٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
26
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ } طمأنينته {عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } فَرَدُّوا إِلى النبيّ صلى الله عليه وسلم لما ناداهم العباس بإِذنه وقاتلوا {وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } ملائكة {وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بالقتل والأسر {وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {سَكِينَتَهُ} الوقار، أو الطمأنينة، أو الرحمة. {جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا} الملائكة، أو بتكثيرهم في أعين أعدائهم، وهو محتمل {وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} بالخوف، أو بالقتل والسبي.
الخازن
تفسير : {ثم أنزل الله سكينته} يعني بعد الهزيمة والسكينة والطمأنينة والأمنة، وهي فعلية من السكون وذلك أن الإنسان إذا خاف رجف فؤاده فلا يزال متحركاً وإذا أمن سكن فؤاده وثبت فلما كان الأمن موجباً للسكون جعل لفظ السكينة كناية عن الأمن. وقوله تعالى: {على رسوله وعلى المؤمنين} إنما كان إنزال السكينة على المؤمنين لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ساكن القلب ليس عنده اضطراب كما حصل للمؤمنين من الهزيمة واضطراب في هذه الواقعة ثم من الله عليهم بإنزال السكينة عليهم حتى رجعوا إلى قتال عدوهم بعد الهزيمة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت لم يفر {وأنزل جنوداً لم تروها} يعني الملائكة تثبيت المؤمنين وتشجيعهم وتخذيل المشركين وتجبينهم لا للقتال لأن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر {وعذب الذين كفروا} يعني بالأسر والقتل وسبي العيال والأموال {وذلك جزاء الكافرين} يعني في الدنيا ثم إذا أفضوا إلى الآخرة كان لهم عذاب أشد من ذلك العذاب وأعظم {ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء} يعني فيهديه إلى الإسلام كما فعل بمن بقي من هوازن حيث أسلموا وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم تائبين فمَّن عليهم وأطلق سبيهم {والله غفور} إن تاب {رحيم} بعباده. قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس} قيل: أراد بالمشركين عبدة الأصنام دون غيرهم من أصناف الكفار. وقيل: بل أراد جميع أصناف الكفار عبدة الأصنام وغيرهم من اليهود والنصارى. والنجس: الشيء القذر من الناس وغيرهم. وقيل: النجس الشيء الخبيث وأراد بهذه النجاسة نجاسة الحكم لا نجاسة العين. سموا نجساً على الذم لأن الفقهاء اتفقوا على طهارة أبدانهم. وقيل: هم أنجاس العين كالكلب والخنزير. حتى قال الحسن بن صالح: من مس مشركاً فليتوضأ. ويروى هذا عن الزيدية من الشيعة والقول الأول أصح وقال قتادة سماهم: نجساً لأنهم يجنبون فلا يغتسلون ويحدثون فلا يتوضؤون {فلا يقربوا المسجد الحرام} المراد: منعهم من دخول الحرم لأنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا من المسجد الحرام ويؤكد هذا قوله تعالى سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام أراد به الحرم لأنه أسرى به صلى الله عليه وسلم من بيت أم هانئ. قال العلماء: وجملة بلاد الإسلام في حق الكفار ثلاثة أقسام أحدها: الحرم فلا يجوز لكافر أن يدخله بحال ذمياً كان أو مستأمناً لظاهر هذه الآية وبه قال الشافعي وأحمد ومالك فلو جاء رسول من دار الكفر والإمام في الحرم فلا يأذن له في دخول الحرم بل يخرج إليه بنفسه أو يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم وجوز أبو حنيفة وأهل الكوفة للمعاهدة حول الحرم القسم الثاني من بلاد الإسلام الحجاز وحده ما بين اليمامة واليمن ونجد والمدينة الشريفة قيل نصفها تهامي ونصفها حجازي. وقيل: كلها حجازي: وقال ابن الكلبي: حد الحجاز ما بين جبل طيء وطريق العراق سمي حجازاً لأنه حجز بين تهامة، ونجد. وقيل: لأنه حجز بين نجد والسراة. وقيل: لأنه حجز بين نجد وتهامة والشام. قال الحربي: وتبوك من الحجاز فيجوز للكفار دخول أرض الحجاز بالإذن ولكن لا يقيمون فيها أكثر من مقام المسافر وهو ثلاثة أيام (م). عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حديث : لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلماًتفسير : زاد في رواية لغير مسلم وأوصى فقال أخرجوا المشركين من جزيرة العرب فلم يتفرغ لذلك أبو بكر وأجلاهم عمر في خلافته وأجل لمن يقدم تاجراً ثلاثاً. عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : لا يجتمع دينان في جزيرة العرب"تفسير : أخرجه مالك في الموطأ مرسلاً (م). عن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم"تفسير : . قال سعيد بن عبد العزيز: جزيرة العرب ما بين الوادي إلى أقصى اليمن إلى تخوم العراق إلى البحر وقال غيره حد جزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام عرضاً والقسم الثالث سائر بلاد الإسلام فيجوز للكافر أن يقيم فيها بعهد وأمان وذمة ولكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن مسلم. وقوله تعالى: {بعد عامهم هذا} يعني العام الذي حج فيه أبو بكر الصديق بالناس وفيه نادى على براءة وأن لا يحج بعد العام مشرك وهو سنة تسع من الهجرة {وإن خفتم عيلة} يعني فقراً وفاقة وذلك أن أهل مكة كانت معايشهم من التجارات وكان المشركون يجلبون إلى مكة الطعام ويتجرون فلما منعوا من دخول الحرم خاف أهل مكة من الفقر وضيق العيش فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل وإن خفتم عيلة {فسوف يغنيكم الله من فضله} قال عكرمة: فأغناهم الله بأن أنزل المطر مدراراً وكثر خيرهم وقال مقاتل: أسلم أهل جدة وصنعاء وجرش من اليمن وجلبوا الميرة الكثيرة إلى مكة فكفاهم الله ما كانوا يخافون وقال الضحاك وقتادة: عوضهم الله منها الجزية فأغناهم بها {إن شاء} قيل: إنما شرط المشيئة في الغنى المطلوب ليكون الإنسان دائم التضرع والابتهال إلى الله تعالى في طلب الخيرات ودفع الآفات وأن يقطع العبد أمله من كل أحد إلا من الله عز وجل فإنه هو القادر على كل شيء وقيل إن المقصود من ذكر هذا الشرط تعليم رعاية الأدب كما في قوله تبارك وتعالى لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين {إن الله عليم} يعني بما يصلحكم {حكيم} يعني أنه تعالى لا يفعل شيئاً إلا عن حكمة وصواب فمن حكمته أن منع المشركين من دخول الحرم وأوجب الجزية والذل والصغار على أهل الكتاب.
ابو السعود
تفسير : {ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} أي رحمتَه التي تسكُن بها القلوبُ وتطمئنُّ إليها اطمئناناً كلياً مستتبِعاً للنصر القريبِ، وأما مطلقُ السكينةِ فقد كانت حاصلةً له عليه الصلاة والسلام قبل ذلك أيضاً {وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} عطفٌ على رسولِه، وتوسيطُ الجارِّ بـينهما للدِلالة على ما بـينهما من التفاوت أي المؤمنين الذين انهزموا وقيل: على الذين ثبتوا مع النبـي صلى الله عليه وسلم أو على الكل وهو الأنسبُ ولا ضيرَ في تحقيق أصلِ السكينةِ في الثابتين من قبل، والتعرُّضُ لوصف الإيمانِ للإشعار بعلية الإنزال {وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} أي بأبصاركم كما يرى بعضُكم بعضاً وهم الملائكةُ عليهم السلام عليهم البـياضُ على خيول بُلْقٍ فنظر النبـيُّ صلى الله عليه وسلم إلى قتال المسلمين فقال هكذا حين حمِيَ الوطيسُ فأخذ كفاً من التراب فرمىٰ به نحو المشركين وقال: «حديث : شاهت الوجوه» تفسير : فلم يبقَ منهم أحدٌ إلا امتلأت به عيناه ثم قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : انهزَموا وربِّ الكعبة»تفسير : . واختلفوا في عدد الملائكة يومئذ فقيل: خمسةُ آلافٍ، وقيل: ثمانيةُ آلافٍ، وقيل: ستةَ عشَرَ ألفاً، وفي قتالهم أيضاً فقيل: قاتلوا، وقيل: لم يقاتلوا إلا يومَ بدر وإنما كان نزولُهم لتقوية قلوب المؤمنين بإلقاء الخواطِر الحسنةِ وتأيـيدِهم بذلك وإلقاءِ الرعبِ في قلوب المشركين. قال سعيد بن المسيِّب: حدثني رجل كان في المشركين يوم حُنين قال: لما كشَفْنا المسلمين جعلْنا نسوقُهم فلما انتهينا إلى صاحب البغلةِ الشهباءِ تلقانا رجالٌ بِـيضُ الوجوه فقالوا: شاهت الوجوهُ ارجِعوا فرجَعنا فركِبوا أكتافنا {وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالقتل والأسر والسبـي {وَذَلِكَ} أي ما فُعل بهم مما ذكر {جَزَاء ٱلْكَـٰفِرِينَ} لكفرهم في الدنيا {ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَاء} أن يتوبَ عليه منهم لحكمة تقتضيه أي يوفقه للإسلام {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} يتجاوز عما سلف منهم من الكفر والمعاصي {رَّحِيمٌ} يتفضل عليهم ويثيبهم. (روي حديث : أن ناساً منهم جاءوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه على الإسلام وقالوا: يا رسول الله أنت خيرُ الناسِ وأبرُّ الناس وقد سُبـيَ أهلونا وأولادنا وأُخذت أموالُنا. قيل: سُبـيَ يومئذ ستةُ آلافِ نفسٍ وأُخذ من الإبل والغنمِ ما لا يُحصى فقال عليه الصلاة والسلام: "إن عندي ما ترون إن خيرَ القولِ أصدقُه، اختاروا إما ذرارِيَكم ونساءَكم وإما أموالَكم" قالوا: ما كنا نعدِل بالأحساب شيئاً فقام النبـيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: "إن هؤلاء جاءونا مسلمين وإنا خيَّرناهم بـين الذراري والأموالِ فلم يعدِلوا بالأحساب شيئاً فمن كان بـيده سبْـيٌ وطابت نفسُه أن يرُدَّه فشأنُه، ومن لا فليُعطِنا وليكُنْ قَرْضاً علينا حتى نُصيبَ شيئاً فنعُطِيَه مكانه"، قالوا: قد رضِينا وسلّمنا فقال عليه الصلاة والسلام: "إنا لا ندري لعل فيكم من لا يرضى فمُروا عُرفاءَكم فليرفعوا ذلك إلينا" فرَفَعتْ إليه العرفاءُ أنهم قد رضُوا.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الآية: 26]. قال بعضهم: السكينة التى أنزلها الله على رسوله وعلى المؤمنين. قال بعضهم: السكينة التى أنزلها الله على رسوله هى التى أظهرها عليه المسرى عند سدرة المنتهى {أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ} تفسير : [النجم: 17] بل السكينة أقامته فى مقام الدُّنو بحسن الأدب، ناظرًا إلى الحق مستمعًا منه مثنيًا به عليه بقوله: "التحيات لله" والسكينة التى أنزلت على المؤمنين هو سكون قلوبهم إلى ما يأتيهم به المصطفى صلى الله عليه وسلم من وعد ووعيد وبشارة وحكم. وقيل: السكينة: سكون القلب مع الله بلا علاقة. وقيل السكينة: هى الطمأنينة عند ورود القضاء. قال الجوزجانى: السكينة هى التأدب بآداب الشريعة والتمسك بحبل السُنَّة. وقيل السكينة: المقام مع الله بفناء الحظوظ.
القشيري
تفسير : السكينةُ ثَلَجُ القلب عند جريان حُكْم الربِّ بنعت الطمأنينة، وخمودُ آثار البشرية بالكلية، والرضاءُ بالبادي من الغيب من غير معارضةِ اختيارٍ. ويقال السكينة القرار على بساط الشهود بشواهد الصحو، والتأدب بإقامة صفات العبودية من غير لحوق مشقة، وبلا تحرُّكِ عِرْقٍ لمعارضةِ حُكْم. والسكينة المنزلةُ على {ٱلْمُؤْمِنِينَ} خمودُهم تحت جريان ما وَرَدَ من الغَيْبِ من غير كراهةِ بنوازع البشرية، واختطافُ الحقِّ إياهم عنهم حتى لم تستفزهم رهبةٌ من مخلوق؛ فَسَكَنَتْ عنهم كلُّ إرادةٍ واختيار. {وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} من وفور اليقين وزوائد الاستبصار. {وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالتطوح في متاهات التفرقة، والسقوط في وهدة ضيق التدبير، ومِحنَةِ الغَفْلَةِ، والغَيْبَةِ عن شهود التقدير.
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى أنه حين انهزم المسلمون وبقي النبي صلى الله عليه وآله في نفر من قومه أنه أنزل السكينة، وهي الرحمة التي تسكن اليها النفس ويزول معها الخوف حتى رجعوا اليهم. وقاتلوهم وهزمهم الله تعالى بأن أنزل النصر وأنزل السكينة. وقيل السكينة هي الطمأنينة والامنة. وقال الحسن: هي الوقار قال الشاعر: شعر : لله قبر غالها ماذا يجن لقد اجن سكينة ووقارا تفسير : وقوله {وأنزل جنوداً لم تروها} والجنود هي الجموع التي تصلح للحروب. والمراد بها ها هنا الملائكة، جند واجناد وجنود، فانزل الله الملائكة مداداً للمؤمنين وقال الجبائي: إنما نزلت الملائكة يوم حنين من جهة الخاطر الذي يشجع قلوبهم ويجبن عنهم اعداءهم، ولم تقاتل إلا يوم بدر خاصة. وقوله {وعذب الذين كفروا} معناه - ها هنا - القتل والأسر وسلب الاموال مع الاذلال والصغار. ثم قال {وذلك} يعني ذلك العذاب {جزاء الكافرين} من جحد نعم الله وانكر وحدانيته، وجحد نبوة نبيه مع ما أعده لهم من عذاب النار.
الجنابذي
تفسير : {ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} يعنى بعد ما صرتم مغلوبين وعلمتم انّ الكثرة وتهيّة الاسباب لا تغنى ولا تصير سبباً للغلبة انزل الله سكينته التى هى سبب اطماينانكم وقوّة قلوبكم، والسّكينة على ما فسّرت فى الاخبار من، انّها ريح تفوح من الجنّة لها وجه كوجه الانسان، تناسب ما فسّرها به الصّوفيّة الصّافية من انّها صورة ملكوتيّة تظهر على صدر الانسان متصوّرة للاتباع بصورة الشّيخ المرشد وللمتبوعين بصورة مناسبة لهم تسمّى بالملك او بجبرئيل بحسب تفاوت مراتبهم، وحين تمثّل صورة الشّيخ او الملك يصير ملكوت المتمثّل له غالبة وملكه مغلوباً وحينيئذٍ يكون له الغلبة على النّفس واهويتها وعلى الملك ومن وقع فيه، لانّه مؤيّد بالسّكينة الّتى هى من سنخ الملك وجاذبة للملائكة ولذا قال بعد انزال السّكينة {وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} وقد مضى تحقيق السّكينة، فى سورة البقرة عند قوله تعالى: ان آية ملكه ان يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم {وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالقتل والاسر ونهب الاموال {وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ} تعريض بالامّة حيث كانوا يكفرون بعد محمّدٍ (ص) بالولاية، وقصّة حنين مذكورة فى المفصّلات مفصّلة من أراد فليرجع اليها.
الهواري
تفسير : {ثُمَّ أَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ}. والسكينة في تفسير الحسن الوقار. وقال بعضهم: الرحمة. {وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} يعني الملائكة {وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي بالقتل. وهو عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة { وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ}. ذكروا أن رجلاً من بني نصر قال للمؤمنين وهو في أيديهم أسير: أين الخيل البلق والرجال الذين عليهم الثياب البيض؟ وإنما كان قتلنا بأيديهم، ما كنا نراكم فيهم إلا كهيئة الشامة. قالوا: تلك الملائكة. قال الله: { ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. ذكروا أن حنيناً ما بين مكة وبين الطائف، قاتل عليه نبي الله يومئذٍ هوازن وثقيفاً. ذكر لنا أنه خرج مع نبي الله يومئذٍ اثنا عشر ألفاً؛ عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وألفان من الطلقاء. فقال رجل يومئذٍ: لن نغلب اليوم لكثرة. فجلوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل عن بغلته الشهباء فقال: حديث : يا ربّ أين ما وعدتني. وجعل ينادي: يا معشر المهاجرين، [يا معشر الأنصار]. فالتفت فإذا عصابة من الأنصار فقال: أما معكم غيركم؟ فقالوا: والله يا نبي الله، والله لو عمدت بنا إلى نعمان من ذي يمن لكنا معكتفسير : . ثم أنزل الله نصره، وهزم عدوه وتراجع المسلمون.
اطفيش
تفسير : {ثمَّ أنزَلَ اللهُ سَكينَتهُ} طمأنينته، هى خلق له تعالى، أنزلها رحمة {عَلَى رسُولِه} وكان قبلها قد خاف على المسلمين الغلبة، فزال خوفه بالسكينة {وعَلَى المؤمِنينَ} وكانوا قبلها منهزمين، ورجعوا بها، واطمأنوا، وأعاد على تنبيها على اختلاف حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحالة المؤمنين، وقيل: المراد بالمؤمنين الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انهزم الناس. "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس، وكان صيتا: "ناد أصحاب السمرة" يعنى الشجرة وهى شجرة بيعة الرضوان، بايعوه تحتها أن لا يفروا، فنادى بأعلى صوته: يا أصحاب السمرة، قال العباس: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتى عطفة البقر على أولادها، يقولون: يا لبيك يا لبيك، وقال له أيضا: "ناد الأنصار خصوصا" فناداهم، ثم قال: "ناد بنى الحارث من الخزرج خصوصا" فعطفوا كما مر عطفة البقرة على أولادهاتفسير : ، وفى رواية: حديث : كأنها الإبل إذا حنت على أولادها، حتى إن الرجل منهم إن لم يطاوعه بعيره على الرجوع انحدر عنه ورجع بنفسه، وأول من وصل إليه عصابة من الأنصار فقال: "أما معكم غيركم؟" فقالوا: والله يا نبى الله لو عمدت بنا إلى كذا لكنا معك ". تفسير : وروى أن العباس كان ينادى تارة: يا أصحاب الشجرة، وتارة: يا أصحاب سورة البقرة، يعنى من أنزلت عليهم سورة البقرة: أو المؤمنين فى قوله: {أية : والمؤمنون كل آمن بالله} تفسير : الخ قولان، "حديث : وأمرهم صلى الله عليه وسلم أن يصدقوا الحملة، فاقتتلوا مع الكفار، فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوق بغلته كالمتطاول إلى القتال فقال: "الآن حمى الوطيس" وهو التنور يخبز فيه، يضرب مثلا لشدة الحرب التى يشبه حرها حره، وهذا من فصيح الكلام الذى لم يسمع من أحد قبل النبى صلى الله عليه وسلم، وتناول حصيات من الأرض ثم قال: "شاهت الوجوه" أى قبحت، ورمى بها فى وجوه المشركين، ثم قال: "انهزموا ورب محمد"" تفسير : وفى رواية: "حديث : انهزموا ورب الكعبة، انهزموا ورب الكعبة" تفسير : وزاد فى رواية حديث : حتى هزمهم الله . تفسير : قال العباس: نظرت فإذا القتال على حاله فيما أرى، ثم ظهر انهزام المشركين، وروى أنه أخذ قبضة من تراب من الأرض، قيل: إما أنه رمى بالحصى مرة، وبالتراب أخرى، وإما أن يكون قد أخذ قبضة مخلوطة من حصى وتراب. "حديث : وروى أنه لما ولى المسلمون قال: "أنا عبد الله ورسوله، أنا عبد الله ورسوله" ثم اقتحم عن فرسه فأخذ كفا من تراب، قال أبو عبد الرحمن الفهرى: أخبرنى من كان أدنى إليه منى أنه ضرب وجوههم وقال: "شاهت الوجوه" فهزمهم الله تعالى"تفسير : ، وهذا مخالف لما مر أنه فعل ذلك على البغلة، إلا إن سميت فرسا أشبهها بالفرس. قال لعلى بن عطاء، عن أبى همام، عن أبى عبد الرحمن، الفهرى، حدثنى أبناؤهم، عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابا، وعن سلمة بن الأكوع: "حديث : لما ولى الناس يوم حنين، رجعت منهزما، فمررت بالنبى صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته الشهباء، فقال صلى الله عليه وسلم: "لقد رأى بن الأكوع فزعا" فلما غشوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل بها وجوههم فقال: "شاهت الوجوه" فما خلق الله منهم انسانا إلا ملأ الله عينيه ترابا بتلك القبضة"تفسير : ، فولوا مدبرين، وهذا يخالف ما مر من أنه على بغلة بيضاء. "حديث : وعن ابن مسعود رضى الله عنه: مال سرج بغلته، فقلت: ارتفع رفعك الله، فقال: "ناولنى كفا من تراب" فضرب وجوههم وامتلأت عيونهم ترابا، وجاء المهاجرون والأنصار سيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب، فولَّى المشركون الأدبار"تفسير : ، قال رجل كان مع المشركين فى تلك الوقعة ثم أسلم: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقوموا لنا حلب شاة، وسقناهم حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلقانا عنده رجال بيض الثياب والوجوه حسانا، فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا فانهزمنا، وركبوا أكتافنا. "حديث : وروى أنه لما انهزم المسلمون نزل واستنصر وقال: "أنا النبى لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، اللهم أنزل نصرك"" تفسير : أى أنا النبى حقا وصدقا، وأنا النبى، والنبى لا يكذب، فسيقع وعد النصر، ولا أفر، ونسب نفسه إلى عبد المطلب مراعاة للفاصلة، ولأنه اشتهر بجده عبد المطلب، لأن أباه عبد الله توفى فى حياة أبيه عبد المطلب قبل مولده صلى الله عليه وسلم، وكفله عبد المطلب، وهو سيد قريش، ومشهور شهرة ظاهرة، "حديث : وأمر المسلمين أن يقتلوا من قدروا عليه، وأفضوا فى القتل إلى الذرية، فنهاهم عن ذلك وقال: "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه"" تفسير : واستلب أبو طلحة وحده ذلك اليوم عشرين رجلا، ولم ينهزم رسول الله صلى الله عليه وسلم فى موطن من المواطن. وسأل رجل من قيس البراء: أفررتم يا أبا عمارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين؟ قال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، كان هوازن رماة، وإنَّا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم، فاستقبلنا بالسهام، قال شيبة بن عثمان بن أبى طلحة: رأيت النبى صلى الله عليه وسلم يوم حنين وقد انهزم الناس، وذكرت أبى وعمى قتلهما حمزة يوم أحد، فقلت: أدرك ثأرى فى محمد، فبادرته لأقتله، فأقبل شىء حتى تغشى فؤادى، فلم أطق ذلك، وعلمت أنه ممنوع منى. وقال السهيلى عنه: "حديث : إنه قال جئته عن يمينه، فإذا أنا بالعباس قائما عليه درع بيضاء فقلت: عمه لن يخذله، فجئته عن يساره فإذا أنا بأبى سفيان بن الحارث، فقلت ابن عمه لن يخذله، فجئته من خلفه فدنوت ودنوت، حتى لم يبق إلا أن أسور بالسيف، فرفع إلى شواظ من نار كأنه البرق، فنكصت على عقبى القهقرى، وقيل: فرأيت خندقا من نار بينى وبينه، وسورا من حديد، فرجعت القهقرى، فالتفت إلىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبسم، وعرف الذى أردت، فقال: "يا شيبة ادنه" فدنوت، فوضع يده على صدرى، فاستخرج الله الشيطان من قلبى، فرفعت إليه بصرى، فلهو أحب إلىَّ من سمعى وبصرى"تفسير : ، وفى رواية: "حديث : فضرب فى صدرى، فقال أعيذك بالله يا شيبة، فارتعدت فرائصى، فنظرت إليه وهو أحب إلىَّ من سمعى وبصرى، فقلت: أشهد أنك رسول الله، أطلعك الله على ما فى نفسى، فقال لى: "يا شيبة قاتل الكفار" فقاتلت معه صلى الله عليه وسلم"تفسير : ، وزاد عياض عنه أنه وضع يده على صدرى وهو أبغض الخلق إلىَّ، فما رفعها إلا وهو أحب الخلق إلىَّ، وتقدمت أمامه أضرب بسيفى وأقيه بنفسى، ولو لقيت أبى فى تلك الساعة إلا وقعت به. {وأنْزلَ جنُوداً لم تَروْها} بعيونكم وهى الملائكة، وكانت خمسة آلاف، أو ثمانية آلاف، أو ستة عشر ألفا أقوال، وكانت عمائمهم حمرا أرخوها بين أكتافهم، واختلفوا: هل قاتلت الملائكة يوم حنين أم لا؟ وكانت تخذيلا للمشركين، وتجبينا لهم، وثبتوا المؤمنين بإلهام، قال رجل من بنى نصر بعد القتال للمؤمنين وهو أسير: أين الخيل البلق، والرجال الذين عليهم الثياب البيض، وإنما كان قتلنا بأيديهم ما كنا نراكم فيهم إلا كهيئة الشامة، قالوا: تلك الملائكة. قال جبير بن مطعم: لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الأسود، أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادى، لم أشك أنها الملائكة، ولم يكن إلا هزيمة القوم، ولا تنافيه الآية، لأن مراد ما لم تروها وبصورها وصور الرجال، ورآها المشركون بصور رجال، والبجاد الكساء، وسمع الكفار صلصلة من السماء كإمرار الحديد على الطست الجديد، وذلك نزول الملائكة، وعن يزيد بن عامر: كان فى أجوافنا ضربة الحجر فى الطست من الرعب. {وعذَّبَ الَّذينَ كفَرُوا} بالقتل، والأسر، والسبى، والسلب، "حديث : روى أنه قتل منهم أكثر من سبعين، ومن المسلمين أيمن بن أم أيمن رضى الله عنه حين فر الناس وهو بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وثلاثة معه رضى عنهم وأثقل، خالد بن الوليد بالجراح، وقال صلى الله عليه وسلم: "من يدلنى على رحل خالد" فدل عليه، فوجده مستندا على مؤخر رحله، فنفث على جراحه فبرىء ". تفسير : قيل: قتل من المشركين سبعون تحت الرايات، ولما انهزموا تبعوهم يقتلوهم، وسبوْا ستة آلاف من الذرارى والنساء، وأما الإبل والشاء فلا ندرى عدتها لكثرتها، وأربعة آلاف أوقية من فضة، والأوقية أربعون درهما، وذكر بعض أن الإبل أربعة وعشرون ألف بعير والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وذلك أن مالك بن عوف ساق مع الناس العيال والمال ليقاتلوا عنها. وذلك أنه لما فتح الله مكة لرسوله سمعت به هوازن، وجمعها مالك ابن عوف النصرى، فاجتمع إليه ثقيف كلها، ونصر، وجشم، وسعد ابن بكر، وناس من بنى هلال، وفى جشم دريد بن الصمة شيخ كبير ليس فيه شىء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخا مجربا، ولما نزلوا بأوطاس قال لهم: بأى واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس ولا سهل دهس، مالى أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، قال: أين مالك؟ قيل له: هو هذا، فقال: يا مالك إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، مالى أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، ويغار الشاء؟ قال: سقت مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم، قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، فقال له: راعى ضان الله، وهل يرد المنهزم شىء إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت فى أهلك ومالك. ثم قال دريد: ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهدها منه أحد، قال: غاب الحد والجد، لو كان يوم علاء ورفعة ما غاب عنه كلاب وكعب، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، ثم قال: يا مالك رد المال والعيال إلى مواطنهم، وألق الناس على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك مَنْ وراءك، وإن كانت عليك أحزرت أهلك ومالك، قال: والله لا أفعل، إنك كبرت وكبر عقلك، فقال دريد: هذا يوم لم أشهده، ولم يفُتْنِ، يا ليتنى فيها جذع أخب فيها وأضع. "حديث : وبعث مالك بن عوف عيونا من رجاله، فأتوه وقد تفرقت أوصالهم، فقال: ويلكم ما شأنكم؟ فقالوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترون، ولما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم عبد الله بن أبى حدرد، فدخل فيهم، وأقام بأمر رسول الله فيهم، حتى سمع من مالك وهوازن، وعلم ما أجمعوا له من الحرب، وجاء فى العشية فارس فقال: يا رسول الله إنى انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا، فإذا بهوازن على بكرة أبيهم بظعنهم نعمهم وشائهم، اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "تلك غنيمة المؤمنين غدا إن شاء الله" فكان الأمر كما قال ". تفسير : والبكرة التى يستقى عليها الماء تستعيرها العرب للكثرة، والظعن جمع ظعينة وهى الراحلة التى يرحل عليها أى يسار، ويقال للمرأة ظعينة لأنها تظعن مع زوجها، ولأنها تحمل على الراحلة إذا ظعنت، وقيل: الظعينة المرأة فى الهودج، ثم قيل للمرأة بلا هودج، وللهودج بلا امرأة ظعينة. وروى أن المشركين انهزموا إلى أوطاس، وبها عيالهم وأموالهم، وبعض إلى الطائف، وبعض نحو نخلة، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأشعريين يقال له: أبو عامر، وأمّره على الجيش، فسار إلى أوطاس فاقتتلوا، وقتل دريد بن الصمة، وقتله ربيعة بن رفيع ابن أهبان، ويقال له ابن الدغنة، وهرب مالك بن عوف إلى الطائف، فتحصن بها مع ناس من أشراف قومه، وأخذ ماله ومال جيشه وعيالهم، وقتل أبو عامر أمير المسلمين. وعن ابن المسيب: "حديث : أصابوا ستة آلاف صبى، قتل أبو عامر فى أوطاس تسعة من المشركين، بعد أن يدعو كل واحد منهم إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليهم، وبرز له العاشر فدعاه إلى الإسلام، وقال: اللهم اشهد عليه، فقال: اللهم لا تشهد علىَّ فكف عنه أبو عامر، فأفلت ثم أسلم وحسن إسلامه، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رآه قال: "هذا شريد أبى عامر" ورمى العلاء وأوفى ابنا الحارث أبا عامر فقتلاه، فخلفه أبو موسى الأشعرى، وقاتل حتى فتح الله وقتلا، وكان فى السبى الشيماء أخته صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، وقال صلى الله عليه وسلم: "اللهم اغفر لأبى عامر واجعله من أعلى أمتى فى الجنة" ". "حديث : وروى أنه لما رمى بالسهم قال لأبى موسى: يا ابن أخى أقرىء النبى صلى الله عليه وسلم السلام وقل له يستغفر لى، ثم مات ولما فرغوا دخل أبو موسى على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بالوقعة، أو بخبر أبى عامر، وقوله: قل له يستغفر لى، فدعا بماء وتوضأ ورفع يديه وقال: "اللهم اغفر لعبيدك أبى عامر" ورأيت بياض إبطيه، ثم قال: "اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثيرين من خلقك" ". تفسير : ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف فحاصرهم بقية الشهر، من ذلك أنه خرج لحنين من مكة يوم السبت لست ليال مضين من شوال، واستخلف عليها عتاب بن أسِيد بفتح العين المهملة وتشديد المثناة وفتح الهمزة وكسر السين، وانصرف عن الطائف حين دخول ذى القعدة، وأتى الجعرَّانة فأحرم منها بعمرة، وقسم بها غنائم حنين وأوطاس. وتألف أبا سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، والأقرع بن حابس، وعيينة، وعباس بن مرداس، وصفوان بن أمية ونحوهم بالعطاء الجزيل، ليرسخ الإسلام فى قلوبهم وقلوب أتباعهم، أعطى كلا ممن ذكر مائة مائة من الإبل، إلا عباس بن مرداس فدونها، فقال الأشعار التى ذكر صاحب الوضع رحمه الله، والشيخ خالد فى باب النعت من التصريح، فأتم له المائة. "حديث : وروى أن أبا سفيان بن حرب، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يديه الفضة فقال: يا رسول الله إنك أصبحت أكثر قريش مالا، فأعطنى من هذا المال، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "يا بلال زن لأبى سفيان أربعين أوقية، وأعطه مائة من الإبل" قال: وابنى زيد فأعطه يا رسول الله، فقال نبى الله صلى الله عليه وسلم: "زنوا ليزيد أربعين أوقية، وأعطوه مائة من الإبل" فقال أبو سفيان: والله إنك لكريم فداك أبى وأمى، لقد حاربتك فنعم المحارب، ولقد سالمتك فنعم المسالم أنت، جزاك الله خيرا. وطفق يعطى رجالا من قريش المائة من الإبل، فقال ناس من الأنصار: يغفر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم يعطى قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فبلغه ذلك فجمع الأنصار وحدهم فى قبة من أدم فقال: "حديث بلغنى عنكم" فقال فقهاؤهم: أصادقنا لم يقولوا، وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله إلى آخر ما مر، فقال: "إنى أعطى رجالا حديثى عهد بكفر أتألفهم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالمال وتذهبون برسول الله، فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به" قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "فإنكم ستجدون بعدى أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقونى على الحوض" قالوا: نصبر، قال أنس: فلم نصبر وخطبهم فقال: "ألم أجدكم ضلالا" إلى آخر ما مر، وقال: "الناس دثارى والأنصار شعارى". وإنما أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمه الغنيمة انتظاراً لقدوم وفد هوازن، وجاء بعد قسمها وفد مسلمون فسألوه رد المال والسبى، فقال: "إن معى ما ترون وأحب الحديث أصدقه فاختاروا إما المال وإما السبى؟" فقالوا: لا نعدل بالأحساب شيئا فقال: "أما ما لعبد المطلب فهو رد لكم، وإذا صلى الناس الظهر فأظهروا إسلامكم" ولما صلى أخبرهم بأن هؤلاء جاءوا تائبين يريدون الرد، وخيرتهم فاختاروا الأحساب، أما مالى ولبنى عبد المطلب فقد رددته لهم، ومن لم يطب نفسا فليعطهم فرضا علينا متى نصب نرد" فقال الناس: ما لنا لله ولرسوله، فقال: "لا أدرى لعل فيكم من لا يرضى فليرفع إلينا عرفاءكم ذلكم" فرفعت إليه العرفاء أن قد رضوا ". تفسير : {وذَلكَ جَزاءُ الكَافرينَ} فى الدنيا، وجزاؤهم فى الآخرة النار.
اطفيش
تفسير : {ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ} رحمته وطمأنينته بمشاهدة أَمارة النصر فى شأن من لم يهرب ومشاهدة الملائكة فى شأنه صلى الله عليه وسلم، واستحضار أَن وعد الله حق فى حق المنهزمين، سماها سكينته لأَنهم يسكنون بها ويأْمنون، وهى سبب للسكون وزوال الاضطراب والخوف عن المؤمنين، وبالنسبة إِليه صلى الله عليه وسلم السكينة منع عروض الخوف {عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} أَعاد على بياناً للفرق بين حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحال المؤمنين فإِنه لم يضطرب ولم يقلق فإِنزال السكينة عليه إِبقاء على أَمنه. وعلى المؤمنين إِزالة خوفهم واضطرابهم ورجوعهم من الانهزام، والمؤمنون من بقوا معه ومن بعد عنه ومن فر. وقيل: المراد بالمؤمنين الذين بقوا معه، وإِعادة على لما فيهم من خوف أَو لعقوبة إِنزال السكينة فيهم. والمراد إِنزالها على المؤمنين. وذكر الرسول للتبرك. ولما رجعوا للقتال أَعانتهم الملائكة كما قال عز وجل {وَأَنْزَلَ جُنُودًا} ملائكة {لَمْ تَرَوْهَا} بأَبصاركم، ورآها المشركون ليذلوا وحجب الله عنها أَبصاركم لئلا تتكلوا عليها. وهى خمسة آلاف "أية : يمددكم ربكم بخمسة آلاف"تفسير : [آل عمران: 125]. قاله سعيد بن جبير، ولعله قياس على يوم بدر، وقيل ثمانية آلاف "أية : أَلن يكفيكم أَن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف" تفسير : [آل عمران: 124] فالخمسة والثلاثة ثمانية. وقيل ستة عشر أَلفاً. قال سعيد بن المسيب: حدثنى رجل من المشركين أَسلم: إِنا سقنا المسلمين ولم يمكثوا حلب شاة، لما انتهينا إِلى صاحب البغلة البيضاء تلقانا رجال بيض الوجوه، فقالوا: شاهت الوجوه، ارجعوا فرجعنا، فركبوا أَكتافنا. قال البراء بن عازب: عدد العسكرين عسكر المؤمنين اثنا عشر أَلفاً، وعدد الكفار أَربعة آلاف، والذى لا إِله إِلا هو ما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قط. ورأَيته وأَبو سفيان آخذ بركابه والعباس آخذ بلجام بغلته دلدول، يقول: أَنا النبى لا كذب، أَنا ابن عبد المطلب. ويركض نحو العدو، وما مر آنفاً عن سعيد بن المسيب يدل على أَن الملائكة قاتلوا يوم حنين، بل روى عنهم أَنهم قاتلوا. وقيل: ما قاتلوا بل أَرعبوا المشركين وأَلقوا فى قلوب المؤمنين الخواطر المحسنة، وصححوا أَن الملائكة لم تقاتل إِلا يوم بدر. وعن شيبة بن عثمان: استدبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين أَريد قتله بطلحة بن عثمان وعثمان بن أَبى طلحة قتلا يوم أَحد فأَطلعه الله عز وجل على ما فى نفسى فالتفت إِلى فضرب فى صدرى فقال: "حديث : أَعيذك بالله يا شيبة"تفسير : ، فارتعدت فرائصى فنظرت إِليه وهو أَحب إِلى من سمعى وبصرى، فقلت: أَشهد أَنك رسول الله، قد أَطلعك الله تعالى على ما فى نفسى، ولما هزم المشركون بوادى حنين أَدبروا أَو نزلوا بأَوطاس، وبها عيالهم وأَموالهم وقد ساقوها معهم ليشتدوا فى القتال، أَرسل أَبا عامر الأَشعرى على جيش إِليهم وقاتلوهم، وهرب أَميرهم مالك بن غوث إِلى الطائف وتحصن فيه، وأَخذوا ماله ومال غيره وأَسروا ستة آلاف، وقتل فى ذلك أَمير المؤمنين أَبو عامر رضى الله عنه، وحاصر صلى الله عليه وسلم الطائف بقية شوال، ولما دخل ذو العقدة ارتحل عنهم، وعمائم الملائكة يوم حنين عمائم حمر مرخاة بين أَكتافهم {وَعَذَّبَ الِّذِينَ كَفَرُوا} بالقتل من المسلمين، قيل: ومن الملائكة. قال رجل من بنى نصر يقال له شجرة للمؤمنين: أَين الرجال البيض وعليهم ثياب بيض والخيل البلق، ما كنا نراكم فيهم إِلا كهيئة الشامة، وما قتلنا إِلا بأَيديهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : تلك الملائكة"تفسير : . فإِن صح الحديث فظاهره أَن الملائكة قاتلوا يومئذ، ويحتمل أَن المراد بالقتل إِعانة القاتل المؤمن بظهورهم ظهوراً يرعب المشركين، وهزم المشركين وأَسر منهم ستة آلاف بين النساء والصبيان، وعن سعيد بن المسيب: أَصابوا ستة آلاف صبى. ويروى أَنهم أَخذوا منهم اثنى عشر أَلف بعير ومن الغنم ما لا يحصى، وأَسلم قوم منهم، وأَتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل: هؤلاء المأسورات أَخواتك وخالاتك وعماتك، يعنون من الرضاع لأَن هؤلاء المشركين المحاربين هم ثقيف وهوازن، وكان هوازن قوم حليمة السعدية مرضعته صلى الله عليه وسلم وهو أَعم من بنى سعد، فخيرهم بين هؤلاء والأَموال فاختاروا هؤلاء النساء والصبيان لأَنهم أَحب من المال إِليهم، ولئلا يعيروا لو اختاروا المال. فقال: أَما مالى ولبنى هاشم فقد تركته. ونادى مناديه: من ترك سهمه أَعوضه مما يفتح الله، فتركوا سهامهم بلا عوض، إِلا عيينة فبعوض، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ارفعوا إِلىَّ عرفاءَكم فإِنى لا أَدرى من رضى ممن لم يرض"تفسير : ، ففعلوا ولم يعط الأَنصار وأَعطى رجالا من قريش المائة من الإِبل كأَبى سفيان بن حرب والحارث بن هشام وسهل بن عمرو وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأَقرع بن حابس. ولم يتم العباس بن مرداس مائة فقال الأَبيات المشهورة "أَتجعل نهبى" إِلخ.. فأَتمها... وقال رجال من الأَنصار: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطى قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فجمع الأَنصار وحدهم فى قبة من جلد فقال: بلغنى عنكم قول كذا. فقالوا: يا رسول الله قاله شبان لا ذوو الرأى منا، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَعطى رجالا حديثى عهد بالإِسلام أَتأَلفهم، أَفلا ترضون أَن يذهب الناس بالمال وتذهبون برسول الله، وهو خير"تفسير : . فقالوا: رضينا. وقال: "حديث : ستجدون بعدى أَثرة شديدة فاصبروا حتى تلقونى على الحوض"تفسير : . قالوا: نعم. قال أَنس: فلم نصبر. وقال: "حديث : أَلم أَجدكم ضلالا فهداكم الله تعالى بى، ومفترقين فجمعكم الله بى، وعالة فأَغناكم الله بى، وأَذلة فأَعزكم الله تعالى بى. وكلما قال قالوا: الله ورسوله أَمنُّ. وقال: لو شئتم لقلتم: طردك قومك فآويناك. وخذلوك فنصرناك، وكفروا بك وآمنا بك. فقالوا: لا نقول.. المنة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم علينا، وقال: لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأَنصار، ولو سلك الناس وادياً أَو شعباً لسلكت وادى الأَنصار أَو شعبهم.." حديث : الأَنصار شعار والناس دثار تفسير : {وَذَلِك} التعذيب بالأَسر والسبى والجروح والإِيجاع {جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب لا ينقطع فلهم عقابان إِلا من تاب.
الالوسي
تفسير : {ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} أي رحمته التي تسكن بها القلوب وتطمئن [إليها] اطمئناناً كلياً مستتبعاً للنصر القريب، وأما مطلق السكينة فقد كانت حاصلة له صلى الله عليه وسلم {وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} عطف على {رَسُولِهِ} وإعادة الجار للإيذان بالتفاوت، والمراد بهم الذين انهزموا، وفيه دلالة على أن الكبيرة لا تنافي الإيمان. وعن الحسن أنهم الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: المراد ما يعم الطائفتين ولا يخلو عن حسن، ولا ضير في تحقق أصل السكينة في الثابتين من قبل، وفسر بعضهم السكينة بالأمان وهو له صلى الله عليه وسلم بمعاينة الملائكة عليهم السلام ولمن معه بظهور علامات ذلك وللمنهزمين بزوال قلقهم واضطرابهم باستحضار إن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن أو نحو ذلك، والظاهر أن {ثُمَّ} في محلها للتراخي بين الانهزام وإنزال السكينة على هذا الوجه. وقيل: إذا أريد من المؤمنين المنهزمون فهي على محلها، وإن أريد الثابتون يكون التراخي في الأخبار أو باعتبار مجموع هذا الإنزال وما عطف عليه، وجعلها للتراخي الرتبـي بعيد. {وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} بأبصاركم كما يرى بعضكم بعضاً وهم الملائكة عليهم السلام على خيول بلق عليهم البياض، وكون المراد لم تروا مثلها قبل ذلك خلاف الظاهر ولم نر في الآثار ما يساعده، واختلف في عددهم فقيل: ثمانية آلاف لقوله تعالى: {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ} مع قوله سبحانه بعد: {أية : يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ } تفسير : [آل عمران: 124-125] وقيل: خمسة آلاف للآية الثانية والثلاثة الأولى داخلة في هذه الخمسة، وقيل: ستة عشر ألفاً بعدد العسكرين اثنا عشر ألفاً عسكر المسلمين وأربعة آلاف عسكر المشركين، وكذا اختلفوا في أنهم قاتلوا في هذه الوقعة أم لا، والجمهور على أن الملائكة لم يقاتلوا إلا يوم بدر، وإنما نزلوا لتقوية قلوب المؤمنين بإلقاء الخواطر الحسنة وتأييدهم بذلك وإلقاء الرعب في قلوب المشركين. فعن سعيد بن المسيب قال حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم فلما انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء تلقانا رجال بيض الوجوه فقالوا: شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا فركبوا أكتافنا. واحتج من قال: إنهم قاتلوا بما روي أن رجلاً من المشركين قال لبعض المؤمنين بعد القتال: أين الخيل البلق والرجال عليهم ثياب بيض؟ ما كنا نراهم فيكم إلا كهيئة الشامة وما كان قتلنا إلا بأيديهم فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : تلك الملائكة» تفسير : وليس له سند يعول عليه {وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بالقتل والأسر والسبـي {وَذَلِكَ} أي ما فعل بهم مما ذكر {جَزَآء ٱلْكَـٰفِرِينَ} لكفرهم في الدنيا.
ابن عاشور
تفسير : عطف على قوله: {أية : ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم}تفسير : [التوبة: 25]. و{ثم} دالّة على التراخي الرتبي فإنّ نزول السكينة ونزول الملائكة أعظم من النصر الأول يوم حنين، على أنّ التراخي الزمني مراد؛ تنزيلاً لعظم الشدة وهول المصيبة منزلة طول مدّتها، فإن أزمان الشدّة تخيّل طويلة وإن قَصُرت. والسكينة: الثبات واطمئنان النفس وقد تقدّم بيانها عند قوله تعالى: {أية : أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم} تفسير : في سورة البقرة (248)، وتعليقها بإنزال الله، وإضافتها إلى ضميره: تنويه بشأنها وبركتها، وإشارة إلى أنّها سكينة خارقة للعادة ليست لها أسباب ومقدّمات ظاهرة، وإنّما حصلت بمحض تقدير الله وتكوينه أُنُفاً كرامةً لنبيه صلى الله عليه وسلم وإجابة لندائِه الناسَ، ولذلك قدّم ذكر الرسول قبل ذكر المؤمنين. وإعادة حرف {على} بعد حرف العطف: تنبيه على تجديد تعليق الفعل بالمجرور الثاني للإيماء إلى التفاوت بين السكينتين: فسكينة الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ سكينة اطمئنان على المسلمين الذين معه وثقة بالنصر، وسكينة المؤمنين سكينة ثبات وشجاعة بعد الجزع والخوف. والجنود جمع جند. والجند اسم جَمع لا واحد له من لفظه، وهو الجماعة المهيّئة للحرب، وواحدهُ بياء النسب: جُندي، وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : فلما فصل طالوت بالجنود}تفسير : في سورة البقرة (249). وقد يطلق الجند على الأمّة العظيمة ذات القوة، كما في قوله تعالى: {أية : هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود} تفسير : في سورة البروج (17، 18) والمراد بالجنود هنا جماعات من الملائكة موكّلون بهزيمة المشركين كما دلّ عليه فعل أنزل، أي أرسلها الله لنصرة المؤمنين وإلقاء الرعب في قلوب المشركين، ولذلك قال: {لم تروها} ولكون الملائكة ملائكةَ النصر أطلق عليها اسم الجنود. وتعذيبه الذين كفروا: هو تعذيب القتل والأسر والسبي. والإشارة بــــ {وذلك جزاء الكافرين} إلى العذاب المأخوذ من {عَذَّب}.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكَافِرِينَ} (26) - وَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى الطُّمَأنِينَةَ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَىالمُؤْمِنينَ الذِينَ ثَبَتوا مَعَهُ، فَأذْهَبَ رَوْعَهُمْ، وَأزَالَ حَيْرَتَهُمْ، وَأَعَادَ إِلَيْهِمْ شَجَاعَتَهُمْ، وَلَزِمَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم مَكَانَهُ، وَمَعَهُ القِلَّةُ التِي ثَبَتَتْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وَاسْتَنْصَرَ الرَّسُولُ رَبَّهُ، فَأنْزَلَ اللهُ جُنُوداً مِنَ المَلائِكَةِ لَمْ يَرَها المُسْلِمُونَ بأبْصَارِهِمْ، بَلْ وَجَدُوا أثَرَهَا فِي قُلُوبِهِمْ، بِمَا عَادَ إليْهَا مِنْ رَبَاطَةَ جَأشٍ، وَشِدَّةِ بَأْسٍ. وَأخَذَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ قَذَفَهَا فِي وَجْهِ القَوْمِ، فَلَمْ يَبْقَ مُقاتلٌ مَنْ هَوازِنْ إلاّ وَدَخَلَتْ فِي عَيْنِهِ أَوْ فَمِهِ حَبَّةٌ مِنْ تُرَابٍ أشْغَلَتْهُ عَنِ القِتَالِ، وَتَرَاجَعَ الذِينَ هَرَبُوا مِنَ المُسْلِمِينَ، إلَى حَيْثُ كَانَ يَقِفُ رَسُولُ اللهِ وَصَحْبُهُ الثَّابِتُونَ، وَحَمَلُوا عَلَى هَوَازِنَ فَنَصَرَهُمُ اللهُ، وَعَذَّبَ الذِينَ كَفَرُوا، وَقَاتَلُوا رَسُولَ اللهِ، فَأَخْزَاهُمُ اللهُ وَأَذَلَّهُمْ بِالقَتْلِ وَالسَّبْيِ، وَهَذَا هُوَ مَصِيرُ القَوْمِ الكَافِرِينَ، وَجَزاؤُهُمْ. السَّكِينَةُ - الطُّمَأنِينَةُ أوْ رَحْمَةُ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: أن الله تبارك وتعالى أنزل سكينته أولاً على رسوله وعلى المؤمنين الذين ثبتوا معه، ثم أنزلها على المؤمنين الذين فردوا من المعركة ثم عادوا إلى القتال مرة أخرى، وقوله تعالى: {وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ} [التوبة: 26]. وقد حدَّثونا عن أن الملائكة نزلت وثبَّتت المؤمنين، وألقت الرعب في قلوب الكافرين وأنزلت العذاب بهم. والذين آمنوا هم الذين شهدوا بذلك؛ لأنهم وصفوا كائنات على جياد بُلْق ولم يكن عندهم مثلها. وإذا حدثنا القرآن الكريم بأن الملائكة قد نزلت وأن هناك من رآهم، فعلى الإنسان منا أن يقف موقف المؤمن، وأن يثق في القائل وهو صادق فليؤمن بما قال ولا يبحث عن الكيفية. وإن كان منكم من يقف أمام هذه المسألة فعليه ألا يقف وقفة الرافض لوجودها، ولكن وقفة الجاهل لكيفيتها؛ لأن وجود الشيء مختلف تماماً عن إدراك كيفية وجوده. وهناك أشياء كثيرة في الكون، موجودة وتزاول مهمتها، ونحن لا ندرك كيفية هذا الوجود. وليس معنى عدم إدراكنا لها أنه غير موجودة. وكل الاكتشافات التي قدمها لنا العلم المعاصر كانت موجودة. ولكننا لم نكن ندرك كيفية وجودها من قبل. فالجاذبية الأرضية كانت موجودة. لكننا لم ندرك وجودها ولا كيفية عملها، وكذلك الكهرباء كانت موجودة في الكون منذ بداية الخلق، ولكننا لم نكن ندرك وجودها حتى كشف الله تعالى لنا وجودها فاستخدمناها، والميكروبات كانت موجودة في الكون تؤدي مهمتها ولم نعرفها، حتى كشف الله لنا عنها فعرفنا وجودها وكيفية هذا الوجود، فكل هذه الأشياء كانت موجودة في كون الله منذ خلق الله الكون. ولكننا لم نكن ندرك وجودها. وعدم معرفتنا لم ينقص من هذا الوجود شيئاً؛ ولذلك إذا حُدِّثْت بشيء لا يستطيع عقلك أن يفهمه فلا تنكر وجوده؛ لأن هناك أشياء لم نكن نعرف عنها شيئاً، ثم أعطانا الله تعالى العلم فوجدنا أنه تعيش بقوانين مادية محددة. إذن: فوجود الشيء يختلف تماماً عن إدراك هذا الوجود. وقول الحق سبحانه وتعالى: {ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} كلمة {لَّمْ تَرَوْهَا} تعطي العذر لكل من لم ير، ويكفي أن الله قال ليكون هذا حقيقة واقعة. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ}تفسير : [المدثر: 31]. وحين كان يقال لنا: إنّ لله خلقاً هم الجن، كما أن له خلقاً آخرين هم الملائكة، والجن يروننا ونحن لا نراهم. كان البعض يقف موقف الاستنكار. وكذلك قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الشيطان يَجْرِي من ابن آدم مَجْرى الدم ". تفسير : وكان بعض الناس ينكرون هذا الكلام ويتساءلون: كيف يدخل الشيطان عروق الإنسان ويجري منها مجرى الدم؟! وعندما تقدمنا في العلم التجريبي واكتشفنا الميكروبات ورأينا من دراستها أنه تخترق الجسم وتدخل إلى الدم في العروق، هل يحس أحد بالميكروب وهو يخترق جسمه؟ هل علم أحد بالميكروب ساعة دخوله للجسم؟ طبعاً لا، ولكن عندما يتوالد ويتكاثر ويبدأ تأثير يظهر على أجسامنا نحس به، وهذا يدل على أن الميكروب بالغ الدقة مبلغاً لا تحس به شعيرات الإحساس الموجود تحت الجلد. ومن فرط دقته يخترق هذه الشعيرات أو يمر بينها ونحن لا ندري عنه شيئاً، ويدخل إلى الدم ويجري في العروق ونحن لا نحس بشيء من ذلك، والدم يجري في عروق يحكمها قانون هو: أن مربع نصف القطر يوزع على الكل، ومثال ذلك ما يحدث في توزيع المياه، فنحن نأتي بماسورة رئيسية نصف قطرها ثماني بوصات وندخلها إلى قرية، تكون كمية الصب هي 8 × 8.. أي 64 بوصة مربعة، حينما نأتي لنوزعها على مواسير أخرى فرعية نأخذ منها ماسورة نصف قطرها أربع بوصات، ومنها نأخذ ماسورة نصف قطرها بوصتان، ومنها نأخذ ماسورة نصف قطرها بوصة أو نصف بوصة، المهم أن مربع أنصاف أقطار المواسير الفرعية يساوي ما تصبه الماسورة الكبيرة. وهكذا عروق الدم، فالدم يجري في شرايين واسعة وأوردة وشعيرات دقيقة.. ولكن دقة حجم الميكروب تجعله يخترق هذه الشعيرات فلا ينزل منها دم، وعندما تضيق هذه الشرايين تحدث الأمراض التي نسمع عنها، من تراكم الكوليسترول أو حدوث جلطات، فيتدخل الطب ليوسع الشرايين؛ لأنها مواسير الدم. وهناك جراحات تجري بأشعة الليزر أو غيرها من الاكتشافات الحديثة تخترق هذه الأشعة الجلد بين الشعيرات؛ لأنها أشعة دقيقة جداً فلا تقطع أي شعيرة ولا تُسيل أي دماء. إذن: فكل ما في داخل الجسم محسوب بإرادة الله تعالى، ولكل ميكروب فترة حضانة يقضيها داخل الجسم دون أن نحس به، ثم بعد ذلك يبدأ تأثيره فيظهر المرض وتأخذ عمليات توالد الميكروب في الدم ومقاومة كرات الدم البيضاء له فترة طويلة، بينما نحن لا نحس ولا ندرك ما يحدث. فإذا كان "الميكروب" وهو من مادتك، أي: شيء له كثافة وله حجم محدد ولا تراه إلا بالميكروسكوب فتجد له شكلاً مخفياً، وهو يتوالد ويتناسل وله دورة حياة، إذا كان هذا "الميكروب" لا تحس به وهو في داخل جسمك؛ فما بالك بالشيطان الذي هو مخلوق من مادة أكثر شفافية من مادة الميكروب، هل يمكن أن تحس به إذا دخل جسدك؟ لا، وإذا كان الشيء المادي قد دخل جسدك ولم تحس به، فما بالك بالمخلوق الذي خلقه الله تعالى من مادة أشف وأخف من الطين؟ ألا يستطيع أن يدخل ويجري من ابن آدم مجرى الدم؟! فإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"تفسير : .. فلا تتعجب ولا تُكذِّب لأنك لا تحس به. فالله أعطاك في عالم الماديات ما هو أكثر كثافة في الخلق ويدخل في جسدك ولا تحس به. إذن: فالعلم أثبت لنا أن هناك موجودات لا نراها. ولو أننا باستخدام الميكروسكوبات الإلكترونية الحديثة فحصنا كل خلية في جسم الإنسان فإننا سنرى العجب، سنرى في جلد الإنسان الذي نحسبه أملسَ آباراً يخرج منها العرق، وغير ذلك من تفاصيل بالغة الدقة لا تدركها العين، فإذا حدَّثنا الله سبحانه وتعالى لنا ما يطمئن بشريتنا فقال: {جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا}، فإن قال واحد: إنَّه رآها، وقال آخر: لم أرَ شيئاً، نقول: إن قول الحق {لَّمْ تَرَوْهَا} أي: لم تروْها مجتمعين، فهناك من لمحها، وهناك من لم يرها. وقول الحق سبحانه وتعالى: {وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: بالقتل أو بالأسر أو بسلب أموالهم، وقوله تعالى: {وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ} أي: أن ما لحق بهم من هزيمة كان جزاءً لهم على كفرهم. ولكن البعض يتساءل: لماذا لم ينزل الجزاء وتتم الهزيمة من أول لحظة، لكان ذلك أخف على أنفسهم وأقل عذاباً، ولكنه أعطاهم أولاً فرحة النصر حتى تأتي الهزيمة أكثر قسوة وأكثر بشاعة، والشاعر يقول: شعر : كَما أدركَتْ قَوْماً عِطَاشاً غَمَامةٌ فلمَّا رأوْهَا أقشعتْ وتجلَّت تفسير : فحين تمر سحابة على قوم يعانون من شدة العطش، هم يحلمون أن تمطر عليهم، لكن الحلم يتبدد تماماً كالمسجون الذي يعاني من عطش شديد. فيطلب من السجان شربة ماء فيقول له السجان: سأحضرها لك. وفعلاً يذهب السجان ويحضر له كوب ماء مثلج فيعطيه له ويمسك المسجون الكوب بيده ونفسه تمتلئ فرحاً. وإذا بالسجان يضربه بشدة على يده فيسقط الكوب على الأرض، فيصاب المسجون بصدمة شديدة. وهذه أبشع طرق التعذيب. ولو أن السجان رفض إحضار كوب الماء من أول الأمر لكان ذلك أقل إيلاماً للسجين. لكن بعد أن يحضر كوب الماء للمسجون ويضعه في يده ثم يحرمه منه فهذا أكثر عذاباً. وهكذا أراد الله أن يزيد من عذاب الكافرين فأعطاهم مقدمات النصر وحلاوته أولاً، ثم جاءت من بعد ذلك مرارة الهزيمة لتسلبهم كل شيء، وبذلك تجتمع لهم فجيعتان: فجيعة الإيجاب، وفجيعة السلب. ثم تأتي لمحة الرحمة التي يغمر بها الله سبحانه وتعالى كونه كله، ويفتح الباب لكل عاص ليعود إلى طريق الإيمان فيتقبله الله، ويقول الحق تبارك وتعالى: {ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ} فالسّكينةُ: الوَقارُ، والسُّكونُ والطُّمأَنينةُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):