Verse. 1260 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللہُ فِيْ مَوَاطِنَ كَثِيْرَۃٍ۝۰ۙ وَّيَوْمَ حُنَيْنٍ۝۰ۙ اِذْ اَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْــــًٔـا وَّضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْاَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُّدْبِرِيْنَ۝۲۵ۚ
Laqad nasarakumu Allahu fee mawatina katheeratin wayawma hunaynin ith aAAjabatkum kathratukum falam tughni AAankum shayan wadaqat AAalaykumu alardu bima rahubat thumma wallaytum mudbireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لقد نصركم الله في مواطن» للحرب «كثيرة» كبدر وقريظة والنضير «و» اذكر «يوم حنين» واد بين مكة والطائف أي يوم قتالكم فيه هوازن وذلك في شوّال سنة ثمان «إذ» بدل من يوم «أعجبتكم كثرتكم» فقلتم لن نُغلب اليوم من قلة وكانوا اثني عشر ألفا والكفار أربعة آلاف «فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت» ما مصدرية أي مع رحبها أي سعتها فلم تجدوا مكانا تطمئنون إليه لشدة ما لحقكم من الخوف «ثم وليتم مدبرين» منهزمين وثبت النبي صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء وليس معه غير العباس وأبو سفيان آخذ بركابه.

25

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى ذكر في الآية المتقدمة أنه يجب الإعراض عن مخالطة الآباء والأبناء والإخوان والعشائر وعن الأموال والتجارات والمساكن، رعاية لمصالح الدين، ولما علم الله تعالى أن هذا يشق جداً على النفوس والقلوب، ذكر ما يدل على أن من ترك الدنيا لأجل الدين فإنه يوصله إلى مطلوبه من الدنيا أيضاً، وضرب تعالى لهذا مثلاً، وذلك أن عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في واقعة حنين كانوا في غاية الكثرة والقوة، فلما أعجبوا بكثرتهم صاروا منهزمين، ثم في حال الانهزام لما تضرعوا إلى الله قواهم حتى هزموا عسكر الكفار، وذلك يدل على أن الإنسان متى اعتمد على الدنيا فاته الدين والدنيا، ومتى أطاع الله ورجح الدين على الدنيا آتاه الله الدين والدنيا على أحسن الوجوه، فكان ذكر هذا تسلية لأولئك الذين أمرهم الله بمقاطعة الآباء والأبناء والأموال والمساكن، لأجل مصلحة الدين وتصبيراً لهم عليها، ووعداً لهم على سبيل الرمز بأنهم إن فعلوا ذلك فالله تعالى يوصلهم إلى أقاربهم وأموالهم ومساكنهم على أحسن الوجوه، هذا تقرير النظم وهو في غاية الحسن. المسألة الثانية: قال الواحدي: النصر: المعونة على العدو خاصة، والمواطن جمع موطن، وهو كل موضع أقام به الإنسان لأمر، فعلى هذا: مواطن الحرب مقاماتها مواقفها وامتناعها من الصرف لأنه جمع على صيغة لم يأت عليها واحد، والمواطن الكثيرة غزوات رسول الله. ويقال: إنها ثمانون موطناً، فأعلمهم الله تعالى بأنه هو الذي نصر المؤمنين، ومن نصره الله فلا غالب له. ثم قال: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ } أي واذكروا يوم حنين من جملة تلك المواطن حال ما أعجبتكم كثرتكم. المسألة الثالثة: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وقد بقيت أيام من شهر رمضان، خرج متوجهاً إلى حنين لقتال هوازن وثقيف. واختلفوا في عدد عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عطاء عن ابن عباس: كانوا ستة عشر ألفاً، وقال قتادة: كانوا اثني عشر ألفاً عشرة آلاف الذين حضروا مكة، وألفان من الطلقاء. وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف وبالجملة فكانوا عدداً كثيرين، وكان هوازن وثقيف أربعة آلاف، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة، فهذه الكلمة ساءت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي المراد من قوله: {إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ } وقيل إنه قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل قالها أبو بكر. وإسناد هذه الكلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيد، لأنه كان في أكثر الأحوال متوكلاً على الله منقطع القلب عن الدنيا وأسبابها. ثم قال تعالى: {فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً } ومعنى الإغناء إعطاء ما يدفع الحاجة فقوله: {فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً } أي لم تعطكم شيئاً يدفع حاجتكم والمقصود من هذا الكلام أن الله تعالى أعلمهم أنهم لا يغلبون بكثرتهم، وإنما يغلبون بنصر الله، فلما أعجبوا بكثرتهم صاروا منهزمين، وقوله: {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ } يقال رحب يرحب رحباً ورحابة، فقوله: {بِمَا رَحُبَتْ } أي برحبها، ومعناه مع رحبها «فما» ههنا مع الفعل بمنزلة المصدر، والمعنى: أنكم لشدة ما لحقكم من الخوف ضاقت عليكم الأرض فلم تجدوا فيها موضعاً يصلح لفراركم عن عدوكم. قال البراء بن عازب: كانت هوازن رماة فلما حملنا عليهم انكشفوا وكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام وانكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبق معه إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحارث قال البراء: والذي إله إلا هو ما ولَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم دبره قط، قال: ورأيته وأبو سفيان آخذ بالركاب، والعباس آخذ بلجام دابته وهو يقول: « حديث : أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب » تفسير : وطفق يركض بغلته نحو الكفار لا يبالي، وكانت بغلته شهباء، ثم قال للعباس: ناد المهاجرين والأنصار، وكان العباس رجلاً صيتاً، فجعل ينادي يا عباد الله يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، فجاء المسلمون حين سمعوا صوته عنقاً واحداً، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده كفاً من الحصى فرماهم بها وقال: « حديث : شاهت الوجوه » تفسير : فما زال أمرهم مدبراً، وحدهم كليلاً حتى هزمهم الله تعالى، ولم يبق منهم يومئذ أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب، فذلك قوله: {ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ }. واعلم أنه تعالى لما بين أن الكثرة لا تنفع، وأن الذي أوجب النصر ما كان إلا من الله ذكر أموراً ثلاثة: أحدها: إنزال السكينة والسكينة ما يسكن إليه القلب والنفس، ويوجب الأمنة والطمأنينة، وأظن وجه الاستعارة فيه أن الإنسان إذا خاف فر وفؤاده متحرك، وإذا أمن سكن وثبت، فلما كان الأمن موجباً للسكون جعل لفظ السكينة كناية عن الأمن. واعلم أن قوله تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } يدل على أن الفعل موقوف على حصول الداعي، ويدل على أن حصول الداعي ليس إلا من قبل الله تعالى. أما بيان الأول: فهو أن حال انهزام القوم لم تحصل داعية السكون والثبات في قلوبهم، فلا جرم لم يحصل السكون والثبات، بل فر القوم وانهزموا ولما حصلت السكينة التي هي عبارة عن داعية السكون والثبات رجعوا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وثبتوا عنده وسكنوا فدل هذا على أن حصول الفعل موقوف على حصول الداعية. وأما بيان الثاني: وهو أن حصول تلك الداعية من الله تعالى فهو صريح. قوله تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ } والعقل أيضاً دل عليه، وهو أنه لو كان حصول ذلك الداعي في القلب من جهة العبد، لتوقف على حصول داع آخر ولزم التسلسل، وهو محال. ثم قال تعالى: {وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } واعلم أن هذا هو الأمر الثاني الذي فعله الله في ذلك اليوم، ولا خلاف أن المراد إنزال الملائكة، وليس في الظاهر ما يدل على عدة الملائكة كما هو مذكور في قصة بدر، وقال سعيد بن جبير: أمد الله نبيه بخمسة آلاف من الملائكة ولعله إنما ذكر هذا العدد قياساً على يوم بدر، وقال سعيد بن المسيب: حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم، فلما انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء، تلقانا رجال بيض الوجوه حسان، فقالوا شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا فركبوا أكتافنا، وأيضاً اختلفوا أن الملائكة هل قاتلوا ذلك اليوم؟ والرواية التي نقلناها عن سعيد بن المسيب تدل على أنهم قاتلوا ومنهم من قال إن الملائكة ما قاتلوا إلا يوم بدر وأما فائدة نزولهم في هذا اليوم فهو إلقاء الخواطر الحسنة في قلوب المؤمنين. ثم قال تعالى: {وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وهذا هو الأمر الثالث الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، والمراد من هذا التعذيب قتلهم وأسرهم وأخذ أموالهم وسبي ذراريهم. واحتج أصحابنا بهذا على أن فعل العبد خلق الله، لأن المراد من التعذيب ليس إلا الأخذ والأسر وهو تعالى نسب تلك الأشياء إلى نفسه وقد بينا أن قوله: {ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ } يدل على ذلك فصار مجموع هذين الكلامين دليلاً بيناً ثابتاً، وفي هذه المسألة قالت المعتزلة: إنما نسب تعالى ذلك الفعل إلى نفسه لأنه حصل بأمره، وقد سبق جوابه غير مرة. ثم قال: {وَذٰلِكَ جَزَاءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ } والمراد أن ذلك التعذيب هو جزاء الكافرين، واعلم أن أهل الحقيقة تمسكوا في مسألة الجلد مع التعزيز بقوله: { أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ } تفسير : [النور:2] قالوا الفاء تدل على كون الجلد جزاء، والجزاء اسم للكافي، وكون الجلد كافياً يمنع كون غيره مشروعاً معه. فنقول: في الجواب عنه الجزاء ليس اسماً للكافي، وذلك باعتبار أنه تعالى سمى هذا التعذيب جزاء، مع أن المسلمين أجمعوا على أن العقوبة الدائمة في القيامة مدخرة لهم، فدلت هذه الآية على أن الجزاء ليس اسماً لما يقع به الكفاية. ثم قال الله تعالى: {ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ } يعني أن مع كل ما جرى عليهم من الخذلان فإن الله تعالى قد يتوب عليهم. قال أصحابنا: إنه تعالى قد يتوب على بعضهم بأن يزيل عن قلبه الكفر ويخلق فيه الإسلام. قال القاضي: معناه فإنهم بعد أن جرى عليهم ما جرى، إذا أسلموا وتابوا فإن الله تعالى يقبل توبتهم، وهذا ضعيف لأن قوله تعالى: {ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ } ظاهره يدل على أن تلك التوبة إنما حصلت لهم من قبل الله تعالى وتمام الكلام في هذا المعنى مذكور في سورة البقرة في قوله: { أية : فَتَابَ عَلَيْهِ } تفسير : (البقرة37) ثم قال: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي غفور لمن تاب، رحيم لمن آمن وعمل صالحاً، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه ثمان مسائل: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} لما بلغ هوازِنَ فتح مكة جمعهم مالك بن عَوف النّصريّ من بني نصر بن مالك، وكانت الرياسة في جميع العسكر إليه، وساق مع الكفار أموالهم ومواشيهم ونساءهم وأولادهم، وزعم أن ذلك يحمي به نفوسهم وتشتدّ في القتال عند ذلك شوكتهم. وكانوا ثمانية آلاف في قول الحسن ومجاهد. وقيل: أربعة آلاف من هَوَازن وثَقيف. وعلى هوازن مالك بن عوف، وعلى ثَقيف كِنانة بن عبد، فنزلوا بأوّطاس. وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي حَدْرَد الأسلميّ عَيْناً، فأتاه وأخبره بما شاهد منهم، فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قصدهم، واستعار من صَفْوان بن أُميّة بن خلف الجُمَحيّ دروعاً. قيل: مائة درع. وقيل: أربعمائة درع. واستسلف من ربيعة المخزوميّ ثلاثين ألفاً أو أربعين ألفاً؛ فلما قَدِم قضاه إياها. ثم قال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : بارك الله لك في أهلك ومالك إنما جزاء السّلف الوفاء والحمد» تفسير : خرّجه ابن ماجه في السّنن. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في اثني عشر ألفاً من المسلمين؛ منهم عشرة آلاف صحبوه من المدينة، وألفان من مُسْلِمة الفتح وهم الطلقاء إلى من ٱنضاف إليه من الأعراب؛ من سُليم وبني كِلاب وعَبْس وذُبيان. وٱستعمل على مكة عتّاب بن أسِيد. وفي مخرجه هذا رأى جهال الأعراب شجرة خضراء، وكان لهم في الجاهلية شجرة معروفة تُسَمّى ذاتَ أنْواط، يخرج إليها الكفار يوماً معلوماً في السنة يعظمونها؛ فقالوا: يا رسول الله، ٱجعل لنا ذاتَ أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال عليه السَّلام: «حديث : الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلِهة قال إنكم قوم تجهلون لتركبنّ سَنن مَن قبلكم حَذْوَ القُذّة بالقُذّة حتى أنهم لو دخلوا جُحر ضَبّ لدخلتموه»تفسير : . فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى وادي حُنين، وهو من أودية تُهامة، وكانت هوازن قد كَمَنت في جَنَبتِي الوادي وذلك في غَبش الصبح فحملت على المسلمين حملة رجل واحد، فٱنهزم جمهور المسلمين ولم يَلْوِ أحد على أحد، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت معه أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته عليّ والعباس وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابنه جعفر، وأُسامة بن زيد؛ وأَيْمَن بن عبيد ـ وهو أيمن بن أُمّ أَيمن قُتل يومئذ بحنُين ـ وربيعة بن الحارث، والفضل بن عباس، وقيل في موضع جعفر بن أبي سفيان: قُثَم بن العباس. فهؤلاء عشرة رجال؛ ولهذا قال العباس:شعر : نصرْنا رسولَ اللَّه في الحرب تسعةً وقد فرّ مَن قد فرّ عنه وأقشعوا وعاشرُنا لاقَى الحمام بنفسه بما مَسّه في اللَّه لا يتوَجّع تفسير : وثبتت أُمّ سُليم في جملة من ثبت، مُحْتزمةً ممسكة بعيراً لأبي طلحة وفي يدها خَنْجر. ولم ينهزم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من هؤلاء، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته الشّهباء وٱسمها دُلْدُل. وفي صحيح مسلم عن أنس حديث : قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أَكُفُّها إرادةَ ألاّ تسرِع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيّ عباسُ نادِ أصحابَ السَّمُرة». فقال عباس ـ وكان رجلاً صَيّتاً. ويروى من شدّة صوته أنه أغير يوماً على مكة فنادى واصباحاه! فأسقطت كلُّ حامل سمعت صوته جَنِينها ـ: فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السَّمُرة؟ قال: فوالله لكأنّ عَطْفتهم حين سمِعوا صوتي عَطْفَةُ البقر على أولادها. فقالوا: يا لَبَّيْكَ يا لبيك. قال: فاقتتلوا والكفارتفسير : ... الحديث. وفيه: «قال ثم حديث : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حَصَياتٍ فرمَى بهنّ وجوه الكفار». ثم قال: «ٱنهَزَموا ورَبِّ محمد»تفسير : . قال فذهبت أنظر فإذا القِتال على هيئته فيما أرى. قال: فوالله ما هو إلاَّ أن رماهم بحَصَياته؛ فما زلت أرى حَدَّهم كَلِيلاً وأمْرَهم مُدْبِراً. قال أبو عمر: روينا من وجوه عن بعض من أسلم من المشركين ممن شهد حُنيناً أنه قال ـ وقد سئل عن يوم حُنين ـ: لقينا المسلمين فما لبثنا أن هزمناهم وأتبعناهم حتى ٱنتهينا إلى رجل راكب على بغلة بيضاء، فلما رآنا زجرنا زجرة وٱنتهرنا، وأخذ بكفه حَصًى وتراباً فرَمى به وقال: «حديث : شَاهَتِ الوجوهُ» تفسير : فلم تبق عين إلاَّ دخلها من ذلك، وما ملكنا أنفسنا أن رجعنا على أعقابنا. وقال سعيد بن جُبير: حدّثنا رجل من المشركين؛ يوم حُنين قال: لما التقينا مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقفوا لنا حَلْب شاة، حتى إذا انتهينا إلى صاحب البغلة الشّهباء ـ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ تَلَقّانا رجال بيض الوجوه حِسان؛ فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا؛ فرجعنا وركبوا أكتافنا فكانت إياها. يعني الملائكة. قلت: ولا تعارض؛ فإنه يحتمل أن يكون شاهت الوجوه من قوله صلى الله عليه وسلم ومن قول الملائكة معاً، ويدلّ على أن الملائكة قاتلت يوم حُنين. فالله أعلم. وقَتل عليّ رضي الله عنه يوم حُنين أربعين رجلاً بيده. وسَبَى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف رأس. وقيل: ستة آلاف، واثنتي عشرة ألف ناقة سوى ما لا يعلم من الغنائم. الثانية ـ قال العلماء في هذه الغَزاة: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قتل قتيلاً له عليه بيّنة فله سَلَبه»تفسير : . وقد مضى في «الأنفال» بيانه. قال ابن العربيّ: ولهذه النكتة وغيرِها أدخل الأحكاميُّون هذه الآية في الأحكام. قلت: وفيه أيضاً جواز استعارة السلاح وجواز الاستمتاع بما ٱستُعير إذا كان على المعهود مما يستعار له مثله، وجواز استلاف الإمام المالَ عند الحاجة إلى ذلك وردّه إلى صاحبه. وحديث صَفْوان أصلٌ في هذا الباب. وفي هذه الغَزاة: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ألا تُوطأ حامل حتى تَضَع ولا حائل حتى تحيض حيضة»تفسير : . وهو يدلّ على أن السَّبي يقطع العِصمة. وقد مضى بيانه في سورة «النساء» مستوفًى. وفي حديث مالك أن صفوان خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كافر، فشهد حُنيناً والطائف وٱمرأتُه مسلمة. الحديث. قال مالك: ولم يكن ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أرى أن يُستعان بالمشركين على المشركين إلاَّ أن يكونوا خَدَماً أو نَواتيّة. وقال أبو حنيفة والشافعيّ والثّوريّ والأوزاعيّ: لا بأس بذلك إذا كان حكم الإسلام هو الغالب، وإنما تكره الإستعانة بهم إذا كان حكم الشرك هو الظاهر. وقد مضى القول في الإسهام لهم في «الأنفال». الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} «حُنين» وادٍ بين مكة والطائف، وٱنصرف لأنه ٱسم مذكّر، وهي لغة القرآن. ومن العرب من لا يصرفه، يجعله ٱسماً للبُقْعة. وأنشد:شعر : نصرُوا نَبيَّهم وشدّوا أزره بحنينَ يوم تواكُل الأبطال تفسير : «ويوم» ظرف، وانتصب هنا على معنى: ونصركم يوم حنين. وقال الفرّاء: لم تنصرف «مواطن» لأنه ليس لها نظير في المفرد وليس لها جِماع؛ إلاَّ أن الشاعر ربما اضطرّ فجمع، وليس يجوز في الكلام كلما يجوز في الشعر. وأنشد:شعر : فـهنّ يَعْلُكْـنَ حَدائداتهـا تفسير : وقال النحاس: رأيت أبا إسحاق يتعجب من هذا قال: أخذ قول الخليل وأخطأ فيه؛ لأن الخليل يقول فيه: لم ينصرف لأنه جَمْعٌ لا نظير له في الواحد، ولا يجمع جمع التكسير، وأما بالألف والتاء فلا يمتنع. الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} قيل: كانوا اثني عشر ألفا. وقيل: أحد عشر ألفاً وخمسمائة. وقيل: ستة عشر ألفاً. فقال بعضهم: لن نُغلب اليوم عن قِلّة. فَوُكِلُوا إلى هذه الكلمة؛ فكان ما ذكرناه من الهزيمة في الابتداء إلى أن تراجعوا، فكان النصر والظفر للمسلمين ببركة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. فبيّن الله عزّ وجلّ في هذه الآية أن الغلبة إنما تكون بنصر الله لا بالكثرة. وقد قال: {أية : وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ}تفسير : [آل عمران: 16]. الخامسة ـ قوله تعالىٰ: {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} أي من الخوف؛ كما قال: شعر : كأن بلادَ اللَّه وهي عريضةٌ على الخائف المطلوبِ كفّةُ حابِلِ تفسير : والرُّحب (بضم الراء) السَّعة. تقول منه: فلان رُحْب الصدر. والرحب (بالفتح): الواسع. تقول منه: بلد رَحْب، وأرض رَحْبة. وقد رَحُبت ترحُب رُحباً ورَحابة. وقيل: الباء بمعنى مع؛ أي مع رحبها. وقيل: بمعنى على، أي على رحبها. وقيل: المعنى برحبها؛ فـ «ما» مصدرية. السادسة ـ قوله تعالى: {ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} روى مسلم عن أبي إسحاق قال: حديث : جاء رجل إلى البراء فقال: أكنتم وَلّيتم يوم حُنين يا أبا عُمارة. فقال: أشهد على نبيّ الله صلى الله عليه وسلم ما وَلّى، ولكنه ٱنطلق أَخِفَّاءُ من الناس، وحُسَّرٌ إلى هذا الحيّ من هوازن. وهم قوم رُماة فرمَوْهم برشْق من نَبل كأنها رِجْل من جراد فانكشفوا؛ فأقبل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان يقود به بغلته، فنزل ودعا وٱستنصر وهو يقول: «أنا النبيّ لاَ كذِب. أنا ابن عبد المطلب. اللَّهُمّ نزّل نصرك»تفسير : . قال البراء: كنا والله إذا ٱحمرّ البأس نَتَّقِي به، وإن الشجاع منا للَّذي يُحاذِي به؛ يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم. السابعة ـ قوله تعالى: {ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي أنزل عليهم ما يُسكنهم ويذهب خوفهم، حتى ٱجترءوا على قتال المشركين بعد أن وَلوّا. {وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} وهم الملائكة؛ يقوّون المؤمنين بما يلقون في قلوبهم من الخواطر والتثبيت، ويُضعفون الكافرين بالتّجبِين لهم من حيث لا يرونهم ومن غير قتال؛ لأن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بَدْر. ورُوي أن رجلاً من بني نصر قال للمؤمنين بعد القتال: أين الخيل البُلْق، والرجالُ الذين كانوا عليها بيض، ما كنا فيهم إلا كهيئة الشّامَة، وما كان قتلنا إلا بأيديهم. أخبروا النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: «حديث : تلك الملائكة»تفسير : . {وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي بأسيافكم. {وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} أي على من ٱنهزم فيهديه إلى الإسلام. كمالك بن عوف النّصْريّ رئيس حُنين ومن أسلم معه من قومه. الثامنة ـ ولما قسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمَ حُنين بالجِعْرانة، أتاه وفد هوازن مسلمين راغبين في العطف عليهم والإحسان إليهم، وقالوا: يا رسول الله، إنك خير الناس وأبر الناس، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا. فقال لهم: «حديث : إني قد كنت ٱستَأنَيْت بكم وقد وقعت المقاسم وعندي من ترون وإنّ خير القول أصدقُه فاختاروا إما ذَراريكم وإما أموالكم»تفسير : . فقالوا: لا نعدل بالأنساب شيئاً. فقام خطيباً وقال: «حديث : هؤلاء جاؤونا مسلمين وقد خيرناهم فلم يعدلوا بالأنساب فرضوا بردّ الذرّية وما كان لي ولبني عبد المطلب وبني هاشم فهو لهم»تفسير : . وقال المهاجرون والأنصار: أمّا ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وٱمتنع الأقرع بن حابِس وعُيينة بن حِصْن في قومهما من أن يردّوا عليهم شيئاً مما وقع لهم في سهامهم. وٱمتنع العباس ابن مِرْدَاس السُّلَمِي كذلك، وطمِع أن يساعده قومُه كما ساعد الأقرعَ وعُيينةَ قومُهما. فأبت بنو سُليم وقالوا: بل ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ ضَنّ منكم بما في يديه فإنا نعوّضه منه»تفسير : . فردّ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءهم وأولادهم، وعوّض من لم تَطِب نفسُه بترك نصيبه أعواضاً رضوا بها. وقال قتادة: ذكر لنا حديث : أن ظِئْر النبيّ صلى الله عليه وسلم التي أرضعته من بني سعد، أتته يوم حنين فسألته سَبَايا حُنين. فقال صلى الله عليه وسلم: «إني لا أملك إلا ما يصيبني منهم ولكن ايتيني غداً فٱسأليني والناس عندي فإذا أعطيتكِ حِصتي أعطاك الناس». فجاءت الغد فبسط لها ثوبه فأقعدها عليه. ثم سألته فأعطاها نصيبه؛ فلما رأى ذلك الناس أعطَوْها أنصباءهمتفسير : . وكان عدد سَبْي هوازن في قول سعيد بن المسيّب ستة آلاف رأس. وقيل: أربعة آلاف. قال أبو عمر: فيهن الشَّيماء أُخت النبيّ صلى الله عليه وسلم من الرّضاعة، وهي بنت الحارث بن عبد العُزَّى من بني سعد بن بكر وبنت حليمة السعدية؛ فأكرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاها وأحسن إليها، ورجعت مسرورة إلى بلادها بدينها وبما أفاء الله عليها. قال ٱبن عباس:حديث : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أوْطاس ٱمرأة تَعْدُو وتصيح ولا تستقر، فسأل عنها فقيل: فقدت بُنيّاً لها. ثم رآها وقد وجدت ٱبنها وهي تقبّله وتدنيه، فدعاها وقال لأصحابه: «أطارحة هذه ولدها في النار»؟ قالوا: لا. قال: «لِم»؟ قالوا: لشفقتها. قال: «الله أرحم بكم منها»تفسير : . وخرّجه مسلم بمعناه، والحمد لله.

ابن كثير

تفسير : قال ابن جريج عن مجاهد: هذه أول آية نزلت من براءة، يذكر تعالى للمؤمنين فضله عليهم، وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله، وأن ذلك من عنده تعالى، وبتأييده وتقديره، لا بعددهم، ولا بعددهم، ونبههم على أن النصر من عنده، سواء قل الجمع أو كثر؛ فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم، ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئاً، فولوا مدبرين، إلا القليل منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أنزل نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه؛ كما سنبينه إن شاء الله تعالى مفصلاً؛ ليعلمهم أن النصر من عنده تعالى وحده، وبإمداده، وإن قل الجمع، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت يونس يحدث عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن تغلب اثنا عشر ألفاً من قلة» تفسير : وهكذا رواه أبو داود والترمذي، ثم قال: هذا حديث حسن غريب جداً، لا يسنده أحد غير جرير بن حازم، وإنما روي عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً. وقد رواه ابن ماجه والبيهقي وغيره عن أكثم الجوني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه، والله أعلم. وقد كانت وقعة حنين بعد فتح مكة في شوال سنة ثمان من الهجرة. وذلك لما فرغ صلى الله عليه وسلم من فتح مكة، وتمهدت أمورها، وأسلم عامة أهلها، وأطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغه أن هوازن جمعوا له ليقاتلوه، وأن أميرهم مالك بن عوف بن النضر، ومعه ثقيف بكمالها، وبنو جشم، وبنو سعد بن بكر، وأوزاع من بني هلال، وهم قليل، وناس من بني عمرو بن عامر وعوف بن عامر، وقد أقبلوا ومعهم النساء والولدان والشاء والنعم، وجاؤوا بقضهم وقضيضهم فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيشه الذي جاء معه للفتح، وهو عشرة آلاف من المهاجرين، والأنصار، وقبائل العرب، ومعه الذين أسلموا من أهل مكة، وهم الطلقاء، في ألفين، فسار بهم إلى العدو، فالتقوا بواد بين مكة والطائف يقال له: حنين، فكانت فيه الوقعة في أول النهار في غلس الصبح، انحدروا في الوادي، وقد كمنت فيه هوازن، فلما تواجهوا، لم يشعر المسلمون إلا بهم قد ثاوروهم، ورشقوا بالنبال، وأصلتوا السيوف، وحملوا حملة رجل واحد؛ كما أمرهم ملكهم، فعند ذلك ولى المسلمون مدبرين؛ كما قال الله عز وجل، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راكب يومئذ بغلته الشهباء يسوقها إلى نحر العدو، والعباس عمه آخذ بركابها الأيمن، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بركابها الأيسر يثقلانها؛ لئلا تسرع السير، وهو ينوه باسمه عليه الصلاة والسلام، ويدعو المسلمين إلى الرجعة، ويقول: «حديث : إليّ عباد الله إليّ أنا رسول الله» تفسير : ويقول في تلك الحال: «حديث : أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» تفسير : وثبت معه من أصحابه قريب من مائة، ومنهم من قال: ثمانون، فمنهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما والعباس وعلي والفضل بن عباس وأبو سفيان بن الحارث وأيمن بن أم أيمن وأسامة بن زيد وغيرهم رضي الله عنهم، ثم أمر صلى الله عليه وسلم عمه العباس، وكان جهير الصوت، أن ينادي بأعلى صوته: يا أصحاب الشجرة يعني: شجرة بيعة الرضوان التي بايعه المسلمون من المهاجرين والأنصار تحتها على أن لا يفروا عنه، فجعل ينادي بهم: يا أصحاب السمرة ويقول تارة: يا أصحاب سورة البقرة فجعلوا يقولون: يا لبيك، يا لبيك وانعطف الناس فتراجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إن الرجل منهم إذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع، لبس درعه، ثم انحدر عنه، وأرسله، ورجع بنفسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما اجتمعت شرذمة منهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم عليه السلام أن يصدقوا الحملة، وأخذ قبضة من تراب بعد ما دعا ربه واستنصره، وقال: «حديث : اللهم أنجز لي ما وعدتني» تفسير : ثم رمى القوم بها، فما بقي إنسان منهم إلا أصابه منها في عينه وفمه ما يشغله عن القتال، ثم انهزموا، فاتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون، وما تراجع بقية الناس إلا والأسرى مجندلة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا يعلى بن عطاء عن عبد الله بن يسار عن أبي همام عن أبي عبد الرحمن الفهري، واسمه يزيد بن أسيد، ويقال: يزيد بن أنيس، ويقال: كرز، قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين، فسرنا في يوم قائظ شديد الحر، فنزلنا تحت ظلال الشجر، فلما زالت الشمس، لبست لأمتي وركبت فرسي، فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في فسطاطه، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، حان الرواح؟ فقال: «حديث : أجل» تفسير : فقال: «حديث : يا بلال» تفسير : فثار من تحت سمرة كأن ظلها ظل طائر، فقال: لبيك وسعديك، وأنا فداؤك، فقال: «حديث : أسرج لي فرسي» تفسير : فأخرج سرجاً دفتاه من ليف، ليس فيهما أشر ولا بطر، قال: فأسرج، فركب وركبنا، فصاففناهم عشيتنا وليلتنا، فتشامت الخيلان، فولى المسلمون مدبرين؛ كما قال الله تعالى: {ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله» تفسير : ثم قال: «حديث : يا معشر المهاجرين أنا عبد الله ورسوله» تفسير : قال: ثم اقتحم عن فرسه، فأخذ كفاً من تراب، فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني: أنه ضرب به وجوههم، وقال: «حديث : شاهت الوجوه» تفسير : فهزمهم الله تعالى. قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه تراباً، وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست الجديد، وهكذا رواه الحافظ البيهقي في دلائل النبوة من حديث أبي داود الطيالسي عن حماد بن سلمة به، وقال محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله قال: فخرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين، فسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، فأعدوا وتهيؤوا في مضايق الوادي وأحنائه، وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح، فلما انحط الناس، ثارت في وجوههم الخيل، فشدت عليهم، وانكفأ الناس منهزمين، لا يقبل أحد على أحد، وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين يقول: «حديث : أيها الناس هلموا إلي، أنا رسول الله، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله» تفسير : فلا شيء، وركبت الإبل بعضها بعضاً، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس قال: «حديث : يا عباس اصرخ: يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة» تفسير : فأجابوه لبيك، لبيك، فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيقذف درعه في عنقه، ويأخذ سيفه وقوسه، ثم يؤم الصوت، حتى اجتمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مائة، فاستعرض الناس، فاقتتلوا، وكانت الدعوة أول ما كانت بالأنصار، ثم جعلت آخراً بالخزرج، وكانوا صبراء عند الحرب، وأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركابه، فنظر إلى مجتلد القوم فقال: «حديث : الآن حمي الوطيس» تفسير : قال: فوالله ما راجعه الناس إلا والأسارى عند رسول الله ملقون، فقتل الله منهم من قتل، وانهزم منهم من انهزم، وأفاء الله على رسوله أموالهم وأبناءهم. وفي الصحيحين من حديث شعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب رضي الله عنهما: أن رجلاً قال له: يا أبا عمارة أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، إن هوازن كانوا قوماً رماة، فلما لقيناهم وحملنا عليهم، انهزموا، فأقبل الناس على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، فانهزم الناس، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلته البيضاء وهو يقول: «حديث : أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» تفسير : قلت: وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة، إنه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى، وقد انكشف عنه جيشه، وهو مع هذا على بغلة، وليست سريعة الجري، ولا تصلح لفر ولا لكر ولا لهرب، وهو مع هذا أيضاً يركضها إلى وجوههم، وينوه باسمه ليعرفه من لم يعرفه، صلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين، وما هذا كله إلا ثقة بالله، وتوكلاً عليه، وعلماً منه بأنه سينصره، ويتم ما أرسله به، ويظهر دينه على سائر الأديان، ولهذا قال تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} أي: طمأنينته وثباته على رسوله {وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: الذين معه {وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} وهم الملائكة؛ كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا القاسم قال: حدثني الحسن بن عرفة قال: حدثني المعتمر بن سليمان عن عوف، هو ابن أبي جميلة الأعرابي قال: سمعت عبد الرحمن مولى ابن برثن، حدثني رجل كان مع المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، لم يقوموا لنا حلب شاة، قال: فلما كشفناهم، جعلنا نسوقهم في آثارهم، حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فتلقانا عنده رجال بيض حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا، قال: فانهزمنا، وركبوا أكتافنا، فكانت إياها. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني محمد بن أحمد بن بالويه، حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الحارث بن حصيرة، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه قال: قال ابن مسعود رضي الله عنه: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فولى عنه الناس، وبقيت معه في ثمانين رجلاً من المهاجرين والأنصار، قدمنا ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء يمضي قدماً، فحادت بغلته، فمال عن السرج، فقلت: ارتفع رفعك الله. قال: «حديث : ناولني كفاً من التراب» تفسير : فناولته، قال: فضرب به وجوههم، فامتلأت أعينهم تراباً، قال: «حديث : أين المهاجرون والأنصار؟» تفسير : قلت: هم هناك، قال: «حديث : اهتف بهم» تفسير : فهتفت بهم، فجاؤوا وسيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب، وولى المشركون أدبارهم. ورواه الإمام أحمد في مسنده عن عفان به نحوه. وقال الوليد بن مسلم: حدثني عبد الله بن المبارك عن أبي بكر الهذلي عن عكرمة مولى ابن عباس عن شيبة بن عثمان قال: لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قد عري، ذكرت أبي وعمي وقتل علي وحمزة إياهما، فقلت: اليوم أدرك ثأري منه، قال: فذهبت لأجيئه عن يمينه، فإذا أنا بالعباس بن عبد المطلب قائماً عليه درع بيضاء كأنها فضة يكشف عنها العجاج، فقلت: عمه ولن يخذله، قال: فجئته عن يساره، فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فقلت: ابن عمه ولن يخذله، فجئته من خلفه، فلم يبق إلا أن أسوره سورة بالسيف، إذ رفع لي شواظ من نار بيني وبينه كأنه برق، فخفت أن تَمْحَشَني، فوضعت يدي على بصري، ومشيت القهقرى، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «حديث : يا شيبة يا شيبة ادن مني، اللهم أذهب عنه الشيطان» تفسير : قال: فرفعت إليه بصري، ولهو أحب إلي من سمعي وبصري فقال: «حديث : يا شيبة قاتل الكفار» تفسير : رواه البيهقي من حديث الوليد، فذكره. ثم روي من حديث أيوب بن جابر عن صدقة بن سعيد عن مصعب بن شيبة عن أبيه قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، والله ما أخرجني إسلام، ولا معرفة به، ولكنني أبيت أن تظهر هوازن على قريش، فقلت وأنا واقف معه: يا رسول الله إني أرى خيلاً بلقاً، فقال: «حديث : يا شيبة إنه لا يراها إلا كافر» تفسير : فضرب بيده على صدري، ثم قال: «حديث : اللهم اهد شيبة» تفسير : ثم ضربها الثانية ثم قال: «حديث : اللهم اهد شيبة» تفسير : ثم ضربها الثالثة ثم قال: «حديث : اللهم اهد شيبة» تفسير : قال: فوالله ما رفع يده عن صدري في الثالثة حتى ما كان أحد من خلق الله أحب إليّ منه، وذكر تمام الحديث في التقاء الناس وانهزام المسلمين ونداء العباس واستنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى هزم الله تعالى المشركين. قال محمد بن إسحاق: حدثني والدي إسحاق بن يسار عمن حدثه عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: إنا لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، والناس يقتتلون، إذ نظرت إلى مثل البجاد الأسود يهوي من السماء حتى وقع بيننا وبين القوم، فإذا نمل منثور قد ملأ الوادي، فلم يكن إلا هزيمة القوم، فما كنا نشك أنها الملائكة. وقال سعيد بن السائب بن يسار عن أبيه قال: سمعت يزيد بن عامر السوائي، وكان شهد حنيناً مع المشركين، ثم أسلم بعد، فكنا نسأله عن الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين، فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطست فيطن، فيقول: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا، وقد تقدم له شاهد من حديث يزيد بن أبي أسيد، فالله أعلم. وفي صحيح مسلم: عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن همام قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : نصرت بالرعب، وأوتيت جوامع الكلم» تفسير : ولهذا قال تعالى: { ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ} وقوله: { ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قد تاب الله على بقية هوازن، فأسلموا، وقدموا عليه مسلمين، ولحقوه، وقد قارب مكة عند الجعرانة، وذلك بعد الوقعة بقريب من عشرين يوماً، فعند ذلك خيرهم بين سبيهم وبين أموالهم، فاختاروا سبيهم، وكانوا ستة آلاف أسير ما بين صبي وامرأة، فرده عليهم، وقسم الأموال بين الغانمين، ونفل أناساً من الطلقاء لكي يتألف قلوبهم على الإسلام، فأعطاهم مائة من الإبل، وكان من جملة من أعطى مائة مالك بن عوف النَّضري، واستعمله على قومه كما كان، فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها:شعر : ما إِن رأَيْتُ ولا سمعْتُ بمثلِهِ في الناس كُلِّهِمِ بمِثْلِ مُحَمَّدِ أَوْفى وأَعْطى للجَزيلِ إذا اجْتدى ومَتى تَشَأْ يُخْبِرْكَ عَمّا في غَدِ وإذا الكتيبةُ عرَّدَتْ أنيابها بالسمهريِّ وضربِ كُلِّ مهنَّدِ فكأنَّهُ لَيْثٌ على أشبالِهِ وَسْطَ المباءَةِ خادرٌ في مَرْصَدِ

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ } للحرب {كَثِيرَةٍ } كبدر وقريظة والنضير {وَ} اذكر {يَوْمَ حُنَيْنٍ } واد بين مكة والطائف أو يوم قتالكم فيه (هوازن)، وذلك في شوال سنة ثمان {إِذْ } بدل من (يوم) {أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ } فقلتم لن نُغلَب اليوم من قلة، وكانوا اثني عشر ألفاً والكفار أربعة آلاف {فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلارْضُ بِمَا رَحُبَتْ } «ما» مصدرية أي مع رحبها أي سعتها فلم تجدوا مكاناً تطمئنون إليه لشدّة ما لحقكم من الخوف {ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ } منهزمين وثبت النبي صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء، وليس معه غير العباس، وأبو سفيان آخذ بركابه.

الشوكاني

.تفسير : المواطن: جمع موطن، ومواطن الحرب: مقاماتها، والمواطن التي نصر الله المسلمين فيها هي: يوم بدر، وما بعده من المواطن التي نصر الله المسلمين على الكفار فيها قبل يوم حنين، {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ } معطوف على {مواطن} بتقدير مضاف: إما في الأوّل وتقديره: في أيام مواطن، أو في الثاني، وتقديره: وموطن يوم حنين، لئلا يعطف الزمان على المكان. وردّ بأنه لا استبعاد في عطف الزمان على المكان، فلا يحتاج إلى تقدير. وقيل: إن {يوم حنين} منصوب بفعل مقدّر معطوف على {نَصَرَكُمُ } أي: ونصركم يوم حنين، ورجح هذا صاحب الكشاف، قال: وموجب ذلك أن قوله: {إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ } بدل من {يوم حنين}، فلو جعلت ناصبة هذا الظاهر لم يصح؛ لأن كثرتم لم تعجبهم في جميع تلك المواطن، ولم يكونوا كثيراً في جميعها. وردّ بأن العطف لا يجب فيه تشارك المتعاطفين في جميع ما ثبت للمعطوف، كما تقول: جاءني زيد، وعمرو، مع قومه، أو في ثيابه أو على فرسه، وقيل إن: {إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ } ليس ببدل من {يوم حنين}، بل منصوب بفعل مقدّر: أي اذكروا إذا أعجبتكم كثرتكم. وحنين: واد بين مكة والطائف، وانصرف على أنه اسم للمكان، ومن العرب من يمنعه على أنه اسم للبقعة، ومنه قول الشاعر:شعر : نصروا نبيهم وشدّوا أزره بحنين يوم تواكل الأبطال تفسير : وإنما أعجب من أعجب من المسلمين بكثرتهم لأنهم كانوا اثني عشر ألفاً. وقيل: أحد عشر ألفاً، وقيل: ستة عشر ألفاً. فقال بعضهم: لن نغلب اليوم من قلة، فوكلوا إلى هذه الكلمة، فلم تغن الكثرة شيئاً عنهم، بل انهزموا وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبت معه طائفة يسيرة، منهم: عمه العباس وأبو سفيان بن الحارث، ثم تراجع المسلمون، فكان النصر والظفر. والإغناء: إعطاء ما يدفع الحاجة، أي لم تعطكم الكثرة شيئاً يدفع حاجتكم، ولم تفدكم. قوله: {بِمَا رَحُبَتْ } الرحب بضم الراء: السعة، والرحب بفتح الراء: المكان الواسع، والباء بمعنى "مع"، و"ما" مصدرية، ومحل الجار والمجرور النصب على الحال. والمعنى: أن الأرض مع كونها واسعة الأطراف ضاقت عليهم بسبب ما حلّ بهم من الخوف والوجل؛ وقيل إن الباء بمعنى "على": أي على رحبها {ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ } أي: انهزمتم حال كونكم مدبرين: أي مولين أدباركم، جاعلين لها إلى جهة عدوّكم. قوله: {ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي: أنزل ما يسكنهم، فيذهب خوفهم حتى وقع منهم الاجتراء على قتال المشركين بعد أن ولوا مدبرين، والمراد بالمؤمنين: هم الذين لم ينهزموا، وقيل: الذين انهزموا. والظاهر: جميع من حضر منهم؛ لأنهم ثبتوا بعد ذلك وقاتلوا وانتصروا. قوله: {وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } هم الملائكة. وقد اختلف في عددهم على أقوال: قيل: خمسة آلاف. وقيل: ثمانية آلاف، وقيل: ستة عشر ألفاً. وقيل: غير ذلك، وهذا لا يعرف إلا من طريق النبوّة. واختلفوا أيضاً هل قاتلت الملائكة في هذا اليوم أم لا؟ وقد تقدم أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر، وأنهم إنما حضروا في غير يوم بدر لتقوية قلوب المؤمنين، وإدخال الرعب في قلوب المشركين {وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بما وقع عليهم من القتل والأسر وأخذ الأموال وسبي الذرية، والإشارة بقوله: {وَذَلِكَ } إلى التعذيب المفهوم من عذب، وسمي ما حلّ بهم من العذاب في هذا اليوم جزاء مع أنه غير كاف بل لا بدّ من عذاب الآخرة مبالغة في وصف ما وقع عليهم وتعظيماً له: {ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَاء } أي: من بعد هذا التعذيب على من يشاء ممن هداه منهم إلى الإسلام {وَٱللَّهُ غَفُورٌ } يغفر لمن أذنب، فتاب {رَّحِيمٌ } بعباده يتفضل عليهم بالمغفرة لما اقترفوه. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، قال: حنين ما بين مكة والطائف، قاتل نبيّ الله هوازن وثقيف، وعلى هوازن مالك بن عوف، وعلى ثقيف عبد ياليل بن عمرو الثقفي. وأخرج ابن المنذر، عن الحسن قال: لما اجتمع أهل مكة وأهل المدينة قالوا: الآن نقاتل حين اجتمعنا، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوا، وما أعجبهم من كثرتهم، فالتقوا فهزموا حتى ما يقوم أحد منهم على أحد حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي أحياء العرب: "حديث : إليّ إليّ"تفسير : ، فوالله ما يعرج عليه أحد حتى أعرى موضعه، فالتفت إلى الأنصار وهم ناحية فنادهم: "حديث : يا أنصار الله وأنصار رسوله، إليّ عباد الله أنا رسول الله"تفسير : ، فجثوا يبكون وقالوا: يا رسول الله، وربّ الكعبة إليك والله، فنكسوا رءوسهم يبكون وقدّموا أسيافهم يضربون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى فتح الله عليهم. وأخرج البيهقي في الدلائل، عن الربيع أن رجلاً قال يوم حنين: لن نغلب من قلة، فشقّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ } قال الربيع: وكانوا اثني عشر ألفاً، منهم ألفان من أهل مكة. وأخرج الطبراني، والحاكم وصححه، وأبو نعيم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن مسعود قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فولى عنه الناس وبقيت معه في ثمانين رجلاً من المهاجرين والأنصار. فكنا على أقدامنا نحواً من ثمانين قدماً ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء يمضي قدماً، فقال: "حديث : ناولني كفاً من تراب"تفسير : ، فناولته فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم تراباً، وولى المشركون أدبارهم. ووقعة حنين مذكورة في كتب السير والحديث بطولها وتفاصيلها، فلا نطول بذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله: {وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } قال: هم الملائكة {وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } قال: قتلهم بالسيف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد ابن جبير، قال: في يوم حنين أمدّ الله رسوله بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، ويومئذ سمى الله الأنصار مؤمنين قال: فأنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين. وأخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن جبير بن مطعم، قال: رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي، لم أشك أنها الملائكة، ولم تكن إلا هزيمة القوم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ..} الآية، وفي السكينة ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الرحمة، قاله علي بن عيسى. والثاني: أنها الأمن والطمأنينة. والثالث: أنها الوقار، قاله الحسن. {وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} فيه وجهان: أحدهما: الملائكة. والثاني: أنه تكثيرهم في أعين أعدائهم، وهو محتمل. {وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} فيه وجهان: أحدهما: بالخوف والحذر. والثاني: بالقتل والسبي.

ابن عطية

تفسير : هذه مخاطبة لجميع المؤمنين يعد الله نعمه عليهم، و {مواطن} جمع موطِن بكسر الطاء، والموطِن موضع الإقامة أو الحلول لأنه أول الإقامة،و"المواطن"المشار إليها بدر والخندق والنضير وقريظة، ولم يصرف {مواطن} لأنه جمع ونهاية جمع، {ويوم} عطف على موضع قوله {في مواطن} أو على لفظة بتقدير وفي يوم، فانحذف حرف الخفض،و {حنين} واد بين مكة والطائف قريب من ذي المجاز وصرف حين أريد به الموضع والمكان، ولو أريد به البقعة لم يصرف كما قال الشاعر [حسان رضي الله عنه]: [الكامل ] شعر : نصروا نبيَّهم وشدُّوا أزْرَه بحنينَ يومَ تَوَاكلِ الأبطالِ تفسير : وقوله {إذ أعجبتكم كثرتكم} روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال حين رأى حملته اثني عشر ألفاً قال: حديث : لن نغلب اليوم من قلة تفسير : ، وروي أن رجلاً من أصحابه قالها فأراد الله إظهار العجز فظهر حين فر الناس، ثم عطف القدر بنصره، وقوله {وضاقت عليكم الأرض بما رحبت } أي بقدر ما هي رحبة واسعة لشدة الحال وصعوبتها، فـ"ما" مصدرية، وقوله {ثم وليتم مدبرين} يريد فرار الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد: واختصار هذه القصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما فتح مكة وكان في عشرة آلاف من أصحابه وانضاف إليه ألفان من الطلقاء فصار في اثني عشر ألفاً سمع بذلك كفار العرب فشق عليهم فجمعت له هوازن وألفافها وعليهم مالك بن عوف النصري وثقيف وعليهم عبد ياليل بن عمرو وانضاف إليهم أخلاط من الناس حتى كانوا ثلاثين ألفاً فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اجتمعوا بحنين، فلما تصافَّ الناس حمل المشركون من مجاني الوادي، فانهزم المسلمون، قال قتادة: ويقال إن الطلقاء من أهل مكة فروا وقصدوا إلقاء الهزيمة في المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة شهباء، وقال أبو عبد الرحمن الفهري:كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، يومئذ وكان على فرس قد اكتنفه العباس عمه وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وبين يديه أيمن بن أم أيمن، وثم قتل رحمه الله، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة الحال نزل عن بغلته إلى الأرض، قاله البراء بن عازب، واستنصر الله عز وجل فأخذ قبضة من تراب وحصى فرمى بها وجوه الكفار، وقال: شاهت الوجوه، وقال عبد الرحمن: تطاول من فرسه فأخذ قبضة التراب ونزلت الملائكة لنصره ونادى رسول الله صلى الله عليه وسلم يا للأنصار، وأمر رسول الله عليه وسلم العباس أن ينادي أين أصحاب الشجرة أين أصحاب سورة البقرة، فرجع الناس عنقاً واحداً وانهزم المشركون، قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم قالوا لم يبق منا أحد إلا دخل في عينيه من ذلك التراب، واستيعاب هذه القصة في كتاب السير. وظاهر كلام النحاس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في أربعة عشر ألفاً، وهذا غلط، و {مدبرين} نصب على الحال المؤكدة كقوله: {أية : وهو الحق مصدقاً} تفسير : [ البقرة:91] والمؤكدة هي التي يدل ما قبلها عليها كدلالة التولي على الادبار، وقوله تعالى: {ثم أنزل الله سكينته} الآية، {ثم} هاهنا على بابها من الترتيب، و"السكينة" النصر الذي سكنت إليه ومعه النفوس والحال، والإشارة بالمؤمنين إلى الأنصار على ما روي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى في ذلك اليوم يا معشر الأنصار، فانصرفوا وهو ردوا الهزيمة،و " الجنود" الملائكة، و"الرعب " قال أبو حاجز يزيد بن عامر كان في أجوافنا مثل ضربة الحجر في الطست من الرعب،"وعذاب الذين كفروا" هو القتل الذي استحرَّ فيهم والأسر الذي تمكن في ذراريهم، وكان مالك بن عوف النصري قد أخرج الناس بالعيال والذراري ليقاتلوا عليها، فخطأه في ذلك دريد بن الصمة، وقال لمالك بن عوف راعي ضأن وهل يرد المنهزم شي؟ وفي ذلك اليوم قتل دريد بن الصمة القتلة المشهورة، قتله ربيعة بن رفيع بن أهبان السلمي، ويقال ابن الدغنة وقوله {ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء} إعلام بأن من أسلم وتاب من الكفار الذين نجوا ذلك اليوم فإنهم مقبولون مسلمون موعودون بالغفران والرحمة.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ...}، هذه مخاطبةٌ لجميع المؤمنين يعدِّد الله تعالى نِعَمَهُ عليهم، والمواطِنُ المُشَارُ إلَيْها بَدْرٌ والخَنْدَق والنَّضير وقُرَيْظة وخَيْبَر وغيرها، وحُنَيْنٌ وادٍ بين مكَّة والطائِف. وقوله: {إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ}، رُوِيَ أَن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ حِينَ رَأَى جملته ٱثْنَيْ عَشَرَ أَلْفاً: «لَنْ تُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ»، وروي أَنَّ رجلاً من أصحابه قالها فأَراد الله تعالَىٰ إظهار العجز؛ فظهر حين فَرَّ الناسُ. * ت *: ٱلعجْبُ جائزٌ في حقِّ غير النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو معصومٌ منه صلى الله عليه وسلم، والصوابُ في فَهْمِ الحديث، أَنه خَرَجَ مَخْرَجَ الإِخبار، لا علَىٰ وجه العُجْب؛ وعلى هذا فَهِمُه ابنُ رُشْدٍ وغيره، وأَنه إِذا بلغَ عَدَدُ المسلمين اثني عشر ألفاً حُرِمَ الفِرَارُ، وإن زاد عددُ المُشْرِكين على الضِّعْف؛ وعليه عَوَّلَ في الفتوىٰ، وقوله تعالى: {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ}، معناه: بِرُحْبها؛ كأنه قال: عَلَى ما هي عليه في نَفْسها رَحْبةً واسعةً، لشدَّة الحال وَصُعوبتها؛ فـــ «مَاء»: مصدرية. وقوله سبحانه: {ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ}، أي: فراراً عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم وٱختصارُ هذه القصَّة: أنَّ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا فتَحَ مكَّة، وكان في عَشَرة ألفاً منْ أصحابه، وٱنضَافَ إِليهم ألفانِ من الطُّلَقَاءِ، فصار في ٱثْنَيْ عَشَرَ أَلافٍ، سمع بذلك كفَّار العرب، فشَقَّ عليهمِ، فجمعتْ له هوازنُ وألفافها، وعليهم مَالِكُ بن عوفٍ النصريُّ، وثقيفٌ، وعليهم عبْد يَالِيلَ بْنُ عَمْرُو وٱنضافَ إِليهم أَخلاطٌ مِنَ الناس حتى كانوا ثلاثينَ أَلْفاً، فخرج إِليهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين ٱجتمعوا بحُنَيْنٍ، فلما تصافَّ الناسُ، حمل المشركون من مَحَانِي الوادِي، وٱنهزم المُسْلِمون، قال قتادة: وكان يقال: إِن الطلقاء مِنْ أَهْل مكَّةَ فرُّوا، وقصدوا إِلقَاءَ الهَزيمة في المُسْلمين، وكان رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى بغلته البَيْضَاء قد اكَتَنَفَهُ العَبَّاس عمُّه، وابنُ عَمِّه أبو سفيانَ بْنُ الحارثِ بنِ عبد المُطَّلبِ، وبَيْنَ يدَيْهِ أَيْمَنُ بْنُ أُمِّ أَيْمَنَ، وثَمَّ قتل رحمه اللَّه والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يقولُ شعر : أَنَا النَّبيُّ لاَ كَذِبْ أَنا ٱبْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ تفسير : فلما رأَى نبيُّ صلى الله عليه وسلم شدَّةَ الحالِ، نَزَلَ عن بَغْلَتِهِ إِلى الأرض؛ قاله البَرَاءُ بنُ عازب، واستنصر اللَّه عَزَّ وجلَّ، فأَخَذَ قبضةً مِنْ ترابٍ وحصًى، فرمَى بها في وُجُوه الكُفَّار، وقال: « شَاهَت الوُجُوه»، ونادَى رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بالأنصارِ، وأمَرَ العبَّاسَ أنْ ينادِيَ: « أَيْنَ أَصْحَابُ الشَّجَرَةِ؟ أَيْنَ أَصْحَابُ سُورَةِ البَقَرةِ؟ » فَرَجَعَ النّاسُ عَنَقاً واحداً للحَرْبِ، وتصافحوا بالسُّيوفِ والطَّعْنِ والضرب، وهناك قال عليه السلام: « الآنَ حَمِيَ الوَطِيسُ» وهزم اللَّهُ المشركين، وأَعْلَى كلمةَ الإِسلام إِلى يَوْمِ الدينِ، قال يَعْلَى بن عطاءٍ: فحدَّثني أبناءُ المنهزمين عَنْ آبائهم، قالوا: لم يَبْقَ منَّا أحَدٌ إِلا دخَلَ عينيه مِنْ ذلك التُّرَابِ واستيعابُ هذه القصة في كتب «السِّيَر». و{مُّدْبِرِينَ}: نصب على الحال المؤكِّدة؛ كقوله: {أية : وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًا} تفسير : [البقرة:91]، والمؤكِّدة هي التي يدلُّ ما قبلها عليها كدلالة التولِّي على الإِدبار. وقوله سبحانه: {ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ...} الآية: السكينةُ: النَّصْر الذي سَكَنَتْ إِليه ومعه النفُوسُ، والجنودُ: الملائكةُ، والرُّعْبُ؛ قال أبو حاجز يزيدُ بنُ عامرٍ: كان في أجوافنا مثلُ ضَرْبَةِ الحَجَرِ في الطَّسْتِ من الرُّعْبِ، {وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، أيْ: بالقتل والأسْرِ،حديث : وروَى أبو داود، عن سهل بن الحَنْظَلِيَّة أنهم سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ حُنَيْنٍ، فأَطْنَبُوا السَّيْرَ حَتَّى كَانَ عشِيَّةً، فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ مع رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فَجَاءَ رَجُلٌ فَارِسٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي ٱنْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ حتى طَلَعْتُ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا أَنا بِهَوَازِنَ عَلَى بَكْرَةِ أَبِيهِم بظُعُنِهِمْ وَنَعَمِهِمْ، وشِيَاهِهِمْ، ٱجْتَمَعُوا إِلَى حُنَيْنٍ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ: « تِلْكَ غَنِيْمَةُ المُسْلِمِينَ غَداً، إِنْ شَاءَ اللَّهُ....» تفسير : الحديثَ. انتهى، فكانوا كذلك غنيمةً بحَمْد اللَّه، كما أخبر صلى الله عليه وسلم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} الآية. لمَّا ذكر في الآية المتقدمة أنه يجب الإعراض عن مخالطة الآباء والأبناء، والإخوان، والعشيرة، وعن الأموال، والتجارات، والمساكن، رعاية لمصالح الدِّين، وعلم أنَّ ذلك يشقّ على النفوس، ذكر ما يدلُّ على أنَّ من ترك الدُّنيا لأجل الدِّين، فإنَّهُ تعالى يوصله مطلوبه. وضرب لهذا مثلاً، وذلك أنَّ عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقعة حنين، كانوا في غاية الكثرةِ والقوَّةِ، فلمَّا أعجبوا بكثرتهم، صارُوا منهزمين، فلمَّا تَضَرَّعُوا في حال الانهزام إلى اللهِ تعالى قوَّاهم حتَّى هزموا عسكر الكُفَّارِ، وذلك يدلُّ على أنَّ الإنسان متى اعتمد على الدُّنيا، فاته الدِّين والدنيا، ومتى أطاع الله، ورجَّحَ الدِّين على الدُّنيا، آتاه اللهُ الدِّين والدُّنيا على أحسن الوُجوه فكان هذا تسلية لأولئك المأمورين بمقاطعة الآباءِ والأبناءِ، لأجل مصلحة الدِّين، وعداً لهم بأنهم إن فعلُوا ذلك أوصلهم اللهُ تعالى إلى أقاربهم وأموالهم ومساكنهم على أحسن الوجوه. قال الواحديُّ: "النّصر: المعونةُ على العدوِّ خاصة" , "المواطن": جمع "مَوْطِن" بكسر العين، وكذا اسم مصدره، وزمانه، لاعتلال فائه كـ "المَوْعد"، قال: [الطويل] شعر : 2773- وكَمْ مَوْطنٍ لوْلايَ طِحْتَ كَما هَوَى بأجْرَامِهِ مِنْ قُنَّةِ النِّيقِ مُنْهَوِي تفسير : و "حُنَيْن": اسمُ وادٍ بين مكة والطائف، فلذلك صرفه، وبعضهم جعله اسماً للبقعة، فمنعه في قوله: [الكامل] شعر : 2774- نَصَرُوا نَبيَّهُمُ وشَدُّوا أزْرَهُ بِحُنينَ يَوْمَ تواكُلِ الأبْطالِ تفسير : وهذا كما قال الآخرُ في "حراء": اسم الجبل المعروف، اعتباراً بتأنيث البقعة في قوله: [الوافر] شعر : 2775- ألَسْنَا أكْثَرَ الثَّقليْنِ رَجْلاً وأعْظَمَهُمْ بِبطْنِ حِرَاءَ نَارَا تفسير : فصل المرادُ بالمواطن الكثيرة: غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقال: إنها ثمانون موطناً، فأعلمهم أنه تعالى هو الذي تولَّى نصر المؤمنين، ومن نصره الله فلا غالب له، ثم قال "وَيَوْمَ حُنَيْنٍ" أي: واذكر يوم حُنَيْن من جملة تلك المواطن حال ما أعجبتكم كثرتكم، و "حنين" واد بين مكة والطائف. وقيل: إلى جنب ذي المجاز. قال الرواةُ: لمَّا فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكّة، وقد بقيت أيامٌ من شهر رمضان، خرج متوجهاً إلى حنين، لقتال هوازن وثقيف، في اثني عشر ألفاً، عشرة آلاف من المهاجرين، وألفان من الطلقاءِ. وقال عطاءٌ: عن ابن عباس "كانوا ستة عشر ألفاً". وقال الكلبيُّ "كانوا عشرة آلاف". وكان هوازن وثقيف أربعة آلاف، وعلى هوازن: مالكُ بن عوف النضري، وعلى ثقيف: كنانة بن عبد ياليل الثقفي، فلما التقى الجمعان، قال رجلٌ من الأنصار يقال له: سلمة بنُ سلامة بن وقش: لن نغلب اليوم عن قلَّةٍ، وهو المراد من قوله: {إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ}، فساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه، ووكلوا إلى كلمة الرجل، وفي رواية: لم يرض الله قوله، ووكلُوا إلى أنفسهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً؛ فانهزم المشركون وتخلّوا عن الذراري، ثم نادوا يا حماة السواد اذكروا الفضائح، فتراجعوا، وانكشف المسلمون. قال قتادةُ: وذكر لنا أنَّ الطُّلقاء انجفلوا يومئذ بالنَّاسِ. قوله: "وَيَوْمَ حُنَيْنٍ" فيه أوجه: أحدهما: أنَّهُ عطفٌ على محلِّ قوله: "فِي مَوَاطِنَ" عطف ظرف الزمان من غير واسطة "في" على ظرف المكان المجرور بها، ولا غرو في نسق ظرف زمان على مكان، أو العكس، تقول: سرت أمامك ويوم الجمعة، إلاَّ أنَّ الأحسن أن يُتركَ العاطفُ في مثله. الثاني: زعم ابنُ عطية: أنَّه يجوز أن يُعطف على لفظ "مَواطِنَ" بتقدير: "وفِي يَوْمِ"، فحذف حرف الخفض، وهذا لا حاجة إليه. الثالث: قال الزمخشريُّ: "فإن قلت: كيف عطف الزمان على المكان، وهو "يَوْمَ حُنينٍ" على "مَواطِنَ"؟. قلت: معناه: وموطن يوم حنين، أو في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين". الرابع: أن يُراد بـ "المواطِن": الأوقاتُ، فحينئذٍ إنَّما عطف زمانٌ على زمان. قال الزمخشريُّ - بعدما تقدَّم عنه -: "ويجوزُ أن يُراد بـ "المواطن": الوقت، كـ: مقتل الحسين، على أنَّ الواجب أن يكون: "يَوْمَ حُنينٍ" منصوباً بفعل مضمر، لا بهذا الظَّاهر، ومُوجِبُ ذلك أنَّ قوله: "إِذْ أَعجَبَتْكُمْ" بدلٌ من "يَوْمَ حُنَينٍ"، فلو جعلتَ ناصبَه هذا الظاهر، لم يصحَّ؛ لأنَّ كثرتهم لم تعجبهم في جميع تلك المواطن، ولم يكونوا كثيرين في جميعها، فبقي أن يكون ناصبُه فعلاً خاصاً به". قال شهابُ الدِّين: "لا أدري ما حمله على تقدير أحد المضافين، وعلى تأويل "المواطن" بالوقت، ليصحَّ عطفُ زمانٍ على زمان، أو مكان على مكان، إذ يصحُّ عطفُ أحدُ الظرفين على الآخر؟ وأمَّا قوله: "على أنَّ الواجب أن يكون" إلى آخره؛ كلامٌ حسنٌ، وتقريره أنَّ الفعل مُقيدٌ بظرف المكان، فإذا جعلنا "إذْ" بدلاً من "يَوْم" كان معمولاً له؛ لأنَّ البدل يَحُلُّ محلَّ المُبْدل منه؛ فيلزم منه أنه نصرهم إذ أعجبتهم كثرتُهم في مواطن كثيرة، والفرض أنَّهم في بعض هذه المواطن لم يكونوا بهذه الصفة، إلاَّ أنَّه قد ينقدح، فإنَّه - تعالى - لم يقل في جميع الموطن، حتَّى يلزم ما قاله". ويمكن أن يكون أراد بالكثرةِ: الجميع، كما يُراد بالقلة العدمُ. قوله: "بِمَا رَحُبَتْ" "ما" مصدريةٌ، أي: رَحْبُها وسعتها. وقرأ زيد بن علي في الموضعين "رَحْبَت" بسكون العين، وهي لغة تميم، يسكنون عين "فَعُل" فيقولون: في "شَرُف" "شَرْف". و "الرُّحْب" بالضمِّ: السَّعَة، وبالفتح: الشيء الواسع، يقال: رَحُب المكان يَرْحُب رُحْباً ورَحَابَةً، وهو قاصر. فأمَّا تعدِّيه في قولهم: رَحُبَتكم الدار" فعلى التضمين، لأنه بمعنى "وسعتكم". فصل قوله: {فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً} الإغناء: إعطاء ما يدفع الحاجة، أي: فلم يُعطِكم شيئاً يدفع حاجتكم. والمعنى: أنه تعالى أعلمهم أنَّهُم لا يغلبون بكثرتهم، وإنما يغلبون بنصر الله، فلمَّا أعجبوا بكثرتهم، صاروا منهزمين، ثم قال: {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} أي: مع رحبها، و "ما" ههنا مع الفعل بمنزلة المصدر، والمعنى: إنكم لشدَّةِ ما لحقكم من الخوف ضاقت عليكم الأرضُ، فلم تجدُوا فيها موضعاً يصلح لفراركم من عدوكم. قال البراء بن عازب: كانت "هوازن" رماة، فلما حملنا انكشفوا وأكببنا على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، وانكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبق معه إلا العباس وأبو سفيان بن الحارث. قال [البراء]: والذي لا إله إلاَّ هو ما ولَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم قط، قال: رأيته وأبو سفيان آخذ بالركاب، والعباس آخذ بلجام دابته البيضاء وهو يقول: حديث : "أنَا النبيُّ لا كذِبْ، أنَا ابنُ عَبْدِ المُطَّلِب"وطفق يركضُ بغلته نحو الكفار، ثم قال للعبَّاس: نادِ المهاجرين والأنصار - وكان العباس رجلاً صَيِّتاً - فجعل يُنَادِي: يا عباد الله، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرةِ، فجاء المسلمون حين سمعوا صوته عنقاً واحداً، وأخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بيده كفاً من الحَصَى، فرماهم بها، وقال: "شَاهتِ الوُجوهُ" فما زال أمرهم مدبراً، وحدهم كليلاً حتى هزمهم اللهُ، ولم يبق منهم أحد يومئذ إلاَّ وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب، فذلك قوله: {ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}. تفسير : والمراد بالسّكينة: ما يسكن إليه القلبُ، ويوجب الأمنة، ووجه الاستعارة فيه: أنَّ الإنسان إذا خاف فرَّ وفُؤاده متحرك، وإذا أمن؛ سكن وثبت؛ فلمَّا كان الأمن موجباً للسكون جعل لفظ السَّكينة كناية عن الأمن. ثم قال تعالى: {وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} والمراد: أَنْزَلَ الملائِكة، وليس في هذه الآية ما يدلُّ على عدّة الملائكة، كما هو في قصة بدر، فقال سعيد بن جبير: "أيَّد الله نبيه بخمسة آلاف من الملائكة" ولعله إنَّما قاسه على يوم بدر. وقال سعيدُ بن المسيبِ: حدَّثني رجلٌ كان في المشركين يوم حنين قال: لمَّا كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم، فلمَّا انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء، تلقانا رجال بيض الوجوه، فقالوا: شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا فركبوا أكتافنا، واختلفوا في أنَّ الملائكة هل قاتلوا ذلك اليوم؟ فالذي روي عن سعيد بن المسيب يدلُّ على أنهم قاتلوا، وقال آخرون: إن الملائكة ما قاتلوا إلا يوم بدر، وفائدة نزولهم في هذا اليوم: هو إبقاء الخواطر الحسنة في قلوب المؤمنين. ثم قال تعالى: {وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} والمرادُ من هذا التَّعذيب: قتلهم وأسرهم، وأخذ أموالهم وسبي ذراريهم. وهذه الآية تدلُّ على أنَّ فعل العبد خلق لله تعالى؛ لأنَّ المراد من هذا التَّعذيب ليس إلا الأخذ والأسر، وقد نسب تلك الأشياء إلى نفسه. قوله: {وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ} تَمسَّك الحنفيَّةُ في مسألة الجلد مع التعزير بقوله {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ}تفسير : [النور:2] قالوا: الفاءُ تدلُّ على كون الجلد جزاء، والجزاء اسم للكافي، وكون الجلد كافياً يمنع كون غيره مشروعاً معه، وأجيبوا بأن الجزاء ليس اسماً للكافي؛ لأنه تعالى سمَّى هذا التعذيب جزاء مع أنَّ المسلمين أجمعوا على أنَّ العقوبة الدائمة في القيامة مُدَّخرة لهم، فدلت هذه الآية على أنَّ الجزاء ليس اسماً لما يقع به الكفاية. قوله {ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} أي: أنَّ الله تعالى مع كل ما جرى عليهم من الخذلان يتوب عليهم، بأن يزيل عن قلبهم الكفر، ويخلق فيه الإسلام، وقال القاضي: معناهُ: أنَّهُ بعد ما جرى عليهم ما جرى، إذا أسلمُوا وتابُوا فإنَّ الله يقبل توبتهم" وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ قوله: "ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ" ظاهره يَدُلُّ على أنَّ تلك التوبة إنَّما تحصل لهم من قبله تعالى، وتقدَّم الكلامُ على المعنى في البقرة عند قوله {أية : فَتَابَ عَلَيْهِ}تفسير : [البقرة:37] ثم قال: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} أي: لمن تاب {رَّحِيمٌ} لِمَنْ آمن وعمل صالحاً.

البقاعي

تفسير : ولما كان في بعض النفوس من الغرور بالكثرة ما يكسبها سكرة تغفلها عن بعض مواقع القدرة، ساق قصة حنين دليلاً على ذلك الذي أبهمه من التهديد جواباً لسائل كان كأنه قال: ما ذاك الأمر الذي يتربص لإتيانه ويخشى من عظيم شأنه؟ فقيل: الذل والهوان والافتقار والانكسار، فكأنه قيل: وكيف يكون ذلك؟ فقيل: بأن يسلط القدير عليكم - وإن كنتم كثيراً - أقوياء غيركم وإن كانوا قليلاً ضعفاء كما سلطكم - وقد كنتم كذلك - حتى صرتم إلى ما صرتم إليه: {لقد نصركم الله} أي الملك الأعلى مع شدة ضعفكم {في مواطن} أي مقامات ومواقف وأماكن توطنون فيها أنفسكم على لقاء عدوكم {كثيرة} أي من الغزوات التي تقدمت لكم كبدر وقريظة والنضير وقينقاع والحديبية وخيبر وغيرها من مخاصمات الكفار، وكنتم من الذلة والقلة والانكسار بحال لا يتخيل معها نصركم وظهوركم على جميع الكفار وأنتم فيهم كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، وما وكلكم إلى مناصرة من تقدم أمره لكم بمقاطعتهم، فدل ذلك على أن من أطاع الله ورجع الدين على الدنيا آتاه الله الدين والدنيا على أحسن الوجوه وإن عاداه الناس أجمعون، ودل بما بعدها من قصة حنين على أن من اعتمد على الدنيا فاته الدين والدنيا إلا أن يتداركه الله برحمته منه فيرجع به. فقال تعالى: {ويوم} أي ونصركم بعد أن قواكم وكثركم هو وحده، لا كثرتكم وقوتكم يوم {حنين} وهو واد بين مكة والطائف إلى جانب ذي المجاز، وهو إلى مكة أقرب، وراء عرفات إلى الشمال. ولما كان سلمة بن سلامة بن وقش الأنصاري رضي الله عنه قد قال حين التقى الجمعان وأعجبته كثرة الناس: لن نغلب اليوم من قلة! فساء النبي صلى الله عليه وسلم كلامه وأن يعتمد إلا على الله، وكان الإعجاب سمّاً قاتلاً للأسباب، أدبنا الله سبحانه في هذه الغزوة بذكر سوء أثره لنحذره، ثم عاد سبحانه بالإنعام لكون الذي قاله شخصاً واحداً كره غيره مقاتله. فقال: {إذ} أي حين {أعجبتكم كثرتكم} أي فقطعتم لذلك أنه لا يغلبها غالب، وأسند سبحانه الفعل للجمع إشارة إلى أنهم لعلو مقامهم ينبغي أن لا يكون منهم من يقول مثل ذلك {فلم تغن عنكم شيئاً} أي من الإغناء {وضاقت عليكم الأرض} أي الواسعة {بما رحبت} أي مع اتساعها فصرتم لا ترون أن فيها مكاناً يحصنكم مما أنتم فيه لفرط الرعب، فما ضاق في الحقيقة إلا ما كان من الآمال التي سكنت إلى الأموال والرجال، ولعل عطفه - لتوليهم بأداة التراخي في قوله: {ثم وليتم} أي تولية كثيرة ظهوركم الكفار، وحقق ذلك بقوله: {مدبرين*} أي انهزاماً مع أن الفرار كان حين اللقاء لم يتأخر - إشارة إلى ما كان عندهم من استعباده اعتماداً على القوة والكثرة {ثم أنزل الله} أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال {سكينته} أي رحمته، وهي الأمر الذي يسكن القلوب عن أن تتأثر يدهمها من البلاء من الوثوق به سبحانه ومشاهدة جنابة الأقدس والغناء عن غيره. ولما كان المقام للرسالة، وكان تأييد مدعيها من أمارات صدقه في دعوى أنه رسول، وأن مرسله قادر على ما يريد لا سيما إن كان تأييده على وجه خارق للعادة، عبر به دون وصف النبوة فقال: {على رسوله} أي زيادة على ما كان به من السكينة التي لم يحز مثلها أحد، ثبت بها الثلاثين ألفاً أو عشرين ألفاً أو أربعة آلاف على اختلاف الروايات في عشرة أنفس أو مائة أو ثلاثمائة - على الاختلاف أيضاً، لم يكن ثباتهم إلا به، ثم لم يزده ذلك إلا تقدماً حتى أن كان العباس عمه وأبو سفيان بن الحارث ابن عمه رضي الله عنهما ليكفان بغلته عن بعض التقدم، ولعل العطف بـ "ثم" إشارة إلى علو رتبة ذلك الثبات واستبعاد أن يقع مثله في مجاري العادات {وعلى المؤمنين} أي أما من كان منهم ثابتاً فزيادة على ما كان له من ذلك، وأما غيره فأعطي ما لم يكن في ذلك الوقت له، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمه العباس رضي الله بعدما فر الناس: ناد فيهم يا عباس! فنادى وكان صيتاً: ياعباد الله! يا أصحاب الشجرة! يا أصحاب سورة البقرة! فكروا عنقاً واحداً يقولون: لبيك لبيك! ويحتمل أن يكون ذكر الرسول عليه السلام لمجرد التبرك كما في ذكر الله في قوله:{أية : فإن لله خمسه}تفسير : [الأنفال: 41] وزيادة في تعظيم الامتنان به لأن النفوس إلى ما أعطى منه الرسول أميل والقلوب له أقبل لاعتقاد جلاله وعظمته وكماله {وأنزل} أي من السماء {جنوداً لم تروها} أي من الملائكة عليهم السلام {وعذب} أي بالقتل والأسر والهزيمة والسبي والنهب {الذين كفروا} عبر بالفعل لأن فيهم من آمن بعد ذلك. ولما كان ما عذب به من أوجد مطلق هذا الوصف عظيماً، أتبعه بيان جزاء العريق في ذلك ترهيباً لمن آثر حب شيء مما مضى على حب الله فقال: {وذلك} أي العذاب الذي منه ما عذب به هؤلاء وغيره {جزاء الكافرين*} أي الراسخين في وصف الكفر الذين آثروا حب من تقدم من الآباء وغيرهم على الله فثبتوا على تقليد الآباء في الباطل بعدما رأوا من الدلائل ما بهر الشمس ولم يدع شيئاً من لبس، وأما الذين لم يكن كفرهم راسخاً فكان ذلك صلاحاً لهم لأنه قادهم إلى الإسلام، فقد تبين أن المنصور من نصره الله قليلاً كان أو كثيراً، وأن القلة والكثرة والقوة والضعف بالنسبة إلى قدرته سواء، فلا تغتروا بما ألزمكم من النعم فإنه قادر على نزعها، لا يستحق أحد عليه شيئاً، ولا يقدر أحد على رد قضائه، وفي ذلك إعلام بأنه لا يرتد بعد إيمانه إلا من كان عريقاً في الكفر، وفيه أبلغ تهديد لأنه إذا عذب من أوجد الكفر وقتاً ما فكيف بمن رسخ فيه! ولما بين أن العذاب جزاء الكافرين، بين أنه يتوب على من يريد منهم، وهم كل من علم منه قابلية للإيمان وإن كان شديداً وصف الكفران، فقال عاطفاً على {وعذب}: {ثم يتوب الله} أي الذي له الإحاطة علماً وقدرة، ولما لم يكن احد تستغرق توبته زمان البعد أدخل الجار فقال: {من بعد ذلك} أي العذاب العظيم {على من يشاء} أي فيهديه إلى الإسلام ويغفر له جميع ما سلف من الآثام {والله} أي الذي له صفات الكمال {غفور رحيم *} أي محاء للخطايا عظيم الإكرام لمن تاب، وفي ذلك إشارة إلى أنه جعل هذه الوقعة. لحكمته التي اقتضت ربط المسببات بأسبابها - سبباً لإسلام من حضرها من كفار قريش وغيرهم من المؤلفة بما قسم فيهم صلى الله عليه وسلم من غنائم هوزان وبما رأوا من عز الإسلام وعلوه، فكان في ذلك ترغيب لهم بالمال، وترهيب بسطوات القتال، ولإسلام وفد هوزان بما حصل لهم من القهر وما شاهدوا للنبي صلى الله عليه وسلم من عظيم النصر، ولإسلام غيرهم من العرب بسبب علم كل منهم بهذه الوقعة أنهم أضعف ناصراً وأقل عدداً، كل ذلك رحمة منه سبحانه لهم ورفقاً لهم، وقد كان جميع ذلك كما أشار إليه سبحانه، فأسلم الطلقاء وحسن إسلامهم، وقدم وفد هوزان وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم جبرهم برد ما أخذ لهم فقال لهم: إني استأنيت بكم، فلما أبطأتم قسمت بين الناس فيئهم، فاختاروا المال أو السبي! فاختاروا السبي فشفع لهم عند الناس فأجابوه فرد إليهم أبناءهم ونساءهم رحمة منه لهم، وذل العرب لذلك فدخلوا في الدين أفواجاً. وختم هذه الآية بالمغفرة والرحمة على ما هو الأنسب لسياق التوبة بذلك على انه ما عدل إلى ختم الأولى بـ"عليم حكيم" إلا لما قررته من جعل أم في {أم حسبتم} معادلة للهمزة. والله أعلم.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏لقد نصركم الله في مواطن كثيرة‏}‏ قال‏:‏ هي أول ما أنزل الله تعالى من سورة براءة‏. وأخرج ابن أبي شيبة وسنيد وابن حرب وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال‏‏ أول ما نزل من براءة ‏ {‏لقد نصركم الله في مواطن كثيرة‏}‏ يعرفهم نصره ويوطنهم لغزوة تبوك‏. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله ‏ {‏لقد نصركم الله في مواطن كثيرة‏} ‏ قال‏:‏ هذا مما يمن الله به عليهم من نصره إياهم في مواطن كثيرة‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال ‏ {‏حنين‏} ‏ ماء بين مكة والطائف، قاتل النبي صلى الله عليه وسلم هوازن وثقيف، وعلى هوازن مالك بن عوف، وعلى ثقيف عبد ياليل بن عمرو الثقفي. وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة رضي الله عنه‏‏ "أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام عام الفتح نصف شهر، ولم يزد على ذلك حتى جاءته هوازن وثقيف فنزلوا بحنين، وحنين واد إلى جنب ذي المجاز‏"‏‏. وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه قال ‏"‏لما اجتمع أهل مكة وأهل المدينة قالوا‏:‏ الآن والله نقاتل حين اجتمعنا، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوا وما أعجبهم من كثرتهم، فالتقوا فهزمهم الله حتى ما يقوم منهم أحد على أحد، حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي أحياء العرب إليَّ فوالله ما يعرج إليه أحد حتى أعرى موضعه، فالتفت إلى الأنصار وهم ناحية ناحية فناداهم‏:‏ يا أنصار الله وأنصار رسوله إلى عباد الله أنا رسول الله، فعطفوا وقالوا‏:‏ يا رسول الله ورب الكعبة إليك والله، فنكسوا رؤوسهم يبكون وقدموا أسيافهم يضربون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله عليهم‏"‏‏. وأخرج البيهقي في الدلائل عن الربيع رضي الله عنه ‏"‏أن رجلاً قال يوم حنين‏:‏ لن نغلب من قلة‏.‏ فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل ‏ {‏ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم‏} ‏ قال الربيع‏:‏ وكانوا اثني عشر ألفاً، منهم ألفان من أهل مكة‏"‏‏. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد البغوي في معجمه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي عبد الرحمن الفهري رضي الله عنه قال‏:‏حديث : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حنين، فسرنا في يوم قائظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال الشجر، فلما زالت الشمس لبست لامتي وركبت فرسي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت‏:‏ السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، قد حان الرواح يا رسول الله‏.‏ قال ‏"‏أجل، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا بلال‏.‏‏.‏‏.‏فثار من تحت سمرة كان ظله ظل طائر فقال‏:‏ لبيك وسعديك وأنا فداؤك‏.‏ ثم قال‏:‏ أسرج لي فرسي‏.‏ فأتاه بدفتين من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر قال‏:‏ فركب فرسه ثم سرنا يومنا فلقينا العدوّ وتشامت الخيلان فقاتلناهم، فولى المسلمون مدبرين كما قال الله عز وجل، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله، فاقتحم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرسه، وحدثني من كان أقرب إليه مني‏:‏ أنه أخذ حفنة من تراب فحثاها في وجوه القوم وقال‏:‏ شاهت الوجوه‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ قال يعلى بن عطاء رضي الله عنه‏:‏ فأخبرنا أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا‏:‏ ما بقي منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه من التراب، وسمعنا صلصلة من السماء كمر الحديد على الطست الحديد، فهزمهم الله عز وجل‏"‏‏ . تفسير : وأخرج الطبراني والحاكم وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ حديث : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فولى الناس عنه وبقيت معه في ثمانين رجلاً من المهاجرين والأنصار، فكنا على أقدامنا نحواً من ثمانين قدماً ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته، فمضى قدماً فقال ‏"‏ناولني كفاً من تراب‏.‏ فناولته فضرب وجوههم، فامتلأت أعينهم تراباً وولى المشركون أدبارهم‏"‏‏ . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس رضي الله عنه‏.‏ حديث : أن هوازن جاءت يوم حنين بالنساء والصبيان والإِبل والغنم، فجعلوهم صفوفاً ليكثروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالتقى المسلمون والمشركون، فولى المسلمون مدبرين كما قال الله عز وجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏ "يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله، ثم قال‏:‏ يا معشر الأنصار أنا عبد الله ورسوله، فهزم الله المشركين ولم يضرب بسيف ولم يطعن برمح‏"‏‏ . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وأحمد ومسلم والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن العباس بن عبد المطلب قال ‏"حديث : ‏شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وما معه إلا أنا وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب، فلزمنا رسول الله فلم نفارقه وهو على بغلته الشهباء التي أهداها له فروة بن معاوية الجذامي، فلما التقى المسلمون والمشركون ولي المسلمون مدبرين وطفق النبي صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار، وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة أن لا تسرع وهو لا يألو ما أسرع نحو المشركين، وأبو سفيان بن الحرث آخذ بغرز رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا عباس نادِ أصحاب السمرة يا أصحاب البقرة، فوالله لكأني عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقرة على أولادها ينادون يا لبيك يا لبيك، فأقبل المسلمون فاقتتلوا هم والكفار، وارتفعت الأصوات وهم يقولون‏:‏ يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار‏.‏ ثم قصرت الدعوة على بني الحرث بن الخزرج، فتطاول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته فقال‏:‏ هذا حين حمي الوطيس، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال‏:‏ انهزموا ورب الكعبة‏.‏ فذهبت أنظر فإذا القتال على هينته فيما أرى، فما هو إلا أن رماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحصيات، فما زلت أرى حدهم كليلاً وأمرهم مدبراً حتى هزمهم الله عز وجل‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن جابر رضي الله عنه قال‏:‏ حديث : ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين الأنصار فقال‏:‏ يا معشر الأنصار‏.‏ فأجابوه لبيك - بأبينا أنت وأمنا - يا رسول الله‏.‏ قال "‏أقبلوا بوجوهكم إلى الله ورسوله يدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار‏. فأقبلوا ولهم حنين حتى أحدقوا به كبكبة تحاك مناكبهم يقاتلون حتى هزم الله المشركين‏"‏‏ . تفسير : وأخرج أبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏حديث : لما اجتمع يوم حنين أهل مكة وأهل المدينة أعجبتهم كثرتهم، فقال القوم‏:‏ اليوم والله نقاتل، فلما التقوا واشتد القتال ولوا مدبرين، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار، فقال‏: "يا معشر المسلمين إلي عباد الله، أنا رسول الله‏. فقالوا‏:‏ إليك - والله - جئنا، فنكسوا رؤوسهم ثم قاتلوا حتى فتح الله عليهم‏"‏‏ . تفسير : وأخرج الحاكم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال ‏"حديث : ‏أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وبرة من بعير، ثم قال‏: أيها الناس إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم قدر هذه إلا الخمس والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط وإياكم والغلول فإنه عار على أهله يوم القيامة، وعليكم بالجهاد في سبيل الله فإنه باب من أبواب الجنة يذهب الله به الهم والغم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الأنفال، ويقول‏:‏ ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ رأيتنا يوم حنين وإن الفئتين لموليتان، وعن عكرمة قال‏:‏ حديث : لما كان يوم حنين ولى المسلمون وولى المشركون، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ‏"‏أنا محمد رسول الله ثلاث مرات - وإلى جنبه عمه العباس - فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمه‏:‏ يا عباس أذن يا أهل الشجرة، فأجابوه من كل مكان لبيك لبيك حتى أظلوه برماحهم، ثم مضى فوهب الله له الظفر، فأنزل الله ‏ {‏ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم‏}‏ الآية ‏"‏‏ . تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن عبيد الله بن عمير الليثي رضي الله عنه قال ‏"‏كان مع النبي صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف من الأنصار، وألف من جهينة، وألف من مزينة، وألف من أسلم، وألف من غفار، وألف من أشجع، وألف من المهاجرين وغيرهم، فكان معه عشرة آلاف‏.‏ وخرج بإثني عشر ألفاً، وفيها قال الله تعالى في كتابه ‏ {‏ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا‏ً}‏‏ . وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن مردويه عن البراء بن عازب رضي الله عنه‏.‏ أنه قيل له‏:‏ هل كنتم وليتم يوم حنين‏؟‏ قال‏:‏ والله ما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسراً ليس عليهم سلاح، فلقوا جمعاً رماة هوازن وبني النضر ما يكاد يسقط لهم سهم، فرشقوهم رشقاً ما كادوا يخطئون، فأقبلوا هنالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته البيضاء وابن عمه أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب يقود به، فنزل ودعا واستنصر ثم قال‏:‏ شعر : أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب تفسير : ثم صف أصحابه‏‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وأنزل جنوداً لم تروها وعذب الذين كفروا‏} ‏ قال‏:‏ قتلهم بالسيف‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال‏:‏ في يوم حنين أمد الله رسوله صلى الله عليه وسلم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، ويومئذ سمى الله تعالى الأنصار مؤمنين قال ‏ {‏ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} ‏‏.‏ وأخرج ابن إسحق وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال‏:‏ رأيت قبل هزيمة القوم - والناس يقتتلون - مثل البجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي، لم أشك أنها الملائكة عليهم السلام، ولم يكن إلا هزيمة القوم‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وعذب الذين كفروا‏} ‏ قال‏:‏ بالهزيمة‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن أبزى رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وعذب الذين كفروا‏} ‏ قال‏:‏ بالهزيمة والقتل‏.‏ وفي قوله ‏ {‏ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء‏} ‏ قال‏:‏ على الذين انهزموا عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين‏.‏ وأخرج ابن سعد والبخاري في التاريخ والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن عبد الله بن عياض بن الحرث عن أبيه‏.‏ قال‏:‏ إن رسول صلى الله عليه وسلم أتى هوازن في اثني عشر ألفاً، فقتل من الطائف يوم حنين مثل قتلى يوم بدر، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفا من حصباء فرمى بها وجوهنا فانهزمنا‏.‏ وأخرج أحمد ومسلم عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال‏:‏ حديث : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنيناً، فلما واجهنا العدو وتقدمت فأعلو ثنية، فاستقبلني رجل من العدو فأرميته بسهم فتوارى عني فما دريت ما صنع، فنظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم وأصحاب والنبي صلى الله عليه وسلم وأنا متزر وأرجع منهزماً وعليَّ بردتان متزراً بأحدهما مرتدياً بالأخرى، فاستطلق إزاري فجمعتهما جميعاً ومررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهزماً وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "‏لقد رأى ابن الأكوع فزعاً، فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم فقال‏:‏ شاهت الوجوه‏. فما خلق الله منهم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله تعالى، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين‏"‏‏ . تفسير : وأخرج البخاري في التاريخ والبيهقي في الدلائل عن عمرو بن سفيان الثقفي رضي الله عنه قال ‏"‏قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قبضة من الحصى فرمى بها في وجوهنا فانهزمنا، فما خيل إلينا إلا أن كل حجر أو شجر فارس يطلبنا‏"‏‏. وأخرج البخاري في التاريخ وابن مردويه والبيهقي عن يزيد بن عامر السوائي - وكان شهد حنيناً مع المشركين ثم أسلم - قال‏:‏ أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قبضة من الأرض فرمى بها في وجوه المشركين وقال‏:‏ ارجعوا شاهت الوجوه، فما أحد يلقاه أخوه إلا وهو يشكو قذى في عينيه ويمسح عينيه‏. وأخرج مسدد في مسنده والبيهقي وابن عساكر عن عبد الرحمن مولى أم برثن قال‏:‏ حدثني رجل كان من المشركين يوم حنين قال‏:‏ لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقوموا لنا حلب شاة إلا كفيناهم، فبينا نحن نسوقهم في أدبارهم إذ التقينا إلى صاحب البغلة البيضاء فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلقينا عنده رجال بيض حسان الوجوه قالوا لنا‏:‏ شاهت الوجوه ارجعوا‏.‏ فرجعنا وركبوا أكتافنا وكانت إياها‏. وأخرج البيهقي من طريق ابن إسحق، حدثنا أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، أنه حدث أن مالك بن عوف رضي الله عنه بعث عيوناً فأتوه وقد تقطعت أوصالهم فقال‏:‏ ويلكم ما شأنكم‏؟‏ فقالوا‏:‏ أتانا رجال بيض على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى‏. وأخرج ابن مردويه والبيهقي وابن عساكر عن مصعب بن شيبة بن عثمان الحجبي عن أبيه قال ‏"حديث : ‏خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين، والله ما خرجت إسلاماً ولكن خرجت إتقاء أن تظهر هوازن على قريش، فوالله إني لواقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قلت‏:‏ يا نبي الله إني لأرى خيراً بلقاً‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ قال‏:‏ يا شيبة إنه لا يراها إلا كافر‏.‏ فضرب بيده عند صدري حتى ما أجد من خلق الله تعالى أحب إليَّ منه قال‏:‏ فالتقى المسلمون فقتل من قتل، ثم أقبل النبي وعمر رضي الله عنه آخذ باللجام، والعباس آخذ بالغرز، فنادى العباس رضي الله عنه‏:‏ أين المهاجرون، أين أصحاب سورة البقرة‏؟‏ - بصوت عال - هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فأقبل الناس والنبي صلى الله عليه وسلم يقول‏: شعر : أنا النبي غير كذب أنا ابن عبد المطلب حديث : فأقبل المسلمون فاصطكّوا بالسيوف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ الآن حمي الوطيس‏ "‏‏.

ابو السعود

تفسير : {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ} الخطابُ للمؤمنين خاصة {فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} من الحروب وهي مواقُعها ومقاماتها والمرادُ بها وقَعاتُ بدر وقُرَيظةَ والنَّضيرِ والحُدَيبـية وخيبَر وفتحُ مكة {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} عطفٌ على محل (في مواطن) بحذف المضافِ في أحدهما أي وموطنِ يوم حنين، أو في أيامِ مواطنَ كثيرةٍ ويومَ حنين ولعل التغيـيرَ للإيماء إلى ما وقع فيه من قلة الثباتِ من أول الأمر وقيل: المرادُ بالموطِن الوقتُ كمقتل الحسين، وقيل: يومَ حنين منصوبٌ بمضمر معطوفٍ على نصركم أي ونصرَكم يومَ حنين. {إِذَ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} بدلٌ من يومَ حنينٍ ولا منعَ فيه من عطفه على محل الظرفِ بناءً على أنه لم يكن في المعطوف عليه كثرةٌ ولا إعجابٌ إذ ليس من قضية العطفِ مشاركةُ المعطوفين فيما أضيف إليه المعطوفُ، أو منصوبٌ بإضمار اذكُرْ، (وحنينٌ وادٍ بـين مكةَ والطائفِ كانت فيه الوقعةُ بـين المسليمن وهم اثنا عشر ألفاً، عشرةُ آلافٍ منهم ممن شهد فتحَ مكةَ من المهاجرين والأنصار وألفانِ من الطلقاء، وبـين هَوازِنَ وثقيفٍ وكانوا أربعةَ آلافٍ فيمن ضامهم من أمداد سائر العرب وكانوا الجمَّ الغفيرَ فلما التَقْوا قال رجلٌ من المسلمين اسمُه سلمةُ بنُ سلامةَ الأنصاري: لن نُغلَبَ اليومَ من قلة فساءت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فاقتتلوا قتالاً شديداً فانهزم المشركون وخلَّوا الذراريَ فأكبَّ المسلمون على الغنائم فتنادى المشركون يا حُماة السوء اذكروا الفضائحَ فتراجعوا فأدركت المسلمين كلمةُ الإعجاب فانكشفوا وذلك قوله عز وجل: {فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً} والإغناءُ إعطاءُ ما يُدفع به الحاجةُ أي لم تُعطِكم تلك الكثرةُ ما تدفعون به حاجتَكم شيئاً من الإغناء {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} أي برَحْبها وسَعتها على أن (ما) مصدريةٌ والباء بمعنى مع أي لا تجِدون فيها مفرّاً تطمئنُّ إليه نفوسُكم من شدة الرعبِ ولا تثبُتون فيها كمن لا يسعه مكان {ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} رُوي أنه بلغ فَلُّهم مكةَ وبقي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وحده ليس معه إلا عمُّه العباسُ آخذاً بلجام بغلته وابنُ عمِّه أبو سفيانَ بنُ الحارث آخذاً بركابه وهو يركُض البغلةَ نحو المشركين وهو يقول: «حديث : أنا النبـيُّ لا كذِب أنا ابنُ عبد المطلب»تفسير : . روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يحمِلُ على الكفار فيفِرُّون ثم يحمِلون عليه فيقف لهم فعلَ ذلك بضعَ عشْرَةَ مرة قال العباس: كنت أكُفَّ البغلة لئلا تُسرِعَ به نحوَ المشركين، وناهيك بهذه الواحدةِ شهادةَ صدقٍ على أنه عليه الصلاة والسلام كان في الشجاعة ورباطةِ الجأش سبّاقاً للغايات القاصيةِ وما كان ذلك إلا لكونه مؤيداً من عند الله العزيز الحكيم فعند ذلك قال: «حديث : يا رب ائتني بما وعدتَني» تفسير : وقال للعباس وكان صيِّتاً: «صِحْ بالناس» فنادى الأنصارَ فخِذاً فخِذاً ثم نادى يا أصحابَ الشجرةِ يا أصحابَ سورةِ البقرة فكرّوا عنقاً واحداً وهم يقولون: لبـيك لبـيك وذلك قوله تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ}.

السلمي

تفسير : قوله: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً} [الآية: 25]. قال جعفر: استجلاب النصر فى شئ واحد، وهو الذلة والافتقار والعجز لقوله: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} لم تقوموا فيها بأنفسكم، ولم تشهدوا قوتكم وكثرتكم، وعلمتم أن النصر لا يؤخذ بالقوة، وأن الله هو الناصر والمعين ومتى علم العبد حقيقة ضعفه نصره الله، وحلول الخذلان بشئ واحد وهو العجب، قال الله: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً} فلما عاينوا القوة من أنفسهم دون الله؛ رماهم الله بالهزيمة وضيق الأرض عليهم. قال الله: {ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} موكلين إلى أحوالكم وقوتكم وكثرتكم.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ}. النصرة من الله تعالى في شهود القدرة، والمنصورُ مَنْ عَصَمه الله عزَّ وجلَّ عن التوهُّم والحسبان، ولم يَكِله إلى تدبيره في الأمور، وأثبته الحقُّ - سبحانه - في مقام الافتقار متبرياً عن الحَوْل والمُنَّة، مُتَحَقِّقاً بشهود تصاريف القدرة، يَأْخُذُ الحقُّ - سبحانه - بيدِه فيخرجه عن مهواة تدبيره. ويوقفه على وصف التصبُّر لقضاء تقديره. قوله جلّ ذكره: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ}. يعني نَصَرَكم يومَ حُنَيْن حين تَفَرَّقَ أكثرُ الأصحاب، وافترت أنياب الكَرَّةِ عن نِقاب القَهْر فاضطربت القلوبُ، وخانت القوى أصحابَها، ولم تُغْنِ عنكم كَثْرتُكم، فاستخلص اللهُ أسرارَكم - عند صدق الرجوع إليه - بِحُسْنِ السكينةِ النازلة عليكم، فَقَلَبَ اللهُ الأمرَ على الأعداء، وخَفَقَتْ راياتُ النصرة، ووقعت الدائرةُ على الكفار، وارتدَّتْ الهزيمةُ عليهم فرجعوا صاغرين.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً} اخبر سبحانه ان الاولياء والاصفياء لا يخلوا قلوبهم من قوارع خطرات == مع شرفهم بالولاية واصطفائيته بالكرامة ليعلم الحق ان ولايتهم غير === بالاعمال وهذا تعريفه تعالى مواضع نعمه لهم واجتباءه لهم منازل الرفيعة فى الازل ومعنى الاية اى حيث تبريتم من حولكم وقوتكم وافتقرتم الىّ وفررتم منى الى نصرتكم على عدوكم بحولى وقوتى حين شاهدتم عزة ازليتى وجلال ابديتى وحين نظرتم الى حولكم وقوتكم واحتجبتم بها عن مشاهدة قدرتى === تركتكم مع انفسكم قال جعفر استجلاب النصر فى شئ واحد وهو الذلة ولافتقار والعجز لقوله لقد نصركم الله فى مواطن كثيرة لم تقوموا فيها بانفسكم ولم تشهدوا قوتكم وكثرتكم وعلمتم ان النصر لا يوجد بالقوة وان الله هو الناصر المعين ومتى علم العبد حقيقة ضعفه نصره الله وحلول الخذلان بشئ واحد وهو العجب قال الله {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً} فلما عاينوا القدر من انفسهم دون الله رماهم الله بالهزيمة وضيق الارض عليهم {ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} موكولين الى حولكم وقوتكم وكثرتكم فلما راى تقصيرهم بصرف ع يونهم عن مشاهدة الله الى انفسهم وطرفة عين وندموا على ذلك ورجعوا بعد الامتحان الى ساحة الرحمن البسهم الله انوار قربه وكساهم سنا قدرته وهيبته ولذء قلوبهم بحسن عنايته حتى قويت بها فى احتمالها اثقال عبوديته وبين ذلك بقوله سبحانه {ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} والاشارة فيه ان قلب نبيه صلى الله عليه وسلم كان يخل ايضاً من شواهد امتحانه لان الحق حق والخلق خلق ولذلك قال انزل الله سكينته على رسوله كان عليه الصلاة والسّلام فى مثل ذلك يقول انه ليعان على قلبى وانى لاستغفر الله فى اليوم سبعين مرة سكينته زيادة انوار كشف مشاهدة الله له حين خاف من مكر الازل فاراه الله اصطفائيته الازلية وأمَّنه من مكره لانه ينظر من الحق الى نفسه طرفة عين لكن اذا غاب فى بحار القدم لم ير للحد اثرا وراى الحدثان متلاشية فى قبض بطش العظمة ففرغ منه به فأواه الله منه اليه حتى سكن به عنه سكينته بالدنو حيث قال دنا فتدلى وثباته بدنو الدنو بقوله فكان قاب قوسين او ادنى فلما وصفه بالمرتبة الاعلى والمشاهدة الادنى وسكينته قربة الاصفى زاد فى وصفه حين لم ير فى مشاهدة القدم ما خرج من العدم بقوله ما زاغ البصر وما طغى سكينته كان من رؤية الذات وسكينة المؤمنين من رؤية الصفات قال بعضهم السكينة التى انزلها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم هى التى اظهر عليه ليل المسرى عند سدر المنتهى فما زاغ وما طغى بل السكينة اقامته مقام الدنو بحسن الادب ناظرا الى الحق مستمعاً منه مثتيابه عليه بقوله التحيات لله و السكينة التى نزلت على المؤمنين هو سكون قلوبهم الى ما ياتيهم به المصطفى صلى الله عليه وسلم من وعد ووعيد وبشارة وحكم وقيل السكينة المقام مع الله بفناء الحظوظ قال الاستاذ السكينة استحاك القلب عند جريان حكم الرب بنعت الاطمأنينة بخمود اثار البشرية بالكليّة والرضا بالبادى من الغيب من غير معارضة واختيار ويقال السكينة القرار على بساط الشهود بشواهد والتأديب باقامة صفات العبودية من غير لحوق مشقة ولا تحرك عرق بمعارضة حكم وذكرتها ونعمته بانزال الملائكة عليهم بقوله {وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} وفى لطيف الاشارة الجنود روادف اثار قوى تجلى الحق بغير اليجاب ونعت الانقطاع قال الاستاذ جنودهم بها وفود اليقين وروايد الاستبصار ثم ان الله سبحانه وصف من كان مجبولا فى الازل بسم السعادة وبقى فى حجاب النكرة يخرج بانوار سوابق حكمه من ظلمات قهره بقوله {ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} كشف لهم فاخاب عنهم من انوار معدن الغيب وهداهم بها الى محل شهود الحضرة ومن عليهم بكشف المشاهدة واوصلهم اليه بالرحمة وسترهم بوصله عن عين الفرقة وذلك قوله {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ما اكرم مولانا تعالى سبقت رحمته ومغفرته لعباده فى الازل مع علمه بما يبدو انهم من العصيان ولم يكن عليهم غضبا ولم يسلب منهم غفرانا سبحانه ما الطف سبحانه قال الاستاذ ردّهم من الجهل الى حقائق العلم ثم نقلهم من تلك المنازل الى مشاهد اليقين ثم رقاهم ان تلك الجملة بما لا فهم به ن عين الجمع ثوان الله اعلمنا بفضله ان من لم يكن خاطره مطهرا بمياه التوحيد من بحر التفريد من ادناس الوساوس ورياء الناس لا يصلح لمقام القرب ولاستيناس بقوله {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ} بين ان من بقى فى قلبه فى عبودية خالقه نظر الى غيره والى نفسه لا يجوز ان يدنوا مجالس اوليائه فان صحبته يشوش خواطرهم وينجس بنفسه انفاسهم وحذر العارفين يضامن صحبة المخالفين لانهم عرائس الله ولا يجوز ان ينظر اليهم قال الجنيد الصوفية اهل بيت لا يدخل فيهم غيرهم والاشارة فيه ايضا ان من عكس فيه اثار قهر القدم اوقعه فى بحرية نفسه وتلك الرؤية نجاسة بقيت فى قلبه ولا تقريب بها من مواقف القدسية من عالم الملكوت والجبروت قال ابو صالح حمد من المشرك فى عمله من يحسن ظاهره لملاقات الناس ومجاورتهم ويظهر للخلق احسن ما عنده وينظر الى نفسه بعين الرضا عنها بما اظهر ليها من زينة العبادات وينجس باطنه بمخالفة ما اظهره هو الريا والشهوات وسائر المخالفات فذاك المشرك فى عبادته النجس باطنه ولا يصلح لبساط القدس الا المقدس ظاهر او باطنا سرا وعلنا لان الله تعالى قال انما المشركون نجس ومن كان نجسا فان الامكنة لا تطهره وستر الظاهر عليه لا ينظفه وقال الاستاد فقدوا طهارة الاسرار بماء التوحيد وبقوافى قذرات الظنون والاوهام تمتعوا قربان المساجد التى هى مشاهد القرب ثم ان الله سبحانه وعد العارفين بان يكسيهم كسوة فنى بقائه حتى لا يحتاجون بالنظر الى سواهم بقوله {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} اذا اخرجتم اهل الدنيا من بين سفير الاعلى من المقربين الذين نعوتهم الفقر وسماتهم التصوف والعبادة ويخطر على قلوبكم انقطاع مواساتهم لكم فانا اغنيكم عما سواى وارزقكم من غير وسيلة يحتجبون بها عنى قال الاستاد توقع الارفاق من الاسباب من قضايا انغلاق باب التوحيد ومن لم يفرد معبوده بالقسمة بقى فى فقر سرمد ويقال من اناج بعفوة كرم مولاه واستمطر سحاب جوده بفناء عن كل سبب وكفاه كل تعب وقضى له كل سول وادب واعطاه من غير طلب.

اسماعيل حقي

تفسير : {لقد نصركم الله} اى بالله قد اعانكم يا اصحاب محمد على عدوكم واعلاكم عليهم مع ضعفكم وقة عددكم وعددكم {فى مواطن كثيرة} من الحروب وهو مواقعها ومقاماتها. جمع موطن وهو كل موضع اقام به الانسان لأمر والمراد بها واقعات بدر والاحزاب وقريظة والنضير والحديبية وخبير وفتح مكة {ويوم حنين} عطف على محل فى مواطن بحذف المضاف فى احدهما اى وموطن يوم حنين ليكون من عطف المكان على المكان او فى ايام مواطن كثيرة ويوم حنين ليكون من عطف الزمان وعلى الزمان واضيف اليوم الى حنين لوقوع الحرب يومئذ بها فيوم حنين هى غزوة حنين ويقال لها غزوة هوازن ويقال لها غزوة اوطاس باسم الموضع الذى كانت به الواقعة فى آخر الامر وحنين واد بين مكة والطائف {اذا أعجبتكم كثرتكم} [جون بشكفت آوردشمارا] اى سرتكم كثرة عددكم ووفور عددكم والاعجاب هو السرور بالتعجب وهو بدل من يوم حنين وكانت الواقعة فى حنين بين المسلمين وهم اثنا عشر الفا عشرة آلاف منهم ممن شهد فتح مكة من المهاجرين والانصار والفان من الطلقاء وهم اهل مكة سوا بذلك لانه عليه السلام اطلقهم يوم فتح مكة عنوة ولم يقيدهم بالاسار وبين هوازن وثقيف وكانوا اربعة آلاف سوى الجم الغفير من امداد سائر العرب -روى- انه عليه السلام فتح مكة فى اواخر رمضان وقد بقيت منه ثلاثة ايام وقيل فتحها لثلاث عشرة ليلة مضت من رمضان ومكث فيها الى ان دخل شوال فغذا يوم السبت السادس منه خارجا الى غزوة حنين واستعمل على مكة عتاب بن اسيد يصلى بهم ومعاذ بن جبل يعلمهم السنن والفقه وحين فتحت مكة اطاعه عليه السلام قبائل العرب الا هوازن وثقيفا فان اهلهما كانوا طغاة مردة فخافوا الى ان يغزوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ظنوا انه عليه الصلاة والسلام يدعوهم الى الاسلام فثقل ذلك عليهم فحشدوا وبغوا وقالوا ان محمدا لاقى قوما لا يحسنون القتال فاجمعوا امرهم على ذلك فاخرجوا معهم اموالهم ونساءهم وابناءهم وراءهم فحملوا النساء فوق الابل وراء صفوف الرجال ثم جاؤا بالابل والغنم والذرارى وراء ذلك كى يقاتل كل منهم عن اهله وماله ولا يفر احد بزعمهم فساروا كذلك حتى نزلوا باوطاس وقد كان عليه السلام بعث اليهم عينا ليتجسس عن حالهم وهو عبد الله بن ابى حذر من بنى سليم فوصل اليهم فسمع مالك بن عوف امير هوازن يقول لاصحابه انتم اليوم اربعة آلاف رجل فاذا لقيتم العدو فاحملوا عليهم حملة رجل واحد واكسروا جفون سيوفكم فوالله لا تضربون باربعة آلاف سيف شيئاً الا فرج فاقبل العين الى النبى عليه السلام فاخبره بما سمع من مقالتهم فقال سلمة ابن سلامة الوقسى الانصارى يا رسول الله لن نغلب اليوم من قلة معناه بالفارسية [ما امروز از قلت لشكر مغلوب نخواهم شد] فساءت رسول الله كلمته وقيل ان هذه الكلمة قالها ابو بكر رضى الله عنه وقيل قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الامام صاحب التفسير الكبير وهو بعيد لانه عليه السلام كان فى اكثر الاحوال متوكلا على الله منقطع القلب عن الدنيا واسبابها قال ابن الشيخ فى حواشيه الظاهر ان القول بها لا ينافى التوكل على الله ولا يستلزم الاعتماد على الاسباب الظاهرة فان قوله لن نغلب اليوم من قلة نفى للقلة واعجاب بالكثرة. والمعنى ان وقعت مغلوبية فلامر آخر غير القلة فركب صلى الله عليه وسلم بغلته دلدل ولبس درع داود عليه السلام التى لبسها حين قتل جالوت ووضع الألوية والرايات مع المهاجرين والانصار فلما كان بحنين وانحدروا فى الوادى وذلك عند غبش الصبح يوم الثلاثاء خرج عليهم القوم وكانوا كمنوا لهم فى شعاب الوادى ومضايقه وكانوا رماة فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم المشركون وخلوا الذرارى فاكب المسلمون فتنادى المشركون يا حماة السوء اذكروا الفضائح فتراجعوا وحملوا عليهم فادركت المسلمين كلمة الاعجاب اى لحقهم شؤم كلمة الاعجاب فانكشفوا ولم يقوموا لهم مقدار حلب شاة وذلك قوله تعالى {فلم تغن عنكم شيئاً} [بس دفع نكرد ازشما آن كثرت شما] والاغناء اعطاء ما تدفع به الحاجة اى لم تعطكم تلك الكثرة مما تدفعون به حاجتكم شيئاً من الاغناء {وضاقت عليكم الارض بما رحبت} اى رحبها وسعتها على ان ما مصدرية والباء بمعنى مع اى لا تجدون فيها مقرا تطمئن اليه نفوسكم من شدة الرعب ولا تثبتون فيها كمن لا يسعه مكانه: قال الشاعر شعر : كان بلاد الله وهى عريضة على الخائف المطلوب كفة حابل تفسير : اى حبالة صيد {ثم وليتم} الكفار ظهوركم {مدبرين} اى منهزمين لا تلوون على احد يقال ولى هاربا اى ادبر. فالادبار الذهاب الى خلف خلاف الاقبال -روى- انه بلغ فلهم اى منهزمهم مكة وسر بذلك قوم من اهل مكة واظهروا الشماتة حتى قال اخو صفوان ابن امية لامه ألا قد ابطل الله السحر اليوم فقال له صفوان وهو يومئذ مشرك اسكت فض الله فاك اى اسقط اسنانك والله لان يربنى الربوبية اى يملكنى ويدبر امرى رجل من قريش احب الى من ان يربنى رجل من هوازن ولما انهزموا بقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده وليس معه الا عمه العباس آخذا بلجام بغلته وابن عمه ابو سفيان بن حرب بن عبد المطلب اخذا بركابه وهو يركض البغلة نحو المشركين ويقول شعر : انا النبى لا كذب انا ابن عبد المطلب تفسير : وهذا ليس بشعر لانه لم يقع عن قصد وانما قال انا ابن عبد المطلب ولم يقل انا ابن عبدالله لان العرب كانت تنسبه صلى الله عليه وسلم الى جده عبد المطلب لشهرته ولموت عبدالله فى حياته فليس من الافتخار بالآباء الذى هو من عمل الجاهلية. وقال الخطابى انه عليه السلام انما قال انا ابن عبد المطلب لا على سبيل الافتخار ولكن ذكرهم عليه السلام بذلك رؤيا رآها عبد المطلب ايام حياته وكانت القصة مشهورة عندهم فعرفهم بها وذكرهم اياها وهى احدى دلائل نبوته عليه السلام. وقصة الرؤيا على ما فى عقد الدرر واللآلى ان عبد المطلب جد النبى عليه السلام بينا هو نائم فى الحجر انتبه مذعورا قال العباس فتبعته وانا يومئذ غلام اعقل ما يقال فاتى كهنة قريش فقال رأيت كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهرى ولها اربعة اطراف طرف قد بلغ مشارق الارض وطرف قد بلغ مغاربها وطرف قد بلغ عنان السماء وطرف قد جاوز الثرى فبينا انا انظر عادت شجرة خضراء لها نوا فبينا انا كذلك قام على شيخان فقلت لاحدهما من انت قال انا نوح نبى رب العالمين وقلت للآخر من انت قال انا ابراهيم خليل رب العالمين ثم انتبهت قالوا ان صدقت رؤياك ليخرجن من ظهرك نبى يؤمن به اهل السموات واهل الارض ودلت السلسلة على كثرة اتباعه وانصاره لتداخل حلق السلسلة ورجوعها شجرة يدل على ثبات امره وعلوذ كره وسيهلك من لم يؤمن به كما هلك قوم نوح وستظهر به ملة ابراهيم والى هذا وقعت اشارة النبى صلى الله عليه وسلم يوم حنين قال شعر : انا النبى لا كذب انا ابن عبد المطلب تفسير : كانه يقول انا ابن صاحب تلك الرؤيا مفتخرا بها لما فيها من علم نبوته وعلو كلمته انتهى - روى- انه عليه السلام كان يحمل على الكفار فيفرون ثم يحملون عليه فيقف لهم فعل ذلك بضع عشرة مرة قال العباس كنت اكف البغلة لئلا تسرع به نحو المشركين وناهيك بهذا شهادة على تناهى شجاعته حيث لم يخف اسمه فى تلك الحال ولم يخف الكفار على نفسه وما ذلك الا لكونه مؤيدا من عند الله العزيز الحكيم فعند ذلك قال حديث : "يارب ائتنى بما وعدتنى" وقال للعباس وكان صيتا جهورىّ الصوت "صح بالناس"تفسير : يروى من شدة صوته انه اغير يوما على مكة فناداه واصباحاه فاسقطت كل حامل سمعت صوته وكان صوته يسمع من ثمانية اميال فنادى الانصار فخذا فخذا ثم نادى يا اصحاب الشجرة وهم اهل بيعة الرضوان يا اصحاب سورة البقرة وهم المذكورون فى قوله {أية : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون} تفسير : [البقرة: 285] وكانوا يحفظون سورة البقرة ويقولون من حفظ سورة البقرة وآل عمران فقد جد فينا فكروا عنقا واحدا اى جماعة واحدة يعنى دفعة وهم يقولون لبيك لبيك وذلك قوله تعالى {ثم انزل الله سكينته على رسوله} اى رحمته التى تسكن بسببها القلوب وتطمئن اليها اطمئنانا كليا مستتبعا للنصر القريب واما مطلق السكينة فقد كانت حاصلة له عليه السلام قبل ذلك ايضا {وعلى المؤمنين} شامل للمنهزمين وغيرهم فعاد المنهزمون وظفروا {وأنزل جنودا لم تروها} اى بابصاركم كما يرى بعضكم بعضا وهم الملائكة عليهم البياض على خيول بلق وكان يراهم الكفار دون المؤمنون حديث : فنظر النبى عليه السلام الى قتال المشركين فقال "هذا حين حمى الوطيس" والوطيس حجارة توقد العرب تحتها النار يشوون عليها اللحم وهو فى الاصل التنور وهذه من الكلمات التى لم تسمع الا منه صلى الله عليه وسلم. وحمى الوطيس كناية عن شدة الحرب ثم نزل عن بغلته وقيل لم ينزل بل قال "يا عباس ناولنى من الحصباء" او انخفضت بغلته حتى كادت بطنها تمس الارض ثم قبض قبضة من تراب فرمى به نحو المشركين وقال "شاهت الوجوه" فلم يبق منهم احد الا امتلأت به عيناه ثم قال عليه السلام "انهزموا ورب الكعبة"تفسير : وهو اعظم من انقلاب العصا حية لان ابتلاعها لحبالهم وعصيهم لم يقهر العدو ولم يتشتت شمله بل زاد بعدها طغيانه وعتوه على موسى بخلاف هذا الحصى فانه اهلك العدو وشتت شمله وكان من دعائه عليه السلام يومئذ "حديث : اللهم لك الحمد واليك المشتكى وانت المستعان" تفسير : فقال له جبريل عليه السلام لقد لقنت الكلمات التى لقنها الله موسى يوم فلق البحر. واختلفوا فى عدد الملائكة يومئذ فقيل خمسة آلاف وقيل ثمانية آلاف وقيل تسعة عشر الفا. وفى قتالهم ايضا فقيل قاتلوا وقيل لم يقاتلوا الا يوم بدر وانما كان نزولهم لتقوية قلوب المؤمنين بالقاء الخواطر الحسنة وتأييدهم بذلك والقاء الرعب فى قلوب المشركين {وعذب الذين كفروا} بالقتل والاسر والسبى {وذلك} اى ما فعل بهم مما ذكر {جزاء الكافرين} فى الدنيا. ولما هزم الله المشركين بوادى حنين ولوا مدبرين ونزلوا باوطاس وبها عيالهم واموالهم فبعث رسول الله رجلا من الاشعرين يقال له ابو عامر وامره على جيش الى اوطاس فسار اليهم فاقتتلوا وهزم الله المشركين وسبى المسلمون عيالهم وهرب اميرهم مالك بن عوف فاتى الطائف وتحصن بها واخذوا اهله وماله فيمن اخذ وقتل امير المؤمنين ابو عامر ثم انه عليه السلام اتى الطائف فحاصرهم بقية ذلك الشهر فلما دخل ذو القعدة وهو شهر حرام انصرف عنهم فاتى الجعرانة وهو موضع بين مكة والطائف سمى المحل باسم امرأة وهى ريطة بنت سعد وكانت تلقب بالجعرانة وهى المرادة فى قوله تعالى {أية : كالتى نقضت غزلها} تفسير : [النحل: 52] فاحرم منها بعمرة بغد ان قام بها ثلاث عشرة ليلة وقال اعتمر منها سبعون نبيا وقسم بها غنائم حنين واوطاس وكان السبى ستة آلاف رأس والابل اربعة وعشرين الفا والغنم اكثر من اربعين واربعة آلاف اوقية فضة وتألف اناسا فجعل يعطى الرجل الخمسين والمائة من الابل ولما قسم ما بقى خص كل رجل اربع من الابل واربعون شاة فقال طائفة من الانصار ياللعحب ان اسيافنا تقطر من دمائهم وغنائمنا ترد عليهم فبلغ ذلك النبى عليه السلام فجمعهم فقالحديث : "يا معشر الانصار ما هذا الذى بلغنى عنكم فقالوا هو الذى بلغك وكانوا لا يكذبون فقال "الم تكونوا ضلالا فهداكم الله بى وكنتم اذلة فأعزكم الله بى اما ترضون ان ينقلب الناس بالشاء والابل وتنقلبون برسول الله الى بيوتكم" فقالوا بلى رضينا يا رسول الله والله ما قلنا ذلك الا محبة لله ولرسوله فقال صلى الله عليه وسلم "ان الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم. .

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ويوم حنين}: عطف على {مواطن}، أو منصوب بفعل مضمر، وهذا أحسن؛ لأن قوله: {إذ أعجبتكم كثرتكم} خاص بيوم حنين. انظر: ابن جزي. يقول الحق جل جلاله: في تذكيرهم بالنعم: {لقد نصَركُم اللَّهُ في مواطنَ كثيرةٍ} أي: في مواقف الحرب ومداحضها في مواضع كثيرة، {و} نصركم أيضاً {يومَ حُنينٍ}، وهي غزوة كانت بعد فتح مكة، متصلة بها، في موضع يقال له: حنين، سمي باسم رجل كان يسكنه، وهو وادٍ بين مكة والطائف، حارب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، وكانوا اثنى عشر ألفاً: عشرة آلاف من الذين حضروا فتح مكة، وألفان انضموا إليهم من الطلقاء، قاتلوا هوازن وثقيف ومن انضم إليهم من قبائل العرب. وكانوا ثلاثين ألفاً، فلما التقوا مع بعض المشركين قال بعض المسلمين: لن نُغلَبَ اليوم من قلة، إعجاباً بكثرتهم، واقتتلوا قتالاً شديداً، فأدرك المسلمين إعجابهم، واعتمادهم على كثرتهم، فانهزموا حتى وصل جُلهم إلى مكة، وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مركزه، ليس معه إلا عمه العباس، آخذاً بلجامه، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث، وناهيك شهادة على تناهي شجاعته صلى الله عليه وسلم، فقال العباس ـ وكان صيِّتاً ـ: صِحْ بالناس، فنادى: يا عباد الله، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، فكروا عنقاً واحداً، يقولون: لبيك لبيك، ونزلت الملائكة، فالتقوا مع المشركين، فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : هذا حين حَمِي الوَطيس"تفسير : ، ثم أخذ كفاً من تراب فرماهم، وقال: "حديث : شاهت الوجوه"تفسير : ، ثم قال: "حديث : انهزموا وربِّ الكعبة"تفسير : ، فانهزموا. فأشار تعالى إلى مقالتهم معاتباً لهم عليها بقوله: {إذْ أعجبتكُم كثرتُكم فلم تُغن عنكم شيئاً} أي: فلم تُغن تلك الكثرة عنكم شيئاً من الإغناء، أو من أمر العدو. وهذه المقالة صدرت من غير النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم؛ لأنه معصوم من الإعجاب، وإن ثبت أنه قال ذلك فليس على وجه الإعجاب، بل على وجه الإخبار، وعلى ذلك جرى الحكم في المذهب: من حرمة الفرار عند بلوغ اثني عشر ألفاً، وكان المسلمون يومئذ اثني عشر ألفاً بالطلقاء؛ وهم مسلمة الفتح: وكانوا ألفين، وسُموا بالطلقاء؛ لمنّ النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، يقال لمن أطلق من أسر: طليق، وجمعه على طلقاء نادر؛ لأنه يشترط في فعيل، الذي يجمع على فعلاء، أن يكون بمعنى فاعل، كظريف وشريف، لا بمعنى مفعول، كدفين ودفنى، وسخين وسخنى، منه. طليق. ثم قال تعالى: {وضاقتْ عليكم الأرضُ بما رحُبَتْ}؛ برحبها، أي: ضاقت على كثرة اتساعها، فلم تجدوا فيها مكاناً تطمئن إليه نفوسكم من الدهش، {ثم وليتم مدبرين}؛ هاربين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، {ثم أنزل الله سكينته} أي: طمأنينته {على رسوله وعلى المؤمنين} بعد انهزامهم، فرجعوا وقاتلوا، أو على من بقي مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يفروا. وإعادة الجار؛ للتنبيه على اختلاف حالهما. {وأنزل جنوداً} من الملائكة {لم تروها} بأعينكم، وكانوا خمسة آلاف، أو ثمانية، أو ستة عشر، على اختلاف الأقوال. {وعذَّبَ الذين كفروا} بالقتل والأسر والسبيٍ، {وذلك جزاءُ الكافرين} أي: ما فعل بهم هو جزاء كفرهم في الدنيا، {ثم يتوبُ الله من بعد ذلك على من يشاء} منهم، بالتوفيق للإسلام، {والله غفور رحيم} يتجاوز عنهم ويتفضل عليهم بالتوفيق والهداية. رُوي أن أناساً منهم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسْلَمُوا، وقالوا: يا رسولَ الله، أنْتَ خيرُ الناس وأبرهم، وقد سُبي أهلُونا وأولادُنا، وأُخِذَتْ أموالُنَا ـ وقد سُبي يومئذ ستة آلاف نفس، وأخذ من الإبل والغنم ما لا يحصى، فقال: "حديث : اختاروا، إما سَبْيكُمْ، وإما أمْوالَكُم".تفسير : فقالوا ما كُنَّا نَعدِلُ الأحسابِ شيئأً، فمنْ كان بيَدِهِ سبي فطابتْ نفسُهُ أنْ يرُدَّهُ فشأنُهُ، ومن لا، فليُعْطِنَا، وليكُنْ قَرْضاً علينا حتَّى نُصيب شيئاً فنُعطِيِه مثله"، فقالوا: رضينا وسَلَّمنا، فقال: "حديث : إنِّي لا أدري، لَعَلَّ فِيكُمْ مَنْ لا يَرضَى، فارجعوا حتى يرفع إِليَّ عُرفَاوكُمُ أمرَكم"تفسير : فرفعوا إليه أمْرَهمْ، وقالوا: قد رضُوا، فردَّ السبي إليهم، وقسم الأموال في المؤلفة قلوبهم، ترغيباً في تسكين قلوبهم للإسلام. والغزوة مطولة في كتب السيرة، والله تعالى أعلم. الإشارة: لقد نصركم الله، يا معشر المريدين، على جهاد نفوسكم وتيسير أموركم، في مواطن كثيرة، إذا رجعتم إلى ربكم، واعتزلتم من حولكم وقوتكم في جميع أموركم، فمن علامة النجاح في النهاية الرجوع إلى الله في البداية، ما تعذر مطلب أنت طالبه بربك، ولا تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك، فمن رجع إلى نفسه، أو استند إلى عقله وحدسه، لم تغن عنه شيئاً، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، ورجع من حيث جاء، فإن انتبه، ورجع إلى ربه، أنزل سكينة عليه، وأيده باليقين، ورجا أن يدرك أمله من رب العالمين. قال الورتجبي: قوله تعالى: {ثم أنزل الله سكينتة على رسوله}، سكينته ـ عليه الصلاة والسلام ـ زيادة أنوار كشف مشاهدة الله، له، حين خاف من مكر الأزل، فأراه الله اصطفائيته الأزلية، وأمنة من مكره، لا أنه ينظر من الحق إلى نفسه طرفة عين، لكن إذا غاب في بحر القدم لم ير للحدث اثراً، ورأى الحدثان متلاشية في فيض العظمة، ففزع منه به، فآواه الله منه إليه، حتى سكن به عنه.هـ. ثم أمر بمنع المشركين من دخول البيت الحرام، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}.

الطوسي

تفسير : أقسم الله تعالى في هذه الاية - لأن لام {لقد} لام القسم - بأنه نصر المؤمنين في مواطن كثيرة ومواطن في موضع جر بـ {في} وانما نصب، لأنه لا ينصرف لانه جمع لا نظير له في الآحاد، فلا ينصرف. وجر كثيرة على المواضع وأنثه على اللفظ. ومواطن جمع موطن. ومعنى النصر الغلبة على العدو. والمعونة قد تكون في حمل الثقيل، وتكون في شراء متاع وتكون في قضاء حاجة، ولا يكون النصر إلا المعونة على العدو خاصة. والمواطن هو الموضع الذي يقيم فيه صاحبه وإنما قد أقاموا في هذه المواطن للقتال. ومعنى كثيرة روي عن أبي عبد الله عليه السلام انها كانت ثمانين موطناً، والكثيرة عدة زائدة على غيرها فهي كثيرة بالاضافة إلى ما دونها قليلة بالاضافة إلى ما فوقها. وقوله {ويوم حنين}، وحنين اسم واد بين مكة والطائف في قول قتادة. وقال عروة: هو واد إلى جانب ذي المجاز، فلذلك صرف، ويجوز ترك صرفه على انه اسم للبقعة قال الشاعر: شعر : نصروا نبيهم وشدوا أزره بحنين يوم تواكل الابطال تفسير : وقوله {إذ أعجبتكم كثرتكم} فالاعجاب السرور بما يتعجب منه، والعجب السرور بالنفس على الفخر بما يتعجب منه. وقال قتادة: إنه كان سبب انهزام المسلمين يوم حنين أن بعضهم قال حين رأى كثرة المسلمين يوم حنين لانهم كانوا اثني عشر ألفاً، فقال: لن نغلب اليوم عن قلة. فانهزموا بعد ساعة. وقيل: إنهم كانوا عشرة آلاف. وقال بعضهم: ثمانية آلاف والأول أشهر. ولما انهزموا لم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله الا تسعة نفر من بني هاشم وأيمن ابن ام ايمن. والعباس بن عبد المطلب. وابو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعلي بن ابي طالب عليه السلام في آخرين، فأخذ النبي صلى الله عليه وآله كفاً من الحصباء فرماهم به، وقال شاهت الوجوه فانهزم المشركون. وقوله {فلم تغن عنكم شيئاً} معناه لم تغن كثرتكم شيئاً، والاغناء اعطاء ما يرفع الحاجة. ولذلك قيل في الدعاء أغناك الله {فلم تغن عنكم شيئاً} معناه لم تعطلكم ما يرفع حاجتكم. وقوله {وضاقت عليكم الأرض بما رحبت} معناه ليس فيها موضع يصلح لكم لفراركم عن عدوكم. والضيق مقدار ناقص عن مقدار، والرحب السعة في المكان وقد يكون في الرزق. والسعة في النفقة. وقوله {ثم وليتم مدبرين} فالادبار الذهاب إلى جهة الخلف والاقبال إلى جهة القدام. والمعنى وليتم عن عدوكم منهزمين. وتقديره وليتموهم الادبار. وكانت غزوة حنين عقيب الفتح في شهر رمضان أو في شوال سنة ثمان. فان قيل كيف قال انه نصرهم في مواطن كثيرة؟ والمؤمنون منصورون في جميع الاحوال؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - ان ذلك اخبار بأنه نصرهم دفعات كثيرة ولا يدل على انه لم ينصرهم في موضع آخر، والثاني - لأنهم لما انهزموا لم يكونوا منصورين وكان ذلك منهم خطأ وإن وقع مكفراً.

الجنابذي

تفسير : {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} فليرجّح طالب الاعراض الفانية محبّة الله ورسوله حتّى يحصل مأموله روى انّ المواطن كانت ثمانين وهى مواقع الحرب {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ وسبب غزوة حُنين وهو وادٍ بين مكّة والطّائف انّ رسول الله (ص) حين خرج لفتح مكّة اظهر انّه يريد هوازن، وبلغ الخبر اليه (ص) فجمع القبائل ووعدهم النّصر والغنيمة فجمع اثنى عشر الفاً وخرج من مكّة يستقبلهم، فقال ابو بكر معجباً لن نغلب اليوم فلمّا التقى الفريقان فى وادى حنينٍ وهو وادٍ له انحدار بعيد انهزم المسلمون هزيمة فاحشة ثمّ نصرهم الله بالملائكة فأخذوا غنائم وافرة واسارى كثيرةً بلغ عدد الاسارى ستّة آلافٍ، ولمّا لم يخف نصرة الله فى ذلك اليوم على احدٍ حتّى على المشركين حيث قال بعض اساراهم: اين الخيل البلق؟! والرّجال عليهم ثياب بيض؟ - وكان الغنائم والاسارى اكثر ما يكون؛ خصّه الله بالّذكر {إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} قد مضى انّ المعجب كان ابور بكر وقد ساء مقالته رسول الله (ص) {فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً} من الاغناء او شيئاً من بأس الاعداء فانّ الكثرة اذا لم تكن قرينة للنّصرة لاتنفع، والنّصرة هى المغنية سواء كانت قرينة للكثرة او للقلّة {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ} حين غلبتم وانهزمتم {بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} عن رسول الله (ص) وعن الجهاد.

الأعقم

تفسير : {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة} في مواضع قتالكم التي أقمتم فيها القتال، وروي أن تلك المواطن ثمانون موطناً {ويوم حنين} وهو واد بين مكة والطائف {إذ أعجبتكم كثرتكم} وهم اثني عشر ألفاً الذين حضروا فتح مكة، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لم نغلب اليوم من قلة، فسار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقيل: الذي قال ذلك أبو بكر فأدركت المسلمين كلمة الاعجاب بالكثرة، وزال عنهم أن الله هو الناصر لا كثرة الجنود فانهزموا حتى بلغ أولهم مكة، وبقي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحده ثابتاً في مركزه لا يتحلحل، ليس معه إلاَّ عمه العباس أخذ بلجام دابته وأبو سفيان وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) يقاتل القوم، وناهيك بهذه الواحدة شهادة صدقت على شجاعته (عليه السلام) {وضاقت عليكم الأرض بما رحبت} أي بما اتسعت، وقيل: هو مثل لمن بلغت الغاية في الحرب والخوف {ثم وليتم مدبرين} أي انصرفتم هاربين {ثم أنزل الله سكينته}، قيل: رحمته التي تسكن اليها النفوس، وقيل: السكينة الوقار {على رسوله} (صلى الله عليه وآله وسلم) {وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها} يعني بهم الملائكة، وكانوا خمسة آلاف، وقيل: ثمانية آلاف، وقيل: ستة عشر ألفاً، وقيل: لم يقاتلوا يوم حنين وإنما قاتلوا يوم بدر {وعذب الذين كفروا} بالقتل والأسر وسبي النساء والذراري، روي أنه سبي منهم يومئذ ستة آلاف نفس وأخذوا من الابل والغنم ما لا يحصى {ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء} أي يسلم بعد ذلك ناس منهم، وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فتح مكة في شهر رمضان وخرج متوجهاً إلى حنين لقتال هوازن وغطفان وثقيف، وقد اجتمعوا لقتال المسلمين وتوجهوا ومعهم أموالهم ونساءهم وذراريهم، وفيهم دريد بن الصمة شيخ كبير، "حديث : وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما بقي انهزموا وبقي معه جماعة منهم العباس وهو ينادي: "يا معاشر المهاجرين والأنصار، يا معاشر أصحاب الشجرة، يا معاشر سورة البقرة" ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يركض بغلته على العدوّ، وأبو سفيان بن الحرث آخذ بالركاب، والعباس باللجام، وهو يقول (صلى الله عليه وآله وسلم): *أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب* وأمير المؤمنين (عليه السلام) يكرّ على الناس وهو يقول: *قد قال إذ عممني العمامة * أنت الذي بعدي له الإمامة فلما سمع المسلمون صوت العباس أقبلوا راجعين يقولون: لبيك، وتبادر الأنصار خاصة، وقاتلوا المشركين حتى قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "الآن حمى الوطيس" ثم أخذ كفاً من الحصى فرماها بهم وقال: "شاهت الوجوه" فامتلأت عيونهم من التراب وولوا منهزمين ".

الهواري

تفسير : قوله: { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} يعني يوم بدر والأيام التي نصر الله فيها النبي عليه السلام والمؤمنين. وقال مجاهد: يعرفهم بنصره ويوطئهم لغزوة تبوك!. قال: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} أي بسعتها { ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} أي منهزمين. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار إلى حنين، بعد فتح مكة، فلقي بها جمع هوازن [وثقيف وهم] قريب من أربعة آلاف، ورسول الله في قريب من عشرة آلاف في تفسير الكلبي. وقال بعضهم: وهو في اثني عشر ألفاً. فلما التقوا قال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن نغلب اليوم من قلّة. فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلمته وجداً شديداً. وخرجت هوازن ومعها دريد بن الصمة، وهو شيخ كبير، فقال دريد: يا معشر هوازن، أمعكم من بني كلاب أحد؟ قالوا: لا. قال: أفمن بني كعب أحد؟ قالوا: لا. قال: أفمن بني عامر؟ قالوا: لا. قال: أفمعكم من بني هلال بن عامر أحد؟ قالوا: لا. قال: أما والله لو كان خيراً ما سبقتموهم إليه، فأطيعوني وارجعوا، فعصوه فاقتتلوا. فانهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إليّ عباد الله تفسير : . فأخذ العباس بثفر بغلة رسول الله ثم نادى: يا معشر المهاجرين الذين بايعوا تحت الشجرة، يا معشر الأنصار الذي آووا ونصروا، إن هذا رسول الله عليه السلام، هلمّ لكم. وكان العباس رجلاً صيّاحاً. فاسمع الفريقين كليهما. فأقبلوا جميعاً. فأما المؤمنون فأقبلوا لنصر الله ونصر رسوله، وأما المشركون فأقبلوا ليطفئوا نور الله. فالتقوا عند رسول الله، واقتتلوا قتالاً شديداً.

اطفيش

تفسير : {لَقَد نَصَركُم} خطاب للمؤمنين {اللهُ فى مَواطنَ} أماكن وهى مواقع الحرب {كَثيرةٍ} كبدر وقريظة والنضير وخيبر، وفتح مكة، وكانت غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة فيما قال زيد بن أرقم، قيل: قاتل فى ثمانٍ منهنَّ، ومجموع غزواته وسراياه وبعوثه سبعون، وقيل: ثمانون، وقيل: ثمانٍ وثمانون، قال بعضهم: يوصف بالنصر فى جميعها، وأنها المراد بالمواطن، وخرج فى سبع وعشرين بنفسه. والثمانى التى قاتل فيها هن: بدر، وأحُد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، وحنين، والطائف، وزاد بعضهم: بنى النضير، وبعض: فتح مكة، على أنها فتحت عنوة، قال بعضهم: بعث فى سبع وأربعين، وخرج فى سبع وعشرين، تلك العشرة المذكورة، وغزوة الأبواء، وغزوة بواط، وبطن ينبع، وبدر الأولى، وبنى سليم، والسويق، وغطفان، ونجران، وحمراء الأسد، وذات الرقاع، وبدر الثالثة، ودومة الجدل، وبنى لحيان، وذى فرد، والحديبية، ولا يريد قتالا، وعمرة القضاء وتبوك. {ويَومَ} ظرف لمحذوف أى ونصركم يوم حُنين، لا معطوف على محل قوله: {فى مواطن} لأن الزمان لا يعطف على المكان ولا العكس، ولأنه قد أبدل إذ من قوله: {إذ أعجبتكم كثرتكم} من يوم، فلو عطف يوم على محل قوله: {فى مواطن} لزم أن يكونوا قد أعجبتهم كثرتهم فى تلك المواطن الكثيرة، ولم يقع الإعجاب بالكثرة فى غير حنين، ولم تكن الكثرة فى غيره، وإن نصبنا إذ باذكر لم يلزم ذلك، وبقى عطف الزمان على المكان، قاله جار الله. قلت: بحث بعض المتأخرين بأنه لا مانع من عطف الزمان على المكان والعكس، كما تعطف إحدى القصتين المتباينتين على الأخرى، وما ذكره من لزوم إعجاب الكثرة فى المواطن الكثيرة، من عطف يوم على {فى مواطن} مع إبدال إذ من يوم غفلة منه، لأنه لا مانع من تقييد بعض المعطوفات بما لم يقيد به غيره، وعلى منع عطف الزمان على المكان والعكس، يتوصل إلى العطف بجعل مواطن اسم زمان، أى أزمنة استوطنوا فيها مواضع للحرب، والاستيطان هنا مجرد المكث، وبتقدير فى أيام مواطن، أو بتقدير وموطن يوم. {حُنَينٍ} واد بين مكة والطائف، قريب من ذى المجاز، بينه وبين مكة بضعة عشرة ميلا، قال بعضهم: هو ماء بينه وبين مكة ثلاث ليال قرب الطائف، وهو بصيغة التصغير، ولو اعتبر معنى التأنيث كالبقعة لمنع الصرف له مع العلمية. {إذْ أعْجبتْكُم كَثْرتكُم} وكانوا اثنى عشر ألفا، عشرة آلاف حضروا فتح مكة، وألفان انضموا إليهم من الطلقاء ممن أسلم من أهل مكة، والطلقاء الذين أطلقهم يوم فتح مكة ولم يسترقهم، والواحد طليق بمعنى مطلوق. وقال الكلبى: كانوا قريبا من عشرة آلاف، وقيل عنه: كانوا عشرة آلاف، وقال عطاء: ستة عشر ألفا وهو ضعيف، وظاهر كلام النحاس أنهم أربعة عشر ألفا، قال بعضهم: وهو غلط. قال بعضهم: خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلا من المشركين، منهم صفوان بن أمية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار منه مائة درع بأداتها، وكان المشركون أربعة آلاف من هوازن وثقيف، وكان على هوازن مالك بن عوف النصرى، وعلى ثقيف كنانة بن عبد ياليل بن عمرو، وقال بعضهم: انضم إليه أخلاط الناس، حتى صاروا ثلاثين ألفا، ويرده إعجاب المؤمنين بكثرتهم، إذ لا تعجبهم كثرتهم مع هذا العدد من عدوهم، إلا إن أعجبتهم قبل أن يعلموا عدد عدوهم، وقبل أن يروهم، ومع هذا يضعفه ما ذكروا من أن الله سبحانه غلب المشركين عليهم أولا، ليعلموا أن النصر بالله لا بالكثرة، وليذل رؤساء دخلت حرمه مرتفعة بالفتح لا متواضعة، كرسوله إذ دخلها منحنيا على مركوبه. {فَلَم تغْنِ عنْكُم شيئاً} من الإغناء، أو من أمر العدو، فهو مفعول به، ويجوز كونه مفعولا مطلقا، أى فلم تغن عنكم إغناء وذلك أن بعضا من المسلمين قال: لن نغلب اليوم من قلة إعجابا بكثرتهم، ومن للتعليل، ومعناه لا نغلب لقلة، بل إن كانت الغلبة فلأمر غير القلة، وذلك لعدم القلة كذا كنت أفهم، ثم رأيته للسعد فى حاشية الكشاف والحمد لله، فوكلهم الله إلى كثرتهم، وتلك الكلمة، فكانوا مغلوبين، ثم نصرهم فكانوا غالبين، ولما قال القائل ذلك ساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ابن سلامة بن رقيش الأنصارى، وقال ابن المسيب: أبو بكر، وقال ابن جرير الطبرى: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقره الثعالبى، ورد عليه غيره بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلتفت إلى كثرة العدد. {وضَاقَتْ عَليْكم الأرْضُ بما رَحُبَت} الباء بمعنى مع، وما مصدرية، أى مع وسعها، ويتعلق بمحذوف حال من الأرض، أى كانت عليكم ضيقة كمن لا يسعه مكانه، وذلك كناية عن شدة الرعب {ثمَّ ولَّيْتم مُدْبرينَ} أى وليتم الكفار ظهوركم، أى جعلتموهم تالين لظهوركم بفراركم، ومدبرين حال مؤكدة لعاملها، وقد يقال: مؤسسة بأن يجعل التولى بمعنى الرجوع المطلق إلى خلف، ومدبرين بمعنى منهزمين، والعطف على {أعجبتكم كثرتكم} لتصح المهلة، ويجوز أن يكون على {ضاقت عليكم الأرض بما رحبت} على أن ثم بمعنى الفاء، أو كانت مهلة بين الضيق والتولى، أو عد ما بينهما ولو قليلا مهلة. روى أنهم انهزموا حتى بلغ بعضهم مكة، وذلك التولى زلة من المسلمين، لكن من فر منهم لا للكثرة على نية العود للفئة، أو كالمتحرف لقتال، فإنه لفراره تتفرق عنه الكثرة، ويقال: تابعه، وعن قتادة: إن المنهزمين أولا هم الطلقاء، قصدوا إلقاء الهزيمة فى المسلمين، ولم ينهزم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقى معه ثلاثمائة رجل من المسلمين وقيل: انكشفت خيل بنى سليم مولية، وتبعهم أهل مكة، ولم يثبت معه إلا العباس بن عبد المطلب، وابنه قثم، وعلى بن أبى طالب، والفضل بن العباس، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وأخوه ربيعة، وأبو بكر، وعمر، وأسامة بن زيد، وأخوه لأمه أيمن بن أم أيمن فى أناس من أهل بيته وأصحابه، ولا يبلغون مائة، وقيل: لم يبق معه إلا العباس، وأبو سفيان، وأيمن، وقيل: علىّ، والعباس، وأبو سفيان آخذ بعنان بغلته صلى الله عليه وسلم، وهم من بنى هاشم، وابن مسعود من الجانب الآخر، وقال العلامة الورع فى مذهبه النووى، تلميذ ابن مالك: بقى معه اثنى عشر رجلا. وروى أنهم لما التقوا اقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم المشركون وخلوا عن الذرارى، ثم تنادوا يا حماة السواد، اذكروا الفضائح فتراجعوا، وانكشف المسلمون، وعن شعبة، عن أبى إسحاق، عن البراء بن عازب: أن هوازن كانوا قوما رماة، ولما لقيناهم حملنا عليهم فانهزموا، فأقبل المسلمون على الغنائم فاستقبلونا بالسهام، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفر، وعن البراء: انطلق شبان مسرعون قليلو السلاح، لا دروع عليهم، ولقوا جمعا رماة من هوازن وبنى نصر، فرموهم بنبل كأنها قطعة جراد، ولا يكاد يخطأ لهم سهم، فانكشفوا، وأشهد الله أن رسوله لم ينكشف، وكنا والله إذا اشتدت الحرب نتقى به، وإن الشجاع منا الذى يحاديه، وكان على بغلته البيضاء دلدل لكمال شجاعته، وقوة قلبه، وثقته بربه، فإن البغلة لا تصلح للقتال، وإنما يصلح له الفرس، لأنه يكر ويفر فى سرعة، وذلك لا يسهم فى الحرب إلا للخيل، وأما البغال فمن مراكب الطمأنينة. قال: ابن المرابط من المالكية: من قال إن النبى صلى الله عليه وسلم هزم يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، قال البساطى: إنما يصح هذا بناء على أن من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم تقبل توبته، لا على قول من قال: لا تقبل، وأجمعوا أنه لا يجوز وصفه بالانهزام، وكان على رسول الله صلى الله عليه وسلم درعان ومغفر وبيضة، واستقبلهم من هوازن ما لم يروا مثله قط من الكثرة فى غبش الصبح، وخرجت الكتائب من مضيق الوادى، فحملوا حملة واحدة، وكانوا قد كمنوا فى مضايقه وشعبه وأحنائه، وهو واد تنحدر فيه انحدارا، فانكشف بنو سليم وأهل مكة والناس، ولم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قليل، ولا يقبل نحوه مشرك إلا قتل، وكان صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار، قال العباس: وآنا آخذ بلجامها لئلا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركابه صلى الله عليه وسلم.

الالوسي

تفسير : {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ} خطاب للمؤمنين خاصة وامتنان عليهم بالنصرة على الأعداء التي يترك لها الغيور أحب الأشياء إليه، والمواطن جمع موطن وهو الموضع الذي يقيم فيه صاحبه، وأريد بها مواطن الحرب أي مقاماتها ومواقفها ومن ذلك قوله:شعر : كم موطن لولاي طحت كما هوى بأجرامه من قلة النيق منهوى تفسير : والمنع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، واللام موطئة للقسم أي قسم والله لقد نصركم الله في مواقف ووقائع {كَثِيرَةٍ} منها وقعة بدر التي ظهرت بها شمس الإسلام، ووقعة قريظة والنضير والحديبية وأنهاها بعضهم إلى ثمانين. وروي أن المتوكل اشتكى شكاية شديدة فنذر أن يتصدق ـ إن شفاه الله تعالى ـ بمال كثير / فلما شفي سأل العلماء عن حد الكثير فاختلفت أقوالهم فأشير إليه أن يسأل أبا الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى الكاظم رضي الله تعالى عنهم وقد كان حبسه في داره فأمر أن يكتب إليه فكتب رضي الله تعالى عنه يتصدق بثمانين درهماً ثم سألوه عن العلة فقرأ هذه الآية وقال: عددنا تلك المواطن فبلغت ثمانين {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} عطف على محل مواطن وعطف ظرف الزمان على المكان وعكسه جائز على ما يقتضيه كلام أبـي علي ومن تبعه. نعم ظاهر كلام البعض المنع لأن كلاً من الظرفين يتعلق بالفعل بلا توسط العاطف، ومتعلقات الفعل إنما يعطف بعضها على بعض إذا كانت من جنس واحد، وقال آخرون: لا منع من نسق زمان على مكان وبالعكس إلا أن الأحسن ترك العاطف في مثله. ومن منع العطف أو استحسن تركه قال: إنه معطوف بحذف المضاف أي وموطن يوم حنين، ولعل التغيير للإيماء إلى ما وقع فيه من قلة الثبات من أول الأمر. وقد يعتبر الحذف في جانب المعطوف عليه، أي في أيام مواطن، والعطف حينئذٍ من عطف الخاص على العام، ومزية هذا الخاص التي أشار إليها العطف هي كون شأنه عجيباً وما وقع فيه غريباً للظفر بعد اليأس والفرج بعد الشدة إلى غير ذلك، وليس المراد بها كثرة الثواب وعظم النفع ليرد أن يوم حنين ليس بأفضل من يوم بدر الذي نالوا به القدح المعلى وفازوا فيه بالدرجات العلا فلا تتأتى فيه نكتة العطف؛ وقيل: إن موطن اسم زمان كمقتل الحسين فالمعطوفان متجانسان وهو بعيد عن الفهم. وأوجب الزمخشري كون {يَوْمَ} منصوباً بمضمر والعطف من عطف جملة على جملة أي ونصركم يوم حنين، ولا يصح أن يكون ناصبه {نَصَرَكُمُ} المذكور لأن قوله سبحانه: {إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} بدل من {يَوْمَ حُنَيْنٍ} فيلزم كون زمان الإعجاب بالكثرة ظرف النصرة الواقعة في المواطن الكثيرة لاتحاد الفعل ولتقييد المعطوف بما يقيد به المعطوف عليه وبالعكس. واليوم مقيد بالإعجاب بالكثرة والعامل منسحب على البدل والمبدل منه جميعاً، ويلزم من ذلك أن يكون زمان الإعجاب ظرفاً وقيداً للنصرة الواقعة في المواطن الكثيرة وهو باطل إذ لا إعجاب في تلك المواطن. وأجيب بأن الفعل في المتعاطفين لا يلزم أن يكون واحداً بحيث لا يكون له تعدد أفراد كضربت زيداً اليوم وعمراً قبله وأضربه حين يقوم وحين يقعد إلى غير ذلك بل لا بد في نحو قولك: زيد وعمرو من اعتبار الأفراد وإلا لزم قيام العرض الواحد بالشخص بمحلين مختلفين وهو لا يجوز ضرورة فلا يلزم من تقييده في حق المعطوف بقيد تقييده في حق المعطوف عليه بذلك، ولا نسلم أن هذا هو الأصل حتى يفتقر غيره إلى دليل، وقال بعضهم: إن ذلك إنما يلزم لو كان المبدل منه في حكم التنحية مع حرف العطف ليؤول إلى نصركم الله في مواطن كثيرة إذ أعجبتكم وليس كذلك بل يؤول إلى نصركم الله في مواطن كثيرة وإذ أعجبتكم ولا محذور فيه، وفي كون البدل قيداً للمبدل منه نظر. وحنين واد بين مكة والطائف على ثلاثة أميال من مكة حارب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون هوزان وثقيفاً وحشما وفيهم دريد بن الصمة يتيمنون برأيه وأناساً من بني هلال وغيرهم وكانوا أربعة آلاف وكان المسلمون على ما روى الكلبـي عشرة آلاف وعلى ما روي عن عطاء ستة عشر ألفاً، وقيل: ثمانية آلاف، وصحح أنهم كانوا اثني عشر ألفاً العشر الذين حضروا مكة وألفان انضموا إليهم من الطلقاء فلما التقوا قال سلمة بن سلامة أو أبو بكر / رضي الله تعالى عنهما: لن نغلب اليوم من قلة إعجاباً بكثرتهم، وقيل: إن قائل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستبعد ذلك الإمام لانقطاعه صلى الله عليه وسلم عن كل شيء سوى الله عز وجل. ويؤيد ذلك ما أخرجه البيهقي في «الدلائل» عن الربيع أن رجلاً قال يوم حنين: لن نغلب من قلة فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والظاهر أن هذه الكلمة إذا لم ينضم إليها أمر آخر لا تنافي التوكل على الله تعالى ولا تستلزم الاعتماد على الأسباب، وإنما شقت على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انضم إليها من قرائن الأحوال مما يدل على الإعجاب، ولعل القائل أخذها من قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : خير الأصحاب أربعة وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولا يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة كلمتهم واحدة»تفسير : لكن صحبها ما صحبها من الإعجاب، ثم إن القوم اقتتلوا قتالاً شديداً فأدرك المسلمون إعجابهم، والجمع قد يؤخذ بفعل بعضهم فولوا مدبرين وكان أول من انهزم الطلقاء مكراً منهم وكان ذلك سبباً لوقوع الخلل وهزيمة غيرهم، وقيل: إنهم حملوا أولاً على المشركين فهزموهم فأقبلوا على الغنائم فتراجعوا عليهم فكان ما كان والنبـي صلى الله عليه وسلم على بغلته الشهباء تزول الجبال ولا يزول ومعه العباس وابن عمه أبو سفيان بن الحرث وابنه جعفر وعلي بن أبـي طالب كرم الله تعالى وجهه وربيعة بن الحرث والفضل بن العباس وأسامة بن زيد وأيمن بن عبيد وقتل رضي الله تعالى عنه بين يديه عليه الصلاة والسلام وهؤلاء من أهل بيته. وثبت معه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فكانوا عشرة رجال، ولذا قال العباس رضي الله تعالى عنه:شعر : نصرنا رسول الله في الحرب تسعة وقد فر من قد فر منهم وأقشعوا وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه بما مسه في الله لا يتوجع تفسير : وقد ظهر منه صلى الله عليه وسلم من الشجاعة في تلك الوقعة ما أبهر العقول وقطع لأجله أصحابه رضي الله تعالى عنهم بأنه عليه الصلاة والسلام أشجع الناس، وكان يقول إذ ذاك غير مكترث بأعداء الله تعالى:شعر : أنا النبـي لا كـذب أنا ابـن عبد المطلـب تفسير : واختار ركوب البغلة إظهاراً لثباته الذي لا ينكره إلا الحمار وأنه عليه الصلاة والسلام لم يخطر بباله مفارقة القتال فقال للعباس وكان صيتاً: «صح بالناس» فناد يا عباد الله، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، فكروا عنقاً واحداً لهم حنين يقولون: لبيك لبيك، ونزلت الملائكة فالتقوا مع المشركين، فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : هذا حين حمي الوطيس» تفسير : ثم أخذ كفاً من تراب فرماهم ثم قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : انهزموا ورب الكعبة» تفسير : فانهزموا، وتفصيل القصة على أتم وجه في كتب السير. {فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ} أي لم تنفعكم تلك الكثرة {شَيْئاً} من النفع في أمر العدو أو لم تعطكم شيئاً يدفع حاجتكم {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} أي برحبها وسعتها على أن {مَا} مصدرية والباء للملابسة والمصاحبة أي ضاقت مع سعتها عليكم. وفيه استعارة تبعية إما لعدم وجدان مكان يقرون به مطمئنين أو أنهم لا يجلسون في مكان كما لا يجلس في المكان الضيق {ثُمَّ وَلَّيْتُم} أي الكفار ظهوركم على أن ولى متعدية إلى مفعولين كما في قوله سبحانه: {أية : فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ } تفسير : [الأنفال: 15] ويدل عليه كلام الراغب، وزعم بعضهم أنه لا حاجة إلى تقدير مفعولين لما في «القاموس» ولى تولية أدبر بل لا وجه له عند بعض وليس بشيء، والاعتماد على كلام / الراغب في مثل ذلك أرغب عند المحققين بل قيل: إن كلام «القاموس» ليس بعمدة في مثله، وقوله تعالى: {مُّدْبِرِينَ} حال مؤكدة وهو من الإدبار بمعنى الذهاب إلى خلف والمراد منهزمين.

ابن عاشور

تفسير : لما تضمّنت الآيات السابقة الحث على قتال المشركين ابتداء من قوله تعالى: {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : [التوبة: 5]، وكان التمهيد للإقدام على ذلك مدرَّجا بإبطال حرمة عهدهم، لشركهم، وبإظهار أنّهم مضمرون العزم على الابتداء بنقض العهود التي بينهم وبين المسلمين لو قُدّر لهم النصر على المسلمين وآية ذلك: اعتداؤهم على خزاعة أحلاف المسلمين، وهمُّهم بإخراج الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ من مكة بعد الفتح، حتى إذا انتهى ذلك التمهيد المدرج إلى الحثّ على قتالهم وضمان نصر الله المسلمين عليهم، وما اتّصل بذلك ممّا يثير حماسة المسلمين جاء في هذه الآية بشواهد ما سبق من نصر الله المسلمين في مواطن كثيرة، وتذكير بمقارنة التأييد الإلٰهي لحالة الامتثال لأوامره، وإنّ في غزوة حنين شواهد تشهد للحالين. فالكلام استيناف ابتدائي لمناسبة الغرض السابق. وأسند النصر إلى الله بالصراحة لإظهار أنّ إيثار محبّة الله وإن كان يُفيت بعض حظوظ الدنيا، ففيه حظ الآخرة وفيه حظوظ أخرى من الدنيا وهي حظوظ النصر بما فيه: من تأييد الجامعة، ومن المغانم، وحماية الأمة من اعتداء أعدائها، وذلك من فضل الله إذ آثروا محبّته على محبّة علائقهم الدنيوية. وأكّد الكلام بــــ {قد} لتحقيق هذا النصر لأنّ القوم كأنّهم نسوه أو شكّوا فيه فنزلوا منزلة من يحتاج إلى تأكيد الخبر. و{مواطن}: جمع مَوْطِن، والموطن أصله مكان التوطّن، أي الإقامة. ويطلق على مقام الحرب وموقفها، أي نصركم في مواقع حروب كثيرة. و{يومَ} معطوف على الجار والمجرور من قوله: {في مواطن} فهو متعلّق بما تعلّق به المعطوف عليه وهو {نَصَركم} والتقدير: ونَصَركم يومَ حنين وهو من جملة المواطن، لأنّ مواطن الحرب تقتضي أياماً تقع فيها الحرب، فتدلّ المواطن على الأيام كما تدلّ الأيام على المواطن، فلمّا أضيف اليوم إلى اسم مكانٍ علم أنّه موطِن من مواطن النصر ولذلك عطف بالواو لأنّه لو لم يعطف لتوهّم أنّ المواطن كلّها في يوم حنين، وليس هذا المراد. ولهذا فالتقدير: في مواطن كثيرة وأيامٍ كثيرة منها موطن حنين ويومُ حنين. وتخصيص يوم حنين بالذكر من بين أيام الحروب: لأنّ المسلمين انهزموا في أثناء النصر ثم عادَ إليهم النصر، فتخصيصه بالذكر لما فيه من العبرة بحصول النصر عند امتثال أمر الله ورسوله ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ وحصول الهزيمة عند إيثار الحظوظ العاجلة على الامتثال، ففيه مثَل وشاهد لحالتي الإيثارين المذكورين آنفاً في قوله تعالى: {أية : أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله}تفسير : [التوبة: 24] ليتنبّهوا إلى أنّ هذا الإيثار قد يعرض في أثناء إيثار آخر، فهم لَمَّا خرجوا إلى غزوة حنين كانوا قد آثروا محبّة الجهاد على محبّة أسبابهم وعلاقاتهم، ثم هم في أثناء الجهاد قد عاودهم إيثار الحظوظ العاجلة على امتثال أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الذي هو من آثار إيثار محبّتها، وهي عبرة دقيقة حصل فيها الضّدان ولذلك كان موقع قوله: {إذ أعجبتكم كثرتكم} بديعاً لأنّه تنبيه على خطئِهم في الأدب مع الله المناسب لِمقامهم أي: ما كان ينبغي لكم أن تعتمدوا على كثرتكم. و{حُنين} اسم واد بين مكة والطائف قُرب ذي المجاز، كانت فيه وقعَة عظيمة عقب فتح مكة بين المسلمين مع النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا اثني عشر ألفاً، وبين هوازن وثقيف وألفاً فهما، إذ نهضوا لقتال النبي صلى الله عليه وسلم حمية وغضباً لهزيمة قريش ولفتح مكة، وكان على هوازن مالك بن عوف، أخو بني نصر، وعلى ثقيف عبد يَالِيل بن عمرو الثقفي، وكانوا في عدد كثير وساروا إلى مكة فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم حتّى اجتمعوا بحُنين فقال المسلمون: لن نغلب اليومَ من قلّة، ووثقوا بالنصر لقوّتهم، فحصلت لهم هزيمة عند أوّل اللقاء كانت عتاباً إلهياً على نسيانهم التوكّل على الله في النصر، واعتمادهم على كثرتهم، ولذلك روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا سمع قول بعض المسلمين «لن نغلب من قلّة» ساءهُ ذلك، فإنّهم لمّا هبطوا وادي حنين كان الأعداء قد كمنوا لهم في شعابه وأحنائه، فما راع المسلمين وهم منحدرون في الوادي إلاّ كتائبُ العدوّ وقد شَدَّت عليهم وقيل: إنّ المسلمين حملوا على العدوّ فانهزم العدوّ فلحقوهم يغنمون منهم، وكانت هوازن قوماً رُماة فاكثبوا المسلمينَ بالسهام فأدبر المسلمون راجعين لا يلوي أحد على أحد، وتفرّقوا في الوادي، وتطاول عليهم المشركون ورسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت في الجهة اليمنى من الوادي ومعه عشرة من المهاجرين والأنصار فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم العباسَ عمَّه أن يصرخ في الناس: يا أصحاب الشجرة ــــ أو السمرة ــــ يعني أهل بيعة الرضوان ــــ يا معشر المهاجرين ــــ يا أصحاب سورة البقرة ــــ يعني الأنصار ــــ هلمّوا إلي، فاجتمع إليه مائة، وقاتلوا هوازن مع من بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم واجتلد الناس، وتراجع بقية المنهزمين واشتدّ القتال و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الآن حَمِي الوطيس» فكانت الدائرةُ على المشركين وهُزموا شرّ هزيمة وغنمت أموالهم وسُبيت نساؤهم. فذلك قوله تعالى: {وضاقت عليكم الأرض بما رحبت} وهذا التركيب تمثيل لحال المسلمين لمّا اشتدّ عليهم البأس واضطربوا ولم يهتدوا لدفع العدوّ عنهم، بحال من يرى الأرض الواسعةَ ضيّقةً. فالضيق غير حقيقي بقرينة قوله: {بما رحبت} استعير {وضاقت عليكم الأرض بما رحبت} استعارة تمثيلية تمثيلاً لحال من لا يستطيع الخلاص من شدّة بسبب اختلال قوة تفكيره، بحال من هو في مكان ضَيِّق من الأرض يريد أن يخرج منه فلا يستطيع تجاوزه ولا الانتقال منه. فالباء للملابسة، و{ما} مصدرية، والتقدير: ضاقت عليكم الأرض حالة كونها ملابسة لرحبها أي سعتها: أي في حالة كونها لا ضيق فيها وهذا المعنى كقول الطرماح بن حكيم:شعر : ملأتُ عليه الأرض حتّى كأنّها من الضيق في عينيْه كفة حابل تفسير : قال الأعلم «أي من الزعر» هو مأخوذ من قول الآخر:شعر : كأنَّ فجاج الأرض وهي عريضة على الخائف المطلوب كفّة حابل تفسير : وهذا أحسن من قول المفسّرين أنّ معنى {وضاقت عليكم اورض بما رحبت} لمْ تهتدوا إلى موضع من الأرض تفرّون إليه فكأنَّ الأرض ضاقت عليكم، ومنهم من أجمل فقال: أي لشدّة الحال وصعوبتها. وموقع {ثُم} في قوله: {ثم وليتم مدبرين} موقع التراخي الرتبي، أي: وأعظم ممّا نالكم من الشرّ أن وليتم مدبرين. والتولّي: الرجوع، و{مدبرين} حال: إمّا مؤكّدة لمعنى {وليتم} أو أريد بها إدبار أخص من التولّي، لأنّ التولّي مطلق يكون للهروب، ويكون للفرّ في حِيل الحروب، والإدبار شائع في الفرار الذي لم يقصد به حيلة فيكون الفرق بينه وبين التولّي اصطلاحاً حربياً.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ}. ذكر تعالى ما أصاب المسلمين يوم حنين في هذه الآية الكريمة، وذكر ما أصابهم يوم أحد بقوله: {أية : إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَاكُم}تفسير : [آل عمران: 153]، وصرح بأنه تاب على من تولى يوم أحد بقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُم}تفسير : [آل عمران: 155]، وأشار هنا إلى توبته على من تولى يوم حنين بقوله: {أية : ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم}تفسير : [التوبة: 27] كما أشار بعض العلماء إليه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: في مواطن: المواطن جمع موطن بمعنى الوطن وهو محل إقامة الإِنسان. حنين: وادٍ على بعد أميال يسيرة من الطائف. إذ أعجبتكم كثرتكم: أي كثرة عددكم حتى قال من قال: لن نغلب اليوم من قلة. فلم تغن عنكم شيئاً: أي لم تجز عنكم شيئاً من الإِجزاء إذا انهزمتهم في أول اللقاء. وضاقت عليكم الأرض: أي لم تعرفوا أين تذهبون، وكيف تتصرفون كأنكم محصورون في مكان ضيق. بما رحبت: أي على رحابتها وسعتها. أنزل الله سكينته: أي الطمأنينة في نفوسهم، فذهب القلق والاضطراب. وأنزل جنودا: أي من الملائكة. نجس: أي ذوو نجس وذلك لخبث أرواحهم بالشرك. بعد عامهم هذا: عام تسعة من الهجرة. عيلة: أي فقراً وفاقة وحاجة. معنى الآيات: لم حرم الله على المؤمنين موالاة الكافرين ولو كانوا أقرباءهم وحذرهم من القعود عن الهجرة والجهاد، وكان الغالب فيمن يقعد عن ذلك إنما كان لجبنه وخوفه أخبرهم تعالى في هذه الآيات الثلاث أنه ناصرهم ومؤيدهم فلا يقعد بهم الجبن والخوف عن أداء الواجب من الهجرة والجهاد فقال تعالى {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} كَبَدْر والنضير وقريظة والفتح وغيرها {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} حين قاتلوا قبيلة هوازن مذكراً إياهم بهزيمة أصابت المؤمنين نتيجة خطأ من بعضهم وهو الاغترار بكثرة العدد إذ قال من قال منهم: لن نغلب اليوم من قلة إذ كانوا اثني عشر ألفاً وكان عدوهم أربعة آلاف فقط، إنهم ما إن توغلوا بين جنبتي الوادي حتى رماهم العدو بوابل من النبل والسهام فلم يعرفوا كيف يتصرفون حتى ضاقت عليهم الأرض على سعتها وولوا مدبرين هاربين ولم يثبت إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان على بغلته البيضاء المسماة (بالدُلْدُل) والعباس إلى جنبه وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عمه، ثم نادى منادي رسول الله: أن يا أصحاب سورة البقرة هلموا أصحاب السمرة (شجرة بيعة الرضوان) هلموا. فتراجعوا إلى المعركة ودارت رحاها و{أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً} تلامس القلوب وتنفخ فيها روح الشجاعة والصبر والثبات، فصبروا وقاتلوا وما هي إلا ساعة وإذا بالعدو سبي بين أيديهم ولم يحصل لهم أن غنموا يوما مثل ما غنموا هذا اليوم إذ بلغ عدد الإِبل اثني عشر ألف بعير، ومن الغنم ما لا يحصى ولا يعد. بهذا جاء قوله تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} أي هاربين من العدو {ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً} أي من الملائكة {لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي هوازن {وَذٰلِكَ} أي القتل والسبي {جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ} بالله ورسوله. وقوله تعالى {ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} أي بعد قتالكم للكافرين وقتلكم من تقتلون يتوب الله على من يشاء ممن بقوا أحياء بعد الحرب {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فيغفر لمن يتوب عليه من المشركين ماضي ذنوبه من الشرك وسائر الذنوب ويرحمه بأن يدخله الجنة مع من يشاء من المؤمنين الصادقين في إيمانهم هذا ما دلت عليه الآيات الثلاث. أما الآية الرابعة {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} فإنه تعالى أمر المؤمنين بأن يمنعوا من دخول المسجد الحرام كل مشرك ومشركة لأن المشرك نجس الظاهر والباطن فلا يحل دخولهم إلى المسجد الحرام وهو مكة والحرم حولها، ومن يومئذ لم يدخل مكة مشرك، وقوله تعالى {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} أي فقراً لأجل انقطاع المشركين عن الموسم حيث كانوا يجلبون التجارة يبيعون ويشترون فيحصل نفع للمسلمين {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} فامنعوا المشركين ولا تخافوا الفقر وقوله تعالى {إِن شَآءَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} استثناء منه تعالى حتى تبقى قلوب المؤمنين متعلقة به سبحانه وتعالى راجية خائفة غير مطمئنة غافلة، وكونه تعالى عليماً حكيماً يرشح المعنى المذكور فإن ذا العلم والحكمة لا يضع شيئاً إلا في موضعه فلا بد لمن أراد رحمة الله أو فضل الله أن يجتهد أن يكون أهلاً لذلك، بالإِيمان والطاعة العامة والخاصة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة العجب بالنفس والعمل إذ هو أي العجب من العوائق الكبيرة عن النجاح. 2- بيان إفضال الله تعالى وإكرامه لعباده المؤمنين. 3- بيان الحكمة من القتال في سبيل الله تعالى. 4- تقرير نجاسة الكافر المعنوية. 5- منع دخول المشرك الحرم المكي كائناً من كان بخلاف باقي المساجد فقد يؤذن للكافر لمصلحة أن يدخل بإذن المسلمين. 6- لا يمنع المؤمن من امتثال أمر ربّه الخوف من الفاقة والفقر فإن الله تعالى تعهد بالإِغناء إن شاء.

القطان

تفسير : مواطن: جمعَ موطن وهو مقر الانسان ومحل اقامته. والمراد هنا الاماكن التي نصروا فيها. حُنين: واد بين مكة والطائف على ثلاثة اميال من الطائف. لم تغن عنكم شيئا: لم تنفع ولم تدفع عنكم شيئا. رحبت: اتسعت. مدبرين: هاربين. السكينة: الطمأنينة. {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ}. لقد نصركم اللهُ أيها المؤمنون على أعدائكم في كثيرٍ من المواقع بقوة إيمانكم، وخالصِ نيّاتكم، لا بكثرةِ عَددكم ولا بقُوتّكم. {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ}. وحين غرّتكُم كثرتكم في معركة حُنين، ترككم اللهُ لأنفسِكم أولَ الأمر، فلم تنفعْكم كثرتكم، شيئا، ولشدّة الخوف والفزَع ضاقت عليكم الأرضُ على اتّساعها، فلم تجدوا وسليةً للنجاة إلا الهربَ والفرار من العدوّ، فولَّيتم منهزمين، وتركتم رسول الله في قلة من المؤمنين. وقد كانت وقعة حُنين بعد فتح مكة في شوّال سنة ثمانٍ من الهجرة. فبعد ان فرغ النبيّ من فتحِ مكة، بلغة ان هوازن جمعوا له ليقاتلوه، كما انضمّ إليهم بنو ثَقِيف وبنو جُشم، وبنو سعد بن بكر، وبعضُ بني هلال، واناس من بني عمرو بن عامر، وكان اميرهم مالك بن عوف النضري. وكان عدد جيشِ المسلمين عشرةَ آلاف من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب، مع ألفين من الذين أسلموا من أهل مكة. وكان عدد هوازن ومن معها أربعةَ آلاف مقاتل، ومعهم نساؤهم وولدانهم وجميع ما يملكون من شاءٍ ونعم. حديث : خرج الرسول الكريم بهذا الجيشِ في غَلَس الصبح، وانحدروا بوادي حُنين. وكان جيش العدو قد سبقهم الى احتلال مَضايِقِه، وكَمَن لهم فيها وما إن وصل المسلمون قلب الوادي، حتى أمطرهم العدو بوابلٍ من سهامه، واصلتوا السيوف، وحملوا حَمْلَة رجلٍ واحد. فكانت مفاجأة أذهلت المسلين حتى فرّ معظمهم. وثبت رسول الله وهو راكب بغلته الشهباء وعمُّه العباس آخذٌ بركابها الأيمن، وابو سفيان بن الحارث ابنُ عمّه آخذٌ بركابها الأيسر، ويحيط به أبو بكر وعمر وعلي بن أبي طالب والفضل بن العباس، وايمن بن ام ايمن، ونوفل بن الحارث، والمغيرة بن الحارث، وربيعة بن الحارث.. وكلّهم أبناء عم الرسول، واسامةُ بن زيد وغيرهم نحو مائة رجل، والنبيّ عليه الصلاة والسلام يدعو المسلمين إِلى الرجوع ويقول: إِليّ يا عبادّ الله، إليّ أنا رسولُ الله ويقول: أنا النبيّ لا كذِبْ، أَنا ابنُ عبد المطّلب ثم امر العباسَ بن عبد المطلب، وكان جهير الصوت، أن يناديَ بأعلى صوته: يا أصحابَ الشجَرة، يعني شجرةَ بَيْعة الرّضوان التي بايعه المسلمون من المهاجرين والأَنصار تحتها. فجعل العباسُ يناديهم، وتارة يقول يا أصحاب سورة البقرة. فصار الناس يقولون لبّيك لبيك، وانعطفوا وتراجعوا إِلى رسول الله. ولما تكامل جمْعُهم شدّوا على الكفار بقوة وصدق وحملوا علهيم فانهزم المشركون. واتّبعهم المسلمون يقتُلون فيهم ويأسِرون، وغنموا جميع ما معهم من نَعَمٍ ونساءٍ وأطفال. وهكذا التقى الفريقان: المؤمنون بكثرتِهم وقد أعجبتْهم، والمشركون بقلّتهم العنيفة، وكانت الجولةُ في بدء المعركة للمشرِكين، لغُرور المسلمين وعدم احتياطهم. ولكن المعركة انتهت بنصر المؤمنين. والعبرة في هذه الغزوة أن الكثرةَ العددية ليست عاملَ النصر، وإنما هو القوةُ المعنوية، والإِيمان بالله والصدق والإِخلاصُ في العمل . تفسير : {ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ}. ثم أدركتْكُم عنايةُ الله، فأنزلَ الطمأنينةَ على رسوله وعلى المؤمنون فملأ بها قلوبهم. كما أنزلَ مع السَّكينة جنوداً لم تروْها بأبصاركم، فثّبت أقدامَكم فانتصرتم، وعذّب الذين كفروا بالقتل والسبي والأسر. وقد أذاقهم اللهُ مرارةَ الهزيمة، وذلك جزاء الكافرين في الدنيا، وجزاؤهم في الآخرة اعظم. {ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. ثم يقبلُ الله توبةَ من يشاء من عباده فيغفرُ ذنبه، إذا رجع عنه مخلصاً، واللهُ عظيم المغفرة واسعُ الرحمة، وبابُ الرحمة مفتوح دائما لمن يخطئ ثم يتوب. روى البخاري عن المسور بن مخرمة: "حديث : أن ناساً من هَوازن جاءوا رسول الله وبايعوه على الاسلام وقالوا: يا رسولَ الله، أنتَ خير الناس وأبرُّ الناس، وقد سُبي أهلونا واولادنا وأُخذت أموالُنا، فقال عليه الصلاة والسلام: اختاروا إما ذراريكم ونساءَكم، واما أموالكم، قالوا ما نعدل الأحساب شيئا، فرد ذراريهم ونساءهم ".

د. أسعد حومد

تفسير : (25) - يُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِفَضْلِهِ عَلَيهِمْ، وَإحْسَانِهِ إلَيْهِمْ، فِي نَصْرهِ إيَّاهُمْ فِي مَوَاقِعَ كَثِيرَةٍ (مَوَاطِنَ) مِنْ غَزَوَاتِهِمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ، وَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَبِتَأيِيدِهِ وَتَقْدِيرِهِ، لاَ بِعَدَدِ المُسْلِمِينَ، وَلا بِعُدَدِهِمْ، وَلاَ بِعَصَبِيَّتِهِمْ، وَلا بِقُوَّتِهِمْ، وَلاَ بِكَثْرَةِ أمْوَالِهِمْ، وَنَبَّهَهُمْ تَعَالَى إلى أنَّ النَّصْرَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، قَلَّ الجَمْعُ أوْ كَثُرَ. وَفِي يَوْمِ حُنَينٍ أعْجَبَتِ المُسْلِمِينَ كَثْرَتُهُمْ فَلَمْ تُفِدْهُمْ شَيْئاً، فَوَلَّوا مُدْبِرِينَ حَتَّى ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأرْضُ عَلَى سَعَتِها، مِنْ شِدَّةِ فَزَعِهِمْ، فَلَمْ يَهْتَدُوا إلى النَّجَاةِ سَبِيلاً، وَلَمْ يَثْبُتْ مِنْهُمْ إلاَّ عَدَدٌ قَلِيلٌ مَعَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ ذَلِكَ ابْتِلاءً مِنَ اللهِ لَهُمْ عَلَى عُجْبِهِم بِكَثْرِتِهِمْ. (ثُمَّ أنْزَلَ اللهُ نَصْرَهُ وَتَأيِيدَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى المُؤْمِنِينَ، لِيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَحْدَهُ، وَإنْ قَلَّ الجَمْعُ). بِمَا رَحُبَتْ - عَلَى رَحْبِهَا وَسَعَتِهَا. فَلَمْ تُغْنِ - فَلَمْ تَنْفَعْ وَلَمْ تُفِدْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقوله: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} يلفتنا إلى أن النصر يكون من عند الله وحده، والدليل على أن النصر من عند الله أنه سبحانه قد نصر رسوله والذين معه في مواطن كثيرة، و{مَوَاطِنَ} جمع "موطن" والموطن هو ما استوطنت فيه. وكل الناس مستوطنون في الأرض، وكل جماعة منا تُحيز مكاناً من الأرض ليكون وطناً لها، والوطن مكان محدد نعيش فيه من الوطن العام الذي هو الأرض؛ لأن الأرض موطن البشرية كلها، ولكن الناس موزعون عليها، وكل جماعة منهم تحيا في حيز تروح عليه وتغدو إليه وتقيم فيه. والله سبحانه هنا يقول: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ}، وما دام الحديث عن النصر، يكون المعنى: إن الحق سبحانه قد نصركم في مواطن الحرب أي مواقعها، مثل يوم بدر، ويوم الحديبية، ويوم بني النضير، ويوم الأحزاب، ويوم مكة، وكل هذه كانت مواقع نصر من الله للمسلمين، ولكنه في هذه الآية يخص يوماً واحداً بالذكر بعد الكلام عن المواطن الكثيرة، فبعد أن تحدث إجمالاً عن المعارك الكثيرة يقول: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} إذن: فكثرة عدد المؤمنين في يوم حنين كان ظرفاً خاصًّا، أما المواطن الأخرى، مثل يوم بدر فقد كانوا قلة، ويوم فتح مكة كانوا كثرة، ولكنهم لم يعجبوا؛ وبذلك يكون يوم حنين له مزية، فهو يوم خاص بعد الحديث العام. {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ} هذا الإعجاب ظرف ممدود على اليوم نفسه، إذن فيوم حنين ليس معطوفاً على {مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} ولكنه جملة مستقلة بنفسها؛ لأن الكثرة والإعجاب بالكثرة لم تكن في بقية المواطن، وهذه دقة في الأداء اللغوي تتطلب بحثاً لغويّاً. فكلمة {مَوَاطِنَ} هي ظرف مكان، و{يَوْمَ حُنَيْنٍ} هي ظرف زمان، فكيف جاز أن نعطف ظرف الزمان على ظرف المكان؟ ونقول: هذا هو ما يسميه العرب "احتباك"؛ لأن كل حدث مثل "أكل" و"شرب" و"ضرب" و"ذاكر"؛ كل حدث لا بد له من زمان ولا بد له من مكان، فإذا قلت: أكلت، نقول: متى؟ في الصبح، أو في الظهر، أو في العصر، أو في العشاء؟ وأين؟ في البيت، أو في الفندق، أو في المطعم، أو في الشارع. إذن: فلا بد لكل حدث من ظرف زمان وظرف مكان، فإذا راعيت ذلك أخذت الظرفية المطلقة؛ ظرفية مكان حدوث الفعل، وظرفية زمان حدوث الفعل. فإذا قلت: أكلت الساعة الثالثة ولم أسألك أين تم الأكل؟ أو إذا قلت: أكلت في البيت ولم أسألك عن موعد الأكل ظهراً أو عصراً أو ليلاً، يكون الحدث غير كامل الظرفية. ومعلوم أن الزمان والمكان يشتركان في الظرفية، ولكنهما يختلفان، فالمكان ظرف ثابت لا يتغير. والزمان دائم التغير، فهناك الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء. والزمان يدور، هناك ماض وحاضر ومستقبل، وهكذا يشترك الزمان والمكان في الظرفية، ولكن الزمان ظرف متغير، أما المكان فهو ظرف ثابت. وجاءت الآية هنا بالاثنين، فـ{وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} هو زمان ومكان لحدث عظيم، وأخذت الآية ظرف المكان في {مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} وظرف الزمان في {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} فإذا قيل: لم يحضر ظرف الزمان والمكان في كل واحدة، نقول: لا، لقد حضر ظرف المكان في ناحية وظرف الزمان في ناحية ثاني، وهذا يسمونه - كما قلنا - "احتباك". وقد حذف المعنى: لقد نصركم الله يوم مواطن كذا وكذا وكذا. فإذا عطفت عليها يوم حنين يكون المعنى "ومواطن يوم حنين"، أي: جاء بالاثنين هنا. ولكن شاء الله سبحانه وتعالى ألا يكون هناك تكرار، فأحضر واحدة هنا وواحدة هناك، وهذا يظهر واضحاً في قوله تعالى: {أية : قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ} تفسير : [آل عمران: 13]. فما دامت الأخرى {كَافِرَةٌ} تكون الأولى "مؤمنة"، ولكن حذفت "مؤمنة" لأن {كَافِرَةٌ} تدل عليها، وما دامت الأولى المؤمنة تقاتل في سبيل الله، فالفئة الكافرة تقاتل في سبيل الشيطان. وحذفت تقاتل في سبيل الشيطان؛ لأن {تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} دلَّتْ عليها. وذلك حتى لا يحدث تكرار. ونجد أن المؤمن الذي يستمع إلى كلام الله تعالى لا بد أن يكون عنده عمق فهم، وأن يكون كله آذاناً صاغية حتى يعرف ويتنبه إلى أنه حذف من واحدة ما يدل على الثانية. إذن: فيكون ظرف الزمان موجوداً في واحدة، وظرف المكان موجوداً في واحدة، وكلاهما يدل على الآخر. والمثال على ذلك أنه بعد أن انتهت هذه الغزوة، وعاد المسلمون إلى المدينة مجهدين لم يخلعوا ملابس الحرب، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ". تفسير : فانطلق المسلمون - دون أن يستريحوا - إلى أرض بني قريظة، وهم اليهود الذين كانوا يسكنون المدينة، وخانوا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحالفوا مع الكفار ضد المسلمين، وبينما الصحابة في طريقهم إلى بني قريظة كادت الشمس تغيب، فقال بعض الصحابة: إن الشمس ستغيب ولا بد أن نصلي العصر، وصلوا. وفرقة ثانية من الصحابة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب منا ألا نصلي العصر إلا في بني قريظة ولم يُصَلُّوا حتى وصلوا إلى هناك. ونقول: إن الفريقين استخدما المنطق؛ لأن الصلاة تحتاج إلى ظرف زمان وظرف مكان، فالذي نظر إلى ظرف الزمان قال: الشمس ستغيب، وصلى، والذي نظر إلى ظرف المكان الذي حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لم يُصَلِّ. وأقر رسول الله صلى الله عليه وسلم الفريقين، واحترم اجتهادهما في: ظرفية الزمان، وظرفية المكان. وفي هذا يروي نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب: "حديث : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" تفسير : فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يُرَدْ منا ذلك، فذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحداً منهم. {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً} والغنى هو عدم الحاجة إلى الغير، وحنين هو موضع في واد بين مكة والطائف، تجمَّع فيه الكفار الذين ساءهم فتح المسلمين لمكة، فأرادوا أن يقوموا بعملية مضادة تُضيّع قيمة هذا النصر. فاجتمعت قبائل هوزان وثقيف، واختاروا مالك بن عوف ليكون قائدهم في هذه المعركة. واستطاع مالك بن عوف أن يجمع أربعة آلاف مقاتل، وانضم إليهم عدد من الأعراب المحيطين بهم. ووضع مالك خطته على أساس أن يخرج الجيش ومعه ثروات المشاركين في الجيش من مال، وبقر وإبل. وأن يخرج مع الجيش النساء والأطفال. وذلك حتى يدافع كل واحد منهم عن عرضه وماله فلا يفر من المعركة، ويستمر في القتال بشجاعة وعنف؛ لأنه يدافع عن نسائه وأمواله وأولاده. وبذلك وضع كل العوامل التي تضمن له النصر. بينما المؤمنون عندما تبدأ المعركة سيقاتلون مدافعين عن دين الله ومنهجه. واجتمع الكفار ونزلوا بوادٍ اسمه "وادي أوطاس". وكان فيهم رجل كبير السن ضرير. اسمه "دريد بن الصِّمة". وكان رئيساً لقبيلة "جشم". فلما وصل إلى مكان المعركة سأل: بأي أرض نحن؟ فقالوا: نحن بوادي أوطاس.. فابتسم وقال: لا حزناً ضرس ولا سهلاً دهس، أي أنها أرض مناسبة ليس فيها أحجار مدببة، تتعب الذي يسير عليها، وليست أرضا رخوة تغوص فيها أقدام من يسير عليها، من "الحزن" فالحزن هو: الخشونة والغلظة، و"ضرس" هو: التعب أثناء السير، وأيضاً ليست أرضاً سهلة منبسطة رملية تغوص فيها الأقدام. وعندما سمع العجوز بكاء الأطفال وثغاء الشاة، قال: أسمع بكاء الصبيان وخوار البقر. فقالوا له: إن مالك بن عوف استصحب ذراريه واصطحب كل أمواله، فقال: أما الأموال فلا بأس، وأما النساء والذراري فهذا هو الأرعن - أي: لا يفهم في الحرب - أرسلوه لي، فأحضروه له. فلما حضر قال: يا مالك ما حملك على هذا؟ قال: وماذا تريد؟ قال: ارجع بنسائك وذراريك إلى عُليَّا دارك، فإن كان الأمر ذلك؛ لحقك من وراءك. وإن كان الأمر عليك لم تفضح أهلك وذراريك. فقال له مالك: لقد كبرت وذهب علمك وذهب عقلك. وأصر على رأيه. ثم بدأ مالك بن عوف يرتب الجيش في الشِّعَابِ وتحت الأشجار حتى لا يراهم المسلمون عند مجيئهم. فيتقدمون غير متنبهين للخطر، وحينئذ يتم الهجوم عليهم من كل جهة ومن كل مكان. وعندما جاء جيش المسلمين لم يتنبهوا إلى وجود الكفار المختفين عن الأعين. وحينئذ أعطى مالك بن عوف إشارة البدء بالهجوم، فخرج الكفار من كل مكان. وفاجأوا المسلمين بهجوم شديد، قال المتحدث: فوالله ما لبث المسلمون أمامهم إلا زمن حلب شاة، حتى إنه من قسوة المعركة وضراوتها وقوة المفاجأة انهزم جيش المسلمين في الساعات الأولى للمعركة، ووصل بعض الفارين من القتال إلى مكة ولم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ساحة المعركة إلا تسعة بينهم العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان ممسكاً بالدابة التي يركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسيدنا علي بن أبي طالب وكان يحمل الراية. وسيدنا الفضل، وكان يقف على يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسيدنا أبو سفيان بن الحارث ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقف على يساره. وكان معهم أيمن بن أم أيمن وعدد من الصحابة. وهنا نتساءل: لماذا حدثت هذه الهزيمة للمسلمين في بداية المعركة؟ لأنهم عندما خرجوا إلى الحرب قالوا: نحن كثرة لن نهزم من قلة، وبذلك ذهبوا إلى الأسباب وتناسوا المسبب، فأراد الله أن يعاقبهم عقاباً يخزيهم ويُعْلي من قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حدث، قال العباس - وكان العباس صاحب صوت عال: أذن في الناس، فقال العباس بصوت عال: يا معشر الأنصار - يا أهل سورة البقرة، يا أهل بيعة الشجرة. فلما سمع الناس نداء العباس، قالوا: لبيك لبيك. وكان الذي يقول: "لبيك" يسمعه من هم وراءه ويقولون مثله، حتى عاد عدد كبير من المؤمنين إلى القتال، وحمى القتال واشتدت الحرب وصار لها أوار، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم: الآن حمى الوطيس، أي اشتدت الحرب، ثم قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ". تفسير : ويروى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم البراء بن عازب، فقد جاء في الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنه. حديث : أن رجلاً قال له: يا أبا عمارة أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، إن هوزان كانوا قوماً رُمَاةً، فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا، فأقبل الناس على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، فانهزم الناس، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلته البيضاء وهو يقول: "أنا النبي لا كذب. أنا ابن عبد المطلب"تفسير : أي: أنه رسول الله، والله لن يتخلى عنه ولن يخذله، ولم يثبت أمام المؤمنين واحد من هوازن وثقيف، وانتهت المعركة عن ستة آلاف أسير من النساء، كما غنم المسلمون أموالاً لا حصر لها وعدداً كبيراً من الإبل والبقر والغنم والحمير. وأحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديل بن ورقاء وقال له: أنت أمير على هاذ المغنم. اذهب به وأنا سأتتبع الهاربين. وانطلق جيش المسلمين إلى الطائف ليطارد الفارين. واختبأ مالك بن عوف قائد العدو. ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وقسم الغنائم، وكاد تقسيم الغنائم أن يحدث فتنة بين المسلمين؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطى الغنائم للمؤلفة قلوبهم، ولسائر العرب ولم يعط منها الأنصار، لقد أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقارن بين شيئين، بين سبايا هي أيضاً من متاع الدنيا فيعطي منها المؤلفة قلوبهم وبين حب الله ورسوله فيكون حظ الأنصار منه، فالأنصار الذين آووه صلى الله عليه وسلم في رأيه صلى الله عليه وسلم يستغنون بحبهم لرسول الله وقوة إيمانهم بالله عن مثل هذا المتاع الدنيوي، إلا أنه على الرغم من ذلك شعر بعض من الأنصار بالغُصَّة، وتأثر هذا البعض بذلك. لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطي من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القالة، حتى قال قائلهم: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله إن هذا الحي قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار شيء. قال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ قال: يا رسول الله ما أنا إلا امرؤ من قومي وما أنا. قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة. قال: فخرج سعد فجمع الناس في تلك الحظيرة. قال: فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا أتاه سعد فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار قال: فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو له أهل. ثم قال: يا معشر الأنصار ما قَالَةٌ بلغتني عنكم وجدَةٌ وجدتموها في أنفسكم، ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم. قالوا: بل الله ورسوله أمنُّ وأفضل. قال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ قالوا: وبماذا نجيبك يا رسول الله ولله ولرسوله المنُّ والفضل؟ قال: أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم وصدقتم، أتيتنا مكَذَّباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك ، وعائلاً فأغنيناك أي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لهم ثلاثة أشياء من فضل الإسلام عليهم، وهي أنه نقلهم من الضلال إلى الهدى، ومن الفقر إلى الغنى، ومن العداوة إلى الأخوة والمحبة. وعندما تحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فضل الأنصار على الدعوة ذكر أربع فضائل، وهي أن أهل مكة كانوا قد حاولوا قتل الرسول صلى الله عليه وسلم فهاجر منها فآواه أهل المدينة، وجاء الرسول والمؤمنون إلى المدينة لا يملكون شيئاً، فأعطاهم الأنصار من أموالهم وزوجاتهم، وكان الكفار يحاولون قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمَّنه الأنصار، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خذله قومه من قريش فنصره الأنصار. عندما سمع الأنصار قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذكر مفاخرهم. قالوا: المنة لله والرسوله، أي: إننا معشر الأنصار لا نقول هذا الكلام الذي قلته أبداً؛ لأن حلاوة الإيمان وجزاء الإيمان أكبر من هذا بكثير، وبهذا لا يكونون هم الذين أعطوا، بل الإيمان هو الذي أعطاهم. فالإيمان نَفْعُه نَفْع أبدي. والحق تبارك وتعالى يقول: {أية : قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَٰنِ} تفسير : [الحجرات: 17]. وعندما قال الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم: بل المنة لله ولرسوله، قال لهم رسول الله عليه الصلاة والسلام: "حديث : أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألَّفْتُ بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم في رحالكم، فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس شعْباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعبْ الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار"تفسير : . فلماَ سمعوا هذا القول من رسول الله صلى الله عليه وسلم بَكَوْا حتى اخضلَّتْ لحاهم وقالوا: رضينا بالله وبرسوله قسماً وحظاً. وانتهت المسألة. وهكذا نرى أنه حين تأتي مقارنة بين شيئين، لا بد أن نتفاخر بالشيء الدائم الباقي الذي حصلنا عليه، أما الشيء الذي مآله إلى فناء فإنَّ من ليس معه يعيش كمن عاش معه، وهو متاع الدنيا، تعيش معه وتعيش بدونه. ولكن لا أحد يستغني عن الإيمان، نستغني عن الدنيا نعم، أما عن الإيمان وعن الله ورسوله فلا. وبعد أن قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم، جاء وفد هوازن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة وقد أسلموا. فقالو: يا رسول الله إنَّ أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك فامنن علينا منّ الله عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ قالوا: يا رسول الله خيَّرتنا بين أحسابنا وبين أموالنا بل تردُّ علينا نساؤنا وأبناؤنا فهو أحب إلينا فقال لهم: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم فإذا صليت للناس الظهر فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبنائنا ونسائنا فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم. فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به فقال رسول الله صلى الله عليه سولم: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم. قال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا. وقال عيَيْنة بن حصن بن حذيفة بن بدر: أما أنا وبنو فزارة فلا. قال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، قالت بنو سليم: لا، ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عباس: يا بني سليم وهنتموني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول شيء نصيبه، فردوا على الناس أبناءهم ونساءهم.. ذلك هو ما يشير إليه قول الحق، تبارك وتعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} [التوبة: 25]. أي: أنكم بدأتم المعركة ولم يكن الله في حسبانكم، بل كنتم معتمدين على كثرتكم فلم تنفعكم ولم تحقق لكم النصر؛ ولذلك فررتم خوفاً من الهزيمة ووجدتم الأرض ضيقة أمامكم، أي: تبحثون هنا وهناك عن مكان تختبئون فيه فلا تجدون، مع أن الأرض رحبة أي واسعة، ولكنها أصبحت ضيقة في نظركم وأنتم تفرون من المعركة. إلا أن الحق سبحانه وتعالى لم يرد أن ينهي المعركة هذا الإنهاء. ولكنه أراد فقط أن ينزع من قلوب المسلمين المباهاة بكثرة العدد وظنهم أن اللجوء إلى الأسباب الدنيوية هو الذي سيحقق لهم النصر. أراد منهم سبحانه وتعالى أن يعلموا جيداً أنهم إنما ينتصرون بالله عز وجل، وأن كثرتهم دون الاعتماد عليه سبحانه لا تحقق لهم شيئاً. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ...}.

الجيلاني

تفسير : اذكروا أيها المؤمنون {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ} الحفيظ الرقيب عليكم {فِي مَوَاطِنَ} ومواقع {كَثِيرَةٍ} حين لا ينفعكم أحسابكم وأنسابكم شيئاً، لا سيما في حرابكم مع هوازن وثقيف {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} هو وادس بين مكة والطائف {إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} أن تكونوا مغلوبين؛ إذ أنتم اثنا عشر ألفاً، وعدوكم أربعة آلاف {فَلَمْ تُغْنِ} حينئذٍ كثرتكم {عَنكُمْ شَيْئاً} من غلبة العدو مع قلتهم {وَ} صرتم من غاية رعبكم وخوفكم إلى حيث {ضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} أي: مع وسعتها فلم تجدوا فيها مقراً تمكنون عليها من غاية رهبتكم {ثُمَّ} أدى أمركم وخوفكم إلى أن {وَلَّيْتُم} ورجعتم {مُّدْبِرِينَ} [التوبة: 25] صائرين ظهركم على العدو. {ثُمَّ} بعد انهزامكم وإدباركم {أَنَزلَ ٱللَّهُ} المولي لأموركم {سَكِينَتَهُ} أي: رحمته الموجبة للقرار والوقار، والطمأنينة {عَلَىٰ} قلب { رَسُولِهِ وَعَلَى} قلوب {ٱلْمُؤْمِنِينَ} الذين تمكنوا معه، واستقروا حوله؛ اتكالاً على الله وإتفاقاً مع رسوله صلى الله عليه وسلم {وَ} بتثبيت الرسول وتقرير من تبعه {أَنزَلَ} سبحانه نصرةً لنبيه من الملائكة {جُنُوداً} مجندة {لَّمْ تَرَوْهَا} عيونكم {وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ينزولها عذاباً شديداً من القتل والأسر والإذلال في النشأة الأولى والأخرى بأضعافها {وَذٰلِكَ} أي: ما لحقهم من أنواع الإذلال {جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ} [التوبة: 26] المحاربين مع الله ورسوله. حديث : رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بعد فتح مكة، ثمَّ توجه نحو حنين؛ لقتال هوازن وثقيف مع عشرة آلاف من المهاجرين وألفين من الطلقاء، وكان العدو أربعة آلاف فأعجب المسلمين كثرتهم، فلمَّا التقوا، فقالوا: لن نُغلب اليوم؛ لأن العدو في غاية القلة فكره الله قولهم وإعجابهم هذا، فاقتتلوا قتالاً عظيماً فغلب العدو عليهم، فولوا منهزمين فبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم مع شرذمة قليلة فأراد أن يقتحم على العدو، وذلك عند نزول الملائكة، فقال: "أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْد الْمُطَّلِبْ، الآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ" أي: التنور. فأمر العباس أن يصيح على الناس المنهزمين فصاح: يا عبد الله، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، فكروا عنقاً واحداً، فاستقبلوا قائلين: لبيك لبيك فصفوا خلف الملائكة وازدحموا، وهجموا على العدو، والريح من خلفهم ومن أمام عدوهم فانهزم العدو بنصر الله وتأييده تفسير : {ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} عليهم ويوفق منهم {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} إيمانه من أولئك المنهزمين، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا فأعطى صلى الله عليه وسلم من سبى منهم بلا فدية {وَٱللَّهُ} المصلح لأحوال عباده {غَفُورٌ} يغفر لمن تاب وآمن {رَّحِيمٌ} [التوبة: 27] يقبل توبته، ويرحم عليه إن أخلص.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن كرم الخالقية وكرم المخلوقية بقوله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} [التوبة: 25] إلى قوله: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 27]، {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} أي: نصركم الله في جهاد النفوس الذي هو الجهاد الأكبر بالظفر عليها في مقامات كثيرة، {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} [التوبة: 25] فيه إشارة إلى تحنين القلوب شوقاً إلى ربها وحنن حنين قلوبكم إلى اللقاء حسبتم أنكم تبلغون بكثرة الطاعات، وتنالونه بمجرد الأعمال وهو قوله تعالى: {إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} [التوبة: 25] يشير إلى كثرة الطاعات، {فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ} [التوبة: 25] كثرتها، {شَيْئاً} [التوبة: 25] فما حسنت قلوبهم إليه، {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ} [التوبة: 25] أرض الوجود. {بِمَا رَحُبَتْ} [التوبة: 25] أي: بما وسعت: {ثُمَّ وَلَّيْتُم} [التوبة: 25] أي: أعرضتم عن الطلب لما احتجبتم بحجب العجب، وانقطع عنكم إمداد الفيض الرباني غلب عليكم هوى النفوس حتى وليتم عمَّا توليتم من صدق القلب وجهاد النفوس، {مُّدْبِرِينَ} [التوبة: 25] إلى أسفل الطبيعة الحيوانية، وذلك ليتحقق لكم أن من أقبل إلى الحق فبالحق أقبل ومن عدم توفيق الإقبال أدبر بلوم نفسه، {ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 26] وهي واردات ترد على القلوب والأرواح المؤمنة، {وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} [التوبة: 26] من الفيض الرباني. {وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [التوبة: 26] أي: النفوس المتمردة عذبها بنهيها عن هواها، واستعمالها في أحكام الشريعة وآداب الطريقة، وتزكيتها عن أوصافها، {وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ} [التوبة: 26] أي: وذلك علاج النفوس المتمردة، {ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} [التوبة: 27] أي: من بعد ذلك العلاج، {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} [التوبة: 27] يعني: يرد ما يشاء من النفوس بجذبة {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ}تفسير : [الفجر: 28] إلى حضرة جلاله، وهذا إشارة إلى السير إلى الله بالله، {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} [التوبة: 27] بصفة مغفرته للسائرين إليه، {رَّحِيمٌ} [التوبة: 27] بهم فيما يغفر لهم. ثم أخبر عن حال المشركين بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28] الإِشارة فيها: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} يشير الخطاب إلى الأرواح المؤمنة، وإعلانها عن أحوال النفوس المشركة أنها نجس ونجاستها شركها، أنها تعبد الدنيا والشيطان والهوى من دون الله، {فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ} [التوبة: 28] وهو القلب، {بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} [التوبة: 28] أي: بعد البلوغ، وذلك أن الله تعالى قد رفع قلم التكليف عن الإنسان إلى أن يبلغ لاستكمال القالب، ففي تلك الحالة كانت النفس وصفاتها تطفن حول كعبة القلب مستمدات من قوته العقلية والروحانية، وبهذا يظفرون بمشتهياتهن من الدنيا ونعيمها حتى صار دأبهن تعبد الدنيا والإشراك بالله طبعهن، وبذلك الكامل القالب واستوت أوصاف البشرية الحيوانية عند ظهور الشهوة بالبلوغ، ثم أجرى الله عليهم قلم التكليف، ونهى القلوب عن اتباع النفوس، وأمرها بقتالها ونهاها عن طوافها لئلا تنجس كعبة القلب بنجاسة شرك النفس وأوصافها الذميمة. ثم قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} [التوبة: 28] يعني: فاقة عن الحظوظ، وذلك أن للقلب من الجهة التي تلي النفس حظوظاً يستلذ بها عند اتباع النفس واتصافه بصفاتها، فلما منعت النفس عن طوافها حول القلب خاف القلب من فوات حظوظه من الشهوات بتبعية النفس فقال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [التوبة: 28] أي: بعد انقطاع تصرفات النفس عن القلب يغنيه الله من تلك الحظوظ بما يفتح عليه من فضل مواهبه من أنواره وآياته الربانية والشواهد والكشوف الرحمانية، {إِن شَآءَ} [التوبة: 28] فيه إشارة إلى أن ما عند الله لا ينال إلا بمشيئته، {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ} [التوبة: 28] بمستحق فضله، {حَكِيمٌ} [التوبة: 28] فيما حكم وقدر، ثم أمر بقتال النفوس المشركة فقال تعالى: {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [التوبة: 29] أي: من النفوس، {بِٱللَّهِ} [التوبة: 29] بتعبده. {وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [التوبة: 29] أي: يعلمن لتعبد الدنيا وتمتعاً بها كالبهائم، {وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ} [التوبة: 29] من حب الدنيا وشهواتها، فإنه رأس كل خطيئة، {وَرَسُولُهُ} [التوبة: 29] أي: وما حرَّم رسوله على نفسه منها، {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ} [التوبة: 29] أي: لا يطلبون الله، فإن دين الحق هو طلبه. {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} [التوبة: 29] أي: من النفوس التي ألهمت بالإلهامات الربانية والخواطر الرحمانية، ثم غلب عليها الهوى ومالت إلى الدنيا وشهواتها وما عملت بما ألهمت، فأمر بقتالها وجهادها وما خلفتها، {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ} [التوبة: 29] وجزيتها معاملاتها على خلاف طبعها، {عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] يعني: عن حكم صاحب قوة وهو الشرع وعن عجز وعن ذل وهوان.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يمتن تعالى على عباده المؤمنين، بنصره إياهم في مواطن كثيرة من مواطن اللقاء، ومواضع الحروب والهيجاء، حتى في يوم "حنين" الذي اشتدت عليهم فيه الأزمة، ورأوا من التخاذل والفرار، ما ضاقت عليهم به الأرض على رحبها وسعتها. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، سمع أن هوازن اجتمعوا لحربه، فسار إليهم صلى الله عليه وسلم في أصحابه الذين فتحوا مكة، وممن أسلم من الطلقاء أهل مكة، فكانوا اثني عشر ألفا، والمشركون أربعة آلاف، فأعجب بعض المسلمين بكثرتهم، وقال بعضهم: لن نغلب اليوم من قلة. فلما التقوا هم وهوازن، حملوا على المسلمين حملة واحدة، فانهزموا لا يلوي أحد على أحد، ولم يبق مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، إلا نحو مائة رجل، ثبتوا معه، وجعلوا يقاتلون المشركين، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم، يركض بغلته نحو المشركين ويقول: "حديث : أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ". تفسير : ولما رأى من المسلمين ما رأى، أمر العباس بن عبد المطلب أن ينادي في الأنصار وبقية المسلمين، وكان رفيع الصوت، فناداهم: يا أصحاب السمرة، يا أهل سورة البقرة. فلما سمعوا صوته، عطفوا عطفة رجل واحد، فاجتلدوا مع المشركين، فهزم اللّه المشركين، هزيمة شنيعة، واستولوا على معسكرهم ونسائهم وأموالهم. وذلك قوله تعالى { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ } وهو اسم للمكان الذي كانت فيه الوقعة بين مكة والطائف. { إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا } أي: لم تفدكم شيئا، قليلا ولا كثيرا { وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ } بما أصابكم من الهم والغم حين انهزمتم { بِمَا رَحُبَتْ } أي: على رحبها وسعتها، { ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ } أي: منهزمين. { ثُمَّ أَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ } والسكينة ما يجعله اللّه في القلوب وقت القلاقل والزلازل والمفظعات، مما يثبتها، ويسكنها ويجعلها مطمئنة، وهي من نعم اللّه العظيمة على العباد. { وَأَنزلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا } وهم الملائكة، أنزلهم اللّه معونة للمسلمين يوم حنين، يثبتونهم، ويبشرونهم بالنصر. { وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا } بالهزيمة والقتل، واستيلاء المسلمين على نسائهم وأولادهم وأموالهم. { وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ } يعذبهم اللّه في الدنيا، ثم يردهم في الآخرة إلى عذاب غليظ. { ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ } فتاب اللّه على كثير ممن كانت الوقعة عليهم، وأتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسلمين تائبين، فرد عليهم نساءهم، وأولادهم. { وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } أي: ذو مغفرة واسعة، ورحمة عامة، يعفو عن الذنوب العظيمة للتائبين، ويرحمهم بتوفيقهم للتوبة والطاعة، والصفح عن جرائمهم، وقبول توباتهم، فلا ييأسنَّ أحد من مغفرته ورحمته، ولو فعل من الذنوب والإجرام ما فعل.

همام الصنعاني

تفسير : 1064- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن كثير بن عباس بن عبد المطلب، عن أبيه، في قوله تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ}: [الآية: 25]، قال: لما كان يوم حنين التقى المسلمون والمشركون، فَولّى المسلمون يَوْمَئِذٍ، فقلد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، وما معه أحد إلا أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذاً بغرز رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم لا يألوا ما أسرع نحو المشركين قال: فأتيت حتى أخذت بلجامه، وهو على بغلة له شهباء فكففتها، فقال: يا عباس! نادِ أصحابَ السمرة، قال: فناديت وكنت رجلاً صيّتاً، فناديت بصوتي الأعلى: أين أصحاب السمرة؟ فأقبلوا كأنهم الإِبل إذا جَنّتْ إلى أولادها يقولون: يا لبيك يا لبيك، وأقبل المشركون فاقتتلوا والمسلمون، وناديتُ الأنصار: يا معشر الأنصار! يا معشر الأنصار! ثم قصرت الدعوة في بني الحارث بن الخزرج! يا بني الحارث بن الخزرج! فنظر النبي صلى الله عليه وسلم وهُوَ عَلَى بغلته كالمتطاول إلى قتالهم، فقال: هذا حين حمي الوطيس، ثم أخذ بيده من الحصا فرماهم بها ثم قال: "حديث : انهزموا ورب الكعبة، انهزموا ورب الكعبة"تفسير : مرتين. قال: فوالله ما زلت أرى أمرهم مُدْبراً، وحدّهم كَلِيلاً حتى هزمَهم اللهُ فكأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يركض خلفهم عَلَى بغلة له. قال الزهري: وأخبرني ابن المسيب أنهم أصابوا يومئذٍ ستة آلاف سبي، قال الزهري: وأخْبرني عُروة أنهم جاءوا مسلمين بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا نبيّ الله! أنت خير الناس وأنت أبر الناس، وقد أُخِذَت أبناؤنَا ونساؤنا وأمْوَالُنا! قال: "حديث : إن عندي من ترون. وإ، خير القول أصدقه، قال: فاختاروا مني إما ذراريكم ونساءكم، وإما أموالكم؟" فقالوا: ما كنَّا نعْدل بالأحْساب شيئاً، فقام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً فقال: "إنَّ هؤلاء قد جاءوا مسلمين، وإنا قد خيَّرْناهم بن الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأَساب شيئاً، فَمن كانَت عنده منهم شيء فطابت نفسه أن يرده فبسبيل ذلك، ومن أبى فليعطنا وليكن قرضاً علينا حتى نصيب شيئاً فنعطيه مكانه" قالوا: يا نبيّ الله رضينا وسلمنا، قال: "إني لا أدري لَعَلّ فيكم مَنْ لَمْ يَرْضَ، فأْمُروا عُرَفاكم فليرفعُوا ذاكم إلينا" فرفعوا إليه: أن قد رَضُوا وسلموا .