينة: النصر والوقار والثبات بعد الاضطراب والفلق. ويخرج من هذا القول رسول الله صلى الله عليه وسلم فإِنه لم يزل ثابت الجأش ساكنه. {وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} ظاهره شمول من فر ومن ثبت. وقيل: هم الأنصار إذ هم الذين كفروا وردوا الهزيمة. {وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} هم الملائكة بلا خلاف، ولم تتعرض الآية لعددهم. {وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي بالقتل الذي استقر فيهم، والأسر لذراريهم ونسائهم، والنهب لأموالهم. وكان السبي أربعة آلاف رأس. وقيل: ستة آلاف. ومن الإِبل اثنا عشر ألفاً سوى ما لا يعلم من الغنم وقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة، وفيها قصة عباس بن مرداس وشعره، وكان مالك بن عوف قد أخرج الناس للقتال والذراري ليقاتلوا عنها، فخطأه في ذلك دريد بن الصمة وقال: وهل يرد المنهزم شىء. وفي ذلك قتل دريد القتلة المشهورة قتله ربيعة بن رفيع بن اهبان السُلمي. ويقال له: ابن الدغنّة. {ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} الآية، إخبار بأن الله تعالى يتوب على من يشاء ويهدي من يشاء ممن بقي من الكفار للإِسلام ووعد بالمغفرة والرحمة كمالك بن عوف النضري رئيس هوازن، ومن أسلم معه من قومه. وروي حديث : أن ناساً منهم جاءوا فبايعوا على الإِسلام وقالوا: يا رسول أنت خير الناس وأبر الناس وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا. وكان سبي يومئذٍ ستة آلاف نفس، وأخذ من الإِبل والغنم ما لا يحصى، فقال عليه السلام: ان خير القول أصدقه، اختاروا اما ذراريكم وإما أموالكم. فقالوا: ما نعدل بالاحساب شيئاً تفسير : . وتمام الحديث أنهم أخذوا نساءهم وذراريهم إلا امرأة وقع عليها صفوان بن أمية فحبلت منه فلم يردها.
الجيلاني
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم: الاجتناب عن أهل الغفلة والغرور؛ حتى لا يسري ضلالهم إليكم، سيما أقرباؤكم النسبية {لاَ تَتَّخِذُوۤاْ} أيها المهاجرون {آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ} واختاروا {ٱلْكُفْرَ} والشرك {عَلَى ٱلإِيمَانِ} والتوحيد {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ} بد ورود النهي {فَأُوْلَـٰئِكَ} المتخذون المضلون الضالون {هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [التوبة: 23] المتجاوزون عن مقتضى حكم الكله ونهيه. {قُلْ} يا أكمل الرسل للمؤمنين الذين يقصدون موالاة أنسابهم: {إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ} أي: أقاربكم وذووا أرحامكم {وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا} أي: اكتسبتموها بأيدكم {وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا} لمضي وقت ربحها ونمائها {وَمَسَاكِنُ} طيبة {تَرْضَوْنَهَآ} أي: ترضى بها نفسوكم، وتطيب بها قلوبكم {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ} المحبوب في قلوب أوليائه {وَرَسُولِهِ} الذي هو حبيبه وخليله {وَ} من {جِهَادٍ} هو عبارة عن الاجتهاد {وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ} لتفوزوا بشرف الوصول والشهود {فَتَرَبَّصُواْ} أي: فعليكم أن تتربصوا وتنتظروا {حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ} المنتقم من المتخذين لغيرهم أولياء {بِأَمْرِهِ} الموجب لعذابه {وَٱللَّهُ} الهادي لعباده {لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24] الخارجين عن مقتضى ولائه وولايته.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } اعملوا بمقتضى الإيمان، بأن توالوا من قام به، وتعادوا من لم يقم به. و { لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ } الذين هم أقرب الناس إليكم، وغيرهم من باب أولى وأحرى، فلا تتخذوهم { أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا } أي: اختاروا على وجه الرضا والمحبة { الْكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ }. { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } لأنهم تجرؤوا على معاصي اللّه، واتخذوا أعداء اللّه أولياء، وأصل الولاية: المحبة والنصرة، وذلك أن اتخاذهم أولياء، موجب لتقديم طاعتهم على طاعة اللّه، ومحبتهم على محبة اللّه ورسوله. ولهذا ذكر السبب الموجب لذلك، وهو أن محبة اللّه ورسوله، يتعين تقديمهما على محبة كل شيء، وجعل جميع الأشياء تابعة لهما فقال: { قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ } ومثلهم الأمهات { وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ } في النسب والعشرة { وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ } أي: قراباتكم عموما { وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا } أي: اكتسبتموها وتعبتم في تحصيلها، خصها بالذكر، لأنها أرغب عند أهلها، وصاحبها أشد حرصا عليها ممن تأتيه الأموال من غير تعب ولا كَدّ. { وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا } أي: رخصها ونقصها، وهذا شامل لجميع أنواع التجارات والمكاسب من عروض التجارات، من الأثمان، والأواني، والأسلحة، والأمتعة، والحبوب، والحروث، والأنعام، وغير ذلك. { وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا } من حسنها وزخرفتها وموافقتها لأهوائكم، فإن كانت هذه الأشياء { أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ } فأنتم فسقة ظلمة. { فَتَرَبَّصُوا } أي: انتظروا ما يحل بكم من العقاب { حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ } الذي لا مرد له. { وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } أي: الخارجين عن طاعة اللّه، المقدمين على محبة اللّه شيئا من المذكورات. وهذه الآية الكريمة أعظم دليل على وجوب محبة اللّه ورسوله، وعلى تقديمها على محبة كل شيء، وعلى الوعيد الشديد والمقت الأكيد، على من كان شيء من هذه المذكورات أحب إليه من اللّه ورسوله، وجهاد في سبيله. وعلامة ذلك، أنه إذا عرض عليه أمران، أحدهما يحبه اللّه ورسوله، وليس لنفسه فيه هوى، والآخر تحبه نفسه وتشتهيه، ولكنه يُفَوِّتُ عليه محبوبًا للّه ورسوله، أو ينقصه، فإنه إن قدم ما تهواه نفسه، على ما يحبه اللّه، دل ذلك على أنه ظالم، تارك لما يجب عليه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):