Verse. 1264 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

قَاتِلُوا الَّذِيْنَ لَا يُؤْمِنُوْنَ بِاللہِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْاٰخِرِ وَلَا يُحَرِّمُوْنَ مَا حَرَّمَ اللہُ وَرَسُوْلُہٗ وَلَا يَدِيْنُوْنَ دِيْنَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِيْنَ اُوْتُوا الْكِتٰبَ حَتّٰي يُعْطُوا الْجِزْيَۃَ عَنْ يَّدٍ وَّہُمْ صٰغِرُوْنَ۝۲۹ۧ
Qatiloo allatheena la yuminoona biAllahi wala bialyawmi alakhiri wala yuharrimoona ma harrama Allahu warasooluhu wala yadeenoona deena alhaqqi mina allatheena ootoo alkitaba hatta yuAAtoo aljizyata AAan yadin wahum saghiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر» وإلا لآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم «ولا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله» كالخمر «ولا يدينون دين الحق» الثابت الناسخ لغيره من الأديان وهو دين الإسلام

29

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر حكم المشركين في إظهار البراءة عن عهدهم، وفي إظهار البراءة عنهم في أنفسهم، وفي وجوب مقاتلتهم، وفي تبعيدهم عن المسجد الحرام، وأورد الإشكالات التي ذكروها، وأجاب عنها بالجوابات الصحيحة ذكر بعده حكم أهل الكتاب، وهو أن يقاتلوا إلى أن يعطوا الجزية، فحينئذ يقرون على ما هم عليه بشرائط، ويكونون عند ذلك من أهل الذمة والعهد، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى ذكر أن أهل الكتاب إذا كانوا موصوفين بصفات أربعة، وجبت مقاتلتهم إلى أن يسلموا، أو إلى أن يعطوا الجزية. فالصفة الأولى: أنهم لا يؤمنون بالله. واعلم أن القوم يقولون: نحن نؤمن بالله، إلا أن التحقيق أن أكثر اليهود مشبهة، والمشبه يزعم أن لا موجود إلا الجسم وما يحل فيه فأما الموجود الذي لا يكون جسماً ولا حالاً فيه فهو منكر له، وما ثبت بالدلائل أن الإله موجود ليس بجسم ولا حالاً في جسم، فحينئذ يكون المشبه منكراً لوجود الإله فثبت أن اليهود منكرون لوجود الإله. فإن قيل: فاليهود قسمان: منهم مشبهة، ومنهم موحدة، كما أن المسلمين كذلك فهب أن المشبهة منهم منكرون لوجود الإله، فما قولكم في موحدة اليهود؟ قلنا: أولئك لا يكونون داخلين تحت هذه الآية، ولكن إيجاب الجزية عليهم بأن يقال: لما ثبت وجوب الجزية على بعضهم وجب القول به في حق الكل ضرورة أنه لا قائل بالفرق. وأما النصارى: فهم يقولون: بالأب والابن وروح القدس؛ والحلول والاتحاد، وكل ذلك ينافي الإلهية. فإن قيل: حاصل الكلام: أن كل من نازع في صفة من صفات الله، كان منكراً لوجود الله تعالى، وحينئذ يلزم أن تقولوا: إن أكثر المتكلمين منكرون لوجود الله تعالى، لأن أكثرهم مختلفون في صفات الله تعالى ألا ترى أن أهل السنة اختلفوا اختلافاً شديداً في هذا الباب، فالأشعري أثبت البقاء صفة، والقاضي أنكره، وعبد الله بن سعيد أثبت القدم صفة، والباقون أنكروه، والقاضي أثبت إدراك الطعوم، وإدراك الروائح، وإدراك الحرارة والبرودة، وهي التي تسمى في حق البشر بإدراك الشم والذوق واللمس، والأستاذ أبو إسحق أنكره، وأثبت القاضي للصفات السبع أحوالاً سبعة معللة بتلك الصفات، ونفاة الأحوال أنكروه، وعبد الله بن سعيد زعم أن كلام الله في الأزل ما كان أمراً ولا نهياً ولا خبراً، ثم صار ذلك في الإنزال، والباقون أنكروه، وقوم من قدماء الأصحاب أثبتوا لله خمس كلمات، في الأمر، والنهي، والخبر، والاستخبار، والنداء، والمشهور أن كلام الله تعالى واحد، واختلفوا في أن خلاف المعلوم هل هو مقدور أم لا؟ فثبت بهذا حصول الاختلاف بين أصحابنا في صفات الله تعالى من هذه الوجوه الكثيرة، وأما اختلافات المعتزلة وسائر الفرق في صفات الله تعالى، فأكثر من أن يمكن ذكره في موضع واحد. إذا ثبت هذا فنقول: إما أن يكون الاختلاف في الصفات موجباً إنكار الذات أو لا يوجب ذلك؟ فإن أوجبه لزم في أكثر فرق المسلمين أن يقال: إنهم أنكروا الإله، وإن لم يوجب ذلك لم يلزم من ذهاب بعض اليهود وذهاب النصارى إلى الحلول والاتحاد كونهم منكرين للإيمان بالله، وأيضاً فمذهب النصارى أن أقنوم الكلمة حل في عيسى، وحشوية المسلمين يقولون: إن من قرأ كلام الله فالذي يقرؤه هو عين كلام تعالى، وكلام الله تعالى مع أنه صفة الله يدخل في لسان هذا القارىء وفي لسان جميع القراء، وإذا كتب كلام الله في جسم فقد حل كلام الله تعالى في ذلك الجسم فالنصارى إنما أثبتوا الحلول والاتحاد في حق عيسى. وأما هؤلاء الحمقى فأثبتوا كلمة الله في كل إنسان قرأ القرآن، وفي كل جسم كتب فيه القرآن، فإن صح في حق النصارى أنهم لا يؤمنون بالله بهذا السبب، وجب أن يصح في حق هؤلاء الحروفية والحلولية أنهم لا يؤمنون بالله، فهذا تقرير هذا السؤال. والجواب: أن الدليل دل على أن من قال إن الإله جسم فهو منكر للإله تعالى، وذلك لأن إله العالم موجود ليس بجسم ولا حال في الجسم، فإذا أنكر المجسم هذا الموجود فقد أنكر ذات الإله تعالى، فالخلاف بين المجسم والموحد ليس في الصفة، بل في الذات، فصح في المجسم أنه لا يؤمن بالله أما المسائل التي حكيتموها فهي اختلافات في الصفة، فظهر الفرق. وأما إلزام مذهب الحلولية والحروفية، فنحن نكفرهم قطعاً، فإنه تعالى كفر النصارى بسبب أنهم اعتقدوا حلول كلمة {ٱللَّهِ } في عيسى وهؤلاء اعتقدوا حلول كلمة {ٱللَّهِ } في ألسنة جميع من قرأ القرآن، وفي جميع الأجسام التي كتب فيها القرآن، فإذا كان القول بالحلول في حق الذات الواحدة يوجب التكفير، فلأن يكون القول بالحلول في حق جميع الأشخاص والأجسام موجباً للقول بالتكفير كان أولى. والصفة الثانية: من صفاتهم أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر. واعلم أن المنقول عن اليهود والنصارى: إنكار البعث الجسماني، فكأنهم يميلون إلى البعث الروحاني. واعلم أنا بينا في هذا الكتاب أنواع السعادات والشقاوات الروحانية، ودللنا على صحة القول بها وبينا دلالة الآيات الكثيرة عليها، إلا أنا مع ذلك نثبت السعادات والشقاوات الجسمانية، ونعترف بأن الله يجعل أهل الجنة، بحيث يأكلون ويشربون، وبالجواري يتمتعون، ولا شك أن من أنكر الحشر والبعث الجسماني، فقد أنكر صريح القرآن، ولما كان اليهود والنصارى منكرين لهذا المعنى، ثبت كونهم منكرين لليوم الآخر. الصفة الثالثة: من صفاتهم قوله تعالى: {وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } وفيه وجهان: الأول: أنهم لا يحرمون ما حرم في القرآن وسنة الرسول. والثاني: قال أبو روق: لا يعملون بما في التوراة والإنجيل، بل حرفوهما وأتوا بأحكام كثيرة من قبل أنفسهم. الصفة الرابعة: قوله: {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } يقال: فلان يدين بكذا، إذا اتخذه ديناً فهو معتقده، فقوله: {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ } أي لا يعتقدون في صحة دين الإسلام الذي هو الدين الحق، ولما ذكر تعالى هذه الصفات الأربعة قال: {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } فبين بهذا أن المراد من الموصوفين بهذه الصفات الأربعة من كان من أهل الكتاب، والمقصود تمييزهم من المشركين في الحكم، لأن الواجب في المشركين القتال أو الإسلام، والواجب في أهل الكتاب القتال أو الإسلام أو الجزية. ثم قال تعالى: {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: الجزية هي ما يعطي المعاهد على عهده، وهي فعلة من جزى يجزى إذا قضى ما عليه، واختلفوا في قوله: {عَن يَدٍ } قال صاحب «الكشاف» قوله: {عَن يَدٍ } إما أن يراد به يد المعطي أو يد الآخذ، فإن كان المراد به المعطي، ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون المراد {عَن يَدٍ } مؤاتية غير ممتنعة، لأن من أبى وامتنع لم يعط يده بخلاف المطيع المنقاد، ولذلك يقال: أعطى يده إذا انقاد وأطاع، ألا ترى إلى قولهم نزع يده عن الطاعة، كما يقال: خلع ربقة الطاعة من عنقه. وثانيهما: أن يكون المراد حتى يعطوها عن يد إلى يد نقداً غير نسيئة ولا مبعوثاً على يد أحد، بل على يد المعطي إلى يد الآخذ. وأما إذا كان المراد يد الآخذ ففيه أيضاً وجهان: الأول: أن يكون المراد حتى يعطوا الجزية عن يد قاهرة مستولية للمسلمين عليهم كما تقول: اليد في هذا لفلان. وثانيهما: أن يكون المراد عن إنعام عليهم، لأن قبول الجزية منهم وترك أرواحهم عليهم نعمة عظيمة. وأما قوله: {وَهُمْ صَـٰغِرُونَ } فالمعنى أن الجزية تؤخذ منهم على الصغار والذل والهوان بأن يأتي بها بنفسه ماشياً غير راكب، ويسلمها وهو قائم والمتسلم جالس. ويؤخذ بلحيته، فيقال له: أد الجزية وإن كان يؤديها ويزج في قفاه، فهذا معنى الصغار. وقيل: معنى الصغار ههنا هو نفس إعطاء الجزية، وللفقهاء أحكام كثيرة من توابع الذل والصغار مذكورة في كتب الفقه. المسألة الثانية: في شيء من أحكام هذه الآية. الحكم الأول استدللت بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي والوجه في تقريره أن قوله: {قَـٰتِلُوهُمْ } يقتضي إيجاب مقاتلتهم، وذلك مشتمل على إباحة قتلهم وعلى عدم وجوب القصاص بسبب قتلهم، فلما قال: {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ } علمنا أن مجموع هذه الأحكام قد انتهت عند إعطاء الجزية، ويكفي في انتهاء المجموع ارتفاع أحد أجزائه، فإذا ارتفع وجوب قتله وإباحة دمه، فقد ارتفع ذلك المجموع، ولا حاجة في ارتفاع المجموع إلى ارتفاع جميع أجزاء المجموع. إذا ثبت هذا فنقول: قوله: {قاتلوا الموصوفين من أهل الكتاب} يدل على عدم وجوب القصاص بقتلهم وقوله: {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ } لا يوجب ارتفاع ذلك الحكم، لأنه كفى في انتهاء ذلك المجموع انتهاء أحد أجزائه وهو وجوب قتلهم، فوجب أن يبقى بعد أداء الجزية عدم وجوب القصاص كما كان. الحكم الثاني الكفار فريقان، فريق عبدة الأوثان وعبدة ما استحسنوا، فهؤلاء لا يقرون على دينهم بأخذ الجزية، ويجب قتالهم حتى يقولوا لا إله إلا الله، وفريق هم أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى والسامرة والصابئون، وهذان الصنفان سبيلهم في أهل الكتاب سبيل أهل البدع فينا، والمجوس أيضاً سبيلهم سبيل أهل الكتاب، لقوله عليه السلام: « حديث : سنوا بهم سنة أهل الكتاب » تفسير : وروي أنه صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر، فهؤلاء يجب قتالهم حتى يعطوا الجزية ويعاهدوا المسلمين على أداء الجزية، وإنما قلنا إنه لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، لأنه تعالى لما ذكر الصفات الأربعة، وهي قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} قيدهم بكونهم من أهل الكتاب وهو قوله: {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } وإثبات ذلك الحكم في غيرهم يقتضي إلغاء هذا القيد المنصوص عليه وأنه لا يجوز. الحكم الثالث في قدر الجزية. قال أنس: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل محتلم ديناراً، وقسم عمر على الفقراء من أهل الذمة اثني عشر درهماً، وعلى الأوساط أربعة وعشرين، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين. قال أصحابنا: وأقل الجزية دينار، ولا يزاد على الدينار إلا بالتراضي، فإذا رضوا والتزموا الزيادة ضربنا على المتوسط دينارين، وعلى الغني أربعة دنانير، والدليل على ما ذكرنا: أن الأصل تحريم أخذ مال المكلف إلا أن قوله: {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ } يدل على أخذ شيء، فهذا الذي قلناه هو القدر الأقل، فيجوز أخذه والزائد عليه لم يدل عليه لفظ الجزية والأصل فيه الحرمة، فوجب أن يبقى عليها. الحكم الرابع تؤخذ الجزية عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى في أول السنة، وعند الشافعي رحمه الله تعالى في آخرها. الحكم الخامس تسقط الجزية بالإسلام والموت عند أبي حنيفة رحمه الله، لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ليس على المسلم جزية»تفسير : وعند الشافعي رحمه الله لا تسقط. الحكم السادس قال أصحابنا: هؤلاء إنما أقروا على دينهم الباطل بأخذ الجزية حرمة لآبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل وأيضاً مكناهم من أيديهم، فربما يتفكرون فيعرفون صدق محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته، فأمهلوا لهذا المعنى، والله أعلم. وبقي ههنا سؤالان: السؤال الأول: كان ابن الراوندي يطعن في القرآن ويقول: إنه ذكر في تعظيم كفر النصارى. قوله: { أية : تَكَادُ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً } تفسير : [مريم: 90 ـ 92] فبين أن إظهارهم لهذا القول بلغ إلى هذا الحد، ثم إنه لما أخذ منهم ديناراً واحداً قررهم عليه وما منعهم منه. والجواب: ليس المقصود من أخذ الجزية تقريره على الكفر، بل المقصود منها حقن دمه وإمهاله مدة، رجاء أنه ربما وقف في هذه المدة على محاسن الإسلام وقوة دلائله، فينتقل من الكفر إلى الإيمان. السؤال الثاني: هل يكفي في حقن الدم دفع الجزية أم لا؟ والجواب: أنه لابد معه من إلحاق الذل والصغار للكفر والسبب فيه أن طبع العاقل ينفر عن تحمل الذل والصغار، فإذا أمهل الكافر مدة وهو يشاهد عز الإسلام ويسمع دلائل صحته، ويشاهد الذل والصغار في الكفر، فالظاهر أنه يحمله ذلك على الانتقال إلى الإسلام، فهذا هو المقصود من شرع الجزية.

القرطبي

تفسير : فيه خمس عشرة مسألة: الأُولى ـ قوله تعالى: {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} لما حَرّم الله تعالى على الكفار أن يقربوا المسجد الحرام، وجد المسلمون في أنفسهم بما قُطع عنهم من التجارة التي كان المشركون يوافون بها؛ قال الله عز وجل: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} الآية. على ما تقدّم. ثم أحلّ في هذه الآية الجِزْية وكانت لم تؤخذ قبل ذلك؛ فجعلها عِوضاً مما منعهم من موافاة المشركين بتجارتهم. فقال الله عز وجل: {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} الآية. فأمر سبحانه وتعالى بمقاتلة جميع الكفار لإصفاقهم على هذا الوصف، وخص أهل الكتاب بالذكر إكراماً لكتابهم، ولكونهم عالمين بالتوحيد والرسل والشرائع والملل، وخصوصاً ذِكر محمد صلى الله عليه وسلم وملّته وأُمّته. فلما أنكروه تأكدت عليهم الحجة وعظُمت منهم الجريمة؛ فنبّه على محلهم ثم جعل للقتال غاية، وهي إعطاء الجزية بدلاً عن القتل. وهو الصحيح. قال ابن العربيّ: سمعت أبا الوفاء عليّ بن عقيل في مجلس النظر يتلوها ويحتجّ بها. فقال: «قَاتِلُوا» وذلك أمر بالعقوبة. ثم قال: «الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ» وذلك بيان للذنب الذي أوجب العقوبة. وقوله: «وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ» تأكيد للذنب في جانب الاعتقاد. ثم قال: {وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} زيادة للذنب في مخالفة الأعمال. ثم قال: {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ} إشارة إلى تأكيد المعصية بالانحراف والمعاندة والأنفة عن الاستسلام. ثم قال: {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} تأكيد للحجة؛ لأنهم كانوا يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل. ثم قال: {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ} فبيّن الغاية التي تمتدّ إليها العقوبة، وعيّن البدل الذي ترتفع به. الثانية ـ وقد ٱختلف العلماء فيمن تؤخذ منه الجزية؛ قال الشافعيّ رحمه الله: لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب خاصّةً، عرباً كانوا أو عجماً لهذه الآية؛ فإنهم هم الذين خُصّوا بالذكر فتوجّه الحكم إليهم دون من سواهم؛ لقوله عز وجل: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : [التوبة: 5]. ولم يقل: حتى يعطوا الجزية كما قال في أهل الكتاب. وقال: وتقبل من المَجُوس بالسُّنّة؛ وبه قال أحمد وأبو ثَوْر. وهو مذهب الثَّوريّ وأبي حنيفة وأصحابه. وقال الأُوْزاعيّ: تؤخذ الجزية من كل عابد وَثَن أو نار أو جاحدٍ أو مكذّب. وكذلك مذهب مالك؛ فإنه رأى أن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الشرك والجحد، عربياً أو عجمياً، تَغْلَبيّاً أو قرشياً، كائناً من كان؛ إلا المرتدّ. وقال ابن القاسم وأشهب وسُحنون: تؤخذ الجزية من مجوس العرب والأُمم كلها. وأما عَبَدة الأوثان من العرب فلم يستنّ الله فيهم جزية، ولا يبقى على الأرض منهم أحد، وإنما لهم القتال أو الإسلام. ويوجد لابن القاسم: أن الجزية تؤخذ منهم؛ كما يقول مالك. وذلك في التفريع لابن الجَلاَّب، وهو احتمال لا نصّ. وقال ابن وهب: لا تقبل الجزية من مجوس العرب وتقبل من غيرهم. قال: لأنه ليس في العرب مجوسيّ إلا وجميعهم أسلم، فمن وُجد منهم بخلاف الإسلام فهو مرتد، يقتل بكل حال إن لم يسلم، ولا تقبل منهم جزية. وقال ابن الجَهْم: تقبل الجزية من كل مَن دان بغير الإسلام؛ إلا ما أجمِع عليه من كفار قريش. وذكر في تعليل ذلك أنه إكرام لهم عن الذلة والصغار، لمكانهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال غيره: إنما ذلك لأن جميعهم أسلم يوم فتح مكة. والله أعلم. الثالثة ـ وأما المجوس فقال ابن المنذر: لا أعلم خلافاً أن الجزية تؤخذ منهم. وفي الموطّأ: مالك عن جعفر بن محمد عن أبيهحديث : أن عمر ابن الخطاب ذكر أمر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم. فقال عبد الرّحمن بن عَوف: أشهدُ لسمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سُنّوا بهم سُنّة أهل الكتاب»تفسير : . قال أبو عمر: يعني في الجزية خاصّة. وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سُنّوا بهم سنة أهل الكتاب»تفسير : دليل على أنهم ليسوا أهل كتاب. وعلى هذا جمهور الفقهاء. وقد رُوي عن الشافعيّ أنهم كانوا أهل كتاب فبدّلوا. وأظنه ذهب في ذلك إلى شيء رُوي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه مِن وجه فيه ضعف، يدور على أبي سعيد الَبقّال؛ ذكره عبد الرزاق وغيره. قال ابن عطية: وروي أنه قد كان بُعث في المجوس نبيّ اسمه زرادشت. والله أعلم. الرابعة ـ لم يذكر الله سبحانه وتعالىٰ في كتابه مقداراً للجزية المأخوذة منهم. وقد اختلف العلماء في مقدار الجزية المأخوذة منهم؛ فقال عطاء بن أبي رَباح: لا توقيت فيها، وإنما هو على ما صُولحوا عليه. وكذلك قال يحيى بن آدم وأبو عبيد والطبرِيّ؛ إلاَّ أن الطبري قال: أقلّه دينار وأكثره لا حدّ له. واحتجوا بما رواه أهل الصحيح عن عمرو بن عوف: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح أهل البَحْرَيْن على الجزية. وقال الشافعيّ: دينار على الغني والفقير من الأحرار البالغين لا يُنقص منه شيء؛ واحتج بما رواه أبو داود وغيره عن معاذ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً في الجزية. قال الشافعيّ: وهو المبيِّن عن الله تعالىٰ مراده. وهو قول أبي ثَور. قال الشافعيّ: وإن صُولحوا على أكثر من دينار جاز، وإن زادوا وطابت بذلك أنفسهم قُبل منهم. وإن صولحوا على ضيافة ثلاثة أيام جاز، إذا كانت الضيافة معلومة في الخبز والشعير والتّبن والإدام، وذَكر ما على الوسط من ذلك وما على المُوسر، وذكر موضع النزول والكِنّ من البرد والحَرّ. وقال مالك فيما رواه عنه ابن القاسم وأشهب ومحمد بن الحارث بن زَنْجَويه: إنها أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهماً على أهل الورِق، الغني والفقير سواء ولو كان مجوسياً. لا يزاد ولا يُنقص على ما فرض عمر، لا يؤخذ منهم غيره. وقد قيل: إنّ الضعيف يُخفَّف عنه بقدر ما يراه الإمام. وقال ابن القاسم: لا يُنقص من فرض عمر لعسر ولا يزاد عليه لغنًى. قال أبو عمر: ويؤخذ من فقرائهم بقدر ما يحتملون ولو درهماً. وإلى هذا رجع مالك. وقال أبو حنيفة وأصحابه ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل: اثنا عشر، وأربعة وعشرون، وأربعون. قال الثّوريّ: جاء عن عمر بن الخطاب في ذلك ضرائب مختلفة، فللوالي أن يأخذ بأيها شاء، إذا كانوا أهل ذِمّة. وأما أهل الصلح فما صُولحوا عليه لا غير. الخامسة ـ قال علماؤنا رحمة الله عليهم: والذي دلّ عليه القرآن أن الجزية تؤخذ من الرجال المقاتلين؛ لأنه تعالىٰ قال: {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ} إلى قوله ـ {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ} فيقتضي ذلك وجوبها على من يقاتل. ويدلّ على أنه ليس على العبد وإن كان مقاتلاً؛ لأنه لا مال له، ولأنه تعالىٰ قال: {حَتَّىٰ يُعْطُواْ}. ولا يُقال لمن لا يملك حتى يُعطي. وهذا إجماع من العلماء على أن الجزية إنما توضع على جماجم الرجال الأحرار البالغين، وهم الذين يقاتلون دون النساء والذرّية والعبيد والمجانين المغلوبين على عقولهم والشيخ الفاني. واختُلف في الرهبان؛ فروى ابن وهب عن مالك أنها لا تؤخذ منهم. قال مُطَرِّف وابن الماجِشُون: هذا إذا لم يترهّب بعد فرضها، فإن فرضت ثم ترهّب لم يسقطها ترهّبه. السادسة ـ إذا أعطى أهلُ الجزية الجزية لم يؤخذ منهم شيء من ثمارهم ولا تجارتهم ولا زروعهم؛ إلاَّ أن يتجروا في بلاد غير بلادهم التي أقِرّوا فيها وصُولحوا عليها. فإن خرجوا تجاراً عن بلادهم التي أقِرّوا فيها إلى غيرها أخذ منهم العشر إذا باعوا ونض ثمن ذلك بأيديهم، ولو كان ذلك في السنة مراراً؛ إلاَّ في حملهم الطعام الحنطةَ والزيتَ إلى المدينة ومكة خاصة، فإنه يؤخذ منهم نصف العُشْر على ما فعل عمر. ومن أهل المدينة من لا يرى أن يؤخذ من أهل الذمة العشر في تجارتهم إلاَّ مرّة في الحوْل، مثل ما يؤخذ من المسلمين. وهو مذهب عمر بن عبد العزيز وجماعةٍ من أئمة الفقهاء. والأوّل قول مالك وأصحابه. السابعة ـ إذا أدّى أهل الجزية جزيتهم التي ضُربت عليهم أو صُولحوا عليها خُلِّيَ بينهم وبين أموالهم كلها، وبين كرومهم وعصرها ما ستروا خمورهم ولم يُعلنوا بيعها من مسلم، ومُنعوا من إظهار الخمر والخنزيز في أسواق المسلمين؛ فإن أظهروا شيئاً من ذلك أريقت الخمر عليهم، وأدّب من أظهر الخنزير. وإن أراقها مسلم من غير إظهارها فقد تعدّى، ويجب عليه الضمان. وقيل: لا يجب، ولو غصبها وجب عليه ردّها. ولا يُعترَض لهم في أحكامهم ولا متاجرتهم فيما بينهم بالربا. فإن تحاكموا إلينا فالحاكم مخيّر، إن شاء حكم بينهم بما أنزل الله وإن شاء أعرض. وقيل: يحكم بينهم في المظالم على كل حال، ويؤخذ من قويّهم لضعيفهم؛ لأنه من باب الدفع عنهم. وعلى الإمام أن يقاتل عنهم عدّوهم ويستعين بهم في قتالهم. ولا حظّ لهم في الفَيْء، وما صُولحوا عليه من الكنائس لم يزيدوا عليها، ولم يمنعوا من إصلاح ما وَهَى منها، ولا سبيل لهم إلى إحداث غيرها. ويأخذون من اللباس والهيئة بما يبِينون به من المسلمين، ويُمنعون من التشبه بأهل الإسلام. ولا بأس باشتراء أولاد العدوّ منهم إذا لم تكن لهم ذِمّة. ومن لَدّ في أداء جزيته أدِّب على لَدَده وأخذت منه صاغراً. الثامنة ـ اختلف العلماء فيما وجبت الجزية عنه؛ فقال علماء المالكية: وجبت بدلاً عن القتل بسبب الكفر. وقال الشافعيّ: وجبت بدلاً عن الدم وسكنى الدار. وفائدة الخلاف أنا إذا قلنا وجبت بدلاً عن القتل فأسلم سقطت عنه الجزية لما مضى، ولو أسلم قبل تمام الحول بيوم أو بعده عند مالك. وعند الشافعيّ أنها دَين مستقرّ في الذمة فلا يسقطه الإسلام كأجرة الدار. وقال بعض الحنفية بقولنا. وقال بعضهم: إنما وجبت بدلاً عن النصر والجهاد. واختاره القاضي أبو زيد وزعم أنه سرّ الله في المسألة. وقول مالك أصح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس على مسلم جزية»تفسير : . قال سفيان: معناه إذا أسلم الذميّ بعد ما وجبت الجزية عليه بطلت عنه. أخرجه الترمذيّ وأبو داود. قال علماؤنا: وعليه يدلّ قوله تعالىٰ: {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} لأن بالإسلام يزول هذا المعنى. ولا خلاف أنهم إذا أسلموا فلا يؤدّون الجزية عن يَدٍ وهم صاغرون. والشافعيّ لا يأخذ بعد الإسلام على الوجه الذي قاله الله تعالىٰ. وإنما يقول: إن الجزية دَين، وجبت عليه بسبب سابق وهو السكنى أو توقّي شر القتل، فصارت كالديون كلها. التاسعة ـ لو عاهد الإمام أهل بلد أو حصن ثم نقضوا عهدهم وٱمتنعوا من أداء ما يلزمهم من الجزية وغيرها، وامتنعوا من حكم الإسلام من غير أن يظلموا، وكان الإمام غير جائر عليهم؛ وجب على المسلمين غَزْوُهم وقتالهم مع إمامهم. فإن قاتلوا وغلِبوا حكم فيهم بالحكم في دار الحرب سواء. وقد قيل: هم ونساؤهم فَيْء ولا خُمْس فيهم؛ وهو مذهب. العاشرة ـ فإن خرجوا متلصّصين قاطعين الطريق فهم بمنزلة المحاربين المسلمين إذا لم يمنعوا الجزية. ولو خرجوا متظلّمين نُظر في أمرهم ورُدّوا إلى الذمّة وأنصفوا من ظالمهم، ولا يُسترقّ منهم أحد وهم أحرار. فإن نقض بعضهم دون بعض فمن لم ينقض على عهده، ولا يؤخذ بنقض غيره، وتُعرف إقامتهم على العهد بإنكارهم على الناقضين. الحادية عشرة ـ الجِزية وزنها فِعلة؛ من جزى يَجْزي إذا كافأ عما أسدِي إليه؛ فكأنهم أعْطَوْها جزاءَ ما منِحوا من الأمن، وهي كالقعدة والجِلسة. ومن هذا المعنى قول الشاعر.شعر : يُجزيك أو يُثْنِي عليك وإنّ مَن أثنى عليك بما فعلتَ كمن جَزَى تفسير : الثانية عشرة ـ روى مسلم عن هشام بن حَكيم بن حِزام ومرّ على ناس من الأنباط بالشأم قد أقيموا في الشمس ـ في رواية: وصُب على رؤوسهم الزيت ـ فقال: ما شأنهم؟ فقال يحبسون في الجزية. فقال هشام: أشهدُ لسمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا»تفسير : . في رواية: وأميرهم يومئذ عمير بن سعد على فِلسطين، فدخل عليه فحدّثه فأمر بهم فخلُّوا. قال علماؤنا: أما عقوبتهم إذا امتنعوا من أدائها مع التمكين فجائز، فأما مع تبيّن عجزهم فلا تحلّ عقوبتهم؛ لأن من عجز عن الجزية سقطت عنه. ولا يكلف الأغنياء أداءها عن الفقراء. وروى أبو داود عن صفوان بن سليم عن عدّة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال:«حديث : من ظلم معاهداً أو انتقصه أو كلّفه فوق طاقته أو أخذ شيئاً منه بغير طِيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة».تفسير : الثالثة عشرة ـ قوله تعالىٰ: {عَن يَدٍ} قال ابن عباس: يدفعها بنفسه غير مستنيب فيها أحداً. روى أبو البَخترِيّ عن سَلْمان قال: مذمومين. وروى مَعْمَر عن قتادة قال: عن قهر. وقيل: «عن يد» عن إنعام منكم عليهم؛ لأنهم إذا أخِذت منهم الجزية فقد أنعم عليهم بذلك. عِكرمة: يدفعها وهو قائم والآخذ جالس؛ وقاله سعيد بن جبير. ابن العربِيّ: وهذا ليس من قوله: «عَنْ يَدٍ» وإنما هو من قوله: {وَهُمْ صَاغِرُونَ}. الرابعة عشرة ـ روى الأئمة عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا المنفقة والسفلى السائلة»تفسير : وروي «حديث : واليد العُلْيا هي المعطية»تفسير : . فجعل يد المعطِي في الصدقة عليا، وجعل يد المعطِي في الجزية سفلى. ويد الآخذ علياً؛ ذلك بأنه الرافع الخافض، يرفع من يشاء ويخفض من يشاء، لا إله غيره. الخامسة عشرة ـ عن حبيب بن أبي ثابت قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن أرض الخراج يعجز عنها أهلها أفأعمّرها وأزرعها وأؤدِّي خراجها؟ فقال لا. وجاءه آخر فقال له ذلك: فقال لا، وتلا قوله تعالىٰ: {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} إلى قوله {وَهُمْ صَاغِرُونَ} أيعمد أحدكم إلى الصَّغار في عنق أحدهم فينتزعه فيجعله في عنقه! وقال كليب بن وائل: قلت لابن عمر اشتريت أرضاً؛ قال الشراء حسن. قلت: فإني أعطي عن كل جرِيب أرض درهماً وقفيزَ طعام. قال: لا تجعل في عنقك صغاراً. وروى مَيمون بن مِهْران عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما يسرّني أن لي الأرض كلّها بجزية خمسة دراهم أقِرّ فيها بالصّغار على نفسي.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } وإِلاّ لآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم {وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } كالخمر {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ } الثابت الناسخ لغيره من الأديان وهو دين الإِسلام {مِنْ ٱلَّذِينَ } بيان للذين {أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ } أي اليهود والنصارى {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ } الخراج المضروب عليهم كل عام {عَن يَدٍ } حال أي منقادين أو بأيديهم لا يوكلون بها {وَهُمْ صَٰغِرُونَ } أذلاء منقادون لحكم الإِسلام.

ابن عطية

تفسير : هذه الأشياء تضمنت قتال أهل الكتاب من اليهود والنصارى حتى يقتلوا أو يؤدوا الجزية، قال مجاهد: وعند نزول هذه الآية أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزو الروم ومشى نحو تبوك، ومن جعل أهل الكتاب مشركين في هذه الآية عنده ناسخة بما فيها من أخذ الجزية لقوله تعالى: {أية : فاقتلوا المشركين} تفسير : [التوبة:5] ونفى عنهم الإيمان بالله واليوم الآخر من حيث تركوا شرع الإسلام الذي يجب عليهم الدخول فيه، فصار جميع ما لهم في البعث وفي الله عز وجل من تخيلات واعتقادات لا معنى لها، إذ تلقوها من غير طريقها، وأيضاً فلم تكن اعتقاداتهم مستقيمة لأنهم تشعبوا وقالوا: عزيز ابن الله والله ثالث ثلاثة وغير ذلك، ولهم أيضاً في البعث آراء كشراء منازل الجنة من الرهبان، وقول اليهود في النار نكون فيها أياماً بعد ونحو ذلك، وأما قوله {لا يحرمون ما حرم الله ورسوله} فبين، ونص على مخالفتهم لمحمد صلى الله عليه وسلم، وأما قوله {ولا يدينون} فمعناه ولا يطيعون ويمتثلون، ومنه قول عائشة: ما عقلت أبوي إلا وهما يدينان الدين، والدين في اللغة لفظة مشتركة وهي هاهنا الشريعة، وهي مثل قوله تعالى: {أية : إن الدين عند الله الإسلام} تفسير : [آل عمران: 19]، وأما قوله {من الذين أوتوا الكتاب} فنص في بني إسرائيل وفي الروم وأجمع الناس في ذلك، وأما المجوس فقال ابن المنذر:لا أعلم خلافاً في أن الجزية تؤخذ منهم. قال القاضي أبو محمد : وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : سنوا بهم سنة أهل الكتاب تفسير : ، فقال كثير من العلماء معنى ذلك في أخذ الجزية منهم، وليسوا أهل الكتاب، فعلى هذا لم يتعد التشبيه إلى ذبائحهم ومناكحهم، وهذا هو الذي ذكره ابن حبيب في الواضحة، وقال بعض العلماء:معناه سنوا بهم سنة أهل الكتاب إذ هم أهل كتاب، فعلى هذا يتجه التشبيه في ذبائحهم وغيرها، والأول هو قول مالك وجمهور أصحابه، وروي أنه قد كان بعث في المجوس نبي اسمه زرادشت، وأما مجوس العرب فقال ابن وهب: لا تقبل منهم جزية ولا بد من القتال أو الإسلام، وقال سحنون وابن القاسم وأشهب: تؤخذ الجزية من مجوس العرب والأمم كلها، وأما عبدة الأوثان من العرب فلم يستثن الله فيهم جزية ولا بقي منهم على الأرض بشر، قال ابن حبيب وإنما لهم القتال أو الإسلام وهو قول ابن حنيفة. قال القاضي أبو محمد : ويوجد لابن القاسم أن الجزية تؤخذ منهم، وذلك أيضاً في التفريع لابن الجلاب وهو احتمال لا نص، وأما أهل الكتاب من العرب فذهب مالك رحمه الله إلى أن الجزية تؤخذ منهم، وأشار إلى المنع من ذلك أبو حنيفة، وأما السامرة والصابئون فالجمهور على أنهم من اليهود والنصارى تؤخذ منهم الجزية وتؤكل ذبائحهم، وقالت فرقة لا تؤكل ذبائحهم، وعلى هذا لا تؤخذ الجزية منهم، ومنع بعضهم الذبيحة مع إباحة أخذ الجزية منهم وأما عبدة الأوثان والنيران وغير ذلك فجمهور العلماء على قبول الجزية منهم، وهو قول مالك في المدونة، وقال الشافعي وأبو ثور: لا تؤخذ الجزية إلا من اليهود والنصارى والمجوس فقط ومذهب مالك رحمه الله أن الجزية لا تؤخذ إلا من الرجال البالغين الأحرار العقلاء، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة، ولا تضرب على الصبيان والنساء والمجانين ولا تضرب على رهبان الديارات والصوامع المنقطعين، قال مالك في الواضحة: وأما إن كانت قد ضربت عليهم ثم انقطعوا بعد ذلك فلا تسقط عنهم، وأما رهبان الكنائس فتضرب عليهم، واختلف في الشيخ الفاني، ومن راعى أن علتها الإذلال أمضاها في الجميع وقال النقاش: العقوبات الشرعية تكون في الأموال والأبدان فالجزية من عقوبات الأموال، وأما قدرها فذهب رحمه الله وكثير من أهل العلم على ما فرضه عمر رضي الله عنه وذلك أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهماً على أهل الفضة، وفرض....... رضي الله ضيافة وأرزاقاً وكسوة، قال مالك في الواضحة ويحط ذلك عنهم اليوم لما....... عليهم من اللوازم، فهذا أحد ما ذكر عن عمر وبه أخذ مالك، قال سفيان الثوري رويت عن........ عمر ضرائب مختلفة. قال القاضي أبو محمد: وأظن ذلك بحسب اجتهاده رضي الله عنه في يسرهم وعسرهم، وقال الشافعي وغيره: قدر الجزية دينار على الرأس، ودليل ذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً بذلك وأخذه جزية اليمن كذلك أو قيمته معافر وهي ثياب، وقال كثير من أهل العلم ليس لذلك في الشرع حد محدود وإنما ذلك إلى اجتهاد الإمام في كل وقت وبحسب قوم قوم، وهذا كله في العنوة، وأما الصلح فهو ما صولحوا عليه من قليل أو كثير، واختلف في المذهب في العبد الذي يعتقه الذمي أو المسلم هل يلزمه جزية أم لا؟ وقال ابن القاسم لا ينقص أحد من أربعة دنانير كان فقيراً أو غنياً، وقال أصبغ: يحط الفقير بقدر ما يرى من حاله، وقال ابن الماجشون لا يؤخذ من الفقير شيء والجزية وزنها فعلة من جزى يجزي إذا كافى عن ما أسدى إليه، فكأنهم أعطوها جزاء ما منحوا من الأمن، وهي كالقعدة والجلسة. ومن هذا المعنى قول الشاعر: [الكامل] شعر : يجزيك أو يثني عليك وإن من أثنى عليك بما فعلتَ كمن جزى تفسير : وقوله تعالى: {عن يد} يحتمل تأويلات، منها أن يريد سوق الذمي لها بيده لا مع رسول ليكون في ذلك إذلال له، ومنها أن يريد عن نعمة منكم قبلهم في قبولها منهم وتمينهم، واليد في اللغة النعمة والصنع الجميل، ومنها أن يريد عن قوة منكم عليهم وقهر لا تبقى لهم معه راية ولا معقل، و" اليد" في كلام العرب القوة، يقال: فلان ذو يد ويقال ليس لي بكذا وكذا يد أي قوة، ومنها أن يريد أن ينقذوها ولا يؤخروا بها كما تقول بعته يداً بيد، ومنها أن يريد عن استسلام منهم وانقياد على نحو قولهم ألقى فلان بيده إذا عجز واستسلم، وقوله { وهم صاغرون } لفظ يعم وجوهاً لا تنحصر لكثرتها ذكر منها عن عكرمة أن يكون قابضها جالساً والدافع من أهل الذمة قائم، وهذا ونحوه داع إلى صغارهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} دخل فيه أهل الكتاب وإن آمنوا باليوم الآخر إذ لا يعتد بإيمانهم فصار كالمعدوم، أو ذمهم ذم من لا يؤمن به، {وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} بنسخه من شرائعهم، أو ما حرمه وأحله لهم. {دِينَ الْحَقِّ} الإسلام عند الجمهور، أو العمل بما في التوراة من اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والحق هنا هو الله {مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ} من أبناء الذين أوتوا، أو الذين أوتوه بين أظهرهم. {يُعْطُواْ الْجِزْيَةً} يضمنوها، أو يدفعوها، والجزية مجملة، أو عامة تجري على العموم إلا ما خصه الدليل. {عَن يَدٍ} غنى وقدرة، أو لا يقابلها جزاء، أو لنا عليهم يد نأخذها لما فيه من حقن دمائهم، أو يؤدونها بأيديهم دون رسلهم كما يفعل المتكبرون {صَاغِرُونَ} قياماً وآخذها جالس، أو يمشوا بها كارهين "ع" أو أذلاء مقهورين، أو دفعها هو الصغار، أو إجراء أحكام الإسلام عليهم.

الخازن

تفسير : قال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} قال مجاهد: نزلت الآية حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال الروم فغزا بعد نزولها غزوة تبوك، وقال الكلبي: نزلت في قريظة والنضير من اليهود فصالحهم فكانت أول جزية أصابها أهل الإسلام وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المؤمنين والمعنى قاتلوا إيها المؤمنون القوم الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. فإن قلت اليهود والنصارى يزعمون أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر فكيف أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر؟ قلت: إيمانهم بالله ليس كإيمان المؤمنين وذلك أن اليهود يعتقدون التجسيم والتشبيه، والنصارى يعتقدون الحلول، ومن اعتقد ذلك فليس بمؤمن بالله. وقيل: من اعتقد أن عزيزاً ابن الله وأن المسيح ابن الله فليس بمؤمن بالله بل هو مشرك بالله. وقيل: من كذب رسولاً من رسل الله فليس بمؤمن بالله واليهود والنصارى يكذبون أكثر الأنبياء فليسوا بمؤمنين بالله. وأما إيمانهم باليوم الآخر، فليس كإيمان المؤمنين، وذلك أنهم يعتقدون بعثة الأرواح دون الأجساد ويعتقدون أن أهل الجنة لا يأكلون فيها ولا يشربون ولا ينكحون ومن اعتقد ذلك فليس إيمانه كإيمان المؤمنين وإن زعم أنه مؤمن. وقوله تعالى: {ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله} يعني: ولا يحرمون الخمر والخنزير. وقيل: معناه أنهم لا يحرمون ما حرم الله في القرآن ولا ما حرم رسوله في السنة. وقيل: معناه لا يعملون بما في التوراة والإنجيل بل حرفوهما وأتوا بأحكام من قبل أنفسهم {ولا يدينون دين الحق} يعني: ولا يعتقدون صحة الإسلام الذي هو دين الحق. وقيل: الحق هو الله تعالى ومعناه: ولا يدينون دين الله ودينه الإسلام وهو قوله تعالى إن الدين عند الله الإسلام وقيل معناه ولا يدينون دين أهل الحق وهم المسلمون ولا يطيعون الله كطاعتهم {من الذين أوتوا الكتاب} يعني أعطوا الكتاب وهم اليهود والنصارى {حتى يعطوا الجزية} وهي ما يعطى المعاهد من أهل الكتاب على عهده وهي الخراج المضروب على رقابهم سميت جزية للاجتزاء بها في حقن دمائهم {عن يد} يعني عن قهر وغلبة يقال لكل من أعطى شيئاً كرهاً من غير طيب نفس أعطى عن يد وقال ابن عباس: يعطونها بأيديهم ولا يرسلون بها على يد غيرهم وقيل: يعطونها نقداً لا نسيئة. وقيل: يعطونها مع إقرارهم بإنعام المسلمين عليهم بقبولها منهم {وهم صاغرون} من الصغار وهو الذل والإهانة يعني يعطون الجزية وهم أذلاء مقهورون وقال عكرمة: يعطون الجزية وهم قائمون والقابض جالس. وقال ابن عباس: تؤخذ الجزية من أحدهم وتوطأ عنقه وقال الكلبي: إذا أعطي يصفع قفاه وقال هو أن يؤخذ بلحيته ويضرب في لهزمتيه ويقال له أدِّ حق الله يا عدو الله وقال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: الصغار هو جريان أحكام المسلمين عليهم. (فصل في بيان أحكام الآية) اجتمعت الأمة على جواز أخذ الجزية من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى إذا لم يكونوا عرباً واختلفوا في أهل الكتاب العرب وفي غير أهل الكتاب من كفار العجم، فذهب الشافعي إلى أن الجزية على الأديان لا على الأنساب فتؤخذ من أهل الكتاب عرباً كانوا أو عجماً ولا تؤخذ من عبدة الأوثان بحال واحتج بما روي عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أكيد ردومة فأخذوه فأتوا به فحقن دمه وصالحه على الجزية أخرجه أبو داود وقال الشافعي: وهو رجل من العرب يقال إنه من غسان وأخذ من أهل ذمة اليمن وعامتهم عرب وذهب مالك والأوزاعي إلى أن الجزية تؤخذ من جميع الكفار إلا المرتد. وقال أبو حنيفة: تؤخذ من أهل الكتاب على العموم وتؤخذ من مشركي العجم ولا تؤخذ من مشركي العرب وقال أبو يوسف: لا تؤخذ من العربي كتابياً كان أو مشركاً وتؤخذ من العجمي كتابياً كان أو مشركاً وأما المجوس فاتفقت الصحابة على جواز الأخذ منهم ويدل عليه ما روي عن بجالة بن عبيدة ويقال عبدة: لم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر. أخرجه البخاري حديث : عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال ما أدري كيف أصنع في أمرهم فقال عبد الرحمن بن عوف أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" تفسير : أخرجه مالك في الموطأ عن ابن شهاب قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس البحرين وأن عمر أخذها من مجوس فارس وأن عثمان بن عفان أخذها من البربر أخرجه مالك في الموطأ وفي امتناع عمر من أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها منهم دليل على أن رأي الصحابة كان على أنها لا تؤخذ من كل مشرك وإنما تؤخذ من أهل الكتاب واختلفوا في أن المجوس هل هم من أهل الكتاب. فروي عن علي بن أبي طالب أنه قال كان لهم كتاب يدرسونه فأصبحوا وقد أسرى على كتابهم فرفع من بين أظهرهم واتفقوا على تحريم ذبائحهم ومناكحتهم بخلاف أهل الكتاب وأما من دخل في دين اليهود والنصارى من غيرهم من المشركين فينظر فإن كانوا قد دخلوا فيه قبل النسخ والتبديل فإنهم يقرون بالجزية وتحل مناكحتهم وذبائحهم وإن كانوا دخلوا فيه بعد النسخ بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم ونسخ شريعتهم بشريعته فإنهم لا يقرون بالجزية ولا تحل ذبائحهم ومناكحتهم ومن شككنا في أمرهم هل دخلوا فيه بعد النسخ أو قبله يقرون بالجزية تغليباً لحقن الدم ولا تحل ذبائحهم ومناكحتهم تغليباً للتحريم ومنهم نصارى العرب من تنوخ وبهراء وبني تغلب أقرهم عمر على الجزية. وقال: لا تحل لنا ذبائحهم وأما الصابئة والسامرة فسبيلهم سبيل أهل الكتاب فهم في أهل الكتاب كأهل البدع في المسلمين وأما قدرالجزية فأقلها دينار ولا يجوز أن يقنص عنه ويقبل الدينار من الغني والفقير والمتوسط ويدل عليه ما روي حديث : عن معاذ ابن جبل: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم أي محتلم ديناراً أو عدله من المغافرية ثياب تكون باليمن" تفسير : أخرجه أبو داود فالنبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ من كل محتلم وهو البالغ ديناراً ولم يفرق بين الغني والفقير والمتوسط وفيه دليل على أنه لا تؤخذ الجزية من الصبيان والنساء وإنما تؤخذ من الأحرار البالغين وذهب قوم إلى أن على كل موسر أربعة دنانير وعلى كل متوسط دينارين وعلى كل فقير ديناراً وهو قول أصحاب الرأي ويدل عليه ما روي عن أسلم أن عمر بن الخطاب ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعين درهماً ومع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام أخرجه مالك في الموطأ: قال أصحاب الشافعي: أقل الجزية دينار لا يزاد على الدنيار إلا بالتراضي فإذا رضي أهل الذمة بالزيادة ضربنا على المتوسط دينارين وعلى الغني أربعة دنانير قال العلماء: إنما أقر أهل الكتاب على دينهم الباطل بخلاف أهل الشرك حرمة لآبائهم الذين انقرضوا على الدين من شريعة التوراة والإنجيل قبل النسخ والتبديل وأيضاً فإن بأيديهم كتباً قديمة فربما تفكروا فيها فيعرفون صدق محمد صلى الله عليه وسلم وصحة نبوته فأمهلوا لهذا المعنى وليس المقصود من أخذ الجزية من أهل الكتاب إقرارهم على كفرهم بل المقصود من ذلك حقن دمائهم وإمهالهم رجاء أن يعرفوا الحق فيرجعوا إليه بأن يؤمنوا ويصدقوا إذا رأوا محاسن الإسلام وقوة دلائله وكثرة الداخلين فيه.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {عزير ابن} بالتنوين مكسورة للساكنين: عاصم وعلي وسهل ويعقوب. الباقون: بغير تنوين {يضاهئون} بالهمز. عاصم. الآخرون {يضاهون} بحذف الهمزة. {أن يطفوا} و {ليواطوا} بحذف الهمزة فيهما. يزيد وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة {اثنا عشر} بسكون العين: يزيد والخزاز {إنما النسي} بالتشديد: ورش من طريق النجاري وحمزة في الوقف. الباقون: بباء بعدها همزة. {يضل} بضم الياء وفتح الضاد: علي وحمزة غير العجلي وحفص وخلف لنفسه. {يضل} بضم الياء وكسر الضاد: العجلي وأوقية ورويس. الباقون {يضل} بفتح الياء وكسر الضاد. الوقوف: {صاغرون} ه {المسيح ابن الله} ط {بأفواههم} ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف {من قبل} ط {قاتلهم الله} ج {يؤفكون} ه {ابن مريم} ج لاحتمال الجملة بعده أن تكون حالاً واستئنافاً. {واحداً} ج لأن ما بعده يصلح ابتداء ووصفاً {إلا هو} ط {يشركون} ه {الكافرون} ه {كله} لا لتعلق "لو" بما قبله {المشركون} ه {عن سبيل الله} ط {في سبيل الله} لا لتعلق الفاء {أليم} ه لا أي في يوم. {وظهورهم} ط {تكنزون} ه {حرم} ط {يقاتلونكم كافة} ط {المتقين} ه {فيحلوا ما حرم الله} ط {أعمالهم} ط {الكافرين} ه. التفسير: إنه سبحانه لما ذكر شبهات المشركين وأجاب عنها بأجوبة صحيحة أراد أن يبين أحكام أهل الكتاب والمقصود تميزهم من المشركين في الحكم لأن الواجب في المشركين القتال إلى الإسلام، والواجب في أهل الكتاب القتال إلى الإسلام أو الجزية. واعلم أنه تعالى ذكر صفات أربع وأمر بقتال من اتصف بها ثم بين الموصوفين بها بقوله {من الذين أوتوا الكتاب} فدل ذلك على أن أهل الكتاب متصفون بتلك الصفات؛ فالصفة الأولى أنهم {لا يؤمنون بالله} فأورد عليه أن القوم يقولون نحن نؤمن بالله، وأجيب بأن إيمانهم بالله كلا أيمان لأنهم مشبهة وحلولية. واعترض ثانياً بأن كل من نازع في صفة من صفات الله وكان منكراً لله لزم أن يكون أكثر المتكلمين كذلك فالأشعري من أهل السنة أثبت البقاء صفة، والقاضي أنكره، وعبد الله بن سعيد أثبت القدم صفة، والباقون أنكروه، والقاضي أثبت لله إدراك الطعوم وإدراك الروائح والحرارة والبرودة والأستاذ أبو إسحق أنكره، والقاضي أثبت للصفات سبعة أحوال معللة بغير الصفات وغيره أنكره، وعبد الله ابن سعيد زعم أن كلام الله في الأزل ما كان أمراً ولا نهياً ولا خبراً ثم صار كذلك عند الإنزال، والآخرون أنكروه، وقوم من قدماء الأشاعرة أثبتوا لله خمس كلمات: الأمر والنهي والاستخبار والخبر والنداء. والمشهور أن كلام الله واحد. واختلفوا في أن خلاف المعلوم هل هو مقدور لله؟. وأما اختلافات المعتزلة وسائر الفرق فأكثر من أن تحصى ههنا. وأجيب بأن المجسم خالف في الذات لأنه يقول إن الإله جسم والبرهان دل على أن إله العالم ليس بجسم ولا جسماني. وأما الخلاف في المسائل المذكورة فراجع إلى الصفة فظهر الفرق. نعم إنا نكفر الحلولية والحروفية القائلين بأن كلام الله تعالى حل في كل لسان وفي كل جسم كتب فيه القرآن كما نكفر النصارى القائلين بأن أقنوم الكلمة حلت في عيسى. الصفة الثانية: أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر لأن اليهود والنصارى ينكرون المعاد الجسماني. والقرآن دل على أن أهل الجنة يأكلون ويشربون وباللذات يتمتعون، وأما السعادات الروحانية فمتفق عليها. الصفة الثالثة: {ولا يحرّمون ما حرم الله ورسوله} أي لا يحرّمون ما حرم الله في القرآن، والرسول في سنته كالخمر والخنزير ونحوهما. وقال أبو روق: أي لا يعملون بما في التوراة والإنجيل بل حرفوهما وأتوا بأحكام توافق مشتهاهم. الصفة الرابعة: {ولا يدينون دين الحق} أي لا يعتقدون صحة دين الإسلام الذي هو الحق. يقال: فلان يدين بكذا إذا اتخذ ذلك دينه ومعتقده. وقيل: الحق هو الله. ثم ذكر غاية القتال فقال {حتى يعطوا الجزية} فعله من جزى يجزي إذا قضى ما عليه. قال الواحدي: هي ما يعطى المعاهد على عهده. وقال في الكشاف: سميت جزية لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه أي يقضوه، أو لأنهم يجزون بها من منّ عليهم بالإعفاء عن القتل. ومعنى {عن يد} إن أريد بها يد المعطي أي عن يد مؤاتية غير ممتنعة يقال: أعطى بيده إذا انقاد وأصحب، أو المراد حتى يعطوها عن يد إلى نقداً غير نسيئة ولا مبعوثاً على يد أحد، وإن أريد بها يد الآخذ فمعناه حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية أي بسببها كقوله: شعر : ينهون عن أكل وعن شرب تفسير : أي يتناهون السمن بسببهما. أو المراد عن إنعام عليهم فإن قبول الجزية منهم بدلاً عن أرواحهم نعمة عظيمة عليهم. قيل: إن من اليهود موحدة فما وجه إيجاب الجزية عليهم؟ والجواب أنه إذا ثبت وجوب الجزية على بعضهم لزم القول في حق الكل لعسر الامتياز ولوجود الصفات الباقية فيهم. أما مقدار الجزية فعن أنس: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل محتلم ديناراً، وقسم عمر على فقرائهم في المدينة اثني عشر درهماً، وعلى الأوساط أربعة وعشرين، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين. فذهب الشافعي إلى أن أقل الجزية دينار لا يزاد على الدنيار إلا بالتراضي. وذهب أبو حنيفة إلى قسم عمر. والمجوس سبيلهم سبيل أهل الكتاب لقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : سنوا بهم سنة أهل الكتاب" تفسير : ويروى أنه صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر وذلك أن لهم شبهة كتاب. ومعنى ذلك أن كتبهم وهي الصحف التي أنزلت على إبراهيم صلى الله عليه وسلم قد رفعت إلى السماء لأحداث أحدثوها. وليس المقصود من أخذ الجزية تقرير الكفرة على كفرهم بدينار واحد حتى يصير موجباً للطعن، وإنما الغرض حقن دمائهم وإمهالهم مدة لعلهم يتفكرون في كتابهم فيعرفون صدق محمد وما دعاهم إليه. وأيضاً فيه حرمة أنبيائهم وحرمة كتابهم وحرمة آبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل. وأما قوله {وهم صاغرون} فمعناه أنه لا بد مع أخذ الجزية من إلحاق الذل والصغار بهم. والسبب فيه أن طبع العاقل ينفر عن تحمل الذل فإذا أمهل الكافر مدة وهو يشاهد عزّ الإسلام وذل الكفر ويسمع الدلائل فالظاهر أن مجموع ذلك يحمله على الانتقال إلى الإسلام. وفسروا الصغار في الآية بأخذ الجزية على سبيل الإهانة بأن يكون الذمي قائماً والمسلم الذي يأخذ الجزية قاعداً ويأمره بأن يخرج يده من جيبه ويحني ظهره ويطأطىء رأسه فيصب ما معه في كفة الميزان ويأخذ المستوفي بلحيته ويضرب في لهزمتيه. وهذه الهيئة مستحبة على الأصح لا واجبة. وقيل: الصغار هو نفس أخذ الجزية. والجزية تسقط بالإسلام عند أبي حنيفة دون الشافعي. وإنها تؤخذ عند أبي حنيفة في أوّل السنة وعند الشافعي في آخرها. ولا تؤخذ من فقير لا كسب له ولا من امرأة وخنثى ولا صبي ولا مجنون وعبد ولا من سيده بسببه، وتضرب على الزمن والعسيف والشيخ الفاني والراهب والأعمى على الأصح من قولي الشافعي، لأن الجزية بمنزلة الكراء يستوي فيه المعذورون وغيرهم. قال الشافعي في أحد قوليه. العاجز عن الكسب يعقد له الذمة بالجزية فإذا تم الحول أخذنا إن أيسر وإلا فهي في ذمته إلى أن يوسر وهكذا في كل حول. ولا يصح عقد الذمة إلا من الإمام أو نائبه الذي فوضه إليه لأنه من الأمور الكلية. وكيفية العقد أن يقول: أقررتكم وأذنت لكم في الإقامة في دار الإسلام على أن تبذلوا كذا وتنقادوا لأحكام الإسلام التي يراها الإمام. ولا يقرأ أهل الكتاب بالجزية في أرض الحجاز لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : أخرجوا اليهود من الحجاز"تفسير : قال الشافعي: هو مكة والمدينة ومخالفيهما أي قراهما. وما روي أنه صلى الله عليه وسلم أوصى بأن يخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب فمحمول على أنه أراد الحجاز جمعاً بين الحديثين. وقد بقي في الآية نكته ذكرها بعض العلماء في أن المسلم لا يقتل بالذمي قال: لأن قوله {قاتلوا} مشتمل على إباحة دمهم وعلى عدم وجوب القصاص بسبب قتلهم فلما قال {حتى يعطوا الجزية} علمنا أن المجموع انتفى عند إعطاء الجزية، ولكن انتفاء المجموع يكفي فيه انتفاء أحد جزأيه وأحد الجزأين - وهو وجوب قتلهم - مرتفع بالاتفاق فيبقى الآخر وهو عدم وجوب القصاص بقتلهم بعد أداء الجزية كما كان. ولقائل أن يقول: لا نزاع في الاحتمال ولكن ما الدليل على عدم وجوب القصاص وأنت بصدد إثباته؟. ولما حكم في الآية المتقدمة أن أهل الكتاب لا يؤمنون بالله شرع في إثبات تلك الدعوى فقال {وقالت اليهود عزير ابن الله} الآية. العلم مبتدأ والابن خبره ومن أسقط التنوين من عزير فلأنه اسم أعجمي زائد على ثلاثة أحرف فيمتنع من الصرف كعازر. وقيل: منصرف لكونه عربياً وكان الوجه كسر التنوين كقراءة عاصم ولكنه أسقط التنوين للساكنين على مذهب بعضهم. أو لأن الابن وقع وصفاً والخبر محذوف وهو معبودنا. وطعن في هذا الوجه عبد القاهر باستلزامه احتمال توجه الذم إلى الخبر دون الوصف. وحينئذ يحصل تسليم كونه ابناً لله ومعلوم أن ذلك كفر. وهذا قول ناس من اليهود بالمدينة. وما هو بقول كلهم إلا أنه جاء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد. يقال: فلان يركب الخيول أو يجالس الملوك. ولعله لم يركب أو لم يجالس إلا واحداً. عن ابن عباس: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا ذلك. وعنه أيضاً أن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق فأنساهم الله التوراة ونسخها من صدورهم، فتضرع عزير إلى الله تعالى وابتهل إليه فعاد حفظ التوراة إلى قلبه فأنذر قومه، فلما جربوه وجدوه صادقاً فيه فقالوا: هذا ابن الله. وقال عبيد بن عمير: إنما قال هذا القول رجل من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء. وقيل: لعل هذا المذهب كان فاشياً فيهم ثم انقطع، ولا عبرة بإنكار اليهود قول الله أصدق. وقال في الكشاف: الدليل على أن هذا القول كان فيهم أن الآية تليت عليهم فما أنكروا ولا كذبوا مع تهالكهم على التكذيب. وأما النصارى فلا شك أنهم يقولون ذلك وقد حكى الواحدي في سبب ذلك أن أتباع عيسى كانوا على الحق بعد رفع عيسى إلى السماء حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود وكان في اليهود رجل شجاع، يقال له بولس. قتل جمعاً من أصحاب عيسى ثم قال لليهود: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار وإني أحتال فأضلهم، فعرقب فرسه وأظهر الندامة بما كان يصنع ووضع على رأسه التراب وقال: نوديت من السماء ليس لك توبة إلا أن تنتصر وقد تبت فأدخله النصارى الكنيسة. ومكث سنة لا يخرج وتعلم الإنجيل فصدقوه وأحبوه ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم رجلاً اسمه نسطور وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة، وتوجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت وقال: ما كان عيسى إنساناً ولا جسماً ولكنه الله. وعلم رجلاً آخر - يقال له يعقوب - ذلك ثم دعا رجلاً - يقال له ملكاً - فقال له: إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى. ثم دعا هؤلاء الثلاثة وقال لكل واحد منهم: أنت خليفتي فادع الناس إلى نحلتك، ولقد رأيت عيسى في المنام ورضي عني وإني غداً أذبح نفسي لمرضاة عيسى، ثم دخل المذبح فذبح نفسه. هذا هو السبب في وقوع هذا الكفر في طوائف النصارى. الأقرب أن لفظ الابن قد وقع في الإنجيل على سبيل التشريف حيث قال: إنك أنت الابن الوحيد كما وقع لفظ الخليل في حق إبراهيم عليه السلام. وقال المسيح عليه السلام للحواريين: أحبوا أعداءكم وباركوا على لاعنيكم وأحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا على من يؤذيكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء الذي أشرق شمسه على الصالحين والفجرة. ثم إن القوم لأجل عداوة اليهود ولأجل أن يقابلوا غلوهم الفاسد في أحد الطرفين بلغو فاسد في الطرف الآخر حملوا لفظ الابن على البنوة الحقيقية والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. ثم قال سبحانه {ذلك قولهم بأفواههم} وفائدة هذا التخصيص - وكل قول فإنما يقال بالفم - أنه قول لا يعضده برهان بل البرهان دال على نقيضه لاستحالة إثبات الولد لمن هو مبرأ عن الحاجة والشهوة والمضاجعة واتخاذ الصاحبة، فما هو إلا لفظ يفوهون به فارغ من معنى تحته كالألفاظ المهملة التي لا تجاوز الحناجر ولا يؤثر معناها في القلب بل لا معنى لها حتى تؤثره، نظيره قوله{أية : وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم}تفسير : [النور: 15] أو نقول: إن الإنسان قد يختار مذهباً ولكن لا يصرح به ولا يذكره بلسانه، أما إذا نطق به فذلك هو الغاية في اختياره وإذا ساعده عليه دليل كان نهاية في الحسن والتأثير. فالمارد بالقول المذهب وأنهم يصرحون به لا يخفونه ألبتة، أو أنه مذهب لا يساعده دليل فلا تأثير له في القلوب. ويحتمل أن يراد أنهم دعوا الخلق إلى هذه المقالة حتى وقعت في الأفواه والألسنة {يضاهنون} من قرأ بغير همز فظاهر لأنه من ضاهى يضاهي منقوصاً أي شاكل، ومن قرأ بالهمز فلمجيء ضاهأت من قولهم امرأة ضهيأ على وزن "فعيل" وهي التي شاكلت الرجال في أنها لا تحيض ومن جعل ضهيأ على "فعلأ" بزيادة الهمزة كما في "غرقىء" لقشرة البيض السفلى لمجيء ضهياء ممدوداً بمعناه فلا ثبت في هذا الثاني عنده. ولا بد من تقدير مضاف أي يضاهي قولهم قول الذين، حذف المضاف وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعاً لفقد الجار. والمعنى أن قول هؤلاء المعاصرين للنبي من أهل الكتاب يشبه قول قدمائهم أي إنه كفر قديم فيهم غير مستحدث، أو يضاهي قول أهل الكتاب قول المشركين القائلين الملائكة بنات الله. وقيل: الضمير في {يضاهئون} للنصارى فقط أي يشاكل قول النصارى "المسيح ابن الله" قول اليهود "عزير ابن الله" لأن اليهود أقدم منهم. ثم قال على عادة محاورات العرب معجباً ومستفهماً على سبيل الإنكار {قاتلهم الله أنى يؤفكون} كيف يصرفون عن الحق أي هم أحقاء بأن يقال لهم هذا تعجباً من شناعة قولهم كما يقال القوم ركبوا شنعاء: قاتلهم الله ما أعجب فعلهم، ولمن ضل عن الطريق أين تذهب؟. ثم وصفهم بضرب آخر من الإشراك فقال {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم} قال أهل المعاني: الحبر العالم الذي يعبر عما يريد بأحسن بيان، والراهب الذي ظهرت أثار الرهبة من قلبه على وجهه ولباسه، ولكن في عرف الاستعمال اختص الأحبار بعلماء اليهود من ولد هارون. والرهبان بعلماء النصارى من أصحاب الصوامع. واختلفوا في معنى اتخاذهم إياهم أرباباً بعد الاتفاق على أنه ليس المراد أنهم جعلوهم آلهة العالم فقال أكثر المفسرين: المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم. نقل أن عدي بن حاتم كان نصرانياً فانتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ سورة براءة، فلما وصل إلى هذه الآية قال عدي: إنا لسنا نعبدهم فقال: أليس تحرّمون ما أحلّ الله وتحلون ما حرم الله؟ فقلت: بلى. فقال: فتلك عبادتهم. قال الربيع: قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟ فقال: إنهم ربما وجدوا في كتاب الله ما يخالف قول الأحبار والرهبان فكانوا يأخذون بأقوالهم وما كانوا يقبلون حكم الله. قال العلماء: إنما لم يلزم تكفير الفاسق بطاعة الشيطان خلاف ما عليه الخوارج لأن الفاسق وإن كان يقبل دعوة الشيطان إلا أنه يلعنه ويستخف به بخلاف أولئك الأتباع المعظمين لمتبوعهم. قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى: قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله في مسائل كانت تلك الآيات مخالفة لمذهبهم فيها فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا إليها وكانوا ينظرون إليّ كالمتعجب يعني كيف الآيات مع أن الرواية عن سلفنا. وردت بخلافها، ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا سارياً في عرف الأكثرين. وقلت: ولعلهم توقفوا لحسن ظنهم بالسلف لأنهم ربما وقفوا من تلك الآي على ما لم يقف عليه الخلف. وقيل في تفسير هذه الربوبية: إن الجهال والحشوية إذا بالغوا في تعظيم شيخهم وقدوتهم فقد يميل طبعهم إلى الحلول والاتحاد، وقد يساعدهم الشيخ في ذلك إذا كان مزوّراً طالباً للدنيا وقد يرضى بسجودهم له تعظيماً وإجلالاً مع أن السجود عبادة لا تليق إلا بالله. وإذا كان هذا مشاهداً في هذه الأمة فكيف بالأمم السالفة؟! وأما المسيح فحين جعلوه ابناً لله فقد أهلوه للعبادة والإلهية، ولعل السبب في إفراد المسيح بالذكر أن قولهم فيه أشنع من قولهم في الأحبار والرهبان، أو لأن القول بإلهية المسيح مخصوص بأحد الفريقين. فلو قيل اتخذوا أحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أرباباً لأوهم اشتراك الفريقين في اتخاذ المسيح رباً {وما أمروا} الضمير للمتخذين. والذي أمرهم بذلك أدلة العقل والكتب السماوية، وفي القرآن حكاية عن المسيح{أية : أنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة}تفسير : [المائدة: 72] ويجوز أن يكون الضمير للأحبار والرهبان أي وما أمر هؤلاء الذين هم عندهم أرباب إلا بأن يكونوا مربوبين. ثم نزه نفسه عن مقالة الظالمين فقال {سبحانه عما يشركون} ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعال أهل الكتاب وهو سعيهم في أبطال أمر محمد وجدهم في إخفاء الدلائل الدالة على صحة نبوّته فقال {يريدون أن يطفئوا نور الله} أي دينه الثابت بالدليل المشبه بالنور لاشتراكهما في الاهتداء بهما. وذلك أن دين محمد مؤيد بالمعجزات الباهرة التي بمثلها ثبتت نبوّة موسى وعيسى ولا سيما بالقرآن، وحاصل شرعه تعظيم الله وتنزيهه عما لا يليق به والانقياد لطاعته وصرف النفس عن الأمور الفانية والترغيب في السعادات الباقية، ثم إنهم بكلماتهم الركيكة وشبهاتهم السخيفة أرادوا إبطال هذه الدلائل فكانوا كمن يريد إبطال نور الشمس الذي هو أشد الأنوار المحسوسة بسبب أن ينفخ فيه. ولا ريب أن ذلك سعي باطل وكيد زاهق ولهذا قال {ويأبى الله إلا أن يتم نوره} أي لم يرد الله إلا ذلك إلا أن الإباء يفيد زيادة على عدم الإرادة وهي المنع والامتناع قال: شعر : وإن أرادوا ظلمنا أبينا تفسير : امتدح بذلك ولا يجوز أن يمتدح بأنه يكره الظلم لأن ذلك يستوي فيه القوي والضعيف. وفيه وعد بمزيد النصرة والقوة وإعلاء الدرجة. ثم أكد ذلك المعنى بقوله {هو الذي أرسل رسوله بالهدى} أي بكثرة الدلائل والمعجزات {ودين الحق} لاشتماله على أمور تظهر لكل أحد كونه موصوفاً بالصواب ومطابقاً للحكمة ومؤدياً إلى صلاح الدنيا والآخرة. ثم بيّن غاية أمره وتمام حكمه فقال {ليظهره على الدين كله} أي ليجعل الرسول أو دين الحق غالباً على أهل الأديان كلهم أو على كل دين. عن أبي هريرة أنه قال هذا وعد من الله بأن يجعل الإسلام ظاهراً على جميع الأديان. وتمام هذا إنما يظهر عند خروج المهدي ونزول عيسى وقال السدي: ذلك عند خروج المهدي عليه السلام لا يبقى أحد إلا دخل الإسلام وأدّى الخراج. قلت: قد دخل في عصرنا من الملوك الكفرة ومن أشياعهم في الإسلام ما لا يعدّ ولا يحصى، وازدياد ذلك كل يوم دليل ظاهر على أن الكل سيدخلون في الإسلام. وقد جاء في الحديث:"حديث : زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى ما زوي لي منها" تفسير : وقيل: ليظهر الإسلام على غيره في جزيرة العرب. وهذا تخصيص أوجبه ضيق العطن. وقيل: ليظهر الرسول على جميع شرائط الدين حتى لا يخفى عليه شيء من مدارك الأحكام. وقيل ليظهره بالحجة والبرهان لأن غلبة الكفار في بعض الأقطار ظاهرة. ولقائل أن يقول: إن المسلمين في تلك البلاد وإن قلوا غالبون على الكفار وإن كثروا بدليل أنهم لا يمنعونهم من إظهار شعائر الإسلام والتزام أحكامه، قوله {هو الذي أرسل} فيه مدح منه تعالى لنفسه من جهة أنه هو القادر على إبداء مثل هذا الأمر العظيم ومن جهة أنه هو الغالب على إيصاله إلى حيث شاء وأراد من غير معاند ولا منازع، ومن جهة أنه هو المعطي لمثل هذه النعمة التي لا يوازيها نعمة وهي نعمة الهدى والإسلام. وقوله {ولو كره الكافرون} وفي الآية الثانية {ولو كره المشركون} إما متساويا الدلالة تنبيهاً على أن اليهود والنصارى أيضاً مشركون، وإما تخصيص بعد تعميم، ولعله رغم لأنف مشركي قريش ثم لما وصف رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر وادعاء الربوبية والترفع على الخلق أراد أن يصفهم بالطمع والحرص فقال {يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان} الآية. وفيه تنبيه على أن مقصودهم من إظهار تلك الربوبية والتجبر تحصيل حطام الدنيا. قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله. ولعمري أن من تأمل في أحوال أهل الناقوس والتزوير في زماننا وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم وشرح أحوالهم، فترى الواحد منهم يدعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا يعلق خاطره بجميع المخلوقات وأنه من الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك ويتحمل الذل والدناءة في تحصيله. وفي قوله {كثيراً} دلالة على أن هذه الطريقة طريقة بعضهم لا كلهم، فإن العالم لا يخلو عن المحق وإطباق الكل على الباطل وإثبات ذلك كالممتنع، وهذا يوهم أنه كما أن إجماع هذه الأمة على الباطل لا يحصل فكذلك في سائر الأمم. وعبر عن أخذهم أموال الناس بالأكل تسمية للشيء باسم ما هو أعظم مقاصده. وأيضاً من أكل شيئاً فقد ضمه إلى نفسه ومنعه عن الوصول إلى غيره كما لو أخذه، ولهذا فإن من أخذ أموال الناس فإذا طولب بردها قال أكلتها وما بقيت فلا قدرة لي على ردّها. وفي تفسير الباطل وجوه: منها أنهم كانوا يأخذون الرشا في تخفيف الأحكام والمسامحة في الشرائع وفي إخفاء نعت محمد وتأويل الدلائل الدالة على نبوّته. ومنها أنهم كانوا يدّعون عند عوامهم الحمقى أنه لا سبيل إلى الفوز بمرضاة الله تعالى إلا بخدمتهم وطاعتهم وبذل الأموال في مرضاتهم، والعوام كانوا يغترون بتلك الأكاذيب. ومنها أنهم قالوا لا طريق إلى تقوية دينهم إلا إذا كان أولئك الفقهاء أقوياء عظماء أصحاب الجاه والحشمة والأموال كما يفعله المزوّرون في زماننا هذا. أما قوله {ويصدّون عن سبيل الله} فمعناه يبالغون في المنع من متابعة محمد كيلا يبطل جاههم وحشمتهم عند العوام لو أقروا بدينه. ثم قال سبحانه {والذين يكنزون} الكنز هو المال المدفون وقد كنزه يكنزه. والتركيب يدل على الجمع ومنه ناقة كناز مكتنزة اللحم، واكتنز الشيء اجتمع. قيل: المراد بقوله {والذين يكنزون} الأحبار والرهبان لما وصفهم بالحرص الشديد، أراد أن يصفهم بالامتناع من إخراج الواجبات عن أموالهم. وقيل: المقصود مانعو الزكاة من المسلمين. ووجه النظم أنه لما كان حال من أمسك مال نفسه بالباطل كذلك فما ظنك بحال من سعى في أخذ مال غيره بالباطل والخديعة؟! عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر فقلت له: ما أنزلك هذه البلاد؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب. وقلت: نزلت فينا وفيهم فصار ذلك سبباً للوحشة. فكتب إلي عثمان يشكوني فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة، فلما قدمت المدينة انحرف الناس عني كأنهم لم يروني من قبل، فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحيت فكنت قريباً. قلت: إني والله لا أدع ما كنت أقول. وعن الأحنف قال: لما قدمت المدينة رأيت أبا ذر يقول: بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه. فلما سمع القوم ذلك تركوه فاتبعته وقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم. فقال: ما عسى يصنع بي قريش. واختلف علماء الصحابة في هذا الكنز المذموم فقال الأكثرون: هو المال الذي لم تؤّد زكاته. عن عمر بن الخطاب: مال أديت زكاته فليس بكنز. وقال ابن عمر: كل ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤدّ زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض. وقال جابر: إذا أخرجت الصدقة من مالك فقد أذهبت عنه شره وليس بكنز. وعن ابن عباس: قوله {ولا ينفقونها في سبيل الله} يريد الذين لا يؤدّون زكاة أموالهم. قال القاضي: ويندرج فيه سائر الحقوق من الكفارات والديون ونفقة الحج والجهاد والإنفاق على الأهل والعيال وضمان المتلفات وأروش الجنايات. وقال الأقلون: كل مال كثير فهو مذموم سواء أديت زكاته أو لم تؤد. وحجة الأولين قوله تعالى{أية : لها ما كسبت}تفسير : [البقرة: 286]{أية : ولا يسألكم أموالكم} تفسير : {محمد: 36] وقوله عليه السلام: حديث : كل امرىء أحق بكسبه" "حديث : نعم المال الصالح للرجل الصالح ما أدّيت زكاته فليس بكنز وإن كان باطناً، وما بلغ أن يزكى ولم يزك فهو كنز وإن كان ظاهراً"تفسير : وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع من الأغنياء كعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وكان يعدّهم من أكابر المؤمنين، وقد ندب إلى إخراج الثلث أو الأقل في المرض ولو كان جمع المال محرماً لكان يأمر المريض أن يتصدق بالكل بل الصحيح في حال صحته. حجة الأقلين عموم الآية حديث : وما روى سالم بن الجعد أنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تباً للذهب تباً للفضة قالها ثلاثاً" فقالوا له صلى الله عليه وسلم: أي مال نتخذ؟ قال: "لساناً ذاكراً وقلباً خاشعاً وزوجة تعين أحدكم على دينه"تفسير : . وقوله: "حديث : من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها"تفسير : وتوفي رجل فوجد في مئزره دينار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كية. وتوفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال: كيتان. وعن عليّ رضي الله عنه: كل مال زاد على أربعة آلاف فهو كنز أديت منه الزكاة أو لم تؤد. ومن المعقول أن الله تعالى خلق الأموال لدفع الحاجات فإذا حصل للمرء منه ما زاد على قدر حاجته ومنع منه الغير كان مانعاً من ظهور حكمة الله ودافعاً لوجوه الإحسان إلى عبيده. وقد رام طائفة من العلماء الجمع بين القولين فقالوا: كان هذا قبل أن تفرض الزكاة، فأما بعد فرض الزكاة فالله أعدل وأكرم من أن يجمع عبده مالاً من حيث أذن له فيه ويؤدي عنه ما أوجب عليه ثم يعاقبه. وقال أهل التحقيق: النهي عن جمع المال محمول على التقوى لأن تزايد المال لا حد له يقف هنالك فينجز إلى تضييع العمر تارة في تحصيله وأخرى في حفظه، لأنه كلما ازداد المال ازدادت لذته بذلك فيشتد حرصه ولا ينقطع البتة، وقد يفضي إلى الطغيان والخذلان كقوله تعالى{أية : إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى}تفسير : [العلق: 6، 7] ولو لم يكن في الفقر سوى الانكسار وقلة التعلق وفراغ البال لكفى بها منقبة وفخراً، وكل ما يلهيك عن الله ولم يكن في سبيل الله فعدمه خير من وجوده. وأما ظاهر الفتوى فهو أن صاحب المال الكثير لا عتب عليه إذا أدّى منه حقوقه. هذا ومن حمل الآية على وعيد مانعي الزكاة في النقود قاس الزكاة في المواشي عليه. وقد ورد أيضاً في الحديث:"حديث : ما من صاحب إبل أو بقر أو غنم"تفسير : وهو مشهور. ولا ريب أن الأصل المعتبر في الأموال هو النقدان، وسائر الأمتعة إنما تحصيل بهما وتدور عليهما. ولمن أوجب الزكاة في الحلي المباح الاستدلال بالآية لأن الذهب والفضة يشمله، ومن لم يوجب الزكاة فيه خصص عموم الآية بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : لا زكاة في الحلي المباح"تفسير : ولم يصححه أبو عيسى الترمذي. وبتقدير أن يصح حملوه على اللآلىء لقوله تعالى {أية : وتستخرجون حلية تلبسونها}تفسير : [فاطر: 12] ولقائل أن يقول: لو حملنا الحلي في الحديث على اللآلىء لم تبق لقيد المباح فائدة، ثم إنه تعالى ذكر شيئين الذهب والفضة ثم قال {ولا ينفقونها} فقيل: الضمير عائد إلى المعنى وهو الكنوز أو الأموال، أو لأن كل واحد منهما جملة واحدة وافية وعدة كثيرة ودراهم ودنانير فهو كقوله{أية : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا}تفسير : [الحجرات: 9] وقيل: إلى اللفظ أي ولا ينفقون الفضة. وحذف الذهب إما لأنه داخل في الفضة من حيث كونهما جوهرين ثمينين نفيسين مقصودين بالكنز فأغنى ذكر أحدهما عن الآخر كقوله{أية : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها}تفسير : [الجمعة: 11]{أية : ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً}تفسير : [النساء: 112] وإما لأن التقدير والذهب كذلك كما أن معنى قوله: شعر : فإني وقيار بها لغريب تفسير : وقيار كذلك. ثم قال {فبشرهم بعذاب أليم} تهكماً مثل قولهم: تحيتهم الضرب وإكرامهم الشتم. ولو قيل: البشارة وهي الخبر الذي يؤثر في القلب فيتغير بسببه لون بشرة الوجه سواء كان من الفرح أو من الغم كان حقيقة {يوم يحمى عليها} معناه أن النار تحمى عليها أي يوقد عليها نار ذات حمى وحر شديد من قوله{أية : نار حامية}تفسير : [القارعة: 11] ولو قيل يوم تحمى أي الكنوز كقولك: أحميت الحديد لم يفد هذا المعنى وإنما ذكر الفعل مع أن الإحماء للنار لأنه مسند إلى الجار والمجرور بعد حذف النار كما تقول: رفعت القصة إلى الأمير. فإن لم تذكر القصة قلت: رفع إلى الأمير. {فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} ذكر العلماء في تخصيص هذه الأعضاء بالكي وجوهاً منها. إن حصول الأموال يقصد به فرح القلب يظهر أثره في الوجه وشبع ينتفخ بسببه الجنبان ولبس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم فعورضوا بنقيض المقصود. ومنها أن هذه الأعضاء يعظم تألمها لكونها مجوّفة ولما في داخلها من الأعضاء الشريفة. ومنها أنهم يكوون على الجهات الأربع، أما من قدام فعلى الجبهة، وأما من خلف فعلى الظهر، وأما من اليمين واليسار فعلى الجنبين. ومنها أن المراد وقوع الكي على كل الأعضاء لأنها إما في غاية النظافة ومثاله الجبهة، وإما في غاية الصلابة ومثاله الظهر، وإما متوسطة ومثاله الجنبان. ومنها أن الجمال في الوجه والقوة في الظهر والجنبين والإنسان إنما يطلب المال للجمال والقوة فعورض بإزالتهما. ومنها قول أبي بكر الوراق: خصت بالذكر لأن صاحب المال إذا رأى الفقير قبض جنبيه، وإذا قعد بجنبه تباعد وتجافى عنه وولى ظهره. وأنا أقول: يحتمل أن يراد بالجباه قدام الشخص حيث لم يقدم لنفسه خير، أو بالظهور جهة الخلف حيث خلف ما أعقبه الحسرات وبالجنوب اليمين والشمال حيث لم يصرف المال في مرضاة الله وأنفقه في معصيته وسخطه وهذا بالتأويل أليق. ثم الذي جعل كياً هو كل ماله أو قدر الزكاة الظاهر أنه الكل لأنه لما لم يخرج منه الحق كان ذلك الجزء شائعاً في كل ماله فناسب أن يعذب بكل الأجزاء ثم قال {هذا ما كنزتم} والتقدير فيقال لهم هذا ما كنزتم {لأنفسكم} وفيه توبيخ وإشعار بأنهم عورضوا بنقيض ما قصدوا وأكد ذلك بقوله {فذوقوا ما كنتم تكنزون} ما مصدرية أو موصولة والمعنى اعرفوا وبال كونكم كانزين، أو ذوقوا وبال المال الذي كنتم تكنزونه. ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أعمال اليهود والنصارى والمشركين فقال {إن عدّة الشهور} الآيتان وذلك أنه تعالى لما حكم في كل وقت بحكم خاص فإذا غيروا تلك الأوقات بسبب النسيء والكبيسة كان ذلك سعياً منهم في تغيير حكم الله بحسب الهوى فكان ذلك زيادة في كفرهم. واعلم أن المعالم الشرعية كلها منوطة بالشهور القمرية الهلالية لقوله سبحانه{أية : قل هي مواقيت للناس والحج}تفسير : [البقرة: 189] والسنة القمرية. عبارة عن اثني عشر شهراً قمرياً بدليل قوله تعالى {إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً} قال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن يتعلق قوله {في كتاب الله} بقوله {عدّة الشهور} للفصل بالأجنبي وهو الخبر أعني اثنا عشر. فقوله {في كتاب الله} و {يوم خلق} الثاني بدل من الأول وهو من عند. والتقدير إن عدّة الشهور عند الله في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض. وفائدة الإبدالات تقدير الكلام في الأذهان لأنه يعلم منه أن ذلك العدد واجب عند الله وثابت في عمله في أول ما خلق الله العالم. ويجوز أن يكون {في كتاب الله} صفة اثنا عشر أي اثنا عشر شهراً مثبتة في كتاب الله وعلى هذا لا يجوز أن يراد بالكتاب كتاب من الكتب لأن {يوم} متعلق به ولا تتعلق الظروف بأسماء الأعيان. لا يقال: غلامك يوم الجمعة بل الكتاب يكون مصدراً بمعنى المفعول أي فيما أثبته في ذلك اليوم اللهم إلا إذا قدر الكلام هكذا. إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً مكتوباً في كتاب الله يوم خلق. قال ابن عباس: هو اللوح المحفوظ. وقيل: القرآن. {منها أربعة حرم} ثلاثة سرد أي مسرودة ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد فرد وهو رجب {ذلك الدين القيم} يعني أن تحريم الأشهر الحرم الدين المستقيم الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل وقد توارثته العرب منهما، وكانوا يعظمونها ويحرّمون القتال فيها حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو أخيه تركه {فلا تظلموا فيهن} أي في الأشهر الأربعة {أنفسكم} بأن تجعلوا حرامها حلالاً. عن عطاء قال: تالله ما يحل للناس أن يغزو في الحرم ولا في الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا وما نسخت. وعن الحسن مثله لأنه فسر الدين القيم بأنه الثابت الدائم الذي لا يزول. وعن عطاء الخراساني: أحلت القتال في الأشهر الحرم {براءة من الله ورسوله} وقيل: معناه لا تأثموا فيهن بياناً لعظم حرمتهن كما عظم أشهر الحج بقوله{أية : فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق}تفسير : [البقرة: 197] والسبب فيه أن لبعض الأوقات أثراً في زيادة الثواب أو العقاب كالأمكنة، وكانت الحكماء يختارون لإجابة الدعاء أوقاتاً مخصوصة. وفيه فائدة أخرى هي أن الإنسان جبل مطبوعاً على الظلم والفساد، ومنعه من ذلك على الإطلاق شاق عليه فخص بعض الأزمنة والأمكنة بطاعة ليسهل عليه الإتيان بها فيهما ولا يمتنع عن ذلك. ثم لو اقتصر على ذلك فهو أمر مطلوب في نفسه وإن جره ذلك إلى الاستدامة والاستقامة بحسب الإلفة والاعتياد أو لاعتقاده أن الإقدام على ضد ذلك يبطل مساعيه السالفة فذلك هو المطلوب الكلي. ولا ريب أن تخصيص ذلك من الشارع أقرب إلى اتحاد الآراء وتطابق الكلمة. وقيل: الضمير في قوله {فيهن} عائد إلى {اثنا عشر} والمقصود منع الإنسان من الإقدام على الفساد مدة عمره، أو المراد المنع من النسيء على ما يجيء. قال الفراء: الأولى رجوع الضمير إلى الأربعة لقربها ولما ذكرنا أن لهذه الأشهر مزيد شرف، فناسب أن تخص بالمنع من الظلم، ولأن العرب تختار فيما بين الثلاثة إلى العشرة ضميراً الجماعة، وفيما جاوز العشرة وهو جمع الكثرة تختار ضمير الوحدة. قال حسان: شعر : لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما تفسير : ويقال: لثلاث خلون من شهر كذا ولإحدى عشرة ليلة خلت. ثم قال عز من قائل {وقاتلوا المشركين} وظاهر الآية يدل على إباحة القتال في جميع الأشهر لأن الأمر الوارد عقيب الحرمة يدل على الإباحة. ومعنى {كافة} جميعاً لأنهم إذا اجتمعوا تزاحموا فكف بعضهم بعضاً. ونصبه على المصدر عند بعضهم لأنه مثل العاقبة والعافية. وقال الزجاج: نصبه على الحال. ولا يجوز أن يثنى ويجمع ويعرف باللام كقولك: قاموا معاً وقاموا جميعاً. وفي وجه التشبيه في قوله {كما يقاتلونكم كافة} قولان: فعن ابن عباس: قاتلوهم بكليتهم ولا تحابوا بعضهم بترك القتال كما أنهم يستحلون قتال جميعكم. وقيل: قاتلوهم بأجمعكم غير متفرقين في مقاتلة الأعداء ومقابلتهم. فعلى الأول يكون {كافة} حالاً من المفعول وعلى الثاني يكون حالاً من الفاعل وفي قوله {واعلموا أن الله مع المتقين} حث لهم على التقوى وعلى الجهاد بضمان النصر والمعونة. ثم فسر الظلم المنهى عنه في الآية المتقدمة وأكد النهي عنه بقوله {إنما النسيء} وهو مصدر نسأ إذا أخر كالنذير والنكير. وقال قطرب: أصله الزيادة من قوله: نسأت المرأة إذا حبلت لزيادة الولد فيها. وردّ بأنه يقال لها ذلك فيؤول لتأخر حيضها. وقيل: هو معنى منسوء كقتيل بمعنى مقتول. واعترض بأن المؤخر هو الشهر المعنى إلى أن الشهر زيادة في الكفر وهذا الحمل غير صحيح. ويمكن أن يجاب بأن المراد أن العمل الذي بسببه يصير الشهر الحرام مؤخراً زيادة في الكفر. احتج الجبائي ههنا بأن الكفر يقبل الزيادة فكذا الإيمان. وأيضاً أطلق الكفر على هذا العمل فتركه يكون إيماناً فلا يكون الإيمان مجرد الاعتقاد والإقرار. وأجيب بأن الزيادة راجعة إلى الكمال وإنما سمي هذا العمل كفراً لأنه يؤول إلى اعتقاد تحليل ما هو حرام وبالعكس. وفي قوله {يضل به الذين كفروا} بحث مشهور بين المعتزلة وغيرهم أن إسناد الإضلال إلى الله تعالى بالمجاز أو بالحقيقة وقد مر مراراً. قوله {يحلونه عاماً} الضمير فيه عائد إلى النسيء. قال الواحدي: أي يحلون التأخير عاماً وهو العام الذي يريدون أن يقاتلوا فيه في الشهر الحرام. ويحرّمون التأخير عاماً آخر وهو الذي يتركون فيه الشهر الحرام على تحريمه. قال المفسرون: إنهم كانوا أصحاب حروب وغارات وكان يشق عليهم مكث ثلاثة أشهر متوالية من غير قتل وغارة، فإذا اتفق لهم في شهر منها أو في المحرم حرب وغارة أخروا تحريم ذلك الشهر إلى شهر آخر. قال الواحدي وأكثر العلماء: على أن هذا التأخير كان من المحرم إلى صفر. ويروى أنه حدث ذلك في كنانة لأنهم كانوا فقراء محاويج إلى الغارة، وكان جنادة بن عوف الكناني مطاعاً في قومه وكان يقوم على جمل في الموسم فيقول بأعلى صوته: إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه. ثم يقوم في القابل فيقول: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرّموه. والأكثرون على أنهم كانوا يحرمون من جملة شهور العام أربعة أشهر وذلك قوله {ليواطئوا عدّة ما حرم الله} أي ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوا ولم يعلموا أنهم خالفوا ترك القتال ووجوب التخصيص وذلك قوله تعالى {فيحلوا ما حرم الله} أي من القتال وترك الاختصاص. قال أهل اللغة: يقال تواطأ القوم على كذا إذا اجتمعوا عليه كأن واحد منهم يطأ حيث يطأ صاحبه. والإيطاء في الشعر من هذا وهو أن يأتي في القصيدة بقافيتين لفظهما ومعناهما واحد. قال ابن عباس: إنهم ما أحلوا شهراً من الأشهر الحرم إلا حرموا مكانه شهراً آخر من الحلال، ولم يحرموا شهراً من الحلال إلا أحلوا مكانه شهراً آخر من الحرام لأجل أن تكون عدة الحرم أربعة مطابقة لما ذكره الله تعالى فهذا هو المراد بالمواطأة. وللآية تفسيراً آخر وهو أن يكون المراد بالنسيء كبس بعض السنين القمرية بشهر حتى يلتحق بالسنة الشمسية، وذلك أن السنة القمرية أعني اثني عشر شهراً قمرياً هي ثلثمائة وأربعة وخمسون يوماً وخمس وسدس من يوم على ما عرف من علم النجوم وعمل الزيجات، والسنة الشمسية وهي عبارة عن عود الشمس من أية نقطة تفرض من الفلك إليها بحركتها الخاصة ثلثمائة وخمسة وستون يوماً وربع يوم إلا كسراً قليلاً، فالسنة القمرية أقل من السنة الشمسية بعشرة أيام وإحدى وعشرين ساعة وخمس ساعة تقريباً، وبسبب هذا النقصان تنتقل الشهور القمرية من فصل إلى فصل فيكون الحج واقعاً في الشتاء مرة وفي الصيف أخرى، وكذا في الربيع والخريف، فكان يشق الأمر عليهم إذ ربما كان وقت الحج غير موافق لحضور التجار من الأطراف فكان يختل أسباب تجاراتهم ومعايشهم فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة بحيث يقع الحج دائماً عند اعتدال الهواء، وإدراك الثمار والغلات وذلك بقرب حلول الشمس نقطة الاعتدال الخريفي، فكبسوا تسع عشر سنة قمرية بسبعة أشهر قمرية حتى صارت تسع عشرة سنة شمسية فزادوا في السنة الثانية شهراً ثم في الخامسة ثم في السابعة ثم في العاشرة ثم في الثالثة عشرة ثم في السادسة عشرة ثم في الثامنة عشرة، وذلك ترتيب بهر يحوج عند المنجمين، وقد تعلموا هذه الصفة من اليهود والنصارى فأنهم يفعلون هكذا لأجل أعيادهم، فالشهر الزائد هو الكبس وسمي بالنسيء لأنه المؤخر والزائد مؤخر عن مكانه، وهذا التفسير يطابق ما روي أنه صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع وكان في جملة ما خطب به:"حديث : ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان"تفسير : والمعنى رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه وعاد الحج في ذي الحجة وبطل النسيء الذي كان في الجاهلية. وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة في نفس الأمر فكانت حجة أبي بكر قبلها وفي ذي القعدة التي سموها ذا الحجة. وإنما لزم العتب عليهم في هذا التفسير لأنهم إذا حكموا على بعض السنين بأنها ثلاثة عشر شهراً كان مخالفاً لحكم الله بأن عدّة الشهور اثنا عشر شهراً أي لا أزيد ولا أنقص وإليه الإشارة بقوله {ذلك الدين القيم} على هذا التفسير. ويلزمهم أيضاً ما لزمهم في التفسير الأول من تغيير الأشهر الحرم عن أماكنها، فيجوز أن تكون الإشارة إلى المجموع. ومعنى قوله {يحلونه عاماً} أي يحلون النسيء في عام الكبس ويحرمونه عاماً أي في غير سنة الكبس. ومعنى قوله {ليواطؤا عدّة ما حرم الله} ما روي أنه كان يقوم في الموسم منهم خطيب ويقول: أنا أنسىء لكم في هذه السنة شهراً وكذا أفعل في كل سنين أقبلت حتى يأتي حجكم وقت الإدراك فينسىء المحرم ويجعله كبيساً. ثم إنه متى انتهت النوبة إلى الشهر الحرام فتكرر حرم عليهم واحداً برأيه وعلى وفق مصلحتهم، وأحل الآخر وباقي في الآية قد مر في تفسير مثله مراراً والله تعالى أعلم. التأويل: {قاتلوا} النفوس {الذين لا يؤمنون بالله} بتعبده {ولا باليوم الآخر} أي لا يعملون للآخرة {ولا يحرمون ما حرم الله} من حب الدنيا فإنها رأس كل خطيئة {وحرم} {رسوله} على نفسه {ولا يدينون دين الحق} أي لا يطلبون الحق {من الذين أوتوا الكتاب} من النفوس الملهمة بالواردات الربانية {حتى يعطوا الجزية} وهي معاملتها على خلاف طبعها {عن يد} عن حكم صاحب قوة وهو الشارع (وقالت يهود النفس أن عزير) القلب {ابن الله} وذلك إذا انعكس عن مرآه القلب آثار أنوار الواردات إلى النفس المظلمة فتنورت، كما أن اليهود لما سمعت التوراة والعلوم التي هم عنها بمعزل من عزير قالوا إنه ابن الله (وقالت نصارى) القلوب إن مسيح الروح ابن الله، وذلك أن الروح ربما يتجلى للقلب في صفة الربوبية والخلافة مقترناً بصفة إبداع الحق وبتشريف إضافة{أية : ونفخت فيه من روحي}تفسير : [الحجر: 29] {يضاهئون قول الذين كفروا من قبل} وهم النفوس الكافرة الذين {اتخذوا أحبارهم} أي قلوبهم {ورهبانهم} أي أرواحهم {أرباباً} والمسيح ابن مريم وهو الخفي وذلك أن الخفي هو أول مظهر للفيض الإلهي الذي منه التربية ثم الروح ثم القلب ثم النفس ثم القالب. فالنفس من قصر نظرها ترى التربية من القالب، ثم يرتقي نظرها إلى أن ترى التربية من القلب، ثم يرتقي نظرها إلى أن ترى الكل من الحق فإن رؤية ذلك من شأن القلب كقوله{أية : ما كذب الفؤاد ما رأى}تفسير : [النجم: 11] {يريدون} أي النفوس {أن يطفئوا نور الله} الذي رش على الأرواح في بدء الخلق {بأفواههم} أي بأفواه استيفاء الشهوات واللذات الجسمانيات {هو الذي أرسل رسوله} وهو النور المرشش بالهداية إلى الله وطلب الحق {ليظهره} في طلب الحق على طلب غيره {إن كثيراً} من أحبار القلوب ورهبان الأرواح {ليأكلون} أي يتمتعون بحظوظ النفس وهواها {والذين يكنزون الذهب والفضة} حرصاً وطمعاً في الاستمتاع بحظوظ النفوس {ولا ينفقونها في سبيل الله} ليقطعوا مسافة البعد عن الله بقدمى ترك الدنيا وقمع الهوى {يحمى عليها في نار جهنم} الحرص {فتكوى بها} جباه القلوب والأرواح لأنهم امتنعوا بذلك عن التوجه إلى الحق {وجنوبهم} حيث لا تتجافى جنوبهم عن مضاجع المكونات {وظهورهم} حيث لم يقضوا حق التواضع والخشوع فيقال لهم {هذا} الذي أصابكم من ألم الحرمان وعذاب القطيعة بسبب {ما كنزتم} {فذوقوا} الآن ألم كي نار الحرص لأنكم لم تذوقوه في الدنيا حيث كنتم في منام الغفلة {منها أربعة حرم} فيه إشارة إلى أن الطالب المضطر إلى تحصيل قوت نفسه وعياله يجب أن يجعل أوقات عمره أثلاثاً: ثلثاً لطلب المعاش وترتيب مصالح الدنيا، وثلثاً للطاعات التي ينتفع بها في الآخرة، وثلثاً من ذلك حرام أن يقع في خاطره غير المولى. ومن استغنى عن الموانع فيحرم عليه صرف لحظة في غير طلب الحق وإلى هذا المعنى أشار بقوله {ذلك الدين القيم} وفيه تنبيه على أن من لم يكن هكذا كان في سلوكه اعوجاج. ثم ذكر أن من شأن النفوس المشركة أنها إن أقبلت على طاعة أخرتها عن وقتها وهو النسيء الموجب لازدياد كفرها لأنها قد خالفت الشرع من حيث تركها الطاعة باختيارها، ومن حيث إنها اعتقدت أن ذلك التأخير مما لا بأس به.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ أنزل الله تعالى في العام الذي نبذ فيه أبو بكر رضي الله عنه إلى المشركين ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس‏}‏ فكان المشركون يوافون بالتجارة فينتفع بها المسلمون، فلما حرم الله تعالى على المشركين أن يقربوا المسجد الحرام وجد المسلمون في أنفسهم مما قطع عنهم من التجارة التي كان المشركون يوافون بها، فأنزل الله تعالى ‏ {‏وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء‏} ‏ فأجل في الآية الأخرى التي تتبعها الجزية، ولم تكن تؤخذ قبل ذلك فجعلها عوضاً مما منعهم من موافاة المشركين بتجاراتهم، فقال ‏ {‏قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏صاغرون‏} ‏ فلما أحق ذلك للمسلمين عرفوا أنه قد عوضهم أفضل ما كانوا وجدوا عليه مما كان المشركون يوافون به من التجارة‏. وأخرج ابن عساكر عن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏القتال قتالان‏:‏ قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، وقتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله فإذا فاءت أعطيت العدل‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ نزلت هذه حين أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بغزوة تبوك‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن شهاب رضي الله عنه قال‏:‏ أنزلت في كفار قريش والعرب ‏{أية : ‏وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله‏} ‏تفسير : [‏البقرة: 193‏]‏ وأنزلت في أهل الكتاب ‏ {‏قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏حتى يعطوا الجزية‏} ‏ فكان أول من أعطى الجزية أهل نجران‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجزية عن يد قال "‏جزية الأرض والرقبة، جزية الأرض والرقبة‏" ‏‏. تفسير : وأخرج النحاس في ناسخه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر‏} ‏ قال‏:‏ نسخ بهذا العفو عن المشركين‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتال من يليه من العرب أمره بجهاد أهل الكتاب‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله ‏ {‏قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله‏} ‏ يعني الذين لا يصدقون بتوحيد الله ‏ {‏ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله‏} ‏ يعني الخمر والخنزير ‏{‏ولا يدينون دين الحق‏}‏ يعني دين الإِسلام ‏ {‏من الذين أوتوا الكتاب‏} ‏ يعني من اليهود والنصارى أوتوا الكتاب من قبل المسلمين أمة محمد صلى الله عليه وسلم ‏ {‏حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون‏}‏ يعني يذلون‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏عن يد‏} ‏ قال‏:‏ عن قهر‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏عن يد‏} ‏ قال‏:‏ من يده ولا يبعث بها مع غيره‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي سنان رضي الله عنه في قوله ‏ {‏عن يد‏} ‏ قال‏:‏ عن قدرة‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏عن يد وهم صاغرون‏} ‏ قال‏:‏ ولا يلكزون‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سلمان رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وهم صاغرون‏} ‏ قال‏:‏ غير محمودين‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن المغيرة رضي الله عنه‏.‏ أنه بعث إلى رستم فقال له رستم‏:‏ إلام تدعو‏؟‏ فقال له‏:‏ أدعوك إلى الإِسلام، فأن أسلمت فلك ما لنا وعليك ما علينا‏.‏ قال‏:‏ فإن أبيت‏؟‏ قال‏:‏ فتعطي الجزية عن يد وأنت صاغر‏.‏ فقال‏:‏ لترجمانه‏:‏ قل له ما إعطاء الجزية فقد عرفتها فما قولك وأنت صاغر‏؟‏ قال‏:‏ تعطيها وأنت قائم وأنا جالس والسوط على رأسك‏. وأخرج أبو الشيخ عن سلمان رضي الله عنه أنه قال لأهل حصن حاصرهم الإِسلام‏:‏ أو الجزية وأنتم صاغرون قالوا‏:‏ وما الجزية‏؟‏ قال‏:‏ نأخذ منكم الدراهم والتراب على رؤوسكم‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن سلمان رضي الله عنه‏.‏ أنه انتهى إلى حصن فقال‏:‏ إن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أنتم أبيتم فأدوا الجزية وأنتم صاغرون، فإن أبيتم فأنبذناكم على سواء إن الله لا يحب الخائنين‏. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال‏:‏ أحب لأهل الذمة أن يتعبوا في أداء الجزية لقول الله تعالى ‏{‏حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون‏}‏‏ . وأخرج ابن أبي شيبة عن مسروق رضي الله عنه قال ‏"‏لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً أو عدله معافر‏". وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري رضي الله عنه قال‏:‏ أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية من مجوس أهل هجر، ومن يهود اليمن ونصاراهم من كل حالم دينار. وأخرج ابن أبي شيبة عن بجالة قال‏:‏ لم يأخذ عمر رضي الله عنه الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن بن محمد بن علي رضي الله عنهم قال ‏"‏كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإِسلام، فمن أسلم قبل منه ومن أبى ضربت عليهم الجزية، حتى أن لا تؤكل لهم ذبيحة ولا ينكح منهم امرأة‏"‏‏. وأخرج مالك والشافعي وأبو عبيد في كتاب الأموال وابن أبي شيبة عن جعفر عن أبيه‏.‏ حديث : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استشار الناس في المجوس في الجزية فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال‏:‏ لولا أني رأيت أصحابي أخذوا من المجوس ما أخذت منهم، وتلا ‏ {‏قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله‏} ‏ الآية‏. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه‏.‏ أنه سئل عن أخذ الجزية من المجوس‏؟‏ فقال‏:‏ والله ما على الأرض أحد أعلم بذلك مني إن المجوس كانوا أهل كتاب يعرفونه وعلم يدرسونه، فشرب أميرهم الخمر فسكر فوقع على أخته، فرآه نفر من المسلمين فلما أصبح قالت أخته‏:‏ إنك قد صنعت بي كذا وكذا وقد رآك نفر لا يسترون عليك‏.‏ فدعا أهل الطمع فأعطاهم ثم قال لهم‏:‏ قد علمتم أن آدم عليه السلام قد أنكح بنيه بناته، فجاء أولئك الذين رأوه فقالوا‏:‏ ويل للأبعد إن في ظهرك حد الله فقتلهم أولئك الذين كانوا عنده، ثم جاءت امرأة فقالت له‏:‏ بلى قد رأيتك‏ لها: ويحاً لبغي بني فلان‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ قالت‏:‏ أجل، والله لقد كانت بغية ثم تابت فقتلها، ثم أسرى على ما في قلوبهم وعلى كتبهم فلم يصبح عندهم شيء‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذه الجزيرة من العرب على الإِسلام لم يقبل منهم غيره، وكان أفضل الجهاد، وكان بعد جهاد آخر على هذه الأمة في شأن أهل الكتاب ‏ {‏قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏. وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في سننه عن مجاهد رضي الله قال‏:‏ يقاتل أهل الأوثان على الإِسلام، ويقاتل أهل الكتاب على الجزية‏. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ من نساء أهل الكتاب من يحل لنا ومنهم من لا يحل لنا، وتلا ‏ {‏قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر‏} ‏ فمن أعطى الجزية حل لنا نساؤه، ومن لم يعط الجزية لم يحل لنا نساؤه، ولفظ ابن مردويه‏:‏ لا يحل نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حرباً، ثم تلا هذه الآية‏. وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً قال له‏:‏ آخذ الأرض فأتقبلها أرضا خربة فأعمرها وأؤدي خراجها فنهاه ثم قال‏:‏ لا تعمدوا إلى ما ولاه الله هذا الكافر فتخلعه من عنقه وتجعله في عنقك، ثم تلا ‏ {‏قاتلوا الذين لا يؤمنون‏}‏ إلى ‏ {‏صاغرون‏}‏‏ .

ابو السعود

تفسير : {قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} أمرَهم بقتال أهلِ الكتابـين إثرَ أمرِهم بقتال المشركين وبمنعهم من أن يحرموا حول ما كانوا يفعلونه من الحج والعمرةِ غيرَ خائفين من الفاقة المتوهَّمةِ من انقطاعهم، ونبّههم في تضاعيف ذلك على بعض طرقِ الإغناء الموعودِ على الوجه الكليِّ وأرشدهم إلى سلوكه ابتغاءً لفضله واستنجازاً لوعده، والتعبـيرُ عنهم بالموصول للإيذان بعلِّية ما في حيز الصلةِ للأمر بالقتال وبانتظامهم بسبب ذلك في سلك المشركين، فإن اليهودَ مُثَنّيةٌ والنصارى مُثلِّثةٌ، فهم بمعزل من أن يؤمنوا بالله سبحانه وباليوم الآخر فإن عِلمَهم بأحوال الآخرة كلا علمٍ، فإيمانُهم المبنيُّ عليه ليس بإيمان به {وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} أي ما ثبت تحريمُه بالوحي متلوّاً أو غيرَ متلوٍ. وقيل: المرادُ برسوله الرسولُ الذي يزعُمون اتباعَه أي يخالفون أصلَ دينهم المنسوخِ اعتقاداً وعملاً {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ} الثابتَ الذي هو ناسخٌ لسائر الأديان وهو دينُ الإسلام وقيل: دين الله {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} من التوراة والإنجيل، فمن بـيانيةٌ لا تبعيضيةٌ حتى يكونَ بعضُهم على خلاف ما نُعت {حَتَّىٰ يُعْطُواْ} أي يقبَلوا أن يعطوا {ٱلْجِزْيَةَ} أي ما تقرَّرَ عليهم أن يُعطوه، مشتقٌّ من جزَى دَينَه أي قضاه، أو لأنهم يَجْزُون بها مَنْ مَنّ عليهم بالإعفاء عن القتل {عَن يَدٍ} حالٌ من الضمير في يُعطوا أي عن يد مؤاتيةٍ مطيعةٍ بمعنى منقادين، أو من يدهم بمعنى مسلّمين بأيديهم غيرَ باعثين بأيدي غيرِهم ولذلك مُنع من التوكيل فيه، أو عن غِنىً ولذلك لم تجِب الجزيةُ على الفقير العاجزِ، أو عن يد قاهرةِ عليهم أي بسبب يد بمعنى عاجزين أذلأَ أو عن إنعام عليهم، فإن إبقاءَ مُهجتِهم بما بذلوا من الجِزية نعمةٌ عظيمةٌ عليهم، أو من الجزية أي نقداً مسلّمةً عن يد إلى يد، وغايةُ القتالِ ليست نفسَ هذا الإعطاء بل قبولَه كما أشير إليه {وَهُمْ صَـٰغِرُونَ} أي أذلاءُ وذلك بأن يأتيَ بها بنفسه ماشياً غيرَ راكبٍ ويسلِّمَها وهو قائمٌ والمتسلِّمُ جالسٌ ويُؤخَذَ بتَلْبـيبه ويقال له: أدِّ الجزية وإن كان يؤديها، وهي تؤخذ عند أبـي حنيفة رضي الله عنه من أهل الكتاب مطلقاً ومن مشركي العجَم لا من مشركي العرب، وعند أبـي يوسف رضي الله عنه لا تؤخذ من الأعجميِّ كتابـياً كان أو مشركاً وعند الشافعي رضي الله عنه تؤخذ من أهل الكتابِ عربـياً أو عجمياً، ولا تؤخذ من أهل الأوثانِ مطلقاً، وذهب مالكٌ والأوزاعيُّ إلى أنها تؤخذ من جميع الكفارِ، وأما المجوسُ فقد اتفقت الصحابةُ رضي الله عنهم على أخذ الجزيةِ منهم لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : سُنّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتاب» تفسير : وروي عن علي رضي الله عنه أنه كان لهم كتابٌ يدرُسونه فأصبحوا وقد أسرى على كتابهم فرُفع من بـين أظهُرِهم، واتفقوا على تحريم ذبـيحتِهم ومناكحتِهم لقوله عليه الصلاة والسلام في آخر ما نقل من الحديث «حديث : غيرَ ناكحي نسائِهم ولا آكلي ذبـيحتِهم»تفسير : ووقت الأخذ عند أبـي حنيفة رضي الله عنه أولُ السنة وتسقطُ بالموت والإسلام، ومقدارُها على الفقير المعتمِل اثنا عشر درهماً وعلى المتوسط الحالِ أربعةٌ وعشرون درهماً وعلى الفتى ثمانيةٌ وأربعون درهماً ولا جزيةَ على فقير عاجزٍ عن الكسب ولا على شيخ فانٍ أو زَمِنٍ أو صبـيَ أو امرأةٍ، وعند الشافعي رضي الله عنه تؤخذ في آخر السنة من كل واحد دينارٌ غنياً كان أو فقيراً كان له كسبٌ أو لم يكن.

التستري

تفسير : قوله: {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ}[29] أي لا يطيعون، ومن كان في سلطان رجل فهو في دينه، كما قال الله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ} تفسير : [يوسف:76] أي في سلطانه، كذلك إذا دخلت النفس في الإخلاص لله تعالى، كانت داخلةً في سلطان القلب والعقل ونفس الروح وطاعة البدن بالذكر لله تعالى.

القشيري

تفسير : مَنْ استوجب الهوانَ لا ينْجِيكَ مِنْ شَرِّه غير ما يستحقه من الإذلال على صغره، ومَنْ دَاهَن عدوَّه فبالحريِّ أنْ يلقى سوءَه. وَمِنْ أشدِّ الناس لَكَ عداوة، وأبعدهِم عن الإيمان - نَفْسُكَ المجبولةُ على الشرِّ فلا تُقْلِعُ إلاَّ بذبحها بِمُدْيَةِ المجاهدات. وهي لا تؤمِن بالتقدير، ولا يزول شَكها قط، وكذلك تَخَلدُ إلى التدبير، ولا تسكن إلا بوجود المعلوم، ولا تقبل منك إلا كاذِبَ المواعيد، ولذلك قالوا: شعر : وأَكْذِبْ النَّفْسَ إذا حَدَّثْتَها فإِنَّ صِدْقَ القول يذري بالأمل

اسماعيل حقي

تفسير : {قاتلوا} [بكشيدى اى مؤمنان وكارزار كنيد] {الذين} [با آنانكه] {لا يؤمنون بالله} كما ينبغى قال اليهود مثنية والنصارى مثلثة فايمانهم بالله كلا ايمان {ولا باليوم الآخر} كما ينبغى فان اليهود ذهبوا الى نفى الاكل والشرب فى الجنة والنصارى الى اثبات المعاد الروحانى فعلمهم باحوال الاخرة كلا علم فكذا ايمانهم المبنى عليه ليس بايمان والمؤمن الكامل هو الذى يصف الله تعالى بما يليق به فيوحده وينزهه ويثبت المعاد الجسمانى والروحانى كليهما والنعيم الصورى والمعنوى ايضا فان لكل من الجسم والروح حظا من النعيم يليق بحاله ويناسب لمقامه {ولا يحرِّمون ما حرم الله ورسوله} اى ما ثبت تحريمه بالوحى المتلو وهو الكتاب او غير المتلو وهو السنة وذلك مثل الدم والميتة ولحم الخنزير والخمر ونظائرها {ولا يدينون دين الحق} يجوز ان يكون مصدر يدينون وان يكون مفعولا به ويدينون بمعنى يعتقدون ويقبلون. والحق صفة مشبهة بمعنى الثابت بمعنى الثابت واضافة الدين اليه من قبيل اضافة الموصوف الى صفته واصل الكلام ولا يدينون الدين الحق وهو دين الاسلام فانه دين ثابت نسخ جميع ما سواه من الاديان. وعن قتادة ان الحق هو الله تعالى. والمعنى ولا يدينون دين الله الذى هو الاسلام فان الدين عند الله الاسلام {من الذين أوتوا الكتاب} من التوراة والانجيل وهو بيان للذين لا يؤمنون {حتى} للغاية {يعطوا} اى يقبلوا ان يعطوا فان غاية القتال ليست نفس هذا الاعطاء بل قبوله {الجزية} فعله من جزى دينه اذا قضاه سمى ما يعطيه المعاهد مما تقرر عليه بمقتضى عهده جزية لوجوب قضائه عليه او لانها تجزى عن الذمى اى تقضى وتكفى عن القتل فانه اذا قبلها يسقط عنه القتل {عن يد} حال من الضمير فى يعطوا اى عن يدهم بمعنى مسلمين بايديهم غير باعثين بايذى غيرهم ولذلك منع من التوكيل فيه او عن يد مطيعة غير ممتنعة اى منقادين مطيعين فاذا احتيج فى اخذها منهم الى الجبر والاكراه لا يبقى عقد الذمة بل يعود حكم القتل والقتال فالاعطاء عن يد كناية عن الانقياد والطوع يقال اعطى فلان بيده اذا استسلم وانقاد وعلاقة المجاز ان من ابى وامتنع لا يعطى بيده بخلاف المطيع او عن غنى. ولذلك قيل لم تجب الجزية على الفقير العاجز عن الكسب او عن انعام عليه فان ابقاء مهجتهم بما بذلوا من الجزية نعمة عظيمة عليهم او عن يد قاهرة مستولية عليهم وهى يد الآخذ فعن سببية كما فى قولك يسمنون عن الاكل والشرب اى يبلغون الى غاية السمن وحسن الهيئة بسبب الاكل والشرب {وهم صاغرون} اى اذلاء وذلك بان يأتى بها بنفسه ماشيا غير راكب ويسلمها وهو قائم والمتسلم جالس ويؤخذ بتلبيبه اى يجيبه ويجر ويقال له اد الجزية يا ذمى او يا عدو الله وان كانوا يؤدونها. واعلم ان الكفار ثلاثة انواع. نوع منهم يقاتلون حتى يسلموا اذ لا يقبل منهم الا الاسلام وهم مشركوا العرب والمرتدون. اما مشركو العرب فلان النبى عليه السلام بعث منهم فظهرت المعجزات لديهم فكفرهم يكون افحش. واما المرتدون فلانهم عدلوا عن دين الحق بعد اطلاعهم على محاسنه فيكون كفرهم اقبح فالعقوبة على قدر الجناية وفى وضع الجزية تخفيف لهم فلم يستحقوه. ونوع آخر يقاتلون حتى يسلموا او يعطوا الجزية وهم اليهود والنصارى والمجوس. اما اليهود والنصارى فبهذه الآية. واما المجوس فبقوله عليه السلام "حديث : سنوا بهم سنة اهل الكتاب غير ناكحى نسائهم وآكلى ذبائحهم ". تفسير : والنوع الثالث منهم الكفرة الذين ليسوا مجوسا ولا اهل كتاب ولا من مشركى العرب كعبدة الاوثان من الترك والهند ذهب ابو حنيفة واصحابه رحمهم الله الى جواز اخذ الجزية منهم لجواز اجتماع الدينين فى غير جزيرة العرب وهم من غير العرب ومقدارها على الفقير المعتمل اثنا عشر درهما فى كل شهر درهم هذا اذا كان فى اكثر الحول صحيحا اما اذا كان فى اكثره او نصفه مريضا فلا جزية عليه وعلى المتوسط الحال اربعة وعشرون درهما فى كل شهر درهمان وعلى الغنى ثمانية واربعون درهما فى كل شهر اربعة دراهم ولا شيء على فقير عاجز عن الكسب ولا على شيخ فان او زمن او مقعد او اعمى او صبى او امرأة او راهب لا يخالط الناس وانما لم توضع عليهم الجزية لان الجزية شرعت زجرا عن الكفر وحملا له على الاسلام فيجرى مجرى القتل فمن لا يعاقب بالقتل وهم هؤلاء لا يؤاخذ بالجزية لان الجزية خلف من القتال وهم ليسوا باهله فاذا حصل الزاجر فى حق المقاتلة وهم الاصل انزجر التبع. قال الحدادى اما طعن الملحدة كيف يجوز اقدار الكفار على كفرهم باداء الجزية بدلا من الاسلام. فالجواب انه لا يجوز ان يكون اخذ الجزية منهم رضى بكفرهم وانما الجزية عقوبة لهم على اقامتهم على الكفر واذا جاز امهالهم بغير الجزية للاستدعاء الى الايمان كان امهالهم بالجزية اولى انتهى. فعلى الولاة والمتسلمين ان لا يتعدوا ما حد الله تعالى فى كتابه فان الظلم لا يجوز مطلقا ويعود وباله على الظالم بل يسرى الى غيره ايضا وفى الحديث "خمس بخمس اذا اكل الربا كان الخسف والزلزلة واذا ظهر الزنى كثر الموت واذا منعت الزكاة هلكت الماشية واذا تعدى على اهل الذمة كانت الدولة لهم" كذا فى الاسرار المحمدية لابن فخر الدين الرومى: وفى المثنوى شعر : جمله دانند اين اكر تونكروى هرجه مى كاريش روزى بدروى تفسير : يقول الفقير رأينا من السنة الرابعة والتسعين بعد الالف الى هذا الآن وهى السنة الاولى بعد المائة والالف من استيلاء الكفار على البلاد الرومية وعلى البحر الاسود والابيض ما لم يره احد قبلنا ولا يدرى احد ماذا يكون غدا والامر بيد الله تعالى وذلك بسبب الظلم المفرط على اهل الاسلام واهل الذمة الساكنين فى تلك الديار فعاد الصغار والذل من الكفار الى المسلمين الكاذبين فصاروا هم صاغرين والعياذ بالله تعالى وليس الخبر كالمعاينة نسأل الله تعالى اللحوق بأهل الحق والدخول فى الارض المقدسة. ثم ان مما حرم الله على اهل الحق الدنيا ومحبتها فان حب الدنيا رأس كل خطيئة والكفار لما قصروا انظارهم على الدنيا واخذوها بدلا من الآخرة وضعت عليهم الجزية وجزية النفس الامارة معاملاتها على خلاف طبعها لتكون صاغرة ذليلة تحت احكام الشرع وآداب الطريقة فلا بد من جهادها وتذليلها ليعود العز والدولة الى طرف الروح: وفى المثنوى شعر : آنجه درفرعون بود اندر توهست ليك ازدرهات محبوس جهست آتشت را هنيرم فرعون نيست زانكه جون فرعون اوراعون نيست تفسير : فهذه حال النفس فلا بد من قهرها الى ان تفنى عن دعواها واسناد العز اليها وعند ذلك تكون فانية مطمئنة مستسلمة لامر الله منقادة مسخرة تحت حكمه

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله للمؤمنين: {قاتِلوا} أهل الكتاب من اليهود والنصارى {الذين لا يؤمنون بالله} على ما يجب له، لإشراكهم عُزير وعيسى، ولتجسيمهم، {ولا باليوم الآخر}؛ لأنهم ينكرون المعاد الجسماني، فإيمانهم في الجانبين كلا إيمان {ولا يحرِّمون ما حرَّمَ الله ورسولُه} محمّد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم يحلون الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير، وغير ذلك مما حرمته الشريعة المحمدية، {ولا يَدينونَ دينَ الحق} أي: لا يدخلون في الإسلام، الذي هو الدين الحق، الناسخ لسائر الأديان ومبطلها. ثم بيَّن الذين أّمر اللَّهُ بقتالهم بقوله: {من الذين أوتوا الكتاب}؛ وهم اليهود والنصارى، وحين نزلت خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لغزوة تبوك لقتال النصارى، ووصل إلى أوائل بلد العدو، فصالح أهل أدرج وأيلة، وغيرهما، على الجزية وانصرف، ذلك امتثال للآية. قال تعالى: {حتى يُعطوا الجزبة} أي: ما تقرر عليهم أن يعطوه، وقدْرها عند مالك: أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهماً على أهل الورق، يؤخذ ذلك من كل رأس، واتفق العلماء على قبول الجزية من اليهود والنصارى، ويلحق بهم المجوس؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سُنُّوا بِهِمْ سُنًّةَ أَهْلِ الكتاب"؛تفسير : لأن لهم شبهة كتاب، فألحقوا بهم. واختلفوا في قبولها من عَبدة الأوثان؛ قال مالك: تؤخذ من كل كافر إلا المرتد، ولا تؤخذ من النساء والصبيان والمجانين. وقوله تعالى: {عن يدٍ} أي: يباشر إعطاءها بيده، لا يبعثها مع أحد، أو لا يمطل بها، كقولك: يداً بيد، أو عن استسلام وانقياد، كقولك: ألقى فلان بيده. {وهم صاغرون}؛ أذلاء محقرون. وعن ابن عباس رضي الله عنه: تؤخذ الجزية من الذمي، وتوجأ عنقه، أي: تصفع. الإشارة: يؤمر المريد بقتل نفسه وحظوظه وهواه، وأعظمها: حب الدنيا والرئاسة والجاه، ولا يزال يخالف هواها، ويعكس مراداتها، ويحملها ما يثقل عليها، حتى تنقاد إليه بالكلية، بحيث لا يثقل عليه شيء، ويستوي عندها العز والذل، والفقر والغنى، والمدح والذم، والمنع والعطاء، والفقد والوجد، فإن استوت عندها الأحوال فقد أسلمت وأعطت ما يجب عليها، فيجب حفظها ورعايتها، وتصديقها فيما يرد عليها. وبالله التوفيق. ثم ذكر الباعث على جهاد أهل الكتاب، وهو فساد اعتقادهم، فقال: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ}.

الطوسي

تفسير : قوله تعالى {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} امر من الله تعالى لنبيه وللمؤمنين بأن يقاتلوا الذين لا يعترفون بتوحيد الله، ولا يقرون باليوم الاخر والبعث والنشور. وذلك يدل على صحة مذهبنا في اليهود والنصارى وأمثالهم انه لا يجوز أن يكونوا عارفين بالله وإن أقروا بذلك بلسانهم. وانما يجوز أن يكونوا معتقدين لذلك اعتقاداً ليس بعلم. والاية صريحة بأن هؤلاء الذين هم أهل الكتاب الذين تؤخذ منهم الجزية لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر وانه يجب قتالهم {حتى يعطوا الجزية عن يد}. ومن قال: إنهم يجوز أن يكونوا عارفين بالله تعالى، قال: الاية خرجت مخرج الذم لهم، لأنهم بمنزلة من لا يقربه في عظم الجرم. كما انهم بمنزلة المشركين في عبادة الله بالكفر. وقال الجبائي: لأنهم يضيفون اليه ما لا يليق به فكأنهم لا يعرفونه. وانما جمعت هذه الأوصاف لهم ولم يذكروا بالكفار من اهل الكتاب للتحريض على قتالهم بما هو عليه من صفات الذم التي توجب البراءة منهم والعداوة لهم. وقوله {ولا يدينون دين الحق} يدل على ان دين اليهودية والنصرانية غير دين الحق، وذلك يقوي انهم غير عارفين بالله، لأنهم لو كانوا عارفين كانوا في ذلك محقين، فأما اعتقادهم لشريعة التوارة فانما وصف بأنه غير حق لامرين: احدهما - انها نسخت فالعمل بها بعد النسخ باطل غير حق. الثاني - ان التوراة التي هي معهم مغيرة مبدلة لقوله {أية : يحرفون الكلم عن مواضعه } تفسير : ويقلبونه عن معانيه. وقوله {ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله} معناه انهم لا يعترفون بالاسلام الذي هو الدين الحق، ولا يسلمون لأمر الله الذي بعث به نبيه محمد صلى الله عليه وآله في تحريم حرامه وتحليل حلاله. والدين في الاصل الطاعة قال زهير: شعر : لئن حللت بجو في بني اسد في دين عمرو وحالت بيننا فدك تفسير : وقوله {حتى يعطوا الجزية عن يد} فالجزية عطية عقوبة جزاء على الكفر بالله على ما وضعه رسول الله صلى الله عليه وآله على أهل الذمة - وهو على وزن جلسة، وقعدة - لنوع من الجزاء. وإنما قيل {عن يد} ليفارق حال الغصب على اقرار أحد. وقال ابو علي: معناه يعطونا من ايديهم يجيئون بها بنفوسهم لا ينوب عنهم فيها غيرهم إذا قدروا عليه. فيكون أذل لهم. وقال قوم: معناه عن نقد كما يقال: باع يداً بيد. وقال آخرون: معناه عن يد لكم عليهم ونعمة تسدونها اليهم بقبول الجزية منهم. وقال الحسين بن علي المغربي: معناه عن قهر، وهو قول الزجاج. وقوله {وهم صاغرون} فالصغار الذل والنكال الذي يصغر قدر صاحبه، صغر يصغر صغاراً، فهو صاغر. وقيل: الصغار اعطاء الجزية قائماً، والآخذ جالس ذهب اليه عكرمة والجزية لا تؤخذ عندنا إلا من اليهود والنصارى والمجوس. وأما غيرهم فلا يقبل منهم غير الاسلام أو السبي. وانما كان كذلك لما علم الله تعالى من المصلحة في اقرار هؤلاء على كفرهم ومنع ذلك في غيرهم، لأن هؤلاء على كفرهم يقرون بألسنتهم بالتوحيد وبعض الأنبياء، وان لم يكونوا على الحقيقة عارفين. واولئك يجحدون ذلك كله، فلذلك فرق بينهما. فان قيل: اعطاء الجزية منهم لا يخلوا أن يكون طاعة او معصية، فان كان معصية فكيف أمر الله بها؟ وإن كان طاعة وجب أن يكونوا مطيعين لله. قلنا: إعطاؤهم ليس بمعصية. وأما كونها طاعة لله فليس كذلك، لأنهم انما يعطونها دفعاً للقتل عن انفسهم لا طاعة لله. فان الكافر لا يقع منه طاعة عندنا بحال، لأنه لو فعل طاعة لله لاستحق الثواب والاحباط باطل، فكان يجب ان يكون مستحقاً للثواب وذلك خلاف الاجماع.

الجنابذي

تفسير : {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} بعد ما اظهر حكم المشركين واجلاءهم ومقاتلتهم بتاكيد وتغليظٍ بيّن حكم اهل الكتاب ولم يصدّره بالنّداء اشارةً الى التّفاوت بينهم وبين المشركين فى التّغليظ {وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} لفظ من للتّبعيض {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ} ما يقرّر ويقضى من جزى دينه اذا قضاه {عَن يَدٍ} عن قوّة وبطشٍ منكم وهذا مثل سائر فى العرب والعجم يقول العاجز الّذليل تحت يد غيره: افرّعن يده، كما يقول العجم "فرار كردم از دست فلانكس" وهذا المعنى هو المناسب للمقام ولتنكير لفظ اليد، وقد ذكر له معانٍ اُخر مثل: منقادين، وعن غنىً، وعن انعامٍ، وعن يدهم لا يد غيرهم {وَهُمْ صَاغِرُونَ} اذلاّء وحكم الجزية واهلها مذكور فى المفصّلات من التّفاسير والكتب الفقهيّة.

الهواري

تفسير : {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الأَخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ} أي دين الإِسلام، وهو دين الحق {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} فأمر بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يقروا بالجزية. فجعل الله للمسلمين مكان ما كانوا يصيبون في أسواقهم في مواشيهم الجزية الدَّارّة، تؤخذ عن أهل الكتاب كل عام عن ظهر يد. وجميع المشركين، ما خلا العرب، بتلك المنزلة. إذا أقروا بالجزية قبلت منهم. وقال بعضهم: كان المسلمون يبايعون المشركين وينتفعون منهم؛ فلما عزلوا عن ذلك اشتد ذلك على المسلمين، فأنزل الله هذه الآية، فأغناهم الله بالجزية الجارية، يأخذونها شهراً شهراً، وعاماً عاماً. وقال مجاهد: قال المؤمنون: كنا نصيب من متاجر المشركين، فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله عرضاً لهم بألا يقربوا المسجد الحرام. قال مجاهد: هذه الآية مع أول براءة في القراءة، ومع آخرها في التأويل. وقال مجاهد: {حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}: أمر النبي وأصحابه بغزوة تبوك. ذكر الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس البحرين وأخذ عمر من فارس. ذكر أن عمر سأل عن المجوس فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : سنّوا فيهم سنّة أهل الكتاب تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس البحرين، وأخذ عمر من فارس، وأخذ عثمان من البربر. قال: وأما من دخل من العرب في أهل الكتاب فقد فسّرنا ذلك في سورة البقرة. ذكروا أن خالد بن الوليد صالح نصارى بني تغلب بالشام على الضعف مما يؤخذ من المسلمين من مواشيهم، ثم كتب بذلك إلى عمر فأجازه. ذكروا أن علياً قال: لا تأكلوا ذبائح نصارى العرب، فإنهم لم يبلغوا من النصرانية إلا شرب الخمر. قال: فكان يرى قتلهم إن لم يسلموا. وأحبّ ذلك إلينا أنه من كان دخل في أهل الكتاب قبل أن تنزل الآية فهم منهم، ومن دخل بعد نزول الآية لم يقبل منه ذلك وقتل.

اطفيش

تفسير : {قاتِلُوا الَّذينَ لا يُؤمنُون بالله ولا باليَومِ الآخِرِ} هم أهل الكتاب كما بينه الله بعد، وهذا من الدلائل القوية على أنهم مشركون، حيث وصفهم بأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، فإنهم ولو أقروا بهما لكن لا كما ينبغى، فإن اليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، فذلك مبطل لإيمانهم بالله، فإن لفظ الجلالة يتضمن الانفراد بالذات، والفعل، والصفة، وهم عدَّدوه وشبَّهوه، إذ جعلوه والدا فذلك انكار له، وإنما صفة الإيمان به، أن يؤمن به منفردا بذلك، وقد قالوا: بأنه جسم، وقالت اليهود خصوصا: إنه أعياه خلق السماوات والأرض فاستراح، والعياء صفة مخلوق، فقد أخرجوه بهذه الصفة عن الألوهية، ومن لم يؤمن بالله لم يصح منه الإيمان باليوم الآخر، فإن الباعث هو الله، فإذا ألحدوا فيه فكأنهم نسبوا البعث إلى غيره. ولهم فى البعث أداء كثير كشراء منازل الجنة من الرهبان، وقالت اليهود: يكونون فى النار أياما معدودة، فإن البعث على الحقيقة أبعث المكلفين للخلود فى الجنة والنار، وزعم قوم منهم، أن نعيم الجنة منقطع، وقوم أن نعيمها ليس من جنس نعيم الدنيا، وزعم قوم منهم: إنما تبعث الأرواح دون الأجساد، وإن أهل الجنة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون، فليس إيمانهم باليوم الآخر حقا كإيمان الموحدين. وكذلك اختلفت النصارى، وأيضا هم كافرون برسالة بعض الرسل، بل أكثر الرسل كنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولبعض الكتب كالقرآن وذلك معارض للإيمان بالله ومناف له، فأهل الكتاب، وكل من أنكر حرفا أو رسولا مشرك عندنا، وقال جمهور المخالفين: ليسوا بمشركين فيما قال بعضهم، وكذا قال عيسى بن عمير، وأحمد بن الحسين: إن أهل الكتاب ليسوا بمشركين، لكن منافقون مع استحلالهما منهم ما حل من المشركين، وتحريم ما حرم منهم. وذكر الثعالبى: أن فائدة الخلاف تبين فى فقه منافعهم وذبائحهم وغير ذلك، قال مجاهد: وعند نزول الآية أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة الروم، ومشى نحو تبوك، ذكر الثعالبى، وقال الكلبى: نزلت فى قريظة والنضير، فصالحهم فكانت أول جزية أصابها المسلمون، وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدى المسلمين. {ولاَ يُحرِّمونَ ما حرَّم اللهُ ورسُولُه} محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن والسنة، كالخمر والخنزير، وقال أبو روق: المراد ما حرم الله فى كتابهم كالتوراة والإنجيل، ورسول الله الذى زعموا أنهم يتبعونه كموسى وعيسى عليهما السلام، فهم لم يتبعوا دينهم المنسوخ، ولا ديننا الناسخ له، لا فى الاعتقاد ولا فى العمل. {ولا يَدِينُون دِينَ الحقِّ} دين الصواب الثابت، وهو دين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإضافته للحق إشارة إلى أنه ناسخ لا ينزل ما ينسخه، إذ كان الحق بمعنى الصواب الثابت، وقيل: الحق الله، أى دين الله، وهو هذا الدين، وقيل: دين أهل الحق وهم المسلمون، ودين مفعول مطلق أو مفعول به، أى لا يعتقدون دين الحق. {مِنَ الَّذينَ أوتُوا الكِتَابَ} متعلق بمحذوف حال من الذين فى قوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} ومن للبيان، ولا يصح أن تكون للتبعيض بدليل السياق، فإن فيه الجزية، ولا شك أنه صلى الله عليه وسلم قبض الجزية عن أهل الكتاب كلهم، إلا ما استتر من راهب ونحوه، فهم كلهم مشركون، لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، فالآية صادقة عليهم، ولو أقروا بالله والتوراة والإنجيل فلا عذر لهم إلا من لم تبلغه رسالته صلى الله عليه وسلم وأوتوا بمعنى أعطوا بالبناء للمفعول، والكتاب الجنس، كالتوراة والزبور لبنى إسرائيل، والإنجيل للنصارى، وأهل الكتاب شامل للصابئين، قيل: والسامريين، قال على: هو شامل أيضا للمجوس، فإنه بعث إليهم نبى اسمه زرادشت، وكان لهم كتاب أصبحوا وقد رفع. {حتَّى يُعْطُوا} مبنى للفاعل، وإنما ضم أوله لأنه رباعى {الجِزْيةَ} يدعوهم الإمام إلى الإسلام، فإن لم يجيبوا ألزمهم الجزية، وإن امتنعوا منها قاتلهم يدعو من أهل القرى الأمراء، ومن أهل البادية واحدا واحدا، وقيل: المنظور إليه منهم والرؤساء وإن لم يعلم لغتهم ترجم لهم بأمينين، وقيل: بواحد، وإن قوتلوا بلا دعاء ردوا إلىَّ ما منهم، وإنما قبلت منهم الجزية حرمة لآبائهم الذين انقرضوا على الدين، الذى هو من الله قبل نسخه، ولأن فى أيديهم كتبا قديمة، ولعلهم يتفكرون فيها فيعرضوا صدق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، مع ما ينضم إلى ذلك من مشاهدتهم محاسنه وقوته، وكثرة الداخلين فيه. وسميت جزية لأنها تجزى عن قتلهم، أو لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه، أى يقضوه، يقال جزى دينه بمعنى قضاه، أو لأنها مكافأة للمسلمين على إبقائهم، ويعطيها أيضا المجوس لما مر عن على، ولأنه صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس اليمن، وأن عمر أخذها من مجوس فارس، وفى رواية أخذها صلى الله عليه وسلم من مجوس البحرين، ولما رواه عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" يعنى فى الجزية، ولكن ظاهره يقضى أنهم ليسوا بأهل كتاب، ولعله أراد سنوا بهم سنة أهل الكتاب الذين عهدتم أنهم أهل كتاب وشهروا، ولكن اليهود والنصارى والصابئين تحل ذبائحهم ونكاح حرائرهم بالجزية دون المجوس، هذا مذهبنا، ومذهب الجمهور، وعليه مالك وابن حبيب وغيره من أصحاب مالك إلا قليلا منهم. وظاهر ما مر عن على أنه تحل ذبائح المجوس وحرائرهم بالجزية، وبه فسر بعضهم حديث عبد الرحمن المذكور، فإن قيل: المعنى سنوا بهم سنة أهل الكتاب فى كل شىء، كالجزية والذبيحة، ونكاح الحرة منهم، وسواء فى ذلك مجوس العرب وغيرهم، وقيل: لا يقيد من مجوس العرب إلا الإسلام أو القتل، وقيل: الصابئون ليسوا من أهل الكتاب، فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل، ولا تحل ذبيحتهم ولا حرائرهم، وقيل: تؤخذ منهم الجزية، ولا تحل ذبيحتهم وحرتهم، وهذا الخلاف أيضا فى السامرة، ونسب لقول بأنهم والصابئون من أهل الكتاب، وأحكامهم واحدة إلى الجمهور، والنظر إلى الدين، فلو كان قوم من البربر من أهل الكتاب لأخذت منهم الجزية، وحكم عليهم بحكم أهل الكتاب كله. وقد روى أن عثمان أخذ الجزية من البربر، فهى تؤخذ من أهل الكتاب عجما أو عربا، وكذا قال أبو حنيفة، لكنه قال: تؤخذ أيضا ممن كان من العجم مشركا غير كتابى، ولا تؤخذ من عربى مشرك غير كتابى، وقال أبو يوسف: تؤخذ من المشرك العجمى كتابا كان أو غيره، ولا تؤخذ من العربى ولو كتابيا، وقال مالك، والأوزاعى: تؤخذ من جميع الكفار إلا المرتد، وروى عن أبى حنيفة: أنها لا تؤخذ من العربى الكتابى، فإما الإسلام وإما القتل، ومذهبنا أنها لا تقبل إلا من أهل الكتاب وكذا قال الشافعى. وأما غيرهم فالإسلام أو القتل أو السبى إلا قريشا، فلا تسبى ذريتهم ونساءهم، وقيل: العرب كلهم كذلك، وذلك لحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن سبيت صبيانهم ردوا إلى آبائهم أو أوليائهم، وإن لم يكونوا فمؤنتهم من بيت المال، واستظهر بعض المتأخرين أنهم أحرار، وعن الزهرى: "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح عبدة الأوثان على الجزية، وقال لأهل مكة: "هل لكم فى كلمة إذا قلتموها دانت لكم بها العرب وأدت إليكم الجزية العجم"" تفسير : وعن الشافعى: لا تؤخذ من مشركى العرب غير الكتابيين، ومن دخل فى دين أهل الكتاب بعد نسخه، فلا تقبل عنه الجزية، قال بعض: وكذلك إن دخل فيه بعد نسخه، ولم يبدل فيه، والذبيحة والنكاح تابعان للجزية، وإن وقع الشك فى دخولهم قبله أو بعده قبلت منهم الجزية، ولا يتزوج منهم، ولا تؤكل ذبائحهم حوطة. وعن على: تؤكل ذبيحة نصارى العرب، فإنهم لن يبلغوا من النصرانية إلا شرب الخمر، واختار بعض أصحابنا أن من دخل من العرب فى دين النصارى قبل نزول الآية فهو منهم، ومن دخل بعد نزولها قتل، ولا جزية على امرأة، أو عبد، أو طفل، أو شيخ كبير أو مجنون، أو راهب، أو مفلس، وعن بعض قومنا: يعطيها أيضا جميع من ذكر وهو ضعيف، كيف يطالب بها المجنون، وقال بعض العلماء: يعطيها رهبان الكنائس الذين لم ينقطعوا، ومن ضربت عليه ثم انقطع لم تسقط عنه، وقيل يعطيها الراهب مطلقا. ولا يأخذ الجزية إلا الإمام العادل بنفسه أو بأمره، وإذا لم يكن الإمام أو كان، ولم يقدر على منع الظلم عنهم لم تؤخذ منهم، ومن أخذها بدون الإمام لم يعامل فيها، وقيل: يأخذها منهم كل من منع الظلم عنهم ولو فى الكتمان، وقيل: تؤخذ من الفقير الذى لا شىء له، وقيل: إن كان له ما يكتسب منه، وشدد بعض فقال: يطلى بلبن أو عسل أو نحو ذلك مما يتأذى منه بالذباب أو النمل أو نحوها، ويحبس فى الشمس حتى يعطيها، لأنه ترك التوحيد باختياره، والجزية بحسب ما يرى الإمام من قوة المشرك وضعفه، وكثرة المال وقلته، وسدة بعض الإسلام وعدمها وغير ذلك، حتى لو رأى الصلاح فى تسويتهم لفعل. وقيل: دينار على كل واحد فى السنة، وإن رضوا بالزيادة فعلى المتوسط ديناران، وعلى الغنى أربعة، وقيل: الجزية لكل سنة على الغنى أربعة دنانير، وعلى المتوسط ديناران، وعلى الفقير دينار، وإن شاءوا أعطوا الدراهم بدل الدنانير، فيحسب الدينار باثنى عشر درهما، كدينار الديات والأرش، وجماع الحيض، وغير ذلك، وأما دينار الزكاة فعشرة دراهم، ودينار المعاملات يزيد وينقص، وإن شاء الإمام أخذ فى كل شهر دراهم، فيكون على الغنى فى الشهر أربعة دراهم، وعلى المتوسط درهمان، وعلى الفقير درهم، وقيل: على اليهودى عشرة دراهم فى كل سنة، وعلى النصرانى اثنا عشر، وقيل: خمسة عشر ولم يذكر صاحب هذا القول الصابئين والمجوس، ولعله يقول: الأمر فيهم على ما يرى الإمام. وعلى من تؤخذ عنه الجزية ضيافة المسلمين ثلاثة أيام، وقيل: الضيافة على النصارى، والمبيت على اليهود، بعد أكل العشاء عند النصارى، وعن عمر أنه ضرب على أهل الكتاب أيضا كسوة للمسلمين، وعن عمر أنه ضرب الجزية دينارا على كل واحد فى السنة، وبه قال الشافعى، وبه أمر صلى الله عليه وسلم معاذا حين أرسله إلى اليمن، وقال له: "حديث : أو خذ قيمة الدنانير معافر"تفسير : ، وهى ثياب، وقد عمل به عمر فى بعض القرى. وروى عنه أنه كتب إلى عامله عثمان بن حنيف فى الكوفة: بأن على الغنى أربعة دنانير، وعلى المتوسط دينارين والفقير دينارا، وروى عنه وعن غيره غير ذلك، فدل على أنها ليست محدودة، وفعل النبى ليس حدا لها، وأنها برأى الإمام، وقال ابن القاسم من المالكية: أربعة دنانير على كل غنى أو فقير لا ينقص عنها، وهو قول أصبغ منهم، لكن قال: يحط للفقير بقدر حاله، وقال ابن الماجشون منهم: لا جزية على الفقير، ويؤخذ من نصارى العرب ضعف ما يلزم المسلم فى الزكاة على أموالهم، فيعطى منهم من له مائتا درهم عشرة دراهم، ومن له مائة درهم خمسة دراهم، ولو كان لا زكاة على المسلم فيما دون المائتين، وكذلك فى الذهب والغلة والماشية، وكذا فعل خالد بن الوليد بنصارى تغلب فى الشام، فأجازه عمر. وتؤخذ على تمام السنة من حين قهرهم الإمام، وضربها عليهم، وبهذا قال الشافعى، وقال أبو حنيفة: من حينه وهو ضعيف، وكل ما صالحهم، أعنى أهل الكتاب، الإمام عليه قبل القتال أو بعد القتال، إن لم يكن غالبا فجائز عليهم ولا يجوز {عَنْ يَدٍ} حال من واو يعطوا، والمعنى عن مطاوعة أى منقادين، أو عن يدهم بمعنى يسلمونها بأيديهم، ولا يرسلون بها على يدى غيرهم، كما قال ابن عباس، ولذلك منع بعضهم من توكيل فى إعطائه، والصحيح عندهم جوازه. وعلى ذلك الوجه يجوز كونه حالا من الجزية، أى ثابتة عن يدهم، أو يقدر الحال كونا خاصا، أى منتقلة، عن يدهم، وتعليقه بيعطوا على أن عن بمعنى الباء، أو عن غنى، ولذا قال بعضهم: لا يعطيها الفقير، ولو كان له ما يعطى والصحيح يعطيها إن كان له ما يعطى وسبق الكلام فى ذلك أو عن عجز وذل، كما قاله بعض، أو عن إنعام عليهم، فإن قبلوها إبقاء لأرواحهم، أو يعطونها نقدا، وعلى هذا الوجه فهو حال من الجزية كأنه قيل: حتى يعطوا الجزية حاضرة، ولا متأخرة عاجلة، أو آجله، وعلى كل فالمراد قاتلوهم إذ لم يؤمنوا حتى يذعنوا الإعطاء الجزية عن يد. {وهُم صَاغِرونَ} أذلاء جاريا عليهم حكم الإمام، هذا هو الظاهر فى تفسير ذلك، وهو عام لأنواع الصغر اللازمة لقهر الإمام لهم، وقيل: الصغر أن يأتى بها ماشيا غير راكب، ويسلمها قائما، أو القابض قاعدا، ويحرك ويزعج بإقلاق، ويؤخذ بمجامع ثيابه، ويقال له: أدى الجزية، وإن كان يؤديها ويضرب فى قفاه، وفسره عكرمة بإعطائه قائما، والقابض جالس، وابن عباس: بأن يضرب باليد فى عنقه، والكلبى: بأن يضرب باليد مبسوطة فى قفاه، وقيل: هو أن يضرب ويؤخذ بلحيته، ويضرب فى لحمتيه تحت الأذنين، ويقال له: أد حق الله يا عدوَّ الله، والضرب فى ذلك كله خفيف.

اطفيش

تفسير : {قَاتِلُوا} يا محمد وأَصحابه {الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ} من أَول السورة إِلى هذا فى المشركين من العرب، واستأنف كلاماً فى اليهود والنصارى المشركين من أَهل الكتاب. نزلت الآية فغزا تبوك وصالحهم بمال يعطونه، وهم نصارى، وقال الكلبي: نزلت فى قتال قريظة والنضير وهم يهود فقاتلهم وأَعطوا الجزية، وهى أَول جزية فهذه ومال تبوك من فضله الذى يغنيهم به، وإِنما نفى عنهم الإِيمان لأَنهم لا يؤمنون بالنبى صلى الله عليه وسلم، وكفرت النصارى بأَنبياء اليهود واليهود بعيسى، واليهود يعتقدون أَن الله جسم وأَنه استوى على العرش استواء معقولا، ويقولون أَنه على صورة الإِنسان، وأَن عزير ابن الله، والنصارى يقولون بحلول الألوهية منه فى عيسى ومريم، وأَنهما إِلهان أَو هو ابن الله. ويقول النصارى: تبعث الأَرواح دون الأَجسام. ويقولون هم واليهود: لا أَكل ولا شرب فى الجنة ولا نكاح وذلك كله إِشراك ويقول اليهود لا يدخل الجنة إِلا اليهود، يعنون: لا يدخلها النصارى وهذه الأُمة. وتقول النصارى: لا يدخلها إِلا من كان نصارى، أَو لا تدخلها هذه الأمة واليهود. وقالت اليهود: لن تمسنا النار إِلا أَياماً معدودة، فإِِيمان من هؤلاء صفاته كلا إِيمان بالله واليوم الآخر، فإِن الإِيمان بالشئ على غير ما هو عليه غير إِيمان به، وإِنكار لله، {وَلاَ يُحرَّمُونَ مَا حَرَّم اللهُ ورسُولُهُ} كالخمر والخنزير والربا. ورسوله هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أَو الجنس، أَى كل لا يحرم ما حرم الله ورسوله، ولما جاءَ صلى الله عليه وسلم خالفوه، ويجوز أَن يراد برسول الله ما يشمل رسلهم، وسيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم. والوجهان لا يليقان بالسياق، قيل: ولا سيما باللحاق، فإِن ما قبل هذا فى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ} فيه أَيضاً، وفيه أَن هذا ظاهر فى عموم الحق قبله صلى الله عليه وسلم ومعه صلى الله عليه وسلم، والحق الصواب عند الله، وقيل: الحق لله، وقيل: المراد دين أَهل الحق، وقيل: الدين الطاعة والحق الله، ويجوز أَن يراد بالحق الثابت والإِضافة للبيان، أَى ديننا هو الثابت الذى لا ينسخه دين، وإِما أَن يراد دينهم الحق الذى جاءَ به أَنبياؤهم وديننا، ففيه إِنما نقاتلهم على مخالفة ديننا لا على مخالفة دين نبيهم، نعم نبيهم يأْمرهم بالإِيمان بنبينا صلى الله عليه وسلم {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} اليهود والنصارى والصابئون داخلون فى اليهود والنصارى، وكذا السامرية، وذلك بيان للذين لا يؤمنون {حَتَّى يُعْطُوا} يعطوكم {الْجِزْيَةَ} من أَنفسهم بالإِذعان لها، وليس إِحضارها فتقبض فإِنها تعطى آخر العام، وقيل: أَول العام التالى لعام عقدها. وابتداء العام حين عقدت، والجزية فعلة للهيئة من جزى إِذا قضى ما عليه، ويقال: جزى دينه إِذا قضاه، ومنه لا تجزى نفس عن نفس شيئاً. وقيل: سميت لأَنها جزاء الكفر، أَى عوقبوا بها لكفرهم، فهى من معنى المجازاة، وقيل: لأَنها تجزى عن دمائهم، أَى تكفى عن قتل، فهى من معنى الإِجزاء. يقال: فلان يجزى أَى يكفى وقيل من معنى المجازاة لكفنا عنهم القتال، أَو لأَنها جزء من المال مفروض، وعليه تكون الياء عن همزة. وقيل: معرب من كزيت وهو الخراج بالفارسية. ولا يجوز هذا لأَن الأَصل عدم كون اللفظ معرباً إِلا ما قام دليله. وعلى كل حال هى فى الأَصل مصدر أَطلقت على مقدار من الخراج {عَنْ يَدٍ} متعلق بمحذوف حال من الجزية. ويد انقياد أَى ثابتة عن انقياد، أَى يقدر خاصاً، أَى صادرة عن يد، أَو صادرة أَو ثابتة عن ذل منهم أَو عن إِنعام منكم بقبولها، أَو عرفهم عليهم، أَو عن حضور ونقد، أَو عن غنى، وهو وجود ما يعطى، ومن لم يجد فلا عليه، وقيل: يجبر عليها لأَنه قادر على التوحيد، فلو وحد سقطت عنه، وضعف إِلباثه فى الشمس ملطخاً بالعسل أَو اللبن. وقيل إِن قدر على الكسب فبها وهو قول الشافعى، ومن الذل والانقياد الذى تضمنته معانى يد مجيئهم بها، وعدم تأجيلها، بعد حلول وقتها، ولا يقولون للإِمام أَرسل من يقبضها {وَهُمْ صَاغِرُونَ} أَذلاءَ تأْكيد لقوله عن يد، إِذا فسر اليد بالذل، فالأَولى أَن لا تفسر بالذل، وجعل ابن عباس لقوله: صاغرون معنى على حدة. هو أَن يضرب فى عنقه، وقيل: يؤخذ بتلبيبه ويهزهز، أَو يقال: إِعط الجزية يا ذمى. وقيل: يؤخذ بلحيته وتضرب لهزمته، ويقال: أَد حق الله تعالى يا عدو الله. وفى قبولها وإِهانتهم بذلك إِمهال لهم لعلهم يتفكرون فى المدة، وينظرون فى كتبهم، فيعرفون الحق معه صلى الله عليه وسلم. وليست الجزية إِقراراً لهم على كفرهم. كما زعم بعض، ولعل مراد قائله أَنها عوض عن القتل والاسترقاق الواجبين، فتكون مثل إِسقاط القصاص بعوض الدية، وهى عقوبة على الكفر مثل الاسترقاق. وهى لنفع المسلمين، وقيل: قبلت منهم لحرمة آبائهم الذين على الحق. وقيل: ليتوجعوا بما يعاملون به. فيتركوا الكفر إِلى الإِيمان. وجاءَت السنة بأَخذ الجزية عن المجوس، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : سنوا بالمجوس سنة أَهل الكتاب فى الجزية"تفسير : . أَى لا فى النكاح والذبائح، وأَخذها عن مجوس هجر، كما شهد به عبد الرحمن بن عوف لعمر حيث توقف فى المجوس، وقال مالك والأَوزاعى: تؤخذ من كل مشرك، وفى امتناع عمر من أَخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أَنه صلى الله عليه سولم أَخذها منهم دليل على أَن رأى الصحابة على أَنها تؤخذ من المجوس، وفى البخارى: ما أَخذ عمر الجزية عن المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَخذها من مجوس هجر. ويروى أَنه شهد له عنه صلى الله عليه وسلم أَنه قال: "حديث : سنوا بهم سنة أَهل الكتاب" تفسير : - أَى فى الجزية - وصرح بها فى رواية. والحديث فى الموطأ أَنه صلى الله عليه وسلم أَخذ الجزية من مجوس البحرين، وأَن عمر أَخذها من مجوس فارس. وأَن عثمان أَخذها من البربر. واتفقوا على تحريم ذبائحهم ونسائهم، وأَنها لا تؤخذ من المرتد، وتؤخذ الجزية عن أَهل الكتاب والمجوس ولو كانوا عربا. وقال أَبو يوسف: لا تؤخذ من العربى كتابيا أَو مشركا. وتؤخذ من العجمى كتابيا أَو غيره. وقال أَبو حنيفة: تؤخذ من أَهل الكتاب ولو عربا، ولا تؤخذ من مشركى العرب. وهو مذهب الشافعى. ومن دخل من المشركين فى دين أَهل الكتاب قبل النسخ والتبديل أَخذت منه الجزية، وحلت ذبائحهم ونساؤهم. وأَما بعد التبديل أَو النسخ بمجئ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فلا تقبل عنهم الجزية، ولا تحل ذبائحهم ولا نساؤهم. ومن احتمل الدخول قبل أَو بعد أخذت عنه الجزية حقنا للدماء على الأَصل، ولم تحل ذبائحه وحرم احتياطا. ومنهم نصارى العرب: تنوخ وبهراء وتغلب. أَخذ عمر جزيتهم، وحرم ذبائحهم، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : الجزية دينار على كل عاقل بالغ"تفسير : ، وعن أَبى حنيفة: على الفقير اثنا عشر درهما. والأَوسط أَربعة وعشرون، والغنى ثمانية وأَربعون. أَربعة دراهم فى كل شهر وذلك فى كل سنة. وعن عمر أَنه ضرب الجزية على أَهل الذهب أَربعة دنانير. وعلى أَهل الفضة أَربعين درهما. ومع ذلك أَرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أَيام، رواه مالك فى موطئه. ففى كل دينار عشرة دراهم، وعن الزهرى أَنه صلى الله عليه وسلم صالح عبدة الأَوثان إِلا من كان من العرب. قلت: ليس ذلك جزية، بل صلح فلا حجة فيه لمالك. وقيل: تؤخذ من العرب الكتابيين. وإِنما لم تقبل عن العرب لأَنهم أَعرف به صلى الله عليه وسلم وأَفهم؛ إِذ هو فيهم ومنهم وبلغتهم يتكلم، ودلت الآية على أَنه إِن كانوا لا يعطونها إِلا بكره وشدة قوتلوا. وإِنما قبلت من المجوس لأَن لهم شبهة كتاب، كما روى عن على أَنه كان لهم كتاب يدرسونه، فأَصبحوا وقد رفع. وروى أَنهم أَسرعوا فى إِهانته فعوجل بالرفع. ويؤخذ منهم ما يؤخذ من اليهود. وذكر بعض أَنه إِذا قبل أَهل الجزية الزيادة على الدينار فعلى المتوسط ديناران، وعلى الغنى أَربعة، وأَن الغنى من له عشرة آلاف درهم. والمتوسط من له مائتا درهم إِلى أَقل من عشرة آلاف. والفقير من لا يملكها. ولا جزية على شيخ فان وزمن وصبى وامرأَة ومملوك وأَعمى ومفلوج وراهب لا يخالط الناس. وقيل: تؤخذ منهما. وقال أَبو يوسف: تؤخذ من المفلوج. والمذهب أَخذها من الأَعمى. وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الجزية دينار على كل عاقل بالغ" تفسير : دليل على أَنه لا جزية على طفل ومجنون، ولم يفرق بين الغنى والفقير. وكذا أَمر صلى الله عليه وسلم معاذا أَن يأْخذ من أَهل اليمن دينارا من كل محتلم أَو عدله من المعافر، وهى ثياب تكون فى اليمن. رواه أَبو داود.

الالوسي

تفسير : {قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} / أمر بقتال أهل الكتابين إثر أمرهم بقتال المشركين ومنعهم من أن يحوموا حول المسجد الحرام، وفي تضاعيفه تنبيه لهم على بعض طرق الإغناء الموعود، والتعبير عنهم بالموصول للإيذان بعلية ما في حيز الصلاة للأمر بالقتال وبانتظامهم بسبب ذلك في سلك المشركين وإيمانهم الذي يزعمونه ليس على ما ينبغي فهو كلا إيمان {وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} أي ما ثبت تحريمه بالوحي متلواً وغير متلو، فالمراد بالرسول نبينا صلى الله عليه وسلم، وقيل: المراد به رسولهم الذي يزعمون اتباعه فإنهم بدلوا شريعته وأحلوا وحرموا من عند أنفسهم اتباعاً لأهوائهم فيكون المراد لا يتبعون شريعتنا ولا شريعتهم، ومجموع الأمرين سبب لقتالهم وإن كان التحريف بعد النسخ ليس علة مستقلة {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ} أي الدين الثابت فالإضافة من إضافة الصفة إلى الموصوف. والمراد به دين الإسلام الذي لا ينسخ بدين كما نسخ كل دين به، وعن قتادة أن المراد بالحق هو الله تعالى وبدينه الإسلام، وقيل: ما يعمه وغيره أي لا يدينون بدين من الأديان التي أنزلها سبحانه على أنبيائه وشرعها لعباده والإضافة على هذا على ظاهرها {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} أي جنسه الشامل للتوراة والإنجيل و {مِنْ} بيانية لا تبعيضية حتى يكون بعضهم على خلاف ما نعت. {حَتَّىٰ يُعْطُواْ} أي يقبلوا أن يعطوا {ٱلْجِزْيَةَ} أي ما تقرر عليهم أن يعطوه، وهي مشتقة من جزى دينه أي قضاه أو من جزيته بما فعل أي جازيته لأنهم يجزون بها من منّ عليهم بالعفو عن القتل. وفي «الهداية» أنها جزاء الكفر فهي من المجازاة، وقيل: أصلها الهمز من الجزء والتجزئة لأنها طائفة من المال يعطى، وقال الخوارزمي: إنها معرب ـ كزيت ـ وهو الخراج بالفارسية وجمعها جزى كلحية ولحى {عَن يَدٍ} يحتمل أن يكون حالاً من الضمير في {يُعْطُواْ} وأن يكون حالاً من الجزية؛ واليد تحتمل أن تكون اليد المعطية وأن تكون اليد الآخذة و {عَنْ} تحتمل السببية وغيرها أي يعطوا الجزية عن يد مؤاتية أي منقادين أو مقرونة بالانقياد أو عن يدهم أي مسلمين أو مسلمة بأيديهم لا بأيدي غيرهم من وكيل أو رسول لأن القصد فيها التحقير وهذا ينافيه ولذا منع من التوكيل شرعاً أو عن غنى أي أغنياء أو صادرة عنه ولذلك لا تؤخذ من الفقير العاجز أو عن قهر وقوة أي أذلاء عاجزين. أو مقرونة بالذل أو عن إنعام عليهم فإن إبقاء مهجهم بما بذلوا من الجزية نعمة عظيمة أي منعماً عليهم أو كائنة عن إنعام عليهم أو نقداً أي مسلمة عن يد إلى يد أو مسلمين نقداً، واستعمال اليد بمعنى الانقياد إما حقيقة أو كناية، ومنه قول عثمان رضي الله تعالى عنه، هذي يدي لعمار أي أنا منقاد مطيع له، واستعمالها بمعنى الغنى لأنها تكون مجازاً عن القدرة المستلزمة له، واستعمالها بمعنى الإنعام وكذا النعمة شائع ذائع، وأما معنى النقدية فلشهرة «يداً بيد» في ذلك، ومنه حديث أبـي سعيد الخدري في الربا، وما في الآية يؤول إليه كما لا يخفى على من له اليد الطولى في المعاني والبيان. وتفسير اليد هنا بالقهر والقوة أخرجه ابن أبـي حاتم عن قتادة، وأخرج عن سفيان بن عيينة ما يدل على أنه حملها على ما يتبادر منها طرز ما ذكرناه في الوجه الثاني، وسائر الأوجه ذكرها غير واحد من المفسرين، وغاية القتال ليس نفس هذا الإعطاء بل قبوله كما أشير إليه، وبذلك صرح جمع من الفقهاء حيث قالوا: إنهم يقاتلون إلى أن يقبلوا الجزية، وإنما عبروا بالإعطاء لأنه المقصود من القبول. {وَهُمْ صَـٰغِرُونَ} أي أذلاء / وذلك بأن يعطوها قائمين والقابض منهم قاعد قاله عكرمة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تؤخذ الجزية من الذمي ويوجأ عنقه، وفي رواية أنه يؤخذ بتلبيبه ويهز هزاً ويقال: أعط الجزية يا ذمي، وقيل: هو أن يؤخذ بلحيته وتضرب لهزمته، ويقال: أد حق الله تعالى يا عدو الله. ونقل عن الشافعي أن الصغار هو جريان أحكام المسلمين عليهم، وكل الأقوال لم نر اليوم لها أثراً لأن أهل الذمة فيه قد امتازوا على المسلمين والأمر لله عز وجل بكثير حتى أنه قبل منهم إرسال الجزية على يد نائب منهم، وأصح الروايات أنه لا يقبل ذلك منهم بل يكلفون أن يأتوا بها بأنفسهم مشاة غير راكبين وكل ذلك من ضعف الإسلام عامل الله تعالى من كان سبباً له بعدله. وهي تؤخذ عند أبـي حنيفة من أهل الكتاب مطلقاً ومن مشركي العجم والمجوس لا من مشركي العرب؛ لأن كفرهم قد تغلظ لما أن النبـي صلى الله عليه وسلم نشأ بين أظهرهم وأرسل إليهم وهو عليه الصلاة والسلام من أنفسهم ونزل القرآن بلغتهم وذلك من أقوى البواعث على إيمانهم فلا يقبل منهم إلا السيف أو الإسلام زيادة في العقوبة عليهم مع اتباع الوارد في ذلك، فلا يرد أن أهل الكتاب قد تغلظ كفرهم أيضاً لأنهم عرفوا النبـي صلى الله عليه وسلم معرفة تامة ومع ذلك أنكروه وغيروا اسمه ونعته من الكتاب، وعند أبـي يوسف لا تؤخذ من العربـي كتابياً كان أو مشركاً وتؤخذ من العجمي كتابياً كان أو مشركاً. وأخذها من المجوس إنما ثبت بالسنة، فقد صح أن عمر رضي الله تعالى عنه لم يأخذها منهم حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر، وقال الشافعي: رضي الله تعالى عنه إنها تؤخذ من أهل الكتاب عربياً كان أو عجمياً ولا تؤخذ من أهل الأوثان مطلقاً لثبوتها في أهل الكتاب بالكتاب وفي المجوس بالخبر فبقي من وراءهم على الأصل. ولنا أنه يجوز استرقاقهم وكل من يجوز استرقاقه يجوز ضرب الجزية عليه إذا كان من أهل النصرة لأن كل واحد منهما يشتمل على سلب النفس أما الاسترقاق فظاهر لأن نفع الرقيق يعود إلينا جملة. وأما الجزية فلأن الكافر يؤديها من كسبه والحال أن نفقته في كسبه فكان أداء كسبه الذي هو سبب حياته إلى المسلمين راتبة في معنى أخذ النفس منه حكماً، وذهب مالك والأوزاعي إلى أنها تؤخذ من جميع الكفار ولا تؤخذ عندنا من امرأة ولا صبـي ولا زمن ولا أعمى، وكذلك المفلوج والشيخ، وعن أبـي يوسف أنها تؤخذ منه إذا كان له مال ولا من فقير غير معتمل خلافاً للشافعي ولا من مملوك ومكاتب ومدبر، ولا تؤخذ من الراهبين الذين لا يخالطون الناس كما ذكره بعض أصحابنا، وذكر محمد عن أبـي حنيفة أنها تؤخذ منهم إذا كانوا يقدرون على العمل وهو قول أبـي يوسف. ثم إنها على ضربين جزية توضع بالتراضي والصلح فتقدر بحسب ما يقع عليه الاتفاق كما صالح صلى الله عليه وسلم بني نجران على ألف ومائتي حلة ولأن الموجب التراضي فلا يجوز التعدي إلى غير ما وقع عليه. وجزية يبتدىء الإمام بوضعها إذا غلب على الكفار وأقرهم على أملاكهم فيضع على الغني الظاهر الغنى في كل سنة ثمانية وأربعين درهماً يؤخذ في كل شهر منه أربعة دراهم، وعلى الوسط الحال أربعة وعشرين في كل شهر درهمين وعلى الفقير المعتمل وهو الذي يقدر على العمل وإن لم يحسن حرفة اثني عشر درهماً في كل شهر درهماً، والظاهر أن مرجع الغنى وغيره إلى عرف البلد. وبذلك صرح به الفقيه أبو جعفر، وإلى ما ذهبنا إليه من اختلافها غنى وفقراً وتوسطاً ذهب عمر وعلي وعثمان رضي الله تعالى عنهم. ونقل عن الشافعي أن الإمام يضع على كل حالم ديناراً أو ما يعدله والغني والفقير في ذلك سواء، لما أخرجه ابن أبـي شيبة عن مسروق أنه صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى / اليمن قال له: خذ من كل حالم ديناراً أو عدله معافر ولم يفصل عليه الصلاة والسلام، وأجيب عنه بأنه محمول على أنه كان صلحاً. ويؤيده ما في بعض الروايات من كل حالم وحالمة لأن الجزية لا تجب على النساء، والأصح عندنا أن الوجوب أول الحول لأن ما وجب بدلاً عنه لا يتحقق إلا في المستقبل فتعذر إيجابه بعد مضي الحول فأوجبناها في أوله، وعن الشافعي أنها تجب في آخره اعتباراً بالزكاة. وتعقبه الزيلعي بأنه لا يلزمنا الزكاة لأنها وجبت في آخر الحول ليتحقق النماء فهي لا تجب إلا في المال النامي ولا كذلك الجزية فالقياس غير صحيح، ((واقتضى ـ كما قال الجصاص ـ في أحكام القرآن وجوب قتل من ذكر في الآية إلى أن تؤخذ منهم الجزية على وجه الصغار والذلة [فغير جائز على هذه القضية أن] لا يكون لهم ذمة إذا تسلطوا على المسلمين بالولاية ونفاذ الأمر والنهي لأن الله سبحانه إنما جعل لهم الذمة بإعطاء الجزية وكونهم صاغرين فواجب على هذا قتل من تسلط على المسلمين بالغضب وأخذ الضرائب والظلم (وإن كان السلطان ولاه ذلك وإن فعله بغير إذنه وأمره فهو أولى) وهذا يدل على أن هؤلاء اليهود والنصارى الذين يتولون أعمال السلطان وأمرائه ويظهر منهم الظلم والاستعلاء [على المسلمين] وأخذ الضرائب لا ذمة لهم وأن دماءهم مباحة ولو قصد المسلم مسلماً لأخذ ماله أبيح قتله في بعض الوجوه فما بالك بهؤلاء الكفرة أعداء الدين. وقد أفتى فقهاؤنا بحرمة توليتهم الأعمال لثبوت ذلك بالنص، وقد ابتلى الحكام بذلك حتى احتاج الناس إلى مراجعتهم بل تقبيل أيديهم كما شاهدناه مراراً، وما كل ما يعلم يقال فإنا لله وإنا إليه راجعون. هذا وقد استشكل أخذ الجزية من هؤلاء الكفرة بأن كفرهم من أعظم الكفر فكيف يقرون عليه بأخذ دراهم معدودات؟. وأجاب القطب بأن المقصود من أخذ الجزية ليس تقريرهم على الكفر بل إمهال الكافر مدة ربما يقف فيها على محاسن الإسلام وقوة دلائله فيسلم، وقال الاتقاني: إن الجزية ليست بدلاً عن تقرير الكفر وإنما هي عوض عن القتل والاسترقاق الواجبين فجازت كإسقاط القصاص بعوض، أو هي عقوبة على الكفر كالاسترقاق، والشق الأول أظهر حيث يوهم الثاني جواز وضع الجزية على النساء ونحوهن. وقد يجاب بأنها بدل عن النصرة للمقاتلة منا، ولهذا تفاوتت لأن كل من كان من أهل دار الإسلام يجب عليه النصرة للدار بالنفس والمال، وحيث إن الكافر لا يصلح لها لميله إلى دار الحرب اعتقاداً أقيمت الجزية المأخوذة المصروفة إلى الغزاة مقامها، ولا يرد إن النصرة طاعة وهذه عقوبة فكيف تكون العقوبة خلفاً عن الطاعة لما في «النهاية» من أن الخليفة عن النصرة في حق المسلمين لما في ذلك من زيادة القوة لهم وهم يثابون على تلك الزيادة الحاصلة بسبب أموالهم، وهذا بمنزلة ما لو أعاروا دوابهم للغزاة. ومن هنا تعلم أن من قال: إنها بدل عن الإقرار على الكفر فقد توهم وهماً عظيماً.

سيد قطب

تفسير : هذا المقطع الثاني في سياق السورة؛ يستهدف تقرير الأحكام النهائية في العلاقات بين المجتمع المسلم وأهل الكتاب؛ كما استهدف المقطع الأول منها تقرير الأحكام النهائية في العلاقات بين هذا المجتمع والمشركين في الجزيرة. وإذا كانت نصوص المقطع الأول في منطوقها تواجه الواقع في الجزيرة يومئذ؛ وتتحدث عن المشركين فيها؛ وتحدد صفات ووقائع وأحداثاً تنطبق عليهم انطباقاً مباشراً. فإن النصوص في المقطع الثاني - الخاصة بأهل الكتاب - عامة في لفظها ومدلولها؛ وهي تعني كل أهل الكتاب. سواء منهم من كان في الجزيرة ومن كان خارجها كذلك. هذه الأَحكام النهائية التي يتضمنها هذا المقطع تحتوي تعديلات أساسية في القواعد التي كانت تقوم عليها العلاقات من قبل بين المجتمع المسلم وأهل الكتاب - وبخاصة النصارى منهم - فلقد كانت وقعت المواقع قبل ذلك مع اليهود؛ ولكن حتى هذا الوقت لم يكن قد وقع منها شيء مع النصارى. والتعديل البارز في هذه الأحكام الجديدة هو الأمر بقتال أهل الكتاب المنحرفين عن دين الله حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.. فلم تعد تقبل منهم عهود موادعة ومهادنة إلى على هذا الأساس.. أساس إعطاء الجزية.. وفي هذه الحالة تتقرر لهم حقوق الذمي المعاهد؛ ويقوم السلام بينهم وبين المسلمين. فأما إذا هم اقتنعوا بالإسلام عقيدة فاعتنقوه فهم من المسلمين.. إنهم لا يُكرَهون على اعتناق الإسلام عقيدة. فالقاعدة الإسلامية المحكمة هي:{أية : لا إكراه في الدين} تفسير : ولكنهم لا يتركون على دينهم إلا إذا أعطوا الجزية، وقام بينهم وبين المجتمع المسلم عهد على هذا الأساس. وهذا التعديل الأخير في قواعد التعامل بين المجتمع المسلم وأهل الكتاب لا يفهم على طبيعته إلى بالفقه المستنير لطبيعة العلاقات الحتمية بين منهج الله ومناهج الجاهلية من ناحية. ثم لطبيعة المنهج الحركي الإسلامي، ومراحله المتعددة، ووسائله المتجددة المكافئة للواقع البشري المتغير من الناحية الأخرى. وطبيعة العلاقة الحتمية بين منهج الله ومناهج الجاهلية هي عدم إمكان التعايش إلا في ظل أوضاع خاصة وشروط خاصة؛ قاعدتها ألا تقوم في وجه الإعلان العام الذي يتضمنه الإسلام لتحرير الإنسان بعبادة الله وحده والخروج من عبادة البشر للبشر، أية عقبات مادية من قوة الدولة، ومن نظام الحكم، ومن أوضاع المجتمع على ظهر الأرض! ذلك أن منهج الله يريد أن يسيطر، ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده - كما هو الإعلان العام للإسلام - ومناهج الجاهلية تريد - دفاعاً عن وجودها - أن تسحق الحركة المنطلقة بمنهج الله في الأرض، وأن تقضي عليها.. وطبيعة المنهج الحركي الإسلامي أن يقابل هذا الواقع البشري بحركة مكافئة له ومتفوقة عليه، في مراحل متعددة ذات وسائل متجددة.. والأحكام المرحلية والأحكام النهائية في العلاقات بين المجتمع المسلم والمجتمعات الجاهلية تمثل هذه الوسائل في تلك المراحل. ومن أجل أن يحدد السياق القرآني في هذا المقطع من السورة طبيعة هذه العلاقات، حدد حقيقة ما عليه أهل الكتاب؛ ونص على أنه "شرك" و "كفر" و"باطل" وقدم الوقائع التي يقوم عليها هذا الحكم، سواء من واقع معتقدات أهل الكتاب والتوافق والتضاهي بينها وبين معتقدات {الذين كفروا من قبل}. أو من سلوكهم وتصرفهم الواقعي كذلك. والنصوص الحاضرة تقرر: أولاً: أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. ثانياً: أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله. ثالثاً: أنهم لا يدينون دين الحق. رابعاً: أن اليهود منهم قالت: عزير ابن الله. وأن النصارى منهم قالت: المسيح ابن الله وأنهم في هذين القولين يضاهئون قول الذين كفروا من قبل سواء من الوثنيين الإغريق، أو الوثنيين الرومان، أو الوثنيين الهنود، أو الوثنيين الفراعنة، أو غيرهم من الذين كفروا (وسنفصل فيما بعد أن التثليث عند النصارى، وادعاء البنوة لله منهم أو من اليهود مقتبس من الوثنيات السابقة وليس من أصل النصرانية ولا اليهودية). خامساً: أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله. كما اتخذوا المسيح رباً. وأنهم بهذا خالفوا عما أمروا به من توحيد الله والدينونة له وحده، وأنهم لهذا "مشركون"! سادساً: أنهم محاربون لدين الله يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، وأنهم لهذا "كافرون"! سابعاً: أن كثيراً من أحبارهم ورهبانهم يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله. وعلى أساس هذه الأوصاف وهذا التحديد لحقيقة ما عليه أهل الكتاب، قرر الأحكام النهائية التي تقوم عليها العلاقات بينهم وبين المؤمنين بدين الله، القائمين على منهج الله.. ولقد يبدو أن هذا التقرير لحقيقة ما عليه أهل الكتاب، مفاجئ ومغاير للتقريرات القرآنية السابقة عنهم؛ كما يحلو للمستشرقين والمبشرين وتلاميذهم أن يقولوا، زاعمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غير أقواله وأحكامه عن أهل الكتاب عندما أحس بالقوة والقدرة على منازلتهم! ولكن المراجعة الموضوعية للتقريرات القرآنية - المكية والمدنية - عن أهل الكتاب، تظهر بجلاء أنه لم يتغير شيء في أصل نظرة الإسلام إلى عقائد أهل الكتاب التي جاء فوجدهم عليها، وانحرافها وبطلانها؛ وشركهم وكفرهم بدين الله الصحيح - حتى بما أنزل عليهم منه وبالنصيب الذي أوتوه من قبل - أما التعديلات فهي محصورة في طريقة التعامل معهم.. وهذه - كما قلنا مراراً - تحكمها الأحوال والأوضاع الواقعية المتجددة. أما الأصل الذي تقوم عليه - وهو حقيقة ما عليه أهل الكتاب - فهو ثابت منذ اليوم الأول في حكم الله عليهم. ونضرب هنا بعض الأمثلة من التقريرات القرآنية عن أهل الكتاب وحقيقة ما هم عليه.. ثم تستعرض مواقفهم الواقعية من الإسلام وأهله، تلك المواقف التي انتهت إلى هذه الأحكام النهائية في التعامل معهم: في مكة لم تكن توجد جاليات يهودية أو نصرانية ذات عدد أو وزن في المجتمع.. إنما كان هناك أفراد، يحكي القرآن عنهم أنهم استقبلوا الدعوة الجديدة إلى الإسلام بالفرح والتصديق والقبول؛ ودخلوا في الإسلام، وشهدوا له ولرسوله بأنه الحق المصدق لما بين أيديهم.. ولا بد أن يكون هؤلاء ممن كان قد بقي على التوحيد من النصارى واليهود؛ وممن كان معهم شيء من بقايا الكتب المنزلة.. وفي أمثال هؤلاء وردت مثل هذه الآيات: {أية : الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون. وإذا يتلى عليهم قالوا: آمنا به، إنه الحق من ربنا، إنا كنا من قبله مسلمين}تفسير : [القصص: 52 - 53] {أية : قل: آمنوا به أو لا تؤمنوا، إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً، ويقولون: سبحان ربنا، إن كان وعد ربنا لمفعولاً. ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً}تفسير : [الإسراء:107-109] {أية : قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به، وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله، فآمن واستكبرتم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين}تفسير : [الأحقاف: 10]. {أية : وكذلك أنزلنا إليك الكتاب، فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به، ومن هؤلاء من يؤمن به، وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون}تفسير : [العنكبوت: 47]. {أية : أفغير الله أبتغى حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق، فلا تكونن من الممترين}تفسير : [الأنعام: 114]. {أية : والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك، ومن الأحزاب من ينكر بعضه. قل: إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به، إليه أدعوا وإليه مآب}تفسير : [الرعد: 36]. وقد تكررت هذه الاستجابة من أفراد كذلك في المدينة؛ حكى عنهم القرآن بعض المواقف في السور المدنية؛ مع النص في بعضها على أنهم من النصارى، ذلك أن اليهود كانوا قد اتخذوا موقفاً آخر غير ما كان يتخذه أفراد منهم في مكة، عندما أحسوا خطر الإسلام في المدينة: {أية : وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، أولئك لهم أجرهم عند ربهم، إن الله سريع الحساب}تفسير : [آل عمران: 199]. {أية : لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا: إنا نصارى. ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً، وأنهم لا يستكبرون. وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، يقولون: ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين. وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين؟ فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وذلك جزاء المحسنين}تفسير : [المائدة: 82 - 85]. ولكن موقف هؤلاء الأفراد لم يكن يمثل موقف الغالبية من أهل الكتاب في الجزيرة - ومن اليهود منهم بصفة خاصة - فقد جعل هؤلاء يشنون على الإسلام، منذ أن أحسوا خطره عليهم في المدينة، حرباً خبيثة، يستخدمون فيها كل الوسائل التي حكاها القرآن عنهم في نصوص كثيرة؛ كما أنهم في الوقت ذاته رفضوا الدخول في الإسلام طبعاً؛ وأنكروا وجحدوا ما في كتبهم من البشارة بالرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن تصديق القرآن لما بين أيديهم من بقايا كتبهم الحقة، مما كان أولئك الأفراد الطيبون يعترفون به ويقرونه ويجاهرون به في وجه المنكرين الجاحدين!.. كذلك أخذ القرآن يتنزل بوصف هذا الجحود وتسجيله؛ وبتقرير ما عليه أهل الكتاب هؤلاء من الانحراف والفساد والبطلان في شتى السور المدنية.. على أن القرآن المكي لم يخل من تقريرات عن حقيقة ما عليه أهل الكتاب. نذكر من ذلك: {أية : ولما جاء عيسى بالبينات قال: قد جئتكم بالحكمة، ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه، فاتقوا الله وأطيعون. إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه، هذا صراط مستقيم، فاختلف الأحزاب من بينهم، فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم}تفسير : [الزخرف: 63 - 65]. {أية : وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم - بغياً بينهم} {أية : ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم، وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب}تفسير : [الشورى: 14]. {أية : وإذ قيل لهم: اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم، وقولوا: حطة وادخلوا الباب سجداً نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين. فبدل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم، فأرسلنا عليهم رجزاً من السماء بما كانوا يظلمون. واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت، إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون}تفسير : [الأعراف: 161 - 163]. {أية : وإذ تأذّن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب، إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم}تفسير : [الأعراف: 167]. {أية : فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون: سيغفر لنا، وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه. ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق، ودرسوا ما فيه؟ والدار الآخرة خير للذين يتقون، أفلا تعقلون؟}تفسير : [الأعراف: 169]. أما القرآن المدني فقد تضمن الكلمة الأخيرة في حقيقة ما عليه أهل الكتاب؛ كما حكى عنهم أشنع الوسائل وأبشع الطرق في حرب هذا الدين وأهله في قطاعات طويلة من سور البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، وغيرها. قبل أن يقرر الكلمة النهائية في أمرهم كله في سورة التوبة. وسنكتفي هنا بنماذج محددة من هذه التقريرات القرآنية الكثيرة. {أية : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم، وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون؟ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا. وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم؟ أفلا تعقلون؟ أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون؟ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانيَّ، وإن هم إلا يظنون. فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون: هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، فويل لهم مما كتبت أيديهم، وويل لهم مما يكسبون}تفسير : [البقرة: 75 - 79]. {أية : ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل، وآتينا عيسى ابن مريم البينات، وأيدناه بروح القدس، أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم، ففريقاً كذّبتم وفريقاً تقتلون؟ وقالوا: قلوبنا غلف. بل لعنهم الله بكفرهم فقليلاً ما يؤمنون. ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فلعنة الله على الكافرين. بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله - بغياً أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده - فباءوا بغضب على غضب، وللكافرين عذاب مهين. وإذا قيل لهم: آمنوا بما أنزل الله قالوا: نؤمن بما أنزل علينا، ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاً لما معهم. قل: فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين!}تفسير : [البقرة: 87 - 91]. {أية : قل: يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله؟ والله شهيد على ما تعملون. قل: يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجاً وأنتم شهداء؟ وما الله بغافل عما تعملون}تفسير : [آل عمران: 98 -99]. {أية : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً؟ أولئك الذين لعنهم الله، ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً}تفسير : {النساء: 51 - 52]. {أية : لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، وقال المسيح: يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم، إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار. لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، وما من إله إلا إله واحد، وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم. أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم. ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، وأمه صديقة، كانا يأكلان الطعام. انظر كيف نبين لهم الآيات، ثم انظر أنى يؤفكون!}تفسير : [المائدة: 72 - 75]. من مراجعة هذه النصوص القرآنية وأمثالها - وهو كثير في القرآن المكي والمدني على السواء - يتبين أن النظرة إلى حقيقة ما عليه أهل الكتاب من الانحراف عن دين الله الصحيح لم يتغير فيها شيء في التقريرات الأخيرة الواردة في السورة الأخيرة. وأن وصمهم بالانحراف والفسوق والشرك والكفر ليس جديداً، ولا يعبر عن اتجاه جديد فيما يختص بحقيقة الاعتقاد.. وذلك مع ملاحظة أن القرآن الكريم ظل يسجل للفريق المهتدي الصالح من أهل الكتاب هداه وصلاحه. فقال تعالى منصفاً للصالحين منهم: {أية : ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}تفسير : {الأعراف: 159]. {أية : ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً، ذلك بأنهم قالوا: ليس علينا في الأميين سبيل، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون}تفسير : [آل عمران: 75]. {أية : ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس، وباءوا بغضب من الله، وضربت عليهم المسكنة، ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون الأنبياء بغير حق، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. ليسوا سواء: من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون، يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات، وأولئك من الصالحين وما يفعلوا من خير فلن يكفروه؛ والله عليم بالمتقين}تفسير : [آل عمران: 112 - 115]. أما الذي وقع فيه التعديل فعلاً فهو أحكام التعامل مع أهل الكتاب. فترة بعد فترة. ومرحلة بعد مرحلة. وواقعة بعد واقعة. وفق المنهج الحركي الواقعي لهذا الدين في مواجهة أحوال أهل الكتاب وتصرفاتهم ومواقفهم مع المسلمين. ولقد جاء زمان كان يقال فيه للمسلمين: {أية : ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن - إلا الذين ظلموا منهم - وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون}تفسير : [العنكبوت: 46]. {أية : قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل، وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم، ونحن له مسلمون. فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما هم في شقاق، فسيكفيكهم الله، وهو السميع العليم}تفسير : [البقرة: 136 - 137]. {أية : قل: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله. فإن تولوا فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون}تفسير : [آل عمران: 64]. {أية : ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره، إن الله على كل شيء قدير}تفسير : [البقرة: 109]. ثم أتى الله بأمره الذي وكل المؤمنين إليه؛ فوقعت أحداث، وتعدلت أحكام، وجرى المنهج الحركي الواقعي الإيجابي في طريقه حتى كانت هذه الأحكام النهائية الأخيرة، في هذه السورة، على النحو الذي رأينا.. إنه لم يتغير شيء في نظرة هذا الدين إلى حقيقة ما عليه أهل الكتاب من فساد العقيدة؛ ومن الشرك بالله والكفر بآياته.. إنما الذي تغير هو قاعدة التعامل.. وهذه إنما تحكمها تلك الأصول التي أسلفنا الحديث عنها في مطلع هذا الفصل التمهيدي لهذا المقطع من سياق السورة، في هذه الفقرات: "وهذا التعديل الأخير في قواعد التعامل بين المجتمع المسلم وأهل الكتاب لا يفهم على طبيعته، إلا بالفقه المستنير لطبيعة العلاقات الحتمية بين منهج الله ومناهج الجاهلية من ناحية. ثم لطبيعة المنهج الحركي الإسلامي ومراحله المتعددة، ووسائله المتجددة، المكافئة للواقع البشري المتغير، من الناحية الأخرى... الخ". والآن نأخذ في شيء من استعراض طبيعة الموقف بين أهل الكتاب والمجتمع المسلم سواء من الناحية الموضوعية الثابتة، أو من ناحية المواقف التاريخية الواقعة... فهذه هي العناصر الرئيسية التي انتهت إلى هذه الأحكام النهائية. إن طبيعة الموقف بين أهل الكتاب والمجتمع المسلم يجب البحث عنها أولاً: في تقريرات الله - سبحانه - عنها، باعتبار أن هذه هي الحقيقة النهائية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها؛ وباعتبار أن هذه التقريرات - بسبب كونها ربانية - لا تتعرض لمثل ما تتعرض له الاستنباطات والاستدلالات البشرية من الأخطاء.. وثانياً: في المواقف التاريخية المصدقة لتقريرات الله سبحانه! إن الله سبحانه يقرر طبيعة موقف أهل الكتاب من المسلمين في عدة مواضع من كتابه الكريم.. وهو تارة يتحدث عنهم - سبحانه - وحدهم، وتارة يتحدث عنهم مع الذين كفروا من المشركين؛ باعتبار أَن هنالك وحدة هدف - تجاه الإسلام والمسلمين - تجمع الذين كفروا من أهل الكتاب والذين كفروا من المشركين. وتارة يتحدث عن مواقف واقعية لهم تكشف عن وحدة الهدف ووحدة التجمع الحركي لمواجهة الإسلام والمسلمين.. والنصوص التي تقرر هذه الحقائق من الوضوح والجزم بحيث لا يحتاج منا إلى تعليق.. وهذه نماذج منها.. {أية : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم}تفسير : [البقرة: 105]. {أية : ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم، من بعد ما تبين لهم الحق}تفسير : {البقرة: 109]. {أية : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}تفسير : [البقرة: 120]. {أية : ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم}تفسير : [آل عمران: 69]. {أية : وقالت طائفة من أهل الكتاب: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون، ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم}تفسير : [آل عمران: 72 - 73]. {أية : يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين}تفسير : [آل عمران: 100]. {أية : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل، والله أعلم بأعدائكم...}تفسير : [النساء: 44 - 45]. {أية : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً}تفسير : [النساء: 51]. وفي هذه النماذج وحدها ما يكفي لتقرير حقيقة موقف أهل الكتاب من المسلمين... فهم يودون لو يرجع المسلمون كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق. وهم يحددون موقفهم النهائي من المسلمين بالإصرار على أن يكونوا يهوداً أو نصارى، ولا يرضون عنهم ولا يسالمونهم إلا أن يتحقق هذا الهدف، فيترك المسلمون عقيدتهم نهائياً. وهم يشهدون للمشركين الوثنيين بأنهم أهدى سبيلاً من المسلمين!... الخ. وإذا نحن راجعنا الأهداف النهائية للمشركين تجاه الإسلام والمسلمين كما يقررها الله - سبحانه - في قوله تعالى: {أية : ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا}تفسير : [البقرة: 217]. {أية : ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة}تفسير : [النساء: 102]. {أية : إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون}تفسير : [الممتحنة: 2]. {أية : وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إِلاًّ ولا ذمة}تفسير : [التوبة: 8]. {أية : لا يرقبون في مؤمن إِلاًّ ولا ذمة}تفسير : [التوبة: 10]. إذا نحن راجعنا هذه التقريرات الربانية عن المشركين، وجدنا أن الأهداف النهائية لهم تجاه الإسلام والمسلمين، هي بعينها - وتكاد تكون بألفاظها - هي الأهداف النهائية لأهل الكتاب تجاه الإسلام والمسلمين كذلك.. مما يجعل طبيعة موقفهم مع الإسلام والمسلمين هي ذاتها طبيعة موقف المشركين. وإذا نحن لاحظنا أن التقريرات القرآنية الواردة في هؤلاء وهؤلاء ترد في صيغ نهائية، تدل بصياغتها على تقرير طبيعة دائمة، لا على وصف حالة مؤقتة، كقوله تعالى في شأن المشركين: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} وقوله تعالى في شأن أهل الكتاب: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} إذا نحن لاحظنا ذلك تبين لنا بغير حاجة إلى أي تأويل للنصوص، أنها تقرر طبيعة أصيلة دائمة للعلاقات؛ ولا تصف حالة مؤقتة ولا عارضة! فإذا نحن ألقينا نظرة سريعة على الواقع التاريخي لهذه العلاقات، متمثلة في مواقف أهل الكتاب - من اليهود والنصارى - من الإسلام وأهله، على مدار التاريخ، تبين لنا تماماً ماذا تعنيه تلك النصوص والتقريرات الإلهية الصادقة؛ وتقرر لدينا أنها كانت تقرر طبيعة مطردة ثابتة، ولم تكن تصف حالة مؤقتة عارضة. إننا إذا استثنينا حالات فردية - أو حالات جماعات قليلة - من التي تحدث القرآن عنها وحواها الواقع التاريخي بدت فيها الموادة للإسلام والمسلمين؛ والاقتناع بصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصدق هذا الدين. ثم الدخول فيه والانضمام لجماعة المسلمين.. وهي الحالات التي أشرنا إليها فيما تقدم.. فإننا لا نجد وراء هذه الحالات الفردية أو الجماعية القليلة المحدودة، إلا تاريخاً من العداء العنيد، والكيد الناصب، والحرب الدائبة، التي لم تفتر على مدار التاريخ. فأما اليهود فقد تحدثت شتى سور القرآن عن مواقفهم وأفاعيلهم وكيدهم ومكرهم وحربهم؛ وقد وعى التاريخ من ذلك كله ما لم ينقطع لحظة واحدة منذ اليوم الأول الذي واجههم الإسلام في المدينة حتى اللحظة الحاضرة! وليست هذه الظلال مجالاً لعرض هذا التاريخ الطويل. ولكننا سنشير فقط إلى قليل من كثير من تلك الحرب المسعورة التي شنها اليهود على الإسلام وأهله على مدار التاريخ.. لقد استقبل اليهود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودينه في المدينة شر ما يستقبل أهل دين سماوي رسولاً يعرفون صدقه، وديناً يعرفون أنه الحق.. استقبلوه بالدسائس والأكاذيب والشبهات والفتن يلقونها في الصف المسلم في المدينة بكافة الطرق الملتوية الماكرة التي يتقنها اليهود.. شككوا في رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم يعرفونه؛ واحتضنوا المنافقين وأمدوهم بالشبهات التي ينشرونها في الجو وبالتهم والأكاذيب. وما فعلوه في حادث تحويل القبلة، وما فعلوه في حادث الإفك، وما فعلوه في كل مناسبة، ليس إلا نماذج من هذا الكيد اللئيم.. وفي مثل هذه الأفاعيل كان يتنزل القرآن الكريم. وسور البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والحشر والأحزاب والتوبة وغيرها تضمنت من هذا الكثير: {أية : ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم - وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا - فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فلعنة الله على الكافرين، بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله - بغياً أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده - فباءوا بغضب على غضب، وللكافرين عذاب مهين}تفسير : [البقرة: 89 - 90]. {أية : ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون}تفسير : [البقرة: 101]. {أية : سيقول السفهاء من الناس: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. قل: لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}تفسير : [البقرة: 142]. {أية : يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون. يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون؟}تفسير : [آل عمران: 70 - 71]. {أية : وقالت طائفة من أهل الكتاب: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون}تفسير : [آل عمران: 72]. {أية : وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب، ويقولون هو من عند الله، وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون}تفسير : [آل عمران: 78]. {أية : قل: يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون؟ قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجاً وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون}تفسير : [آل عمران: 98 - 99]. {أية : يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء! فقد سألوا موسى أكبر من ذلك، فقالوا: أرنا الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة بظلمهم؛ ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات...}تفسير : [النساء: 153]. {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون}... [التوبة: 32]. كذلك شهد التاريخ نقض اليهود لعهودهم مرة بعد مرة وتحرشهم بالمسلمين، مما أدى إلى وقائع بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة وخيبر. كما شهد تأليب اليهود للمشركين في الأحزاب، مما هو معروف مشهور. ثم تابع اليهود كيدهم للإسلام وأهله منذ ذلك التاريخ.. كانوا عناصر أساسية في إثارة الفتنة الكبرى التي قتل فيها الخليفة الراشد عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وانتثر بعدها شمل التجمع الإسلامي إلى حد كبير.. وكانوا رأس الفتنة فيما وقع بعد ذلك بين علي - رضي الله عنه - ومعاوية.. وقادوا حملة الوضع في الحديث والسيرة وروايات التفسير.. وكانوا من الممهدين لحملة التتار على بغداد وتقويض الخلافة الإسلامية... فأما في التاريخ الحديث فهم وراء كل كارثة حلت بالمسلمين في كل مكان على وجه الأرض؛ وهم وراء كل محاولة لسحق طلائع البعث الإسلامي؛ وهم حماة كل وضع من الأوضاع التي تتولى هذه المحاولة في كل أرجاء العالم الإسلامي! ذلك شأن اليهود، فأما شأن الفريق الآخر من أهل الكتاب، فهو لا يقل إصراراً على العداوة والحرب من شأن اليهود! لقد كانت بين الرومان والفرس عداوات عمرها قرون.. ولكن ما إن ظهر الإسلام في الجزيرة؛ وأحست الكنيسة بخطورة هذا الدين الحق على ما صنعته هي بأيديها وسمته "المسيحية" وهو ركام من الوثنيات القديمة، والأضاليل الكنسية، متلبساً ببقايا من كلمات المسيح - عليه السلام - وتاريخه.. حتى رأينا الرومان والفرس ينسون ما بينهم من نزاعات تاريخيه قديمة وعداوات وثارات عميقة، ليواجهوا هذا الدين الجديد. ولقد أخذ الروم يتجمعون في الشمال هم وعمالهم من الغساسنة لينقضوا على هذا الدين. وذلك بعد أن قتلوا الحارث بن عمير الأزدي رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عامل بصرى من قبل الروم - وكان المسلمون يؤمنون الرسل ولكن النصارى غدروا برسول النبي صلى الله عليه وسلم وقتلوه - مما جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبعث بجيش الأمراء الشهداء الثلاثة: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة في غزوة "مؤتة" فوجدوا تجمعاً للروم تقول الروايات عنه: إنه مائة ألف من الروم ومعه من عملائهم في الشام من القبائل العربية النصرانية مائة ألف أخرى؛ وكان جيش المسلمين لا يتجاوز ثلاثة آلاف مقاتل. وكان ذلك في جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة. ثم كانت غزوة تبوك التي يدور عليها معظم هذه السورة (وسيجيء تفصيل القول فيها في موضعه إن شاء الله تعالى). ثم كان جيش أسامة بن زيد الذي أعده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبيل وفاته؛ ثم أنفذه الخليفة الراشد أبو بكر - رضي الله عنه - إلى أطراف الشام؛ لمواجهة تلك التجمعات الرومانية التي تستهدف القضاء على هذا الدين! ثم اشتعل مرجل الحقد الصليبي منذ موقعة اليرموك الظافرة، التي أعقبها انطلاق الإسلام لتحرير المستعمرات الإمبراطورية الرومانية في الشام ومصر وشمال إفريقية وجزر البحر الأبيض. ثم بناء القاعدة الإسلامية الوطيدة في الأندلس في النهاية. إن "الحروب الصليبية" المعروفة بهذا الاسم في التاريخ، لم تكن هي وحدها التي شنتها الكنيسة على الإسلام، لقد كانت هذه الحروب مبكرة قبل هذا الموعد بكثير.. لقد بدأت في الحقيقة منذ ذلك التاريخ البعيد.. منذ أن نسي الرومان عداواتهم مع الفرس؛ وأخذ النصارى يعينون الفرس ضد الإسلام في جنوب الجزيرة. ثم بعد ذلك في "مؤتة". ثم فيما تلا موقعة اليرموك الظافرة.. ثم تجلت ضراوتها ووحشيتها في الأندلس عندما زحفت الصليبية على القاعدة الإسلامية في أوربة، وارتكبت من الوحشية في تعذيب ملايين المسلمين وقتلهم هناك ما لم يعرف التاريخ له نظيراً من قبل.. وكذلك تجلت في الحروب الصليبية في الشرق بمثل هذه البشاعة التي لا تتحرج ولا تتذمم؛ ولا تراعي في المسلمين إِلاًّ ولا ذمة. ومما جاء في كتاب "حضارة العرب" لجوستاف لوبون - وهو فرنسي مسيحي -: "كان أول ما بدأ به ريكاردوس الإنجليزي أنه قتل أمام معسكر المسلمين، ثلاث آلاف أسير سلموا أنفسهم إليه، بعد أن قطع على نفسه العهد بحقن دمائهم. ثم أطلق لنفسه العنان باقتراف القتل والسلب، مما أثار صلاح الدين الأيوبي النبيل، الذي رحم نصارى القدس، فلم يمسهم بأذى، والذي أمد فيليب وقلب الأسد بالمرطبات والأدوية والأزواد، أثناء مرضهما". كذلك كتب كاتب مسيحي آخر (اسمه يورجا) يقول: "ابتدأ الصليبيون سيرهم على بيت المقدس بأسوأ طالع، فكان فريق من الحجاج يسفكون الدماء في القصور التي استولوا عليها. وقد أسرفوا في القسوة فكانوا يبقرون البطون. ويبحثون عن الدنانير في الأمعاء! أما صلاح الدين، فلما استرد بيت المقدس بذل الأمان للصليبيين، ووفى لهم بجميع عهوده، وجاد المسلمون على أعدائهم ووطأوهم مهاد رأفتهم، حتى أن الملك العادل، شقيق السلطان، أطلق ألف رقيق من الأسرى، ومنّ على جميع الأرمن، وأذن للبطريرك بحمل الصليب وزينة الكنيسة، وأبيح للأميرات والملكة بزيارة أزواجهن". ولا يتسع المجال في الظلال لاستعراض ذلك الخط الطويل للحروب الصليبية - على مدار التاريخ - ولكن يكفي أن نقول: إن هذه الحرب لم تضع أوزارها قط من جانب الصليبية. ويكفي أن نذكر ماذا حدث في زنجبار حديثاً. حيث أبيد المسلمون فيها عن بكرة أبيهم، فقتل منهم اثنا عشر ألفاً وألقي الأربعة الآلاف الباقون في البحر منفيين من الجزيرة! ويكفي أن نذكر ماذا وقع في قبرص، حيث منع الطعام والماء عن الجهات التي يقطنها بقايا المسلمين هناك ليموتوا جوعاً وعطشاً، فوق ما سلط عليهم من التقتيل والتذبيح والتشريد! ويكفي أن نذكر ما تزاوله الحبشة في اريترية وفي قلب الحبشة، وما تزاوله كينيا مع المائة ألف مسلم الذين ينتمون إلى أصل صومالي، ويريدون أن ينضموا إلى قومهم المسلمين في الصومال! ويكفي أن نعلم ماذا تحاوله الصليبية في السودان الجنوبي! ويكفي لتصوير نظرة الصليبيين إلى الإسلام أن ننقل فقرة من كتاب لمؤلف أوربي صدر سنة 1944 يقول فيه؟ "لقد كنا نخوّف بشعوب مختلفة، ولكننا بعد اختبار، لم نجد مبرراً لمثل هذا الخوف.. لقد كنا نخوّف من قبل بالخطر اليهودي، والخطر الأصفر، وبالخطر البلشفي. إلا أن هذا التخويف كله لم يتفق كما تخيلناه. إننا وجدنا اليهود أصدقاء لنا، وعلى هذا يكون كل مضطهد لهم عدونا الألد! ثم رأينا أن البلاشفة حلفاء لنا، أما الشعوب الصفراء فهنالك دول ديمقراطية كبرى تقاومها. ولكن الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام، وفي قوته على التوسع والإخضاع، وفي حيويته.. إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوربي". ولا نستطيع أن نمضي أبعد من ذلك في استعراض تاريخ تلك الحرب العاتية التي أعلنتها الصليبية على الإسلام وما تزال.. وقد تحدثنا من قبل مراراً في أجزاء الظلال السابقة - بمناسبة النصوص القرآنية الكثيرة - عن طبيعة هذه المعركة، الطويلة، ومسائلها وأشكالها. فحسبنا هذه الإشارات السريعة هنا بالإحالة على بعض المراجع الأخرى القريبة. وهكذا نرى من هذا الاستعراض السريع - بالإضافة إلى ما قلناه من قبل عن طبيعة الإعلان الإسلامي العام بتحرير الإنسان. وتحفز الجاهلية في الأرض كلها لسحق الحركة التي تحمل هذا الإعلان العام وتنطلق به في الأرض كلها - أن هذه الأحكام الأخيرة الواردة في هذه السورة، هي المتقضى الطبيعي لهذه الحقائق كلها مجتمعة؛ وأنها ليست أحكاماً محددة بزمان، ولا مقيدة بحالة. وإن كان هذا في الوقت ذاته لا ينسخ الأحكام المرحلية السابقة النسخ الشرعي الذي يمنع العمل بها في الظروف والملابسات التي تشابه الظروف والملابسات التي تنزلت فيها. فهناك دائماً طبيعة المنهج الإسلامي الحركية، التي تواجه الواقع البشري مواجهة واقعية، بوسائل متجددة، في المراحل المتعددة. وحقيقة أن هذه الأحكام النهائية الواردة في هذه السورة كانت تواجه حالة بعينها في الجزيرة؛ وكانت تمهيداً تشريعياً للحركة المتمثلة في غزوة تبوك، لمواجهة تجمع الروم على أطراف الجزيرة مع عمالهم للانقضاض على الإسلام وأهله - وهي الغزوة التي يقوم عليها محور السورة - ولكن وضع أهل الكتاب تجاه الإسلام وأهله لم يكن وليد مرحلة تاريخية معينة.إنما كان وليد حقيقة دائمة مستقرة؛ كما أن حربهم للإسلام والمسلمين لم تكن وليدة فترة تاريخية معينة. فهي ما تزال معلنة ولن تزال.. إلا أن يرتد المسلمون عن دينهم تماماً!.. وهي معلنة بضراوة وإصرار وعناد، بشتى الوسائل على مدار التاريخ! ومن ثم فهذه الأحكام الواردة في هذه السورة أحكام أصيلة وشاملة وغير موقوتة بزمان ولا مقيدة بمكان.. ولكن العمل بالأحكام إنما يتم في إطار المنهج الحركي الإسلامي، الذي يجب أن يتم الفقه به، قبل أن يتحدث المتحدثون عن الأحكام في ذاتها. وقبل أن يحمل واقع ذراري المسلمين - الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا العنوان - وضعفهم وانكسارهم على دين الله القوي المتين! إن الأحكام الفقهية في الإسلام كانت - وستظل دائماً - وليدة الحركة وفق المنهج الإسلامي. والنصوص لا يمكن فهمها إلا باستصحاب هذه الحقيقة.. وفرق بعيد بين النظرة إلى النصوص كأنها قوالب في فراغ؛ والنصوص في صورتها الحركية وفق المنهج الإسلامي. ولا بد من هذا القيد: "الحركة وفق المنهج الإسلامي" فليست هي الحركة المطلقة خارج المنهج؛ بحيث نعتبر "الواقع البشري" هو الأصل أياً كانت الحركة التي أنشأته، ولكن "الواقع البشري" يصبح عنصراً أساسياً في فقه الأحكام إذا كان قد أنشأه المنهج الإسلامي ذاته. وفي ظل هذه القاعدة تسهل رؤية تلك الأحكام النهائية في العلاقات بين أهل الكتاب والمجتمع المسلم؛ وهي تتحرك الحركة الحية؛ في مجالها الواقعي؛ وفق ذلك المنهج الحركي الواقعي الإيجابي الشامل. وحسبنا هذا التمهيد المجمل لنواجه في ظله النصوص القرآنية الواردة في هذا المقطع: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}.. هذه الآية - والآيات التالية لها في السياق - كانت تمهيداً لغزوة تبوك؛ ومواجهة الروم وعمالهم من الغساسنة المسيحيين العرب.. وذلك يلهم أن الأوصاف الواردة فيها هي صفات قائمة بالقوم الموجهة إليهم الغزوة؛ وأنها إثبات حالة واقعة بصفاتها القائمة. وهذا ما يلهمه السياق القرآني في مثل هذه المواضع.. فهذه الصفات القائمة لم تذكر هنا على أنها شروط لقتال أهل الكتاب؛ إنما ذكرت على أنها أمور واقعة في عقيدة هؤلاء الأقوام وواقعهم؛ وأنها مبررات ودوافع للأمر بقتالهم. ومثلهم في هذا الحكم كل من تكون عقيدته وواقعه كعقيدتهم وواقعهم.. وقد حدد السياق من هذه الصفات القائمة: أولاً: أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. ثانياً: أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله. ثالثاً: أنهم لا يدينون دين الحق. ثم بين في الآيات التالية كيف أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق. وذلك بأنهم: أولاً: قالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله؛ وأن هذا القول يضاهئ قول الذين كفروا من قبلهم من الوثنيين. فهم مثلهم في هذا الاعتقاد الذي لا يعد صاحبه مؤمناً بالله ولا باليوم الآخر. (وسنبين بالضبط كيف أنه لا يؤمن باليوم الآخر). ثانياً: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، والمسيح ابن مريم. وأن هذا مخالف لدين الحق.. وهو الدينونة لله وحده بلا شركاء.. فهم بهذا مشركون لا يدينون دين الحق.. ثالثاً: يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم. فهم محاربون لدين الله. ولا يحارب دين الله مؤمن بالله واليوم الآخر يدين دين الحق أبداً. رابعاً: يأكل كثير من أحبارهم ورهبانهم أموال الناس بالباطل. فهم إذن لا يحرمون ما حرم الله ورسوله (سواء كان المقصود برسوله رسولهم أو محمد صلى الله عليه وسلم): وهذه الصفات كلها كانت واقعة بالقياس إلى نصارى الشام والروم. كما أنها واقعة بالقياس إلى غيرهم منذ أن حرفت المجامع المقدسة دين المسيح عليه السلام؛ وقالت ببنوة عيسى عليه السلام، وبتثليث الأقانيم - على كل ما بين المذاهب والفرق من خلاف يلتقي كله على التثليث! - على مدار التاريخ حتى الآن! وإذن فهو أمر عام، يقرر قاعدة مطلقة في التعامل مع أهل الكتاب، الذين تنطبق عليهم هذه الصفات التي كانت قائمة في نصارى العرب ونصارى الروم.. ولا يمنع من هذا العموم أن الأوامر النبوية استثنت أفراداً وطوائف بأعيانها لتترك بلا قتال كالأطفال والنساء والشيوخ والعجزة والرهبان الذين حبسوا انفسهم في الأديرة... بوصفهم غير محاربين - فقد منع الإسلام أن يقاتل غير المحاربين من أية ملة - وهؤلاء لم تستثنهم الأوامر النبوية لأنهم لم يقع منهم اعتداء بالفعل على المسلمين. ولكن لأنه ليس من شأنهم أصلاً أن يقع منهم الاعتداء. فلا محل لتقييد هذا الأمر العام بأن المقصود به هم الذين وقع منهم اعتداء فعلاً - كما يقول المهزومون الذين يحاولون أن يدفعوا عن الإسلام الاتهام! - فالاعتداء قائم ابتداء. الاعتداء على ألوهية الله! والاعتداء على العباد بتعبيدهم لغير الله! والإسلام حين ينطلق للدفاع عن ألوهية الله - سبحانه - والدفاع عن كرامة الإنسان في الأرض، لا بد أن تواجهه الجاهلية بالمقاومة والحرب والعداء.. ولا مفر من مواجهة طبائع الأشياء! إن هذه الآية تأمر المسلمين بقتال أهل الكتاب {الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر}.. والذي يقول ببنوة عزير لله أو بنوة المسيح لله لا يمكن أن يقال عنه: إنه يؤمن بالله. وكذلك الذي يقول: إن الله هو المسيح ابن مريم. أو إن الله ثالث ثلاثة. أن إن الله تجسد في المسيح... إلى آخر التصورات الكنسية التي صاغتها المجامع المقدسة على كل ما بينها من خلاف!.. والذين يقولون: إنهم لن يدخلوا النار إلا أياماً معدودات مهما ارتكبوا من آثام بسبب أنهم أبناء الله وأحباؤه وشعب الله المختار، والذين يقولون: إن كل معصية تغفر بالاتحاد بالمسيح وتناول العشاء المقدس؛ وأنه لا مغفرة إلا عن هذا الطريق! هؤلاء وهؤلاء لا يقال: إنهم يؤمنون باليوم الآخر.. وهذه الآية تصف أهل الكتاب هؤلاء بأنهم {لا يحرمون ما حرم الله ورسوله}. وسواء كان المقصود بكلمة {رسوله} هو رسولهم الذي أرسل إليهم، أو هو النبي - صلى الله عليه وسلم - فالفحوى واحدة. ذلك أن الآيات التالية فسرت هذا بأنهم يأكلون أموال الناس بالباطل. وأكل أموال الناس بالباطل محرم في كل رسالة وعلى يد كل رسول..وأقرب النماذج لأكل أموال الناس بالباطل هو المعاملات الربوية. وهو ما يأخذه رجال الكنيسة مقابل "صك الغفران"! وهو الصد عن دين الله والوقوف في وجهه بالقوة وفتنة المؤمنين عن دينهم. وهو تعبيد العباد لغير الله وإخضاعهم لأحكام وشرائع لم ينزلها الله.. فهذا كله ينطبق عليه: {ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله}.. وهذا كله قائم في أهل الكتاب، كما كان قائماً يومذاك! كذلك تصفهم الآية بأنهم {لا يدينون دين الحق}.. وهذا واضح مما سبق بيانه. فليس بدين الحق أي اعتقاد بربوبية أحد مع الله. كما أنه ليس بدين الحق التعامل بشريعة غير شريعة الله، وتلقي الأحكام من غير الله، والدينونة لسلطان غير سلطان الله. وهذا كله قائم في أهل الكتاب، كما كان قائماً فيهم يومذاك.. والشرط الذي يشترطه النص للكف عن قتالهم ليس أن يسلموا.. فلا إكراه في الدين. ولكن أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.. فما حكمة هذا الشرط، ولماذا كانت هذه هي الغاية التي ينتهي عندها القتال؟ إن أهل الكتاب بصفاتهم تلك حرب على دين الله اعتقاداً وسلوكاً؛ كما أنهم حرب على المجتمع المسلم بحكم طبيعة التعارض والتصادم الذاتيين بين منهج الله ومنهج الجاهلية الممثلة في عقيدة أهل الكتاب وواقعهم - وفق ما تصوره هذه الآيات - كما أن الواقع التاريخي قد أثبت حقيقة التعارض وطبيعة التصادم؛ وعدم إمكان التعايش بين المنهجين؛ وذلك بوقوف أهل الكتاب في وجه دين الله فعلاً، وإعلان الحرب عليه وعلى أهله بلا هوادة خلال الفترة السابقة لنزول هذه الآية (وخلال الفترة اللاحقة لها إلى اليوم أيضاً!). والإسلام - بوصفه دين الحق الوحيد القائم في الأرض - لا بد أن ينطلق لإزالة العوائق المادية من وجهه؛ ولتحرير الإنسان من الدينونة بغير دين الحق؛ على أن يدع لكل فرد حرية الاختيار، بلا إكراه منه ولا من تلك العوائق المادية كذلك. وإذن فإن الوسيلة العملية لضمان إزالة العوائق المادية، وعدم الإكراه على اعتناق الإسلام في الوقت نفسه، هي كسر شوكة السلطات القائمة على غير دين الحق؛ حتى تستسلم؛ وتعلن استسلامها بقبول إعطاء الجزية فعلاً. وعندئذ تتم عملية التحرير فعلاً، بضمان الحرية لكل فرد أن يختار دين الحق عن اقتناع. فإن لم يقتنع بقي على عقيدته، وأعطى الجزية. لتحقيق عدة أهداف: أولها: أن يعلن بإعطائها استسلامه وعدم مقاومته بالقوة المادية للدعوة إلى دين الله الحق. وثانيها: أن يساهم في نفقات الدفاع عن نفسه وماله وعرضه وحرماته التي يكفلها الإسلام لأهل الذمة (الذين يؤدون الجزية فيصبحون في ذمة المسلمين وضمانتهم) ويدفع عنها من يريد الاعتداء عليها من الداخل أو من الخارج بالمجاهدين من المسلمين. وثالثها: المساهمة في بيت مال المسلمين الذي يضمن الكفالة والإعاشة لكل عاجز عن العمل، بما في ذلك أهل الذمة، بلا تفرقة بينهم وبين المسلمين دافعي الزكاة. ولا نحب أن نستطرد هنا إلى الخلافات الفقهية حول من تؤخذ منهم الجزية ومن لا تؤخذ منهم. ولا عن مقادير هذه الجزية. ولا عن طرق ربطها ومواضع هذا الربط.. ذلك أن هذه القضية برمتها ليست معروضة علينا اليوم، كما كانت معروضة علىعهود الفقهاء الذين أفتوا فيها واجتهدوا رأيهم في وقتها. إنها قضية تعتبر اليوم "تاريخية" وليست "واقعية".. إن المسلمين اليوم لا يجاهدون!.. ذلك أن المسلمين اليوم لا يوجدون!.. إن قضية "وجود" الإسلام ووجود المسلمين هي التي تحتاج اليوم إلى علاج! والمنهج الإسلامي - كما قلنا من قبل مراراً - منهج واقعي جاد؛ يأبى أن يناقش القضايا المعلقة في الفضاء؛ ويرفض أن يتحول إلى مباحث فقهية لا تطبق في عالم الواقع - لأن الواقع لا يضم مجتمعاً مسلماً تحكمه شريعة الله، ويصرّف حياته الفقه الإسلامي - ويحتقر الذين يشغلون أنفسهم ويشغلون الناس بمثل هذه المباحث في أقضية لا وجود لها بالفعل؛ ويسميهم "الأرأيتيين" الذين يقولون: "أرأيت لو أن كذا وقع فما هو الحكم؟". إن نقطة البدء الآن هي نقطة البدء في أول عهد الناس برسالة الإسلام.. أن يوجد في بقعة من الأرض ناس يدينون دين الحق؛ فيشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.. ومن ثم يدينون لله وحده بالحاكمية والسلطان والتشريع؛ ويطبقون هذا في واقع الحياة.. ثم يحاولون أن ينطلقوا في الأرض بهذا الإعلان العام لتحرير الإنسان.. ويومئذ - ويومئذ فقط - سيكون هناك مجال لتطبيق النصوص القرآنية والأحكام الإسلامية في مجال العلاقات بين المجتمع المسلم وغيره من المجتمعات.. ويومئذ - ويومئذ فقط - يجوز الدخول في تلك المباحث الفقهية، والاشتغال بصياغة الأحكام، والتقنين للحالات الواقعة التي يواجهها الإسلام بالفعل، لا في عالم النظريات! وإذا كنا قد تعرضنا لتفسير هذه الآية - من ناحية الأصل والمبدأ - فإنما فعلنا هذا لأنها تتعلق بمسألة اعتقادية وترتبط بطبيعة المنهج الإسلامي. وعند هذا الحد نقف، فلا نتطرق وراءه إلى المباحث الفقهية الفرعية احتراماً لجدية المنهج الإسلامي وواقعيته وترفعه على هذا الهزال! {وقالت اليهود: عزير ابن الله؛ وقالت النصارى: المسيح ابن الله. ذلك قولهم بأفواههم، يضاهئون قول الذين كفروا من قبل. قاتلهم الله! أنى يؤفكون؟}.. لما أمر الله المسلمين بقتال أهل الكتاب {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}.. كانت هنالك ملابسات في واقع المجتمع المسلم في المدينة - تحدثنا عنها في تقديم السورة وتقديم المقطع الأول منها - تدعو إلى توكيد هذا الأمر وتقويته؛ وجلاء الأسباب والعوامل التي تحتمه؛ وإزالة الشبهات والمعوقات التي تحيك في بعض النفوس تجاهه. وبخاصة أن طاعة هذا الأمر كانت تقتضي مواجهة الروم في أطراف الشام. والروم كانوا مرهوبين من العرب قبل الإسلام؛ وكانوا مسيطرين على شمال الجزيرة لفترة طويلة؛ ولهم أعوان من القبائل العربية، وسلطنة خاضعة لنفوذهم هي سلطنة الغساسنة.. وحقيقة أن هذه لم تكن أول ملحمة يخوضها المسلمون مع الروم، بعد أن أعز الله أولئك العرب بالإسلام، وجعل منهم أمة تواجه الروم والفرس بعد أن كانوا قبائل لا تجرؤ ولا تفكر في الالتحام بالروم والفرس؛ وكل ما عرف عنها من شجاعة إنما يتبدى في قتال بعضها لبعض، وفي الغارات والثارات والنهب والسلب! ولكن مهابة الروم كانت ما تزال باقية في أعماق النفوس - وبخاصة تلك التي لم يتم انطباعها بالطابع الإسلامي الأصيل - وكانت آخر ملحمة كبيرة بين المسلمين والروم - وهي غزوة مؤتة - ليست في صالح المسلمين. وقد احتشد فيها من الروم وعملائهم من نصارى العرب ما روي أنه مائتا ألف! كل هذه الملابسات - سواء ما يتعلق منها بتركيب المجتمع المسلم في هذه الفترة؛ أو ما يختص برواسب المهابة للروم والتخوف من الالتحام معهم؛ مضافاً إليها ظروف الغزوة ذاتها - وقد سميت غزوة العسرة لما سنبينه من الظروف التي أحاطت بها - وفوق ذلك كله شبهة أن الروم وعمالهم من نصارى العرب هم أهل كتاب.. كل هذه الملابسات دعت إلى زيادة الإيضاحات والبيانات القوية لتقرير حتمية هذا الأمر، وإزلة الشبهات والمعوقات النفسية، وجلاء الأسباب والعوامل لتلك الحتمية.. وفي هذه الآية يبين السياق القرآني ضلال عقيدة أهل الكتاب هؤلاء؛ وأنها تضاهئ عقيدة المشركين من العرب، والوثنيين من قدامى الرومان وغيرهم. وأنهم لم يستقيموا على العقيدة الصحيحة التي جاءتهم بها كتبهم؛ فلا عبرة إذن بأنهم أهل كتاب، وهم يخالفون في الاعتقاد الأصل الذي تقوم عليه العقيدة الصحيحة في كتبهم. والذي يلفت النظر هو ذكر اليهود هنا وقولهم: عزير ابن الله؛ في حين أن الآيات كانت بصدد التوجيه والتحضير لمواجهة الروم وحلفائهم من نصارى العرب.. وذلك - على ما نرجح - يرجع إلى أمرين: الأول: أنه لما كان نص الآيات عاماً؛ والأمر بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون عاما؛ فقد اقتضى السياق بيان الأصل الاعتقادي الذي يستند إليه هذا الأمر العام في شأن أهل الكتاب عامة من اليهود والنصارى سواء. الثاني: أن اليهود كانوا قد رحلوا من المدينة إلى أطراف الشام؛ بعدما اشتبكوا مع الإسلام والمسلمين في حرب مريرة منذ مقدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة؛ انتهت بإجلاء بني قينقاع وبني النضير إلى أطراف الشام؛ هم وأفراد من بني قريظة. فكان اليهود يومئذ في طريق الانطلاق الإسلامي إلى أطراف الشام. مما اقتضى أن يشملهم ذلك الأمر، وأن يشملهم هذا البيان. وقول النصارى: {المسيح ابن الله} معلوم مشهور؛ وما تزال عليه عقائدهم حتى اللحظة منذ أن حرفها بولس، ثم تم تحريفها على أيدي المجامع المقدسة - كما سنبين - فأما قول اليهود: {عزير ابن الله} فليس شائعاً ولا معروفاً اليوم. والذي في كتب اليهود المدونة الباقية سفر باسم "عزرا" - وهو عزير - نعت فيه بأنه كاتب ماهر في توارة موسى، وأنه وجه قلبه لالتماس شريعة الرب.. ولكن حكاية هذا القول عن اليهود في القرآن دليل قاطع على أن بعضهم على الأقل - وبخاصة يهود المدينة - زعموا هذا الزعم، وراج بينهم؛ وقد كان القرآن يواجه اليهود والنصارى مواجهة واقعية؛ ولو كان فيما يحكيه من أقوالهم ما لا وجود له بينهم لكان هذا حجة لهم على تكذيب ما يرويه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولما سكتوا عن استخدام هذا على أوسع نطاق! وقد أورد المرحوم الشيخ رشيد رضا في الجزء العاشر من تفسير المنار (ص 378 - ص 385) خلاصة مفيدة عن مكانة عزرا عند اليهود وعلق عليها كذلك تعليقاً مفيداً ننقل منه هنا فقرات تفيدنا في بيان حقيقة ما عليه اليهود إجمالاً. قال: "جاء في دائرة المعارف اليهودية (طبعة 1903) أن عصر عزرا هو ربيع التاريخ الملي لليهودية الذي تفتحت فيه أزهاره وعبق شذا ورده. وأنه جدير بأن يكون هو ناشر الشريعة (وفي الأصل عربة أو مركبة الشريعة) لو لم يكن جاء بها موسى (التلمود 21ب) فقد كانت نسيت. ولكن عزرا أعادها أو أحياها. ولولا خطايا بني إسرائيل لاستطاعوا رؤية الآيات (المعجزات) كما رأوها في عهد موسى.. اهـ.. وذكر فيها أنه كتب الشريعة بالحروف الأشورية - وكان يضع علامة على الكلمات التي يشك فيها - وأن مبدأ التاريخ اليهودي يرجع إلى عهده. وقال الدكتور جورج بوست في قاموس الكتاب المقدس: عزرا (عون) كاهن يهودي وكاتب شهير سكن بابل مدة "ارتحشثتا" الطويل الباع؛ وفي السنة السابعة لملكه أباح لعزرا بأن يأخذ عدداً وافراً من الشعب إلى أورشليم سنة 457 ق. م (عزرا ص 7) وكانت مدة السفر أربعة أشهر. "ثم قال: وفي تقليد اليهود يشغل عزرا موضعاً يقابل بموضع موسى وإيليا؛ ويقولون إنه أسس المجمع الكبير، وأنه جمع أسفار الكتاب المقدس، وأدخل الأحرف الكلدانية عوض العبرانية القديمة، وأنه ألف أسفار "الأيام" و "عزرا" و "نحميا". "ثم قال: ولغة سفر "عزرا" من ص 4: 8 - 6: 19 كلدانية، وكذلك ص 7: 1 - 27، وكان الشعب بعد رجوعهم من السبي يفهمون الكلدانية أكثر من العبرانية. ا هـ. "وأقول: إن المشهور عند مؤرخي الأمم، حتى أهل الكتاب منهم، أن التوراة التي كتبها موسى عليه السلام ووضعها في تابوت العهد أو بجانبه، قد فقدت قبل عهد سليمان عليه السلام. فإنه لما فتح التابوت في عهده لم يوجد فيه غير اللوحين اللذين كتبت فيهما الوصايا العشر، كما تراه في سفر الملوك الأول. وأن (عزرا) هذا هو الذي كتب التوراة وغيرها بعد السبي بالحروف الكلدانية، واللغة الكلدانية الممزوجة ببقايا اللغة العبرية التي نسي اليهود معظمها. ويقول أهل الكتاب: إن عزرا كتبها كما كانت بوحي أو بإلهام من الله.. وهذا ما لا يسلمه لهم غيرهم، وعليه اعتراضات كثيرة مذكورة في مواضعها من الكتب الخاصة بهذا الشأن، حتى من تآليفهم، كذخيرة الألباب للكاثوليك - وأصله فرنسي - وقد عقد الفصلين الحادي عشر والثاني عشر لذكر بعض الاعتراضات على كون الأسفار الخمسة لموسى. ومنها قوله: "جاء في سفر عزرا (4 ف 14 عدد 21) أن جميع الأسفار المقدسة حرقت بالنار في عهد "نبوخذ نصر" حيث قال: "إن النار أبطلت شريعتك فلم يعد سبيل لأي امرئ أن يعرف ما صنعت!" ويزاد على ذلك أن عزرا أعاد بوحي الروح القدس تأليف الأسفار المقدسة التي أبادتها النار، وعضده فيها كتبة خمسة معاصرون، ولذلك ترى "ثرثوليانوس" والقديس "إيريناوس" والقديس "إيرونيموس" والقديس "يوحنا الذهبي" والقديس "باسيليوس" وغيرهم يدعون عزرا: مرمم الأسفار المقدسة المعروفة عند اليهود.. اهـ.. إلى أن قال: ... "نكتفي بهذا البيان هنا ولنا فيه غرضان: (أحدهما): أن جميع أهل الكتاب مدينون لعزير هذا في مستند دينهم وأصل كتبهم المقدسة عندهم. (وثانيهما): أن هذا المستند واهي النسيان متداعي الأركان، وهذا هو الذي حققه علماء أوربة الأحرار. فقد جاء في ترجمته من دائرة المعارف البريطانية بعد ذكر ما في سفره وسفر نحميا من كتابته للشريعة: أنه جاء في روايات أخرى متأخرة عنها أنه لم يعد إليهم الشريعة التي أحرقت فقط، بل أعاد جميع الأسفار العبرية التي كانت قد أتلفت، وأعاد سبعين سفراً غير قانونية (أبو كريف) ثم قال كاتب الترجمة فيها: وإذا كانت الأسطورة الخاصة بعزرا هذا قد كتبها مَن كتبها من المؤرخين بأقلامهم من تلقاء أنفسهم، ولم يستندوا في شيء منها إلى كتاب آخر، فكتاب هذا العصر يرون أن أسطورة عزرا قد اختلقها أولئك الرواة اختلاقاً... ( انظر ص 14 ج 9 من الطبعة الرابعة عشرة سنة 1929). "وجملة القول: أن اليهود كانوا وما يزالون يقدسون عزيرا هذا حتى إن بعضهم أطلق عليه لقب "ابن الله".ولا ندري أكان إطلاقه عليه بمعنى التكريم الذي أطلق على إسرائيل وداود وغيرهما، أم بالمعنى الذي سيأتي قريباً عن فيلسوفهم (فيلو) وهو قريب من فلسفة وثنيي الهند التي هي أصل عقيدة النصارى. وقد اتفق المفسرون على أن إسناد هذا القول إليهم يراد به بعضهم لا كلهم.. ... "وأما الذين قالوا هذا القول من اليهود فهم بعض يهود المدينة، كالذين قال الله فيهم: {أية : وقالت اليهود: يد الله مغلولة، غلت أيديهم}تفسير : الآية.. والذين قال فيهم: {أية : لقد كفر الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء} تفسير : رداً على قوله تعالى: {أية : من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً}تفسير : ويحتمل أن يكون قد سبقهم إليه غيرهم ولم ينقل إلينا.. "روى ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عباس (رضي) قال: أتى رسول الله (ص) سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وأبو أنس وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا، وأنت لا تزعم أن عزير ابن الله؟!... الخ. "ومن المعلوم أن بعض النصارى الذين قالوا: إن المسيح ابن الله كانوا من اليهود. وقد كان (فيلو) الفيلسوف اليهودي الإسكندري المعاصر للمسيح يقول: إن لله ابناً هو كلمته التي خلق بها الأشياء. فعلى هذا لا يبعد أن يكون بعض المتقدمين على عصر البعثة المحمدية قد قالوا: إن عزيراً ابن الله بهذا المعنى".. ومن هذا البيان يتضح ما وراء حكاية القرآن لقول اليهود هذا - في هذه المناسبة التي يتوخاها السياق - فهي تقرير حقيقة ما عليه فريق من أهل الكتاب من فساد الاعتقاد، الذي لا يتفق معه أن يكونوا مؤمنين بالله، أو أن يكونوا يدينون دين الحق. وهذه هي الصفة الأساسية التي قام عليها حكم القتال. وإن يكن القصد من القتال ليس هو إكراههم على الإسلام؛ وإنما هو كسر شوكتهم التي يقفون بها في وجه الإسلام؛ واستسلامهم لسلطانه ليتحرر الأفراد - في ظل هذا الاستسلام - من التأثر بالضغوط التي تقيد إرادتهم في اختيار دين الحق من غير إكراه من هنا أو من هناك. أما قول النصارى "المسيح ابن الله" وأنه ثالث ثلاثة فهو - كما قلنا - شائع مشهور، وعليه جميع مذاهبهم منذ أن حرف بولس رسالة المسيح القائمة على التوحيد كبقية الرسالات؛ ثم أتمت تحريفها المجامع المقدسة، وقضت على أصل فكرة التوحيد قضاء نهائياً! وسنكتفي مرة أخرى بنقل ملخص جيد في عقائد النصارى عن تفسير المنار للأستاذ الشيخ محمد رشيد رضا - جاء فيه بعنوان: "ثالوث: trinite - y " "كلمة تطلق عند النصارى على وجود ثلاثة أقانيم معاً في اللاهوت تعرف بالأب والابن والروح القدس، وهذا التعليم هو من تعاليم الكنيسة الكاثوليكية والشرقية وعموم البروتستانت إلا ما ندر، والذين يتمسكون بهذا التعليم يذهبون إلى أنه مطابق لنصوص الكتاب المقدس، وقد أضاف اللاهوتيون إليه شروحاً وإيضاحات اتخذوها من تعاليم المجامع القديمة وكتابات آباء الكنيسة العظام. وهي تبحث عن طريقة ولادة الأقنوم الثاني وانبثاق الأقنوم الثالث، وما بين الأقانيم الثلاثة من النسبة، وصفاتهم المميزة وألقابهم. ومع أن لفظة ثالوث لا توجد في الكتاب المقدس، ولا يمكن أن يؤتى بآية من العهد القديم تصرح بتعليم الثالوث، قد اقتبس المؤلفون المسيحيون القدماء آيات كثيرة تشير إلى وجود صورة جمعية في اللاهوت؛ ولكن إذ كانت تلك الآيات قابلة لتفاسير مختلفة كانت لا يؤتى بها كبرهان قاطع على تعليم الثالوث بل كرموز إلى الوحي الواضح الصريح الذي يعتقدون أنه مذكور في العهد الجديد. وقد اقتبس منه مجموعان كبيران من الآيات كحجج لإثبات هذا التعليم (أحدهما) الآيات التي ذكر فيها الأب والابن والروح القدس معاً (والآخر) التي ذكر فيها كل منهم على حدة والتي تحتوي على نوع أخص صفاتهم ونسبة أحدهم إلى الآخر. "والجدال عن الأقانيم في اللاهوت ابتدأ في العصر الرسولي. وقد نشأ على الأكثر عن تعاليم الفلاسفة الهيلانيين والغنوسطيين فإن ثيوفيلوس أسقف إنطاكية في القرن الثاني استعمل كلمة "ترياس" باليونانية، ثم كان "ترتليانوس" أول من استعمل كلمة "ترينيتاس" المرادفة لها ومعناها الثالوث، وفي الأيام السابقة للمجمع النيقاوي حصل جدال مستمر في هذا التعليم وعلى الخصوص في الشرق؛ وحكمت الكنيسة على كثير من الآراء بأنها أراتيكية ومن جملتها آراء الأبيونيين الذين كانوا يعتقدون أن المسيح إنسان محض "والسابيليين" الذين كانوا يعقتدون أن الأب والابن والروح القدس إنما هي صور مختلفة أعلن بها الله نفسه للناس "والأريوسيين" الذين كانوا يعتقدون أن الابن ليس أزلياً كالأب بل هو مخلوق منه قبل العالم، ولذلك هو دون الأب وخاضع له، "والمكدونيين" الذين أنكروا كون الروح القدس أقنوما. "وأما تعليم الكنيسة فقد قرره المجمع النيقاوي سنة 325 للميلاد، ومجمع القسطنطينية سنة 381 وقد حكما بأن الابن والروح القدس مساويان للأب في وحدة اللاهوت، وأن الابن قد ولد منذ الأزل من الأب، وأن الروح القدس منبثق من الأب، ومجمع طليطلة المنعقد سنة 589 حكم بأن الروح القدس منبثق من الابن أيضاً، وقد قبلت الكنيسة اللاتينية بأسرها هذه الزيادة وتمسكت بها، وأما الكنيسة اليونانية فمع أنها كانت في أول الأمر ساكتة لا تقاوم قد أقامت الحجة فيما بعد على تغيير القانون حاسبة ذلك بدعة. "وعبارة (ومن الابن أيضاً) لا تزال من جملة الموانع الكبرى للاتحاد بين الكنيسة اليونانية والكاثوليكية، وكتب اللوثيريين والكنائس المصلحة أثبتت تعليم الكنيسة الكاثوليكية للثالوث على ما كان عليه من دون تغيير، ولكن قد ضاد ذلك منذ القرن الثالث عشر جمهور كبير من اللاهوتيين وعدة طوائف جديدة كالسوسينيانيين والجرمانيين والموحدين والعموميين وغيرهم حاسبين ذلك مضاداً للكتاب المقدس والعقل، وقد أطلق "سويد تيراغ" الثالوث على أقنوم المسيح معلماً بثالوث. ولكن لا ثالوث الأقانيم بل ثالوث الأقنوم. وكان يفهم بذلك أن ما هو إلهي في طبيعة المسيح هو الأب، وأن الإلهي الذي اتحد بناسوت المسيح هو الابن، وأن الإلهي الذي انبثق منه هو الروح القدس، وانتشار مذهب العقليين في الكنائس اللوثيرية والمصلحة أضعف مدة من الزمان اعتقاد الثالوث بين عدد كبير من اللاهوتيين الجرمانيين. "وقد ذهب (كنت) إلى أن الأب والابن والروح القدس إنما تدل على ثلاث صفات أساسية في اللاهوت، وهي القدرة والحكمة والمحبة، أو على ثلاثة فواعل عليا وهي الخلق والحفظ والضبط، وقد حاول كل من هيجين وشلنغ أن يجعلا لتعليم الثالوث أساساً تخيليا وقد اقتدى بهما اللاهوتيون الجرمانيون المتأخرون، وحاولوا المحاماة عن تعليم الثالوث بطرق مبنية على أسس تخيلية ولاهوتية؛ وبعض اللاهوتيين الذين يعتمدون على الوحي لا يتمسكون بتعليم استقامة الرأي الكنائسية بالتدقيق كما هي مقررة في مجمعي نيقية والقسطنطينية المسكونيين، وقد قام محامون كثيرون في الأيام المتأخرة لعضد آراء السابيليين على الخصوص" اهـ. ومن هذا العرض المجمل المفيد، يتبين أن جميع الطوائف والمذاهب المسيحية الكنسية لا تدين دين الحق، الذي يقوم على توحيد الله سبحانه؛ وعلى أنه ليس كمثله شيء؛ وأنه لا ينبثق منه - سبحانه - أحد! وكثيراً ما ذكر "الأريوسيون" على أنهم "موحدون" وإطلاق اللفظ هكذا مضلل فالآريوسيون لا يوحدون التوحيد المفهوم من دين الله الحق، إنما هم يخلطون! فبينما هم يقررون أن المسيح ليس أزلياً كالله - وهذا حق - - يقررون في الوقت نفسه أنه (الابن)! وأنه مخلوق من (الأب) قبل خلق العالم! وهذا لا يعتبر من "التوحيد" الحقيقي في شيء! ولقد صدر حكم الله بالكفر الصريح على من يقولون: المسيح ابن الله. وعلى من يقولون: المسيح هو الله. وعلى من يقولون: إن الله ثالث ثلاثة. ولا تجتمع صفة الكفر وصفة الإيمان في عقيدة، ولا في قلب. إنما هما أمران مختلفان! والتعقيب القرآني على قول اليهود: {عزير ابن الله}. وقول النصارى: {المسيح ابن الله} يثبت أنهم في هذا يماثلون قول الذين كفروا من قبل ومعتقداتهم وتصوراتهم: {ذلك قولهم بأفواههم، يضاهئون قول الذين كفروا من قبل}.. فهو أولاً يثبت أن هذا القول صادر منهم، وليس مقولاً عنهم. ومن ثم يذكر {أفواههم} لاستحضار الصورة الحسية الواقعية - على طريقة القرآن في التصوير - إذ أنه مفهوم أن قولهم يكون بأفواههم. فهذه الزيادة ليست لغواً - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - وليست إطناباً زائداً، إنما هي طريقة التعبير القرآنية التصويرية؛ فهي التي تستحضر "صورة" القول، وتحيلها واقعية كأنها مسموعة مرئية! وذلك فضلاً على ما تؤديه من معنى بياني آخر - إلى جانب استحياء الصورة وإثباتها - وهو أن هذا القول لا حقيقة له في عالم الواقع؛ إنما هو مجرد قول بالأفواه، ليس وراءه موضوع ولا حقيقة! ثم نجيء إلى ناحية أخرى من الإعجاز القرآني الدال على مصدره الرباني. ذلك قول الله سبحانه: {يضاهئون قول الذين كفروا من قبل}.. ولقد كان المفسرون يقولون عن هذه الآية: إن المقصود بها أن قولتهم ببنوة أحد لله، تماثل قول المشركين العرب ببنوة الملائكة لله.. وهذا صحيح.. ولكن دلالة هذا النص القرآني أبعد مدى. ولم يتضح هذا المدى البعيد إلا حديثاً بعد دراسة عقائد الوثنيين في الهند ومصر القديمة والإغريق. مما اتضح معه أصل العقائد المحرفة عند أهل الكتاب - وبخاصة النصارى - وتسربها من هذه الوثنيات إلى تعاليم "بولس الرسول" أولاً؛ ثم إلى تعاليم المجامع المقدسة أخيراً.. إن الثالوث المصري المؤلف من أوزوريس وإيزيس وحوريس هو قاعدة الوثنية الفرعونية. وأزوريس يمثل (الأب) وحوريس يمثل (الابن) في هذا الثالوث. وفي علم اللاهوت الإسكندري الذي كان يدرس قبل المسيح بسنوات كثيرة "الكلمة هي الإله الثاني" ويدعى أيضاً "ابن الله البكر". والهنود كانوا يقولون بثلاثة أقانيم أو ثلاث حالات يتجلى فيها الإله: "برهما" في حالة الخلق والتكوين. و"فشنو" في حالة الحفظ والقوامة. و"سيفا" في حالة الإهلاك والإبادة.. وفي هذه العقيدة، أن "فشنو" هو (الابن) المنبثق والمتحول عن اللاهوتية في (برهما)! وكان الأشوريون يؤمنون بالكلمة، ويسمونها (مردوخ) ويعتقدون أن مردوخ هذا هو ابن الله البكر! وكان الإغريق يقولون بالإله المثلث الأقانيم. وإذا شرع كهنتهم في تقديم الذبائح يرشون المذبح بالماء المقدس ثلاث مرات، ويأخذون البخور من المبخرة بثلاث أصابع، ويرشون المجتمعين حول المذبح بالماء المقدس ثلاث مرات.. إشارة إلى التثليث.. وهذه الشعائر هي التي أخذتها الكنيسة بما وراءها من العقائد الوثنية وضمتها للنصرانية تضاهئ بها قول الذين كفروا من قبل! ومراجعة عقائد الوثنيين القدامى - التي لم تكن معروفة وقت نزول القرآن - مع هذا النص القرآني: {يضاهئون قول الذين كفروا من قبل} - كما أنها تثبت أن أهل الكتاب لا يدينون دين الحق، ولا يؤمنون بالله الإيمان الصحيح - تبين كذلك جانباً من جوانب الإعجاز في القرآن الكريم، بالدلالة على مصدره، أنه من لدن عليم خبير.. وبعد هذا التقرير والبيان تختم الآية المبينة لحقيقة ما عليه أهل الكتاب من الكفر والشرك، بقوله تعالى: {قاتلهم الله! أنى يؤفكون؟}. و.. نعم.. قاتلهم الله! كيف يُصرفون عن الحق الواضح البسيط، إلى هذه الوثنية المعقدة الغامضة التي لا تستقيم لدى عقل أو ضمير؟! ثم ينتقل السياق القرآني إلى صفحة أخرى من صحائف الانحراف الذي عليه أهل الكتاب؛ تتمثل في هذه المرة لا في القول والاعتقاد وحدهما؛ ولكن كذلك في الواقع القائم على الاعتقاد الفاسد: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم. وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً، لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون}.. وفي هذه الآية استمرار في وجهة السياق في هذا المقطع من السورة. من إزالة الشبهة في أن هؤلاء أهل كتاب.. فهم إذن على دين الله.. فهي تقرر أنهم لم يعودوا على دين الله، بشهادة واقعهم - بعد شهادة اعتقادهم - وأنهم أمروا بأن يعبدوا الله وحده، فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله - كما اتخذوا المسيح ابن مريم رباً - وأن هذا منهم شرك بالله. تعالى الله عن شركهم.. فهم إذن ليسوا مؤمنين بالله اعتقاداً وتصورا؛ كما أنهم لا يدينون دين الحق واقعاً وعملاً. وقبل أن نقول: كيف اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً، نحب أن نعرض الروايات الصحيحة التي تضمنت تفسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للآية. وهو فصل الخطاب. الأحبار: جمع حَبر أو حِبر بفتح الحاء أو بكسرها، وهو العالم من أهل الكتاب وكثر إطلاقه على علماء اليهود.. والرهبان: جمع راهب، وهو عند النصارى المتبتل المنقطع للعبادة؛ وهو عادة لا يتزوج، ولا يزاول الكسب، ولا يتكلف للمعاش. وفي "الدر المنثور".. روى الترمذي (وحسنه) وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه وغيرهم عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ في سورة براءة: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} فقال:"حديث : أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه ". تفسير : وفي تفسير ابن كثير: وروى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير - من طرق - عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - أنه لما بلغته دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية فأسرت أخته وجماعة من قومه. ثم منّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام، وفي القدوم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقدم عدي المدينة - وكان رئيساً في قومه طيئ وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم - فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي عنق عدي صليب من فضة، وهو يقرأ هذه الآية: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم. فقال: "حديث : بلى! إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم: فذلك عبادتهم إياهم... ". تفسير : وقال السدي: استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم. ولهذا قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً} أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام، وما حلله فهو الحلال وما شرعه اتبع، وما حكم به نفذ. وقال الألوسي في التفسير: "الأكثرون من المفسرين قالوا: ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم. بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم".. ومن النص القرآني الواضح الدلالة؛ ومن تفسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو فصل الخطاب، ثم من مفهومات المفسرين الأوائل والمتأخرين، تخلص لنا حقائق في العقيدة والدين ذات أهمية بالغة نشير إليها هنا بغاية الاختصار. * أن العبادة هي الاتباع في الشرائع بنص القرآن وتفسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاليهود والنصارى لم يتخذوا الأحبار والرهبان أرباباً بمعنى الاعتقاد بألوهيتهم أو تقديم الشعائر التعبدية إليهم.. ومع هذا فقد حكم الله - سبحانه - عليهم بالشرك في هذه الآية - وبالكفر في آية تالية في السياق - لمجرد أنهم تلقوا منهم الشرائع فأطاعوها واتبعوها.. فهذا وحده - دون الاعتقاد والشعائر - يكفي لاعتبار من يفعله مشركاً بالله، الشرك الذي يخرجه من عداد المؤمنين ويدخله في عداد الكافرين. * أن النص القرآني يسوي في الوصف بالشرك واتخاذ الأرباب من دون الله، بين اليهود الذين قبلوا التشريع من أحبارهم وأطاعوه واتبعوه، وبين النصارى الذين قالوا بألوهية المسيح اعتقاداً وقدموا إليه الشعائر في العبادة. فهذه كتلك سواء في اعتبار فاعلها مشركاً بالله، الشرك الذي يخرجه من عداد المؤمنين ويدخله في عداد الكافرين.. * أن الشرك بالله يتحقق بمجرد إعطاء حق التشريع لغير الله من عباده؛ ولو لم يصحبه شرك في الاعتقاد بألوهيته؛ ولا تقديم الشعائر التعبدية له.. كما هو واضح من الفقرة السابقة.. ولكنا إنما نزيدها هنا بياناً! وهذه الحقائق - وإن كان المقصود الأول بها في السياق هو مواجهة الملابسات التي كانت قائمة في المجتمع المسلم يومذاك من التردد والتهيب للمعركة مع الروم، وجلاء شبهة أنهم مؤمنون بالله لأنهم أهل كتاب - هي كذلك حقائق مطلقة تفيدنا في تقرير "حقيقة الدين" عامة.. إن دين الحق الذي لا يقبل الله من الناس كلهم ديناً غيره هو "الإسلام".. والإسلام لا يقوم إلا باتباع الله وحده في الشريعة - بعد الاعتقاد بألوهيته وحده وتقديم الشعائر التعبدية له وحده - فإذا اتبع الناس شريعة غير شريعة الله صح فيهم ما صح في اليهود والنصارى من أنهم مشركون لا يؤمنون بالله - مهما كانت دعواهم في الإيمان - لأن هذا الوصف يلحقهم بمجرد اتباعهم لتشريع العباد لهم من دون الله، بغير إنكار منهم يثبت منه أنهم لا يتبعون إلا عن إكراه واقع بهم، لا طاقة لهم بدفعه، وأنهم لا يقرون هذا الافتئات على الله.. إن مصطلح "الدين" قد انحسر في نفوس الناس اليوم، حتى باتوا يحسبونه عقيدة في الضمير، وشعائر تعبدية تقام! وهذا ما كان عليه اليهود الذين يقرر هذا النص المحكم - ويقرر تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم - أنهم لم يكونوا يؤمنون بالله، وأنهم أشركوا به، وأنهم خالفوا عن أمره بألا يعبدوا إلا إلهاً واحداً، وأنهم اتخذوا أحبارهم أرباباً من دون الله. إن المعنى الأول للدين هو الدينونة - أي الخضوع والاستسلام والاتباع - وهذا يتجلى في اتباع الشرائع كما يتجلى في تقديم الشعائر. والأمر جد لا يقبل هذا التميع في اعتبار من يتبعون شرائع غير الله - دون إنكار منهم يثبتون به عدم الرضا عن الافتئات على سلطان الله - مؤمنين بالله، مسلمين، لمجرد أنهم يعتقدون بألوهية الله سبحانه ويقدمون له وحده الشعائر.. وهذا التميع هو أخطر ما يعانيه هذا الدين في هذه الحقبة من التاريخ؛ وهو أفتك الأسلحة التي يحاربه بها أعداؤه؛ الذين يحرصون على تثبيت لافتة "الإسلام" على أوضاع، وعلى أشخاص، يقرر الله سبحانه في أمثالهم أنهم مشركون لا يدينون دين الحق، وأنهم يتخذون أرباباً من دون الله.. وإذا كان أعداء هذا الدين يحرصون على تثبيت لافتة الإسلام على تلك الأوضاع وهؤلاء الأشخاص؛ فواجب حماة هذا الدين أن ينزعوا هذه اللافتات الخادعة؛ وأن يكشفوا ما تحتها من شرك وكفر واتخاذ أرباب من دون الله.. {وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون}... ثم يمضي السياق خطوة أخرى في تحريض المؤمنين على القتال: {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله. ولو كره المشركون}.. إن أهل الكتاب هؤلاء لا يقفون عند حد الانحراف عن دين الحق، وعبادة أرباب من دون الله. وعدم الإيمان بالله واليوم الآخر - وفق المفهوم الصحيح للإيمان بالله واليوم الآخر - إنما هم كذلك يعلنون الحرب على دين الحق؛ ويريدون إطفاء نور الله في الأرض المتمثل في هذا الدين، وفي الدعوة التي تنطلق به في الأرض، وفي المنهج الذي يصوغ على وفقه حياة البشر.. {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم}.. فهم محاربون لنور الله. سواء بما يطلقونه من أكاذيب ودسائس وفتن؛ أو بما يحرضون به أتباعهم وأشياعهم على حرب هذا الدين وأهله، والوقوف سداً في وجهه - كما كان هو الواقع الذي تواجهه هذه النصوص وكما هو الواقع على مدار التاريخ. وهذا التقرير - وإن كان يراد به استجاشة قلوب المسلمين إذا ذاك - هو كذلك يصور طبيعة الموقف الدائم لأهل الكتاب من نور الله المتمثل في دينه الحق الذي يهدي الناس بنور الله. {ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون}.. وهو الوعد الحق من الله، الدال على سنته التي لا تتبدل، في إتمام نوره بإظهار دينه ولو كره الكافرون.. وهو وعد تطمئن له قلوب الذين آمنوا؛ فيدفعهم هذا إلى المضي في الطريق على المشقة واللأواء في الطريق؛ وعلى الكيد والحرب من الكافرين (والمراد بهم هنا هم أهل الكتاب السابق ذكرهم).. كما أنه يتضمن في ثناياه الوعيد لهؤلاء الكافرين وأمثالهم على مدار الزمان! ويزيد السياق هذا الوعيد وذلك الوعد توكيداً: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون}.. وفي هذا النص يتبين أن المراد بدين الحق الذي سبق في قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}.. هو هذا الدين الذي أرسل الله به رسوله الأخير. وأن الذين لا يدينون بهذا الدين هم الذين يشملهم الأمر بالقتال.. وهذا صحيح على أي وجه أوّلنا الآية. فالمقصود إجمالاً بدين الحق هو الدينونة لله وحده في الاعتقاد والشعائر والشرائع - وهذه هي قاعدة دين الله كله، وهو الدين الممثل أخيراً فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم - فأيما شخص أو قوم لم يدينوا لله وحده في الاعتقاد والشعائر والشرائع مجتمعة؛ انطبق عليهم أنهم لا يدينون دين الحق، ودخلوا في مدلول آية القتال.. مع مراعاة طبيعة المنهج الحركي للإسلام، ومراحله المتعددة، ووسائله المتجددة كما قلنا مراراً. {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون}.. وهذا توكيد لوعد الله الأول: {ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون}.. ولكن في صورة أكثر تحديداً. فنور الله الذي قرر سبحانه أن يتمه، هو دين الحق الذي أرسل به رسوله ليظهره على الدين كله. ودين الحق - كما أسلفنا - هو الدينونة لله وحده في الاعتقاد والعبادة والتشريع مجتمعة. وهو متمثل في كل دين سماوي جاء به رسول من قبل. ولا يدخل فيه طبعاً تلك الديانات المحرفة المشوهة المشوبة بالوثنيات في الاعتقاد التي عليها اليهود والنصارى اليوم. كما لا تدخل فيه الأنظمة والأوضاع التي ترفع لافتة الدين، وهي تقيم في الأرض أرباباً يعبدها الناس من دون الله، في صورة الاتباع للشرائع التي لم ينزلها الله. والله سبحانه يقول: إنه أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله.. ويجب أن نفهم {الدين} بمدلوله الواسع الذي بيناه، لندرك أبعاد هذا الوعد الإلهي ومداه.. إن {الدين} هو "الدينونة".. فيدخل فيه كل منهج وكل مذهب وكل نظام يدين الناس له بالطاعة والاتباع والولاء.. والله سبحانه يعلن قضاءه بظهور دين الحق الذي أرسل به رسوله على {الدين} كله بهذا المدلول الشامل العالم! إن الدينونة ستكون لله وحده. والظهور سيكون للمنهج الذي تتمثل فيه الدينونة لله وحده. ولقد تحقق هذا مرة على يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه ومن جاء بعدهم فترة طويلة من الزمان. وكان دين الحق أظهر وأغلب؛ وكانت الأديان التي لا تخلص فيها الدينونة لله تخاف وترجف! ثم تخلى أصحاب دين الحق عنه؛ خطوة فخطوة بفعل عوامل داخلة في تركيب المجتمعات الإسلامية من ناحية وبفعل الحرب الطويلة المدى، المنوعة الأساليب، التي أعلنها عليه أعداؤه من الوثنيين وأهل الكتاب سواء.. ولكن هذه ليست نهاية المطاف.. إن وعد الله قائم، ينتظر العصبة المسلمة، التي تحمل الراية وتمضي مبتدئة من نقطة البدء، التي بدأت منها خطوات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يحمل دين الحق ويتحرك بنور الله.. ثم يخطو السياق الخطوة الأخيرة في هذا المقطع من السورة، مصوراً كيف أن أهل الكتاب لا يحرمون ما حرم الله ورسوله، بعد ما أشار إلى هذه الحقيقة في قوله: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} التي فسرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنهم "حديث : أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم"تفسير : .. فبين أنهم إذن لا يحرمون ما حرم الله ورسوله؛ إنما يحرمون ما حرمه عليهم الأحبار والرهبان! يخطو السياق الخطوة الأخيرة في بيان هذه الحقيقة مخاطباً بها الذين آمنوا كاشفاً لهم في هذا الخطاب عن حقيقة أهل الكتاب: {يا أيها الذين آمنوا، إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله. والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم. يوم يحمى عليها في نار جهنم، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. هذا ما كنزتم لأنفسكم، فذوقوا ما كنتم تكنزون}.. وفي الآية الأولى استطراد في بيان دور الأحبار والرهبان الذين اتخذهم أهل الكتاب أرباباً من دون الله، فاتبعوهم فيما يشرعون لهم من المعاملات ومن العبادات سواء. فهؤلاء الأحبار والرهبان يجعلون من أنفسهم ويجعلهم قومهم أرباباً تتبع وتطاع؛ وهم فيما يشرعون يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله. وأكل أموال الناس كان يتمثل في صور شتى وما يزال: منها ما يأخذونه على فتاوى تحليل الحرام وتحريم الحلال لصالح من يملكون المال أو السلطان. ومنها ما يأخذه القسيس أو الكاهن مقابل الاعتراف له بالخطايا وغفرانه - بالسلطان المخول للكنيسة في زعمهم - لتلك الخطايا! ومنها الربا - وهو أوسع أبوابها وأبشعها - وغيرها كثير. كذلك ما يجمعونه من أموال الناس لمحاربة دين الحق؛ وقد كان الرهبان والأساقفة والكرادلة والبابوات يجمعون مئات الملايين في الحروب الصليبية، وما يزالون يجمعونها للتبشير والاستشراق للصد عن سبيل الله. ولا بد أن نلحظ الدقة القرآنية والعدل الإلهي في قول الله تعالى في ذلك. {إن كثيرا ًمن الأحبار والرهبان..}.. للاحتراز من الحكم على القليل منها الذي لا يزاول هذه الخطيئة. ولا بد من أفراد في أية جماعة من الناس فيهم بقية خير.. ولا يظلم ربك أحداً.. والكثير من الأحبار والرهبان يكنزون هذه الأموال التي يأكلونها بالباطل. وقد شهد تاريخ هؤلاء الناس أموالاً ضخمة تنتهي إلى أيدي رجال الدين وتؤول إلى الكنائس والأديرة. وقد جاء عليهم زمان كانوا أكثر ثراء من الملوك المتسلطين والأباطرة الطغاة! والسياق القرآني يصور عذابهم في الآخرة بما كنزوا، وعذاب كل من يكنز الذهب والفضة ولا ينفقها في سبيل الله، في مشهد من المشاهد التصويرية الرائعة المروعة: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم. يوم يحمى عليها في نار جهنم، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون}.. إن رسم المشهد هكذا في تفصيل؛ وعرض مشهد العملية منذ خطواتها الأولى إلى خطواتها الأخيرة، ليطيل المشهد في الخيال والحس.. وهي إطالة مقصودة. {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم}.. ويسكت السياق: وتنتهي الآية على هذا الإجمال والإبهام في العذاب.. ثم يأخذ في التفصيل بعد الإجمال: {يوم يحمى عليها في نار جهنم}.. وينتظر السامع عملية الإحماء! ثم ها هي ذي حميت واحمرت. وها هي ذي معدة مهيأة. فليبدأ العذاب الأليم... ها هي ذي الجباه تكوى.. لقد انتهت عملية الكي في الجباه، فليداروا على الجنوب... ها هي ذي الجنوب تكوى... لقد انتهت هذه فليداروا على الظهور...ها هي ذي الظهور تكوى.. لقد انتهى هذا اللون من العذاب؛ فليتبعه الترذيل والتأنيب: {هذا ما كنزتم لأنفسكم}.. هذا هو بذاته الذي كنزتموه للذة، فانقلب أداة لهذا اللون الأليم من العذاب! {فذوقوا ما كنتم تكنزون}! ذوقوه بذاته، فهو هو الذي تذوقون منه مسه للجنوب والظهور والجباه! ألا إنه لمشهد مفزع مروع، يعرض في تفصيل وتطويل وأناة! وهو يعرض أولاً لتصوير مصائر الكثير من الأحبار والرهبان.. ثم لتصوير مصائر الكانزين للذهب والفضة لا ينفقونها في سبيل الله.. والسياق يمهد لغزوة العسرة كذلك حينذاك! وبعد. فلا بد أن نقف هنا وقفة قصيرة للتعقيب. نبرز فيها دلالة هذا البيان الرباني لحقيقة ما عليه أهل الكتاب من عقيدة ومن دين ومن خلق ومن سلوك - وذلك بالإضافة إلى الإشارات التي أوردناها خلال الفقرات السابقة. إن تعرية أهل الكتاب من شبهة أنهم على شيء من دين الله، ألزم وأشد ضرورة من بيان حال المشركين الصريحين في شركهم، الشاهدين على أنفسهم بالكفر بظاهر عقائدهم وشعائرهم.. ذلك أن نفوس المسلمين لا تنطلق الانطلاق الكامل لمواجهة الجاهلية إلا حين يتجلى لها تماماً وجه الجاهلية! ووجه الجاهلية مكشوف صريح فيما يختص بالمشركين؛ وليس الحال كذلك فيما يختص بأهل الكتاب (ومن يزعمون أنهم على شيء من دين الله من أمثالهم، كالشأن في الغالبية العظمى ممن يدعون أنفسهم اليوم "مسلمين") ولقد احتاج الانطلاق الكامل لمواجهة المشركين كثيراً من البيان في هذه السورة. نظراً للملابسات التي شرحناها في التقديم لهذه السورة وفي التقديم للمقطع الأول منها كذلك. حيث قال الله - سبحانه - للمؤمنين: {أية : كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله. إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم، إن الله يحب المتقين. كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاًّ ولا ذمة؛ يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون. اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً فصدوا عن سبيله، إنهم ساء ما كانوا يعملون. لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة وأولئك هم المعتدون }. {أية : ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم، وهموا بإخراج الرسول، وهم بدأوكم أول مرة؟ أتخشونهم؟ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين. قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم، ويتوب الله على من يشاء، والله عليم حكيم }.. {أية : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر، أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون }. {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان، ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون }. تفسير : ... الخ... الخ... وإذا كان الانطلاق لمجاهدة المشركين قد اقتضى كل هذه الحملة - وأمرهم ظاهر - نظراً لتلك الملابسات التي كانت قائمة في التكوين العضوي للمجتمع المسلم في تلك الفترة.. فقد كان الانطلاق لمجاهدة أهل الكتاب في حاجة إلى حملة أشد وأعمق. تستهدف - أول ما تستهدف - تعرية أهل الكتاب هؤلاء من تلك "اللافتة" الشكلية التي لم تعد وراءها حقيقة؛ وتظهرهم على حقيقتهم الواقعية.. مشركين كالمشركين.. كفاراً كالفكار.. محاربين لله ولدينه الحق كأمثالهم من المشركين الكافرين.. ضلالاً يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله.. في مثل هذه النصوص القاطعة الصريحة: * {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله. ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل. قاتلهم الله! أنى يؤفكون؟ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم؛ وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون. يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره. ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون.. يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله... الخ}.. وذلك بالإضافة إلى التقريرات القرآنية الحاسمة - في السور المكية والمدنية على السواء - عن حقيقة ما انتهى إليه أمر أهل الكتاب من الشرك والكفر والخروج من دين الله الذي جاءهم به أنبياؤهم من قبل؛ فضلاً على وقفتهم من رسالة الله الأخيرة، التي على أساس موقفهم منها يتحدد وصفهم بالكفر أو بالإيمان. فلقد سبق أن ووجه أهل الكتاب بأنهم ليسوا على شيء من دين الله أصلاً في قوله تعالى: {أية : قل: يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل.. وما أنزل إليكم من ربكم. وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً فلا تأس على القوم الكافرين}تفسير : [المائدة: 68]. كذلك سبق وصفهم بالكفر، وضمهم إلى المشركين في هذه الصفة.. يهوداً ونصارى.. أو مجتمعين في صفة {أهل الكتاب} في مثل قوله تعالى: {أية : وقالت اليهود: يد الله مغلولة! غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا. بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء. وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً...}تفسير : [المائدة: 64] {أية : لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم...}تفسير : [المائدة: 72]. {أية : لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة...}تفسير : [المائدة: 73]. {أية : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة}تفسير : [البينة: 1]. وغيرها كثير، أثبتنا بعضه فيما تقدم، والقرآن الكريم - مكيُّه ومدنيّه - حافل بمثل هذه التقريرات. وإذا كانت الأحكام القرآنية قد جعلت لأهل الكتاب بعض الامتيازات في التعامل عن المشركين. وذلك كإحلال طعامهم للمسلمين، وإجازة التزوج بالمحصنات (أي العفيفات) من نسائهم.. فإن ذلك لم يكن مبنياً على أساس أنهم على شيء من دين الله الحق؛ ولكن كان مراعى فيه - والله أعلم - أن لهم أصلاً من دين وكتاب - وإن كانوا لا يقيمونه - فمن الممكن محاكمتهم إلى هذا الأصل الذي يدعون أنهم عليه! فهم في هذا يفترقون عن المشركين الوثنيين الذين لا كتاب لهم؛ لأنه ليس لهم من أصل يردون إليه ويمكن محاكمتهم له.. أما تقريرات القرآن عن حقيقة ما عليه أهل الكتاب من عقيدة ودين، فهي صريحة وحاسمة في أنهم ليسوا على شيء من دين الله؛ بعد ما تركوا كتبهم ودينهم إلى ذلك الذي صنعه لهم أحبارهم ورهبانهم ومجامعهم وكنائسهم! وفي قول الله - سبحانه - فصل الخطاب في هذا الموضوع! والمهم الآن أن نبرز دلالة هذا البيان الرباني لحقيقة ما عليه أهل الكتاب من العقيدة والدين.. إن هذه "اللافتة" المضللة التي ليس وراءها شيء من الحقيقة، تحول دون الانطلاق الإسلامي الكامل لمواجهة "الجاهلية". فتتحتم - إذن - إزالة هذه اللافتة؛ وتعريتهم من ظلها الخادع؛ وكشفهم على حقيقتهم الواقعة.. ولا نغفل الملابسات التي كانت قائمة في المجتمع المسلم يومذاك - والتي أشرنا إليها من قبل - سواء منها ما يختص بالتكوين العضوي لهذا المجتمع يومها، وما يختص بظروف الغزوة ذاتها في الحر والعسرة! وما يختص كذلك بالتهيب من لقاء الروم بسبب ما كان لهم في نفوس العرب - قبل الإسلام - من هيبة وسمعة ومخافة!.. ولكن الأعمق من هذا كله هو ما يحيك في النفس المسلمة، عند الأمر بقتال أهل الكتاب على هذا النحو الشامل.. وهم أهل كتاب!!! وأعداء هذا الدين، الراصدون لحركات البعث الإسلامي الجديدة في هذا الجيل يرصدونها عن خبرة واسعة بطبيعة النفس البشرية، وبتاريخ الحركة الإسلامية، على السواء.. وهم من أجل ذلك حريصون - كل الحرص - على رفع "لافتة إسلامية " على الأوضاع والحركات والاتجاهات والقيم والتقاليد والأفكار التي يعدونها ويقيمونها ويطلقونها لسحق حركات البعث الإسلامي الجديدة في أرجاء الأرض جميعاً. ذلك لتكون هذه اللافتة الخادعة مانعة من الانطلاق الحقيقي لمواجهة "الجاهلية" الحقيقية القابعة وراء تلك اللافتة الكاذبة! لقد أخطأوا - مضطرين - مرة أو مرات في إعلان حقيقة بعض الأوضاع والحركات؛ وفي الكشف عن الوجه الكالح للجاهلية المنقضة على الإسلام فيها.. وأقرب مثال لذلك حركة "أتاتورك" اللاإسلامية الكافرة في تركيا.. وكان وجه الاضطرار فيها هو حاجتهم الملحة إلى إلغاء آخر مظهر للتجمع الإسلامي تحت راية العقيدة. ذلك المظهر الذي كان يتمثل في قيام "الخلافة".. وهو - وإن كان مجرد مظهر - كان آخر عروة تنقض قبل نقض عروة الصلاة! كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"حديث : ينقض هذا الدين عروة عروة، فأولها الحكم، وآخرها الصلاة ".. تفسير : ولكن أولئك الأعداء الواعين - من أهل الكتاب والملحدين الذين لا يجتمعون إلا حين تكون المعركة مع هذا الدين! - لم يكادوا يتجاوزون منطقة الاضطرار في الكشف عن الوجهة اللاإسلامية الكافرة في حركة "أتاتورك" حتى عادوا يحرصون بشدة على ستر الأوضاع التالية المماثلة لحركة "أتاتورك" في وجهتها الدينية، بستار الإسلام؛ ويحرصون على رفع تلك اللافتة الخادعة على تلك الأوضاع - وهي أشد خطراً على الإسلام من حركة أتاتورك السافرة - ويفتنون افتناناً في ستر حقيقة هذه الأوضاع التي يقيمونها ويكفلونها اقتصادياً وسياسياً وفكرياً؛ ويهيئون لها أسباب الحماية بأقلام مخابراتهم وبأدوات إعلامهم العالمية؛ وبكل ما يملكونه من قوة وحيلة وخبرة؛ ويتعاون أهل الكتاب والملحدون على تقديم المعونات المتنوعة لها؛ لتؤدي لهم هذه المهمة التي لم تنته منها الحروب الصليبية قديماً ولا حديثاً؛ يوم كانت هذه الحروب الصليبية معركة سافرة بين الإسلام وأعدائه المكشوفين الظاهرين! والسذج ممن يدعون أنفسهم "مسلمين" يخدعون في هذه اللافتة.. ومن هؤلاء السذج كثير من الدعاة إلى الإسلام في الأرض! فيتحرجون من إنزالها عن "الجاهلية" القائمة تحتها، ويتحرجون من وصف هذه الأوضاع بصفتها الحقيقية التي تحجبها هذه اللافتة الخادعة.. صفة الشرك والكفر الصريحة.. ويتحرجون من وصف الناس الراضين بهذه الأوضاع بصفتهم الحقيقية كذلك! وكل هذا يحول دون الانطلاق الحقيقي الكامل لمواجهة هذه الجاهلية مواجهة صريحة؛ لا تحرج فيها ولا تأثم من وصفها بصفتها الحقيقية الواقعة! بذلك تقوم تلك اللافتة بعملية تخدير خطرة لحركات البعث الإسلامي؛ كما تقوم حاجزاً دون الوعي الحقيقي، ودون الانطلاق الحقيقي لمواجهة جاهلية القرن العشرين التي تتصدى لسحق الجذور الباقية لهذا الدين. هؤلاء السذج - من الدعاة إلى الإسلام - أخطر في نظري على حركات البعث الإسلامي من أعداء هذا الدين الواعين، الذي يرفعون لافتة الإسلام على الأوضاع والحركات والاتجاهات والأفكار والقيم والتقاليد التي يقيمونها ويكفلونها لتسحق لهم هذا الدين! إن هذا الدين يَغلب دائماً عندما يصل الوعي بحقيقته وحقيقة الجاهلية إلى درجة معينة في نفوس العصبة المؤمنة - في أي زمان وفي أي مكان -: والخطر الحقيقي على هذا الدين ليس كامناً في أن يكون له أعداء أقوياء واعون مدربون؛ بقدر ما يكمن في أن يكون له أصدقاء سذج مخدوعون، يتحرجون في غير تحرج؛ ويقبلون أن يتترس أعداؤهم بلافتة خادعة من الإسلام؛ بينما هم يرمون الإسلام من وراء هذه اللافتة الخادعة! إن الواجب الأول للدعاة إلى هذا الدين في الأرض، أن ينزلوا تلك اللافتات الخادعة المرفوعة على الأوضاع الجاهلية، والتي تحمي هذه الأوضاع المقامة لسحق جذور هذا الدين في الأرض جميعاً! وإن نقطة البدء في أية حركة إسلامية هي تعرية الجاهلية من ردائها الزائف؛ وإظهارها على حقيقتها.. شركاً وكفراً.. ووصف الناس بالوصف الذي يمثل واقعهم؛ كيما تواجههم الحركة الإسلامية بالطلاقة الكاملة. بل كيما ينتبه هؤلاء الناس أنفسهم إلى حقيقة ما انتهى إليه حالهم - وهي الحقيقة التي انتهى إليها حال أهل الكتاب كما يقررها الحكيم الخبير - عسى أن يوقظهم هذا التنبيه إلى تغيير ما بأنفسهم، ليغير الله ما بهم من الشقوة والنكد والعذاب الأليم الذي هم فيه مبلسون! وكل تحرج في غير موضعه؛ وكل انخداع بالأشكال والظواهر واللافتات؛ هو تعويق لنقطة الانطلاق الأولى لأية حركة إسلامية في الأرض جميعاً؛ وهو تمكين لأعداء هذا الدين من مكرهم الذي أرادوه بالحرص على إقامة تلك اللافتات بعد ما انكشفت حركة "أتاتورك" في التاريخ الحديث؛ وباتت عاجزة عن المضي خطوة واحدة بعد إلغاء آخر مظهر من مظاهر التجمع الإسلامي على أساس العقيدة. نظراً لانكشاف وجهتها هذا الانكشاف الصريح.. مما دعا كاتباً صليبياً شديد المكر عميق الخبث مثل "ولفرد كانتول سميث" في كتابه: "الإسلام في التاريخ الحديث" إلى محاولة تغطية حركة أتاتورك مرة أخرى، ونفي الإلحاد عنها، واعتبارها أعظم وأصح حركة بعث "إسلامي" (كذا) في التاريخ الحديث!!!

ابن عاشور

تفسير : الظاهر أن هذه الآية استيناف ابتدائي لا تتفرّع على التي قبلها، فالكلام انتقال من غرض نبْذِ العهد مع المشركين وأحوال المعاملة بينهم وبين المسلمين إلى غرض المعاملة بين المسلمين وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، إذ كان الفريقان مسالمين المسلمين في أول بدء الإسلام، وكانوا يحسبون أنّ في مدافعة المشركين للمسلمين ما يكفيهم أمر التصدّي للطعن في الإسلام وتلاشي أمره فلمّا أخذ الإسلام ينتشر في بلاد العرب يوماً فيوماً، واستقلّ أمره بالمدينة، ابتدأ بعض اليهود يظهر إحَنَه نحو المسلمين، فنشأ النفاق بالمدينة وظاهرت قُريظة والنضير أهل الأحزاب لما غزوا المدينة فأذهبهم الله عنها. ثم لمّا اكتمل نصر الإسلام بفتح مكّة والطائف وعمومه بلاد العرب بمجيء وفودهم مسلمين، وامتد إلى تخوم البلاد الشامية، أوجست نصارى العرب خيفة من تطرّقه إليهم، ولم تغمض عين دولة الروم حامية نصارى العرب عن تداني بلاد الإسلام من بلادهم، فأخذوا يستعدّون لحرب المسلمين بواسطة ملوك غسّان سادة بلاد الشام في ملك الروم. ففي «صحيح البخاري» عن عمر بن الخطاب أنّه قال: «كان لي صاحب من الأنصار إذا غبتُ أتاني بالخبر وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر ونحن نتخوّف مَلِكاً من ملوك غسّان ذُكر لنا أنّه يريد أن يسير إلينا وأنّهم يُنْعِلون الخيلَ لغزونا فإذا صاحبي الأنصاري يدُقّ الباب فقال: افتح افتح. فقلت: أجَاء الغسّاني. قال: بل أشَدُّ من ذلك اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه إلى آخر الحديث. فلا جرم لمّا أمِن المسلمون بأس المشركين وأصبحوا في مأمن منهم، أن يأخذوا الأهبة ليأمنوا بأس أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فابتدأ ذلك بغزو خيبر وقريظة والنضير وقد هُزموا وكفَى الله المسلمين بأسَهم وأورثَهم أرضهم فلم يقع قتال معهم بعد ثم ثنّى بغزوة تبوك التي هي من مشارف الشام. وعن مجاهد: أنّ هذه الآية نزلت في الأمر بغزوة تبوك فالمراد من الذين أوتوا الكتاب خصوص النصارى، وهذا لا يلاقي ما تظافرت عليه الأخبار من أنّ السورة نزلت بعد تبوك. و{مِن} بيانية وهي تُبَيِّن الموصولَ الذي قبلها. وظاهر الآية أنّ القوم المأمور بقتالهم ثبتت لهم معاني الأفعال الثلاثة المتعاطفة في صلة الموصول، وأنّ البيان الواقع بعد الصلة بقوله: {من الذين أوتوا الكتاب} راجع إلى الموصول باعتبار كونه صاحبَ تلك الصلات، فيقتضي أنّ الفريق المأمور بقتاله فريق واحد، انتفى عنهم الإيمانُ بالله واليوم الآخر، وتحريمُ ما حرم الله، والتديُّنُ بدين الحقّ. ولم يُعرف أهل الكتاب بأنّهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. فاليهود والنصارى مثبتون لوجود الله تعالى ومؤمنون بيوم الجزاء. وبهذا الاعتبار تحيّر المفسرون في تفسير هذه الآية فلذلك تأوّلوها بأنّ اليهود والنصارى، وإن أثبتوا وجود الله واليوم الآخر، فقد وصفوا الله بصفات تنافي الإلهية فكأنّهم ما آمنوا به، إذْ أثبتَ اليهود الجسمية لله تعالى وقالوا: {أية : يد الله مغلولة} تفسير : [المائدة: 64]. وقال كثير منهم: {أية : عزير ابن الله} تفسير : [التوبة: 30]. وأثبت النصارى تعدّد الإلٰه بالتثليث فقاربوا قول المشركين فهم أبعد من اليهود عن الإيمان الحقّ، وأنّ قول الفريقين بإثبات اليوم الآخر قد ألصقوا به تخيّلات وأكذوبات تنافي حقيقة الجزاء: كقولهم: {أية : لن تمسسّنا النار إلا أياماً معدودة}تفسير : [البقرة: 80] فكأنّهم لم يؤمنوا باليوم الآخر. وتكلّف المفسّرون لدفع ما يرد على تأويلهم هذا من المنوّع وذلك مَبسوط في تفسير الفخر وكلّه تعسّفات. والذي أراه في تفسير هذه الآية أنّ المقصود الأهم منها قتال أهل الكتاب من النصارى كما علمتَ ولكنّها أدمجت معهم المشركين لئلا يتوهّم أحد أنّ الأمر بقتال أهل الكتاب يقتضي التفرّغ لقتالهم ومتاركة قتال المشركين. فالمقصود من الآية هو الصفة الثالثة {ولا يدينون دين الحق}. وأمّا قوله: {الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} ــــ إلى قوله ــــ {ورسوله} فإدماج. فليس المقصود اقتصار القتال على من اجتمعت فيهم الصفات الأربع بل كل الصفة المقصودة هي التي أردفت بالتبيين بقوله: {من الذين أوتوا الكتاب} وما عداها إدماج وتأكيد لما مضى، فالمشركون لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون شيئاً ممّا حرم الله ورسوله لأنّهم لا شريعة لهم فليس عندهم حلال وحرام ولا يدينون دين الحق وهو الإسلام وأما اليهود والنصارى فيؤمنون بالله واليوم الآخر ويحرَمون ما حرّم الله في دينهم ولكنّهم لا يدينون دين الحقّ وهو الإسلام ويلحق بهم المجوس فقد كانت هذه الأديان هي الغالبة على أممِ المعروفِ من العالم يومئذٍ، فقد كانت الروم نصارى، وكان في العرب النصارى في بلاد الشام وطي وكلب وقضاعة وتغلب وبَكر، وكان المجوس ببلاد الفرس وكان فرق من المجوس في القبائل التي تتبع ملوك الفرس من تميم وبَكر والبحرين، وكانت اليهود في خيبر وقريظة والنضير وأشتات في بلاد اليمن وقد توفّرت في أصحاب هذه الأديان من أسباب الأمر بقتالهم ما أومأ إليه اختيار طريق الموصولية لتعريفهم بتلك الصلات لأنّ الموصولية أمكن طريق في اللغة لحكاية أحوال كفرهم. ولا تحسبنّ أنّ عطف جمل على جملة الصلة يقتضي لزوم اجتماع تلك الصلات لكلّ ما صدق عليه اسم الموصول، فإن الواو لا تقيد إلاّ مطلق الجمع في الحكم فإنّ اسم الموصول قد يكون مراداً به واحد فيكون كالمعهود باللام، وقد يكون المراد به جنساً أو أجناساً ممّا يثبت له معنى الصلة أو الصلات، عَلى أنّ حرف العطف نائب عن العامل فهو بمنزلة إعادة اسم الموصول سواء وقع الاقتصار على حرف العطف كما في هذه الآية، أم جمع بين حرف العطف وإعادة اسم الموصول بعد حرف العطف كما في قوله تعالى: {أية : وعباد الرحمٰن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً والذين يبيتون لربّهم سجّداً وقياماً، والذين يقولون ربّنا اصرف عنّا عذاب جهنّم إنّ عذابها كان غراماً إنّها ساءت مستقراً ومقاماً، والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً، والذين لا يدعون مع الله إلٰهاً آخر}تفسير : [الفرقان: 63 ـــ 68] فقد عطفت فيها ثمانية أسماء موصولة على اسم الموصول ولم يقتض ذلك أنّ كلّ موصول مختصّ المَاصْدَق على طائفة خاصّة بل العبرةِ بالاتّصاف بمضمون إحدى تلك الصلات جميعها بالأولى، والتعويل في مثل هذا على القرائن. وقوله: {من الذين أوتوا الكتاب} بيان لأقرب صلة منه وهي صلة {ولا يدينون دين الحق} والأصل في البيان أن يكون بلصق المبين لأنّ البيان نظير البدل المطابق وليس هذا من فروع مسألة الصفة ونحوها الواردة بعد جمل متعاطفة مفرد وليس بياناً لجملة الصلة على أنّ القرينة تردّه إلى مردّه. وفائدة ذكره التنديد عليهم بأنّهم أوتوا الكتاب ولم يدينوا دين الحقّ الذي جاء به كتابهم، وإنّما دانوا بما حرفوا منه، ومَا أنكروا منه، وما ألصقوا به، ولو دانوا دين الحق لاتّبعوا الإسلام، لأنّ كتابهم الذي أوتوه أوصاهم باتّباع النبي الآتي من بعد {أية : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون أفغير دين الله يبغون}تفسير : [آل عمران: 81 ـــ 83]. وقوله: {ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله}. بمعنى لا يجعلون حراماً ما حرّمه الله فإنّ مادة فعَّل تستعمل في جعل المفعول متّصفاً بمصدر الفعل، فيفيد قوله: {ولا يحرّمون ما حرم الله ورسوله} أنّهم يجعلونه غير حرام والمراد أنّهم يجعلونه مباحاً. والمقصود من هذا تشنيع حالهم وإثارة كراهيتهم لهم بأنّهم يستبيحون ما حرّمه الله على عباده ولمّا كان ما حرمه الله قبيحاً منكراً لقوله تعالى: {أية : ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث}تفسير : [الأعراف: 157] لا جرم أنّ الذين يستبيحونه دلّوا على فساد عقولهم فكانوا أهلاً لردعهم عن باطلهم على أنّ ما حرّم الله ورسوله شامل لكليات الشريعة الضروريات كحفظ النفس والنسب والمال والعرض والمشركون لا يحرّمون ذلك. والمراد (برسوله) محمد صلى الله عليه وسلم كما هو متعارف القرآن ولو أريد غيره من الرسل لقال ورسله لأنّ الله ما حرّم على لسان رسوله إلاّ ما هو حقيق بالتحريم. وعلى هذا التفسير تكون هذه الآية تهيئة للمسلمين لأنّ يغزوا الروم والفرس وما بقي من قبائِل العرب الذين يستظلّون بنصر إحدى هاتين الأمّتين الذينَ تأخر إسلامهم مثل قضاعة وتغلب بتخوم الشَّام حتّى يؤمنوا أو يعطوا الجزية. و{حتّى} غاية للقتال، أي يستمرّ قتالكم إيّاهم إلى أن يعطوا الجزية. وضمير {يعطوا} عائِد إلى {الذين أوتوا الكتاب}. والجِزية اسم لمال يعطيه رجال قوم جزاء على الإبقاء بالحياة أو على الإقرار بالأرض، بنيتْ على وزن اسم الهيئة، ولا مناسبة في اعتبار الهيئة هنا، فلذلك كان الظاهر. هذا الاسم أنّه معرب عن كلمة (كِزْيَت) بالفارسية بمعنى الخراج نقله المفسّرون عن الخوارزمي، ولم أقف على هذه الكلمة في كلام العرب في الجاهلية ولم يعرج عليها الراغب في «مفردات القرآن». ولم يذكروها في «مُعَرَّب القرآن» لوقوع التردّد في ذلك لأنّهم وجدوا مادّة الاشتقاق العربي صالحة فيها ولا شكّ أنّها كانت معروفة المعنى للذين نزل القرآن بينهم ولذلك عُرّفت في هذه الآية. وقوله: {عن يد} تأكيد لمعنى {يعطوا} للتنصيص على الإعطاء و{عن} فيه للمجاوزة. أي يدفعوها بأيديهم ولا يقبل منهم إرسالها ولا الحوالة فيها، ومحلّ المجرور الحال من الجزية. والمراد يَد المعطي أي يعطوها غير ممتنعين ولا منازعين في إعطائها وهذا كقول العرب «أعطى بيده» إذا انقاد. وجملة {وهم صاغرون} حال من ضمير يعطوا. والصاغر اسم فاعل من صَغر ــــ بكسر الغين ــــ صَغَراً بالتحريك وصَغَاراً. إذا ذلّ، وتقدّم ذكر الصغار في قوله تعالى: {أية : سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله} تفسير : في سورة الأنعام (124)، أي وهم أذلاّء وهذه حال لازمة لإعطاء الجزية عن يد: والمقصود منه تعظيم أمر الحكم الإسلامي، وتحقير أهل الكفر ليكون ذلك ترغيباً لهم في الانخلاع عن دينهم الباطل واتّباعهم دين الإسلام. وقد دلّت هذه الآية على أخذ الجزية من المجوس لأنهم أهل كتاب ونقل عن ابن المنذر: لا أعلم خلافاً في أنّ الجزية تؤخذ منهم، وخالف ابنُ وهب من أصحاب مالك في أخذ الجزية من مجوس العرب. وقال لا تقبل منهم جزية ولا بدّ من القتل أو الإسلام كما دلت الآية على أخذ الجزية من نصارى العرب، دون مشركي العرب: لأنّ حكم قتالهم مضى في الآيات السالفة ولم يتعرّض فيها إلى الجزية بل كانت نهاية الأمر فيها قوله: {أية : فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلهم}تفسير : [التوبة: 5] ــــ وقوله ــــ {أية : فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم}تفسير : [التوبة: 11] ــــ وقوله ــــ {أية : ويتوب الله على من يشاء}تفسير : [التوبة: 15]. ولأنّهم لو أخذت منهم الجزية لاقتضى ذلك إقرارهم في ديارهم لأنّ الله لم يشرع إجلاءهم عن ديارهم وذلك لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر: أي إيماناً صحيحاً يرضاه الله تعالى لموافقة الحق والواقع. ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله: أي كالخمر والربا وسائر المحرمات. ولا يدينون دين الحق: أي الإِسلام إذ هو الدين الذي لا يقبل ديناً سواه. من الذين أوتوا الكتاب: أي اليهود والنصارى. الجزية: أي الخراج المعلوم الذي يدفعه الذمي كل سنة. عن يد وهم صاغرون: أي يقدمونه بأيديهم لا ينيبون فيه غيرهم، وهم صاغرون: أي أذلاء منقادون لحكم الإِسلام هذا. معنى الآية الكريمة: لما أمر الله تعالى رسوله والمؤمنين بقتال المشركين حتى يتوبوا من الشرك ويوحدوا ويعبدوا الله تعالى بما شرع أمر رسوله في هذه الآية والمؤمنين بقتال أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى إلى أن يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وجعل إعطاء الجزية غايةً لنهاية القتال، لا الإِسلام لأن الإِسلام يعرض أولاً على أهل الكتاب فإن قبلوه فذاك وإن رفضوه يطلب منهم الدخول في ذمة المسلمين وحمايتهم تحت شعار الجزية وهي رمز دال على قبولهم حماية المسلمين وحكمهم بشرع الله تعالى فإذا أعطوها حقنوا دماءهم وحفظوا أموالهم، وأمنوا في حياتهم المادية والروحية، هذا ما تضمنته الآية الكريمة: {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} وإن قيل اليهود والنصارى يؤمنون بالله وباليوم الآخر فكيف نفت الآية عنهم ذلك؟ والجواب أن اليهود في إيمانهم بالله مشبهة مجسمة يصفون الله تعالى بصفات تعالى الله عنها علواً كبيراً، والنصارى يعتقدون أن الله حلّ في المسيح، وإن الله ثالث ثلاثة والله ليس كذلك فهم إذاً لا يؤمنون بالله تعالى كما هو الله الإِله الحق، فلذا إيمانهم باطل وليس بإيمان يضاف إلى ذلك أنهم لو آمنوا بالله لآمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم ولو آمنوا باليوم الآخر لأطاعوا الله ورسوله لينجوا من عذاب اليوم الآخر وليسعدوا فيه بدخول الجنة فلما لم يؤمنوا ولم يعملوا كانوا حقاً كافرين غير مؤمنين، وصدق الله العظيم حيث نفى عنهم الإِيمان به وباليوم الآخر، والله أعلم بخلقه من أنفسهم. هداية الآية الكريمة من هداية الآية الكريمة: 1- وجوب قتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يدخلوا في حكم الإِسلام وذلك من أجل إعدادهم للإِسلام ليكملوا عليه ويسعدوا به. 2- الإِيمان غير الصحيح لا يعتبر إيماناً منجياً ولا مسعداً. 3- استباحة ما حرم الله من المطاعم والمشارب والمناكح كفر صريح. 4- مشروعية أخذ الجزية من أهل الكتاب وهي مقدّرة في كتب الفقه مبينة وهي بحسب غنى المرء وفقره وسعته وضيقه.

القطان

تفسير : يدينون دين الحق: يعتنقون الاسلام. الجزية: الضريبة على الاشخاص لا على الأرض او التجارة او الماشية. وهم صاغرون: أذلاء، خاضعون. عزير: هو الذي يسميه اهل الكتاب عزرا. يضاهئون: يشابهون ويحاكون. يؤفكون: يصرفون عن الحق الى الباطل. الاحبار: واحدهم حبر بفتح الحاء وكسرها، العلماء. البرهان: واحدهم راهب وهو المنقطع للعبادة. نور الله: دين الاسلام. بعد ان ذكر الله تعالى أحكام المشركين في إظهار البراءة من عهودهم، وفي وجوب مقاتَلَتِهم وإبعادِهم عن المسجد - جاء هنا بحُكم أهل الكتاب وبيان الغاية منه. وفي ذلك توطئةٌ للكلام عن غزوة تبوك والخروج إليها في زمن العُسرةِ وقتَ الحر الشديد في الصيف، وما يتعلق بها من فضيحة المنافقين. ثم بعد ذلك بيّن انحراف اليهود والنصارى عن دِينهم الاصلي، وأنهم اتّخذوا أحبارَهم ورهبانَهم أرباباً من دون الله، وأنهم يسعون في إبطال الاسلام، وإخفاء الدلائل الدالة على صدق رسول الله وصحة دينه. {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}. يا إيها الذين آمنوا: قاتِلوا الكافرين من أهل الكتاب الذين لا يؤمنون إيماناً صحيحاً بالله، ولا يقرّون بالبعث والجزاءِ إقراراً صحيحاً، بل يقولون إن حياة الآخرة حياةٌ روحانية يكون فيها الناس كالملائكة. وهم لا يحرّمون ما نهى الله ورسوله عنه، ولا يعتنقون الدين الحق وهو الاسلام... قاتِلوهم حتى يؤمنوا، أو يؤدُّوهم الجِزيةَ خاضعين طائعين. والجزيةُ ضريبة مالية من أموال غير المسلمين المستظِلّين براية الاسلام، وهي مقدار يتراوح بين اثني عشر درهما، وثمانيةٍ واربعين. وذلك ليُسهوا في ميزانية الدولة التي تحميهم في أنفسِهم وأموالهم وأعراضهم. فهي في مقابل ما يؤخذ من المسلم، فالمسلم يُؤخَذ منه خُمس الغنائم، والزكاة، وصدّقة الفطر، وغير ذلك مثل الكفّارات للذنوب المختلفة. وتنفق الجزية في المصالح العامة، وعلى فقراء اهل الذمة ايضا. وتفرض الجزية على أهل الكتاب، ولا تُفرض على المشركين. هكذا عند جمهور العلماء. ويقرر ابو حنيفة أنها تفرض على غير المسلمين جميعا، اما المشركون الذين لا تقبل منهم فهم مشركو العرب فقط. وفيما يلي عهد كتبه احد امراء عمر بن الخطاب الى مَرزُبان واهل دهستان. "هذا كتاب سويد بن مقرن لمزربان بن صول بن رزبان واهل دهستان وسائر اهل جرجان ان لكم الذمة وعليكم المنعة، على ان عليكم من الجزاء في كل سنة على قدر طاقتكم على كل حالم، ومن استعنّا به منكم فله جزاؤه في معونته عوضا عن جزائه، ولكم الامان على انفسكم واموالكم ومللكم وشرائعكم ولا يغير شيء من ذلك.". شهد بذلك سواد بن قطبة، وهند بن عمر، وسماك بن مخزمة وعتيبة بن النهاس. {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}. ترك اليهودُ الوحدانية في عقيدتهم وقالوا: عُزيرٌ ابنُ الله، وترك النصارى الوحدانية كذلك فقالوا: المسيحُ ابن الله. وقولهم هذا مبتدَع من عندهم، يردّدونه بأفواههم، لم يأتِهم به كتاب ولا رسول، وليس عليه حُجّة ولا برهان. وهم في هذا القول يشابهون قول المشركين قبلهم. عجباً لهم كيف يَضِلّون عن الحق الظاهر ويَعْدِلون الى الباطل! وقد تُستعمل جملة "قاتله الله" هذه بالمدح. روى ابن اسحاق، وابن جرير وابن مَرْدَوَيْه عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "حديث : اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سلام بن مشكم ونعمان بن اوفى وابو انس وشاس بن قيس ومالك بن الصيف، وهم من رؤساء اليهود واحبارهم، فقالوا: كيف نتّبعك وقد تركتَ قِبلتنا، وانت لا تزعم ان عُزَيْراً ابن الله ". تفسير : وعُزير هذا كاهن يهودي وكاتب شهير سَكَنَ بابل حوالي سنة 457 ق.م. أسَّس المجمع الكبير، وجمع أسفار الكتاب المقدس، وأدخل الأحرفَ الكِلدانية عوضاً عن العِبرية القديمة، وألّف أسفار الأَيام، وعِزرا، ونحِمْيا، وأحيا الشريعةَ اليهودية بعد ان نُسيت. من أجْل هذا فاليهود يقدّسونه حتى إن بعض يهود المدينة أطلق عليه لقب (ابن الله). وأما النصارى فقد كان القدماء منهم يَعْنُون بقولهم عن المسيح انه "ابن الله" انه المحبوبُ او المكّرم، كما نقول نحن "الخلق عيال الله" وكان منهم موحِّدون. لكنهم في مَجْمَع نيقية سنة 325م وتحت إشراف الملك قسطنطين، قرروا عقيدةَ التثليث، واعتمدوا الأناجيلَ الاربعة، واحرقوا ما عداها وكانت تزيد على سبعين انجيلا. وقد خالف في ذلك خلقٌ كثير منهم يُسَمَّون الموحِّدين او العقليين، لكن الكنائس الكاثوليكية والارثوذكسية والبروتستنتية لا تعتدُّ بنصرانيهتم ولا بدِينهم، مع ان رسالة المسيح ثابتة في اناجيلهم. ففي انجيل يوحنا: "وهذه الحياة الأبدية أن يعرفوك، أنتَ الالهُ الحقيقي وحدّك، ويسوع المسيحُ الذي ارسلتَه". قراءات: قرأ: "عزير" بالتنوين عاصِم والكسائي. والباقون: "عزير" بترك التنوين. وقرأ عاصم: "يضاهئون" بالهمزة والباقون: "يضاهون" بغير همزة. {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ}. لقد اتخذوا رجالَ دِينهم ارباباً، يشرّعون لهم، ويكوِّن كلامهم دينا، ولو كان يخالف قولَ رسولهم، فاتّبعوهم في باطِلهم، وأضافوا الى الشرائع ما سمِعوه من رؤسائهم واقوال أحبارهم من قبلِ ان يدونّوه في المِشنَة والتلمود، ثم دونوه، فكان هو الشرعَ العام وعليه العملُ، وهو مقدَّم عندهم على التوراة. وانظروا النصارى باتّخاذهم المسيحَ ربّاً وإلهاً، لقد غيرّ رؤساؤهم جميع الاحكام التي جاء بها المسيح، وزادواحقَّ مغفرةِ الذنوب لمن شاؤا، والله تعالى يقول: {أية : وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 135] وزادوا القولَ بِعصمة البابا في تفسيرِ الكتب الالهية، ووجوبِ طاعته في كل ما يأمر به من الطاعات، وينهى عنه من المحرمات. روى الامام أحمد والترمذي وابن جرير حديث : عن عَدِيّ بن حاتم انه فرّ الى الشام (وكان قد تنصَّر في الجاهلية) فذهبت أخته بعد ان اسلمتْ ورغَبته في الاسلام والقدوم على رسول الله، فقدم المدينة، وكان رئيسا في قومه، فدخل على رسول الله وهو يقرأ "اتّخَذوا أحبارَهم ورهبانَهم أرباباً من دون الله"، قال عدي فقلت: إنهم لم يعبُدوهم فقال: " بلَى إنهم حَرّموا عليهم الحلالَ وأحَلّوا الحرام فاتّبعوهم، فذلك عبادتُهم إياهم". وقال رسول الله: يا عديّ ما تقول؟ ايضرُّك ان يُقال اللهُ اكبر؟ فهل تعلم شيئا اكبرُ من الله؟ وما يضرك ان يقال لا إله الا الله، فهل تعلم إلهاً غيرا لله؟ ثم دعاه الى الإسلام، فأسلم وشهد شهادة الحق، قال فلقد رأيتُ وجهه استبشر ". تفسير : {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. وقد أمَرَهم الله في كُتبه على لسان رُسله ان لا يعبدوا الا إلهاً واحدا، لأنه لا يستحق العبادة في حكم الشرع والعقل الا الإله الواحد. تنزه الله عن الإشراك في العبادة والخَلْق والصفات. {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ}. يريد الكفار بمزاعمهم الباطلة ان يطفئوا نورَ الله وهو الاسلام، ولا يريدُ الله إلا ان يتم نورَه على الناس بإظهار دينه على يد خاتم النبيّن محمد صلى الله عليه وسلم، الذي ارسله الى الخلق اجمعين. هذا هو الوعدُ الحق من الله تعالى، والدال على سنّته التي لاتتبدّل. {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ}. هو الله الذ كَفَل إتمامَ نوره بإرسال رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بالحجج البينّات، ودينِ الاسلام ليُعليَ هذا الدينَ ويرفع شأنه على جميع الأديان ولو كره ذلك المشركون. ولقد تحقَّقَ هذا الوعدُ على يد رسول الله وخلفائه ومن جاء بعدهم، ونشروا نور الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها. لقد دام هذا النور فترةً طويلة من الزمن، ثم تخلّى اصحابُ هذا الدين عنه خطو خطوة. غير أن حالنا المؤلم ليس نهاية المطاف... ان وعد الله قائم ينتظر العصبة المسلمة التي تحمل راية الاسلام التي لا تُهزم، ولن يُخلِف الله وعدَه. روى الامام احمد عن عدي بن حاتم: حديث : دخلتُ على رسول الله، فقال: "يا عدي أسلمْ: قلت: إني من أهل دين. قال: انا أعلمُ بِدِينكم منك... ألستَ من الركوسية: (دين بين الصابئة والنصرانية) وانت تأكل المرباع (والمرباع ما كان يأخذه رئيسُ القوم من الغنائم، وهو من عادات الجاهلية)؟ قلت: بلى قال: فإن هذا لا يحلُّ لك في دينك. قال عدي: فتواضعتُ لَمّا قالها... فقال: أتعرف الحِيرةَ يا عدي؟ قلت: لم أرها، ولكن سمعتُ بها. قال: فوالذي نفسي بيده ليُتِمنَّ الله هذا الدين حتى تخرجَ الظعينةُ من الحِيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوارِ احد، لتفتحن كنوز كسرى بن هرمز. قلت: كنوز كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يعيله احد ". تفسير : قال عدي بعد ذلك: فهذه الظعينةُ تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت من غير جوار احد، ولقد كنتُ في مَنْ فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة. يعني كثرة المال. فوعدُ الله حق، والله يقول: {أية : إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} تفسير : [محمد: 7].

د. أسعد حومد

تفسير : {قَاتِلُواْ} {ٱلآخِرِ} {ٱلْكِتَابَ} {صَاغِرُونَ} (29) - بَعْدَ أَنِ اسْتَقَامَتِ الأمُورُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ، بِدُخُولِ النَّاسِ فِي الإِسْلاَمِ، أمَرَ اللهُ تَعَالَى بِقِتَالِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَذَلِكَ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ، لِذَلِكَ تَجَهَّزَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم لِقِتَالِ الرُّومِ، وَدَعَا النَّاسَ إلَى ذَلِكَ، وَأظْهَرَهُ لَهُمْ، وَنَدَبَ المُؤْمِنِينَ إلَى الجِهَادِ، وَتَخَلَّفَ بَعْضُ المُنَافِقِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ العَامُ عَامَ جَدْبٍ، وَالْوَقْتُ فِي شِدَّةِ الحَرِّ، وَخَرَجَ الرَّسُولُ وَصَحْبُهُ إلَى تَبُوك، فَنَزَلَ بِهَا، وَأَقَامَ فِيهَا قَرَابَةَ عِشْرِينَ يَوْماً، ثُمَّ رَجَعَ لِضِيقِ الحَالِ، وَضَعْفِ النَّاسِ. فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالإِسْلاَمِ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَرَضَ اللهُ عَلَى المُسْلِمِينَ قِتَالَهُ، حَتَّى يُعْطِيَ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ مَقْهُورَةٍ مَغْلُوبَةٍ، وَهُوَ خَاضِعٌ صَاغِرٌ. وَيَجِبُ قِتَالُ أهْلِ الْكِتَابِ إذَا اجْتَمَعَتْ فِيهِمْ أرْبَعُ صِفَاتٍ هِيَ الْعِلَّةُ فِي عَدَاوَتِهِم لِلإِسْلاَمِ وَالمُسْلِمِينَ: - أنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ، لأنَّهُمْ هَدَمُوا التَّوْحِيدَ فَاتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ مُشَرِّعِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ الْمَسِيحَ وَعُزَيْراً. - أنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ، إذْ يَقُولُونَ إنَّ الحَيَاةَ الآخِرَةَ هِيَ حَيَاةٌ رُوحَانِيَّةٌ يَكُونُ فِيهَا النَّاسُ كَالمَلائِكَةِ. - أنَّهُمْ لاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَلاَ يَلْتَزِمُونَ العَمَلَ بِمَا حُرِّمَ عَلَيهِمْ. - أنَّهُمْ لاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ الَّذِي أوْحَاهُ اللهُ إلَى أنْبِيَائِهِ، وَإنَّمَا يَتَّبِعُونَ دِيناً وَضَعَهُ لَهُمْ أحَبَارُهُمْ وَأسْاقِفَتُهُمْ. يُعْطُوا الجِزْيَةَ - الخَرَاجَ المُقَدَّرَ عَلَى رُؤُوسِهِمْ. عَنْ يَدٍ - عَنِ انْقِيَادٍ وَخُضُوعٍ، أَوْ مِنْ قَهْرٍ وَقُوَّةٍ. صَاغِرُونَ - مُنْقَادُونَ لِحُكْمِ الإِسْلاَمِ وَهُمْ أذِلاَّءُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهنا يعود الحق سبحانه وتعالى إلى التحدث عن القتال، ونعلم أن الذين تحدث عنهم المولى سبحانه في هذه السورة، هم المشركون وأحوالهم، والأمر بإلغاء المعاهدة معهم، وإبعاد ذواتهم عن المسجد الحرام، وتقتيل من يحاول البقاء منهم ليحض على الشرك؛ حتى لا يجتمع في جزيرة العرب دينان. وعرفنا من قبل السبب، وأما الذين يتحدث عنهم الله في هذه الآية فهم غيرهم... فرغم أن الحق سبحانه وتعالى أرسل لمشركي العرب محمداً صلى الله عليه وسلم وهو رسول من أنفسهم، فهم يعرفونه حق المعرفة، كما أن المعجزة التي جاء بها صلى الله عليه وسلم من جنس فصاحتهم، فإذا كذبوه فهم مخطئون، ورغم هذا كذبوه ولم يؤمنوا به، أما خارج الجزيرة فالرسول ليس منهم، والقرآن لم ينزل بلغتهم، وكان عليهم أن يأخذوا من المنهج التطبيق المناسب. وهكذا نرى أن مصادمة الإيمان لم تكن من مشركي مكة فقط، بل كانت أيضاً من بعض يهود المدينة وبعض من نصارى نجران، وإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد حدد في هذه السورة موقف الإيمان من المشركين به، فقد أراد أيضاً أن يحدد موقف الإيمان من أهل الكتاب. ونحن نعرف أن هناك فرقاً بين أهل الشرك وأهل الكتاب، فالمشركون لم يكونوا يؤمنون بالله إلهاً واحداً بل معه شركاء، ولكن أهل الكتاب يؤمنون بالإله ويؤمنون برسول وكتاب سماوي، وهم بذلك أقرب إلى الإيمان. ولذلك نجد القرآن الكريم يعرض لنا مثل هذه القضية كطبيعة فطرية، فنجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حزن هو وصحابته حين غُلِبتْ الروم في أدنى الأرض. لماذا حزن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أن الروم سيقفون أيضاً ضده؟ لقد حزن صلى الله عليه وسلم لأنهم يؤمنون أن للكون خالقاً واحداً وأن له رسلاً يوحي إليهم وأن له كتباً منزلة، لكن الأمر يختلف بالنسبة للمشركين، فهم يكفرون بالله وهذا قمة الكفر. صحيح أن بعضاً من أهل الكتاب وقفوا مع المشركين في موقف العداء لرسول الله، لكن قلبه صلى الله عليه وسلم معهم لأنهم أهل إيمان بالقمة. ويُسَرِّي الحق عن رسوله صلى الله عليه وسلم فيقول: {أية : الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}تفسير : [الروم: 1 - 3]. وهنا يبرز سؤال يقول: متى سيغلبون؟ تأتي الإجابة من الحق تبارك وتعالى: {أية : فِي بِضْعِ سِنِينَ}تفسير : [الروم: 4]. والبضع بالنسبة للزمن هو فترة تتراوح من ثلاث لتسع سنوات، ولم يحدد الحق سبحانه وتعالى البضع هنا؛ لأن المعارك لها أوليات ونهايات، لهذا جاء قول الحق تبارك وتعالى مراعياً لما تستغرقه هذه المراحل كلها، وجاء القول بأن نصر الروم على الفرس سوف يأتي بعد بضع سنين. وبالله قولوا لي: كيف يتحكم نبي أمي في جزيرة تسكنها أمة أمية، ولا علم لهذا الرسول بأخبار الأمم وكيف لهذا النبي أن يأتي بأخبار نصر أمة على أخرى؟ ويظل هذا الخبر في الكتاب الذي يحمل منهج رسالته قرآناً يُتْلَى ويتعبد به إلى قيام الساعة؟ لقد قالها بثقة في حدوث ما جاء في القرآن في المستقبل القريب؛ لأنها جاءته عن ربه، وهو واثق أن قائل هذا الخبر قادر على إنفاذ ما يقول. وإلا، فماذا كان يحدث لو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ذلك ثم مر بضع سنين ولم يأت نصر الروم؟ وماذا يكون موقف الذين آمنوا به كرسول من عند الله؟ إذن: هو صلى الله عليه وسلم لم يكن ليجازف وينطقها إلا بثقة في أن القائل هو الحق سبحانه الذي شاء أن ينزل بالخبر في آية قرآنية تُتلى، وتُكتب، وتُحفظ، ويُصَلَّى بها في كل وقت إلى أن تقوم الساعة. وينزلها سبحانه على محمد صلى الله عليه وسلم وقت أن كان ضعيفاً لا يعرف ميزان القوي، ولا يعلم هل ستستعد الروم لتنتصر أو لا؟ ثم ألم يكن من الممكن أن يتصالح الروم والفرس؟ كل ذلك لم يكن في حسبان محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الخبر جاء من الله وسبحانه القادر على إنفاذ ما يقول. ألم يكن هناك إخبار عن أمور خالفت النواميس؟ نعم كانت هناك أمور خارجة عن النواميس وجاء بها الخبر من الله سبحانه وتعالى.. ألم يقل زكريا عليه السلام حين بُشِّر بالولد: {أية : قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً * قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً}تفسير : [مريم: 8-9]. أي: ما دام الله سبحانه وتعالى قد قال فقد تأكد الحدوث. وكان المؤمنون أقرب إلى الروم لأنهم أهل كتاب؛ ولأن لهم صلة بالسماء، ومن له صلة بالسماء يمتلئ بالحنين إلى أخبار السماء، ويتسمع أخبار المؤمنين في القمة العقدية. ومن العجيب أن هذه الآية تصدق في الروم وفارس، فينتصر الروم على الفرس، وتصدق في محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فينتصر رسول الله وأصحابه في بدر. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ..} تفسير : [الروم: 4-5]. وفي الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق تبارك وتعالى: {قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]. ونلحظ أن الحق سبحانه وتعالى قد وصفهم هنا بأنهم لا يؤمنون بالله مع أنهم أهل إيمان. والمعنى أنهم لا يؤمنون بالله الإيمان الذي يعطي الله جلال الصفات وكمالها؛ لأن بعضهم قال: إن الله له ابن اسمه عزير، وقال البعض الآخر: المسيح ابن الله، إذن فهم لم يؤمنوا بالله حق الإيمان تسبيحاً وتنزيهاً لذاته الكريمة عَمَّا لا يليق بها، وكذلك يختلف إيمانهم باليوم الآخر عن الإيمان الحق به، إنه إيمان لا يتفق مع مرادات الله تعالى؛ فهم يقولون مثلاً: إن النعيم في الآخرة ليس مادياً ولكنه نعيم روحي. ونقول: عندما يحدثنا الله عن نعيم الآخرة فلا بد أن نعرف هذا النعيم حتى نفهم المعنى، ونتساءل: ما هو النعيم الروحي؟ هل النعيم الروحي هو خواطر في النفس فقط لا علاقة لها بالحقيقة؟ أيكون هذا هو نعيم الآخرة؟ لقد أوضح المولى سبحانه وتعالى بما لا يدع مجالاً للظن أو الشك أنه قد أعد جنة للمؤمنين وأعد ناراً للكافرين، وحكى لنا الحق سبحانه وتعالى عن هذه الحياة بما فيها من ثواب ومن عقاب؛ بما يقنعنا أن فيها نعيمًا مثل الذي نعرفه، فإذا كان هذا النعيم روحياً ونحن لا نعرف النعيم الروحي ولا نعلم شيئاً عنه، فكيف يغرينا الله عز وجل بشيء لا نعلمة؟ إذن: فإيمان هؤلاء الناس باليوم الآخر ليس إيماناً كما يريده الله. فسبحانه حين يحدثنا عن الجنة إنما يحدثنا عن أشياء من جنس ما نعرف وليس من جنس ما لا نعرف. وصحيح أن الله سبحانه وتعالى قد بيَّن لنا بعض صور النعيم في الجنة، وقال: إنها مثل كذا وكذا. قال الحق جل جلاله: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَىٰ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّعُقْبَى ٱلْكَافِرِينَ ٱلنَّارُ}تفسير : [الرعد: 35]. إذن: فالله عز وجل يعطي مثلاً فقط. ومعلوم أن اللفظ في اللغة لا بد أن يوضع لمعنى معروف. ولذلك فعندما يحدثنا الله عن نعيم الجنة لا بد أن يحدثنا بكلام نعرف معانيه. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال عن الجنة: "حديث : فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". تفسير : إذن: فلا توجد في اللغة ألفاظ تعبر عن نعيم الجنة؛ لأن المعنى غير معروف لنا، ولكن الله أراد أن يحببنا فيها فأعطانا صورة نفهمها عن النعيم، فيقول عز وجل: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ} وهو يريدنا أن نعرف أن فيها نعيماً خالياً من كل المنغصات التي تكون في المثل. فمثلاً الخمر في الدنيا فيها خصلتان؛ الأولى أنها تغتال العقول والثانية: أنها لا تشرب بقصد اللذة، والذي يشرب الخمر لا يشربها مثلما يشرب كوب عصير المانجو أو عصير الليمون الذي يستطعمه ويشربه على مهل، ولكنه يسكب الكأس في فمه دفعة واحدة؛ لأن طعمها غير مستساغ وليقلل زمن مرور الخمر على الحس الذائق، ومعنى هذا أن طعمها غير مستطاب، ثم إنها تذهب بوعي الشارب لها فيفقد السيطرة على سلوكه، ويعتذر في الصباح عما فعل أثناء احتسائه للخمر ويقول خجلاً: "لم أدر موقع رأسي من موقع قدمي" هذه خمر الدنيا، ولكن الخمر في الجنة لا غَوْل فيها.. أي: لا تغتال العقول، حلوة المذاق، ولذلك يصفها الله سبحانه وتعالى بقوله: {أية : لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ}تفسير : [محمد: 15]. أي: أنها مختلفة تماماً عن تلك الخمر التي حرمها الله في الدنيا. وتتجلى الحكمة في معنى الاستطعام في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاث من كُنَّ فيه وجد بهنَّ طعم الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبداً لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُلْقَى في النار ". تفسير : ومن رحمة الله تعالى بخلقه أنه لم يجعل الطعام وقوداً للطاقة فقط، بل يغري الناس على وقود الطاقة لاستبقاء الحياة بأن يستلذ الإنسان الطعام، ويطيل أمد اللذة ساعة تناوله، لا أن ينتظر النفع بعد أن يهضم الطعام. فكأن الإيمان لا يستمر إلا لمن يحب في الله ويكره في الله؛ فذلك يعطيه الطاقة التي تستبقي إيمانه، كما تستبقي طاقة الطعام حياة الإنسان. وشاء الله سبحانه وتعالى أن يعطينا في تصوير الجنة المثل لما في الجنة، لا بتشخيص وتحديد لما في الجنة فعلاً، ويقول سبحانه وتعالى: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [السجدة: 17]. وإذا كانت النفس لا تعلم شيئاً، فهي لا تملك ألفاظاً تضع فيها ما لا تعلمه، فإذا خاطبها الله تعالى بواقع الجنة فهي لن تفهم، لذلك شاء الحق تبارك وتعالى أن يخاطبها بواقع المثل، فيقول عز وجل: {أية : وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} تفسير : [البقرة: 25]. إذن: فهو رزق يشبه الرزق الموجود في الدنيا ولكن ليس هو، أما أن يقال: إن نعيم الجنة هو النعيم الروحي أو نعيم الخواطر أو ما نسميه آمال النفس، كأن يتخيل إنسان جائع أنه أكل كمية كبيرة من اللحم أو السمك؛ فتسعد روحه بذلك من غير واقع يحدث، فكل هذا غير حقيقي، ولكنهم يقولون هذا الكلام؛ لأنهم إذا ما تصوروا نعيم الجنة كالخواطر، فسوف يكون عذاب النار مقابلاً أيضاً لنعيم الجنة، أي سيكون عذاب الخواطر، وفي هذا تصور لعذاب سهل؛ لأنهم يخافون عذاب النار فيريدونه عذاباً روحياً. ولكن الإحساس بالنعيم والعذاب لا بد أن يكون له واقع يشبهه في الدنيا، وإلا ما وُجِد في أنفسنا ما يجعلنا نرغب في نعيم الجنة ونخاف من عذاب النار. لذلك فإن نعيم الجنة حق، وعذاب النار حق. وشاء الله سبحانه أن يصفي النعيم من كل الشوائب، فقال عز وجل عن أنهار الجنة: {أية : وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى}تفسير : [محمد: 15]. أي: ليس فيه كل الشوائب الموجودة في عسل الدنيا. وكذلك قال عن لبن الجنة: {أية : وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ}تفسير : [محمد: 15]. وكلمة {لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} لها عند العرب أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى؛ لأن العربي كان يحلب الجمال ويضع ألبانها في الأواني، وكان اللبن يتغير طعمه ويصير حامضاً، لكنه كان مضطراً أن يشربه؛ لذلك فحين يسمع {وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} فهو يعطيه المثل من حياته، بعد أن ينقيه من كل الشوائِبِ التي تفسد طعم اللبن في الحياة الدنيا. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} أي الإيمان الواجب بعظمة الله وتنزيهه. واليهود يؤمنون إيماناً إجمالياً بالله، ولكنهم يُجسِّمونه ويقولون: إنه جلس على صخرة ومد قدميه في قصعة من الزمرد ثم استنكف الله أن يمده لبني إسرائيل، وهذا تصوير لا يليق بكمال الله ولا بذاته المقدسة، وهذا خطأ في التصوير. وكذلك كان خطؤهم في تصور نعيم الجنة وعذاب النار، وبذلك لم يؤمنوا إيماناً حقاً باليوم الآخر، ولهذا جاء قول الحق: {وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} وهم لم يقفوا فقط ضد الإسلام كمنهج، بل وقفوا أيضاً من أديانهم مثل هذا الموقف، ويقول المولى سبحانه وتعالى: {وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} وهم كأهل كتاب حرفوا وبدلوا في دينهم فأحلوا ما حرم الله. ولذلك يقول سبحانه: {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ} والحق - كما نعلم - هو الشيء الثابت الذي لا يتغير. وإذا نظرنا إلى كل رسول في عصره؛ نجده قد جاء بالحق، وإذا جاء رسول من بعده فهو لا ينسخ العقائد، ولكنه ينسخ في الأحكام، وهكذا نعلم أن كل رسول جاء بالعقائد الثابتة وبالأحكام التي تناسب الزمان إلى أن بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، فكان النبي الخاتم إلى أن تقوم الساعة، ولا بد أن يكون الحق الذي جاء به هو الحق الثابت الذي لا يتغير؛ لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين فلا رسول بعده، إذن فقوله: {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ} أي: أنهم لا يؤمنون حتى بما جاء في كتبهم من بشارة به صلى الله عليه وسلم، وهذا حكم خاص بهم؛ لأن المشكلة معهم أنهم لم يصدقوا بلاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله وأنه مرسل إليهم، وسَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في معاملتهم ما شرعه الله تعالى، وذلك أن يعاملوا معاملة مختلفة عن المشركين، فمعاملة المشركين كانت براءة من العهد، وإبعاداً عن المسجد الحرام وقتالاً إن وجدناهم، أو أن يسلموا. أما معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل الكتاب فكانت: إما أن يسلموا، وإما أن يعطوا الجزية مع استبقاء الحياة، ولذلك قال الحق تبارك وتعالى: {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} أي: حتى يؤدوا ما فُرِض عليهم دفعة من أموال مقابل حصولهم على الأمان والحماية، وفي هذا صون لدمائهم، ولذلك نجد أن المسلمين قد فتحوا بلاداً غير إسلامية وصاروا قادرين على رقابهم ولم يقتلوهم، بل أبقوا عليهم، وإبقاء الحياة نعمة من نعم الإسلام عليهم، وهناك نعمة ثانية وهي أنه لم يفرض عليهم ديناً، وإنما حمى اختيارهم الدين الذي يرونه، وفي ذلك رد على من يقول: إن الإسلام انتشر بالسيف، ونقول: إن البلاد التي فتحت بالمسلمين أقرت أهل الأديان على أديانهم، وحمت فقط حرية الاختيار، بل وقف المسلمون بالسيف أمام القوم الذين يقفون أمام اختيار الناس، وتركوا الناس أحراراً. لكننا نجد المغالطات تملأ كتابات الغرب حول مسألة السيف. ونرد دائماً أن الإسلام لو انتشر بالسيف لما وجدنا في البلاد التي فتحها أناساً باقين على دياناتهم، بل كان الإسلام يأخذ الجزية ممن بَقَوْا على دياناتهم من أهل الكتاب. وأخْذُ الجزية دليل على أنهم ظلوا على دينهم وظلوا أحياء، وهاتان نعمتان من نعم الإسلام، وكان يجب أن يؤدوا جزاء على ذلك، وكان الجزاء هو الجزية. وهي مادة "جزى" و"يجزي". فكأن الجزية فعلة من "جزى" "يجزي"؛ لأن الإسلام قدم لهم عملاً طيباً بأن أبقى على حياتهم وأبقاهم على دينهم من غير إكراه، فوجب أن يُعطوا جزاء على هذه النعمة التي أنعم الله تعالى بها عليهم بالإسلام. وأيضاً، فإنهم سيعيشون في مجتمع إيماني؛ الولاية فيه للإسلام، ويتكفل المسلمون بحمايتهم وضمان سلامتهم في أنفسهم وأهلهم وفي أموالهم وفي كل شيء، فإذا كان المسلم يدفع لبيت المال زكاة تقوم بمصالح الفقراء والمسلمين، فأهل الكتاب الموجودون في المجتمع الإسلامي ينتفعون - أيضاً - بالخدمات التي يؤديها الإسلام لهم، ويجب عليهم أن يؤدوا شيئاً من مالهم نظير تلك الخدمات، والإسلام مثلاً لا يكلف أهل الكتاب أن يدخلوا جنداً في حرب ضد أي عدو للمسلمين إلا إذا تطوعوا هم بذلك، إذن: فالجزية ليست فرض قهر، وإنما هي مقابل منفعة أداها الإسلام لهم؛ إبقاءً على حياتهم وإبقاء على دينهم الذي اختاروه، وقرر الحق أن يعطوا الجزية {عَن يَدٍ} واليد هي الجارحة التي تُؤدَّي بها الأعمال، وأغلب الأعمال إنما تُزَاوَلُ باليَد، ونجد القرآن الكريم يقول:{أية : وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ}تفسير : [يس: 35]. واللسان أيضاً آلة الكلام، والحق تبارك وتعالى يجازي على القول الطيب أو السيىء، ولكن الأصل في العمل هو "اليد"، وتطلق اليد ويراد بها القدرة التي تعمل، أو يراد بها النعمة، مثل قولنا: فلان له يد على فلان، وفلان له أياد بيضاء على الناس. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ}. فهل المقصود بـ{عَن يَدٍ} أي من يُعْطُونَ الجزية، أم أيدي الآخرين الآخذين للجزية؟ إن هذا القول: {عَن يَدٍ} مثلما يقال: فلان نفض يده من هذا الأمر، أي خرج عن الأمر ولم يعد يعاون عليه. إذن يكون معنى {عَن يَدٍ} أي غير رد للنعمة. وعن يد منهم أي من المعطين للجزية، أو {عَن يَدٍ} أي: يداً بيده فلا يجلس الواحد من أهل الكتاب في الأمة الإسلامية المحكومة بالإسلام في مكانه ويرسل رسولاً من عنده ليسلم الجزية، لا، بل عليه أن يدفعها ويحضرها بيده. أو نقول: {عَن يَدٍ} من معنى القدرة، فمن عنده قدرة، فتأخذ الجزية من القادر ولا نأخذها من العاجز. إذن: يشترط في اليد إن كانت منهم ثلاثة ملاحظ؛ الملحظ الأول: أن يكونوا موالين لا نافضين لأيديهم منا ومن حكمنا، والملحظ الثاني: أن يأتي بها بنفسه لا أن يرسل بها رسولاً من عنده، وإن جاء بها لا بد أن يأتي بها وهو ماش وأن يعطيها وهو واقف ومن يأخذ الجزية قاعد، وهذا هو معنى {وَهُمْ صَاغِرُونَ}. ولماذا يعطونها عن صَغار؟ لأن الحق عز وجل أراد للإسلام أن يكون جهة العلو، وقد صنع فيهم الإسلام أكثر من جميل، فلم يقتلهم ولم يرغمهم على الدخول إلى الإسلام؛ لذلك فعليهم أن يتعاملوا مع المسلمين بلا كبرياء ولا غطرسة، وأن يخضعوا لأحكام الإسلام، وأن يكونوا موالين للمسلمين، لا ناقضين الأيدي، وأن يؤدوا الجزية يداً بيد، وأما العاجز وغير القادر فيعفى من دفع الجزية. {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} والصَّغَار من مادة الصاد والغين والراء، وتدل على معنيين؛ إن أردتها عن السن يقال "صَغُر" "يَصْغُرُ" مثل قولنا: فلان كبر يكبر. وإن أردتها في الحجم والمقام نقول "صَغِر" "يصغَر"، أي: صغر مقاماً أو حجماً، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ}تفسير : [الكهف: 5]. وهنا في قوله: {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} تعني أن يؤدوها عن انكسار لا عن علو، حتى إنَّ من يُعطي لا يظن أنه يعطي عن علو، ونقول له: لا، إن اليد الآخذة هنا هي اليد العليا. ثم أراد الحق سبحانه وتعالى أن يعطينا حيثيات قتال الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، فقال بعد ذلك: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ} معناه لا يَطِيعُونَ. تفسير : وقوله تعالى: {حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} معناه عن قهرٍ. والصَغارُ: الذِّلُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذه الآية أمر بقتال الكفار من اليهود والنصارى من { الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ } إيمانا صحيحا يصدقونه بأفعالهم وأعمالهم. ولا يحرمون ما حرم الله، فلا يتبعون شرعه في تحريم المحرمات، { وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ } أي: لا يدينون بالدين الصحيح، وإن زعموا أنهم على دين، فإنه دين غير الحق، لأنه إما بين دين مبدل، وهو الذي لم يشرعه اللّه أصلا وإما دين منسوخ قد شرعه اللّه، ثم غيره بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، فيبقى التمسك به بعد النسخ غير جائز. فأمره بقتال هؤلاء وحث على ذلك، لأنهم يدعون إلى ما هم عليه، ويحصل الضرر الكثير منهم للناس، بسبب أنهم أهل كتاب. وغيَّى ذلك القتال { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ } أي: المال الذي يكون جزاء لترك المسلمين قتالهم، وإقامتهم آمنين على أنفسهم وأموالهم، بين أظهر المسلمين، يؤخذ منهم كل عام، كلٌّ على حسب حاله، من غني وفقير ومتوسط، كما فعل ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وغيره، من أمراء المؤمنين. وقوله: { عَنْ يَدٍ } أي: حتى يبذلوها في حال ذلهم، وعدم اقتدارهم، ويعطونها بأيديهم، فلا يرسلون بها خادما ولا غيره، بل لا تقبل إلا من أيديهم، { وَهُمْ صَاغِرُونَ }. فإذا كانوا بهذه الحال، وسألوا المسلمين أن يقروهم بالجزية، وهم تحت أحكام المسلمين وقهرهم، وحال الأمن من شرهم وفتنتهم، واستسلموا للشروط التي أجراها عليهم المسلمون مما ينفي عزهم وتكبرهم، ويوجب ذلهم وصغارهم، وجب على الإمام أو نائبه أن يعقدها لهم. وإلا بأن لم يفوا، ولم يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، لم يجز إقرارهم بالجزية، بل يقاتلون حتى يسلموا. واستدل بهذه الآية الجمهور الذين يقولون: لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، لأن اللّه لم يذكر أخذ الجزية إلا منهم. وأما غيرهم فلم يذكر إلا قتالهم حتى يسلموا، وألحق بأهل الكتاب في أخذ الجزية وإقرارهم في ديار المسلمين، المجوس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، أخذ الجزية من مجوس هجر، ثم أخذها أمير المؤمنين عمر من الفرس المجوس. وقيل: إن الجزية تؤخذ من سائر الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، لأن هذه الآية نزلت بعد الفراغ من قتال العرب المشركين، والشروع في قتال أهل الكتاب ونحوهم، فيكون هذا القيد إخبارا بالواقع، لا مفهوما له. ويدل على هذا أن المجوس أخذت منهم الجزية وليسوا أهل كتاب، ولأنه قد تواتر عن المسلمين من الصحابة ومن بعدهم أنهم يدعون من يقاتلونهم إلى إحدى ثلاث: إما الإسلام، أو أداء الجزية، أو السيف، من غير فرق بين كِتَابِيٍّ وغيره.