Verse. 1265 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

وَقَالَتِ الْيَہُوْدُ عُزَيْرُۨ ابْنُ اللہِ وَقَالَتِ النَّصٰرَى الْمَسِيْحُ ابْنُ اؘ۝۰ۭ ذٰلِكَ قَوْلُہُمْ بِاَفْوَاہِہِمْ۝۰ۚ يُضَاہِـــُٔـوْنَ قَوْلَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا مِنْ قَبْلُ۝۰ۭ قٰتَلَہُمُ اؙ۝۰ۚۡاَنّٰى يُؤْفَكُوْنَ۝۳۰
Waqalati alyahoodu AAuzayrun ibnu Allahi waqalati alnnasara almaseehu ibnu Allahi thalika qawluhum biafwahihim yudahioona qawla allatheena kafaroo min qablu qatalahumu Allahu anna yufakoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقالت اليهود عُزَيْرٌ ابن الله وقالت النصارى المسيح» عيسى «ابن الله ذلك قولهم بأفواههم» لا مستند لهم عليه بل «يضاهئون» يشابهون به «قول الذين كفروا من قبل» من آبائهم تقليدا لهم «قاتلهم» لعنهم «الله أنَّى» كيف «يُؤفكون» يُصرفون عن الحق مع قيام الدليل.

30

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حكم في الآية المتقدمة على اليهود والنصارى بأنهم لا يؤمنون بالله، شرح ذلك في هذه الآية وذلك بأن نقل عنهم أنهم أثبتوا لله ابنا، ومن جوز ذلك في حق الإله فهو في الحقيقة قد أنكر الإله، وأيضاً بين تعالى أنهم بمنزلة المشركين في الشرك، وإن كانت طرق القول بالشرك مختلفة، إذ لا فرق بين من يعبد الصنم وبين من يعبد المسيح وغيره لأنه لا معنى للشرك إلا أن يتخذ الإنسان مع الله معبوداً، فإذا حصل هذا المعنى فقد حصل الشرك، بل إنا لو تأملنا لعلمنا أن كفر عابد الوثن أخف من كفر النصارى، لأن عابد الوثن لا يقول إن هذا الوثن خالق العالم وإله العالم، بل يجريه مجرى الشيء الذي يتوسل به إلى طاعة الله. أما النصارى فإنهم يثبتون الحلول والاتحاد وذلك كفر قبيح جداً، فثبت أنه لا فرق بين هؤلاء الحلولية وبين سائر المشركين، وأنهم إنما خصهم بقبول الجزية منهم، لأنهم في الظاهر ألصقوا أنفسهم بموسى وعيسى، وادعى أنهم يعملون بالتوراة والإنجيل، فلأجل تعظيم هذين الرسولين المعظمين وتعظيم كتابيهما وتعظيم أسلاف هؤلاء اليهود والنصارى بسبب أنهم كانوا على الدين الحق، حكم الله تعالى بقبول الجزية منهم، وإلا ففي الحقيقة لا فرق بينهم وبين المشركين. المسألة الثانية: في قوله: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عَزِيزٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ } أقوال: الأول: قال عبيد بن عمير: إنما قال هذا القول رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء. الثاني: قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير وعكرمة: أتى جماعة من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم: سلام بن مشكم، والنعمان بن أوفى، ومالك بن الصيف، وقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا، ولا تزعم أن عزيراً ابن الله، فنزلت هذه الآية. وعلى هذين القولين فالقائلون بهذا المذهب بعض اليهود إلا أن الله نسب ذلك القول إلى اليهود بناء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد، يقال فلان يركب الخيول ولعله لم يركب إلا واحداً منها، وفلان يجالس السلاطين ولعله لا يجالس إلا واحداً. والقول الثالث: لعل هذا المذهب كان فاشياً فيهم ثم انقطع، فحكى الله ذلك عنهم، ولا عبرة بإنكار اليهود ذلك، فإن حكاية الله عنهم أصدق. والسبب الذي لأجله قالوا هذا القول ما رواه ابن عباس أن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق، فأنساهم الله تعالى التوراة ونسخها من صدورهم فتضرع عزير إلى الله وابتهل إليه فعاد حفظ التوراة إلى قلبه، فأنذر قومه به، فلما جربوه وجدوه صادقاً فيه، فقالوا ما تيسر هذا لعزير إلا أنه ابن الله، وقال الكلبي: قتل بختنصر علماءهم فلم يبق فيهم أحد يعرف التوراة. وقال السدي: العمالقة قتلوهم فلم يبق فيهم أحد يعرف التوراة، فهذا ما قيل في هذا الباب. وأما حكاية الله عن النصارى أنهم يقولون: المسيح ابن الله، فهي ظاهرة لكن فيها إشكال قوي، وهي أنا نقطع أن المسيح صلوات الله عليه وأصحابه كانوا مبرئين من دعوة الناس إلا الأبوة والبنوة، فإن هذا أفحش أنواع الكفر، فكيف يليق بأكابر الأنبياء عليهم السلام؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف يعقل إطباق جملة محبي عيسى من النصارى على هذا الكفر، ومن الذي وضع هذا المذهب الفاسد، وكيف قدر على نسبته إلى المسيح عليه السلام؟ فقال المفسرون في الجواب عن هذا السؤال: أن أتباع عيسى عليه الصلاة والسلام كانوا على الحق بعد رفع عيسى حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له بولس قتل جمعاً من أصحاب عيسى، ثم قال لليهود إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار، وإني أحتال فأضلهم، فعوقب فرسه وأظهر الندامة مما كان يصنع ووضع على رأسه التراب وقال: نوديت من السماء ليس لك توبة إلا أن تتنصر، وقد تبت فأدخله النصارى الكنيسة ومكث سنة لا يخرج وتعلم الإنجيل فصدقوه وأحبوه، ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم رجلاً اسمه نسطور، وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة، وتوجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت، وقال: ما كان عيسى إنساناً ولا جسماً ولكنه الله، وعلم رجلاً آخر يقال له يعقوب ذلك، ثم دعا رجلاً يقال له ملكاً فقال له: إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى، ثم دعا لهؤلاء الثلاثة وقال لكل واحد منهم أنت خليفتي فادع الناس إلى إنجيلك، ولقد رأيت عيسى في المنام ورضي عني، وإني غداً أذبح نفس لمرضاة عيسى، ثم دخل المذبح فذبح نفسه، ثم دعا كل واحد من هؤلاء الثلاثة الناس إلى قوله ومذهبه، فهذا هو السبب في وقوع هذا الكفر في طوائف النصارى، هذا ما حكاه الواحدي رحمه الله تعالى، والأقرب عندي أن يقال لعله ورد لفظ الابن في الإنجيل على سبيل التشريف، كما ورد لفظ الخليل في حق إبراهيم على سبيل التشريف، ثم إن القوم لأجل عداوة اليهود ولأجل أن يقابلوا غلوهم الفاسد في أحد الطرفين بغلو فاسد في الطرف الثاني، فبالغوا وفسروا لفظ الابن بالبنوة الحقيقية والجهال، قبلوا ذلك، وفشا هذا المذهب الفاسد في أتباع عيسى عليه السلام، والله أعلم بحقيقة الحال. المسألة الثالثة: قرأ عاصم والكسائي وعبد الوارث عن أبي عمرو {عُزَيْرٌ } بالتنوين والباقون بغير التنوين. قال الزجاج: الوجه إثبات التنوين. فقوله: {عُزَيْرٌ } مبتدأ وقوله: {ٱبْنُ ٱللَّهِ } خبره، وإذا كان كذلك فلا بد من التنوين في حال السعة لأن عزيراً ينصرف سواء كان أعجمياً أو عربياً، وسبب كونه منصرفاً أمران: أحدهما: أنه اسم خفيف فينصرف، وإن كان أعجمياً كهود ولوط والثاني: أنه على صيغة التصغير وأن الأسماء الأعجمية لا تصغر، وأما الذين تركوا التنوين فلهم فيه ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنه أعجمي ومعرفة، فوجب أن لا ينصرف. الوجه الثاني: أن قوله: {ٱبْنُ } صفة والخبر محذوف والتقدير: عزير ابن الله معبودنا، وطعن عبد القاهر الجرجاني في هذا الوجه في كتاب «دلائل الإعجاز»، وقال الاسم إذا وصف بصفة ثم أخبر عنه فمن كذبه انصرف التكذيب إلى الخبر، وصار ذلك الوصف مسلماً فلما كان المقصود بالإنكار هو قولهم عزير ابن الله معبودنا، لتوجه الإنكار إلى كونه معبوداً لهم، وحصل كونه ابناً لله، ومعلوم أن ذلك كفر، وهذا الطعن عندي ضعيف. أما قوله إن من أخبر عن ذات موصوفة بصفة بأمر من الأمور وأنكره منكر، توجه الإنكار إلى الخبر فهذا مسلم. وأما قوله: ويكون ذلك تسليماً لذلك الوصف فهذا ممنوع، لأنه لا يلزم من كونه مكذباً لذلك الخبر بالتكذيب أن يدل على أن ما سواه لا يكذبه بل يصدقه، وهذا بناء على دليل الخطاب وهو ضعيف لا سيما في مثل هذا المقام. الوجه الثالث: قال الفراء: نون التنوين ساكنة من عزير، والباء في قوله: {ٱبْنُ ٱللَّهِ } ساكنة فحصل ههنا التقاء الساكنين، فحذف نون التنوين للتخفيف، وأنشد الفراء: شعر : فألفيته غير مستعتب ولا ذاكر الله إلا قليلاً تفسير : واعلم أنه لما حكى عنهم بهذه الحكاية قال: {ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوٰهِهِمْ }. ولقائل أن يقول: إن كل قول إنما يقال بالفم فما معنى تخصيصهم لهذا القول بهذه الصفة. والجواب من وجوه: الأول: أن يراد به قول لا يعضده برهان فما هو إلا لفظ يفوهون به فارغ من معنى معتبر لحقه، والحاصل أنهم قالوا باللسان قولاً، ولكن لم يحصل عند العقل من ذلك القول أثر، لأن إثبات الولد للإله مع أنه منزه عن الحاجة والشهوة والمضاجعة والمباضعة قول باطل، ليس عند العقل منه أثر ونظيره قوله تعالى: { أية : يَقُولُونَ بِأَفْوٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } تفسير : [آل عمران: 167] والثاني: أن الإنسان قد يختار مذهباً إما على سبيل الكناية وإما على سبيل الرمز والتعريض، فإذا صرح به وذكره بلسانه، فذلك هو الغاية في اختياره لذلك المذهب، والنهاية في كونه ذاهباً إليه قائلاً به. والمراد ههنا أنهم يصرحون بهذا المذهب ولا يخفونه ألبتة. والثالث: أن المراد أنهم دعوا الخلق إلى هذه المقالة حتى وقعت هذه المقالة في الأفواة والألسنة، والمراد منه مبالغتهم في دعوة الخلق إلى المذهب. ثم قال تعالى: {يُضَـٰهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير هذه الآية وجوه: الأول: أن المراد أن هذا القول من اليهود والنصارى يضاهي قول المشركين الملائكة بنات الله. الثاني: أن الضمير للنصارى أي قولهم المسيح ابن الله يضاهي قول اليهود عزير ابن الله لأنهم أقدم منهم. الثالث: أن هذا القول من النصارى يضاهي قول قدمائهم، يعني أنه كفر قديم، فهو غير مستحدث. المسألة الثانية: المضاهاة: المشابهة. قال الفراء يقال ضاهيته ضهياً ومضاهاة، هذا قول أكثر أهل اللغة في المضاهاة. وقال شمر: المضاهاة: المتابعة، يقال: فلان يضاهي فلاناً أي يتابعه. المسألة الثالثة: قرأ عاصم {يضاهؤن} بالهمزة وبكسر الهاء، والباقون بغير همزة وضم الهاء، يقال ضاهيته وضاهأته لغتان مثل أرجيت وأرجأت. وقال أحمد بن يحيى لم يتابع عاصماً أحد على الهمزة. ثم قال تعالى: {قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } أي هم أحقاء بأن يقال لهم هذا القول تعجباً من بشاعة قولهم كما يقال القوم ركبوا سبعاً، قاتلهم الله ما أعجب فعلهم! {أنى يؤفكون} الإفك الصرف يقال أفك الرجل عن الخير، أي قلب وصرف، ورجل مأفوك أي مصروف عن الخير. فقوله تعالى: {أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } معناه كيف يصدون ويصرفون عن الحق بعد وضوح الدليل، حتى يجعلوا لله ولداً! وهذا التعجب إنما هو راجع إلى الخلق، والله تعالى لا يتعجب من شيء، ولكن هذا الخطاب على عادة العرب في مخاطباتهم، والله تعالى عجب نبيه من تركهم الحق وإصرارهم على الباطل.

القرطبي

تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى ـ قرأ عاصم والكسائي «عزيرٌ ٱبنُ الله» بتنوين عزير. والمعنى أن «ٱبنا» على هذا خبر ابتداء عن عزير، و «عزير» ينصرف عجمياً كان أو عربياً. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر «عُزَيْرُ ٱبْنُ» بترك التنوين لاجتماع الساكنين؛ ومنه قراءة من قرأ «قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدُ ٱللَّهُ الصَّمَدُ». قال أبو عليّ: وهو كثير في الشعر. وأنشد الطبريّ في ذلك:شعر : لَتَجِدَنِّي بالأمير بَرَّاً وبالقناة مِدْعَسا مِكَرّا إذَا غُطَيْفُ السُّلَمِيُّ فرّا تفسير : الثانية ـ قوله تعالىٰ: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ} هذا لفظ خرج على العموم ومعناه الخصوص؛ لأن ليس كل اليهود قالوا ذلك. وهذا مثلُ قوله تعالىٰ: {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ} تفسير : [آل عمران: 173] ولم يقل ذلك كل الناس. وقيل: إن قائل ما حكي عن اليهود سلاّم بن مِشْكم ونعمان ابن أبي أوْفِى وشاس بن قيس ومالك بن الصّيف؛ قالوه للنبيّ صلى الله عليه وسلم. قال النقاش: لم يبق يهودي يقولها، بل انقرضوا؛ فإذا قالها واحد فيتوجّه أن تلزم الجماعة شُنْعَةُ المقالة؛ لأجل نباهة القائل فيهم. وأقوال النُّبَهَاء أبداً مشهورة في الناس يُحتجّ بها. فمن ههنا صح أن تقول الجماعة قول نَبِيهها. والله أعلم. وقد رُوي أن سبب ذلك القول أن اليهود قتلوا الأنبياء بعد موسى عليه السَّلام، فرفع الله عنهم التوراة ومحاها من قلوبهم، فخرج عُزير يسيح في الأرض؛ فأتاه جبريل فقال: «أين تذهب»؟ قال: أطلب العلم؛ فعلمه التوراة كلها فجاء عزير بالتوراة إلى بني إسرائيل فعلمهم. وقيل: بل حفّظها الله عزيراً كرامة منه له؛ فقال لبني إسرائيل: إن الله قد حفّظني التوراة، فجعلوا يدرسونها من عنده. وكانت التوراة مدفونة، كان دفنها علماؤهم حين أصابهم من الفتن والجلاء والمرض ما أصاب، وقتْل بُخْتَنَصَّر إياهم. ثم إن التوراة المدفونة وُجدت فإذا هي متساوية لما كان عُزير يدرس؛ فضلّوا عند ذلك وقالوا؛ إن هذا لم يتهيأ لعزير إلاَّ وهو ٱبن الله؛ حكاه الطبرِيّ. وظاهر قول النصارى أن المسيح ٱبن الله؛ إنما أرادوا بنوّة النَّسل؛ كما قالت العرب في الملائكة. وكذلك يقتضي قول الضحاك والطّبريّ وغيرهما. وهذا أشنع الكفر. قال أبو المعالي: أطبقت النصارى على أن المسيح إله وأنه ابن إله. قال ابن عطية: ويُقال إن بعضهم يعتقدها بنوّة حنوّ ورحمة. وهذا المعنى أيضاً لا يحل أن تطلق البنوّة عليه، وهو كفر. الثالثة ـ قال ابن العربيّ: في هذا دليل من قول ربّنا تبارك وتعالىٰ على أن من أخبر عن كفر غيره الذي لا يجوز لأحد أن يبتدىء به لا حرج عليه؛ لأنه إنما ينطق به على معنى الاستعظام له والردّ عليه، ولو شاء ربّنا ما تكلّم به أحد، فإذا مكّن من إطلاق الألسن به فقد أذن بالإخبار عنه؛ على معنى إنكاره بالقلب واللسان، والرد عليه بالحجة والبرهان. الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ} قيل: معناه التأكيد؛ كما قال تعالىٰ: {أية : يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} تفسير : [البقرة: 79] وقوله: {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}تفسير : [الأنعام: 38] وقوله: {أية : فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ}تفسير : [الحاقة: 23] ومثله كثير. وقيل: المعنى أنه لما كان قول ساذج ليس فيه بيان ولا برهان، وإنما هو قول بالفم مجرّد نفس دعوى لا معنى تحته صحيح، لأنهم معترفون بأن الله سبحانه لم يتخذ صاحبة فكيف يزعمون أن له ولداً؛ فهو كذب وقولٌ لسانِيُّ فقط، بخلاف الأقوال الصحيحة التي تَعْضُدها الأدلة ويقوم عليها البرهان. قال أهل المعاني: إن الله سبحانه لم يذكر قولاً مقروناً بذكر الأفواه والألسن إلاَّ وكان قولاً زوراً؛ كقوله: {أية : يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}تفسير : [آل عمران: 167] و {أية : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} تفسير : [الكهف: 5] و {أية : يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}تفسير : [الفتح: 11]. الخامسة ـ قوله تعالىٰ: {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ} «يضاهئون» يشابهون؛ ومنه قول العرب: ٱمرأةٌ ضَهْيَأ للّتي لا تحيض أو التي لا ثَدْيَ لها؛ كأنها أشبهت الرجال. وللعلماء في «قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا» ثلاثة أقوال: الأوّل ـ قولُ عَبَدة الأوثان: اللاَّت والعُزّى ومَناة الثالثة الأُخرى. الثاني ـ قول الكفرة: الملائكة بنات الله. الثالث ـ قول أسلافهم، فقلدوهم في الباطل وٱتبعوهم على الكفر؛ كما أخبر عنهم بقوله تعالىٰ: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ}تفسير : [الزخرف: 23]. السادسة ـ اختلف العلماء في «ضهيأ» هل يمدُّ أو لا؛ فقال ابن وَلاّد: أمرأة ضَهْيَأ؛ وهي التي لا تحيض؛ مهموز غير ممدود. ومنهم من يمدّ وهو سيبويه فيجعلها على فعلاء بالمدّ، والهمزة فيها زائدة؛ لأنهم يقولون نساء ضُهْي، فيحذفون الهمزة. قال أبو الحسن قال لي النَّجِيرَمِيّ: ضهيأة بالمد والهاء. جمع بين علامتي تأنيث؛ حكاه عن أبي عمرو الشَّيباني في النوادر. وأنشد:شعر : ضهيـأة أو عاقـر جمـاد تفسير : ابن عطية: من قال: «يُضَاهِئُونَ» مأخوذ من قولهم: امرأة ضهياء فقوله خطأ؛ قاله أبو عليّ، لأن الهمزة في «ضاهأ» أصلية، وفي «ضهياء» زائدة كحمراء. السابعة ـ قوله تعالىٰ: {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} أي لعنهم الله، يعني اليهود والنصارى، لأن الملعون كالمقتول. قال ابن جريج: «قَاتَلَهُمُ اللَّهُ» هو بمعنى التعجب. وقال ابن عباس: كل شيء في القرآن قَتْل فهو لعن؛ ومنه قول أبَان بن تَغْلب:شعر : قاتلها اللَّه تَلْحانِي وقد علمَتْ أنّى لنفسي إفسادي وإصلاحي تفسير : وحكى النقاش أن أصل «قاتل الله» الدعاء، ثم كثر في استعمالهم حتى قالوه على التعجب في الخير والشر، وهم لا يريدون الدعاء. وأنشد الأصمعيّ:شعر : يا قاتل الله لَيْلَى كيف تعجبني وأخبر الناس أني لا أُباليها

ابن كثير

تفسير : وهذا إغراء من الله تعالى للمؤمنين على قتال الكفار من اليهود، والنصارى؛ لمقالتهم هذه المقالة الشنيعة والفرية على الله تعالى، فأما اليهود فقالوا في العزير: إنه ابن الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وذكر السدي وغيره أن الشبهة التي حصلت لهم في ذلك: أن العمالقة لما غلبت على بني إسرائيل، فقتلوا علماءهم، وسبوا كبارهم، بقي العزير يبكي على بني إسرائيل وذهاب العلم منهم حتى سقطت جفون عينيه، فبينما هو ذات يوم، إذ مر على جبانة، وإذا امرأة تبكي عند قبر، وهي تقول: وامطعماه واكاسياه فقال لها: ويحك من كان يطعمك قبل هذا؟ قالت: الله، قال: فإن الله حي لا يموت، قالت: يا عزير فمن كان يعلم العلماء قبل بني إسرائيل؟ قال: الله. قالت: فلم تبكي عليهم؟ فعرف أنه شيء قد وعظ به. ثم قيل له: اذهب إلى نهر كذا، فاغتسل منه، وصل هناك ركعتين، فإنك ستلقى هناك شيخاً، فما أطعمك فكله، فذهب ففعل ما أمر به، فإذا الشيخ، فقال له: افتح فمك، ففتح فمه فألقى فيه شيئاً كهيئة الجمرة العظيمة ثلاث مرات، فرجع عزير وهو من أعلم الناس بالتوراة، فقال: يا بني إسرائيل قد جئتكم بالتوراة، فقالوا: يا عزير ما كنت كذاباً، فعمد فربط على أصبع من أصابعه قلماً، وكتب التوراة بأصبعه كلها، فلما تراجع الناس من عدوهم، ورجع العلماء، أخبروا بشأن عزير، فاستخرجوا النسخ التي كانوا أودعوها في الجبال، وقابلوها بها، فوجدوا ما جاء به صحيحاً، فقال بعض جهلتهم: إنما صنع هذا لأنه ابن الله. وأما ضلال النصارى في المسيح فظاهر، ولهذا كذب الله سبحانه الطائفتين فقال: {ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَٰهِهِمْ} أي: لا مستند لهم فيما ادعوه سوى افترائهم واختلاقهم {يُضَـٰهِئُونَ} أي: يشابهون {قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ} أي: من قبلهم من الأمم ضلوا كما ضل هؤلاء {قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ} قال ابن عباس: لعنهم الله {أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} أي: كيف يضلون عن الحق وهو ظاهر، ويعدلون إلى الباطل؟ وقوله: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ} روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم رضي الله عنه: أنه لما بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم منّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أخته، وأعطاها، فرجعت إلى أخيها، فرغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم عدي إلى المدينة، وكان رئيساً في قومه طيء، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنق عدي صليب من فضة، وهو يقرأ هذه الآية: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم، فقال: «حديث : بلى إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم» تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا عدي ما تقول؟ أيضرك أن يقال: الله أكبر؟ فهل تعلم شيئاً أكبر من الله؟ ما يضرك؟ أيضرك أن يقال: لا إله إلا الله؟ فهل تعلم إلهاً غير الله؟» تفسير : ثم دعاه إلى الإسلام، فأسلم وشهد شهادة الحق. قال: فلقد رأيت وجهه استبشر، ثم قال: «حديث : إن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون» تفسير : وهكذا قال حذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وغيرهما في تفسير، {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا، وقال السدي: استنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، ولهذا قال تعالى: {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَٰحِداً} أي: الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام، وما حلله فهو الحلال، وما شرعه اتبع، وما حكم به نفذ {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَـٰنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تعالى وتقدس وتنزه عن الشركاء والنظراء، والأعوان والأضداد والأولاد، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلْمَسِيحُ } عيسى {ٱبْنُ ٱللَّهِ ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوٰهِهِمْ } لا مستند لهم عليه بل {يُضَٰهِئُونَ } يشابهون به {قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ } من آبائهم تقليداً لهم {قَٰتَلَهُمُ } لعنهم {ٱللَّهِ أَنَّى } كيف {يُؤْفَكُونَ } يُصْرَفون عن الحق مع قيام الدليل؟.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ عَبْدُ ٱللَّهِ } كلام مبتدأ لبيان شرك أهل الكتابين، و{عزير} مبتدأ و{ابن الله} خبره، وقد قرأ عاصم والكسائي {عزير} بالتنوين، وقرأ الباقون بترك التنوين لاجتماع العجمة والعلمية فيه. ومن قرأ بالتنوين فقد جعله عربياً؛ وقيل: إن سقوط التنوين ليس لكونه ممتنعاً بل لاجتماع الساكنين، ومنه قراءة من قرأ {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ } تفسير : [الإخلاص: 1، 2]. قال أبو عليّ الفارسي: وهو كثير في الشعر، وأنشد ابن جرير الطبري:شعر : لتجديني بالأمير برّا وبالقناة لامرا مكرّاً إذا غطيت السلمى فرّاً تفسير : وظاهر قوله: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ } أن هذه المقالة لجميعهم. وقيل: هو لفظ خرج على العموم، ومعناه: الخصوص لأنه لم يقل ذلك إلا البعض منهم. وقال النقاش: لم يبق يهودي يقولها؟ بل قد انقرضوا. وقيل: إنه قال ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم جماعة منهم، فنزلت الآية متضمنة لحكاية ذلك عن اليهود؛ لأن قول بعضهم لازم لجميعهم. قوله: {وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ } قالوا هذا لما رأوا من إحيائه الموتى مع كونه من غير أب، فكان ذلك سبباً لهذه المقالة، والأولى أن يقال: إنهم قالوا هذه المقالة لكون في الإنجيل وصفه تارة بابن الله وتارة بابن الإنسان، كما رأينا ذلك في مواضع متعددة من الإنجيل، ولم يفهموا أن ذلك لقصد التشريف والتكريم، أو لم يظهر لهم أن ذلك من تحريف سلفهم لغرض من الأغراض الفاسدة. قيل: وهذه المقالة إنما هي لبعض النصارى لا لكلهم. قوله: {ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوٰهِهِمْ } الإشارة إلى ما صدر عنهم من هذه المقالة الباطلة. ووجه قوله بأفواههم مع العلم بأن القول لا يكون إلا الفم. بأن هذا القول لما كان ساذجاً ليس فيه بيان، ولا عضده برهان، كان مجرّد دعوى، لا معنى تحتها فارغة صادرة عنهم صدور المهملات التي ليس فيها إلا كونها خارجة من الأفواه، غير مفيدة لفائدة يعتدّ بها. وقيل: إن ذكر الأفواه لقصد التأكيد، كما في: كتبت بيدي ومشيت برجلي، ومنه قوله تعالى: {أية : يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ } تفسير : [البقرة: 79]. وقوله: {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } تفسير : [الأنعام: 38]. وقال بعض أهل العلم: إن الله سبحانه لم يذكر قولاً مقروناً بذكر الأفواه والألسن، إلا وكان قولاً زوراً كقوله: {أية : يَقُولُونَ بِأَفْوٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } تفسير : [آل عمران: 167]، وقوله: {أية : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ }تفسير : [الكهف: 5]، وقوله: {أية : يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ }تفسير : [الفتح: 11]. قوله: {يُضَـٰهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } المضاهاة: المشابهة، قيل: ومنه قول العرب امرأة ضهياء، وهي التي لا تحيض لأنها شابهت الرجال. قال أبو عليّ الفارسي: من قال: {يُضَـٰهِئُونَ } مأخوذ من قولهم امرأة ضهياء فقوله خطأ؛ لأن الهمزة في ضاهأ أصلية، وفي ضهياء زائدة كحمراء، وأصله يضاهئون وامرأة ضهياء. ومعنى مضاهاتهم لقول الذين كفروا فيه أقوال لأهل العلم: الأوّل: أنهم شابهوا بهذه المقالة عبدة الأوثان في قولهم: واللات والعزى ومناة بنات الله. القول الثاني: أنهم شابهوا قول من يقول من الكافرين: إن الملائكة بنات الله، الثالث: أنهم شابهوا أسلافهم القائلين بأن عزير ابن الله وأن المسيح ابن الله. قوله: {قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ } دعاء عليهم بالهلاك؛ لأن من قاتله الله هلك، وقيل: هو تعجب من شناعة قولهم. وقيل: معنى قاتلهم الله: لعنهم الله، ومنه قول أبان بن تغلب:شعر : قاتلها الله تلحاني وقد علمت أني لنفسي إفسادي وإصلاحي تفسير : وحكى النقاش أن أصل قاتل الله: الدعاء. ثم كثر في استعمالهم حتى قالوه على التعجب في الخير والشرّ وهم لا يريدون الدعاء. وأنشد الأصمعي:شعر : يا قاتل الله ليلى كيف تعجبني وأخبر الناس أني لا أباليها تفسير : {أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } أي: كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل. قوله: {ٱتَّخَذُواْ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ ٱللَّهِ } الأحبار: جمع حبر. وهو الذي يحسن القول، ومنه ثوب محبر. وقيل: جمع حبر بكسر الحاء. قال يونس: لم أسمعه إلا بكسر الحاء. وقال الفراء: الفتح والكسر لغتان، وقال ابن السكيت: الحبر بالكسر العالم، والحبر بالفتح العالم. والرهبان: جمع راهب مأخوذ من الرهبة، وهم علماء النصارى كما أن الأحبار علماء اليهود. ومعنى الآية: أنهم لما أطاعوهم فيما يأمرونهم به، وينهونهم عنه كانوا بمنزلة المتخذين لهم أرباباً، لأنهم أطاعوهم كما تطاع الأرباب، قوله: {وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ } معطوف على رهبانهم: أي اتخذه النصارى رباً معبوداً، وفيه إشارة إلى أن اليهود لم يتخذوا عزيراً رباً معبوداً. وفي هذه الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد عن التقليد في دين الله، وتأثير ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدى بقوله ويستنّ بسنته من علماء هذه الأمة مع مخالفته لما جاءت به النصوص، وقامت به حجج الله وبراهينه، ونطقت به كتبه وأنبياؤه، هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أرباباً من دون الله، للقطع بأنهم لم يعبدوهم بل أطاعوهم، وحرّموا ما حرّموا، وحللوا ما حللوا، وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة، وهو أشبه به من شبه البيضة بالبيضة، والتمرة بالتمرة، والماء بالماء، فيا عباد الله، ويا أتباع محمد بن عبد الله، ما بالكم تركتم الكتاب والسنة جانباً، وعمدتم إلى رجال هم مثلكم في تعبد الله لهم بهما وطلبه منهم للعمل بما دلا عليه وأفاده. فعلتم بما جاءوا به من الآراء التي لم تعمد بعماد الحق، ولم تعضد بعضد الدين، ونصوص الكتاب والسنة، تنادي بأبلغ نداء، وتصوّت بأعلى صوت بما يخالف ذلك ويباينه، فأعرتموهما آذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، وأفهاماً مريضة، وعقولاً مهيضة، وأذهاناً كليلة، وخواطر عليلة، وأنشدتم بلسان الحال:شعر : وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد تفسير : فدعوا - أرشدكم الله وإياي - كتباً كتبها لكم الأموات من أسلافكم، واستبدلوا بها كتاب الله، خالقهم وخالقكم، ومتعبدهم ومتعبدكم، ومعبودهم ومعبودكم، واستبدلوا بأقوال من تدعونهم بأئمتكم وما جاؤوكم به من الرأي بأقوال إمامكم وإمامهم، وقدوتكم وقدوتهم، وهو الإمام الأوّل: محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.شعر : دعوا كل قول عند قول محمد فما آبن في دينه كمخاطر تفسير : اللهم هادي الضالّ، مرشد التائه، موضح السبيل، اهدنا إلى الحق وأرشدنا إلى الصواب، وأوضح لنا منهج الهداية. قوله: {وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـٰهاً وٰحِداً } هذه الجملة في محل نصب على الحال: أي اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً، والحال: أنهم ما أمروا إلا بعبادة الله وحده، أو ما أمر الذين اتخذوهم أرباباً من الأحبار والرهبان إلا بذلك، فكيف يصلحون لما أهلوهم له من اتخاذهم أرباباً. قوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } صفة ثانية لقوله {إلٰهاً} {سُبْحَـٰنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي: تنزيهاً له عن الإشراك في طاعته وعبادته. قوله: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوٰهِهِمْ } هذا كلام يتضمن ذكر نوع آخر من أنواع ضلالهم وبعدهم عن الحق، وهو ما راموه من إبطال الحق بأقاويلهم الباطلة، التي هي مجرّد كلمات ساذجة، ومجادلات زائفة، وهذا تمثيل لحالهم في محاولة إبطال دين الحق، ونبوّة نبيّ الصدق، بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم قد أنارت به الدنيا، وانقشعت به الظلمة، ليطفئه ويذهب أضواءه {وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ } أي: دينه القويم. وقد قيل: كيف دخلت إلا الاستثنائية على يأبى، ولا يجوز كرهت أو بغضت إلا زيداً. قال الفراء: إنما دخلت لأن في الكلام طرفاً من الجحد. وقال الزجاج: إن العرب تحذف مع "أبى"، والتقدير: ويأبى الله كل شيء إلا أن يتم نوره. وقال علي بن سليمان: إنما جاز هذا في أبى، لأنها منع أو امتناع فضارعت النفي، قال النحاس: وهذا أحسن. كما قال الشاعر:شعر : وهل لي أمّ غيرها إن تركتها أبى الله إلا أن أكون لها ابنا تفسير : وقال صاحب الكشاف: إن أبر قد أجرى مجرى لم يرد: أي ولا يريد إلا أن يتمّ نوره. قوله: {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } معطوف على جملة قبله مقدرة: أي أبى الله إلا أن يتمّ نوره، ولو لم يكره الكافرون ذلك، ولو كرهوا، ثم أكد هذا بقوله: {هُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ } أي: بما يهدي به الناس من البراهين والمعجزات، والأحكام التي شرعها الله لعباده، {وَدِينِ ٱلْحَقّ } وهو: الإسلام، {لِيُظْهِرَهُ } أي: ليظهر رسوله، أو دين الحق بما اشتمل عليه من الحجج والبراهين، وقد وقع ذلك ولله الحمد {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ } الكلام فيه كالكلام في {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } كما قدّمنا ذلك. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال: أتى رسول الله سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وأبو أنس، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، فقالوا: كيف نتبعك وقت تركت قبلتنا وأنت لا تزعم عزير ابن الله؟ فأنزل الله {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ } الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عنه، قال: كنّ نساء بني إسرائيل يجتمعن بالليل فيصلين ويعتزلن ويذكرن ما فضل الله به بني إسرائيل وما أعطاهم، ثم سلط عليهم شرّ خلقه بختنصر، فحرق التوراة وخرّب بيت المقدس، وعزير يومئذ غلام، فقال عزير: أو كان هذا؟ فلحق بالجبال والوحش، فجعل يتعبد فيها، وجعل لا يخالط الناس، فإذا هو ذات يوم بامرأة عند قبر وهي تبكي، فقال: يا أمه اتقي الله واحتسبي واصبري، أما تعلمين أن سبيل الناس إلى الموت؟ فقالت: يا عزير أتنهاني أن أبكي، وأنت قد خلفت بني إسرائيل، ولحقت بالجبال والوحش؟ ثم قالت: إني لست بامرأة ولكني الدنيا، وإنه سينبع في مصلاك عين وتنبت شجرة، فاشرب من ماء العين وكل من ثمر الشجرة، فإنه سيأتيك ملكان فاتركهما يصنعان ما أرادا، فلما كان من الغد نبعت العين ونبتت الشجرة، فشرب من ماء العين وأكل من ثمرة الشجرة، وجاء ملكان ومعهما قارورة فيها نور فأوجراه ما فيها فألهمه الله التوراة، فجاء فأملاه على الناس، فعند ذلك قالوا عزير ابن الله، تعالى الله عن ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، أيضاً فذكر قصة وفيها: أن عزير سأل الله بعد ما أنسى بني إسرائيل التوراة ونسخها من صدورهم، أن يردّ الذي نسخ من صدره، فبينما هو يصلي نزل نور من الله عزّ وجلّ فدخل جوفه، فعاد إليه الذي كان ذهب من جوفه من التوراة، فأذن في قومه فقال: يا قوم قد آتاني الله التوراة وردّها إليّ. وأخرج أبو الشيخ، عن كعب، قال: دعا عزير ربه أن يلقي التوراة كما أنزل على موسى في قلبه، فأنزلها الله عليه، فبعد ذلك قالوا: عزير ابن الله. وأخرج ابن مردويه، وابن عساكر، عن ابن عباس، قال: ثلاث أشك فيهن: فلا أدري عزير كان نبياً أم لا؟ ولا أدري ألعن تبع أم لا؟ قال: ونسيت الثالثة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه، في قوله: {يُضَـٰهِئُونَ } قال: يشبهون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، في قوله: {قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ } قال: لعنهم الله، وكل شيء في القرآن قتل فهو لعن. وأخرج ابن سعد، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن عدي بن حاتم، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ في سورة براءة {ٱتَّخَذُواْ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ ٱللَّهِ } فقال: "حديث : أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرّموا عليهم شيئاً حرّموه"تفسير : . وأخرجه أيضاً أحمد وابن جرير. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في سننه، عن أبي البحتري قال: سأل رجل حذيفة فقال: أرأيت قوله: {ٱتَّخَذُواْ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ ٱللَّهِ } أكانوا يعبدونهم؟ قال: لا، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرّموا عليهم شيئاً حرّموه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الضحاك، قال: أحبارهم: قراؤهم، ورهبانهم: علماؤهم. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، قال: الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ مثله. وأخرج أيضاً عن الفضيل بن عياض قال: الأحبار: العلماء، والرهبان: العباد. وأخرج أيضاً عن السديّ في قوله: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوٰهِهِمْ } قال: يريدون أن يطفئوا الإسلام بأقوالهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوٰهِهِمْ } يقول: يريدون أن يهلك محمد وأصحابه. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، في الآية قال: هم اليهود والنصارى. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ: {هُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ } يعني: بالتوحيد والإسلام والقرآن.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيرٌ ابْنُ اللَّهِ} الآية. أما قول اليهود ذلك فسببه أن بختنصر لما أخرب بيت المقدس أحرق التوراة حتى لم يبق بأيديهم شيء منها، ولم يكونوا يحفظونها بقلوبهم، فحزنوا لفقدها وسألوا الله تعالى ردها عليهم، فقذفها الله في قلب عزير، فحفظها وقرأها عليهم فعرفوها فلأجل ذلك قالوا إنه ابن الله. واختلف فيمن قال ذلك على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن ذلك كان قول جميعهم، وهو مروي عن ابن عباس. والثاني: أنه قول طائفة من سلفهم. والثالث: أنه قول جماعة ممن كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. واختلف فيهم على قولين: أحدهما: أنه فنحاص وحده، ذكر ذلك عبيد بن عمير وابن جريج. والثاني: أنهم جماعة وهم سلام ابن مشكم ونعمان بن أبي أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف، وهذا مروي عن ابن عباس. فإن قيل: فإذا كان ذلك قول بعضهم فلم أضيف إلى جميعهم؟ قيل: لأن من لم يقله عند نزول القرآن لم ينكره، فلذلك أضيف إليهم إضافة جمع وإن تلفظ به بعضهم. {وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} وهذا قول جميعهم، واختلف في سبب قولهم لذلك على قولين: أحدهما: أنه لما خلق من غير ذكر من البشر قالوا إنه ابن الله، تعالى الله عن ذلك. الثاني: أنهم قالوا ذلك لأجل من أحياه من الموتى وأبرأه من المرضى. {ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْواهِهِمْ} معنى ذلك: وإن كانت الأقوال كلها من الأفواه: أنه لا يقترن به دليل ولا يعضده برهان، فصار قولاً لا يتجاوز الفم فلذلك خص به. {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ من قبلُ} أي يشابهون، مأخوذ من قولهم امرأة ضهياء إذا لم تحض تشبيهاً بالرجال ومنه ما جاء في الحديث: "حديث : أَجرَأُ النَّاسِ عَلى اللَّهِ تَعَالَى الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ خَلْقَهُ" تفسير : أي يشبهون به. وفيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أن قولهم ذلك يضاهي قول عبدة الأوثان في اللات والعزى ومناة وأن الملائكة بنات الله، قاله ابن عباس وقتادة. والثاني: أن قول النصارى المسيح ابن الله يضاهي قول اليهود عزير ابن الله، قاله الطبري. والثالث: أنهم في تقليد أسلافهم يضاهون قول من تقدمهم، قاله الزجاج. {قَاتََلَهُمُ اللَّهُ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه لعنهم الله، قاله ابن عباس ومنه قول عبيد بن الأبرص: شعر : قاتلها الله تلحاني وقد علمت أني لنفسي إفسادي وإصلاحي تفسير : والثاني: معناه قتلهم الله، قاله بعض أهل العربية. والثالث: أن الله تعالى فيما أعده لعذابهم وبينه من عداوتهم التي هي في مقابلة عصيانهم وكفرهم كأنه مقاتل لهم. {أَنَّى يُؤْفَكُونَ} معناه كيف يُصرفون عن الحق إلى الإفك وهو الكذب. قوله عز وجل {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ} أما الأحبار منهم العلماء، واحدهم حَبْر سمي بذلك لأنه يحبر المعاني أي يحسنها بالبيان عنها. وأما الرهبان فجمع راهب، مأخوذ من رهبة الله تعالى وخشيته، غير أنه صار بكثرة الاستعمال يتناول نُسّاك النصارى. وقوله {أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ} يعني آلهة لقبولهم منهم تحريم ما يحرمونه عليهم وتحليل ما يحلونه لهم، فلذلك صاروا لهم كالأرباب وإن لم يقولوا إنهم أرباب، وقد روي مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ابن عطية

تفسير : الذي كثر في كتب أهل العلم أن فرقة من اليهود تقول هذه المقالة ـ وروي أنه لم يقلها إلا فنحاص، وقال ابن عباس: قالها أربعة من أحبارهم، سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف وقال النقاش: لم يبق يهودي يقولها بل انقرضوا. قال القاضي أبو محمد : فإذا قالها واحد فيتوجه أن يلزم الجماعة شنعة المقالة لأجل نباهة القائل فيهم، وأقوال النبهاء أبداً مشهورة في الناس يحتج بها، فمن هنا صح أن تقول الجماعة قول نبيها، وقرأ عاصم والكسائي "عزير ابن الله" بتنوين عزير، والمعنى أن ابناً على هذا خبر ابتداء عن عزير، وهذا هو أصح المذاهب لأن هذا هو المعنى المنعيّ عليهم، و{عزير} ونحوه ينصرف عجمياً كان أو عربياً، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر " عزير ابن الله " دون تنوين عزير، فقال بعضهم " ابن " خبر عن " عزير" وإنما حذف التنوين من عزير لاجتماع الساكنين ونحوه قراءة من قرأ {أية : أحد الله الصمد} تفسير : [الإخلاص:1-2] قال أبو علي وهو كثير في الشعر، وأنشد الطبري في ذلك [ الرجز] شعر : لَتَجِدَنِّي بالأمير برّا وبالقناةِ مدْعساً مكرا إذا عطيف السلمي برا تفسير : قال القاضي أبو محمد: فالألف على هذه القراءة والتأويل ثابتة في " ابن " وقال بعضهم " ابن" صفة لـ"عزير" كما تقول زيد بن عمرو وجعلت الصفة والموصوف بمنزلة اسم واحد وحذف التنوين إذا جاء الساكنان كأنهما التقيا من كلمة واحدة "، والمعنى عزير ابن الله معبودنا وإلهنا أو المعنى معبودنا أو إلهنا عزير ابن الله. قال القاضي أبو محمد : وقياس هذه القراءة والتأويل أن يحذف الألف من"ابن" لكنها تثبت في خط المصحف، فيترجح من هذا كله أن قراءة التنوين في "عزير" أقواها، وحكى الطبري وغيره أن بني إسرائيل أصابتهم فتن وبلاء وقيل مرض وأذهب الله عنهم التوراة في ذلك ونسوها، وكان علماؤهم قد دفنوها أول ما أحسوا بذلك البلاء، فلما طالت المدة فقدت التوراة جملة فحفظها الله عزيراً كرامة منه له، فقال لبني إسرائيل إن الله قد حفظني التوراة فجعلوا يدرسونها من عنده، ثم إن التوراة المدفونة وجدت فإذا هي مساوية لما كان عزير يدرس، فضلوا عند ذلك وقالوا إن هذا لن يتهيأ لعزير إلا وهو ابن الله، وظاهر قول النصارى {المسيح ابن الله } أنها بنوة النسل كما قالت العرب في الملائكة وكذلك يقتضي قول الضحاك والطبري وغيرهما، وهذا أشنع في الكفر، قال أبو المعالي: أطبقت النصارى على أن المسيح إله وأنه ابن الإله. قال القاضي أبو محمد : ويقال إن بعضهم يعتقدها بنوة حنو ورحمة، وهذا المعنى أيضاً لا يحل أن تطلق البنوة عليه، وهو كفر لمكان الإشكال الذي يدخل من جهة التناسل وكذلك كفرت اليهود في قولهم {عزير ابن الله } وقولهم نحن ابناء الله، وإنما توجد في كلام العرب استعارة البنوة عبارة عن نسب وملازمات تكون بين الأشياء إذا لم يشكل الأمر وكان أمر النسل لاستحالة من ذلك قول عبد الملك بن مروان: وقد زبنتنا الحرب وزبناها فنحن بنوها وهي أمنا يريد للملازمة ومن ذلك قول حريث بن مخفض: [الطويل] شعر : بنو المجد لم تقعد بهم أمهاتهم وآباؤهمْ أبناء صدق فأنجبوا تفسير : ومن ذلك ابن نعش وابن ماء وابن السبيل ونحو ذلك ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : والأرض تحملنا وكانت أمنا تفسير : ومنه أحد التأويلات في قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يدخل الجنة ابن زنى" تفسير : أي ملازمة والتأويل الآخر أن لا يدخلها مشكل الأمر والتأويلان في قول النصارى {المسيح ابن الله } كما تقدم من الصفة والخبر إلا أن شغب التنوين ارتفع هاهنا، و {عزير} نبي من أنبياء بني إسرائيل، وقوله {بأفواههم} يتضمن معنيين: أحدهما إلزامهم المقالة والتأكيد في ذلك كما قال {أية : يكتبون الكتاب بأيديهم} تفسير : [البقرة:79]، وكقوله {أية : ولا طائر يطير بجناحيه} تفسير : [الأنعام:38]، والمعنى الثاني في قوله {بأفواهم} أي هو ساذج لا حجة عليه ولا برهان غاية بيانه أن يقال بالأفواه قولاً مجرداً نفس دعوى، و { يضاهون} قراءة الجماعة ومعناه يحاكون ويبارون ويماثلون، وقرأ عاصم وحده من السبعة وطلحة بن مصرف "يضاهئون" بالهمز على أنه من ضاهأ وهي لغة ثقيف بمعنى ضاهى. قال القاضي أبو محمد: ومن قال إن هذا مأخوذ من قولهم امرأة ضهياء وهي التي لا تحيض وقيل التي لا ثدي لها سميت بذلك لشبهها بالرجال فقوله خطأ قاله أبو علي: لأن الهمزة في ضاهأ أصلية وفي ضهياء زائدة كحمراء، وإن كان الضمير في {يضاهون } لليهود والنصارى جميعاً فالإشارة بقوله {الذين كفروا من قبل} هي إما لمشركي العرب إذ قالوا الملائكة بنات الله وهم أول كافر وهو قول الضحاك: وإما لاسم سالفة قبلهما، وإما للصدر الأول من كفرة اليهود والنصارى، ويكون {يضاهون } لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كان الضمير في {يضاهون} للنصارى فقط كانت الإشارة بـ {الذين كفروا من قبل } إلى اليهود، وعلى هذا فسر الطبري وحكاه الزهراوي عن قتادة، وقوله {قاتلهم الله} دعاء عليهم عام لأنواع الشر، ومعلوم أن من قاتله الله فهو المغلوب المقتول، وحكى الطبري عن ابن عباس أن المعنى لعنهم الله،و {أنى يؤفكون } مقصده أنى توجهوا أو أنى ذهبوا وبدل مكان هذا الفعل المقصود فعل سوء يحق لهم، وذلك فصيح في الكلام كما تقول لعن الله الكافر أنى هلك كأنك تحتم عليه بهلاك وكأنه حتم عليهم في هذه الآية بأنهم يؤفكون، ومعناه يحرمون ويصرفون عن الخير، والأرض المأفوكة التي لم يصبها مطر، قال أبو عبيدة {يؤفكون} معناه يحدون. قال القاضي أبو محمد : يريد من قولك رجل محدود أي محروم لا يصيب خيراً، وكأنه من الإفك الذي هو الكذب، فكأن المأفوك هو الذي تكذبه أراجيه فلا يلقى خيراً، ويحتمل أن يكون قوله تعالى: {أنى يؤفكون} ابتداء تقرير، أي بأي سبب ومن أي جهة يصرفون عن الحق بعدما تبين لهم، و"قاتل "في هذه الآية بمعنى قتل وهي مفاعلة من واحد وهذا كله بين.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} لمّا حرق بختنصر التوراة ولم يبق بأيديهم شيء منها ولم يكونوا يحفظونها ساءهم ذلك وسألوا الله ردها فقذفها في قلب عُزير فقرأها عليهم فعرفوا، فلذلك قالوا: إنه ابن الله. وكان ذلك قول جميعهم "ع"، أو قول طائفة من سلفهم، أو من معاصري الرسول صلى الله عليه وسلم، فنحاص وحده، أو جماعة سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف"ع"، وأضيف إلى جميعهم لمَّا لم ينكروه. {وَقَالَتِ النَّصَارَى} بأجمعهم {الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} لأنه ولد من غير أب، أو لأنه أحيا الموتى، وأبرأ من الأسقام. {بِأَفْوَاهِهِمْ} لما لم يكن عليه دليل قيده بأفواهم لا يتجاوزها {يُضَاهِئُونَ} يشابهون، والتي لم تحض "ضهياء" لشبهها بالرجل. يضاهون بقولهم عبدة الأوثان وفي اللات والعزى ومناة وأن الملائكة بنات الله، أو ضاهت النصارى بقولهم المسيح ابن الله قول اليهود عُزير ابن الله، أو ضاهوا في تقليد أسلافهم من تقدمهم. {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ} لعنهم "ع"، أو قتلهم، أو هو كالمقاتل لهم بما أعده من عذابهم وأبانه من عداوتهم. {يُؤْفَكُونَ} يصرفون عن الحق إلى الإفك وهو الكذب.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله} الآية لما ذكر الله سبحانه وتعالى في الآية المتقدمة أن اليهود والنصارى لا يؤمنون بالله ولا يدينون دين الحق بينه في هذه الآية فأخبر عنهم أنهم أثبتوا لله ولداً ومن جوز ذلك على الله فقد أشرك به لأنه لا فرق بين من يعبد صنماً وبين من يعبد المسيح فقد بان بهذا أنهم لا يؤمنون بالله ولا يدينون دين الحق وقد تقدم سبب أخذ الجزية منهم وإبقائهم على هذا الشرك وهو حرمة الكتب القديمة التي بأيديهم ولعلهم يتفكرون فيها ويعرفون الحق فيرجعون إليه. روى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود سلام بن مشكم والنعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أن عزيراً ابن الله فأنزل الله هذه الآية: وقال عبيد بن عمير إنما قال هذه المقالة رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء وهو الذي قال إن الله فقير ونحن أغنياء فعلى هذين القولين القائل لهذه المقالة جماعة من اليهود أو واحد وإنما نسب ذلك إلى اليهود في وقالت اليهود جرياً على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد تقول العرب فلان يركب الخيل وإنما يركب فرساً واحداً منها. وتقول العرب: فلان مجالس الملوك ولعله لم يجالس إلا واحداً منهم وروى عطية العوفي عن ابن عباس أنه قال: إنما قالت اليهود ذلك من أجل أن عزير كان فيهم وكانت التوراة عندهم والتابوت فيهم فأضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق فرفع الله سبحانه وتعالى عنهم التابوت وأنساهم التوراة ونسخها من صدورهم فدعا الله عزير وابتهل إليه أن يرد إليه التوارة فبينما هو يصلي مبتهلاً إلى الله عز وجل نزل نور من السماء فدخل جوفه فعادت إليه فأذن في قومه وقال يا قوم قد أتاني الله التوراة وردها إليّ فعلقوا به يعلمهم ثم مكثوا ما شاء الله ثم إن التابوت نزل بعد ذهابه منهم فلما رأوا التابوت عرضوا ما كان يعلمهم عزير على ما في التابوت فوجدوه مثله فقالوا ما أوتي عزير هذا إلا أنه ابن الله. وقال الكلبي: إن بختنصر لما غزا بيت المقدس وظهر على بني إسرائيل وقتل من قرأ التوراة كان عزير إذا ذاك صغيراً فلم يقتله لصغره فلما رجع بنو إسرائيل إلى بيت المقدس وليس فيهم من يقرأ التوراة بعث الله لهم عزيرا ليجدد لهم التوراة ويكون لهم آية بعدما أماته الله مائة سنة قال فأتى ملك بإناء فيه ماء فشرب منه فمثلت له التوراة في صدره فلما أتاهم قال أنا عزير فكذبوه وقالوا إن كنت كما تزعم فأمل علينا التوراة فكتبها لهم من صدره ثم إن رجلاً منهم قال إن أبي حدثني عن جدي أن التوراة جعلت في خابية ودفنت في كرم فانطلقوا معه حتى أخرجوها فعارضوها بما كتب لهم عزير فلم يجدوه غادر حرفاً فقالوا إن الله لم يقذف التوراة في قلب عزير إلا أنه ابنه فعند ذلك قالت اليهود: عزير ابن الله فعلى هذين القولين أن هذا القول كان فاشياً في اليهود جميعاً ثم إنه انقطع واندرس فأخبر الله تعالى به عنهم وأظهره عليهم ولا عبرة بإنكار اليهود ذلك فإن خبر الله عز وجل أصدق وأثبت من إنكارهم وأما قول النصارى المسيح ابن الله فكان السبب فيه أنهم كانوا على الدين الحق بعد رفع عيسى عليه السلام إحدى وثمانين سنة يصلون إلى القبلة ويصومون رمضان حتى وقع بينهم وبين اليهود حرب وكان في اليهود رجل شجاع يقال له بولص قتل جماعة من أصحاب عيسى عليه السلام ثم قال بولص لليهود إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا فنحن مغبونون إن دخلنا النار ودخلوا الجنة فإني سأحتال وأضلهم حتى يدخلوا النار معنا ثم إنه عمد إلى فرس كان يقاتل عليه فعرقبه وأظهر الندامة والتوبة ووضع التراب على رأسه ثم أتى إلى النصارى فقالوا له من أنت قال: أنا عدوكم بولص فقد نوديت من السماء أنه ليس لك توبة حتى تتنصر وقد تبت وأتيتكم فأدخلوه السكينة ونصروه وأدخلوه بيتاً منها لم يخرج منه سنة حتى تعلم الإنجيل ثم خرج وقال قد نوديت أن الله قبل توبتك فصدقوه وأحبوه وعلا شأنه فيهم ثم إنه عمد إلى ثلاثة رجال اسم الواحد منهم نسطور والآخر يعقوب والآخر ملكان فعلم نسطور أن عيسى ومريم والإله ثلاثة وعلم يعقوب أن عيسى ليس بإنسان ولكنه ابن الله وعلم ملكان أن عيسى هو الله لم يزل ولا يزال فلما استمكن ذلك فيهم دعا كل واحد منهم في الخلوة وقال له: أنت خالصتي وادع الناس لما علمتك وأمره أن يذهب إلى ناحية من البلاد ثم قال لهم: إني رأيت عيسى في المنام وقد رضي عني وقال لكل واحد منهم: إني سأذبح نفسي تقرباً إلى عيسى ثم ذهب إلى المذبح فذبح نفسه وتفرق أولئك الثلاثة فذهب واحد إلى الروم وواحد إلى بيت المقدس والآخر إلى ناحية أخرى وأظهر كل واحد منهم مقالته ودعا الناس إليها فتبعه على ذلك طوائف من الناس فتفرقوا واختلفوا ووقع القتال فكان ذلك سبب قولهم المسيح ابن الله. وقال الإمام فخر الدين الرازي، بعد أن حكى هذه الحكاية: والأقرب عندي أن يقال لعله ذكر لفظ الابن في الإنجيل على سبيل التشريف كما ورد لفظ الخليل في حق إبراهيم على سبيل التشريف فبالغوا وفسروا لفظ الابن بالبنوة الحقيقية والجهال قبلوا ذلك منهم وفشا هذا المذهب الفاسد في أتباع عيسى عليه السلام والله أعلم بحقيقة الحال {ذلك قولهم بأفواههم} يعني أنهم يقولون ذلك القول بألسنتهم من غير علم يرجعون إليه قال أهل المعاني: لم يذكر الله قولاً مقروناً بالأفواه والألسن إلا كان ذلك القول زوراً وكذباً لا حقيقة له {يضاهئون} قال ابن عباس: يشابهون والمضاهاة المشابهة. وقال مجاهد: يواطؤون وقال الحسن: يوافقون {قول الذين كفروا من قبل} قال قتادة والسدي: معناه ضاهت النصارى قول اليهود من قبلهم فقالوا: المسيح ابن الله كما قالت اليهود عزير ابن الله. وقال مجاهد: معناه يضاهئون قول المشركين من قبل لأن المشركين كانوا يقولون: الملائكة بنات الله وقال الحسن: شبه الله كفر اليهود والنصارى بكفر الذين مضوا من الأمم الخالية الكافرة. وقال القتيبي: يريد أن من كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى يقولون ما قال أولوهم {قاتلهم الله} قال ابن عباس: لعنهم الله وقال ابن جريج: قتلهم الله وقيل ليس هو على تحقيق المقاتلة ولكنه بمعنى التعجب أي حق أن يقال لهم هذا القول تعجباً من بشاعة قولهم كما يقال لمن فعل فعلاً يتعجب منه قاتله الله ما أعجب فعله {أنى يؤفكون} يعني أنى يصرفون عن الحق بعد وضوح الدليل وإقامة الحجة بأن الله واحد أحد فجعلوا له ولداً تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً وهذا التعجب راجع إلى الخلق لأن الله سبحانه وتعالى لا يتعجب من شيء ولكن هذا الخطاب على عادة العرب في مخاطبتهم فالله سبحانه وتعالى عجب نبيه صلى الله عليه وسلم من تركهم الحق وإصرارهم على الباطل.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ }: الذي كثر في كُتُب أهْل العلم؛ أنَّ فرقةً من اليهود قالَتْ هذه المقالة وروي أنه قالها نَفَرٌ يسير منهم فِنحْاص وغيره، قال النَّقَّاش: ولم يبق الآن يهودي يقولها، بل انقرضوا. قال * ع *: فإِذا قالها ولو واحدٌ من رُؤسَائهم، توجَّهت شنعة المقالة علَى جماعتهم، وحكَى الطبريُّ وغيره؛ أن بني إِسرائيل أصابتهم فتن وجلاء، وقيل: مَرَض، وأذهب اللَّه عنهم التَّوْراة في ذلك، ونَسُوها، وكان علماؤهم قد دَفَنُوها أول ما أحسُّوا بذلك البلاء، فلما طالَتْ المدة، فُقِدَت التوراة جملةً، فحفَّظها اللَّهُ عُزَيْراً؛ كرامةً منه له، فقال لبني إِسرائيل: إِن اللَّهَ قد حفَّظني التوراةَ، فجعلوا يَدْرُسُونها من عنْده، ثم إِن التوراة المدْفُونَة وِجِدَتْ، فإِذا هي مساويةٌ لما كان عَزَيْرٌ يدرِّس، فضَلُّوا عند ذلك، وقالوا: إِن هذا لم يتهيَّأْ لعُزَيْرٍ إِلاَ وهو ابن اللَّه، نعوذُ باللَّه من الضَّلال. وقوله: {بِأَفْوَٰهِهِمْ}، أي: بمجرَّد الدعوَى من غير حُجَّة ولا برهان، و{يُضَـٰهِئُونَ }، قراءةُ الجماعة، ومعناه: يحاكُون ويماثلون، والإشارة بقوله: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ }: إِما لمشركي العرب؛ إِذ قالوا: الملائكة بناتُ اللَّهِ؛ قاله الضَّحَّاك، وإِما لأممٍ سالفةٍ قبلها، وإِما للصَّدْر الأول من كَفَرة اليهودِ والنَصَارَى، ويكون {يُضَـٰهِئُونَ } لمعاصرِي النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإِن كان الضمير في {يُضَـٰهِئُونَ } للنصارَى فقطْ، كانت الإِشارة بـــ {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ } إلى اليهود؛ وعلى هذا فسَّر الطبريُّ، وحكاه غيره عن قتادة. وقوله: {قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ }: دعاءٌ عليهم عامٌّ لأنواع الشَّر، وعن ابن عباس؛ أن المعنَى: لعنهم اللَّه. قال الداووديُّ: وعن ابن عباس قاتلهم اللَّه: لعنهم اللَّه، وكلُّ شيء في القُرآن: قَتَلَ، فهو لَعْن. انتهى. و{أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ }، أَي: يُصْرَفُون عن الخَيْر. وقوله سبحانه: {ٱتَّخَذُواْ أَحْبَـارَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ...} الآية: هذه الآية يفسِّرها ما حكاه الطَّبريُّ؛ أن عدي بن حاتم قال: « حديث : جئْتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وفي عُنُقي صَلِيبُ ذَهَب، فَقَالَ: يَا عَدِيُّ ٱطْرَحْ هَذَا الصَّلِيبَ مِنْ عُنُقِكَ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: {ٱتَّخَذُواْ أَحْبَـارَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ}، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وكَيْفَ ذَلِكَ، وَنَحْنُ لَمْ نَعْبُدْهُمْ؟ فَقَالَ: أَلَيْسَ تَسْتَحِلُّونَ مَا أَحَلُّوا وَتُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمُوا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَذَلِكَ ». تفسير : ومعنى: {سُبْحَـٰنَهُ} تنزيهاً له، و{نُورَ اللَّهِ}؛ في هذه الآية: هُدَاه الصادرُ عن القرآن والشَّرْع. وقوله: {بِأَفْوَٰهِهِمْ }؛ عبارةٌ عن قلَّةِ حيلتهم وضَعْفها. وقوله: {بِٱلْهُدَىٰ }: يعم القرآن وجميعَ الشَّرْع. وقوله: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ }، وقد فعل ذلك سبحانه، فالضمير في {لِيُظْهِرَهُ }: عائدٌ على الدِّين، وقيل: على الرسول، وهذا وإِنْ كان صحيحاً، فالتأويل الأول أبْرَعُ منه، وأَلْيَقُ بنظامِ الآية.

ابن عادل

تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} الآية. قرأ عاصم والكسائيُّ بتنوين "عُزَيْرٌ"، والباقون من غير تنوين، فأمَّا القراءةُ الأولى فيحتمل أن يكون اسماً عربياً مبتدأ، و "ابنُ" خبره، فتنوينه على الأصل، ويحتمل أن يكون أعجمياً، ولكنهُ خفيفُ اللَّفظِ، كـ "نُوحِ"، و "لُوطٍ"، فصُرفَ لخفَّة لفظه، وهذا قول أبي عبيد، يعني: أنَّهُ تصغيرُ "عَزَر"، فحكَمه حكم مُكَبَّره، وقال: هذا ليس منسوباً إلى أبيه، إنَّما هو كقولك: زيد ابن الأمير، وزيد ابن أخينا، و "عُزَيْرٌ" مبتدأ وما بعده خبره، ورُدَّ هذا بأنَّه ليس بتصغير، إنَّما هو أعْجَمي، جاء على هيئة التَّصغيرِ في لسان العرب، كـ "سُلَيْمَان"، جاء على مثال "عُثَيْمَان، وعُمْيَران". وأمَّا القراءةُ الثانية؛ فيحتمل حذفُ التنوين ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّه حذف التنوين لالتقاء الساكنين على حدِّ قراءة{قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدُ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ}. قال الفرَّاء: نون التنوين في "عُزَيْرٌ" ساكنة، والباء في قوله "ابْنُ اللهِ" ساكنة، فالتقى ساكنان، فحذف نون التنوين للتخفيف؛ وأنشد: [المتقارب] شعر : 2776- وألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذَاكِرِ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً تفسير : وهو اسمٌ منصرفٌ مرفوعٌ بالابتداء، و "ابن" خبره. الثاني: أنَّ تنوينه حذف، لوقوع الابن صفة له، فإنَّه مرفوعٌ بالابتداء، و "ابن" صفته، والخبرُ محذوفٌ، أي: عُزَيرٌ ابْنُ الله نَبيُّنا، أو إمامُنَا، أو رسولُنَا، وقد تقدَّم أنَّه متى وقع "الابن" صفة بين علمين، غير مفصولٍ بينه وبين موصوفه، حذفت ألفه خطّاً، وتنوينه لفظاً، ولا تثبت إلاَّ ضرورة، وتقدم الاشتشهادُ عليه آخر المائدة. ويجوز أن يكون "عُزَيْرٌ" خبر مبتدأ مضمر، أي: نَبيُّنا عُزير، و "ابن" صفةٌ له، أو بدل، أو عطف بيان. الثالث: أنه إنَّما حذف، لكونه ممنوعاً من الصَّرف، للتعريف والعجمة. ولم يرسم في المصحف إلاَّ بإثبات الألف، وهي تنصرُ من يجعله خبراً. وقال الزمخشري: "عزير ابن" مبتدأ وخبره، كقوله: {ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ} و "عُزَيْرٌ" اسم أعجمي،:ـ "عَزرَائيل، وعيزار" ولعجمته وتعريفه امتنع صرفه، ومن صرفه جعله عربياً. وقول من قال بسقوط التنوين؛ لالتقاء الساكنين، كقراءة {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدُ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ} [الإخلاص:1، 2] ولأنَّ "الابن" وقع وصفاً، والخبر محذوف، وهو "معبودنا" فتمحُّلٌ عن مندوحة". فصل لمَّا حكم تعالى في الآيةِ المتقدِّمة على اليهودِ والنَّصارى بأنهم لا يُؤمنونَ بالله، شرح ذلك في هذه الآية، بأن نقل عنهم أنهم أثبتُوا للهِ ابناً ومنْ جوَّز ذلك في حق الإله، فقد أنكر الإله في الحقيقة، وأيضاً بيَّن تعالى أنهم بمنزلة المشركين في الشرك وإن كانت طرق القول بالشرك مختلفة، إذ لا فرق بين من يعبد الصَّنَم وبين من يعبد المسيح وغيره، لأنه لا معنى للشرك إلاَّ أن يتَّخذ الإنسانُ مع الله معبوداً، وهذا معنى الشِّرك، بل لو تأمَّلنَا لعلمنا أن كفر عابد الوثن أخَفّ من كفر النصارى؛ لأنَّ عابد الوثن لا يقولُ: إنَّ هذا الوثن خالق للعالم، بل يجريه مجرى الشيء الذي يتوسَّلُ به إلى طاعة الله، والنَّصارى يثبتون الحلول والاتحاد وذلك كفر قبيح؛ فثبت أنَّه لا فرق بين هؤلاء الحلولية وبين سائر المشركين. فإن قيل: اليهودُ قسمان: منهم مشبهة، ومنهم موحدة، كما أنَّ المسلمين كذلك، فهَبْ أنَّ المشبهة منهم منكرون لوجود الإله، فما قولكم في موحدة اليهود؟. فالجوابُ: أولئك لا يكونوا داخلين تحت هذه الآية، وإنما وجبت الجزيةُ عليهم؛ لأنَّه لمَّا ثبت وجوب الجزية على بعضهم؛ وجب القول به في حل الكلِّ؛ لأنه لا قائل بالفرق. وأما النَّصارى فيقولون بالأب والابن وروح القُدسِ، والحلول والاتحاد، وذلك ينافي الإلهيَّة. وإنَّما خصَّ الله الطائفتين بقبول الجزية منهم؛ لأنَّهم في الظاهر ألصقوا أنفسهم بموسى وعيسى - عليهما الصَّلاة والسَّلام -، وادَّعُوا أنهم يعملون بالتوراة والإنجيل؛ فلأجل تعظيم هذين الرسولين المعظمين، وكتابيهما المعظمين، ولتعظيم أسلاف هؤلاء اليهود والنصارى، لأنهم كانوا على الدِّين الحق، حكم الله بقبول الجزية منهم، وإلاَّ ففي الحقيقة لا فرق بينهم وبين المشركين. فصل في قوله: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} أقوال: أحدها: قال عبيد بن عمير: إنَّما قال هذا رجلٌ واحد من اليهود اسمه: فنحاص بن عازوراء، وهو الذي قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ}تفسير : [آل عمران:181]. وثانيها: روى سعيدُ بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال: "أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود سلام بن مشكم، والنعمان بن أبي أوْفَى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا، ولا تزعم أنَّ عُزيراً ابن الله؟ فنزلت هذه الآية. وعلى هذين القولين، فالقائل بهذا بعض اليهود، وإنما نُسب ذلك إلى اليهود بناء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحدِ، يقال: فلانٌ ركبَ الخيولَ وجالسَ السَّلاطينَ، ولعله لم يركب ولم يجالس إلا واحداً. وثالثها: لعلَّ هذا المذهب كان فَاشياً فيهم ثمَّ انقطع، فحكى الله ذلك عنهم، ولا عبرة بإنكار اليهُودِ ذلك، فإنَّ حكاية الله عنهم أصدق، والسَّبب في ذلك ما روى عطية العوفي عن ابن عباس أن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق، فأنساهم الله التوراة، ونسخها من صدورهم، فتضرَّع عزير إلى الله وابتهل إليه، فعاد حفظ التوراة إلى قلبه، فأنذر قومه به فلمَّا جرَّبُوه وجدوه صادقاً فيه، ثم إنَّ التابوت نزل بعد دعائه منهم، فلمَّا رأوا التَّابُوتَ عرضوا ما كان فيه على الذي كان يعلمهم عزير؛ فوجدوه مثله، فقالوا: ما أوتي عزير هذا إلاَّ أنه ابن الله. وقال الكلبيُّ: "لمَّا قتل بُخْتنصَّر علماءهم، فلمْ يبق فيهم أحدٌ يعرف التوراة، وكان عزير ابن ذاكَ صغيراً؛ فاستصغره فلم يقتله، فلمَّا رجع بنو إسرائيل إلى بيتِ المقدس وليس فيهم من يقرأ التوراة بعث الله عزيراً، ليجدِّد لهم التوراة، ويكون لهم آية بعدما أماته مائة عام، يقال: أتاهُ ملكٌ بإناءٍ فيه ماء؛ فسقاه، فمثلت التوراة في صدره، فلمَّا أتاهُم وقال: أنا عُزَيرٌ فكذَّبُوه وقالوا: إنْ كنت كما تزعُمُ فأملِ علينا التوراة فكتبها لهم، ثمَّ إنَّ رجلاً قال: إنَّ أبي حدَّثَنِي عن جدِّي أنَّ التوراة جعلت في خابية ودفنت في كرم، فانطلقوا معه حتى أخرجوها فعرضوها على ما كتب عزير، فلم يغادر حرفاً، فقالوا: إنَّ الله لم يقذف التوراة في قلب رجلٍ إلاَّ أنه ابنه، فقالوا: عُزيرٌ ابنُ الله". فصل وأمَّا قولُ النَّصارى المسيح ابن اللهِ، فظاهرٌ، وفيه إشكال، وهو أنَّا نقطع أن المسيح عليه الصلاة والسلام كان مبرأً من دعوة النَّاس إلى الأبوة والبنوة؛ فإنَّ هذا أفحش أنواع الكُفْرِ، فكيف يليق بأكابر الأنبياء؟ وإذا كان كذلك، فكيف يعقلُ إطباق محبي عيسى من النصارى عليه، ومن الذي وضع هذا المذهب الفاسدَ؟ وأجاب المفسِّرُون عن هذا: بأنَّ أتباع عيسى - عليه الصلاة والسلام - كانُوا على الحقِّ بعدما رفع عيسى حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له: بولص قتل جماعةً من أصحاب عيسى، ثم قال لليهود: إن كان الحقُّ مع عيسى؛ فقد كفرنا، والنَّار مصيرنا، ونحن مغبونون إنْ دخلوا الجنَّة ودخلنا النارَ، وإني أحتال؛ فأضلهم حتى يدخلوا النَّار، وكان له فرس يقال له: العقاب، يقاتلُ عليه، فعرقب فرسه، وأظهر الندامة، ووضع التراب على رأسه، فقالت له النَّصارى: مَنْ أنتَ؟ قال: بولص عدوكم، تبتُ، فنوديت من السَّماء ليس لك توبة إلاَّ أنْ تَتَنَصَّر؛ وقد تبت، فأدخلوه الكنيسة، ومكث سنةً لا يخرج ليلاً ولا نهاراً، حتَّى تعلَّم الإنجيل وقال: نوديت أنَّ الله قبل توبتك؛ فصدقوه وأحبوه. ثم مضى إلى بيتِ المقدسِ، واستخلف عليهم رجلاً اسمه: نسطور، وعلمه أنَّ عيسى، ومريم والإله كانوا ثلاثة، وتوجه إلى الرُّوم وعلَّمهم اللاهوت والنَّاسوت، وقال: ما كان عيسى إنساناً، ولا جسماً ولكنه ابن الله، وعلَّم رجلاً يقال له: يعقوبُ ذلك، ثم دعا رجلاً يقال له ملكا فقال له: إنَّ الإله لم يزل، ولا يزال عيسى، ثم دعا هؤلاء الثلاثة وقال لكلِّ واحد منهم أنت خالصتي فادع النَّاس إلى إنجيلك، ولقد رأيتُ عيسى في المنام ورضي عنِّي، وإنِّي غداً أذبح نفسي لمرضاة عيسى، ثم دخل المذبح، فذبح نفسه، فلمَّا كان يوم ثالثه دعا كل واحد منهم النَّاس إلى مذهبه؛ فتبع كلُّ واحد منهم طائفة، فاختلفوا واقتتلوا، هذا ما حكاه الواحديُّ وغيره. قال ابنُ الخطيبِ: "والأقربُ عندي أن يقال: لعلَّه ورد لفظ الابن في الإنجيل على سبيل التِّشريفِ، ثم إنَّ القومَ لأجل عداوة اليهود؛ ولأجل أن يقاتلوا غلوهم الفاسد في أحد الطرفين بغلو فاسد في الطَّرف الثاني، فبالغوا وفسَّرُوا لفظ الابن بالبنوة الحقيقية، والجهال قبلوا ذلك، وفشا هذا المذهبُ الفاسدُ في أتباع عيسى، والله أعلم بحقيقة الحال". قوله: {ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ} واعلم أنَّ كلَّ قول إنَّما يقال بالفمِ، فما معنى تخصيصهم بهذه الصفة؟ والجواب من وجوه: أحدها: أنَّ معناه قول لا يعضده برهانٌ، وإنّما هو لفظ يفوهُون به فارغ من معنى معتبر لحقه؛ لأن إثبات الولد للإله مع أنه مُنزَّهٌ عن الحاجة والشهوة، والمضاجعة، والمباضعة قولٌ باطلٌ، ليس له تأثير في العقل، ونظيره قوله تعالى: {أية : يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}تفسير : [آل عمران:167] . وثانيها: أنَّ الإنسان قد يختار مذهباً إمَّا على سبيل الكناية، وإمَّا على سبيل الرَّمز، وأمَّا إذا صرَّح بلسانه فهو الغاية في اختيار ذلك المذهب، والمعنى على هذا: أنَّهم يُصرِّحون بهذا المذهبِ ولا يخفونه ألبتة. وثالثها: أنَّ المعنى: أنهم دعوا الخلق إلى هذه المقالة حتى وقعت هذه المقالة في الأفواه والألسنة والمرادُ: مبالغتهم في دعوة الخلقِ إلى هذا المذهب. قال أهل المعاني: لم يذكر اللهُ قولاً مقروناً بالأفواه والألسن إلاَّ كان ذلك زوراً. قال ابنُ العربي: "في هذه الآية دليلٌ من قول ربنا تبارك وتعالى على أنَّ من أخبر عن كفر غيره الذي لا يجوز لأحد أن يبتدىء به لا حرج عليه؛ لأنَّه إنَّما ينطق به على سبيل الاستعظام له والرَّد عليه، ولو شاء ربنا ما تكلم به أحد، فإذا أمكن من إطلاق الألسنة به فقد أذن بالإخبار عنه، على معنى إنكاره بالقلب واللسان، والردّ عليه بالحجَّة". قوله "يُضَاهِئُونَ" قرأ العامة "يُضَاهُون" بضمِّ الهاءِ، بعدها واو، وعاصم بهاءٍ مكسورة، بعدها همزةٌ مضمومة، بعدها واو، فقيل: هما بمعنى واحدٍ، وهو المشابهة، وفيه لغتانِ: "ضَاهَأتُ وضَاهَيْتُ" بالهمز والياءِ، والهمزُ لغة ثقيف. وقيل: الياء فرع عن الهمزةِ، كما قالوا: قرأت وقَرَيْت، وتوضَّأت وتوضَّيت، وأخْطَأت وأخْطَيْت. وقيل: بل "يُضَاهِئُونَ" بالهمزِ مأخوذ من "يُضَاهِيونَ"، فلمَّا ضُمَّت الياء قُلبتْ همزةً، وهذا خطأٌ؛ لأنَّ مثل هذه الياء لا تَثْبُتُ في هذا الموضع حتى تقلبَ همزةً، بل يؤدي تصريفه إلى حذف الياء، نحو: يُرامُونَ، من "الرمي"، ويُماشُونَ، من "المشي" وزعم بعضهم: أنَّهُ مأخوذٌ من قولهم: "امرأة ضَهْيَا" بالقصر، وهي التي لا ثَدْيَ لها، أو الَّتي لا تحيضُ، سُمِّيت بذلك، لمشابهتها الرجال، يقال امرأة ضَهْيَا، بالقصر وضَهْيَاء، بالمد، كـ: حمراء، وضَهْيَاءة، بالمدِّ وتاءِ التأنيث، ثلاث لغات، وشذَّ الجمعُ بين علامتي تأنيث في هذه اللَّفظة، حكى اللغة الثالثة الجرميُّ، عن أبي عمرو الشيباني. قيل: وقولُ من زعم أنَّ المضاهأة بالهمز مأخوذةٌ من: امرأة ضَهْيَاء، في لغاتها الثلاث، فقوله خطأ، لاختلاف المادتين، فإنَّ الهمزة في "امرأة ضَهْيَاء" زائدة في اللُّغاتِ الثلاث، وهي في "المضاهأة" أصلية. فإن قيل: لِمَ لَمْ يُدَّعَ أنَّ همزة "ضهياء" وباؤها زائدة؟. فالجوابُ: أنَّ "فَعْيَلاً" بفتح الياء لم يَثبُتْ. فإن قيل: فَلِمَ لم يُدَّعَ أنَّ وزنها "فَعْلل"، كـ: "جَعْفَرٍ"؟. فالجوابُ: أنه قد ثبت زيادة الهمزة في "ضَهْيَاء" بالمدِّ، فثبت في اللُّغة الأخرى، وهذه قاعدة تصريفية، والكلامُ على حذف مضاف تقديره: يُضَاهي قولهم قول الذين، فحذف المضاف وأقيم المضافُ إليه مقامه، فانقلب ضمير رفع بعد أن كان ضمير جرٍّ. والجمهور على الوقف على "بأفواههم"، ويبتدئون بـ "يُضَاهِئُونَ". وقيل: الباء تتعلَّق بالفعل بعدها، وعلى هذا فلا يحتاج إلى حذف هذا المضاف. واستضعف أبو البقاءِ قراءة عاصم، وليس بجيِّدٍ لتواترها، وقال أحمدُ بنُ يحيى: لم يتابع أحد عاصماً على الهمز. والمضاهاة: المشابهة، في قول أكثر أهل اللُّغة. وقال شمرُ: "المضاهاة: المتابعة، يقال: فلان يضاهي فلاناً، أي: يتابعه". فصل قال مجاهدٌ: ""يضاهئون" قول المشركين من قبل، كانوا يقولون: اللاَّت والعُزَّى بنات الله". وقال قتادة والسديُّ: "ضاهت النصارى قول اليهود من قبل، فقالوا: المسيحُ ابنُ الله، كقول اليهود من قبل عزير ابنُ الله؛ لأنهم أقدم منهم" وقال الحسنُ: "شبَّه كفرهم بكفر الذين مضوا من الأمم الكافرة" كما قال في مشركي العرب: {أية : كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ}تفسير : [البقرة:118]. وقال القتيبي: "يريد من كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى، يقولون ما قال أسلافهم". قوله: "قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ" قال ابنُ عبَّاسٍ: لعنهم الله. وقال ابن جريج: قتلهم اللهُ. وقيل: هذا بمعنى التَّعجب من شناعةِ قولهم، كما يقال: ركبوا شنيعاً، قاتلهم اللهُ ما أعجب فعلهم، وهذا التعجب إنَّما هو راجع إلى الخلقِ، والله لا يتعجَّبُ من شيء، ولكن هذا الخطابُ على عادة العرب في مخاطبتهم، والله عجب منهم في تركهم الحق وإصرارهم على الباطل. "أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ" أي: كيف يصرفون عن الحق بعد قيام الأدلة عليه. قوله {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ}. الأحْبَارُ: العلماءُ. قال أبو عبيد: "الأحبارُ: الفقهاءُ قد اختلفوا في واحده، فقال بعضهم: "حَبْرٌ"، وقال بعضهم "حِبْرٌ". وقال الأصمعيُّ: لا أدري أهو الحِبْرُ أو الحَبْرُ". وكان أبو الهيثم يقول: "واحد "الأحبار" "حَبْرٌ" بالفتح لا غير، وينكر الكسر" وكان الليثُ، وابن السِّكيت يقولان "حِبْر" و "حَبْر" للعالم ذِمِّيًّا كان أو مسلماً، بعد أن يكون من أهل الكتاب". وقال أهل المعاني: "الحبر": العالم الذي صناعتُه تحبير المعاني بحسن البيان عنها، وإتقانها، ومنه: ثوب محبر، أي: جمع الزينة، والرَّاهبُ: الذي تمكنت الخشية والرهبة في قلبه، وظهرت آثار الرهبة على وجهه ولباسه. وفي عرف الاستعمال، صار الأحبارُ مختصاً بعلماء اليهود من ولد هارون. والرُّهبان: علماء النَّصارى أصحاب الصَّوامع. ومعنى اتخاذهم أرباباً: أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم، واستحلُّوا ما أحلوا، وحرموا ما حرموا. قال أكثرُ المفسرين: "ليس المراد من الأرباب أنَّهم اعتقدوا إلهيتهم، بل المراد: أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم". قال عدي بن حاتم: حديث : أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب وهو يقرأ سورة براءة، فقال: "يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك" فطرحته، ثم انتهى إلى قوله: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} فقلت: إنّا لسنا نعبدهم، فقال: "أَلَيْسَ يحرِّمون مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونَهُ ويُحلون ما حرَّم اللهُ؛ فَتَسْتحلُّونَهُ؟" قال قلت: بلى، قال: "فَتِلْكَ عبادتُهُمْ ". تفسير : وقال الربيع: قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟ قال: إنهم ربما وجدوا في كتاب الله ما يخالفُ أقوال الأحبار والرهبان؛ فكانوا يأخذون بأقوالهم ويتركون حكم كتابِ الله تعالى. فإن قيل: إنَّه تعالى لمَّا كفرهم بسبب طاعتهم للأحبار والرُّهبان، فالفاسقُ يطيع الشيطانَ؛ فوجب الحكم بكفره على ما هو قول الخوارجِ. فالجوابُ: أنَّ الفاسق إن كان يطيع الشيطان إلاَّ أنَّه لا يُعظِّمه، لكنه يلعنه، فظهر الفرق. فصل قوله {وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ} عطف على "رُهبانهم"، والمفعول الثَّاني محذوف، والتقدير: اتخذ اليهودُ أحبارهم أرباباً، والنصارى رهبانهم والمسيح ابن مريم أرْبَاباً، وهذا لأمْنِ اللَّبْس خلط الضمير في "اتَّخَذُوا"، وإن كان مقسماً لليهود والنَّصارى، وهذا مراد أبي البقاءِ في قوله: "أي: واتخذوا المسيح ربًّا، فحذف الفعل وأحد المفعولين". وجوَّز فيه أيضاً أن يكون منصوباً بفعل مقدر أي: وعبدُوا المسيح ابن مريم. ثم قال: {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي: سبحانه أن يكون له شريك في الأمر والتكليف، وفي كونه معبوداً، وفي وجوب نهاية التعظيم. قوله: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} الآية. ذكر عن رؤساء اليهود والنصارى نوعاً ثالثاً من أفعالهم القبيحة، وهو سعيهم في إبطال أمر محمد عليه الصلاة والسلام. والمراد من "النور" قال الكلبيُّ: هو القرآن، أي: يردُّوا القرآن بألسنتهم تكذيباً. وقيل: النور: الدَّلائل الدَّالة على صحة نبوته وشرعه وقوة دينه. وسمى الدلائل نوراً؛ لأنَّ النور يهتدى به إلى الصَّواب. قوله: {وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ} "أن يتمّ" مفعول به، وإنَّما دخل الاستثناء المفرغ في الموجب؛ لأنَّهُ في معنى النفي، فقال الأخفشُ الصغيرُ "معنى يأبَى: يمنع" وقال الفرَّاء: "دخلتْ "إلاَّ" لأن في الكلام طرفاً من الجحد" وقال الزمخشريُّ: "أجْرَى "أبَى" مُجْرى "لَمْ يُرِدْ"، ألا ترى كيف قُوبل: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ} بقوله: {وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ}، وأوقع موقع: ولا يريد الله إلا أن يتمَّ نوره؟". والتقدير: لا يريد إلا أن يتمَّ نوره، إلاَّ أنَّ الإبَاءَ يفيد زيادة عدم الإرادة، وهي المنع والامتناع. والدليل عليه قوله عليه السلام: "حديث : وإذا أرادوا ظلمنا أبينا" تفسير : فامتدح بذلك، ولا يجوز أن يمتدح بأنَّه يكره الظلم؛ لأنَّ ذلك يصح من القوي والضعيف. وقال الزَّجاج "إنَّ المستثنى منه محذوفٌ، تقديره: ويَأبَى أي: ويكره كلَّ شيء إلاَّ أن يُتمَّ نوره" وقد جمع أبو البقاء بين مذهب الزجاج، ومذهب غيره فجعلهما مذهباً واحداً فقال: "يَأبَى بمعنى: يَكْره، ويكره بمعنى يمنع، فلذلك استثنى، لما فيه من معنى النَّفْي، والتقدير: يأبَى كُلَّ شيء إلاَّ إتمام نوره". أي: يعلي دينه ويظهر كلمته، ويتم الحق الذي بعث به محمداً صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ}. قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ}. يعني: الذي يأبى إلاَّ إتمام دينه، هو الذي أرسل رسوله محمداً: "بالهُدَى"، أي: القرآن، وقيل: ببيان الفرائض "ودين الحقِّ" وهو الإسلام، "لِيُظهِرَهُ" ليعليه وينصره، {عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} على سائر الأديان كلها {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} فإن قيل: ظاهر قوله {لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} يقتضي كونه غالباً لجميع الأديان، وليس الأمر كذلك، فإن الإسلام لم يصر غالباً لسائر الأديان في أرض الهند والصين وسائر أراضي الكفرة. فالجواب من وجوه: أحدها: قال ابن عباسٍ "الهاءُ في "لِيُظهِرَهُ" عائدة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أي: ليعلمه شرائع الدِّين كلها، فيظهره عليها حتى لا يخفى عليه منها شيء". وثانيها: قال أبو هريرة والضحاك: هذا وعدٌ من الله تعالى بأنه يجعل الإسلام عالياً على جميع الأديان وتمام هذا يحصلُ عند خروج عيسى عليه الصَّلاة والسَّلامُ. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزول عيسى قال: "حديث : ويهلكُ في زمانِهِ الملل كُلُّهَا إلاَّ الإسلام ". تفسير : وروى المقدادُ قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "حديث : لا يَبْقَى على ظهْرِ الأرض بيتُ مدر ولا وبرٍ إلاَّ أدخلهُ الله كلِمَة الإسلام، بِعِزِّ عزيز، أو بذُلِّ ذليلٍ، إمَّا أن يُعزَّهمُ اللهُ فيجعلهُمْ من أهْلِهِ فيعزُّوا بهِ، وإمَّا أن يُذلَّهُمْ فيَدِينُون لَهُ ". تفسير : وقال السديُّ: ذلك عند خروج المهدي، لا يبقى أحد إلاَّ دخل في الإسلام، أو أدَّى الخراج. وثالثها: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} في جزيرة العربِ، وقد حصل ذلك، فإنَّه تعالى ما أبقى فيها أحداً من الكُفَّارِ. ورابعها: أنَّهُ لا دين يخالف دين الإسلام، إلاَّ وقد قهرهم المسلمون، وظهروا عليهم في بعض المواضع، وإن لم يكن ذلك في جميع مواضعهم، فقهروا اليهُود، وأخرجوهم من بلاد العرب، وغلبوا النصارى على بلاد الشام وما والاها إلى ناحية الرُّوم والغرب، وغلبوا المجوس على ملكهم، وغلبوا عباد الأصنام على كثير من بلادهم ممَّا يلي الترك والهند. وخامسها: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} بالحُجَّةِ والبيانِ، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ هذا وعد بأنه تعالى سيفعله، والقوة بالحُجَّة والبيان كانت حاصلة من أوَّلِ الأمْرِ. ويمكن أن يجاب عنه، بأنَّهُ في مبدأ الأمر كثرت الشبهات، بسبب ضعف المؤمنين، واستيلاء الكُفَّارِ، ومنعهم للنَّاسِ من التأمل في تلك الدلائل، وأمَّا بعد قوة الإسلام، وعجز الكُفَّار، ضعفت الشبهات فقوي دلائل الإسلام.

البقاعي

تفسير : ولما كان المراد التعميمم أتى بها نكرة لتفيد ذلك، ويؤيد هذا ما نقل العلماء عن الرواة لفتوح البلاد منهم الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي، قال في كتابه الاكتفاء في وقعة جلولاء من بلاد فارس: قالوا: قال بعضهم: فكان الفلاحون للطرق والجسور والأسواق والحرث والدلالة مع الجزي عن أيديهم على قدر طاقتهم، وكانت الدهاقين للجزية عن أيديهم والعمارة، وإنما أخذوا الجزية من المجوس لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر وأخذها منهم لأنهم أهل كتاب في الأصل، قال الشافعي في باب المجمل والمفسر من كتاب اختلاف الحديث: والمجوس أهل كتاب غير التوراة والإنجيل وقد نسوا كتابهم وبدلوه، فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أخذ الجزية منهم؛ أخبرنا سفيان عن أبي سعد سعيد بن مرزبان عن نصر بن عاصم قال: قال فروة بن نوفل الأشجعي: علام تؤخذ الجزية من المجوس وليسوا بأهل كتاب؟ فقام إليه المستورد فأخذ بلببه فقال: ياعدو الله! تطعن على أبي بكر وعلى عمر وعلي أمير المؤمنين - يعني علياً - وقد أخذوا منهم الجزية، فذهب به إلى القصر فخرج علي رضي الله عنه عليهما فقال: البدا! البدا! فجلسا في ظل القصر فقال علي: أنا أعلم الناس بالمجوس، كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه، وإن ملكهم سكر فوقع على ابنته أو أخته فاطلع عليه بعض أهل مملكته، فلما صحا جاؤوا يقيمون عليه الحد فامتنع عليهم فدعا أهل مملكته فقال: تعلمون ديناً خيراً من دين آدم وقد كان آدم ينكح بنيه من بناته، فأنا على دين آدم، فبايعوه وقاتلوا الذين خالفوهم حتى قتلوهم فأصبحوا وقد أسري على كتابهم فرفع من بين أظهرهم وذهب العلم الذي في صدورهم، وهم أهل كتاب وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما منهم الجزية. ولما أمر بقتالهم ووصفهم بما هو السبب الباعث على ذلك، عطف عليه بعض أقوالهم المبيحة لقتالهم الموجبة لنكالهم فقال: {وقالت} أي قاتلوا أهل الكتاب لأنهم كفروا بما وصفناهم به وقالت {اليهود} منهم كذباً وبهتاناً {عزير} تنوينُ عاصم والكسائي له موضحٌ لكونه مبتدأ، والباقون منعوه نظراً إلى عجمته مع العلمية وليس فيه تصغير، والخبر في القراءة قولهم: {ابن الله} أي الذي له العلو المطلق فليس كمثله شيء، وعزير هذا هو المسمى عندهم في سفر الأنبياء ملاخيا، ويسمى أيضاً العازر وهو الأصل والعزير تعريبه، وأما الذي جمع لهم هذه التوراة التي بين أيديهم فقال السمؤال بن يحيى المغربي الذي كان يهودياً فأسلم: إنه شخص آخر اسمه عزرا، وإنه ليس بنبي. ذكر ذلك في كتابه غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود، وهو كتاب حسن جداً، وكان السموأل هذا مع تمكنه من المعرفة بشريعة اليهود وأخبارهم متمكناً من علوم الهندسة وغيرها، وكان فصيحاً بليغاً وكان حسن الإسلام يضرب المثل بعقله، ورأيت اليهود في غاية النكاية منه، وأراني بعضهم رسالة إليه لبعض أحبارهم يسفه فيها رأيه في إسلامه ويشبه عليه بأشياء خطابيه وشعرية، فأجابه بجواب بديع افتتحه بقوله تعالى:{أية : سيقول السفهاء من الناس ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} تفسير : [البقرة: 142] ثم رد كلامه أحسن رد ثم قال له ما حاصله: دع عنك مثل هذه الخرافات، وأجب عن الأمور التي ألزمتكم بها في كتاب غاية المقصود، فما أحار جواباً، ثم القائل لهذا القول منهم روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم أربعة، وقيل: قائله واحد وأسند إلى الكل كما يقال: فلان يركب الخيول وقد لا يكون له إلا فرس واحد، وهو كقوله تعالى{أية : الذين قال لهم الناس} تفسير : [آل عمران: 173] وقيل: كان فاشياً فيهم فلما عابهم الله به تركوه وهم الآن ينكرونه، والله تعالى أصدق حديثاً {وقالت النصارى} أي منهم إفكاً وعدواناً {المسيح} وأخبروا عنه بقولهم: {ابن الله} أي مع أن له الغنى المطلق والكمال الأعظم، والمسيح هذا هو ابن الله مريم بنت عمران؛ ثم استأنف قوله مترجماً قولي فريقيهم: {ذلك} أي القول البعيد من العقول المكذب للنقول {قولهم بأفواههم} أي حقيقة لم يحتشموا من قوله مع سخافته، وهو مع ذلك قول لا تجاوز حقيقته الأفواه إلى العقول لأنه لا يتصوره عاقل، بل هو قول مهمل كأصوات الحيوانات العجم لا يتحقق له المعنى؛ قال: ومعناه الحال أن قائله لا عقل له، ليس له معنى وراء ذلك، ولبعده عن أن يكون مقصوداً لعاقل عبر فيه بالأفواه التي هي أبعد من الألسنة إلى القلوب. ولما كان كأنه قيل: فما لهم إذا كان هذا حالهم قالوه؟ قال ما حاصلة: إنهم قوم مطبوعون على التشبه بمن يفعل المفاسد كما أنهم تشبهوا بعبدة الأوثان، فعبدوها غير مرة والأنبياء بين أظهرهم يدعونهم إلى الله وكتابهم ينادي بمثل ذلك وينذرهم أشد الإنذار {يضاهئون} أي حال كونهم يشابهون بقولهم هذا {قول الذين كفروا} أي بمثله وهو العرب حيث قالوا: الملائكة بنات الله، كما أنهم لما رأوا الذين يعكفون على أصنام لهم قالوا: {يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة}. ولما كان لا يمتنع أن يكون الذين شابهوهم إنما كانوا بعدهم أو في زمانهم من قبل أن يبين فساد قولهم، نفى ذلك بقوله مشيراً بحرف الجر إلى أن كفرهم لم يستغرق زمن القبل: {من قبل} أي من قبل أن يحدث منهم هذا القول، وهذا دليل على أن العرب غيروا دين إسماعيل عليه السلام، اجترؤوا على مثل هذا القول قبل إيقاع بخت نصر باليهود أو في حدوده، وليس ذلك ببعيد مع طول الزمان وإغواء الشيطان، فقد كان بين زمان إبراهيم وعزير عليهما السلام نحو ألف وخمسمائة سنة - هذا على ما ذكره بعض علماء أهل الكتاب عن كتبهم وأيده ما ذكره المسعودي من مروج الذهب في تاريخ ملوك بابل من نمرود إلى بخت نصر: وذكر بعض المؤرخين أن بين الزمنين زيادة على ألفي سنة على أنهم قد نقلوا ما هو صريح في كفر العرب في ذلك الزمان فرووا عن هشام بن الكلبي أنه قال: كان بدء نزول العرب إلى أرض العراق أن الله عز وجل اوحى إلى برخيا من ولد يهودا أن ائت بخت نصر فمره أن يغزو العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم ويطأ بلادهم بالجنود فيقتل مقاتلتهم ويسبي ذراريهم ويستبيح أموالهم وأعلمه بكفرهم بي واتخاذهم الآلهة دوني وتكذيبهم أنبيائي ورسلي، وعن غير ابن الكلبي أنه نظم ما بين أبلة والايلة خيلاً ورجالاً ثم دخلوا على العرب فاستعرضوا كل ذي روح قدروا عليه، وأوصى الله برخيا وإرميا بمعد بن عدنان الذي من ولده محمد المختوم به النبوة، وكان ذكر مشابهتهم لأهل الشرك تحقيراً لشأنهم تجرئة على الإقدام عليهم إذ جعلهم مشابهين لمن دربوا قتالهم وضربوا عليهم فأذلوهم بعد أن كانوا في عزة لا يخشون زوالها، وعزائم شديدة لا يخافون انحلالها، كل ذلك بطاعة الله في قتالهم وطلب مرضاته بنزالهم لأنه عليهم، ومن كان عليه لم يفلح، وإلى مثل ذلك إشارة بقوله في حق هؤلاء: {قاتلهم الله} أي أهلكهم الملك الأعظم، لأن من قاتله لم ينج منه، وقيل: لعنهم؛ روي عن ابن عباس قال: وكل شيء في القرآن مثله فهو لعن {أنى يؤفكون*} أي كيف ومن أين يصرفون عن الحق مع قيام الأدلة القاطعة عليه، ثم زادهم جرأة عليهم بالإشارة إلى ضعف مستندهم حيث كان مخلوقاً مثلهم بقوله: {اتخذوا} أي كلفوا أنفسهم العدول عن الله القادر على كل شيء وأخذوا {أحبارهم} أي من علماء اليهود، والحبر في الأصل العالم من أيّ طائفة كان {ورهبانهم} أي من زهاد النصارى، والراهب في الأصل من تمكنت الرهبة في قلبه فظهرت آثارها على وجهه ولباسه، فاختص في العرف بعلماء النصارى أصحاب الصوامع {أرباباً} أي آلهة لكونهم يفعلون ما يختص به الرب من تحريم ما حرموا وتحليل ما حللوا؛ وأشار إلى سفول أمرهم بقوله: {من دون الله} أي الحائز لجميع صفات الجلال، فكانوا يعولون عليهم ويسندون أمرهم إليهم حتى أن كانوا ليتبعونهم في الحلال والحرام {والمسيح} أي المبارك الذي هو أهل لأن المسيح بدهن القدس وأن يمسح غيره {ابن مريم} أي اتخذوه كذلك لكونهم جعلوه ابناً فأهلوه للعبادة بذلك مع كونه ابن امرأة، فهو لا يصلح للإلهية بوجه لمشاركته للآدميين في الحمل والولادة والتربية والأكل والشرب وغير ذلك من أحوال البشر الموجبة للحاجة المنافية للإلهية، ومع تصريحه لهم بأنه عبد الله ورسوله، فتطابق العقل والنقل على أنه ليس بإله. ولما قبح عليهم ما اختاروه لأنفسهم، قبحه عليهم من جهة مخالفته لأمره تعالى فقال: {وما} أي فعلوا ذلك والحال أنهم ما {أمروا} أي من كل من له الأمر من أدلة العقل والنقل {إلا ليعبدوا} أي ليطيعوا على وجه التعبد {إلهاً واحداً} أي لا يقبل القسمة بوجه لا بالذات ولا بالمماثلة، وذلك معنى وصفه بأنه {لا إله إلا هو} أي لا يصلح أن يكون معه إله آخر، فلما تعين ذلك في الله وكانت رتبته زائدة أبعد عما أشركوا به، نزهه بقوله: {سبحانه} أي بعدت رتبته وعلت {عما يشركون*} في كونه معبوداً أو مشروعاً؛ ذكر أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي القاضي في تفسيره وغيره عن عدي ابن حاتم رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: اقطعه، فقطعته ثم أتيته وهو يقرأ سورة براءة {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} قلت: يا رسول! إنا لم نكن نعبدهم! قال: أجل. أليس كانوا يحلون لكم ما حرم الله فتستحلونه ويحرمون عليكم ما أحل الله فتحرمونه؟ قلت: بلى، قال: تلك عبادتهم. ولما وهى سبحانه أمرهم من جهة استنادهم، زاد توهية من جهة مرادهم بالإعلام بأنهم بقتالهم لأهل الطاعة إنما يقاتلون الله وأنه لا ينفذ غرضهم بل يريد غير ما يريدون، ومن المقرر أنه لا يكون إلا ما يريد، فقال مستأنفاً أو معللاً لما مضى من أقوالهم وأفعالهم: {يريدون أن يطفئوا} أي بما مضى ذكره من أحوالهم {نور الله} أي دين الملك الأعلى الذي له الإحاطة العظمى، وشرعه الذي شرعه لعباده على ألسنة الأنبياء والرسل، كل ذلك ليتمكنوا من العمل بالأغراض والأهوية، فإن اتباع الرسل حاسم للشهوات، وهم أبعد الناس عن ذلك. ولما حقر شأنهم، هدمه بالكلية بقوله: {بأفواههم} أي بقول خال عن شيء يثبته أو يمضيه وينفذه، وفي تسمية دينه نوراً ومعاندتهم إطفاء بالأفواه تمثيل لحالهم بحال من يريد إطفاء نور الشمس بنفخه {ويأبى} أي والحال أنه يفعل فعل الأبيّ وهو أنه لا يرضي {الله} أي الذي له جميع العظمة والعز ونفوذ الكلمة {إلا أن يتم نوره} أي لا يقتصر على مجرد إشراقه، بل وعد - وقوله الحق - بأنه لا بد من إكماله وإطفائه لكل ما عداه وإحراقه. ولما في "يأبى" من معنى الجحد دخل عليه الاستثناء، أي إنه يأبى كل حالة إلا حالة إتمامه نوره على التجدد والاستمرار {ولو كره الكافرون*} أي العريقون في الكفر فكيف بغيرهم. ولما أخبر أنه معل لقوله ومكمل، ومبطل لقولهم مسفل، علل ذلك بما حاصله أنه شأن الملوك، وهو أنهم إذا برز لهم أمر شيء لم يرضوا أن يرده أحد فإن ذلك روح الملك الذي لا يجازي الطاعن فيه إلا بالهلك فقال: {هو} أي وحده {الذي أرسل رسوله} أي محمداً صلى الله عليه وسلم {بالهدى} أي لبيان الشافي بالمعجزات القولية والفعلية {ودين الحق} أي الكامل في بيانه وثباته كمالاً ظاهراً لكل عاقل؛ ثم زادهم جرأة على العدو بقوله معللاً لإرساله: {ليظهره} أي الرسول صلى الله عليه وسلم والدين - أدام الله ظهوره {على الدين كله} وساق ذلك كله مساق الجواب لمن كأنه قال: كيف نقاتلهم وهم في الكثرة والقوة على ما لا يخفي؟ فقال: لم لا تقاتلونهم وأنتم لا تعتمدون على أحد غير من كل شيء تحت قهره، وهم إنما يعتمدون على مخاليق مثلكم، كيف لا تجسرون عليهم وهم في قتالكم إنما يقاتلون ربهم الذي أنتم في طاعته؟ أم كيف لا تصادمونهم وهو الذي أمركم بقتالهم لينصركم ويظهر آياته؟ ولعل الختم بقوله: {ولو كره المشركون*} أبلغ لأن الكفر قد لا يكون فيه عناد، والشرك مبناه على العناد باتخاذ الأنداد، أي لا بد من نصركم خالف من خالف مجرد مخالفة أو ضم إلى ذلك العناد بالاستعانة بمن أراد.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ‏"‏أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وأبو أنس، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، فقالوا‏:‏ كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أن عزيراً ابن الله‏؟‏ وإنما قالوا‏:‏ هو ابن الله من أجل أن عزيراً كان في أهل الكتاب، وكانت التوراة عندهم يعلمون بها ما شاء الله تعالى أن يعلموا، ثم أضاعوها وعملوا بغير الحق، وكان التابوت فيهم فلما رأى الله تعالى أنهم قد أضاعوا التوراة وعملوا بالأهواء رفع الله عنهم التابوت، وأنساهم التوراة، ونسخها من صدورهم، وأرسل عليهم مرضاً فاستطلقت بطونهم منهم حتى جعل الرجل يمشي كبده حتى نسوا التوراة ونسخت من صدورهم، وفيهم عزير كان من علمائهم فدعا عزير الله عز وجل وابتهل إليه أن يرد إليه الذي نسخ من صدره، فبينما هو يصلي مبتهلاً إلى الله تعالى نزل نور من الله فدخل جوفه، فعاد إليه الذي كان ذهب من جوفه من التوراة، فأذن في قومه فقال‏:‏ يا قوم قد آتاني الله التوراة ردها إليّ، فعلق يعلمهم فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا وهو يعلمهم، ثم إن التابوت نزل عليهم بعد ذلك وبعد ذهابه منهم، فلما رأوا التابوت عرضوا ما كانوا فيه على الذي كان عزير يعلمهم فوجدوه مثله، فقالوا‏:‏ والله ما أوتي عزير هذا إلا أنه ابن الله‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وقالت اليهود عزير ابن الله‏} ‏ قال‏:‏ قالها رجل واحد اسمه فنحاص‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كن نساء بني إسرائيل يجتمعن بالليل فيصلين ويعتزلن ويذكرن ما فضل الله تعالى به على بني إسرائيل وما أعطاهم، ثم سلط عليهم شر خلقه بختنصر فحرق التوراة وخرب بيت المقدس، وعزير يومئذ غلام فقال عزير‏:‏ أو كان هذا‏؟‏‏!‏ فلحق الجبال والوحش فجعل يتعبد فيها، وجعل لا يخالط الناس، فإذا هو ذات يوم بامرأة عند قبر وهي تبكي فقال‏:‏ يا أمة الله اتقي الله واحتسبي واصبري، أما تعلمين أن سبيل الناس إلى الموت‏؟‏‏!‏ فقالت‏:‏ يا عزير اتنهاني أن أبكي وأنت خلفت بني إسرائيل ولحقت بالجبال والوحش‏؟‏ قالت‏:‏ إني لست بامرأة ولكني الدنيا، وأنه سينبع في مصلاك عين وتنبت شجرة، فاشرب من العين وكل من ثمرة الشجرة، فإنه سيأتيك ملكان فاتركهما يصنعان ما أرادا‏.‏ فلما كان من الغد نبعت العين ونبتت الشجرة فشرب من ماء العين وأكل من ثمرة الشجرة، وجاء ملكان ومعهما قارورة فيها نور فأوجراه ما فيها، فألهمه الله التوراة فجاء فأملاه على الناس، فقالوا عند ذلك‏:‏ عزير بن الله، تعإلى الله عن ذلك علواً كبيراً‏. وأخرج أبو الشيخ عن كعب رضي الله عنه قال‏:‏ دعا عزير ربه عز وجل أن يلقي التوراة كما أنزل على موسى عليه السلام في قلبه، فأنزلها الله تعالى عليه، فبعد ذلك قالوا‏:‏ عزير ابن الله‏. وأخرج أبو الشيخ عن حميد الخراط رضي الله عنه‏.‏ أن عزيراً كان يكتبها بعشرة أقلام في كل أصبع قلم. وأخرج أبو الشيخ عن الزهري رضي الله عنه قال‏:‏ كان عزير يقرأ التوراة ظاهراً، وكان قد أعطي من القوة ما ان كان ينظر في شرف السحاب، فعند ذلك قالت اليهود‏:‏ عزير ابن الله‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال‏:‏ إنما قالت اليهود عزير ابن الله لأنهم ظهرت عليهم العمالقة فقتلوهم وأخذوا التوراة، وهرب علماؤهم الذين بقوا فدفنوا كتب التوراة في الجبال، وكان عزير يتعبد في رؤوس الجبال لا ينزل إلا في يوم عيد، فجعل الغلام يبكي يقول‏:‏ رب تركت بني إسرائيل بغير عالم‏؟‏ فلم يزل يبكيهم حتى سقط أشفار عينيه، فنزل مرة إلى العيد فلما رجع إذا هو بامرأة قد مثلت له عند قبر من تلك القبور تبكي، تقول‏:‏ يا مطعماه يا كاسياه‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ فقال لها‏:‏ ويحك من كان يطعمك أو يكسوك أو يسقيك قبل هذا الرجل‏؟‏‏!‏ قالت‏:‏ الله‏.‏ قال‏:‏ فإن الله حي لم يمت‏.‏ قالت‏:‏ يا عزير فمن كان يعلم العلماء قبل بني إسرائيل‏؟‏ قال‏:‏ الله‏.‏ قالت‏:‏ فلم تبكي عليهم‏؟‏ فلما عرف أنه قد خصم ولى مدبرا‏ً.‏ فدعته فقالت‏:‏ يا عزير إذا أصبحت غداً فائت نهر كذا وكذا فاغتسل فيه، ثم أخرج فصل ركعتين فإنه يأتيك شيخ فما أعطاك فخذه‏.‏ فلما أصبح انطلق عزير إلى ذلك النهر فاغتسل فيه ثم خرج فصلى ركعتين، فأتاه شيخ فقال‏:‏ افتح فمك‏.‏ ففتح فمه فألقمه فيه شيئاً كهيئة الجمرة العظيمة مجتمع كهيئة القوارير ثلاث مرات، فرجع عزير وهو من أعلم الناس بالتوراة فقال‏:‏ يا بني إسرائيل إني قد جئتكم بالتوراة‏.‏ فقالوا له‏:‏ ما كنت كذابا‏ً؟‏‏؟‏ فعمد فربط على كل أصبع له قلماً، ثم كتب بأصابعه كلها فكتب التوراة، فلما رجع العلماء أخبروا بشأن عزير، واستخرج أولئك العلماء كتبهم التي كانوا رفعوها من التوراة في الجبال، وكانت في خواب مدفونة فعرضوها بتوراة عزيز، فوجدوها مثلها فقالوا‏:‏ ما أعطاك الله إلا وأنت ابنه‏. وأخرج ابن مردويه وابن عساكر رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ثلاث أشك فيهن‏.‏ فلا أدري أعزير كان نبياً أم لا، ولا أدري أَلعن تبعاً أم لا، قال‏:‏ ونسيت الثالثة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البخاري في تاريخه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال‏:‏ لما كان يوم أحد شجَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه وكسرت رباعيته، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ رافعاً يديه يقول ‏"حديث : ‏إن الله عز وجل اشتد غضبه على اليهود أن قالوا عزير ابن الله، واشتد غضبه على النصارى إن قالوا المسيح ابن الله، وإن الله اشتد غضبه على من أراق دمي وآذاني في عترتي ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن النجار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال عزير‏:‏ يا رب ما علامة من صافيته من خلقك‏؟‏ فأوحى الله إليه‏:‏ أن أقنعه باليسير وأدَّخر له في الآخرة الكثير‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏يضاهئون قول الذين كفروا من قبل‏} ‏ قال‏:‏ قالوا مثل ما قال أهل الأديان‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏يضاهئون قول الذين كفروا من قبل‏}‏ يقول‏:‏ ضاهت النصارى قول اليهود قبلهم فقالت النصارى‏:‏ المسيح ابن الله‏.‏ كما قالت اليهود‏:‏ عزير ابن الله‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏قاتلهم الله‏}‏ قال‏:‏ لعنهم الله، وكل شيء في القرآن قتل فهو لعن‏. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ‏{‏قاتلهم الله‏}‏ قال‏:‏ كلمة من كلام العرب‏.

ابو السعود

تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ} جملةٌ مبتدأةٌ سيقت لتقريرٍ ما من عدم إيمانِ أهلِ الكتابـين بالله سبحانه وانتظامِهم بذلك في سلك المشركين {عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} مبتدأٌ وخبرٌ وقرىء بغير تنوينٍ على أنه اسمٌ أعجميٌّ كعازَرَ وعزَارَ غيرُ منصرفٍ للعجمة والتعريف، وأما تعليلُه بالتقاء الساكنين أو بجعل الابن وصفاً على أن الخبرَ محذوفٌ فتعسّفٌ مستغنىً عنه. قيل: هو قولُ قدمائِهم ثم انقطع فحَكى الله تعالى ذلك عنهم، ولا عبرةَ بإنكار اليهودِ وقيل: قولُ بعضٍ ممن كان بالمدينة. عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه جاء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ناسٌ منهم وهم سلامُ بنُ مِشْكَم ونعمانُ بنُ أوفى وشاسُ بنُ قيسٍ ومالكُ بنُ الصيف فقالوا ذلك وقيل: قاله فنحاصُ بنُ عازوراءَ وهو الذي قال: (إن الله فقيرٌ ونحن أغنياء) وسببُ هذا القولِ أن اليهودَ قتلوا الأنبـياءَ بعد موسى عليه السلام فرفع الله تعالى عنهم التوراةَ ومحاها من قلوبهم، فخرج عزيرٌ وهو غلامٌ يَسيح في الأرض فأتاه جبريلُ عليه السلام فقال له: أين تذهب، قال: أطلبُ العلم فحفّظه التوراةَ فأملاها عليهم عن ظهر لسانه لا يخرِم حرفاً، فقالوا: ما جمع الله التوراةَ في صدره وهو غلامٌ إلا أنه ابنُه. قال الإمام الكلبـي: لما قَتل بُختُ نَصَّرُ علماءَهم جميعاً وكان عزيرٌ إذ ذاك صغيراً فاستصغره ولم يقتُلْه فلما رجع بنو إسرائيلَ إلى بـيت المقدس وليس فيهم من يقرأ التوارةَ بعث الله تعالى عزيراً ليجدد لهم التوراةَ ويكونَ آيةً بعد ما أماته مائةَ عامٍ، يقال إنه أتاه ملكٌ بإناء فيه ماءٌ فسقاه فمثلت في صدره فلما أتاهم فقال لهم: إني عزيرٌ كذّبوه فقالوا: إن كنت كما تزعُم فأمْلِ علينا التوراةَ ففعل فقالوا: إن الله تعالى لم يقذِف التوراةَ في قلب رجلٍ إلا لأنه ابنُه تعالى الله عن ذلك علواً كبـيراً. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن اليهود أضاعوا التوارةَ وعمِلوا بغير الحقِ فأنساهم الله تعالى التوراةَ ونسخها من صدورهم ورفع التابوتَ فتضرع عزيرٌ إلى الله تعالى وابتهل إليه فعاد حفظُ التوراةِ إلى قلبه فأنذر قومه به ثم إن التابوت نزلَ فعرضوا ما تلاه عزيرٌ على ما فيه فوجدوه مثلَه فقالوا ما قالوا. {وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ} هو أيضاً قولٌ لبعضهم وإنما قالوه استحالةً لأن يكون ولدٌ بغير أبٍ أو لأن يفعَلَ ما فعله من إبراء الأكمهِ والأبرصِ وإحياءِ الموتى مَنْ لم يكن إلٰهاً {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما صدر عنهم من العظيمتين، وما فيه معنى البُعد للدِلالة على بُعد درجةِ المشار إليه في الشناعة والفظاعة {قَوْلُهُم بِأَفْوٰهِهِمْ} إما تأكيدٌ لنسبة القولِ المذكورِ إليهم ونفي التجوّزِ عنها أو إشعارٌ بأنه قولٌ مجرد عن برهان وتحقيقٍ مماثل للمُهمل الموجودِ في الأفواه من غير أن يكون له مصِداقٌ في الخارج {يُضَـٰهِئُونَ} أي في الكفر والشناعةِ وقرىء بغير همز {قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي يشابه قولُهم ـ على حذف المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مُقامَه عند انقلابِه مرفوعاً ـ قولَ الذين كفروا {مِن قَبْلُ} أي من قبلهم وهم المشركون الذين يقولون: الملائكةُ بناتُ الله أو اللاتُ والعزّى بناتُ الله لا قدماؤهم كما قيل إذ لا تعددَ في القول حتى يتأتّى التشبـيهُ، وجعلُه بـين قولي الفريقين مع اتحاد المقولِ ليس فيه مزيدُ مزيةٍ وقيل: الضميرُ للنصارى أي يضاهي قولُهم: المسيحُ ابنُ الله قولَ اليهودِ عزيرٌ الخ لأنهم أقدمُ منهم وهو أيضاً كما ترى فإنه يستدعي اختصاصَ الردِّ والإبطالَ بقوله تعالى: {ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوٰهِهِمْ} بقول النصارى: {قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ} دعاءٌ عليهم جميعاً بالإهلاك فإن مَنْ قاتله الله هلك، أو تعجّبٌ من شناعة قولِهم {أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} كيف يُصْرفون من الحق إلى الباطل والحالُ أنه لا سبـيل إليه أصلاً.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ}. لو كان هذا في تخاطب المخلوقين لكان عينَ الشكوى؛ والشكوى إلى الأحباب تشير إلى تحقق الوصلة. شكا إليهم ما حصل من قبيح أعمالهم، وكم بين مَنْ تشكو منه وبين مَنْ تشكو إليه!! قوله جلّ ذكره: {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}. الكفار قبلهم جحدوا الربوبية، وهؤلاء أقروا بالله، ثم لما أثبتوا له الوَلَدَ نقضوا ما أقروا به من التوحيد، فصاروا كالكفار قَبْلَهم. ويحتمل أن تكون مضاهاةُ قولهم في وصف المعبود بأنَّ عيسى ابنه وعزيراً ابنه كقولِ الكفار قَبْلَهم إنَّ الملائكة بناتُ الله. ويقال لمَّا وصفوا المعبود بما يتعالى عن قولهم لم ينفَعُهم صِدْقُهم في الإقرار بربوبيته مما أضافوا إليه من سوء القالة. وكلُّ مَنْ أطلق في وصفه ما يتقدَّسُ - سبحانه - عنه فهو للأعداء مُشَاكِلٌ في استحقاق الندم والتوبيخ.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقالت اليهود عزير ابن الله} يقرأ بالتنوين على ان عزيز مبتدأ وابن خبره ولم يحذف التنوين ايذانا بان الاول مبتدأ وان ما بعده خبره وليس بصفة [وعزير بن شرحيا ازنسل يعقوبست ازسبط لاوى وبجهارده بشت بهارون بن عمرات ميرسد] وهو قول قدمائهم ثم انقطع فحكى الله تعالى عنهم ذلك ولا عبرة بانكار اليهود. وفى البحر وتذم طائفة او تمدح بصدور ما يناسب ذلك من بعضهم -روى- ان بخت نصر البابلى لما ظهر على بنى اسرائيل قتل علماءهم ولم يبق فيهم احد يعرف التوراة وكان عزير اذ ذاك صغيرا فاستصغره فلم يقتله وذهب به الى بابل مع جملة من اخذه سبايا بنى اسرائيل فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حمار له حتى نزل بدير هرقل على شط دجلة فطاف فى القرية فلم ير فيها احدا وعامة شجرها حامل فاكل من الفاكهة واعتصر من العنب فشرب منه وجعل فضل الفاكهة فى سلة وفضل العصير فى زق فلما راى خراب القرية وهلاكها قال {أية : أنى يحيى هذه الله بعد موتها} تفسير : [البقرة: 259] قالها تعجبا لاشكا فى البعث فالقى الله تعالى عليه النوم ونزع منه الروح وبقى ميتا مائة عام وامات حماره وعصيره وتينه عنده واعمى الله تعالى عنه العيون فلم يره احد ثم انه تعالى احياه بعدما اماته مائة سنة واحيى حماره ايضا فركب حماره حتى اتى محلته فانكره الناس وانكر هو ايضا الناس ومنازله فتتبع اهله وقومه فوجد ابنا له شيخا ابن مائة سنة وثمانى عشرة سنة وبنو بنيه شيوخ فوجد من دونهم عجوزا عمياء مقعدة اتى عليها مائة وعشرون سنة كانت امة لهم وقد كان خرج عزير عنهم هى بنت عشرين سنة فقال لهم انا عزير كان الله اماتنى مائة سنة ثم بعثنى قالت العجوز ان عزيرا كان مستجاب الدعوة يدعو للمريض وصاحب البلاء بالعافية فادع الله يرد الى بصرى حتى اراك فان كنت عزيرا عرفتك فدعا ربه ومسح بيده على عينيها فصحت واخذ بيدها وقال لها قومى باذن الله تعالى فاطلق رجلها فقامت صحيحة فنظرت فقالت اشهد انك عزير وقال ابنه كان لابى شامة مثل الهلال بين كتفيه فكشف عن كتفيه فاذا هو عزير. قال السدى والكلبى لما رجع عزير الى قومه وقد احرق بخت نصر التوراة ولم يكن من الله عهد بين الخلق بكى عزير على التوراة فاتاه ملك باناء فيه ماء فسقاه من ذلك الماء فمثلت التوراة فى صدره فقال لبنى اسرائيل يا قوم ان الله بعثنى اليكم لاجدد لكم توراتكم قالوا فاملها علينا فاملاها عليهم من ظهر قلبه ثم ان رجلا قال ان ابى حدثنى عن جدى ان التوراة جعلت فى خابية ودفنت فى كرم كذا فانطلقوا معه حتى اخرجوها فعارضوها بما كتب لهم عزير فلم يجدوه غادر منها حرفا فقالوا ان الله تعالى لم يقذف التوراة فى قلب رجل الا انه ابنه فعند ذلك قالت اليهود المتقدمون عزير ابن الله {وقالت النصارى المسيح ابن الله} هو ايضا قول بعضهم وانما قالوه استحالة لان يكون ولد بلا أب او لان يفعل ما فعله من ابراء الاكمه والابرص واحياء الموتى من لم يكن الها {ذلك} اشارة الى ما صدر عنهم من العظيمتين {قولهم بافواههم} اى ليس فيه برهان ولا حجة وانما هو قول بالفم فقط كالمهمل. قال الحدادى معناه انهم لا يتجاوزون فى هذا القول عن العبارة الى المعنى اذ لا برهان لهم لانهم يعترفون ان الله لم يتخذ صاحبة فكيف يزعمون ان له ولدا {يضاهئون} اى يضاهى ويشابه قولهم فى الكفر والشناعة فحذف المضاف واقيم المضاف اليه مقامه فانقلب مرفوعا {قول الذين كفروا من قبل} اى من قبلهم وهم المشركون الذين يقولون الملائكة بنات الله او اللات والعزى بنات الله {قاتلهم الله} دعا عليهم جميعا بالاهلاك فان من قاتله الله هلك فهو من قبيل ذكر الملزوم وارادة اللازم لتعذر ارادة الحقيقة ويجوز ان يكون تعجبا من شناعة قولهم من قطع النظر عن العلاقة المصححة للانتقال من المعنى الاصلى الى المعنى المراد {أنى يؤفكون} كيف يصرفون من الحق الى الباطل والحال انه لا سبيل اليه اصلا والاستفهام بطريق التعجب

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (عزيز): مبتدأ، و (ابن الله): خبر، فمن نونه جعله مصروفاً؛ لأنه عنده عربي، ومن حذف تنوينه: إما لمنعه من الصرف؛ للعلمية والعجمية عنده، وإما لالتقاء الساكنين؛ تشبيهاً للنون بحروف اللين، وهو ضعيف، والأول أحسن. يقول الحق جل جلاله: {وقالت اليهودُ عُزَيرٌ ابنُ الله}، قال ابن عباس: هذه المقالة قالها أربعة منهم، وهم: سَلامُ بن مُشْكم، ونُعْمَانُ أو لُقْمَانُ بْنُ أَوفَى، وشَاسُ بنُ قَيس، وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ. وقيل: لم يقلها إلا فنحاص، ونسب ذلك لجميعهم؛ لسكوتهم عنه. قال البيضاوي: إنما قال ذلك بعضهم من متقدميهم، أو ممن كانوا بالمدينة، وإنما قالوا ذلك؛ لأنه لم يبق فيهم بعد وقعة بختنصر من يحفظ التوراة، وهو ـ أي عزير ـ لما أحياه الله بعد مائة عام، أملى عليهم التوراة حفظاً، فتعجبوا من ذلك، وقالوا: ما هذا إلا أنه ابن الله، والدليل على أن هذا القول كان فيهم أن الآية قُرئت عليهم فلم يكذبوا مع تهالكهم على التكذيب. هـ. {وقالت النصارى المسيحُ ابنُ الله}، هو أيضاً قول بعضهم، وإنما قالوه استحالة أن يكون الولد بلا أب، أو لما كان يفعل من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وتقدم الرد عليهم، وسبب إدخال هذه الشبهة عليهم، في سورة المائدة. قال تعالى: {ذلك قولُهم بأفواههم} من غير دليل ولا برهان، بل قالوا به من عندهم {يُضاهِئون} أي: يشابهون في هذه المقالة {قولَ الذين كفروا من قبلُ}، يعني: قدماءهم، على معنى أن الكفر قديم فيهم. قال ابن جزي: فإن كان الضمير لليهود والنصارى، أي المتقدمين، فالإشارة بقوله: (الذين كفروا من قبل) للمشركين من العرب، إذ قالوا: الملائكة بنات الله، وهم أول كافر، أو للصابئين، أو لأمم تقدمت، وإن كان الضمير للمعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم؛ من اليهود والنصارى، فالذين كفروا من قبل هم أسلافهم المتقدمون. هـ. {قاتَلهُم اللَّهُ} أي: أهلكهم ودمرهم؛ لأن من قاتله الله هلك، فيكون دعاء، أو تعجباً من شناعة قولهم، {أنَى يُؤفكون} أي: كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل. {اتخذوا أحبارَهم} أي: علماءَهم {ورهبانَهم}؛ عُبَّادَهم {أرباباً من دون الله}؛ بأن أطاعوهم في تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله، وفي السجود لهم، {والمسيحَ ابنَ مريمَ}؛ بأن جعلوه ابن الله، {وما أمروا إلا ليعبدوا إِلهاً واحداً} وهو الله الواحد الحق، وأما طاعة الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وسائر من أمر بطاعته، فهو في الحقيقة طاعة الله، {لا إله إلا هو}؛ تقرير للتوحيد، {سبحانه عما يشركون}؛ تنزيهاً له عن أن يكون معه شريك. {يريدون أن يُطفئوا} أي: يُخمدوا {نورَ الله}؛ القرآن أو الإسلام بجملته، {بأفواههم} كقولهم فيه: سحر، وشعر، وغير ذلك، وفيه إشارة إلى ضعف حيلتهم فيما أرادوا، {ويأبى اللَّهُ}؛ لا يرضى {إلا أن يُتِمَ نوره} بإعلاء التوحيد وإظهار الإسلام، وإعزاز القرآن وأهله، {ولو كره الكافرون} ذلك، فإن الله لا محالة يُتم نوره، ويظهر دينه. {هو الذي أرسلَ رسولهُ} محمداً صلى الله عليه وسلم {بالهدى ودين الحق ليُظهرَهُ على الدين كله}، الضمير في "يُظهره". للدين الحق، أو للرسول صلى الله عليه وسلم. واللام في "الدين". للجنس، أي: على سائر الأديان فينسخها، أو على أهلها فيخذلهم، وقد أنجز وعده، وأظهر دينه ورسوله على الأديان كلها، حتى عم المشارق والمغارب، {ولو كَرِهَ المشركون} ذلك الإظهار، فيظهره الله رغماً من أنفهم. وقيل: يتحقق ذلك عند نزول عيسى عليه السلام، حتى لا يبقى دين إلا دين الإسلام، والله تعالى أعلم. الإشارة: من انطمس نور بصيرته نسب لله ما لا يليق بكمالاته، ومن لم تنهضه سوابق العناية وقف مع الوسائط ولم ينفذ إلى شهود الوسائط، وقد عيَّر الله قوماً وقفوا مع الوسائط فقال: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله}، وقال، في شأن الواسطة العظمى؛ غيرةً على القلوب أن تقف مع غيره: {أية : ليسَ لَكَ مِنَ الأَمرِ شَيءُ}تفسير : [آل عمران: 128]، {أية : إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ} تفسير : [هود: 12]، ودخل بعض العارفين على إنسان وهو يبكي، فقال: وما يبكيك؟ فقال له: مات أستاذي، فقال له ذلك العارف: ولم جعلت أستاذك من يموت؟. فالوسائط؛ كالأنبياء والأولياء، إنما هم مُوَصِّلونَ إلى الله، دالون عليه، فمن وقف معهم ولم ينفذ إلى الله فقد اتخذه رباً عند الخواص. وقال الورتجبي على هذه الآية: عيَّر الحق تعالى من بقي في رؤية المقتدَى به دون رؤية الحق، وإن كان وسيلة منه، فإن في إفراد القدم من الحدوث، النظر إلى الوسائط، وهو شرك، وتصديق ذلك تمام الآية؛ {وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً}. غَيرهُ الوحدانية ما أبقت في البَيْن غيراً من الشواهد والآيات وجميع الخلق. قال الله تعالى: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرهُم} [الأنعام: 91]. ولما رأى صلى الله عليه وسلم غيره القدم على شأن استهلاك الغير زجر من مدحه وتجاوز في المدح فقال: " حديث : لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ". تفسير : ثم قال الورتجبي: قال بعضهم في هذه الآية: سكنوا إلى أمثالهم، فطلبوا الحق من غير مظانه، وطُرق الحق واضحة لمن كحل بنور التوفيق، وبصر سبل التحقيق، ومن أعمي عن ذلك كان مردوداً عن طريق الحق إلى طرق الضالين من الخلق، وقد وقع أنهم معيرون وموبخون بقلة عرفانهم أهل الحقائق، وركونهم إلى أهل التقليد، وسقطوا عن منازل أهل التوحيد في التفريد، وهكذا شأن من اقتدى بالزّواقين من أهل السالوس المتزينين بزي المشايخ والعارفين المتحققين، وتخلفَ خلفَ الجامعين للدنيا، الذين يقولون: نحن أبناء المشايخ ونحن رؤساء الطريقة، يُضْحك اللهُ الدهرَ من جهلهم حيث حيث علموا أن الولاية بالنسب، حاشا أن من لم يُذق طعمِ وِصال الله، وقلبُه معلق بغير الله، هو من أولياء الله. قال الجنيد: إذا أراد الله بالمريد خيراً هداه إلى صحبة الصوفية، ووقاه من صحبة القراء. ولو اشتغلوا بشأنهم وجمع دنياهم، ولم يتعرضوا لأولياء الله، ولم يقصدوا إسقاط جاههم، لكفيهم شقاوتهم، لا سيما ويطعنون على الصديقين العارفين. قال الله في شأنهم: {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون}، كيف تطفأ بتراب حسبانهم أنوارُ شموس الصفات، التي من جباه وجوههم، ولئالئ خدودهم، وأصلها ثابت في أفلاك الوحدانية وسماوات القيومية، ويزيد نورهم على نور؛ لأنه تعالى بلا نهاية ولا منتهى لصفاته. قوله تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق}: إن الله سبحانه سن سنة أزلية: ألا يجد أحدٌ سبيله إلا من يقُيض له أستاذاً عارفاً بالله، وبسِّر دينه وربوبيته، فيدله إلى منهاج عبوديته، ومعارج روحه وقلبه، إلى مشاهدة ربوبيته، ويكون هو واسطة بينه وبين الله، وإن كان الفضل بيد الله، يؤتيه من يشاء بغير علة ولا سبب، جعله واسطة للتأديب لا للتقريب، وصيره شفيعاً للجنايات، لا شريكاً في الهدايات، هداه نور القرآن، وبيّنه حقيقة البيان، مع إظهار البرهان. قيل: جعل الله الوسائط طريقاً لعباده إليه، وبعثهم أعلاماً على الطرق ونوراً يهتدى بهم، وعرفهم سبل الحق وحقيقة الدين، قال الله تعالى: {أرسل رسوله بالهدى ودين الحق}، انتهى كلامه. ثم ذكر مساوئ الأحبار والرهبان، تنفيراً من طاعتهم وذماً لمن اتخذهم أرباباً، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ {عزير} بالتنوين عاصم والكسائي وعبد الوارث عن ابي عمرو. الباقون بترك التنوين. وقرأ عاصم وحده {يضاهؤن} بالهمزة. الباقون بغير همزة. من ترك التنوين في {عزير} قيل في وجه ذلك ثلاثة أقوال: أحدها - انه اعجمي معرفة لا ينصرف. والثاني - لأن ابن ها هنا صفة بن علمين والخبر محذوف والتقدير معبودنا أو نبينا عزير ابن الله. الثالث - انه حذف التنوين لالتقاء الساكنين تشبيهاً بحرف اللين، كما قال الشاعر: شعر : فالفيته غير مستعتب ولا ذاكر الله إلا قليلا تفسير : هذا الوجه قول الفراء: وعند سيبويه هو ضرورة في الشعر قال أبوعلي: من نونه جعله مبتدأ وجعل ابناً خبره، ولا بد مع ذلك من التنوين في حال السعة والاختيار، لأن ابا عمرو وغيره يصرف عجمياً كان او عربياً. ومن حذف التنوين يحتمل وجهين: أحدهما - أنه جعل الموصوف والصفة بمنزلة اسم واحد، كما يقال: لا رجل ظريف. وحذف التنوين ولم يحرك لالتقاء الساكنين، كما يحرك يا زيد العاقل، لأن الساكنين كأنهما التقيا في تضاعيف كلمة واحدة، فحذف الأول منهما ولم يحرك لكثرة الاستعمال. والوجه الاخر - أن يجعل مبتدأ والاخر الخبر مثل من نون وحذف التنوين لالتقاء الساكنين، وعلى هذا قراءة من قرأ {قل هو الله احد الله} فحذف التنوين لالتقاء الساكنين. فان قيل كيف أخبر الله عن اليهود بانهم يقولون عزير ابن الله واليهود تنكر هذا؟! قلنا: إنما اخبر الله بذلك عنهم، لأن منهم من كان يذهب اليه، والدليل على ذلك ان اليهود في وقت ما انزل الله القرآن سمعت هذه الآية فلم تنكرها. وهو كقولك: الخوارج تقول بتعذيب الاطفال، وإنما يقول بذلك الازارقة منهم خاصة. قال ابن عباس: القائل لذلك جماعة جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقالوا له ذلك، وهم سلام ابن مشكم، ونعمان بن اوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، فانزل الله فيهم الآية. وقوله {ذلك قولهم بأفواههم} معنا انه لا يرجع إلى معنى صحيح: فهو لا يجاوز افواههم، لأن المعنى الصحيح ما رجع إلى ضرورة العقل او حجته او برهانه او دليل سمعي. وقوله {يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل} معناه يشابهون. ومنه قولهم امرأة ضهياء التي لا تحيض، ولا يخرج ثدياها اي اشبهت الرجال. وقال أبو علي الفارسي: ليست يضاهؤن من قولهم امرأة ضهياء، لأن هذه الهمزة زائدة غير اصلية لأنه ليس في الكلام شيء على وزن (فعيآء) ويشبه ان يكون ذلك لغة، كما قالوا ارجأت وأرجيت. واختار الزجاج أن تكون الهمزة أصلية، كما جاء كثير من الاشياء على وزن لا يطرد نحو (كنهبل) وهو الشجر العظام، وكذلك (قرنفل) لا نظيرله. ووزنه (فعنلل). وقال ابن عباس {الذين كفروا} اراد به عبدة الاوثان، وقال الفراء: يشابهونهم في عبادة اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى. وقال قوم في قولهم: الملائكة بنات الله. وقال الزجاج: شابهوهم في تقليدهم اسلافهم في هذا القول. وقوله {قاتلهم الله} قيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - قال ابن عباس معناه لعنهم الله. الثاني - معناه قتلهم الله كقولهم عافاه الله من السوء. الثالث - كالمقاتل لغيره في عداوة الله. وقوله {أنى يؤفكون} معناه كيف يصرفون عن الحق إلى الافك الذي هو الكذب، ورجل مأفوك عن الخير وارض مأفوكة صرف عنها المطر قال الشاعر: شعر : أنى الم بك الخيال تطيف

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ} امّا استيناف على القول بمجيء الواو للاستيناف، او عطف باعتبار المعنى فانّ تعليق الامر بالمقاتلة على الموصول للاشعار بعلّة الحكم فكأنّه قال: قاتلوا الّذين لا يؤمنون بالله من جهة انّهم لم يؤمنوا وقالوا {عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} ووضع الظّاهر موضع المضمر لارادة التّفصيل وتعيين قائل كلّ قول، اعلم، انّ القائلين عزيرٌ ابن الله، والمسيح ابن الله، ونحن ابناء الله، لم يريدوا بتلك الكلمة ما يفهم منها بحسب الظّاهر من التّوليد والتّجسيم واثبات الزّوج لله بل ارادوا بيان النّسبة الرّوحانيّة بهذه الكلمة وقالوا من حصل له القرب من الله بحيث يأخذ الاحكام والآداب منه تعالى بلا وساطة بشرٍ فهو ابن الله، وكذا من انتسب الى الله بواسطة الاتّصال بنبىٍّ او ولىٍّ فهو ابن الله بياناً لشدّة القرب او لصحّة الانتساب ولا شكّ فى صحّة هذا المعنى، ولكنّها ممنوعة فى حقّه تعالى لايهامها معناها الظّاهر والتّجسيم والتّوليد كما حمل الاتباع هذه الكلمة على ظاهرها وقالوها بمعناها الظّاهر، ولا شكّ انّ معناها الظّاهر كفر وفرية، ولهذا حكاها تعالى شأنه عنهم ذمّاً لهم {وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ} نقل انّه كان يقول: وانّ ابى يقول كذا، وثبت هذا المعنى فى الانجيل {ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ} لا اعتقاد لهم به بأىّ معنىً كان فانّ الاعتقاد بهذا المعنى يقتضى العمل بمقتضاه وهو عدم التّخلّف عن قول من نسبوه بالنّبوّه الى الله وليس كذلك مثل قوله تعالى {أية : يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} تفسير : [آل عمران:167] {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} اى يضاهىّ قولهم قول الّذين كفروا، بحذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه، المضاهاة فى عدم كون قول كلّ عن اصل وعدم موافقته للاعتقاد وكون كلّ ناشئاً من محض التخيّل من غير حجّة عليه كقول المجنون، والمراد بالّذين كفروا {مِن قَبْلُ} امّا اليهود على ان يكون المراد بهم النّصارى، او مطلق الكفّار {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ} باعدهم الله ولعنهم وكثيراً ما يستعمل فى هذا المعنى فى العرف، ونقل عن علىّ (ع) انّه بمعنى لعنهم الله {أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} عن الحقّ.

الهواري

تفسير : قوله: { وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ} قال الله عزّ وجلّ: { ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ} أي يشابهون { قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ} قال بعضهم: ضاهت النصارى قول اليهود قبلهم، قالت النصارى المسيح بن الله، وقالت اليهود عزير بن الله. {قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} أي لعنهم الله جميعاً كيف يُصرفون، أي عن الحق. قوله: { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} أي اتخذوه ربا { وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً} وهو الله { لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} لا شريك له { سُبْحَانَهُ} ينزّه نفسه {عَمَّا يُشْرِكُونَ}. ذكروا عن عدي بن حاتم الطائي أنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: حديث : يا عديّ، ألقِ هذا من عنقك. قال: وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة. فلما أتى على هذه الأية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ} قلت: إنا لا نتخذهم أرباباً من دون الله. قال: أليس يحلّون لكم ما حرّم عليكم فتستحلونه، ويحرّمون عليكم ما أحلّ الله لكم فتحرمونه؟ قلت بلى. قال: فتلك عبادتهم

اطفيش

تفسير : {وقَالتِ اليَهودُ} كان هذا القول فاشيا فى اليهود جميعا ثم انقطع، فأخبر الله سبحانه عنهم، وأظهره ولا عبرة بإنكار اليهود ذلك، وقيل: لم ينكروا ذلك لاشتهاره، ولولا أن اشتهاره فيهم لأنكروا لتالكهم على التكذيب، وقيل: قاله بعض متقدميهم، وقيل: قاله ناس من يهود المدينة، عن ابن عباس، قالها أربعة من أحبارهم: سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا، وأنت لا تزعم أن عزير بن الله؟ فنزلت الآية. وقيل: إنه لم يقله إلا فنحاص بن العيزار، ونسب القول إليهم، لأن من قاله بعضهم، ولأنه فيهم، ولأنه عظيم فيهم، وبهذا علل عياض، والعرب تقول: فلان يجالس الملوك، ولو لم يجالس إلا ملكا واحدا، ويركب الخيل ولو لم يركب إلا فرسا واحدا. {عُزير ابنُ اللهِ} مبتدأ وخبر، ولهذا تكتب ألف ابن لأنها تسقط إذا كان تابعا لعلم مضافا لعلم، لا إذا كان خبرا أو غيره، ولم ينون عزير لأنه علم عجمى كعازر وعيزار، فمنع الصرف، لا لوجود ابن بعده، لأنه يمنع تنوين العلم لوجود ابن بعده، إذا كان ابن تابعا له، أو لم ينون لالتقاء الساكنين بأن شبه التنوين بحرف اللين، فحذف للساكن بعده، وإلا فحق التنوين ثبوته مكسورا مثلا للساكن بعده. ومثله قراءة بعض: أحدُ الله بحذف التنوين، وهذا الوجه ضعيف لقلة ذلك، ومثله فى الشعر ولا ذاكر الله قليلا، بنصب اسم الجلالة، وعدم تنوين ذاكر، ومنه قراءة بعض: "ولا الليل سابق النهار" بنصب النهار، وعدم تنوين سابق، وزعم بعض أنه لم ينون، لأن ابن تابع له نعتا أو بيانا أو بدلا، وهو خبر لمحذوف، أى الإله فينا عزير ابن الله، أو مبتدأ محذوف الخبر، أى عزير ابن الله إله، وثبتت ألف ابن مع أنه تابع فى خط المصحف شذوذا. ويرده أن المشنع عليهم هو قولهم: إن عزير هو ابن الله وهذا يقيده كون عزير مبتدأ، وابن خبره، لا كون عزير مبتدأ محذوف الخبر، أو خبر محذوف المبتدأ، فإن هذا يفيد أن المشنع عليهم هو قولهم بأنه إله، فإنه ولو كان مشنعا لكن غير مقصود فى الآية، وقد يقال: المراد فيها التشنيعان معا، كأنه قيل: انظر إلى هؤلاء القائلين هذا الكلام الذى تضمن أمرين قبيحين: نسبة الولد إلى الله، ونسبة الألوهية لغيره، ولكن ذلك ضعيف، لأنه بظاهره يوهم تسليم البنوة لله، وإنكار مجرد كون عزير إلها، وأيضا قراءة عاصم، والكسائى ويعقوب: تنوين عزير على أنه عربى تدل على ما قلنا من ان عزيرا مبتدأ وابن خبره، ويحرك تنوينه بالكسر، ولا يحرك بالضم فى مذهب الكسائى تبعا للنون، لأن ضمة النون للإعراب غير لازمة. قال فى عرائس القرآن: روى عطية العوفى، عن ابن عباس: كان عزير عليه السلام من أهل الكتاب، وكانت التوراة عندهم يعملون بها، ثم أضاعوها وعملوا بغير الحق، وكان التابوت فيهم، فرفعه الله وأنساهم التوراة، لذلك قيل: أرسل عليهم مرضا استطلقت به بطونهم، وتيبست أكبادهم فنسوها، ويرده أنهم لم يحفظوها فضلا عن أن ينسوها، ولعلهم حفظوا قليلا منها، فبينما هو يصلى مبتهلا، إذ نزل من السماء نور فدخل جوفه، فعاد إليه الذى ذهب منه، فنادى فى قومه: يا قوم أتانى الله التوراة، وردها علىَّ فعلقوا به يعلمهم، ومكثوا ما شاء الله، ثم نزل التابوت فعرضوا ما علمهم على ما فيه فوجدوه مثله، فقالوا: والله ما أوتى عزير هذا إلا لأنه ابن الله. وقال السدى فى رواية عمار، وابن أبى عمار: ظهرت العمالقة على اليهود وقتلوهم، وأخذوا التوراة، وهرب علماؤهم الذين بقوا، ودفنوا كتب التوراة فى الجبال وغيرها، ولحق عزير بالجبال والوحوش، يتعبد فى رءوس الجبال، ولا يخالط الناس، ولا ينزل إلا يوم عيد، وجعل يقول: يا رب تركت بنى إسرائيل بغير عالم، وجعل يبكى حتى سقطت أشفار عينيه، وبقى زمانا طويلا، فنزل مرة إلى العبد، فمر بامرأة على قبر تبكى وتقول: يا مطعمى، ويا كاسنى، فقال لها: اتقى الله واصبرى، أما علمت أن الموت سبيل الناس، ثم قال لها: من يطعمك ويكسوك قبل هذا الرجل؟ يعنى زوجها الذى هى تندبه، قالت: الله، قال: فإن الله تعالى حى لا يموت، قالت: يا عزير لست بامرأة ولكنى الدنيا، ثم قالت: يا عزير فمن كان يعلم الناس الأوائل قبل العلماء؟ قال: الله، قالت: فلم تبكى عليهم، وقد علمت أن الله حى لا يموت، وأن الموت حق؟ فعلم انه مخصوم، وقالت له: سينبع لك فى مصلاك عين، وتنبت لك شجرة، فكل من ثمرها وسيأتيك شيخ فما أعطاك فخذه. ولما أصبح نبع فى مصلاه عين، ونبتت شجرة ففعل ما أمرته به، فجاء شيخ فقال له: افتح فاك ففتحه، فالقى فيه شيئا كهيئة الجمرة العظيمة مجتمعا ثلاث مرات، وقال له: ادخل هذه العين، فدخلها، فجعل لا يرفع قدما إلا زيد فى علمه، ورجع إلى قومه وهو أعلم الناس بالتوراة، فقال: يا بنى إسرائيل قد جئتكم بالتوراة، فقالوا: يا عزير ما كنت كذابا، فربط على كل أصبع من أصابعه قلما، وكتب بأصابعه كلها، حتى كتب التوراة كلها عن ظهر قلبه، ولما رجع العلماء استخرجوا كتبهم التى دفنوا، فعارضوها بتوراة عزير، فوجدوها مثلها، فقالوا: ما أعطاه الله هذا إلا أنه ابنه. وقال الكلبى: ان بخت نصر ظهر على بنى إسرائيل، وهدم بيت المقدس، وقتل المقر بالتوراة وقارئها، ولم يقتل عزيرا لأنه غلام صغير ولم يدر أنه قرأها، ولما تمت مائة سنة، ورجعت بنو إسرائيل إلى بيت المقدس، وليس معهم من يقرأ التوراة، بعثه الله عز وجل ليجدد لهم التوراة، ويكون لهم آية، فأتاهم بعد ما أماته الله مائة عام، وقد أتاه الله الملك، وأعطاه إناء فشربه، فكانت التوراة فى قلبه، فقال لهم: أنا عزير فكذبوه، وقالوا: إن كنت عزيرا كما تزعم فأمْلِ علينا التوراة فكتبها، ثم إن رجلا منهم قال: حدثنى أبى، عن جدى: أن التوراة فى خابئة دفنت فى كوم كذا فانطلقوا معه حتى احتفرها، وأخرج التوراة فعارضوها بما كتب عزير فلم يجدوه غادر منها آية ولا حرفا فعجبوا وقالوا: إن الله لم يقذف التوراة فى قلبه بعد ذهابها منا إلا لأنه ابنه. وروى أنهم قتلوا الأنبياء بعد موسى عليه السلام، فرفع الله التوراة ومحاها من صدورهم، فخرج عزير وهو غلام يسبح فى الأرض، فأتاه جبريل فقال له: إلى أين تذهب؟ فقال: أطلب العلم، فعلمه التوراة وأملاها عليهم عن ظهر لسانه، لا يخرم حرفا، فقالوا: ما جمع الله التوراة فى صدره وهو غلام إلا أنه ابنه. {وقالَتِ النَّصارَى المسِيحُ ابنُ اللهِ} مبتدأ وخبر، وقيل المسيح مبتدأ محذوف الخبر وبالعكس، وابن تابع، وفى ذلك ما مر، وقائل ذلك بعض النصارى، وقال أبو المعالى: أطبقت النصارى على أن المسيح إله وابن الإله، وإنما قالوا ذلك لاستحالة أن يكون الولد بلا أب عندهم، أو لأنه يُبرىء الأكمه والأبرص، ويحيى الموتى. وقيل: كانت النصارى على دين المسيح عليه السلام ثمانين سنة، وكان بين النصارى واليهود حرب، وقتل بولس وهو من شجعان اليهود جماعة من أصحاب عيسى، ثم قال لليهود: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا، فسأحتال حتى يدخل النصارى معنا النار، فعرقب فرسه الذى يجاهد عليه، وأظهر التوبة، ووضع التراب على رأسه، ثم أتى إلى النصارى فقالوا: من أنت؟ قال: أنا عدوكم بولس نوديت من السماء أنه لا توبة لك حتى تنتصر، فأدخلوه البيعة ونصروه، وقعد فى بيت فيها سنة حتى تعلم الإنجيل، ثم خرج وقال: قد نوديت أن الله قد قبل توبتى فصدقوه، وعلا شأنه فيهم، وأحبوه، فعلَّم رجلا اسمه نسطور أن عيسى ومريم والله آلهة ثلاثة، وعلم رجلا اسمه يعقوب أن عيسى ليس إنسانا ابن الله، وعلم ثالثا اسمه ملكان أن عيسى هو الله، لم يزل ولا يزال، ولما تمكن ذلك فيهم دعى كلا منهم فى الخلوة، وقال له: أنت خالصتى، وادع الناس لما علمتك، وأمره أن يذهب إلى ناحية من البلاد، وقال لهم: إنى رأيت عيسى فى المنام، وقد رضى عنى، وسأذبح نفسى تقربا إليه، ثم ذبح نفسه فى مذبح البلدة، فذهب واحد إلى الروم، وواحد إلى بيت المقدس، وواحد إلى ناحية أخرى فدعا كل إلى مقالته، فاتبعهم طوائف فتفرقوا واختلفوا، ووقع القتال فكان ذلك سبب قولهم: المسيح ابن الله. ويقال: إن بعضهم يعتقد النبوة فى ذلك بنوة حنو ورحمة، وكذلك قيل فى قول اليهود: عزير ابن الله، كما قالوا: نحن أبناء الله، وعلى كل حال فقد أشركوا بذلك، لأن هذه الكلمة ولو لم تعتقد فى القلب على حقيقتها، لكنها توهم الولادة، فكانت كلمة شرك، وقد غلطها الفخر إذ قال: الأقرب أن يقال لعله، ورد لفظ الابن فى الإنجيل على التشريف، ففسروه بالنبوة الحقيقية ا هـ. ونقول: تعالى الله أن ينزل ذلك اللفظ لا على التشريف ولا على الحقيقية، والذى حفظته ما ذكره حماد قال: أنفقت على الحديث أربعة آلاف، فليتنى أنفقتها على الأدب، فإن النصارى صحفوا حرفا فكفروا، أوحى الله إلى عيسى عليه السلام: أنا ولَّدتك بتشديد اللام، وأنت نبيى بتقديم النون، فخففوا اللام وقدموا الباء وضموها. {ذَلكَ قَوْلهم بأفْواهِهِم} ذكر الأفواه مع أن القول إنما يكون بالفم لا بغيره تأكيدا لنسبة القول إليهم، ونفيا للتجوز فيها، أو إشعارا بأنه قول من مجرد الفم لم يعتقدوه فى القلوب، ولم يكن معناه واقعا، فهو كاللفظ المهمل، أو إشعارا بأنه لا برهان عليه، وأنه دعوى محضة، ولا شبهة فيها، وهم معترفون بأنه لا صاحبة له فلا شبهة فى انتفاء الولد. {يُضاهِئُونَ} أى يضاهى قولهم بحذف المضاف، والمضاهاة المشابهة، وفى المشابهة موافقة ومواطأة، ولذلك فسرها الحسن بالموافقة، ومجاهد بالمواطأة، وقرأ عاصم، وطلحة بن مصرف: يضاهئون بالهمز وهو لغة ثقيف، قال أبو على الفارسى: من قال إن هذا من قولهم امرأة ضهياء بالمد، وهى التى لا تحيض، وقيل التى لا ثدى لها، سميت بذلك لشبهها بالرجل، فقوله خطأ لأن الهمزة فى ضاهاء أصل، وفى ضهياء زائد كحمراء، ولذلك الألف المتصل بها قبلها، وأما الضاد والهاء والياء فأصول، وقال القاضى منه: امرأة ضهياء بهمزة متصلة بالياء لم تفصل بينهما ألف بوزن فعيل بإسكان العين وفتح الباء، بعده على أن الباء زائدة والهمزة أصل. {قَولَ الَّذينَ كَفرُوا مِنْ قَبلُ} من قبلهم، وهم الذين قالوا قبلهم: عزير ابن الله، والذى قالوا قبلهم: المسيح ابن الله، أو العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله، وذلك على أن القائلين فى زمان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أو على أنهم قبله، واعتبر من قال ذلك قبلهم، أو أن العرب قالوا: الملائكة بنات الله قبل قول بنى إسرائيل الذين قبل زمانه ذلك، والواو فى يضاهئون لليهود والنصارى، وإن رجعته إلى النصارى فالذين كفروا من قبل اليهود فى قولهم: عزير ابن الله، أو العرب القائلون ما مر، أو قطعة من النصارى سابقة. {قاتَلَهم اللهُ} جاء على طريق الدعاء بهلاكهم، فإن من قاتله الله هلك وكان بعيدا عن الرحمة، ولذا فسره ابن عباس باللعن، وقيل: ذلك تعجيب للناس من بشاعة قولهم، فإن العرب تقول لمن فعل عجيبا: قاتله الله، ولا تريد إهلاكا بل تعجيبا وليس ذلك من المفاعلة التى على بابها، لما علمت من استعمال ذلك على طريق الدعاء أو فى التعجيب. {أنَّى} كيف أو من أين {يُؤفَكُون} يصرفون عن الحق بعد إيضاحه، وقال أبو عبيدة: يحرمون الخير، والأصل أنى توجهوا، وأنى ذهبوا، ويدل ذلك بفعل سوء كأنه قيل: أنى تقلبون على وجوههم.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ} قاله بعض متقدميهم ونسب إِليهم مطلقاً لرضاهم عن قائله؛ كما نسب إِليهم قتل الأَنبياء لرضاهم عمن قتلهم. وعدم اللعن والتبرى رِضًا. وعن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال سلامة بن نشكم ونعمان بن أَبي أَوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا. ولا تزعم أَن عزيرا ابن الله، فنزلت. وقيل: قاله فنحاص بن عازوراءَ وحده ورضوا به، وهو القائل {أية : إِن الله فقير ونحن أَغنياء}تفسير : [آل عمران: 181] وعلى كل حال لم ينكر اليهود ذلك حين نزلت مع أَنهم فى غاية التكذيب. ولو أَنكروه لم يفد إِنكارهم مع إِخبار الله عز وجل به عنهم، وكذا عادة اليهود والنصارى يبدلون ما فى القرآن إِلى غيره. ويرون غيره عن كتبهم لينسبوا الكذب إِلى القرآن. أَعرض اليهود عن التوراة فرفعت مع التابوت من صدورهم، أَو رفعت لقتل بخت من قرأَها. وهرب عزير إِلى العراق ولم يقتله لصغره، ولما رجع بعد مائة سنة مات فيها صلى مبتهلا، فدخل جوفه نور من السماء، فعادت إِلى قلبه، وقيل: شربها من إِناء ناوله ملك له، ورجعت مع التابوت، أَو وجدوها مدفونة فى كرم، أَخبرهم رجل عن أَبيه عن جده به فيها. وقابلوا ما يقرأ عزير ولم يجدوا تغيرا، وقالوا: ما ذاك إِلا لكونه ابن الله. قال لمولاة مقعدة عمياءَ فى داره: أَنا عزير. فقالت: إِن صدقت فادع الله لى. فدعا فأَبصرت ومشت إِلى كرم معه فأَخبرتهم بموضع دفنت فيه التوراة، فأَخرجوها، وأَيضاً أَبصرت علامة بين كتفيه فعرفته. وعزير مبتدا خبره ابن. وهو عجمى وإِذا لم ينون وإِنما لا ينون العلم إِن كان ابن تابعاً. وقيل: عربى فلم ينون على لغة من يحذف التنوين للساكن بعده لشبه النون بالواو، ولا حاجة إِلى دعوى أَن ابن تابع لعزير والخبر محذوف أَى نبينا أَو إِمامنا أَو معبودنا. وأَما أَلف ابن فيكتب فى القرآن، ولو كان بين علمين تابعاً لأَولهما كما كتب فيها عيسى ابن مريم والمسيح ابن مريم بأَلف، ويرد هذه الدعوى أَنها توجب إِثبات النبوة لأَن التصديق أَو التكذيب راجع إِلى الخبر لا إِلى قيد المبتدأ، وإِذا قلت: زيد بن عمرو قائم سلمت أَنه ابنه، والكلام إِنما هو فى القيام. قلت: إِنما ذلك فى غير ما ذكر بالقول، فهنا نسب إِليهم البنوة والخبر {وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ} مبتدأ وخبر، فليكن عزير ابن الله، كذلك تبادر، إِلا لزوماً، قالوا ذلك لاستحالة ولد بلا أَب عادة، أَو لما رأَوا من معجزاته أَو وجدوا فى الإِنجيل أَو غيره أَنه ابن الله سبحانه بمعنى قرب الشرف، فتوهموا باللفظ، قالت اليعقوبية لعنهم الله: ذلك لأَنه بلا أَب، ولإِبراء الأَكمة والأَبرص وإِحياء ما ليس حيا، وفيه: إِن آدم عليه السلام لا أَب له ولا أُم، والإِبراء والاحياء بالله على يده، أَلا يرونه يصلى لله داعياً الله عز وجل أَن يفعل ذلك. كانوا بعد رفع عيسى عليه السلام على الحق إِحدى وثمانين سنة يصومون شهر رمضان فى وقته ويصلون إِلى القبلة. ومما يروى على ضعف أَنه كان بولس اليهودى قتل جماعة من أَصحاب عيسى عليه السلام. وقال: إِن كان عيسى محقاً دخلنا النار، ودخل أَتباعه الجنة فاحتال لأَن يدخلوا النار معه، فعرقب فرس جهاده ووضع التراب على رأسه، وقال للنصارى: أَنا بولس، نوديت من السماء، لا توبة لك حتى تتنصر، فنصروه فى الكنيسة ولزم بيتاً سنة حتى تعلم الإِنجيل، فقال: نوديت بقبول توبتى، فعلا شأنه فيهم، فعلم يعقوب أَن عيسى ابن الله، ونسطور أَن الله وعيسى ومريم آلهة، وملكان أَن عيسى الله، وأَرسل واحداً للروم وواحداً للفرس، وآخر غير ذلك. ودعا كل واحد إِلى ما علمه، ووقع القتال لذلك. وقد قال لهم: رأَبت عيسى ورضى عنى، وسأَذبح نفسى قرباناً فذبح نفسه {ذَلِكَ} المذكور من ادعاء أَن عيسى ابن الله، ومن ادعاء أَن عزيراً بن الله، أَو من ادعاء أَن عيسى هو الله {قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ} تكرير لذكر عيبهم كما إِذ فَصلت فعل أَحد وقوله ثم ختمت بقولك: هذا فعله أَو هذا قوله، أَو دفع لما قد يتوهم أَنهم أَثبتوا البنوة لعزير وعيسى بالكتب أَو الإِشارة إِلى فعل أَو التزام، أَو ذلك لبيان أَن ذلك قول مجرد عن الحجة ظاهر البطلان فإِن الله جل وعز لا يحتاج ولا يستكمل ولا يشتهى، وليس جسماً كما أَنه ليس عرضاً، ولا تحويه جهة، فكيف تكون له زوج؟ فهو قول بمجرد الفم، فكأَنه تنفيه قلوبهم، ويجوز على بعد أَن يكون المعنى: ذلك قولهم لا قول لمن تبعهم وليس منهم {يُضَاهِئُونَ} أَى يضاهى قولهم بدليل قوله {قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} فإِن الذات لا تشبه بالعرض، والمضاهاة المشابهة، أَو يقدر يضاهون فى قولهم، ويجوز أَن يضمن يضاهون معنى يحكون فلا يقدر مضاف، أَى يقولون قولا كقول من قبلهم، فإِنك إِذا فعلت ما سبقك غيرك به فكأَنك استحضرت عين ما سبقك غيرك به، والواو الأُولى للنصارى فيكون الذين كفروا من قبل اليهود. أَشبهوهم فى قولهم عزير ابن الله بقولهم المسيح ابن الله، الواو للنصارى واليهود الذين فى زمانه صلى الله عليه وسلم، فالذين كفروا من قبل هم اليهود والنصارى القائلون بذلك قبل زمانه صلى الله عليه وسلم، وفيه تلويح بأَن الكفر فيهم قديم، ويبعد أَن يكون الذين كفروا من قبل مشركى العرب القائلين إِن الملائكة بنات الله لأَنهم ليسوا قبل السابقين من اليهود والنصارى ولا قبل اليهود والنصارى الموجودين فى زمانه صلى الله عليه وسلم وانقطعوا، بل قبلهم واتصلوا ووجدوا فى زمانه، فلا يقال من قبل، إِلا أَن ظاهر كلام مجاهد يدل أَن القائلين إِن الملائكة بنات الله انقطعوا قبل زمانه صلى الله عليه وسلم، فصح أَن يقال: أَشبه النصارى، أَو النصارى واليهود هؤلاء القائلين من قبل، وفيه تقبيح لهم إِذ شابهوا، وهم أَهل كتاب، من ليس من أَهل كتاب. أَو المراد تشبيه كفر اليهود والنصارى بكفر الأُمم الخالية كنصر وذو عاد وثمود وقوم نوح، ومن النصارى أَيضاً من يقول: الملائكة بنات الله، فإِن انقطعوا شبه بهم اليهود والنصارى القائلين ببنوة عزير وعيسى {قَاتَلَهُمُ اللهُ} لعنهم الله، وهو أَمر للخلق أَن يدعوا عليهم باللعنة وبالهلاك. كما يجئ فى القرآن مصروفاً إِلى الناس، أَو ذلك إِخبار بأَن الله قد لعنهم أَو أَهلكهم، أَو تعجب للنبى صلى الله عليه وسلم وغيره من حالهم. فإِن مادة قاتل تستعمل فى التعجب إِذا أَعجبتك خصلة من إِنسان ولو حسنة قلت: قاتله الله، أَو قتله، لا تريد سوءًا بل تعجباً {أَنَّى يُؤْفَكُونَ} كيف يصرفون، أَو من أَى جهة يصرفون عن الحق إِلى الباطل. وذلك تعجيب للخلق من حالهم إِذ اختاروا الضلال مع وضوح الحق بالبرهان.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ} استئناف سيق لتقرير ما مر من عدم إيمان أهل الكتابين بالله سبحانه وانتظامهم بذلك في المشركين، والقائل {عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} متقدمو اليهود ونسبة الشيء القبيح إذا صدر من بعض القوم إلى الكل مما شاع، وسبب ذلك على ما أخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن عزيراً كان في أهل الكتاب وكانت التوراة عندهم يعملون بها ما شاء الله تعالى أن يعملوا ثم أضاعوها وعملوا بغير الحق وكان التابوت عندهم فلما رأى الله سبحانه وتعالى أنهم قد أضاعوا التوراة وعملوا بالأهواء رفع عنهم التابوت وأنساهم التوراة ونسخها من صدورهم فدعا عزير ربه عز وجل / وابتهل أن يرد إليه ما نسخ من صدره، فبينما هو يصلي مبتهلاً إلى الله عز وجل نزل نور من الله تعالى فدخل جوفه فعاد الذي كان ذهب من جوفه من التوراة فأذن في قومه فقال: يا قوم قد آتاني الله تعالى التوراة وردها إلي فطفق يعلمهم فمكثوا ما شاء الله تعالى أن يمكثوا وهو يعلمهم. ثم إن التابوت نزل عليهم بعد ذهابه منهم فعرضوا ما كان فيه على الذي كان عزير يعلمهم فوجدوه مثله فقالوا: والله ما أوتي عزير هذا إلا لأنه ابن الله سبحانه. وقال الكلبـي في سبب ذلك: إن بختنصر غزا بيت المقدس وظهر على بني إسرائيل وقتل من قرأ التوراة وكان عزير إذ ذاك صغيراً فلم يقتله لصغره فلما رجع بنو إسرائيل إلى بيت المقدس وليس فيهم من يقرأ التوراة بعث الله تعالى عزيراً ليجدد لهم التوراة وليكون آية لهم بعد ما أماته الله تعالى مائة سنة فأتاه ملك بإناء فيه ماء فشرب منه فمثلت له التوراة في صدره فلما أتاهم قال: أنا عزير فكذبوه وقالوا: إن كنت كما تزعم فأمل علينا التوراة فكتبها لهم من صدره. فقال رجل منهم: إن أبـي حدثني عن جدي أنه وضعت التوراة في خابية ودفنت في كرم فانطلقوا معه حتى أخرجوها فعارضوها بما كتب لهم عزير فلم يجدوه غادر حرفاً فقالوا: إن الله تعالى لم يقذف التوراة في قلب عزير إلا لأنه ابنه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وروي غير ذلك ومرجع الروايات إلى أن السبب حفظه عليه السلام للتوراة، وقيل: قائل ذلك جماعة من يهود المدينة منهم سلام بن مشكم ونعمان بن أبـي أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف أخرج ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أن عزيراً ابن الله؟. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أن قائل ذلك فنحاص بن عازوراء وهو على ما جاء في بعض الروايات القائل: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } تفسير : [آل عمران: 181]. وبالجملة أن هذا القول كان شائعاً فيهم ولا عبرة بإنكارهم له أصلاً ولا بقول بعضهم: إن الواقع قولنا عزير أبان الله أي أوضح أحكامه وبين دينه أو نحو ذلك بعد أن أخبر الله سبحانه وتعالى بما أخبر. وقرأ عاصم والكسائي ويعقوب وسهل {عزير} بالتنوين والباقون بتركه. أما التنوين فعلى أنه اسم عربـي مخبر عنه بابن. وقال أبو عبيدة: إنه أعجمي لكنه صرف لخفته بالتصغير كنوح ولوط وإلى هذا ذهب الصغاني. وهو مصغر عزار تصغير ترخيم، والقول بأنه أعجمي جاء على هيئة المصغر وليس به فيه نظر. وأما حذف التنوين فقيل لالتقاء الساكنين فإن نون التنوين ساكنة والباء في ابن ساكنة أيضاً فالتقى الساكنان فحذفت النون له كما يحذف حروف العلة لذلك، وهو مبني على تشبيه النون بحرف اللين وإلا فكان القياس تحريكها، وهو مبتدأ وابن خبره أيضاً ولذا رسم في جميع المصاحف بالألف؛ وقيل: لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وقيل: ((لأن الابن وصف والخبر محذوف مثل معبودنا. وتعقب بأنه تمحل عنه مندوحة ورده الشيخ في «دلائل الإعجاز» بأن الاسم إذا وصف بصفة ثم أخبر عنه فمن كذبه انصرف تكذيبه إلى الخبر وصار ذلك الوصف مسلماً، فلو كان المقصود بالإنكار قولهم عزير ابن الله معبودنا لتوجه الإنكار إلى كونه معبوداً لهم وحصل تسليم كونه ابناً لله سبحانه وذلك كفر. واعترض عليه الإمام قائلاً: إن قوله يتوجه الإنكار إلى الخبر مسلم لكن قوله: يكون ذلك تسليماً للوصف ممنوع لأنه لا يلزم من كونه مكذباً لذلك الخبر كونه مصدقاً لذلك / الوصف إلا أن يقال: ذلك بالخبر يدل على أن ما سواه لا يكذبه وهو مبني على دليل الخطاب وهو ضعيف)). وأجاب بعضهم بأن الوصف للعلية فإنكار الحكم يتضمن إنكار علته. وفيه أن إنكار الحكم قد يحتمل أن يكون بواسطة عدم الإفضاء لا لأن الوصف كالأبنية مثلاً منتف. وفي «الإيضاح» أن القول بمعنى الوصف وأراد أنه لا يحتاج إلى تقدير الخبر كما أن أحداً إذا قال مقالة ينكر منها البعض فحكيت منها المنكر فقط، وهو كما في «الكشف» وجه حسن في رفع التمحل لكنه خلاف الظاهر كما يشهد له آخر الآية. وقال بعض المحققين: إنه يحتمل أن يكون {عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} خبر مبتدأ محذوف أي صاحبنا عزير ابن الله مثلاً، والخبر إذا وصف توجه الإنكار إلى وصفه نحو هذا الرجل العاقل وهذا موافق للبلاغة وجار على وفق العربية من غير تكلف ولا غبار، ولم يظهر لي وجه تركه مع ظهوره، والظاهر أن التركيب خبر ولا حذف هناك، واختلف في عزير هل هو نبـي أم لا والأكثرون على الثاني. {وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ} هو أيضاً قول بعضهم، ولعلهم إنما قالوه لاستحالة أن يكون ولد من غير أب أو لأنهم رأوا من أفعاله ما رأوا. ويحتمل ـ وهو الظاهر عندي ـ أنهم وجدوا إطلاق الابن عليه عليه السلام وكذا إطلاق الأب على الله تعالى فيما عندهم من الإنجيل فقالوا ما قالوا وأخطأوا في فهم المراد من ذلك. وقد قدمنا من الكلام ما فيه كفاية في هذا المقام. ومن الغريب ـ ولا يكاد يصح ـ ما قيل: إن السبب في قولهم هذا أنهم كانوا على الدين الحق بعد رفع عيسى عليه السلام إحدى وثمانين سنة يصلون ويصومون ويوحدون حتى وقع بينهم وبين اليهود حرب وكان في اليهود رجل شجاع يقال له بولص قتل جماعة منهم ثم قال لليهود: إن كان الحق مع عيسى عليه السلام فقد كفرنا والنار مصيرنا ونحن مغبونون إن دخلنا النار ودخلوا الجنة وإني سأحتال عليهم وأضلهم حتى يدخلوا النار معنا ثم إنه عمد إلى فرس يقاتل عليه فعقره وأظهر الندامة والتوبة ووضع التراب على رأسه وأتى النصارى فقالوا له من أنت فقال: عدوكم بولص قد نوديت من السماء أنه ليست لك توبة حتى تتنصر وقد تبت وأتيتكم فأدخلوه الكنيسة ونصروه ودخل بيتاً فيها فلم يخرج منه سنة حتى تعلم الإنجيل ثم خرج وقال: قد نوديت إن الله تعالى قد قبل توبتك فصدقوه وأحبوه وعلا شأنه فيهم، ثم إنه عمد إلى ثلاثة رجال منهم نسطور ويعقوب وملكا فعلم نسطور أن الإله ثلاثة الله وعيسى ومريم تعالى الله عن ذلك، وعلم يعقوب أن عيسى ليس بإنسان ولكنه ابن الله سبحانه، وعلم ملكاً أن عيسى هو الله تعالى لم يزل ولا يزال فلما استمكن ذلك منهم دعا كل واحد منهم في الخلوة وقال له: أنت خالصتي فادع الناس إلى ما علمتك وأمره أن يذهب إلى ناحية من البلاد، ثم قال لهم: إني رأيت عيسى عليه السلام في المنام، وقد رضي عني وأنا ذابح نفسي تقرباً إليه ثم ذهب إلى المذبح فذبح نفسه، وتفرق أولئك الثلاثة فذهب واحد منهم إلى الروم وواحد إلى بيت المقدس والآخر إلى ناحية أخرى وأظهر كل مقالته ودعا الناس إليها فتبعه من تبعه وكان ما كان من الاختلال والضلال. {ذٰلِكَ} أي ما صدر عنهم من العظيمتين {قَوْلُهُم بِأَفْوٰهِهِمْ} أي أنه قول لا يعضده برهان مماثل للألفاظ المهملة التي لا وجود لها إلا في الأفواه من غير أن يكون لها مصداق في الخارج، وقيل: هو تأكيد لنسبة القول المذكور إليهم ونفي التجوز عنها وهو الشائع في مثل ذلك، وقيل: أريد بالقول الرأي والمذهب، وذكر الأفواه إما للإشارة إلى أنه لا أثر له في قلوبهم وإنما يتكلمون به جهلاً وعناداً وإما للإشعار بأنه مختار لهم غير متحاشين عن التصريح / به فإن الإنسان ربما ينبه على مذهبه بالكتابة أو بالكناية مثلاً فإذا صرح به وذكره بلسانه كان ذلك الغاية في اختياره، وادعى غير واحد أن جعل ذلك من باب التأكيد كما في قولك: رأيته بعيني وسمعته بأذني مثلاً مما يأباه المقام، ولو كان المراد به التأكيد مع التعجيب من تصريحهم بتلك المقالة الفاسدة لا ينافيه المقام ولا تزاحم في النكات {يُضَـٰهِئُونَ} أي يضاهي قولهم في الكفر والشناعة {قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وصير مرفوعاً، ويحتمل أن يكون من باب التجوز كما قيل في قوله تعالى: {أية : وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَـٰئِنِينَ } تفسير : [يوسف: 52] لا يهديهم في كيدهم، فالمراد يضاهئون في قولهم قول الذين كفروا {مِن قَبْلُ} أي من قبلهم وهم كما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة واختاره الفراء المشركون الذين قالوا: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى عما يقولون، وقيل: المراد بهم قدماؤهم فالمضاهي من كان في زمنه عليه الصلاة والسلام منهم لقدمائهم وأسلافهم، والمراد الإخبار بعراقتهم في الكفر. وأنت تعلم أنه لا تعدد في القول حتى يتأتى التشبيه، وجعله بين قولي الفريقين ليس فيه مزيد مزية، وقيل: المراد بهم اليهود على أن الضمير للنصارى، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر وإن أخرجه ابن المنذر وغيره عن قتادة مع أن مضاهاتهم قد علمت من صدر الآية، ويستدعي أيضاً اختصاص الرد والإبطال بقوله تعالى: {ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوٰهِهِمْ} بقول النصارى. وقرأ الأكثر {يضاهون} بهاء مضمومة بعدها واو، وقد جاء ضاهيت وضاهأت بمعنى من المضاهاة وهي المشابهة وبذلك فسرها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وعن الحسن تفسيرها بالموافقة وهما لغتان، وقيل: الياء فرع عن الهمزة كما قالوا فريت وتوضيت، وقيل: الهمزة بدل من الياء لضمها. ورد بأن الياء لا تثبت في مثله حتى تقلب بل تحذف كرامون من الرمي، وقيل: إنه مأخوذ من قولهم: امرأة ضهيا بالقصر وهي التي لا ثدي لها أو لا تحيض أو لا تحمل لمشابهتها الرجال، ويقال: ضهياء بالمد كحمراء وضهياءة بالمد وتاء التأنيث وشذ فيه الجمع بين علامتي التأنيث، وتعقب بأنه خطأ لاختلاف المادتين فإن الهمزة في ضهياء على لغتها الثلاث زائدة وفي المضاهاة أصلية ولم يقولوا: إن همزة ضهياء أصلية وياؤها زائدة لأن فعيلاء لم يثبت في أبنيتهم، ولم يقولوا وزنها فعلل كجعفر لأنه ثبت زيادة الهمزة في ضهياء بالمد فتتعين في اللغة الأخرى، وفي هذا المقام كلام مفصل في محله. ومن الناس من جوز الوقف على {قَوْلُهُمْ} وجعل {بِأَفْوٰهِهِم} متعلقاً بيضاهئون ولا توقف في أنه ليس بشيء، وفي الجملة ذم للذين كفروا على أبلغ وجه وإن لم تسق لذمهم. {قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ} دعاء عليهم بالإهلاك فإن من قاتله الله تعالى فمقتول ومن غالبه فمغلوب. وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أن المعنى لعنهم الله وهو معنى مجازي لقاتلهم، ويجوز أن يكون المراد من هذه الكلمة التعجب من شناعة قولهم فقد شاعت في ذلك حتى صارت تستعمل في المدح فيقال: قاتله الله تعالى ما أفصحه. وقيل: هي للدعاء والتعجب يفهم من السياق لأنها كلمة لا تقال إلا في موضع التعجب من شناعة فعل قوم أو قولهم ولا يخفى ما فيه مع أن تخصيصها بالشناعة شناعة أيضاً {أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} أي كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل بعد وضوح الدليل وسطوع البرهان.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : ولا يدينون دين الحق}تفسير : [التوبة: 29] والتقدير: ويقول اليهود منهم عزيز ابن الله، ويقول النصارى منهم: المسيح ابن الله، تشنيعاً على قائِليهما من أهل الكتاب بأنّهم بلغوا في الكفر غايته حتّى ساووا المشركين. وعزيز: اسم حَبر كبير من أحبار اليهود الذين كانوا في الأسر البابلي، واسمه في العبرانية (عِزْرا) ــــ بكسر العين المهملة ــــ بن (سرايا) من سبط اللاويين، كان حافظاً للتوراة. وقد تفضّل عليه (كورش) ملك فارس فأطلقه من الأسر، وأطلق معه بني إسرائيل من الأسر الذي كان عليهم في بابل، وأذنهم بالرجوع إلى أورشليم وبناء هيكلهم فيه، وذلك في سنة 451 قبل المسيح، فكان عزرا زعيم أحبار اليهود الذين رجعوا بقومهم إلى أورشليم وجدّدوا الهيكل وأعاد شريعة التوراة من حِفْظه، فكان اليهود يعظّمون عِزرا إلى حدّ أن ادّعى عامّتهم أنّ عزرا ابن الله، غُلوا منهم في تقديسه، والذين وصفوه بذلك جماعة من أحبار اليهود في المدينة، وتبعهم كثير من عامّتهم. وأحسب أنّ الداعي لهم إلى هذا القول أن لا يكونوا أخلياء من نسبة أحد عظمائهم إلى بنوة الله تعالى مثل قول النصارى في المسيح كما قال متقدموهم {أية : اجعل لنا إلٰها كما لهم آلهة}تفسير : [الأعراف: 138]. قال بهذا القول فرقة من اليهود فألصق القول بهم جميعاً لأنّ سكوت الباقين عليه وعدم تغييره يلزمهم الموافقة عليه والرضا به، وقد ذكر اسم عِزرا في الآية بصيغة التصغير، فيحتمل أنّه لمّا عرّب عُرب بصيغة تشبه صيغة التصغير، فيكون كذلك اسمه عند يهود المدينة ويحتمل أنّ تصغيره جرى على لسان يهود المدينة تحبيباً فيه. قرأ الجمهور {عزيرُ} ــــ ممنوعاً من التنوين للعجمة ــــ وهو ما جزم به الزمخشري وقرأه عاصم والكسائي ويعقوب: بالتنوين على اعتباره عربياً بسبب التصغير الذي أدخل عليه لأنّ التصغير لا يدخل في الأعلام العجمية، وهو ما جزم به عبد القاهر في فصل النظم من «دلائل الإعجاز»، وتأوّل قراءة ترك التنوين بوجهين لم يرتضهما الزمخشري. وأمّا قول النصارى ببنوة المسيح فهو معلوم مشهور. وقد مضى الكلام على المسيح عند قوله تعالى: {أية : وآتينا عيسى ابن مريم البينات} تفسير : في سورة البقرة (87). وعند قوله تعالى: {أية : اسمه المسيح عيسى ابن مريم } تفسير : في سورة آل عمران (45). والإشارة بـ {ذلك} إلى القول المستفاد من {قالت اليهود - وقالت النصارى}. والمقصود من الإشارة تشهير القول وتمييزه، زيادة في تشنيعه عند المسلمين. و{بأفواههم} حال من القول، والمراد أنّه قول لا يعدو الوجودَ في اللسان وليس له ما يحقّقه في الواقع، وهذا كناية عن كونه كاذباً كقوله تعالى: {أية : كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً}تفسير : [الكهف: 5]. وفي هذا أيضاً إلزام لهم بهذا القول، وسدّ باب تنصّلهم منه إذ هو إقرارهم بأفواههم وصريح كلامهم. والمضاهاة: المشابهة، وإسنادها إلى القائلين: على تقدير مضاف ظاهرٍ من الكلام، أي يضاهي قولُهم. و{الذين كفروا من قبل} هم المشركون: من العرب، ومن اليونان، وغيرهم، وكونُهم من قَبل النصارى ظاهر، وأمّا كونهم من قبلِ اليهود: فلأنّ اعتقاد بنوة عُزير طارىء في اليهود وليس من عقيدة قُدمائهم. وجملة {قاتلهم الله} دعاء مستعمل في التعجيب، وهو مركّب يستعمل في التعجّب من عمل شنيع، والمفاعلة فيه للمبالغة في الدعاء: أي قتلهم الله قتلاً شديداً. وجملة التعجيب مستأنفة كشأن التعجب. وجملة {أنىٰ يؤفكون} مستأنفة. والاستفهام فيها مستعمل في التعجيب من حالهم في الاتّباع الباطل، حتّى شبه المكان الذي يُصرفون إليه باعتقادهم بمكان مجهول من شأنه أن يُسأل عنه باسم الاستفهام عن المكان، ومعنى {يؤفكون} يُصرفون. يقال: أفَكَه يأفِكه إذا صرفه، قال تعالى: {أية : يؤفك عنه من أفك}تفسير : [الذاريات: 9] والإفك بمعنى الكذب قد جاء من هذه المادّة لأنّ الكاذب يصرف السامع عن الصدق، وقد تقدّم ذلك غير مرة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 30- ترك اليهود الوحدانية فى عقيدتهم، وقالوا: عزيز ابن الله، وترك النصارى الوحدانية كذلك، فقالوا: المسيح ابن الله. وقولهم هذا مبتدع من عندهم، يرددونه بأفواههم ولم يأتهم به كتاب ولا رسول، وليس عليهم حُجة ولا برهان، وهم فى هذا القول يشابهون قول المشركين قبلهم، لعن الله هؤلاء الكفار وأهلكهم. عجباً لهم كيف يضلون عن الحق وهو ظاهر، ويعدلون إلى الباطل. 31- اتخذوا رجال دينهم أرباباً، يشرعون لهم، ويكون كلامهم ديناً، ولو كان يخالف قول رسولهم، فاتبعوهم فى باطلهم، وعبدوا المسيح ابن مريم، وقد أمرهم الله فى كتبه على لسان رسله ألا يعبدوا إلا إلهاً واحداً، لأنه لا يستحق العبادة فى حكم الشرع والعقل إلا الإله الواحد، تنزه الله عن الإشراك فى العبادة والخلق والصفات. 32- يريد الكافرون بمزاعمهم الباطلة أن يطفئوا نور الله وهو الإسلام، ولا يريد الله إلا إتمام نوره، بإظهار دينه ونصر رسوله، ولو كانوا كارهين لذلك. 33- هو الله الذى كفل إتمام نوره بإرسال رسوله (محمداً) صلى الله عليه وسلم، بالحُجج البينات، ودين الحق (الإسلام) ليعلى هذا الدين على جميع الأديان السابقة عليه، وإن كرهه المشركون، فإن الله يظهره رغماً عنهم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: عُزير: هو الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه، واليهود يسمونه: عِزْرا. المسيح: هو عيسى بن مريم عليهما السلام. يضاهئون: أي يشابهون. قول الذين كفروا: أي من آبائهم وأجدادهم الماضين. قاتلهم الله: أي لعنهم الله لأجل كفرهم. أنى يؤفكون: أي كيف يصرفون عن الحق. أحبارهم ورهبانهم: الأحبار جمع حبر: علماء اليهود، والرهبان جمع راهب عابد النصارى. أرباباً من دون الله: أي آلهة يشرعون لهم فيعملون بشرائعهم من حلال وحرام. نور الله: أي الإِسلام لأنه هاد إلى الإِسعاد والكمال في الدارين. بأفواههم: أي بالكذب عليه والطعن فيه وصرف الناس عنه. رسوله: محمداً صلى الله عليه وسلم. معنى الآيات: لما أمر تعالى بقتال أهل الكتاب لكفرهم وعدم إيمانهم الإِيمان الحق المنجي من النار ذكر في هذه الآيات الثلاث ما هو مقرر لكفرهم ومؤكد له فقال {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} ونسبة الولد إلى الله تعالى كفر بجلاله وكماله {وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ} ونسبه الولد إليه تعالى كفر به عز وجل وبماله من جلال وكمال وقوله تعالى: {ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ} أي ليس له من الواقع شيء إذ ليس لله تعالى ولد، وكيف يكون له ولد ولم تكن له زوجة، وإنما ذلك قولهم بأفواههم فقط {يُضَاهِئُونَ} أي يشابهون به {قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ} وهم اليهود الأولون وغيرهم وقوله تعالى {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} دعاء عليهم باللعن والطرد من رحمة الله تعالى وقوله {أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} أي كيف يصرفون عن الحق ويبعدون عنه بهذه الصورة العجيبة وقوله {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} هذا دليل آخر على كفرهم وشركهم إذ قبولهم قول علمائهم وعبادهم والإِذعان له والتسليم به حتى أنه ليحلون لهم الحرام فيحلونه ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه، شرك وكفر والعياذ بالله، وقوله {وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ} أي اتخذه النصارى رباً وإلهاً، وقوله تعالى {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً} أي لم يأمرهم أنبياؤهم كموسى وعيسى وغيرهما إلا بعبادة الله تعالى وحده لا إله إلا هو ولا رب سواه وقوله {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} نزه تعالى نفسه عن شركهم. وقوله تعالى {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ} أي يريد اليهود والنصارى أن يطفئوا نور الله الذي هو الإِسلام بأفواههم بالكذب والافتراء، والعيب والانتقاص، {وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ}، وقد فعل فله الحمد وله المنة، وأصبح الإِسلام الظاهر على الأديان كلها، هذا ما دلت عليه الآيات الثلاث أما الآية الرابعة [33] فقد أخبر تعالى أنه {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ} أي محمداً {بِٱلْهُدَىٰ} وهو القرآن {وَدِينِ ٱلْحَقِّ} الذي هو الإِسلام، وقوله {لِيُظْهِرَهُ} أي الدين الحق الذي هو الإِسلام {عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ}. وقد فعل فالإِسلام ظاهر في الأرض كلها سمع به أهل الشرق والغرب ودان به أهل الشرق والغرب وسيأتي يوم يسود فيه المسلمون أهل الدنيا قاطبة بإِذن الله تعالى. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير كفر اليهود والنصارى بذكر عقائدهم الكفرية. 2- طاعة العلماء ورجال الدين طاعة عمياء حتى يحلوا ويحرموا فيتبعوا شرك. 3- بيان عداء اليهود والنصارى للإِسلام وتعاونهم على إفساده وإفساد أهله. 4- بشرى المسلمين بأنهم سيسودون العالم في يوم من الأيام ويصبح الإِسلام هو الدين الذي يعبد الله به في الأرض لا غيره، ويشهد لهذا آية {أية : وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله} تفسير : [الأنفال: 39] فلو لم يعلم الله أن ذلك كائن لم يجعله غاية وطالب بالوصول إليها.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلنَّصَارَى} {بِأَفْوَاهِهِمْ} {يُضَاهِئُونَ} {قَاتَلَهُمُ} (30) - يَحُثُّ اللهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ عَلَى قِتَالِ أهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لِقَوْلِهِمْ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ، إذِ ادَّعَى الْيَهُودُ أنَّ عُزَيْراً ابْنُ اللهِ، وَادَّعَتِ النَّصَارَى أنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ اللهِ، وَهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ بِأفْوَاهِهِمْ، وَلاَ سَنَدَ لَهُمْ فِيمَا ادَّعُوهُ سِوَى افْتِرَائِهِمْ وَاخْتِلاَقِهِمْ، وَهُمْ يُشَابِهُونَ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا قَبْلَهُمْ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي ضَلَّتْ كَمَا ضَلَّ هَؤُلاَءِ، قَاتَلَهُمُ اللهُ وَلَعَنَهُمْ، كَيْفَ يَضِلُّونَ عَنِ الحَقِّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْهُ إِلَى الْبَاطِلِ؟ يُضَاهِئُونَ - يُشَابِهُونَ فِي الكُفْرِ وَالقَوْلِ. أنَّى يُؤْفَكُونَ - كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ سُطُوعِهِ؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا الادعاء فيه مساس بجلال الله تعالى، فالإنسان يتخذ ولداً لعدة أسباب؛ إمَّا لأنه يريد أن يبقى ذِكْره في الدنيا بعد أن يرحل، والله سبحانه دائم الوجود؛ وإمَّا لكي يعينه ابنه عندما يكبر ويضعف، والله سبحانه وتعالى دائم القوة؛ وإما ليرث ماله وما يملك، والله تبارك وتعالى يرث الأرض ومن عليها. وإما ليكون عزوةً له، والله جل جلاله عزيز دائماً. وهكذا تنتفي كل الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى هذا الادعاء. ولا يعقل أن يرسل الله سبحانه رسولاً ليبين للناس منهج الحق فإذا به يقول للناس: إنَّه ابن الله. إذن فهم لم يؤمنوا الإيمان الكامل بالله. ويسوق الحق تبارك وتعالى قول كل من اليهود والنصارى: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ}. وهكذا نجد أنهم لم ينزهوا الله وأخلُّوا بالإيمان الحق. ولا بد أن نعلم أن من قالوا: إن عُزَيْراً ابن الله ليسوا هم كل اليهود، بل جماعة منهم فقط هي التي جعلت عُزَيْراً ابناً لله لما رأى أفرادها على يديه نعمة أفاءها الله تعالى عليه، فقالوا: هذه نعمة عظيمة جداً لا يمكن أن يعطيها ربنا لشخص عادي، بل أعطاها لابنه. ذلك أن اليهود بعد سيدنا موسى عليه السلام قتلوا الأنبياء، وعاقبهم الله بأن رفع التوراة من صدور الحافظين لها، ولكن طفلاً لم يعجبه مشهد قتل الأنبياء فخرج شارداً في الصحراء مهاجراً وهارباً، فقابله شخص في الطريق فسأله: لماذا أنت شارد؟ فقال: خرجْت أطلب العلم. وكان هذا الشخص هو جبريل عليه السلام، فعلَّمه أن لله توراة، فحفظها فصار واحداً من أربعة، هم فقط من حفظوا التوراة: موسى، وعيسى، وعزير، واليسع، ولأن الكتب قديماً لم تكن تكتب على ورق رقيق مثل زماننا، بل كانت تكتب على الأحجار وسعف النخيل، لذلك كان وزن التوراة يقدر بسبعين حِمْل بعير، وحين رجع عزير حافظاً للتوراة، اندهش قومه وقالوا: لا بد أنه ابن الله؛ لأن الله أعطاه التوراة وآثره على القوم جميعاً. ونشأت جماعة من اليهود تؤمن بذلك، وكان منهم سلاَّم بن مشكم، وشاس بن قيس، ومالك ابن الصيف، ونعمان بن أوفى. وحينما أنزل الله قوله: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} لم ينكر اليهود المعاصرون لهذا النزول تلك المسألة ولم يكذبوها، فكأن هناك من اليهود الذين كانوا بالمدينة من كان يؤمن بذلك، وإلا لاعترضوا على هذا القول، وهذا دليل على أن ما جاء بالآية يصدق على بعضهم أو هم عالمون بأن قوماً منهم قد قالوا ذلك. وكذلك قالت النصارى عن عيسى عليه السلام، فجاء قول الحق تبارك وتعالى: {وَقَالَتْ ٱلنَّصَٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ} ويتابع الحق: {ذٰلِكَ قَوْلُهُم} فيوضح لنا سبحانه أن النبوة لله جاءت فيها مشبهة، كان يجب أن يلتفتوا إليها وينزهوا الله عن ذلك؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يصف عباده بأنهم عباد الله، وأن الخلق كلهم خلق الله تعالى. فالمولى سبحانه وتعالى وهو الخالق والقادر على كل شيء خلق كل الخلق من عدم ولم يتخذ صاحبة ولا ولداً. ولكن الشبهة عند بعض من أتباع المسيح جاءت من أنه أوجِدَ من دون أب، ونقول لهم: لو أن هذا الأمر جاء لكم من هذا الطريق، فكان من الأوْلى أن تجيء ذات الشبهة في خلق آدم؛ لأن قصارى ما في المسيح أنه جاء من غير أب، ولكن آدم جاء من غير أب ومن غير أم، فأيهما كان أوْلى أن يكون ابن إله؟ ولذلك يقول القرآن الكريم: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ}. والحق سبحانه وتعالى يخلق الشيء - أي شيء - بأسباب، وكل الأَسباب مخلوقة له، والولد منا - في جمهرة الناس - ينشأ من اجتماع الأب والأم، والشيء المردود بين شيئين له صور منطقية أربعة: إما أن يوجد بوجود شيئين ذكر وأنثى، وإما أن يوجد بانعدام الشيئين مثل آدم، وإما أن يوجد بوجود واحد من الشيئين وهو الذكر مثل حواء، فقد خلقها الله من آدم مصداقاً لقوله: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}، وإما بوجود واحد من الشيئين وهي الأنثى وخلق عيسى عليه السلام منها بدون وجود الذكر. وليعلمنا الله سبحانه وتعالى جميعاً أن الأسباب لا دخل لها في التكوين، وأن المسبِّب هو القادر على أن يوجِد من غير أب وأم كما أوجد آدم، وأن يوجد من أب وأم كما أوجد جمهرة الناس، وأن يوجد من أم دون أب كما أوجد عيسى، وأن يوجد من دون أم كما أوجد حواء. إذن: فالقسمة دائرة بقدرة الله وإرادته، ولا دخل لأحد إلا إرادة الحق سبحانه وتعالى، فالأسباب ليست هي الفاعلة في ذاتها، بل إرادة الخالق سبحانه هي الفاعلة، ولذلك يقول المولى سبحانه وتعالى: {أية : لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} تفسير : [الشورى: 49-50]. أي: قد يوجد الذكر والأنثى ولا يعطي لهما الحق عز وجل أولاداً، وهذه طلاقة قدرة من الله تعالى، فإياك أن تقول إنها بأسباب، بل سبحانه وتعالى يَهَبُ لمن يشاء إناثاً، ويهب لمن يشاء ذكوراً، ويجمع لمن يشاء بين الذكور والإناث، ويجعل من يشاء عقيماً، وكان استقبال الناس للمواليد يختلف؛ فالعرب كانوا يحبون إنجاب الذكر؛ لأنه قوي ويحقق العزوة ويركب الخيل، ويحارب الأعداء. ولم يكونوا يحبون إنجاب الفتاة لأنها قد تأتي منها الفضائح، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ..}تفسير : [النحل: 58-59]. وجاء الإسلام ليوضح: أنه ما دام لا دخل لك في الإنجاب والإنسال، فَدع الأمر لمن يهب الأبناء. وقد سمى الحق تبارك وتعالى الأبناء "هبة" ليذكرك أن الإنجاب شيء أعطاه سبحانه لك بلا مقابل منك، فالذكور هبة، والإناث أيضا هبة. فلا تفضل تلك الهبة عن هذه الهبة. ودائماً أقول للذي ينجب بنات، ويذهب هو وزوجته إلى الأطباء: لو استقبلتم هبة الله في الإناث كما تستقبلونها في الذكور، فإن الحق سبحانه وتعالى يجزيكم جزاء لا يخطر لكم على البال، فيحسن الله كل ابنة لكم في عين رجل صالح ويتزوجها، فإن كُن عشر بنات فهُنَّ يأتين بعشرة رجال أزواج يعاملون الأب والأم لكل زوجة معاملة الأب والأم، وهكذا يرزق الله من يرضى بقسمة الله في الإنجاب، ويصبح أزواج البنات أطوع من الأبناء الذكور، فالذي يرضى بالهبة في الإناث يوضح له الله: رضيتَ بهبتي فيك ولم تكن على سنة العرب من كراهة الإناث؛ لذلك أهبك من أزواج البنات أبناء لم تتعب في تربيتهم ويكونون أكثر حناناً وولاءً من أي أبناء تنجبهم أنت. ولذلك إذا ما وجدت إنساناً قد وُفِّقَ في زيجات بناته، من رجال يصونون أعراضهم ويحسنون معاملة أهل الزوجة، فاعلم أن الأب قد استقبل ميلاد الأنثى بالرضا؛ لأنها هبة الله. ويقول المولى سبحانه وتعالى: {أية : وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً} تفسير : [الشورى: 50]. إذن: فالعقم أيضاً هبة إلهية؛ لأن الإنسان إذا ما استقبل العقم برضا الله؛ لَوَجَد في كل رجل يراه ابناً له؛ لأنه استقبل الهبة في المنع برضا، مثله مثل من استقبل الإناث كاستقبال الذكور. إذن: ما دامت المسألة هبة من الله فيجب أن تستقبل عطاء الله ومنعه بالرضا. وعيسى عليه السلام جاء بنسبة طلاقة القدرة من الخالق سبحانه وتعالى؛ لأن القسمة العقدية والعقلية لا تتم إلا به، ولن تتكرر؛ لأن آدم وُجِدَ أولاً، ومن وجدوا بعد آدم جاء كل منهم من أبوين، وكذلك حواء وُجِدَت من قبلهم، فهذه ثلاث صور قد وجدت في الكون وبقيت صورة ناقصة، هي أن يوجد إنسان من أم دون أب، فأتمها الله عز وجل بعيسى عليه السلام: {وَقَالَتْ ٱلنَّصَٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ} وقول الحق {ذٰلِكَ} إشارة إلى القول بأن المسيح ابن الله أو عزير ابن الله، ويضيف الحق عز وجل توضيحاً {ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ}. ونسأل: وهل يوجد قول بغير أفواه؟ إن كل قول إنما يكون بالأفواه؛ حتى قول المؤمنين بأن الله واحد وأن محمداً رسول الله هو قول بالأفواه. ونقول: هناك قول بالفم فقط دون أن يكون له معنى من المعاني، وهناك قول بالفم أيضاً وله معنى، إلا أنه غير حقيقي، وكاذب. ولنعرف أولاً: ما هو القول؟ إنه كلام يعبر به كل قوم عن أغراضهم؛ كأن تقول للطفل: اجلس، ولا بد أن يكون الطفل فاهماً لمعنى الجلوس، وإن قلتها بالعربية لطفل إنجليزي فلن يفهم معناها. إذن: فاللغة ألفاظ يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، والغرض هو معنى متفق عليه بين المتكلم والسامع، ولا بد أن يعرف الاثنان ما يشير إليه اللفظ من موضوعات. فإن لم يعرف السامع اللفظ الذي يتكلم به المتكلم فهو لا يفهم شيئاً. وهكذا نعلم أن الفهم بين المتكلم والمخاطب يشترط فيه أن يكونا عليمين باللفظ، فإذا تكلم متكلم بشيء لا علم للسامع به؛ فهو لا يفهم. وكانوا يضربون لنا المثل قديماً بعلقمة النحوي وكان مشهوراً في النحو والألفاظ واللغة، ويتقعر في استخدام الكلمات، ولا يتكلم إلا باللغة الفصيحة الشاذة التي لا يعرفها الناس، وكان عند علقمة خادم، فمرض علقمة النحوي مرة وذهب إلى طبيب اسمه "أعجز" ليشكو له علة عنده، وقال علقمة للطبيب: قد أكلت من لحوم هذه الجوازىء فقصأت منها قصأة أصابني منها وجع من الوابية إلى دأبة العنق، ولم يزل يمني حتى خالط الخلب وأملت منه السراسيب. ولم يكن الطبيب متخصصاً في اللغة ولا معاجم عنده، فوقف مستغرباً من كلمات علقمة وقال له: أعدْ عليَّ ما قلته فإني لم أفهم، فأعاد علقمة عليه ما قاله بغضب ولوم لأنه لم يفهم لغته، وعرف الطبيب تقعر علقمة فقال له: هات القلم والورقة لأكتب لك الدواء، وكتب له: خذ حرقة وسلقة ورهرقة واغسله بماروس واشربه بماء ماء. فقال علقمة: أعِدْ عليَّ فوالله ما فهمت شيئاً، فقال الطبيب: لعن الله أقلَّنا إفهاماً لصاحبه. وعرف علقمة أنه متقعر في اللغة ويأتي بألفاظ ليست من الألفاظ الدائرة على ألسن الناس. وقال أساتذتنا لنا: ولم يؤدبه عن هذا إلا غلامه أي خادمه، فقد استيقظ علقمة ذات ليلة وقال: يا غلام أصعقت العتاريف، ولأن الغلام لم يفهم فقد رد قائلاً: زقفيلا، وقال علقمة للغلام: وما زقفيل؟ قال: وأنت ما أصعقت العتاريف؟ فقال له: يا بني لقد أردت أصاحت الديكة؟ فقال: وأنا أردت لم تَصِحْ. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ} إذن: القول هو اللفظ الملفوظ من الفم، وهذا القول إما أن يكون له معنى، وإما ليس له معنى. مثل كلمة "زقفيل" التي قالها خادم علقمة، هذه الكلمة ليس لها وجود في اللغة فهي قول باللسان ليس له معنى. وقد يكون القول له معنى؛ إلا أنه كلام باللسان لا يؤيده واقع، فهو كذب. وقول الحق سبحانه وتعالى: {ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ} يحتمل الأمرين. إما أنهم يقولون كلاماً لا يقصدونه ولا يعرفون معنى ما يقولون، والمثال: أن نقول: "كتب"، وهي كلمة مكونة من الكاف والتاء والباء، ويمكن أن نستخدم ذات الحروف فنقول: "كبت" وهي نفس الحروف أيضاً ولها معنى. أو نقول: "تكب" وهو لفظ غير مستعمل، وهو كلام بالفم ولا معنى له في اللغة، بل هو لفظ مهمل. فإذا قال إنسان كلاماً له معنى فهمناه مثل قول: "زيد كان بالأمس بالمكان الفلاني" وهنا زيد معلوم، والمكان معلوم، وأمس معلوم. لكن زيداً لم يذهب إلى ذلك المكان، وبذلك يكون القول في حقيقته كذباً لم يحدث. ويكون كلاماً بالفم، ولا واقع له في الحياة. إذن: فالقول بالفم إما أن يكون لا معنى له أبداً، فيستعمل كلفظ مهمل لا وجود له في اللغة، وإما أن يكون له معنى في ذاته إلا أنه ليس له واقع يؤيده. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ..} تفسير : [الأحزاب: 4]. والله سبحانه يقول: {أية : وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ..}تفسير : [الأحزاب: 4]. هذا إذن كلام لا وجود له في الواقع، فالزوجة لا تصير أمّا لزوجها والولد المتبني لا يكون ابناً للرجل أو المرأة، لذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ}تفسير : [الأحزاب: 5]. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّماً لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً * مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً * وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} تفسير : [الكهف: 1-4]. أي: أن هذا القول منهم كلام له معنى في اعتقادهم، ولكن ليس له واقع، ولذلك قال المولى سبحانه وتعالى: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} أي: لا واقع لهذا القول يسنده فهو كذب. {ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ} وهل هذا القول بالأفواه أهم ابتكروه أم ابتدعوه؟ إن الحق سبحانه يوضح لنا: {يُضَٰهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ} أي: أنهم لم يأتوا بهذا التصور من عندهم، بل من شيء له واقع، فقد قال المشركون ما أورده الحق على ألسنتهم: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً} تفسير : [الزخرف: 19]. فقد توهم المشركون أن لله تعالى بنات والعياذ بالله - وسبحانه منزه عن ذلك، في ذلك يخاطبهم المولى {أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ} - إذن: فهذا كلام قديم؛ لذلك قال الحق عنهم: {يُضَٰهِئُونَ} أي: يشابهون ويماثلون الذين من قبلهم حينما قالوا مثل ذلك، كما أن البوذية في الصين واليابان قالت ببنوة الإله والحلول وقد حفظ بعضهم من هؤلاء، ولم يطرأ جديد من ألسنتهم، وهم كما وصفهم القرآن الكريم {يُضَٰهِئُونَ} أي: يشابهون ويماثلون به قول الذين كفروا من قبل، و"المضاهاة" هي المماثلة والمشابهة، وقالوا: إن مادتها مأخوذة من امرأة "ضَهيْاء" وهي التي ضاهت وشابهت الرجل، في عدم الحيض أو الحمل أو الولادة، وهي بذلك تكون شبيهة بالرجل. {يُضَٰهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ} والتعقيب هنا إنما يصدر من الحق تبارك وتعالى عليهم، ولم يتركه الحق لنا، وساعة تسمع: {ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} فالفطرة الإنسانية تفرض أن يقول السامع لهذا الكلام: قاتلهم الله كيف يقولون هذا؟ وشاء الحق هنا أن يتحملها عنا جميعاً؛ لأننا إن قلنا نحن: "قاتلهم الله أو لعنهم الله" فلا أحد منا يضمن استجابة الدعاء عليهم، فالأمر قد لا يتحقق، ولكن حين يقولها الحق سبحانه وتعالى. فتكون أمراً مقضياً. لذلك يقول الحق: {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}، وما معنى قاتلهم الله؟ أنت إذا رأيت فعلاً قبيحاً من فرد، تقول: قاتله الله. لأن حياته تزيد المنكرات، ومثال ذلك من يسب أباه، يقول من يسمعه "قاتله الله" بينما يقول الإنسان منا لإنسان يفعل الخير: "فليعش هذا الرجل الطيب"؛ لأنك ترى أن حياته فيها خير للناس. وقول الحق: {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ} أي لعنهم وطردهم، ويقول سبحانه وتعالى: {أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}، وكلمة {أَنَّىٰ} ترد بمعنيين، فمرة تعني "من أين؟"، ومرة أخرى تعني "كيف؟"، والمثال على معناها الأول قول الحق سبحانه وتعالى على لسان سيدنا زكريا لما دخل على مريم البتول: {أية : أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا}تفسير : [آل عمران: 37]. قال ذلك لأنه رأى عندها أشياء من الخيرات لم يأت بها إليها، مع أنه هو الذي يكفلها، والمفترض فيه أن يأتي لها بمقومات حياتها، وعندما دخل عليها ووجد شيئاً هو لم يأت به، سألها: {أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} أي: من أين لك هذا؟ فأجابت مريم المصطفاة بما جاء في القرآن الكريم: {أية : قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [آل عمران: 37]. وجاء الحق بهذه الكلمة لتخدم أموراً إيمانية كثيرة جداً، وجاء بها على لسان مريم المصطفاة؛ لأن المسألة ليست مجرد طعام يأتيها من مصدر لا يعلمه البشر حتى من هي في كفالته. بل هي تقديم لما سوف يحدث. فلا تظن أن الأمور تسير سير المسألة الحسابية بأسباب ومسببات، وعلل ومعللات، ومقدمات ونتائج، بل هي بإرادة الله تعالى؛ لأنها لو كانت من عند الإنسان لفعلها بحساب، ولكن الحق سبحانه وتعالى يعطي بلا حساب؛ لأنه خالق الأسباب، وهو قادر على أن يخلق المسبَّب على الفور: {أية : يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [آل عمران: 37]. وحين أنطق الحق سبحانه وتعالى مريم بهذا إنما كان ليوضح لها ولزكريا في آن واحد: إنك يا زكريا تأتي لها بالرزق في حدود قدراتك وحساباتك البشرية، ولكن الله يأتيها بالرزق بغير حساب، وهو ما تستطيع أن تأتي به قدرات البشر، فقد يكون الرزق الذي رآه سيدنا زكريا عند سيدتنا مريم لوناً من الأطعمة لا يأتي إلا في الصيف، بينما كان الوقت شتاء، أو العكس، وقد يصح أن هذا الرزق ليس في بلادهم مثله، ولذلك قال: {أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} وقول الحق تبارك وتعالى: {أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} هو قضية تربوية اجتماعية بمعنى أن الكفيل على قوم حينما يرى عندهم أشياء لم يأتِ بها هو، وجب عليه أن يسأل عن مصدرها، فحينما ترى في يد ابنك قلم حبر غالي الثمن وأنت لم تحضره له، لا بد أن تسأله: من أين جئت به؟ وذلك لتعرف التأثيرات الخارجية عليه، هل سرقه؟ أم أن أحداً أراد استدراجه إلى غرض سَيِّئ فأغراه بهذا القلم؟ لا بد إذن أن تسأل ابنك: من أين لك هذا؟ وكذلك إن رأيت ابنتك ترتدي ثوباً لم تأت لها به ولا أتت به أمها بعلمك، لا بد أن تسأل ابنتك: من أين لك هذا؟ وهذه القضية إن سيطرت على كل بيت من بيوتنا فلن يحدث في البيوت ما يشينها، لكننا للأسف الشديد نرى في بعض البيوت طفلاً يدخل ومعه قطعة من الشيكولاتة، ولا تسأله الأم: من أين لك هذا؟ بل تربت عليه وتأخذ منه قطعة من "الشيكولاته" لتأكل معه. لكن الأم التي تجيد التربية تماماً تسأل الابن: من أين أتيت بها؟ حتى تعرف هل ثمنها مناسب لمصروف يده أم لا، فإن لم تجد أنه قد جاء بهذه "الشيكولاتة" من مصدر معلوم لها وحلال فهي تحذره وتضرب على يده. ولا بد لنا أن نعلم أن قانون: "من أين لك هذا؟" يحكم العالم كله؛ لأنه يتحكم في التربية الاجتماعية كلها. وقد سبق الإسلام العالم بأربعة عشر قرناً حين أنزل الحق تبارك وتعالى قوله: {أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا}، وأجابت سيدتنا مريم الإيجاب الإيماني، وأوضحت لسيدنا زكريا عليه السلام: أنت تتكلم بحسابك ولكني أتكلم بحساب الله تعالى؛ لأن الله يرزق من يشاء بغير حساب، أنطقها الحق ذلك لأن هذا القول سوف يخدم قضايا عقدية متعددة في الكون: القضية الأولى: أنها ساعة أن قالت: {أية : إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [آل عمران: 37]. نبهت زكريا إلى قضية عقدية، وهي أن الله سبحانه وتعالى غير محكوم بالأسباب، وسبحانه يعطي بلا حساب، ونظر زكريا إلى نفسه متسائلاً: ما دام الله عز وجل يعطي بغير حساب، وأنا قد بلغت من الكبر عتياً، وامرأتي عاقر، فلماذا لا أطلب منه أن يعطيني الولد؟ إذن: فقد نبهت مريم سيدنا زكريا عليه السلام ولفتت نظره إلى قضية عقدية، وهي أن الله يعطي بلا أسباب، وبلا حساب، فدعا الله أن يرزقه غلاماً فلما بشره الحق بالغلام تساءل: كيف يرزق بالغلام وامرأته عاقر، وهو قد بلغ من الكبر عتياً؟ وجاءت الإجابة من الحق سبحانه وتعالى: {أية : قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} تفسير : [مريم: 9]. وهكذا انتفع زكريا بعطاء الله بالابن، ولم يكتَف الحق سبحانه وتعالى بذلك، بل تكفل عن زكريا بتسميته، ولله ملحظ في تسميته، ونحن نعلم أن الناس تسمي الوليد الصغير بأسماء تتيمن بها، مثل أن يسمى رجل ابنه "سعداً" رجاء أن يكون سعيداً، وقد يسمونه "فارساً"، رجاء أن يكون فارساً، ويسمونه "فضلاً" رجاء أن يكون كريماً، ويسمون الفتاة "قمراً" لعلها تكون جميلة. إذن: فالتسمية باسم يحمل معنىً شريفاً على أمل أن يكون الوليد هكذا، وهناك شاعر كان أولاده يموتون بعد الولادة، فجاءه ابن وسمَّاه يحيى، فمات هذا الابن أيضاً فقال الشاعر متحسِّراً: شعر : سَمَّيتُه يَحْيى لِيَحْيا فَلمْ يكُنْ لِرد قضاء اللهِ فيه سَبِيلُ تفسير : إذن: فالتسمية بالاسم الشريف، أو بالاسم الذي يدل على الشيء المؤمَل هو رجاء أن يكون الوليد هكذا، لكن المسمى لا يملك أن يكون سعيداً، ولا أن يكون فارساً، ولا أن يعيش؛ لأن الذي يملك كل ذلك هو الله سبحانه وتعالى، فإذا كان الله هو الذي سمى يحيى، فلا بد أن يكون الأمر مختلفاً؛ لأن الذي يملك هو الذي سمَّى، فهل سيعيش يحيى بن زكريا كالحياة التي نحياها وفيها الموت مُحتَّم على الجميع؟ نعم؛ لذلك شاء له الله أن يموت لتبقى حياته موصولة إلى أن تقوم الساعة. وهكذا رأت سيدتنا مريم آثار ذلك منذ أن قال لها زكريا عليه السلام {أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} وأجابت: {أية : إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [آل عمران: 37]. لقد رأت كل ذلك في سيدنا زكريا وفي ميلاد يحيى، وجعل الله كل ذلك مقدمات لها؛ لأنها سَتُمتحن في عِرْضها فهي التي ستنجب ولدا من غير أب، وعليها أن تتذكر دائماً قولها: {أية : إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [آل عمران: 37]. ولذلك تجد القرآن الكريم في قصصه العجيب يقول على لسان مريم: {أية : أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} تفسير : [مريم: 20]. وقد بشرَّها الحق تبارك وتعالى بذلك في سورة آل عمران: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَم}تفسير : [آل عمران: 45]. وما دام قد نسبه الله لها فلن يكون له أب، فتساءلت: كيف يكون لي غلام من غير أب. ويُذكِّرها الحق عز وجل بهذا القول: {أية : إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [آل عمران: 37]. وقال لها: {أية : كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ}تفسير : [مريم: 21]. مثلما قال لزكريا من قبل، إذن {أَنَّىٰ} هذه هي مفتاح الموضوع العقدي كله، في زكريا ويحيى، وفي مريم وعيسى، وهذا هو معنى {أَنَّىٰ} وقلنا إن "أنّى" تأتي بمعنى كيف؟ مثل قول الحق تبارك وتعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: {أية : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [البقرة: 260]. وسيدنا إبراهيم لا يُكذب أن الله قادر على الإحياء، ولكنه يسأل عن الكيفية، وهنا يقول الحق: {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} أي: كيف يعدلون عن الحق؟ فالقضية منطقية، وما كان يصح أن تغيب عنهم، فكيف يُصرَفون عن هذه الحقيقة التي توجبها الفطرة الإيمانية؟ وكيف يضلون عن الحق وهو ظاهر ويعدلون إلى الباطل؟ ويقول سبحانه بعد ذلك عن أهل الكتاب: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} معناهُ يَقولونَ مِثلَ قَولِهِم وشِبْهَهُ. تفسير : وقوله تعالى: {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ} معناه لَعَنَهُمْ الله.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بالجملة: خذوا الجزية منهم على وجه تضطروهم وتلجئوهم إلى الإيمان وكيف لا يقتل هؤلاء الكفرة المشركون؟! {قَالَتِ ٱلْيَهُودُ} منهم: {عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} المنزه عن التزوج والازدواج، والأبوة والبنوة؛ إذ هي من لوازم البشر {وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى} أيضاً {ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ} تعالى عمَّا يقول الظالمون علواً كبيراً {ذٰلِكَ} القول المهمل {قَوْلُهُم} دائماً جارياً {بِأَفْوَاهِهِمْ} وأن فرض مخالفة اعتقادهم قولهم فلا أقل: إنهم {يُضَاهِئُونَ} ويشابهون قولهم هذا {قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وأشركوا {مِن قَبْلُ} بأمثال هذه المهملات، حيث قالوا: الملائكة بنات الله؛ لذلك {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ} وأهلكهم بأمثال هذه المقالات المهملة {أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30] أي: كيف يصرفون أيها الناكبون عن الطريق الحق الصريح إلى الباطل الزائغ الزائل؟!. وبالجملة: {ٱتَّخَذُوۤاْ} من فرط جهلهم وخبث طينتهم {أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً} مستقلين في الوجود، ومتأصلين فيه {مِّن دُونِ ٱللَّهِ} المنزه عن الشريك مطلقاً، المستقل في الوجود، المتفرد فيه بلا وجود لغيره أصلاً، يعبدونهم كعبادة الله {وَ} خصوصاً {ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَ} الحال أنهم {مَآ أُمِرُوۤاْ} في كتبهم التي يدعون بمقتضاها {إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً} أحداً صمداً، فرداً وتراً، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً؛ إذ {لاَّ إِلَـٰهَ} ولا موجود {إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] له من مصنوعاته وأضلاله.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن حال النفوس الملهمة بقوله تعالى: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} [التوبة: 30] إلى قوله: {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33]، {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} [التوبة: 30] يشير إلى تهود النفس، وعزير القلب، وذلك لأن النفس خلقت من ملكوت العناصر الأربعة، وهي ظلمانية سفلية محجوبة عن الله تعالى، وهي ظلومة جهولة، والقلب خلق من الملكوت الأعلى، ولهذا الستر هو بين أصبعين من أصابع الرحمن أي: بين صفتي اللطف والقهر والجمال والجلال، وهو نوراني علوي ومهبط أنوار الحق ومورد الواردات والمواهب الربانية ومعدن اللدنية ومظهر صفات اللطف والقهر ومنح علم. {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا}تفسير : [البقرة: 31] انعكس من مرآة القلب آثار أنوار الواردات والمعارف الصادرة عن الحضرة على النفس المظلمة نورت وألهمت عن القلب بتلك المعارف والعلوم التي هي بمعزل عنها تقول القلب ابن الله كما قالت اليهود لمَّا سمعت، والعلوم التي هي بمعزل عنها عزير ابن الله. {وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ} [التوبة: 30] يشير بالنصارى إلى القلب الغلف الذي هو ممكن مرض حب الدنيا ونعيمها، وبالمسيح إلى الروح المشرف باختصاص إضافة من روح المفرز بنفحة الحق، وذلك الروح ربما يتجلى للقلب في صفة الربوبية والخلافة مقترباً بتجلي صفاة إبداع الحق، ومبدعية الروح مع كمال قربه واختصاصه بالحق عند بقاء تصرف الخيال فيتخيل القلب نسبة الأبوة والنبوة بين الله والعبد؛ إذ النبوة أخص التعلقات بالوالد، وإذا كوشف العبد بهذا الابتلاء ينسب الروح بأنها إنزال الله، ولهذا السر أزال الحق سبحانه وتعالى هذه الشبهة مع سورة الإخلاص بقوله: {أية : لَمْ يَلِدْ}تفسير : [الإخلاص: 3]. {ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ} [التوبة: 30] أي ليسوا على تحقيق في هذا القول، {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ} [التوبة: 30] يوافقون قول النفوس الكافرة الكاذبة قبل إيمان القول والأرواح، {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30] يكذبون، {ٱتَّخَذُوۤاْ} [التوبة: 31] أي: النفوس. {أَحْبَارَهُمْ} [التوبة: 31] أي: قلوبهم، {وَرُهْبَانَهُمْ}[التوبة: 31] أي: أرواحهم، {أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ} [التوبة: 31] يشر إلى الخفي الذي فوق الأرواح، وهو استولد منه بنفحة الحق كما تولد عيسى عليه السلام عن مريم - رضي الله عنها - بنفحة الحق، وإنما اتخذت النفوس القلوب والأرواح والخفاء أرباباً؛ لأن الخفي هو أول مظهر الفيض الإلهي الذي منه التربية، ثم الروح، ثم القلب، ثم النفس، ثم القالب، فالنفس من قصر نظرها ترى منشأ تربيتها القلب، فتتخذه رباً ثم يرتقي نظرها إلى أن ترى التربية من الخفي ففتخذه رباً من دون الله، فإن نظرها لا يرتقي إلى أن ترى الحق تعالى، فإن رؤية الحق من شأن القلب لا من شأن النفس كقوله تعالى: {أية : مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ}تفسير : [النجم: 11]. {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً} [التوبة: 31] أي: ليروا مصدر الأمور ومنشأ الأفاعيل والمعبود الحقيقي إلهاً واحداً صمداً لا شيرك له، {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [التوبة: 31] أي: لا معبود سواه، {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] يجعلون له أنداداً من الدنيا وما فيها، ومن الآخرة وما فيها؛ يعني: هو منزه عن كل شريك أثبتته النفوس، فإن من شيم النفوس اتخاذ الهوى والدنيا والشيطان إلهاً، {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ} [التوبة: 32] أي: هوى النفوس إطفاء النور الإلهي بأفواه استيفاء الشهوات واللذات الجسمانية عن مصابيح الروحانية. {وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ} [التوبة: 32] يعني من سنة الله لا يسلط النفوس على القلوب المنورة بنور الله؛ ليطفئوا أنوار الله، بل من سنته أن يتم نوره الذي رش على الأرواح في بدء الخلقة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله خلق الخلق ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد هدى ومن أخطأه فقد ضل"تفسير : فإتمام ذلك النور المرشش بالاهتداء. {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ} [التوبة: 32] أي: ولو كرهت النفوس الكافرة، {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ} [التوبة: 33] وهو النور المرشش، {بِٱلْهُدَىٰ} [التوبة: 33] أي: بالهداية. {وَدِينِ ٱلْحَقِّ} [التوبة: 33] أي: بطلب الحق يعني: ومن طلب الحق واهتدى إليه إنما كان بهداية النور المرشش ولو لم يكن ذلك النور ما اهتدى إلى الله أحد؛ لقوله تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}تفسير : [النور: 40]. {لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة: 33] أي: ليظهر النور المرشش في طلب الحق على طلب غيره كله، {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] ولو كرهت النفوس المشركة ترك ما سوى الله لطبعها؛ لأن من طبعها طلب غير الله وهو إشراكها بالله. ثم أخبر عن أحبار غير أخيار بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ} [التوبة: 34] الآيتين: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بأسرارهم ولم يتمكن الإيمان من سرائرهم، {إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ} أي: القلوب، {وَٱلرُّهْبَانِ} [التوبة: 34] أي: الأرواح: {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} [التوبة: 34] أي: يتمتعون من حظوظ النفس بطالة وخسارة؛ لأن حظوظ القلب والأرواح من المطالعات الروحانية والمشاهدات الربانية والأحوال السنية العلوية. {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ} [التوبة: 34] وهم الذي يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ حرصاً وطمعاً في الاستمتاع من حظوظ النفوس، {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [التوبة: 34] ليقطعوا مسافة البعد عن الله تعالى بقدمي ترك الدنيا وقمع الهوى، {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34] وهو عذاب البعد والقطيعة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما أمر تعالى بقتال أهل الكتاب، ذكر من أقوالهم الخبيثة، ما يهيج المؤمنين الذين يغارون لربهم ولدينه على قتالهم، والاجتهاد وبذل الوسع فيه فقال: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ } وهذه المقالة وإن لم تكن مقالة لعامتهم فقد قالها فرقة منهم، فيدل ذلك على أن في اليهود من الخبث والشر ما أوصلهم إلى أن قالوا هذه المقالة التي تجرأوا فيها على اللّه، وتنقصوا عظمته وجلاله. وقد قيل: إن سبب ادعائهم في { عزير } أنه ابن اللّه، أنه لما سلط الله الملوك على بني إسرائيل، ومزقوهم كل ممزق، وقتلوا حَمَلَةَ التوراة، وجدوا عزيرا بعد ذلك حافظا لها أو لأكثرها، فأملاها عليهم من حفظه، واستنسخوها، فادعوا فيه هذه الدعوى الشنيعة. { وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ } عيسى ابن مريم { ابْنُ اللَّهِ } قال اللّه تعالى { ذَلِكَ } القول الذي قالوه { قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ } لم يقيموا عليه حجة ولا برهانا. ومن كان لا يبالي بما يقول، لا يستغرب عليه أي قول يقوله، فإنه لا دين ولا عقل، يحجزه، عما يريد من الكلام. ولهذا قال: { يُضَاهِئُونَ } أي: يشابهون في قولهم هذا { قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ } أي: قول المشركين الذين يقولون: "الملائكة بنات اللّه" تشابهت قلوبهم، فتشابهت أقوالهم في البطلان. { قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } أي: كيف يصرفون على الحق، الصرف الواضح المبين، إلى القول الباطل المبين. وهذا -وإن كان يستغرب على أمة كبيرة كثيرة، أن تتفق على قول- يدل على بطلانه أدنى تفكر وتسليط للعقل عليه، فإن لذلك سببا وهو أنهم: { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ } وهم علماؤهم { وَرُهْبَانَهُمْ } أي: العُبَّاد المتجردين للعبادة. { أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } يُحِلُّون لهم ما حرم اللّه فيحلونه، ويحرمون لهم ما أحل اللّه فيحرمونه، ويشرعون لهم من الشرائع والأقوال المنافية لدين الرسل فيتبعونهم عليها. وكانوا أيضا يغلون في مشايخهم وعبادهم ويعظمونهم، ويتخذون قبورهم أوثانا تعبد من دون اللّه، وتقصد بالذبائح، والدعاء والاستغاثة. { وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ } اتخذوه إلها من دون اللّه، والحال أنهم خالفوا في ذلك أمر اللّه لهم على ألسنة رسله فما { أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ } فيخلصون له العبادة والطاعة، ويخصونه بالمحبة والدعاء، فنبذوا أمر اللّه وأشركوا به ما لم ينزل به سلطانا. { سُبْحَانَهُ } وتعالى { عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي: تنزه وتقدس، وتعالت عظمته عن شركهم وافترائهم، فإنهم ينتقصونه في ذلك، ويصفونه بما لا يليق بجلاله، واللّه تعالى العالي في أوصافه وأفعاله عن كل ما نسب إليه، مما ينافي كماله المقدس. فلما تبين أنه لا حجة لهم على ما قالوه، ولا برهان لما أصَّلوه، وإنما هو مجرد قول قالوه وافتراء افتروه أخبر أنهم { يُرِيدُونَ } بهذا { أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ }. ونور اللّه: دينه الذي أرسل به الرسل، وأنزل به الكتب، وسماه اللّه نورا، لأنه يستنار به في ظلمات الجهل والأديان الباطلة، فإنه علم بالحق، وعمل بالحق، وما عداه فإنه بضده، فهؤلاء اليهود والنصارى ومن ضاهوه من المشركين، يريدون أن يطفئوا نور اللّه بمجرد أقوالهم، التي ليس عليها دليل أصلا. { وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ } لأنه النور الباهر، الذي لا يمكن لجميع الخلق لو اجتمعوا على إطفائه أن يطفئوه، والذي أنزله جميع نواصي العباد بيده، وقد تكفل بحفظه من كل من يريده بسوء، ولهذا قال: { وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } وسعوا ما أمكنهم في رده وإبطاله، فإن سعيهم لا يضر الحق شيئا. ثم بين تعالى هذا النور الذي قد تكفل بإتمامه وحفظه فقال: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى } الذي هو العلم النافع { وَدِينِ الْحَقِّ } الذي هو العمل الصالح فكان ما بعث اللّه به محمدا صلى الله عليه وسلم مشتملا على بيان الحق من الباطل في أسماء اللّه وأوصافه وأفعاله، وفي أحكامه وأخباره، والأمر بكل مصلحة نافعة للقلوب، والأرواح والأبدان من إخلاص الدين للّه وحده، ومحبة اللّه وعبادته، والأمر بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، والأعمال الصالحة والآداب النافعة، والنهي عن كل ما يضاد ذلك ويناقضه من الأخلاق والأعمال السيئة المضرة للقلوب والأبدان والدنيا والآخرة. فأرسله اللّه بالهدى ودين الحق { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } أي: ليعليه على سائر الأديان بالحجة والبرهان، والسيف والسنان، وإن كره المشركون ذلك، وبغوا له الغوائل، ومكروا مكرهم، فإن المكر السيئ لا يضر إلا صاحبه، فوعد اللّه لا بد أن ينجزه، وما ضمنه لا بد أن يقوم به.

همام الصنعاني

تفسير : 1067- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ}: [الآية: 30]، قال: ضاهت النصارى قول اليهود من قبل، فقالت النصارى: المسيح ابن الله، كما قالت اليهود: عُزَيْر ابن الله.