Verse. 1259 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

قُلْ اِنْ كَانَ اٰبَاۗؤُكُمْ وَاَبْنَاۗؤُكُمْ وَاِخْوَانُكُمْ وَاَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيْرَتُكُمْ وَاَمْوَالُۨ اقْتَرَفْتُمُوْہَا وَتِجَارَۃٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَہَا وَمَسٰكِنُ تَرْضَوْنَہَاۗ اَحَبَّ اِلَيْكُمْ مِّنَ اللہِ وَرَسُوْلِہٖ وَ جِہَادٍ فِيْ سَبِيْلِہٖ فَتَرَبَّصُوْا حَتّٰي يَاْتِيَ اللہُ بِاَمْرِہٖ۝۰ۭ وَاللہُ لَا يَہْدِي الْقَوْمَ الْفٰسِقِيْنَ۝۲۴ۧ
Qul in kana abaokum waabnaokum waikhwanukum waazwajukum waAAasheeratukum waamwalun iqtaraftumooha watijaratun takhshawna kasadaha wamasakinu tardawnaha ahabba ilaykum mina Allahi warasoolihi wajihadin fee sabeelihi fatarabbasoo hatta yatiya Allahu biamrihi waAllahu la yahdee alqawma alfasiqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم» أقرباؤكم وفي قراءة عشيرتكم «وأموال اقترفتموها» اكتسبتموها «وتجارة تخشون كسادها» عدم نفادها «ومساكن ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهادِ في سبيله» فقعدتم لأجله عن الهجرة والجهاد «فتربَّصوا» انتظروا «حتى يأتي الله بأمره» تهديد لهم «والله لا يهدي القوم الفاسقين».

24

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذه الآية هي تقرير الجواب الذي ذكره في الآية الأولى، وذلك لأن جماعة من المؤمنين قالوا يا رسول الله، كيف يمكن البراءة منهم بالكلية؟ وأن هذه البراءة توجب انقطاعنا عن آبائنا وإخواننا وعشيرتنا وذهاب تجارتنا، وهلاك أموالنا وخراب ديارنا، وإبقاءنا ضائعين فبين تعالى أنه يجب تحمل جميع هذه المضار الدنيوية ليبقى الدين سليماً، وذكر أنه إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيل الله، فتربصوا بما تحبون حتى يأتي الله بأمره، أي بعقوبة عاجلة أو آجلة، والمقصود منه الوعيد. ثم قال: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } أي الخارجين عن طاعته إلى معصيته وهذا أيضاً تهديد، وهذه الآية تدل على أنه إذا وقع التعارض بين مصلحة واحدة من مصالح الدين وبين جميع مهمات الدنيا، وجب على المسلم ترجيح الدين على الدنيا. قال الواحدي: قوله: {وَعَشِيرَتُكُمْ } عشيرة الرجل: أهله الأدنون، وهم الذين يعاشرونه، وقرأ أبو بكر عن عاصم {وعشيراتكم} بالجمع والباقون على الواحد. أما من قرأ بالجمع، فذلك لأن كل واحد من المخاطبين له عشيرة، فإذا جمعت قلت: عشيراتكم. ومن أفرد قال العشيرة واقعة على الجمع واستغنى عن جمعها، ويقوي ذلك أن الأخفش قال: لا تكاد العرب تجمع عشيرة على عشيرات إنما يجمعونها على عشائر، وقوله: {وَأَمْوٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا } الاقتراف الاكتساب. واعلم أنه تعالى ذكر الأمور الداعية إلى مخالطة الكفار، وهى أمور أربعة: أولها: مخالطة الأقارب، وذكر منهم أربعة أصناف على التفصيل وهم الآباء والأبناء والأخوان والأزواج، ثم ذكر البقية بلفظ واحد يتناول الكل، وهي لفظ العشيرة. وثانيها: الميل إلى إمساك الأموال المكتسبة. وثالثها: الرغبة في تحصيل الأموال بالتجارة. ورابعها: الرغبة في المساكن، ولا شك أن هذا الترتيب ترتيب حسن، فإن أعظم الأسباب الداعية إلى المخالطة القرابة ثم إنه يتوصل بتلك المخالطة إلى إبقاء الأموال الحاصلة ثم إنه يتوصل بالمخالطة إلى اكتساب الأموال التي هي غير حاصلة، وفي آخر المراتب الرغبة في البناء في الأوطان والدور التي بنيت لأجل السكنى، فذكر تعالى هذه الأشياء على هذا الترتيب الواجب، وبين بالآخرة أن رعاية الدين خير من رعاية جملة هذه الأمور.

القرطبي

تفسير : لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة من مكة إلى المدينة جعل الرجل يقول لأبيه والأبُ لابنه والأخُ لأخيه والرجل لزوجته: إنا قد أمِرنا بالهجرة؛ فمنهم من تسارع لذلك، ومنهم من أبى أن يهاجر، فيقول: والله لئن لم تخرجوا إلى دار الهجرة لا أنفعكم ولا أنفق عليكم شيئاً أبداً. ومنهم من تتعلّق به ٱمرأته وولده ويقولون له: أنشدك بالله ألاّ تخرج فنضيع بعدك؛ فمنهم من يَرِقّ فيَدَع الهجرة ويقيم معهم؛ فنزلت {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إَنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ}. يقول: إن اختاروا الإقامة على الكفر بمكة على الإيمان بالله والهجرة إلى المدينة. {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ} بعد نزول الآية {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}. ثم نزل في الذين تخلّفوا ولم يهاجروا: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ} وهي الجماعة التي ترجع إلى عقَدْ واحد كعقدِ العشرة فما زاد؛ ومنه المعاشرة وهي الاجتماع على الشيء. {وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا} يقول: اكتسبتموها بمكة. وأصل الاقتراف اقتطاع الشيء من مكانه إلى غيره. {وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا} قال ابن المبارك: هي البنات والأخوات إذا كسدن في البيت لا يجدن لهن خاطباً. قال الشاعر:شعر : كسَدْن من الفقر في قومهنّ وقد زادهنّ مقامي كُسودا تفسير : {وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ} يقول: ومنازل تعجبكم الإقامة فيها. {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ} من أن تهاجروا إلى الله ورسوله بالمدينة. «وأحَبّ» خبر كان. ويجوز في غير القرآن رفع «أحب» على الابتداء والخبر، واسم كان مضمر فيها. وأنشد سيبويه:شعر : إذا مِتُّ كان الناسُ صِنفانِ: شامِتٌ وآخَرُ مثْنٍ بالذي كنتُ أصنَع تفسير : وأنشـد:شعر : هي الشفاء لدائي لو ظفِرتُ بها وليس منها شفاءُ الداءِ مبذول تفسير : وفي الآية دليل على وجوب حبّ الله ورسوله، ولا خلاف في ذلك بين الأُمة، وأن ذلك مقدّم على كل محبوب. وقد مضى في «آل عمران» معنى محبة الله تعالىٰ ومحبة رسوله. {وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ} صيغته صيغة أمْرٍ ومعناه التهديد. يقول: انتظروا. {حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} يعني بالقتال وفتحِ مكة؛ عن مجاهد. الحسن: بعقوبة آجلة أو عاجلة. وفي قوله: {وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ} دليلٌ على فضل الجهاد، وإيثاره على راحة النفس وعلائقها بالأهل والمال. وسيأتي فضل الجهاد في آخر السورة. وقد مضى من أحكام الهجرة في «النساء» ما فيه كفاية، والحمد لله. وفي الحديث الصحيح: «حديث : إن الشيطان قَعَد لابن آدم ثلاثَ مقاعد قعد له في طريق الإسلام فقال لِمَ تَذَر دينَك ودينَ آبائك فخالفَه وأسلم وقعد له في طريق الهجرة فقال له أتذر مالك وأهلك فخالفه وهاجر ثم قعد في طريق الجهاد فقال له تجاهد فتُقتل فينْكح أهلك ويُقسم مالك فخالَفه وجاهد فحق على الله أن يدخله الجنة»تفسير : . وأخرجه النَّسائيّ من حديث سَبَرة بن أبي فاكِه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الشيطان...»تفسير : فذكره. قال البخاريّ: «ابن الفاكِه» ولم يذكر فيه اختلافاً. وقال ابن أبي عَدِيّ: يُقال ابن الفاكِه وابن أبي الفاكِه. انتهى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوٰنُكُمْ وَأَزْوٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ } أقرباؤكم وفي قراءة (عشيراتكم) {وَأَمْوٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا } اكتسبتموها {وَتِجَٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا } عدم نفاقها {وَمَسَٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ } فقعدتم لأجله عن الهجرة والجهاد {فَتَرَبَّصُواْ } انتظروا {حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ } تهديد لهم {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ }.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية تقوي مذهب من رأى أن هذه والتي قبلها إنما مقصودها الحض على الهجرة، وفي ضمن قوله: {فتربصوا } وعيد بين، وقوله { بأمره} قاله الحسن الإشارة إلى عذاب أو عقوبة من الله، وقال مجاهد: الإشارة إلى فتح مكة، والمعنى فإذا جاء الله بأمره فلم تسلبوا ما يكون لكم أجراً ومكانة في الإسلام. قال القاضي أبو محمد: وذكر الأبناء في الآية لما جلبت ذكرهم المحبة، والأبناء صدر في المحبة وليسوا كذلك في أن تتبع آراؤهم كما في الآية المتقدمة، وقرأ جهور الناس "وعشيرتكم"، وقرأ عاصم وحده بخلاف عنه وأبو رجاء وأبو عبد الرحمن وعصمة "وعشيراتكم"، وحسن هذا الجمع إذ لكل أحد عشيرة تختص به، ويحسن الإفراد أن أبا الحسن الأخفش قال إنما تجمع العرب عشائر ولا تكاد تقول عشيرات، و {اقترفتموها} معناه اكتسبتموها، وأصل الاقتراف والمقارفة مقاربة الشيء، {وتجارة تخشون كسادها} بيّن في أنواع المال، وقال ابن المبارك: الإشارة إلى البنات اللواتي لا يتزوجن لا يوجد لهن خاطب {ومساكن } جمع مسكن بفتح الكاف مفعل من السكنى، وما كان من هذا معتل الفاء فإنما يأتي على مفعل بكسر العين كموعد وموطن، والمساكن القصور والدور، و {أحب} خبر كان، وكان الحجاج بن يوسف يقرؤها "أحبُّ" بالرفع وله في ذلك خبر مع يحيى بن يعمر سأله الحجاج هل تسمعني الجن قال نعم في هذا الحرف، وذكر له رفع أحب فنفاه. قال القاضي أبو محمد: وذلك خارج في العربية على أن يضمر في كان الأمر والشأن ولم يقرأ بذلك، وقوله {والله لا يهدي القوم الفاسقين} عموم لفظ يراد به الخصوص فيمن يوافي على فسقه، أو عموم مطلق على أنه لا هداية من حيث الفسق.

ابن عبد السلام

تفسير : {قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ} نزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا ميلاً إلى ما ذكر في هذه الآية. {اقْتَرَفْتُمُوهَا} اكتسبتموها. {وَتِجَارَةٌ} أموال التجارة تكسد سوقها وينقص سعرها، أو البنات الأيامى يكسدن على أبائهن فلا يخطبن. {بِأَمْرِهِ} بعقوبة عاجلة أو آجلة، أو بفتح مكة.

الخازن

تفسير : {قل} أي قل يا محمد لهؤلاء الذين قالوا هذه المقالة {إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم} وقرئ على الجمع وعشيراتكم العشيرة هم الأدنون من أهل الإنسان الذين يعاشرونه دون غيرهم {وأموال اقترفتموها} يعني اكتسبتموها {وتجارة تخشون كسادها} يعني بفراقكم لها {ومساكن ترضونها} يعني تستوطنوها راضين بسكناها {أحب إليكم من الله ورسوله} يعني أحب إليكم من الهجرة إلى الله ورسوله {وجهاد في سبيله} فبين الله سبحانه وتعالى أنه يجب تحمل جميع المضار في الدنيا ليبقى الدين سليماً وأخبر أنه كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله وطاعة رسوله من المجاهدة في سبيل الله {فتربصوا} أي فانتظروا {حتى يأتي الله بأمره} يعني بقضائه وهذا أمر تهديد وتخويف وقال مجاهد ومقاتل يعني بفتح مكة {والله لا يهدي القوم الفاسقين} يعني الخارجين عن طاعته، وفي هذا دليل على أنه إذا وقع تعارض بين مصالح الدين ومصالح الدنيا وجب على المسلمين ترجيح مصالح الدين على مصالح الدنيا. قوله عز وجل: {لقد نصركم الله} النصر المعونة على الأعداء بإظهار المسلمين عليهم {في مواطن كثيرة} يعني أماكن كثيرة والمراد بها غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه وبعوثه وكانت غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكره في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم تسع عشرة غزوة زاد بريدة في حديثه قاتل في ثمان منهم ويقال إن جميع غزواته وسراياه وبعوثه سبعون وقيل: ثمانون وهو قوله تعالى: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة} {ويوم حنين} يعني: ونصركم الله في يوم حنين أيضاً فأعلم الله سبحانه وتعالى أنه هو الذي يتولى نصر المؤمنين في كل موقف وموطن ومن يتولى الله نصره فلا غالب له وحنين اسم واد قريب من الطائف بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً. وقال عروة: هو إلى جانب ذي المجاز وكانت قصة حنين على ما نقله الرواة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وقد بقيت عليه أيام من شهر رمضان فخرج إلى حنين لقتال هوازن وثقيف في اثني عشر ألفاً عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وألفان من الطلقاء وقال عطاء: كانوا ستة عشر ألفاً. وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف وكانوا يومئذ أكثر ما كانوا قط وكان المشركون أربعة آلاف من هوازن وثقيف وكان على هوازن مالك بن عوف النصري وعلى ثقيف كنانة بن عبد ياليل فلما التقى الجمعان قال رجل من الأنصار يقال له سلمة بن سلامة بن رقيش لن نغلب اليوم من قلة فساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه ووكلوا إلى كلمة الرجل. وفي رواية: فلم يرض الله قوله ووكلهم إلى أنفسهم. وذكر ابن الجوزي عن سعيد بن المسيب، أن القائل لذلك أبو بكر الصديق. وحكى ابن جرير الطبري: أن القائل لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسناد هذه الكلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بعد لأنه صلى الله عليه وسلم كان في جميع أحواله متوكلاً على الله عز وجل لا يلتفت إلى كثرة عدد ولا إلى غيره بل نظره إلى ما يأتي من عند الله عز وجل من النصر والمعونة قالوا: فلما التقى الجمعان اقتتلوا قتالاً شديداً فانهزم المشركون وخلوا عن الذراري ثم تنادوا: يا حماة السواد اذكروا الفضائح. فتراجعوا وانكشف المسلمون. وقال قتادة: ذكر لنا أن الطلقاء انجفلوا يومئذ بالناس فلما انجفل القوم هربوا (ق). عن أبي إسحاق قال: جاء رجل إلى البراء فقال: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة فقال أشهد على نبي الله صلى الله عليه وسلم ما ولى ولكنه انطلق أخفاء من الناس وحسر إلى هذا الحي من هوازن وهم قوم رماة فرموهم برقش من نبل كأنها رجل من جراد فانكشفوا فأقبل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته فنزل ودعا واستنصر وهو يقول: "حديث : أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب اللهم نصرك"تفسير : . زاد أبو خيثمة ثم وصفهم. قال البراء: كنا والله إذا احمر البأس نتقي به وإن الشجاع منا للذين يحاذي به يعني النبي صلى الله عليه وسلم. عن أبي إسحاق قال: قال رجل للبراء بن عازب يا أبا عمارة فررتم يوم حنين قال لا والله ما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤه حسراً ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح فلقوا قوماً رماة لا يكاد يسقط لهم سهم جمع هوازن وبنى نصر فرشقوهم رشقاً ما يكادون يخطئون فأقبلوا هناك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به فنزل ودعا واستنصر وقال: "حديث : أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب " تفسير : ثم صفهم وروى شعبة عن أبي إسحاق قال: قال البراء إن هوازن كانوا قوماً رماة ولما لقيناهم حملنا عليهم فانهزموا فأقبل المسلمون على الغنائم فاستقبلونا بالسهام فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفر. قوله: ولكنه انطلق اخفاء من الناس: الإخفاء: جمع خفيف وهم المسرعون من الناس الذين ليس لهم ما يعوقهم. والحسر: جمع حاسر وهو الذي لا درع عليه يقال إذا رمى القوم بأسرهم إلى جهة واحدة: رمينا رشقاً. والرجل من الجراد القطعة الكبيرة منه. وقوله: كنا إذا إحمر البأس يعني إذا اشتد الحرب والبأس بالموحدة من تحت الشدة والخوف. وقال الكلبي: كان حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلثمائة من المسلمين وانهزم سائر الناس وقال غيره لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ غير عمه العباس بن عبد المطلب وابن عمه أبو سفيان بن الحارث وأيمن بن أم أيمن قتل يوم حنين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا أيمن أخو أسامة بن زيد لأمه أمهما بركاة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاضنته (م). عن العباس بن عبد المطلب قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن فاثة الجذامي فلما التقى المسلمون والكفار ولي المسلمون مدبرين فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار قال العباس وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أي عباس ناد أصحاب السمرة"تفسير : فقال العباس، وكان رجلاً صيتاً: فقلت بأعلى صوتي أين أصحاب السمرة. قال: فوالله لكان عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها فقالوا لبيك لبيك. قال فاقتتلوا والكفار والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحرث بن الخزرج. فقالوا: يا بني الحرث بن الخزرج يا بني الحرث بن الخزرج فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا حين حمي الوطيس قال ثم حديث : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال:"انهزموا ورب محمد"تفسير : . قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلاً وأمرهم مدبراً. قوله حمي الوطيس، أي اشتد الحرب. قال الخطابي: هذه الكلمة لم تسمع قبل أن يقولها النبي صلى الله عليه وسلم من العرب وهي ما اقتضبه وأنشأه. والوطيس في اللغة: التنور. وقوله: حدهم كليلاً يعني لا يقطع شيئاً (م). عن سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنيناً قال: فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن بغلته ثم قبض قبضة من تراب الأرض ثم استقبل به وجوههم. وقال: "حديث : شاهت الوجوه فما خلق الله منهم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة"تفسير : فولوا مدبرين فهزمهم الله بذلك وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين أخرجه مسلم بزيادة فيه قال سعيد بن جبير: أمد الله نبيه صلى الله عليه وسلم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين. وروى أن رجلاً من بني نصر يقال له شجرة قال للمؤمنين بعد القتال: أين الخيل البالق والرجال عليهم ثياب بيض ما كنا نراهم فيكم إلا كهيئة الشامة وما كان قتلنا إلا بأيديهم فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: تلك الملائكة. وروي أن رجلاً من المشركين قال يوم حنين لما التقينا وأصحاب محمد لم يقفوا لنا حلب شاة أن كشفناهم فبينا نحن نسوقهم حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقانا عنده رجال بيض الوجوه حسان فقالوا لنا شاهت الوجوه ارجعوا. قال: فانهزمنا وركبوا أكتافنا فكانت إياها. واختلفوا هل قاتلت الملائكة يوم حنين على قولين والصحيح إنها لم تقاتل إلا يوم بدر وإنما كانت الملائكة يوم حنين مدداً وعوناً. وذكر البغوي أن الزهري قال: بلغني حديث : أن شيبة بن عثمان قال استدبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وأنا أريد قتله بطلحة بن عثمان وعثمان بن طلحة وكانا قد قتلا يوم أحد فأطلع الله رسوله على ما في نفسي فالتفت إليّ وضرب في صدري وقال أعيذك بالله يا شيبة فارعدت فرائصي فنظرت إليه وهو أحب إليّ من سمعي وبصري فقلت أشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أطلعك الله على ما في نفسي تفسير : فلما هزم الله المشركين وولوا مدبرين انطلقوا إلى أوطاس وبها عيالهم وأموالهم فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأشعريين يقال له أبو عامر وأمره على الجيش فسار إلى أوطاس فاقتتلوا بها وقتل دريد بن الصمة وهزم الله المشركين وسبى المسلمون عيال المشركين وهرب أميرهم مالك بن عوف النصري فأتى الطائف فتحصن بها وأخذ ماله وأهله فيمن أخذ وقتل أبو عامر أمير المسلمين. قال الزهري: أخبرني سعيد بن المسيب أنهم أصابوا يومئذ ستة آلاف صبي ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى الطائف فحاصرهم بقية ذلك الشهر فلما دخل ذو القعدة وهو شهر حرام انصرف عنهم وأتى الجعرانة فأحرم منها بعمرة وقسم بها غنائم حنين وأوطاس وتألف أناساً منهم أبو سفيان بن حرب والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو والأقرع بن حابس فأعطاهم (ق). عن أنس بن مالك حديث : أن ناساً من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل فقالوا يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم قال أنس فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قولهم فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم ولم يدع معهم غيرهم فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حديث بلغني عنكم فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله لم يقولوا شيئاً وأما أناس منا حديثة أسنانهم فقالوا يغفر الله لرسوله الله يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإني أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر أتألفهم أفلا ترضون أن تذهب الناس بالأموال وترجعوا إلى رحالكم برسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به" قالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا. قال: فإنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض قالوا سنصبر زاد في رواية قال أنس فلم نصبرتفسير : (ق) عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال لما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئاً فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس فخطبهم فقال: "حديث : يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي وعالى فأغناكم الله بي كلما قال شيئاً قالوا الله ورسوله أمن قال: فما منعكم أن تجيبوا رسول الله كلما قال شيئاً قالوا الله ورسوله آمن قال لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا أترضون أن تذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبوا بالنبي إلى رحالكم لولا الهجرة لكنت أمرأ من الأنصار ولو سلك الناس وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبهم الأنصار شعار والناس دثار" تفسير : (م). عن رافع بن خديج قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس كل إنسان مائة من الإبل وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك فقال عباس بن مرداس: شعر : أتجعل نهبي ونهب العبـ ــيد بين عيينة والأقرع فما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع وما كنت دون امرئ منهما ومن يخفض اليوم لا يرفع تفسير : قال: فأتم رسول الله صلى الله عليه وسلم له مائة (خ) حديث : عن المسور ومروان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد عليهم مالهم وسبيهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن معي من ترون وأحب الحديث إلي أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين إما المال وإما السبي وقد كنت استأنيت بكم" تفسير : وفي رواية: حديث : وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف فلما تبين لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير راد عليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا إنا نختار سبينا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: "أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء جاؤوا تائبين وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم فمن أحب منكم أن يطيب ذلك لهم فليفعل" فقال الناس قد طيبنا ذلك لهم يا رسول الله. فقال لهم في ذلك: "إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم" تفسير : فرجع الناس فكلمتهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا فهذا الذي بلغنا من سبي هوازن وأنزل الله عز وجل في قصة حنين لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين {إذ أعجبتكم كثرتكم} يعني حين قلتم لن نغلب اليوم من قلة {فلم تغن عنكم} يعني كثرتكم {شيئاً} يعني أن الظفر بالعدو ليس بكثرة العدد ولكن إنما يكون بنصر الله ومعونته {وضاقت عليكم الأرض بما رحبت} يعني بسعتها وفضائها {ثم وليتم مدبرين} يعني منهزمين.

القشيري

تفسير : ليس هذا تخييراً لهم، ولا إذْناً لهم، ولا إذْناً في إيثارِ الحظوظِ على الحقوقِ، ولكنه غاية التحذير والزَّجر عن إيثار شيءٍ من الحظوظ على الدِّين، ومرورُ الأيام حَكَمٌ عَدْلٌ يَكْشِفُ في العاقبة عن أسرار التقدير، قال قائلهم: شعر : سوف ترى إذا انجلى الغبارُ أَفَرَسٌ تحتك أم حمار؟ تفسير : ويقال علامةُ الصدقِ في التوحيد قطعُ العلاقات، ومفارقهُ العادات، وهجران المعهودات والاكتفاءُ بالله في دوام الحالات. ويقال مَنْ كَسَدَت سوقُ دِينِه كَسَدَتْ أسواقُ حظوظه، وما لم تَخْلُ منك مَنَازِلُ الحظوظ لا تعْمُرُ بك مَشَاهِدُ الحقوق.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} يا محمد للذين تركوا الهجرة {ان كان آباؤكم وابناؤكم واخوانكم وازواجكم وعشيرتكم} اى اقرباؤكم من المعاشرة وهى المخالطة {واموال اقترفتموها} اى اكتسبتموها واصبتموها بمكة وانما وصفت بذلك ايماء الى عزتها عندهم لحصولها بكد اليمين {وتجارة} اى امتعة اشتريتموها للتجارة والربح {تخشون كسادها} بفوات وقت رواجها بغيبتكم عن مكة المعظمة فى ايام الموسم {ومساكن ترضونها} اى منازل تعجبكم الاقامة فيها لكمال نزاهتها من الدور والبساتين {احب اليكم من الله ورسوله} اى من طاعة الله وطاعة رسوله بالهجرة الى المدينة {وجهاد فى سبيله} اى واحب اليكم من الجهاد فى طاعة الله والمراد الحب الاختيارى المستتبع لاثره الذى هو الملازمة وعدم المفارقة لا الحب الجبلى الذى لا يخلو عنه البشر فانه غير داخل تحت التكليف الدائر على الطاقة {فتربصوا} اى انتظروا جواب للشرط {حتى يأتى الله} [تابيارد خداى تعالى] {بامره} هى عقوبة عاجلة او آجله وهو وعيد لمن آثر حظوظ نفسه على مصلحة دينه {والله لا يهدى القوم الفاسقين} الخارجين عن الطاعة فى موالاة المشركين اى لا يرشدهم الى ما هو خير لهم. وفى الآية الكريمة وعيد شديد لا يتخلص منه الا اقل قليل فانك لو تتبعت اخوان زماننا من الزهاد الورعين لوجدتهم يتحيرون ويتحزنون بفوات احقر شيء من الامور الدنيوية ولا يبالون بفوات اجلّ حظ من الحظوظ الدينية فان محصول الآية ان من اثر هذه المشتهيات الدنيوية على طاعة الرحمن فليستعد لنزول عقوبة آجلة وعاجلة ولينظر ان ما آثره من الحظوظ العاجلة هل يخلص من الاهوال والدواهى النازلة اللهم عفوك وغفرانك يا ارحم الراحمين. قال الكاشفى {اى عزيز مردى بايدكه ابراهيم وار روى از كون بكرداند {أية : فإنهم عدو لى إلا رب العالمين} تفسير : [الشعراء: 77] مال رابذل مهمان. وفرزندار قصد قربان وخودرا فداى آتش سوزان كند تادرو دعوئ دوستى صادق باشد] شعر : آنكس كه تراشناخت جانرا جه كند فرزند وعيال وخانما نرا جه كند ديوانه كنى هر دو جهانش بخشى ديوانه توهر دوجهانرا جه كند تفسير : [آورده نماندكه حضرت صلى الله عليه وسلم فرموده است كه] "حديث : لا يؤمن احدكم حتىاكون احب اليه من ماله وولده والناس اجمعين " تفسير : قال ابن ملك المراد به نفى كمال الايمان بالحب الحب الاختيارى مثلا لو امر رسول الله مؤمنا بان يقاتل الكافر حتى يكون شهيدا او امر بقتل ابويه واولاده الكافرين لاحب ان يختار ذلك لعلمه ان السلامة فى امتثال امره عليه السلام وان لا يخير كما ان المريض ينفر بطبعه عن الدواء ولكن يميل اليه ويفعله لظنه ان صلاحه فيه كيف ونبينا عليه السلام اعطف علينا منا ومن آبائنا واولادنا لانه عليه السلام يسعى لنا لا لغرض. قال القاضى ومن محبته عليه السلام نصرة سنته والذب اى المنع والدفع عن شريعته [از حضرت شيخ الاسلام قدس سره منقولست كه احمد بن يحيى دمشقى روزى بيش مادر وبدر نشسته بود قصه قربان كردن حضرت اسماعيل از قرآن بريشان ميخواند كفتند اى احمد از بيش ما برخيز وبروكه ما ترادركار خدا كرديم احمد برخاست وكفت الهى اكنون جزتوكسى ندارم روبكعبه نهاد وبعد ازان كه بيست وجهار موقف ايستاده بود قصد زيارت والدين كردجون بدمشق آمد وبدر سراى خود رسيد حلقه دربجنبانيد ما درش آوازدادكه من على الباب جواب دادكه انا احمد ابنك مادرش كفت بيش ازين مارا فرزندى بود اورا دركار خدا كرديم احمد ومحمودرا باماجه كار شعر : ماهرجه داشتبم فداى توكرده ايم جانرا اسير بند هواى توكرده ايم ماكرده ايم ترك خود وهردوكون نيز وينهاكه كرده ايم براى تو كرده ايم تفسير : وهذا لما ان المهاجرين كانوا يكرهون الموت فى بلدة هاجروا منها وتركوها لله تعالى لئلا ينقص ثواب الهجرة اذ فى العود نقض العمل الا ان يكون لضرورة دون اختيار. قال فى التأويلات اصل الدين هو محبة الله تعالى وان صرف استعداد محبة الله فى هذه الاشياء المذكورة فيه فسق وهو الخروج من محبة الخالق الى محبة المخلوق وان من آثر محبة المخلوق على محبة الخالق فقد ابطل الاستعداد الفطرى لقبول الفيض الالهى واستوجب الحرمان وادركه القهر والخذلان {فتربصوا حتى يأتى الله بأمره} اى بقهره {والله لا يهدى القوم الفاسقين} الخارجين عن حسن الاستعداد يعنى لا يهديهم الى حضرت جلاله وقبول فيض جماله بعد ابطال حسن الاستعداد. وعن بشر بن الحارث رضى الله عنه قال رأيت النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام فقال لى يا بشر أتدرى لم رفعك الله تعالى على اقرانك قلت لا يا رسول الله قال باتباعك لسنتى وخدمتك الصالحين ونصحك لاخوانك ومحبتك لاصحابى واهل بيتى هو الذى بلغك منازل الابرار. اقول المحبة الخالصة باب عظيم لا يفتح الا لاهل القلب السليم وتأثيرها غريب وامرها عجيب نسأل الله تعالى سبحانه ان يجعلنا من الذين آثروا حب الله وحب رسوله على حب ما سواهما آمين

الطوسي

تفسير : قرأ ابو بكر عن عاصم و {عشيراتكم} على الجمع. الباقون على التوحيد. من جمع فلان كل واحد من المخاطبين له عشيرة، فاذا جمع قال وعشيراتكم. ومن افرد قال العشيرة تقع على الجمع. وقال ابو الحسن: العرب لا تجمع العشيرة عشيرات. وانما تقول عشائر. أمر تعالى بهذه الآية نبيه صلى الله عليه وآله أن يخاطب هؤلاء الذين تخلفوا عن الهجرة إلى دار الاسلام. وأقاموا بدار الكفر، وقال الجبائي: هو خطاب للمؤمنين أجمع وتحذير لهم من ترك الجهاد وحث لهم عليه، فأمره أن يقول لهم {إن كان آباؤكم} الذين ولدوكم {وأبناؤكم} الذين ولدتموهم، وهم الأولاد الذكور {وأزواجكم} جمع زوجة وهي المرأة التي عقد عليها عقدة نكاح صحيح، لأن ملك اليمين والمعقود عليها عقد شبهة لا تسمى زوجة {وعشيرتكم} وهي الجماعة التي ترجع إلى عقد كعقد العشرة. ومنه المعاشرة، وهي الاجتماع على عقد يعم. ومنه العشار النوق التي أتى على حملها عشرة أشهر {وأموال} جمع مال {اقترفتموها} أي اقتطعتموها واكتسبتموها، ومثله الاحتراف. والاقتراف اقتطاع الشيء عن مكانه إلى غيره {وتجارة تخشون كسادها} يعني ما اشتريتموه طلباً للربح تخافون خسرانها ووقوفها {ومساكن} جمع مسكن وهي المواضع التي تسكنونها وترضونها {أحب إليكم من الله ورسوله} يعني آثر في نفوسكم وأقرب إلى قلوبكم. والمحبة إرادة خاصة للشيء فمن أحب الجهاد فقد أراد فعله ومن أحب الله أراد شكره وعبادته ومن أحب النبي أراد إجلاله وإعظامه. والذي اقتضى نزول هذه الاية محبتهم التي منعتهم الهجرة. وقوله {فتربصوا} اي فتثبتوا. والتربص التثبت في الشيء حتى يجيء وقته. والتربص والتنظر والتوقف نظائر في اللغة. ونقيضه التعحل بالامر. وقال مجاهد قوله {حتى يأتي الله بأمره} من عقوبة عاجلة أو آجلة. وقوله {والله لا يهدي القوم الفاسقين} معناه إنه لا يهديهم إلى الثواب والجنة لأنه تعالى قد هداهم إلى الايمان فقال {أية : وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ} ذكر اصول مشتهيات النّفس {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ} اعلم، انّ الانسان واقع بين النّفس والعقل ومقتضيات النّفس هى الاعراض الدّنيويّة المعدودة واصولها فى الآية ومقتضيات العقل الامور الاخرويّة الباقية والانزجار عن الاعراض الفانية ورفضها الا من باب المقدّمة، والمبتلى بالنّفس ومقتضياتها واقع فى جهنّامها ولا محالة يكون سبيله الى السّجّين ودار الشّياطين، والمتنعّم بالعقل ومقتضياته واقع فى طرف الآخرة ولا محالة يكون سبيله الى الجنان ونعيمها، فمن غلب عليه حبّ الاعراض فليعالج نفسه وليتضرّع الى ربّه حتّى لا يكون ممّن اوعده الله بقوله {فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} من ازهاق الرّوح وحضور الموت فانّه حينئذٍ ينكشف له انّه كان فى جهنّام النّفس وسبيله الى السّجّين {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} يعنى انّ اختيار الاعراض الفانية على الامور الباقية فسق والفاسق لا يهديه الله الى سبيل الجنان فوضع الظّاهر موضع المضمر للدّلالة على فسقهم وعلّة تهديدهم، روى انّه لمّا آذن امير المؤمنين (ع) بمكّة ان لا يدخل المسجد الحرام مشرك بعد ذلك العام جزعت قريش جزعاً شديداً وقالوا: ذهبت تجارتنا وضاع عيالنا وخربت دورنا فأنزل الله تعالى قل ان كان اباؤكم (الآية).

اطفيش

تفسير : {قلْ} لهؤلاء الذين لم يهاجروا على ما مر عن ابن عباس، ومجاهد وهذه الآية تؤيد قوليهما لظهورها فيهما، ولا يقال: هى غير ظاهرة فى قول مجاهد من حيث إن مانع العباس وصاحب المفتاح من الهجرة السقاية والعمارة، لأنا نقول: مانعهما حب القرابة والمال والمساكين ونحوها، ولو تعلقا بالساقية والعمارة، والآيتان نزلتا قبل فتح مكة عندهما، كما وجدته نصا بعد ما ترجيته ترجيا فى الأولى، وإذا قلنا: بعد الفتح فذلك زجر عن القعود عن الجهاد، وعن القعود عن السفر لتعلم الشريعة، حبا للقرابة والموطن والمال. {إنْ كانَ آبَاؤكُم وأبْناؤكُم وإخْوانُكُم وأزْواجكُم وعَشِيرتُكم} أقرباؤكم، وقيل: الأدنون من أهلكم الذين تعاشرونهم، هو قيل: مأخوذة من العشرة، فإنها جماعة إلى عقد العشرة، وقيل: من العشرة بمعنى المعاشرة، وقرأ أبو بكر، عن عاصم، وأبو رجاء، وأبو عبد الرحمن، وعصمت: وعشيراتكم جمعا بالألف والتاء، وهو قليل: قال الأخفش: إنما تقول العرب عشائر ولا تكاد تقول عشيرات، وقرأ الحسن: وعشائركم، ووجه الجمع أن المخاطبين ليسوا من عشيرة واحدة، وإنما أفرد الجمهور إرادة للجنس، والخطاب قرينة. {وأمْوالٌ اقْترفْتُموها} اكتسبتموها، وأصل الاقتراف والمقارفة مقاربة الشىء {وتجارةٌ تخْشَون كَسادَها} عدم غلائها، وقال ابن مبارك: المراد البنات يخشون أن لا يجدوا لهن خاطبا. {ومَسَاكنَ} مواضع السكنى كالدور والبيوت والقصور {تَرْضَونها} لم تكرهوها {أحبَّ} خبر كان، وأفرد مع أن ما تقدم غير مفرد لأنه اسم تفضيل منكر، وهو شاذ قياسا، فصح استعمالا من حيث إنه من المبنى للمفعول، وكان الحجاج بن يوسف يقرأ أحب بالرفع، وسئل يحيى بن يعمر: هل تسمعنى ألحن؟ قال: نعم، ترفع أحب فى هذه الآية فنفاه، وقال عياض: له وجه فى العربية، وهو أن يجعل فى كان ضمير الشأن، فيكون أحب خبر المبتدأ بعدها ولم يقرأ بذلك. {إليْكُم مِنَ اللهِ ورسُولهِ وجِهادٍ فى سَبيلِهِ} والمراد الحب الاختيارى، وإلا فالإنسان مطبوع على حب من ألف، وحب المال والوطن والراحة والسلامة {فَتربَّصُوا حتَّى يأتى اللهُ بأمرهِ} قال ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل: هو فتح مكة، وقال الحسن عقوبة عاجلة، أو آجلة، وعنه: القيامة، والأول نص فى أن الآية قبل الفتح، والآية موجبة أبدا أن يختار الإنسان أمر الله على أمر نفسه. {واللهُ لا يهْدِى القَوْم الفَاسِقينَ} لا يستعملهم فى أمر ينفعهم فى الآخرة ما دام تاركا لهم على فسقهم، فما عملوه من طاعة غير نافع لهم، أو لا يهدى من سبق فى علمه موته على الفسق، والفسق هنا الشرك والنفاق، وقيل: الشرك وقد اختلفوا فيمن آمن ولم يهاجر، فقيل: مشرك، وقيل: منافق لا يرث من آمن وهاجر، ولا يرثه هو، قيل: من تولى مشركا فهو مشرك، ومن تولى منافقا فهو منافق، والأول مشكل إلا إن أريد مشرك نزل النص أنه يموت مشركا، أو تولى مشركا لشركه أو عنادا.

اطفيش

تفسير : {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاءُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ} أَقرباؤكم، مأخوذ من العشرة لأَنها جماعة ترجع إِلى العقد عشرة فصاعدا وهى كاملة، والعشرة عقد كامل، ويجوز أَن يكون من معنى المعاشرة فيصدق ولو على أَقل من عشرة، وقيل: العشيرة الأَهل الأَدنون، وقيل: القرابة الذين يكثر بهم ولو أَقل من عشرة، {وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا} اكتسبتموها {وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا} عدم أَن تسام أَو تساوم بنجس {وَمَسَاكِنَ تَرْضَوْنَهَا} حسنة معجبة لكم لم تسمح نفوسكم بفراقها {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ} فلم تتركوهم لأَجل الله، أَو رجعتم إِلى مكة مرتدين {وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ} قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يطعم أَحدكم طعم الإِيمان حتى يحب فى الله تعالى، ويبغض فى الله تعالى"تفسير : حتى يحب فى الله سبحانه أَبعد الناس، ويبغض فى الله عز وجل أَقرب الناس {فَتَرَبَّصُوا} تمهلوا، وهو أَمر تهديد كقوله عز وجل "أية : ومن شاءَ فليكفر" تفسير : [الكهف: 29] أَى ابقوا على الكفر، ولا حاجة إِلى تضمين معنى انتظر، وتقدير المفعول أَى: انتظروا عذاب الله، وقد أَغنى عن ذلك قوله تعالى {حَتَّى يَأْتِىَ اللهُ بِأَمْرِهِ} أَى عذابه عاجلا أَو آجلا، دنيويا أَو أُخرويا، أَو فتح مكة كما هو رواية عن ابن عباس ومجاهد، وفيه أَن السورة بعد فتحها إِلا على ما مر من أَن أَولها قبله، أَو الآية قبله، وقل من لا يختار هؤلاءِ عند الله ورسوله، وقل من يختار ما لله عما له {وَاللهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} هذا وعيد ثان لمن استمر على اختيار ذلك عن الله ورسوله وجهاد فى سبيله، والأَول "تربصوا حتى يأتى الله بأَمره" فتبين أَن المراد بالحب الحب الذى يتسبب فى حصوله أَو الاسترسال فيما كان منه بالطبع دون علاج انتفائه، ومطلق الحب طبيعى، وإِنما يعاقب على الكسبى بتعاطى أَسباب حصوله أَو الاسترسال فى الطبيعى، وسلاهم عن مفارقة من صعبت عليهم مفارقته وذكرهم نعمه بقوله: {لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللهُ} على أَعدائكم {فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} فى ثمانين غزوة، حضر صلى الله عليه وسلم بعضها دون بعض، ومن عد أَقل من الثمانين اقتصر على المشاهير كغزوة بدر وغزوة أُحد، وغزوة قريظة وغزوة النضير وفتح مكة. نذر المتوكل بمال كثير إِن شفاه الله تعالى، فشفاه فسأَل العلماءَ عن الكثير فاختلفوا عليه فقيل: اسأَل أَبا الحسن على بن محمد بن على بن محمد بن على بن موسى الكاظم، وهو من ذرية على وفاطمة، وهو محبوس فى داره، فكتب إِليه فأَجابه فى كتاب بأَن يتصدق بثمانين درهما، ثم سأَلوه عن وجه ذلك، فقال: عددنا تلك المواطن فبلغت ثمانين، والمراد ما يشمل السرايا والبعوث، وقيل: جميع ذلك سبعون، وفى البخارى ومسلم من حديث زيد بن أَرقم: كانت غزواته صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة، زاد بريدة فى حديثه: قاتل فى ثمان منها. والموطن اسم مكان الإِقامة أَو زمانها أَو مصدر، وضعف الزمان بعض، فالمعنى فى أَماكن الحرب أَو أَزمنة الحرب أَو إِقامات الحرب التى أَقمتموها للحرب، والأَول أَولى، ويدل على أَن المواطن للحرب قوله {إِذ أَعجبتكم كثرتكم} إِلخ.. {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} ذكر للخاص بعد العام وهو منصوب بنصركم محذوف، أَو عطف على مواطن إِن جعلناه بمعنى أَزمنة الحرب، وإِن جعلناه أَمكنة قدرنا اذكر يوم حنين، إِذ لا يعطف الزمان على المكان ولا المكان على الزمان، لا يقال: جلست فى المسجد ويوم الجمعة، ولا جلست يوم الجمعة وفى المسجد، بل يسقط العاطف لأَن المتعلق يصلهما بلا عطف، وأَجاز أَبو على الفارسى العطف فيها، وكرهه بعض، والأَقوال فى عطف الزمان أَو المكان على المصدر أَيضا، وهذا غير المصدر، ولا يصح تقدير مضاف هكذا، وموطن يوم حنين على قصد المكان فى الموضعين لأَنه إِن قدر موطن منصوب على الظرفية فكيف ينصب على الظرفية وعامله من غير لفظه ومعناه، وهذا على المشهور ممنوع، وإِن قدر فى موطن يوم فكيف حذف المضاف المجرور مع الجار، وينصب المضاف إِليه، وإِن قدر المضاف أَولا. أَى فى أَزمنة مواطن صرنا فى التقدير قبل الحاجة. وحنين واد إِلى جنب ذى المجاز على ثمانية عشر ميلا بين مكة والطائف، وعبارة بعض بضع عشر ميلا، ومن قال ثلاثة أَميال اعتبر طرفه التالى لمكة {إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} إِذ بدل من يوم بدل شئ من شئ لا بدل اشتمال كما قيل، ولا مانع من عطف مقيد على مطلق وذلك أَن يوم معطوف على ما قبله، وهو مقيد بالكثرة والإِعجاب، ولا كثرة وإِعجابا فى المواطن الكثيرة نحو أَكرم عمراً وزيدا إِذا جاع، أَو عمرًا وزيدا الجائع {فَلَمْ تُغْنِ} تدفع {عَنْكُمْ شَيْئًا} من الضر، أَو لم تغن عنكم غناء، روى أَن صحابيا وهو سلامة بن سلامة بن رقيش. أَرسله صلى الله عليه وسلم جاسوسا فسمع أَميرهم مالك بن غوث يقول: ما اجتمع اليوم أَربعة فى شئ إِلا فرج إِليه، فأَخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وقال:"والله لن يغلبنا عدونا من قلة، وإِن غلبونا فلغير القلة، لأَنا كثيرون، وكره النبى صلى الله عليه وسلم قوله وخاف منه إِذ فيه الاعتماد على الكثرة، وقال سعيد بن جبير: قاله الصديق. وأَبعد منه قول من قال إِنه قاله النبى صلى الله عليه وسلم لأَنه أَبعد الناس عن هذا، لكن ربما يخطر بباله أَو ببال الصديق كما هو شأن البشر لحظة فيغفل عن نفسه، فكان العقاب بالانهزام، ولله أَن يفعل ما يشاء، كما له أَن يفعل ذلك بقول سلمة، بل لعل فى قلوب الصحابة ذلك ولو لم ينطقوا به، أَو فى قلوب أَكثرهم أَو قليل فأَراد الله عز وجل أَن يبين لهم بالمشاهدة، أَن الغلبة بالله لا بالكثرة، وروى أَنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خير الأَصحاب أَربعة وخير السرايا أَربعمائة، وخير الجيوش أَربعة آلاف، ولا تغلب اثنا عشر أَلفا من قلة"تفسير : ، وإِنما قال ذلك لأَن قوله لا ينافى توكله، وكانوا اثنى عشر أَلفا، أَلفان من أَهل مكة وما يليها الذين أَسلموا، وعشرة آلاف من المهاجرين والأَنصار من المدينة ما يليها ومن التحق بهم فى الطريق، وقيل ستة عشر أَلفا، وعليه عطاء، وقال الكلبى: عشرة آلاف، ويجمع أَنهم أَولا عشرة آلاف ثم تلاحق الناس فتح مكة فى رمضان عام ثمانية، وغزا غزوة حنين فى أَواخر رمضان، وأَوائل شوال المتصل به، والمشركون أَربعة آلاف، وقيل أَكثر من عشرين أَلفا، وقتل منهم سبعون ومن المسلمين أَربعة {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ} أَرض القتال كأَنكم لم تجدوا منها موقفا فهربتم لشدة الرعب إِلى غيرها حتى وصل بعض منهزميكم مكة {بِمَا رَحُبَتْ} ما مصدرية والباء بمعنى مع أ َى ضاقت مع سعتها، وذلك كناية عن كونهم مغلوبين، أَو شبه أَرض الغلبة عليهم بأَرض الضيق بجامع عدم انشراح الصدر فيها بالوسع وبوقوع الهم {ثُمَّ وَل‍َّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} أَى توليتم فهو لازم بمعنى أَعرضتم، ولا حاجة إِلى إِبقائه على التعدية، وعليها يقدر وليتموهم أَدباركم فالهاء مفعول أَول أَو ثان أَى جعلتم أَدباركم تالية لهم، أَو جعلتموهم تالين أَدباركم كقوله تعالى "أية : فلا تولَّوهم الأَدبار" تفسير : [الأَنفال: 15] وذلك أَن أَخفاء من الناس لما رأَوا كثرة المسلمين سارعوا وهم شبان لا لباس لهم مما يمنع النبل فرشقهم قوم حداق بالنبل فانهزموا، ولم يبق معه صلى الله عليه وسلم إِلا عمه العباس وابن عمه أَبو سفيان بن الحارث، والحارث قيل هو أَكبر أَعمامه وأَبو سفيان هذا آخذ بلجام بغلته، وقيل: العباس، وقيل: بقى معه العباس وأَبو سفيان ابن الحارث وعلى ابن أَبى طالب، وفى مسلم عن العباس بن عبد المطلب: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلزمت أَنا وأَبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم نفارقه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاءَ أَهداها له صلى الله عليه وسلم فروة بن نفاثة الجذامى، وليس هذا فى البخارى، ويروى أَن معه عمه العباس وابن عمه أَبا سفيان بن الحارث وابنه جعفر، وعلى بن أَبى طالب وربيعة بن الحارث والفضل بن العباس وأسامة بن زيد وأَيمن بن عبيد، وقاتل رضى الله عنه بين يديه صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء كلهم من أَهل بيته وهذه مكرمة عظيمة: شعر : تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فصارا بعد أَبوالا تفسير : وثبت معه أَبو بكر وعمر رضى الله عنهما فهم عشرة قال العباس: شعر : نصرنا رسول الله فى الحرب تسعة وقد فر من قد فر منهم واقشعوا وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه بما مسه فى الله لا يتوجع تفسير : وقيل مائة وثلاثون من المهاجرين، وسبعة وستون من الأَنصار، ويجمع بأَن العباس وأَبا سفيان وعليا ثبتوا معه، والباقين بعدوا عنه قليلا ولم يفروا، وإِنما أَسلم أَبو سفيان وخلص إِسلام العباس يوم الفتح، وحضر صلى الله عليه وسلم الحرب ببغلته لشجاعته، إِذ لا تصلح للكر والفر، وكان يواجهها إِلى جهة العدو وتزول الجبال ولا يزول. وقال للعباس: صح بالناس. وكان يسمع من ثمانية أَميال. فنادى: يا عباد الله، يا أَصحاب الشجرة، سورة البقرة، وأَراد بأَصحاب الشجرة أَهل الحديبية "أية : لقد رضى الله عن المؤمنين إِذ يبايعونك تحت الشجرة" تفسير : [الفتح: 18] وبأَصحاب البقرة المؤمنين فى قوله تعالى "أية : آمن الرسول بما أنزل إِليه من ربه والمؤمنون" تفسير : [البقرة: 285] وقيل: الحافظين لسورة البقرة، وكانوا رؤساءَ الصحابة قليلين، وهو الصحيح، هؤلاء تذكيراً للنعمة، وتلويحاً إِلى أَنه مَنْ هذه صفته لا يليق به الفرار، والدعوة فى الأَنصار: يا معشر الأَنصار، يا معشر الأَنصار. ثم خصت الدعوة فى بنى الحارث بن الخزرج: يا بنى الحارث بن الخزرج، يا بنى الحارث بن الخزرج. ولما نادى أَقبلوا مسرعين بمرة قائلين: لبيك لبيك. فنزلت الملائكة والتقوا مع المشركين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَلا حين حمى الوطيس"تفسير : ، أَو هذا حين حمى الوطيس. هو التنور، أَو المقلى، كناية عن شدة الحرب، ولم يقله أَحد قبله، وفيه تلويح إِلى أَوطاس، وهو الوادى الذى فيه هو، والمعنى شدة الحرب، جمع وطيس كأَيمان ويمين. واستعار لشدة الحرب: حمى الوطيس، وكان يقول: أَنا النبى لا كذب. أَنا ابن عبد المطلب. اللهم أَنزل نصرك، وأَخذ صلى الله عليه وسلم كفا من حصباءَ أَو من تراب، فرماهم بها، وقال: انهزَموا ورب الكعبة (بفتح الزاى) فما أَحد منهم إِلا ملأَ عينيه من التراب. أَخذ القبضة واستقبل وجوههم، وقال: شاهت الوجوه فرماهم.

الالوسي

تفسير : {قُلْ} تلوين للخطاب وأمر له صلى الله عليه وسلم بأن يثبت المؤمنين ويقوي عزائمهم على الانتهاء عما نهوا عنه من موالاة الآباء والإخوان ويزهدهم فيهم وفيمن يجري مجراهم ويقطع علائقهم عن زخارف الدنيا الدنية على وجه التوبيخ والترهيب أي قل يا محمد للمؤمنين {إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ} لم يذكر الأبناء والأزواج فيما سلف وذكرهم هنا لأن ما تقدم في الأولياء وهم أهل الرأي والمشورة والأبناء والأزواج تبع ليسوا كذلك وما هنا في المحبة وهم أحب إلى كل أحد {وَعَشِيرَتُكُمْ} أي ذووا قرابتكم، وقيل: عشيرة الرجل أهله الأدنون، وأياً ما كان فذكره للتعميم والشمول وهو من العشرة أي الصحبة لأنها من شأن القربـى، وقيل من العشرة العدد المعروف وسميت العشيرة بذلك على هذا لكمالهم لأن العشرة كما علمت عدد كامل أو لأن بينهم عقد نسب كعد العشرة فإنه عقد من العقود وهو معنى بعيد. وقرأ أبو بكر عن عاصم {عشيراتكم}، والحسن {عشائركم} وأنكر أبو الحسن وقوع الجمع الأول في كلامهم وإنما الواقع الجمع الثاني. {وَأَمْوٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا} أي اكتسبتموها، وأصل الاقتراف اقتطاع الشيء من مكانه إلى غيره من قرفت القرحة إذا قشرتها والقرف القشر، ووصفت الأموال بذلك إيماء إلى عزتها عندهم لحصولها بكد اليمين وعرق الجبين {وَتِجَـٰرَةٌ} أي أمتعة اشتريتموها للتجارة والربح {تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا} بفوات وقت رواجها بغيبتكم عن مكة المعظمة في أيام المواسم {وَمَسَـٰكِنُ تَرْضَوْنَهَا} منازل تعجبكم الإقامة فيها، والتعرض للصفات المذكورة للإيذان بأن اللوم على محبة ما ذكر من زينة الحياة الدنيا لا ينافي ما فيها من مبادىء المحبة وموجبات الرغبة فيها وأنها مع مالها من فنون المحاسن بمعزل عن أن تكون كما ذكر سبحانه بقوله: {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} بالحب الاختياري المستتبع لأثره الذي هو الملازمة وتقديم الطاعة لا ميل الطبع فإنه أمر جبلي لا يمكن تركه ولا يؤاخذ عليه ولا يكلف الإنسان بالامتناع عنه {وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ} أي طريق ثوابه ورضاه سبحانه، ولعل المراد به هنا أيضاً الإخلاص ونحوه لا الجهاد وإن أطلق عليه أيضاً أنه سبيل الله تعالى، ونظم حب هذا في سلك حب الله تعالى شأنه وحب رسوله عليه الصلاة والسلام تنويهاً بشأنه وتنبيهاً على أنه مما يجب أن يحب فضلاً عن أن يكره وإيذاناً بأن محبته راجعة إلى محبة الله عز وجل ومحبة حبيبه صلى الله عليه وسلم فإن الجهاد عبارة عن قتال أعدائهما لأجل عداوتهم فمن يحبهما يجب أن يحب قتال من لا يحبهما {فَتَرَبَّصُواْ} أي انتظروا {حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} أي بعقوبته سبحانه لكم عاجلاً أو آجلاً على ما روي عن الحسن واختاره الجبائي، وروي عن ابن عباس ومجاهد ومقاتل أنه فتح مكة. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} أي الخارجين عن الطاعة في موالاة المشركين وتقديم محبة من ذكر على محبة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم أو القوم الفاسقين كافة ويدخل المذكورون دخولاً أولياً، أي لا يهديهم إلى ما هو خير لهم، والآية أشد آية نعت على الناس ما لا يكاد يتخلص منه إلا من تداركه الله سبحانه بلطفه، وفي الحديث عن النبـي صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتى يحب في الله تعالى ويبغض في الله تعالى حتى يحب في الله سبحانه أبعد الناس ويبغض في الله عز وجل أقرب الناس» تفسير : والله تعالى الموفق لأحسن الأعمال. ومن باب الإشارة: أنه سبحانه أشار إلى تمكن رسوله عليه الصلاة والسلام ووصول أصحابه رضي الله تعالى عنهم إلى مقام الوحدة الذاتية بعد أن كانوا محتجبين بالأفعال تارة وبالصفات أخرى وبذلك تحققت الضدية على أكمل وجه بينهم وبين المشركين فنزلت البراءة وأمروا بنبذ العهد ليقع التوافق بين الباطن والظاهر وأمر المشركون بالسياحة في الأرض أربعة أشهر على عدد مواقفهم في الدنيا والآخرة تنبيهاً لهم فإنهم لما وقفوا في الدنيا مع الغير بالشرك حجبوا عن الدين والأفعال والصفات والذات في برزخ الناسوت فلزمهم أن يوقفوا في الآخرة على الله عز وجل ثم على الجبروت ثم على الملكوت ثم على النار في جحيم الآثار فيعذبوا بأنواع العذاب. ومن طبق الآيات على ما في الأنفس ذكر أن هذه المدة هي مدة كمال الأوصاف الأربعة النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية ثم قال سبحانه لهم: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ} إذ لا بد من حبسكم في تلك المواقف بسبب وقوفكم مع الغير بالشرك {أية : وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِي ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [التوبة: 2] المحجوبين عن الحق بافتضاحهم عند ظهور رتبة ما عبدوه من دونه ووقوفهم معه على النار {وَأَذَانٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجّ ٱلأَكْبَرِ} أي وقت ظهور الجمع الذاتي في صورة التفصيل {أية : أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ } تفسير : [التوبة: 3] المراد بذلك كمال المخالفة والتضاد وانقطاع المدد الروحاني، والمراد من قوله سبحانه: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً } تفسير : [التوبة: 4] الذين بقيت فيهم مسكة من الاستعداد وأثر من سلامة الفطرة وبقايا من المروءة أمر المؤمنون أن يتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم وهي مدة تراكم الدين وتحقق الحجاب إن لم يرجعوا ويتوبوا ثم قال سبحانه بعد أن ذكر ما ذكر: {ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} أي علماً {وَهَاجَرُواْ} أي هجروا الرغائب الحسية والأوطان النفسية {وَجَـٰهَدُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوٰلِهِمْ } وهي أموال معلوماتهم ومراداتهم ومقدوراتهم، والجهاد بهذه إشارة إلى محو صفاتهم، والجهاد بالأنفس إشارة إلى فنائها في الله تعالى أولئك {أَعْظَمُ دَرَجَةً } في التوحيد {أية : عَندَ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 20] تعالى {يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ} وهو ثواب الأعمال {وَرِضْوَانٍ} وهو ثواب الصفات {أية : وَجَنَّـٰتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ } تفسير : [التوبة: 21] وهو مشاهدة المحبوب الذي لا يزول وذلك جزاء الأنفس، ووجه الترتيب على هذا ظاهر وإنما تولى الله تعالى بشارتهم بنفسه عز وجل ليزدادوا حباً له تبارك وتعالى لأن القلوب مجبولة على حب من يبشرها بالخير. ثم إنه سبحانه بين أن القرابة المعنوية والتناسب المعنوي والوصلة الحقيقية أحق بالمراعاة من الاتصال الصوري مع فقد الاتصال المعنوي واختلاف الوجهة وذم سبحانه التقيد بالمألوفات الحسية وتقديمها على المحبوب الحقيقي والتعين الأول له والسبب الأقوى للوصول إلى الحضرة وتوعد عليه بما توعد نسأل الله تعالى التوفيق إلى ما يقربنا منه إنه ولي ذلك.

ابن عاشور

تفسير : ارتقاء في التحذير من العلائق التي قد تفضي إلى التقصير في القيام بواجبات الإسلام، فلذلك جاءت زيادة تفصيل الأصناف من ذوي القرابة وأسبابِ المخالطة التي تكون بين المؤمنين وبين الكافرين، ومن الأسباب التي تتعلّق بها نفوس الناس فيَحول تعلّقُهم بها بينَهم وبين الوفاء ببعض حقوق الإسلام، فلذلك ذكر الأبناءُ هنا لأنّ التعلّق بهم أقوى من التعلّق بالإخوان، وذُكر غيرهم من قريب القرابة أيضاً. وابتداء الخطاب بــــ {قُل} يشير إلى غِلَظِه والتوبيخ به. والمخاطب بضمائر جماعة المخاطبين: المؤمنون الذين قصروا في بعض الواجب أو المتوقّع منهم ذلك، كما يشعر به اقتران الشرط بحرف الشّكّ وهو {إنْ} ويفهم منه أنّ المسترسلين في ذلك المُلابِسينَ له هم أهل النفاق، فهم المعرَّض لهم بالتهديد في قوله: {فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين}. وقد جمعت هذه الآية أصنافاً من العلاقات وذويها، من شأنها أن تألفها النفوس وترغب في القرب منها وعدم مفارقتها، فإذا كان الثبات على الإيمان يجرّ إلى هجران بعضها كالآباء والإخوان الكافرين الذين يهجر بعضهم بعضاً إذا اختلفوا في الدين، وكالأبناء والأزواج والعشيرة الذين يألف المرء البقاء بينهم، فلعلّ ذلك يقعده عن الغزو، وكالأموال والتجارة التي تصدّ عن الغزو وعن الإنفاق في سبيل الله. وكذلك المساكن التي يألف المرء الإقامة فيها فيصدّه إلفها عن الغزو. فإذا حصل التعارض والتدافع بين ما أراده الله من المؤمنين وبين ما تَجُرُّ إليه تلك العلائق وجب على المؤمِن دحضها وإرضاء ربّه. وقد أفاد هذا المعنى التعبير بــــ {أحب} لأنّ التفضيل في المحبّة يقتضي إرضاء الأقوى من المحبوبين، ففي هذا التعبير تحذير من التهاون بواجبات الدين مع الكناية عن جعل ذلك التهاون مُسبّباً على تقديم محبّة تلك العلائق على محبّة الله، ففيه إيقاظ إلى ما يؤول إليه ذلك من مهواة في الدين وهذا من أبلغ التعبير. وخصّ الجهاد بالذكر من عموم ما يحبّه الله منهم: تنويهاً بشأنه، ولأنّ ما فيه من الخطر على النفوس ومن إنفاق الأموال ومفارقة الإلف، جَعله أقوى مظنّة للتقاعس عنه، لا سيما والسورة نزلت عقب غزوة تبوك التي تخلّف عنها كثير من المنافقين وبعضُ المسلمين. و(العَشيرة) الأقارب الأدْنَوْن، وكَأنه مشتقّ من العِشْرة وهي الخلطة والصحبة. وقرأ الجمهور {وعشيرتكم} ــــ بصيغة المفرد ــــ وقرأه أبو بكر عن عاصم {وعشيراتكم} جمع عشيرة ووجهه: أنّ لكلّ واحد من المخاطبين عشيرة، وعن أبي الحسن الأخفش: إنّما تَجمعَ العرب عشيرة على عشائر ولا تكاد تقول عَشيرات، وهذه دعوى منه، والقراءة رواية فهي تَدفَع دَعواه. والاقتراف: الاكتساب، وهو مشتقّ من قارف إذا قارَب الشيء. والكساد، قلّة التبايع وهو ضدّ الرَّولج والنَّفاق، وذلك بمقاطعة طوائف من المشركين الذين كانوا يتبايعون معهم، وبالانقطاع عن الاتّجار أيام الجهاد. وجُعل التفضيل في المحبّة بين هذه الأصناف وبين محبّة الله ورسوله والجهاد: لأنّ تفضيل محبّة الله ورسوله والجهاد يوجب الانقطاع عن هذه الأصناف، فإيثار هذه الأشياء على مَحبة الله يفضي موالاة إلى الذين يستحبّون الكفر، وإلى القعود عن الجهاد. والتربّص: الانتظار، وهذا أمر تهديد لأنّ المراد انتظار الشرّ. وهو المراد بقوله: {حتى يأتي الله بأمره} أي الأمر الذي يظهر به سوء عاقبة إيثاركم محبّة الأقارب والأموال والمساكين، على محبّة الله ورسوله والجهادِ. والأمر: اسم مبهم بمعنى الشيء والشأن، والمقصود من هذا الإبهام التهويل لتذهب نفوس المهدَّدين كلّ مذهب محتمل، فأمر الله: يحتمل أن يكون العذَابَ أو القتل أو نحوهما، ومن فسّر أمر الله بفتح مكة فقد ذهل لأنّ هذه السورة نزلت بعد الفتح. وجملة {والله لا يهدي القوم الفاسقين} تذييل، والواو اعتراضية وهذا تهديد بأنّهم فضلوا قرابتهم وأموالهم على محبّة الله ورسوله وعلى الجهاد فقد تحقّق أنّهم فاسقون والله لا يهدي القوم الفاسقين فحصل بموقع التذييل تعريض بهم بأنّهم من الفاسقين.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 24- قل - يا أيها الرسول - للمؤمنين: إن كنتم تحبون آباءكم وأبناءكم وإخوانكم وأزواجكم، وأقرباءكم، وأموالاً اكتسبتموها، وتجارة تخافون بوارها، ومساكن تستريحون للإقامة فيها أكثر من حبكم لله ورسوله والجهاد فى سبيله، حتى شغلتكم عن مناصرة الرسول، فانتظروا حتى يأتى الله بحكمه فيكم وعقوبته لكم. والله لا يهدى الخارجين على حدود دينه. 25- لقد نصركم الله - أيها المؤمنون - على أعدائكم فى كثير من المواقع بقوة إيمانكم، وحين غرتكم كثرتكم فى معركة "حُنَيْن" ترككم الله لأنفسكم أول الأمر، فلم تنفعكم كثرتكم شيئاً، وظهر عليكم عدوكم، ولشدة الفزع ضاقت عليكم الأرض، فلم تجدوا سبيلا للقتال أو النجاة الشريفة، ولم يجد أكثركم وسيلة للنجاة غير الهرب، ففررتم منهزمين، وتركتم رسول الله مع قلة من المؤمنين. 26- ثم أدركتكم عناية الله، فأنزل الطمأنينة على رسوله، وملأ بها قلوب المؤمنين، وأمدَّكم بالملائكة جنوده التى ثبتت أقدامكم، ولم تروها، فانتصرتم.. وأذاق الله أعداءكم مرارة الهزيمة، وذلك جزاء الكافرين فى الدنيا. 27- ثم يقبل الله توبة من يشاء من عباده فيغفر ذنبه، إذا رجع عنه مخلصاً، والله عظيم المغفرة واسع الرحمة.

د. أسعد حومد

تفسير : {آبَاؤُكُمْ} {وَإِخْوَانُكُمْ} {وَأَزْوَاجُكُمْ} {وَأَمْوَالٌ} {وَتِجَارَةٌ} {وَمَسَاكِنُ} {ٱلْفَاسِقِينَ} (24) - ثُمَّ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِتَوَعُّدِ مَنْ آثَرَ حُبَّ القَرَابَةِ وَالعَشِيرَةِ وَالأهْلِ وَالتِّجَارَةِ وَالأمْوَالِ وَالمَسَاكِنِ... عَلَى حُبِّ اللهِ وَرَسُولِهِ وَالجهَادِ فِي سَبيلِهِ، بِأنْ يَتَرَبَّصُوا أمْرَ اللهِ فِيهِمْ، وَيَنْتَظِرُوا عِقَابَه وَنَكَالَهُ بِهِمْ، وَاللهُ تَعَالَى لاَ يَهْدِي الفَاسِقِينَ الخَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ سَوَاءَ السَّبِيلِ. الأمْوَالُ المُقْتَرَفَةُ - هِيَ التِي يَكْسِبُهَا المَرْءُ بِنَفْسِهِ. كَسَادَهَا - بَوَارَهَا بِفَوَاتِ أَيَّامِ المَوْسِمِ. فَتَرَبَّصُوا - فَانْتَظرُوا.

الثعلبي

تفسير : ثم قال: {قُلْ} يا محمد للمتخلّفين عن الهجرة والجهاد {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ} وقرأ أبو رجاء ويعقوب وعشيراتكم بالألف على الجمع واختلف فيه عن عاصم {وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا} اكتسبتموها وقال قتادة: اكتسبتموها {وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا} وهو ضد النفاق وأصله البقاء. قال الشاعر: شعر : كسدن من الفقر في قومهن وقد زادهن مقامي كسودا تفسير : {وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ} (تعجبكم) قال السدي: يعني القصور والمنازل {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ} فانتظروا {حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} قال عطاء: بقضائه، وقال مجاهد ومقاتل: يعني فتح مكة {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي} لا يُرشد ولا يوفّق {ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} الخارجين من طاعته إلى معصيته. {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ} أيّها المؤمنون {فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} أي مشاهدوها أماكن حرب تستوطنون فيها أنفسكم على لقاء عدوكم {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} يعني وفي يوم حنين وهو واد بين مكة والطائف. وقال عروة بن الزبير: هو واد إلى جنب ذي المجاز والحري، ولأنه اسم لمذكر فقد يترك إجزاؤه يراد به اسم البلدة التي هو بها، ومنه قول الشاعر: شعر : نصروا نبيهم وشدّوا أزره بحنين يوم تواكل الابطال تفسير : وكانت قصة حنين على ما ذكره المفسّرون بروايات كثيرة لفّقتها ونسّقتها لتكون أقرب إلى الأفهام وأحسن [.....] حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح مكة وقد بقيت عليه أيام من شهر رمضان ثم خرج متوجهاً إلى حنين لقتال هوازن وثقيف في اثني عشر الفاً، عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وألفان من الطائف . تفسير : قال قتادة، وقال مقاتل: كانوا أحد عشر ألفاً وخمسمائة، وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف وكانوا يومئذ أكثر ما كانوا [.......] وكان المشركون أربعة آلاف من هوازن وثقيف، وعلى هوازن ملك بن عوف النضري، وعلى ثقيف كنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفي، فلما التقى الجمعان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لن تُغلب اليوم من قلّة تفسير : ، ويقال: بل قال ذلك رجل من المسلمين يقال له سلمة بن سلامة (وسمع) رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه، ووكلوا إلى كلمة الرجل. قال: فاقتتلوا قتالاً شديداً. فانهزم المشركون وخلوا من الذراري، ثم نادوا: ياحماة السوء اذكروا الفضائح، فتراجعوا وانكشف المسلمون. وقال قتادة: وذُكر لنا أن الطلقاء (إنجفلوا) يومئذ بالناس وسأل رجل البراء بن عازب: أفررتم يوم حنين؟ فقال: كانت هوازن رماة وإنّا لمّا حملنا عليهم وانكشفوا وأقبلنا على الغنائم، فاستقبلوا بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الكلبي: كان حول رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ثلاثمائة من المسلمين وانهزم سائر الناس عنهم. وقال الآخرون: لم يبق يومئذ مع النبي صلى الله عليه وسلم غير العباس بن عبد المطلب وعلي وأيمن بن أم أيمن، وقُتل يومئذ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وطفق رسول الله يركض بغلته نحو الكفار لا يألوا، وكانت بغلة شهباء أهداها له فروة الجدامي. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا العمري، حدّثنا أحمد بن محمد، حدّثنا الحمامي، حدّثنا شريك عن أبي إسحاق، حديث : قيل للبراء: كان النبي صلى الله عليه وسلم فيمن ولى دبره يوم حنين قال: والذي لا إله إلاّ هو ماولّى رسول الله دبره قط، لقد رأيناه وأبو سفيان بن الحرث آخذ بالركاب والعباس آخذ لجام الدابة، وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا بن عبد المطلب، قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: ناد يامعشر المهاجرين ويامعشر الأنصار وكان العباس رجلاً صويّتاً. ويروى من شدة صوت العباس أنه أُغير يوماً على مكة فنادى: واصباحاه فأسقطت كل حامل سمعت صوته جنينها. فجعل ينادي: ياعباد الله، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، وعطف المسلمون حين سمعوا صوته عطفة البقر على أولادها فقالوا: يالبيك يالبيك يالبيك وجاؤوا عنقاً واحداً فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عصابة من الأنصار فقال: هل معكم غيركم؟ فقالوا: يانبي الله لو عمدت إلى برك العماد من ذي يمن لكنّا معك، ثم أقبل المشركون فالتقوا هم والمسلمون، وتنادى الأنصار: يامعشر الأنصار أم قصرت الدعوة على بني الحرث والخزرج، فتنادوا فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول إلى قتالهم فقال هذا حين حمي الوطيس، فأخذ بيده كفّاً من (الحبِّ) فرماهم وقال: شاهت الوجوه، ثم قال: انهزموا ورب الكعبة، انهزموا ورب الكعبة. تفسير : قال: فوالله مازال أمرهم مدبراً وجدّهم كليلا حتى هزمهم الله تعالى. قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: ما بقي منا أحد يومئذ إلا وامتلأت عيناه من ذلك التراب، قال يزيد بن عامر وكان في المشركين يومئذ: فانصرفنا ما بقي منّا أحد، وكأن أعيننا عميت فأنجز الله وعده وأنزل نصره وجنده فقهر المشركين ونصر المسلمين، وقال سعيد بن جبير: أمدَّ الله (المسلمين) بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، وقال الحسن: كانوا ثمانية آلاف من الملائكة. قال عطاء: كانوا ستة عشر ألفاً، وقال سعيد بن المسيب: حدّثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقفوا لنا حلب شاة، فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم، حتى إذا انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقّانا رجال بيض الوجوه، حسان الوجوه فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا، فرجعنا وركبوا أكتافنا فكانوا إياها، يعني الملائكة. وفي الخبر حديث : أن رجلاً من بني نضر يقال له شجرة قال للمؤمنين بعد القتال: أين الخيل البلق، والرجال عليهم ثياب بيض ما كنا نراكم فيها [.........]، وما كان قتلنا إلا بأيديهم فأخبروا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: تلك الملائكة . تفسير : قال الزهري: وبلغني أن شيبة بن عثمان قال: حديث : استدبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وأنا أريد أن أقتله بطلحة بن عثمان، وعثمان بن طلحة، وكانا قد قتلا يوم أُحد، فأطلع الله تعالى رسوله على ما في نفسي فالتفت إليَّ وضرب في صدري وقال: أُعيذك بالله يا شيبة، فارتعدت فرائصي فنظرت إليه وهو أحبّ إليَّ من سمعي ومن بصري فقلت: أشهد أنك رسول الله، وأن الله أطلعك على ما في نفسي . حديث : فلمّا هزم الله المشركين ولّوا مدبرين وانطلقوا حتى أتوا [أوطاس] وبها عيالهم وأموالهم فبعث رسول الله إلى هناك رجلاً من الأشعريين يقال له: أبو عامر وأمّره على الناس، فسار إليهم فاقتتلوا بها، ثم إن الله هزمهم، وثبتوا قبال المشركين وهزم أميرهم مالك بن عوف النضري، فأتى الطائف فتحصّن بها وأخذ أهله وماله فيمن أخذ، وقتل أمير المسلمين ابن عامر، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى الطائف من فوره ذلك فحاصرهم بقية ذلك الشهر، فلمّا دخل ذو القعدة وهو شهر حرام لا يحلّ فيه القتال انصرف عنهم فأتى الجعرانة فأحرم فيه بعمرة، فقسم بها النبي المال وغنائم حنين وأوطاس وتألّف أُناساً، كأبي سفيان بن حرب والحرث بن هشام وسهيل بن عمرو والأقرع بن حابس فأعطاهم فجعل يعطي الرجل منهم الخمسين والمائة من الإبل، فقالت الأنصار:حنَّ الرجل وآثر قومه يا للعجب إنّ أسيافنا تقطر من دمائهم وإن غنائمنا ترد عليهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبة من أدم فجمعهم فقال لهم: يا معشر الأنصار ما هذا الذي بلغني عنكم. فقالوا: هو الذي بلغك، وكانوا لا يكذبون، فقال: ألم تكونوا ضلالا فهداكم ا لله بي، وكنتم أذلاء فأعزكم الله بي، وكنتم وكنتم، فقال سعيد بن عبد الله: أتأذن لي أتكلم، فقال: تكلم. قال: أما قولك: كنتم ضلالاً فهداكم الله بي، فكنّا كذلك، وأما قولك: كنتم أذلّة فأعزّكم الله فقد علمت العرب أنه ما كان حي من أحياء العرب أمنع لما وراء ظهورهم منّا. فقال عمر: يا سعيد أتدري من تُكَلِّم؟ قال: يا عمر أُكلّم رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لو سلكت الأنصار وادياً لسلكتُ وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، الأنصار كرشي وعيبتي فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم، ثم قال: يا معشر الأنصار أما ترضون أن ينقلب الناس بالإبل والشاة وتنقلبون برسول الله إلى بيوتكم". فقالت الأنصار: رضينا بالله ورسوله، والله ما قلنا ذلك إلا ضنّاً بالله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم . تفسير : فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قام خطيباً فقال: حديث : أما إنّ خطيب الأنصار قد قال: كنت طريداً فآويناك، وكنت خائفاً فأمّنّاك، وكنت مخذولاً فنصرناك، وكنت وكنت، فإنّه قد صدق، فبكت الأنصار، وقالت بل الله ورسوله أعظم علينا منّاً . تفسير : قال قتادة: وذكر لنا حديث : أن ظئر النبي صلى الله عليه وسلم التي أرضعته من بني سعد أتته يوم حنين وسألته سبايا يوم حنين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لا أملكهم إنّما لي نصيبي منهم، ولكني ائتني غداً فسليني والناس عندي، فإني إذا أعطتيك نصيبي أعطاك الناس، فجاءت في الغد فبسط لها ثوبه فقعدت عليه ثم سألته ذلك فأعطاها نصيبه، فلما رأى الناس منه أعطوها أنصباءهم . تفسير : قال الزهري: أخبرني سعيد بن المسيب حديث : أنهم أصابوا يومئذ ستة آلاف سبي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر منادياً ينادي يوم أوطاس: ألا لاتوطأ الحبالى حتى يضعن، ولا غير الحبالى حتى يستبرئن بحيضة. ثم [....] من هوازن أقبلوا مسلمين بعد ذلك فقالوا: يارسول الله أنت خير الناس وأبرّهم وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن عندي من ترون، وخير القول أصدقه، اختاروا إمّا ذراريكم ونساءكم، وإمّا أموالكم، فقالوا: ماكنا نعدل بالأحساب شيئاً، فقام النبي منتصباً فقال: إن هؤلاء قد جاءوني مسلمين، وإنا خيّرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئاً، فأمّا ما أصاب بنو هاشم رددناه إليهم، فمن كان بيده منهم شيء وطابت نفسه أن يردّه عليهم فذلك، ومن لا فليعطنا وليكن قرضاً علينا حتى نصيب شيئاً فنعطيه مكانه، ومن لم يرد ففديته خمسون من الابل. فلما رأى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ردّ قالوا يانبي الله رضينا وسلّمنا، فقال النبي: لا أدري لعلّ منكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إليه فرفعت إلينا العرفاء أن قد رضوا وسلّموا، وردوا جميعاً غير رجل واحد وهو صفوان بن أميّة لأنه وقع على امرأة أصابها فحبلت منه . تفسير : فأنزل الله {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} حتى قلتم: لن نُغلب اليوم من قلّة {فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ} كثرتكم {شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} أي برحبها وسعتها وهما المصدر {ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} منهزمين {ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ} بعد الهزيمة {سَكِينَتَهُ} يعني الأَمَنة والطمأنينة وهي فعيلة من السكون {عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} يعني الملائكة {وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالقتل والأسر وسلب الاموال {وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} فيهديه إلى الإسلام ولايؤاخذه بما سلف {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} لعباده المؤمنين {رَّحِيمٌ} بهم.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليبلغه للمؤمنين. وقد جاء سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة بمراحل القرابة، فذكر أولاً صلة النسب من آباء وأبناء وإخوة، ثم الزواج، وهو وسيلة التكاثر، ثم الأهل والعشيرة، ثم الأموال التي نملكها فعلاً، ثم الأموال التي نريد أن نكسبها، ثم المساكن التي نرضى بها، وبعد ذلك ذكر التجارة التي تزيد من المال. وفرَّق الله سبحانه بين الأموال التي في حوزتنا وبين التجارة؛ لأن التجارة قد تأتي لنا بأموال فوق الأموال، والإنسان لا يحصل على سكن إلا إذا كان عنده فائض من المال. ويذكرنا الحق سبحانه هنا إن كانت أي مسألة من هذه الأشياء، وهي زينة الحياة الدنيا أحب إليكم من الله ورسوله والجهاد في سبيل الله {فَتَرَبَّصُواْ} أي انتظروا حتى يأتيكم أمر الله، وجينئذ ستعرفون القيمة الحقيقية للدنيا وقيمة ما عند الله تعالى من رضاء ونعيم. ولهذه الآية الكريمة أسباب نزول، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أُمِرَ بالهجرة من مكة إلى المدينة، أمر المسلمين بالهجرة، فتركوا أموالهم التي اكتسبوها بمكة وتجاراتهم ومساكنهم، وآبائهم وأبنائهم، وإخوانهم وأزواجهم وعشائرهم، التي تستطيع حمايتهم، تركوا كل هذا وهاجروا لأرض جديدة. ولكن من المسلمين من ركنوا للدنيا فبقوا بجوار أموالهم وأواجهم وأبنائهم المشركين، وكانت الواحدة من النساء المشركات تتعلق بقدمي زوجها المسلم الذي يريد الهجرة حتى لا يتركها فكان قلبه يرقُّ لها، ومنهم من كان يخشى ضياع ماله وكساد تجارته، التي بينه وبين المشركين، فنزلت هذه الآية. إن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يوضح قيمة الانتماء الإيماني ويدرب المؤمنين عليه. فقد كان المسلم لا يتم إيمانه حتى يهاجر، ويصارم أهله وأقاربه ويقاطعهم، فشق ذلك عليهم. وقالوا: يا رسول الله إن نحن اعتزلنا من خالفنا في ديننا قطعنا آباءنا وأبناءنا وأزواجنا وأقاربنا، وخفنا على أموالنا وتجارتنا من الفساد، وخفنا على مساكننا أن تخرب، وبذلك نضيع، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وكأنها تأمرهم بأن كسب الإيمان أعلى من أي كسب آخر، فأنزل الحق سبحانه وتعالى الآية الكريمة: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ} [التوبة: 24]. ولما نزلت هذه الآية الكريمة أخذها الصحابة مأخذ الجد وهاجروا؛ وقاطعوا آباءهم وأبناءهم، حتى إن الواحد منهم كان يلقى أباه أو ابنه فلا يكلمه، ولا يدخله بيته، ولا ينزله في منزله إن لقيه، ولا ينفق عليه، إلى أن نزلت الآية الكريمة: {أية : وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً}تفسير : [لقمان: 15]. أي: أن المعروف معهم يقتصر فقط في المعاملة وفي الإنفاق على المحتاج. أما الطاعة لهم فيما يغضب الله فهي محرمة. وحاول بعض المستشرقين أن يطعن في القرآن، فمنهم من قال: إن هناك تعارضاً بين آيات القرآن الكريم، فالآيتان اللتان ذكرناهما؛ الأولى تطلب مقاطعة الآباء والأبناء إن استحبوا الكفر على الإيمان، والآية الثانية تطلب مصاحبتهم بالمعروف أو عدم القطيعة، وآية ثالثة تقول: {أية : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}تفسير : [المجادلة: 22]. ولم يفطن هؤلاء إلى أن هناك فارقاً بين الود والمعروف، فالود هو عمل القلب، فأنت تحب بقلبك، ولكن المعروف ليس من عمل القلب لأنك قد تصنع معروفاً في إنسان لا تعرفه، وقد تصنع معروفاً في عدوك حين تجده في مأزق، ولكنك لا تحبه ولا توده. إذن: فالمنهي عنه أن يكون بينك وبين من يحادون الله ورسوله حب ومودة، أما المعروف فليس منهيا عنه؛ لأن الله يريد للنفس الإيمانية أن تعترف بفضل الأبوة، فإن وجدت أباك وهو غير مؤمن في مأزق فاصنع معه معروفاً وساعده، لكن عليك ألا تطيعه فيما يغضب الله؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يربي في النفس الإيمانية أن تحترم من له فضل عليها. والأب والأم من أسباب الوجود الفرعي في الحياة، لذلك جاء الأمر بمصاحبتهما بالمعروف في الدنيا، شرط ألا نقبل منهما دعوتهما للكفر إن كانا من أهل الكفر، لأن إيمانك بالله لا بد أن يكون هو الأقوى. ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار ". تفسير : وذلك حتى لا يكون مقياس الحب هو النسب أو القربى، وإنما يكون القرب من الله سبب الحب، والبعد عن الله سبب الكره. فقضية الإيمان تَجُبُّ قضية العاطفة. ففي معركة بدر كان سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما ابنه فلم يكن قد أسلم بعد وكان مع الكفار، فلما أسلم ابن أبي بكر وآمن؛ قال لأبيه: لقد رأيتك يوم بدر فلويت وجهي عنك حتى لا أقتلك. فرد سيدنا أبو بكر رضي الله عنه: لو أني رأيتُكَ لقتلتُكَ. وهذا منطقي مع الإيمان لأن الموازنة النفسية اقتضت أن يقارن ابن أبي بكر بين أبيه وبين صنم يعبده؛ فرجحت كفة أبيه، ولكن أبا بكر حين رأى ابنه قارن بين ربه وابنه فرجحت كفة ربه. وإذا كان ذلك عن القرابة، وكيف يَجُبُّ الإيمان العاطفة، فماذا عن المال؟ يتابع المولى سبحانه وتعالى: {وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا} أي: أخذتموها بمشقة، وهي مأخوذة من "القرف" وهي القشر، وأنت إن أردت إزالة القشر عن حبة نبات ما، قد تجد شيئا من المشقة؛ لأن هناك التصاقا بين القشرة والحبة، والحق هنا يقول: {وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا} أي: أخذتموها بجهد ومشقة، وهو غير المال الموروث الذي لم يتعب فيه صاحبه، وإنما ورثه عن غيره، وفي هذه الحالة قد يكون أمره هيناً على صاحبه. أما المال الذي كسبه الإنسان بعرق جبينه وكدِّه فصاحبه أكثر حرصاً عليه من المال الموروث. ويقال: "فلان اقترف كذا"، أي: أنه قام بجهد حتى حصل عليه، ويقال: "اقترف الكذب" و"اقترف السرقة"، بمعنى أنه قد بذل جهدًا ليكذب، أو بذل جهدًا ليسرق، أي: قام بعملية فيها مجهود. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ} وسبحانه هنا يوضح لهم: انتظروا أمر الله الذي سوف يأتي، لأنه سبحانه لا يهدي فاسقاً خرج عن الإيمان، ولا يهدي من جعلوا حبهم للعلاقات الدنيوية فوق حب الله فخرجوا عن مشيئة هداية الله تعالى، فسبحانه لا يهديهم كما لا يهدي الظالمين أو الكافرين؛ لأن هؤلاء هم من قدموا الظلم والكفر والفسق، فكان ذلك سببا في أن الله لم يدخلهم في مشيئة هداية المعونة على الإيمان، أما هداية الدلالة فقد قدمها لهم. ثم أراد الحق سبحانه وتعالى أن يبعث الطمأنينة الإيمانية في نفوس المؤمنين، فيوضح لهم: إن كنتم تريدون بالآباء والأبناء والعشيرة والأقربين والمال قوة، فاعلموا أن قوة المؤمن من ربه، وإياك أن تنظر إلى ولي آخر غير الله؛ لأن ولاية البشر عرضة للتغير والتبدل، حيث إن الإنسان حدث يتقلب بين الأغيار، فالغني فيها قد يصبح فقيرا، والسليم قد يصبح مريضاً، والقوي قد يصير ضعيفاً، ولكن الولاية الدائمة إنما تكون من قادر قاهر لا يتغير، فإذا كان الله وليك فهو القادر دائمًا، والقاهر دائمًا، والغالب دائمًا، والموجود دائماً، والناصر دائماً، ولكن إذا كانت الولاية من إنسان لإنسان فالأغيار في الدنيا تجعل الصديق ينقلب عدواً، والمعين يصبح ضعيفاً لا يملك شيئا، والموجود يصبح لا وجود له بالموت، إذن: فلا بد أن تجعل ولايتك مع الله سبحانه وتعالى: لأنه هو الدائم الباقي. ولهذا يعلِّم المولى - عز وجل - عبده المؤمن أن يكون دائماً يقظاً، فطناً، لبيباً، فيقول سبحانه وتعالى: {أية : وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ} تفسير : [الفرقان: 58]. أي: لا تتوكل على من قد تصبح غداً فتجده ميتاً، ولكن توكل على الحي الموجود دائما، العزيز الذي لا يقهر، القوي الذي لا يغلب. وينبه الحق سبحانه وتعالى المؤمنين: إن كنتم تخشون حين نعزلكم عن مجتمع الكفر لما فيه من عزوة كاذبة بالآباء والأبناء والإخوان والأقارب والمال، فاعلموا أن الله هو الذي ينصر، وهو الولي، ولكن الكافرين لا مولى لهم؛ لأنهم يتخذون موالي من أغيار، والأغيار لا ثقة فيها؛ لذلك يقال: إذا وصل الإنسان إلى القمة فهذه نهاية الكمال، لأنه ما دام قد وصل إلى القمة وكل شيء في الدنيا يتغير، فلا بد أن يتغير هو. ويقول القائل: شعر : إذاَ تَمَّ شيءٌ بَدَأ نقصُه ترقَّبْ زوالاً إذَا قِيل تَمّ تفسير : لأن كل شيء ابن أغيار لا بد أن ينزل إلى أسفل، ويوضح الحق سبحانه وتعالى للمؤمنين أنه إذا كان قد طلب منهم أن يعزلوا أنفسهم عن مجتمع الكفر؛ فأفقدهم بذلك قوة ونصيراً، فهم في مَنَعة أكبر؛ لأنهم حينئذ يكونون مع الله، والله هو النصير، وليس هذا كلاماً نظرياً، وإنما هو كلام مؤكد بالوقائع التي شهدتموها، وسبحانه وتعالى يقول بعد ذلك: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ...}.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 331 : 5 : 16 - سفين قال، كان أصحاب عبد الله يقرءونها {وان كان آباؤكم وأبناؤكم واخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم}. [الآية 24].