٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
31
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه تعالى وصف اليهود والنصارى بضرب آخر من الشرك بقوله: {ٱتَّخَذُواْ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَابًا مّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أمِروا إلا لِيَعْبُدوا إِلـَٰهاً وَاحِداً } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال أبو عبيدة: الأحبار: الفقهاء، واختلفوا في واحده، فبعضهم يقول حبر وبعضهم يقول حبر. وقال الأصمعي: لا أدري أهو الحبر أو الحبر؟ وكان أبو الهيثم يقول واحد الأحبار حبر بالفتح لا غير، وينكر الكسر، وكان الليث وابن السكيت يقولان حبر وحبر للعالم ذمياً كان أو مسلماً، بعد أن يكون من أهل الكتاب. وقال أهل المعاني الحبر العالم الذي بصناعته يحبر المعاني، ويحسن البيان عنها. والراهب الذي تمكنت الرهبة والخشية في قلبه وظهرت آثار الرهبة على وجهه ولباسه. وفي عرف الاستعمال، صار الأحبار مختصاً بعلماء اليهود من ولد هرون، والرهبان بعلماء النصارى أصحاب الصوامع. المسألة الثانية: الأكثرون من المفسرين قالوا: ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا فيهم أنهم آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم، نقل أن عدي بن حاتم كان نصرانياً فانتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقرأ سورة براءة، فوصل إلى هذه الآية، قال: فقلت: لسنا نعبدهم فقال: « حديث : أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتستحلونه » تفسير : فقلت: بلى قال: « حديث : فتلك عبادتهم » تفسير : وقال الربيع: قلت لأبي العالية كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟ فقال: إنهم ربما وجدوا في كتاب الله ما يخالف أقوال الأحبار والرهبان، فكانوا يأخذون بأقوالهم وما كانوا يقبلون حكم كتاب الله تعالى. قال شيخنا ومولانا خاتمة المحققين والمجتهدين رضي الله عنه: قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء، قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله تعالى في بعض المسائل، وكانت مذاهبهم بخلاف تلك الآيات، فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا إليها وبقوا ينظرون إلي كالمتعجب، يعني كيف يمكن العمل بظواهر هذه الآيات مع أن الرواية عن سلفنا وردت على خلافها، ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا الداء سارياً في عروق الأكثرين من أهل الدنيا. فإن قيل: إنه تعالى لما كفرهم بسبب أنهم أطاعوا الأحبار والرهبان فالفاسق يطيع الشيطان فوجب الحكم بكفره، كما هو قول الخوارج. والجواب: أن الفاسق، وإن كان يقبل دعوة الشيطان إلا أنه لا يعظمه لكن يلعنه، ويستخف به أما أولئك الأتباع كانوا يقبلون قول الأحبار والرهبان ويعظمونهم، فظهر الفرق. والقول الثاني: في تفسير هذه الربوبية أن الجهال والحشوية إذا بالغوا في تعظيم شيخهم وقدوتهم، فقد يميل طبعهم إلى القول بالحلول والاتحاد، وذلك الشيخ إذا كان طالباً للدنيا بعيداً عن الدين، فقد يلقى إليهم أن الأمر كما يقولون ويعتقدون، وشاهدت بعض المزورين ممن كان بعيداً عن الدين كان يأمر أتباعه وأصحابه بأن يسجدوا له، وكان يقول لهم أنتم عبيدي، فكان يلقي إليهم من حديث الحلول والاتحاد أشياء، ولو خلا ببعض الحمقى من أتباعه، فربما ادعى الإلهية، فإذا كان مشاهداً في هذه الأمة، فكيف يبعد ثبوته في الأمم السالفة؟ وحاصل الكلام أن تلك الربوبية يحتمل أن يكون المراد منها أنهم أطاعوهم فيما كانوا مخالفين فيه لحكم الله، وأن يكون المراد منها أنهم قبلوا أنواع الكفر، فكفروا بالله، فصار ذلك جارياً مجرى أنهم اتخذوهم أرباباً من دون الله، ويحتمل أنهم أثبتوا في حقهم الحلول والاتحاد. وكل هذه الوجوه الأربعة مشاهد وواقع في هذه الأمة. ثم قال تعالى: {وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـٰهاً وٰحِداً } ومعناه ظاهر، وهو أن التوراة والإنجيل والكتب الإلهية ناطقة بذلك. ثم قال: {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَـٰنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي سبحانه من أن يكون له شريك في الأمر والتكليف، وأن يكون له شريك في كونه مسجوداً ومعبوداً، وأن يكون له شريك في وجوب نهاية التعظيم والإجلال.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ} الأحبار جمع حبر، وهو الذي يحسن القول وينظِّمه ويتقنه بحسن البيان عنه. ومنه ثوب محبرّ أي جمع الزينة. وقد قيل في واحد الأحبار: حبر بكسر الحاء. والمفسرون على فتحها. وأهل اللغة على كسرها. قال يونس: لم أسمعه إلاَّ بكسر الحاء، والدليل على ذلك أنهم قالوا: مداد حِبر يريدون مداد عالم، ثم كثر الاستعمال حتى قالوا للمداد حبر. قال الفرّاء: الكسر والفتح لغتان. وقال ابن السِّكيت: الحِبر بالكسر المداد، والحبر بالفتح العالِم. والرّهبان جمع راهب مأخوذ من الرّهبة، وهو الذي حمله خوف الله تعالىٰ على أن يخلص له النية دون الناس، ويجعل زمانه له وعمله معه وأنسه به. قوله تعالىٰ: {أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} قال أهل المعاني: جعلوا أحبارهم ورُهْبانهم كالأرباب حيث أطاعوهم في كل شيء؛ ومنه قوله تعالىٰ: {أية : قَالَ ٱنفُخُواْ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً}تفسير : [الكهف: 96] أي كالنار. قال عبد الله بن المبارك:شعر : وهل أفسد الدّينَ إلاَّ الملوك وأحبارُ سوء ورُهبانها تفسير : روى الأعمش وسفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البَخْتَرِيّ قال: سئل حذيفة عن قول الله عزّ وجلّ: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} هل عبدوهم؟ فقال لا، ولكن أحَلّوا لهم الحرام فاستحلّوه، وحرّموا عليهم الحلال فحرّموه. وروى الترمذِيّ حديث : عن عدِيّ بن حاتم قال: أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب. فقال: «ما هذا يا عدِيّ ٱطرح عنك هذا الوثن» وسمعته يقرأ في سورة «براءة» «اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُون اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ» ثم قال: «أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئاً استحلّوه وإذا حرّموا عليهم شيئاً حرّموه»تفسير : . قال: هذا حديث غريب لا يُعرف إلاَّ من حديث عبد السَّلام بن حرب. وغُطيف بن أَعْيَن ليس بمعروف في الحديث. قوله تعالىٰ: {وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ} مضى الكلام في اشتقاقه في «آل عمران». والمسيح: العَرَق يسيل من الجبين. ولقد أحسن بعض المتأخرين فقال:شعر : أفرح فسوف تألف الأحزانا إذا شهدت الحشر والميزانا وسال من جبينك المسيح كأنه جداول تسيح تفسير : ومضى في «النساء» معنى إضافته إلى مريم أمّه.
البيضاوي
تفسير : {ٱتَّخَذُواْ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ ٱللَّهِ} بأن أطاعوهم في تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله أو بالسجود لهم. {وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ} بأن جعلوه ابناً لله. {وَمَا أُمِرُواْ} أي وما أمر المتخذون أو المتخذون أرباباً فيكون كالدليل على بطلان الاتخاذ. {إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ } ليطيعوا. {إِلَـٰهاً وٰحِداً } وهو الله تعالى وأما طاعة الرسول وسائر من أمر الله بطاعته فهو في الحقيقة طاعة لله. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} صفة ثانية أو استئناف مقرر للتوحيد. {سُبْحَـٰنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تنزيه له عن أن يكون له شريك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱتَّخَذُواْ أَحْبَٰرَهُمْ } علماء اليهود {وَرُهْبَٰنَهُمْ } عُبَّاد النصارى {أَرْبَابًا مّن دُونِ ٱللَّهِ } حيث اتبعوهم في تحليل ما حرّم الله وتحريم ما أحلّ {وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُواْ } في التوراة والإِنجيل {إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ } أي بأن يعبدوا {إِلَٰهاً وٰحِداً لآ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَٰنَهُ } تنزيهاً له {عَمَّا يُشْرِكُونَ }.
ابن عطية
تفسير : واحد " الأحبار " حِبر بكسر الحاء، ويقال حَبر بفتح الحاء والأول أفصح، ومنه مداد الحبر، والحَبر بالفتح: العالم، وقال يونس بن حبيب: لم أسمعه إلا بكسر الحاء، وقال الفراء: سمعت فتح الحاء وكسرها في العالم، وقال ابن السكيت الحِبر: بالكسر المداد والحَبر بالفتح العالم، و" الرهبان "جمع راهب وهو الخائف من الرهبة، وسماهم {أرباباً } وهم لا يعبدوهم لكن من حيث تلقوا الحلال والحرام من جهتهم، وهو أمر لا يتلقى إلا من جهة الله عز وجل ونحو هذا قال ابن عباس وحذيفة بن اليمان وأبو العالية، وحكي الطبري أن عدي بن حاتم قال: حديث : جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب ذهب، فقال: يا عدي اطرح هذا الصليب من عنقك، فسمعته يقرأ { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله } ، فقلت يا رسول الله وكيف ولم نعبدهم؟ فقال أليس تستحلون ما أحلوا وتحرمون ما حرموا قلت نعم.قال فذاك تفسير : ، {والمسيح} عطف على الأحبار والرهبان، و {سبحانه } نصب على المصدر والعامل فيه فعل من المعنى لأنه ليس من لفظ سبحان فعل، والتقدير أنزهه تنزيهاً، فمعنى {سبحانه } تنزيهاً له، واحتج من يقول إن أهل الكتاب مشركون بقوله تعالى { عما يشركون }، والغير يقول إن اتخاذ هؤلاء الأرباب ضرب ما من الإشراك وقد يقال في المرائي إنه أشرك وفي ذلك آثار، وقوله تعالى: {يريدون أن يطفئوا نور الله } الآية، {نور الله } في هذه الآية هداه الصادر عن القرآن والشرع المثبت في قلوب الناس فمن حيث سماه نوراً سمي محاولة إفساده والصد في وجهه إطفاء، وقالت فرقة: النور القرآني. قال القاضي أبو محمد : ولا معنى لتخصيص شيء مما يدخل تحت المقصود بالنور، وقوله {بأفواههم } عبارة عن قلة حيلتهم وضعفها، أخبر عنهم أنهم يحاولون مقاومة أمر جسيم بسعي ضعيف فكان الإطفاء بنفخ الأفواه، ويحتمل أن يراد بأقوال لا برهان عليها فهي لا تجاوز الأفواه إلى فهم سامع، وقوله { ويأبى } إيجاب يقع بعده أحياناً إلا وذلك لوقوعه هو موقع الفعل المنفي، لأن التقدير ولا يريد الله إلا أن يتم نوره وقال الفراء: هو إيجاب فيه طرف من النفي، ورد الزجاج على هذه العبارة وبيانه ما قلناه، وقوله تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق } الآية، {رسوله } يراد به محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله {بالهدى } يعم القرآن وجميع الشرع، وقوله {ودين الحق } إشارة إلى الإسلام والملة بجمعها وهي الحنيفية، وقوله { ليظهره } قال أبو هريرة وأبو جعفر محمد بن علي وجابر بن عبدالله ما معناه: إن الضمير عائد على الدين وإظهاره عند نزول عيسى ابن مريم وكون الأديان كلها راجعة إلى دين الإسلام فذلك إظهاره. قال القاضي أبو محمد : فكأن هذه الفرقة رأت الإظهار على أتم وجوهه أي حتى لا يبقى معه دين آخر، وقالت فرقة {ليظهره على الدين } أي ليجعله أعلاها وأظهرها وإن كان معه غيره كان دونه. قال القاضي أبو محمد : فهذا لا يحتاج إلى نزول عيسى بل كان هذا في صدر الأمة وهو حتى الآن إن شاء الله وقالت فرقة: الضمير عائد على الرسول، ومعنى {ليظهره } ليطلعه ويعلمه الشرائع كلها والحلال والحرام. قال القاضي أبو محمد : وهذا التأويل وإن كان صحيحاً جائزاً فالآخر أبرع منه وأليق بنظام الآية وأحرى مع كراهية المشركين، وخص {المشركون} هنا بالذكر لما كانت كراهية مختصة بظهور دين محمد صلى الله عليه وسلم فذكره العظم والأول ممن كره ذلك وصد فيه، وذكر الكافرون في الآية قبل لأنها كراهية إتمام نور الله في قديم الدهر وفي باقيه فعم الكفر من لدن خلق الدنيا إلى إنقراضها إذ قد وقعت الكراهية والإتمام مراراً كثيرة.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَحْبَارَهُمْ} جمع حبر، لتحبيره المعاني، وهو التحسين بالبيان عنها، والرهبان: جمع راهب، من رهبة الله وخشيته، وكثر استعماله في نُسَّاك النصارى. {أَرْبَاباً} آلهة يطيعونهم فيما حرموه وأحلوه دون العبادة وهو مروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} يعني اتخذ اليهود والنصارى علماءهم وقراءهم والأحبار العلماء من اليهود والرهبان أصحاب الصوامع من النصارى أرباباً من دون الله يعني أنهم أطاعوهم في معصية الله تعالى وذلك أنهم أحلوا لهم أشياء وحرموا عليهم أشياء من قبل أنفسهم فأطاعوهم فيها فاتخذوهم كالأرباب لأنهم عبدوهم واعتقدوا فيهم الإلهية. حديث : عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: "يا عدي اطرح عنك هذا الوثن" وسمعته يقرأ في سورة براءة {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} فقال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموهتفسير : أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب. قال عبد الله بن المبارك: شعر : وهل بدل الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها تفسير : {والمسيح ابن مريم} يعني اتخذوه إلهاً وذلك لما اعتقدوا فيه النبوة والحلول اعتقدوا فيه الإلهية {وما أمروا} يعني وما أمروا في الكتب القديمة المنزلة عليهم على ألسنة أنبيائهم {إلا ليعبدوا إلهاً واحداً} لأنه سبحانه وتعالى هو المستحق للعبادة لا غيره {لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} أي تعالى الله وتنزه عن أن يكون له شريك في العبادة والأحكام وأن يكون له شريك في الإلهية يستحق التعظيم والإجلال.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن سعد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ في سورة براءة {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} فقال: "حديث : أما أنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن أبي البختري رضي الله عنه قال: سأل رجل حذيفة رضي الله عنه فقال: أرأيت قوله تعالى {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} أكانوا يعبدونهم؟ قال: لا، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه. وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان عن حذيفة رضي الله عنه {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم} قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم أطاعوهم في معصية الله. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه {اتخذوا أحبارهم} اليهود {ورهبانهم} النصارى {وما أمروا} في الكتاب الذي أتاهم وعهد إليهم {إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} سبح نفسه أن يقال عليه البهتان. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه قال {أحبارهم} قراؤهم {ورهبانهم} علماؤهم. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه قال: الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي. مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن الفضيل بن عياض رضي الله عنه قال: الأحبار العلماء، والرهبان العباد.
ابو السعود
تفسير : . {ٱتَّخَذُواْ} زيادةُ تقريرٍ لما سلف من كفرهم بالله تعالى {أَحْبَـٰرَهُمْ} وهم علماءُ اليهود، واختُلف في واحده، قال الأصمعي: لا أدري أهو حَبْرٌ أم حِبْرٌ وقال أبو الهيثم: بالفتح لا غير، وكان الليثُ وابنُ السِّكِّيتِ يقولان: حِبْرٌ وحَبْرٌ للعالِم ذمياً كان أو مسلماً بعد أن كان من أهل الكتاب {وَرُهْبَـٰنَهُمْ} وهم علماءُ النصارى من أصحاب الصوامعِ أي اتخذ كلُّ واحد من الفريقين علماءَهم لا الكلُّ الكلَّ {أَرْبَابًا مّن دُونِ ٱللَّهِ} بأن أطاعوهم في تحريم ما أحله الله تعالى وتحليلِ ما حرمه أو بالسجود لهم ونحوِه تسميةُ اتِّباعِ الشيطان عبادةً له كما في قوله تعالى: {أية : يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَـٰنَ }تفسير : [مريم: 44] وقوله تعالى: {أية : بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ }تفسير : [سبأ: 41] «حديث : قال عدي بن حاتم: أتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليبٌ من ذهب وكان إذ ذاك على دين يسمَّى الركوسية ـ فريق من النصارى ـ وهو يقرأ سورةَ براءة فقال: "يا عديُّ اطرَحْ هذا الوثنَ" فطرحتُه فلما انتهى إلى قوله تعالى: {ٱتَّخَذُواْ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ ٱللَّهِ} قلت: يا رسولَ الله لم يكونوا يعبُدونهم، فقال عليه الصلاة والسلام: "أليس يحرِّمون ما أحل الله فتُحرِّمونه ويُحِلّون ما حرم الله فتَستحلّونه؟" فقلتُ: بلى، قال: "ذلك عبادتُهم"»تفسير : . قال الربـيع: قلت لأبـي العالية: كيف كانت تلك الربوبـيةُ في بني إسرائيلَ؟ قال: إنهم ربما وجدوا في كتاب الله تعالى ما يخالف أقوالَ الأحبارِ فكانوا يأخُذون بأقوالهم ويترُكون حُكمَ كتابِ الله {وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ} عطفٌ على رهبانهم أي اتخذه النصارى رباً معبوداً بعد ما قالوا إنه ابنُه، تعالى عن ذلك علواً كبـيراً، وتخصيصُ الاتخاذِ به يشير إلى أن اليهودَ ما فعلوا ذلك بعزيرٍ، وتأخيرُه في الذكر مع أن اتخاذَهم له عليه الصلاة والسلام رباً معبوداً أقوى من مجرد الإطاعةِ في أمر التحليل والتحريمِ كما هو المرادُ باتخاذهم الأحبارَ والرهبانَ أرباباً، لأنه مختصٌّ بالنصارى، ونسبتُه عليه الصلاة والسلام إلى أمه من حيث دلالتُها على مربوبـيته المنافيةِ للربوبـية للإيذان بكمال ركاكةِ رأيِهم والقضاءِ عليهم بنهاية الجهل والحماقة. {وَمَا أُمِرُواْ} أي والحالُ أن أولئك الكفرةَ ما أُمروا في كتابـيهم {إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـٰهاً وٰحِداً} عظيمَ الشأنِ هو الله سبحانه وتعالى ويطيعوا أمرَه ولا يطيعوا أمرَ غيرِه بخلافه، فإن ذلك مُخِلٌّ بعبادته تعالى فإن جميعَ الكتبِ السماوية متفقةٌ على ذلك قاطبةً وقد قال المسيح عليه السلام: (إنه من يشرِكْ بالله فقد حرم الله عليه الجنة) وأما إطاعة الرسولِ صلى الله عليه وسلم وسائرِ مَنْ أمر الله تعالى بطاعته فهي في الحقيقة إطاعةٌ لله عز وجل أو وما أُمر الذين اتخذهم الكفرةُ أرباباً من المسيح والأحبارِ والرهبانِ إلا ليوحِّدوا الله تعالى فكيف يصِحُّ أن يكونوا أرباباً وهم مأمورون مستعبَدون مثلَهم ولا يقدح في ذلك كونُ ربوبـيةِ الأحبار والرهبان بطريق الإطاعةِ فإن تخصيصَ العبادة به تعالى لا يتحقق إلا بتخصيص الطاعَةِ أيضاً به تعالى وحيث لم يخُصوها به تعالى لم يخصّوا العبادةَ به سبحانه {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} صفةٌ ثانيةٌ لإلٰهاً أو استئنافٌ مقرِّرٌ للتوحيد {سُبْحَـٰنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} عن الإشراك به في العبادة والطاعةِ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} [الآية: 31]. قال بعضهم: سكنوا أمثالهم وطلبوا الحق من غير مظانه، وطرق الحق واضحة لمن كحل بنور التوفيق وبصر سبيل التحقيق، ومن أعمى عن ذلك كان مردوداً من طريق الحق إلى طريق الجناس من الخلق.
القشيري
تفسير : كما لا تجوز مجاوزة الحد في وَضْع القدْرِ لا تجوز مجاوزة الحد في رَفْع القَدْر، وفي الخبر: "حديث : أُمِرْنا أَنْ نُنْزِلَ الناسَ منازِلَهم ". تفسير : فَمَنْ رأى من المخلوقين شظيةً من الإبداع أنْزَلَهم منزلةَ الأرباب، وذلك - في التحقيق - شِرْك، وما أخلص في التوحيد مَنْ لم يَرَ جميعَ الحادثات بصفاتها (....) من الله. {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً}: فمن رفع في عقده مخلوقاً فوق قدره فقد أشرك بربِّه.
البقلي
تفسير : قوله تعالى: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} عبر من بقى فى رؤية المقتدى عن رؤية الحق وان كان وسيلة منه فان فى افراد القدم من الحدوث الى النظر الى الوسايط شرك وتصديق ذلك تمام الاية قوله {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً} غيرة الوحدانية ما ابقت فى البين غير امن الشواهد والايات وجميع الخلق قال الله قل الله ثم ذرهم ولما راى عليه السّلام غيرة القدم على شانه استهلاك الغير زجر من مدحه وتجاوز فى المدح فقال لا تطرونى كما اطرت النصالى المسيح وتحرك فى تفريد سره من رفع الحدثان حين تكلم فى الصحو بعد السكر واخبر عن فناء الكل فى الكل وقطع مسالك الصورة عن افراد القدم بقوله لى مع الله وقت لا يسعنى فيه ملك مقرب ولا نبى مرسل بعد ان كان مامورا بمتابعة الخليل عليه السّلام بقوله ان اتبع ملة ابراهيم حنيفا قال ابو يزيد فى مقالة التوحيد اياك ان يلاحظ الحبيب والكليم والخليل وتجد عند الله سبيلا وسئل الشبلى عن وصف جبرئيل عليه السّلام فقال والله ما خطر على قلبى منذ شهرا ان الله خلق جبرئيل اخبر عن فناء شهوده فى شهود الله قال بعضهم فى هذه الاية سكنوا الى امثالهم فطلبوا الحق من غير مطانة وطرق الحق واضحة لمن كحل بنور التوفيق وبصر سبل التحقيق ومن اعمى عن ذلك كأن مردودا من طريق الحق الى طرق الضالين من الخلق وقد وقع انهم معيرون وموبحون بقلة عرفانهم اهل الحقائق وركونهم الى اهل التقليد وسقطوا عن منازل اهل التوحيد فى التفريد وهكذا شان من اقتدى بالزراقين من اهل السالوس المتزينين بزىّ المشائخ والعارفين المتحققين وتخلف خلف الجامعين للدنيا الذين يقولون نحن ابناء المشائخ ونحن رؤساء الطريقة يضحك الله الدهر ملجأهم حيث علموا ان الولاية بالنسب حاشا ان من لم يذق طعم وصال الله وقلبه معلق بغير الله هو من اولياء الله قال الجنيد اذا اراد الله بالمريد خيرا هداه الى صحبة الصوفية ووقاه من صحبة القراء ولو اشتغلوا بشأنهم وجمع دنياهم ولم يتعرضوا لاولياء الله ولم يقصد واسقاط جاههم يكفيهم شقاوتهم لا سيما ويطعنون الصديقين والعارفين قال الله فى شأنهم {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ} كيف يطفئوا نيران حسابهم انوار شموس الصفات التى تبرز من جباه وجوههم ولآلى خدودهم واصلها ثابت فى افلاك الوحدانية وسماوات القيومية ويزيد نورهم على نور لانه تعالى بلا نهاية ولا منتهى بصفاته.
اسماعيل حقي
تفسير : {اتخذوا} اى اليهود {احبارهم} اى علماءهم جمع حبر بالكسر هو افصح وسمى العالم حبرا لكثرة كتابته بالجر او لتحبره المعانى او بالبيان الحسن وغلب فى علماء اليهود من اولاد هارون {ورهبانهم} واى اتخذوا النصارى علماءهم جمع راهب وهو الذى تمكنت الرهبة والخشية فى قلبه وظهرت آثارها فى وجهه ولسانه وهيئته وغلب فى عباد النصارى واصحاب الصوامع منهم {اربابا من دون الله} اى كالارباب فهو من باب التشبيه البليغ. والمعنى اطاعوا علماءهم وعبادهم فيما امروهم به طاعة العبيد للارباب فحرموا ما احل الله وحللوا ما حرم الله وفى الحديث "حديث : ان محرم الحلال كمحلل الحرام" تفسير : اى ان عقوبة محرم الحلال كعقوبة محلل الحرام وذلك كفر محض ومثاله ان من اعتقد ان اللبن حرام يكون كمن اعتقد ان الخمر حلال ومن اعتقد ان لحم الغنم حرام يكون كمن اعتقد ان لحم الخنزير حلال {والمسيح ابن مريم} عطف على رهبانهم اى اتخذه النصارى ربا معبودا بعدما قالوا انه ابن الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا وجمع اليهود والنصارى فى ضمير اتخذوا لا من اللبس {وما امروا} اى والحال ان اولئك الكفرة ما امروا فى التوراة والانجيل وبادئ العقل {الا ليعبدوا الها واحدا} عظيم الشأن هو الله تعالى ويطيعوا امره ولا يطيعوا امر غيره بخلافه فان ذلك مخل بعبادته بان جميع الكتب السماوية متفقة على ذلك قاطبة واما اطاعة الرسول وسائر من امر الله بطاعته فهى فى الحقيقة اطاعة الله تعالى {لا اله الا هو} صفة ثانية لا لها {سبحانه عما يشركون} ما مصدرية اى تنزيها له عن الاشراك به فى العبادة والطاعة
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى عن هؤلاء اليهود والنصارى الذين حكى حكايتهم انهم اتخذوا احبارهم، وهو جمع حبر، وهو العالم الذي صناعته تحبير المعاني بحسن البيان وقيل حبر وحبر - بفتح الباء وكسرها - حكاه الفراء. والرهبان جمع راهب وهو الخاشي الذي يظهر عليه للناس الخشية. وقد كثر استعماله في متنسكي النصارى وروي عنه صلى الله عليه وآله أن معنى اتخاذهم أرباباً أنهم قبلوا منهم التحريم والتحليل بخلاف ما أمر الله تعالى، وهو المروي عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام، فسمى الله ذلك اتخاذهم إياهم أرباباً من حيث كان التحريم والتحليل لا يسوغ إلا الله تعالى. وهو قول أكثر المفسرين. وقوله {والمسيح ابن مريم} عطف على الارباب أي واتخذوا عيسى ربّاً. وقوله {وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً} معناه ان الله تعالى لم يأمر هؤلاء اليهود والنصارى وغيرهم إلا بعبادة الله وحده لا شريك له. ثم أخبر فقال {لا إله إلا هو سبحانه} يعني تنزيهاً عما يشركون. ومعنى سبحانه براءة الله من السوء كما قال الشاعر: شعر : أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر تفسير : والآية تدل على أن المشرك مع الله في التحليل والتحريم على مخالفة امر الله كالمشرك في عبادة الله، لأن استحلال ما حرم الله كفر بالاجماع. وكل كافر مشرك ولا يلزم على ذلك أن يكون من قبل من الشيطان باغوائه فارتكب المعاصي أن يكون كافراً على ما استدل به بعض الخوارج، لأنه إذا قبل من الشيطان ما يعتقد انه معصية ولا يقصد بذلك طاعة الشيطان ولا تعظيمه يكون فاسقاً، ولا يكون كافراً. وليس كذلك من ذكره الله تعالى في الاية، لأنهم كانوا يقبلون تحريم علمائهم واحبارهم ويقصدون بذلك تعظيمهم. ولا يلزم على ذلك قبول المعاصي من العالم، لأن العامي يعتد بالرجوع إلى العالم فيقبل منه ما أدى اجتهاده اليه وعلمه، فاذا قصد العالم وافتاه بغير ما علمه فهو المخطئ دون المستفتي. وليس كذلك هؤلاء، لأنهم ما كانوا تعبدوا بالرجوع إلى الاحبار والقبول منهم لأنهم لو كانوا تعبدوا بذلك لما ذمهم الله على ذلك.
الجنابذي
تفسير : {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ} قد مضى انّ الاحبار علماء الملّة والرّهبان علماء الدّين والطّريقة {أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} يطلق الرّبّ على المطاع وهو الرّبّ فى الطّاعة، وعلى المعبود وهو الرّبّ فى العبادة، وعلى المدبّر فى الوجود وهو الرّبّ فى الوجود وبقائه، وعلى الخالق وهو الرّبّ فى الايجاد والمقصود من الرّبّ ههنا هو الرّبّ فى الطّاعة حيث قالوا لهم: هذا حلالٌ وهذا حرامٌ، وهذا من التّوراة والانجيل، فسمعوا منهم من غير حجّةٍ، والنّاس غير العلماء الآلهيّين منهم لا بدّ لهم من ربٍّ بشرىّ يطيعونه لعدم بصيرتهم بأمر دينهم وبأمر دنياهم على وجهٍ لا يضرّهم فى عقباهم وذلك الرّبّ المطاع امّا منصوبٌ من الله فقوله قولٌ من الله وقول الله، وطاعته طاعة الله، وربوبيّته ربوبيّة الله، وامّا غير منصوب من الله فهو غير الله وهو ناش من غير الله وطاعته غير طاعة الله فقوله من دون الله تقييد للارباب يعنى ارباباً ناشين من دون الله من حيث ربوبيّتهم، او ارباباً هم بعض من غير الله على ان يكون من للابتداء او للتّبعيض {وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ} عطف على احبارهم يعنى اتّخذوا المسيح بن مريم ربّاً فى العبادة ولذا جاء به بعد تمام حكم المعطوف عليه واخّره عن الاحبار ليكون ترقّياً الى الابلغ فى الّذمّ، ان قلت: انّ المسيح منصوب من الله فهو ربّ من الله ولاذمّ فى اتّخاذه ربّاً؟! فالجواب انّ ربوبيّته فى الطّاعة من حيث انّه من الله ممدوحة وامّا ربوبيّته فى العبادة كما تفهم من قولهم انه آلهٌ او انّه ابن الله، او انّه ثالث ثلاثةٍ وكذا ربوبيّته فى الطّاعة من حيث انّه مستقلّ فى الرّبوبيّة فهى مذمومة واشراك بالله {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً} غير مركّب فى ذاته وغير متعدّد فى الوجود فطاعة الرّسل ان كانت من حيث انّهم رسل الله طاعة الله وطاعتهم لا من تلك الحيثيّة ليست طاعة الله {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} صفة بعد صفة او حال او مستأنف والمقصود منه حصر الآلهة فيه كأنّه قال: {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً} محصوراً فيه الآلهة {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} فى الطّاعة والولاية كاشراك الاحبار والرّهبان او فى الطّاعة والعبادة والآلهة جميعاً كاشراك المسيح وهو تعريض بالامّة حيث اشركوا فى الولاية والطّاعة من لم ينصبه الله وللاشارة الى التّعريض قال تعالى {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ}.
اطفيش
تفسير : {اتَّخذُوا أحْبارَهُم} جمع حبر بفتح الحاء، وهو العالم، وأما الحبر بكسرها فهو المداد كما فى القاموس، وهو قول ابن السكيت، وقال الفراء: سمعت فتح الحاء وكسرها فى العالم، قال بعضهم: والكسر أفصح، وقال يونس: لم أحفظه إلا بالكسر، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. {ورُهْبانَهم} جمع راهب وهو الخائف، وكل من الحبر والراهب يكون فى اليهود والنصارى، ولو اشتهر أن الأحبار علماء اليهود، والرهبان أصحاب الصوامع من النصارى {أرْبابا مِنْ دُون اللهِ} بأن أطاعوهم فى تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم، فإن التحليل والتحريم إنما يتلقيان من الله، وإنما بدل الدين ملوك السوء وأحباره ورهبانه، وبأن سجدوا، لهم، فمن أطاعهم فيما ذكر قد اتخذهم أربابا، من سجد لهم قد اتخذهم أربابا. قال الفضيل: ما أبالى أطعت مخلوقا فى معصية الخالق، أو صليت لغير القبلة، وفسر ابن عباس، وحذيفة اتخاذهم أربابا بطاعتهم فيما ذكر، "حديث : وذكر عدى بن حاتم أنى أتيت النبى صلى الله عليه وسلم وفى عنقى صليب من ذهب فقال: "يا عدى اطرح هذا الصليب من عنقك"" تفسير : فى رواية الطبرى، وروى غيره: "حديث : اطرح عنك هذا الوثن" تفسير : وفى رواية: "حديث : "ألق هذا من عنقك" وسمعته يقرأ {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}" تفسير : وفى رواية غير الطبرى سمعته يقرأ سورة براءة، حتى أتى على هذه الآية، قلت: إنا لا نتخذهم أربابا من دون الله، وفى رواية الطبرى "حديث : قلت: يا رسول الله كيف ذلك ونحن لم نعبدهم؟ قال: "أليسوا يحلون لكم ما حرم عليكم فتستحلونه، ويحرمون عليكم ما أحل لكم فتحرمونه؟" قلت: بلى، قال: "فتلك عبادتهم"" تفسير : ولذا فسر الفضيل اتخاذهم أربابا بالعبادة. وليس هذا الحديث حصرا فى تفسير الآية، بل تمثيل لها، فكأنه قال: إن لم تكن يا عدى تعبدهم بالسجود ونحوه فقد عبدتهم باتباعهم فى التحليل والتحريم، وفى الضياء، والتاج: من أجاب قيل ناطقا فقد عبده، فإن كان عن الله فقد عبد الله، وإن كان عن إبليس فقد عبده، وعبادته طاعته فيما دعاه إليه من المعاصى. انتهى. {والمسِيحَ} عطف على أحبار أو رهبان، أو يقدر واتخذوا المسيح رباً {ابنَ مرْيَم} بأن جعلوه ابنا لله، فإذا جعلوه ابنا له فقد أهلوه للعبادة، بل قال فريق منهم هو أنه كما مر {وما أمِرُوا} فى الكتب وسنة الأنبياء {ليعْبُدوا إلهاً واحداً} هو الله عز وجل، وأما اتباع الناطق فيما كان عن الله فهو عبادة لله كما مر، ويجوز عود الضمير للأحبار والرهبان والمسيح، أى هم مأمورون بعبادة الله وحده، فكيف يكون أربابا، فهذا كالدليل على بطلان اتخاذهم أربابا، واللام للتعليل، أى وما أمروا بما أمروا إلا ليعبدوا، أو صلة للتأكيد، وحذفت إن والباء أى وما أمروا إلا ليعبدوا، أى إلا بأن يعبدوا. {لا إلهَ إلا هُوَ} نعت ثان لإلها، أو حال منه، أو مستأنف مقرر للتوحيد {سُبحانهُ} مفعول مطلق عامله محذوف من لفظه، أى سبحوه، وهو اسم للمصدر الذى هو التسبيح، أى نزهوه التنزيه اللائق به، وغلط من قال: ليس من لفظ سبحان فعل فقدر العامل من لفظ التنزيه، فإن فعله سبح والنون زائد مع الألف. {عمَّا يُشْركونَ} متعلق بسبحان أو بعامله المحذوف، وما مصدرية أى عن إشراكهم أو اسم فيقدر مضاف، أى عن شركة ما يشركونه به، وذلك دليل على أن أهل الكتاب مشركون، وزعم من يقول غير ذلك أن إطلاق الإشراك عليهم كإطلاقه على الرياء.
اطفيش
تفسير : {إِتَّخَذُوا} أَى اليهود والنصارى {أَحْبَارَهُمْ} علماءهم، اتخذ اليهود أَحبارهم والنصارى أَحبارهم والمفرد حبر - بفتح الحاء وكسرها وإِسكان الباء وكسر الحاء - أنسب بالجمع، والفتح جائز فى مفرده فيما قيل. ولعلهم استغنوا بجمع المكسور، وإِلا فقياس المفتوح أَحبر - بضم الباء وإِسكان الحاء وفتح الهمزة - العالم حبر لأَنه يزين العلم ببيانه، أَو لأَنه يفرح الخلق، يقال: حَبَرهُ - بفتح الباء - يحبُره - بضمها، بمعنى حسنه أَو فرحه، ولا يسمى العالم فى العرب حبرا إِن كان من أَهل الكتاب مسلماً أَو مشركاً من نسل هارون. ومتى سمى العالم من غيرهم حبراً فتوسع. وأَصل المادة العموم، والمراد فى الآية بالأَحبار علماء اليهود، وقيل: العالم حبر، ولو من هذه الأُمة. كما يسمون ابن عباس الحبر وحبر الأُمة {وَرُهْبَانَهُمْ} عبادهم وهو من الرهبة بمعنى الخوف وهو مختص بعباد النصارى فى العرف. كانوا لا يتزوجون ولا يأْكلون اللذات، ويعتزلون ويشددون حتى أَن منهم من يخصى نفسه، ويضع السلسلة فى عنقه. فقال صلى الله عليه وسلم لذلك: "حديث : لا رهبانية فى الإِسلام"تفسير : ، وقال: "حديث : كلوا وتزوجوا وانفعوا الخلق وجاهدوا"تفسير : . جمعت اليهود والنصارى فى واو اتخذوا، ورجعت أَحبارهم لليهود. ورهبانهم للنصارى على اللف والنشر المرتب باعتبار ذكر اليهود أَولا والنصارى ثانياً قبل ذلك. وأَما باعتبار الواو فلا ترتيب ولا لف. والهاء فى أَحبارهم وفى رهبانهم للنصارى، ويجوز كون الهاءَين للجموع {أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ} غير الله استلحاقاً به، فلم ينفعهم إِيمانهم به إِذ أَشركوا به غيره. أَو قوله من دون الله نفى له لأَن من جعل غيره إِلهاً فليس بمؤمن به، لأَن الإِيمان به إِفراده جل وعز {والْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} أَضافه إِلى أُمه تنبيهاً على شدة حمقهم فى قولهم أَنه إِله أَو ابن إِله عطف على رهبانهم أَو على أَحبارهم، والعطف على رهبانهم ولو كان ثانياً، والواو لا ترتب لأَن الرهبان والمسيح لملة واحدة.. أَو يقدر: والمسيح ابن مريم إِلهاً أَو ربًّا عطفاً على معمولى عامل، وكان عدى بن حاتم رضى الله عنه نصرانيا، جاءَت به أخته من الشام هارباً إِليها. قال: أَتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى عنقى صليب من ذهب وهو يقرأ براءَة. فقال: "حديث : يا عدى اطرح هذا الوثن من عنقك فطرحته، ثم انتهى إِلى قوله تعالى "اتخذوا أَحبارهم ورهبانهم أَرباباً من دون الله والمسيح بن مريم" فقال: إِنا لسنا نعبدهم، فقال صلى الله عليه وسلم: أَليسوا يحرمون ما أَحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه. فقلت: بلى. قال: ذلك عبادتهم"تفسير : . حاجة النبى صلى الله عليه وسلم بما لا محيد عنه قطعاً للحجة بمرة، وإِفادة بأَن تحليل ما حرم وتحريم ما أَحل شرك به، ومن بالغ فى اتباع غيره يقال: عبده، وجعله إِلهه، استعارة لشبه ذلك الاتباع البليغ بالعبادة، وأَطلق العبادة وهى مخصوصة باتباع مخصوص على مطلق الاتباع الشديد على التجوز الإِرسالى، وإلا فقد صح فى أَخبار السير وغيرها أَنهم يسجدون لهم، وقد مر أَن نسطور وأَتباعه قالوا: عيسى إِله، ومريم إِله، والله إِله، فلعيسى ومريم لاهوتية وناسوتية، وإِن ملكان وأَتباعه قالوا أَن عيسى هو الله، ومر أَن منهم - لعنهم الله تعالى - من قال عيسى ابن الله وليس بشراً، والحاصل أَن للنصارى - لعنهم الله - إِلهاً يأْكل ويشرب ويخرأَ أَو يبول، تعالى الله عن صفات الخلق، وإٍسقاط أَلف ابن بين علمين ثانيهما تابع لأَولهما قاعدة فى غير القرآن، فلا يقال: انظر، لم ثبت الأَلف فى ابن هنا مع اَنه صفة بين علمين، والمسيح لقب وهو علم {وَمَا أُمِرُوا} فى كتب الله والواو للحال {إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهًا وَاحِدًا} أَى ما أمروا بتوحيد الله إِلا ليعبدوا إِلها واحداً. ولما كان جائزاً فى الجهالة أَن تكون آلهة متعددة فإِن ظاهر قوله "إِلا ليعبدوا إِلهاً واحداً" ليس نفياً لتعدد الآلهة، بل نفى لأَن يعبد أَكثر من واحد، و {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} تقرير لقوله "إِلا ليعبدوا إِلها واحداً" بمعنى أَن مضمون ليعبدوا إِلهاً واحداً هو انفراد الإله، إِذ لا معنى لوجود إِله لا يعبد، والجملة مستأنفة، أَو نعت لإِلها، أَى إِلهاً منتفى التعدد، والواو فى أمروا عائدة إِلى الأَحبار والرهبان، والمعنى أَنهم يعبدون ناساً مأْمورين إِفراد الله بالعبادة والألوهية، فكيف تجعلون رباً من هو مربوب ومعبوداً من هو عابد. وهذا نفى للتعدد بطريق البرهان فهو أَولى من رجوع الواو إِلى هؤلاء الناس وعابديهم، أَو إِلى عابدهم على معنى: كيف تعبدون عيسى وعزيراً ونحوهما، مع أَن عيسى وعزيراً ونحوهما ما أمروا إِلا ليعبدوا الله وحده، وأَما طاعة رسل الله ونحوهم ممن أَمرنا بطاعته ولو زوجاً لزوجها فمعناها طاعة الله فى أَداء واجبهم {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أَمر بتنزيهه عن الإِشراك، أَو إ ِخبار بأَنه تعالى نزه نفسه عن إِشراكهم، أَى سبحت نفسى تسبيحاً، وما مصدرية كما رأَيت، ويجوز أَن تكون اسماً، أَى سبحانه عما يشركونه به من الأَحبار والرهبان والمسيح، ولفظ الإِشراك حرام ولو بلا قصد إِشراك إِجماعاً إِلا حكاية أَو اضطراراً لأَنه موهم، وذلك من الإِلحاد فى أَسمائه كما قال بعض العلماء: إِن الله حكم بشرك من قال: عزير ابن الله، أَو قال: المسيح ابن الله، ولو لم ينو حقيقة البنوة بناءً على أَن لفظ الإِشراك إِشراك ولو لم ينو، كما أَن نيته شرك بلا لفظ، أَو مع لفظ. على أَن من العلماء من لا يجيز للمضطر أَن يلفظ بالشرك ولو اطمأَن قلبه بالإِيمان، إِلا بتأْويل لفظ بمعرضه، أَو إِسرار شئ ينقضه وذلك حسم لمادة الشرك، وقد أَجاز بعض تسمية الله تعالى على الإِضافة، كفارش الأَرض وداحيها لورود فرشناها ودحاها، فلا يسمى الله بابه إِجماعاً، ولو بلا قصد حقيقة الأَبوة وقيل: لا يشرك بلا قصد، وأَجمعوا أَنه ينهى عن ذلك. قيل: شعر : إِذا كنت فى الفردوس جارا لبربر فلازمك الرحيل عنها إِلى سقر يقولـــون للرحمــن بابــه بجهلهـم ومن قال للرحمن بابه فقد كفر تفسير : وأَجابه مغربى: شعر : كفى بك جهلا أَن تخر إِلى سقر بديلا من الفردوس فى خير مستقر فإِن أَبـا الإِنسـان يدعــون أَنـه كفيـل وقيــم رحيــم بــه وبــر ومن قال للرحـن بابه وقد عنى بــه ذلك المعنى مجــاز فقــد كفــر
الالوسي
تفسير : {اتَّخَذُواْ أَحْبَـٰرَهُمْ} زيادة تقرير لما سلف من / كفرهم بالله تعالى، والأحبار علماء اليهود، واختلف في واحده فقال الأصمعي: لا أدري أهو حِبْر أو حَبْر، وقال أبو الهيثم: هو بالفتح لا غير، وذكر ابن الأثير أنه ((بالفتح والكسر)) وعليه أكثر أهل اللغة، والصحيح إطلاقه على العالم ذمياً كان أو مسلماً فقد كان يقال لابن عباس رضي الله تعالى عنهما الحبر ويجمع كما في «القاموس» على حبور أيضاً وكأنه مأخوذ من تحبير المعاني بحسن البيان عنها {وَرُهْبَـٰنَهُمْ} وهم علماء النصارى من أصحاب الصوامع، وهو جمع راهب وقد يقع على الواحد ويجمع على رهابين ورهابنة وفي «مجمع البيان» أن الراهب هو الخاشي الذي تظهر عليه الخشية وكثر إطلاقه على متنسكي النصارى وهو مأخوذ من الرهبة أي الخوف، وكانوا لذلك يتخلون من أشغال الدنيا وترك ملاذها والزهد فيها والعزلة عن أهلها وتعمد مشاقها حتى أن منهم من كان يخصي نفسه ويضع السلسلة في عنقه وغير ذلك من أنواع التعذيب، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا رهبانية في الإسلام» تفسير : . والمراد في الآية اتخذ كل من [واحد] من الفريقين علماءهم لا الكل الكل {أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ} بأن أطاعوهم في تحريم ما أحل الله تعالى وتحليل ما حرمه سبحانه وهو التفسير المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد روي الثعلبـي وغيره حديث : عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: يا عدي اطرح عنك هذا الوثن وسمعته يقرأ في سورة براءة {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} فقلت له: يا رسول الله لم يكونوا يعبدونهم فقال عليه الصلاة والسلام. أليس يحرمون ما أحل الله تعالى فيحرمونه ويحلون ما حرم الله فيستحلون؟ فقلت بلى. قال: ذلك عبادتهمتفسير : . وسئل حذيفة رضي الله تعالى عنه عن الآية فأجاب بمثل ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونظير ذلك قولهم: فلان يعبد فلاناً إذا أفرط في طاعته فهو استعارة بتشبيه الإطاعة بالعبادة أو مجاز مرسل بإطلاق العبادة وهي طاعة مخصوصة على مطلقها والأول أبلغ، وقيل: اتخاذهم أرباباً بالسجود لهم ونحوه مما لا يصلح إلا للرب عز وجل وحينئذٍ فلا مجاز إلا أنه لا مقال لأحد بعد صحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والآية ناعية على كثير من الفرق الضالة الذين تركوا كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام لكلام علمائهم ورؤسائهم والحق أحق بالاتباع فمتى ظهر وجب على المسلم اتباعه وإن أخطأه اجتهاد مقلده {وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ} عطف على {رُهْبَانَهُمْ} بأن اتخذوه رباً معبوداً أو بأن جعلوه ابناً لله كما يقتضيه سياق الآية على ما قيل وفيه نظر. وتخصيص الاتخاذ به عليه السلام يشير إلى أن اليهود ما فعلوا ذلك بعزير، وتأخيره في الذكر مع أن اتخاذهم له كذلك أقوى من مجرد الإطاعة في أمر التحليل والتحريم لأنه مختص بالنصارى، ونسبته عليه السلام إلى أمه للإيذان بكمال ركاكة رأيهم والقضاء عليهم بنهاية الجهل والحماقة. {وَمَا أُمِرُواْ} أي والحال أن أولئك الكفرة ما أمروا في الكتب الإلهية وعلى ألسنة الأنبياء عليهم السلام {إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـٰهاً وٰحِداً} جليل الشأن وهو الله سبحانه ويطيعوا أمره ولا يطيعوا أمر غيره بخلافه فإن ذلك مناف لعبادته جل شأنه، وأما إطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وسائر من أمر الله بطاعته فهي في الحقيقة إطاعة لله عز وجل، أو وما أمر الذين اتخذهم الكفرة أرباباً من المسيح عليه السلام والأحبار والرهبان إلا ليطيعوا / أو ليوحدوا الله تعالى فكيف يصح أن يكونوا أرباباً وهم مأمورون مستعبدون مثلهم، ولا يخفى أن تخصيص العبادة به تعالى لا يتحقق إلا بتخصيص الطاعة أيضاً به تعالى ومتى لم يخص به جل شأنه لم تخص العبادة به سبحانه {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} صفة ثانية لإلهاً أو استئناف، وهو على الوجهين مقرر للتوحيد وفيه على ما قيل فائدة زائدة وهو أن ما سبق يحتمل غير التوحيد بأن يؤمروا بعبادة إله واحد من بين الآلهة فإذا وصف المأمور بعبادته بأنه هو المنفرد بالألوهية تعين المراد، وجوز أن يكون صفة مفسرة لواحداً {سُبْحَـٰنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تنزيه له أي تنزيه عن الإشراك به في العبادة والطاعة.
ابن عاشور
تفسير : الجملة تقرير لمضمون جملة {أية : وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله}تفسير : [التوبة: 30] ليُبنى على التقرير زيادة التشنيع بقوله: {وما أمروا إلا ليعبدوا إلٰهاً واحداً} إلخ، فوزان هذه الجملة وزان جملة {أية : اتخذوه وكانوا ظالمين}تفسير : [الأعراف: 148] بعد جملة {أية : واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار}تفسير : [الأعراف: 148]. والضمير لليهود والنصارى. والأحبار جمع حَبَر ــــ بفتح الحاء ــــ وهو العالِم من علماء اليهود. الرهبان اسم جمع لراهب وهو التقي المنقطع لعبادة الله من أهل دين النصرانية، وإنّما خص الحَبر بعالمِ اليهود لأنّ عظماء دين اليهودية يشتغلون بتحرير علوم شريعة التوراة فهم علماء في الدين وخصّ الراهب بعظيم دين النصرانية لأنّ دين النصارى قائم على أصل الزهد في الدنيا والانقطاع للعبادة. ومعنى اتّخاذهم هؤلاء أرباباً أنّ اليهود ادّعوا لبعضهم بنوةَ الله تعالى وذلك تأليه، وأنّ النصارى أشدّ منهم في ذلك إذ كانوا يسجدون لصور عظماء ملّتهم مثل صورة مريم، وصور الحواريين، وصورة يحيى بن زكرياء، والسجود من شعار الربوبية، وكانوا يستنصرون بهم في حروبهم ولا يستنصرون بالله. وهذا حال كثير من طوائفهم وفرقهم، ولأنّهم كانوا يأخذون بأقْوال أحبارهم ورهبانهم المخالفة لما هو معلوم بالضرورة أنّه من الدين، فكانوا يعتقدون أنّ أحبارهم ورهبانهم يحلّلون ما حرم الله، ويحرّمون ما أحلّ الله، وهذا مطرد في جميع أهل الدينين، ولذلك أفحم به النبي صلى الله عليه وسلم عدياً بنَ حاتم لمّا وفد عليه قُبيل إسلامه لما سمع قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} وقال عدي: لسنا نعبدهم فقال: «أليس يحرّمون ما أحلّ الله فتحرّمونه ويحلّون ما حرّم الله فتستحلّونه ــــ فقلت: بلى ــــ قال: فتلك عبادتهم» فحصل من مجموع أقوال اليهود والنصارى أنّهم جعلوا لبعض أحبارهم ورهبانهم مرتبة الربوبية في اعتقادهم فكانت الشناعة لازمة للأمتين ولو كان من بينهم من لم يقل بمقالهم كما زعم عدي بن حاتم فإنّ الأمّة تؤاخذ بما يصدر من أفرادها إذا أقرته ولم تنكره، ومعنى اتّخاذهم أرباباً من دون الله أنّهم اتّخذوهم أرباباً دون أن يفردوا الله بالوحدانية، وتخصيص المسيح بالذكر لأنّ تأليه النصارى إياه أشنع وأشهر. وجملة {وما أمروا إلا ليعبدوا إلٰهاً واحداً} في موضع الحال من ضمير {اتخذوا أحبارهم}، وهي محطّ زيادة التشنيع عليهم وإنكار صنيعهم بأنّهم لا عذر لهم فيما زعموا، لأنّ وصايا كتب الملّتين طافحة بالتحذير من عبادة المخلوقات ومن إشراكها في خصائص الإلٰهية. وجملة {لا إلٰه إلا هو} صفة ثانية لــــ {إلهاً واحداً}. وجملة {سبحانه عما يشركون} مستأنفة لقصد التنزيه والتبرّىء ممّا افتروا على الله تعالى، ولذلك سمي ذلك إشراكاً.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَرُهْبَانَهُمْ} {وَاحِداً} {سُبْحَانَهُ} (31) - اتَّخَذَ أهْلُ الكِتَابِ، مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، كِبَارَ رِجَالِ دِينِهِمْ أرْبَاباً وَمُشَرِّعِينَ، فَأحَلُّوا لَهُمُ الحَرَامَ، وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الْحَلاَلَ، فَاتَّبَعُوهُمْ فِي ذَلِكَ، وَهَذِهِ المُتَابَعَةُ هِيَ المَقْصُودَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً}؛ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ للهِ وَلَداً عَبَدُوهُ مَعَ اللهِ، كَعُزَيْرٍ وَالْمَسِيحِ، لاَ إِلهَ غَيْرُ اللهِ، تَنَزَّهَ وَتَقَدَّسَ عَنِ الشِّرْكِ وَالْوَلَدِ وَالصَّاحِبَةِ، وَعَنِ النُّظَرَاءَ وَالأعْوَانِ، وَلاَ رَبَّ سِوَاهُ. وَهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا أُمِرُوا بَأنْ يَعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ. الأحْبَارُ - عُلَمَاءُ اليَهُودِ. الرُّهْبَانُ - مُتَنَسِّكُو النَّصَارَى. أرْبَاباً - أَطَاعُوهُمْ كَمَا يُطَاعُ الرَّبُّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و"الحَبْر" هو لقب عند اليهود، وهو العالم. ويقال في اللغة "حِبر" أو "حَبْرُ" أي رجل يدقق الكلام ويزنه بأسلوب عالم. والرهبان عند النصارى والمقصود بهم المنقطعون للعبادة، فالحَبر عالِم اليهود، والراهب عابد النصارى، أما عالم النصارى فيسمى "قسيس" ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً}تفسير : [المائدة: 82]. فإن قصدنا عالم الدين المسيحي قلنا: "قسيس"، وإن قصدنا رجل التطبيق أي العابد قلنا: "الراهب" والراهب هو من يقول: إنه انقطع لعبادة الله فوق ما طلب الله منه من جنس ما طلب، ونعلم أنه لا رهبانية في الإسلام، ولكن الإنسان يستطيع أن يتقرب إلى الله كما يحلو له من جنس ما طلب الله منه، فإن كان الحق عز وجل قد أمر بإقامة الصلاة خمس مرات في اليوم، فالمسلم الذي يرغب في زيادة التقرب إلى الله يمكنه أن يصلي ضعف عدد مرات الصلاة، وإذا كان الحق سبحانه قد فرض أن تكون الزكاة بمقدار اثنين ونصف في المائة، فالعبد الصالح قد يزيد ذلك بضعفه أو أضعافه. وهذه زيادة من جنس ما فرض الله تعالى وزيادة، وهذا يعني في الإسلام الدخول إلى مقام الإحسان، واقرأ إن شئت قول الحق تبارك وتعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ}تفسير : [الذاريات: 15-16]. أي: أنهم قد دخلوا إلى مقام الإحسان أي ارتقوا فوق مقام الإيمان. ويزيدنا الحق علماً بمقام الإحسان فيقول: {أية : كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ}تفسير : [الذاريات: 17-19]. وسبحانه لا يطلب منا في فروض الدين ألا نهجع إلا قليلا من الليل، بل نصلي العشاء وننام إلى الفجر. لكن إنْ قام الإنسان منَّا وتهجد فذلك زيادة عما فرض الله ولكنه من جنس ما فرض الله. وكذلك الاستغفار فمن تطوع به فهو خير له. وكذلك الصدقة على غير المحتاج، فهنا زيادة في العطاء على ما فرضه الله من الزكاة التي حُدِّدَتْ من قبل في قول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ}تفسير : [المعارج: 24]. والرهبانية كانت رغبة من بعضهم في الدخول إلى مقام الإحسان، ولكن الحق لم يفرضها عليهم؛ لأنه هو الذي خلق وَعلم أزلاً قدرات من خلق، لذلك قال الحق وتعالى: {أية : وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} تفسير : [الحديد: 27]. هم إذن قد ابتدعوها ابتغاء رضوان الله وزيادة في العبادة، وليس في ذلك ملامة عليهم، ولكنها ضد الطبيعة البشرية؛ لذلك لم يراعوا الرهبانية حق رعايتها، ويقول المولى سبحانه وتعالى هنا في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً} فهل معنى ذلك أنهم يقولون للحبر أو الراهب "رب"؟ لا، ولكن كانت معاملتهم لهم كمن يعامل ربه؛ لأن الله هو الذي يُحل ويحرم بـ"افعل" و"لا تفعل"، فإذا جاء هؤلاء الأحبار وأحلُّوا شيئاً حرمه الله أو حرَّموا شيئاً أحلَّه الله، فهم إنما قد أخذوا صفة الألوهية فوصفوهم بها؛ لأن التحليل والتحريم هي سلطة الله، فلذلكحديث : عندما دخل عدي بن حاتم على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجد الرسول صلى الله عليه وسلم في عنق الرجل صليباً من الذهب أو من الفضة قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اخلع هذا الوثن"تفسير : ، ومن أدب الرجل مع الرسول خلع الصليب. وقال صلى الله عليه وسلم: حديث : "إنكم لتتخذون الأحبار والرهبان أرباباً". فقال الرجل: نحن لا نعبدهم.. قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولا تطيعونهم فيما حرموا وأحلوا؟ قال: نعم. قال: تلك هي العبادة . تفسير : {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ} ولسائل أن يسأل: وما معنى عطف المسيح على الأرباب، وعلى الأحبار والرهبان؟ والإجابة: إن الذي يحلل ويحرم إن لم يكن رسولاً، فهو إنسان يطلب السلطة الزمنية، وذلك لا يتأتى من الرسول؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما جاء ليلفت الناس إلى عبادة الله بما شرعه الله، وعيسى عليه السلام هو رسول لم يقم إلا بالبلاغ عن الله، ولكن البعض أخطأ التقدير وظن أنه ابن الله، ولذلك يتابع الحق قوله: {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} وهكذا يذكر الحق أن الأمر لم يصدر منه سبحانه وتعالى إلا بأن يعبد من يؤمن بالرسالات الإله الواحد. ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : خير ما قلته أنا والنبيون: لا إله إلا الله ". تفسير : وأنت حين تنظر إلى "لا إله إلا الله" تجد النفي في "لا" والاستثناء من النفي والإثبات في "إلا"، وهذا نفي الألوهية عن غير الله وإثباتها له وحده، وحين نقول: "الله واحدا" فهذا يتضمن الإثبات فقط. ويأخذ الفلاسفة الذين يملكون قوة الأداة والبيان من هذه القضية "الإثبات والنفي"، أو "الموجب والسالب"، ويقولون: كل التقاء بين موجب وسالب إنما يعطي طاقة، والطاقة يمكن استخدامها في الإنارة أو تدار بها آلة، وكذلك الطاقة الإيمانية تحتاج إلى "سالب وموجب"، ويقول الشاعر إقبال: شعر : إنما التوحيدُ إيجَابٌ وسَلبٌ فِيهِما للنفْسِ عزمٌ ومَضَاء تفسير : ويقول سبحانه وتعالى تذليلاً للآية الكريمة: {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} وحين تسمع كلمة {سُبْحَانَهُ} فاعرف أنها للتنزيه، فلا ذات مثل ذات الله، ولا صفة مثل صفات الله، فالله عني وأنت غني، فهل غناك الحادث مثل غنى الله الأزلي؟ وأنت حي والله حي، فهل حياتك الموقوتة مثل حياته؟ فحياته ذاتية وحياتك موهوبة، فسبحانه حي بذاته، ولذلك يجب أن تفرق بين اسمه "الحي" واسمه "المحيي"، فهو حي في ذاته، ومُحْي لغيره، وإن كانت الصفة لله في الذات فهي لا تتعدى إلى الغير، إن الله يوصف بها ولا يوصف بنقيضها، فتقول "حي" ولا تقول المقابل، ولكن إن قلت: "محيي" فأنت تأتي بالمقابل وتقول: "مميت". وتقول: "قابض وباسط" و"رحيم وقهار". إذن: فصفة الذات يتصف الله بها ولا يتصف بمقابلها، وأما صفة الفعل فيتصف بها ويتصف بمقابلها لأنها في غيره، فسبحانه هو مُحي لغيره، ومميت لغيره، لكنه حي في ذاته. إذن فكلمة {سُبْحَانَهُ} تعني التنزيه ذاتاً، وصفاتٍ، وأفعالاً، وإذا جاء فعل من الله، ويأتي مثله فعل من البشر، نقول: إن فعل الله عز وجل غير فعل البشر لأن فعل الله بلا علاج، ولكن فعل البشر بعلاج، بمعنى أن كل جزئية من الزمن تأخذ قدراً من الفعل، كأن تنقل شيئاً من مكان إلى مكان، فأنت تأخذ وقتاً وزمناً على قدر قوتك، أما فعل الله عز وجل فلا يحتاج إلى زمن، وقوته سبحانه وتعالى لا نهائية. ولذلك حين قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أسْرِيَ بي إلى بيت المقدس، قال من سمعوه: أتدعي أنك أتيتها في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً؟ لكن لم يلتفت أحد منهم إلى أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يقل: لقد ذهبت إليها بقوتي، بل قال: لقد أسرِيَ بي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. إذن: فالذي أسْرَى هو الله القوي القادر ولا يحتاج الله إلى زمن. إذن: فـ{سُبْحَانَهُ} هي تنزيه لله سبحانه وتعالى عن أي شيء يوجد في البشر. ولا تقارن قدرة الله سبحانه وتعالى بقدرة البشر مهما كان، بل إن العمل ينسب لقدرة صاحبه، وكلما زادت القوة زادت القدرة والله هو القوي. وقوله تعالى: {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} هو تنزيه لله، ولا تجد بشراً يقول لبشر حتى من الكفار الذين يعاندون الإيمان، لا يقول واحد منهم لآخر "سبحانك" لأن التنزيه أمر يختص به الله عز وجل. والناس تضع أسماء أولادها، فالأسماء مقدور عليها من البشر، ولكنك لا تجد كافراً معانداً محارباً لدين الله عز وجل يسمى ابنه "الله" فالمؤمن لا يجرؤ على هذه التسمية لأنه يؤمن بالله، والكافر لا يجرؤ عليها أبدا بقدرة الله وقهره. لذلك فكلمة {سُبْحَانَهُ} ولفظ الجلالة "الله" لفظان يختص بهما الله وحده بالقدرة المطلقة لله سبحانه وتعالى، وسبحانه القائل: {أية : رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}تفسير : [مريم: 65]. إذن: فالله سبحانه وتعالى - بالقدرة والقهر - حجز ألسنة البشر جميعاً أن يقول أحدهم لأحد: "سبحانك"، أو أن يسمى أحد ابنه "الله". والله عز وجل يقول هنا: {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}، وموقف المشركين وأهل الكتاب واقع تحت هذه الآية؛ لأن منهج السماء لا يأتي إلا إذا عَمَّ الفساد والله سبحانه وتعالى يريد من الإنسان الخليفة في الأرض أن يكون صالحاً ومصلحاً، وأقلُّ درجات الصلاح أن تترك الصالح فلا تفسده، فإن استطعت أن ترتقي به فهذا هو الأفضل. فإن كانت هناك بئر يشرب منها الناس، فالصلاح أن تترك هذه البئر ولا تردمها، والأصلح من ذلك أن تحمي جدرانها بالطوب حتى لا تنهار الأتربة وتسُدَّها، وأن تحاول أن تسهل حصول الناس على الماء من البئر، والأصلح منه أن تصنع خزانا عاليا، ومن هذا الخزان تمتد المواسير ليصل الماء إلى الناس في منازلهم بدون تعب، هذا إصلاح لأنك بذلك إنما تأخذ بأسباب الحق القائل عن تميز الفكر؛ عند ذي القرنين: {أية : وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً}تفسير : [الكهف: 84-85] أي: أن الله سبحانه وتعالى أعطى لذي القرنين الأسباب، وهو زَادَ باجتهاده أسباباً أخرى؛ إذن: فالحق سبحانه يريد من الإنسان أن يُصْلح في الأرض حتى يسعد المجتمع بأي إصلاح في الأرض ويستفيد منه الكل، ولذلك يعطي الحق سبحانه وتعالى اختيارات في أشياء ولا يعطيها في أشياء أخرى، فالإنسان له اختيار في أن يصلي أو لا يصلي، يتصدق أو لا يتصدق، يعمل أو لا يعمل إلى آخر ما نعلمه، ولكن الكون الأعلى محكوم بالقهر، فالشمس والقمر والنجوم والهواء والماء وكل هذا له نظام دقيق، فلا الشمس ولا القمر ولا النجوم، ولا غيرها من الكون الأعلى يخضع لاختيار الإنسان، وإلا لفسد الكون. وكل شيء مقهور سليم بالفطرة ولا يحدث فساد إلا في الشيء الذي فيه اختيار للإنسان؛ لأن الاختيار قد يتبع الشهوة وهوى النفس، حتى المخلوقات المقهورة كالحيوانات التي سخرها الله للإنسان لا يأتي منها الشر. بل إن مُخلَّفاتها تُستخدم في زيادة خصوبة الأرض. ولكن الأشياء التي صنعها الإنسان ملأت أجواء الدنيا بالسموم ولوثت الجو؛ لأن الأولى مخلوقة بهندسة إلهية، والثانية بهندسة بشرية علم صانعها أشياء وغابت عنه أشياء. وقد يعتقد الناس أن هناك بعضاً من الاكتشافات قد حلَّتْ مشكلات الكون، ثم بعد ذلك وعندما تمر السنوات يعرفون أنه جاءت بالشقاء للبشرية، ولعل تلوث البيئة الذي بدأ يؤثر على حياة الكون أخيراً يلفتنا إلى ذلك، حتى إن الإنسان الذي قطع الأشجار وأزال الغابات التي خلقها الله في هذا الكون لتكون مصدراً للهواء النقي وأنشأ بدلاً منها مصانع ومُدناً؛ بدأ الآن يحاول أن يعيد زراعة هذه الأشجار بعد أن علم أن تدخله في الكون قد أفسد جَوّه وماءه وأفسد لمنهج الله تعالى لاستقام أمر الدنيا، كما استقام الكون الأعلى. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ * ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ}تفسير : [الرحمن: 1-7]. إذن: فالميزان للعلويات لا يختل أبداً، فإذا عرفتم ذلك فنِّفذوا أمر الحق سبحانه وتعالى في قوله: {أية : أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ} تفسير : [الرحمن: 8]. فإذا سرْتم على ضوء منهج الله تعالى، تستقيم أموركم الدنيا كما استقامت أموركم العليا، وها هو ذا الكون أمامكم يسير منضبطاً، وهذا شأن الشيء الذي فيه اختيار للإنسان؛ إنْ لم يسِرْ على منهج الله عز وجل تجدوه غير مستقيم. وعلى هذا إذا رأيت عورة في الكون من أي لون، فاعلم أن منهجاً من مناهج الله قد عُطِّل. ولذلك نجد - أيضاً - أن المفسدين ساعة يرون أن مصلحاً قد جاء ليضرب على أيدي المفسدين، تجدهم يحاولون إفساده وجذبه إليهم ليعيش فسادهم، وإذا لم يتحقق لهم ذلك فهم يقفون أمام هذا المصلح لأنهم إنما يعيشون بالفساد وعلى الفساد، ويصنعون لأنفسهم السيادة والجبروت ويستعبدون غيرهم، وحين يرى المفسدون رجلاً يريد أن يعدل ميزان الكون فهم يحاربونه. وأنت حين تشتري سلعة، فالبائع يزنُ لك بمقدار ما تدفع من ثمن، ويحتاج البائع إلى ميزان منضبط ليزنَ لك به ما تشتريه، فإن كان بائعاً مخادعاً، فهو يعبث بالميزان ليبيع لك الأقل بالثمن الأكبر، وليبخسك حقك. ومثل هذا البائع مثل المفسدين الذين يرهقهم أن يأتي مصلح يعيد ميزان الكون لما أمر الله عز وجل من إقامة العدل وإصلاح المعوج. ومن قبل قلنا: إنَّ الحق ضرب المثل فجعل له سبحانه نورين.. النور الأول حسي وهو في الماديات، والنور الثاني معنوي وهو في القيم، وكما أن النور الحسي يهدي الإنسان إلى طريقه دون أن يصطدم بأي شيء؛ لأن الإنسان إن اصطدم بشيء أقل منه، فإنه يحطمه، وإذا كان الشيء أكبر من الإنسان فهو يحطم الإنسان، وهكذا يلعب النور دوراً في الحسيات، وكذلك جعل الله للمعنويات نوراً، لذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ}تفسير : [النور: 35]. والمفسد يكره أن يوجد مثل هذا النور، بل يريد أن يطفئه، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} فالأَحْبَارُ: العُلماءُ. والرُّهبانُ: العُبَّادُ. قال زيد بن علي عليهما السلام ما صَلُّوا وَلاَ صَامُوا ولكن أَطَاعُوهُمْ فِي مَعصيةِ الله تَعالى، فَسُموا لِطَاعتِهم لَهُمْ أَربَاباً.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 333 : 7 : 6 - سفين عن حبيب بن أبي ثابت عن (أبي) البختري عن حذيفة في قول الله {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ} قال: "كانوا يعبدونهم"؟ قال: "لا ولكن كانوا إذا أحلوا لهم شياً أستحلوه، واذا حرموا عليهم شيئاً، حرموه". [الآية 31].
همام الصنعاني
تفسير : 1073- حدثنا عبد الرزاق، عن الثَّوْرِيّ، عن حَبيبِ بن أبي ثَابِتٍ، عن أبي البخْتَري قال: سأل رجل حذيفة فقال: يا أبا عبْدِ اللهِ! أرأيتَ قَوْلَهُ تعالى: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} : [الآية: 31]، أكانوا يعبدونهم؟ قال: لاَ، ولكنهم كانوا إذا أحَلُّوا لَهُمء شَيْئاً اسْتَحَلًّوه، وإذا حَرَّمُوا عليهم شَيْئاً حَرَّمُوه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):