Verse. 1267 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

يُرِيْدُوْنَ اَنْ يُّطْفِــــُٔـوْا نُوْرَ اللہِ بِاَفْوَاہِہِمْ وَيَاْبَى اللہُ اِلَّاۗ اَنْ يُّتِمَّ نُوْرَہٗ وَلَوْ كَرِہَ الْكٰفِرُوْنَ۝۳۲
Yureedoona an yutfioo noora Allahi biafwahihim wayaba Allahu illa an yutimma noorahu walaw kariha alkafiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يريدون أن يطفئوا نور الله» شرعه وبراهينه «بأفواههم» بأقوالهم فيه «ويأبى الله إلا أن يتم» يظهر «نوره ولو كره الكافرون» ذلك.

32

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المقصود منه بيان نوع ثالث من الأفعال القبيحة الصادرة عن رؤساء اليهود والنصارى، وهو سعيهم في إبطال أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وجدهم في إخفاء الدلائل الدالة على صحة شرعه وقوة دينه، والمراد من النور: الدلائل الدالة على صحة نبوته، وهي أمور كثيرة جداً. أحدها: المعجزات القاهرة التي ظهرت على يده، فإن المعجز إما أن يكون دليلاً على الصدق أو لا يكون، فإن كان دليلاً على الصدق، فحيث ظهر المعجز لا بد من حصول الصدق، فوجب كون محمد صلى الله عليه وسلم صادقاً، وإن لم يدل على الصدق قدح ذلك في نبوة موسى وعيسى عليهما السلام. وثانيها: القرآن العظيم الذي ظهر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم مع أنه من أول عمره إلى آخره ما تعلم وما طالع وما استفاد وما نظر في كتاب، وذلك من أعظم المعجزات. وثالثها: أن حاصل شريعته تعظيم الله والثناء عليه، والانقياد لطاعته وصرف النفس عن حب الدنيا، والترغيب في سعادات الآخرة. والعقل يدل على أنه لا طريق إلى الله إلا من هذا الوجه. ورابعها: أن شرعه كان خالياً عن جميع العيوب، فليس فيه إثبات ما لا يليق بالله، وليس فيه دعوة إلى غير الله، وقد ملك البلاد العظيمة، وما غير طريقته في استحقار الدنيا، وعدم الالتفات إليها، ولو كان مقصوده طلب الدنيا لما بقي الأمر كذلك، فهذه الأحوال دلائل نيرة وبراهين قاهرة في صحة قوله، ثم إنهم بكلماتهم الركيكة وشبهاتهم السخيفة، وأنواع كيدهم ومكرهم، أرادوا إبطال هذه الدلائل، فكان هذا جارياً مجرى من يريد إبطال نور الشمس بسبب أن ينفخ فيها، وكما أن ذلك باطل وعمل ضائع، فكذا ههنا، فهذا هو المراد من قوله: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوٰهِهِمْ } ثم إنه تعالى وعد محمداً صلى الله عليه وسلم مزيد النصرة والقوة وإعلاء الدرجة وكمال الرتبة فقال: {وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ }. فإن قيل: كيف جاز أبى الله إلا كذا، ولا يقال كرهت أو أبغضت إلا زيداً؟ قلنا: أجرى (أَبَىٰ ) مجرى لم يرد، والتقدير: ما أراد الله إلا ذلك، إلا أن الإباء يفيد زيادة عدم الإرادة وهي المنع والامتناع، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : وإن أرادوا ظلمنا أبينا » تفسير : فامتدح بذلك، ولا يجوز أن يمتدح بأنه يكره الظلم، لأن ذلك يصح من القوي والضعيف، ويقال: فلان أبى الضيم، والمعنى ما ذكرناه، وإنما سمى الدلائل بالنور لأن النور يهدي إلى الصواب فكذلك الدلائل تهدي إلى الصواب في الأديان.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ} أي دِلالته وحججه على توحيده. جعل البراهين بمنزلة النور لما فيها من البيان. وقيل: المعنى نور الإسلام؛ أي أن يخمِدوا دين الله بتكذيبهم. {بِأَفْوَاهِهِمْ} جمع فوه على الأصل؛ لأن الأصل في فمٍ فَوْهٌ، مثل حوض وأحواض. {وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ} يقال: كيف دخلت «إلا» وليس في الكلام حرف نفي، ولا يجوز ضربت إلا زيداً. فزعم الفراء أن «إلا» إنما دخلت لأن في الكلام طَرَفاً من الجَحْد. قال الزجاج: الجحد والتحقيق ليسا بذوي أطراف. وأدوات الجحد: ما، ولا، وإنْ، وليس: وهذه لا أطراف لها يُنطق بها، ولو كان الأمر كما أراد لجاز كرهت إلا زيداً؛ ولكن الجواب أن العرب تحذف مع أبى. والتقدير: ويأبى الله كل شيء إلا أن يتم نوره. وقال عليّ بن سليمان: إنما جاز هذا في «أَبَى» لأنها منع أو ٱمتناع، فضارعت النفي. قال النحاس: فهذا حسن؛ كما قال الشاعر:شعر : وهل ليَ أُمٌّ غيرُها إن تركتها أبى اللَّه إلا أن أكون لها ٱبْنَمَا

البيضاوي

تفسير : {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ} يخمدوا. {نُورَ ٱللَّهِ} حجته الدالة على وحدانيته وتقدسه عن الولد، أو القرآن أو نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. {بِأَفْوٰهِهِم } بشركهم أو بتكذيبهم. {وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ} أي لا يرضى. {إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ} بإعلاء التوحيد وإعزاز الإِسلام. وقيل إنه تمثيل لحالهم في طلبهم إبطال نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب بحال من يطلب إطفاء نور عظيم منبث في الآفاق يريد الله أن يزيده بنفخه، وإنما صح الاستثناء المفرغ والفعل موجب لأنه في معنى النفي. {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ} محذوف الجواب لدلالة ما قبله عليه.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: يريد هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب {أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ} أي: ما بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق؛ بمجرد جدالهم وافترائهم، فمثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفىء شعاع الشمس أو نور القمر بنفخه، وهذا لا سبيل إليه، فكذلك ما أرسل به رسول الله صلى الله عليه وسلم لابد أن يتم ويظهر، ولهذا قال تعالى مقابلاً لهم فيما راموه وأرادوه: {وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ} والكافر هو الذي يستر الشيء ويغطيه، ومنه سمي الليل كافراً؛ لأنه يستر الأشياء، والزارع كافراً؛ لأنه يغطي الحب في الأرض؛ كما قال: {أية : أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} تفسير : [الحديد: 20]، ثم قال تعالى {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ} فالهدى هو ما جاء به من الإخبارات الصادقة والإيمان الصحيح والعلم النافع، ودين الحق هي الأعمال الصالحة الصحيحة النافعة في الدنيا والآخرة. {لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} أي: على سائر الأديان؛ كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها»تفسير : ، وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن محمد بن أبي يعقوب، سمعت شقيق بن حيان يحدث عن مسعود بن قبيصة أو قبيصة بن مسعود يقول: صلى هذا الحي من محارب الصبح، فلما صلوا، قال شاب منهم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إنه ستفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها، وإن عمالها في النار إلا من اتقى الله وأدى الأمانة»تفسير : ، وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان، حدثنا سليم بن عامر عن تميم الداري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين، يعز عزيزاً ويذل ذليلاً؛ بعز عزيز، أو بذل ذليل عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر» تفسير : فكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان كافراً منهم الذل والصغار والجزية. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني ابن جابر، سمعت سليم بن عامر قال: سمعت المقداد بن الأسود يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر، إلا دخلته كلمة الإسلام، يعز عزيزاً، ويذل ذليلاً، إما يعزهم الله فيجعلهم من أهلها، وإما يذلهم فيدينون لها» تفسير : وفي المسند أيضاً: حدثنا محمد بن أبي عدي عن ابن عون عن ابن سيرين عن أبي حذيفة عن عدي بن حاتم سمعه يقول: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : يا عدي أسلم تسلم» تفسير : فقلت: إني من أهل دين، قال: «حديث : أنا أعلم بدينك منك» تفسير : فقلت: أنت أعلم بديني مني؟ قال: «حديث : نعم، ألست من الركوسية، وأنت تأكل مرباع قومك» تفسير : ؟ قلت: بلى قال: «حديث : فإن هذا لا يحل لك في دينك» تفسير : قال: فلم يعد أن قالها، فتواضعت لها، قال: «حديث : أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام، تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس، ومن لا قوة له، وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟» تفسير : قلت: لم أرها، وقد سمعت بها، قال: «حديث : فو الذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر، حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز» تفسير : قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: «حديث : نعم، كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد» تفسير : قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة، فتطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالها. وقال مسلم: حدثنا أبو معن زيد بن يزيد الرقاشي، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن الأسود بن العلاء عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى» تفسير : فقلت: يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله عز وجل: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ} الآية، أن ذلك تام، قال: «حديث : إنه سيكون من ذلك ما شاء الله عز وجل، ثم يبعث الله ريحاً طيبة، فيتوفى كل من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم».

المحلي و السيوطي

تفسير : {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ } شرعه وبراهينه {بِأَفْوٰهِهِم } بأقوالهم فيه {وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلآ أَن يُتِمَّ } يُظْهر {نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ } ذلك.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} وفي نوره قولان: أحدهما: أنه القرآن والإسلام، قاله الحسن وقتادة. والثاني: أنه آياته ودلائله لأنه يهتدى بها كما يهتدى بالأنوار. وإنما خص ذلك بأفواههم لما ذكرنا أنه ليس يقترن بقولهم دليل. {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ} وليس يريد تمامه من نقصان لأن نوره لم يزل تاماً. ويحتمل المراد به وجهين: أحدهما: إظهار دلائله. والثاني: معونة أنصاره. قوله عز وجل {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم أرسله الله إلى خلقه بالهدى ودين الحق. وفيها أربعة تأويلات: أحدها: أن الهدى البيان، ودين الحق الإسلام، قاله الضحاك. والثاني: أن الهدى الدليل، ودين الحق المدلول عليه. والثالث: معناه بالهدى إلى دين الحق. والرابع: أن معناهما واحد وإنما جمع بينهما تأكيداً لتغاير اللفظين. {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} فيه ستة تأويلات: أحدها: يعني عند نزول عيسى عليه السلام فإنه لا يعبد الله تعالى إلاّ بالإٍسلام، قاله أبو هريرة. والثاني: معناه أن يعلمه شرائع الدين كله ويطلعه عليه، قاله ابن عباس. والثالث: ليظهر دلائله وحججه، وقد فعل الله تعالى ذلك، وهذا قول كثير من العلماء. والرابع: ليظهره برغم المشركين من أهله. والخامس: أنه وارد على سبب، وهو أنه كان لقريش رحلتان رحلة الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن والعراق فلما أسلموا انقطعت عنهم الرحلتان للمباينة في الدين فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى عليه: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} يعني في بلاد الرحلتين وقد أظهره الله تعالى فيهما. والسادس: أن الظهور الاستعلاء، ودين الإسلام أعلى الأديان كلها وأكثرها أهلاً، قد نصره الله بالبر والفاجر والمسلم والكافر، فروى الربيع بن أنس عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إِنَّ اللَّهِ يُؤَيِّدُ بِأَقْوَامٍ مَا لَهُم فِي الأَخِرَةِ مِن خَلاَقٍ ".

ابن عبد السلام

تفسير : {نُورَ اللَّهِ} القرآن والإسلام، أو دلائله التي يُهتدى بها كما يُهتدى بالنور.

الخازن

تفسير : {يريدون} يعني يريد رؤساء اليهود والنصارى {أن يطفئوا نور الله بأفواههم} يعني يريد هؤلاء إبطال دين الله الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بتكذيبهم إياه. وقيل المراد: من النور الدلائل الدالة على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم وهي أمور أحدها المعجزات الباهرات الخارقة للعادة التي ظهرت على يد النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على صدقه وثانيها القرآن العظيم الذي نزل عليه من عند الله فهو معجزة له باقية على الأبد دالة على صدقه وثالثها أن دينه الذي أمر به هو دين الإسلام ليس فيه شيء سوى تعظيم الله والثناء عليه والانقياد لأمره ونهيه واتباع طاعته والأمر بعبادته والتبرئ من كل معبود سواه فهذه أمور نيرة ودلائل واضحة في صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فمن أراد إبطال ذلك بكذب وتزوير فقد خاب سعيه وبطل عمله ثم إن الله سبحانه وتعالى وعد نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بمزيد النصر وإعلاء الكلمة وإظهار الدين بقوله: {ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} يعني ويأبى الله إلا أن يعلي دينه ويظهر كلمته ويتم الحق الذي بعث به رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم ولو كره ذلك الكافرون. قوله عز وجل: {هو الذي أرسل رسوله} يعني أن الله الذي يأبى إلا أن يتم نوره هو الذي أرسل رسوله يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {بالهدى} يعني بالقرآن الذي أنزله عليه وجعله هادياً إليه {ودين الحق} يعني دين الإسلام {ليظهره} يعني ليعليه {على الدين كله} يعني على سائر الأديان وقال ابن عباس: الهاء في ليظهره عائدة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والمعنى ليعلمه شرائع الدين كلها ويظهره عليها حتى لا يخفى عليه شيء منها وقال غيره من المفسرين الهاء راجعة إلى الدين الحق والمعنى ليظهر دين الإسلام على الأديان كلها وهو ألا يعبد الله إلا به وقال أبو هريرة والضحاك ذلك عند نزول عيسى عليه السلام فلا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن أبي هريرة حديث : في حديث نزول عيسى عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "ويهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام"تفسير : . عن المقداد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام إما بعز عزيز أو بذل ذليل إما أن يعزهم فيجعلهم من أهله فيعزوا به وإما أن يذلهم فيدينون له"تفسير : أخرجه البغوي بغير سند (م) حديث : عن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى" فقلت يا رسول الله إني كنت أظن حين أنزل الله تعالى هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله إن ذلك تام قال "إنه سيكون ذلك ما شاء الله ثم يبعث ريحاً طيبة تتوفى كل من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم"تفسير : قال الشافعي: وقد أظهر الله دين رسوله صلى الله عليه وسلم على الأديان كلها بأن أبان لكل من سمعه أنه الحق وما خالفه من الأديان باطل وقال وأظهره على الشرك دين أهل الكتاب ودين الأميين فقهر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأميين حتى دانوا بالإسلام طوعاً وكرهاً وقتل أهل الكتاب وسبى حتى دان بعضهم بالإسلام وأعطى بعضهم الجزية صاغرين وجرى عليهم حكمه فهذا هو ظهوره على الدين كله {ولو كره المشركون}.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏ {‏يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم‏}‏ قال‏:‏ الإِسلام بكلامهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله ‏{‏يريدون أن يطفئوا نور الله‏}‏ يقول‏:‏ يريدون أن يهلك محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن لا يعبدوا الله بالإِسلام في الأرض، يعني بها كفار العرب وأهل الكتاب من حارب منهم النبي صلى الله عليه وسلم وكفر بآياته‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم‏}‏ قال‏:‏ هم اليهود والنصارى‏.

ابو السعود

تفسير : {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ} إطفاءُ النار عبارةٌ عن إزالة لَهبِها الموجبةِ لزوال نورِها لا عن إزالة نورِها كما قيل، لكن لما كان الغرضُ من إطفاء نارٍ ـ لا يراد بها إلا النورُ كالمصباح ـ إزالةَ نورِها جُعل إطفاؤُها عبارةً عنها ثم شاع ذلك حتى كان عبارةً عن مطلق إزالةِ النور وإن كان لغير النار، والسرِّ في ذلك انحصارُ إمكانِ الإزالةِ في نورها والمرادُ بنور الله سبحانه إما حجتُه النيرةُ الدالةُ على وحدانيته وتنزُّهِه عن الشركاء والأولادِ أو القرآن العظيمِ الناطقِ بذلك أي يريد أهلُ الكتابـين أن يردّوا القرآنَ ويكذِّبوه فيما نطَق به من التوحيد والتنزُّه عن الشركاء والأولادِ والشرائعِ التي من جملتها ما خالفوه من أمر الحِلِّ والحُرمة {بِأَفْوٰهِهِم} بأقاويلهم الباطلةِ الخارجةِ منها من غير أن يكونَ لها مصداقٌ تنطبقُ عليه أو أصلٌ تستند إليه حسبما حُكي عنهم. وقيل: المرادُ به نُبوةُ النبـي صلى الله عليه وسلم، هذا وقد قيل: مُثِّلت حالُهم فيما ذكر بحال مَنْ يريد طمسَ نورٍ عظيم منبثٍّ في الآفاق بنفخة {وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ} أي لا يريد {إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ} بإعلاء كلمةِ التوحيدِ وإعزازِ دينِ الإسلامِ وإنما صح الاستثناءُ المفرَّغُ من الموجَب لكونه بمعنى النفي كما أشير إليه لوقوعه في مقابلة قوله تعالى: {يُرِيدُونَ} وفيه من المبالغة والدِلالة على الامتناع ما ليس في نفي الإرادةِ، أي لا يريد شيئاً من الأشياء إلا إتمامَ نورِه فيندرج في المستثنى منه بقاؤه على ما كان عليه فضلاً عن الإطفاء، وفي إظهار النورِ في مَقام الإضمارِ مضافاً إلى ضميره عز وجل زيادةُ اعتناءٍ بشأنه وتشريفٌ له على تشريف وإشعارٌ بعِلة الحُكم {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ} جوابُ لو محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه، والجملةُ معطوفةٌ على جملة قبلها مقدرةٍ وكلتاهما في موقع الحال، أي لا يريد الله إلا إتمامَ نورِه لو لم يكرَهِ الكافرون ذلك ولو كرهوه، أي على كل حال مفروضٍ وقد حُذفت الأولى في الباب حذفاً مطرداً لدلالة الثانيةِ عليها دَلالةً واضحةً لأن الشيء إذا تحقق عند المانِع فلأَنْ يتحققَ عند عدمِه أولى وعلى هذا السرِّ يدور ما في أن ولو الوصليتين من التأكيد وقد مر زيادةُ تحقيق لهذا مراراً. {هُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ} ملتبساً {بِٱلْهُدَىٰ} أي القرآن الذي هو هدى للمتقين {وَدِينِ ٱلْحَقّ} الثابتِ وهو دينُ الإسلام {لِيُظْهِرَهُ} أي رسولُه {عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ} أي على أهل الأديانِ كلِّهم أو ليُظهرَ الدينَ الحقِّ على سائر الأديان بنسخه إياها حسبما تقتضيه الحِكمةُ، والجملةُ بـيانٌ وتقريرٌ لمضمون الجملةِ السابقة، والكلامُ في قوله عز وجل: {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} كما فيما سبق خلا أن وصفَهم بالشرك بعد وصفِهم بالكفر للدلالة على أنهم ضمُّوا الكفرَ بالرسول إلى الكفر بالله.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ}[32] يعني يريدون أن يردوا القرآن بتكذيبهم بألسنتهم، {وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ}[32] أي يظهر دينه الإسلام.

القشيري

تفسير : من رام أن يستر شعاع الشمس بدخان يوجهه من نيرانه، أو عالج أنْ يمنع حكم السماء بحيلته، وتدبيره، أو يُسْقِطَ نجوم الفَلَكِ بسهام قوسِه - أظهرَ رُعونَته ثم لم يَحْظَ بمراده. كذلك مَنْ توهَّم أن سُنَّةَ التوحيد يعلوها وَهَجُ الشُّبَه فقد خاب في ظنِّه، وافتضح في وهمه.

اسماعيل حقي

تفسير : {يريدون} اى يريد اهل الكتابين {أن يطفئوا} يخمدوا {نور الله} اى يردوا القرآن ويكذبوه فيما نطق به من التوحيد والتنزه عن الشركا والاولاد والشرائع التى من جملتها ما خالفوه من امر الحل والحرمة {بافواههم} باقاويلهم الباطلة الخارجة منها من غير ان يكون لها مصداق تنطبق عليه واصل تستند اليه حسبما حكى عنهم {ويأبى الله الا ان يتم نوره} انما صح الاستثناء المفرغ من الموجب لكونه بمعنى النفى اى لا يريد الله شيأ من الاشياء الا اتمام نوره باعلاء كلمة التوحيد واعزاز دين الاسلام {ولو كره الكافرون} جواب لو محذوف لدلالة ما قبله عليه والجملة معطوفة على جملة قبلها مقدرة كلتاهما فى موقع الحال اى لا يريد الله الا اتمام نوره ولو لم يكره الكافرون ذلك بل ولو كرهوا اى على كل حال مفروض وقد حذفت الاولى فى الباب حذفا مطردا لدلالة الثانية عليها دلالة واضحة لان الشيء اذا تحقق عند المانع فلان يتحقق عند عدمه اولى شعر : جراغى راكه ايزد بر فروزد كسى كش بف كند سلبت بسوزد

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى انهم {يريدون ان يطفؤا نور الله بأفواههم} والاطفاء اذهاب نور النار. ثم استعمل في اذهاب كل نور. و {نور الله} القرآن والاسلام، في قول المفسرين: السدي والحسن. وقال الجبائي: نور الله: الدلالة والبرهان، لأنه يهتدى بها كما يهتدى بالأنوار. وواحد الأفواه فم في الاستعمال، وأصله فوه فحذفت الهاء وأبدلت من الواو ميم، لأنه حرف صحيح من مخرج الواو مشاكل لها. ولما سمى الله تعالى الحجج والبراهين نورا سمى معارضتهم له اطفاء. وأضاف ذلك إلى الافواه، لأن الاطفاء يكون بالافواه، وهو النفخ، وهذا من عجيب البيان مع ما فيه من تصغير شأنهم وتضعيف كيدهم، لأن النفخ يؤثر في الأنوار الضعيفة دون الاقباس العظيمة ذكره الحسين بن علي المغربي. وقوله {ويأبى الله إلا أن يتم نوره} الاباء الامتناع مما طلب من المعنى. قال الشاعر: شعر : وإن أرادوا ظلمنا أبينا تفسير : أي منعناهم من الظلم، وليس الاباء من الكراهة في شئ على ما يقول المجبرة لأنهم يقولون: فلان يأبى الضيم، فيمدحونه، ولا مدحة في كراهة الضيم لتساوي الضعيف والقوي في ذلك. وإنما المدح في المنع خاصة، ولذلك مدح عروة بن الورد بأنه أبى للضيم بمعنى أنه ممتنع منه، وقوله (وإن ارادوا ظلمنا أبينا) يدل على ذلك لأنه لا مدحة في ان يكرهوا ظلم من يظلمهم. وإنما المدحة في منع من أراد ظلمهم. والمنع في الاية يمنع الله إلا إتمام نوره. وإن كره الكافرون. ولا يجوز على قياس {ويأبى الله إلا أن يتم نوره} أن تقول: ضربت إلا أخاك، لأن في الاباء معنى النفي، فكأنه قال: لا يمكنهم الله إلا أن يتم نوره. وإذا لم يكن في اللفظ مستثنى منه لم تدخل "إلا" في الايجاب، وتدخل في النفي على تقدير الحذف قال الشاعر: شعر : وهل لي أم غيرها ان تركتها أبى الله إلا أن اكون لها ابنما تفسير : والتقدير في الآية ويأبى الله كل شيء الا اتمام نوره. في قول الزجاج، وأنكر أن يكون في الآية معنى الجحد.

الجنابذي

تفسير : {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} بالمضارع والاّ فالمناسب لحال اليهود والنّصارى ان يقول: ارادوا مثل اتّخذوا بالماضى والمراد بنور الله علىٍّ (ع) فانّها نور يظهر به الحقّ ويتميزّ به السّعيد عن الشّقى، والمراد بالاطفاء بالافواه القاء الشّبهات والاحاديث الموضوعات والتّحريف فى الكتاب للتّدليس على الجهّال شبّه ذلك بالنّفخ فى السّراج وفى الاخبار ما يدلّ على التّعريض المذكور {وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ} بالله وبالرّسالة بحسب التّنزيل او بالولاية بحسب المراد.

الهواري

تفسير : قوله: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} أي ما يدعون إليه من اليهودية والنصرانية، وما حرّفوا من كتاب الله. { وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أن يُتِمَّ نُورَهُ} أي القرآن والإِسلام والنصر لنبيه والمؤمنين {وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ} أي الكافرون جميعاً، من كافر مشرك وكافر منافق، وهو كفر فوق كفر وكفر دون كفر. قوله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ}. ذكر الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد. وأنا أولى الناس بعيسى لأنه ليس بيني وبينه نبي. وإنه نازل لا محالة. فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق، بين ممصرتين من الحمرة والبياض، سبط الرأس، كأن رأسه يقطر وإن يصبه بلل. فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويقاتل الناس على الإِسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها غير الإِسلام، حتى يقع الأمان في الأرض، حتى ترتع الأسد من الإِبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان بالحيات لا يضر بعضهم بعضاً تفسير : ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى إِبْنُ مريم، فيقتل الخنزير ويكسر الصليب، وحتى يكون الدين واحداً تفسير : ذكرواعن عائشة أنها قالت: لا تقولوا لا نبي بعد محمد، وقولوا خاتم النبيين، فإنه سينزل عيسى بن مريم حاكماً عدلاً، وإماماً مقسطاً، فيقتل الدّجال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، وتضع الحرب أوزارها. ذكروا أن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : لا يبقى بيت وبرولا مدر إلا أدخله الله كلمة الإِسلام، تعز عزيزاً وتذل ذليلاً؛ إما أن يعزهم الله فيجعلهم من أهلها، وأما أن يذلهم فيدينون لها تفسير : وفي تفسير الحسن: حتى يكون الحاكم على الأديان كلها. فكان ذلك حتى ظهر على عبدة الأوثان كلها، وحكم على اليهود والنصارى فأخذ منهم الجزية ومن المجوس. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: [في قوله تعالى: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}] يعني شرائع الدين كلها فلم يقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتمّ الله ذلك كله.

اطفيش

تفسير : {يُريدُونَ أنْ يُطفِئُوا نُورَ اللهِ} نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن، والشريعة، والمعجزات، والدلائل على تنزهه عن الشركة وعن الولادة، وقيل: النبوة، وقيل: القرآن الدلائل على التنزه عما ذكر، وقيل: المعجزات والقرآن والشريعة والولى التعميم. {بأفْواهِهِم} بأن يكذبوا ذلك، أو بأقوال لا صحة لها، أو بتحريف الكتاب أو بالإشراك أو شبه القرآن، وما ذكر معه بنور سد الآفاق وانتشر فى الدنيا وشبه تكذيبهم، وما ذكر معهم بنفخ الفم فى ذلك النور ليزول. {ويأبَى اللهُ إلا أن يتمَّ نُورهُ} مصدر يتم مفعول يأبى أو مقدر بعن، وإنما كان الاستثناء المفرغ فى الإثبات، لأن يأبى فى معنى النفى، أى منع الله إلا إتمام نوره، أو يمتنع إلا عن إتمام نوره، وكأنه قيل: لا يريد الله إلا أن يتم نوره، كما يدل عليه أنه قوبل به قوله: {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم} وإتمام النور إعلاء دين الله {ولَوْ كَره الكَافِرونَ} إتمامه. فائدة: ذكر بعض شراح الهمزية أنه إنما كانت معجزات أنبياء بنى إسرائيل محسوسات تستعظمها العقول، كعصى موسى ويده، لأن بنى إسرائيل كانوا بلداء لا يفطنون، بخلاف هذه الأمة.

اطفيش

تفسير : {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا} يبطلوا {نُورَ اللهِ} استعارة لدينه أَو براهينه الدالة على وحدانيته جل وعز، أَو دلائله الدالة على رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من معجزاته الخارقة للعادة، وبلاغة القرآن وإِخباره بالغيوب علىطبق الواقع، أَو نور الله القرآن، أَو نبوءَته صلى الله عليه وسلم، وكل واحد من هؤلاء دال على تنزهه عن الولد والتعدد، وشبيه بالنور فى الاهتداء به إِلى الصواب والنفع، شبه إِبطال الحق بإِخماد النار، وشبه دين الله بالنور الحسى فسماه بنور، وقد يشبهه بنور المصباح فرشحه بذكر الإِطفاء، أَو ذلك استعارة تمثيلية بأَن شبه عدة أَمور بعدة أَمور. شبه سعيهم فى إِبطال الحق وتكذيبهم بالسعى فى إِزالة نور عظيم ملأَ الآفاق، منتشر، بجامع الاشتغال بما لا يطاق، والمختار أَن تحمل الاستعارة على التمثيلية ما أَمكنت بلا ضعف وتلك الإِزالة بالنفح كما قال {بأَفْوَاهِهِمْ} ينفخها، ويجوز أَن يراد بأَفواههم كلامهم بالإِشراك، أَو الأفواه مجاز مرسل لأَن الشرك يظهر بالأَفواه {وَيَأْبَى اللهُ} أَى منع ما يدل على المنع يعامل معاملة النفى فى التفريغ بعده، أَى ما يرضى الله فى إِثبات نوره، وفى كل ما يتعلق بنوره إِلا إِتمامه، كما قال {إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} على إِتمامه بالإِعلانِ على غيره، وباستمراره وإِعزازه ورضى المؤمنين به {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} بالنبى صلى الله عليه وسلم إِتمامه وأَحبوا قطعه.

الالوسي

تفسير : {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ} ((إطفاء النار على ما في «القاموس» إذهاب لهبها)) الموجب لإذهاب نورها لا إذهاب نورها على ما قيل، لكن لما كان الغرض من إطفاء نار لا يراد بها إلا النور كالمصباح إذهاب نورها جعل إطفاؤها عبارة عنه ثم شاع ذلك حتى كان عبارة عن مطلق إذهاب النور وإن كان لغير النار، والمراد بنور الله حجته تعالى النيرة المشرقة الدالة على وحدانيته وتنزهه سبحانه عن الشركاء والأولاد أو القرآن العظيم الصادع الصادح بذلك، وقيل: نبوته عليه الصلاة والسلام التي ظهرت بعد أن استطال دجا الكفر صبحاً منيراً، وأياً ما كان فالنور استعارة أصلية تصريحية لما ذكر، وإضافته إلى الله تعالى قرينة، والمراد من الإطفاء الرد والتكذيب أي يريد أهل الكتابين أن يردوا ما دل على توحيد الله تعالى وتنزيهه عما نسبوه إليه سبحانه {بِأَفْوٰهِهِم} أي بأقاويلهم الباطلة الخارجة عنها من غير أن يكون لها مصداق تنطبق عليه أو أصل تستند إليه بل كانت أشبه شيء بالمهملات، قيل: ويجوز أن يكون في الكلام استعارة تمثيلية بأن يشبه حالهم في محاولة إبطال نبوته صلى الله عليه وسلم بالتكذيب بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبث في الآفاق ويكون قوله تعالى: {وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ} ترشيحاً للاستعارة لأن إتمام النور زيادة في استنارته وفشو ضوئه فهو تفريع على المشبه به وما بعد من قوله سبحانه : {هُوَ ٱلَّذِي} الخ تجريد وتفريع على الفرع، وروعي في كل من المشبه والمشبه به معنى الإفراط والتفريط حيث شبه الإبطال بالإطفاء بالفم، ونسب النور إلى الله تعالى العظيم الشأن ومن شأن النور المضاف إليه سبحانه أن يكون عظيماً فكيف يطفىء بنفخ الفم، وتمم كلاً من الترشيح والتجريد بما تمم لما بين الكفر الذي هو ستر وإزالة للظهور والإطفاء من المناسبة وبين دين الحق الذي هو التوحيد والشرك من المقابلة انتهى. ولا يخلو عن حسن. والظاهر أن المراد بالنور هنا هو الأول إلا أنه أقيم الظاهر مقام الضمير وأضيف إلى ضميره سبحانه لمزيد الاعتناء بشأنه وللإشعار بعلة الحكم، والاستثناء مفرغ فالمصدر منصوب على أنه مفعول به والمصحح للتفريغ عند جمع كون {يأبـى} في معنى النفي، والمراد به إما لا يريد لوقوعه في مقابلة {يُرِيدُونَ} كما قيل أو لا يرضى كما ارتضاه بعض المحققين بناءً على أن المراد بإرادة إتمام نوره سبحانه إرادة خاصة وهي الإرادة على وجه الرضا بقرينة {نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ} لا الإرادة المجامعة لعدم الرضا كما هو مذهب أهل الحق خلافاً لمن يسوي بينهما. وقال الزجاج: إن مصحح التفريغ عموم المستثنى منه وهو محذوف ولا يضر كون ذلك نسبياً إذ غالب العموميات كذلك بل قد قيل: ما من عام إلا وقد خص منه البعض، أي يكره كل شيء يتعلق بنوره إلا إتمامه، وقرينة التخصيص السياق. / ولا يجوز تأويل الجماعة عنده إذ ما من إثبات إلا ويمكن تأويله بالنفي فيلزم جريان التفريغ في كل شيء وهو كما ترى، والحق أنه لا مانع من التأويل إذا اقتضاه المقام، وإتمام النور بإعلاء كلمة التوحيد وإعزاز دين الإسلام {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ} جواب {لَوْ} محذوف لدلالة ما قبله عليه أي يتم نوره. والجملة معطوفة على جملة قبلها مقدرة أي لو لم يكره الكافرون ولو كره وكلتاهما في موضع الحال، والمراد أنه سبحانه يتم نوره ولا بد.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي لزيادة إثارة غيظ المسلمين على أهل الكتاب، بكشف ما يضمرونه للإسلام من الممالاة، والتألّب على مناواة الدين، حين تحقّقوا أنّه في انتشار وظهور، فثار حسدهم وخشوا ظهور فضله على دينهم، فالضمير في قوله: {يريدون} عائد إلى {أية : الذين أوتوا الكتاب}تفسير : [التوبة: 29] والإطفاء إبطال الإسراج وإزالةُ النور بنفخ عليه، أو هبوب رياح، أو إراقة مياه على الشيء المستنير من سراج أو جمر. والنور: الضوء وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : نوراً وهدى للناس}تفسير : في سورة الأنعام (91). والكلام تمثيل لحالهم في محاولة تكذيب النبي، وصدّ الناس عن اتّباع الإسلام، وإعانة المناوئين للإسلام بالقول والإرجاف، والتحريض على المقاومة. والانضمام إلى صفوف الأعداء في الحروب، ومحاولة نصارى الشام الهجوم على المدينة بحال من بيحاول إطفاء نور بنفخ فمِه عليه، فهذا الكلام مركّب مستعمل في غير ما وضع له على طريقة تشبيه الهيئة بالهيئة، ومن كمال بلاغته أنّه صالح لتفكيك التشبيه بأنّ يشبّه الإسلام وحده بالنور، ويشبّه محاولو إبطاله بمريدي إطفاءِ النور ويشبّه الإرجاف والتكذيب بالنفخ، ومن الرشاقة أنّ آلة النفخ وآلة التكذيب واحدة وهي الأفواه. والمثال المشهور للتمثيل الصالحِ لاعتباري التركيب والتفريق قول بشار:شعر : كَأنَّ مُثَار النَّقْع فوقَ رؤوسنا وأسْيافَنَا ليلٌ تَهاوَى كواكبُه تفسير : ولكن التفريق في تمثيليةِ الآيةِ أشدّ استقلالاً، بخلاف بيت بشّار، كما يظهر بالتأمّل. وإضافة النور إلى اسم الجلالة إشارة إلى أنّ محاولة إطفائه عبث وأنّ أصحاب تلك المحاولة لا يبلغون مرادهم. والإباء والإباية: الامتناع من الفعل، وهو هنا تمثيل لإرادة الله تعالى إتمام ظهور الإسلام بحال من يحاوِله محاوِل على فعلٍ وهو يمتنع منه، لأنّهم لمّا حاولوا طمس الإسلام كانوا في نفس الأمر محاولين إبطال مراد الله تعالى، فكان حالهم، في نفس الأمر، كحال من يحاول من غيره فعلاً وهو يأبى أن يفعله. والاستثناء مفرّغ وإن لم يسبقه نفي لأنه أجري فعل يأبَى مجرَى نفي الإرادة، كأنّه قال: ولا يريد الله إلاّ أن يتمّ نوره، ذَلك أنّ فعل (أبَى) ونحوه فيه جانب نفي لأنّ إباية شيء جحد له، فقَويَ جانب النفي هنا لوقوعه في مقابلة قوله: {يريدون أن يطفئوا نور الله}. فكان إباء ما يريدونه في معنى نفي إرادة الله ما أرادوه. وبذلك يظهر الفرق بين هذه الآية وبين أن يقول قائل «كَرِهْت إلاّ أخَاك». وجيء بهذا التركيب هنا لشدّة مماحكة أهل الكتاب وتصلّبهم في دينهم، ولم يُجأْ به في سورة الصف (8) إذ قال: {أية : يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره}تفسير : لأنّ المنافقين كانوا يكيدون للمسلمين خُفية وفي لين وتملّق. وذكر صاحب الكشاف عند قوله تعالى: {أية : فشربوا منه إلا قليل منهم} تفسير : في قراءة الأعمش وأبي برفع قليل في سورة البقرة (249): أن ارتفاع المستثنى على البدلية من ضمير {فشربوا} على اعتبار تضمين {شربوا} معنى، فلم يطعموه إلاّ قليل، ميلاً مع معنى الكلام. والإتمام مؤذن بالريادة والانتشار ولذلك لم يقل: ويأبى الله إلاّ أن يُبْقي نوره. و{لو} في {ولو كره الكافرون} اتّصالية، وهي تفيد المبالغة بأنّ ما بعدها أجدر بانتفاء ما قبلها لو كان منتفياً. والمبالغة بكراهية الكافرين ترجع إلى المبالغة بآثار تلك الكراهية، وهي التألّب والتظاهر على مقاومة الدين وإبطاله. وأمّا مجرد كراهيتهم فلا قيمة لها عند الله تعالى حتّى يبالَغ بها، والكافرون هم اليهود والنصارى.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِأَفْوَاهِهِمْ} {ٱلْكَافِرُونَ} (32) - يُرِيدُ الكُفَّارُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ، وَهُوَ دِينُ الإِْسْلاَمِ الَّذِي شَرَعَهُ لِهِدَايَةِ عِبَادِهِ، وَأَنْ يُخْفُوا مَا بَعَثَ اللهُ رَسُولَهُ بِهِ، مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ وَالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ, بِمُجَرَّدِ جِدَالِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ، فَمَثَلُهُمْ فِي ذَلِكَ كَمَثَلِ مَنْ يُريدُ أَنْ يُطْفِئَ شُعَاعَ الشَّمْسِ، أَوْ نُورَ الْقَمَرِ، بِنَفْخَةٍ مِنْ فَمِهِ. وَبِمَا أَنَّ هَذَا لاَ سَبِيلَ إِلَيْهِ، كَذَلِكَ لاَ سَبِيل َإِلَى إِخْفَاءِ نُورِ النُّبُوَّةِ، وَلاَ بُدَّ لِمَا أَرْسَلَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنْ أَنْ يَتمَّ وَيَظْهَرَ، وَاللهُ يَأْبَى إِلاَّ أنْ يُتِمَّ نُورَهُ، وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ ذَلِكَ. الكُفْرُ - سَتْرُ الشَّيءِ وَتَغْطِيَتُهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لكن هل يستطيعون أن يطفئوا نور الله؟ لا؛ لأن الإنسان في الأمر الحسّي لا يستطيع أن يطفئ النور؛ لأن هناك فَرقاً بين مصدر النور وبين أداة التنوير، فالإنسان يمكنه أن يحطم الدائرة الزجاجية التي تحمل النور، لكن لا أحد بإمكانه أن يطفئ "المُنوِّر" والمنوِّرُ الأعلى هو الله، ولا أحد يستطيع إطفاءه. {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ} أي: لا يريد الله شيئاً {إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ}، وسبحانه قد أرسل الرُّسُل حاملة لمنهج النور ولم يرسل الرسل لينتصر عليهم الكفر، ولذلك يقول لنا: {وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ} أي لا يريد {إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ}. ويتابع الحق جل وعلا قوله: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ...}.

الجيلاني

تفسير : {يُرِيدُونَ} بأمثال هذه المفتريات الباطلة {أَن يُطْفِئُواْ} أي: يخمدوا ويستروا {نُورَ ٱللَّهِ} المتجلي في الآفاق، المتشعشع في الكائنات {بِأَفْوَٰهِهِمْ} أي: بشركهم الناشئ من أفواههم بلا سند من عقل أو نقل، أو كشف وشهود {وَيَأْبَىٰ} أي: يمنع {ٱللَّهُ} المنز عن التعدد مطلقاً أن يكون له شريك في الوجود {إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ} أي: سوى أن يتجلى بجميع أوصافه وأسمائه على من استخلفه من خلقه، فيتراءى منه جميع آثار أسمائه وأوصافه وأخلاقه، ألا وهو المظهر الكامل، الجامع المحمدي الذي اتحد دون مرتبته صلى الله عليه وسلم قوسا الوجوب والإمكان، ودائرتا الغيب والشهادة. لذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا أتمم مكارم الأخلاق"تفسير : ، وقال أيضاً: "حديث : أنا سيد ولد آدم"تفسير : وقال أيضاً: "حديث : أدم ومن دونه تحت لوائي"تفسير : ، وقال أيضاً: "حديث : من أطاعني فقد أطاع الله، ومن رآني فقد رأى الحق ". تفسير : ونزل في شأنه: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}تفسير : [المائدة: 3] إلى غير ذلك ممَّا دل وحدة مرتبته وإحاطتها على جميع المراتب؛ لذلك ختم به صلى الله عليه وسلم أمر الرسالة والتشريع {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ} [التوبة: 32] الساترون ظهور الحق، المريدون إطفاء نور الوجود في المشكاة المحمدية، وكيف يريدون إطفاء نوره اللائح اللامع من المظهر الجامع المحمدي؟!. {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ} الهادي {بِٱلْهُدَىٰ} العام الشامل لكافة البرايا {وَدِينِ ٱلْحَقِّ} وهو الإسلام {لِيُظْهِرَهُ} أي: الرسول ودينه {عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} أي: على كل الأديان، وينسخ جميعها به؛ لابتناء دينه على التوحيد الصرف، الخالي عن شوب التنويه وشين الكثرة مطلقاً {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] ظهوره بالهداية العامة، ونسخ دينه جميع الأديان؛ لخبث باطنهم.