٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
28
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذه هي الشبهة الثالثة التي وقعت في قلوب القوم، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لما أمر علياً أن يقرأ على مشركي مكة، أول سورة براءة وينبذ إليهم عهدهم وأن الله برىء من المشركين ورسوله، قال أناس يا أهل مكة ستعلمون ما تلقونه من الشدة لانقطاع السبل وفقد الحمولات، فنزلت هذه الآية لدفع هذه الشبهة، وأجاب الله تعالى عنها بقوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً } أي فقراً وحاجة {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } فهذا وجه النظم وهو حسن موافق. المسألة الثانية: قال الأكثرون لفظ المشركين يتناول عبدة الأوثان. وقال قوم: بل يتناول جميع الكفار وقد سبقت هذه المسألة، وصححنا هذا القول بالدلائل الكثيرة، والذي يفيد ههنا التمسك بقوله: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 116] ومعلوم أنه باطل. المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف»: النجس مصدر نجس نجساً وقذر قذراً، ومعناه ذو نجس. وقال الليث: النجس الشيء القذر من الناس ومن كل شيء، ورجل نجس، وقوم أنجاس، ولغة أخرى رجل نجس وقوم نجس وفلان نجس ورجل نجس وامرأة نجس. واختلفوا في تفسير كون المشرك نجساً نقل صاحب «الكشاف» عن ابن عباس أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير، وعن الحسن من صافح مشركاً توضأ، وهذا هو قول الهادي من أئمة الزيدية، وأما الفقهاء فقد اتفقوا على طهارة أبدانهم. واعلم أن ظاهر القرآن يدل على كونهم أنجاساً فلا يرجع عنه إلا بدليل منفصل، ولا يمكن ادعاء الإجماع فيه لما بينا أن الاختلاف فيه حاصل. واحتج القاضي على طهارتهم بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من أوانيهم، وأيضاً لو كان جسمه نجساً لم يبدل ذلك بسبب الإسلام. والقائلون بالقول الأول أجابوا عنه: بأن القرآن أقوى من خبر الواحد، وأيضاً فبتقدير صحة الخبر وجب أن يعتقد أن حل الشرب من أوانيهم كان متقدماً على نزول هذه الآية وبيانه من وجهين: الأول: أن هذه السورة من آخر ما نزل من القرآن وأيضاً كانت المخالطة مع الكفار جائزة فحرمها الله تعالى، وكانت المعاهدات معهم حاصلة فأزالها الله، فلا يبعد أن يقال أيضاً الشرب من أوانيهم كان جائزاً فحرمه الله تعالى. الثاني: أن الأصل حل الشرب من أي إناء كان، فلو قلنا: إنه حرم بحكم الآية ثم حل بحكم الخبر فقد حصل نسخان. أما إذا قلنا: إنه كان حلالاً بحكم الأصل، والرسول شرب من آنيتهم بحكم الأصل، ثم جاء التحريم بحكم هذه الآية لم يحصل النسخ إلا مرة واحدة، فوجب أن يكون هذا أولى. أما قول القاضي: لو كان الكافر نجس الجسم لما تبدلت النجاسة بالطهارة بسبب الإسلام فجوابه أنه قياس في معارضة النص الصريح، وأيضاً أن أصحاب هذا المذهب يقولون إن الكافر إذا أسلم وجب عليه الاغتسال إزالة للنجاسة الحاصلة بحكم الكفر، فهذا تقرير هذا القول، وأما جمهور الفقهاء فإنهم حكموا بكون الكافر طاهراً في جسمه، ثم اختلفوا في تأويل هذه الآية على وجوه: الأول: قال ابن عباس وقتادة: معناه أنهم لا يغتسلون من الجنابة ولا يتوضؤن من الحدث. الثاني: المراد أنهم بمنزلة الشيء النجس في وجوب النفرة عنه، الثالث: أن كفرهم الذي هو صفة لهم بمنزلة النجاسة الملتصقة بالشيء. واعلم أن كل هذه الوجوه عدول عن الظاهر بغير دليل. المسألة الرابعة: قال أبو حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم: أعضاء المحدث نجسة نجاسة حكمية وبنوا عليه أن الماء المستعمل في الوضوء والجنابة نجس. ثم روى أبو يوسف رحمه الله تعالى أنه نجس نجاسة خفيفة، وروى الحسن بن زياد: أنه نجس نجاسة غليظة، وروى محمد بن الحسن أن ذلك الماء طاهر. واعلم أن قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } يدل على فساد هذا القول، لأن كلمة «إنما» للحصر، وهذا يقتضي أن لا نجس إلا المشرك، فالقول بأن أعضاء المحدث نجسة مخالف لهذا النص، والعجب أن هذا النص صريح في أن المشرك نجس وفي أن المؤمن ليس بنجس، ثم إن قوماً ما قلبوا القضية وقالوا المشرك طاهر والمؤمن حال كونه محدثاً أو جنباً نجس، وزعموا أن المياه التي استعملها المشركون في أعضائهم بقيت طاهرة مطهرة: والمياه التي يستعملها أكابر الأنبياء في أعضائهم نجسة نجاسة غليظة، وهذا من العجائب، ومما يؤكد القول بطهارة أعضاء المسلم قوله عليه السلام: « حديث : المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً » تفسير : فصار هذا الخبر مطابقاً للقرآن، ثم الاعتبارات الحكمية طابقت القرآن، والأخبار في هذا الباب، لأن المسلمين أجمعوا على أن إنساناً لو حمل محدثاً في صلاته لم تبطل صلاته، ولو كانت يده رطبة فوصلت إلى يد محدث لم تنجس يده. ولو عرق المحدث ووصلت تلك النداوة إلى ثوبه لم ينجس ذلك الثوب، فالقرآن والخبر والإجماع تطابقت على القول بطهارة أعضاء المحدث فكيف يمكن مخالفته، وشبهة المخالف أن الوضوء يسمى طهارة والطهارة لا تكون إلا بعد سبق النجاسة، وهذا ضعيف لأن الطهارة قد تستعمل في إزالة الأوزار والآثام، قال الله تعالى في صفة أهل البيت { أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيــراً } تفسير : [الأحزاب: 33] وليست هذه الطهارة إلا عن الآثام والأوزار. وقال في صفة مريم: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ } تفسير : [آل عمران:42] والمراد تطهيرها عن التهمة الفاسدة. وإذا ثبت هذا فنقول: جاءت الأخبار الصحيحة في أن الوضوء تطهير الأعضاء عن الآثام والأوزار، فلما فسر الشارع كون الوضوء طهارة بهذا المعنى، فما الذي حملنا على مخالفته، والذهاب إلى شيء يبطل القرآن والأخبار والأحكام الإجماعية. المسألة الخامسة: قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: الكفار يمنعون من المسجد الحرام خاصة، وعند مالك: يمنعون من كل المساجد، وعند أبي حنيفة رحمه الله: لا يمنعون من المسجد الحرام ولا من سائر المساجد، والآية بمنطوقها تبطل قول أبي حنيفة رحمه الله، وبمفهومها تبطل قول مالك، أو نقول الأصل عدم المنع، وخالفناه في المسجد الحرام لهذا النص الصريح القاطع، فوجب أن يبقى في غيره على وفق الأصل. المسألة السادسة: اختلفوا في أن المراد من المسجد الحرام هل هو نفس المسجد أو المراد منه جميع الحرم؟ والأقرب هو هذا الثاني. والدليل عليه قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } وذلك لأن موضع التجارات ليس هو عين المسجد، فلو كان المقصود من هذه الآية المنع من المسجد خاصة لما خافوا بسبب هذا المنع من العيلة، وإنما يخافون العيلة إذا منعوا من حضور الأسواق والمواسم، وهذا استدلال حسن من الآية، ويتأكد هذا القول بقوله سبحانه وتعالى: { أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى } تفسير : [الإسراء: 1] مع أنهم أجمعوا على أنه إنما رفع الرسول عليه الصلاة والسلام من بيت أم هانىء وأيضاً يتأكد هذا بما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : لا يجتمع دينان في جزيرة العرب » تفسير : . واعلم أن أصحابنا قالوا: الحرم حرام على المشركين ولو كان الإمام بمكة، فجاء رسول المشركين فليخرج إلى الحل لاستماع الرسالة، وإن دخل مشرك الحرم متوارياً فمرض فيه أخرجناه مريضاً، وإن مات ودفن ولم يعلم نبشناه وأخرجنا عظامه إذا أمكن. المسألة السابعة: لا شبهة في أن المراد بقوله: {بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا } السنة التي حصل فيها النداء بالبراءة من المشركين، وهي السنة التاسعة من الهجرة. ثم قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً } والعيلة الفقر. يقال: عال الرجل يعيل عيلة إذا افتقر، والمعنى: إن خفتم فقراً بسبب منع الكفار فسوف يغنيكم الله من فضله وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ذكروا في تفسير هذا الفضل وجوهاً: الأول: قال مقاتل: أسلم أهل جدة وصنعاء وحنين، وحملوا الطعام إلى مكة وكفاهم الله الحاجة إلى مبايعة الكفار. والثاني: قال الحسن: جعل الله ما يوجد من الجزية بدلاً من ذلك. وقيل: أغناهم بالفيء. الثالث: قال عكرمة: أنزل الله عليهم المطر، وكثر خيرهم. المسألة الثانية: قوله: {فُسُوف يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } إخبار عن غيب في المستقبل على سبيل الجزم في حادثة عظيمة، وقد وقع الأمر مطابقاً لذلك الخبر فكان معجزة. ثم قال تعالى: {إِن شَآءَ } ولسائل أن يسأل فيقول: الغرض بهذا الخبر إزالة الخوف بالعيلة، وهذا الشرط يمنع من إفادة هذا المقصود، وجوابه من وجوه الأول: أن لا يحصل الاعتماد على حصول هذا المطلوب، فيكون الإنسان أبداً متضرعاً إلى الله تعالى في طلب الخيرات ودفع الآفات. الثاني: أن المقصود من ذكر هذا الشرط تعليم رعاية الأدب، كما في قوله: { أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَاء ٱللَّهُ ءامِنِينَ } تفسير : [الفتح:27] الثالث: أن المقصود التنبيه على أن حصول هذا المعنى لا يكون في كل الأوقات وفي جميع الأمور، لأن إبراهيم عليه السلام قال في دعائه: { أية : وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ } تفسير : [البقرة: 126] وكلمة «من» تفيد التبعيض فقوله تعالى في هذه الآية: {إِن شَآءَ } المراد منه ذلك التبعيض. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } أي عليم بأحوالكم، وحكيم لا يعطي ولا يمنع إلا عن حكمة وصواب، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه سبع مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} ابتداء وخبر. واختلف العلماء في معنى وصف المشرك بالنّجس؛ فقال قَتادة ومَعْمر بن راشد وغيرهما: لأنه جُنُب؛ إذ غسله من الجنابة ليس بغسل. وقال ابن عباس وغيره: بل معنى الشرك هو الذي نجسه. قال الحسن البصرِيّ من صافح مشركاً فليتوضأ. والمذهب كله على إيجاب الغسل على الكافر إذا أسلم؛ إلا ٱبن عبد الحكم فإنه قال: ليس بواجب؛ لأن الإسلام يهدم ما كان قبله. وبوجوب الغسل عليه قال أبو ثور وأحمد. وأسقطه الشافعيّ وقال: أحبّ إليّ أن يغتسل. ونحوه لابن القاسم. ولمالك قول: إنه لا يعرف الغسل؛ رواه عنه ابن وهب وابن أبي أوَيس. وحديث ثُمامة وقيس بن عاصم يردّ هذه الأقوال. رواهما أبو حاتم البستيّ في صحيح مسنده: وحديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم مَرّ بثُمامة يوماً فأسلم، فبعث به إلى حائط أبي طلحة فأمره أن يغتسل، فاغتسل وصلّى ركعتين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد حَسُن إسلامُ صاحبكم»تفسير : وأخرجه مسلم بمعناه. وفيه: أن ثمامة لما منّ عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم انطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل: وأمر قيس بن عاصم أن يغتسل بماء وسِدْر. فإن كان إسلامه قُبيل احتلامه فغسله مستحب. ومتى أسلم بعد بلوغه لزمه أن ينوي بغسله الجنابة. هذا قول علمائنا، وهو تحصيل المذهب. وقد أجاز ابن القاسم للكافر أن يغتسل قبل إظهاره للشهادة بلسانه، إذا اعتقد الإسلام بقلبه؛ وهو قول ضعِيف في النظر مخالف للأثر. وذلك أن أحداً لا يكون بالنيّة مسلماً دون القول. هذا قول جماعة أهل السنة في الإيمان: إنه قول باللسان وتصديق بالقلب، ويَزْكُو بالعمل. قال الله تعالى: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} تفسير : [فاطر: 10]. الثانية ـ قوله تعالى: {فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ} «فَلاَ يَقْرَبُوا» نهي؛ ولذلك حذفت منه النون. «المسجِد الحرام» هذا اللفظ يطلق على جميع الحرَم، وهو مذهب عطاء؛ فإذاً يُحرم تمكين المشرك من دخول الحَرَم أجمع. فإذا جاءنا رسول منهم خرج الإمام إلى الحِل ليسمع ما يقول. ولو دخل مشرك الحَرَم مستوراً ومات نُبش قبره وأخرجت عظامه. فليس لهم الاستيطان ولا الاجتياز. وأما جزيرة العرب، وهي مكة والمدينة واليمامة واليمن ومَخالِيفها، فقال مالك: يخرج من هذه المواضع كلّ من كان على غير الإسلام، ولا يمنعون من التردد بها مسافرين. وكذلك قال الشافعيّ رحمه الله؛ غير أنه ٱستثنى من ذلك اليمنَ. ويُضرب لهم أجل ثلاثة أيام كما ضَربه لهم عمر رضي الله عنه حين أجلاهم. ولا يدفنون فيها ويلجئون إلى الحل. الثالثة ـ واختلف العلماء في دخول الكفار المساجد والمسجد الحرام على خمسة أقوال؛ فقال أهل المدينة: الآية عامّة في سائر المشركين وسائر المساجد. وبذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى عمّاله ونَزَع في كتابه بهذه الآية. ويؤيّد ذلك قوله تعالى: {أية : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ}تفسير : [النور: 36]. ودخول الكفار فيها مناقض لترفيعها. وفي صحيح مسلم وغيره: «حديث : إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والقذر»تفسير : . الحديث. والكافر لا يخلو عن ذلك. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا أحلّ المسجد لحائض ولا لجُنُب»تفسير : والكافر جُنُب. وقوله تعالى: «إنَّمَا المُشْركُونَ نَجَسٌ» فسمّاه الله تعالى نجساً. فلا يخلو أن يكون نجس العين أو مبعداً من طريق الحكم. وأيّ ذلك كان فمنعه من المسجد واجب؛ لأن العلة وهي النجاسة موجودة فيهم، والحرمة موجودة في المسجد. يقال: رجل نَجَس، وٱمرأة نَجَس، ورجلان نَجَس، وٱمرأتان نَجَس، ورجال نَجَس، ونساء نَجَس؛ لا يُثَنَّى ولا يُجمَع لأنه مصدر. فأما النِّجْس (بكسر النون وجزم الجيم) فلا يقال إلا إذا قيل معه رجْس. فإذا أفرد قيل نَجِس (بفتح النون وكسر الجيم) ونَجُس (بضم الجيم). وقال الشافعيّ رحمه الله: الآية عامةٌ في سائر المشركين، خاصّةٌ في المسجد الحرام، ولا يمنعون من دخول غيره؛ فأباح دخول اليهوديّ والنصرانيّ في سائر المساجد. قال ابن العربِيّ: وهذا جمود منه على الظاهر؛ لأن قوله عز وجل: {إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة. فإن قيل: فقد ربط النبيّ صلى الله عليه وسلم ثُمامة في المسجد وهو مشرك. قيل له: أجاب علماؤنا عن هذا الحديث ـ وإن كان صحيحاً ـ بأجوبة: أحدها ـ أنه كان متقدّماً على نزول الآية. الثاني ـ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان قد علم بإسلامه فلذلك ربطه. الثالث ـ أن ذلك قضيّة في عَيْن فلا ينبغي أن تُدفع بها الأدلة التي ذكرناها؛ لكونها مقيِّدة حكم القاعدة الكلية. وقد يمكن أن يقال: إنما ربطه في المسجد لينظر حُسْن صلاة المسلمين وٱجتماعهم عليها، وحسنَ آدابهم في جلوسهم في المسجد؛ فيستأنس بذلك ويُسلم؛ وكذلك كان. ويمكن أن يقال: إنهم لم يكن لهم موضع يربطونه فيه إلا في المسجد، والله أعلم. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يُمنع اليهود والنصارى من دخول المسجد الحرام ولا غيره، ولا يُمنع دخول المسجد الحرام إلا المشركون وأهل الأوثان. وهذا قول يردّه كل ما ذكرناه من الآية وغيرها. قال الكِيَا الطبريّ: ويجوز للذميّ دخول سائر المساجد عند أبي حنيفة من غير حاجة. وقال الشافعيّ: تعتبر الحاجة، ومع الحاجة لا يجوز دخول المسجد الحرام. وقال عطاء بن أبي رَباح: الحَرَم كله قِبلةٌ ومسجدٌ، فينبغي أن يمنعوا من دخول الحَرَم؛ لقوله تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} تفسير : [الأسراء: 1]. وإنما رفع من بيت أُمّ هانىء. وقال قتادة: لا يقرب المسجد الحرام مشرك؛ إلا أن يكون صاحب جزْية، أو عبداً كافراً لمسلم. وروى إسماعيل بن إسحاق حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال حدثنا شُريك عن أشعث عن الحسن عن جابر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يقرب المسجد مشرك إلا أن يكون عبداً أو أَمَّة فيدخله لحاجة»تفسير : . وبهذا قال جابر بن عبد الله؛ فإنه قال: العموم يمنع المشرك عن قربان المسجد الحرام، وهو مخصوص في العبد والأَمة. الرابعة ـ قوله تعالى: {بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} فيه قولان: أحدهما ـ أنه سنة تسع التي حجّ فيها أبو بكر. الثاني ـ سنة عشر؛ قاله قَتادة. ٱبن العربيّ: «وهو الصحيح الذي يعطيه مقتضى اللفظ، وإن من العجب أن يقال: إنه سنة تسع، وهو العامُ الذي وقع فيه الأذان. ولو دخل غلامُ رجلٍ داره يوماً فقال له مولاه: لا تدخل هذه الدار بعد يومك، لم يكن المراد اليوم الذي دخل فيه». الخامسة ـ قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} قال عمرو بن فائد: المعنى وإذْ خفتم. وهذه عُجمة، والمعنى بارع بـ «إن». وكان المسلمون لما منعوا المشركين من الموسم، وهم كانوا يجلبون الأطعمة والتجارات، قذف الشيطان في قلوبهم الخوف من الفقر وقالوا: من أين نعيش. فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله. قال الضحاك: ففتح الله عليهم باب الجزية من أهل الذّمة بقوله عز وجل: {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} الآية. وقال عِكْرمة: أغناهم الله بإدرار المطر والنبات وخِصب الأرض. فأخصبت تَبالة وجُرَش، وحملوا إلى مكة الطعام والوَدَك وكثر الخير. وأسلمت العرب: أهل نجد وصنعاء وغيرهم؛ فتمادى حجهم وتَجْرهم. وأغنى الله من فضله بالجهاد والظهور على الأُمم. والعَيْلة: الفقر. يقال: عال الرجل يعيل إذا افتقر. قال الشاعر:شعر : وما يَدرِي الفقير متى غَنَاه وما يدرِي الغنيّ متى يَعِيلُ تفسير : وقرأ علقمة وغيره من أصحاب ابن مسعود «عائلة» وهو مصدر؛ كالقائلة من قال يقيل. وكالعافية. ويحتمل أن يكون نعتاً لمحذوف تقديره: حالاً عائلة، ومعناه خصلة شاقة. يقال منه: عالني الأمر يَعُولني: أي شقّ عليّ وٱشتد. وحكى الطّبري أنه يقال: عال يعول إذا افتقر. السادسة ـ في هذه الآية دليل على أن تعلق القلب بالأسباب في الرزق جائز وليس ذلك بمنافٍ للتوكل؛ وإن كان الرزق مقدّراً، وأمر الله وقسمه مفعولاً، ولكنه علّقه بالأسباب حكمةً؛ ليعلم القلوبَ التي تتعلّق بالأسباب من القلوب التي تتوكل على رب الأرباب. وقد تقدم أن السبب لا ينافي التوكل. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تَغْدُو خِمَاصاً وتروح بِطانا»تفسير : . أخرجه البخاريّ. فأخبر أن التوكل الحقيقيّ لا يضادّه الغدوّ والرواح في طلب الرزق. ابن العربي: «ولكن شيوخ الصوفية قالوا: إنما يغدو ويروح في الطاعات؛ فهو السبب الذي يجلب الرزق». قالوا: والدليل عليه أمران: أحدهما ـ قوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ}. الثاني ـ قوله تعالى: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}تفسير : [فاطر: 10]. فليس يُنزل الرزق من محله وهو السماء، إلا ما يصعد وهو الذكر الطيب والعمل الصالح، وليس بالسعي في الأرض؛ فإنه ليس فيها رزق. والصحيح ما أحكمته السنة عند فقهاء الظاهر، وهو العمل بالأسباب الدنيوية؛ من الحرث والتجارة في الأسواق، والعمارة للأموال وغرس الثمار. وقد كانت الصحابة تفعل ذلك والنبيّ صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم. قال أبو الحسن بن بَطّال: أمر الله سبحانه عباده بالإنفاق من طيبات ما كسبوا، إلى غير ذلك من الآي. وقال: {أية : فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} تفسير : [البقرة: 173]. فأحل للمضطر ما كان حَرُم عليه عند عدمه للغذاء الذي أمره باكتسابه والاغتذاء به، ولم يأمره بانتظار طعام ينزل عليه من السماء، ولو ترك السعي في ترك ما يتغذَّى به لكان لنفسه قاتلاً. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوّى من الجوع ما يجد ما يأكله، ولم ينزل عليه طعام من السماء، وكان يدّخر لأهله قوت سنته حتى فتح الله عليه الفتوح. وقد روى أنس بن مالك:حديث : أن رجلاً أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم ببعير فقال: يا رسول الله، أعقله وأتوكّل أو أطلقه وأتوكّل؟ قال: «اعقله وتوكّل».تفسير : قلت: ولا حجة لهم في أهل الصُّفَّة؛ فإنهم كانوا فقراء يقعدون في المسجد ما يحرثون ولا يتّجرون، ليس لهم كسب ولا مال، إنما هم أضياف الإسلام عند ضيق البلدان، ومع ذلك فإنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويسوقون الماء إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقرؤون القرآن بالليل ويصلّون. هكذا وصفهم البخاري وغيره. فكانوا يتسبّبون. وكان صلى الله عليه وسلم إذا جاءته هدية أكلها معهم، وإن كانت صدقة خصّهم بها، فلما كثر الفتح وانتشر الإسلام خرجوا وتأمّروا ـ كأبي هريرة وغيره ـ وما قعدوا. ثم قيل: الأسباب التي يُطلب بها الرزق ستة أنواع: أعلاها كسب نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ قال: «حديث : جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصَّغار على من خالف أمري»تفسير : . خرّجه الترمذيّ وصححه. فجعل الله رزق نبيّه صلى الله عليه وسلم في كسبه لفضله، وخصّه بأفضل أنواع الكسب؛ وهو أخذ الغلبة والقهر لشرفه. الثاني ـ أكل الرجل من عمل يده؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنّ أطيب ما أكل الرجل من عمل يده وإن نبيّ الله داود كان يأكل من عمل يده» تفسير : خرّجه البخاري. وفي التنزيل {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ}، ورُوي أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أُمه. الثالث ـ التجارة، وهي كانت عمل جُلّ الصحابة رضوان الله عليهم، وخاصّة المهاجرين؛ وقد دلّ عليها التنزيل في غير موضع. الرابع ـ الحرث والغرس. وقد بيناه في سورة «البقرة». الخامس ـ إقراء القرآن وتعليمه والرُّقْيَة، وقد مضى في الفاتحة. السادس ـ يأخذ بنّية الأداء إذا ٱحتاج؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله»تفسير : . خرّجه البخارِيّ. رواه أبو هريرة رضي الله عنه. السابعة ـ قوله تعالى: {إِن شَآءَ} دليل على أن الرزق ليس بالاجتهاد، وإنما هو من فضل الله تولّى قسمته بين عباده؛ وذلك بيّنٌ في قوله تعالى: {أية : نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الزخرف: 32] الآية.
ابن كثير
تفسير : أمر تعالى عباده المؤمنين الطاهرين ديناً وذاتاً بنفي المشركين الذين هم نجس ديناً عن المسجد الحرام، وأن لا يقربوه بعد نزول هذه الآية، وكان نزولها في سنة تسع، ولهذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً صحبة أبي بكر رضي الله عنهما عامئذ، وأمره أن ينادي في المشركين: أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. فأتم الله ذلك، وحكم به شرعاً وقدراً. وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} إلا أن يكون عبداً، أو أحداً من أهل الذمة. وقد روي مرفوعاً من وجه آخر، فقال الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا شريك عن الأشعث، يعني: ابن سوار، عن الحسن عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا يدخل مسجدنا بعد عامنا هذا مشرك، إلا أهل العهد وخدمهم» تفسير : تفرد به الإمام أحمد مرفوعاً، والموقوف أصح إسناداً. وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي: كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين، وأتبع نهيه قول الله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} وقال عطاء: الحرم كله مسجد؛ لقوله تعالى: {فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} ودلت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك كما دلت على طهارة المؤمن؛ ولما ورد في الصحيح: «حديث : المؤمن لا ينجس» تفسير : وأما نجاسة بدنه، فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات؛ لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب، وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم، وقال أشعث عن الحسن: من صافحهم فليتوضأ. رواه ابن جرير. وقوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} قال محمد بن إسحاق: وذلك أن الناس قالوا: لتقطعن عنا الأسواق، ولتهلكن التجارة، وليذهبن عنا ما كنا نصيب فيها من المرافق، فأنزل الله: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} من وجه غير ذلك {إِن شَآءَ}، إلى قوله: {وَهُمْ صَـٰغِرُونَ} أي: هذا عوض ما تخوفتم من قطع تلك الأسواق، فعوضهم الله مما قطع عنهم من أمر الشرك ما أعطاهم من أعناق أهل الكتاب من الجزية، وهكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك وغيرهم، {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ} أي: بما يصلحكم {حَكِيمٌ} أي: فيما يأمر به وينهى عنه؛ لأنه الكامل في أفعاله وأقواله، العادل في خلقه وأمره، تبارك وتعالى، ولهذا عوضهم عن تلك المكاسب بأموال الجزية التي يأخذونها من أهل الذمة. وقوله تعالى: { قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ} فهم في نفس الأمر لما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم لم يبق لهم إيمان صحيح بأحد من الرسل، ولا بما جاؤوا به، وإنما يتبعون آراءهم وأهواءهم وآباءهم فيما هم فيه، لا لأنه شرع الله ودينه؛ لأنهم لوكانوا مؤمنين بما بأيديهم إيماناً صحيحاً، لقادهم ذلك إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لأن جميع الأنبياء بشروا به، وأمروا باتباعه، فلما جاء، وكفروا به، وهو أشرف الرسل، علم أنهم ليسوا متمسكين بشرع الأنبياء الأقدمين لأنه من عند الله، بل لحظوظهم وأهوائهم، فلهذا لا ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء وقد كفروا بسيدهم وأفضلهم وخاتمهم وأكملهم، ولهذا قال: {قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} وهذه الآية الكريمة نزلت أول الأمر بقتال أهل الكتاب، بعدما تمهدت أمور المشركين، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، واستقامت جزيرة العرب، أمر الله ورسوله بقتال أهل الكتابين اليهود والنصارى، وكان ذلك في سنة تسع، ولهذا تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتال الروم، ودعا الناس إلى ذلك، وأظهره لهم، وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة، فندبهم، فأوعبوا معه، واجتمع من المقاتلة نحو من ثلاثين ألفاً، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة ومن حولها من المنافقين وغيرهم، وكان ذلك في عام جدب ووقت قيظ وحر، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الشام لقتال الروم، فبلغ تبوك، فنزل بها وأقام على مائها قريباً من عشرين يوماً، ثم استخار الله في الرجوع، فرجع عامه ذلك لضيق الحال وضعف الناس كما سيأتي بيانه بعد إن شاء الله تعالى. وقد استدل بهذه الآية الكريمة من يرى أنه لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، أو من أشبههم كالمجوس، لما صح فيهم الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر، وهذا مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه، وقال أبو حنيفة رحمه الله: بل تؤخذ من جميع الأعاجم، سواء كانوا من أهل الكتاب، أو من المشركين، ولا تؤخذ من العرب إلا من أهل الكتاب. وقال الإمام مالك: بل يجوز أن تضرب الجزية على جميع الكفار؛ من كتابي ومجوسي ووثني وغير ذلك. ولمأخذ هذه المذاهب وذكر أدلتها مكان غير هذا، والله أعلم. وقوله: {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ} أي: إن لم يسلموا {عَن يَدٍ} أي: عن قهر لهم وغلبة {وَهُمْ صَـٰغِرُونَ} أي ذليلون حقيرون مهانون، فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة، ولا رفعهم على المسلمين، بل هم أذلاء صغرة أشقياء؛ كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق، فاضطروه إلى أضيقه» تفسير : ولهذا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه تلك الشروط المعروفة في إذلالهم وتصغيرهم وتحقيرهم، وذلك مما رواه الأئمة الحفاظ من رواية عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: كتبت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صالح نصارى من أهل الشام: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا، إنكم لما قدمتم علينا، سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا أن لا نحدث في مدينتنا ولا فيما حولها ديراً ولا كنيسة، ولا قلاية ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب منها، ولا نحيي منها ما كان خططاً للمسلمين، وألا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل ولا نهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، وأن ننزل من مر بنا من المسلمين ثلاثة أيام نطعمهم، ولا نؤوي في كنائسنا ولا منازلنا جاسوساً، ولا نكتم غشاً للمسلمين، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا نظهر شركاً، ولا ندعو إليه أحداً، ولا نمنع أحداً من ذوي قرابتنا الدخول في الإسلام إن أرادوه، وأن نوقر المسلمين، وأن نقوم لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم؛ في قلنسوة ولا عمامة، ولا نعلين ولا فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولانكتني بكناهم، لا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئاً من السلاح، ولا نحمله معنا، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقاديم رؤوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا، وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا، وأن لا نظهر صلبنا ولا كتبنا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب نواقيسنا في كنائسنا إلا ضرباً خفيفاً، وأن لا نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا في شيء من حضرة المسلمين، ولا نخرج شعانين ولا باعوثاً، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نجاورهم بموتانا، ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين، وأن نرشد المسلمين، ولا نطلع عليهم في منازلهم. قال: فلما أتيت عمر بالكتاب، زاد فيه: ولا نضرب أحداً من المسلمين، شرطنا لكم ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا، وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطناه لكم، ووظفنا على أنفسنا، فلا ذمة لنا، وقد حل لكم منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق.
المحلي و السيوطي
تفسير : {رَّحِيمٌ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } قذر لخبث باطنهم {فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ } أي لا يدخلوا الحرم {بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا } عام تسع من الهجرة {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً } فقراً بانقطاع تجارتهم عنكم {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ } وقد أغناهم بالفتوح والجزية {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }.
الشوكاني
.تفسير : النجس مصدر لا يثنى ولا يجمع، يقال رجل نجس، وامرأة نجس، ورجلان نجس، وامرأتان نجس، ورجال نجس، ونساء نجس. ويقال: نجس ونجس بكسر الجيم وضمها. ويقال: نجْس بكسر النون وسكون الجيم وهو تخفيف من المحرك. قيل: لا تستعمل إلا إذا قيل معه رجس؛ وقيل ذلك أكثريّ لا كليّ. و{المشركون} مبتدأ، وخبره المصدر، مبالغة في وصفهم بذلك حتى كأنهم عين النجاسة، أؤ على تقدير مضاف: أي ذوو نجس؛ لأن معهم الشرك وهو بمنزلة النجس. وقال قتادة ومعمر وغيرهما: إنهم وصفوا بذلك لأنهم لا يتطهرون، ولا يغتسلون، ولا يتجنبون النجاسات. وقد استدل بالآية من قال بأن المشرك نجس الذات، كما ذهب إليه بعض الظاهرية والزيدية. وروي عن الحسن البصري، وهو محكيّ عن ابن عباس. وذهب الجمهور من السلف والخلف ومنهم أهل المذاهب الأربعة إلى أن الكافر ليس بنجس الذات؛ لأن الله سبحانه أحلّ طعامهم، وثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في ذلك من فعله، وقوله، ما يفيد عدم نجاسة ذواتهم، فأكل في آنيتهم، وشرب منها، وتوضأ فيها، وأنزلهم في مسجده. قوله: {فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ } الفاء للتفريع، فعدم قربانهم للمسجد الحرام متفرّع على نجاستهم. والمراد بالمسجد الحرام: جميع الحرم، روي ذلك عن عطاء، فيمنعون عنده من جميع الحرم، وذهب غيره من أهل العلم إلى أن المراد المسجد الحرام نفسه، فلا يمنع المشرك من دخول سائر الحرم. وقد اختلف أهل العلم في دخول المشرك غير المسجد الحرام من المساجد؛ فذهب أهل المدينة إلى منع كل مشرك عن كل مسجد. وقال الشافعي: الآية عامة في سائر المشركين خاصة في المسجد الحرام، فلا يمنعون من دخول غيره من المساجد. قال ابن العربي: وهذا جمود منه على الظاهر؛ لأن قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة، ويجاب عنه بأن هذا القياس مردود بربطه صلى الله عليه وسلم لثمامة بن أثال في مسجده، وإنزال وفد ثقيف فيه. وروي عن أبي حنيفة مثل قول الشافعي، وزاد أنه يجوز دخول الذمي سائر المساجد من غير حاجة، وقيده الشافعي بالحاجة. وقال قتادة: إنه يجوز ذلك للذميّ دون المشرك. وروى عن أبي حنيفة أيضاً أنه يجوز لهم دخول الحرم والمسجد الحرام وسائر المساجد، ونهى المشركين عن أن يقربوا المسجد الحرام هو نهي المسلمين عن أن يمكنوهم من ذلك، فهو من باب قولهم: لا أرينك هاهنا. قوله: {بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا } فيه قولان: أحدهما: أنه سنة تسع، وهي التي حج فيها أبو بكر على الموسم. الثاني: أنه سنة عشر قاله قتادة، قال ابن العربي: وهو الصحيح الذي يعطيه مقتضى اللفظ، ومن العجب أن يقال: إنه سنة تسع، وهو العام الذي وقع فيه الأذان، ولو دخل غلام رجل داره يوماً فقال له مولاه: لا تدخل هذه الدار بعد يومك، لم يكن المراد اليوم الذي دخل فيه. انتهى. ويجاب عنه بأن الذي يعطيه مقتضى اللفظ هو خلاف ما زعمه، فإن الإشارة بقوله: {بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا } إلى العام المذكور قبل اسم الإشارة وهو عام النداء، وهكذا في المثال الذي ذكره، المراد النهي عن دخولها بعد يوم الدخول الذي وقع فيه الخطاب، والأمر ظاهر لا يخفى، ولعله أراد تفسير ما بعد المضاف إلى عامهم ولا شك أنه عام عشر، وأما تفسير العام المشار إليه بهذا، فلا شك ولا ريب أنه عام تسع، وعلى هذا يحمل قول قتادة. وقد استدلّ من قال بأنه يجوز للمشركين دخول المسجد الحرام وغيره من المساجد بهذا القيد، أعني قوله: {بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا } قائلاً إن النهي مختصّ بوقت الحج والعمرة، فهم ممنوعون عن الحج والعمرة فقط، لا عن مطلق الدخول. ويجاب عنه بأن ظاهر النهي عن القربان بعد هذا العام يفيد المنع من القربان في كل وقت من الأوقات الكائنة بعده، وتخصيص بعضها بالجواز يحتاج إلى مخصص. قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } العيلة: الفقر، يقال: عال الرجل يعيل: إذا افتقر، قال الشاعر:شعر : وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل تفسير : وقرأ علقمة وغيره من أصحاب ابن مسعود «عايلة» وهو مصدر: كالقايلة والعافية والعاقبة؛ وقيل: معناه: خصلة شاقة، يقال عالني الأمر يعولني: أي شقّ عليّ واشتدّ. وحكى ابن جرير الطبري أنه يقال: عال يعول: إذا افتقر. وكان المسلمون لما منعوا المشركين من الموسم وهم كانوا يجلبون إليه الأطعمة والتجارات، قذف الشيطان في قلوبهم الخوف من الفقر، وقالوا: من أين نعيش؟ فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله. قال الضحاك: ففتح الله عليهم باب الجزية من أهل الذمة بقوله: {قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } الآية. وقال عكرمة: أغناهم بإدرار المطر والنبات وخصب الأرض، وأسلمت العرب فحملوا إلى مكة ما أغناهم الله به. وقيل: أغناهم بالفيء، وفائدة التقييد بالمشيئة: التعليم للعباد بأن يقولوا ذلك في كل ما يتكلمون به، مما له تعلق بالزمن المستقبل، ولئلا يفتروا عن الدعاء والتضرّع {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ } بأحوالكم {حَكِيمٌ } في إعطائه ومنعه، ما شاء كان ومالم يشأ لم يكن. قوله: {قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } الآية، فيه الأمر بقتال من جمع بين هذه الأوصاف. قال أبو الوفاء بن عقيل: إن قوله: {قَاتَلُواْ } أمر بالعقوبة، ثم قال: {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } فبين الذنب الذي توجبه العقوبة، ثم قال: {وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } فأكد الذنب في جانب الاعتقاد، ثم قال: {وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } فيه زيادة للذنب في مخالفة الأعمال، ثم قال: {وَلاَ يَدِينُونَ دِيِنَ ٱلْحَقّ } فيه إشارة إلى تأكيد المعصية بالانحراف والمعاندة، والأنفة عن الاستسلام، ثم قال: {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } تأكيد للحجة عليهم؛ لأنهم كانوا يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، ثم قال: {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ } فبيّن الغاية التي تمتد إليها العقوبة. انتهى. قوله: {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } بيان للموصول مع ما في حيزه وهم أهل التوراة والإنجيل. قوله: {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ } الجزية وزنها فعلة من جزى يجزي: إذا كافأ عما أسدي إليه، فكأنهم أعطوها جزاء عما منحوا من الأمن. وقيل: سميت جزية؛ لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه: أي يقضوه، وهي في الشرع: ما يعطيه المعاهد على عهده، و{عَن يَدٍ } في محل نصب على الحال. والمعنى: عن يد مواتية غير ممتنعة. وقيل: معناه: يعطونها بأيديهم غير مستنيبين فيها أحداً. وقيل: معناه: نقد غير نسيئة. وقيل: عن قهر. وقيل: معناه: عن إنعام منكم عليهم؛ لأن أخذها منهم نوع من أنواع الإنعام عليهم. وقيل: معناه: مذمومون. وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم الشافعي، وأحمد، أبو حنيفة، وأصحابه والثوري، وأبو ثور، إلى أنها لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب. وقال الأوزاعي ومالك: إن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الكفرة كائناً من كان، ويدخل في أهل الكتاب على القول الأوّل: المجوس. قال ابن المنذر: لا أعلم خلافاً في أن الجزية تؤخذ منهم. واختلف أهل العلم في مقدار الجزية. فقال عطاء: لا مقدار لها. وإنما تؤخذ على ما صولحوا عليه، وبه قال يحيى بن آدم، وأبو عبيد، وابن جرير إلا أنه قال: أقلها دينار، وأكثرها لا حدّ له. وقال الشافعي: دينار على الغنيّ والفقير من الأحرار البالغين لا ينقص منه شيء، وبه قال أبو ثور. قال الشافعي: وإن صولحوا على أكثر من دينار جاز، وإذا زادوا وطابت بذلك أنفسهم قبل منهم. وقال مالك: إنها أربعة دنانير على أهل الذهب. وأربعون درهماً على أهل الورق، الغنيّ والفقير سواء، ولو كان مجوسياً لا يزيد ولا ينقص. وقال أبو حنيفة وأصحابه، ومحمد بن الحسن، وأحمد بن حنبل: اثنا عشر، وأربعة وعشرون، وثمانية وأربعون. والكلام في الجزية مقرّر في مواطنه، والحق من هذه الأقوال قد قرّرناه في شرحنا للمنتقى وغيره من مؤلفاتنا. قوله: {وَهُمْ صَـٰغِرُونَ } في محل نصب على الحال، والصغار: الذالّ. والمعنى: إن الذميّ يعطى الجزية حال كونه صاغراً، قيل: وهو أن يأتي بها بنفسه ماشياً غير راكب، ويسلمها وهو قائم، والمتسلم قاعد. وبالجملة ينبغي للقابض للجزية أن يجعل المسلم لها حال قبضها صاغراً ذليلاً. وقد أخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، في قوله: {إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } الآية قال: إلا أن يكون عبداً أو أحداً من أهل الذمة. وقد روي مرفوعاً من وجه آخرج أخرجه ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يدخل مسجدنا هذا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمكم"تفسير : قال ابن كثير: تفرّد به أحمد مرفوعاً. والموقوف: أصح. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: كان المشركون يجيئون إلى البيت ويجيئون معهم بالطعام يتجرون به، فلما نهوا عن أن يأتوا البيت. قال المسلمون: فمن أين لنا الطعام؟ فأنزل الله {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء } قال: فأنزل الله عليهم المطر، وكثر خيرهم حين ذهب المشركون عنهم. وأخرج ابن مردويه، عنه، قال: فأغناهم الله من فضله، وأمرهم بقتال أهل الكتاب. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عكرمة، في قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً } قال: الفاقة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، في قوله: {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } قال: بالجزية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن الضحاك مثله. وأخرج نحوه عبد الرزاق عن قتادة. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن، في قوله: {إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } قال: قذر. وأخرج أبو الشيخ عنه، أيضاً قال: من صافحهم فليتوضأ. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من صافح مشركاً فليتوضأ أو ليغسل كفيه»تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبهيقي في سننه، عن مجاهد، في قوله: {قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } قال: نزلت هذه الآية حين أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بغزوة تبوك. وأخرج ابن المنذر، عن ابن شهاب، قال: نزلت في كفار قريش والعرب {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } وأنزلت في أهل الكتاب: {قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } الآية إلى قوله: {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ }، فكان أول من أعطى الجزية أهل نجران. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، في قوله: {قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } يعني: الذين لا يصدّقون بتوحيد الله {وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } يعني الخمر والحرير {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ } يعني: دين الإسلام {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ } يعني: مذللون. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {عَن يَدٍ } قال: عن قهر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان بن عيينة، في قوله: {عَن يَدٍ } قال: من يده ولا يبعث بها غيره. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي سنان في قوله: {عَن يَدٍ } قال: عن قدرة. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله: {وَهُمْ صَـٰغِرُونَ } قال: يمشون بها متلتلين. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، قال: يلكزون. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سلمان، في الآية قال: غير محمودين.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخرِ} فإن قيل: فأهل الكتاب قد آمنوا بالله واليوم الآخر فكيف قال ذلك فيهم،؟ ففيه جوابان: أحدهما: أن إقرارهم باليوم الآخر يوجب الإقرار بجميع حقوقه، فكانوا بترك الإقرار بحقوقه كمن لا يقرّ به. والثاني: أنه ذمّهم ذم من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر للكفر بنعمته، وهم في الذم بالكفر كغيرهم. {وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} فيه وجهان: أحدهما: أنه ما أمر الله سبحانه وتعالى بنسخه من شرائعهم. والثاني: ما أحله لهم وحرمه عليهم. {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِ} والحق هنا هو الله تعالى، وفي المراد بدينه في هذا الموضع وجهان: أحدهما: العمل بما في التوراة من اتباع الرسول، قاله الكلبي. والثاني: الدخول في دين الإسلام لأنه ناسخ لما سواه من الأديان، وهو قول الجمهور. {مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ} فيه وجهان: أحدهما: يعني من آباء الذين أوتوا الكتاب. الثاني: من الذين أوتوا الكتاب بين أظهرهم لأنه في اتباعه كآبائهم. {حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ} فيه تأويلان: أحدهما: حتى يضمنوا الجزية وهو قول الشافعي لأنه يرى أن الجزية تجب انقضاء الحول وتؤخذ معه. والثاني: حتى يدفعوا الجزية. وفي الجزية وجهان: أحدهما: أنها من الأسماء المجملة لا يوفق على علمها إلا بالبيان. والثاني: أنها من الأسماء العامة التي يجب إجراؤها على عمومها إلا ما خص بالدليل. ثم قال تعالى {عَن يَدٍ} وفيه أربعة تأويلات: أحدها: عن غنى وقدرة. والثاني: أنها من عطاء لا يقابله جزاء، قاله أبو عبيدة. والثالث: أن يروا أن لنا في أخذها منهم يداً عليهم بحقن دمائهم بها. والرابع: يؤدونها بأيديهم ولا ينفذونها مع رسلهم كما يفعله المتكبرون. {وَهُمْ صَاغِرُونَ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن يكونوا قياماً والآخذ لها جالساً، قاله عكرمة. والثاني: أن يمشوا بها وهم كارهون، قاله ابن عباس. والثالث: أن يكونوا أذلاء مقهورين، قاله الطبري. والرابع: أن دفعها هو الصَّغار بعينه. والخامس: أن الصغار أن تجري عليهم أحكام الإسلام، قاله الشافعي.
ابن عطية
تفسير : قال قتادة ومعمر بن راشد وغيرهما: صفة المشرك بالنجس إنما كانت لأنه جنب إذ غسله من الجنابة ليس بغسل، وقال ابن عباس وغيره: بل معنى الشرك هو الذي كنجاسة الخمر، قال الحسن البصري: من صافح مشركاً فليتوضأ. قال القاضي أبو محمد: فمن قال بسبب الجنابة أوجب الغسل على من يسلم من المشركين، ومن قال بالقول الآخر لم يوجب الغسل، والمذهب كله على القول بإيجاب الغسل إلا ابن عبد الحكم فإنه قال: ليس بواجب، وقرا أبو حيوة "نِجْس" بكسر النون وسكون الجيم، ونص الله تعالى في هذه الآية على المشركين وعلى المسجد الحرام، فقاس مالك رحمه الله غيره جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم على المشركين، وقاس سائر المساجد على المسجد الحرام، ومنع من دخول الجميع في جميع المساجد وكذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله ونزع في كتابه بهذه الآية، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {أية : في بيوت أذن الله أن ترفع} تفسير : [النور:36]، وقال الشافعي هي عامة في الكفار خاصة في المسجد الحرام، فأباح دخول اليهود والنصارى والوثنيين في سائر المساجد، ومن حجته حديث ربط ثمامة بن أثال، وقال أبو حنيفة هي خاصة في عبدة الأوثان وفي المسجد الحرام، فأباح دخول اليهود والنصارى في المسجد الحرام وغيره، ودخول عبدة الأوثان في سائر المساجد، وقال عطاء: وصف المسجد بالحرام ومنع القرب يقتضي منعهم من جميع الحرم. قال القاضي أبو محمد: وقوة قوله {فلا يقربوا} يقتضي أمر المسلمين بمنعهم، وقال جابر بن عبد الله وقتادة: لا يقرب المسجد الحرام مشرك إلا أن يكون صاحب جزية أو عبداً لمسلم، وعبدة الأوثان مشركون بإجماع، واختلف في أهل الكتاب، فمذهب عبد الله بن عمر وغيره أنهم مشركون، وقال جمهور أهل العلم ليسوا بمشركين، وفائدة هذا الخلاف تتبين في فقه مناكحهم وذبائحهم وغير ذلك، وقوله {بعد عامهم هذا } يريد بعد عام تسع من الهجر وهو عام حج أبو بكر بالناس وأذن علي بسورة براءة، وأما قوله {وإن خفتم عيلة } قال عمرو بن فائد: المعنى وإذ خفتم. قال القاضي أبو محمد: وهذه عجمة والمعنى بارع بإن، وكان المسلمون لما منع المشركون من الموسم وهم كانوا يجلبون الأطعمة والتجارات قذف الشيطان في نفوسهم الخوف من الفقر وقالوا من أين نعيش؟ فوعدهم الله بأن يغنيهم من فضله، قال الضحاك: ففتح عليهم باب أخذ الجزية من أهل الذمة، بقوله {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون} تفسير : [التوبة:29] إلى قوله {أية : وهم صاغرون} تفسير : [التوبة:29]، وقال عكرمة: أغناهم بإدرار المطر عليهم. قال القاضي أبو محمد : وأسلمت العرب فتمادى حجهم وتجرهم وأغنى الله من فضله بالجهاد والظهور على الأمم، و"العيلة" الفقر، يقال: عال الرجل يعيل عيلة إذا افتقر، قال الشاعر: [أحيحة] شعر : وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل تفسير : وقرأ علقمة وغيره من أصحاب ابن مسعود،"عايلة" وهو مصدر كالقايلة من قال يقيل، وكالعاقبة والعافية، ويحتمل أن تكون نعتاً لمحذوف تقديره حالاً عائلة، وحكى الطبري أنه يقال عال يعول إذا افتقر.
ابن عبد السلام
تفسير : {نَجَسٌ} نجاسة الأبدان كالكلب والخنزير، قاله عمر بن عبدالعزيز والحسن ـ رضي الله تعالى عنهماـ وأوجب الوضوء على من صافحهم، أو لأنهم لا يغتسلون من الجنابة فصاروا كالأنجاس، أو عبّر عن اجتنابنا لهم ومنعهم من المساجد بالنجس كما يفعل ذلك بالأنجاس، أو نجاستهم خبث ظواهرهم بالكفر وبواطنهم بالعداوة. {الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} الحرم كله. {عَامِهِمْ هَذَا} سنة تسع، أو سنة عشر، ويمنع منه الحربي والذمي عند الجمهور، أو يمنعون إلا الذمي والعبد المملوك لمسلم. {عَيْلَةً} فقراً وفاقة، أو ضيعة من يقوته من عياله. {يُغْنِيكُمُ اللَّهُ} تعالى بالمطر في النبات، أو بالجزية المأخوذة منهم، أو عام في كل ما يغني.
الثعالبي
تفسير : وقوله عز وجل: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}، قال ابن عباس وغيره: معنى الشِّرْكَ هو الذي نَجَّسهم؛ كنجاسة الخَمْر، ونصَّ اللَّه سبحانه في هذه الآية على المُشْرِكِينَ، وعلى المَسْجِد الحرام، فقاسَ مالكٌ رحمه اللَّه وغيره جَميعَ الكُفَّار من أهْلِ الكتاب وغيرهم؛ على المشركين، وقَاسَ سائرَ المساجِدِ على المَسْجِدِ الحرامِ، وَمَنَعَ مِنْ دخولِ الجميعِ في جميعِ المساجدِ، وقوَّةُ قوله سبحانه: {فَلاَ يَقْرَبُواْ} يقتضي أمْرَ المسلمين بمَنْعهم. وقوله: {بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا}، يريد: بعد عامِ تِسْعٍ من الهجرة، وهو عَامُ حَجَّ أبو بَكْرٍ بالنَّاس. وقوله سبحانه: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً}، أي: فقْراً، {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}، وكان المسلمون، لَمَّا مُنِعَ المشركون من المَوْسِم، وهم كانوا يجلبون الأطعمةَ والتجاراتِ، قَذَفَ الشيطان في نفوسهم الخَوْفَ من الفَقْر، وقالوا: مِنْ أيْنَ نعيش؟ فوعَدَهم اللَّه سبحانه بأنْ يغنيهم مِنْ فَضْله، فكان الأمر كما وعد اللَّه سبحانه، فأسلَمَتِ العربُ، فتمادَى حجُّهم وتَجْرُهم، وأغنى اللَّه من فضله بالجهادِ والظهورِ على الأُمَمِ. وقوله سبحانه: {قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ...} الآية: هذه الآيةُ تضمَّنت قتالَ أهْلَ الكتاب، قال مجاهد: وعند نزول هذه الآية أخَذَ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في غَزْوَ الرُّومِ، ومشَى نحو تَبُوكَ، ونفَى سبحانه عن أَهل الكتاب الإِيمان باللَّه واليوم الآخر؛ حيث تركوا شَرْعَ الإِسلام؛ وأَيضاً فكانَتِ ٱعتقاداتهم غيْرَ مستقيمةٍ، لأنهم تشعّبوا، وقالوا عُزَيْرٌ ٱبْنُ اللَّهِ، واللَّهُ ثالِثُ ثلاثةٍ، وغَيْرَ ذلك؛ ولهم أيضاً في البعث آراءٌ فاسدةٌ؛ كشراءِ منازِلِ الجنَّة من الرُّهْبَانِ؛ إِلى غير ذلك من الهَذَيان، {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ }، أي: لا يطيعون، ولا يمتثلون؛ ومنْه قولُ عائشة: « مَا عَقَلْتُ أَبَوَيَّ إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ »، والدِّينُ هنا: الشريعةُ، قال ابن القاسِمِ وأشْهَبُ وسَحْنُون: وتؤخذ الجزيةُ منْ مجوس العربِ والأمم كلِّها، وأما عَبَدة الأَوثان والنِّيران وغيرِ ذلك، فجمهور العلماء على قبولِ الجزيةِ منهم، وهو قولُ مالكٍ في «المدوَّنة». وقال الشافعيُّ وأبو ثور: لا تؤخذ الجزيةُ إِلا مِنَ اليهودِ والنصارَى والمجوسِ فقطْ، وأما قَدْرها في مذْهَب مالك وغيره، فأربعةُ دنَانِير عَلَى أهْلِ الذَّهَبِ، وأربعون درْهماً عَلَى أَهْل الفضَّة، وهذا في العَنْوة، وأما الصُّلْح، فهو ما صالحوا عَلَيْه، قليلٌ أو كثيرٌ. وقوله: {عَن يَدٍ} يحتمل وجوهاً: منها: أنْ يريد عن قُوَّة منكم عليهم، وقَهْرٍ، واليدُ في كلام العرب: القُوَّة. ومنها: أَنْ يريد سَوْقَ الذِّميِّ لها بِيَدِهِ، لا أنْ يبعثها معَ رَسُولٍ؛ ليكون في ذلك إِذلالٌ لهم. ومنها: أنْ يريد نَقْدَهَا ناجزاً، تقول: بِعْتُهُ يَداً بِيَدٍ، أي: لا يؤخِّروا بها. ومنها: أنْ يريد عن ٱستسلامٍ، يقال: أَلْقَى فلانٌ بيده، إِذَا عَجَز واستسلم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} الآية. اعلم أنه عليه الصَّلاة والسَّلام، لمَّا أمر عليّاً أن يقرأ على مشركي مكَّة أول سورة براءة، وينبذ إليهم عهدهم، وأنَّ الله بريء من المشركين ورسوله، قال أناس: يا أهل مكَّة ستعلمون ما تلقونه من الشِّدَّة لانقطاع السبل وفقد الحمولات؛ فنزلت هذه الآية، لرفع الشُّبهةِ، وأجاب الله تعالى عنها بقوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} أي: فَقْراً وحاجةً، {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} قال الأكثرون: لفظ المشركين يتناولُ عبدة الأوثانِ، وقال قومٌ: يتناولُ جميع الكُفَّارِ، وقد تقدم ذلك. قال الضحاكُ وأبو عبيدةَ: "نَجَسٌ" قذر. وقيل: خَبِيثٌ، وهو مصدر يستوي فيه الذكر والأنثى، والتثنية والجمع. جعلوا نفس النَّجَس، على المبالغة، أو على حذفِ مضاف. وقرأ أبو حيوة "نِجْسٌ" بكسر النُّون وسكون الجيم، وجهه أنَّه اسمُ فاعل في الأصلِ على "فَعِل" مثل: "كَتِف وكَبِد" ثم خُفِّف بسكون عَيْنه بعد إتباع فائه، ولا بُدَّ من حذف موصوف حينئذٍ قامَتْ هذه الصفةُ مقامه، أي: فريق نجس، أو جنس نجس، فإذا أفرد قيل "نَجس" بفتح النون. قال البغوي "ولا يقال على الانفراد، بكسر النُّون وسكون الجيم، إنَّما يقال "رِجْسٌ نِجْسٌ"، فإذا أفرد قيل "نَجِسٌ" بفتح النون وكسر الجيم" وقرأ ابن السَّميفع "أنْجَاس" بالجمع، وهي تحتمل أن تكون جمع قراءةِ الجمهور، أو جمع قراءةِ أبي حيوة، وأراد به نجاسة الحكم، لا نجاسة العين، سُمُّوا نجساً على الذَّم. وقال ابنُ عبَّاس وقتادةُ "سماهم نجساً؛ لأنَّهم يجنبون، فلا يغتسلون، ويحدثون فلا يتوضؤون" ونقل الزمخشري عن ابن عباسٍ" أنَّ أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير" وعن الحسنِ "مَنْ صَافحَ مشركاً توضَّأ" وهذا قول الهادي من أئمة الزَّيدية. وأمَّا الفقهاءُ: فقد اتفقوا على طهارة أبدانهم، وهذا هلاف ظاهر القرآن، فلا يرجع عنه إلا بدليل منفصلٍ، ولا يمكن ادعاء الإجماع فيه لما بينا من الخلاف. واحتج القاضي على طهارتهم بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من أوانيهم، وأيضاً لو كان نجساً، لما تبدل ذلك بالإسلام، وأجاب القائلون بالنجاسة: بأنَّ القرآن أقوى من خبر الواحد وبتقدير صحَّةِ الخبر؛ يجب أن يعتقد أن حل الشرب من إنائهم كان متقدماً على نزول هذه الآية من وجهين: الأول: أنَّ هذه السُّورة من آخر ما نزل من القرآن، وأيضاً كانت المخالطة مع الكُفَّار جائزة فحرَّمها الله تعالى، وكانت المعاهدة حاصلة معهم، فأزالها الله؛ فلا يبعد أن يقال أيضاً: الشرب من أوانيهم، كان جائزاً فحرمه اللهُ. الثاني: أنَّ الأصل حل الشرب من أي إناء كان، فلو قلنا إنه حرم بحكم الآية، ثم حل بحكم الخبرِ، فقد حصل نسخان، أما لو قلنا إنَّه كان حلالاً بحكم الأصل، والرسول شرب من آنيتهم بحكم الأصل، ثم جاء التَّحريمُ بهذه الآيةِ، لم يحصل النَّسخ إلاَّ مرة واحدة؛ فوجب أن يكون هذا أولى. وأما قولهم: لو كان الكافرُ نجس العين، لما تبدَّلت النجاسةُ بالطَّهارة بسبب الإسلام. فهذا قياس في معارضة النَّص الصَّريح، وأيضاً فالخمرةُ نجسة العين، فإذا انقلبت بنفسها خلاًّ طهرت، وأيضاً إنَّ الكافر إذا أسلم؛ وجب عليه الاغتسالُ، إزالة للنجاسةِ الحاصلة بحكم الكفر، وهذا ضعيفٌ؛ فإنَّ الأعيانَ النجسة لا تقبل التَّطهير بالغسل، إنما يطهر بالغسل ما ينجس. فصل قالت الحنفيَّةُ: أعضاءُ المحدث نجسة نجاسة حكمية، وبنوا عليه أنَّ الماء المستعمل في رفع الحدث نجس، ثم روى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنَّهُ نجس نجاسة خفيفة، وروى الحسنُ بن زيادٍ: أنَّه نجس نجاسة غليظة، وهذه الآية تدلُّ على فساد هذا القول؛ لأن كلمة "إِنَّمَا" للحصر، فاقتضى أن لا نجس إلاَّ المشرك، فالقولُ بأنَّ أعضاءَ المحدث نجسة، يخالف هذا النَّص، والعجب أن هذا النص صريح في أن المشرك نجس، وفي أنَّ المؤمن ليس بنجس، ثم إنَّ قوماً قلبوا القضية، وقالوا: المشرك طاهرٌ، والمؤمن حال كونه محدثاً نجس، وزعموا أنَّ المياه التي يستعملها المشركون في أعضائهم بقيت طاهرة مطهرة، والمياه التي يستعملها أكابرُ الأنبياء في أعضائهم نجسة نجاسة غليظة، مع مخالفة قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : المُؤمنُ لا يَنْجُسُ حيّاً، ولا ميتاً" تفسير : وأجمعوا على أنَّ إنساناً لو حمل محدثاً في صلاته لم تبطل صلاته، ولو كان يده رطبة فوصلت إلى يدِ مُحدث لم تنجس يده، ولو عرق المحدثُ ووصل العرقُ إلى ثوبه لم ينجس الثوب، والقرآن، والخبر، والإجماع، تطابقت على القول بطهارة وأعضاء المحدث، فكيف يمكن مخالفته؟ فصل قيل المرادُ بالمسجدِ الحرام: نفس المسجدِ، وقيل: جميع الحرم، وهو الأقربُ لقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} وذلك لأن موضع التجارات ليس هو عين المسجد؛ فلو كان المقصود من هذه الآية المنع من المسجد خاصة، لما خافُوا بسبب هذا المنع من العَيْلَة، وإنَّما يخافون العيلة إذا منعوا من حضور الأسواقِ والمواسم، ويؤكد هذا قوله تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [الإسراء:1] مع أنَّهم أجمعُوا على أنه إنَّما رفع الرسول من بيت أم هانىء، ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام "حديث : لا يجتمع دينان في جزيرة العربِ" تفسير : وهي من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق طولاً، ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشَّام عرضاً، واعلم أنَّ جملة بلاد الإسلام في حق الكفار ثلاثة أقسام: أحدها: الحرم، فلا يجوزُ للكافر أن يدخله بحال ذمِّيّاً كان أو مستأمناً، لظاهر هذه الآية، وإذا جاء رسول من دار الكُفرِ إلى الإمام، والإمام في الحرمِ، لا يأذن له في دخول الحرم، بل يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم، وإن دخلَ مشرك الحرم متوارياً فمرض فيه، أخرجناه مريضاً، وإن مات ودفن ولم نعلم نبشناه، وأخرجنا عظامه إذا أمكن، وجوَّز أهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم. والقسم الثاني من بلاد الإسلام: الحجازُ، فيجوز للكافر دخولها بالإذن، ولكن لا يقيم أكثر من ثلاثة أيَّامٍ، مقام السفرِ، لما روي عن عمر بن الخطابِ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لَئِنْ عِشْتُ إنْ شاءَ الله لأخرجنَّ اليهُودَ والنَّصارى من جزيرةِ العربِ، حتى لا أدعُ إلاَّ مُسْلِماً" تفسير : فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوصى فقال: "حديث : أخرجُوا المُشركينَ مِنْ جزيرةِ العرب" تفسير : فلم يتفرَّغ لذلك أبو بكر، وأجلاهم عمر في خلافته، وأحل لمن يقدم منهم تاجراً ثلاثاً. والقسم الثالث: سائر بلاد الإسلام؛ فيجوزُ للكافر أن يقيم فيها بذمَّة أو أمان، ولكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن مسلم. فصل والمراد بقوله "بَعْدَ عامهم هذا" يعني العام الذي حجَّ فيه أبو بكرٍ بالنَّاس، ونادى علي بالبراءة، وهو سنة تسع من الهجرةِ. قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً}. العيلةُ: الفقرُ، يقال: عَالَ الرَّجُل يَعِيلُ عَيْلَةً: إذا افتقر. والمعنى: إن خفتم فقراً بسبب منع الكفار: "فسَوْفَ يغنيكُم الله مِنْ فَضْلِهِ" قال مقاتل "أسلم أهلُ جدة وصنعاء وحنين، وحملوا الطعام إلى مكَّة، فكفاهم الله ما كانوا يخافون". وقال الحسنُ والضحاكُ وقتادةُ: "عوَّضهم الله عنها بالجزية" وقيل: أغناهم بالفيء. وقال عكرمة: "أنزل اللهُ عليهم المطر، وكثر خيرهم". فإن قيل: الغرضُ بهذا الخبر، إزالة الخوف بالعيلة، وقوله "إن شَاء اللهُ" يمنع من فائدة هذا المقصود. فالجوابُ من وجوه: الأول: ألاَّ يحصل الاعتماد على حصول هذا المطلوب؛ فيكون الإنسان أبداً متضرّعاً إلى الله تعالى في طلب الخيرات، وفي دفع الآفات. الثاني: أنَّ المقصود من ذكر هذا الشَّرط تعليم رعاية الأدب، كقوله: {أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [الفتح:27]. الثالث: المقصودُ: التَّنبيه على أنَّ حصول هذا المعنى لا يكون في كلِّ الأوقات، وفي جميع الأمكنة؛ لأنَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام - قال في دعائه: {أية : وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ}تفسير : [البقرة:126] وكلمة "مِنْ" للتبعيض، فقوله ههنا "إن شَاءَ اللهُ" المراد منه ذلك التبعيض. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ} بأحوالكم، "حَكِيمٌ" أي: لا يعطي ولا يمنع إلاَّ عن حكمة وصواب. قوله تعالى: {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} الآية. لمَّا بيَّن تعالى حكم المشركين في إظهار البراءة عنهم في أنفسهم، وفي وجوب مقاتلتهم، وفي تبعيدهم عن المسجد الحرام، ذكر بعده حكم أهل الكتاب، وهو أن يقاتلوا حتى يعطوا الجزية. قال مجاهدٌ "نزلت حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال الرُّوم، فغزا بعدها غزوة تبوك" وقال الكلبيُّ "نزلت في قريظة والنَّضير من اليهودِ، فصالحهم، فكانت أول جزية أصابها أهل الإسلام، وأول ذلّ أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين". فإن قيل: أهل الكتاب يؤمنون بالله واليوم الآخر، فكيف أمر بقتالهم؟. فالجوابُ: لا يؤمنون كإيمان المؤمنين؛ فإنَّهم إذا قالوا: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، لا يكون ذلك إيماناً باللهِ. قوله: {وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} أي: لا يُحرِّمُون ما حرَّم الله في القرآن، وبينه الرسول، وقال أبو زيدٍ: لا يعملون بما في التوراة والإنجيل، بل حرفوهما وأتوا بأحكام كثيرة من قبل أنفسهم. قوله {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ} أي: لا يدينون الدِّين الحق، أضاف الاسم إلى الصِّفةِ وقال قتادة: "الحَقّ" هو الله - عزَّ وجلَّ -؛ أي: لا يدينون دين الله، ودينه الإسلام. قال أبو عبيدة: معناه: لا يطيعون الله طاعة أهل الحقّ. قوله: {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} بيانٌ للموصول قبله، والمرادُ: اليهودُ والنصارى {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ} وهي الخراجُ المضروب على رقابهم، و "الجِزْيةُ": "فِعْلَة"، لبيان الهيئة، كـ "الرِّكْبَة". قال الواحديُّ: "الجزيةُ: ما يعطى المعاهد على عهده، وهي "فِعْلة" من جزى يجزي إذا قضى ما عليه". قوله: "عَن يَدٍ" حالٌ، أي: يُعْطُوها مقهورين أذِلاَّء، وكذلك: {وَهُمْ صَاغِرُونَ}. قال الزمخشريُّ "قوله: "عن يدٍ" إمَّا أن يراد به عن يد المُعْطِي، أو يد الآخذ، فإن كان المراد به المعطي ففيه وجهان: أحدهما: عن يد غير ممتنعة؛ لأنَّ مَنْ أبى وامتنع لم يعط عن يده، بخلافِ المطيع المنقاد. وثانيهما: حتى يعطوها عن يد إلى يدٍ نقداً غير نسيئة، ولا مبعوثاً على يد أحدٍ، ولكن عن يد المُعطي إلى يد الآخذ. وإن كان المرادُ به: يد الآخذ، ففيه وجهان: الأول: حتى يعطوا الجزية عن يد قاهرة مستولية للمسلمين عليهم، كما تقولُ: اليد في هذا لفلان. وثانيها: أنَّ المراد: عن إنعام عليهم؛ لأنَّ قبول الجزية منهم، وترك أرواحهم لهم نعمة عظيمة عليهم". قوله {وَهُمْ صَاغِرُونَ} أي: تؤخذ الجزية منهم على الصغار والذل والهوان، يأتي بها بنفسه ماشياً إلا راكباً، ويسلمها وهو قائم والمتسلم جالس، ويؤخذ بلحيته ويقال له أدِّ الجزية. وقال الكلبيُّ: "إذا أعْطَى يصفعُ في قفاهُ". وقيل: يكتب ويجرُّ إلى موضع الإعطاء. وقيل: إعطاؤه إيَّاها هو الصَّغار؛ وقال الشافعيُّ "الصَّغارُ: جريان أحكام الإسلام عليهم". فصل الكفار فريقان، منهم عبدة الأوثان وعبدة ما استحسنوا، فهؤلاء لا يقرَّون على دينهم بأخذ الجزية؛ ويجب قتالهم حتى يقولوا: لا إله إلاَّ الله، ويصيروا مؤمنين. والثاني: أهل الكتاب وهم اليهودُ والنصارى؛ فهؤلاء يقرون بالجزية، والمجوسُ أيضاً سبيلهم سبيل أهل الكتاب، لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : سُنُّوا بِهمْ سُنَّة أهْلِ الكِتابِ"تفسير : ، وأخذه الجزية من مجوس هَجَرَ. فصل اتَّفَقَتْ الأمةُ على جواز أخذ الجزية من أهل الكتاب، وهم اليهودُ والنصارى إذا لم يكونوا عرباً، واختلفوا في أهل الكتابِ العرب وفي غير أهل الكتاب من كفار العجم؛ فذهب الشافعيُّ إلى أنَّ الجزية على الأديان لا على الأنساب، فتؤخذُ من أهل الكتاب عرباً كانوا أو عجماً، ولا يؤخذ من أهل الأوثان بحال؛ لأنَّ النبي - عليه الصَّلاة والسَّلام - أخذها من أَكَيْدِر دُومَةَ - وهو رجل من العرب يقال: غسان -، وأخذ من أهل دومة اليمنِ وعامتهم عرب؛ وذهب مالكٌ والأوزاعي إلى أنَّها تؤخذ من جميع الكُفَّارِ. وقال أبُو حنيفة: تؤخذُ من أهل الكتابِ على العموم، وتؤخذُ من مشركي العجم، ولا تؤخذ من مشركي العربِ. وقال أبو يوسف: لا تؤخذُ من العربي كتابياً كان أو مشركاً وتؤخذ من العجمي كتابيّاً كان أو مشركاً، وأمَّا المجوس فاتفقت الصَّحابةُ على أخذ الجزية منهم؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : سُنُّوا بِهمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ ". تفسير : فصل قال القاضي: قسم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على كل محتلم ديناراً، وقسم عمر على الفقراء من أهل الذمة اثني عشر درهماً، وعلى الأوْساطِ أربعة وعشرين، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين، ولمَّا بعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن أمرهُ أن يأخذَ من كلِّ حالم ديناراً، أي: بالغ، ولم يفرِّق بين الغني والفقير والوسط، وذلك دليل على أنها لا تجب على الصبيان، وكذلك لا تجب على النساء، إنَّما تؤخذ من الأحرار البالغين العقلاء من الرجالِ. فصل تؤخذ الجزية عند أبي حنيفة في أوَّل السنة، وعند الشافعي وغيره في آخرها. وتسقط الجزية بالإسلام والموت عند أبي حنيفة وغيره لقوله عليه الصلاة والسلام "حديث : لَيْسَ عَلى المُسلمِ جزيةٌ" تفسير : وعند الشافعي - رضي الله عنه - لا تسقطُ. فصل قال بعضُ العلماءِ: هؤلاء إنَّما أقرُّوا على دينهم الباطل بأخذ الجزية حرمة لآبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل، وأيضاً فكتابهم في أيديهم، فربَّما يتفكرون فيه فيعرفون صدق محمد ونبوته، فأمهلوا لهذا المعنى. فصل طعن ابنُ الراوندي في القرآن وقال: إنه ذكر في تعظيم كفر النصارى، قوله: {أية : تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً}تفسير : [مريم:90-91] فبيَّن أنَّ إظهارهم لهذا القولِ بلغ إلى هذا الحدِّ، ثم إنَّه أخذ منهم ديناراً واحداً وأقرهم عليه، وما منعهم منه. والجواب: ليس المقصود من أخذ الجزية تقريره على الكُفرِ، بل المقصودُ حقن دمه وإمهاله مدَّة، رجاء أنه ربما وقف في هذه المدة على محاسنِ الإسلام وقوَّة دلائله؛ فينتقل من الكفر إلى الإيمان.
البقاعي
تفسير : ولما تقدم في الأمر والنواهي وبيان الحكم المرغبة والمرهبة ما لم يبق لمن عنده أدنى تمسك بالدين شيئاً من الالتفات إلى المفسدين، بين أن العلة في مدافعتهم وشديد مقاطعتهم أنهم نجس وأن المواضع - التي ظهرت فيها أنوار عظمته وجلالته وأشرقت عليها شموس نبوته ورسالته، ولمعت فيها بروق كبره وجالت صوارم نهية وأمره - مواضع القدس ومواطن الأنس، من دنا إليها من غير أهلها احترق بنارها، وبهرت بصره أشعة أنوارها، فقال مستخلصاً مما تقدم ومستنتجاً: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بألسنتهم بالإيمان وهم ممن يستقبح الكذب {إنما المشركون} أي العريقون في الشرك بدليل استمرارهم عليه. ولما كانوا متصفين به، وكانوا لا يغتسلون - ولا يغسلون - ثيابهم من النجاسة، بولغ في وصفهم بها بأن جعلوا عينها فقال: {نجس} أي وأنتم تدعون أنكم أبعد الناس عن النجس حساً ومعنى، فيجب أن يقذروا وأن يبعدوا ويحذروا كما يفعل بالشيء النجس لما اشتملوا عليه من خلال الشر واتصفوا به من خصال السوء، وأما أبدانهم فاتفق الفقهاء على طهارتها لأن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من أوانيهم ولم ينه عن مؤاكلتهم ولا أمر بالغسل منها ولو كانت نجسة ما طهرها الإسلام. ولما تسبب عن ذلك إبعادهم، قال: {فلا يقربوا} أي المشركون، وهذا نهي للمسلمين عن تمكينهم من ذلك، عبر عنه بنهيهم مبالغة فيه {المسجد الحرام} أي الذي أخرجوكم منه وأنتم أطهر الناس، واستغرق الزمان فأسقط الجار ونبههم على حسن الزمان واتساع الخير فيه بالتعبير بالعام فقال: {بعد عامهم } وحقق الأمر وأزال اللبس بقوله: {هذا} وهو آخر سنة تسع سنة الوفود مرجعه صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، فعبر بقربانه لا بإتيانه بعد التقديم إليهم بأن لا يقبل من مشرك إلا الإسلام أو القتل إشارة إلى إخراج المشركين من جزيرة العرب وانها لا يجتمع بها دينان لأنها كلها محل النبوة العربية وموطن الأسرار الإلهية، فمن كان فيها - ولو في أقصاها - فقد قارب جميع ما فيها، وتكون حينئذ بالنسبة إلى الحرم كأفنية الدور ورحاب المساجد؛ وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أبا بكر رضي الله عنه أميراً على الحج بعد رجوعه من تبوك ثم أردفه بعلي رضي الله عنه فأمره أن يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذن معنا عليّ يوم النحر في أهل منى ببراءة وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. وهذه سنة قديمة فقد أمر الله تعالى بني إسرائيل في غير موضع من التوارة بأن لا يبقوا في جميع بلاد بيت المقدس أحداً من المشركين بخلاف غيرها من البلاد التي يفتحها الله عليهم، منها ما قال المترجم في أواخر السفر الخامس: وإذا تقدمتم إلى قرية أو مدينة لتقاتلوا أهلها ادعوهم إلى الصلح، فإن قبلوه وفتحوا لكم من كان فيها من الرجال يكونوا عبيداً لكم يؤدوا إليكم الخراج، وإن لم يقبلوا الصلح وحاربوكم فحاربوهم وضيقوا عليهم فإن الله ربكم يدفعها إليكم وتظفرون بمن فيها، فإذا ظفرتم بمن فيها فاقتلوا الذكور كلهم بالسيف، كذلك اصنعوا بجميع القرى البعيدة النائية التي ليست من قرى هذه الشعوب فأما قرى هذه الشعوب التي يعطيكم الله ميراثاً فلا تبقوا من أهلها احداً ولكن اقتلوهم قتلاً كالذي أمركم الله ربكم لئلا يعلموكم النجاسة التي يعلمونها لآلهتهم،ومثل ذلك كثير فيها، وقد مضى بعده فيما ذكرته عن التوارة. والله الموفق، وجملة بلاد الإسلام في حق الكفار ثلاثة أقسام: أحدها الحرم، فلا يجوز للكافر أن يدخله بحال لظاهر هذه الآية، الثاني الحجاز وما في حكمه وهو جزيرة العرب، فيدخله الكافر بالإذن ولا يقيم أكثر من مقام السفر ثلاثة أيام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وهي من أقصى عدن أبين، وهي في الجنوب إلى أطراف الشام وهي في الشمال طولاً، ومن جدة وهي أقصى الجزيرة غرباً على شاطئ بحر الهند إلى ريف العراق وهو في المشرق عرضاً، والثالث سائر بلاد الإسلام يجوز للكافر الإقامة فيها بذمة وأمان ما شاء، ولكن لا يدخل المساجد إلا بإذن مسلم. ذكر ذلك البغوي، قال ابن الفرات في تاريخه عند غزو بخت نصر لبني إسرائيل ولأرض العرب: إنما سميت بلاع العرب جزيرة لإحاطة البحار والأنهار بها، فصارت مثل الجزيرة من جزائر البحر، وذلك أن الفرات أقبل من بلاد الروم وظهر من ناحية قنسرين ثم انحط على الجزيرة وسواد العراق حتى وقع في البحر من ناحية البصرة والأبلة وامتد البحر من ذلك الموضع مطيفاً ببلاد العرب، فأتى منه عنق على كاظمة وتعدى إلى القطيف وهجر وعمان والشجر، ومال منه عنق إلى حضرموت وناحية أبهر وعدن، واستطال ذلك العنق فطعن في تهامة اليمن ومضى إلى ساحل جدة، وأقبل النيل في غربي هذا العنق من أعلى بلاد السودان مستطيلاً معارضاً للبحر معه حتى وقع في بحر مصر والشام، ثم أقبل ذلك البحر من مصر حتى بلغ بلاد فلسطين فمر بعسقلان وسواحلها، واتى على بيروت ونفذ إلى سواحل حمص وقنسرين حتى خالط الناحية التي أقبل منها الفرات منحطاًعلى أطراف قنسرين والجزيرة إلى سواد العراق، وأقبل جبل السراة من قعرة اليمن حتى بلغ أطراف الشام فمسته العرب حجازاً لأنه حجز بين الغور ونجد فصار ما خلف ذلك الجبل في غربيه الغور وهو تهامة، وما دونه في شرقيه نجداً. انتهى. ولما كان ما والاها من أرض الشام ونحوها كله انهاراً أو جداول، جعل كأنه بحر لأنه في حكم شاطئه، ولما كان قوامهم بالمتاجر، وكان قوام المتاجر باجتماعهم في أسواقهم، وكان نفيهم من تلك الأراضي مظنة لخوف انقطاع المتاجر وانعدام الأرباح المفضي إلى الحاجة وكان قد أمر بنفيهم رعاية لأمر الدين، وكان سبحانه عالماً بأن ذلك يشق على النفوس لما ذكر من العلة ولا سيما وقد قال بعضهم لما قرأ علي رضي الله عنه آيات البراءة على اهل الموسم: يا أهل مكة! ستعلمون ما تلقونه من الشدة بانقطاع السبيل وبُعد الحمولات، وعد سبحانه - وهو الواسع العليم - بما يغني عن ذلك، لأن من ترك الدنيا لأجل الدين أوصله سبحانه إلى مطلوبه من الدنيا مع ما سعد به من أمر الدين "من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه" فقال: {وإن خفتم} أي بسبب منعهم من قربان المواطن الإلهية {عيلة} أي فقراً وحاجة {فسوف يغنيكم الله} أي هو ذو الجلال والإكرام {من فضله} وهو ذو الفضل والطول والقوة والحول. ولما كان سبحانه الملك الغني القادر القوي الذي لا يجب لأحد عليه شيء وتجب طاعته على كل شيء، نبه على ذلك بقوله: {إن شاء} ولما كان ذلك عندهم مستبعداً، علل تقريباً بقوله: {إن الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {عليم} أي بوجوه المصالح {حكيم*} أي في تدبير استجلابها وتقدير إدرارها ولقد صدق سبحانه ومن أصدق منه قيلاً فإنه أغناهم - بالمغانم التي انتثلها بأيديهم بعد نحو ثلاث سنين من إنزالها من كنوز كسرى وقيصر - غنى لم يطرق أوهامهم قط، ثم جعل ذلك سبباً لاختلاط بعض الطوائف من جميع الناس ببعض لصيرورتهم إخواناً في الدين الذي كان سبباً لأن يجتمع في سوق منى وغيره في أيام الحج كل عام من المتاجر مع الغرب والعجم ما لا يكون مثله في بقعة من الأرض، والعيلة: الفاقة والافتقار، ومادتها بهذا الترتيب تدور على الحاجة وانسداد وجوه الحلية وقد تقدم أول النساء انها - لا بقيد ترتيب - تدور تقاليبها الثمانية على الارتفاع ويلزمه الزيادة والميل، ومنه تأتي الحاجة، وبرهن على ذلك في جميع الجزئيات. ولما كان ذلك موضع تعجب يكون سبباً لأن يقال: من أين يكون ذلك الغنى؟ أجاب بقوله: {قاتلوا} أي أهل الأموال والغنى {الذين لا يؤمنون بالله} أي الذي له جميع صفات الكمال إيماناً هو على ما أخبرت به عنه رسله، ولو آمنوا هذا الإيمان ما كذبوا رسولاً من الرسل، وأيضاً فالنصارى مثلثة وبعض اليهود مثنية {ولا باليوم الآخر} أي كذلك، وأقل ذلك أنهم لا يقولون بحشر الأجساد {ولا يحرمون ما حرم الله} أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله {ورسوله} أي من الشرك وأكل الأموال بالباطل وغير ذلك وتبديل التوراة والإنجيل {ولا يدينون} أي يفعلون ويقيمون، اشتق من الدين فعلاً ثم أضافه إلى صفته إغراقاً في اتخاذه بذلك الوصف فقال: {دين الحق} أي الذي أخذت عليهم رسلهم العهود والمواثيق باتباعه، ثم بين الموصول مع صلته فقال: {من الذين} ودل على استهانته سبحانه بهم وبراءته منهم بأن بني للمفعول قوله: {أوتوا الكتاب} أي من اليهود والنصاري ومن ألحق بهم {حتى يعطوا الجزية} أي وهي ما قرر عليهم في نظر سكناهم في بلاد الإسلام آمنين، فعله من جزى يجزي. إذا قضى ما عليه {عن يد} أي قاهرة إن كانت يد الآخذ او مقهورة إن كانت يد المعطي، من قولهم: فلان أعطى بيده {وهم صاغرون*} ففي ذلك غنى لا يشبه ما كنتم فيه من قتال بعضكم لبعض لتغنم ما في يده من ذلك المال الحقير ولا ما كنتم تعدونه غنى من المتاجر التي لا يبلغ أكبرها واصغرها ما أرشدناكم إليه مع ما في ذلك العز الممكن من الإصلاح والطاعة وسترون، وعبر باليد عن السطوة التي ينشأ عنها الذل والقهر لأنها الآلة الباطشة، فالمعنى عن يد قاهرة لهم، أي عن قهر منكم لهم وسطوة بأفعالهم التي أصغرتهم عظمتها وأذلتهم شدتها، قال أبو عبيدة:يقال لكل من أعطى شيئاً كرهاً عن غير طيب نفس، أعطاه عن يد. انتهى.وعبر بـ"عن" التي هي للمجاوزة لأن الإعطاء لا يكون إلا بعد البطش المذل، هذا إذا أريد باليد يد الآخد، ويمكن أن يراد بها يد المعطي، وتكون كناية عن النفس لأن مقصود الجزية المال، واليد أعظم أسبابه، فالمعنى حتى يعطي كل واحد منهم الجزية عن نفسه.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يدخل المسجد الحرام مشرك بعد عامي هذا أبداً إلا أهل العهد وخدمكم ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه في قوله {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} إلا أن يكون عبداً أو أحداً من أهل الذمة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله {إنما المشركون نجس} أي أخباث {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} وهو العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عنه. نادى علي رضي الله عنه بالأذان، وذلك لتسع سنين من الهجرة، وحج رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام المقبل حجة الوداع لم يحج قبلها ولا بعدها منذ هاجر، فلما نفى الله تعالى المشركين عن المسجد الحرام شق ذلك على المسلمين، فأنزل الله {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله} فأغناهم الله تعالى بهذا الخراج: الجزية الجارية عليهم يأخذونها شهراً شهراً وعاماً عاماً، فليس لأحد من المشركين أن يقرب المسجد الحرام بعد عامهم ذلك إلا صاحب الجزية أو عبد رجل من المسلمين. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان المشركون يجيئون إلى البيت ويجيئون معهم بالطعام يَتَّجِرون فيه، فلما نهوا عن أن يأتوا البيت قال المسلمون: فمن أين لنا الطعام؟ فأنزل الله {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء} قال: فأنزل الله عليهم المطر وكثر خيرهم حين ذهب المشركون عنهم. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: لما نزلت {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} شق على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: من يأتينا بطعامنا وبالمتاع؟ فنزلت {وإن خفتم عيلة...} الآية. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نفى الله تعالى المشركين عن المسجد الحرام ألقى الشيطان في قلوب المؤمنين فقال: من أين تأكلون وقد نفى المشركون وانقطعت عنكم العير؟ قال الله تعالى {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء} فأمرهم بقتال أهل الكفر وأغناهم من فضله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: قال المؤمنون: قد كنا نصيب من متاجر المشركين. فوعدهم الله تعالى أن يغنيهم من فضله عوضاً لهم بأن لا يقربوا المسجد الحرام، فهذه الآية من أول براءة في القراءة وفي آخرها التأويل. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه قال: لا يدخل الحرم كله مشرك، وتلا هذه الآية. وأخرج عبد الرزاق والنحاس في ناسخه عن عطاء رضي الله عنه في قوله {فلا يقربوا المسجد الحرام} قال: يريد الحرم كله. وفي لفظ: لا يدخل الحرم كله مشرك. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {وإن خفتم عيلة} قال: الفاقة. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {فسوف يغنيكم الله من فضله} قال: أغناهم الله تعالى بالجزية الجارية. وأخرج أبو الشيخ عن الأوزاعي رضي الله عنه قال: كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أن يمنع أن يدخل اليهود والنصارى المساجد، وأتبع نهيه {إنما المشركون نجس} . وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه {إنما المشركون نجس} فمن صافحهم فليتوضأ. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من صافح مشركاً فليتوضأ، أو ليغسل كفيه ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن هشام بن عروة عن أبيه عن جده قال "حديث : استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام، فناوله يده فأبى أن يتناولها فقال: يا جبريل ما منعك أن تأخذ بيدي؟! فقال: إنك أخذت بيد يهودي فكرهت أن تمس يدي يداً قد مستها يد كافر، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأ، فناوله يده فتناولها ". تفسير : وأخرج ابن مردويه وسمويه في فوائده عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين رسول صلى الله عليه وسلم أجل فأجله مدته ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح: لا يدخل المسجد الحرام مشرك، ولا يؤدي مسلم جزية ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عمر بن العزيز قال: آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قال "حديث : قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقى بأرض العرب دينان ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج رضي الله عنه قال "بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى عند موته بأن لا يترك يهودي ولا نصراني بأرض الحجاز، وأن يمضي جيش أسامة إلى الشام، وأوصى بالقبط خيراً فإن لهم قرابة". وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه قال: اخرجوا المشركين من جزيرة العرب. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: إن آخر كلام تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال "حديث : اخرجوا اليهود من أرض الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لئن بقيت لأخرجن المشركين من جزيرة العرب، فلما ولي عمر رضي الله عنه أخرجهم ".
ابو السعود
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} وُصفوا بالمصدر مبالغةً كأنهم عينُ النجاسةِ أو هم ذوو نجسٍ لخُبث باطنِهم أو لأن معهم الشركَ الذي هو بمنزلة النجَس أو لأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاساتِ فهي ملابسةٌ لهم. عن ابن عباس رضى الله عنهما أن أعيانَهم نجِسةٌ كالكلاب والخنازير، وعن الحسن من صافح مشرِكاً توضأ، وأهلُ المذاهبِ على خلاف هذين القولين، وقرىء نِجْسٌ بكسر النون وسكون الجيم وهو تخفيف نجس ككِبْدٍ في كَبِد كأنه قيل: إنما المشركون جنسٌ نجسٌ أو ضرْبٌ نجس، وأكثرُ ما جاء تابعاً لرِجْس {فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ} تفريعٌ على نجاستهم وإنما نُهي عن القرب للمبالغة أو للمنع عن دخولِ الحرمِ، وهو مذهبُ عطاءٍ، وقيل: المرادُ به النهيُ عن الدخول مطلقاً، وقيل: المرادُ المنعُ عن الحج والعمرةِ وهو مذهبُ أبـي حنيفةَ رحمه الله تعالى ويؤيده قوله عز وجل: {بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} فإن تقيـيدَ النهي بذلك يدل على اختصاص المنهيِّ عنه بوقت من أوقات العام، أي لا يحجُّوا ولا يعتمِروا بعد حجِّ عامِهم هذا، وهو عامُ تسعةٍ من الهجرة حين أُمّر أبو بكر رضي الله عنه على الموسم ويدل عليه قولُ عليَ رضي الله عنه حين نادى ببراءة: ألا لا يحُجَّ بعد عامِنا هذا مشركٌ، ولا يُمنعون من دخول الحرمِ والمسجد الحرام وسائرِ المساجدِ عنده، وعند الشافعي يمنعون من المسجد الحرام خاصة، وعند مالك يمنعون من جميع المساجد، ونهيُ المشركين أن يقرَبوه راجعٌ إلى نهي المسلمين عن تمكينهم من ذلك، وقيل: المرادُ أن يُمنعوا من تولي المسجد الحرام والقيامِ بمصالحه ويُعزَلوا عن ذلك. {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} أي فقراً بسبب منعِهم من الحج وانقطاعِ ما كانوا يجلُبونه إليكم من الإرفاق والمكاسب، وقرىء عائلةً على أنها مصدرٌ كالعافية أو حالاً عائلة {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} من عطائه أو من تفضله بوجهٍ آخَرَ فأرسل الله تعالى السماء عليهم مدراراً أغزر بها خيرَهم وأكثر ميرَهم وأسلم أهلُ تبالةَ وجرشٍ فحمَلوا إلى مكة الطعامَ وما يُعاش به فكان ذلك أعودَ عليهم مما خافوا العَيلةَ لفواته ثم فتح عليهم البلادَ والغنائمَ وتوجه إليهم الناسُ من أقطار الأرض {إِن شَاء} أن يغنيَكم مشيئةً تابعةً للحِكمة الداعيةِ إليها وإنما قيد ذلك بها لتنقطعَ الآمالُ إلى الله تعالى ولأن الإغناءَ ليس مطرداً بحسب الأفراد والأحوال والأوقات {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ} بمصالحكم {حَكِيمٌ} فيما يُعطي ويمنع.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [الآية: 28]. قال أبو صالح: المشرك فى عمله من يحسن ظاهره لملاقاة الناس ومجاورتهم، ويظهر للخلق أحسن ما عنده، وينظر إلى نفسه بعين الرضا عنها، إنما أظهر عليها من زينة العبادات وينجس باطنه مخالفة ما أظهره وهو الرياء واتباع الشهوات وسائر المخالفات فذلك المشرك فى عبادته النجس باطنه ولا يصلح لبساط القدس إلا المقدس ظاهرًا وباطنًا سرًا وعلانية، لأن الله تعالى يقول: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} ومن كان نجسًا، فإن الأمكنة لا تطهره، وسنن الظاهر عليه لا ينظفه.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا}. فقدوا طهارة الأسرار بماءِ التوحيد؛ فبقوا في قذورات الظنون والأوهام، فَمُنِعُوا قُربانَ المساجدِ التي هي مشاهدُ القرب. وأمَّا المؤمنون فطهَّرَهم عن التدنُّس بشهود الأغيار، فطالعوا الحقَّ فَرْداً فيما يُبَيِّنهُ مِنَ الأمرِ ويُمضِيه من الحُكْم. قوله جلّ ذكره: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. تَوَقُّعُ الأرزاقِ من الأسبابِ من قضايا انغلاق باب التوحيد، فَمَنْ لم يفْرِدْ معبودَه بالقسمة بَقِيَ في فقرٍ مُسَرْمَدٍ. ويقال مَنْ أنَاخَ بعُقْوةِ كَرَم مولاه، واستمطر سحَابَ جودِه أغناه عن كل سبب، وكفاه كلَّ تَعَبٍ، وقضى له كلَّ سُؤْلٍ وأرَب، وأعطاه من غير طلب.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا انما المشركون نجس} النجس بفتحتين مصدر بمعنى النجاسة وصفوا بالمصدر مبالغة كأنهم عين النجاسة يجب الاجتناب عنهم والتبرى منهم وقطع مودتهم. قال الحدادى سمى المشرك نجسا لان الشرك يجرى مجرى القذر فى انه يجب تجنبه كما يجب تجنب النجاسات او لانهم لا يتطهرون من الجنابة والحدث ولا يجتنبون عن النجاسة الحقيقية فهم ملابسون لها غالبا فحكم عليهم بانهم نجس بمعنى ذوى نجاسة حكمية وحقيقية فى اعضائهم الظاهرة او انهم نجس بمعنى ذوى نجاسة فى باطنهم حيث تنجسوا بالشرك والاعتقاد الباطل. فعلى هذا يحتمل ان يكون نجس صفة مشبهة كحسن فيجوز ترك تقدير المضاف {فلا يقربوا المسجد الحرام} الفاء سببية اى فلا يقربوه بسبب انهم عين النجاسة فضلا عن ان يدخلوه فان نهيهم عن اقترابه للمبالغة فى نهيهم عن دخوله. قال فى التبيان اى لا يدخلوا الحرم كله وحدود الحرم من جهة المدينة على ثلاثة اميال ومن طريق العراق على سبعة اميال ومن طريق الجعرانة على تسعة اميال ومن طريق الطائف على تسعة اميال ومن طريق جدة على عشرة اميال انتهى {بعد عامهم هذا} وهو السنة التاسعة من الهجرة التى حج فيها ابو بكر رضى الله عنه اميرا وكانت حجة الوداع فى السنة العاشرة هو الظاهر الذى عليه الامام الشافعى واما على مذهب الامام الاعظم فالمراد من الآية المنع من الدخول حاجا او معتمرا فالمعنى لا يحجوا ولا يعتمروا بعد هذا العام ويدل عليه قول على رضى الله عنه حين نادى ببراءة الا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك فلا يمنع المشرك عنده من دخول الحرم والمسجد الحرام وسائر المساجد. قال فلا الاشباه فى احكام الذمى ولا يمنع من دخول المسجد جنبا بخلاف المسلم ولا يتوقف دخوله على اذن مسلم عندنا ولو كان المسجد الحرام. ثم قال فى احكام الحرم ولا يسكن فيه كافر وله الدخول فيه انتهى. يقول الفقير لعل الحكمة فى ان الجنب المسلم يمنع من دخول المسجد دون الجنب الكافر ان ما هو عليه الكافر من الشرك او الخبث القلبى والجنابة المعنوية اعظم من حدثه الصورى فلا فائدة فى منعه نعم اذا كان عليه نجاسة حقيقية يمنع لانا مأمورون بتطهير المساجد عن القاذورات ولذا قالوا بحرمة ادخال الصبيان والمجانين فى المساجد حيث غلب تنجيسهم والا فيكره كما فى الاشباه هذا فلما منعوا من قربان المسجد الحرام. قال اناس من تجار بكر بن وائل وغيرهم من المشركين بعد قراءة على هذه الآية ستعلمون يا اهل مكة اذا فعلتم هذا ما تلقون من الشدة ومن اين تأكلون اما والله لتقطعن سبلكم ولا نحمل اليكم شيئاً فوقع ذلك فى انفس اهل مكة وشق عليهم والقى الشيطان فى قلوب المسلمين الحزن وقال لهم من اين تعيشون وقد نفى المشركون وانقطعت عنكم الميرة فقال المسلمون قد كنا نصيب من تجاراتهم فالآن تنقطع عنا الاسواق والتجارات ويذهب عنا الذى كنا نصيبه فيها فانزل الله تعالى قوله {وان خفتم عيلة} اى فقرا بسبب منعهم من الحج وانقطاع ما كانوا يجلبونه اليكم من الارزاق والمكاسب {فسوف يغنيكم الله من فضله} من عطائه او من تفضله بوجه آخر وقد انجز وعده بان ارسل السماء عليكم مدرارا اكثر من خيرهم وميرهم ووفق اهل تبالة وجرش واسلموا وامتاروا لهم ثم فتح عليهم البلاد والغنائم وتوجه اليهم الناس من اقطار الارض {ان شاء} ان يغنيكم قيده بالمشيئة مع ان التقييد بها ينافى ما هو المقصود من الاية وهو ازالة خوفهم من العيلة لفوائد. الفائدة الاولى ان لا يتعلق القلب بتحقق الموعود بل يتعلق بكرم من وعد به ويتضرع اليه فى نيل جميع المهمات ودفع جميع الآفات والبليات. والثانية التنبيه على ان الاغناء الموعود ليس يجب على الله تعالى بل هو متفضل فى ذلك لا يتفضل به الا عن مشيئته وارادته. والثالثة التنبيه على ان الموعود ليس بموعود بالنسبة الى جميع الاشخاص ولا بالنسبة الى جميع الامكنة والازمان {ان الله عليم} بمصالحكم {حكيم} فيما يعطى ويمنع. قال الكاشفى [حكم كنند است بتحقيق آمال ايشان اكردرى دربندد ديكرى بكشايد] شعر : كمان مدار اكر ضايعم توبكذارى كه ضايعم نكذارد مسبب الاسباب براى من در احسان اكرتودربندى درى دكر بكشايد مفتح الابواب تفسير : -روى- عن الشيخ ابى يعقوب البصرى رضى الله عنه قال جعت مرة فى الحرم عشرة ايام فوجد ضعفا فحدثتنى نفسى ان اخرج الى الوادى لعلى اجد شيئاً ليسكن به ضعفى فخرجت فوجدت سلجمة مطروحة فاخذتها فوجدت فى قلبى منها وحشة وكأن قائلا يقول لى جعت عشرة ايام فآخرها يكون حظك سلجمة مطروحة متغيرة فرميت بها فدخلت المسجد فقعدت فاذا برجل جاء فجلس بين يدى ووضع قمطره وقال هذه لك قلت كيف خصصتنى بها فقال اعلم انا كنا فى البحر منذ عشرة ايام فاشرفت السفينة على الغرق فنذر كل واحد منا نذرا ان خلصنا الله ان يتصدق بشيء ونذرت انا ان خلصنى الله ان اتصدق بهذه على اول من يقع عليه بصرى من المجاورين وانت اول من لقيته قلت افتحها فاذا بها كعك سميذ ممصر ولوز مقشر وسكر كعاب فقبضت قبضة من ذا وقبضه من ذا وقلت رد الباقى الى صبيانك هدية منى اليهم وقد قبلتها ثم قلت فى نفسى رزقك يسير اليك مند عشرة ايام وانت تطلبه من الوادى. قال الصائب شعر : فكر آب ودانه دركنج قفس بى حاصلست زير جرخ انديشه روزى جرا باشد مرا تفسير : وفى الآية اشارة الى ان الله تعالى قد رفع قلم التكليف عن الانسان الى ان يبلغ استكمال القالب ففى تلك المدة كانت النفس وصفاتها يطفن حول كعبة القلب مستمدة من القوى العقلية والروحانية وبهذا يظفرن بمشتهايتهن من الدنيا ونعيمها حتى صار تعبد الدنيا دأبهن والاشراك بالله طبعهن وبذلك تكامل القالب واستوت اوصاف البشرية الحيوانية عند ظهور الشهوة بالبلوغ ثم اجرى الله عليهم قلم التكليف ونهى القلب عن اتباع النفوس وامره بقتالها ونهاها عن تطوافها لئلا تنجس كعبة القلب بنجاسة شرك النفس والاوصاف الذميمة فلما منعت النفس عن تطوافها بحوالى القلب خاف القلب من فوات حظوظه من الشهوات بتبعية النفس فاغناه الله عن تلك الحظوظ بما يفتح عليه من فضل مواهبه من الواردات الربانية والشواهد والكشوف الرحمانية وفى قوله {ان شاء} اشارة الى ما ان عند الله لا ينال الا بمشيئة الله كذا فى التأويلات النجمية: قال الحافظ شعر : سكندررا نمى بخشند آبى بزورو زر ميسر نيست اين كار
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نَجَس} أي: عين الخبث، مبالغة في خبثهم، إما لخبث باطنهم بالكفر، أو لأنهم لا يتطهرون من النجاسات، ولا يتوقون منها، فهم ملابسون لها غالباً. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أن أعيانهم نجسة كالكلاب. قاله البيضاوي. {فلا يقربوا المسجدَ الحرام}، وهو نص على منع المشركين ـ وهم عبدة الأوثان ـ من المسجد الحرام، وهو مجمع عليه، وقاس مالك على المشركين جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، وقاس على المسجد الحرام سائر المساجد، ومنع جميع الكفار من جميع المساجد. وجعلها الشافعي عامة في الكفار، خاصةً بالمسجد الحرام، فمنع جميع الكفار من دخول المسجد الحرام خاصة، وأباح دخول غيره، وقصرها أبو حنيفة على موضع النهي، فمنع المشركين خاصة من دخول المسجد الحرام وأباح لهم دخول سائر المساجد، وأباح دخول أهل الكتاب في المسجد الحرام وغيره. قاله ابن جزي. قوله تعالى: {بعدَ عامهم هذا} يعني: سنة تسع من الهجرة، حين حج أبو بكر بالناس، وقرأ عليٌّ رضي الله عنه عليهم سورة براءة. {وإن خِفْتُمْ عَيلةً} أي: فقرأ بسبب منع المشركين من الحرم، وكانوا يجلبون لها الطعام، فخاف الناس قلة القوت منها، إذا انقطع المشركون عنهم، فوعدهم الله بالغنى بقوله: {فسوف يغْنيِكُم الله من فضله}؛ من عطائه وتفضله بوجه آخر. وقد أنجز وعده بأن أرسل السماء عليهم مدراراً، وأسلمت العرب كلها، وتمادى جلب الطعام إلى مكّة، ثم فتح عليهم البلاد، وجلبت لهم الغنائم، وتوجه الناس إليهم من أقطار الأرض، وما زال كذلك إلى الآن. وقيده بالمشيئة؛ لتنقطع الآمال إلى الله، ولينبه على أنه متفضل في ذلك وإن الغنى الموعود يكون لبعض دون بعض، وفي عام دون عام، {إن الله عليمٌ} بأحوالكم، {حكيم} فيما يعطي ويمنع. الإشارة: بيوت الحضرة ـ وهي القلوب المقدسة ـ لا ينبغي أن يدخلها شيء من شرك الأسباب، أو الوقوف مع رفق الأصحاب، أو الركون إلى معلوم حتى يفرد التعلق بالحي القيوم، ولا ينبغي أيضاَ أن يدخلها شيء من نجاسة حس الدنيا وأكدارها وأغيارها، فيجب على أربابها الفرار من مواطن الكدر، والعزلة عن أربابها؛ لئلا يدخل فيها شيء من نجاستها، فتموت بعد حياتها، وكان عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقول لأصحابه: (لا تجالسوا الموتى فتموت قلوبكم، قالوا: من الموتى يا روح الله؟ قال: المحبون للدنيا الراغبون فيها). فإن خفتم علية؛ بالفرار منهم واعتزال نجاستهم، فسوف يغنيكم الله من فضْلِ غَيْبه إن شاء في الوقت الذي يشاء، إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. والله تعالى أعلم قال القشيري: {إنما المشركون نجس} أي: لأنهم فقدوا طهارة الأسرار، فبقوا في مزابل الظنون والأوهام، فَمُنِعُوا قُربانَ المساجد التي هي مساجدُ القرب، وأما المؤمنون فطهَّرهم عن التدنُّس بشهود الأغيار، فطالعوا الحقَّ فرْدوا فيما ينشيه من الأمر ويُمضيه من الحُكم. هـ. ثم أمر بجهاد أهل الكتاب، فقال: {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين يخبرهم فيه أن المشركين انجاس ويأمرهم ان يمنعوا المشركين من أن يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا أي الذي أشار اليه، وهي سنة تسع من الهجرة التي نبذ فيها براءة المشركين. وكانت بعده حجة الوداع - وهو قول قتادة وغيره من المفسرين - والمراد بالمسجد الحرام الحرم كله - في قول عطاء وغيره - وكل شيء مستقذر في اللغة يسمى نجساً، فاذا استعمل مفرد قيل: نجس - بفتح النون والجيم معاً - ويقع على الذكر والانثى سواء. وظاهر الآية يقتضي أن الكفار أنجاس، ولا يجوز مع ذلك أن يمكنوا من دخول شيء من المساجد، لأن شركهم أجري مجرى القذر الذي يجب تجنبه، وعلى هذا من باشر يد كافر، وجب عليه ان يغسل يده إذا كانت يده او يد المشرك رطبة. وإن كانت ايديهما يابستين مسحها بالحائط. وقال الحسن: من صافح مشركاً فليتوضأ، ولم يفصل. واختلفوا في هل يجوز دخولهم المسجد الحرام بعد تلك السنة أم لا؟. فروي عن جابر ابن عبد الله، وقتادة أنه لايدخله احد إلا أن يكون عبداً او أحداً من اهل الذمة. وقال عمر بن عبد العزيز: لا يجوز لهم دخول المسجد الحرام، ولا يدخل احد من اليهود والنصارى شيئاً من المساجد بحال. وهذا هو الذي نذهب اليه. وقال الطبري وقتادة: سموا انجاساً، لأنهم لا يغتسلون من جنابة. وقوله {وإن خفتم عيلة} فالعيلة الفقر، تقول: عال يعيل إذا افتقر قال الشاعر: شعر : وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل تفسير : وكانوا خافوا انقطاع المتاجر بمنع المشركين، فقال الله تعالى {وإن خفتم عيلة} يعني فقراً بانقطاعهم، فالله يغنيكم من فضله إن شاء - في قول قتادة ومجاهد - وإنما علقه بالمشيئة لأحد أمرين: أحدهما - لان منهم من لا يبلغ هذا المعنى الموعود به، لأنه يجوز ان يموت قبله - في قول ابي علي - والثاني - لتنقطع الآمال إلى الله تعالى، كما قال {أية : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين }. تفسير : وقوله {إن الله عليم حكيم} معناه عالم بمصالحكم حكيم في منع المشركين من دخول المسجد الحرام.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} ابداء حكمٍ آخر {فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} بسبب قلّة تجارتكم لمنع المشركين عن التردّد الى بلدتكم فثقوا بالله وارجوا فضله {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ} التّعليق على المشيّة لقطع الاغترار بالوعد ولانّه لم يكن لكلّهم وقد انجز وعده بعد اجلاء المشركين بتبسّط اهل المدنية ومكّة على سائر البلاد وبعد ذلك بتوجّه اهل الشّرق والغرب اليها {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ} بعواقب اوامره ونواهيه {حَكِيمٌ} لا يأمر ولا ينهى الا لمصلحةٍ وحكمةٍ.
الأعقم
تفسير : {يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس}، قيل: أراد كفار المشركين وأهل الكتاب، وإنما سماهم نجساً لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، ولأنهم لا يتطهرون ولا يغسلون ولا يتجنبون النجاسات، وعن ابن عباس: أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير، وعن الحسن: من صافح مشركاً توضأ {فلا يقربوا المسجد الحرام} فلا يحجوا ولا يعتمروا كما كانوا يفعلون في الجاهلية {بعد عامهم هذا} وهو عام تسع من الهجرة، ويدل عليه قول علي (عليه السلام) حين نادى ببراءة: "ألا لا يحج بعد عامنا مشرك" وعن عطا: إن المراد المسجد الحرام خاصة، وعن عطا: يمنعون منه ومن غيره من المساجد {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله}، قيل: لما منع المشركين من الحرم شق ذلك على المسلمين وخافوا انقطاع المتاجر فأنزل الله هذه الآية، وعن ابن عباس: لما منعوا من الحرم ألقى الشيطان في قلوب المؤمنين من الحزن وقالوا: من أين نأكل وقد انقضت الميرة عنَّا، فأنزل الله تعالى هذه الآية {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} الآية نزلت حين أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بغزوة الروم فغزوا بعد نزولها غزوة تبوك، وقيل: نزلت في بني قريظة والنضير وأصحابهم من اليهود، وكانت أول جزية أصابها أهل الإِسلام، وأول ذل أصابه أهل الكتاب، وقيل: هو عام {ولا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله} يعني ما حرم في شريعة الاسلام، وقيل: أراد الأشياء التي حرفوها في التوراة وأخذهم الرشا، قوله تعالى: {ولا يدينون دين الحق} يعني ولا يعتقدون دين الاسلام الذي هو الحق وما سواه باطل {حتى يعطوا الجزية} يعني الخراج عن رقابهم {عن يد وهم صاغرون} إلى يد من يدفعونه اليه بأن يكون يد المسلم فوق أيديهم لأن قبول الجزية منهم وترك أرواحهم لهم نعمة عظيمة عليهم، وهم صاغرون أي يؤخذ على الصغار والذل وهو أن يأتي بها بنفسه ماشياً غير راكب ويسلمها وهو قائم والمتسلم جالس {وقالت اليهود عزير ابن الله} الآية نزلت في سلام بن مشكم والنعمان ومالك بن الصيف، وغيرهم من اليهود قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): كيف نتبعك وأنت تركت ملتنا ولا تزعم أن عزير ابن الله؟ عن ابن عباس {ذلك قولهم بأفواههم} لأنه لا حقيقة له {يضاهئون قول الذين كفروا} يعني يشابهون، وقيل: يوافقون قول الذين كفروا عبدة الأوثان {قاتلهم الله} لعنهم الله وقيل: قتلهم الله {أنَّى يؤفكون}، قيل: كيف يصرفون عن الحق إلى الافك والكذب، وقيل: كيف يصرفون عن الحق إلى الافك والضلال {اتخذوا أحبارهم} علماؤهم {ورهبانهم} قراهم، وقيل: الأحبار علماء اليهود والرهبان علماء النصارى {أرباباً من دون الله} قيل سادة، وقيل: لقبولهم منهم التحليل والتحريم كما يطاع الأرباب في أوامرهم خلاف ما أمر الله به {وما أمروا إلاَّ ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلاَّ هو} فهو مستحق العبادة {سبحانه عما يشركون} {يريدون}، قيل: الكفار في طلبهم {أن يطفئوا نور الله}، قيل: يعني دين الله وهو الاسلام والقرآن، وقيل: أراد به اليهود النصارى وإطفاؤه، قولهم: هذا سحر مبين مثل حالهم في طلبهم أن يبطلوا نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتكذيب بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم {ويأبى الله إلاَّ أن يتمَّ نوره} ليظهر الرسول على الدين كله على أهل الأديان كلهم، أو ليظهر دين الحق على كل دين.
الهواري
تفسير : قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ} قال بعضهم: الأنجاس: الأخباث. وقال بعضهم: الأقذار. {فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} يعني العام الذي حج فيه أبو بكر ونادى فيه علي بالأذان. وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. قوله: { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} وهي الفاقة { فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِّن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. كانوا يصيبون في مواشيهم في أسواقهم. فلما أمر الله أن يُنفى المشركون عن المسجد الحرام إذا انقضى الأجل الذي بقي من عهدهم فلا يقربوا المسجد الحرام بعد ذلك العام، قال: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} لما كانوا يصيبون من أسواقهم في المواشي {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.
اطفيش
تفسير : {يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا إنما المشْرِكُون} أراد عبدة الأصنام، وغالب آيات القرآن يكون المشركون فيه غير أهل الكتاب كقوله: {أية : ولا تنكحوا المشركات} تفسير : وقوله: {أية : والذين أشركوا} تفسير : وقيل: أراد أصناف الكفار مطلقا عبدة الأصنام، واليهود والنصارى والصابئين والمجوس، وقول بعض المتأخرين من أصحابنا: المراد فى الآية عبدة الأوثان فقط، وإلا لم يصح لأصحابنا الأختلاف فى أهل الكتاب، لا يشكل لحمل أصحابنا النجاسة فى الآية على نجاسة العين، لأنه المتبادر. {نَجَسٌ} قال أصحابنا جميعا: المراد بالمشركين فى الآية عبدة الأوثان، وبنجاستهم نجاسة أعيانهم، لكن لا يتنجس مالقيها إلا إن كانت مبلولة، أو كان مبلولا، وكذا قالوا فى المجوس، وكذلك قال ابن عباس فى عبدة الأوثان: إن نجاستهم لأعيانهم من حيث الشرك، بل قال الحسن بن صالح، والحسن البصرى: من مس مشركا أو صافحه فليتوضأ، ولو كانا يابسين، وبه قالت الزيدية من الشيعة. وقيل: المراد بنجاستهم خبث باطنهم بالشرك وسائر الاعتقادات الفاسدة، وأكثر قومنا على طهارة أبدان المشركين، بل قيل: اتفقوا عليها، وقيل: المراد ذمهم وتنقيصهم، وقيل: إن الخلاف فى المذهب أيضا، ويحتمل أن يكون المراد أنه يجب أن يجتنب عنهم كما يجتنب عن الأنجاس، أو أنهم لا يتطهرون ولا يتجنبون عن النجاسة غالبا، قال القاضى: وفيه دليل على أن ما الغالب نجاسة نجس، قال قتادة، ومعمر بن رشد: سموا نجسا لأنهم يجنبون ولا يغتسلون، وإن اغتسلوا لم يجزهم، وعن قتادة: يجنبون فلا يغتسلون، ويحدثون فلا يتوضئون. وأما أهل الكتاب فقال بعض أصحابنا بطهارة أبدانهم، وبللهم بلا كراهة، وقيل: بالطهارة مع الكراهة، وقيل: بالنجاسة، وذكروا ذلك على الإطلاق، ولم يقيدوا الخلاف بمن ليس محاربا منهم وهو ظاهر قول القواعد: أن المشرك عند أصحابنا نوعان: كتابى وسواه، وأن الكتابى فيه اختلاف حيث أدار الكلام على الكتاب، فقسم المشرك إلى كتابى وغيره، ولو كان الكتابى المحارب حكمه غير حكم الكتابى الذى ليس محاربا لقسمه إلى ثلاثة أقسام، وذا أصحابنا المشارقة تذكر الخلاف فى الكتابى مطلقا. واحتج من قال بالطهارة بقوله تعالى: {أية : وطعام الذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم} تفسير : والطعام عام وقال غير واحد: المراد به الذبائح وهو قول ابن محبوب ويتوضأ عمر من جرة نصرانية، ويأكل النبى صلى الله عليه وسلم وصحابته من اللحم الذى أهدته اليهودية. واحتج من قال بالنجاسة بأن النبى صلى الله عليه وسلم أمر أن تغسل آنية أهل الكتاب إذا احتج إليها، ولا حجة فى ذلك لاحتمال أنه أمر بغسلها، لأنهم يتناولون الأنجاس والمحرمات فيها، وقيد الشيخ يحيى توفيق الخلاف باكتابى غير المحارب، وأما المحارب فنجس. واختلفوا فى ذبيحة المحارب منهم، والراجح تحريمها عندهم، وذكر بعض المشارقة فى كتابى غسل يده أنه قيل: طاهرة ما لم تعرق، وقيل: ما لم تنشف، وقال مالك: كل حى طاهر ولو كان عابد صنم أو كلبا أو خنزيرا، واختلف فى مشرك أو كتابى أو مجوسى أسلم فقيل: يجب عليه الغسل وقيل: لا، واختلف فى المرتد إذا رجع إلى الإسلام، وفى التاج: إن ارتد فى نفسه فعليه الغسل والوضوء، وقيل: الوضوء، ومن تكلم بما يشرك به ولم يرد به ردة، ومن حاله إذا علم بخطئه تاب فلا بأس عليه فى زوجته، ولا غسل قيل عليه، وقيل: حرمت عليه فى حينه إن كان ذاكرا لما كان منه، وإن كان منه خطأ ثم نسيه وتاب فى الجملة ولم يدن بذلك ولم يتعمده فقولان انتهى. ومذهبنا ومذهب المالكية غير ابن عبد الحكم منهم: وجوب الغسل على من أسلم من الشرك أو من الارتداد، والإخبار بالنجس وهو مصدر أو مراد به عين الخبيث كالعذرة، إنما هو مبالغة، وقرأ أبو حيوة: نجس بكسر النون وإسكان الجيم تخفيفا من مفتوح النون المكسور الجيم بالنقل، وهو وصف، أى جنس نجس، وأكثر ما جاء نجس بكسر فإسكان تابعا لرجس، هذا ما يتحصل من كلام جار الله والقاضى. وقال ابن هشام، فى القاعدة الثانية من الباب الثامن ما معناه: إن من إعطاء الشىء حكم مجاورة قولهم: هو رجس نجس بكسر النون وسكون الجيم، والأصل نجس بفتحة فكسرة، وحينئذ فيكون محل الاستشهاد إنما هو الالتزام للتناسب، وأما إذا لم يلتزم فهذا جائز بدون تقدم رجس، إذ يقال فعل بكسرة فسكون فى كل فعل بفتحة فكسرة نحو: كتف ولبن ونبق انتهى. {فَلا يقْربُوا المسْجدَ الحَرامَ} وأما سائر المساجد، وسائر المشركين من أهل الكتاب والمجوس والصابئين فحكمها مأخوذ من قوله تعالى: {أية : ما كان للمشركين} تفسير : الخ، أو مقيس على حكم المسجد الحرام وعبدة الأصنام كما فعل مالك بن أنس، فإن المذهب عندنا أنه لا يدخل المشرك غير الكتابى، ولا المشرك الكتابى المسجد الحرام ولا غيره من المساجد، ولا مواضع الصلاة والمجالس ينهى عن ذلك، وإن لم ينته ضرب، ولا ينهى عن قراءة القرآن، ودراسة الكتب، وقيل: ينهى. وفى السؤالات: وإن دعا مشرك إلى الجملة التى يدعو إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر بها أو كتبها أو صوَّبها فإنه يجر على التوحيد، وأما إن نهى عنها أو حكاها أو خطأها أو هجَّاها بتشديد الجيم فلا يجبر، فإذا بلغ فى الجملة إلى ما أنكر أو يستقبل القبلة، أو أقام الصلاة أو أذن فإنه يجبر على التوحيد انتهى. والظاهر أنه أراد باستقبالها الصلاة أو دعاء أو عبادة، وقال الشافعى: الآية عامة فى الكفار، خاصة فى المسجد الحرام، وأباح دخول عبدة الأوثان وغيرهم من المشركين فى سائر المساجد، واحتج بربط ثمامة بن وثاب وقدر مر، وقال أبو حنيفة: خاصة فى عبدة الأوثان وفى المسجد الحرام، فأباح دخول المشرك غير الوثنى فى المسجد الحرام، ودخول الوثنى فى سائر المساجد. وقال جابر بن عبد الله، لا يقرب المسجد الحرام مشرك إلا أن يكون صاحب جزية، أو عبدا لمسلم، وإنما نهى عن الاقتراب للمسجد الحرام، مع أن المراد النهى عن دخوله مبالغة، وقيل: المراد بالنهى عن دخول الحرم، وإليه يميل عطاء، وقيل: المراد النهى عن الحج والعمرة، لا عن الدخول مطلقا وهو رواية عن أبى حنيفة، وروى عنه أنه يجوز للمعاهد دخول الحرم، وهو قول أهل الكوفة، وعن مالك، والشافعى، وأحمد: لا يدخل الحرم ذمى، ولا مستأمن، ولا غيرهما، فإن جاء رسول من دار الكفر خرج إليه الإمام من الحرم، أو أرسل إليه من يسمع رسالته، وأجاز بعضهم للمشرك مطلقا أن يدخل سائر المساجد بإذن مسلم، ويجوز دخول المشرك الحجاز، ولكن لا يقيم فيها أكثر من مقام المسافر وهو ثلاثة أيام. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فلا أترك فيها إلا مسلما" تفسير : وأوصى بإخراجهم، وأراده أبو بكر ولم يتفرغ له، وأخرجهم عمر منها، وهى من جدة إلى أطراف الشام، ومن أقصى عدن إلى ريف العراق، وقيل: ما أحاط به بحر الهند، وبحر الشام، ودجلة، والفرات، وقيل: ما بين جفر أبى موسى إلى اليمن طولا، وما بين رمل بئرين إلى منقطع السماوة عرضا وقيل: المدينة، ومكة، والحجاز، والطائف، وهو قول مالك، وقيل: كلما ملكه العرب ما بلغه التوحيد، لأن النبى صلى الله عليه وسلم عربى، ذكر ذلك الخلاف فى أواخر السؤالات الحجاز: مكة، والمدينة، والطائف، ومخالفيها لأنها حجزت بين نجد وتهامة، أو بين نجد والسراة، أو لأنها احتجزت بالحرار الخمس: حرة بنى سليم، وواقم، وليلى، وشوران، والنار، وقيل: نصف المدينة حجازى، ونصفها تهامى، وقيل: المعنى لا يتولوا شيئا من مصالح المسجد الحرام، ولا يقوموا به. واعلم أن مذهبنا أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لقوله سبحانه: {أية : ما سَلَككم فى سقر * قالوا} تفسير : الخ ونحوه، ولا دليل فى هذه الآية على ذلك عندى، لأنها ولو كانت بظاهرها نهيا للكفار عن مقاربة المسجد الحرام، لكن المراد بها نهى المسلمين عن أن يتركوهم، والمقاربة كقولك: لا يكن فى المسجد ريح الثوم، بمعنى لا تأتوا المسجد بريحه، ثم رأيت جار الله أشار إليه والحمد لله، وقال القاضى: إن الآية تدل على خطابهم بالفروع. {بَعْد عَامِهِم هذا} عام حَجَّ أبو بكر وهو التاسع، وهو الذى لحقه فيه علىّ بالبراءة إلى المشركين، وقيل: عام حجة الوداع، وبالأول قال أبو حنيفة وأصحابه، وقد نادى على يومئذ: ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك، ولكنهم فسروا لا يقربوا المسجد الحرام، بلا يحجوا ولا يعتمروا، قال جار الله: لا يمنعون من دخول الحرم عندهم، والمسجد الحرام وسائر المساجد. {وإنْ خِفْتم عَيْلةً} فقرا، وقرأ علقمة وغيره من أصحاب ابن مسعود: عائلة، وهو مصدر كالعافية والعاقبة، أو اسم فاعل نعت لمحذوف، أى وإن خفتم حالا عائلة {فَسوفَ يُغْنيكُم اللهُ منْ فَضْله} من عطائه أو من تفضله. روى أن الشيطان وسوس أهل مكة لما منع المشركون من دخول الحرم، إنكم تموتون جوعا، وذلك أنه كان المشركون يجلبون الطعام إلى مكة للتجارة، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية وأنجز الله وعده بأن أرسل عليهم السماء مدرارا، فكثر خيرهم، وأسلم أهل جدة وصنعاء وجرشاء من اليمن، جلبوا إلى مكة، وفتح عليهم البلاد، وكثرت الغنائم والجزية، وتوجه الناس مسلمين من النواحى إلى مكة بالطعام، وذلك ونحوه داخل فى قوله: {يغنيكم الله من فضله} وقال عكرمة أغناهم بالمطر، وقال مقاتل: بالميرة من مسلمى جدة وصنعاء وجرشاء، وقال قتادة، والضحاك، وابن عباس: بالجزية، وعنه أمرهم بقتال أهل الكتاب، وأغناهم بالجزية، وقيل: بفتح البلاد والغنائم. {إنْ شَاءَ} قيد بالمشيئة لينبه على أنه متفضل فى ذلك، ولا واجب على الله تعالى، وليقطع العبد أمله من غير الله، ويديم التضرع إلى الله، ولينبه على أنه يعطى بحسب المشيئة، فيعطى من شاء، بقدر ما شاء، فى أى وقت شاء، وقيل ذلك تعليم للأدب إذا وعدنا بشىء قلنا: إن شاء الله، وقيل: المعنى إن أوجبت الحكمة أغناكم، وكان مصلحة فى دينكم. {إنَّ اللهَ عَليمٌ} بالأحوال والمصالح كلها {حَكيمٌ} فى الإعطاء والمنع وغيرهما.
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} أخبر عنهم بالمصدر للمبالغة كأنهم عين النجاسة، أو المراد ذوو نجس لخبث بواطنهم وفساد عقائدهم أو لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس أو لأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات فهي ملابسة لهم، وجوز أن يكون {نَجَسٌ} صفة مشبهة وإليه ذهب الجوهري، ولا بد حينئذٍ من تقدير موصوف مفرد لفظاً مجموع معنى ليصح الإخبار به عن الجمع أي جنس نجس ونحوه، وتخريج الآية على أحد الأوجه المذكورة هو الذي يقتضيه كلام أكثر الفقهاء حيث ذهبوا إلى أن أعيان المشركين طاهرة ولا فرق بين عبدة الأصنام وغيرهم من أصناف الكفار في ذلك. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من صافح مشركاً فليتوضأ أو ليغسل كفيه». تفسير : وأخرج ابن مردويه عن هشام بن عروة عن أبيه عن جده قال: «حديث : استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام فناوله يده فأبـى أن يتناولها فقال: يا جبريل ما منعك أن تأخذ بيدي؟ فقال: إنك أخذت بيد يهودي فكرهت أن تمس يدي يداً قد مستها يد كافر فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأ فناوله يده فتناولها»تفسير : وإلى ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مال الإمام الرازي وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية ولا يعدل عنه إلا بدليل منفصل. قيل: وعلى ذلك فلا يحل الشرب من أوانيهم ولا مؤاكلتهم ولا لبس ثيابهم لكن صح عن النبـي صلى الله عليه وسلم والسلف خلافه، واحتمال كونه قبل نزول الآية فهو منسوخ بعيد، والاحتياط لا يخفى. والاستدلال على طهارتهم بأن أعيانهم لو كانت نجسة ما أمكن بالإيمان طهارتها إذ لا يعقل كون الإيمان مطهراً، ألا ترى أن الخنزير لو قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله لا يطهر، وإنما يطهر نجس العين بالاستحالة على قول من يرى ذلك وعين الكافر لم تستحل بالإيمان عيناً أخرى ليس بشيء وإن ظنه من تهوله القعقعة شيئاً، لأن الطهارة والنجاسة أمران تابعان لما يفهم من كلام الشارع عليه الصلاة والسلام وليستا مربوطتين بالاستحالة وعدمها فإذا فهم منه نجاسة شيء في وقت وطهارته في وقت آخر أو ما بالعكس كما في الخمر اتبع وإن لم يكن هناك استحالة وذلك ظاهر. وقرأ ابن السميقع {أنجاس} على صيغة الجمع. وقرأ أبو حيوة {نجس} بكسر النون وسكون الجيم وهو تخفيف نجس ككبد في كبد، ويقدر حينئذٍ موصوف كما قررناه آنفاً فيما قاله الجوهري، وأكثر ما جاء هذا اللفظ تابعاً لرجس، وقول الفراء وتبعه الحريري في «درته» إنه لا يجوز ذلك بغير اتباع ترده هذه القراءة إذ لا اتباع فيها. {فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ} تفريع على نجاستهم والمراد النهي عن الدخول إلا أنه نهي عن القرب للمبالغة. وأخرج عبد الرزاق والنحاس عن / عطاء أنهم نهوا عن دخول الحرم كله فيكون المنع من قرب نفس المسجد على ظاهره، وبالظاهر أخذ أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه إذ صرف المنع عن دخول الحرم إلى المنع من الحج والعمرة، ويؤيده قوله تعالى: {بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} فإن تقييد النهي بذلك يدل على اختصاص المنهي عنه بوقت من أوقات العام أي لا يحجوا ولا يعتمروا بعد حج عامهم هذا وهو عام تسعة من الهجرة حين أُمِّرَ أبو بكر رضي الله تعالى عنه على الموسم ويدل عليه نداء علي كرم الله تعالى وجهه يوم نادى ببراءة ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك وكذا قوله سبحانه: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} أي فقراً بسبب منعهم لما أنهم كانوا يأتون في الموسم بالمتاجر فإنه إنما يكون إذا منعوا من دخول الحرم كما لا يخفى. والحاصل أن الإمام الأعظم يقول بالمنع عن الحج والعمرة ويحمل النهي عليه ولا يمنعون من دخول المسجد الحرام وسائر المساجد عنده، ومذهب الشافعي وأحمد ومالك رضي الله تعالى عنهم ـ كما قال الخازن ـ أنه لا يجوز للكافر ذمياً كان أو مستأمناً أن يدخل المسجد الحرام بحال من الأحوال فلو جاء رسول من دار الكفر والإمام فيه لم يأذن له في دخوله بل يخرج إليه بنفسه أو يبعث إليه من يسمع رسالته خارجه، ويجوز دخوله سائر المساجد عند الشافعي عليه الرحمة، وعن مالك كل المساجد سواء في منع الكافر عن دخولها وزعم بعضهم أن المنع في الآية إنما هو عن تولي المسجد الحرام والقيام بمصالحه وهو خلاف الظاهر جداً والظاهر النهي على ما علمت، وكون العلة فيه نجاستهم إن لم نقل بأنها ذاتية لا يقتضي جواز الفعل ممن اغتسل ولبس ثياباً طاهرة لأن خصوص العلة لا يخصص الحكم كما في الاستبراء، والكلام على حد ـ لا أرينك هنا ـ فهو كناية عن نهي المؤمنين عن تمكينهم مما ذكر بدليل أن ما قبل وما بعد خطاب للمؤمنين، ومن حمله على ظاهره استدل به على أن الكفار مخاطبون بالفروع حيث إنهم نهوا فيه والنهي من الأحكام وكونهم لا ينزجرون به لا يضر بعد معرفة معنى مخاطبتهم بها. يروى أنه لما جاء النهي شق ذلك على المؤمنين وقالوا: من يأتينا بطعامنا وبالمتاع فأنزل الله سبحانه {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً}. {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} أي عطائه أو تفضيله بوجه آخر فَمَنْ على الأول ابتدائية أو تبعيضية وعلى الثاني سببية، وقد أنجز الله تعالى وعده بأن أرسل السماء عليهم مدراراً ووفق أهل نجد وتبالة وجرش فأسلموا وحملوا إليهم الطعام وما يحتاجون إليه في معاشهم ثم فتح عليهم البلاد والغنائم وتوجه إليهم الناس من كل فج عميق، وعن ابن جبير أنه فسر الفضل بالجزية، ويؤيده بأن الأمر الآتي شاهد له وما ذكرناه أولى وأمر الشهادة هين وقرىء {عائلة} على أنه إما مصدر كالعاقبة والعافية أو اسم فاعل صفة لموصوف مؤنث مقدر أي حالاً عائلة أي مفتقرة وتقييد الإغناء بقوله سبحانه: {إِن شَآءَ} ليس للتردد ليشكل بأنه لا يناسب المقام وسبب النزول بل لبيان أن ذلك بإرادته لا سبب له غيرها حتى ينقطعوا إليه سبحانه ويقطعوا النظر عن غيره، وفيه تنبيه على أنه سبحانه متفضل بذلك الإغناء لا واجب عليه عز وجل لأنه لو كان بالإيجاب لم يوكل إلى المشيئة، وجوز أن يكون التقييد لأن الإغناء ليس مطرداً بحسب الأفراد والأحوال والأوقات {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ} بأحوالكم ومصالحكم {حَكِيمٌ} فيما يعطي ويمنع.
ابن عاشور
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا}. استئناف ابتدائي للرجوع إلى غرض إقصاء المشركين عن المسجد الحرام المفاد بقوله: {أية : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله}تفسير : [التوبة: 17] الآية، جيء به لتأكيد الأمر بإبعادهم عن المسجد الحرام مع تعليله بعلّة أخرى تقتضي إبعادهم عنه: وهي أنّهم نجس، فقد علّل فيما مضى بأنّهم شاهدون على أنفسهم بالكُفر، فليسوا أهلاً لتعمير المسجد المبني للتوحيد، وعلّل هنا بأنّهم نجس فلا يعمروا المسجد لطهارته. و{نجس} صفة مشبهة، اسم للشيء الذي النجاسة صفة ملازمة له، وقد أنيط وصف النجاسة بهم بصفة الإشراك، فعلمنا أنّها نجاسة معنوية نفسانية وليست نجاسة ذاتية. والنجاسة المعنوية: هي اعتبار صاحب وصف من الأوصاف محقّراً متجنَّباً من الناس فلا يكون أهلاً لفضل ما دام متلبّساً بالصفة التي جعلته كذلك، فالمشرك نجَس لأجل عقيدة إشراكه، وقد يكون جسده نظيفاً مطيّباً لا يستقذر، وقد يكون مع ذلك مستقذرَ الجسد ملطخاً بالنجاسات لأنّ دينه لا يطلب منه التطهّر، ولكن تنظّفهم يختلف باختلاف عوائدهم وبيئتهم. والمقصود من هذا الوصف لهم في الإسلام تحقيرهم وتبعيدهم عن مجامع الخير، ولا شكّ أنّ خباثة الاعتقاد أدنى بصاحبها إلى التحقير من قذارة الذات، ولذلك أوجب الغسل على المشرك إذا أسلم انخلاعاً عن تلك القذارة المعنوية بالطهارة الحسّيّة لإزالة خباثة نفسه، وإنّ طهارة الحدث لقريب من هذا. وقد فرّع على نجاستهم بالشرك المنع من أن يقربوا المسجد الحرام، أي المنع من حضور موسم الحجّ بعد عامهم هذا. والإشارة إلى العام الذي نزلت فيه الآية وهو عام تسعة من الهجرة، فقد حضر المشركون موسم الحجّ فيه وأعلن لهم فيه أنّهم لا يعودون إلى الحجّ بعد ذلك العام، وإنّما أمهلوا إلى بقية العام لأنّهم قد حصَلوا في الموسم، والرجوع إلى آفاقهم متفاوت «فأريد من العام موسم الحجّ، وإلاّ فإنّ نهاية العام بانسلاخ ذي الحجّة وهم قد أمهلوا إلى نهاية المحرم بقوله تعالى: {أية : فسيحوا في الأرض أربعة أشهر}تفسير : [التوبة: 2]. وإضافة (العام) إلى ضمير (هم) لمزيد اختصاصهم بحكم هائل في ذلك العام كقول أبي الطيب:شعر : فإن كان أعجبكم عامكم فعودوا إلى مصر في القابل تفسير : وصيغة الحصر في قوله: {إنما المشركون نجس} لإفادة نفي التردّد في اعتبارهم نجساً، فهو للمبالغة في اتّصافهم بالنجاسة حتّى كأنّهم لا وصف لهم إلاّ النجسية. ووصف (العام) باسم الإشارة لزيادة تمييزه وبيانه. وقوله: {فلا يقربوا المسجد} ظاهره نهي للمشركين عن القرب من المسجد الحرام. ومواجهةُ المؤمنين بذلك تقتضي نهي المسلمين عن أن يقرب المشركون المسجد الحرام. جعل النهي عن صورة نهي المشركين عن ذلك مبالغة في نهي المؤمنين حين جُعلوا مكلّفين بانكفاف المشركين عن الاقتراب من المسجد الحرام من باب قول العرب: «لا أرينّك ههنا» فليس النهي للمشركين على ظاهره. والمقصود من النهي عن اقترابهم من المسجد الحرام النهي عن حضورهم الحج لأنّ مناسك الحجّ كلّها تتقدّمها زيارة المسجد الحرام وتعقبها كذلك، ولذلك لمّا نزلت «براءة» أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بأن ينادَى في الموسم أن لا يحجّ بعد العام مشرك وقرينة ذلك توقيت ابتداء النهي بما بعد عامهم الحاضر. فدلّ على أنّ النهي منظور فيه إلى عمل يكمل مع اقتراب اكتمال العام وذلك هو الحجّ. ولولا إرادة ذلك لما كان في توقيت النهي عن اقتراب المسجد بانتهاء العام حكمة ولكان النهي على الفور. {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. عطف على جملة النهي. والمقصود من هذه الجملة: وعد المؤمنين بأن يغنيهم الله عن المنافع التي تأتيهم من المشركين حين كانوا يفدون إلى الحجّ فينفقون ويهدُون الهدايا فتعود منهم منافع على أهل مكة وما حولها، وقد أصبح أهلها مسلمين فلا جرم أن ما يرد إليها من رزق يعود على المؤمنين. والعَيْلة: الاحتياج والفقر أي إنْ خطر في نفوسكم خوف الفقر من انقطاع الإمداد عنكم بمنع قبائِل كثيرة من الحجّ فإنّ الله سيغنيكم عن ذلك. وقد أغناهم الله بأن هَدى للإسلام أهل تَبَالَة وجُرَش من بلاد اليمن، فأسلموا عقب ذلك، وكانت بلادهم بلاد خصب وزرع فحملوا إلى مكّة الطعام والمِيرة، وأسلم أيضاً أهل جُدَّة وبلدهم مرفأ ترد إليه الأقوات من مصر وغيرها، فحملوا الطعام إلى مكة، وأسلم أهل صنعاء من اليمن، وبلدهم تأتيه السفن من أقاليم كثيرة من الهند وغيرها. وقوله: {إن شاء} يفتح لهم باب الرجاء مع التضرّع إلى الله في تحقيق وعده لأنّه يفعل ما يشاء. وقوله: {إن الله عليم حكيم} تعليل لقوله: {وإن خفتم عيلة} أي أنّ الله يغنيكم لأنّه يعلم ما لكم من المنافع من وفادة القبائِل، فلمّا منعكم من تمكينهم من الحجّ لم يكن تاركاً منفعتكم فقَدر غناكم عنهم بوسائل أخرى عَلِمَها وأحكم تدبيرها.
الواحدي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس} لا يغتسلون من جنابةٍ، ولا يتوضؤون من حدثٍ {فلا يقربوا المسجد الحرام} أَيْ: لا يدخلوا الحرم. مُنعوا من دخول الحرم، فالحرمُ حرامٌ على المشركين {بعد عامهم هذا} يعني: عام الفتح، فلمَّا مُنعوا من دخول الحرم قال المسلمون: إنَّهم كانوا يأتون بالميرة، فالآن تنقطع عنا المتاجر، فأنزل الله تعالى: {وإن خفتم عيلة} فقراً {فسوف يغنيكم الله من فضله} فأسلم أهل جدَّة وصنعاء وجرش، وحملوا الطَّعام إلى مكَّة، وكفاهم الله ما كانوا يتخوَّفون {إنَّ الله عليم} بما يصلحكم {حكيم} فيما حكم في المشركين، ثمَّ نزل في جهاد أهل الكتاب من اليهود والنَّصارى قوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} يعني: كإيمان الموحِّدين وإيمانُهم غيرُ إيمانٍ إذا لم يؤمنوا بمحمد {ولا يحرِّمون ما حرم الله ورسوله} يعني: الخمر والميسر {ولا يدينون دين الحق} لا يتدينون بدين الإِسلام {حتى يعطوا الجزية} وهي ما يعطي المعاهِد على عهده {عن يد} يعطونها بأيديهم يمشون بها كارهين، ولا يجيئون بها ركباناً، ولا يرسلون بها {وهم صاغرون} ذليلون مقهورون يُجَرُّون إلى الموضع الذي تقبض منهم فيه بالعنف، حتى يؤدُّوها من يدهم. {وقالت اليهود عزير ابنُ الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم} ليس فيه برهانٌ ولا بيانٌ، إنَّما هو قولٌ بالفم فقط {يُضاهئون} يتشبَّهون بقول المشركين حين قالوا: الملائكة بنات الله، وقد أخبر الله عنهم. بقوله: {أية : وخرقوا له بنين وبناتٍ} تفسير : {قاتلهم الله} لعنهم الله {أنى يؤفكون} كيف يُصرفون عن الحقِّ بعد وضوح الدَّليل حتى يجعلوا لله الولد، وهذا تعجيب للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم} علماؤهم وعُبَّادهم {أرباباً} آلهةً {من دون الله} حيث أطاعوهم في تحليل ما حرَّم الله، وتحريم ما أحلَّ الله {والمسيح ابن مريم} اتخذوه ربَّاً {وما أمروا} في التَّوراة والإِنجيل {إلاَّ ليعبدوا إلهاً واحداً} وهو الذي لا إله غيره {سبحانه عمَّا يشركون} تنزيهاً له عن شركهم. {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم} يخمدوا دين الإِسلام بتكذيبهم {ويأبى الله إلاَّ أن يتم نوره} إلاَّ أَنْ يُظهر دينه. {هو الذي أرسل رسوله} محمداً {بالهدى} بالقرآن {ودين الحق} الحنيفيَّة {ليظهره على الدين كله} ليعليَه على جميع الأديان.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 28- يا أيها المؤمنون، إنما المشركون بسبب شركهم نجست نفوسهم، وهم ضالون فى العقيدة، فلا تمكنوهم من دخول المسجد الحرام بعد هذا العام (التاسع من الهجرة). وإن خفتم فقراً بسبب انقطاع تجارتهم عنكم، فإن الله سوف يعوضكم عن هذا، ويغنيكم من فضله إن شاء، إن الله عليم بشئونكم، حكيم فى تدبيره لها. 29- يا أيها الذين آمنوا، قاتلوا الكافرين من أهل الكتاب الذين لا يؤمنون إيماناً صحيحاً بالله ولا يقرون بالبعث والجزاء إقراراً صحيحاً، ولا يلتزمون الانتهاء عما نهى الله ورسوله عنه، ولا يعتنقون الدين الحق وهو الإسلام. قاتلوهم حتى يؤمنوا، أو يؤدوا إليكم الجزية خاضعين طائعين غير متمردين. ليسهموا فى بناء الميزانية الإسلامية.
القطان
تفسير : النجس: القذر. ويكون حسّياً، ومعنويا. العيْلة: الفقر. والنجاسة هنا معنوية، فان جسم الانسان لا ينجس مهما كانت عقيدته. في هذه الآية القولُ الفصلُ بشأن المشركين، وأنهم ممنوعون من دخول الحرَم. يا أيها المؤمنون، إنما المشركون بسبب شِركهم بالله وعبادةِ الاوثان، قد نَجِست نفوسُهم، وهم ضالون في العقيدة، فلا تمكّنوهم من دخول المسجد الحرام بعد هذا العام. وبلاد الاسلام في حق الكفار اقسام ثلاثة: 1- الحَرَم: ولا يجوز لكافر ان يدخله، بذلك قال معظم الائمة، وقال ابو ابو حنيفة: يجوز للمعاهِد ان يدخل الحرم بإذن الخليفة او نائبه. 2- الحجاز: يجوز للكافر دخولُها بإذن، ولكنه لا يقيم فيها اكثر من ثلاثة ايام. ففي حديث مسلم عن ابن عمر انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لاُخرجنَّ اليهودَ والنصارى من جزيرة العرب، فلا أتركُ فيها الا مسلما". تفسير : وقد اخرج مالك في الموطَّأ "حديث : لا يجتمع دينان في جزيرة العرب"تفسير : . وقد أجلاهم عُمَرُ في خلافته. 3- سائر بلاد الاسلام: ويجوز للكافر ان يقيم فيها بعهد وامان. {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ}. وان خفتم فَقْراً بسب انقطاع تجارتهم عنكم، فإن الله سوف يُعوّضكم عن هذا، ويغنيكم من فضله إن شاء، فهو المتكفّل بأمر الرزق. وقد فتح الله عليهم الرزق من أبواب واسعة، فأسلم اهلُ اليمن وصاروا يجلبون الطعام. وأسلم أولئك المشركون، ولم يبقَ احدٌ منهم يُمنع من الحرم، ثم جاءتهم الثروة من كل جانب بما فتح الله عليهم من البلاد، فكثرت الغنائم وتوجه اليهم الناس من كل فجّ. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} عليم بشئونكم، حيكم يدبر الأمر كله عن تقدير وحساب.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُوۤاْ} (28) - أمَرَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ بِمَنْعِ المُشْرِكِينَ مِنْ دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَالطوَافِ بِالكَعْبَةِ، بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، (وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الْعَامِ التَّاسِعِ لِلْهِجْرَةِ) لأَنَّهُمْ قَذِرُونَ، قَلِيلُو النَّظَافَةِ (نَجَسٌ)، لِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ أنْ لاَ يَحُجَّ بَعْدَ هَذا العَامِ مُشْرِكٌ، وَلاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ: إِذَا خِفْتُمْ بَوَارَ تِجَارَتِكُمْ، وَقِلَّةَ أرْزَاقِكُمْ، بِسَبَبِ انْقِطَاعِ مَجِيءِ المُشْرِكِينَ إلَى مَكَّةَ، فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَنْ ذَلِكَ، وَسَيُعَوِّضُ عَلَيْكُمْ أفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ إنْ شَاءَ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا فِيهِ الخَيْرُ وَالمَصْلَحَةُ، حَكِيمٌ فِيمَا يَشْرَعُهُ وَيُقَرِّرُهُ. المُشْرِكُونَ نَجَسٌ - شَيءٌ قَذِرٌ أَوْ خَبِيثٌ لِفَسَادِ بَوَاطِنِهِمْ. خِفْتُمْ عَيْلَةً - خِفْتُمْ فَقْراً وَفَاقَةً بِانْقِطَاعِ تِجَارَتِهِمْ عَنْكُمْ.
الثعلبي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} قال الضحاك وأبو عبيدة: قذر، وقال ابن الأنباري: خبيث يقال: رجل نجس وامرأة نجس ورجلين وأمرأتان نجس ورجال ونساء نُجُس بفتح النون والجيم أو نجُس بضم الجيم ورجس في هذه الأحوال لايثنّى ولا يجمع لأنّه مصدر، وأما النجس بكسر النون وجزم الجيم فلا يقال إلا إذا قيل معه رجس، فإذا أُفرد قيل: نَجِس بفتح النون وكسر الجيم أو نجُس بضم الجيم. وقرأ ابن السميقع: إنما المشركون أنجاس، كقولك أخباث على الجمع، واختلفوا في معنى النجس والسبب الذي من أجله سمّاهم بذلك، فروي عن ابن عباس: ما المشركون إلا رجس خنزير أو كلب، وهذا قول غير مرضي لمعنيين أحدهما أنه روي عنه من وجه غير حميد فلا يصح عنه، والآخر أن هذه نجاسة الحكم لا نجاسة العين؛ لأن أعيانهم لو كانت نجسة كالكلب والخنزير لما طهرهم الإسلام، ولا يستوي في النهي عن دخول المشركين المسجد الحرام وغيره من المساجد، واحتج من قال أعيانهم نجسة بما روي أن عمر بن عبد العزيز كتب أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين، وأتبع نهيه بقول الله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}. وكما روي عن الحسن أنه قال: لا تصافحوا المشركين. فمن صافحهم فليتوضّأ، وقال قتادة: سمّاهم نجساً لأنهم يجنبون ولايغتسلون، ويحدثون ولا يتوضؤون، فمنعوا من دخول المسجد لأن الجنب لاينبغي أن يدخل المسجد. وقال الحسين بن الفضل: هذه نجاسة الحكم لا نجاسة العين فسموا نجساً على الذّم، يدلّ عليها ما روي حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم لقى حذيفة فأخذ صلى الله عليه وسلم بيده، فقال حذيفة: يارسول الله إنّي جنب، فقال: "إن المؤمن لا ينجس" . تفسير : {فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ} قال أهل المعاني: أراد بهذا منعهم من دخول الحرم لأنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا المسجد الحرام، قال عطاء الحرم كلّه قبلة ومسجد وتلا هذه الآية. جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الحرم إلا أهل الجزية أو عبد لرجل من المسلمين، ونساؤهم حل لكم، وقرأ: {بعد عامهم هذا} يعني العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عنه عنه بالناس، ونادى علي كرم الله وجهه ببراءة وهو سنة تسع في الهجرة {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} الآية. قال المفسرون: وكان المشركون يجلبون إلى البيت الطعام ويتّجرون ويتبايعون، فلمّا منعوا من دخول الحرم شقّ ذلك على المسلمين، والقى الشيطان في قلوبهم الخوف وقال لهم: من أين تأكلون وتعيشون وقد بقي المشركون وانقطعت عنهم العير. فقال المؤمنون: يارسول الله قد كنّا نصيب من تجارتهم وبياعاتهم فالآن تنقطع عنّا الأسواق ويملك التجارة، ويذهب ما كنّا نصيب منها من المرافق، فأنزل الله عز وجل {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً}. وقال عمرو بن فايد: معناه وإذا خفتم؛ لأن القوم كانوا قد خافوا، وذلك هو قول القائل: إن كنت أبي فأكرمني يعني (إن خفت) عيلة فقراً وفاقة. يقال عال يعيل عيلة وعيولا. قال الشاعر: شعر : فلا يدري الفقير متى غناه ولايدري الغني متى يعيل تفسير : وفي مصحف عبد الله: وإن خفتم عايلة أي (حصلة) يعول عليكم أي يشق {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} وذلك أنه أنزل عليهم مطراً مدراراً فكثر خيرهم حين ذهب المشركون. وقال مقاتل: أسلم أهل جدة وصنعاء وجرش من اليمن وطهوا الطعام إلى مكة على ظهور الإبل والدواب، وكفاهم الله عز وجل ما كانوا يتخوّفون. قال الكلبي: اخصبت [............] ، وكفاهم الله ما أهمّهم، وقال الضحاك وقتادة: قسم الله منها ماهو خير لهم وهو الجزية فأغناهم الله وذلك قوله: {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} قال مجاهد: نزلت هذه الآية حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحرب الروم فغزا بعد نزولها غزوة تبوك. وقال الكلبي: نزلت في قريظة والنضير من اليهود واراد رسول الله صلى الله عليه وسلم (أخذ الجزية فأنزل الله) عز وجل: {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِر}. {وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ} أراد الدين الحق فأضاف الاسم إلى الصفة. قال قتادة: الحق هو الله عز وجل، ودينه الإسلام، وقال أبو عبيدة معناه: طاعة أهل الإسلام، وكل من أطاع ملكاً أو ذا سلطان فقد دان له ديناً. قال زهير: شعر : لئن حللت بجو في بني أسد في دين عمرو وحالت بيننا فدك تفسير : أي في طاعة عمرو. {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} يعني اليهود والنصارى يؤخذ منهم الجزية وألاّ يقاتلوا، ويؤخذ الجزية أيضاً من الصابئين والسامرة؛ لأن سبيلهم في أهل الكتاب سبيل أهل البدع فيها، ويؤخذ الجزية أيضاً من المجوس، وقد قيل: إنهم كانوا من أهل الكتاب فرفع كتابهم. أخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد الوزان، أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين، حدّثنا محمد بن يحيى و [.............] قالا: حدّثنا عثمان بن صالح، حدّثنا ابن وهب، أخبرنا يوسف عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجرتفسير : ، وأن عمر أخذها من مجوس السواد وأن عثمان بن عفان أخذها من بربر. ابن حامد أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين، حدّثنا محمد بن يحيى وأحمد بن يوسف قالا: حدّثنا أبو عاصم عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: "حديث : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا أدري كيف أصنع المجوس؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سنّوا بهم سنة أهل الكتاب ". تفسير : قال أبو عاصم: مشيت ميلاً وهرولت ميلاً حتى سمعت من جعفر بن محمد، حدّثنا، يعني هذا الحديث، وإنما منعنا من نكاح نسائهم وأكل ذبائحهم (وإتيان) الفروج والاطعمة على الخطر، ولا يجوز الإقدام عليها بالشك. قال الحسن: قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذه الجزيرة على الإسلام لا يقبل منهم غيره، وكان أفضل الجهاد، وكان بعده جهاد آخر على هذه الطعمة في شأن أهل الكتاب. {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} ألاّ يتبعوا ماسواهما بدعة وضلالة، ولايؤخذ الجزية من الأوثان {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ} وهو ما يعطي المعاهد على عهده من الجزية، وهي فعلة من جزى يجزي إذا قضى عليه، والجزية مثل القعدة والجلسة ومعنى الكلام: حتى يعطوا الخراج عن رقابهم الذي يبذلونه للمسلمين دفعاً عنها. وأما قدرها: فقال أنس: قسَّم النبي على كل محتلم ديناراً، وقسم عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الفقراء من أهل الذمة كل واحد منهم درهماً، وعلى الاوساط أربعة وعشرين، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين درهماً، ولم يجاوز به خمسين درهماً، وليس شيء موقت ولكن على ما صولحوا عليه. {عَن يَدٍ} أي بالنقل من يده إلى يد من يدفعه إليه، كما يقال كلّمته فماً لفم. وقال أبو عبيدة: يقال: أكلّ من [.............] من غير طيب نفس منه أعطاه عن يد، وقال القتيبي: يقال: أعطاه عن يد وعن ظهر يد إذا أعطاه مبتدئاً غير مكلف. وقال ابن عباس: هو أنها يعطونها بأيديهم، يمشون بها كارهين ولايجيئون بها ركباناً ولا يرسلون {وَهُمْ صَاغِرُونَ} أذلاّء مقهورون، قال ابن عباس يتلتلون بها تلتلة وقال عكرمة: معنى الصغار هو أن تأخذها وأنت جالس وهو قائم. قال الكلبي: إنه إذا (جاء يعطي) صفع في قفاه، وقيل: إعطاؤه إياها هو الصغار، وقيل: إنّه لا يقبل فيها رسالة ولا وكالة، وقيل: إنه يجري عليهم أحكام الإسلام وهو الصَغَار. أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن جعفر، حدّثنا علي بن حرب، حدّثنا السباط، حدّثنا عبد العزيز بن [............] عن حبيب بن أبي ثابت قال: جاء إلى ابن عباس رجل فقال: الأرض من أرض الخراج يعجز عنها أهلها أفأعمرها وأزرعها وأودي خراجها؟ قال: لا، وجاء آخر فقال له ذلك قال: لا وتلا قوله: {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} الآية إلى قوله: {وَهُمْ صَاغِرُونَ}، أيعمد أحدكم إلى الصغار في عنق أحدهم فينزعه فيجعله في عنقه؟ وقال كليب بن وائل: قلت لابن عمر: إشتريت أرضاً، قال: الشراء حسن. قال: فإنّي أعطي من كل جريب أرض درهما وقفيز طعام؟ قال: ولا تجعل في عنقك صغاراً. وروى ميمون بن مهران عن ابن عمر قال ما يسرّني أن لي الأرض كلها بجزية خمسة دراهم أقر فيها الصغار على نفسي. {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} الآية، روى سعيد بن جبير، وعكرمة عن ابن عباس. قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سلام بن مسلم والنعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف قالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أن عزيراً ابن الله. فأنزل الله في قولهم: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ}، وقرأ ابن محيصن وعاصم والكسائي: عزيرٌ بالتنوين، وهو قول أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ الباقون بغير تنوين، فمن نوّن قال: لأنه اسم خفيف فوجهه أن ينصرف وإن كان أعجمياً مثل نوح ولوط وهود، وقال أبو حاتم والمبرّد: الاختيار التنوين لأنه ليس بمنسوب، والكلام ناقص وفي موضع الخبر وليس بنصب، وإنما جاز التنوين في النعت إذا كان الاسم يستغني عن الابن أو ينسب إلى اسم معروف أو لقب غلب عليه، مثل محمد بن عبد الله ويزيد ابن عبد الله، لأن النعت والمنعوت كالشيء الواحد فينوّن في الخبر ويحذف في الصفة، وربما أثبتوا التنوين في الصفة، ويقول الشاعر، أنشده الفرّاء: شعر : والاّ تكن مال هناك فإنّه سيأتي ثنائي زيداً بن مهلهل تفسير : وأنشد الكسائي [............] مذهبه. وقال أبو عبيدة: هذا ليس بمنسوب إلى أبيه إنما هو كقولك: زيد ابن الامير، وزيد بن عبد الله، فعزير يكون بعده خبر. ومن ترك التنوين قال: لأنه اسم اعجمي ويشبه اسماً مصغراً. وقال الفرّاء: لما كانت النون من عزير ساكنة (وهي نون التنوين) والباء من الابن ساكنة والتقى ساكنان حذف الأول منهما استثقالاً لتحريكه، كما قال: لتجدني بالأمير براً، وبالقناة مدعاً مكراً، إذا غطيف السلمّي فرّا. فحذف النون الساكن الذي استقبلها، وقال الزجّاج: يجوز أن يكون الخبر محذوفاً تقديره: عزير ابن الله معبودنا. قال عبيدة بن عمير: إنما قال هذه المقالة رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص بن عازورا وهو الذي قال: إن الله فقير يستقرض. عطية العوفي عن ابن عباس قال: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} فانما قالوا ذلك من أجل أن عزيراً كان في أهل الكتاب، وكانت التوراة عندهم ما شاء الله أن يعلموا، ثم أضاعوها وعملوا بغير الحق، وكان التابوت فيهم، فلمّا رأى الله عز وجل أنهم أضاعوا التوراة وعملوا بالأهواء وأذهبوا التابوت وأنساهم التوراة ونسخها من صدورهم، فأرسل الله عزّ وجل عليهم مرضاً فاستطالت بطونهم حتى جعل الرجل يمسّ كبده، حتى نسوا التوراة ونسخت من صدورهم، وفيهم عزير فمكثوا ماشاء الله أن يمكثوا بعد ما نسخت التوراة من صدورهم، وكان عزير قبل من علمائهم فدعا عزير (الله) وابتَهل إليه أن يرد إليه الذي نسخ من صدورهم، فبينما هو يصلي مبتهلاً إلى الله عز وجل نزل نور من السماء فدخل جوفه، فعاد إليه الذي كان ذهب من جوفه من التوراة، فأذّن في قومه فقال: ياقوم قد آتاني الله التوراة وردّها إليَّ فعلق يعلّمهم فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا وهو يعلّمهم، ثم إن التابوت تُرك بعد ذلك، وبعد ذهابه منهم، فلمّا رأوا التابوت عرضوا ما كان فيه على الذي كان عزير يعلّمهم فوجدوه مثله، فقالوا: والله ما أُتي عُزير هذا إلا إنّه ابن الله. وقال السدّي وابن عباس في رواية عمار بن عمار: إنما قالت اليهود عزير ابن الله لأنهم ظهرت عليهم العمالقة فقتلوهم وأخذوا التوراة وهرب علماؤهم الذين بقوا ودفنوا كتب التوراة في الجبال وغيرها، فلحق عزير بالجبال والوحوش، وجعل يتعبّد في الجبال، ولا يخالَط ولا يُخالط الناس ولاينزل إلا يوم عيد، وجعل يبكي ويقول: يارب تركت بني إسرائيل غير عالم فجعل يبكي حتى سقطت أشفار عينيه، فنزل مرة إلى العيد فلمّا رجع إذا هو بامرأة قد خلت له عند قبر من تلك القبور تبكي وتقول: يامطعماه ياكاسياه. فقال لها عزير: يا هذه اتقي الله واصبري واحتسبي، أما علمتِ أنّ الموت سبيل الناس، وقال: ويحك من كان يطعمكِ ويكسوكِ قبل هذا الرجل يعني زوجها الذي كانت تندبه قالت: الله، قال: فإن الله حي لم يمت، قالت: ياعزير فمن كان يعلّم العلماء قبل بني إسرائيل؟ قال: الله، قالت: فلم تبكي عليهم، وقد علمت أن الموت حق وأن الله حي لايموت، فلمّا عرف عزير أنه قد خُصم ولّى مدبراً. فقالت له: يا عزير إنّي لست بامرأة ولكني الدنيا، أما إنّه ينبع ماء في مصلاك عين، وتنبت شجرة فكلْ من ثمرة تلك الشجرة واشرب من ماء تلك العين واغتسل وصلِّ ركعتين فإنه يأتيك شيخ فما أعطاك فخذ منه، فلمّا أصبح نبعت من مصلاّه عين، ونبتت شجرة ففعل ما أمرته به، فجاء شيخ فقال له: افتح، قال: ففتح فاه وألقى فيه شيئاً كهيئة الجمرة العظيمة مجتمعاً كهيئة القوارير ثلاث مرات، ثم قال له: ادخل هذه العين فامش فيها حتى تبلغ قومك، قال: فدخلها فجعل لايرفع قدمه إلا زيد في علمه حتى انتهى إلى قومه، فرجع إليهم وهو من أعلم الناس بالتوراة. فقال: يابني إسرائيل قد جئتكم بالتوراة. قالوا: ياعزير ماكنت كاذباً، فربط على كل اصبع له قلماً وكتب بأصابعه كلها حتى كتب التوراة على ظهر قلبه، فأحيا لهم التوراة، وأحيا لهم السنّة، فلمّا رجع العلماء استخرجوا كتبهم التي دفنوها من توراة عزير فوجدوها مثلها، فقالوا: ما أعطاه الله ذلك إلا لأنه ابنه. وقال الكلبي: إن بختنصر لما ظهر على بني إسرائيل وهدم بيت المقدس وقتل من قرأ التوراة كان عزير إذ ذاك غلاماً صغيراً فاستضعفوه، فلم يقبله ولم يدرِ أنه قرأ التوراة، فلمّا توفي مائة سنة ورجعت بنو إسرائيل إلى بيت المقدس وليس منهم من يقرأ التوراة، فبعث الله عز وجل عزيراً ليجدد لهم التوراة ويكون آية لهم، فأتاهم عزير وقال: أنا عزير فكذّبوه وقالوا: إن كنت كما تزعم عزير فاتلُ علينا التوراة، فكتبها وقال: هذه التوراة. ثم إن رجلاً قال: إن أبي حدّثني عن جدي أن التوراة جعلت [لنبي] ثم دفنت في كوّم فانطلقوا معه حتى احتفرها وأخرجوا التوراة وعارضوا بما كتب لهم عزير فلم يجدوه غادر منه حرفاً ولا آية فعجبوا وقالوا: ابن الله، ما جعل التوراة في قلب رجل واحد بعد ما ذهبت من قلوبنا إلا أنه ابنه، فعند ذلك قالت اليهود: عزير ابن الله. وأما النصارى [فقيل]: إنّهم كانوا على [دين واحد] سنة بعدما رُفع عيسى، يصلّون القبلة ويصومون رمضان، حتى وقع فيما بينهم وبين اليهود حرب، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له: يونس قتل جماعة من أصحاب عيسى عليه السلام، ثم قال لليهود: إن كان الحق مع عيسى فكفرنا وجحدنا والنار مصيرنا، فنحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار، إني احتال فأضلّهم حتى يدخلوا النار، وكان لها فرس يقال له: العقاب يقاتل عليها فغرقت فرسه وأظهر الندامة ووضع على رأسه التراب. فقال له النصارى: مَن أنت؟ قال يونس: عدوكم [سمعت] من السماء: ليس لك توبة إلا أن تتنصّر وقد تبت، فأدخلوه الكنيسة ودخل بيتاً سنة لايخرج منه ليلاً ولا نهاراً حتى تعلم الإنجيل ثم خرج وقال [لهم] إن الله قبل توبتك، فصدّقوه وأحبوه ثم مضى إلى بيت المقدس، واستخلف عليهم نسطور وعلّمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة، ثم توجه إلى الروم وعلّمهم اللاهوت والناسوت وقال: لم يكن عيسى بإنس فتأنّس ولابجسم فتجسّم ولكنّه ابن الله، وعلَّم ذلك رجلاً يقال له: يعقوب. ثم دعا رجلاً يقال له: ملكاً وقال له: إن الله لم يزل ولا يزال عيسى عليه السلام، فلمّا استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحداً واحداً، وقال لكل واحد منهم: أنت خليفتي، ولقد رأيت عيسى في المنام فرضي عني، وقال لكل واحد منهم: إني غداً أذبح نفسي فادع الناس للمذبحة، ثم دخل المذبحة فذبح نفسه، وقال: إنما أفعل ذلك لمرضاة عيسى، فلمّا كان يوم ثالثه دعا كل واحد منهم الناس إلى (نحلته) فتبع كل واحد طائفة من الناس واقتتلوا واختلفوا إلى يومنا هذا، فجميع النصارى من الفرق الثلاث. {ذٰلِكَ} يعني قول النصارى: إن المسيح ابن الله {قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ} يقولون بألسنتهم من غير علم. قال أهل المعاني: إن الله عز وجل لايذكر قولاً مقروناً بذكر الأفواه والألسن إلا وكان ذلك القول زوراً كقوله تعالى: {أية : يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}تفسير : [آل عمران: 167]، و{أية : يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}تفسير : [الفتح: 11]، وقوله: {أية : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً}تفسير : [الكهف: 5] {يُضَاهِئُونَ} قال ابن عباس: يُشبهون وعنه أيضاً: يحكون، وقال مجاهد: يواطئون. وقال ذي نون: وفيه لفضان يضاهئون بالهمزة وهي قراءة عاصم، ويضاهون بغير همزة وهي قراءة العامة، يقال: ضاهيته وضاهأته بمعنى واحد {قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ} قال قتادة والسدي: ضاهت النصارى قول اليهود من قبل، فقال النصارى: المسيح ابن الله كما قال اليهود: عزير بن الله، وقال مجاهد: يضاهئون قول المشركين حين قالوا اللات والعزى ومناة بنات الله، وقال الحسن: شبّه كفرهم بكفر الذين مضوا من الأُمم الكافرة، وقال لمشركي العرب حين حكى عنهم، {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ}تفسير : [البقرة: 118]، ثم قال: {أية : كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ}تفسير : [البقرة: 118] وقال القيتبي: يريد إن مَن كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى يقولون ما قال أوّلوهم. {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ} قال ابن عباس: لعنهم الله، وكل شيء في القرآن قتل هو لعن، ومثله قال أبان بن تغلب: شعر : قاتلها الله تلحاني وقد علمت أني لنفسي إفسادي وإصلاحي تفسير : وقال ابن جريج: قاتلهم الله وهو بمعنى التعجب {أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} أي يكذبون، ويصرفون عن الحق بعد قيام الدلالة عليه {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ} قال الضحاك: علماءهم، وقرأ: رهبان، وأحبار العلماء: واحدهم حَبر وحِبر بكسر الحاء وفتحها والكسر أجود، وكان يونس الجرمي يزعم أنه لم يسمع فيه إلا بكسر الحاء، ويحتج فيه بقول الناس: هذا محبر يريدون مداد عالم، والرهبان من النصارى أصحاب الصوامع وأهل الأصفاد في دينهم، يقال: راهب ورهبان مثل فارس وفرسان، وأصله من الرّهبة وهي الخوف كأنهم يخافون الله {أَرْبَاباً} سادة {مِّن دُونِ ٱللَّهِ} يطيعونهم في معاصي الله. مصعب بن سعد عن حديث : عدي بن حاتم قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب. فقال: يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك، قال: فطرحته ثم انتصب وهو يقرأ سورة براءة فقرأ هذه الآية: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً} من دون الله حتى فرغ منها فقلت له: إنّا لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرّمون حلال الله فتحرّمونه، ويحلّون ماحرّم الله فتحلّونه، قال: فقلت: بلى . تفسير : قال أبو الأحوص: عن عطاء بن أبي البختري في قول الله عز وجل: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً} قال: أما [لو أمروهم] أن يعبُدوهم من دون الله ما أطاعوهم ولكنّهم أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه، وحرامه حلاله فأطاعوهم، فكانت تلك الربوبية. وقال الربيع: قلت لأبي العالية كيف كانت تلك الربوبية في بني اسرائيل؟ قال: إنهم وجدوا في كتاب الله عز وجل ما أمروا به ونهوا عنه، فقالوا: لن نسبق أحبارنا بشيء فما أمرونا بشيء ائتمرنا ومانُهينا عنه فانتهينا، الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم. وقال أهل المعاني: معناه اتخذوا أحبارهم ورهبانهم كالأذناب حيث أطاعوهم في كل شيء، كقوله: {أية : قَالَ ٱنفُخُواْ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً}تفسير : [الكهف: 96] أي كالنار، وقال عبد الله المبارك: وهل بدّل الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها. {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ} نزّه نفسه {عَمَّا يُشْرِكُونَ} القراءة بالياء وقرأ ابن أبي إسحاق بالتاء {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} أي يبطلوا دين الله بألسنتهم، بتكذيبهم إياه وإعراضهم عنه. وقال الكلبي: يعني يردون القرآن بألسنتهم تكذيباً له، وقال ابن عباس: يريد اليهود والنصارى أن يلزموا توحيد الرحمن بالمخلوقين الذين لا تليق بهم الربوبية، وقال الضحاك: يريدون أن يهلك محمد وأصحابه ولايعبد الله بالاسلام. {وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ} أي يُعلي دينه ويظهر كلمته ويتم الحق الذي بعث به رسوله {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ} وإنما أدخلت إلا لأن في أبت طرفاً من الجحد، ألا ترى أنّ قولك يثبت أن أفعل ولما فيه من الحذف تقديره: ويأبى الله كل شيء إلا أن يتم نوره، كما قال: شعر : وهل لي أُمّ غيرها أن تركتها أبى الله إلاّ أن أكون لها إبنا تفسير : هو الذي يعني يأبى إلاّ إتمام دينه {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {بِٱلْهُدَىٰ} قال ابن عباس: بالقرآن، وقيل: تبيان فرائضه على خلقه، {ودين الحق} وهو الإسلام. {وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ} أي يُعلي دينه ويظهر كلمته ويتم الحق الذي بعث به رسوله ولو كره الكافرون {لِيُظْهِرَهُ} ليعليه وينصره ويظفره {عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} على سائر الملل كلها {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ}. واختلف العلماء بمعنى هذه الآية، فقال ابن عباس: الهاء عائدة على الرسول صلى الله عليه وسلم يعني ليعلمه شرائع الدين كلها فيظهره عليها حتى لايخفى عليه منها شيء، وقال الآخرون: الهاء راجعة إلى دين الحق. قال أبو هريرة والضحاك: ذلك عند خروج عيسى عليه السلام إذا خرج اتبعه كل دين وتصير الملل كلها واحدة، فلا يبقى أهل دين إلا دخل في الإسلام أو أدى الجزية إلى المسلمين. قال السدّي: وذلك عند خروج المهدي لا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام أو أدّى الخراج. وقال الكلبي: لايبقى دين إلا ظهر عليه الإسلام وسيكون ذلك، ولم يكن بعد، ولا تقوم الساعة حتى يكون ذلك. قال المقداد بن الأسود: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لايبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلاّ أدخله الله كلمة الإسلام إما بعز عزيز وإما بذل ذليل، إما يعزهم الله فيجعلهم من أهله فيعزّوا، وإما يذلّهم فيدينون له ". تفسير : عن الأسود أو سويد بن العلاء عن أبي سلمة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى". قالت: قلت: يا رسول الله ما كنت أظن أن يكون ذلك بعد ما أنزل الله على رسوله. {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ}. قال: يكون ذلك ماشاء الله عز وجل، ثم يبعث ريحاً فيقبض كل من كان في قلبه مثقال ذرة من خير، ثم يبقي من لا خير فيه ويرجع الناس إلى دين آبائهم. تفسير : وقال الحسين بن الفضل: معناه: ليظهره على الأديان كلها بالحجج الواضحة والبراهين اللامعة فيكون حجة هذا الدين أقوى، وقال بعضهم: قد فعل الله ذلك ونُجزت هذه العدة لقوله سبحانه {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}تفسير : [المائدة: 3]. وقال بعضهم: هو أن يظهر الإسلام في كل موضع كان يجري على أهلها صَغَار في أي موضع كانوا، لايؤخذ منهم جزية كما يؤخذ من أهل الذمة. وقيل: معناه: ليظهره على الاديان كلها التي في جزيرة العرب فيظهره على دينهم ويغلبهم في ذلك المكان. وقيل: هو جريان حكمته عليهم والله أعلم.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: أنه لا يكفي أن يقطع المؤمنون كل عهودهم مع المشركين، بل لا بد أن يبرأوا أيضاً من المشركين أنفسهم؛ لأنهم نجس، والنجس هو الشيء المستقذر الذي تعافه النفس وتنفر منه، وقد يكون المشرك من هؤلاء مقبولاً من ناحية الشكل والملبس، ولكن هذا هو القالب، والحق سبحانه وتعالى حينما يتكلم إنما يتكلم عن المعاني وعن الخلق. فالله عز وجل لا ينظر إلى القوالب، بل إلى القلوب، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه عنه أبو هريرة رضي الله عنه: "حديث : إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم ". تفسير : فقد تكون الصورة مقبولة شكلاً، لكن العقيدة التي توجد في قلوب تلك الأجساد قذرة ونجسة، وسبحانه لا يأخذ بالظواهر ولا بالصور، بل بالقيم. وأنت إذا ما نظرت إلى القيم وإلى العقائد الحقة الصادقة، تجد كل عقيدة تنبئ عن تكوين مادتها، وعلى سبيل المثال، حينما تكون فرحاً، يتضح ذلك على أساريرك، ومن سيقابلك سيلحظ ذلك ويعرف أنك مبتهج، وإن كنت غاضباً أو تعاني من ضيق، فهذا يتضح على أساريرك. إذن: فالمادة تنفعل بانفعال القيم، وما دامت القيم فاسدة فالمادة التي يتكون منها جسده تكون متمردة على صاحبها؛ لأن المادة بطبيعتها عابدة مسبحة لله، وكذلك الروح بطبيعتها عابدة مسبحة لله تعالى، ولا ينشأ الفساد إلا بعد أن توضع الروح في المادة، ثم تتكون النفس من الاثنين معاً، المادة والروح، فإن غلَّبت النفس النفس منهج الله صارت مطمئنة، وإن تأرجحت النفس بين الطاعة والمعصية، فإما أن تطيع فتكون نفساً لوامة، وإما أن تكفر وتتخذ طريق الشر فتكون نفساً أمارة بالسوء. أما قبل أن تنفخ الروح في المادة، فكل منها مسبح لله تعالى؛ لأن كل شيء في الوجود عابد مسبح، والنفس في كل سلوكها مقهورة لإرادة صاحبها بتسخير من الله عز وجل، وحين يأتي الموت، تنتهي الإرادة البشرية وتسقط سيطرة الإنسان على جسده، بل إن هذا الجسد يشهد على صاحبه يوم القيامة. والإنسان في الحياة الدنيا يعيش وإرادته تسيطر على مادته بأمر من الله، فاليد قد تضرب إنساناً، وقد تعين إنساناً آخر وقع في عسرة، ولسان المسلم يشهد أن لا إله إلا الله، ولسان الكافر يشرك مع الله آلهة أخرى. إذن: فمادة الإنسان خاضعة لإرادة صاحبها في دنيا الأغيار، فإذا انتقل إلى الآخرة فلا تأثير له على المادة، وتتحرر المادة من طاعة صاحبها في المعصية، وتتمرد عليه، وتشهد على صاحبها بأنه كان يستخدمها في المعصية. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [فصلت: 20-21]. فكأن جوارح الإنسان تقول له يوم القيامة: لقد أتعبتني في الدنيا وأكرهتني على فعل أشياء لم أكن لأفعلها لأنني عابدة مسبحة لله، وإن ما أمرتني به يخرج عن طاعة الله عز وجل، وسبق أن ضربت المثل بقائد الكتيبة الذي يصدر أوامر خاطئة فيطيعه الجنود، فإذا ما عادوا إلى القائد الأعلى شكوا له مما كان قائد الكتيبة يكرههم عليه، كذلك أبعاض الجسم تشهد عليه عند خالقها يوم القيامة. فإن كنت عابداً مُسبِّحاً كانت جوارحك معك. وإن كنت غير ذلك كانت جوارحك ضدك، فاللسان مثلاً عابد مسبح في ذاته، فإذا أكرهته على أن يشرك بالله فهو مُكْرَهٌ في الدنيا، ويصير شاهداً عليك يوم القيامة. والحق سبحانه وتعالى ينادي يومئذ قائلاً: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. وهنا يقول الحق عز وجل: {إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} أي: أن عقيدتهم الفاسدة تنضح على تصرفاتهم، وسبحانه وتعالى يربب المعاني الإيمانية في النفوس أي يزيدها، ومثال ذلك: نحن نرجم إبليس كمنسك من مناسك الحج، نرجم قطعة من الحجر رمزنا إليها بالشيطان، ونحن لا نرى الشيطان، وقد وضعنا له رمزاً وأرسينا في أعماقنا أن الشيطان عدو لنا ويجب أن نرجمه لنبتعد عن مراداته، وبذلك أبرزنا هذه المعاني في أمر حسي؛ لنوضح للنفس البشرية أن الشيطان عدو لنا، وكلما وسوس الشيطان لنا بأمر نرجمه بأن نبين لأنفسنا قضايا الإيمان الناصعة فيهرب منا. وكل منا عليه أن يتذكر أن الشيطان سوف يضحك على العاصين والكافرين في يوم القيامة، ويقول ما أورده الحق سبحانه وتعالى على لسانه: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي} تفسير : [إبراهيم: 22]. وفي هذا القول سخرية ممن صدقوه؛ لأن السلطان إما سلطان القهر بأن تأتي لإنسان بما هو أكبر منه وتقهره على فعل شيء بالقوة، وإما سلطان الإقناع بأن تقنع إنساناً بأن يفعل شيئاً. والشيطان ليس له سلطان القهر والحجة. والحق سبحانه وتعالى عندما يقول: {إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} فإنه يوضح لنا أن نجسهم يحتم علينا أن نمنعهم من دخول الأماكن التي لا يدخلها إلا الإنسان الطاهر. وجعل الحق سبحانه وتعالى النجاسة المعنوية مثلها مثل النجاسة المادية، ولذلك قال العلماء: ما دام الحق قد وصفهم بأنهم نجس فلا بد أن يكون فيهم نجس مادي، ولذلك إذا اقتربت منهم تجد لهم رائحة غير طيبة، لأنهم لا يتطهرون من حدث، ولا يغتسلون من جنابة. وعندما ذهبنا إلى الجزائر بعد تحريرها من فرنسا، لم نجد في البيوت حمامات؛ لأن الواحد من المستعمرين لا يذهب إلى الحمام إلا كل عشرين يوماً مثلاً، لذلك جعلوا الحمامات بعيداً عن المساكن، ولكن بعد أن تحررت الجزائر صار في البيوت حمامات؛ لأن الثقافة الإسلامية مبنية على الطهارة، ويتوجب على المسلم أنه كلما دخل الإنسان الحمام تطهر، وكلما كان جنباً اغتسل. ولقد قال البعض: لو أنني سلَّمت على مشرك ويده رطبة.. فلا بد أن أغسل يدي. فإذا كانت يده جافة فيكفي أن أمسح على يدي. وفي هذا احتياط وتأكيد على اجتناب هؤلاء المشركين. وإذا كنا نجتنبهم أجساداً وقوالب، ألا يجدر بنا أن نجتنبهم قلوباً؟ وقد أنزل الحق سبحانه وتعالى هذه الآية الكريمة في العام التاسع من الهجرة وهو العام الذي صدر فيه منع المشركين من الاقتراب من المسجد الحرام والبراءة من هؤلاء المشركين، وتساءل العلماء: هل الممنوع والمحرم هو اقتراب المشرك من المسجد الحرام، أم من الحرم كله؟ وحدد الإمام الشافعي التحريم على المشركين بالوجود في المسجد الحرام. ومع احترامنا لاجتهاد الإمام الشافعي نقول: إن الحق سبحانه وتعالى قال: {فَلاَ يَقْرَبُواْ} ولم يقل: فلا يدخلوا. وتحريم الاقتراب يعني ألا يكونوا قريبين منه، وأقرب شيء للمسجد الحرام هو كل الحرم، ولو كان المراد هو المسجد فقط لمنع الحق دخولهم إليه بالنص على ذلك. وهكذا نرى كيف يمكن أن يجتهد الإنسان ويبحث في المعاني ليستخرج المضمون الحق. ويتابع المولى سبحانه وتعالى قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. وفي هذا القول الكريم حديث عن الغيب. والغيب - كما عرفنا - هو ما يغيب عنك وعن غيرك، أما الشيء الذي يغيب عنك ولا يغيب عن غيرك فلا يكون غيباً، فإذا سرق منك مال مثلاً فأنت لا تعرف من الذي سرق، والسارق في هذه الحالة غيب عنك، ولكنه ليس غيباً عن غيرك؛ فالسارق يعرف نفسه؛ والذي دبر له الجريمة يعرفه، ومن رآه وستر عليه يعرفه. وأنت - أيضاً - لا تعرف مكان المسروقات، ولكن السارق يعرف المكان الذي خبأها فيه. إذن: فهي غيب عنك وليست غيباً عن غيرك. وهذه لعبة الأفاقين والنصابين الذين يُسخِّرون الجن، فما دام الشيء معروفاً ومعلوماً لغيرك من الناس؛ فالكشف عنه مسألة سهلة، ولكنّ هناك غيباً عنك وعن غيرك، وهذا هو ما ينفرد به الحق سبحانه وتعالى في قوله سبحانه: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ...} تفسير : [الجن: 26-27]. ولكنْ هناك غيبٌ عن الناس جميعاً، ولكنه لن يظل غيباً إلى آخر الزمان، فمثلاً الكهرباء كانت غيباً واكتشفناها، وتفتيت الذرة كان غيباً وعرفناه، وقوانين الجاذبية كانت غيباً ثم دخلت في علم الإنسان فأصبحت معلومة له وليس هذا هو الغيب الذي يقصده الله سبحانه وتعالى في قوله: {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ}، فهذا غيب يختص نفسه به، لا تقل: إن فلاناً يعلم الغيب، ولكن قل: إنه مُعلَّم غيب، والمسائل الغيبية: إما أن يحجبها الزمان أو يحجبها المكان، فالآثار المطمورة مثلاً، تعبِّر عن شيء ماض واندثر، وفيه أخبار الأمم السابقة، ولا يعرفها أحد، وستره حجاب الزمن الماضي، إلى أن يتم الكشف عنها ويهيِّئ الله لها من يفكُّ ألغازها. أما إبلاغ الله رسوله من أنباء الأمم السابقة مما جاء في القرآن الكريم فهو اختراق لحجاب الزمن الماضي، نحو قوله تعالى: {أية : وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} تفسير : [آل عمران: 44]. ويقول سبحانه وتعالى: {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ..} تفسير : [القصص: 44-45]. وقوله سبحانه: {وَمَا كُنتَ} في آيات أخرى دليل على أن الله سبحانه وتعالى أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بما كان مستوراً في الزمن الماضي. أما الشيء الذي سوف يحدث في المستقبل، فهو محجوب عنك بحجاب الزمن المستقبل، وقد اخترق القرآن الكريم حجاب المستقبل في آيات كثيرة كلها تبدأ بحرف السين، وحرف السين دليل على أن الشيء لم يحدث بعد، وقوله تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [فصلت: 53]. دليل على أنه من الزمن المستقبل يكشف الله لنا عن آياته الموجودة في الأرض، وقوله تعالى: {أية : الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} تفسير : [الروم: 1-3]. وهذا اختراق لحجاب المستقبل؛ لأن النصر حدث بعد نزول هذه الآية بتسع سنوات. إذن: فالذي يحدث في المستقبل محجوب عنك بالزمن المستقبل، ولكن هناك شيئاً يحدث في الحاضر ولا نعرفه وهو محجوب عنك بحجاب المكان، فما يحدث في مكان لست موجوداً فيه لا تعرفه، فأنت إن كنت جالساً في مكة مثلاً، فأنت لا تعرف ما يحدث في المدينة المنورة لأنه محجوب عنك بحجاب المكان، وهناك أيضاً حجاب النفس، أي: أن ما يدور في نفسك لا يعرفه أحد غيرك؛ لأنه محجوب بحجاب النفس. وحين يقول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} فسبحانه وتعالى يخاطب قوماً يريد منهم أن ينفذوا هذا الأمر، ولكنه سبحانه يعلم السرائر التي تستقبل النص. مثلما يأتي إنسان ويخبرك أن المخبز القريب من منزلك سوف يغلق فأول ما يتبادر إلى ذهنك السؤال: ومن أين سنأتي بالخبز؟ أو أن يقال لك: "إن الباخرة التي تحمل اللحم والخضروات ضلت الطريق" فأول ما يخطر على بالك لحظتها: ومن أين نأكل؟ وكان المشركون يأتون إلى الحج ومعهم أموالهم ويتاجرون وينفقون، هذه الفترة تمثل بالنسبة لمن يعيشون حول بين الله الحرام فترة الرواج المادي الذي يعيشون عليه طوال العام. فإذا كان الحق سبحانه وتعالى يقول لهم: {إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} فأي شيء يختلج في نفوس المسلمين؟ لا بد أن يدور في أعماقهم السؤال: ومن الذي سيشتري بضائعنا؟ لكن هل ترك الله عز وجل مثل هذا القول دون أن يرد عليه؟ لا، فقد رد على التساؤل بقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ}. وهكذا كشف الله حجاب النفس، وردَّ على ما سيدور في نفوس المؤمنين في نفس الآية التي حرم فيها على المشركين أن يقتربوا من المسجد الحرام، ولم ينتظر الحق سبحانه وتعالى حتى يعلن المؤمنون ما في أنفسهم، بل رد على ما يجول بخواطرهم قبل أن يعلنوه. وحين يكشف الله عز وجل حجاب النفس بهذا الشكل، فالمؤمن الذكي يقول: هذا ما جاء في بالي. ولأطمئن لأنه عرف ما بنفسي فسوف يرزقني. ولو لم يأت ذلك في بالهم لَكَذَّبوا النص. ولو كذبوا النص لما بقوا على الإيمان، وما داموا قد بَقَوْا على الإيمان فقد جاء النص معبراً عما يجول بأنفسهم تماماً. والله سبحانه وتعالى كشف حجاب النفس في آيات كثيرة في القرآن الكريم، منها قوله تعالى عن المنافقين والكفار: {أية : وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ} تفسير : [المجادلة: 8]. وقول النفس لا يسمعه أحد، ولو أن هؤلاء لم يقولوا هذا في أنفسهم لقالوا: والله ما خطر ذلك في نفوسنا. ولأنهم قالوه في أنفسهم فقد بُهِتُوا لكشف القرآن الكريم لما يدور داخل أنفسهم. ولقد رد الله سبحانه وتعالى في الآية الكريمة على ما سيدور في خواطر المؤمنين عندما يستمعون إليها، فلم ينتظر الحق سبحانه وتعالى حتى يشكو المؤمنون لرسول الله صلى الله عليه وسلم خوفهم الفقر وقلة الرزق، بل أجاب سبحانه وتعالى على ذلك قبل أن يخطر على بالهم. فكأن الحق سبحانه وتعالى يُشرِّع حتى للخواطر قبل أن تخطر على البال، ولا يترك الأمور حتى تقع ثم يُشرِّع لها. وهنا يقول المولى سبحانه وتعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} والعيلة هي الفقر، ويتابع الحق جل وعلا: {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ}، ولم يقل الحق "سيغنيكم" بل قال: {فَسَوْفَ} وهي تقتضي زمناً سيمر ولكنه زمن قريب؛ لأن الخير الذي سيأتي له أسباب كثيرة كفيلة بتحقيقه كأن يعوضهم الله عما كان يأتي به الكفار بأن تمطر السماء مطراً فينبت النبات، وهذه تحتاج إلى زمن، وأن يأخذوا بالأسباب بأن يروج لهم تجارة على غير المشركين، أو يكشف لهم من كنوز الأرض ما يغنيهم. ولذلك قال: {فَسَوْفَ}. والأسباب تحتاج إلى وقت، فنزلت الأمطار قرب جدة التي أسلمت ونبت الزرع في وادي خليط، وتبالي باليمن وجرش وصنعاء، وجاءت أحمال البعير بالخير لأهل مكة وحدثت الفتوحات الإسلامية، فجاء الخير من الجزية والخراج. وهكذا نرى أن {فَسَوْفَ} امتدت لمراحل كثيرة، وما زالت موجودة ممتدة حتى الآن. إذن: فقد أخذت الأمد الطويل. على أننا لا بد نلتفت إلى قول الحق سبحانه وتعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} هي حيثية بأن المؤمن عليه ألا يتهاون في أمر دينه رغبة في تحقيق أمر من أمور الدنيا، فكل من يرتكب معصية خوفاً من أن تضيع منه فائدة مادية أو دنيوية، كأن يخشى قول الحق خوفاً من أن يضيع منع منصبه، أو يغضب عليه صاحب العمل فيطرده من وظيفته، نقول له: لا عذر لك؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}. وحيث إن الرزق من عند الله سبحانه وتعالى، وهذا هو كلام الله عز وجل، فلا عذر لأحد أن يرتكب معصية بحجة المحافظة على رزقه، أو بحجة أنه يدفع الفقر عن نفسه وبيته وأولاده. على أن قوله تعالى: {إِن شَآءَ} قد تجعل الإنسان يظن أن الزمن سوف يباعد بينه وبين الرزق؛ لأنه سبحانه قد يشاء أو لا يشاء، فكيف يكون هذا الأمر وهو سبحانه أراد بالآية طمأنة المسلمين. وإذا كان الله قد قال: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} فإننا نقول: إن الحق سبحانه وتعالى يريد الصلة الدائمة بعبده وألا يفسد على العبد الرجاء الدائم في الله تعالى. وقوله عز وجل: {إِن شَآءَ} هو إبقاء لهذا الرجاء؛ لأن العبد سيظل في رجاء إلى الله عز وجل فيظل الله تعالى في باله؛ ولأنه سيطلب دائماً رضا الله فإن هذا يجعله يبتعد عن المعصية ويتمسك بالطاعة. وفوق ذلك كله، فإن الحق تبارك وتعالى له طلاقة القدرة في كونه، فقدر الله وقضاؤه ليسا حجة على الله سبحانه وتعالى تقيد مشيئته سبحانه، فمشيئة الله مطلقة لا يقيدها حتى قدر الله. فهو إن شاء حدث القدر. وإن شاء لم يحدث. وهكذا تظل طلاقة قدرة الله في كونه. وبعض العارفين بالله قد يكشف لهم الله لمحة من لمحات الغيب، فيخبر الواحد منهم الناس، فيخلف الله سبحانه وتعالى ما كشفه؛ حتى يظل الله وحده عالم الغيب؛ فما دام ذلك اصطفاه الله بغيب أطلع الناس عليه. فسبحانه يُغيِّر أحداث الغيب ولا يعطي لذلك الشخص خبراً عن أي غيب آخر. إذن فكلمة: {إِن شَآءَ} هي إثبات لطلاقة قدرة الله في كونه، فإن شاء أعطاكم، وإن شاء لم يُعْطِكم، فالإعطاء له حكمة، والمنع له حكمة، فقد يفتري البعض بالنعمة فيحجبها الحق عنهم، وهذا ما حدث في كثير من البلاد التي طغت وكفرت بنعمة الله عليها؛ لأنه سبحانه لو ترك النعمة هكذا بدون ضوابط لاستشرى في تلك البلاد الفساد والمعاصي، إذن: فالمشيئة تقتضي إعطاءً، أو منعاً، والإعطاء له حكمة، والمنع له حكمة؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يعامل خلقه على أنهم من الأغيار القُلَّب؛ منهم من يأتيه النعمة فتطغيه، ولذلك يقول سبحانه وتعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ}تفسير : [الفجر: 15-16]. أي: أن الإنسان إذا أنعم الله تعالى عليه، عدّ هذا كرماً من الله عز وجل، وإذا ما ضيق الله عليه الرزق اعتبر ذلك إهانة وعدم رضا من الله. ويرد الله تبارك وتعالى ليصحح المفهوم فيقول: {كَلاَّ} أي لا المال دليل على الإكرام، ولا قلة المال دليل على الإهانة. {أية : كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً * وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً} تفسير : [الفجر: 17-20]. إذن: فالمال إذا جاء ليطغيك يكون نقمة عليك وليس نعمة لك، وإذا كانت قلة المال تمنع طغيانك فهي نعمة وليست نقمة. ولذلك قال تبارك وتعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ}تفسير : [العلق: 6-7]. قد يمنع عنك المال الذي إن وصل إليك غرَّك فتحسب أنك في غنى عن الله تعالى وتطغى، وهذا المنع نعمة وليس نقمة، إذن فقوله تبارك وتعالى: {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ} هو إبقاء لطلاقة القدرة في الكون حتى يكون الإغناء لا بالمادة وحدها ولا بالمال وحده، ولكن بالقيم أيضاً، فلا يذهب المال قيم السماء ولا يبعد عن منهج الله. وقوله سبحانه وتعالى: {إِن شَآءَ} يعني: أنه سبحانه إن شاء أعطى، وإن شاء منع، فلا مانع لنا أعطى، ولا معطي لما منع، وهي طلاقة المشيئة، في حدود حكمة الله عز وجل، فلا تقل حين يمنع: إنه لم يحقق قوله: {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} لأن الإغناء كما يكون بالمادة، يكون أيضاً إغناء بالقيم. ويؤكد هذا قَوْله سبحانه وتعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: عليم بالأمر الذي يصلح لكم، حكيم في وضع العطاء في موضعه والمنع في موضعه. ثم يقول الحق بعد ذلك: {قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [الآية: 28]. قال: قال المسلمون: كنا نصيب من متاجر المشركين، فوعدهم أَن يغنيهم من فضله عوضاً لهم، بأَن لا يقرب المشركون {ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} [الآية: 28] فهذه الآية مع أَول براءَة في القراءَة، ومع آخرها في التأْويل. أنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} إِلى قوله: {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [الآية: 29]. قال: نزل هذا حين أُمر النبي، صلى الله عليه وسلم وأَصحابه بغزوة تبوك. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن عطاءِ بن السائب عن أبي البحتري في قوله: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} [الآية: 31]. قال: أَطاعوهم فيما أَمروهم به من حرام الله وحلاله، فجعل الله طاعتهم لهم عبادة.
الصابوني
تفسير : [2] منع المشركين دخول المسجد الحرام التحليل اللفظي {نَجَسٌ}: أي قذر، قال الزجاج: يقال لكل شيء مستقذر: نجسٌ. وقال الفراء: لا تكاد العرب تقول: نَجِسٌ إلا وقبلها رجسٌ، فإذا أفردوها قالوا: نجس. {عَيْلَةً}: العيلة: الفقر والفاقة، يقال: عال يعيل عيلةً إذا افتقر، وأعال فهو مُعيل إذا صار صاحب عيال، وقال أبو عبيدة: العيلة مصدر عال بمعنى افتقر وأنشد: شعر : وما يَدْري الفقيرُ متى غِناه وما يدري الغنيّ متى يَعيل تفسير : {يَدِينُونَ}: من دان الرجل يدين إذا اتخذ الأمر له عقيدة والتزمه تقول: فلان يدين بكذا أي يلتزمه ويعتنقه، والمراد في الآية أنهم لا يلتزمون بدين الحق وهو دين الإسلام. {ٱلْجِزْيَةَ}: اسم لما يعطيه المعاهد على عهده. قال ابن الأنباري: هي الخراج المجعول عليهم، سميت جزية لأنها قضاء ما وجب عليهم من قولهم: جزى يجزي إذا قضى. قال أبو حيان: سميت جزية من جزى يجزي إذا كافأ عما أسدى عليه، فكأنهم أعطوها جزاء ما منحوا من الأمن، ومن هذا المعنى قول الشاعر: شعر : نجزيكَ أو نُثْني عليكَ وإنّ من أثنَى عليكَ بما فعلت فقد جزى تفسير : {عَن يَدٍ}: أي يؤدون الجزية عن قهر وذل وطاعة يقال: أعطى يده إذا انقاد، ونزع يده إذا خرج عن الطاعة. {صَاغِرُونَ}: الصاغر: الذليل الحقير، والصّغار الذل. ومعنى الآية: حتى يدفعوا الجزية منقادين طائعين في حال الذل والهوان. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: يا أيها المؤمنون المصدّقون بالله ورسوله، إنما المشركون قذر ورجس لخبث بواطنهم، وفساد عقائدهم، فهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات، فلا تمكنوهم من دخول المسجد الحرام، بعد هذا العام، وإن خفتم - أيها المؤمنون - فقراً أو فاقة بسبب منعكم إياهم من الحج ودخول الحرم، فسوف يغنيكم الله من فضله، ويوسع عليكم من رزقه، حتى لا يدعكم بحاجة إلى أحد وذلك راجع إلى مشيئته جل وعلا إن الله عليم حكيم. قاتلوا أيها المؤمنون الذين لا يؤمنون بالله ولا برسوله من أهل الكتاب، ولا يصدقون باليوم الآخر على الوجه الذي جاء به رسول الله، ولا يدخلون في دين الإسلام دين الحق، ولا يحرمون ما حرّمه الله ورسوله، من (اليهود والنصارى) حتى يدفعوا لكم الجزية، عن انقياد وطاعة، وذل وخضوع، وهم صاغرون مهينون. وجوه القراءات 1 - قرأ الجمهور {إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} بفتح الجيم، وقرأ أبو علي حيوة (نِجْسٌ) على وزن رجس، وقرأ ابن السميقع (أنجاسٌ) على صيغة الجمع. 2 - قرأ الجمهور {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} وقرئ (عائلة) و(عايلة). سبب النزول لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم علياً أن يقرأ على مشركي مكة أول سورة براءة، ويَنْبِذَ إليهم عهدهم، وأن يخبرهم أنّ الله بريءٌ من المشركين ورسولهُ، قال أناسٌ: يا أهل مكة ستعلمون ما تلقون من الشدّة وانقطاع السبُل وفقد الحمولات فنزلت الآية الكريمة {إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا...} الآية. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: أطلق القرآن الكريم على المشركين أنهم نجس، والإخبار عنهم بصيغة المصدر فيه مبالغة كأنهم صاروا عين النجاسة، وأصل التعبير (إنما المشركون كالنجس) لكنه حذفت منه أداة الشبه، ووجه الشبه، فأصبح (تشبيهاً بليغاً). وقال بعض العلماء: المراد أنهم ذوو نجس أي أصحاب نجس فالكلام على (حذف مضاف) وإنما عبّر عنهم أصحاب نجس لخبث بواطنهم، وفساد عقائدهم، وإشراكهم بالله، أو لأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون. اللطيفة الثانية: النهي عن قربان المسجد الحرام جاء بطريق المبالغة لأن الغرض نهيهم عن دخول المسجد الحرام، فإذا نهوا عن قربانه كان النهي عن دخوله من باب أولى، كما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ} تفسير : [الأنعام: 152] وقوله {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ} تفسير : [الإسراء: 32] فيكون النهي عن أكل مال اليتيم، وارتكاب الزنى محرماً من باب أولى. اللطيفة الثالثة: تعليق الإغناء بالمشيئة في قوله جل وعلا: {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ} لتعليم رعاية الأدب مع الله تعالى كما في قوله تعالى: {أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ} تفسير : [الفتح: 27] وللإشارة إلى أنه لا ينبغي الاعتماد على أن المطلوب سيحصل حتماً، بل لا بدّ من التضرع إلى الله تعالى في طلب الخير، وفي دفع الآفات. اللطيفة الرابعة: في التعبير في ختام الآية {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} إشارة لطيفة إلى أن الغنى والفقر بيد الله تعالى، وأن الرزق لا يأتي بالحيلة والاجتهاد، بل هو راجع إلى الحكمة والمصلحة، فإن شاء الله أغنى، وإن شاء أفقر، فهو تعالى لا يعطي ولا يمنع إلا عن حكمة ومصلحة، وممّا يروى للإمام الشافعي قدّس الله روحه قوله: شعر : لو كانَ بالحيَلِ الغِنَى لوجدتني بنجوم أقطارِ السّماءِ تعلّقي لكنّ من رَزَقَ الحجا حَرَم الغِنَى ضدّان مفترقان أيّ تفرق ومن الدليل على القضاء وكونه بؤسُ اللبيبِ وطيبُ عيشِ الأحمقِ تفسير : اللطيفة الخامسة: نفى الله تعالى الإيمان عن أهل الكتاب (اليهود والنصارى) لأن إيمانهم مغشوش مدخول، وليس إيماناً كما يجب، لأنهم جعلوا لله ولداً، وزوجة، وبدّلوا كتابهم، وحرّموا ما لم يحرّم الله، وأحلّوا ما لم يُحلّه، ووصفوا المولى جل وعلا بما لا يليق، فهم وإن زعموا الإيمان غير مؤمنين إيماناً صحيحاً، وهذا هو السرّ في التعبير القرآن بنفي الإيمان عنهم. قال الكرماني: نفيُ الإيمان بالله عنهم لأن سبيلهم سبيل من لا يؤمن بالله، إذ يصفونه بما لا يليق أن يوصف به جل وعلا. الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما المراد بالمشركين في الآية الكريمة؟ ذهب جمهور المفسرين إلى أن لفظ المشركين خاص بعبّاد الأوثان والأصنام، لأن لفظ المشرك يتناول من اتخذ مع الله إلهاً آخر، وأن أهل الكتاب وإن كانوا كفاراً إلا أن لفظ (المشركين) لا يتناولهم، لأنه خاص بمن عبد الأوثان والأصنام. وقال بعض العلماء إن لفظ المشركين يتناول جميع الكفار، سواء منهم عُبّاد الأوثان أو أهل الكتاب لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48] أن يكفر به فأطلق لفظ الإشراك على الكفر. أقول: هذا هو الصحيح وهو أن اللفظ يشمل كل كافر، وأن النهي عن دخول المسجد الحرام عام لكل كافر، فلا فرق بين الوثني واليهودي أو النصراني في الحكم. الحكم الثاني: هل أعيان المشركين نجسة؟ دلّ ظاهر قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} على نجاسة المشركين. وقد تقدم معنا أن المراد من اللفظ (النجاسة المعنوية) أي أن معهم الشرك المنزّل منزلة النجس الذي يجب اجتنابه، أو أنهم كالأنجاس لتركهم ما يجب عليهم من غسل الجناية والطهارة، وعدم اجتنابهم النجاسات وقد نقل صاحب "الكشاف": عن ابن عباس أن أعيان المشركين نجسة كالكلاب والخنازير تمسكاً بظاهر الآية. وروى ابن جرير عن الحسن البصري أنه قال: من صافحهم فليتوضأ. ولكنّ الفقهاء على خلاف ذلك فقد ذهبوا إلى أن أبدانهم طاهرة، لأنهم لو أسلموا كانت أجسامهم طاهرة بالإجماع، مع أنه لم يوجد ما يطهرها من الماء أو النار أو التراب أو ما شابه ذلك، والآية لا تدل على نجاسة الظاهر وإنما تدل على نجاسة الباطن، ولا شك أنهم لا يتطهرون، ولا يغتسلون، ولا يجتنبون النجاسات، فجعلوا نجساً مبالغة في وصفهم بالنجاسة. الترجيح: الصحيح رأي الجمهور لأن المسلم له أن يتعامل معهم، وقد كان عليه السلام يشرب من أواني المشركين، ويصافح غير المسلمين والله أعلم. الحكم الثالث: هل يمنع المشرك من دخول المسجد؟ دلّ قوله تعالى: {فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ} على منع المشركين من دخول المسجد الحرام، وقد اختلف العلماء في المراد من لفظ (المسجد الحرام) على أقوال عديدة: أ - المراد خصوص المسجد الحرام أخذاً بظاهر الآية وهو مذهب الشافعية. ب - المراد الحرم كلّه (مكة) وما حولها من الحرم وهو قول عطاء ومذهب الحنابلة. جـ - المراد المساجد جميعاً المسجد الحرام بالنص وبقية المساجد بالقياس وهو مذهب المالكية. د - المراد النهي عن تمكينهم من الحج والعمرة وهو مذهب الحنفية. دليل الشافعي: احتج الشافعي رحمه الله بظاهر الآية {فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ} فقال: الآية خاصة في المسجد الحرام. عامة في الكفار. فأباح دخول غير المسلمين سائر المساجد. ومنع جميع الكفار من دخول المسجد الحرام. دليل أحمد: واستدل الإمام أحمد رحمه الله بأن لفظ (المسجد الحرام) قد يطلق ويراد به الحرم كله كما في قوله تعالى: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} تفسير : [الفتح: 25] وقوله: {أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ} تفسير : [الفتح: 27] وقد كان الصد عن دخول مكة، وأخبر تعالى بأنهم سيدخلونها آمنين. دليل مالك: واستدل مالك رحمه الله بأن العلة وهي (النجاسة) موجودة في المشركين. والحرمة ثابتة لكل المساجد، فلا يجوز تمكينهم من دخول المسجد الحرام والمساجد كلها. فقاس مالك جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم على المشركين، وقاس سائر المساجد على المسجد الحرام ومنع من دخول الجميع في جميع المساجد. دليل أبي حنيفة: واستدل أبو حنيفة رحمه الله على أن المراد النهي عن تمكينهم من الحج والعمرة بما يلي: أولاً: قوله تعالى: {بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} فإن تقييد النهي بذلك يدل على اختصاص المنهي عنه بوقت من أوقات العام، أي لا يحجوا ولا يعتمروا بعد هذا العام. ثانياً: قول علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه حين أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي بسورة براءة: "حديث : وألاّ يحجّ بعد هذا العام مشرك ". تفسير : ثالثاً: قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} فإن خشية الفقر إنما تكون بسبب انقطاع تلك المواسم ومنع المشركين من الحج والعمرة حيث كانوا يتاجرون في مواسم الحج، فإن ذلك يضر بمصالحهم المالية، فأخبرهم تعالى بأن الله يغنيهم من فضله. رابعاً: إجماع المسلمين على وجوب منع المشركين من الحج، والوقوف بعرفة، ومزدلفة، وسائر أعمال الحج وإن لم تكن هذه الأفعال في المسجد الحرام. قال صاحب "الكشاف": "إن معنى قوله تعالى: {فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ} أي لا يحجوا ولا يعتمروا، ويدل عليه قول علي: "وألاّ يحج بعد عامنا هذا مشرك" فلا يمنعون من دخول الحرم، والمسجد الحرام، وسائر المساجد عند أبي حنيفة". الحكم الرابع: ما هي الجزية، وما هو مقدارها وممن تؤخذ؟ الجزية: ما يدفعه أهل الكتاب للمسلمين لقاء حمايتهم ونصرتهم، سميت جزية لأنها من الجزاء، جزاء الكفر وعدم الدخول في الإسلام، أو جزاء الحماية والدفاع عنهم. وقد اختلف الفقهاء في الذين تؤخذ منهم الجزية، فالمشهور عن أحمد: أنها لا تقبل إلا من اليهود والنصارى والمجوس، وبه قال الشافعي. وقال الأوزاعي: تؤخذ من كل مشرك عابد وثنٍ، أو نارٍ، أو جاحدٍ مكذب. وقال أبو حنيفة ومالك: الجزية تؤخذ من الكل إلاّ من عابدي الأوثان من العرب فقط. فأما الذين تؤخذ منهم الجزية فهم الرجال البالغون، فأما الزمنى، والعمي، والشيوخ المسنون، والنساء، والصبيان، والرهبان المنقطعون في الصوامع فلا تؤخذ منهم الجزية. وأما مقدارها فعلى الموسر ثمانية وأربعون درهماً، وعلى المتوسط أربعة وعشرون درهماً، وعلى الفقير القادر على العمل إثنا عشر درهماً في السنة، وهو قول أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله تعالى. وقال مالك: على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الفضّة أربعون درهماً، وسواءٌ في ذلك الغني والفقير. وقال الشافعي: على كل رأسٍ دينار سواءٌ فيه الغني والفقير. الترجيح أقول: ما روي عن مالك رحمه الله هو ما فرضه عمر رضي الله عنه، وقد رويت عن عمر ضرائب مختلفة أخد كل مجتهد بما بلغه، وأظن أن ذلك كان بحسب الاجتهاد، وبحسب اليسر والعسر، وقد روي أن عمر وضع الجزية عن شيخ يهودي طعن في السن رآه يسأل الناس، وأعاله من بيت مال المسلمين، فالأمر فيه سعة، والله أعلم. خاتمة البحث: حكمة التشريع أوجبت الشريعة الإسلامية الغراء على المسلمين قتال أهل الكفر والعدوان، ممن أبوا أن يدخلوا في دين الله، وأن ينعموا بظلال الإسلام الوارفة، وأحكامه العادلة، ويستجيبوا لدعوة الحق التي فيها الخير والسعادة لبني الإنسانية جمعاء. وقد استثنى الباري جل وعلا من قتال الكفار أهل الكتاب، فأمر بدعوتهم إلى الدخول في الإسلام فإن أبوا دفعوا الجزية، وإلاّ وجب قتالهم حتى يفيئوا إلى دين الله، ويرضوا بحكم الله جل وعلا {أية : حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}تفسير : [التوبة: 29] والجزية هي - في الحقيقة - رمزٌ للخضوع والإذغان، رمزٌ لقبول غير المسلم بالعيش في ظل نظام الإسلام، رمزٌ لإظهار الطاعة والرضى والانقياد للدولة الإسلامية، وهي بعد ذلك تعبيرٌ عن مبدأ التعاون، بين الذميين والدولة الإسلامية ممثلة في خليفة المسلمين، بحيث لا يكون هناك خروجٌ عن الطاعة، ولا تمرد على نظام الإسلام، أو بتعبير آخر: الاستسلام لحكم الإسلام، والرضى بكل تشريعاته وأحكامه. وإذا كان المسلم يدفع زكاة ماله كل عام لتنفق في مصارفها التي حدّدها القرآن الكريم، فإن هذا الذمي المعاهد (اليهودي أو النصراني) لا يكلف بدفع الزكاة، وإنما يكلف بدفع الجزية وهي مبلغ يسير زهيد، لا يزيد على ثمانية وأربعين درهماً في العام مقابل الدفاع عنه، وحمايته ونصرته، ومقابل استمتاعه بالمرافق العامة للدولة التي يعيش في كنفها، وتحت ظل حكمها، فليس الهدف إذاً من الجزية الجباية وسلب الأموال، وإنما الهدف الاطمئنان إلى رضى أهل الكتاب بالعيش في ظلال حكم الإسلام، والانقياد، والطاعة لأحكامه وأوامره، وصدق من قال: "إنّ الله لم يبعث المسلمين ليكونوا جباة وإنما بعثهم ليكونوا هداة"!!
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} معناهُ من الجِريةِ الجَارِيةِ شَهراً فشهراً وعاماً فعاماً.
الأندلسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} الآية، لما أمر عليه السلام علياً أن يقرأ على مشركي مكة أول براءة وينبذ إليهم عهدهم وان الله برىء من المشركين ورسوله. قال اناس: يا أهل مكة ستعلمون ما تلقون من الشدة وانقطاع السبل وفقد الحمولات. فنزلت. والظاهر الحكم عليهم بأنهم نجس أي ذو نجس. قال ابن عباس والحسن وعمر بن عبد العزيز والطبري وغيرهم: الشرك هو الذي نجسهم فاعيانهم نجسة كالخمر والكلاب والخنازير. وقال الحسن: من صافح مشركاً فليتوضأ. وفي التحرير وبالغ الحسن حتى قال: إن الوضوء يجب من مسّ يد المشرك، ولم يأخذ أحد بقول الحسن إلا الهادي من الزيدية. وقال قتادة ومعمر بن راشد وغيرهما: وصف المشرك بالنجاسة لأنه جنب إذ غسله من الجنابة ليس بغسل. وعلى هذا القول يجب الغسل على من أسلم من المشركين وهو مذهب مالك. وقال ابن عبد الحكم: لا يجب. ولا شك أنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات، فجعلوا نجساً مبالغة في وصفهم بالنجاسة. {فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ} الآية، الظاهر أن النهي مختص بالمشركين وبالمسجد الحرام وهذا مذهب أبي حنيفة وأباح دخول اليهود والنصارى المسجد الحرام وغيره ودخول عبدة الأوثان في سائر المساجد. وقال الشافعي: هي عامة في الكفار خاصة في المسجد الحرام فأباح دخول اليهود والنصارى والوثنيين في سائر المساجد، وقاس مالك جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم على المشركين، وقاس سائر المساجد على المسجد الحرام، ومنع من دخول الجميع في جميع المساجد. {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} العيلة: الفقر. وقرىء: عائلة وهو مصدر كالعاقبة أو نعت لمحذوف أي حالاً عايلة. {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} الآية، أتى في جواب الشرط بسوف وهي أكثر مبالغة في التنفيس من السين والإِغناء إنما وقع كثيراً بعد اتساع الإِسلام وفتح البلاد حتى يحكى عن الزبير وطلحة أنهما بلغا من اتساع المال ما يتعجب منه، وعلق الإِغناء بالمشيئة لأنه يقع في حق بعض دون بعض وفي وقت دون وقت. {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} الآية، نزلت حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بغزو الروم وغزا بعد نزولها تبوك. وقيل: نزلت في قريظة والنضير فصالحهم وكانت أول جزية أصابها المسلمون وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين. نفى الإِيمان بالله عنهم لأن سبيلهم سبيل من لا يؤمن بالله إذ يصفونه بما لا يليق أن يوصف به. {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} بيان لقوله: الذين. والظاهر اختصاص أخذ الجزية من أهل الكتاب وهم بنو إسرائيل والروم نصاً واجمع الناس على ذلك وأما المجوس فقال ابن المنذر: لا أعلم خلافاً في أن الجزية تؤخذ منهم. "انتهى". وروي أنه كان بُعث في المجوس نَبي اسمه زَرَادُشُتْ واختلف أصحاب مالك في مجوس العرب، وأما السامرة والصابئة فالجمهور على أنهم من اليهود والنصارى، وتؤخذ منهم الجزية وتؤكل ذبائحهم. وقالت فرقة: لا تؤخذ منهم الجزية ولا تؤكل ذبائحهم. وقيل: تؤخذ منهم الجزية ولا تؤكل ذبائحهم. والظاهر شمول جميع أهل الكتاب في إعطاء الجزية، ولم يرد نص في مقدار الجزية، وقال الشافعي وغيره: على كل رأس دينار. وقال أبو حنيفة: على الفقير المكتسب اثنا عشر درهماً، وعلى المتوسط في الغنى ضعفها، وعلى المكثر ضعف الضعف ثمانية وأربعون درهماً. ولا تؤخذ عنده من فقير لا كسب له. {عَن يَدٍ} قال ابن عباس: أي يعطونها بأيديهم ولا يرسلون بها. {وَهُمْ صَاغِرُونَ} جملة حالية أي ذليلون حقيرون، وذكروا كيفيات في أخذها منهم وفي صغارهم لم تتعرض الآية لتعيين شيء منها. {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} الآية، بيّن الله سبحانه وتعالى لحاق اليهود والنصارى بأهل الشرك وإن اختلفت طرق الشرك فلا فرق بين من يعبد الصنم وبين من يعبد المسيح وغيره. وقائل ذلك قوم من اليهود وكانوا بالمدينة. قال ابن عباس: قالها أربعة من أحبارهم سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف. وقيل: قاله فنحاص. والدليل على أن هذا القول كان فيهم ان الآية تليت عليهم فما أنكروا ولا كذبوا مع تهالكهم على التكذيب وسبب هذا القول ان اليهود قتلوا الأنبياء بعد موسى عليه السلام فرفع الله عنهم التوراة ومحاها من قلوبهم فخرج عزير وهو غلام يسيح في الأرض فأتاه جبريل عليه السلام فقال له: إلى أين تذهب؟ قال: أطلب العلم. فحفّظه التوراة فأملاها عليهم عن ظهر لسانه لم يخرم حرفاً. فقالوا: ما جمع الله له التوراة في صدره وهو غلام إلا أنه ابنه. وظاهر قول النصارى المسيح ابن الله بنوة النسل كما قالت العرب في الملائكة. وكما قيل عنهم انهم يقولون ان المسيح إله وابن إله. وقيل: ان بعضهم يعتقدها بنوة حنوٍّ ورحمةٍ. وهذا القول لم يظهر إلا بعد النبوة المحمدية وظهور دلائل صدقها وبعد أن خالطوا المسلمين وناظروهم فرجعوا عما كانوا يعتقدونه في عيسى عليه السلام. وقرىء: عزيرٌ منوناً على أنه اسم عربي مصغر. وقرىء: غير منون على أنه أعجمي منع الصرف للعجمة والعلمية وهو مبتدأ وخبره ابن الله. ومعنى بأفواههم أنه قول لا يعضده برهان فما هو إلا لفظ فارغ يفوهون به كالألفاظ المهملة التي هي كالأجراس والنغم لا تدل على معان. وقرىء: يُضاهيُون ويضاهون ومعناه يشابهون، وهو على حذف مضاف تقديره يضاهي قولهم قول الذين كفروا، والذين كفروا هم أسلاف المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم. {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ} دعاء عليهم عام لأنواع الشر. {أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} أي كيف يصرفون عن الحق بعد وضوح الدليل، على سبيل التعجب. {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ} الآية، تعدت اتخذ إلى مفعولين، والضمير عائد على اليهود والنصارى. والأحبار: علماء اليهود، واحده حبر. والرهبان: عباد النصارى الذين زهدوا في الدنيا، وانقطعوا عن الخلق في الصوامع. أخبر عن المجموع وعاد إلى ما يناسبه أي اتخذ اليهود أحبارهم والنصارى رهبانهم. {وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ} عطف على رهبانهم. {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً} الظاهر أن الضمير عائد على من عاد عليه في اتخذوا، أي أمروا في التوراة والإِنجيل وعلى ألسنة أنبيائهم. وفي قوله: عما يشركون، دلالة على إطلاق اسم الشرك على اليهود والنصارى. {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ} مثلهم ومثل حالهم في طلبهم ان يبطلوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبثّ في الآفاق. ونور الله تعالى: هداه الصادر عن القرآن والشرع المنبث، فمن حيث سماه نوراً سمي محاولة إفساده إطفاء. وكنى بالأفواه عن قلة حيلتهم وضعفها أخبر أنهم يحاولون أمراً جسيماً بشىء ضعيف فكان الإِطفاء بنفخ الأفواه. {وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ} أجرت العرب أبى بمعنى الفعل المنفي كأنه قال: لا يريد الله فلذلك دخلت إلا في الإِيجاب بعدما معناه النفي. و{أَن يُتِمَّ} في موضع نصب. ونظيره قول الشاعر: شعر : أبى الله إلا عدله ووفاءه فلا النكر معروف ولا العرف ضائع تفسير : {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ} الآية، الظاهر أن الضمير في ليظهره عائد على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه المحدث عنه. والدين هنا جنس، أي ليعليه على أهل الأديان كلهم فهو على حذف مضاف، فهو صلى الله عليه وسلم غلبت أمته اليهود، وأخرجوهم من بلاد العرب، وغلبوا النصارى على بلاد الشام إلى ناجية الروم والعرب، وغلبوا المجوس على ملكهم، وغلبوا عباد الأصنام على كثير من بلادهم مما يلي الترك والهند وكذلك سائر الأديان.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ قال سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} مقتضى إيمانمكم: أن تذبوا وتدفعوا أهل الشرك عن الحرم {إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ} المنغمسون في خباثة الشرك والضلال {نَجَسٌ} يجب أن يُطَّهر بيت الله منهم {فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} أي: سنة حجة الوداع {وَإِنْ خِفْتُمْ} أيها المؤمنون؛ بسبب إخراجهم ومنعهم عن الحرم {عَيْلَةً} فقراً وقلة زاد ومكتسب {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} وسعة رزقه {إِن شَآءَ} ترفهكم واتساعكم {إِنَّ ٱللَّهَ} المدبر لأمور عباده {عَلِيمٌ} بمصالحهم {حَكِيمٌ} [التوبة: 28] في إتيانها عند الحاجة ومقدارها. وبالجملة: {قَاتِلُواْ} أيها الغزاة الحماة لدين الله المشركين {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} وتوحيده {وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} المعدّ لجزاء الأعمال، وإن تفوهوا بالإيمان مداهنةً ونفاقاً لا تبالوا بإيمانهم {وَ} هم ليسوا مراعين مقتضى الإيمان؛ إذ {لاَ يُحَرِّمُونَ} من المحرمات {مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} بإذنه سبحانه {وَ} بالجملة: {لاَ يَدِينُونَ} ولا ينقادون {دِينَ ٱلْحَقِّ} المنزل على الحق؛ ليصلوا إلى مقر التوحيد، وإن كانوا يدعون أنهم {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} أي: يدعون إتيانه إياهم؛ إذ هم ليسوا على مقتضى الكتاب، وإن ادعوا بهم وبادعائهم، بل قاتلوهم إلى أن تذلوهم وتصاغروهم {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ} هي التي تجزى بها دينهم حمايةً له {عَن يَدٍ} أي: حال كون إعطائهم صادرة منهم عن يد قاهرة غالبة عليهم {وَهُمْ} في حين الإعطاء {صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] ذليلون مهانون، يؤخذ من لحاهم، ويضرب في لهازمهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ } باللّه الذين عبدوا معه غيره { نَجَسٌ } أي: خبثاء في عقائدهم وأعمالهم، وأي نجاسة أبلغ ممن كان يعبد مع اللّه آلهة لا تنفع ولا تضر، ولا تغني عنه شيئا؟!!. وأعمالهم ما بين محاربة للّه، وصد عن سبيل اللّه ونصر للباطل، ورد للحق، وعمل بالفساد في الأرض لا في الصلاح، فعليكم أن تطهروا أشرف البيوت وأطهرها عنهم. { فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } وهو سنة تسع من الهجرة، حين حج بالناس أبو بكر الصديق، وبعث النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمه عليا، أن يؤذن يوم الحج الأكبر بـ { براءة } فنادى أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وليس المراد هنا، نجاسة البدن، فإن الكافر كغيره طاهر البدن، بدليل أن اللّه تعالى أباح وطء الكتابية ومباشرتها، ولم يأمر بغسل ما أصاب منها. والمسلمون ما زالوا يباشرون أبدان الكفار، ولم ينقل عنهم أنهم تقذروا منها، تَقَذُّرَهْم من النجاسات، وإنما المراد كما تقدم نجاستهم المعنوية، بالشرك، فكما أن التوحيد والإيمان، طهارة، فالشرك نجاسة. وقوله: { وَإِنْ خِفْتُمْ } أيها المسلمون { عَيْلَةً } أي: فقرا وحاجة، من منع المشركين من قربان المسجد الحرام، بأن تنقطع الأسباب التي بينكم وبينهم من الأمور الدنيوية، { فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } فليس الرزق مقصورا على باب واحد، ومحل واحد، بل لا ينغلق باب إلا وفتح غيره أبواب كثيرة، فإن فضل اللّه واسع، وجوده عظيم، خصوصا لمن ترك شيئا لوجهه الكريم، فإن اللّه أكرم الأكرمين. وقد أنجز اللّه وعده، فإن اللّه قد أغنى المسلمين من فضله، وبسط لهم من الأرزاق ما كانوا به من أكبر الأغنياء والملوك. وقوله: { إِنْ شَاءَ } تعليق للإغناء بالمشيئة، لأن الغنى في الدنيا، ليس من لوازم الإيمان، ولا يدل على محبة اللّه، فلهذا علقه اللّه بالمشيئة. فإن اللّه يعطي الدنيا، من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان والدين، إلا من يحب. { إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } أي: علمه واسع، يعلم من يليق به الغنى، ومن لا يليق، ويضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها. وتدل الآية الكريمة، وهي قوله { فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } أن المشركين بعد ما كانوا، هم الملوك والرؤساء بالبيت، ثم صار بعد الفتح الحكم لرسول اللّه والمؤمنين، مع إقامتهم في البيت، ومكة المكرمة، ثم نزلت هذه الآية. ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يجلوا من الحجاز، فلا يبقى فيها دينان، وكل هذا لأجل بُعْدِ كل كافر عن المسجد الحرام، فيدخل في قوله { فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا }.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 323 : 6 : 4 - سفين عن واقد عن سعيد بن جبير قال، لما نزلت {إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} اشتد ذلك على المسلمين وقالوا: "ما يأتينا بطعامنا"؟ فأنزل الله عز وجل {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}. [الآية 28].
همام الصنعاني
تفسير : 1065- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، في قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}: [الآية: 28]، قال: لا علم أعلم قتادة إلا قال: النجس الجنابة. 1066- قال عبد الرزاق، قال معمر: حديث : وبَلَغَنِي أن حذيفةَ لقي النبي صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ، فقال حذيفة: يا رسول الله، إني جنب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن المؤمن لا يَنْجُس . تفسير : 1068- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، في قوله تعالى: {فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا}: [الآية: 28]، ق ال: إلا صاحب الجزية، أو عبداً لرجلٍ من المسلمين. 1069- حدثنا عبد الرزاق، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بنَ عَبْدِ اللهِ يقول في قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ}: [الآية: 28]، قال: إلا أن يكون عبداً أو أحداً من أهل الذِّمَّة. 1070- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح عبدة الأوثان على الجزية إلا من كان من العرب منهم، وقبل النبي صلى الله عليه وسلم الجزية من أهل البحرين، وكانوا مجوساً. 1071- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِمٌ}: [الآية: 28]، قال: أغناهم الله بالجزية الجارية شهراً فشهراً وعاماً فَعاماً. 1072- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أية : لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ}تفسير : : [الواقعة: 70]، قال: لا يمسه في الآخرة إلا المطهرون وأما في الدنيا فَقَدْ مَسَّهُ الكافر النجس، والمنافق الرجس.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):