٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
34
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما وصف رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر وادعاء الربوبية والترفع على الخلق، وصفهم في هذه الآية بالطمع والحرص على أخذ أموال الناس، تنبيهاً على أن المقصود من إظهار تلك الربوبية والتجبر والفخر، أخذ أموال الناس بالباطل، ولعمري من تأمل أحوال أهل الناموس والتزوير في زماننا وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم وفي شرح أحوالهم، فترى الواحد منهم يدعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا يتعلق خاطره بجميع المخلوقات وأنه في الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك عليه ويتحمل نهاية الذل والدناءة في تحصيله وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قد عرفت أن الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى بحسب العرف، فالله تعالى حكى عن كثير منهم أنهم ليأكلون أموال الناس بالباطل، وفيه أبحاث: البحث الأول: أنه تعالى قيد ذلك بقوله: {كَثِيراً } ليدل بذلك على أن هذه الطريقة طريقة بعضهم لا طريقة الكل، فإن العالم لا يخلو عن الحق وإطباق الكل على الباطل كالممتنع هذا يوهم أنه كما أن إجماع هذه الأمة على الباطل لا يحصل، فكذلك سائر الأمم. البحث الثاني: أنه تعالى عبر عن أخذ الأموال بالأكل وهو قوله: {لَيَأْكُلُونَ } والسبب في هذه الاستعارة، أن المقصود الأعظم من جمع الأموال هو الأكل، فسمى الشيء باسم ما هو أعظم مقاصده، أو يقال من أكل شيئاً فقد ضمنه إلى نفسه ومنعه من الوصول إلى غيره، ومن جمع المال فقد ضم تلك الأموال إلى نفسه، ومنعها من الوصول إلى غيره، فلما حصلت المشابهة بين الأكل وبين الأخذ من هذا الوجه، سمى الأخذ بالأكل أو يقال: إن من أخذ أموال الناس، فإذا طولب بردها، قال أكلتها وما بقيت، فلا أقدر على ردها، فلهذا السبب سمى الأخذ بالأكل. البحث الثالث: أنه قال: {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ } وقد اختلفوا في تفسير هذا الباطل على وجوه: الأول: أنهم كانوا يأخذون الرشا في تخفيف الأحكام والمسامحة في الشرائع. والثاني: أنهم كانوا يدعون عند الحشرات والعوام منهم، أنه لا سبيل لأحد إلى الفوز بمرضاة الله تعالى إلا بخدمتهم وطاعتهم، وبذل الأموال في طلب مرضاتهم والعوام كانوا يغترون بتلك الأكاذيب. الثالث: التوراة كانت مشتملة على آيات دالة على مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فأولئك الأحبار والرهبان، كانوا يذكرون في تأويلها وجوهاً فاسدة، ويحملونها على محامل باطلة، وكانوا يطيبون قلوب عوامهم بهذا السبب، ويأخذون الرشوة. والرابع: أنهم كانوا يقررون عند عوامهم أن الدين الحق هو الذي هم عليه فإذا قرروا ذلك قالوا وتقوية الدين الحق واجب ثم قالوا: ولا طريق إلى تقويته إلا إذا كان أولئك الفقهاء أقواماً عظماء أصحاب الأموال الكثيرة والجمع العظيم، فبهذا الطريق يحملون العوام على أن يبذلوا في خدمتهم نفوسهم وأموالهم، فهذا هو الباطل الذي كانوا به يأكلون أموال الناس، وهي بأسرها حاضرة في زماننا، وهو الطريق لأكثر الجهال والمزورين إلى أخذ أموال العوام والحمقى من الخلق. ثم قال: {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } لأنهم كانوا يقتلون على متابعتهم ويمنعون عن متابعة الأخيار من الخلق والعلماء في الزمان، وفي زمان محمد عليه الصلاة والسلام كانوا يبالغون في المنع عن متابعته بجميع وجوه المكر والخداع. قال المصنف رضي الله عنه: غاية مطلوب الخلق في الدنيا المال والجاه، فبين تعالى في صفة الأحبار والرهبان كونهم مشغوفين بهذين الأمرين، فالمال هو المراد بقوله: {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ } وأما الجاه فهو المراد بقوله: {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } فإنهم لو أقروا بأن محمداً على الحق لزمهم متابعته، وحينئذ فكان يبطل حكمهم وتزول حرمتهم فلأجل الخوف من هذا المحذور كانوا يبالغون في المنع من متابعة محمد صلى الله عليه وسلم، ويبالغون في إلقاء الشبهات وفي استخراج وجوه المكر والخديعة، وفي منع الخلق من قبول دينه الحق والإتباع لمنهجه الصحيح. ثم قال: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في قوله: {وَٱلَّذِينَ } احتمالات ثلاثة: لأنه يحتمل أن يكون المراد بقوله: {ٱلَّذِينَ } أولئك الأحبار والرهبان، ويحتمل أن يكون المراد كلاماً مبتدأ على ما قال بعضهم المراد منه مانعو الزكاة من المسلمين، ويحتمل أن يكون المراد منه كل من كنز المال ولم يخرج منه الحقوق الواجبة سواء كان من الأحبار والرهبان أو كان من المسلمين، فلا شك أن اللفظ محتمل لكل واحد من هذه الوجوه الثلاثة، وروي عن زيد بن وهب قال: مررت بأبي ذر فقلت يا أبا ذر ما أنزلك هذه البلاد؟ فقال: كنت بالشام فقرأت {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ } فقال معاوية: هذه الآية نزلت في أهل الكتاب فقلت: إنها فيهم وفينا، فصار ذلك سبباً للوحشة بيني وبينه، فكتب إلى عثمان أن أقبل إلي، فلما قدمت المدينة انحرف الناس عني، كأنهم لم يروني من قبل، فشكوت ذلك إليَّ عثمان فقال لي تنح قريباً إني والله لن أدع ما كنت أقول. وعن الأحنف، قال: لما قدمت المدينة رأيت أبا ذر يقول: بشر الكافرين برضف يحمى عليه في نار جهنم فتوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى تخرج من نغض كتفه حتى يرفض بدنه، وتوضع على نغض كتفه حتى تخرج من حلمة ثديه، فلما سمع القوم ذلك تركوه فاتبعته وقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم: فقال ما عسى أن يصنع في قريش. قال مولانا رضي الله عنه: إن كان المراد تخصيص هذا الوعيد بمن سبق ذكرهم وهم أهل الكتاب، كان التقدير أنه تعالى وصفهم بالحرص الشديد على أخذ أموال الناس بقوله: {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ } ووصفهم أيضاً بالبخل الشديد والامتناع عن إخراج الواجبات عن أموال أنفسهم بقوله: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ } وإن كان المراد مانعي الزكاة من المؤمنين، كان التقدير أنه تعالى وصف قبح طريقتهم في الحرص على أخذ أموال الناس بالباطل، ثم ندب المسلمين إلى إخراج الحقوق الواجبة من أموالهم، وبين ما في تركه من الوعيد الشديد، وإن كان المراد الكل، كان التقدير أنه تعالى وصفهم بالحرص على أخذ أموال الناس بالباطل، ثم أردفه بوعيد كل من امتنع عن إخراج الحقوق الواجبة من ماله تنبيهاً على أنه لما كان حال من أمسك مال نفسه بالباطل كذلك فما ظنك بحال من سعى في أخذ مال غيره بالباطل والتزوير والمكر. المسألة الثانية: أصل الكنز في كلام العرب هو الجمع، وكل شيء جمع بعضه إلى بعض فهو مكنوز، يقال: هذا جسم مكتنز الأجزاء إذا كان مجتمع الأجزاء، واختلف علماء الصحابة في المراد بهذا الكنز المذموم فقال الأكثرون: هو المال الذي لم تؤد زكاته، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما أديت زكاته فليس بكنز. وقال ابن عمر: كل ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل ما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض، وقال جابر: إذا أخرجت الصدقة من مالك فقد أذهبت عنه شره وليس بكنز. وقال ابن عباس: في قوله: {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } يريد الذين لا يؤدون زكاة أموالهم. قال القاضي: تخصيص هذا المعنى بمنع الزكاة لا سبيل إليه، بل الواجب أن يقال: الكنز هو المال الذي ما أخرج عنه ما وجب إخراجه عنه، ولا فرق بين الزكاة وبين ما يجب من الكفارات، وبين ما يلزم من نفقة الحج أو الجمعة، وبين ما يجب إخراجه في الدين والحقوق والإنفاق على الأهل أو العيال وضمان المتلفات وأروش الجنايات فيجب في كل هذه الأقسام أن يكون داخلاً في الوعيد. والقول الثاني: أن المال الكثير إذا جمع فهو الكنز المذموم، سواء أديت زكاته أو لم تؤد. واحتج الذاهبون إلى القول الأول على صحة قولهم بأمور: الأول: عموم قوله تعالى: { أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ } تفسير : [البقرة:286] فإن ذلك يدل على أن كل ما اكتسبه الإنسان فهو حقه وكذا قوله تعالى: { أية : وَلاَ يَسْـئَلْكُمْ أَمْوٰلَكُمْ } تفسير : [محمد: 36] وقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : نعم المال الصالح للرجل الصالح » تفسير : وقوله عليه السلام: « حديث : كل امرىء أحق بكسبه » تفسير : وقوله عليه السلام: « حديث : ما أدى زكاته فليس بكنز وإن كان باطناً، وما بلغ أن يزكى ولم يزك فهو كنز » تفسير : وإن كان ظاهراً. الثاني: أنه كان في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام جماعة كعثمان وعبد الرحمن بن عوف، وكان عليه السلام يعدهم من أكابر المؤمنين. الثالث: أنه عليه السلام ندب إلى إخراج الثلث أو أقل في المرض، ولو كان جمع المال محرماً لكان عليه السلام أقر المريض بالتصدق بكله، بل كان يأمر الصحيح في حال صحته بذلك. واحتج الذاهبون إلى القول الثاني بوجوه: الأول: عموم هذه الآية، ولا شك أن ظاهرها دليل على المنع من جمع المال، فالمصير إلى أن الجمع مباح بعد إخراج الزكاة ترك لظاهر هذه الآية، فلا يصار إليه إلا بدليل منفصل. والثاني: ما روى سالم بن الجعد أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : تباً للذهب تباً للفضة، قالها ثلاثاً، فقالوا له أي مال نتخذ؟ قال: لساناً ذاكراً، وقلباً خاشعاً، وزوجة تعين أحدكم على دينه » تفسير : . وقال عليه السلام: « حديث : من برك صفراء أو بيضاء كوى بها، وتوفى رجل فوجد في مئزره دينار » تفسير : فقال عليه السلام: « حديث : كية » تفسير : وتوفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : كيتان » تفسير : والثالث: ما روي عن الصحابة في هذا الباب فقال علي: كل مال زاد على أربعة آلاف فهو كنز أديت منه الزكاة أو لم تؤد، وعن أبي هريرة كل صفراء أو بيضاء أوكى عليها صاحبها فهي كنز. وعن أبي الدرداء أنه كان إذا رأى أن العسير تقدم بالمال صعد على موضع مرتفع ويقول جاءت القطار تحمل النار وبشر الكنازين بكى في الجباه والجنوب والظهور والبطون. والرابع: أنه تعالى إنما خلق الأموال ليتوسل بها إلى دفع الحاجات، فإذا حصل للإنسان قدر ما يدفع به حاجته ثم جمع الأموال الزائدة عليه فهو لا ينتفع بها لكونها زائدة على قدر حاجته ومنعها من الغير الذي يمكنه أن يدفع حاجته بها، فكان هذا الإنسان بهذا المنع مانعاً من ظهور حكمته ومانعاً من وصول إحسان الله إلى عبيده. واعلم أن الطريق الحق أن يقال الأولى أن لا يجمع الرجل الطالب للدين المال الكثير، إلا أنه لم يمنع عنه في ظاهر الشرع، فالأول محمول على التقوى والثاني على ظاهر الفتوى، أما بيان أن الأولى الاحتراز عن طلب المال الكثير فبوجوه: الوجه الأول: أن الإنسان إذا أحب شيئاً فكلما كان وصوله إليه أكثر والتذاذه بوجدانه أكثر، كان حبه له أشد وميله أقوى فالإنسان إذا كان فقيراً فكأنه لم يذق لذة الانتفاع بالمال وكأنه غافل عن تلك اللذة، فإذا ملك القليل من المال وجد بقدره اللذة، فصار ميله أشد، فكلما صارت أمواله أزيد، كان التذاذه به أكثر وكان حرصه في طلبه وميله إلى تحصيله أشد، فثبت أن تكثير المال سبب لتكثير الحرص في الطلب، فالحرص متعب للروح والنفس والقلب وضرره شديد، فوجب على العاقل أن يحترز عن الإضرار بالنفس وأيضاً قد بينا أنه كلما كان المال أكثر كان الحرص أشد، فلو قدرنا أنه كان ينتهي طلب المال إلى حد ينقطع عنده الطلب ويزول الحرص، لقد كان الإنسان يسعى في الوصول إلى ذلك الحد. أما لما ثبت بالدليل أنه كلما كان تملك الأموال أكثر كان الضرر الناشىء من الحرص أكبر، وأنه لا نهاية لهذا الضرر ولهذا الطلب، فوجب على الإنسان أن يتركه في أول الأمر كما قال: شعر : رأى الأمر يفضي إلى آخر فيصير آخره أولاً تفسير : والوجه الثاني: أن كسب المال شاق شديد، وحفظه بعد حصوله أشد وأشق وأصعب، فيبقى الإنسان طول عمره تارة في طلب التحصيل، وأخرى في تعب الحفظ، ثم إنه لا ينتفع بها إلا بالقليل وبالآخر يتركها مع الحسرات والزفرات، وذلك هو الخسران المبين. والوجه الثالث: أن كثرة المال والجاه تورث الطغيان، كما قال تعالى: { أية : إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰ* أَن رَّءاهُ ٱسْتَغْنَىٰ } تفسير : [العلق: 6، 7] والطغيان يمنع من وصول العبد إلى مقام رضوان الرحمن، ويوقعه في الخسران والخذلان. الوجه الرابع: أنه تعالى أوجب الزكاة وذلك سعي في تنقيص المال، ولو كان تكثيره فضيلة لما سعى الشرع في تنقيصه. فإن قيل: لم قال عليه السلام: « حديث : اليد العليا خير من اليد السفلى » تفسير : . قلنا: اليد العليا إنما أفادته صفة الخيرية، لأنه أعطى ذلك القليل، فبسبب أنه حصل في ماله ذلك النقصان القليلة حصلت له الخيرية، وبسبب أنه حصل للفقير تلك الزيادة القليل حصلت المرجوحية. المسألة الثالثة: جاءت الأخبار الكثيرة في وعيد مانعي الزكاة، أما منع زكاة النقود فقوله في هذه الآية: {يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ } وأما منع زكاة المواشي فما روي في الحديث أنه تعالى يعذب أصحاب المواشي إذا لم يؤدوا زكاتها بأن يسوق إليه تلك المواشي كأعظم ما تكون في أجسامها فتمر على أربابها فتطؤهم بأظلافها وتنطحهم بقرونها كلما نفدت أخراها عادت إليهم أولاها فلا يزال كذلك حتى يفرغ الناس من الحساب. المسألة الرابعة: الصحيح عندنا وجوب الزكاة في الحلي، والدليل عليه قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }. فإن قيل: هذا الوعيد إنما يتناول الرجال لا النساء. قلنا: نتكلم في الرجل الذي اتخذ الحلي لنسائه، وأيضاً ترتيب هذا الوعيد على جمع الذهب والفضة حكم مرتب على وصف يناسبه، وهو أن جمع ذلك المال يمنعه من صرفه إلى المحتاجين مع أنه لا حاجة إليه، إذ لو احتاج إلى إنفاقه لما قدر على جمعه، وإقدام غير المحتاج على منع المال من المحتاج يناسب أن يمنع منه، فثبت أن هذا الوعيد مرتب على وصف يناسبه، والحكم المذكور عقيب وصف يناسبه يجب كونه معللاً به، فثبت أن هذا الوعيد لذلك الجمع، فأينما حصل ذلك الوصف وجب أن يحصل معه ذلك الوعيد، وأيضاً أن العمومات الواردة في إيجاب الزكاة موجودة في الحلي المباح قال عليه السلام: « حديث : هاتوا ربع عشر أموالكم » تفسير : وقال: « حديث : في الرقة ربع العشر » تفسير : وقال: « حديث : يا علي عليك زكاة، فإذا ملكت عشرين مثقالاً، فأخرج نصف مثقال » تفسير : وقال: « حديث : ليس في المال حق سوى الزكاة وقال لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول » تفسير : فهذه الآية مع جميع هذه الأخبار توجب الزكاة في الحلي المباح، ثم نقول ولم يوجد لهذا الدليل معارض من الكتاب، وهو ظاهر لأنه ليس في القرآن ما يدل على أنه لا زكاة في الحلي المباح، ولم يوجد في الأخبار أيضاً معارض إلا أن أصحابنا نقلوا فيه خبراً، وهو قوله عليه السلام: « حديث : لا زكاة في الحلي المباح » تفسير : إلا أن أبا عيسى الترمذي قال: لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلي خبر صحيح، وأيضاً بتقدير أن يصح هذا الخبر فنحمله على اللآلىء لأنه قال: لا زكاة في الحلي، ولفظ الحلي مفرد محلى بالألف واللام، وقد دللنا على أنه لو كان هناك معهود سابق، وجب انصرافه إليه والمعهود في القرآن في لفظ الحلي اللآلىء. قال تعالى: { أية : وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } تفسير : [النحل: 14] وإذا كان كذلك انصرف لفظ الحلي إلى اللآلىء، فسقطت دلالته، وأيضاً الاحتياط في القول بوجوب الزكاة، وأيضاً لا يمكن معارضة هذا النص بالقياس، لأن النص خير من القياس فثبت أن الحق ما ذكرناه. المسألة الخامسة: أنه تعالى ذكر شيئين وهما الذهب والفضة. ثم قال: {وَلاَ يُنفِقُونَهَا } وفيه وجهان: الأول: أن الضمير عائد إلى المعنى من وجوه: أحدها: أن كل واحد منهما جملة وآنية دنانير ودراهم، فهو كقوله تعالى: { أية : وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ } تفسير : [الحجرات: 9] وثانيها: أن يكون التقدير، ولا ينفقون الكنوز. وثالثها: قال الزجاج: التقدير: ولا ينفقون تلك الأموال. الوجه الثاني: أن يكون الضمير عائداً إلى اللفظ وفيه وجوه: أحدها: أن يكون التقدير ولا ينفقون الفضة، وحذف الذهب لأنه داخل في الفضة من حيث إنهما معاً يشتركان في ثمنية الأشياء، وفي كونهما جوهرين شريفين، وفي كونهما مقصودين بالكنز، فلما كانا متشاركين في أكثر الصفات كان ذكر أحدهما مغنياً عن ذكر الآخر. وثانيها: أن ذكر أحدهما قد يغني عن الآخر كقوله تعالى: { أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا } تفسير : [الجمعة: 11] جعل الضمير للتجارة. وقال: { أية : وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً } تفسير : [النساء: 112] فجعل الضمير للإثم. وثالثها: أن يكون التقدير: ولا ينفقونها والذهب كذلك كما أن معنى قوله: شعر : وإني وقيار بها لغريب تفسير : أي وقيا كذلك. فإن قيل: ما السبب في أن خصا بالذكر من بين سائر الأموال؟ قلنا: لأنهما الأصل المعتبر في الأموال وهما اللذان يقصدان بالكنز. واعلم أنه تعالى لما ذكر الذين يكنزون الذهب والفضة. قال: {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } أي فأخبرهم على سبيل التهكم لأن الذين يكنزون الذهب والفضة إنما يكنزونهما ليتوسلوا بهما إلى تحصيل الفرج يوم الحاجة. فقيل هذا هو الفرج كما يقال تحيتهم ليس إلا الضرب وإكرامهم ليس إلا الشتم، وأيضاً فالبشارة عن الخير الذي يؤثر في القلب، فيتغير بسببه لون بشرة الوجه، وهذا يتناول ما إذا تغيرت البشرة بسبب الفرح أو بسبب الغم. ثم قال تعالى: {يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كنزتم لأنفسكم}، وفي قراءة أبي {وبطونهم} وفيه سؤالات: السؤال الأول: لا يقال أحميت على الحديد، بل يقال: أحميت الحديد فما الفائدة في قوله: {يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا }. والجواب: ليس المراد أن تلك الأموال تحمى على النار، بل المراد أن النار تحمى على تلك الأموال التي هي الذهب والفضة، أي يوقد عليها نار ذات حمى وحر شديد، وهو مأخوذ من قوله: { أية : نَارٌ حَامِيَةٌ } تفسير : [القارعة:11] ولو قيل يوم تحمى لم يفد هذه الفائدة. فإن قالوا: لما كان المراد يوم تحمى النار عليها، فلم ذكر الفعل؟ فلنا: لأن النار تأنيثها لفظي، والفعل غير مسند في الظاهر إليه، بل إلى قوله: {عَلَيْهَا } فلا جرم حسن التذكير والتأنيث وعن ابن عامر أنه قرأ {تحمى} بالتاء. السؤال الثاني: ما الناصب لقوله: {يَوْمَ}. الجواب: التقدير فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها. السؤال الثالث: لم خصت هذه الأعضاء؟ والجواب لوجوه: أحدها: أن المقصود من كسب الأموال حصول فرح في القلب يظهر أثره في الوجوه، وحصول شبع ينتفخ بسببه الجنبان، ولبس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم، فلما طلبوا تزين هذه الأعضاء الثلاثة، لا جرم حصل الكي على الجباه والجنوب والظهور. وثانيها: أن هذه الأعضاء الثلاثة مجوفة، قد حصل في داخلها آلات ضعيفة يعظم تألمها بسبب وصول أدنى أثر إليها بخلاف سائر الأعضاء. وثالثها: قال أبو بكر الوراق: خصت هذه المواضع بالذكر لأن صاحب المال إذا رأى الفقير بجنبه تباعد عنه وولى ظهره. ورابعها: أن المعنى أنهم يكوون على الجهات الأربع، إما من مقدمه فعلى الجبهة، وإما من خلفه فعلى الظهور، وإما من يمينه ويساره فعلى الجنبين. وخامسها: أن ألطف أعضاء الإنسان جبينه والعضو المتوسط في اللطافة والصلابة جنبه، والعضو الذي هو أصلب أعضاء الإنسان ظهره، فبين تعالى أن هذه الأقسام الثلاثة من أعضائه تصير مغمورة في الكي، والغرض منه التنبيه على أن ذلك الكي يحصل في تلك الأعضاء. وسادسها: أن كمال حال بدن الإنسان في جماله وقوته أما الجمال فمحله الوجه، وأعز الأعضاء في الوجه الجبهة، فإذا وقع الكي في الجبهة، فقد زال الجمال بالكلية، وأما القوة فمحلها الظهر والجنبان، فإذا حصل الكي عليها فقد زالت القوة عن البدن، فالحاصل: أن حصول الكي في هذه الأعضاء الثلاثة يوجب زوال الجمال وزوال القوة، والإنسان إنما طلب المال لحصول الجمال ولحصول القوة. السؤال الرابع: الذي يجعل كياً على بدن الإنسان هو كل ذلك المال أو القدر الواجب من الزكاة. والجواب: مقتضى الآية: الكل لأنه لما يخرج منه لم يكن الحق منه جزءاً معيناً، بل لا جزء إلا والحق متعلق به، فوجب أن يعذبه الله بكل الأجزاء. ثم إنه تعالى قال: {هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنفُسِكُمْ } والتقدير: فيقال لهم: هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا والغرض منه تعظيم الوعيد، لأنهم إذا عاينوا ما يعذبون به من درهم أو من دينار أو من صفيحة معمولة منهما أو من أحدهما جوزوا فيه أن يكون عن الحق الذي منعه وجوزوا خلاف ذلك، فعظم الله تبكيتهم بأن يقال لهم هذا ما كنزتم لأنفسكم لم تؤثروا به رضا ربكم ولا قصدتم بالإنفاق منه نفع أنفسكم والخلاص به من عقاب ربكم فصرتم كأنكم ادخرتموه ليجعل عقاباً لكم على ما تشاهدونه، ثم يقول تعالى: {فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ } ومعناه لم تصرفوه لمنافع دينكم ودنياكم على ما أمركم الله به {فَذُوقُواْ } وبال ذلك به لا بغيره.
القرطبي
تفسير : فيه إحدى عشرة مسألة: الأُولى ـ قوله تعالى: {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ} دخلت اللام على يفعل، ولا تدخل على فَعَل؛ لمضارعة يَفْعَل الأسماء. والأحبار علماء اليهود. والرُّهبان مجتهدو النصارى في العبادة. «بِالْبَاطِلِ» قيل: إنهم كانوا يأخذون من أموال أتباعهم ضرائب وفروضاً باسم الكنائس والبِيع وغيرِ ذلك؛ مما يوهمونهم أن النفقة فيه من الشرع والتزلّف إلى الله تعالى، وهم خلال ذلك يحجبون تلك الأموال؛ كالذي ذكره سَلْمان الفارسِيّ عن الراهب الذي استخرج كنزه؛ ذكره ابن إسحاق في السير. وقيل: كانوا يأخذون من غَلاّتهم وأموالهم ضرائب باسم حماية الدِّين والقيامِ بالشرع. وقيل: كانوا يرتشون في الأحكام؛ كما يفعله اليوم كثير من الولاة والحُكّام. وقوله: «بِالْبَاطِلِ» يجمع ذلك كله. {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي يمنعون أهل دينهم عن الدخول في دين الإسلام، وٱتباع محمد صلى الله عليه وسلم. الثانية ـ قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ} الكنز أصله في اللغة الضم والجمع، ولا يختص ذلك بالذهب والفضة. ألا ترى قوله عليه السلام: «حديث : ألاَ أخبركم بخير ما يكنز المرءُ المرأة الصالحة»تفسير : . أي يضمه لنفسه ويجمعه. قال:شعر : ولم تزوّد من جميع الكنز غير خيوط ورَثِيث بَزِّ تفسير : وقال آخر:شعر : لا دَرَّ درّي إن أطعمتُ جائعَهم قِرْف الحَتيّ وعندي البُرُّ مكنوز تفسير : قرف الحتِيّ هو سَوِيق المُقْل. يقول: إنه نزل بقوم فكان قِراه عندهم سويق المقل، وهو الحَتِيّ، فلما نزلوا به قال هو: لا دَرّ دَرِّي... البيت. وخص الذهب والفضة بالذكر لأنه مما لا يُطّلَع عليه، بخلاف سائر الأموال. قال الطبريّ: الكنز كل شيء مجموع بعضه إلى بعض، في بطن الأرض كان أو على ظهرها. وسمي الذهب ذهباً لأنه يذهب، والفضة لأنها تنفض فتتفرق، ومنه قوله تعالى: «ٱنْفَضُّوا إلَيْهَا ـ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» وقد مضى هذا المعنى في «آل عمران». الثالثة ـ واختلفت الصحابة في المراد بهذه الآية؛ فذهب معاوية إلى أن المراد بها أهل الكتاب، وإليه ذهب الأَصَمّ؛ لأن قوله: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ} مذكور بعد قوله: {إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ}. وقال أبو ذرّ وغيره: المراد بها أهل الكتاب وغيرهم من المسلمين. وهو الصحيح؛ لأنه لو أراد أهل الكتاب خاصة لقال: ويكنِزون، بغير والذين. فلما قال: «والذِين» فقد استأنف معنًى آخر يبيِّن أنه عطف جملة على جملة. فالذين يكنزون كلام مستأنف، وهو رفع على الابتداء. قال السُّدِّي: عنى أهل القبلة. فهذه ثلاثة أقوال. وعلى قول الصحابة فيه دليل على أن الكفار عندهم مخاطبون بفروع الشريعة. روى البخارِيّ عن زيد بن وهب قال: مررت بالرَّبَذَة فإذا أنا بأبي ذَرٍّ فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشأم فاختلفت أنا ومعاوية في {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}؛ فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب. فقلت: نزلت فينا وفيهم؛ وكان بيني وبينه في ذلك. فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إليّ عثمان أن ٱقدم المدينة، فقدمتها فكثر عليّ الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك؛ فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحّيت فكنتَ قريباً؛ فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أُمّروا عليّ حبشيّاً لسمعت وأطعت. الرابعة ـ قال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد: تضمنت هذه الآية زكاة العين، وهي تجب بأربعة شروط: حرية، وإسلام، وحول، ونصاب سليم من الدين. والنصاب مائتا درهم أو عشرون ديناراً. أو يكمل نصاب أحدهما من الآخر وأخرج ربع العشر من هذا وربع العشر من هذا. وإنما قلنا إن الحرية شرط؛ فلأن العبد ناقص الملك. وإنما قلنا إن الإسلام شرط؛ فلأن الزكاة طهرة والكافر لا تلحقه طهرة؛ ولأن الله تعالى قال: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ}تفسير : [البقرة: 43] فخوطب بالزكاة من خوطب بالصلاة. وإنما قلنا إن الحول شرط؛ فلأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليس في مالٍ زكاةٌ حتى يَحُول عليه الحول»تفسير : . وإنما قلنا إن النصاب شرط؛ فلأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليس في أقلّ من مائتي درهم زكاة وليس في أقل من عشرين ديناراً زكاة»تفسير : . ولا يُراعَى كمال النصاب في أول الحَوْل، وإنما يراعى عند آخر الحول؛ لاتفاقهم أن الربح في حكم الأصل. يدلّ على هذا أن من كانت معه مائتا درهم فَتَجر فيها فصارت آخر الحول ألفاً أنه يؤدّي زكاة الألف، ولا يستأنف للربح حولاً. فإذا كان كذلك لم يختلف حكم الربح، كان صادراً عن نصاب أو دونه. وكذلك ٱتفقوا أنه لو كان له أربعون من الغنم، فتوالدت له رأسَ الحول ثم ماتت الأُمهات إلاّ واحدة منها، وكانت السّخال تتمة النصاب فإن الزكاة تُخرج عنها. الخامسة ـ وٱختلف العلماء في المال الذي أُدّيت زكاتُه هل يسمى كنزاً أم لا؟ فقال قوم: نعم. ورواه أبو الضُّحَا عن جعْدة بن هُبيرة عن عليّ رضي الله عنه، قال عليّ: أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما كثر فهو كنز وإن أُدِّيت زكاته، ولا يصح. وقال قوم: ما أُدّيت زكاته منه أو من غيره عنه فليس بكنز. قال ابن عمر: ما أُدِّي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل ما لم تؤدّ زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض. ومثله عن جابر، وهو الصحيح. وروى البخارِيّ عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من آتاه الله مالاً فلم يؤدّ زكاته مُثِّل له يوم القيامة شُجاعاً أقْرَعَ له زَبِيبتان يُطوِّقه يوم القيامة ثم يأخذ بِلِهْزِمَتَيْه ـ يعني شِدْقَيْهِ ـ ثم يقول أنا مالُك أنا كنزك ـ ثم تلا ـ {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} [آل عمران: 180] تفسير : الآية. وفيه أيضاً عن أبي ذرّ، قال: انتهيت إليه ـ يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «حديث : والذي نفسي بيده ـ أو والذي لا إلۤه غيره أو كما حلف ـ ما من رجل تكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدّي حقها إلاّ أتِي بها يوم القيامة أعظمَ ما تكون وأَسْمَنَه تَطَؤُه بأخفافها وتنطِحَه بقرونها كلما جازت أُخراها رُدّت عليه أُولاها حتى يُقْضَى بين الناس»تفسير : . فدلّ دليل خطاب هذين الحديثين على صحة ما ذكرنا. وقد بيّن ابن عمر في صحيح البخاريّ هذا المعنى، قال له أعرابيّ: أخبرني عن قول الله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ} قال ابن عمر: من كنزها فلم يؤدّ زكاتها فَويْل له، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أُنزلت جعلها الله طُهراً للأموال. وقيل: الكنز ما فضل عن الحاجة. رُوي عن أبي ذرّ، وهو مما نقل من مذهبه، وهو من شدائده ومما ٱنفرد به رضي الله عنه. قلت: ويحتمل أن يكون مجمل ما رُوي عن أبي ذرّ في هذا، ما روى أن الآية نزلت في وقت شدّة الحاجة وضعف المهاجرين وقِصَر يد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كفايتهم، ولم يكن في بيت المال ما يسعهم، وكانت السِّنون الجوائح هاجمة عليهم، فنُهُوا عن إمساك شيء من المال إلا على قدر الحاجة، ولا يجوز ٱدّخار الذهب والفضة في مثل ذلك الوقت. فلما فتح الله على المسلمين ووسَّع عليهم أوْجب صلى الله عليه وسلم في مائتي درهم خمسةَ دراهم، وفي عشرين ديناراً نصفَ دينار؛ ولم يوجب الكل، واعتبر مدّة الاستنماء؛ فكان ذلك منه بياناً صلى الله عليه وسلم. وقيل: الكنز ما لم تؤدّ منه الحقوق العارضة؛ كَفَكّ الأسير وإطعام الجائع وغير ذلك. وقيل: الكنز لغةً المجموع من النقدين، وغيرهما من المال محمول عليهما بالقياس. وقيل: المجموع منهما ما لم يكن حليّاً؛ لأن الحليّ مأذون في ٱتخاذه ولا حَقّ فيه. والصحيح ما بدأنا بذكره، وأن ذلك كله يسمَّى كنزاً لغةً وشرعاً. والله أعلم. السادسة ـ وٱختلف العلماء في زكاة الحليّ؛ فذهب مالك وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثَور وأبو عبيد إلى أن لا زكاة فيه. وهو قول الشافعيّ بالعراق، ووقف فيه بعد ذلك بمصر وقال: أستخير الله فيه. وقال الثّوريّ وأبو حنيفة وأصحابه والأُوزاعيّ: في ذلك كله الزكاة. احتج الأوّلون فقالوا: قصدُ النَّماء يوجب الزكاة في العروض وهي ليست بمحل لإيجاب الزكاة، كذلك قطع النماء في الذهب والفضة بٱتخاذهما حليّاً للقِنْية يسقط الزكاة. احتجّ أبو حنيفة بعموم الألفاظ في إيجاب الزكاة في النقدين، ولم يفرّق بين حليّ وغيره. وفرّق الليث بن سعد فأوجب الزكاة فيما صُنع حليّاً لِيفرّ به من الزكاة، وأسقطها فيما كان منه يلبس ويُعار. وفي المذهب في الحليّ تفصيل، بيانه في كتب الفروع. السابعة ـ روى أبو داود عن ابن عباس قال:حديث : لما نزلت هذه الآية {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ} قال: كَبُر ذلك على المسلمين، فقال عمر: أنا أفرّج عنكم؛ فانطلق فقال: يا نبيّ الله، إنه كَبُر على أصحابك هذه الآية. فقال: «إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم وإنما فرض المواريث ـ وذكر كلمة ـ لتكون لمن بعدكم» قال: فكبّر عمر. ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء المرأةُ الصالحة إذا نظر إليها سَرّته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفِظته»تفسير : . وروى الترمذيّ وغيره عن ثوبان حديث : أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: قد ذمّ الله سبحانه الذهب والفضة، فلو علمنا أيّ المال خير حتى نكسبه. فقال عمر: أنا أسأل لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فسأله فقال: «لسانٌ ذاكر وقلب شاكر وزوجة تعين المرء على دينه»تفسير : . قال حديث حسن. الثامنة ـ قوله تعالى: {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} ولم يقل ينفقونهما؛ ففيه أجوبة ستة: الأوّل ـ قال ابن الأنباريّ: قصد الأغلب والأعمّ وهي الفضة؛ ومثله قوله: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} تفسير : [البقرة: 45] رد الكناية إلى الصلاة لأنها أعمّ. ومثله {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا} تفسير : [الجمعة: 11] فأعاد الهاء إلى التجارة لأنها الأهم، وترك اللهو؛ قاله كثير من المفسرين. وأباه بعضهم وقال: لا يشبهها؛ لأن «أو» قد فصلت التجارة من اللهو فَحسُن عَوْد الضمير على أحدهما. الثاني ـ العكس، وهو أن يكون «ينفقونها» للذهب والثاني معطوفاً عليه. والذهب تؤنّثه العرب تقول: هي الذهب الحمراء. وقد تذكّر والتأنيث أشهر. الثالث ـ أن يكون الضمير للكنوز. الرابع ـ للأموال المكنوزة. الخامس ـ للزكاة؛ التقدير ولا ينفقون زكاة الأموال المكنوزة. السادس ـ الاكتفاء بضمير الواحد عن ضمير الآخر إذا فُهم المعنى، وهذا كثير في كلام العرب. أنشد سيبويه:شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرأي مختلِف تفسير : ولم يقل راضون. وقال آخر:شعر : رَماني بأمر كنتُ منه ووالدي بريئاً ومن أجْل الطَّوِيّ رماني تفسير : ولم يقل بريئين. ونحوه قول حسان بن ثابت رضي الله عنه:شعر : إن شرخ الشباب والشّعر الأسـ ـود ما لم يُعاص كان جنونَا تفسير : ولم يقل يعاصيا. التاسعة ـ إن قيل: من لم يكنز ولم ينفِق في سبيل الله وأنفق في المعاصي، هل يكون حكمه في الوعيد حكم من كنز ولم ينفق في سبيل الله. قيل له: إن ذلك أشدّ؛ فإن من بذّر ماله في المعاصي عصى من جهتين: بالإنفاق والتناول؛ كشراء الخمر وشربها. بل من جهات إذا كانت المعصية مما تتعدّى؛ كمن أعان على ظلم مسلم مِن قتله أو أخذ ماله إلى غير ذلك. والكانز عصى من جهتين، وهما منع الزكاة وحبس المال لا غير. وقد لا يراعي حبس المال، والله أعلم. العاشرة ـ قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} قد تقدّم معناه. وقد فسّر النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا العذاب بقوله: «حديث : بَشّر الكنّازين بكَيّ في ظهورهم يخرج من جنوبهم وبكَيّ من قِبل أقفائهم يخرج من جباههم»تفسير : الحديث. أخرجه مسلم. رواه أبو ذرّ في رواية: «حديث : بشر الكنّازين بِرَضْف يُحْمَى عليه في نار جهنم فيوضع على حَلَمَة ثَدْيِ أحدهم حتى يخرج من نُغْض كَتِفيه ويوضع على نُغْض كَتِفيه حتى يخرج من حلمة ثُدْييه فيتزلزل»تفسير : الحديث. قال علماؤنا: فخروج الرَّضْف من حلمة ثَدْيه إلى نُغْض كتفه لتعذيب قلبه وباطنه حين ٱمتلأ بالفرح بالكثرة في المال والسرور في الدنيا؛ فعوقب في الآخرة بالهمّ والعذاب. الحادية عشرة ـ قال علماؤنا: ظاهر الآية تعليق الوعيد على من كنز ولا ينفق في سبيل الله، ويتعرّض للواجب وغيره؛ غير أن صفة الكنز لا ينبغي أن تكون معتبرة؛ فإن من لم يكنز ومنع الإنفاق في سبيل الله فلا بدّ وأن يكون كذلك؛ إلا أن الذي يخبأ تحت الأرض هو الذي يمنع إنفاقه في الواجبات عُرْفاً، فلذلك خُص الوعيد به. والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ} يأخذونها بالرشا في الأحكام سمي أخذ المال أكلاً لأنه الغرض الأعظم منه. {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} دينه. {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } يجوز أن يراد به الكثير من الأحبار والرهبان فيكون مبالغة في وصفهم بالحرص على المال والضن به وأن يراد المسلمون الذين يجمعون المال ويقتنونه ولا يؤدون حقه ويكون اقترانه بالمرتشين من أهل الكتاب للتغليظ، ويدل عليه أنه لما نزل كبر على المسلمين فذكر عمر رضي الله تعالى عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم»تفسير : وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ما أدى زكاته فليس بكنز»تفسير : أي بكنز أوعد عليه، فإن الوعيد على الكنز مع عدم الإِنفاق فيما أمر الله أن ينفق فيه، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها»تفسير : ونحوه فالمراد منها ما لم يؤد حقها لقوله عليه الصلاة والسلام فيما أورده الشيخان مروياً عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «حديث : ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره» تفسير : {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} هو الكي بهما.
ابن كثير
تفسير : قال السدي: الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى، وهو كما قال؛ فإن الأحبار هم علماء اليهود؛ كما قال تعالى: {أية : لَوْلاَ يَنْهَـٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ} تفسير : [المائدة: 63] والرهبان عباد النصارى، والقسيسون علماؤهم؛ كما قال تعالى: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً} تفسير : [المائدة: 82] والمقصود التحذير من علماء السوء وعباد الضلال كما قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا، كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا، كان فيه شبه من النصارى. وفي الحديث الصحيح: «حديث : لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة» تفسير : قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: «حديث : فمن» تفسير : ؟ وفي رواية: فارس والروم؟ قال: «حديث : فمن الناس إلا هؤلاء؟» تفسير : والحاصل التحذير من التشبه بهم في أقوالهم وأحوالهم، ولهذا قال تعالى: {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} وذلك أنهم يأكلون الدنيا بالدين، ومناصبهم ورياستهم في الناس يأكلون أموالهم بذلك كما كان لأحبار اليهود على أهل الجاهلية شرف، ولهم عندهم خَرْج وهدايا وضرائب تجيء إليهم، فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم استمروا على ضلالهم وكفرهم وعنادهم؛ طمعاً منهم أن تبقى لهم تلك الرياسات، فأطفأها الله بنور النبوة، وسلبهم إياها، وعوضهم الذل والصغار، وباؤوا بغضب من الله تعالى. وقوله تعالى: {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي: وهم مع أكلهم الحرام يصدون الناس عن اتباع الحق، ويلبسون الحق بالباطل، ويظهرون لمن اتبعهم من الجهلة أنهم يدعونه إلى الخير، وليسوا كما يزعمون، بل هم دعاة إلى النار، ويوم القيامة لا ينصرون. وقوله: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}: هؤلاء هم القسم الثالث من رؤوس الناس فإن الناس عالة على العلماء وعلى العباد وعلى أرباب الأموال، فإذا فسدت أحوال هؤلاء، فسدت أحوال الناس؛ كما قال ابن المبارك:شعر : وهَلْ أَفْسَدَ الدِّيْنَ إلا المُلوكُ وأحبارُ سوءٍ ورهبانُها تفسير : وأما الكنز، فقال مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر: هو المال الذي لا تؤدى زكاته، وروى الثوري وغيره عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: ما أُدِّي زكاته فليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وما كان ظاهراً لا تؤدى زكاته، فهو كنز، وقد روي هذا عن ابن عباس وجابر وأبي هريرة موقوفاً ومرفوعاً، وقال عمر بن الخطاب نحوه: أيما مال أديت زكاته، فليس بكنز، وإن كان مدفوناً في الأرض، وأيما مال لم تؤد زكاته، فهو كنز يكوى به صاحبه، وإن كان على وجه الأرض، وروى البخاري من حديث الزهري عن خالد بن أسلم قال: خرجنا مع عبد الله بن عمر فقال: هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت، جعلها الله طهرة للأموال، وكذا قال عمر بن عبد العزيز وعراك بن مالك: نسخها قوله تعالى: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً} تفسير : [التوبة: 103]. وقال سعيد بن محمد بن زياد عن أبي أمامة: أنه قال: حلية السيوف من الكنز. ما أحدثكم إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الثوري عن أبي حصين عن أبي الضحى عن جعدة بن هبيرة عن علي رضي الله عنه قال: أربعة آلاف فما دونها نفقة، فما كان أكثر من ذلك فهو كنز. وهذا غريب. وقد جاء في مدح التقلل من الذهب والفضة، وذم التكثر منهما أحاديث كثيرة. ولنورد منها هنا طرفاً يدل على الباقي. قال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري أخبرني أبو حصين عن أبي الضحى عن جعدة بن هبيرة عن علي رضي الله عنه في قوله: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ} الآية. قال النبي: «حديث : تباً للذهب، تباً للفضة» تفسير : يقولها ثلاثاً، قال: فشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: فأي مال نتخذ؟ فقال عمر رضي الله عنه: أنا أعلم لكم ذلك، فقال: يا رسول الله إن أصحابك قد شق عليهم، وقالوا: فأي المال نتخذ؟ قال: «حديث : لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وزوجة تعين أحدكم على دينه»تفسير : (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن عمرو بن مرة عن أبي محمد جعفر، حدثنا شعبة، حدثني سالم بن عبد الله، أخبرنا عبد الله بن أبي الهذيل، حدثني صاحب لي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تباً للذهب والفضة» تفسير : قال: وحدثني صاحبي: أنه انطلق مع عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله قولك: «تباً للذهب والفضة» ماذا ندخر؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وزوجة تعين على الآخرة»تفسير : (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا عبد الله بن عمرو بن مرة عن أبيه عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان قال: لما نزل في الذهب والفضة ما نزل، قالوا: فأي المال نتخذ؟ قال عمر: فأنا أعلم لكم ذلك، فأوضع على بعير، فأدركه، وأنا في أثره، فقال: يا رسول الله أي المال نتخذ؟ قال: «حديث : قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وزوجة تعين أحدكم على أمر الآخرة» تفسير : ورواه الترمذي وابن ماجه من غير وجه عن سالم بن أبي الجعد، وقال الترمذي: حسن، وحكي عن البخاري: أن سالماً لم يسمعه من ثوبان، قلت: ولهذا رواه بعضهم عنه مرسلاً، والله أعلم. (حديث آخر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حميد بن مالك، حدثنا يحيى بن يعلى المحاربي، حدثنا أبي، حدثنا غيلان بن جامع المحاربي عن عثمان أبي اليقظان عن جعفر بن أبي إياس عن مجاهد عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ} الآية، كبر ذلك على المسلمين، وقالوا: ما يستطيع أحد منا أن يترك لولده مالاً يبقى بعده، فقال عمر: أنا أفرج عنكم، فانطلق عمر، واتبعه ثوبان، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم» تفسير : قال: فكبر عمر، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته» تفسير : ورواه أبو داود، والحاكم في مستدركه، وابن مردويه، من حديث يحيى بن يعلى به، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: كان شداد بن أوس رضي الله عنه في سفر، فنزل منزلاً، فقال لغلامه: ائتنا بالشفرة نعبث بها، فأنكرت عليه، فقال: ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمها غير كلمتي هذه، فلا تحفظوها علي، واحفظوا ما أقول لكم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إذا كنز الناس الذهب والفضة، فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، وأسألك لساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب»تفسير : وقوله تعالى: { يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} أي: يقال لهم هذا الكلام تبكيتاً وتقريعاً وتهكماً؛ كما في قوله: {أية : ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ} تفسير : [الدخان:48-49] أي: هذا بذاك، وهذا الذي كنتم تكنزون لأنفسكم، ولهذا يقال: من أحب شيئاً، وقدمه على طاعة الله، عذب به، وهؤلاء لما كان جمع هذه الأموال آثر عندهم من رضا الله عنهم، عذبوا بها؛ كما كان أبو لهب لعنه الله جاهداً في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وامرأته تعينه في ذلك، كانت يوم القيامة عوناً على عذابه أيضاً، في جيدها، أي: عنقها حبل من مسد، أي: تجمع من الحطب في النار، وتلقي عليه؛ ليكون ذلك أبلغ في عذابه ممن هو أشفق عليه في الدنيا؛ كما أن هذه الأموال لما كانت أعز الأشياء على أربابها، كانت أضر الأشياء عليهم في الدار الآخرة، فيحمى عليها في نار جهنم، وناهيك بحرها، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. قال سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن عمرو بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود: والذي لا إله غيره لا يكوى عبد يكنز فيمس دينار ديناراً، ولا درهم درهماً، ولكن يوسع جلده، فيوضع كل دينار ودرهم على حدته، وقد رواه ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً، ولا يصح رفعه، والله أعلم. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: بلغني أن الكنز يتحول يوم القيامة شجاعاً يتبع صاحبه، وهو يفر منه، ويقول: أنا كنزك، لا يدرك منه شيئاً إلا أخذه. وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن ثوبان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : من ترك بعده كنزاً، مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان، يتبعه ويقول: ويلك ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذي تركته بعدك، ولا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها، ثم يتبعها سائر جسده» تفسير : ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث يزيد عن سعيد به، وأصل هذا الحديث في الصحيحين من رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفي صحيح مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله، إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار، فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار» تفسير : وذكر تمام الحديث. وقال البخاري في تفسير هذه الآية: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير عن حصين عن زيد بن وهب قال: مررت على أبي ذر بالربذة فقلت ما أنزلك بهذه الأرض؟. قال: كنا بالشام، فقرأت: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} فقال معاوية ما هذه فينا، ما هذه إلا في أهل الكتاب، قال: قلت: إنها لفينا وفيهم. ورواه ابن جرير من حديث عبثر بن القاسم عن حصين عن زيد بن وهب عن أبي ذر رضي الله عنه، فذكره، وزاد: فارتفع في ذلك بيني وبينه القول، فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إليّ عثمان أن أقبل إليه، قال: فأقبلت إليه، فلما قدمت المدينة، ركبني الناس كأنهم لم يروني قبل يومئذ، فشكوت ذلك إلى عثمان، فقال لي: تنح قريباً، قلت: والله لن أدع ما كنت أقول. (قلت) كان من مذهب أبي ذر رضي الله عنه تحريم ادخار ما زاد على نفقة العيال، وكان يفتي بذلك، ويحثهم عليه، ويأمرهم به، ويغلظ في خلافه، فنهاه معاوية فلم ينته، فخشي أن يضر الناس في هذا، فكتب يشكوه إلى أمير المؤمنين عثمان، وأن يأخذه إليه، فاستقدمه عثمان إلى المدينة، وأنزله بالرّبذة وحده، وبها مات رضي الله عنه في خلافة عثمان. وقد اختبره معاوية رضي الله عنه وهو عنده هل يوافق عمله قوله؟ فبعث إليه بألف دينار، ففرقها من يومه، ثم بعث إليه الذي أتاه بها، فقال: إن معاوية إنما بعثني إلى غيرك، فأخطأت، فهات الذهب، فقال: ويحك، إنها خرجت، ولكن إذا جاء مالي حاسبناك به. وهكذا روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أنها عامة. وقال السدي: هي في أهل القبلة. وقال الأحنف بن قيس: قدمت المدينة، فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش، إذ جاء رجل أخشن الثياب أخشن الجسد أخشن الوجه، فقام عليهم فقال: بشر الكنازين برضف يحمى عليه في نار جهنم، فيوضع على حَلْمَة ثدي أحدهم حتى يخرج من نُغْض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتزلزل. قال: فوضع القوم رؤوسهم، فما رأيت أحداً منهم رجع إليه شيئاً. قال: وأدبر، فاتبعته حتى جلس إلى سارية، فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم، فقال: إن هؤلاء لا يعلمون شيئاً. وفي الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: «حديث : ما يسرني أن عندي مثل أحد ذهباً يمر عليّ ثلاثة أيام، وعندي منه شيء، إلا دينار أرصده لدين» تفسير : فهذا والله أعلم هو الذي حدا بأبي ذر على القول بهذا. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة عن سعيد بن أبي الحسن عن عبد الله بن الصامت رضي الله عنه: أنه كان مع أبي ذر، فخرج عطاؤه، ومعه جارية، فجعلت تقضي حوائجه، ففضلت معها سبعة، فأمرها أن تشتري به فلوساً، قال: قلت: لو ادخرته لحاجة بيوتك، وللضيف ينزل بك، قال: إن خليلي عهد إليّ: أن أيما ذهب أو فضة أوكيء عليه، فهو جمر على صاحبه، حتى يفرغه في سبيل الله عز وجل. ورواه عن يزيد عن همام به، وزاد: إفراغاً. وقال الحافظ ابن عساكر بسنده إلى أبي بكر الشبلي في ترجمته عن محمد بن مهدي: حدثنا عمر بن أبي سلمة عن صدقة بن عبد الله عن طلحة بن زيد عن أبي فروة الرهاوي عن عطاء عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الق الله فقيراً، ولا تلقه غنياً» تفسير : قال: يا رسول الله كيف لي بذلك؟ قال: «حديث : ما سئلت فلا تمنع، وما رزقت فلا تَخْبَأْ» تفسير : قال: يا رسول الله كيف لي بذلك؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هو ذاك وإلا فالنار» تفسير : إسناده ضعيف. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا عيينة عن يزيد بن الصرم قال: سمعت علياً رضي الله عنه يقول: مات رجل من أهل الصفة، وترك دينارين أو درهمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كيتان، صلوا على صاحبكم» تفسير : وقد روي هذا من طرق أخر، وقال قتادة: عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة صدي بن عجلان قال: مات رجل من أهل الصفة، فوجد في مئزره دينار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كية»تفسير : ، ثم توفي رجل في مئزره ديناران، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كيتان»تفسير : . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم الفراديسي، حدثنا معاوية بن يحيى الاطرابلسي، حدثني أرطاة، حدثني أبو عامر الهوزني، سمعت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من رجل يموت وعنده أحمر أو أبيض، إلا جعل الله بكل قيراط صفحة من نار يكوى بها من قدمه إلى ذقنه» تفسير : وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمود بن خداش، حدثنا سيف بن محمد الثوري، حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يوضع الدينار على الدينار، ولا الدرهم على الدرهم، ولكن يوسع جلده، فيكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم؛ هذا ما كنزتم لأنفسكم، فذوقوا ما كنتم تكنزون» تفسير : سيف هذا كذاب متروك
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلْمُشْرِكُونَ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ } يأخذون {أَمْوٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَٰطِلِ } كالرشا في الحكم {وَيَصُدُّونَ } الناس {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } دينه {وَٱلَّذِينَ } مبتدأ {يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا } أي الكنوز {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي لا يؤدُّون منها حقه من الزكاة والخير {فَبَشِّرْهُم } أخبِرْهُم {بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } مؤلم.
الشوكاني
. تفسير : لما فرغ سبحانه من ذكر حال أتباع الأحبار والرهبان المتخذين لهم أرباباً ذكر حال المتبوعين فقال: {إِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلأَحْبَارِ } إلى آخره، ومعنى أكلهم لأموال الناس بالباطل: أنهم يأخذونها بالوجوه الباطلة كالرشوة، وأثبت هذا للكثير منهم؛ لأن فيهم من لم يلتبس بذلك، بل بقي على ما يوجبه دينه من غير تحريف ولا تبديل، ولا ميل إلى حطام الدنيا، ولقد اقتدى بهؤلاء الأحبار والرهبان من علماء الإسلام من لا يأتي عليه الحصر في كل زمان، فالله المستعان، قوله: {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي: عن الطريق إليه وهو دين الإسلام، أو عن ما كان حقاً في شريعتهم قبل نسخها بسبب أكلهم لأموال الناس بالباطل. قوله: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ } قيل: هم المتقدّم ذكرهم من الأحبار والرهبان، وإنهم كانوا يصنعون هذا الصنع. وقيل: هم من يفعل ذلك من المسلمين، والأولى حمل الآية على عموم اللفظ، فهو أوسع من ذلك، وأصل الكنز في اللغة: الضم والجمع، ولا يختص بالذهب والفضة. قال ابن جرير: الكنز كل شيء مجموع بعضه إلى بعض في بطن الأرض كان أو على ظهرها. انتهى. ومنه ناقة كناز: أي مكتنزة اللحم، واكتنز الشيء: اجتمع. واختلف أهل العلم في المال الذي أديت زكاته هل يسمى كنزاً أم لا؟ فقال قوم: هو كنز، وقال آخرون: ليس بكنز. ومن القائلين بالقول الأوّل: أبو ذر. وقيده بما فضل عن الحاجة. ومن القائلين بالقول الثاني: عمر بن الخطاب، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأبو هريرة، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم، وهو الحق لما سيأتي من الأدلة المصرحة بأن ما أديت زكاته فليس بكنز. قوله: {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } اختلف في وجه إفراد الضمير مع كون المذكور قبله شيئين، هما: الذهب والفضة، فقال ابن الأنباري: إنه قصد إلى الأعمّ الأغلب، وهو الفضة قال: ومثله قوله تعالى: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ }تفسير : [البقرة: 45] ردّ الكناية إلى الصلاة لأنها أعمّ، ومثله قوله: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا } تفسير : [الجمعة: 11] أعاد الضمير إلى التجارة؛ لأنها الأهمّ. وقيل: إن الضمير راجع إلى الذهب والفضة معطوفة عليه، والعرب تؤنث الذهب وتذكره. وقيل: إن الضمير راجع إلى الكنوز المدلول عليها بقوله: {يَكْنِزُونَ } وقيل: إلى الأموال. وقيل: للزكاة، وقيل: إنه اكتفى بضمير أحدهما عن ضمير الآخر مع فهم المعنى، وهو كثير في كلام العرب، وأنشد سيبويه:شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف تفسير : ولم يقل: راضون، ومثله قول الآخر:شعر : رماني بأمر كنت منه ووالدي برياً ومن أجل الطوى رماني تفسير : ولم يقل: بريين، ومثله قول حسان:شعر : إن شرخ الشباب والشعر الأسـ ـود ما لم يعاض كان جنونا تفسير : ولم يقل: يعاضا. وقيل: إن إفراد الضمير من باب الذهاب إلى المعنى دون اللفظ؛ لأن كل واحد من الذهب والفضة جملة وافية، وعدّة كثيرة، ودنانير ودراهم، فهو كقوله: {أية : وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ } تفسير : [الحجرات: 9]. وإنما خص الذهب والفضة بالذكر دون سائر الأموال لكونهما أثمان الأشياء. وغالب ما يكنز وإن كان غيرهما له حكمهما في تحريم الكنز، قوله: {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } هو خبر الموصول، وهو من باب التهكم بهم كما في قوله:تحية بينهم ضرب وجيع. وقيل: إن البشارة هي الخبر الذي يتغير له لون البشرة لتأثيره في القلب، سواء كان من الفرح أو من الغمّ. ومعنى {يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ } أن النار توقد عليها وهي ذات حمى وحرّ شديد. ولو قال يوم تحمي: أي الكنوز لم يعط هذا المعنى. فجعل الإحماء للنار مبالغة. ثم حذف النار وأسند الفعل إلى الجارّ، كما تقول رفعت القصة إلى الأمير، فإن لم تذكر القصة قلت رفع إلى الأمير، وقرأ ابن عامر «تحمى» بالمثناة الفوقية، وقرأ أبو حيوة «فيكوى» بالتحتية. وخص الجباه، والجنوب والظهور؛ لكون التألم بكيها أشدّ لما في داخلها من الأعضاء الشريفة. وقيل: ليكون الكيّ في الجهات الأربع: من قدّام، وخلف، وعن يمين، وعن يسار. وقيل: لأن الجمال: في الوجه، والقوّة: في الظهر والجنبين، والإنسان إنما يطلب المال للجمال والقوّة. وقيل غير ذلك مما لا يخلو عن تكلف. قوله: {هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنفُسِكُمْ } أي: يقال لهم هذا ما كنزتم لأنفسكم: أي كنزتموه لتنفتعوا به، فهذا نفعه على طريقة التهكم والتوبيخ {فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ } ما: مصدرية أو موصولة: أي ذوقوا وباله، وسوء عاقبته، وقبح مغبته، وشؤم فائدته. وقد أخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله: {إِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ } يعني: علماء اليهود والنصارى {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ } والباطل: كتب كتبوها لم ينزلها الله فأكلوا بها أموال الناس، وذلك قول الله تعالى: {أية : فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 79]. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ } قال: هؤلاء الذين لا يؤدّون الزكاة من أموالهم، وكل ما لا تؤدي زكاته كان على ظهر الأرض أو في بطنها فهو كنز، وكل مال أدّيت زكاته، فليس بكنز، كان على ظهر الأرض أو في بطنها. وأخرجه عنه ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وأبو الشيخ، من وجه آخر. وأخرج مالك، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عمر، نحوه. وأخرج ابن مردويه، عنه، نحوه مرفوعاً. وأخرج ابن عديّ، والخطيب عن جابر، نحوه مرفوعاً أيضاً. وأخرجه ابن أبي شيبة، عنه، موقوفاً. وأخرج أحمد في الزهد، والبخاري، وابن ماجه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عمر، في الآية قال: إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة جعلها الله طهرة للأموال، ثم قال: ما أبالي لو كان عندي مثل أحد ذهباً أعلم عدده وأزكيه، وأعمل فيه بطاعات الله؟ وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو الشيخ، عن عمر بن الخطاب قال: ليس بكنز ما أدّى زكاته. وأخرج ابن مردويه، والبيهقي عن أمّ سلمة، مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، في مسنده، وأبو داود، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ } كبر ذلك على المسلمين، وقالوا: ما يستطيع أحد منا لولده ما لا يبقى بعده، فقال عمر: أنا أفرج عنكم، فانطلق عمر واتبعه ثوبان فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبيّ الله، إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية، فقال: "حديث : إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم"تفسير : ، فكبر عمر، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرّته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته"تفسير : وقد أخرجه أحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، عن سالم بن أبي الجعد من غير وجه عن ثوبان. وحكى البخاري أن سالماً لم يسمعه من ثوبان. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ } قال: هم أهل الكتاب، وقال: هي خاصة وعامة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عليّ بن أبي طالب، قال: أربعة آلاف فما دونها نفقة وما فوقها كنز. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، عن أبي أمامة قال: حلية السيوف من الكنوز ما أحدّثكم إلا ما سمعت. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عراك بن مالك، وعمر بن عبد العزيز، أنهما قالا في قوله: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ } إنها نسختها الآية الأخرى: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً } تفسير : [التوبة: 103] الآية. وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا جعل لها يوم القيامة صفائح، ثم أحمى عليها في نار جهنم، ثم يكوى بها جنباه وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين الناس فيرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار»تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن زيد بن وهب، قال: مررت على أبي ذرّ بالربذة، فقلت: ما أنزلك بهذه الأرض؟ فقال: كنا بالشأم فقرأت {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ } الآية، فقال معاوية: ما هذه فينا، ما هذه إلا في أهل الكتاب، قلت: إنها لفينا وفيهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {يَآ أَيُّهَا الَّذِِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُون أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} الآية: في قولان: أحدهما: أنه أخذ الرشا في الحكم، قاله الحسن. والثاني: أنه على العموم من أخذه بكل وجه محرم. وإنما عبر عن الأخذ بالأكل لأن ما يأخذونه من هذه الأموال هي أثمان ما يأكلون، وقد يطلق على أثمان المأكول اسم الأكل، كما قال الشاعر: شعر : ذر الآكلين الماء فما أرى ينالون خيراً بعد أكلهم الماء تفسير : أي ثمن الماء. {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} يحتمل وجهين: أحدهما: أنه منعهم من الحق في الحكم بقبول الرشا. والثاني: أنه منعهم أهل دينهم من الدخول في الإسلام بإدخال الشبهة عليهم. {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} وفي هذا الكنز المستحق عليه هذا الوعيد ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الكنز كل مال وجبت فيه الزكاة فلم تؤدَّ زكاته، سواء كان مدفوناً أو غير مدفون، قاله ابن عمر والسدي والشافعي والطبري. والثاني: أن الكنز ما زاد على أربعة آلاف درهم، أديت منه الزكاة أم لم تؤد، قاله عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فقد قال: أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة، وما فوقها كنز. والثالث: أن الكنز ما فضل من المال عن الحاجة إليه، روى عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد قال: لما نزل قوله تعالى {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ...} الآية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : تبّاً لِلذَهَبِ وَالْفِضَّةِ" تفسير : قال: فشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: فأي المال نتخذ؟ فقال عمر ابن الخطاب: أنا أعلم لكم ذلك، فقال: يا رسول الله إن أصحابك قد شق عليهم وقالوا: فأي المال نتخذ؟ فقال: "حديث : لِسَاناً ذَاكِراً وَقَلْباً شَاكِراً وَزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى دِينِه". تفسير : وروى قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة صدي بن عجلان قال: مات رجل من أهل الصفّة فوجد في مئزرة دينار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : كَيَّةٌ" تفسير : ثم مات آخر فوجد في مئزره ديناران فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : كَيَّتَانِ " تفسير : والكنز في اللغة هو كل شيء مجموع بعضه إلى بعض سواء كان ظاهراً على الأرض أو مدفوناً فيها، ومنه كنز البُرّ، قال الشاعر: شعر : لا دَرَّ دري إن أطعمت نازلهم قِرف الحتى وعندي البُرّ مكنوز تفسير : الحتى: سَويق المقل. يعني وعندي البُرّ مجموع. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} فذكر جنسين ثم قال {وَلاَ يُنفِقُونَهَا} والهاء كناية ترجع إلى جنس واحد، ولم يقل: وَلاَ يُنفِقُونَهَما لترجع الكناية إليهما. فعن ذلك جوابان: أحدهما: أن الكناية راجعة إلى الكنوز، وتقديره: ولا ينفقون الكنوز في سبيل الله. والثاني: أنه قال ذلك اكتفاء بذكر أحدهما عن الآخر لدلالة الكلام على اشتراكهما فيه، كما قال تعالى {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً} تفسير : [الجمعة: 11] ولم يقل إليهما، وكقول الشاعر: شعر : إن شرخ الشباب والشعر الأسود ما لم يُعاص كان جنوناً تفسير : ولم يقل يعاصيا. ثم إن الله تعالى غلَّظ حال الوعيد بما ذكره بعد هذا من قوله: {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} وإنما غلظ بهذا الوعيد لما في طباع النفوس من الشح بالأموال ليسهل لهم تغليظ الوعيد إخراجها في الحقوق.
ابن عطية
تفسير : المراد بهذه الآية بيان نقائص المذكورين، ونهي المؤمنين عن تلك النقائص مترتب ضمن ذلك، واللام في {ليأكلون} لام التأكيد، وصورة هذا الأكل هي بأنهم يأخذون من أموال أتباعهم ضرائب وفروضاً باسم الكنائس والبيع وغير ذلك مما يوهمونهم أي النفقة فيه من الشرع والتزلف إلى الله، وهم خلال ذلك يحتجنون تلك الأموال كالذي ذكره سلمان في كتاب السير عن الراهب الذي استخرج كنزه، وقيل كانوا يأخذون منهم من غلاتهم وأموالهم ضرائب باسم حماية الدين والقيام بالشرع، وقيل كانوا يرتشون في الأحكام، ونحو ذلك. قال القاضي أبو محمد: وقوله تعالى {بالباطل}، يعم هذا كله، وقوله {يصدون}، الأشبه هنا أن يكون معدى أي يصدون غيرهم وهذا الترجيح إنما هو لنباهة منازلهم في قومهم و"صد" يستعمل واقفاً ومتجاوزاً، ومنه قول الشاعر [عمرو بن كلثوم]: [ الوافر] شعر : صددت الكأس عنا أم عمرو وكان الكأس مجراها اليمينا تفسير : و {سبيل الله } الإسلام وشريعة محمد عليه السلام، ويحتمل أن يريد ويصدون عن سبيل الله في أكلهم الأموال بالباطل، والأول أرجح، وقوله {والذين} ابتداء وخبره {فبشرهم}، ويجوز أن يكون {والذين} معطوفاً عل الضمير في قوله {يأكلون } على نظر في ذلك، لأن الضمير لم يؤكد، وأسند أبو حاتم إلى علباء بن أحمد أنه قال: لما أمر عثمان بكتب المصحف أراد أن ينقص الواو في قوله {والذين يكنزون } فأبى ذلك أبي بن كعب وقال لتلحقنها أو لأضعن سيفي على عاتقي فألحقها. قال القاضي أبو محمد : وعلى إرادة عثمان يجري قول معاوية، إن الآية في أهل الكتاب وخالفه أبو ذر فقال: بل هي فينا، فشكاه إلى عثمان فاستدعاه من الشام ثم خرج إلى الربذة، والذي يظهر من الألفاظ أنه لما ذكر نقص الأحبار والرهبان الآكلين المال بالباطل ذكر بعد ذلك بقول عامر نقص الكافرين المانعين حق المال، وقرأ طلحة بن مصرف "الذين يكنزون" بغير واو، و {يكنزون} معناه يجمعون ويحفظون في الأوعية، ومنه قول المنخل الهذلي: [ البسيط ] شعر : لا در دري إن أطعمت نازلهم قرْف الحتيِّ وعندي البر مكنوز تفسير : أي محفوظ في أوعيته، وليس من شروط الكنز الدفن لكن كثر في حفظه المال أن يدفنوه حتى تورق في المدفون اسم الكنز، ومن اللفظة قولهم رجل مكتنز الخلق أي مجتمع، ومنه قول الراجز: [الرجز] شعر : على شديد لحمه كناز بات ينزيني على أوفاز تفسير : والتوعد في الكنز إنما وقع على منع الحقوق منه، ولذلك قال كثير من العلماء: الكنز هو المال الذي لا تؤدى زكاته وإن كان على وجه الأرض، وأما المدفون إذا خرجت زكاته فليس بكنز كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كل ما أديت زكاته فليس بكنز" تفسير : وهذه الألفاظ مشهورة عن ابن عمر وروي هذا القول عن عكرمة والشعبي والسدي ومالك وجمهور أهل العلم، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة وما زاد عليها فهو كنز وإن أديت زكاته، وقال أبو ذر وجماعة معه: ما فضل من مال الرجل عن حاجة نفسه فهو كنز، وهذان القولان يقتضيان أن الذم في حبس المال لا في منع زكاته فقط، ولكن قال عمر بن عبد العزيز: هي منسوخة بقوله {أية : خذ من أموالهم صدقة} تفسير : [التوبة:103] فأتى فرض الزكاة على هذا كله. قال القاضي أبو محمد : كان مضمن الآية لا تجمعوا مالاً فتعذبوا فنسخه التقرير الذي في قوله {أية : خذ من أموالهم} تفسير : [التوبة: 103] والضمير في قوله {ينفقونها } يجوز أن يعود على الأموال والكنوز التي يتضمنها المعنى، ويجوز أن يعود على الذهب والفضة هما أنواع، وقيل عاد على الفضة واكتفي بضمير الواحد عن الضمير الآخر إذا فهمه المعنى وهذا نحو قول الشاعر [قيس بن الخطيم]: [المنسرح] شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عنـ ـدك راضٍ والرأي مختلفُ تفسير : ونحن قول حسان: [الخفيف] شعر : إنّ شرَخ الشباب والشّعَر الأسـ ـود ما لم يعاص كان جنونا تفسير : وسيبويه يكره هذا في الكلام، وقد شبه كثير من المفسرين هذه الآية بقوله تعالى: {أية : وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها} تفسير : [الجمعة:11] وهي لا تشبهها، لأن "أو " قد فصلت التجارة عن اللهو وحسنت عود الضمير على أحدهما دون الآخر، والذهب تؤنث وتذكر والتأنيث أشهر، وروي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا قد ذم الله كسب الذهب والفضة، فلو علمنا أي المال خير حتى نكسبه، فقال عمر: أنا أسأل لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فسأله، فقال "حديث : لسان ذاكر وقلب شاكر وزوجة تعين المؤمن على دينه" تفسير : . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت الآية "حديث : تباً للذهب تباً للفضة" تفسير : ، فحينئذ أشفق أصحابه وقالوا ما تقدم، والفاء في قوله {فبشرهم} ،جواب كما في قوله {والذين } من معنى الشرط، وجاءت البشارة مع العذاب لما وقع التصريح بالعذاب وذلك أن البشارة تقيد بالخير والشر فإذا أطلقت لم تحمل إلا على الخير فقط، وقيل بل هي أبداً للخير فمتى قيدت بشر فإنما المعنى أقم لهم مقام البشارة عذاباً أليماً، وهذا نحو قول الشاعر [عمرو بن معديكرب]: [الوافر] شعر : وخيل قد دلفت لها بخيلٍ تحيةَ بيْنِهمْ ضرْبٌ وجيــعُ تفسير : وقوله تعالى {يوم يحمى عليها } الآية: {يوم} ظرف والعامل فيه {أليم} وقرأ جمهور الناس " يحمى " بالياء بمعنى يحمى الوقود، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "تحمى " بالتاء من فوق بمعنى تحمى النار والضمير في عليها عائد على الكنوز أو الأموال حسبما تقدم، وقرأ قوم "جباهم" بالإدغام وأشموها الضم حكاه أبو حاتم، وردت أحاديث كثيرة في معنى هذه الآية من الوعيد لكنها مفسرة في منع الزكاة فقط لا في كسب المال الحلال وحفظه، ويؤيد ذلك حال أصحابه وأموالهم رضي الله عنهم، فمن تلك الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ترك بعده كنزاً لم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع" تفسير : الحديث. وأسند الطبري قال كان نعل سيف أبي هريرة من فضة فنهاه أبو ذر، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها تفسير : ، وأسند إلى أبي أمامة الباهلي قال:حديث : مات رجل من أهل الصفة فوجد في برده دينار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كية ثم مات آخر فوجد له ديناران فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيتان . تفسير : قال القاضي أبو محمد: وهذا إما لأنهما كانا يعيشان من الصدقات وعندهما التبر وإما لأن هذا كان في صدر الإسلام، ثم قرر الشرع ضبط المال وأداء حقه، ولو كان ضبط المال ممنوعاً لكان حقه أن يخرج كله لا زكاته فقط، وليس في الأمة من يلزم هذا، وقوله {هذا ما كنزتم } إشارة إلى المال الذي كوي به، ويحتمل أن تكون إلى الفعل النازل بهم، أي هذا جزاء ما كنزتم، وقال ابن مسعود: والله لا يمس دينار ديناراً بل يمد الجلد حتى يكوى بكل دينار وبكل درهم، وقال الأحنف بن قيس: دخلت مسجد المدينة وإذا رجل خشن الهيئة رثها يطوف في الحلق وهو يقول: بشر أصحاب الكنوز بكي في جباهم وجنوبهم وظهورهم، ثم انطلق يتذمر وهو يقول وما عسى تصنع في قريش.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِالْبَاطِلِ} جميع الوجوه المحرمة، أو الرِّشا في الحكم. {يَكْنِزُونَ} الكنز الذي توعد عليه كل ما لم تؤدَّ زكاته مدفوناً أو غير مدفون، أو ما زاد على أربعة آلاف درهم أُديت زكاته أو لم تؤدَّ، والأربعة آلاف فما دونها ليست بكنز، قاله علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ، أو ما فضل من المال عن الحاجة، وحديث : لما نزلت قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "تباً للذهب والفضة" فقال له عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ: إن أصحابك قد شق عليهم وقالوا فأي المال نتخذ، فقال: "لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً، وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه"" تفسير : وحديث : مات رجل من أهل الصُّفة فوجد في مئزره دينار، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "كَيَّة" ومات آخر فوجد في مئزره ديناران، فقال "كيَّتان" "تفسير : . والكنز في اللغة كل مجموع بعضه إلى بعض ظاهراً كان أو مدفوناً، ومنه كنز التمر. {وَلا يُنفِقُونَهَا} الكنوز، أو الفضة اكتفى بذكر أحدهما، قال: شعر : إن شرخ الشباب والشعر الأسود ما لم يُعَاصَ كان جنونا تفسير : ولم يقل: يعاصيا.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان} قد تقدم معنى الأحبار والرهبان وإن الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى وفي قوله سبحانه وتعالى: {إن كثيراً} دليل على ان الأقل من الأحبار والرهبان لم يأكلوا أموال الناس بالباطل ولعلهم الذين كانوا قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم وعبر عن أخذ الأموال بالأكل في قوله تعالى: {ليأكلون أموال الناس بالباطل} لأن المقصود الأعظم من جمع المال الأكل فسمى الشيء باسم ما هو أعظم مقاصد واختلفوا في السبب الذي من أجله أكلوا أموال الناس بالباطل فقيل إنهم كانوا يأخذون الرشا من سفلتهم في تخفيف الشرائع والمسامحة في الأحكام وقيل إنهم كانوا يكتبون بأيديهم كتباً يحرفونها ويبدلونها ويقولون هذه من عند الله ويأخذون بها ثمناً قليلاً وهي المآكل التي كانوا يصيبونها من سفلتهم على تغيير نعت النبي صلى الله عليه وسلم وصفته في كتبه لأنهم كانوا يخافون لو آمنوا به وصدقوه لذهب عنهم تلك المآكل وقيل إن التوراة كانت مشتملة على آيات دالة على نعت النبي صلى الله عليه وسلم وكان الأحبار والرهبان يذكرون في تأويلها وجوهاً فاسدة باطلة ويحرفون معانيها طلباً للرياسة وأخذ الأموال ومنع الناس عن الإيمان به وذلك قوله تعالى: {ويصدون عن سبيل الله} يعني ويمنعون الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والدخول في دين الإسلام {والذين يكنزون الذهب والفضة} أصل الكنز في اللغة جعل المال بعضه على بعض وحفظه ومال مكنوز مجموع واختلفوا في المراد بهؤلاء الذين ذمهم الله بسبب كنز الذهب والفضة فقيل هم أهل الكتاب. قال معاوية بن أبي سفيان: لأن الله سبحانه وتعالى وصفهم بالحرص الشديد على أخذ أموال الناس بالباطل ثم وصفهم بالبخل الشديد وهو جمع المال ومنع إخراج الحقوق الواجبة منه. وقال ابن عباس: نزلت في مانعي الزكاة من المسلمين وذلك أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر قبح طريقة الأحبار والرهبان في الحرص على أخذ الأموال بالباطل حذر المسلمين من ذلك وذكر وعيد من جمع المال ومنع حقوق الله منه. وقال أبو ذر: نزلت في أهل الكتاب وفي المسلمين. ووجه هذا القول أن الله سبحانه وتعالى وصف أهل الكتاب بالحرص على أخذ أموال الناس بالباطل ثم ذكر بعده وعيد من جمع المال ومنع الحقوق الواجبة فيه سواء كان من أهل الكتاب أو من المسلمين (خ) عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا بأبي ذر فقلت: ما أنزلك هذا المنزل؟ قال: كنت في الشأم فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب. فقلت: نزلت فينا وفيهم فكان بيني وبينه في ذلك كلام فكتب إلى عثمان يشكوني فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة فقدمتها فكثر عليّ الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك فذكرت ذلك لعثمان فقال إن شئت تنحيت فكنت قريباً فذاك الذي أنزلني هذا المنزل ولو أمر على عبد حبشي لسمعت وأطعت واختلف العلماء في معنى الكنز فقيل هو كل مال وجبت فيه الزكاة فلم تؤد زكاته وروي عن ابن عمر: أنه قال له أعرابي أخبرني عن قول الله عز وجل: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} قال ابن عمر من كنزها فلم يؤد زكاتها ويل له هذا كان قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت جعلها الله طهراً للأموال. أخرجه البخاري. وفي رواية مالك عن عبد الله بن دينار قال: سمعت عبد الله بن عمر وهو يسأل عن الكنز ما هو فقال: هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة ورواه الطبري بسنده عن ابن عمر قال: كل مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفوناً وكل مال لم تؤد زكاته فهو الكنز الذي ذكره الله في القرآن يكوى به صاحبه وإن لم يكن مدفوناً. وروي عن علي ابن أبي طالب قال: أربعة آلاف فما فوقها كنز وما دونها نفقة. وقيل: الكنز كل ما فضل من المال عن حاجة صاحبه إليه. وروي الطبري بسنده عن أبي أمامة قال: حديث : توفي رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار فقال النبي صلى الله عليه وسلم كية ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال النبي صلى الله عليه وسلم كيتان تفسير : كان هذا في أول الإسلام قبل أن تفرض الزكاة فكان يجب على كل من فضل معه شيء من المال إخراجه لاحتياج غيره إليه فلما فرضت الزكاة نسخ ذلك الحكم. عن ابن عباس قال: "لما نزلت هذه الآية: والذين يكنزون الذهب والفضة، كبر على المسلمين فقال عمر: أنا أفرج عنكم. فانطلق فقال: يا نبي الله إنه كبر على أصحابك هذه الآية. فقال:"حديث : إن الله لم يفرض الزكاة إلا لتطييب ما بقي من أموالكم وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم. قال: فكبر عمر ثم قال له: ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته " تفسير : أخرجه أبو داود حديث : عن ثوبان قال "لما نزلت والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فقال بعض أصحابه أنزلت في الذهب والفضة فلو علمنا أي المال خيراً اتخذناه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضله لسان ذاكر وقلب شاكر وزوجة صالحة تعين المؤمن على إيمانه" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن والصحيح من هذه الأقوال القول الأول وهو ما ذكرنا عن ابن عمر أن كل مال أديت زكاته فليس بكنز ولا يحرم على صاحبه اكتنازه وإن كثر وإن كان كل مال لم تؤد زكاته فصاحبه معاقب عليه وإن قل إذا كان مما تجب فيه الزكاة ويستحق على منع الزكاة والوعيد من الله إلا أن يتفضل الله عز وجل عليه بعفوه وغفرانه ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمى عليها في نار جهنم فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره كلما ردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقتضي بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" قيل يا رسول الله فالإبل قال: "ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها ومن حقها حلبها يوم ورودها إلا إذا كان يوم القيامة بطح له بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلاً واحداً تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار "قيل يا رسول الله فالبقر والغنم قال "ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئاً ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا غضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النارتفسير : . أخرجه مسلم بزيادة فيه قوله كلما ردت أعيدت له هكذا هو في بعض نسخ صحيح مسلم ردت بضم الراء وفي بعضها بردت بالباء وهذا هو الصواب والرواية الأولى هي رواية الجمهور قوله حلبها هو بفتح اللام على المشهور وحكى إسكانها وهو ضعيف قوله بقاع قرقر هو المستوى من الأرض الواسع الأملس والعقصاء هي الشابة الملتوية القرنين وإنما استثناها لأنها لا تؤلم بنطحها وكذا الجلحاء وهي الشاة التي لا قن لها وكذا العضباء وهي الشاة المكسورة القرن (خ) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من أتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له ماله شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا قوله سبحانه وتعالى {ولا تحسبن الذين يبخلون بما أتاهم الله من فضله هو خيراً لهم}"تفسير : الآية الشجاع الحية والأقرع صفة له بطول العمر لأن مَن طال عمره تمزق شعره وذهب وهي صفة أخبث الحيات والزبيبتان هما الزبدتان في الشدقين واللهزمتان عظمان ناتئان في اللحيين تحت الأذنين. وقوله تعالى: {ولا ينفقونها في سبيل الله} يعني ولا يؤدون زكاتها وإنما قال ولا ينفقونها ولم يقل ينفقونهما لأنه رد الكناية إلى المال المكنوز وهي أعيان الذهب والفضة وقيل رد الكناية إلى الفضة لأنها أغلب أموال الناس {فبشرهم بعذاب أليم} يعني الكافرين الذين لا يؤدون زكاة أموالهم (ق). حديث : عن أبي ذر قال: "انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال: "هم الأخسرون ورب الكعبة" قال فجئت حتى جلست فلم أتقار حتى قمت فقلت يا رسول الله فداك أبي وأمي من هم؟ قال: "هم الأكثرون أموالاً إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا من بين يده ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضي بين الناس" تفسير : هذا لفظ مسلم وفرقه البخاري في موضعين.
الثعالبي
تفسير : وقوله عز وجل: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ }، المراد بهذه الآية: بيانُ نقائصِ المذكورين، ونَهْيُ المؤمنين عن تلك النقائصِ مترتِّب ضِمْنَ ذلك، واللام في {لَيَأْكُلُونَ}: لامُ التوكيدِ، وصورةُ هذا الأكْلِ هي بأنهم يأخذونَ من أموال أتباعهم ضرائِبَ وفُرُوضاً بٱسم الكنائسِ والبِيَعِ وغَيْرِ ذلك ممَّا يوهمونهم أنَّ النفقة فيه مِنَ الشَّرْعَ والتَقرُّب إِلى اللَّهَ، وهم خلاَلَ ذلك يحتجنون تلك الأموالَ، كالذي ذكره سليمان في كتاب «السير»، عن الراهِبِ الذي ٱسْتَخْرَجَ كَنْزَهُ. وقوله سبحانه: {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ }، أي: عن شريعة الإِسلام والإيمان بنبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم. وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ } ابتداءٌ، وخبره {فَبَشِّرْهُم} والذي يظهر من ألفاظ الآية: أنه لما ذَكَر نَقْصَ الأحبار والرهبانِ الآكلين للمَالِ بالباطل، ذَكَرَ بعد ذلك بقَوْلٍ عامٍّ نَقْصَ الكانزين المانعين حقَّ المال، وقرأ طلحةُ بْنُ مُصَرِّف: «الَّذِينَ يَكْنِزُونَ» بغير واو،؛ وعلى هذه القراءة يجري قولُ معاوِيَةَ: أنَّ الآية في أهْل الكتَاب، وخالفه أبو ذَرٍّ، فقال: بل هِيَ فينا. و{يَكْنِزُونَ }: معناه: يجمعون ويحفظون في الأَوعية، وليس مِنْ شرط الكَنْز: الدفْنُ، والتوعُّد في الكنز، إِنما وقع عَلَى منع الحقوق منه، وعلى هذا كثيرٌ من العلماء، وقال عليٌّ رضي اللَّه عنه: أربعةُ آلاف دِرْهَمٍ فما دُونَهَا نفقةٌ، وما زاد علَيْهَا فهو كَنْز، وإِن أَدَّيْتُ زَكَاتَهُ. وقال أبو ذَرٍّ وجماعةٌ معه: ما فَضَلَ مِنْ مالِ الرَّجُل على حاجةِ نَفْسِه، فهو كَنْز، وهذان القولان يقتضيان أنَّ الذمَّ في حبس المال، لا في منع زكاته فقطْ. * ت *: وحدَّث أبو بَكْرِ بْنُ الخَطِيبِ بسنده، عن عليِّ بن أبي طالب، وابنِ عُمَرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: « حديث : إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ للفُقَرَاءِ في أَمْوَالِ الأَغْنِيَاءِ قَدْرَ مَا يَسَعُهُمْ، فَإِنْ مَنَعُوهُمْ حَتَّى يَجُوعُوا وَيَعْرَوْا وَيَجْهَدُوا، حَاسَبَهُمُ اللَّهُ حِسَاباً شَدِيداً، وعَذَّبَهُمْ عَذَاباً نُكْراً » تفسير : انتهى. وقوله سبحانه: {فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ...} الآية: قال ابنُ مَسْعود: واللَّه، لاَ يَمَسُّ دينارٌ ديناراً، بل يُمَدُّ الجلدُ حتى يكوَى بكلِّ دينار، وبكلِّ درهم قال الفخر: قال أبو بكر الوَرَّاقُ: وخُصَّتْ هذه المواضعُ بالذكْرِ؛ لأن صاحِب المال، إِذا رأى الفقيرَ، قَبَضَ جبينه، وإِذا جلَس إِلى جَنْبه، تباعد عَنْه، وولاَّه ظَهْره. انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ} الآية. لمَّا وصف اليهود والنصارى بالتكبّرِ وادعاءِ الربوبية، وصفهم في هذه الآية بالطَّمع والحرص على أخذ أموالِ الناس بالباطل. فقوله: "كثيراً" يدلُّ على أنَّ هذه طريقة بعضهم، لا طريقة الكل، فإنَّ العالم لا يخلو عن الحق، وإطباق الكُل على الباطل، كالممتنع، وهذا يدلُّ على أنَّ إجماع هذه الأمة على الباطل، لا يحصلُ؛ فكذلك في سائر الأمم، وعبَّر عن أخذ الأموال بـ "الأكلِ"؛ إمَّا لأنَّ المقصود الأعظم من جمع الأموال الأكل، فسمى الشيء باسم ما هو أعظم مقاصده، وإمَّا لأنَّ من أكل شيئاً، فقد ضمَّه إلى نفسه، ومنع غيره من الوصول إليه؛ وإمَّا لأنَّ من أخذ أموال الناس، إذا طولب بردّها، قال: أكلتها، فلهذه الوجوه سمى الأخذ بالأكل. واختلفوا في تفسير هذا "الباطل". فقيل: كانوا يأخذون الرشا في تخفيف الأحكام، والمسامحة في الشرائع، وقيل: كانوا يدَّعُون عند العوام منهم، أنَّه لا سبيل إلى الفوز بمرضاة الله تعالى إلاَّ بخدمتهم وطاعتهم، وبذل الأموال في مرضاتهم، والعوامُ كانوا يغْتَرُّونَ بتلك الأكاذيب، وقيل: كانوا يُغَيِّرُونَ الآيات الدَّالة على مبعث محمد - عليه الصلاة والسلام -، وعلى صدقه، ويذكرون في تأويلها وجوهاً فاسدةً، ويُطَيِّبُون قلوب عوامهم بهذا السَّبب، ويأخذون الرشوة عليهم، وقيل: كانوا يُحرِّفُون كتاب الله، ويكتبون كتباً ويقولون هذه من عند الله، ويأخذون بها ثمناً قليلاً من سفلتهم. قوله "وَيَصُدُّونَ" يحتمل أن يكون متعدياً، أي: يصدُّون النَّاسَ، وأن يكون قاصراً، كذا قال أبو حيان، وفيه نظرٌ؛ لأنَّه متعدٍّ فقط، وإنَّما يحذف مفعوله، ويراد، أو لا يُراد، كقوله {أية : كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ}تفسير : [البقرة:60]. قوله {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ} الجمهورُ على قراءته بالواو، وفيها تأويلان: أحدهما: أنَّها استئنافيةٌ، و "الذينَ" مبتدأ ضُمِّنَ معنى الشرط، ولذلك دخلت الفاءُ في خبره. الثاني: أنَّه من أوصافِ الكثير من الأحبارِ والرُّهبان، وهو قول عثمان ومعاوية. قال زيدُ بنُ وهبٍ: مررتُ بأبي ذر بالربذة، فقلت: يا أبا ذرّ ما أنزلك هذه البلاد؟ فقال: كنت بالشام، فقرأت: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ} فقال معاويةُ: هذه الآية في أهل الكتابِ، فقلتُ: إنها فيهم وفينا، فصار ذلك سبباً للوحشة بين وبينه، فكتب إليَّ عثمان أن أقبل إليَّ، فلمّا قدمت المدينة انحرف النَّاس عنِّي؛ كأنهم لم يَرَوْنِي من قبل، فشكوت ذلك إلى عثمان، فقال لي: تنح قريباً، فقلت: والله إنّي لم أدع ما كنت أقول. ويجوزُ أن يكون "الَّذينَ" منصوباً بفعلٍ مقدرٍ، يُفسِّره، "فَبشِّرهُم" وهو أرجحُ، لمكان الأمر. وقرأ طلحة بن مصرف "الَّذينَ" بغير واو، وهي تحتملُ الوجهين المتقدمين، ولكنَّ كونها من أوصافِ الكثير من الأحبار والرُّهبان أظهر من الاستئناف، عكس التي بالواو. و "الكَنْزُ" الجمعُ والضَّم، ومنه: ناقة كناز، أي: منضمَّة الخَلْق. ولا يختص بالذهب والفضة، بل يقال في غيرهما، وإن غلب عليهما؛ قال: [البسيط] شعر : 2777- لا دَرَّ دَرِّيَ إنْ أطعَمْتُ جَائِعَهُمْ قِرْفَ الحَتِيِّ وعِنْدِي البُرُّ مَكْنُوزُ تفسير : وقال آخر: [الرجز] شعر : 2778- على شَديدٍ لحمُهُ كِنَاز بَاتَ يُنَزِّينِي على أوفَازِ تفسير : قوله: "وَلاَ يُنفِقُونهَا" تقدَّم شيئان وعاد الضمير مفرداً، فقيل: إنه من باب ما حذف، لدلالة الكلام عليه، والتقدير: والذين يكنزون الذهب ولا ينفقونه. وقيل: يعود على المكنوزات، ودلَّ على هذا جُزْؤه المذكورُ؛ لأنَّ المكنوزَ أعمُّ من النقدين وغيرهما، فلمَّا ذكر الجزءَ دلَّ على الكُل، فعاد الضميرُ جمعاً بهذا الاعتبار؛ ونظيره قول الآخر: [الطويل] شعر : 2779- ولَوْ حَلفَتْ بَيْنَ الصَّفَا أمُّ عَامِرٍ ومَرْوَتِهَا باللهِ بَرَّتْ يَمينَهَا تفسير : أي: ومروة مكة، عاد الضميرُ عليها لمَّا ذُكِر جزؤها، وهو الصَّفا، كذا استدل به ابن مالك، وفيه احتمالٌ، وهو أن يكون الضميرُ عائداً على "الصَّفا"، وأنَّثَ حملاً على المعنى، إذْ هو في معنى البقعة والحدبة. وقيل: الضميرُ يعودُ على الذهب؛ لأنَّ تأنيثه أشهر، ويكون قد حذف بعد الفضة أيضاً. وقيل: إنَّ كلَّ واحد منهما جملة وافية، دنانير ودراهم، فهو كقوله: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ}تفسير : [الحجرات:9]. وقيل: التقدير: ولا ينفقون الكنوز. وقال الزجاجُ: "ولا ينفقون تلك الأموال" وقيل: يعودُ على الزَّكاة. وقال القرطبيُّ "قال ابنُ الأنباريّ: قصد الأغلب والأعم وهي الفضة، ومثله قوله: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ}تفسير : [البقرة:45]. ردَّ الكناية إلى الصلاة؛ لأنَّها أعم، ومثله: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا}تفسير : [الجمعة:11] فأعاد الهاء إلى التجارة؛ لأنها الأهم". وردَّ هذا بعضهم، قال: ليس هذا نظيره؛ لأنَّ "أو" فصلت التجارة عن اللَّهْو، فحسن عود الضمير على أحدهما". وإنَّما خصَّ الذهبَ والفضة بالذِّكر من بين سائر الأموالِ؛ لأنهما الأصل المعتبر في الأموال، وهما اللذان يقصدان بالكنز، ثم قال: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي: فأخبرهم على سبيل التَّهكم لأنَّ الذين يكنزون الذَّهب والفضة، إنَّما يكنزوهما، ليتوسَّلوا بهما إلى تحصيل الفرج يوم الحاجة فقيل: هذا يوم الفرج، كما يقال: تحيتهم ليس إلاَّ الضرب، وإكرامهم ليس إلا الشتم وأيضاً: فالبشارةُ: عبارة عن الخيرِ الذي يؤثر في القلبِ؛ فيتغير بسببه لون بشرة الوجهِ وهذا يتناول ما إذا تغيَّرت البشرة بسبب الفرح أو بالغم. قوله: "يَوْمَ يُحْمَىٰ" منصوبٌ بقوله: "بِعَذَابٍ أَلِيمٍ". وقيل: بمحذوفٍ يدلُّ عليه "عذاب" أي: يُعذَّبُون يوم يُحْمَى، وقيل: هو منصوبٌ بـ "أليم". وقيل: الأصلُ: عذاب يوم، و "عذاب" بدل من "عذاب" الأوَّلُ، فلمَّا حذف المضافُ أقيم المضافُ إليه مُقامه. وقيل: منصوبٌ بقولٍ مضمر، وسيأتي بيانه. و "يُحْمَىٰ" يجوزُ أن يكون من "حَمَيُتْ أوْ أحْمَيْتُ ثلاثياً ورباعياً، يقالُ: حَمَيْتُ الحديدة، وأحميتُهَا، أي: أوْقَدْتُ عليها، لِتَحْمَى، والفاعلُ المحذوفُ هو "النَّارُ" تقديره: يوم تُحْمَى النارُ عليها، فلما حذف الفاعل، ذهب علامةُ التأنيث، لذهابه كقولك: رُفِعَت القضية إلى الأمير، ثم تقول: رُفع إلى الأمير. وقيل: لأنَّ تأنيثَ "النَّار" مجازي، والفعل غيرُ مسند في الظَّاهر إليه، بل إلى قوله "عَلَيْهَا" فلهذا حسن التَّذكير والتأنيث. وقيل: المعنى: يُحْمَى الوقود. وقرأ الحسنُ "تُحْمَى" بالتَّاءِ من فوق، أي: النَّار، وهي تؤيد التأويل الأوَّل. وقرأ أبو حيوة "يُكْوى" بالياء من تحت؛ لأنَّ تأنيث الفاعل مجازيٌّ. وقرأ الجمهور: "جِباهُهُم" بالإظهارِ وقرأ أبو عمرو في بعض طرقه بالإدغام، كما أدغم {أية : سَلَكَكُمْ}تفسير : [المدثر:42]، و {أية : مَّنَاسِكَكُمْ}تفسير : [البقرة:200]، ومثل "جِباهُهم"، {أية : وُجُوهُهُمْ}تفسير : [آل عمران:106]، والمشهور الإظهار. قوله: {هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ} معمولٌ لقولٍ محذوف أي: يقال لهم ذلك يوم يحمى. وقوله: {مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} أي: جزاء ما كنتم؛ لأنَّ المكنوز لا يُذاق و "ما" يجوزُ أن تكون بمعنى "الذي"، فالعائدُ محذوفٌ، وأن تكون مصدرية. وقرىء "تَكْنُزُون" بضم عين المضارع، وهما لغتان، يقال: كَنَزَ يَكْنِزُ، ويَكْنُزُ، كـ: يقتل. فصل أصل الكنز في كلام العرب: الجمع، وكل شيء جمع بعضه إلى بعض فهو مكنوز. واختلف علماءُ الصحابة في المرادِ بهذا الكَنْزِ المذموم، فقال الأكثرون: هو المالُ الذي لم تؤد زكاته، قال عمرُ بنُ الخطَّابِ: "ما أدِّي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكلُّ ما لم تؤد زكاتُه فهو كنز وإن كان فوق الأرضين". وقال ابنُ عبَّاسٍ في قوله: {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} يريد: الذين لا يؤدُّون زكاة أموالهم. وروى أبُو هريرة قال: قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا مِنْ صاحبِ ذهَبٍ ولا فضَّةٍ لا يُؤدِّي منْهَا حقَّها إلاَّ إذا كانَ يَوْمُ القيامةِ صُفِّحَتْ لهُ صَفَائِحُ من نارٍ فأحْمِيَ عليْها في نَارِ جهنَّم فيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وجَبِينُهُ وظهرُه كُلَّما بَردتْ أعيدتْ لهُ في يوْمٍ كان مقدارُهُ خَمسينَ ألفَ سنةٍ حتَّى يُقْضَى بيْنَ العبادِ فَيَرَى سبيلهُ إمَّا إلى الجنَّةِ وإمَّا إلى النَّارِ ". تفسير : قال القاضي "تخصيص هذا المعنى بمنع الزَّكاة لا سبيل إليه، بل الواجب أن يقال: الكنزُ: هو المال الذي ما أخرج عنه ما وجب إخراجه، ولا فرق بين الزكاة وبين ما يجب من الكفارات، وبين ما يلزم من نفقة الحج أو الجمعة، وبين ما يجبُ إخراجه في الديون والحقوق، والإنفاق على الأهل والعيال، وضمان المتلفات، وأروش الجنايات؛ فيجب دخول كل هذه الأقسام في هذا الوعيد". وروي عن علي بن أبي طالب أنَّه قال: كل مال زاد على أربعة آلاف درهم؛ فهو كنز، أدِّيتْ منه الزكاة أو لم تُؤدَّ، وما دونها نفقة. وروي عن أبي ذرٍّ أنَّهُ كان يقولُ: "مَنْ ترك بيضاء أو حمراء كُوي بها يوم القيامةِ" وقيل: ما فضل عن الحاجةِ كنز، لما روى أبو أمامة قال: "حديث : مات رجلٌ من أهل الصفة فوجدَ في مئزَرِهِ دينارٌ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: كَيَّةٌ، ثم توفي آخر فوجدَ في مِئْزره ديناران، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كَيتانِ"تفسير : . والقولُ الأول أصح، لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : نِعمَ المالُ الصَّالح للرجلِ الصَّالحِ" تفسير : وقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : ما أدي زكاتُهُ فليْسَ بِكَنْزٍ" تفسير : وروى مجاهد عن ابن عبَّاسٍ قال: لمَّا نزلت هذه الآيةُ كبر ذلك على المسلمين، وقالوا: ما يستطيعُ أحد منَّا أن يدع لولده شيئاً، فذكر ذلك عمر للرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "حديث : إنَّ الله لمْ يفْرضِ الزَّكاةَ إلاَّ ليطيِّبَ بها ما بقي من أموالكُم" تفسير : وسئل ابنُ عمر عن هذه الآية فقال: كان هذا قبل أن تنزل الزَّكاة، فلمَّا نزلت جعلها اللهُ طُهْراً للأموال. وقال ابنُ عمر: "مَا أبَالي لوْ أنَّ لي مثلَ أحُدٍ ذهباً أعلم عددهُ أزكيه، وأعمل بطاعة الله عزَّ وجلَّ". وكان في زمان الرسول - عليه الصلاة والسلام - جماعة مياسير كعثمان، وعبد الرحمن بن عوف وكان عليه الصلاة والسلام يعدُّهم من أكابر المؤمنين، وندب عليه الصلاة والسلام إلى إخراج الثلث أو أقل في المرض، ولو كان جمع المال محرماً لكان عليه الصلاة والسلام يأمر المريض بالتَّصدق بكله، بل كان يأمر الصحيحَ في حال صحته بذلك، وقال عليه الصلاة والسلام لسعد بن أبي وقاص: "حديث : إنَّك إن تَدعْ ورثَتَكَ أغْنياءَ خيرٌ مِنْ أنْ تدعهُم عالة يتكَفَّفُون النَّاسَ ". تفسير : فصل اختلفوا في وُجُوب الزَّكاةِ في الحليّ، فقال مالكٌ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثور وأبو عبيد: لا زكاة فيه. وهو قول الشافعي بالعراقِ، ووقف فيه بعد ذلك بمصر، وقال الثوريُّ وأبو حنيفة والأوزاعي: فيه الزكاة. فإن قيل: مَنْ لمْ يكنُزْ ولم يُنفِقْ في سبيل الله وأنفقَ في المعاصي، هل يكون حكمه في الوعيد حكم من كنز ولم يُنْفق في سبيل الله. قيل: إنَّ ذلك أشدّ، فإن من بذل ماله في المعاصي، عصى من جهتين: بالإنفاق والتناول، كـ: شراء الخَمْرِ وشربها. بل من جهات إذا كانت المعصية ممَّا تتعدَّى كمنْ أعانَ على ظُلْمِ مسلم من قتله أو أخذ ماله. فإن قيل: لِمَ خُصت هذه الأعضاءُ؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أنَّ المقصودَ من كسب الأموال، حصول فرح القلب، فيظهر أثره في الوجه، وحصول الشبع ينفتح بسببه الجنبان، وليس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم، فلمَّا طلبوا تزيين هذه الأعضاء الثلاثة، حصل الكي على الجباه والجنوب والظهور. وثانيها: أنَّ هذه الأعضاء مجوفة وفي داخلها آلات ضعيفة يعظم تألُّمها بسبب وصول أدنى أثر إليها، بخلاف سائر الأعضاء. وثالثها: قال أبُو بكر الوراق: خصت هذه المواضع بالذكر؛ لأنَّ صاحب المال إذا رأى الفقير قبض جبهته وإذا جلس الفقيرُ بجنبه تباعد عنه وولَّى ظهره. ورابعها: أنهم يُكوون على الجهات الأربع، أمَّا من مقدمه فعلى الجبهة، وأمَّا من خلفه فعلى الظهر، وأما من يمينه ويساره فعلى الجنبين.
البقاعي
تفسير : ولما حقر أمرهم بتقسيم اعتمادهم على رؤسائهم، وحالهم معروف في أنه لا نفع عندهم ولا ضر، وأعلى أمر أهل الله باجتماعهم عليه وهو القادر على كل شيء، وكان الإقبال على الدنيا أعظم أمارة على الخذلان ولو أنه بحق فكيف إذا بالباطل! أقبل سبحانه وعز شأنه على أهل وده مستعطفاً متلطفاً منادياً باسم الإيمان الذي بنى أمره في أول هذا الكتاب على الإنفاق لا على التحصيل ولو كان بحق، فكيف إذا كان بباطل، ويؤتون الزكاة ومما رزقناهم ينفقون، منبهاً على سفه من ترك من لا يسأله على بذل الهدى والدعوة إلى دين الحق أجراً وهو سفير محض لا ينطق عن الهوى، ولم يعتقده رسولاً واتخذ مربوباً مثله وهو يأخذ ماله بالباطل ربواً، وذلك مقتض لتحقيرهم لا لمطلق تعظيمهم فضلاً عن الرتبة التي أنزلوهم بها وأهلوهم لها مع الترفع عليهم لقصد أكل أموالهم بالباطل فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بإيمان داعيهم من التكذيب ومما يؤول إليه {إن كثيراً من الأحبار} أي من علماء اليهود {والرهبان} أي من زهاد النصارى {ليأكلون} أي يتناولون، ولكنه عبر به لأنه معظم المراد من المال، وإشارة إلى تحقير الأحبار والرهبان بأنهم يفعلون ما ينافي مقامهم الذي أقاموا أنفسهم فيه {أموال الناس بالباطل} أي بأخذها بالرشى وأنواع التصيد بإظهار الزهد والمبالغة في التدين المستجلب لها بالنذور ونحوها فيكنزونها ولا ينفقونها في سبيل الله من أتاهم بها بالإقبال بقلوب عباده إليهم. ولما أخبر عن إقبالهم على الدنيا، أتبعه الإخبار عن إعراضهم عن الآخرة فقال: {ويصدون} أي يحتالون في صرف من يأتيهم بتلك الأموال وغيرهم {عن سبيل الله} أي دين الملك الذي له الأمر كله بإبعادهم عنه بإخفاء الآيات الدالة عليه عنهم خوفاً على انقطاع دنياهم بزوال رئاستهم لو أقبل أولئك على الحق. ولما كان أكثرهم يكنزون تلك الأموال، شرع سبحانه على مطلق الكنز، ففهم من باب الأولى الصد الذي هو سبب الجمع الذي هو سبب الكنز فقال: {والذين} أي يفعلون ذلك والحال أنهم يعلمون أن الذين {يكنزون} أي يجمعون تحت الأرض أو فوقها من قولهم للمجتمع اللحم: مكتنز {الذهب والفضة} أي منهم ومن غيرهم من غير تزكية. ولما كان من المعلوم أنهما أجل ما الناس، وكان الكنز دالاً على المكاثرة فيهما، أعاد الضمير عليهما بما يدل على الأنواع الكثيرة فقال: {ولا ينفقونها} أي ينفقون ما وجب عليهم من هذه الأموال التي جمعوها من هذين النوعين مجتمعين أو منفردين، ولو ثنى لأوهم أن اجتماعها شرط للترهيب، وإنما أعاد الضمير عليها من غير ذكر "من" - وهي مرادة - لمزيد الترغيب في الإنفاق والترهيب من تركه، ويجوز أن يعود الضمير إلى الفضة لأن الذم على كنزها، والحاجة إليها لكثرتها أقل، فالذم على كنز الذهب من باب الأولى لأنه أعلى منها وأعز بخلاف الذم على كنز الذهب؛ وقال الحرالي في آل عمران: فأوقع الإنفاق عليهما ولم يخصه من حيث لم يكن، ولا ينفقون منها كما قال في المواشي [خذ من أموالهم] لأن هذين الجوهرين خواتم ينال بها أهل الدنيا منافعهم وقد صرف عنهم الانتفاع بهما فلم يكن لوجودهما فائدة إلا بإنفاقهما لأنهما صنما هذه الأمة، فكان كسرهما بإذهابهما -انتهى. {في سبيل الله} أي الوجه الذي أمر الملك الأعلى بإنفاقها فيه {فبشرهم} أي نقول فيهم بسبب ذلك تهكماً بهم: بشرهم {بعذاب أليم*} عوضاً عما أرادوا من السرور بإنجاح المقاصد. ولما كان السياق دالاًّ دلالة واضحة على أن هذا العذاب يحصل لهم ويقع بهم، فنصب بذلك قوله: {يوم يحمى} أي يحصل الإحماء وهو الإيقاد الشديد {عليها} أي الأموال التي جمعوها {في نار جهنم} أي التي لا يقاربها ناركم، وتلقى داخلها بالتجهم والعبوسة كما كان يلقى بذلك الفقراء وغيرهم من أهل الله لا سيما من منعه ما يجب له من النفقة {فتكوى بها} أي بهذه الأموال {جباههم} التي هي أشرف أعضائهم لأنها مجمع الوجوه والرؤوس وموضع الجاه الذي يجمع المال لأجله لتعبيسهم بها في وجوه الفقراء {وجنوبهم} التي يحوونه لملئها بالمآكل المشتهاة والمشارب المستلذة ولازورارهم بها عن الفقراء {وظهورهم} التي يحوونه لتقويتها وتحميلها بالملابس وتجليتها ولتوليتهم إياها إذا اجتمعوا مع الفقراء في مكان. ثم يقال لهم: {هذا ما كنزتم} وأشار إلى الحامل على الجمع المنافي للعقل بقوله: {لأنفسكم} أي لتنافسوا به وتلتذوا فلم تنفقوه فيما أمر الله {فذوقوا ما} أي وبال وعذاب ما {كنتم تكنزون*} أي تجددون جمعه على سبيل الاستمرار حريصين عليه، وأشار بفعل الكون إلى أنهم مجبولون على ذلك؛ روى البخاري في التفسير عن زيد بن وهب قال: مررت على أبي ذر رضي الله عنه بالربذة قلت: ما أنزلك بهذه الأرض قال: كنا بالشام فقرأت {والذين يكنزون الذهب والفضة} - الآية، قال معاوية: ماهذه فينا، ما هذه إلا في أهل الكتاب! قلت: إنها لفينا وفيهم؛ وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهراً للأموال، يعني فما أعطى صاحبه ما وجب عليه فيه فليس بكنز. ولما تقدم كثير مما ينبني على التاريخ: الحج في غير موضع والأشهر وإتمام عهد من له مدة إلى مدته والزكاة والجزية، وختم ذلك بالكنز الذي لا يطلق شرعاً إلا على ما لم تؤد زكاته، وكان مشركو العرب - الذين تقدم الأمر بالبراءة منهم والتأذين بهذه الآيات يوم الحج الأكبر فيهم - قد أحدثوا في الأشهر - بالنسيء الذي أمروا أن ينادوا في الحج بإبطاله - ما غير السنين عن موضوعها الذي وضعها الله عليه، فضاهوا به فعل أهل الكتاب بالتدين بتحليل أكابرهم وتحريمهم كما ضاهى أولئك قول أهل الشرك في النبوة والأبوة، قال تعالى: {إن عدة الشهور} أي منتهى عدد شهور السنة {عند الله} أي في حكم وعلم الذي خلق الزمان وحده وهو الإله وحده فلا أمر لأحد معه {اثنا عشر شهراً} أي لا زيادة عليها ولا تغيير لها كما تفعلونه في النسيء {في كتاب الله} أي كلام الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً، وحكمه الذي هو مجمع الهدى، فهو الحقيق بأن يكتب، وليست الشهور ثلاثة عشر ولا أكثر كما كان يفعل من أمرتكم بالبراءة منهم كائنين منة كانوا في النسيء {يوم} أي كان ذلك وثبت يوم {خلق السماوات والأرض} أي اللذين نشأ عنهما الزمان. والمعنى أن الحكم بذلك كان قبل أن يخلق الزمان {منها} أي الشهور {أربعة حرم} أي بأعيانها لا بمجرد العدد {ذلك} أي الأمر العظيم والحكم العالي الرتبة في الإتقان خاصة {الدين القيم*} أي الذي لا عوج فيه ولا مدخل للعباد، وإنما هو بتقدير الله تعالى للقمر؛ روى البخاري عن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال - يعني في حجة الوادع: حديث : إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض،السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبانتفسير : . ولما بين الأمر سبب عنه قوله: {فلا تظلموا فيهن} أي الأشهر الحرم {أنفسكم} أي بسبب إنساء بعضها وتحريم غيره مكانة لتوافقوا العدد - لا العين - اللازم عنه إخلال كل منها بإيقاع الظلم فيه وتحريم كل من غيرها، قال قتادة: العمل الصالح والفاسد فيها أعظم منه في غيرها وإن كان ذلك في نفسه عظيماً فإن الله تعالى لعظم من أمره ما شاء؛ وقال أبو حيان ما حاصله: إن العرب تعيد الضمير على جمع الكثرة كالواحدة المؤنثة فلذا قال: "منها أربعة" أي من الشهور، وعلى جمع القلة لما لا يعقل بنون جمع المؤنث فلذا قال {فلا تظلموا فيهن} أي في الأربعة. ولما كان إنساؤهم هو لتحل لهم المقاتلة على زعمهم قال: {وقاتلوا المشركين كافة} أي كلكم في ذلك سواء، في الائتلاف واجتماع الكلمة {كما يقاتلونكم كافة} أي كلهم في ذلك سواء وذلك الحكم في جميع السنة، لا أنهاكم عن قتالهم في شهر منها، فأنتم لا تحتاجون إلى تغيير حكمي فيها لقتال ولا غيره إن اتقيتم الله، فلا تخافوهم وإن زادت جموعهم وتضاعفت قواهم لأن الله يكون معكم {واعلموا أن الله} أي الذي له جميع العظمة معكم، هكذا كان الأصل ولكنه أظهر الوصف تعليقاً للحكم به وتعميماً فقال: {مع المتقين*} جميعهم، وهم الذين يثبتون تقواهم على ما شرعه لهم، لا على النسيء ونحوه، ومن كان الله معه نصر لا محالة.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار} يعني علماء اليهود {والرهبان} علماء النصارى {ليأكلون أموال الناس بالباطل} والباطل كتب كتبوها لم ينزلها الله تعالى فأكلوا بها الناس، وذلك قول الله تعالى {أية : للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله}تفسير : [البقرة: 79]. وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في الآية قال: أما الأحبار فمن اليهود، وأما الرهبان فمن النصارى، وأما سبيل الله فمحمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج أبو الشيخ عن الفضيل بن عباس رضي الله عنه قال: اتبعوا عالم الآخرة، واحذروا عالم الدنيا لا يضركم بشكره، ثم تلا هذه الآية {إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله} . وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {والذين يكنزون الذهب والفضة...} الآية. قال: هم الذين لا يؤدون زكاة أموالهم، وكل مال لا تؤدى زكاته كان على ظهر الأرض أو في بطنها فهو كنز، وكل مال أدي زكاته فليس بكنز كان على ظهر الأرض أو في بطنها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما أدي زكاته فليس بكنز. وأخرج مالك وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان ظاهراً. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً. مثله. وأخرج ابن عدي والخطيب عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أي مال أديت زكاته فليس بكنز" تفسير : وأخرجه ابن أبي شيبة عن جابر رضي الله عنه موقوفاً. وأخرج أحمد في الزهد والبخاري وابن ماجه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر رضي الله عنهما في الآية قال: إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهرة للأموال، ثم قال: ما أبالي لو كان عندي مثل أحد ذهباً اعلم عدده أزكيه وأعمل فيه بطاعة الله. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن سعد بن أبي سعيد رضي الله عنه. أن رجلاً باع داراً على عهد عمر رضي الله عنه فقال له عمر: احرز ثمنها احفر تحت فراش امرأتك. فقال: يا أمير المؤمنين أو ليس كنز؟ قال: ليس بكنز ما أدي زكاته. وأخرج ابن مردويه والبيهقي حديث : عن أم سلمة رضي الله عنها "انها قالت: يا رسول الله إن لي أوضاحاً من ذهب أو فضة أفكنز هو؟ قال: كل شيء تؤدى زكاته فليس بكنز" . تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن أبي حاتم وابن شاهين في الترغيب في الذكر وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ثوبان رضي الله عنه قال: حديث : لما نزلت {والذين يكنزون الذهب والفضة} كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فقال له أصحابه: لو علمنا أي المال خير فنتخذه. فقال "أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه. وفي لفظ: تعينه على أمر الآخرة" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده وأبو داود وأبو يعلى وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت هذه الآية {والذين يكنزون الذهب والفضة} كبر ذلك على المسلمين وقالوا: ما يستطيع أحد منا لولده ما لا يبقى بعده. فقال عمر رضي الله عنه: أنا أفرج عنكم. فانطلق عمر رضي الله عنه واتبعه ثوبان رضي الله عنه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية. فقال "حديث : إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم. فكبر عمر رضي الله عنه، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته ". تفسير : وأخرج الدارقطني في الافراد وابن مردويه عن بريدة رضي الله عنه قال: الصالحة التي إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته. وأخرج الدارقطني في الافراد وابن مردويه عن بريدة رضي الله عنه قال: حديث : لما نزلت {والذين يكنزون الذهب والفضة...} الآية. قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: نزل اليوم في الكنز ما نزل...! فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله ماذا نكنز اليوم؟ قال "لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وزوجة صالحة تعين أحدكم على إيمانه" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: إذا أخرجت صدقة كنزك فقد أذهبت شره وليس بكنز. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {والذين يكنزون الذهب والفضة} قال: هم أهل الكتاب، وقال: هي خاصة وعامة. وأخرج ابن الضريس عن علباء بن أحمر. أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: لما أراد أن يكتب المصاحف أرادوا أن يلغوا الواو التي في براءة {والذين يكنزون الذهب والفضة} قال لهم أبي رضي الله عنه: لتلحقنها أو لأضعن سيفي على عاتقي. فالحقوها. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما فوقها كنز. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {والذين يكنزون الذهب والفضة} قال: هؤلاء أهل القبلة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عراك بن مالك وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما. أنهما قالا: في قول الله {والذين يكنزون الذهب والفضة} قالا: نسختها الآية الأخرى {أية : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} تفسير : [التوبة : 103].
ابو السعود
تفسير : {يأيها الذين آمنوا} شروعٌ في بـيان حال الأحبارِ والرهبانِ في إغوائهم لأراذلهم إثرَ بـيانِ سوءِ حالِ الأتباع في اتخاذهم (لهم) أرباباً يُطيعونهم في الأوامر والنواهي واتباعِهم لهم فيما يأتون وما يذرون {إِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ} يأخذونها بطريق الرِّشوةِ لتغيـير الأحكامِ والشرائعِ والتخفيفِ والمسامحة فيها، وإنما عبِّر عن ذلك بالأكل بناءً على أنه معظمُ الغرَضِ منه وتقبـيحاً لحالهم وتنفيراً للسامعين عنهم {وَيَصُدُّونَ} الناس {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} عن دين الإسلامِ أو عن المسلك المقرَّر في التوراة والإنجيل إلى ما افتَرَوْه وحرَّفوه بأخذ الرشا ويصُدُّون عنه بأنفسهم بأكلهم الأموالَ بالباطل {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ} أي يجمعونهما ويحفَظونهما سواءٌ كان ذلك بالدفن أو بوجه آخرَ والموصولُ عبارةٌ إما عن الكثير من الأحبار والرهبانِ فيكون مبالغةً في الوصف بالحِرْص والضّنِّ بهما بعد وصفِهم بما سبق من أخذ الرشا والبراطيلِ في الأباطيل وإما عن المسلمين الكانزين غيرِ المنفقين وهو الأنسبُ بقوله عز وجل {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} فيكون نظمُهم في قَرْن المرتشين من أهل الكتابِ تغليظاً ودِلالةً على كونهم أسوةً لهم في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم، فالمرادُ بالإنفاق في سبـيل الله الزكاةُ (لما رُوي أنه لما نزل كبُرَ ذلك على المسلمين فذكر عمرُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : إن الله تعالى لم يفرِض الزكاةَ إلا ليُطيِّبَ بها ما بقيَ من أموالكم» تفسير : ولقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ما أُدِّي زكاتُه فليس بكنز» تفسير : أي بكنزٍ أوُعد عليه فإن الوعيدَ عليه مع عدم الإنفاقِ فيما أمر الله بالإنفاق فيه. وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : مَنْ تَرَكَ صفراءَ أو بـيضاءَ كُوي بها»تفسير : ونحوُه فالمرادُ بها ما لم يؤدِّ حقَّها لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ما من صاحب ذهبٍ ولا فضة لا يؤدّي منها حقَّها إلا إذا كان يوم القيامة صُفحَتْ له صفائحُ من نار فيُكوى بها جنبُه وجبـينُه وظهرُه»تفسير : {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} خبرٌ للموصول والفاءُ لتضمنه معنى الشرطِ ويجوز أن يكون الموصولُ منصوباً بفعل يفسِّره فبشرهم {يَوْمَ} منصوبٌ بعذاب أليمٍ أو بمضمر يدلُّ عليه ذلك أي يعذّبون أو باذكر {يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ} أي يوم توقد النارُ ذاتُ حَمْيٍ شديدٍ عليها، وأصلُه تُحمى النارُ فجعل الإحماءُ للنار مبالغةً ثم حُذفت النارُ وأسند الفعلُ إلى الجارِّ والمجرور تنبـيهاً على المقصود فانتقل من صيغة التأنيثِ إلى التذكير كما تقول: رُفعت القصةُ إلى الأمير فإن طرحْتَ القِصةَ قلت: رُفع إلى الأمير وإنما قيل: عليها والمذكورُ شيآن لأن المرادَ بهما دنانيرُ ودراهمُ كثيرةٌ (كما قال علي رضي الله عنه: أربعةُ آلافٍ وما دونها نفقةٌ، وما فوقها كنزٌ) وكذا الكلام في قوله تعالى: {وَلاَ يُنفِقُونَهَا} وقيل: الضميرُ للأموال والكنوزِ فإن الحُكمِ عامٌّ وتخصيصُهما بالذكر لأنهما قانونُ التموّلِ، أو للفضة وتخصيصُها لقربها ودَلالة حكمِها على أن الذهبَ كذلك بل أولى {فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} لأن جمعَهم لها وإمساكَهم كان لطلب الوجاهةِ بالغنى والتنعُّم بالمطاعم الشهيةِ والملابس البهيةِ أو لأنهم ازوَرُّوا عن السائل وأعرضوا عنه وولَّوْه ظهورَهم أو لأنها أشرفُ الأعضاءِ الظاهرةِ فإنها المشتملةُ على الأعضاء الرئيسيةِ التي هي الدماغُ والقلبُ والكبِدُ أو لأنها أصولُ الجهات الأربعةِ التي هي مقاديمُ البدن ومآخِرُه وجنباه {هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ} على إرادة القول {لأَنفُسِكُمْ} لمنفعتها فكان عينَ مَضرَّتها وسببَ تعذيبها {فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} أي وبالَ كنزِكم أو ما تكنِزونه وقرىء بضم النون.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [الآية: 34]. قال بعضهم: من بخل بالقليل من ملكه فقد سد على نفسه باب نجاته، وفتح على نفسه طريق هلاكه. وقيل: ليس من أخلاق الأنبياء والصديقين البخل، لأنه روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: " حديث : ما جُبل ولى الله إلا على السخاء ".
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}. العالِمُ إذا ارتفق بأموال الناس عِوَضاً عما يُعلِّمُهم زالَتْ بركاتُ عِلْمِه، ولم يَطِبْ في طريق الزهد مَطْعَمُه. والعارِفُ إذا انتفع بخدمة المريد، أو ارتفق بشيءٍ من أحواله وأعماله زالت آثارُ هِمَّتِه، ولم تُجْدِ في حكْمِ التوحيد حالتُه. قوله جلّ ذكره: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. لهم في الآجل عقوبةٌ. والذين لا يؤثِرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة فلهم في العاجل حجبة. وقليلٌ مِنْ عبادهِ مَنْ سَلِمَ من الحجاب في مُحتَضَرِه والعقاب في مُنْتَظرِه.
البقلي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} وبّخ الله البخلاء بقلة الانفاق وخروجهم عن سبيل الوفاق ولا يكون ذلك الا من مواريث النفاق وتواثير الفراق قال بعضهم من بخل بالقليل من ملكه فقد سد على نفسه باب نجاته وفتح على نفسه طريق هلاكه.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الاحبار} اى علماء اليهود وهم من ولد هارون {والرهبان} وهم اصحاب الصوامع من النصارى جمع راهب وقد سبق {ليأكلون اموال الناس بالباطل} يأخذونها بطريق الرشوة لتغيير الاحكام والشرائع والتخفيف والمسامحة فيها ويوهمون الناس انهم حذاق مهرة فى تأويل الآية وبيان مراد الله تعالى منها. يقول الفقير وهكذا يفعل المفتون الماجنون والقضاة الجائرون فى هذا الزمان يفتون على مراد المستفتى طمعا لماله ويقضون بمرجوح الاقوال بل على خلاف الشرح ويرون ان لهم فى ذلك سندا قويا قاتلهم الله وانما عبر عن الاخذ بالاكل مع ان المذموم منهم مجرد اخذها بالباطل اى بطريق الارتشاء سواء اكلوا ما اخذوه او لم يأكلوا بناء على ان الاكل معظم الغرض من الاخذ {ويصدون} اى يمنعون الناس {عن سبيل الله} عن دين الاسلام او يعرضون عنه بانفسهم بأكلهم الاموال بالباطل {والذين يكنزون الذهب والفضة} اى يجمعونهما ويحفظونهما سواء كان ذلك بالدفن او بوجه آخر والكنز فى كلام العرب هو الجمع وكل شئ جمع بعضه الى بعض فهو مكنوز يقال هذا جسم مكتنز الاجزاء اذا كان مجتمع الاجزاء وسمى الذهب ذهبا لانه يذهب ولا يبقى وسميت فضة لانها تنفض اى تتفرق ولا تبقى وحسبك بالاسمين دلالة على فنائهما وانه لا بقاء لهما -يقال- لما خرج آدم عليه السلام من الجنة بكى له كل شئ فيها الا شجرة العود والذهب والفضة فقال الله تعالى لو كان فى قلوبكم رأفة لبكيتم من خوفى ولكن من قسا قلبه احرقته بالنار وعزى وجلالى لا يصاغ منكم حلقة ولا دينار ولا درهم ولا سوار الا بتوقد النار وانت يا شجرة العود لا تبرحى فى النار والاحزان الى يوم القيامة. ثم المراد بالموصول ما يعم الكثير من الاحبار والرهبان وغيرهم من المسلمين الكانزين الغير المنفقين وهو مبتدأ خبره فبشرهم {ولا ينفقونها فى سبيل الله} اى لا ينفقون منها اى يؤدون زكاتها ولا يخرجون حق الله منها فحذف من واريد اثباتها بدليل قوله تعالى فى آية اخرى {أية : خذ من أموالهم صدقة} تفسير : [التوبة: 103] وقال عليه السلام "حديث : فى مائتى درهم خمسة دراهم وفى عشرين مثقالا من الذهب نصف مثقال" تفسير : ولو كان الواجب انفاق جميع المال لم يكن لهذا التقدير وجه كما فى تفسير الحدادى. وانما قيل ولا ينفقونها مع ان المذكور شيآن لان المراد بهما دنانير ودراهم كثيرة وقيل الضمير يعود على الاموال او على الكنوز المدلول عليها بالفعل او على الفضة لكونها اقرب فاكتفى ببيان احدهما عن بيان الآخر ليعلم بذلك كقوله تعالى {أية : وإذا رأوا تجارة اولهوا انفضوا اليها} تفسير : [الجمعة: 11] وكذا كلام فى قوله {أية : عليها} تفسير : الآتى {فبشرهم بعذاب اليم} وضع الوعيد لهم بالعذاب موضع البشارة بالتنعم لغيرهم
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (يحمى عليها): الجار والمجرور: نائب الفاعل، وأصله: يوم تحمى النار الشديدة الحمى عليها، فجعل الإحماء للنار؛ مبالغةً، ثم حذفت النار، وأسند الفعل إلى الجار والمجرور؛ تنبيهاً على المقصود، فانتقل من صيغة التأنيث إلى صيغة التذكير. يقول الحق جل جلاله: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموالَ الناس بالباطل}؛ يأخذونها بالرشا في الأحكام، وسَمى أخذ المال أكلاً؛ لأنه الغرض الأعظم منه، {ويصدون عن سبيل الله} أي: يعوقون الناس عن الدخول في دينه، {والذين يكنزون الذهبَ والفِضةَ} أي: يدخرونها {ولا يُنفقونها} أي: الأموال المفهومة من الذهب والفضة، أو الكنوز، أو الفضة، واكتفى بذكرها عن الذهب؛ إذ الحُكم واحد، {فبشِّرهم بعذاب أليم}؛ وهو الكي بها، وهذا الحكم يحتمل أن يرجع لكثير من الأحبار والرهبان، فيكون مبالغة في وصفهم، بالحرص على المال وجمعه، وأن يراد به المسلمون الذين يجمعون الأموال، ويقتنونها ولا يؤدون حقها، ويكون اقترانه بأكلة الرشا من أهل الكتب؛ للتغليظ. ويدل عليه: أنه لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "حديث : إِنَّ الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيِّبَ بها ما بقي من أموالكم".تفسير : وقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : ما أدى زَكَاته فَلَيْسَ بِكَنْز".تفسير : وقال أبو ذر وجماعة من الزهاد: كل ما فضل عن حاجة الإنسان فهو كنز، وحمل الآية عليه. ثم ذكر وعيدهم فقال: {يوم يُحمَى عليها} أي: على الأموال المكنوزة، {في نار جهنم} أي: يوم توقد النار ذات الحمى الشديد عليها، حتى تكون صفيحة واحدة، {فتُكوى بها جباهُهم وجنوبهم وظهورهُم}، خصهم بالعذَاب، لأنهم كانوا يعرضون عن السائل، ويُولون ظهره، فيعرضون عنه بجباههم وجنوبهم. أو لأنها أشرف الأعضاء، لاشتمالها على الدِّماغ والقلب والكبد. أو لأنها أصول الجهات الأربع، التي هي مقادم الإنسان؛ مؤخره وجنبتاه. يقال لهم: {هذا ما كنزتم لأنفسكم} أي: لمنفعتها، وكان عينَ مضرتها وسببَ تعذيبها، {فذُوقوا ما كنتم تكنِزُون} أي: وبال كنزكم، أو ما كنتم تكنزونه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا مِنْ صَاحِب ذهبٍ ولا فضْةٍ لا يُؤدِّي منها حقّها إلاّ إذا كان يومُ القيامة صُفحت له صفائح من نَار، فأحمي عليها من نار جهنم، فيُكوى بها جبينُه وجنبه وظهرُه، كلما بردت أُعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله: إما إلى الجنة وإما إلى النار".تفسير : رواه مسلم بطوله. قال ابن عطية: روي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: قد ذم الله تعالى كسب الذهب والفضة، فلو علمنا أي المال خير حتى نَكْسبه؟ فقال عمر: أنا أَسأل لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله، فقال: "حديث : لِسان ذاكر، وقلب شَاكر، وزَوْجَة تُعينُ المرء على دينهِ".تفسير : ورُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال، لما نزلت الآية: "حديث : تَبّاً للذَّهَبِ والفِضَّةِ".تفسير : فحينئذٍ أشفق أصحابه، وقالوا ما تقدم. هـ. لابن حجر. شعر : من خير ما يتخذ الإنسانُ في دنياه كيما يستقيمَ دينُه قلبٌ شكور، ولسانٌ ذاكر، وزوجةٌ صالحة تُعينُه تفسير : وهو نظم لهذا الحديث، وقد تكلم عليه في المجامع وشرحِه. قاله المحشي. الإشارة: هذه الآية تغبُر في وجوه علماء السوء، الذين يتساهلون في أكل الدنيا بالعلم، كقبض الرشا، وقبض ما فوق أجرته في الأحكام، فترى بعض قضاة الجور يقبضون المثاقيل على إنزال يده على الحكم، مع أنه واجب عليه، حيث تعين عليه بنصب الإمام له، وتجر ذيلها على أغنياء الدنيا، الذين يجمعون الأموال ويكنزونها، فترى أحدهم ينفق في نزهته وشهوة نفسه الأموال العريضة، وإذا أتاه فقير يسأله درهماً أو درهمين، تَمَعَّر وجهه، وتغير لونه، فبشرهم بعذاب أليم. وبالله التوفيق. ولما ذكر وعيد من لم يزك كنزه، ذك الحول التي تجب به الزكاة، فقال: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً}.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين يعلمهم أن كثيراً من احبار اليهود وعلمائهم ورؤسائهم، وكثيراً من رهبان النصارى ليأكلون أموال الناس بالباطل من حيث كانوا يأخذون الرشا في الاحكام - في قول اسحاق والجبائي - وأكل المال بالباطل تملكه من الجهات التي يحرم منها اخذه. وقيل في معنى {ليأكلون أموال الناس بالباطل} وجهان: احدهما - انهم يتملكون. فوضع يأكلون موضعه لأن الاكل غرضهم. والثاني - يأكلون اموال الناس من الطعام، فكأنهم يأكلون الأموال، لانها من المأكول، كما قول الشاعر: شعر : ذر الآكلين الماء لوماً فما أرى ينالون خيراً بعد أكلهم الماء تفسير : اي ثمن الماء. وقوله {ويصدون عن سبيل الله} معناه يمنعون غيرهم من اتبّاع الاسلام الذي هو سبيل الله التي دعاهم إلى سلوكها. والغرض بذلك التحذير من اتباعهم والتهوين على المسلمين مخالفتهم. وقوله {والذين يكنزون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله} معناه الذين يخبؤن أموالهم من غير ان يخرجوا زكاتها، لأنهم لو اخرجوا زكاتها وكنزوا ما بقي لم يكونوا ملومين بلا خلاف. وهو قول ابن عباس: وجابر، وابن عمر، والحسن والسدي، والجبائي. قال: وهو إجماع. واصل الكنز كبس الشيء بعضه على بعض. ومنه قولهم كنز التمر والطعام قال الهذلي: شعر : لا درّ درّي إن أطعمت نازلكم قرف الحتي وعندي البر مكنوز تفسير : الحتي سويق المقل. وقوله {ولا ينفقونها في سبيل الله} إنما لم يقل ولا ينفقونهما لأحد أمرين: احدهما - ان تكون الكناية عائدة إلى مدلول عليه وتقديره ولا ينفقون الكنوز أو الأموال. والآخر - ان يكون اكتفى بأحدهما عن الآخر للايجاز ومثله {أية : وإذا رأوا تجارة او لهواً انفضوا إليها } تفسير : وقال حسان: شعر : إن شرخ الشباب والشعر الاسـ ـود ما لم يعاص كان جنونا تفسير : وقال الآخر: شعر : نحن بما عندنا وانت بما عندك راض والرأي مختلف تفسير : وكان يجب ان يقول راضيان. ومعنى البيت نحن بما عندنا راضون وأنت بما عندك راض وحذف الخبر من الاول لدلالة الثاني عليه كما حذف المفعول في الثاني لدلالة الأول عليه في قوله {أية : والذاكرين الله كثيراً والذاكرات } تفسير : والتقدير والذاكرات الله. ومثل ذلك الآية. وتقديرها والذين يكنزون الذهب ولا ينفقونه في سبيل الله ويكنزون الفضة ولا ينفقونها في سبيل الله. وموضع {والذين يكنزون} يحتمل وجهين من الاعراب: أحدهما - ان يكون نصباً بالعطف على اسم (إنّ) وتقديره: يأكلون والذين يكنزون الذهب: والثاني - ان يكون رفعاً على الأستئناف. وقال ابن عمر كل ما اخرجت زكاته فليس بكنز، وبه قال عكرمة. وقال الجبائي وغيره: {الذين يكنزون} نزلت في مانعي الزكاة من أهل الصلاة. وقال قوم: نزلت في المشركين، والأولى أن تحمل الآية على العموم في الفريقين. وقوله {فبشرهم بعذاب اليم} قيل في معناه قولان: أحدهما - ان اصل البشرى مما يظهر في بشرة الوجه من فرح او غم، إلا انه كثر استعماله في الفرح كما قال الجعدي. شعر : وأراني طرباً في إثرهم طرب الواله او كالمختبل تفسير : لأن أصل الطرب ما يستخف من سرور او حزن. والثاني - انه وضع الوعيد بالعذاب الاليم موضع البشرى بالنعيم. وروي عن علي عليه السلام انه قال: كلما زاد على أربعة آلاف، فهو كنز. أديت زكاته او لم تؤد، وما دونها فهو نفقة. وقال أبو ذر: من ترك بيضاء او صفراء كوي بها وسئل رسول الله صلى الله عليه وآله عند نزول هذه الآية أي مال يتخذ، فقال:حديث : لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً وزوجة تعين احدكم على دينه .
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ} اتى بالنّداء ومؤكّدات الجملة من انّ والّلام واسميّة الجملة امّا للاشعار بأنّ شأنهم التّحفّظ عن اموال النّاس بحيث ينبغى ان ينكر هذا منهم او يردّد فى وقوعه منهم حتّى يكون ابلغ فى الّذمّ والتّفضيح، او لتأكيد لازم الحكم الّذى هو المقصود منه من ذمّهم وتفضيحهم وتنفير النّاس منهم ومن اقوالهم {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} عن النّبىّ (ص) او عن الولىّ (ع) والمقصود التّعريض بأمّة محمّد (ص) ومن يأتى بعده بصورة الاحبار والرّهبان من المتسمّين بالعلماء والفقهاء بالصّوفيّة والعرفاء الّذين لا فقه لهم سوى ما يحصل به الاعراض والاغراض ولا معرفة لهم ولا تصوّف سوى الدّلق والحلق {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ} امّا عطف على ليأكلون ووجه حسنه مع الاختلاف بالاسميّة والفعليّة الاشعار بانّ الّذين يكنزون الّذهب مشهور ذمّهم بحيث لا ينكر وانّ الاحبار والرّهبان هم الّذين يكنزون وقد اشتهر ذمّهم فلا تبالوا بقولهم، وامّا عطف على اسم انّ عطف المفرد او عطف على جملة انّ مع اسمها وخبرها بتقدير مبتدء او بتقدير خبر او مستأنف بجعل الّذين مبتدء وقوله فبشّرهم خبراً له وقد مرّ انّ ما يسمّونه واو الاستيناف هو واو العطف بلحاظ المعنى {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} دخول الفاء فى الخبر على كونه خبراً لكون المبتدء فى معنى الّشرط.
الأعقم
تفسير : {يأيها الذين آمنوا إنَّ كثيراً من الأحبار والرهبان} الآية نزلت في أهل الكتاب، وقيل: في مانعي الزكاة، وقيل: هي عامة في أهل الكتاب والمسلمين، الأحبار علماء اليهود والرهبان علماء النصارى {ليأكلون أموال الناس بالباطل} أراد الرشوة في الحكم {والذين يكنزون الذهب والفضة} يعني جمعوا الأموال ولا يؤدون زكاتها وكل ما يؤدى زكاته فليس بكنز مدفوناً كان أو غير مدفون {يوم يحمى عليها} أي يوقد عليها {في نار جهنم} أي على الكنوز حتى يصير ناراً، وقيل: على الفضة {فتكوى بها جباههم} أي بتلك الكنوز المحماة جباههم {وظهورهم} يعني مانعي الزكاة ليعظم حسرتهم وغمهم ويقال لهم: {هذا ما كنزتم لأنفسكم} الآية، وقيل: إنما خص هذه المواضع بالكيّ لأنه إذا سأله السائل زوى وجهه عنه ثم أعرض عنه ثم ولى ظهره {إن عدَّة الشهور} أي عدة شهور السنة {عند الله} أي في حكمه وتقديره {اثنا عشر شهراً} أولها محرم وسمي بذلك لتحريم القتال فيه {في كتاب الله}، قيل: في اللوح المحفوظ، وقيل: في حكمه وقضائه، وقيل: في كتاب الله الذي كتب لأنبيائه وأوحى إليهم، وقيل: القرآن {يوم خلق السموات والأرض} يعني كتبها وقضى بها عند خلق الأشياء {منها أربعة حرم} وكان تحريم القتال فيها، وقيل: لكثرة حرمتها وعظم الطاعات فيها وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب {ذلك الدّين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم} يعني أن تحريم هذه الأشهر الأربعة هو الدين المستقيم دين ابراهيم واسماعيل وكانوا يعظمون الأشهر الحرم ويحرمون فيها القتال حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو أخيه لم يمسه، وقيل: أحل القتال في الأشهر الحرم، وقيل: معناه لا تأثموا فيهن لعظم حرمتهن {وقاتلوا المشركين كافَّة} أي جميعاً مؤتلفين على قتالهم {كما يقاتلونكم كافَّة} جميعاً {واعلموا أن الله مع المتقين} بالنصر وبالمعونة فهو ناصرهم {إنما النسئ} مصدر أنسأ الله في أجله نسيئاً وأنسأت الناقة في السير إذا رفقت بها، والنسيء أيضاً فعيل بمعنى مفعول {زيادة في الكفر} قيل: كانوا يحولون المحرم صفراًعن ابن عباس، وقيل: كان أهل الجاهلية يؤخرون الحج في كل سنة شهراً، وقيل: سبب ذلك أن العرب كانت تحرم الشهور الحرم وكان ذلك في ملة إبراهيم واسماعيل، وكانوا أصحاب حروث وتجارات، فشق عليهم مكث ثلاثة أشهر متواليات لا يغزون، فأخّروا تحريم المحرم إلى صفر، ثم بعد زمان يؤخرونه إلى ربيع ثم كذلك شهراً شهراً حتى جاء الاسلام، وكان ذلك في كنانة وقد رجع المحرم إلى موضعه وربما زادوا الشهور فيجعلوها ثلاثة عشر شهراً وأربعة عشر شهراً ليتسع لهم الوقت، ولذلك قال تعالى: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً} ووافقت حجة أبي بكر في ذي القعدة ووافقت حجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للوداع في ذي الحجة، وعن ابن عباس: هو تأخيرهم حرمة شهر حرمه الله إلى شهر لم يحرمه الله بحاجة تعرض لهم فيبدلوا المحرم من صفر وصفر من المحرم {ليواطئوا عدة ما حرَّم الله} أي ليوافقوا العدة ولا يخالفوها {زيِّن لهم سوء أعمالهم}، قيل: زينة الشيطان، وقيل: رؤساؤهم لاتباعهم.
الهواري
تفسير : قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ} يعني ما كانوا يأخذون من الرشى في الحكم وعلى ما حرفوا من كتاب الله، وكتبوا كتاباً بأيديهم على ما يهوون، ثم قالوا: هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً أي عرضاً من الدنيا يسيراً، وهو ما كانوا يأخذون. {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ} أي: عن محمد والإِسلام. قوله: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي موجع {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}. قال الحسن: تُحشر تلك الأموال يوم القيامة بأعيانها، فيُحمى عليها، فتُكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. {هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} يعني من وجب عليه الانفاق في سبيل الله. ذكروا عن ابن مسعود أنه قال: والذي لا إله غيره، لا يُكوى رجل بكنزٍ فيمسي دينار ديناراً، ولا درهم درهماً، ولكن يُوسّع لذلك جلده. ذكروا عن أبي ذر وأبي هريرة أنهما قالا: كلّ صفراء وبيضاء أوكأ عليها صاحبها فهي كنز حتى يفرغها، فينفقها في سبيل الله. ذكروا عن الزهري أنه قال: نسخت آية الزكاة الكنز. وقال بعضهم: نَسَخت الزكاةُ كلَّ صدقة كانت قبلها. ذكروا عن ابن عمر أنه قال: كل مال تؤدى زكاته فليس بكنز وإن كان مدفوناً، وكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز وإن كان ظاهراً. وذكروا عن ابن عباس مثل ذلك. ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من أدّى زكاة ماله فقد أَدّى حقَّ الله في ماله، ومن زاد فهو خير له
اطفيش
تفسير : {يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا إنَّ كَثيراً مِنَ الأحْبار والرُّهْبان لَيأكُلون أمْوالَ النَّاسِ بالبَاطِلِ} كالرشوة فى الحكم، والتخفيف فى الشريعة، والمسامحة فيها لجهلائهم، وأكابرهم وكتابة خلاف ما قال الله، مع قولهم: إنه من الله، وتحريف التوراة، وصفات النبى فيها، والتفسير بمعان باطلة، يأخذون المال فى ذلك، ويأخذونه على رسم البِيع والكنائس، وعلى رسم حماية، الدين، والقيام به، ويستأثرون به، فذلك أكل المالى بالباطل. وإنما عبَّر عن أخذ المال بأكله، لأن الأكل هو الغرض الأعظم فى الأخذ، أو لأن الأخذ سبب للأكل، والأكل مسبب عنه، أو لشبه الأخذ بالأكل، لأن كلاًّ منهما تغييب للمال، أو لأن منها ما يؤكل بنفسه، ومنها ما يباع فيؤكل ما اشترى به، وقليل منهم لا يفعلون ذلك، وهم قليل كانوا قبل مبعث النبى صلى الله عليه وسلم. {ويصُدُّون} يعرضون فى أكلهم {عَنْ سَبيلِ اللهِ} دينه، أو يعرضون عن دين محمد صلى الله عليه وسلم، أو يمنعون الناس عنه بذلك التحريف وغيره، جلبا للمال، وحرصا على الرياسة، وهما أصح وأرجح، والأولى تعميم ذلك فى زمان النبى صلى الله وقبله، فالأكل بالباطل قبله وفى زمانه، وكذا الصد عن سبيل الله ممن قبله، يصد عن أحكام التوراة والإنجيل بفعله، وقوله: بما يخالفهما وفى زمانه بذلك، وتغيير صفاته. {والَّذينَ} مفعول لمحذوف على الاشتغال، أى وبشر الذين، وقرن الفعل المشغول بالفاء لشبه المشغول عنه باسم الشرط، ويجوز كونه مبتدأ خبره طلب، وأجاز بعضهم عطفه على واو يأكلون لوجود الفصل، وتوهم بعض أن هذا لا يجوز إلا بتأكيد الضمير، فمنعه هنا فإنه يجوز بالفصل مطلقا تأكيدا أو غيره، ولكن هذا الوجه هنا ضعيف من حيث المعنى يجوز عطفه على كثيرا. {يَكْنِزُونَ} والكنز الجمع والادخار والستر، ويطلق على الحفظ ولو بلا ستر، والأكثر إطلاقه على الستر، وليس من شرطه الدفن، ولو كثر فى المال الدفن {الذَّهبَ} يذكر ويؤنث، وزعم بعض أن الأشهر تأنيثه {والفِضَّة} أى يجمعونهما ويدخرونهما {ولا يُنفِقُونَها} أى الذهب والفضة، وأنث الضمير وأفرده، على أن الاثنين جماعة حقيقة أو مجازا، ولأن كلا من الذهب والفضة أعداد، وحمل ودنانير ودراهم، أو نظر إلى أنهما كنوز أو أموال، أو الضمير للفضة، واقتصر عليها لأنها أغلب أموال الناس، ولدلالة حكمها على أن الذهب أولى بهذا الحكم، أو يقدر ولا ينفقونها والذهب. {فى سَبيلِ اللهِ} طاعته كالجهاد وتصريفها على الفقراء {فَبشِّرهُم بعَذابٍ أليمٍ} التبشير تهكم، كأنه قيل: أقم لهم عذابا أليما مكان الخير الذى يبشر به، وزعم بعض أن البشارة تطلق على الشر بالقرينة بلا تهكم وبلا تجوز، والآية فى جمع المال، وخص الذهب والفضة بالذكر، لأنهما أكثر يكنز، ولأن كنزهما دليل على وجود غيرهما، وكان كنزه محرما، بل يجب تفريق ما فضل عن الحاجة فى فقراء المسلمين وأمراء الإسلام. "حديث : توفى رجل من أهل الصفَّة فوجد فى مئزره دينار فقال صلى الله عليه وسلم: "كية" وفى مئزر ميت آخر اثنان فقال: "كيتان" وقال: "كل بيضاء أو صفراء أوكأ عليها صاحبها فهى كنز حتى يفرقها فى سبيل الله"" تفسير : وذلك فى أول الإسلام، ثم نسخ بالزكاة حين قال: {أية : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} تفسير : أو حين قال: {أية : وآتوا الزكاة} تفسير : وذلك رواية عن أبى ذرّ، وعمر بن عبد العزيز، ويحتمل أن الرجلين يعيشان بالصدقة، وعندهما الذهب، فقال ذلك، فالآية على رواية عمر ابن عبد العزيز فى أهل عصر نبينا صلى الله عليه وسلم، أو من آمن به فى عصره. وقيل: الآية فى كل من لم يؤد الزكاة من ماله، وما يلزمه من أهل الحقوق: من موحد ومشرك وكتابى قبل النبى، أو عنده أو بعده، وعن أبى ذر: نزلت فينا وفى أهل الكتاب، وقال معاوية: وعثمان فيهم، وخالف أبو ذر معاوية فى الشام بذلك فشكاه إلى عثمان فى المدينة، فكتب إليه أن أقدم فقدم، وما أديت زكاته فليس كنز أو لو بلغ الأرض السابعة، انظر إلى كثرة مال عبد الرحمن بن عوف وغيره من الصحابة. وأما قوله: "تبًّا للذهب تباً للفضة" ثلاثا فقيل نزول آية الزكاة أو لما يجران إليه من المعصية، وأما قوله: على ما زاد على أربعة آلاف درهم كنز ولو أديت زكاته فحمل على الأفضل، وترغيب فى التطوع، وفى الآية تقبيح حال مانع الزكاة، وقرنه باليهود والنصارى الشديدى الحرص على المال، البخيلين، المرتشين، وقد قاله ابن عباس، والسدى، وأبو ذر. وفى رواية عنه: نزلت فى مانعى الزكاة من الموحدين، وقرنوا بهؤلاء الأقبحين اليهود والنصارى فى الشح على المال، والمشهور عن أبى ذر: أنها فيمن منع الزكاة من موحد وكتابى. وقرأ طلحة بن مصرف: الذين يكنزون بغير واو على الإبدال من كثيرا، ومن واو يأكلون أو يصدون، أو خبر لمحذوف، أو مفعول لمحذوف على الذم، وهى تجرى على قول معاوية وعثمان أنها فى أهل الكتاب، وقد روى أنه كان عثمان يريد نقض هذه الواو حين كتابة المصاحف، وأبى أبىّ بن كعب وقال: ليلحقنها أو لأضع ن سيفى على عاتقى فألحقها، وفى الحديث: "حديث : إن خير ما يكنز المرء المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته" تفسير : وتعينه على إيمانه، ولسان ذاكر، وقلب شاكر، وإن أصحاب المال هم الأخسرون إلا من فرقة.
اطفيش
تفسير : {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ناداهم تحذيرا عن فعل الرهبان والأَحبار من أَكل المال بالباطل، وتعجيبا من صدهم عن سبيل الله وعدم اتباعهم لكتبهم، فإياكم ومخالفة كتابكم القرآن، عاب أَتباعهم باتخاذهم أربابا، وفيه عيب قبولهم اتخاذ الأَتباع، وعابهم يأَكل المال باطلاً وبالصد، وعليهم بالحرص على المال فى قوله {إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} وبالحرص على الجاه فى قوله {وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ} يعرضون عن الحق من القرآن وغيره، ليبقوا فى مراتبهم محترمين آكلين لأَموال غيرهم، أَو يمنعون غيرهم عن الحق بإلقاء الشبه والخديعة ليبقوا أتباعا لهم، منتفعين باستخدامهم وأَموالهم، ومعنى أَكل أَموال الناس بالباطل، أَخذها بتحريف آيات التوراة والإِنجيل فى وصفه صلى الله عليه وسلم، وفى بعض الأَحكام وبكتابة من عندهم مع قولهم أَنها من الله جل وعز، وبالرشوة فى الحكم لا خصوص أَكلها فى البطن، إلا أَنه خص بالذكر لأَنه المقصود الأَعظم فى المال، والأَكل سبب للأَخذ والتملك وملزوم لهما، ويجوز العكس، وهو أَن الأَخذ والتملك مسببان للأَكل ولا زمان له، أَو المراد بالأَموال الأَطعمة، أو الأَكل استعارة للأَخذ، شبه مبالغتهم فى الأَخذ بلا تمييز للباطل منه، بالمبالغة فى الأَكل بلا تمييز طعام من طعام لشدة الجوع، لا يقال ببرودة هذه الاستعارة لأنه لا ذكر فى الآية للمبالغة، لأَنا نقول ذكرت بذكر الباطل، وليس معنى كثيراً أَكثر بحسب اللغة، بل يعم النصف وأَكثر وأَقل، ولو كان الواقع فى الصد والأَكل هو أَكثرهم، وقل من لم يفعل ذلك منهم على عهده صلى الله عليه وسلم أَو قبله. {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} من الأَحبار أَو من أَهل الكتاب أَو من المؤمنين أَو من الكل، وهو أَولى، وخص الذهب والفضة بالذكر لأَنهما أَعظم. قيل: ولأَنهما الأَصل الغالب فى الأَموال، وإلا فحكم النحاس المضروب سكة حكمها، وكذا كل مال تلزم فيه الزكاة أَو النفقة ولا تخرج، روى أَبو داود عن ابن عباس أَنه لما نزلت الآية كبرت على المسلمين، فقال عمر: أَنا أُفرج عنكم، فانطلق فقال: يا رسول الله، إنه كبر على أَصحابك هذه الآية، فقال: حديث : إِن الله لم يفرض الزكاة إلا لتطييب ما بقى من أَموالكم، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم، فكبر عمر، ثم قال: أَلاَ أُخبرك بخير ما يكنز المرءُ؟ المرأَة الصالحة إِذا نظر إليها سرته، وإِذا أَمرها أطاعته، وإِذا غاب عنها حفظتهتفسير : ، وروى الترمذى عن ثوبان: لما نزلت {والذين يكنزون} كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بعض أَسفاره، فقال بعض أَصحابه نزلت فى الذهب والفضة، فلو علمنا أَى المال خير اتخذناه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَفضله لسان ذاكر وقلب شاكر وزوج صالحة، تعين المؤمن على إيمانه"تفسير : : ولفظ الحديث زوجة صالحة بالتاء فى زوجة، والله لا يقول النبى ذلك إن شاءَ الله تعالى، وإنما يقول زوج، وكذا لا يقوله الصحابى ولا نحوه. وهذا مما يقوى ما ذهبت إليه، من أَنه لا يكون الحديث حجة في النحو، لأن رواته يغيرونه إلا ما لا يجوز، أَو يضعف جداً كضعف زوجة بالتاءِ. وضعف مثنى مثنى مرتين، وضعف قرن خبر كاد بأَن، ولم أَر حديثا لم يتكرر فيه مثنى ولا خبر كاد لم يقرن فيه بأَن، وذلك لا يوصف به كلامه صلى الله عليه وسلم ولو فى قليل، فكيف بالملازمة، فعلمنا أَن الرواة يحرفون لكنهم حافظوا على المعنى {وَلاَ يُنْفِقُونَها} أَفرد الضمير للتأْويل بالعين أَو بالورق وهو شامل للذهب والفضة أَو بالدنانير والدراهم والأَموال {فِى سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} كنز المال جمعه وإبقاؤه بدفن أَو بلا دفن، فذكر عدم الإِنفاق زيادة بيان أَو استعمل الكنز بمعنى الجمع تجريدا عن بعض معناه، وذكر البعض بقوله: ولا ينفقونها فى الزكاة والجهاد وأَنواع البر، وذلك فى أَهل الكتاب، وصفهم بالحرص فى جمع المال، ثم بالشح ونادى المسلمين تنبيها عن أَن يفعلوا فعلهم. كما قال معاوية. أَو فى الموحدين المانعين للزكاة، قرنهم بأَهل الكتاب والأَشحاءِ الفاعلين لمثل ذلك، كما قال ابن عباس، أَو فى الفريقين جميعا كما قال أَبو ذر، ولما نزلت أَتى عمر النبى صلى الله عليه وسلم فيها، وقد اشتدت عليه وعلى المسلمين فقال له إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقى من أَموالكم، فإِذا أَخرجنا الزكاة حل الباقى، ولو ملأَ السماوات والأَرضين، وقصة عمر هذه لا تتعين فى نزولها فى الموحدين، ولو قيل به لأَنها إنما نزلت فينا وفى أَهل الكتاب، فقد عمت أَيضا، وإِن نزلت فيهم فقد حذرنا الله أَن نكون مثلهم، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أَدى زكاته فليس بكنز"تفسير : ، رواه ابن عمر، وعن ابن عمر: ما أُديت زكاته فليس بكنز وإِن كان تحت سبع أَرضين، وما لم تؤد زكاته، فهو الذى ذكر الله ولو كان على ظهر الأَرض، والتغى بقوله: وإِن كان تحت سبع أَرضين معتبر بالإِخفاءِ لا بالكثرة، كما هو ظاهر، وكما دل له قوله: ولو كان على ظهر الأَرض، أَى غيرخفى، والمراد ليس بكنز موعود عليه فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ترك صفراءَ أَو بيضاءَ كوى بها"تفسير : ، يعنى تركها بلا زكاة، "حديث : ووجد فى إِزار رجل من أهل الصفة دينار، فقال صلى الله عليه وسلم: كية. وفى إزار رجل آخر ديناران فقال: كيتان"تفسير : ، وذلك قبل أَن تفرض الزكاة، أَو أَظهرا الفقر ولهما ذلك. وروى أَن أَبا ذر رضى الله عنه أَوجب على الناس أَن لا يدخروا دينارا ولا درهما، ولو بعد الزكاة وأَداءِ سائر الحقوق، فأَنكر الناس عليه كلهم بالأَحاديث وآيات المواريث. وعابوه على ذلك. فإن صح عنه فذلك هفوة منه، غفرها الله تعالى له، لا يوجد من لا يهفو، فقيل إن عثمان خاف أَن يتبع فى ذلك فنفاه إلى الربذة، وقيل اختار العزلة فاستشار عثمان فأَمره بالذهاب إليها. ونسب الرواة أَن لأَبى ذر حدة، وأَن كعب الأَحبار رضى الله عنه نهاه عن ذلك، فقال: ليس هذا فى اليهودية التى هى أَضيق الشرائع، وكيف يكون فى الملة السمحة، وإنه قال له: ليست المسأَلة من ذلك يا يهودى، وتبعه بالعصا حتى أَوصله عثمان فكفه عنه، فقيل: ضربه ووقعت العصا على عثمان، قلت: لا يصح عنه أن يقول له يا يهودى معايرة له بنسبه ولا بما تاب منه، وإن صح فما هو إلا قد تاب، لأَنه صلى الله عليه وسلم قال إِنه من أَهل الجنة، والذين معطوف على كثير، والفاء تفريع أَو منصوب على الاشتغال أَو مبتدأُ والفاءُ صلة أَو تشبيه المشروط باسم الشرط، وفى الأَخير الإِخبار بالصلب وسائر أَموال الزكاة فى حكم الذهب والفضة وخصهما بالذكر لأَنهما أَعظم ولأَنهما أَسهل للإِخفاءِ والتبشير استعارة تهكمية لعلاقة التضاد، أَو مجاز مرسل لعلاقة الإِطلاق والتقييد.
الالوسي
تفسير : {يَـا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} شروع في بيان حال الأحبار والرهبان في إغوائهم لأراذلهم إثر بيان سوء حال الأتباع في اتخاذهم لهم أرباباً، وفي ذلك تنبيه للمؤمنين حتى لا يحوموا حول ذلك الحمى ولذا وجه الخطاب إليهم {إِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ} يأخذونها بالارتشاء لتغيير الأحكام والشرائع والتخفيف والمسامحة فيها، والتعبير عن الأخذ بالأكل مجاز مرسل والعلاقة العلية والمعلولية أو اللازمية والملزومية فإن الأكل ملزوم للأخذ كما قيل. وجوز أن يكون المراد من الأموال الأطعمة التي تؤكل بها مجازاً مرسلاً ومن ذلك قوله:شعر : يأكـلن كل ليلـة أكافـا تفسير : فإنه يريد علفاً يشترى بثمن أكاف. واختار هذا العلامة الطيبـي وهو أحد وجهين ذكرهما الزمخشري، وثانيهما أن يستعار الأكل للأخذ وذلك على ما قرره العلامة أن يشبه حالة أخذهم أموال الناس من غير تمييز بين الحق والباطل وتفرقة بين الحلال والحرام للتهالك على جمع حطامها بحالة منهمك جائع لا يميز بين طعام وطعام في التناول، ثم ادعى أنه لا طائل تحت هذه الاستعارة وأن استشهاده بأخذ الطعام وتناوله سمج، وأجيب بأن الاستشهاد به على أن بين الأخذ والتناول شبهاً وإلا فذاك عكس المقصود، وفائدة الاستعارة المبالغة في أنه أخذ بالباطل لأن الأكل غاية الاستيلاء على الشيء ويصير قوله تعالى: {بِٱلْبَـٰطِلِ} على هذا زيادة مبالغة ولا كذلك لو قيل يأخذون {وَيَصُدُّونَ} الناس / {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي دين الإسلام أو عن المسلك المقرر في كتبهم إلى ما افتروه وحرفوه بأخذ الرشا. ويجوز أن يكون {يَصِدُّونَ} من الصدود على معنى أنهم يعرضون عن سبيل الله فيحرفون ويفترون بأكلهم أموال الناس بالباطل. {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ} أي يجمعونهما ومنه ناقة كناز اللحم أي مجتمعته، ولا يشترط في الكنز الدفن بل يكفي مطلق الجمع والحفظ، والمراد من الموصول إما الكثير من الأحبار والرهبان لأن الكلام في ذمهم ويكون ذلك مبالغة فيه حيث وصفوا بالحرص بعد وصفهم بما سبق من أخذ البارطيل في الأباطيل وإما المسلمون لجري ذكرهم أيضاً وهو الأنسب بقوله تعالى: {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} لأنه يشعر بأنهم ممن ينفق في سبيله سبحانه لأنه المتبادر من النفي عرفاً فيكون نظمهم في قرن المرتشين من أهل الكتاب تغليظاً ودلالة على كونهم أسوة لهم في استحقاق البشارة بالعذاب، واختار بعض المحققين حمله على العموم ويدخل فيه الأحبار والرهبان دخولاً أولياً، وفسر غير واحد الإنفاق في سبيل الله بالزكاة لما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أنه لما نزلت هذه الآية كبر ذلك على المسلمين فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أنا أفرج عنكم فانطلق فقال: يا نبـي الله إنه كبر على أصحابك هذه الآية فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله تعالى لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم». وأخرج الطبراني والبيهقي في «سننه». وغيرهما عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما أدى زكاته فليس بكنز» تفسير : أي بكنز أوعد عليه فإن الوعيد عليه مع عدم الإنفاق فيما أمر الله تعالى أن ينفق فيه، ولا يعارض ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:«حديث : من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها»تفسير : لأن المراد بذلك ما لم يؤد حقه كما يرشد إليه ما أخرجه الشيخان عن أبـي هريرة «حديث : ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فيكوى بها جنبه وجبينه» تفسير : وقيل: إنه كان قبل أن تفرض الزكاة وعليه حمل ما رواه الطبراني عن أبـي أمامة قال «توفي رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار فقال النبـي صلى الله عليه وسلم كية ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال عليه الصلاة والسلام كيتان»، وقيل: بل هذا لأن الرجلين أظهرا الفقر ومزيد الحاجة بانتظامهما في سلك أهل الصفة الذين هم بتلك الصفة مع أن عندهما ما عندهما فكان جزاؤهما الكية والكيتين لذلك، وأخذ بظاهر الآية فأوجب إنفاق جميع المال الفاضل عن الحاجة أبو ذر رضي الله تعالى عنه وجرى بينه لذلك وبين معاوية رضي الله عنه في الشام ما شكاه له إلى عثمان رضي الله تعالى عنه في المدينة فاستدعاه إليها فرآه مصراً على ذلك حتى إن كعب الأحبار رضي الله عنه قال له: يا أبا ذر إن الملة الحنيفية أسهل الملل وأعدلها وحيث لم يجب إنفاق كل المال في الملة اليهودية وهي أضيق الملل وأشدها كيف يجب فيها فغضب رضي الله تعالى عنه وكانت فيه حدة وهي التي دعته إلى تعيير بلال رضي الله عنه بأمه وشكايته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله فيه: «إنك امرؤ فيك جاهلية» فرفع عصاه ليضربه وقال له: يا يهودي ما ذاك من هذه المسائل فهرب كعب فتبعه حتى استعاذ بظهر عثمان رضي الله تعالى عنه فلم يرجع حتى ضربه. وفي رواية أن الضربة وقعت على عثمان، وكثر المعترضون على أبـي ذر في دعواه تلك، وكان الناس يقرؤون له آية المواريث ويقولون: لو وجب إنفاق كل المال لم يكن للآية وجه، وكانوا يجتمعون عليه مزدحمين حيث حل مستغربين منه ذلك فاختار العزلة فاستشار عثمان فيها فأشار إليه بالذهاب إلى الربذة فسكن فيها حسبما / يريد، وهذا ما يعول عليه في هذه القصة، ورواها الشيعة على وجه جعلوه من مطاعن ذي النورين وغرضهم بذلك إطفاء نوره ويأبـى الله إلا أن يتم نوره {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} خبر الموصول، والفاء لما مر غير مرة. وجوز أن يكون الموصول في محل نصب بفعل يفسره {فَبَشِّرْهُم} والتعبير بالبشارة للتهكم.
ابن عاشور
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}. استئناف ابتدائي لتنبيه المسلمين على نقائص أهل الكتاب، تحقيراً لهم في نفوسهم، ليكونوا أشدّاء عليهم في معاملتهم، فبعد أن ذكر تأليه عامتهم لأفاضل من أحبارهم ورهبانهم المتقدّمين: مثلِ عُزير، بين للمسلمين أنّ كثيراً من الأحبار والرهبان المتأخّرين ليسوا على حال كمال، ولا يستحقّون المقام الديني الذي ينتحلونه، والمقصود من هذا التنبيه أن يعلم المسلمون تمالىء الخاصّة والعامّة من أهل الكتاب، على الضلال وعلى مناواة الإسلام، وأنّ غرضهم من ذلك حبّ الخاصة الاستيثار بالسيادة، وحبّ العامّة الاستيثار بالمزية بين العرب. وافتتاح الجملة بالنداء واقترَانها بحرفي التأكيد، للاهتمام بمضمونها ورفع احتمال المبالغة فيه لغرابته. وتقدّم ذكر الأحبار والرهبان آنفاً. وأسند الحكم إلى كثير منهم دون جميعهم لأنّهم لم يخلوا من وجود الصالحين فيهم مثل عبد الله بن سلاَم ومُخَيْرِيق. والباطل ضدّ الحقّ، أي يأكلون أموال الناس أكلاً ملابساً للباطل، أي أكلاً لا مبرّر له، وإطلاق الأكل على أخذ مال الغير إطلاق شائع قال تعالى: {أية : وتأكلون التراث أكلا لما}تفسير : [الفجر: 19] ــــ وقال ــــ {أية : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون} تفسير : في سورة البقرة (188) وقد تقدّم، وكذلك الباطل تقدّم هنالك. والباطل يشمل وجوها كثيرة، منها تغيير الأحكام الدينية لموافقة أهواء الناس، ومنها القضاء بين الناس بغير إعطاء صاحبِ الحقّ حقّه المعين له في الشريعة، ومنها جحد الأمانات عن أربابها أو عن ورثتهم، ومنها أكل أموال اليتامى، وأموال الأوقاف والصدقات. وسبيل الله طريقهُ استعير لدينه الموصّل إليه، أي إلى رضاه، والصدّ عن سبيل الله الإعراض عن متابعة الدين الحقّ في خاصّة النفس، وإغراءُ الناس بالإعراض عن ذلك. فيكون هذا بالنسبة لأحكام دينهم إذ يغيرون العمل بها، ويضلّلون العامّة في حقيقتها حتّى يعملوا بخلافها، وهم يحسبون أنّهم متّبعون لدينهم، ويكون ذلك أيضاً بالنسبة إلى دين الإسلام إذ ينكرون نبوءة محمد - صلى الله عليه وسلم - ويعلِّمون أتباع ملّتهم أنّ الإسلام ليس بدين الحقّ. والأجل ما في الصدّ من معنى صدّ الفاعل نفسَه أتت صيغة مضارعهِ بضمّ العين: اعتباراً بأنّه مضاعف متعدّ، ولذلك لم يجىء في القرآن إلاّ مضموم الصاد ولو في المواضع التي لا يراد فيها أنّه يصدّ غيره، وتقدّم ذكر شيء من هذا عند قوله تعالى: {أية : الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً}تفسير : في سورة الأعراف (45). {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. جملة معطوفة على جملة {يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً} والمناسبة بين الجمْلتين: أنّ كلتيهما تنبيه على مساوي أقوام يضَعُهم الناس في مقامات الرفعة والسؤدد وليسوا أهلاً لذلك، فمضمون الجملة الأولى بيان مساوي أقوام رفع الناس أقدارهم لعلمهم ودينهم، وكانوا منطوين على خبائث خفيّة، ومضمون الجملة الثانية بيان مساوي أقوام رفعهم الناس لأجل أموالهم، فبين الله أنّ تلك الأموال إذا لم تنفق في سبيل الله لا تغني عنهم شيئاً من العذاب. وأمّا وجه مناسبة نزول هذه الآية في هذه السورة: فذلك أنّ هذه السورة نزلت إثر غزوة تبوك، وكانت غزوة تبوك في وقت عُسرة، وكانت الحاجة إلى العُدّةِ والظهر كثيرة، كما أشارت إليه آية {أية : ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون}تفسير : [التوبة: 92] وقد ورد في «السيرة» أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حض أهل الغنى على النفقة والحُمْلان في سبيل الله، وقد أنفق عثمان بن عفان ألفَ دينار ذهباً على جيش غزوة تبوك وحَمَل كثيرٌ من أهل الغنى فالذين انكمشوا عن النفقة هم الذين عنتهم الآية بــــ {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} ولا شكّ أنّهم من المنافقين. والكَنز ـــ بفتح الكاف ـــ مصدر كنز إذا ادّخر مالاً، ويطلق على المال من الذهب والفضة الذي يُخزن، من إطلاق المصدر على المفعول كالخَلْق بِمعنى المخلوق. و{سبيل الله} هو الجهاد الإسلامي وهو المراد هنا. فالموصول مراد به قوم معهودون يَعرِفون أنّهم المراد من الوعيد، ويعرفهم المسلمون فلذلك لم يثبت أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أنبَ قوماً بأعيانهم. ومعنى {ولا ينفقونها في سبيل الله} انتفاء الإنفاق الواجب، وهو الصدقات الواجبة والنفقاتُ الواجبة: إمّا وجوباً مستمرّاً كالزكاة، وإمّا وجوباً عارضاً كالنفقة في الحجّ الواجبِ، والنفقة في نوائب المسلمين ممّا يدعو الناسَ إليه وُلاَةُ العدل. والضمير المؤنّث في قوله: {ينفقونها} عائد إلى الذهب والفضة. والوعيد منوط بالكَنز وعدمِ الإنفاق، فليس الكنز وحْده بمتوعد عليه، وليست الآية في معرض أحكام ادّخار المال، وفي معرض إيجاب الإنفاق، ولا هي في تعيين سبل البرّ والمعروف التي يجب الإخراج لأجلها من المال، ولا داعي إلى تأويل الكنز بالمال الذي لم تُؤدّ زكاته حين وجوبها، ولا إلى تأويل الإنفاق بأداء الزكاة الواجبة، ولا إلى تأويل {سبيل الله} بالصدقات الواجبة، لأنّه ليس المراد باسم الموصول العموم بل أريد به العهد، فلا حاجة إلى ادّعاء أنّها نسختها آية وجوب الزكاة، فإن وجوب الزكاة سابق على وقت نزول هذه الآية. ووقع في «الموطأ» أنّ عبد الله بن عُمر سئل عن الكنز، أي المذموم المتوعّد عليه في آية {والذين يكنزون الذهب والفضة} الآيةِ ما هو؟ فقال: هو المال الذي لا تؤدَّى منه الزكاة. وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من كان عنده مال لم يؤدّ زكاته مُثِّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زَبيبَتَان يُطَوَّقه ثم يأخذ بلَهْزَمَتَيْهِ ــــ يعني شِدْقيه ــــ ثم يقول: أنا مالك أنا كَنزُك»تفسير : فتأويله أن ذلك بعض ماله وبعض كنزه، أي فهو الكنز المذموم في الكتاب والسنّة وليس كلّ كنز مذموماً. وشذّ أبو ذرّ فحمل الآية على عموم الكانزين في جميع أحوال الكنز، وعلى عموم الإنفاق، وحَمَل سبيل الله على وجوه البرّ، فقال بتحريم كَنز المال، وكأنّه تأول {ولا ينفقونها} على معنى ما يسمّى عطف التفسير، أي على معنى العطف لمجرّد القرن بين اللفظين، فكان أبو ذرّ بالشام ينهى الناس على الكنز ويقول: بشّر الكانزين بمكاو من نار تكْوَى بها جباههم وجُنوبهم وظهورهم، فقال له معاوية: وهو أمير الشام، في خلافة عثمان: إنّما نزلت الآية في أهل الكتاب، فقال أبو ذرّ: نزلت فيهم وفينا، واشتدّ قول أبي ذرّ على الناس ورأوه قولاً لم يقله أحد في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فشكاه معاويةُ إلى عثمان، فاستجلبه من الشام وخشي أبو ذَر الفتنةَ في المدينة فاعتزلها وسكن الربذة وثبت على رأيه وقوله. والفاء في قوله: {فبشرهم} داخلة على خبر الموصول، لتنزيل الموصول منزلة الشرط، لما فيه من الإيماء إلى تعليل الصلة في الخبر، فضمير الجمع عائد إلى {الذين} ويجوز كون الضمير عائداً إلى الأحبار والرهبان والذين يكنزون. والفاء للفصيحة بأن يكون بعد أنْ ذَكَر آكلي الأموال الصادّين عن سبيل الله وذكَر الكانزين، أمر رسوله بأن يُنذر جميعهم بالعذاب، فدلّت الفاء على شرط محذوف تقديره: إذا علمتَ أحوالهم هذه فبشّرهم، والتبشير مستعار للوعيد على طَريقة التهكّم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} الآية. أظهر الأقوال وأقربها للصواب في معنى {يَكْنِزُونَ} في هذه الآية الكريمة، أن المراد بكنزهم الذهب والفضة وعدم إنفاقهم لها في سبيل الله، أنهم لا يؤدون زكاتهما. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وأمَّا الكنز؟ فقال مالك: عن عبد الله بن دينار. عن ابن عمر. هو المال الذي لا تؤدى زكاته. وروى الثوري، وغيره، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ما أدى زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وما كان ظاهراً لا تؤدى زكاته فهو كنز، وقد روي هذا عن ابن عباس، وجابر، وأبي هريرة، موقوفاً ومرفوعاً. وقال عمر بن الخطاب نحوه: أيما مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفوناً في الأرض، وأيما مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه، وإن كان على وجه الأرض اهـ. وممن روى عنه هذا القول عكرمة، و السدي، ولا شك أن هذا القول أصوب الأقوال، لأن من أدى الحق الواجب في المال الذي هو الزكاة لا يكوى بالباقي إذا أمسكه، لأن الزكاة تطهره كما قال تعالى: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} تفسير : [التوبة: 103] ولأن المواريث ما جعلت إلا في أموال تبقى بعد مالكيها. ومن أصرح الأدلة في ذلك، حديث طلحة بن عبيد الله وغيره في قصة الأعرابي أخي بني سعد، من هوازن، وهو ضمام بن ثعلبة لما أخبره النَّبي صلى الله عليه وسلم: بأن الله فرض عليه الزكاة، وقال: هل على غيرها، فإن النَّبي قال له: لا، إلا أن تطوع: وقوله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ} تفسير : [البقرة: 219] وقد قدمنا في "البقرة" تحقيق أنه ما زاد على الحاجة التي لا بد منها، وقوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق" الحديث، لأن صدقة نكرة في سياق النفي فهي تعم نفي كل صدقة. وفي الآية أقوال أخر: منها: أنها منسوخة بآيات الزكاة كقوله: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُم} تفسير : [التوبة: 103] الآية. وذكر البخاري هذا القول بالنسخ عن ابن عمر أيضاً. وبه قال عمر بن عبد العزيز وعراك بن مالك. اهـ. وعن علي أنه قال: أربعة آلاف فما دونها نفقة وما كان أكثر من ذلك فهو كنز، ومذهب أبي ذر رضي الله عنه في هذه الآية معروف، وهو أنه يحرم على الإنسان أن يدخر شيئاً فاضلاً عن نفقة عياله. اهـ ولا يخفى أن ادخار ما أديت حقوقه الواجبة لا بأس به، وهو كالضروري عند عامة المسلمين. فإن قيل: ما الجواب عما رواه الإمام أحمد، عن علي رضي الله عنه، قال: حديث : مات رجل من أهل الصفة، وترك دينارين أو درهمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيتان صلوا على صاحبكم" تفسير : اهـ. وما رواه قتادة عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة. صدى بن عجلان قال: حديث : مات رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كية" ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيتان"تفسير : : وما روى عبد الرزاق وغيره عن علي رضي الله عنه، أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تباً للذهب تباً للفضة" يقولها ثلاثاً فشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: فأي مال نتخذ؟ فقال عمر رضي الله عنه: أنا أعلم لكم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: إن أصحابك قد شق عليهم وقالوا: فأي المال نتخذ؟ فقال: "لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً وزوجة تعين أحدكم على دينه"تفسير : . ونحو ذلك من الأحاديث. فالجواب - والله تعالى أعلم - أن هذا التغليظ كان أولاً ثم نسخ بفرض الزكاة كما ذكره البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما. وقال ابن حجر في (فتح الباري): قال ابن عبد البر: وردت عن أبي ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش. فهو كنز يذم فاعله. وأن آية الوعيد نزلت في ذلك. وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم، وحملوا الوعيد على مانع الزكاة، إلى أن قال: فكان ذلك واجباً في أول الأمر، ثم نسخ، ثم ذكر عن شداد بن أوس أنه قال: كان أبو ذر يسمع الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه الشدة ثم يخرج إلى قومه ثم يرخص فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم فلا يسمع الرخصة، ويتعلق بالأمر الأول. اهـ. وقال بعض العلماء: هي في خصوص أهل الكتاب، بدليل إقترانها مع قوله: {إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ} [التوبة: 34] الآية. فإذا علمت أن التحقيق أن الآية عامة، وأنها في من لا يؤدي الزكاة، فاعلم أن المراد بها هو المشار إليه في آيات الزكاة. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، أن البيان بالقرآن إذا كان غير واف بالمقصود نتمم البيان من السنة، من حيث إنها بيان للقرآن المبين به، وآيات الزكاة كقوله: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}تفسير : [التوبة: 103] الآية، وقوله: {أية : وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ}تفسير : [البقرة:277] وقوله: {أية : أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْض} تفسير : [البقرة: 267] لا تفي بالبيان فتبينه بالسنة، وقد قال ابن خويز منداد المالكي، تضمنت هذه الآية: زكاة العين، وهي تجب بأربعة شروط، حرية، وإسلام، وحول، ونصاب سليم من الدين. اهـ وفي بعض هذه الشروط خلاف. مسائل من أحكام هذه الآية الكريمة المسألة الأولى: في قدر نصاب الذهب والفضة، وفي القدر الواجب إخراجه منهما. أما نصاب الفضة، فقد اجمع جميع العلماء على أنه مائتا درهم شرعي، ووزن الدرهم الشرعي ستة دوانق، وكل عشرة دراهم شرعية فهي سبعة مثاقيل، والأوقية أربعون درهماً شرعياً. وكل هذا أجمع عليه المسلمون فلا عبرة بقول المريسي، الذي خرق به الإجماع. وهو اعتبار العدد في الدراهم لا الوزن، ولا بما انفرد به السرخسي من الشافعية، زاعماً أنه وجه في المذهب، من أن الدراهم المغشوشة إذا بلغت قدراً لو ضم إليه قيمة الغش من نحاس مثلاً لبلغ نصاباً أن الزكاة تجب فيه، كما نقل عن أبي حنيفة، ولا بقول ابن حبيب الأندلسي، إن أهل كل بلد يتعاملون بدراهمهم، ولا بما ذكره ابن عبد البر. من اختلاف الوزن بالنسبة إلى دراهم الأندلس وغيرها من دراهم البلاد، لأن النصوص الصحيحة الصريحة التي أجمع عليها المسلمون مبينة أن نصاب الفضة مائتا درهم شرعي بالوزن الذي كان معروفاً في مكة. اهـ. وكل سبعة مثاقيل فهي عشرة دراهم، فقد اخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليس فيما دون خمس أواق صدقة" تفسير : ورواه مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه. وقد أجمع جميع المسلمين، وجمهور أهل اللسان العربي، على أن الأوقية أربعون درهماً، وما ذكره أبو عبيد وغيره، من أن الدرهم كان مجهولاً قدره حتى جاء عبد الملك بن مروان، فجمع العلماء فجعلوا كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل لا يخفى سقوطه وأنه لا يمكن أن يكون نصاب الزكاة وقطع السرقة مجهولاً في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين رضي الله عنهم، حتى يحققه عبد الملك. والظاهر أن معنى ما نقل من ذلك: أنه لم يكن شيء منها من ضرب الإسلام، وكانت مختلفة الوزن بالنسبة إلى العدد: فعشرة مثلاً وزن عشرة، وعشرة وزن ثمانية، فاتفق الرأي على أن تنقش بكتابة عربية ويصيرونها وزناً واحداً. وقد ذكرنا تحقيق وزن الدرهم في الأنعام، وقال بعض العلماء: يغتفر في نصاب الفضة النقص اليسير الذي تروج معه الدراهم رواج الكاملة. وظاهر النصوص أنه لا زكاة إلا في نصاب كامل، لأن الناقص ولو بقليل يصدق عليه أنه دون خمس أواق، والنَّبي صلى الله عليه وسلم: صرح بأن ما دونها ليس فيه صدقة. فإذا حققت النص والإجماع: على ان نصاب الفضة مائتا درهم شرعي، وهي وزن مائة وأربعين مثقالاً من الفضة الخالصة، فاعلم أن القدر الواجب إخراجه منها ربع العشر بإجماع المسلمين، وقد ثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : وفي الرقة ربع العشر" تفسير : والرقة: الفضة. قال البخاري في صحيحه في باب "زكاة الغنم": حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري، قال: حدثني أبي، قال: حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس. أن أنساً حدثه، أن ابا بكر رضي الله عنه، كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين "بسم الله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ، هذه فريضة الصدقة، التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله" الحديث: وفيه. وفي الرقة: ربع العشر، وهو نص صريح صحيح أجمع عليه جميع المسلمين. فتحصل أنه لا خلاف بين المسلمين في وجوب الزكاة في الفضة، ولا خلاف بينهم في أن نصابها مائتا درهم شرعي، ولا خلاف بينهم في أن اللازم فيها ربع العشر. وجمهور العلماء: على أنها لا وقص فيها خلافاً لأبي حنيفة، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والحسن البصري، والشعبي، ومكحول، وعمرو بن دينار، والزهري، القائلين: بأنه لا شيء في الزيادة على المائتين حتى تبلغ أربعين، ففيها درهم. وأما الذهب: فجماهير علماء المسلمين، على أن نصابه عشرون ديناراً والدينار: هو المثقال، فلا عبرة بقول من شذ وخالف جماهير علماء المسلمين، كما روي عن الحسن في أحد قوليه: أن نصاب الذهب أربعون ديناراً، وكقول طاوس، أن نصاب الذهب معتبر بالتقويم بالفضة، فما بلغ منه قيمة مائتي درهم وجبت فيه الزكاة. وجماهير علماء المسلمين أيضاً، على أن الواجب فيه ربع العشر. والدليل على ما ذكرنا عن جمهور علماء الأمة، أن نصاب الذهب عشرون ديناراً، والواجب فيه ربع العشر، ما أخرجه أبو داود، في سننه، حدثنا سليمان بن داود المَهري، أخبرنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، وسمى آخر، عن ابي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، والحارث الأعور، عن علي رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قال: "حديث : فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون ديناراً فإذا كان لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول، ففيه انصف دينار، فما زاد فَبِحِسَاب ذلك" تفسير : قال: فلا أدري أَعَلِيٌ يقول فَبِحِسَاب ذلك، أو رفعه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم؟ وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول، إلا أن جريراً قال: ابن وهب، يزيد في الحديث عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول"تفسير : اهـ. فإن قيل: هذا الحديث مضعف بالحارث الأعور، وعاصم بن ضمرة، لأنهما ضعيفان، وبأن الدارقطني، قال: الصواب وقفه على علي، وبأن ابن المواق قال: إن فيه علة خفية وهي، أن جرير بن حازم، لم يسمعه من أبي إسحاق، فقد رواه حفاظ أصحاب ابن وهب، سحنون، وحرملة، ويونس، وبحر بن نصر، وغيرهم، عن ابن وهب، عن جرير بن حازم والحارث بن نبهان، عن الحسن بن عمارة عن أبي إسحاق، فذكره، قال ابن المواق: الحمل فيه على سليمان، شيخ أبي داود، فإنه وهم في إسقاط رجل - اهـ. وبأن الشافعي رحمه الله قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم في الورق صدقة، وأخذ المسلمون بعده في الذهب صدقة، إما بخبر عنه لم يبلغنا، وإما قياساً، اهـ: وهو صريح عن الشافعي: بأنه يرى، أن الذهب لم يثبت فيه شيء في علمه، وبأن ابن عبد البر، قال: لم يثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في زكاة الذهب شيء من جهة نقل الآحاد الثقات. لكن روى الحسن بن عمارة، عن أبي إسحاق، عن عاصم، والحارث، عن علي، فذكره، وكذا رواه أبو حنيفة: ولو صح عنه لم يكن فيه حجة لأن الحسن بن عمارة متروك. وبأن ابن الحزم قال: لم يثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في نصاب الذهب، ولا في القدر الواجب فيه شيء. وذكر: أن الحديث المذكور، من رواية الحارث الأعور مرفوع، والحارث، ضعيف لا يحتج به، وكذبه غير واحد، قال: وأما رواية عاصم بن ضمرة. فهي موقوفة على علي رضي الله عنه، قال: وكذلك رواه شعبة، وسفيان، ومعمر عن أبي إسحاق، عن عاصم، موقوفاً: وكذا كل ثقة رواه عن عاصم. فالجواب من أوجه: الأول: أن بعض العلماء قال: إن هذا الحديث ثابت، قال الترمذي: وقد روى طرفاً من هذا الحديث وروى هذا الحديث الأعمش، وأبو عوانة، وغيرهما، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، ورواه سفيان الثوري، وابن عيينة، وغير واحد، عن أبي إسحاق، عن الحارث عن علي، وسألت محمداً - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: كلاهما عندي صحيح، اهـ. فترى الترمذي، نقل عن البخاري، تصحيح هذا الحديث، وقال النووي في (شرح المهذب) وأما حديث عاصم عن علي رضي الله عنه، فرواه أبو داود وغيره بإسناد حسن، أو صحيح، عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم، اهـ. وقال الشوكاني في (نيل الأوطار) وحديث علي هو من حديث أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، وعاصم بن ضمرة، وقد تقدم أن البخاري قال: كلاهما عنده صحيح، وقد حسنه الحافظ، اهـ محل الغرض من كلام الشوكاني. الوجه الثاني: أنه يعتضد بما رواه الدارقطني، من حديث محمد بن عبد الله بن جحش، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: أنه أمر معاذاً، حين بعثه إلى اليمن، أن يأخذ من كل أربعين ديناراً ديناراً. الحديث ذكره ابن حجر، في (التلخيص) وسكت عليه. ومما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ولا في أقل من عشرين مثقالاً من الذهب شيء" تفسير : قال النووي: غريب، اهـ. الوجه الثالث: المناقشة بحسب صناعة علم الحديث والأصول فنقول: سلمنا أن الحارث الأعور ضعيف كما تقدم في المائدة، وإن وثقه ابن معين، فيبقى عاصم بن ضمرة، الذي روى معه الحديث، فإن حديثه حجة وقد وثقه ابن المديني. وقال: النسائي: ليس به بأس. وقال فيه ابن حجر في (التقريب): عاصم بن ضمرة السلولي الكوفي: صدوق وتعتضد روايته برواية الحارث، وإن كان ضعيفاً. وبما ذكرنا عن محمد بن عبد الله بن جحش، وعمرو بن شعيب. فبهذا تعلم أن تضعيف الحديث بضعف سنده مردود. وقد قدمنا عن الترمذي، أن البخاري قال: كلاهما صحيح. وقد قدمنا أن النووي قال فيه: حسن أو صحيح. ونقل الشوكاني، عن ابن حجر: أنه حَسَّنَهُ. أما ما أعله به ابن المواق، من أن جرير بن حازم لم يسمعه من أبي إسحاق. لأن بينهما الحسن بن عمارة وهو متروك، فهو مردود. لأن الحديث ثابت من طرق متعددة صحيحة إلى أبي إسحاق، وقد قدمنا أن الترمذي قال: وذكر طرفاً منه، هذا الحديث، رواه الأعمش، وأبو عوانة وغيرهما، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، ورواه سفيان الثوري، وابن عيينة، وغير واحد، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي. اهـ. فترى: أن أبا عوانة، والأعمش، والسفيانين، وغيرهم، كلهم رووه عن أبي إسحاق. وبه تعلم بأن إعلال ابن المواق له بأن راويه عن أبي إسحاق الحسن بن عمارة - وهو متروك - إعلال ساقط. لصحة الحديث إلى أبي إسحاق، فإذا حققت رد تضعيفه بأن عاصماً صدوق، ورد إعلال ابن المواق له، فاعلم أن إعلال ابن حزم له بأن المرفوع رواية الحارث، وهو ضعيف: وأن رواية عاصم بن ضمرة، موقوفة على علي، مردود من وجهين. الأول: أن قدر نصاب الزكاة، وقدر الواجب فيه، كلاهما أمر توقيفي لا مجال للرأي فيه والاجتهاد، والموقوف إن كان كذلك فله حكم الرفع، كما علم في علم الحديث والأصول. قال العلوي الشنقيطي في (طلعة الأنوار): شعر : وما أتى عن صاحب مما منع فيه مجال الرأي عندهم رفع تفسير : وقال العراقي في ألفيته: شعر : وما أتى عن صاحب بحيث لا يقال رأيا حكمه الرفع على ما قال في المحصول نحو من أتى فالحاكم الرفع لهذا أثبتا تفسير : الثاني: أن سند أبي داود الذي رواه به حسن، أو صحيح، كما قاله النووي، وغيره، والرفع من زيادات العدول، وهي مقبولة، قال في (راقي السعود): شعر : والرفع والوصل وزيد اللفظ مقبولة عند إمام الحفظ تفسير : الخ... الوجه الرابع: اعتضاد الحديث المذكور بإجماع الحجة من علماء المسلمين إلا من شذ عن السواد الأعظم على العمل بمقتضاه، وإجماع المسلمين إذا وافق خبر آحاد، فبعض العلماء يقول: يصير بمواقفة الإجماع له قطعياً كالمتواتر. وأكثر الأصوليين يقولون: لا يصير قطعياً بذلك. وفرق قوم، فقالوا: إن صرحوا بأن معتمدهم في إجماعهم هو ذلك الخبر. أفاد القطع، وإلا فلا، وأشار إلى ذلك في (مراقي السعود) بقوله: شعر : ولا يفيد القطع ما يوافق الإجماع والبعض بقطع ينطق وبعضهم يفيد حيث عولا عليه........... الخ تفسير : وعلى كل حال، فلا يخفى أنه يعتضد بعمل المسلمين به. الخامس: دلالة الكتاب، والسنة والإجماع، على أن الزكاة واجبة في الذهب. أما الكتاب فقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34] {أية : يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}تفسير : [التوبة: 35]. وأما السنة: فقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من صاحب ذهب، ولا فضة لا يؤدي منها حَقَّها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه، ووجهه وظهره، كلما بردت أُعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار"تفسير : ، الحديث. هذا لفظ مسلم في صحيحه، وهو صريح في وجوب الحق في الذهب، كالفضة، وقد أجمع على ذلك جميع العلماء، وإذن يكون الحديث المذكور بياناً لشيء ثابت قطعاً، وقد تقرر في الأصول أن البيان يجوز بما هو دون المبين دلالة وسنداً، كما أوضحناه في ترجمة هذا الكتاب. فتحصل أن نصاب الذهب عشرون مثقالاً، وما زاد فبحسابه، وأن الواجب فيه ربع العشر، كالفضة، وأن الذهب والفضة ليس فيهما وقص، بل كل ما زاد على النصاب فبحسابه، خلافاً لمن شذ فخالف في بعض ذلك، والعلم عند الله تعالى. تنبيه يجب اعتبار الوزن في نصاب الفضة والذهب بالوزن الذي كان معروفاً عند أهل مكة، كما يجب اعتبار الكيل في خمسة الأوسق التي هي نصاب الحبوب والثمار بالكيل الذي كان معروفاً عند أهل المدينة. قال النسائي في سننه في "كتاب الزكاة": أخبرنا أحمد بن سليمان، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن حنظلة، عن طاوُس عن ابن عمر عن النَّّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة ". تفسير : وقال أبو داود في سننه في "كتاب البيوع": حدثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا ابن دكين عن حنظلة، عن طاوس، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة"تفسير : ، وقال النووي في (شرح المهذب): وأما حديث "الميزان ميزان أهل مكة" إلى آخره فرواه أبو داود، والنسائي باسانيد صحيحة على شرط البخاري ومسلم من رواية ابن عمر، رضي الله عنهما. وقال أبو داود: روي من رواية ابن عباس، رضي الله عنهما. اهـ. قال الخطابي: معنى هذا الحديث أن الوزن الذي يتعلق به حق الزكاة وزن أهل مكة، وهي دار الإسلام، قال ابن حزم: وبحثت عنه غاية البحث من كل من وثقت بتمييزه: وكل اتفق لي على أن دينار الذهب بمكة وزنه اثنتان وثمانون حبة، وثلاثة أعشار حبة من حب الشعير المطلق، والدرهم سبعة أعشار المثقال، فوزن الدرهم سبع، وخمسون، وستة أعشار حبة، وعشر عشر حبة، فالرطل مائة، وواحد، وثمانية، وعشرون درهماً بالدرهم المذكور. اهـ. وفي القاموس في مادة "م ك ك" والمثقال درهم، وثلاثة أسباع، والدرهم ستة دوانق، والدانق قيراطان، والقيراط طسوجان، والطسوج حبتان، والحبة: سدس ثمن درهم، وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءاً من الدرهم. اهـ. وقد قدمنا الكلام على قدر خمسة الأوسق في سورة "الأنعام". المسألة الثانية: هل يضم الذهب والفضة بعضهما إلى بعض في الزكاة أو لا؟ لم أر في ذلك نصاً صريحاً عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، والعلماء مختلفون فيه، وقد توقف الإمام أحمد رحمه الله عن ضم أحدهما إلى الآخر في رواية الأثرم، وجماعة، وقطع في رواية حنبل بأنه لا زكاة عليه حتى يبلغ كل واحد منهما نصاباً. وممن قال بأن الذهب والفضة لا يضم بعضهما إلى بعض: الشافعي، وأبو ثور، وأبو عبيد وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وشريك. قال ابن قدامة: في (المغني) واختاره أبو بكر عبد العزيز. وممن قال: إن الذهب والفضة يضم بعضهما إلى بعض في تكميل النصاب: ومالك. والأوزاعي، والحسن وقتادة، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه. قال مقيده - عفا الله عنه-: والذي يظهر لي رجحانه بالدليل من القولين أن الذهب والفضة لا يضم أحدهما إلى الأخر لما ثبت في بعض الروايات الصحيحة كما رواه مسلم في صحيحه عن جابر أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : ليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة"تفسير : الحديث. فلو كان عنده أربع أواق من الورق الذي هو: الفضة، وما يكمل النصاب من الذهب فإنه يصدق عليه بدلالة المطابقة أنه ليس عنده خمس أواق من الورق. وقد صرح النَّبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح أنه لا صدقة في أقل من خمس أواق من الورق. وظاهر نص الحديث على اسم الورق يدل على أنه: لا زكاة في أقل من خمس أواق من الفضة. ولو كان عنده ذهب كثير. ولا دليل من النصوص يصرف عن هذا الظاهر. والعلم عند الله تعالى. المسألة الثالثة: اختلف العلماء في زكاة الحلي المباح. فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا زكاة فيه. وممن قال به مالك، والشافعي وأحمد في أصح قوليهما، وبه قال عبد الله بن عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعائشة، وأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، والشعبي، ومحمد بن علي، والقاسم بن محمد، وابن سيرين، والزهري، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وابن المنذر. وممن قال بأن الحلي المباح تجب فيه الزكاة: أبو حنيفة رحمه الله، وروي عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وبه قال ابن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وميمون بن مهران، وجابر بن زيد، والحسن بن صالح، وسفيان الثوري، وداود، وحكاه ابن المنذر أيضاً عن ابن المسيب، وابن جبير، وعطاء ومجاهد، وابن سيرين، وعبد الله بن شداد، والزهري. وسنذكر إن شاء الله تعالى حجج الفريقين، ومناقشة أدلتهما على الطرق المعروفة في الأصول، وعلم الحديث. ليتبين للناظر الراجح من الخلاف. اعلم أن من قال بأن الحلي المباح لا زكاة فيه: تنحصر حجته في اربعة أمور: الأول: حديث جاء بذلك عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: آثار صحيحة عن بعض الصحابة يعتضد بها الحديث المذكور. الثالث: القياس. الرابع: وضع اللغة. أما الحديث: فهو ما رواه البيهقي في معرفة السنن والآثار من طريق عافية بن أيوب، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لا زكاة في الحلي ". تفسير : قال البيهقي: وهذا الحديث لا أصل له، إنما روي، عن جابر من قوله غير مرفوع، والذي يروى عن عافية ابن أيوب، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً لا أصل له، وعافية بن أيوب مجهول: فمن احتج به مرفوعاً: كان مغروراً بدينه، داخلاً فيما نعيب به المخالفين من الاحتجاج برواية الكذابين، والله يعصمنا من أمثال هذا. قال مقيده: - عفا الله عنه - ما قاله الحافظ البيهقي، رحمه الله تعالى من أن الحكم برواية عافية المذكور لهذا الحديث مرفوعاً من جنس الاحتجاج برواية الكذابين فيه نظر. لأن عافية المذكور لم يقل فيه أحد إنه كذاب، وغاية ما في الباب أن البيهقي ظن أنه مجهول، لأنه لم يطلع على كونه ثقة، وقد اطلع غيره على أنه ثقة فوثقه، فقد نقل ابن أبي حاتم توثيقه، عن أبي زرعة. قال ابن حجر في (التخليص): عافية بن أيوب قيل ضعيف، وقال ابن الجوزي: ما نعلم فيه جرحاً، وقال البيهقي، مجهول، ونقل ابن أبي حاتم توثيقه عن أبي زرعة. ولا يخفى أن من قال إنه مجهول يقدم عليه من قال إنه ثقة: لأنه اطلع على ما لم يطلع عليه مدعي أنه مجهول، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والتجريح لا يقبل مع الإجمال. فعافية هذا وثقه أبو زرعة، والتعديل والتجريح يكفي فيهما واحد على الصحيح في الرواية دون الشهادة. قال العراقي في ألفيته: شعر : وصححوا اكتفاءهم بالواحد جرحا، وتعديلا خلاف الشاهد تفسير : والتعديل يقبل مجملاً بخلاف الجرح للاختلاف في أسبابه. قال العراقي في ألفيته: شعر : وصححوا قبول تعديل بلا ذكر لأسباب له أن تنقلا ولم يروا قبول جرح أبهما للخلف في أسبابه وربما استفسر الجرح فلم يقدح كما فسره شعبة بالركض فما هذا الذي عليه حفاظ الأثر كشيخي الصحيح مع أهل النظر تفسير : الخ... وهذا هو الصحيح: فلا شك أن قول البيهقي في عافية: إنه مجهول أولى منه بالتقديم قول أبي زرعة. إنه ثقة. لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وإذا ثبت الاستدلال بالحديث المذكور، فهو نص في محل النزاع. ويؤيد ما ذكر من توثيق عافية المذكور أن ابن الجوزي مع سعة اطلاعه، وشدة بحثه عن الرجال. قال: إنه لا يعلم فيه جرحاً. وأما الآثار الدالة على ذلك: فمنها ما رواه الإمام مالك في (الموطأ) عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه "أن عائشة زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي، فلا تخرج من حليهن الزكاة"، وهذا الإسناد عن عائشة في غاية الصحة، كما ترى. ومنها ما رواه مالك في (الموطأ) أيضاً، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه كان يحلي بناته وجواريه الذَّهب، ثم لا يخرج من حليهن الزكاة. وهذا الإسناد عن ابن عمر رضي الله عنهما في غاية الصحة كما ترى. وما قاله بعض أهل العلم من أن المانع من الزكاة في الأول أنه مال يتيمة، وأنه لا تجب الزكاة على الصبي، كما لا تجب عليه الصلاة. مردود بأن عائشة ترى وجوب الزكاة في أموال اليتامى، فالمانع من إخراجها الزكاة. كونه حلياً مباحاً على التحقيق. لا كونه مال يتيمة، وكذلك دعوى أن المانع لابن عمر من زكاة الحلي أنه لجوار مملوكات. وأن المملوك لا زكاة عليه مردود أيضاً بأنه كان لا يزكي حلي بناته مع أنه كان يزوج البنت له على ألف دينار يحليها منها بأربعمائة، ولا يزكي ذلك الحلي، وتركه لزكاته لكونه حلياً مباحاً على التحقيق. ومن الآثار الواردة في ذلك ما رواه الشافعي، أنا سفيان، عن عمرو بن دينار سمعت رجلاً يسأل جابر بن عبد الله عن الحلي فقال "زكاته عاريته" ذكره البيهقي في (السنن الكبرى)، وابن حجر في (التخليص) وزاد البيهقي فقال: وإن كان يبلغ ألف دينار فقال جابر كثير. ومنها ما رواه البيهقي عن علي بن سليم قال: سألت أنس بن مالك عن الحلي، فقال: ليس فيه زكاة. ومنها ما رواه البيهقي، عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تحلى بناتها الذهب ولا تزكيه نحواً من خمسين ألفاً. وأما القياس فمن وجهين: الأول: أن الحلي لما كان لمجرد الاستعمال لا للتجارة والتنمية. الحق بغيره من الأحجار النفيسة كاللؤلؤ والمرجان، بجامع أن كلا معد للاستعمال لا للتنمية. وقد أشار إلى هذا الإلحاق مالك - رحمه الله - في (الموطأ) بقوله: فأما التبر والحليّ المكسور الذي يريد أهله إصلاحه ولبسه، فإنما هو بمنزلة المتاع الذي يكون عند أهله، فليس على أهله فيه زكاة، قال مالك: ليس في اللؤلؤ. ولا في المسك والعنبر زكاة. الثاني من وجهي القياس: هو النوع المعروف بقياس العكس، وأشار له في (مراقي السعود) بقوله في كتاب الاستدلال. شعر : منه قياس المنطقي والعكس ومنه فقد الشرط دون لبس تفسير : وخالف بعض العلماء في قبول هذا النوع من القياس، وضابطه: هو إثبات عكس حكم شيء لشيء آخر لتعاكسهما في العلة، ومثاله. حديث مسلم: "حديث : أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟! قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر" تفسير : والحديث، فإن النَّبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: أثبت في الجماع المباح أجراً، وهو حكم عكس حكم الجماع الحرام، لأن في الوزر. لتعاكسهما في العلة. لأن علة الأجر في الأول إعفاف امرأته ونفسه. وعلة الوزر في الثاني كونه زنى. ومن أمثلة هذا النوع من القياس عند المالكية: احتجاجهم على أن الوضوء لا يجب من كثير القيء. بأنه لما لم يجب من قليله لم يجب من كثيره عكس البول. لما وجب من قليله وجب من كثيره. ومن أمثلته عند الحنفية. قولهم: لما لم يجب القصاص من صغير المثقل. لم يجب من كبيره عكس المحدد كما وجب من صغيره وجب من كبيره. ووجه هذا النوع من القياس في هذه المسألة التي نحن بصددها. هو أن العروض لا تجب في عينها الزكاة، فإذا كانت للتجارة والنماء. وجبت فيها الزكاة، عكس العين: فإن الزكاة واجبة في عينها، فإذا صيغت حلياً مباحاً للاستعمال، وانقطع عنها قصد التنمية بالتجارة، صارت لا زكاة فيها، فتعاكست أحكامهما لتعاكسهما في العلة، ومنع هذا النوع من القياس بعض الشافعية، وقال ابن محرز: إنه أضعف من قياس الشبه، ولا يخفى أن القياس يعتضد به ما سبق من الحديث المرفوع، والآثار الثابتة عن بعض الصحابة، لما تقرر في الأصول، من أن موافقة النص للقياس من المرجحات، وأما وضع اللغة، فإن بعض العلماء يقول: الألفاظ الواردة في الصحيح، في زكاة العين لا تشمل الحلي في لسان العرب. قال أبو عبيد: الرقة عند العرب: الورق المنقوشة ذات السكة السائرة بين الناس، ولا تطلقها العرب على المصوغ، وكذلك قيل في الأوقية. قال مقيده: - عفا الله عنه - ما قاله أبو عبيد هو المعروف في كلام العرب، قال الجوهري في صحاحه: الورق الدراهم المضروبة، وكذلك الرقة، والهاء، عوض عن الواو، وفي القاموس: الورق - مثلثة، وككتف-: الدراهم المضروبة، وجمعه أوراق ووراق كالرقة. هذا هو حاصل حجة من قال: لا زكاة في الحليّ. وما ادعاه بعض أهل العلم من الاحتجاج لذلك بعمل أهل المدينة، فيه أن بعض أهل المدينة مخالف في ذلك، والحجة بعمل أهل المدينة عند من يقول بذلك، كـ "مالك"، إنما هي في إجماعهم على أمر لا مجال للرأي فيه، لا إن اختلفوا، أو كان من مسائل الاجتهاد، كما أشار له في (مراقي السعود) بقوله: شعر : وأوجبن حجية للمدني فيما على التوقيف أمره بني تفسير : وقيل مطلقاً..! الخ. لأن مراده بالمدني: الإجماع المدني الواقع من الصحابة، أو التابعين، لا ما اختلفوا فيه كهذه المسألة، وقيده بما بني على التوقيف دون مسائل الاجتهاد في القول الصحيح. وأما حجة القائلين بأن الحلي تجب فيه الزكاة: فهي منحصرة في أربعة أمور أيضاً: الأول: أحاديث النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه أوجب الزكاة في الحلي. الثاني: آثار وردت بذلك عن بعض الصحابة. الثالث: وضع اللغة. الرابع: القياس. أما الأحاديث الواردة بذلك. فمنها ما رواه أبو داود في سننه، حدثنا أبو كامل، وحميد بن مسعدة. "المعنى" أن خالد بن الحارث حدثهم: ثنا حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "حديث : أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟! قال: فخلعتهما، فألقتهما إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: هما له عز وجل ولرسوله ". تفسير : وقال النسائي في سننه: أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال حدثنا خالد، عن حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده "حديث : أن امرأة من أهل اليمن أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت لها، في يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب فقال: "أتؤدين زكاة هذا؟" قالت: لا قال: "أيسرّكِ أن يسوِّرك الله عز وجل بهما يوم القيامة سوارين من نار؟!" قال: فخلعتهما، فألقتهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: هما لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم . تفسير : أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت حسيناً قال: حدثني عمرو بن شعيب قال جاءت امرأة،ومعها بنت لها، وفي يد ابنتها مسكتان. نحوه مرسل. قال أبو عبدالرحمن: خالد أثبت من المعتمر. اهـ. وهذا الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب: أقل درجاته الحسن، وبه تعلم أن قول الترمذي - رحمه الله-: لا يصح في الباب شيء. غير صحيح. لأنه لم يعلم برواية حسين المعلم له عن عمرو بن شعيب. بل جزم بأنه لم يرو عن عمرو بن شعيب إلا من طريق ابن لهيعة، والمثنى ابن الصباح، وقد تابعهما حجاج بن أرطاة والجميع ضعاف. ومنها ما رواه أبو داود أيضاً، حدثنا محمد بن عيسى. ثنا عتاب - يعني ابن بشير - عن ثابت بن عجلان، عن عطاء، حديث : عن أم سلمة قالت: "كنت ألبس أوضاحاً من ذهب فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال: "ما بلغ أن تؤدي زكاته، فزكي فليس بكنز"تفسير : ، وأخرج نحوه الحاكم، والدارقطني، والبيهقي. اهـ. ومنها ما رواه أبو داود أيضاً، حدثنا محمد بن إدريس الرازي، ثنا عمرو بن الربيع بن طارق، ثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن أبي جعفر: أن محمد بن عمرو بن عطاء أخبره، عن عبد الله بن شداد بن الهاد أنه قال: حديث : دخلنا على عائشة زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى في يديَّ فتخات من ورق، فقال: "ما هذا يا عائشة؟!" فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله، قال: "أتؤدِّين زكاتهن؟" قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: "هو حسبك من النار" . تفسير : حدثنا صفوان بن صالح، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا سفيان عن عمر بن يعلى، فذكر الحديث نحو حديث الخاتم، قيل لسفيان كيف تزكيه؟ قال: تضمه إلى غيره. اهـ. وحديث عائشة هذا أخرج نحوه أيضاً الحاكم، والدارقطني، والبيهقي. اهـ. وأخرج الدارقطني، عن عائشة من طريق عمرو بن شعيب، عن عروة عنها قالت: لا بأس بلبس الحلي إذا أعطي زكاته. اهـ. قال البيهقي - رحمه الله -: وقد انضم إلى حديث عمرو بن شعيب حديث أم سلمة. وحديث عائشة، وساقهما. ومنها ما رواه الإمام أحمد، حديث : عن أسماء بنت يزيد بلفظ قالت: "دخلت أنا وخالتي على النَّبي صلى الله عليه وسلم، وعلينا أساور من ذهب فقال لنا: "أتعطيان زكاته؟" قالت فقلنا: لا، قال: "أما تخافان أن يسوركما الله بسوار من نار؟! أديا زكاته"تفسير : . اهـ. وروى الدارقطني نحوه من حديث فاطمة بنت قيس، وفي سنده أبو بكر الهذلي، وهو متروك، اهـ. قاله ابن حجر في (التلخيص). وأما الآثار: فمنها ما رواه ابن أبي شيبة، والبيهقي من طريق شعيب بن يسار قال: كتب عمر إلى أبي موسى: أن مُرْ مَنْ قبلك من نساء المسلمين أن يصدقن من حليهنَّ. اهـ. قال البيهقي: هذا مرسل شعيب بن يسار لم يدرك عمر. اهـ. وقال ابن حجر في (التلخيص): وهو مرسل. قاله البخاري، وقد أنكر الحسن ذلك فيما رواه ابن أبي شيبة قال: لا نعلم أحداً من الخلفاء قال: "في الحليّ زكاة". ومنها ما رواه الطبراني، والبيهقي، عن ابن مسعود: أن امرأته سألته، عن حلي لها، فقال: إذا بلغ مائتي درهم ففيه الزكاة، قالت: أضعها في بني أخ لي في حجري؟ قال: نعم. قال البيهقي: وقد روي هذا مرفوعاً إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، وليس بشيء، وقال: قال البخاري: مرسل، ورواه الدارقطني من حديث ابن مسعود مرفوعاً، وقال: هذا وهم والصواب موقوف. قاله ابن حجر في (التلخيص). ومنها ما رواه البيهقي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنه كان يكتب إلى خازنه سالم، أن يخرج زكاة حلي بناته كل سنة، وما روي من ذلك عن ابن عباس، قال الشافعي. لا أدري أيثبت عنه أم لا؟ وحكاه ابن المنذر، والبيهقي، عن ابن عباس، وابن عمر. وغيرهما. قاله في (التلخيص) أيضاً. وأما القياس: فإنهم قاسوا الحلي على المسكوك والمسبوك، بجامع أن الجميع نقد. وأما وضع اللغة: فزعموا أن لفظ الرقة،ولفظ الأوقية الثابت في الصحيح يشمل المصوغ كما يشمل المسكوك، وقد قدمنا أن التحقيق خلافه. فإذا علمت حجيج الفريقين، فسنذكر لك ما يمكن أن يرجح به كل واحد منهما. أما القول بوجوب زكاة الحلي. فله مرجحات:- منها: أن من رواه من الصحابة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أكثر، كما قدمنا روايته عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعائشة، وأم سلمة، وأسماء بنت يزيد، رضي الله عنهم. أما القول بعدم وجوب الزكاة فيه، فلم يرو مرفوعاً إلا من حديث جابر، كما تقدم. وكثرة الرواة، من المرجحات على التحقيق، كما قدمنا في سورة "البقرة" في الكلام على آية الربا. ومنها: أن أحاديثه كحديث عمرو بن شعيب، ومن ذكر معه، أقوى سنداً من حديث سقوط الزكاة الذي رواه عافية بن أيوب. ومنها: أن ما دل على الوجوب مقدم على ما دل على الإباحة. للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب كما تقرر في الأصول، وإليه الإشارة بقول صاحب (مراقي السعود) في مبحث الترجيح باعتبار المدلول. شعر : وناقل ومثبت والآمر بد النواهي ثم هذا الآخر تفسير : على إباحة... الخ. ومعنى قوله: "ثم هذا الآخر على إباحة" أن ما دل على الأمر مقدم على ما دل على الإباحة كما ذكرنا. ومنها: دلالة النصوص الصريحة على وجوب الزكاة في أصل الفضة، والذهب، وهي دليل على أن الحلي من نوع ما وجبت الزكاة في عينه، هذا حاصل ما يمكن أن يرجح به هذا القول. وأما القول بعدم وجوب الزكاة في الحليّ المباح، فيرجح بأن الأحاديث الواردة في التحريم إنما كانت في الزمن الذي كان فيه التحلي بالذهب محرماً على النساء، والحلي المحرم تجب فيه الزكاة اتفاقاً. وأما أدلة عدم الزكاة فيه، فبعد أن صار التحلي بالذهب مباحاً. والتحقيق: أن التحلي بالذهب كان في أول الأمر محرماً على النساء ثم أبيح، كما يدل له ما ساقه البيهقي من أدلة تحريمه أولاً، وتحليله ثانياً، وبهذا يحصل الجمع بين الأدلة، والجمع واجب إن أمكن كما تقرر في الأصول وعلوم الحديث،وإليه الإشارة بقول صاحب (مراقي السعود). شعر : والجمع واجب متى ما أمكنا إلا فلـلأخير نسخ بينا تفسير : ووجهه ظاهر، لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، ومعلوم أن الجمع إذا أمكن أولى من جميع الترجيحات. فإن قيل: هذا الجمع يقدح فيه حديث عائشة المتقدم، فإن فيه "فرأى في يدي فتخات من ورق" الحديث: والورق: الفضة، والفضة لم يسبق لها تحريم، فالتحلي بها لم يمتنع يوماً ما. فالجواب ما قاله الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى قال. من قال: لا زكاة في الحلي، زعم أن الأحاديث والآثار الواردة في وجوب زكاته كانت حين كان التحلي بالذهب حراماً على النساء. فلما أبيح لهن سقطت زكاته. قال: وكيف يصح هذا القول مع حديث عائشة، إن كان ذكر الورق فيه محفوظاً، غير أن رواية القاسم، وابن أبي مليكة، عن عائشة في تركها إخراج زكاة الحلي، مع ما ثبت من مذهبها من إخراج زكاة أموال اليتامى يوقع ريبة في هذه الرؤية المرفوعة، فهي لا تخاف النَّبي صلى الله عليه وسلم فيما روته عنه، إلا فيما علمته منسوخاً - اهـ. وقد قدمنا في سورة "البقرة" الكلام على مخالفة الصحابي، لما روي في آية الطلاق، وبالجملة فلا يخفى أنه يبعد أن تعلم عائشة أن عدم زكاة الحلي فيه الوعيد من النَّبي لها بأنه حسبها من النار ثم تترك إخراجها بعد ذلك عمن في حجرها، مع أنها معروف عنها القول: بوجوب الزكاة في أموال اليتامى. ومن أجوبة أهل هذا القول: أن المراد بزكاة الحلي عاريته، ورواه البيهقي، عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب، والشعبي، في إحدى الروايتين عنه. هذا حاصل الكلام في هذه المسألة. وأقوى الوجوه بحسب المقرر في الأصول وعلم الحديث، الجمع إذا أمكن، وقد أمكن، هنا: قال مقيده - عفا الله عنه-: وإخراج زكاة الحلي أحوط لأن "من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" - "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" والعلم عند الله تعالى. المسألة الرابعة: اعلم أن جماهير علماء المسلمين من الصحابة ومن بعدهم على وجوب الزكاة في عروض التجارة، فتقوم عند الحول، ويخرج ربع عشرها كزكاة العين، قال ابن المنذر: أجمع عامة أهل العلم على وجوب زكاة التجارة، قال: رويناه عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وابن عباس، والفقهاء السبعة، سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وخارجة بن زيد، وعبد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، والحسن البصري، وطاوس، وجابر بن زيد، وميمون بن مهران، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، والنعمان، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد، اهـ: بواسطة نقل النووي في (شرح المهذب)، وابن قدامة، في (المغني)، ولمالك رحمه الله، تفصيل في عروض التجارة، لأن عروض التجارة عنده تنقسم إلى عرض تاجر مدير، وعرض تاجر محتكر، فالمدير هو الذي يبيع ويشتري دائماً، والمحتكر هو الذي يشتري السلع ويتربص بها حتى يرتفع سعرها فيبيعها، وإن لم يرتفع سعرها لم يبعها ولو مكثت سنين. فعروض المدير عنده وديونه التي يطالب بها الناس إن كانت مرجوة يزكيها عند كل حول: والدين الحال يزكيه بالعدد. والمؤجل بالقيمة. أما عرض المحتكر فلا يقوم عنده ولا زكاة فيه حتى يباع بعين فيزكي العين على حول أوصل العرض. وإلى هذا أشار ابن عاشر، في (المرشد المعين) بقوله: شعر : والعرض ذو التجر ودين من أدار قيمتها كالعين ثم ذو احتكار زكى لقبض ثمن أو دين عينا بشرط الحول للأصلين تفسير : زاد مالك في مشهور مذهبه شرطاً، وهو أنه يشترط في وجوب تقويم عروض المدير أن يصل يده شيء ناص من ذات الذهب أو الفضة، ولو كان ربع درهم أو أقل، وخالفه ابن حبيب من أهل مذهبه، فوافق الجمهور في عدم اشتراط ذلك. ولا يخفى أن مذهب الجمهور هو الظاهر، ولم نعلم بأحد من أهل العلم خالف في وجوب زكاة عروض التجارة، إلا ما يروى عن داود الظاهري، وبعض أتباعه. ودليل الجمهور، آية: وأحاديث: وآثار: وردت بذلك عن بعض الصحابة رضي الله عنهم. ولم يعلم أن أحداً منهم خالف في ذلك، فهو إجماع سكوتي. فمن الأحاديث الدالة على ذلك: ما رواه أبو ذر رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "حديث : في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته" تفسير : الحديث: أخرجه الحاكم، والدارقطني، والبيهقي. وقال النووي في (شرح المهذب) هذا الحديث رواه الدارقطني، في سننه والحاكم أبو عبد الله، في (المستدرك) والبيهقي، بأسانيدهم، ذكره الحاكم، بإسنادين: ثم قال: هذان الإسنادان صحيحان على شرط البخاري ومسلم، اهـ. ثم قال: "وفي البز صدقته" هو بفتح الباء وبالزاي. هكذا رواه جميع الرواة، وصرح بالزاي الدارقطني، والبيهقي، وقال ابن حجر في (التلخيص): حديث أبي ذر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : في الإبل صدقتها وفي البز صدقته" تفسير : أخرجه الدارقطني، عن أبي ذر من طريقين، وقال في آخره: وفي البز صدقته، قالها بالزاي، وإسناده غير صحيح مداره على موسى بن عبيدة الربذي، وله عنده طريق ثالث من رواية ابن جريج، عن عمران بن أبي أنس، عن مالك بن أوس، عن أبي ذر، وهو معلول لأن ابن جريج، رواه عن عمران: أنه بلغه عنه، ورواه الترمذي في العلل من هذا الوجه وقال: سألت البخاري عنه فقال: لم يسمعه ابن جريج من عمران، وله طريقة رابعة، رواه الدارقطني أيضاً، والحاكم، من طريق سعيد بن سلمة بن أبي الحسام عن عمران، ولفظه "في الإبل صدقته، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البز صدقته" ومن رفع دراهم أو دنانير لا يعدها لغريم. ولا ينفقها في سبيل الله، فهو كنز يكوى به يوم القيامة، وهذا إسناد لا بأس به، اهـ. فترى ابن حجر قال: إن هذا الإسناد لا بأس به مع ما قدمنا عن الحاكم من صحة الإسنادين المذكورين، وتصحيح النووي لذلك والذي رأيته في سنن البيهقي: أن سعيد بن سلمة بن أبي الحسام يروي الحديث عن موسى المذكور، عن عمران، لا عن عمران مباشرة فانظره. فإن قيل قال ابن دقيق العيد: الذي رأيته في نسخة من (المستدرك) في هذا الحديث: البر بضم الموحدة وبالراء المهملة، ورواية الدارقطني: التي صرح فيها بالزاي في لفظة البز في الحديث ضعيفة، وإذن فلا دليل في الحديث على تقدير صحته على وجوب زكاة عروض التجارة. فالجواب هو ما قدمنا عن النووي، من أن جميع رواته رووه بالزاي، وصرح بأنه بالزاي البيهقي، والدارقطني، كما تقدم. ومن الأحاديث الدالة على وجوب الزكاة في عروض التجارة، ما أخرجه أبو داود في (سننه) عن سمرة بن جندب الفزاري رضي الله عنه، قال: "حديث : أما بعد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يأمرنا أن نخرج الصدقة مما نعد للبيع"،تفسير : وهذا الحديث سكت عليه أبو داود رحمه الله، ومعلوم من عادته أنه لا يسكت إلا عن حديث صالح للاحتجاج عنده. وقد قال ابن حجر في (التلخيص) في هذا الحديث: رواه أبو داود والدارقطني والبزار، من حديث سليمان ابن سمرة عن أبيه وفي إسناده جهالة، اهـ. قال مقيده - عفا الله عنه - في إسناد هذا الحديث، عند أبي داود حبيب بن سليمان بن سمرة بن جندب. وهو مجهول. وفيه جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، وهو ليس بالقوي، وفيه سليمان بن موسى الزهري أبو داود، وفيه لين، ولكنه يعتضد بما قدمنا من حديث أبي ذر، ويعتضد أيضاً بما ثبت عن أبي عمرو بن حماس، أن أباه حماساً قال: مررت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعلى عنقي أدم أحملها، فقال:ألا تؤدي زكاتك يا حماس؟ فقال: ما لي غير هذا، وأهب في القرظ قال: ذلك مال فضع، فوضعها بين يديه، فحسبها فوجدت قد وجبت فيها الزكاة فأخذ منها الزكاة، قال ابن حجر في (التلخيص) في هذا الأثر، رواه الشافعي، عن سفيان، حدثنا يحيى عن عبد الله بن أبي سلمة، عن أبي عمرو بن حماس أن أباه قال: مررت بعمر بن الخطاب. فذكره، ورواه أحمد، وابن أبي شيبة وعبد الرزاق، وسعيد بن منصور، عن يحيى بن سعيد به، ورواه الدارقطني، من حديث حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه نحوه، ورواه الشافعي أيضاً عن سفيان عن ابن عجلان، عن أبي الزناد، عن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه، اهـ. وحماس بكسر الحاء وتخفيف الميم وآخره سين مهملة، فقد رأيت ثبوت أخذ الزكاة من عروض التجارة عن عمر، ولم يعلم له مخالف من الصحابة. وهذا النوع يسمى إجماعاً سكوتياً، وهو حجة عند أكثر العلماء، ويؤيده أيضاً ما روا البيهقي، عن ابن عمر: "أخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن عمر بن قتادة، من كتابه أنبأ أبو الحسن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبدة. حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي حدثنا أحمد بن حنبل. حدثنا حفص بن غياث. حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة اهـ. قال: وهذا قول عامة أهل العلم، فالذي روى عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: لا زكاة في العرض، قال فيه الشافعي: في كتاب القديم إسناد الحديث عن ابن عباس ضعيف، فكان اتباع حديث ابن عمر لصحته والاحتياط في الزكاة أحب إلي، والله أعلم. قال: وقد حكى ابن المنذر، عن عائشة وابن عباس مثل ما روينا عن ابن عمر، ولم يحك خلافهم عن أحد فيحتمل أن يكون معنى قوله "إن صح لا زكاة في العرض إذا لم يرد به التجارة" اهـ، من سنن البيهقي. ويؤيده ما رواه مالك في (الموطأ)، عن يحيى بن سعيد، عن زريق بن حَيَّان. وكان زريق على جوازِ مصر في زمان الوليد بن عبد الملك وسليمان وعمر بن عبد العزيز. فذكر أن عمر بن عبد العزيز، كتب إليه أن انظر من يمر بك من المسلمين، فخذ ممَّا ظهر من أموالهم ممَّا يريدون من التجارات من كل أربعين ديناراً ديناراً، فما نقص فبحساب ذلك حتى يبلغ عشرين ديناراً فإن نقصت ثلث دينار فدعها، ولا تأخذ منها شيئاً. وأما الآية: فهي قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} تفسير : [البقرة: 267] على ما فسرها به مجاهد - رحمه الله تعالى - قال: البيهقي، في (سننه) باب "زكاة التجارة" قال الله تعالى وجل ثناؤه: {أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} الآية: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر بن الحسن القاضي، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالوا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا الحسن بن علي بن عفان، ثنا يحيى بن آدم، ثنا ورقاء، عن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله تعالى: {أية : أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} تفسير : [البقرة: 267] قال: التجارة {أية : وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [البقرة: 267] قال: النخل، وقال البخاري في (صحيحه) "باب صدقة الكسب والتجارة" لقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} إلى قوله: {أية : أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} تفسير : [البقرة: 267]. قال ابن حجر في (الفتح) هكذا: أورد هذه الترجمة مقتصراً على الآية بغير حديث. وكأنه أشار إلى ما رواه شعبة، عن الحكم عن مجاهد في هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} قال: من التجارة الحلال. أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق آدم عنه، وأخرجه الطبري من طريق هشيم عن شعبة، ولفظه {مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} قال: من التجارة {وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ} قال: من الثمار. ولا شك أن ما ذكره مجاهد، داخل في عموم الآية: فتحصل أن جميع ما ذكرناه من طرق حديث أبي ذر، وحديث سمرة بن جندب المرفوعين وما صح من أخذ عمر زكاة الجلود من حماس، وما روي عن بن عمر، وعمر بن عبد العزيز. وظاهر عموم الآية الكريمة، وما فسرها به مجاهد، وإجماع عامة أهل العلم إلا من شذ عن السواد الأعظم، يكفي في الدلالة على وجوب الزكاة في عروض التجارة. و العلم عند الله تعالى. المسألة الخامسة: في زكاة الدين. وهل الدين مسقط للزكاة عن المدين أو لا؟! اختلف العلماء في ذلك، ومذهب مالك - رحمه الله - أن الدين الذي للإنسان على غيره يجري مجرى عروض التجارة في الفرق بين المدير وبين المحتكر، وقد أوضحنا ذلك في المسألة التي قبل هذا. ومذهبه رحمه الله: أن الدين مانع من الزكاة في العين، وعروض التجارة إن لم يفضل عن وفائه قدر ما تجب فيه الزكاة، قال في (موطئه): الأمر المجتمع عليه عندنا، أن الرجل يكون عليه دين وعنده من العروض ما فيه وفاء لما عليه من الدين، ويكون عنده من الناض سوى ذلك، ما تجب فيه الزكاة فإنه يزكي ما بيده من ناض تجب فيه الزكاة، وإن لم يكن عنده من العروض والنقد إلا وفاء دينه فلا زكاة عليه. حتى يكون عنده من الناض فضل عن دينه ما تجب فيه الزكاة، فعليه أن يزكيه. وأما الماشية والزروع والثمار، فلا يسقط الدين وجوب زكاتها عنده. ومذهب الإمام الشافعي - رحمه الله - أن الدين إذا كان حالاً على موسر مقر أو منكر وعليه بينة فزكاته واجبة إن كان عيناً أو عرض تجارة، وهذا قوله الجديد. وأما القديم: فهو أن الزكاة لا تجب في الدين بحال. أما إن كان الغريم معسراً أو جاحداً ولا بينة أو مماطلاً أو غائباً، فهو عنده كالمغصوب، وفي وجوب الزكاة فيه خلاف، والصحيح الوجوب. ولكن لا تؤخذ منه بالفعل إلا بعد حصوله في اليد. وإن كان الدين مؤجلاً ففيه وجهان. أحدهما: لأبي إسحاق: أنه كالدين الحال على فقير أو ملئ جاحد. فيكون على الخلاف الذي ذكرناه آنفاً. والثاني: لأبي علي بن أبي هريرة، لا تجب فيه الزكاة، فإذا قبضه استقبل به الحول والأول أصح، قاله صاحب المهذب. أما إذا كان الدين ماشية كأربعين من الغنم، أو غير لازم كدين الكتابة. فلا تجب فيه الزكاة اتفاقاً عندهم. وإن كان عليه دين مستغرق، أو لم يبق بعده كمال النصاب فقال الشافعي في (القديم): يسقط الدين المستغرق، أو الذي ينقص به المال عن النصاب وجوب الزكاة، لأن الملك فيه غير مستقر لأنه ربما أخذه الحاكم لحق الغرماء، وقال في (الجديد): تجب الزكاة ولا يسقطها الدين لاختلاف جهتهما، لأن الزكاة تتعلق بعين المال والدين يتعلق بالذمة، وإن حجر عليه ففيه خلاف كثير. أصحه عند الشافعية: أنه يجري على حكم زكاة المغصوب، وقد قدمنا حكمه، وللشافعية قول ثالث، وهو أن الدين يمنع الزكاة في الأموال الباطنة وهي الذهب والفضة، وعروض التجارة، ولا يمنعها في الظاهرة وهي الزروع والثمار والمواشي والمعادن. والفرق أن الأموال الظاهرة نامية بنفسها بخلاف الباطنة، وهذا هو مذهب مالك كما تقدم، ودين الآدمي ودين الله عندهم سواء في منع وجوب الزكاة، ومذهب الإمام أحمد رحمه الله: أن من كان له دين على ملئ مقربه غير مماطل فليس عليه إخراج زكاته حتى يقبضه، فإن قبضه أدى زكاته فيما مضى من السنين. وروي نحوه عن علي رضي الله عنه، وبه قال الثوري، وأبو ثور، وأبو حنيفة، وأصحابه، وقال: عثمان وابن عمر وجابر، رضي الله عنهم، وطاوس والنخعي وجابر بن زيد والحسن، وميمون بن مهران والزهري وقتادة، وحماد بن أبي سليمان وإسحاق وأبو عبيد، عليه إخراج زكاته في الحال، لأنه قادر على قبضه. وقد قدمنا أنه قول مالك والشافعي، فإن كان الدين على معسر، أو جاحد، أو مماطل، فروايتان. أحدهما: لا تجب فيه الزكاة، وهو قول قتادة، وإسحاق، وأبي ثور، وأهل العراق، لأنه غير مقدور على الانتفاع به. والثانية: يزكيه إذا قبضه لما مضى، وهو قول الثوري، وأبي عبيد، وعن عمر بن عبد العزيز، والحسن، والليث، والأوزاعي، يزكيه إذا قبضه لعام واحد، وهذا هو قول مالك. ومذهب أحمد رحمه الله: أن الدين يمنع الزكاة في الأموال الباطنة، التي هي الذهب والفضة، وعروض التجارة، وهذا لا خلاف فيه عنه، وهو قول عطاء، وسليمان بن يسار، وميمون بن مهران، والحسن، والنخعي، والليث، و الثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وقد قدمنا نحوه عن مالك رجمه الله. وقال ربيعة، وحماد بن أبي سليمان: لا يمنع الدين الزكاة في الأموال الباطنة، وقد قدمناه عن الشافعي، في جديد قوليه. وأما الأموال الظاهرة. وهي السائمة والثمار والحبوب، فقد اختلفت فيها الرواية، عن أحمد رحمه الله، فروي عنه. أن الدين يمنع الزكاة فيها أيضاً كالأموال الباطنة، وعنه في رواية إسحاق بن إبراهيم، يبتدئ بالدين فيقضيه، ثم ينظر ما بقي عنده بعد إخراج النفقة، فيزكي ما بقي. ولا يكون على أحد دينه أكثر من ماله صدقة في إبل أو بقر أو غنم أو زرع، ولا زكاة. وبهذا قال: عطاء، والحسن، وسليمان، وميمون بن مهران، والنخعي، والثوري، والليث، وإسحاق. وروي أن الدين لا يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة، وبه قال الأوزاعي، وقد قدمناه عن الشافعي في (الجديد) وهو قول مالك. إذا عرفت أقوال العلماء في زكاة الدين، وهل هو مانع من الزكاة؟! فاعلم أن اختلافهم في الدين، هل يزكي قبل القبض، وهل إذا لم يزكه قبل القبض يكفي زكاة سنة واحدة؟ّ أو لا بد من زكاته لما مضى من السنين؟! الظاهر فيه أنه من الاختلاف في تحقيق المناط، هل القدرة على التحصيل كالحصول بالفعل أو لا؟! ولا نعلم في زكاة الدين نصاً من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا كون الدين مانعاً من وجوب الزكاة على المدين إن كان يستغرق أو ينقص النصاب، إلا آثاراً وردت عن بعض السلف. منها ما رواه مالك في (الموطأ) عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، عن عثمان بن عفان: أنه كان يقول: هذا شهر زكاتكم. فمن كان عليه دين فليؤد دينه، حتى تحصل أموالكم فتؤدون منه الزكاة. ومنها ما رواه مالك في (الموطأ) أيضاً عن أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن عمر بن عبد العزيز: أنه كتب في مال قبضه بعض الولاة ظلماً، يأمر برده إلى أهله، ويؤخذ زكاته لما مضى من السِّنين: ثم عقب بعد ذلك بكتاب ألا يؤخذ منه إلا زكاة واحدة، فإنه كان ضماراً اهـ: وهو بكسر الضاد: أي غائباً عن ربه لا يقدر على أخذه ولا يعرف موضعه. المسألة السادسة: في زكاة المعادن والركاز. اعلم أن العلماء أجمعوا على وجوب إخراج حق شرعي من المعادن في الجملة، لكن وقع بينهم الاختلاف في بعض الصور لذلك، فقال قوم: لا يجب في شيء من المعادن الزكاة، إلا الذهب والفضة خاصة، فإذا أخرج من المعدن عشرين مثقالاً من الذهب، أو مائتي درهم من الفضة، وجب عليه إخراج ربع العشر من ذلك من حين إخراجه، ولا يستقبل به حولاً. وممن قال بهذا: مالك، والشافعي، ومذهب الإمام أحمد كمذهبهما. إلا أنه يوجب الزكاة في جميع المعادن من ذهب، وفضة، وزئبق، ورصاص، وصفر، وحديد، وياقوت، وزبرجد، ولؤلؤ، وعقيق وسبج، وكحل، وزجاج، وزرنيخ، ومغرة، ونحو ذلك، وكذلك المعادن الجارية، كالقار، والنفط، ونحوهما، ويقوم بمائتي درهم أو عشرين مثقالاً، ما عدا الذهب والفضة، فجميع المعادن عنده تزكى، واللازم فيها ربع العشر. وذهب أبو حنيفة رحمه الله، إلى أن المعدن من جملة الركاز. ففيه عنده الخمس، وهو عنده الذهب والفضة، وما ينطبع كالحديد والصفر والرصاص في أشهر الروايتين، ولا يشترط عنده النصاب في المعدن والركاز. وممن قال بلزوم ربع العشر في المعدن: عمر بن عبد العزيز، وحجة من قال بوجوب الزكاة في جميع المعادن، عموم قوله تعالى {أية : وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [البقرة: 267]. وحجة من قال بوجوبها في معدن الذهب والفضة فقط: أن الأصل عدم وجوب الزكاة، فلم تجب في غير الذهب والفضة للنص عليهما دون غيرهما، واحتجوا أيضاً بحديث لا زكاة في حجر، وهو حديث ضعيف، قال فيه ابن حجر في (التلخيص) رواه ابن عدي، من حديث عمر بن أبي عمر الكلاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، ورواه البيهقي، من طريقه، وتابعه عثمان الوقاصي، ومحمد بن عبيد الله العرزمي، كلاهما عن عمرو بن شعيب، وهما متروكان. اهـ. وعمر بن أبي عمر الكلاعي ضعيف، من شيوخ بقية المجهولين، قاله في (التقريب) واحتج لوجوب الزكاة في المعدن بما رواه مالك في (الموطأ) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن غير واحد. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قطع لبلال بن الحارث المزني معادن القبلية، وهي من ناحية الفرع. فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة. وقال ابن حجر، في (التلخيص): ورواه أبو داود، والطبراني، والحاكم، والبيهقي، موصولاً، ليست فيه زيادة، وهي من ناحية الفرع. الخ. وقال الشافعي: - بعد أن روى حديث مالك - ليس هذا مما يثبته أهل الحديث ولم يثبتوه ولم يكن فيه رواية عن النَّبي صلى الله عليه وسلم إلا إقطاعه، وأما الزكاة دون الخمس فليست مروية عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. وقال البيهقي: هو كما قال الشافعي في رواية مالك، وقد روي عن الداروردي، عن ربيعة، موصولاً، ثم أخرجه عن الحاكم، والحاكم أخرجه في (المستدرك) وكذا ذكره أبو عبد البر، من رواية الداروردي، قال: ورواه أبو سبرة المديني، عن مطرف، عن مالك، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن ابن عباس قلت: أخرجه أبو داود، من الوجهين. اهـ. قال مقيده - عفا الله عنه - الاستدلال بهذه الزيادة على الحديث المرفوع التي ذكرها مالك في (الموطأ) فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم من نوع الاستدلال بالاستصحاب المقلوب، وهو حجة عند جماعة من العلماء من المالكية، والشافعية. والاستصحاب المقلوب: هو الاستدلال بثبوت الأمر في الزمن الحاضر، على ثبوته في الزمن الماضي، لعدم ما يصلح للتغيير من الأول إلى الثاني. قال صاحب (جمع الجوامع): أما ثبوته في الأول لثبوته في الثاني فمقلوب. وقد يقال فيه لو لم يكن الثابت اليوم، ثابتاً أمس لكان غير ثابت فيقتضي استصحاب أمس أنه الآن غير ثابت، وليس كذلك، فدل على أنه ثابت. وقال: في (نشر البنود) وقد يقال في الاستصحاب المقلوب ليظهر الاستدلال به، لو لم يكن الثابت اليوم ثابتاً أمس، لكان غير ثابت أمس، إذ لا واسطة بين الثبوت وعدمه، فيقتضي استصحاب أمس الخالي عن الثبوت فيه، أنه الآن غير ثابت، وليس كذلك لأنه مفروض الثبوت الآن. فدل ذلك على أنه ثابت أمس ايضاً، ومثل له بعض المالكية بالوقف، إذا جهل مصرفه ووجد على حالة فإنه يجري عليها، لأن وجوده على تلك الحالة دليل على أنه كان كذلك في عقد الوقف. ومثل له المحلي، بأن يقال في المكيال الموجود. كان على عهده صلى الله عليه وسلم، باستصحاب الحال في الماضي. ووجهه في المسألة التي نحن بصددها؛ أن لفظ فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم يدل بالاستصحاب المقلوب؛ أنها كانت كذلك في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم لعدم ما يصلح للتغيير كما ذكرنا. وقد أشار في (مراقي السعود) إلى مسالة الاستصحاب المذكور في "كتاب الاستدلال" بقوله: شعر : ورجحن كون الاستصحاب للعدم الأصلي من ذا الباب بعد قصارى البحث عن نص فلم يلف وهذا البحث وفقاً منحتم تفسير : إلى أن قال - وهو محل الشاهد -: شعر : وما بماض مثبت للحال فهو مقلوب وعكس الخالي كجري ما جهل فيه المصرف على الذي الآن لذاك يعرف تفسير : وأما الركاز: ففيه الخمس بلا نزاع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : وفي الركاز الخمس"تفسير : ؛ أخرجه الشيخان؛ وأصحاب السنن؛ والإمام أحمد؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، إلا أنهم اختلفوا في المراد بالركاز. فذهب جمهور منهم مالك، والشافعي وأحمد، إلى أن الركاز هو دفن الجاهلية، وأنه لا يصدق على المعادن اسم الركاز. واحتجوا بما جاء في حديث أبي هريرة المتفق عليه الذي ذكرنا بعضاً منه آنفاً؛ فإن فيه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : والمعدن جبار. وفي الركاز الخمس" تفسير : ففرق بين المعدن والركاز بالعطف المقتضي للمغايرة. وذهب أبو حنيفة والثوري وغيرهما إلى أن المعدن ركاز، واحتجوا بما رواه البيهقي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : وفي الركاز الخمس، قيل يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم وما الركاز؟ قال: الذهب والفضة المخلوقان في الأرض يوم خلق الله السماوات والأرض" تفسير : ورده الجمهور بأن الحديث ضعيف، قال ابن حجر في (التلخيص) رواه: البيهقي من حديث أبي يوسف، عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن جده، عن أبي هريرة مرفوعاً وتابعه حبان بن علي، عن عبد الله بن سعيد، وعبد الله متروك الحديث، وحبان ضعيف. وأصل الحديث ثابت في (الصحاح) وغيرها بدون الزيادة المذكورة. وقال الشافعي في (الجديد): يشترط في وجوب الخمس في الركاز أن يكون ذهباً أو فضة دون غيرهما. وخالفه جمهور أهل العلم، وقال بعض العلماء: إذا كان في تحصيل المعدن مشقة ففيه ربع العشر، وإن كان لا مشقة فيه فالواجب فيه الخمس. وله وجه من النظر والعلم عند الله تعالى.
الواحدي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا إنَّ كثيراً من الأحبار الرهبان} من فقهاء أهل الكتاب وعلمائهم {ليأكلون أموال الناس بالباطل} يعني: ما يأخذونه من الرُّشا في الحكم {ويصدون عن سبيل الله} ويصرفون النَّاس عن الإِيمان بمحمَّد عليه السَّلام، ثمَّ أنزل في مانعي الزَّكاة من أهل القبلة: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} لا يُؤَدُّون زكاتها {فبشرهم بعذاب أليم} أخبرهم أنَّ لهم عذاباً أليماً. {يوم يحمى عليها} يوم تدخل كنوزهم النَّار حتى تحمى وتشتدَّ حرارتها {فتكوى بها} أَيْ: فلتصق بجباههم وجنوبهم وظهورهم حتى يلتقي الحرُّ في أجوافهم، ويقال لهم: هذا الذي تكوون به ما جمعتم لأنفسكم، وبخلتم به عن حقِّ الله {فذوقوا} العذاب بـ {ما كنتم تكنزون}. {إنَّ عدَّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً} عدد شهور المسلمين التي تُعبِّدوا بأن يجعلوها لسنتهم اثنا عشر شهراً، على منازل القمر واستهلال الأهلَّة، لا كما يعدُّه أهل الرُّوم وفارس {في كتاب الله} في الإِمام الذي عند الله كتبه يوم خلق السَّموات والأرض {منها أربعة حرم} رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرَّم، يعظهم انتهاك المحارم فيها بأشدَّ ممَّا يعظم في غيرها {ذلك الدين القيم} الحساب المستقيم {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} تحفَّظوا من أنفسكم في الحرم، فإنَّ الحسنات فيهن تضعف، وكذلك السيئات {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} قاتلوهم كلَّهم، ولا تُحَابوا بعضهم بترك القتال، كما إنَّهم يستحلُّون قتال جميعكم {واعلموا أنَّ الله مع المتقين} مع أوليائه الذين يخافونه. {إنما النسيء} تأخير حرمةِ شهرٍ حرَّمه الله إلى شهرٍ آخر لم يحرِّمه، وذلك أنَّ العرب في الجاهليَّة ربما كانت تستحلُّ المحرم، وتحرِّم بدله صفر، فأخبر الله تعالى أنَّ ذلك كلَّه {زيادة في الكفر} حيث أحلُّوا ما حرَّم الله، وحرَّموا ما أحلَّ الله {يضل به} بذلك التَّأخير {الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً} إذا قاتلوا فيه أحلُّوه وحرَّموا مكانه صفر، وإذا لم يقاتلوا فيه حرَّموه {ليواطئوا} ليوافقوا {عدَّة ما حرم الله} وهو أنَّهم لم يُحلُّوا شهراً من الحرم إلاَّ حرَّموا مكانه شهراً من الحلال، ولم يحرِّموا شهراً من الحلال إلاَّ أحلُّوا مكانه شهراً من الحرم، لئلا يكون الحرم أكثر من الأربعة كما حرَّم الله، فيكون موافقة للعدد. {زين لهم سوء أعمالهم} زيَّن لهم الشَّيطان ذلك.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 34- يا أيها المؤمنون: اعلموا أن كثيراً من علماء اليهود ورهبان النصارى يستحلون أموال الناس بغير حق، ويستغلون ثقة الناس فيهم واتباعهم لهم فى كل ما يقولون، ويمنعون الناس عن الدخول فى الإسلام. والذين يستحوذون على الأموال من ذهب وفضة، حابسين لها، ولا يؤدون زكاتها، فأنذرهم - أيها الرسول - بعذاب موجع. 35- فى يوم القيامة، يوقد على هذه الأموال فى نار جهنم، ثم تحرق بتلك الأموال المحماة جباه أصحابها، وجنوبهم وظهورهم، ويقال توبيخاً لهم: هذا ما ادخرتموه لأنفسكم، ولم تؤدوا منه حق الله، فذوقوا اليوم عذاباً شديداً. 36- إن عدة شهور السنة القمرية اثنا عشر شهراً، فى حكم الله وتقديره، وفيما بَيَّنه فى كتبه منذ بدء العالم. ومن هذه الاثنى عشر شهراً أربعة أشهر يحرم القتال فيها، وهى: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم. وهذا التحريم للأشهر الأربعة المذكورة هو دين الله المستقيم، الذى لا تبديل فيه ولا تغيير. فلا تظلموا فى هذه الأشهر أنفسكم باستحلال القتال أو امتناعكم عنه إذا أغار عليكم الأعداء فيها، وقاتلوا - أيها المؤمنون - جماعة المشركين دون استثناء أحد منهم، كما يقاتلونكم معادين لكم جميعاً، وكونوا على يقين من أن الله ناصر للذين يخافون، فيلتزمون أوامره ويجتنبون نواهيه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: بالباطل: أي بدون حق أباح لهم أكلها. ويصدون عن سبيل الله: أي يصرفون أنفسهم وغيرهم عن الإِسلام الذي هو السبيل المفضي بالعبد إلى رضوان الله تعالى. يكنزون: يجمعون المال ويدفنونه حفاظاً عليه ولا يؤدون حقه. الذهب والفضة: هما النقدان المعروفان. في سبيل الله: أي حيث رضا الله كالجهاد وإطعام الفقراء والمساكين. فبشرهم: أي أخبرهم بعذاب أليم: أي موجع. يحمى عليها: لأنها تحول إلى صفائح ويحمى عليها ثم تكوى بها جباههم. هذا ما كنزتم: أي يقال لهم عند كيهم بها: هذا ما كنزتم لأنفسكم توبيخاً لهم وتقريعاً. معنى الآيتين: بمناسبة ذكر عداء اليهود والنصارى للإِسلام والمسلمين، وأنهم يريدون دوماً وأبداً إطفاء نور الله بأفواههم، ذكر تعالى ما هو إشارة واضحة إلى أنهم ماديون لا همّ لهم إلا المال والرئاسة فأخبر المسلمين فقال {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ} وهم علماء اليهود {وَٱلرُّهْبَانِ} وهم رجال الكنائس من النصارى {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ} كالرشوة، وكتابة صكوك الغفران يبيعونها للسفلة منهم، إلى غير ذلك من الحيل باسم الدين، وقوله تعالى عنهم {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} دليل واضح على أنهم يحاربون الإِسلام باستمرار للإِبقاء على مناصبهم الدينية يعيشون عليها يترأسون بها على السفلة والعوام من اليهود والنصارى، وقوله تعالى {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ} لفظ عام يشمل الأحبار والرهبان وغيرهم من سائر الناس من المسلمين ومن أهل الكتاب إلا أن الرهبان والأحبار يتناولهم اللفظ أولاً، لأن من يأكل أموال الناس بالباطل ويصد عن سبيل الله أقرب إلى أن يكنز الذهب والفضة ولا ينفقها في سبيل الله، وقوله تعالى لرسوله {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي أخبرهم معجلاً لهم الخبر في صورة بشارة، وبين نوع العذاب الأليم بقوله {يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا} أي صفائح الذهب والفضة بعد تحويلها إلى صفائح {فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} أي من كل الجهات الأربع من أمام ومن خلف وعن يمين وعن شمال ويقال لهم تهكماً بهم وازدراء لهم وهم نوع عذاب أشد على النفس من عذاب الجسم {هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- بيان حقيقة علماء اليهود والنصارى، وهي أنهم ماديون باعوا آخرتهم بدنياهم يحاربون الإِسلام ويصدون عنه للمحافظة على الرئاسة وللأكل على حساب الإِسلام. 2- حرمة أكل أموال الناس بالباطل. 3- حرمة جمع المال وكنزه وعدم الإِنفاق منه. 4- المال الذي تؤدى زكاته كل حول لا يقال له كنز ولو دفن تحت الأرض. 5- بيان عقوبة من يكنز المال ولا ينفق منه في سبيل الله وهي عقوبة شديدة.
القطان
تفسير : يأكلون اموال الناس: يأخذونها بغير حق وبطرقٍ غير مشروعة. يصدون عن سبيل الله: يمنعون الناس عن معرفة الحقيقة. يكنزون الذهب والفضة: يخزنونها. بعد ان بين الله تعالى في الآيات السالفة كيف بدّل اليهود والنصارى ديانتهم واتّخذوا أحبارَهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، بيّن هنا سيرةَ كثيرٍ من هؤلاء الرؤساء الدينيّين في معاملاتهم مع الناس، ثم أوعدَ الباخِلين الذين يكنزون الذهب والفضة في خزائنهم ولا ينفقون منها في سبيل البر والخير - واعَدَهم بالعذاب الأليم في نار جهنم. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}. يا ايها المؤمنون: اعلموا أن كثيراً من علماء اليهودِ ورهبانِ النصارى يستحلُّون أكْلَ أموال الناس بغير حق، ويستغلّون ثقة الناس فيهم واتّباعَهم لهم في كلّ ما يقولون، ويصدّون الناسَ عن الدخول في الاسلام، ويَحْمِلونهم على الطعن فيه بما يبثّونه من تعاليم تخالف الواقع. وقوله تعالى: {إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ} فيه دِقة واحتراز، فإن بينهم من لا يأكلُ أموال الناس ولا بدّ من أفرادٍ في أية جماعة من الناس فيهم بقيةُ خير. وأخذُ اموال الناس بغير حقٍّ شرعيّ له طرق عديدة، منها الرشوة لأجل الحكم والمساعدة على إبطال حق او إحقاق باطل. وهي حرام على كلّ من أخذَها سواء اكان من الرؤساء الدينيّين أو من الموظفين والحكّام... وكذلك الرّبا، فإنه من اكبر الفواحش. ومنها أخذُ المال جُعلا على مغفرةِ الذنوب، ومنها أخذُ الأموال على الفتاوى لتحليلِ الحرام وتحريم الحلال. وهذا من أشدّ الذنوب واكبر الكبائر، كما قال تعالى مخاطبا اليهود: {أية : قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} تفسير : [الأنعام: 91]. {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. والذين يجمعون الأموالَ من جميع أصنافها ويكنزونها في خزائنهم، ولا ينفقون منها في سبيل الله بأن يُخرجوا زكاتها، ويتصدّقوا منها لبناء المدارس والمتشفيات، ودور الأيتام والدفاع عن الوطن والعقيدة - فهؤلاء أنذِرْهم ايها الرسول الكريم بعذابٍ موجع. وقد وردت عدة روايات عن الصحابة والعلماء المجتهدين أن المال الذي تؤدّى زكاتُه ليس بكنز، وهذا صحيح. ولكن هناك واجباتٍ أُخرى تستلزمها الضروةُ فيجب على اصحاب الاموال ان يشاركوا فيها مثل الجهاد وبناء المدارس والمساجد والمصحّات وغير ذلك، والذي يدخلُ تحت قوله تعالى: {أية : وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} تفسير : [الذاريات: 19]. {يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}. يؤتى بهؤلاء الناس يوم القيامة ويوقَدُ على هذه الأموال في نار جهنم ثم تُحرق بتلك الاموال المحْمَاة جباهُ أصحابها، وجنوبُهم وظهروهم، ويقال توبيخاً لهم: هذا ما ادّخرتموه لأنفسكم ولم تؤدوا منه حقَّ الله. ان ما كنتم تظنّونه من منفعةٍ في كنزه لأنفسِكم قد كان لكم ضُرّاً، فقد صار في الدنيا لِغَيركم، وعذابُه في الآخرة لكم، فذوقوا اليوم العذاب الشديد. ومن أكبر أسباب الضعف الظاهر الذي نراه في مجتمعاتنا العربية والإسلامية البخلُ والشحّ المستولي على ارباب الاموال فهم لا يبخلون على شهواتهم بانفاق الملايين، أما حين تُطلب منهم الحقوق الواجبة من اجل الدفاع عن الاوطان وصد المعتدين - فإنهم لا يؤدون ما يجب عليهم. وقد وردت عدة روايات في نزول الآية، منها حديثُ أبي ذرّ الذي أخرجه البخاري وغيره، قال زيد بن وهب، ابو سلميان الجهني، وهو تابعي ثقة: ممرت بأبي ذرٍ بالرَّبَذَة (موضع بين مكة والمدينة) فقلت: يا ابا ذر، ما أنزلك هذه البلاد؟ فقال: كنت بالشام فقرأت (والذين يكنزون الذهب والفضة) فقال معاوية: هذه نزلت في أهل الكتاب، فقلت: إنها فينا وفيهم. فصار ذلك سبباً للوحشة بيني وبيه، فكتب اليَّ عثمانُ أن أَقبلْ إليّ. فلما قدمت المدينة انحرف عني الناسُ كأنهم لم يروني من قبل. فشكوت الى عثمان، فقال: تنحَّ قريبا. فقلت: اني واللهِ لم أدَع ما كنت اقول" وكان يندّد باصحاب الاموال، ويخوّف الناسَ من جمع الأموال وخزنها، وكان يحدِّث الناس ويقول لهم: لا يبتن عند أحدِكم دينارٌ ولا درهم إلا ما ينفقه في سبيل الله او يعدّه لغريم الخ... وأخرج أبو داود والحاكم وابن ابي شَيبة وغيرهم عن ابن عباس: قال: "حديث : لما نزلت هذه الآية (والذين يكنزون الذهب والفضة) كَبُرَ ذلك على المسلمين، وقالوا: ما يستطيع احدٌ منا أن لا يُبقي لِولِده مالاً بعده، فقال عمر: انا أفرَج عنكم، فانطلق وتبعه ثَوْبان، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبيّ الله، إنه قد كبر على اصحابك هذه الآية. فقال: ان الله لم يفرض الزكاةَ الا ليطيِّبَ بها ما بقي من اموالكم، وانما فُرضت المواريثُ عن أموالٍ تبقى بعدكم، فكبَّر عمر رضي الله عنه" تفسير : يعني من فرط سروره. وذلك يعني ان المال الذي أخرجت زكاته ليس بكنز.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {أَمْوَالَ} {بِٱلْبَاطِلِ} (34) - يُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤمِنِينَ مِنْ عُلَمَاءِ السُّوءِ، وَعُبَّادِ الضَّلاَلَةِ، وَيَقُولُ: إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ، اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، بِصُوَرٍ وَطَرَائِقَ مُخْتَلِفَةٍ، وَيَسْتَغِلُّونَ رِئَاسَتَهُمُ الدِّينِيَّةَ فِي سَبِيلِ تَحْقِيقِ ذَلِكَ، وَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ اسْتَمَرُّوا عَلَى ضَلاَلِهِمْ وَعِنَادِهِمْ، طَمَعاً فِي أَنْ تَبْقَى لَهُمُ تِلْكَ الرِّئَاسَاتُ، وَأَخَذُوا يَصُدُّونَ النَّاسَ وَيَصْرِفُونَهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ الإِسْلاَمِ، وَهُوَ دِينُ الحَقِّ، وَيُلْبِسُونَ الحَقَّ بِالبَاطِلِ، وَيُمَوِّهُونَ عَلَى أتباعِهِمْ مِنَ الجَهَلَةِ أَنَّهُمْ إِنَّما يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُمْ لَوُ أَقَرُّوا بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ، وَصِحَّةِ دِينِهِ، لَتَوَجَّبَ عَلَيْهِمْ مُتَابعَتُهُ، فَيبْطُلُ حُكْمُهُمْ، وَتَزُولُ مَكَانَتُهُم، وَتَنْقَطِعُ مَوَارِدُهُمْ، وَمَصَادِرُ رِزْقِهِم العَرِيضَةُ. وَفِي الحَقِيقَةِ إِنَّهُمْ دُعَاةٌ إِلَى النَّارِ، وَيَوْمَ القِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ. وَيُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى مَنْ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةِ (أَيْ يُكَدِّسُونَ الأَمْوَالَ)، وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَفِي الجِهَادِ لِنُصْرَةِ دِينِ اللهِ، وَفِي الإِحْسَانِ إِلى عِبَادِهِ وَمَصَالِحِهِمْ، وَيُبَشِّرهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.
الثعلبي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ} يعني العلماء والقرّاء من أهل الكتاب {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ} أي يأخذون الرشوة في أحكامهم ويحرّفون كتاب الله ويكتبون بأيديهم كتباً يقولون: هذه من عند الله، ويأخذون بها ثمناً قليلاً من سفلتهم، وهي المآكل التي كانوا يصيبونها منهم على تكذيبهم محمد صلى الله عليه وسلم ولو آمنوا به لذهبت عنهم تلك المآكل {وَيَصُدُّونَ} ويصرفون الناس ويمنعونهم {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} دين الله {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ} يعني ويأكلون أيضاً بالباطل الذين يكنزون الذهب والفضة. سمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا الحسن المظفر بن محمد بن غالب الهمذاني يقول: سمعت إبراهيم بن محمد بن عرفة الايجي بن نفطويه يقول: سمّي ذهباً لأنه يذهب فلا يبقى، وسمّيت فضة لأنها تنفض أي تتفرق ولا تبقى، وحسبك الأسمان دلالة على فنائهما، والله أعلم فيها. واختلف العلماء في معنى الكنز: فروى نافع عن ابن عمر قال: كل مال آتى زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم يؤدّ زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض. ومثله قال ابن عباس والضحاك والسدّي، ويدلّ عليه ماروي عن ابن الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: إذا أخرجت الصدقة من مالك فقد أذهبت شره وليس بكنز. وقال سعيد بن المسيب: سأل عمر رجلاً عن أرض باعها فقال: [أحسن موضع هذا المال؟ فقال: أين أضعه؟] قال: أُحفر تحت فراش امرأتك. فقال: يا أمير المؤمنين أليس بكنز، قال: ما أدّى زكاته فليس بكنز. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كل مازاد على أربعة آلاف درهم فهو كنز، أدّيت منه الزكاة أم لم تؤدِّ، ومادونها نفقة. وقال عن الوليد بن زيد: كل ما فضل من المال عن حاجة صاحبه إليه فهو كنز. منصور عن عمر بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان قال لما نزلت هذه الآية {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ} قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : تبّاً للذهب وتبّاً للفضة" يقولها ثلاثاً: فشقّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المهاجرون: فأي المال نتّخذ؟ فقال عمر: فإنّي أسال النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قال: فأدركته فقلت: يارسول الله إن المهاجرين قالوا: أي المال نتّخذ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه" . تفسير : وأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان أخبر طليحة بن عبدان، حدّثنا محمد بن يحيى، حدّثنا محمد بن عبدل، حدّثنا الأعمش عن (المعرور) بن سويد حديث : عن أبي ذر قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبال الكعبة فلمّا رآني قد أقبلت قال: هم الأخسرون وربّ الكعبة، هم الأخسرون وربّ الكعبة، هم الأخسرون وربّ الكعبة. قال: فدخلني غمّ وما أقدر أن أتنفس قلت: هذا شيء حدث فيَّ، قلت: مَن هم فداك أبي وأمي؟ قال: المكثرون إلا من مال بالمال في عباد الله هكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن فوقه وبين يديه وعن [..........] كل صفراء وبيضاء أولى عليها صاحبها فهو كنز [..........] من ترك خير الشيء فهي له يوم القيامة . تفسير : وروى طلحة بن عبد الله بن كريز الخزاعي عن أبي الضيف عن أبي هريرة قال: من ترك عشرة آلاف درهم جعل صفائح يعذّب بها صاحبها يوم القيامة قبل القضاء، وعن سلمان بن ثروان قال: سمعت عمار بن ياسر يقول: إن أهل المائدة سألوا المائدة ثم نزلت فكفروا بها، وإن قوم صالح سألوا الناقة فلمّا أعطوها كفروا بها، وانكم قد نهيتم عن كنز الذهب والفضة فستكنزونها، فقال رجل نكنزها (وقد سمعنا) قوله؟ قال: نعم، ويقتل عليه بعضكم بعضاً، وقال شعبة: كان فصّ سيف أبي هريرة من فضة فنهاه عنها أبو ذر، وقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من ترك صفراء وبيضاء كوي بها ". تفسير : وروى قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي امامة صديّ بن عجلان قال: حديث : إن رجلا توفي من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كيّة" ثم توفي رجل آخر فوجد في مئزره ديناران فقال عليه السلام: "كيّتان" . تفسير : وأولى الأقاويل بالصواب القول الأول لأن الوعيد وارد في منع الزكاة لا في جمع المال الحلال. يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أدى زكاة ماله فقد أدى الحق الذي عليه، ومن زاد فهو خير له ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : نعم المال الصالح للرجل الصالح ". تفسير : وقال ابن عمر وسئل عن هذه الآية فقال: من كنزها ولم يؤدّ زكاتها فويل له. ثم قال: لا أبالي لو كان لي مثل أحد ذهباً أعلم عدده أزّكيه وأعمل بطاعة الله عز وجل. أما أصل الكنز في كلام العرب: كل شيء مجموع بعضه على بعض، على ظهر الأرض كان أو في بطنها. يدلّ على ذلك قول الشاعر: شعر : لا درّي إن أطعمت نازلهم [قرف الحتي] وعندي التبر مكنوز تفسير : أراد: مجموع بعضه إلى بعض والحتي: مذر المقل، وكذلك يقول العرب للشيء المجتمع: مكتنز لانضمام بعضه إلى بعض. قرأ يحيى بن عمر يكنزون بضم النون، وقراءة العامة بالكسر، وهما لغتان مثل يعكُفون ويعكِفون، ويعرُشون ويعرِشون {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} ولم يقل فينفقونهما، اختلف النحاة فيه، قال قطرب: أراد الزكاة أو الكنوز أو [.....] الذهب والفضة، وقال الفرّاء: استغنى بالخبر عن أحدهما في عائد الذكر عن الآخر لدلالة الكلام على أن الخبر على الآخر مثل الخبر عنه، وذلك موجود في كلام العرب وأخبارهم، قال الشاعر: شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف تفسير : وقال ابن الانباري: قصد الأغلب والأعم لأن الفضة أعم والذهب [أخص] مثل قوله {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ}تفسير : [البقرة: 45] ردّ الكناية إلى الصلاة لأنّها أعم، وقوله: {أية : رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا}تفسير : [الجمعة: 11] ردّ الكناية إلى التجارة لأنها أعم وأفضل. {فَبَشِّرْهُمْ} فأخبرهم وأنذرهم {بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا} أي يدخل النار مرتدياً بعض الكنوز، ومنه يقال: حميت الحديدة في النار {فَتُكْوَىٰ} فتحرق {بِهَا جِبَاهُهُمْ} جباه كانزيها {وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ}. قال عبد الله بن مسعود: والذي لا إله غيره مامن رجل يكوى، يكنز موضع دينار على دينار ودرهم على درهم، ولكن يوسع جلده فيوضع كل دينار ودرهم على خدّيه. وسئل أبو بكر الوراق: لم خص الجباه والجنوب والظهور بالكي؟ فقال: لأن الغني صاحب الكنز إذا رأى الفقير انقبض، فإذا ضمّه وإياه مجلس ازورّ عنه وولّى ظهره عليه، وقال محمد بن علي الترمذي: ذلك لأنّه يبذخ ويستكبر بماله ويقع على كنزه بجنبيه ويتساند إليه. وقال الأحنف بن قيس: قدمت المدينة، فبينما أنا في حلقة فيها ملأ من قريش إذ جاء رجل خشن الثياب، خشن الجسد، خشن الوجه فقام عليهم، فقال: بشّر الكنّازين برضف يحمى عليه في نار جهنم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه،ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثدييه، ويزلزل ويكوي الجباه والجنوب والظهور حتى تلتقي الحمة في أجوافهم. قال: فوضع القوم رؤوسهم فما رأيت أحداً منهم رجع إليه شيئاً، قال: فأدبر فاتبعته حتى جلس إلى سارية فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم، فقال: إن هؤلاء لايعقلون شيئاً. {هَـٰذَا} أي يقال لهم: هذا {هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ} كقوله: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}تفسير : [آل عمران: 106] أي تجحدون حقوق الله في أموالكم وتمنعونها. واختلف العلماء في حكم هذه الآية، وفيمن نزلت منهم، فروى ابن شهاب عن خالد بن زيد بن أسلم عن ابن عمر وسئل عن قوله تعالى {وٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ} فقال ابن عمر: إنّما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة فلمّا نزلت جعلها الله تطهير الأموال. مجاهد عن ابن عباس قال: حديث : لما نزلت هذه الآية كبر ذلك على المسلمين، وقالوا: ما يستطيع أحد منا يبقي لولده مالا يبقي بعده، فقال عمر رضي الله عنه: أنا أُفرّج عنكم فانطلقوا، وانطلق عمر واتبعه ثوبان فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يانبي الله إنّه قد كبر على أصحابك هذه فقال: "إن الله عز وجل لم يفرض الزكاة إلا ليطيّب بها ما بقي من أموالكم وإنما فرض المواريث في أموال تبقى بعدكم" ثم قال: "الا أخبركم بخير مايكنز المرء، المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرّته، وإذا أمرها أطاعته، فإذا غاب عنها حفظته". تفسير : وقال بعض الصحابة: هي في أهل الكتاب خاصة، وقال السدّي: هي في أهل القبلة، وقال الضحاك: هي عامة في أهل الكتاب وفي المسلمين، مَن كسب مالاً حلالاً فلم يعط حق الله منه كان كنزاً وإن قلّ فكان على وجه الأرض، وما أُعطي حق الله منه لم يكن كنزاً وإن كان كثيراً ودفنه في الأرض. عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا انا بأبي ذر فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ} الآية، فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، وكان بيني وبينهم كلام في ذلك فكتب إلى عثمان رضي الله عنه يشكوني، فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتها فكثر الناس علي حتى كأنّهم لم يروني قبل ذلك فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحّيت فكنت قريباً، فذلك الذي أنزلني هذه المنزل، ولو أمّروا عليَّ جيشاً لسمعت وأطعت. وقال بعضهم: نزلت في مانعي الزكاة خاصة، وهو أولى الاقاويل بالصحة، يدلّ عليه ماروى سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من صاحب كنز لايؤدي زكاته إلاّ حُمي عليه في نار جهنم، فجعل صفائح فيكوي بها جبينه وجنباه حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين الف سنة، ثم يرسله أمّا إلى الجنة وأمّا إلى النار، وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت فتطأه بأظلافها وتنطحه بقرونها ليس فيها عقصاء ولا جلجاء كلّما مضى عليه أخراها ردّت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يرسله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب أبل لايؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت [........] كلّما مضى عليها أخراها ردّت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين الف سنة ثم يرسله أما إلى الجنة وأما إلى النار"تفسير : . قال سهيل: فلا أدري أذكر البقر أو لا؟ وروى ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "حديث : من ترك بعده كنزاً مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يتبعه، يقول: ويلك ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذي تركته بعدك، فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها، ثم يلقمه سائر جسده ". تفسير : {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ} يعني عدد شهور السنة {عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ} قراءة العامة بفتح العين والشين، وقرأ أبو جعفر بجزم الشين، وقرأ طلحة بن سليمان بسكون الشين، شهراً نصب على التمييز. وهي المحرم وصفر وشهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر وجمادى الاولى وجمادى الآخرة ورجب وشعبان ورمضان وشوال وذو القعدة وذو الحجة. وأما المحرم فسمي بذلك لتحريم القتال فيه، وسمي صفر لأن مكة تصفر من الناس فيه أي تخلو منهم، وقيل: وقع فيه وباء فاصفرّت وجوههم، وقال أبو عبيدة: سمّي صفر لأنه صفرت فيه وطابهم من اللبن، وشهرا الربيع سمّيا بذلك لجمود الماء فيهما، وسمّي رجب لأنهم كانوا يرجبونه أي يعظمونه، رجبته ورجّبته بالتخفيف والتشديد إذا عظمته، قال الكميت: شعر : ولا غيرهم أبغي لنفسي جنّة ولا غيرهم ممن أُجلّ وأرجب تفسير : وقيل: سمي بذلك لترك القتال فيه من قول العرب: رجل أرجب إذ كان أقطع لا يمكنه العمل، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: حديث : إن في الجنة نهراً يقال له رجب ماؤه أشد بياضاً من الثلج وأحلى من العسل، من صام يوماً من رجب شرب منه تفسير : ، وقال عمر: سمّي شعبان لتشعب القبائل فيه. وروى زياد بن ميمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : سُمّي شعبان لأنه يتشعب فيه خير كثير لرمضان ". تفسير : وقد مضى القول في رمضان، وسمّي شوال لشولان النوق اللقاح بأذنابها فيه. قال أبو زيد البلخي: سمّي بذلك لأن القبائل تشول فيه أي تبرح عن أماكنها، وسمّي ذو القعدة لقعودهم عن القتال، وذو الحجة لقضاء حجهم فيه، والله أعلم. قال بعض البلغاء: إذا رأت العرب السادات تركوا العادات وحرموا الغارات قالوا: محرم، وإذا ضعفت أركانهم ومرضت أبدانهم، وأصفرت ألوانهم قالوا: صفر، وإذا ظهرت الرياحين وزهرت البساتين قالوا: ربيعان، وإذا قل الثمار وجمد الماء قالوا: جماديان، فإذا هاجت البحار وحمت الأنهار وترجبت الأشجار قالوا: رجب، وإذا بانت الفضائل وتشعبت القبائل قالوا: شعبان، وإذا حمي الفضا، ونفي جمر الغضاء قالوا: رمضان، وإذا انكشف السحاب، وكثرت الذباب وشالت الناقة إلا ذبحوها قالوا: شوال، وإذا قعد التجار عن الأسفار قالوا: ذو القعدة، وإذا قصدوا الحج من كل فج، وأظهروا النج والعج قالوا: ذو الحجة. {فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} يعني اللوح المحفوظ وقيل في قضائه الذي قضى {يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ مِنْهَآ} من الشهور {أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} كانت العرب تعظمها وتحرم القتال فيها حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو أخيه لم يهجه، وهي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة ومحرم، واحد فرد وثلاثة سرد. {ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} الحساب المستقيم {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} أي في الأشهر الحرم بالعمل بمعصية الله عز وجل وترك طاعته، وقال ابن عباس: استحلال القتال والغارة فيهن، وقال محمد بن إسحاق عن يسار: لا تجعلوا حلالها حراماً ولا حرامها حلالا كما فعل أهل الشرك، وقال قتادة: إن العمل الصالح والأجر أعظم في الأشهر الحرم، والذنب والظلم فيهن أعظم من الظلم فيما سواهنّ، وإن كان الظلم على كل حال عظيم، ولكن الله يعظم من أمره ما شاء كما يصطفي من خلقه صفايا. {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً} جميعاً عامّاً مؤتلفين غير مخلّفين {كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} نصب على الحال {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ}. واختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم فقال قوم: إنه منسوخ، وقال قتادة وعطاء الخرساني: كان القتال كثيراً في الأشهر الحرم ثم نسخ وأُحل القتال فيه بقوله {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً} يقول: فيهن وفي غيرهنّ. قال الزهري: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرّم القتال في الأشهر الحرم بما أنزل الله سبحانه من تحريم ذلك حتى نزلت براءة فأحل قتال المشركين تفسير : ، وقال أبو إسحاق: سألت سفيان الثوري عن القتال في الشهر الحرام فقال: هذا منسوخ، وقد مضى، ولا بأس بالقتال فيه وفي غيره، قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم غزا هوازن بحنين وثقيفاً بالطائف في شوال وبعض ذي القعدة فيدل على أنه منسوخ، وقال آخرون: إنه غير منسوخ، وقال ابن جريج: حلف بالله عطاء بن أبي رباح مايحلّ للناس أن يغزوا في المحرم ولا في الأشهر الحرم إلا أن يُقاتَلوا فيها وما نَسخت، وقال ابن حيان نسخت هذه الآية كل آية فيها رخصة. {إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ} قرأ الحسن، وعلقمة وقتادة ومجاهد ونافع غير ورش وأبو عامر وعيسى والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر: النسيء ممدود مهموز، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم، وهو مصدر كالخرير والسعير والحريق ونحوها، ويجوز أن يكون مفعولاً مصروفاً إلى فعيل مثل الجريح والقتيل والغريق، تقديره: إنما الشهر المؤخَّر، وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة والأشهب وشبل: (إنما النسيء) ساكنة: السين مهموزة على المصدر لا غير، وقرأ أبو عمرو وورش النسيّ بالتشديد من غير همزة. وروي ذلك عن ابن كثير على معنى النسيّ أي المتروك قال الله تعالى {نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} من النسيان، ويحتمل أن يكون أصله الهمز مخفف، واختلفوا في أصل الكلمة، فقال الأخفش: هو من التأخير ومنه النسيئة في البيع، ويقال: أنسأ الله أجله، ونسأ في أجله أي أخّره، وقال قطرب: هو من الزيادة، وكل زيادة حدثت في شيء فهو نسيء، وكذلك قيل للبن إذ كثر بالماء نسىء، ونسؤ، وللمرأة الحبلى نسؤتْ، لزيادة الواو فيها، وقد نسأتُ الناقة وأنسأتها إذا زجرتها ليزداد سيرها، وقال قتادة: عهد ناس من أهل الضلالة فزادوا صفراً في الأشهر الحرم، وكان يقوم قائمة في الموسم ويقول: ألا إن آلهتكم قد حرمت المحرم فيحرمونه ذلك العام، ثم يقوم في العام المقبل فيقول: ألا إن آلهتكم قد حرّمت صفر فيحرمونه ذلك العام وكان يقال لهما: صفران. وأما معنى النسيء وبدوّ أمره على ماذكره العلماء بألفاظ مختلفة ومعنى متفق، فهو إن العرب كانت تحرّم الشهور الأربعة وكان ذلك مما تمسّكت به من ملّة إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل، وكان العرب أصحاب حروب وغارات فشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لايغزون فيها، وقالوا: لئن توالت علينا ثلاثة أشهر حرم لا نصيب فيها شيئاً لنجوعنّ، وإنما نصيب على ظهر دوابنا فربّما احتاجوا مع ذلك إلى تحليل المحرم أو غيره من الأشهر الحرم لحرب تكون بينهم فيكرهون استحلاله ويستحلون المحرم. وكانوا يمكثون بذلك زماناً يحرّمون صفر، وهم يريدون به المحرم ويقولون: هو أحد الصفرين، وقد تأوّل بعض الناس قول النبي صلى الله عليه وسلم: ولا صفر، على هذا ثم يحتاجون أيضاً إلى تأخير الصفر إلى الشهر الذي بعده كحاجتهم إلى تأخيرالمحرم، فيؤخّرون تحريمه إلى ربيع، ثم يمكثون بذلك ما شاء الله، ثم يحتاجون إلى مثله، ثم كذلك فكذلك يتدافع شهراً بعد شهر حتى استدار التحريم على السنة كلّها، فقام الإسلام قد رجع المحرم إلى وضعه الذي وضعه الله عز وجل وذلك بعد عمر طويل. وقال مجاهد: كان المشركون يحجّون في كل شهر عامين، فحجّوا في ذي الحجة عامين، ثم حجّوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور التي وافقت حجة أبي بكر التي حجها قبل حجة الوداع السنة الثانية من ذي القعدة، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم في العام القابل حجة الوداع فوافقت ذي الحجة، فذلك حين قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته: "حديث : ألا إن الزمان قد ابتدأ فدعيت يوم خلق السموات والأرض إن السنة إثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان ". تفسير : أراد صلى الله عليه وسلم أنّ الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها وعاد الحج إلى ذي الحجة وبطل النسيء. واختلفوا في أول من نسأ، فقال ابن عباس وقتادة والضحاك: أوّل من نسأ بنو مالك بن كنانة وكان (يليه) أبو ثمامة عبادة بن عوف بن أمية الكناني، كان يوافي الموسم كل عام على حمار فيقول: أيّها الناس إني أُحدّث ولا أخاف ولا مردّ لما أقول. إنّا قد حرمنا المحرم، وأخّرنا صفر، ثم يجيء العام المقبل فيقول: إنّا قد حرّمنا صفر وأخّرنا المحرم. وقال الكلبي: أول من فعل ذلك رجل من كنانة يقال له: نعيم بن ثعلبة، وكان يكون قبل الناس بالموسم، وإذا همّ الناس بالصّدر قام فخطب الناس فقال: لا مردّ لما قضيت، أنا الذي لا أغاب ولا أخاب فيقول له المشركون: لبيك، ثم يسألهم أن ينسئهم شهراً يغيّرون فيه، فيقول: إن القتال العام حرام، وإذا قال ذلك حلّوا الأوتار وقرعوا الأسنّة والأزجّة، وإن قال: حلال عقدوا الأوتار وشددوا الأزجّة وأغاروا على الناس. [وقيل بعد] نعيم بن ثعلبة رجل يقال له: جنادة بن عوف وهو الذي أدركه رسول الله (صلى الله عليه وسلم). جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أن أوّل من نسأ النسيء عمرو بن لحي بن بلتعة بن خندف، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو رجل من بني كنانة يقال له القملّس في الجاهلية، وكان أهل الجاهلية لايغير بعضهم على بعض في الأشهر الحرم، يلقي الرجل قاتل أبيه وأخيه فلا يتعرض له فيقول قائلهم: اخرجوا بنا فيقال له: هذا المحرم، فيقول القملّس: إني قد نسأته العام صفران، فإذا كان العام المقبل قضينا فجعلناهما محرمين، وقال [.............] وقال الكميت: شعر : ألسنا الناسئين على معدٍّ شهور الحلّ نجعلها حراما تفسير : فهو النسيء الذي قال الله تعالى: إنما النسيء زيادة {زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ يُضَلُّ} قرأ أهل المدينة وعاصم وأبو عمرو يَضِل بفتح الياء وكسر الضاد، واختاره أبو حاتم لأنه ضمّ الضالون لقوله {بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً} وقرأ أبو رجاء والحسن وأبو عبد الرحمن وقتادة ومجاهد وابن محيصن: يضل مكسورة الضاد، ولها وجهان: أحدهما أن يكون {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} في محل النصب أي يضل الله به الذين كفروا. والوجه الثاني أن يكون {ٱلَّذِينَ} في محل رفع على معنى يُضِل به الذين كفروا الناس المفسدين منهم، وقرأ أهل الكوفة: يُضل بضم الياء وفتح الضاد وهي قراءة ابن مسعود واختيار أبي عبيدة لقوله زُيّن لهم سوء أعمالهم ويحلّونه يعني النسيء عاماً ويحرّمونه عاما {لِّيُوَاطِئُواْ} ليوافقوا، قال ابن عباس: ليشبهوا، قال المؤرّخ: هو أنهم لم يحلّوا شهراً من الحرم إلا حرّموا مكانه شهراً من الحلال، ولم يحرّموا شهراً من الحلال إلاّ أحلوا مكانه شهراً من الحرم لئلاّ تكون الحرم أكثر من أربعة أشهر ممّا حرم الله فيكون موافقاً للعدد، فذلك المراد. {فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وبعد أن شرح سبحانه لنا ما يدور في ذواتهم، وانحرافهم عن منهج الله تعالى، والغرق في حب الدنيا وحب الشهوات، وهم قد اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، وحرَّفوا تعاليم السماء حتى يأكلوا أموال الناس بالباطل، ولكن هل الأموال تؤكل؟ طبعاً لا، بل نشتري بالمال الطعام الذي نأكله، فلماذا استخدم الحق سبحانه عبارة {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ}؟ أراد الحق سبحانه وتعالى بذلك أن يلفتنا إلى أنهم لا يأخذون المال على قدر حاجتهم من الطعام والشراب، ولكنهم يأخذون أكثر من حاجتهم ليكنزوه. ولذلك يأتي قوله تعالى في ذات الآية أنهم {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. هم إذن أكلوا أموال الناس بالباطل، مصداقاً لقول الحق سبحانه {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ} ومعنى ذلك أنَّ هناك أكْلاً من أموال الناس بالحق في عمليات تبادل المنافع، فالتاجر يأخذ مالك ليعطيك بضاعة؛ ويذهب التاجر ليشتري بها بضاعة وهكذا، وقانون الاحتياط هنا في أن يكون هناك رهبان وأحبار محافظون على تعاليم الدين، ولا يأكلون أموال الناس بالباطل، وهذا ظاهر في قول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ} ولم يقل جل جلاله: كل الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل، بل قال {إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ}؛ لأنه قد يوجد عدد محدود من الأحبار والرهبان ملتزمون، والله لا يظلم أحداً؛ لذلك جاء بالاحتمال. فلو أن الله سبحانه وتعالى عمَّم ووُجد منهم من هو ملتزم بالدين. فمعنى ذلك أن يكون القرآن الكريم لم يُغطِّ كل الاحتمالات، ومعاذ الله أن يكون الأمر كذلك؛ لأن الحق سبحانه وتعالى في قرآنه يصون الاحتمالات كلها. إذن: فاستيلاء بعض من هؤلاء الأحبار والرهبان على أموال الناس لا يكون بالحق، لأي لا يحصلون فقط على ما يكفيهم، بل بالباطل أي بأكثر مما يحتاجون. وهم يأخذون المال ليصدوا به عن سبيل الله، وهم في سبيل الحصول على الأموال الدنيوية؛ يُغيِّرون منهج الله بما يتفق مع شهوتهم للمال، وما يحقق لهم كثرة الأموال التي يحصلون عليها، ولهذا تأتي العقوبة في ذات الآية فيقول المولى سبحانه وتعالى: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} والكنز مأخوذ من الامتلاء والتجمع، ولذلك يقال: "الشاة مكتنزة"، أي مليئة باللحم وتجمَّعَ فيها لحمٌ كثير. إذن: فيكنزون أي يجمعون، وقول الحق سبحانه وتعالى: {يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ}؛ وهذان المعدنان هما أساس الاقتصاد الدنيوي، فقد بدأ التعامل الاقتصادي بالتبادل، أي سلعة مقابل سلعة، وهي ما يسمى عمليات عمليات المقايضة، وعندما ارتقى التعامل الاقتصادي اخترعت العملة التي صارت أساساً للتعامل بين الناس والدول. والعملة من بدايتها حتى الآن ترتكز على الذهب والفضة. وحتى عندما وجدت العملة الورقية، كان لا بد أن يكون لها غطاء من الذهب لكي تصبح لها قيمة اقتصادية؛ لأنَّ العملة الورقية لا يكون لها قيمة إلا بما يغطيها من الذهب والفضة. ومن إعجاز القرآن الكريم أن الحق سبحانه وتعالى حين يتكلم عن الذهب والفضة وهما معدنان، يجعلهما الأساس في النقد والتجارة، ولقد وجدت معادن أخرى أغلى من الذهب وأغلى من الفضة كالماس مثلاً. لكن لا يزال الأساس النقدي في العالم هو الذهب والفضة. وعلى مقدار رصيد الذهب الذي يغطي العملة الورقية ترتفع قيمة عملة أي بلد أو تنخفض.. فمثلاً في مصر في عهد الاحتلال البريطاني كان النقد المتداول ثمانية ملايين جنيه، ورصيدنا من الذهب عشرة ملايين جنيه فيكون الفائض من الذهب مليوني جنيه، وبذلك كانت قيمة الجنيه المصري تساوي جنيهاً من الذهب مضافاً إليه قرشان ونصف القرش. والذي يهبط بالنقد إلى الحضيض أن يكون رصيد الذهب قليلاً وكمية النقد المتداولة كثيرة، وهكذا يبقى الذهب هو الحجة والأساس في الاقتصاد العالمي. إذن: فالحق سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة أراد أن يلفتنا إلى أن الذهب والفضة هما أساس التعامل في تسيير حركة العالم الاقتصادية، وأن هذا التعامل يقتضي الحركة الدائمة للمال؛ لأن وظيفة المال هي الانتفاع به في عمارة الأرض، ولو أنك لم تحرك مالك وكنت مؤمناً، فإنه ينقص كل عام بنسبة 2,5% وهي قيمة الزكاة. ولذلك يفنى هذا المال في أربعين سنة. فإن أراد المؤمن أن يُبْقي على ماله؛ فيجب أن يديره في حركة الحياة ليستثمره وينميه ولا يكنزه حتى لا تأكله الزكاة؛ وهي نسبة قليلة تُدفَعُ من المال. ولكن إذا أدار صاحب المال ما يملكه في حركة الحياة، فسينتفع به الناس وإن لم يقصد أن ينفعهم به؛ لأن الذي يستثمر أمواله مثلاً في بناء عمارة ليس في باله إلا ما سيحققه من ربح لذاته، ولكن الناس ينتفعون بهذا المال ولو لم يقصد هو نفعهم؛ فمن وضع الأساس يأخذ أجراً، ومن جاء بالطوب يأخذ قدر ثمنه، ومن أحضر أسمنتاً أخذ، ومن جاء بالحديد أخذ، والمعامل التي صنعت مواد البناء أخذت، وأخذ العمال أجورهم؛ في مصانع الأدوات الصحية وأسلاك الكهرباء وغيرها، والذين قاموا بتركيب هذه الأشياء أخذوا، إذن: فقد انتفع عدد كبير في المجتمع من صاحب العمارة، وإن لم يقصد هو أن ينفعهم. ولذلك فإن الذي يبني عمارة يقدم للمجتمع خدمة اقتصادية ينتفع بها عدد من الناس، وكذلك كل من يقيم مشروعاً استثمارياً. إذن: سبحانه وتعالى لا يريد من المال أن يكون راكداً، ولكنه يريده متحركاً ولو كان في أيدي الكافرين؛ لأنه إذا تحرك أفاد الناس جميعاً فيحدث بيع وشراء وإنتاج للسلع وإنشاء للمصانع، وتشغيل للأيدي العاملة إلى غير ذلك، ولكن إن كنز كل واحد منا ماله فلم يستثمره في حركة الحياة، فالسلع لن تستهلك، والمصانع ستتوقف، ويتعطل الناس عن العمل. وكما يحث الإسلام على استثمار المال، يطالبنا أيضاً بألا يذهب المال إلى الناس بغير عمل؛ حتى لا يعتادوا على الكسب مع الكسل وعدم العمل. ولذلك قيل: إذا كثر المال ولم تكن هناك حاجة إلى مشروعات جديدة، فلا تترك الناس عاطلين؛ بل عليك أن تأمرهم ولو بحفر بئر ثم تأمرهم بطمّها أي ردمها، في هذه الحالة سيأخذ العمال أجر الحفر والردم، فلا تنتشر البطالة ويتعود الناس أن يأكلوا بدون عمل؛ لأن هذا أقصر طريق لفساد المجتمع. إذن: فالحق سبحانه وتعالى يريد للمال أن يتحرك ولا يكنز؛ ولذلك قال المولى سبحانه وتعالى: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} لأنهم بكنزهم المال إنما يُوقفُونَ حركة الحياة التي أرادها الله تعالى لكونه. وأنت ترى العالم الآن يعيش في غائلة البطالة؛ لأن المال لا يتحرك لعمارة الكون، بل هناك من يكتنزون فقط. ولقائل أن يقول: ولكن الناس الآن يتعاملون بالنقد الورقي، بينما ذكر الله سبحانه وتعالى الذهب والفضة؛ نقول: إن العملة الورقية ليست نقداً بذاتها، ولكنها استخدمت لتعفي الناس من حمل كميات كبيرة وثقيلة من الذهب والفضة، قد لا يقدرون على حملها، إذن فهي عملية للتسهيل، وهي منسوبة إلى قيمتها ذهباً، إذن: فالذين يكنزون العملة الورقية ولا ينفقونها فيما يعمر بها الكون وتتم عمارته تنطبق عليهم الآية الكريمة. ولكن الكنز في هذه الآية لا يأتي فقط بمعنى الجمع؛ ولكنه أيضاً بمعنى أنهم لا يؤدون حق الله فيها. ولذلك فإن المال الذي أخرجتَ زكاته لا يُعدُّ كنزاً، لأنه يتناقص بالزكاة عاماً بعد آخر؛ أما المال المكنوز فهو المال الذي لا تُؤدَّى زكاته. والذي يملك مالاً مهما كانت قيمته ويؤدي حق الله فيه لا يعتبر كانزاً للمال. بل الكنز في هذه الحالة ما لم يؤد فيه حق الله. وإذا عُدْنا إلى نص الآية الكريمة: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا} نتساءل: لماذا لم يقل الله: ولا ينفقونهما مع أنهما معدنان؟ ونقول: إن الحق سبحانه وتعالى استخدم أسلوب الجمع؛ لأن الذهب يطلق إطلاقات كثيرة، فهناك من يملك ألف دينار من الذهب، وغيره يملك مائة دينار من الذهب، وثالث ليس لديه إلاَّ دينار ذهبيّ واحد وكذلك الفضة، وما دام الجمع هنا موجوداً فلا بد أن تستخدم {يُنفِقُونَهَا}. ولم تقل الآية الكريمة: والذي يكنز. ولكنها قالت: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ}، إذن: فالمخاطبون متعددون، فهذا عنده ذهب، وهذا عنده ذهب، وثالث عنده فضة، إذن فلا بد من استخدام صيغة الجمع. ويلفتنا القرآن الكريم إلى هذه القضية في قوله تعالى: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ}تفسير : [الحجرات: 9]. ولم يقل "اقتتلا" لأن الطائفة اسم لجماعة مكونة من أفراد كثيرين، فإذا جاء القتال لا تقوم طائفة وتمسك سيفاً وتقاتل الثانية، وإنما كل فرد من الطائفة الأولى يقاتل كل فرد من الطائفة الثانية، إذن فهما طائفتان ساعة السلام، ولكن ساعة الحرب يتقاتل كل أفراد الطائفة الأولى مع كل أفراد الطائفة الثانية. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {ٱقْتَتَلُواْ}، ولم يقل "اقتتلا". أما في حالة الصلح فقد قال سبحانه وتعالى: {أية : فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا}تفسير : [الحجرات: 9]. واستخدم هنا "المثنى" لأننا ساعة نصلح بين طائفتين، لا نأتي بكل فرد من الطائفة الأولى ونصلحه على كل فرد من الطائفة الثانية، ولكن نأتي بزعيم الطائفة الأولى ونصالحة على زعيم الطائفة الثانية فيتم الصلح. ولذلك هنا تجب التثنية. وكذلك في قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ} لم يقل ولا ينفقونهما، ولكن قال سبحانه وتعالى: {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} والإنفاق في سبيل الله يشمل مجالات متعددة، ففي سبيل الله تحدث حركة في المجتمع يستفيد منها الناس، فحين تُخْرجُ الزكاة يستفيد منها الناس، وحين تُجهَّزُ بها جيوش المسلمين يستفيد منها الناس، ونظرية عدم كنز المال ربما ظهرت حديثاً في الاقتصاد العالمي ولكنها موجودة منذ نزول القرآن الكريم. فأنت إن أنفقت ولم تكنز حدث رواج في السوق. والرواج معناه إيجاد العمل ووسائل الرزق. وإيجاد الحافز الذي يؤدي إلى ارتقاء البشرية، وأنت حين تشتري لبيتك غسالة أو ثلاجة أو بنيت بيتاً صغيراً فإنك تُوجِدُ رواجاً اقتصادياً في المجتمع. وفي نفس الوقت ارتقيت بوسائل استخداماتك. والرواج يدفع إلى اكتشاف الأحسن الذي يفيد البشرية، ولكن إذا كنزت كل مالك ساد الكساد الاقتصادي. وليس معنى ذلك أن ينفق صاحب المال كل ماله وزيادة؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يريد الوسط في كل الأشياء. ولذلك يقول سبحانه وتعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} تفسير : [الفرقان: 67]. والحق سبحانه وتعالى في هذه الآية يحذر من سفاهة الإنفاق، وعدم الإبقاء على جزء من المال لمواجهة أي أزمة مفاجئة. لكنك إن قترت حدث كساد في السوق وتوقف الإنتاج وتعطل العمال، والإسلام يريد نفقة معتدلة توجد الرواج السلعي، وادخاراً تستخدمه في الارتقاء بحياتك ومواجهة الأزمات. والإنفاق أنواع: إنفاق في المساوي لإبقاء الحركة الدائمة بين المنتج والمستهلك، وإنفاق في غير المساوي بإعطاء الزكاة للفقير والمحتاج والمعدم، والزكاة تنقي المجتمع من مفاسد كثيرة؛ فهي تمنع الحقد بين الناس؛ لأن الفقير إذا وجد من يعطيه فهو يتمنى له دوام النعمة حتى يستمر العطاء فلا يسخط الفقير على الغني، والغني والفقير متساويان في الانتفاع؛ لأن الفقير عندما يأخذ لا يسخط على أنه فقير، ولكنه يحس بالعطاء حوله، والغني حين يعطي يحس أن هذا أمان له؛ لأنه إن ذهبت عنه النعمة فسوف يجد من يعطيه. وهكذا يحدث توازن في المجتمع بين الناس، فلا يوجد من لا يستطيع الحصول على ضروريات الحياة، ولا يوجد من لديه فائض يحبسه عن الناس. ولهذا يدعونا الإيمان إلى العمل بما يزيد عن قدر الحاجة، ليكون هناك فائض للزكاة والصدقة. والإنسان إذا عمل فإنه لا يفيد نفسه فقط بل يفيد المجتمع أيضاً. فسائق "التاكسي" مثلاً إذا كسب مائة جنيه في اليوم قد يظن أنه نفع نفسه فقط، ولكنه في الحقيقة نفع المجتمع كله بأن يسَّر على العباد مصالحهم، فنقل هذا إلى عمله؛ ونقل ذلك إلى المستشفى، ونقل غيرهما إلى السوق ليشتري ما يحتاج إليه، ونقل رابعاً ليزور قريباً أو ليحقق مصلحة وهكذا. إذن: فالذي يعمل يكون عمله خيراً لنفسه وخيراً للمجتمع، وإن عمل كل الناس على قدر حاجاتهم فقط، فمن أين يعيش غير القادر على العمل؟ من أين يعيش المستحق للزكاة والصدقة؟ إنه لا يعيش إلا بفائض القادر على العمل، ولذلك لا بد للإنسان المسلم أن يعمل على قدر طاقته، وليس على قدر حاجته. والعمل على قدر الحاجة يجعله يوفي بحاجات من يعولهم، ولا يضطرهم إلى أن يمدوا أيديهم للآخرين؛ أي أنه يقيهم شر الحاجة. أما العمل على قدر الطاقة فيجعله يأخذ حاجته، ويعطي لغير القادر ما يقيم حياته، وبذلك يقدم الخير لنفسه ومن يعولهم وللآخرين. إن المجتمع الذي يجد فيه غير القادر حاجته، هو مجتمع يملؤه الاطمئنان بالنسبة للقادر وغير القادر. ونحن نعلم أننا نعيش في دنيا أغيار، ولا يوجد من يدوم غناه أو من يدوم فقره؛ لأن دوام الحال من المحال، إن عاش الغني في مجتمع متكافل يجد فيه الفقير حاجته فهو لن يخشى تقلبات الزمن؛ لأنه وهو الآن يعطي الفقير، إن أصبح فقيراً فسوف يجد مقومات حياته، والفقير إذا أغناه الله تعالى فسيذكر أنه كان يأخذ من الأغنياء، فيبادر ليعين الفقراء كنوع من رَدِّ الجميل. وبذلك يعيش المجتمع كله حياة آمنة، كما أن الحياة في مثل هذا المجتمع إنما تهيىء الاطمئنان للناس على أولادهم وذريتهم، ذلك أن الأعمار بيد الله، وعندما يحس الإنسان بأنه إن مات وترك أولاداً صغاراً ضعافاً فسوف يتكفل المجتمع بهم، عندئذ يحس بالأمان في حياته، ولكن إذا كان المجتمع قاسياً يضيع في حق اليتيم، فالأب يعيش غير مطمئن على أولاده الصغار، ولهذا نجد أن الحق تبارك وتعالى قد أمر بكفالة اليتيم؛ ليعوضه عن أب واحد بآباء متعددين يَرْعَونهُ، فَيُحسُّ الأب بالأمان وتُحس الأم بالأمان ويحس الصغار بالأمان، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} تفسير : [النساء: 9]. وتقوى الله تكون ضماناً في أن يكفل المجتمع اليتيم؛ فيدخل الأمن في قلب كل أب يخشى أن يموت وأولاده صغار. إذن: فساعة يكفل المجتمع اليتيم فالطفل لن يسخط على القدر الذي حرمه من أبيه لأنه وجد آباء يرعونه، وهناك قصة يرويها عدد من إخواننا العلماء، فقد مات زميل من زملائهم وأولاده صغار، وكانت الأم تبكي على أطفالها لأنهم تيتموا، ثم مرت السنوات وكبر الأطفال فصار هذا مهندساً وصار ذلك طبيباً، والثالث أصبح محامياً، بينما من لا يزال آباؤهم على قيد الحياة كانوا متعثرين في دراستهم، فقال أحدهم للآخر: ليتنا نموت حتى يفتح الله باب الرزق على أولادنا. إذن: فهناك آباء محابس رزق، إذا ذهبوا فاض الله بالرزق على أولادهم، وهذه صورة نراها في الكون؛ فنعرف أن المسألة في يد الله سبحانه وتعالى القائل: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ}تفسير : [الذاريات: 58]. إذن: فالاقتصاد الإسلامي مبني على وجود حركة في الكون، ولا بد أن تكون هذه الحركة على قدر طاقة المتحركين، وليس على قدر حاجاتهم؛ حتى يكون هناك فائض يأخذه غير القادر من المتحرك القادر. ثم يعطينا الله سبحانه وتعالى لمحة إيمانية، حينما نرى الفقير غير القادر وهو يتلقى العطاء من أي إنسان غني يتعب في عمله، وكأن من هم أغنى منه يعملون ليعطوه، وسبحانه وتعالى حين سلب القوة من هذا الرجل فقد عوَّضه بأن أعطاه ثمرة من جهد وناتج عمل غيره فلا يسخط على اختبار الله تعالى له بالابتلاء. {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} وساعة تسمع كلمة {فَبَشِّرْهُمْ} تعرف أن البشارة عادة تكون في خبر سار، وإن جاءت في خبر محزن تكون تهكمًا، فالإنسان الذي هو عزيز قومه ويجعل الناس له اعتباراً، إن ظلم وطغى وخاف الناس أن يردوه؛ لأنه لا يخشى الله فيهم، هذا الظالم يُؤتَى به يوم القيامة ويُعذَّب أشد العذاب، ويقال له: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ}تفسير : [الدخان: 49]. وبطبيعة الموقف في النار هو مهان بعذاب جهنم ولا يمكن أن يكون عزيزاً كريماً، ولكن قول ملائكة النار: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ}، هو تهكم شديد، وهو في ذلك كقول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ} تفسير : [الكهف: 29]. وهم ساعةَ يسمعون كلمة {يُغَاثُواْ} يفرحون؛ لأن عطشهم شديد وهم قد استغاثوا فقيل لهم إنهم سيغاثون، وهذا خبر سار بالنسبة لهم، ولكن الإغاثة تأتيهم بماء يشوي وجوههم، فهل هذه إغاثة؟ إنه تهكم عليهم وزيادة في عذابهم، كذلك قول الحق سبحانه وتعالى هنا: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ويصف لنا الحق هذا العذاب الأليم الذي سيتعرضون له، ويُبيِّن لنا خبر المغيَّب عنَّا في الآخرة بصورة مُحَسَّة لنا فيقول: {يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن حصين بن عبد الرحمن، عن زيد بن وهب قال: مررت بالزبدة فقلت لأَبي ذر الغفاري: ما أَنزلك هٰهنا؟ فقال: إِني كنت بالشام فقرأْت هذه الآية: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الآية: 34]. فقال رجل: إِنما هذه الآية لأَهل الكتاب وليست / 29ظ / فينا. فقلت: هي فينا وفيهم. فنزلت هذا المنزل، فوالله لا أَدع ما قلت، ولو أُمِّر عليّ عبد حبشي ما عصيته. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً} [الآية: 36] قال: هذا في شأْن النسيء، لأَنه كان ينقص من السنة شهرا.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما وصف تعالى رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر وادعاء الربوبية، وصفهم هنا بالطمع والجشع والحرص على أكل أموال الناس، تحقيراً لشأنهم وتسفيهاً لأحلامهم، لأنهم اتخذوا الدين مطية لنيل الدنيا، وذلك نهاية الذل والدناءة، ثم ذكر تعالى قبائحهم وقبائح المشركين، ثم دعا إِلى النفير العام وذكر موقف المنافقين المثبطين عن الجهاد في سبيل الله. اللغَة: {ٱلأَحْبَارِ} علماء اليهود {ٱلرُّهْبَانِ} علماء النصارى قال ابن المبارك: شعر : وهل أفسد الدين إِلا الملوك وأحبار سوءٍ ورهبانها_@ تفسير : {يَكْنِزُونَ} أصل الكنز في اللغة: الجمع والضم ومنه حديث "حديث : ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة" تفسير : أي يضمه لنفسه ويجمعه، ثم غلب استعماله على المدفون من الذهب والفضة قال الطبري: الكنز كل شيء مجموع بعضه إِلى بعض في بطن الأرض كان أو على ظهرها {تُكْوَىٰ} الكي: إِلصاق المحمي من الحديد وشبهه بالعضو حتى يتمزق الجلد وفي الأمثال "آخر الدواء لكي" {ٱلنَّسِيۤءُ} التأخير يقال: نسأه وأنسأه إِذا أخره ومنه حديث "حديث : وينسأ له في أثره" تفسير : أي يؤخر له في أجله قال الزمخشري: النسيء: تأخير حرمة الشهر إِلى شهر آخر {لِّيُوَاطِئُواْ} أي ليوافقوا والمواطأة: الموافقة يقال: تواطأ القوم: إِذا اتفقوا على أمر خفية {ٱنفِرُواْ} النفر: الخروج بسرعة ومنه {أية : وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} تفسير : [الإسراء: 46] {ٱثَّاقَلْتُمْ} أصله تثاقلتم بمعنى تباطأتم ولم تسرعوا {عَرَضاً} العرض: ما يعرض للانسان من منافع الدنيا سمي عرضاً لأنه لا يدوم وفي الحديث "حديث : الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر"تفسير : {ٱلشُّقَّةُ} المسافة البعيدة التي لا تقطع إِلا بمشقة قال الجوهري: الشقة السفر البعيد، وكأنه مأخوذ من المشقة يقال: شقة شاقة. سَبَبُ النّزول: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف وغزوة حنين، أمر الناس بالجهاد، لغزو الروم، وذلك في زمن عسرة من البأس، وجدبٍ من البلاد، وشدةٍ من الحر، حين أثمرت النخل، وطابت الثمار، فعظم على الناس غزو الروم، وأحبوا الظلال والمقام في المساكن والمال، وشق عليهم الخروج إِلى القتال فأنزل الله {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ..} الآية. التفسِير: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ} أي يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله إِن كثيرا من علماء اليهود "الأحبار" وعلماء النصارى "الرهبان" {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي ليأخذون أموال الناس بالحرام، ويمنعونهم عن الدخول في دين الإِسلام قال ابن كثير: والمقصود التحذير من علماء السوء، وعباد الضلال قال ابن عيينة: من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عُبَّادنا كان في شبه من النصارى {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ} أي يجمعون الأموال ويدخرون الثروات {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي لا يؤدون زكاتها ولا يبذلون منها في وجوه الخير قال ابن عمر: الكنز ما لم تُؤد زكاته، وما أديت زكاته فليس بكنز {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أسلوب تهكم أي أخبرهم بالعذاب الأليم في دار الجحيم قال الزمخشري: وإِنما قرن بين الكانزين وبين اليهود والنصارى تغليظاً عليهم ودلالة على أن من يأخذ منهم السحت، ومن لا يعطي من المسلمين من طيب ماله، سواء في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم {يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ} أي يوم يحمى عليها بالنار المستعرة حتى تصبح حامية كاوية {فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} أي تحرق بها الجباه والجنوب والظهور بالكي عليها قال ابن مسعود: والذي لا إِله غيره لا يكوى عبد بكنزٍ فيمس دينار ديناراً، ولا درهم درهماً، ولكن يوسع جلده فيوضع كل دينار ودرهم على حدته، وخصت هذه الأماكن بالكي لأن البخيل يرى الفقير قادماً فيقطب جبهته، فإِذا جاءه أعرض بجانبه، فإِذا طالبه بإِحسان ولاه ظهره، قال القرطبي: الكي في الوجه أشهر وأشنع، وفي الظهر والجنب آلم وأوجع، فلذلك خصها بالذكر من بين سائر الأعضاء {هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} أي يقال لهم تبكيتاً وتقريعاً: هذا ما كنزتموه لأنفسكم فذوقوا وبال ما كنتم تكنزونه وفي صحيح مسلم "حديث : ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إِلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار، فيكون بها جنبه وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي بين العباد، ثم يرى سبيله إِما إِلى الجنة وإِما إلى النار" تفسير : {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً} أي إِن عدد الشهور المعتد بها عند الله في شرعه وحكمه هي اثنا عشر شهراً على منازل القمر، فالمعتبر به الشهور القمرية إِذ عليها يدور فلك الأحكام الشرعية {فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} أي في اللوح المحفوظ {يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} قال ابن عباس: كتبه يوم خلق السماوات والأرض في الكتاب الإِمام الذي عند الله {مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} أي منها أربعة شهور محرمة هي: "ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب" وسميت حرماً لأنها معظمة محترمة تتضاعف فيها الطاعات ويحرم القتال فيها {ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} أي ذلك الشرع المستقيم {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} أي لا تظلموا في هذه الأشهر المحرمة أنفسكم بهتك حرمتهن وارتكاب ما حرم الله من المعاصي والآثام {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} أي قاتلوهم جميعاً مجتمعين غير متفرقين كما يقاتلكم المشركون جميعاً {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} أي معهم بالنصرة والتأييد، وهو بشارة وضمان لأهل التقوى {إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ} أي إِنما تأخير حرمة شهر لشهر آخر زيادة في الكفر لأنه تحريم ما أحله الله وتحليل ما حرمه فهو كفر آخر مضموم إِلى كفرهم قال المفسرون: كان العرب أهل حروب وغارات، وكان القتال محرماً عليهم في الأشهر الحرم، فإِذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم ترك المحاربة، فيحلونه ويحرمون مكانه شهراً آخر، كأنهم يستقرضون حرمة شهر لشهر غيره، فربما أحلوا المحرم وحرموا صفر حتى يكمل في العام أربعة أشهر محرمة {يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي يضل بسببه الكافرين ضلالاً على ضلالهم {يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً} أي يحلون المحرم عاماً والشهر الحلال عاماً فيجعلون هذا مكان هذا والعكس {لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ} أي ليوافقوا عدة الأشهر الحرم الأربعة {فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ} أي فيستحلوا بذلك ما حرمه الله قال مجاهد: كان رجل من بني كنانة يأتي كل عام إِلى الموسم على حمار له، فيقول أيها الناس: إِني لا أعاب ولا أجاب، ولا مرد لما أقول، إِنا قد حرمنا المحرم، وأخرنا صفر، ثم يجيء العام المقبل ويقول: إِنا قد حرمنا صفر وأخرنا المحرم فذلك قوله تعالى {لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ} {زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ} أي زين الشيطان لهم أعمالهم القبيحة حتى حسبوها حسنة {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} أي لا يرشدهم إِلى طريق السعادة {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ} استفهام للتقريع والتوبيخ، وهو توبيخ على ترك الجهاد وعتاب لمن تخلف عن غزوة تبوك والمعنى: ما لكم أيها المؤمنون إِذا قيل لكم اخرجوا لجهاد أعداء الله تباطأتم وتثاقلتم، وملتم إِلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه؟! {أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ} أي أرضيتم بنعيم الدنيا ومتاعها الفاني بدل نعيم الآخرة وثوابها الباقي؟ {فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} أي فما التمتع بلذائذ الدنيا في جنب الآخرة إِلا شيء مستحقر قليل لا قيمة له، ثم توعَّدهم على ترك الجهاد فقال {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} أي إِن لا تخرجوا إِلى الجهاد مع رسول الله يعذبكم الله عذاباً أليماً موجعاً، باستيلاء العدو عليكم في الدنيا، وبالنار المحرقة في الآخرة وقال ابن عباس: هو حبس المطر عنهم {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} أي يهلككم ويستبدل قوماً آخرين خيراً منكم، يكونون أسرع استجابة لرسوله وأطوع {وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً} ولا تضروا الله شيئاً بتثاقلكم عن الجهاد فإِنه سبحانه غني عن العالمين {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي قادر على كل ما يشاء ومنه الانتصار على الأعداء بدونكم قال الرازي: وهو تنبيه على شدة الزجر من حيث إِنه تعالى قادر لا يجوز عليه العجز، فإِذا توعد بالعقاب فعل {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ} أي إِن لا تنصروا رسوله فإِن الله ناصره وحافظه وجواب الشرط محذوف تقديره: فسينصره الله دل عليه قوله {فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ} والمعنى: إِن لم تنصروه أنتم فسينصره الله الذي نصره حين كان ثاني اثنين، حيث لم يكن معه أنصار ولا أعوان {إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي حين خروجه من مكة مهاجراً إِلى المدينة، وأسند إِخراجه إِلى الكفار لأنهم ألجئوه إِلى الخروج وتآمروا على قتله حتى اضطر إِلى الهجرة {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ} أي أحد اثنين لا ثالث لهما هو أبو بكر الصديق {إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ} أي حين كان هو والصديق مختبئين في النقب في جبل ثور {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} أي حين يقول لصاحبه وهو أبو بكر الصديق تطميناً وتطييباً: لا تخف فالله معنا بالمعونة والنصر، روى الطبري عن أنس أن أبا بكر رضي الله عنه قال "حديث : بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، وأقدام المشركين فوق رءوسنا فقلت يا رسول الله: لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا فقال يا أبا بكر: ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟" تفسير : وكان سبب حزن أبي بكر خوفه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه الرسول تسكيناً لقلبه {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} أي أنزل الله السكون والطمأنينة على رسوله {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} أي قواه بجنود من عنده من الملائكة يحرسونه في الغار لم تروها أنتم {وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ} أي جعل كلمة الشرك سافلة دنيئة حقيرة، أذل بها الشرك والمشركين {وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا} أي وكلمة التوحيد "لا إِله إِلا الله" هي الغالبة الظاهرة، أعزَّ الله بها المسلمين، وأذل الشرك والمشركين {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي قاهر غالب لا يُغلب، لا يفعل إِلا ما فيه الحكمة والمصلحة {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} أي اخرجوا للقتال يا معشر المؤمنين شيباً وشباناً، مُشاةً وركباناً، في جميع الظروف والأحوال، في اليسر والعسر، والمنشط والمكره {وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي جاهدوا بالأموال والأنفس لإِعلاء كلمة الله {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي هذا النفير والجهاد خير من التثاقل إِلى الأرض والخلود إِليها والرضا بالقليل من متاع الحياة الدنيا إِن كنتم تعلمون ذلك قال في البحر: والخيرية في الدنيا بغلبة العدو ووراثة الأرض، وفي الآخرة بالثواب العظيم ورضوان الله، ثم ذكر تعالى أحوال المخلفين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وموقف المثبطين المنافقين منهم فقال {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً} أي لو كان ما دعوا إِليه غُنماً قريباً سهل المنال {وَسَفَراً قَاصِداً} أي وسفراً وسطاً ليس ببعيد {لاَّتَّبَعُوكَ} أي لخرجوا معك لا لوجه الله بل طمعاً في الغنيمة {وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ} أي ولكن بعدت عليهم الطريق والمسافة الشاقة ولذلك اعتذروا عن الخروج لما في قلوبهم من النفاق {وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} أي وسيحلفون لكم معتذرين بأعذار كاذبة لو قدرنا على الخروج معكم لما تأخرنا، ولو كان لنا سعة في المال او قوة في الأبدان لخرجنا للجهاد معكم، قال تعالى رداً عليهم وتكذيباً لهم {يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ} أي يوقعون أنفسهم في الهلاك بأيمانهم الكاذبة {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} أي لكاذبون في دعواهم حيث كانوا مستطيعين للخروج ولم يخرجوا {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} تلطف في عتاب الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قدم العفو على العتاب إِكراماً له عليه السلام والمعنى سامحك الله يا محمد لم أذنت لهؤلاء المنافقين في التخلف عن الخروج معك بمجرد الاعتذار!! {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ} أي وهلا تركتهم حتى يظهر لك الصادق منهم في عذره من الكاذب المنافق قال مجاهد: نزلت في المنافقين قال أناس منهم استأذنوا رسول الله، فإِن أذن لكم فاقعدوا، وإِن لم يأذن لكم فاقعدوا، فقد كانوا مصرين على القعود عن الغزو وإِن لم يأذن لهم، ولهذا أخبر تعالى أنه لا يستأذنه أهل الإِيمان فقال {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي لا يستأذنك يا محمد عن الجهاد والغزو من يؤمن بالله واليوم الآخر {أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} أي كراهية الجهاد بالمال والنفس لأنهم يعلمون ما أعده الله للمجاهدين الأبرار من الأجر الجزيل فكيف يتخلفون عنه؟ {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ} أي عليم بهم لأنهم مخلصون في الإِيمان متقون للرحمن {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي إِنما يستأذنك يا محمد المنافقون الذين لم يثبت الإِيمان في قلوبهم {وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} أي شكَّت قلوبهم في الله وثوابه فهم يترددون حيارى لا يدرون ما يصنعون. البَلاَغَة: 1- {يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً} بين يحلون ويحرمون طباق وهو من المحسنات البديعية. 2- {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ} استفهام يقصد به الإِنكار والتوبيخ. 3- {أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ} فيه إِيجاز بالحذف أي أرضيتم بنعيم الدنيا ولذائذها بدل نعيم الآخرة. 4- {فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أظهر في مقام الإِضمار لزيادة التقرير والمبالغة في بيان حقارة الدنيا ودناءتها بالنسبة للآخرة. 5- {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً} بينهما جناس الاشتقاق. 6- {وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ} "كلمة الذين كفروا" استعارة عن الشرك كما أن "كلمة الله" استعارة عن الإِيمان والتوحيد. 7- {خِفَافاً وَثِقَالاً} بينهما طباق. 8- {بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ} استعار الشقة للمسافة الطويلة البعيدة التي توجب المشقة على النفس. 9- {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ} خبر بقصد تقديم المسرة على المضرة وقد أحسن من قال: إِن من لطف الله بنبيه أن بدأه بالعفو قبل العتب. فَائِدَة: روي أن اعرابياً قال لابن عمر: أخبرني عن قول الله تعالى {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ} فقال ابن عمر: من كنزها فلم يؤدّ زكاتها فويل له، إِنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهرةً للأموال، وما أبالي لو كان لي مثل أحد ذهباً أزكيه، وأعمل فيه بطاعة الله تعالى!! تنبيه: دلت الآية {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ} على عظيم فضل الصديق وجليل قدره، إِذ جعله الله صاحب الرسول في الغار، ورفيقه في الهجرة، ولهذا قال العلماء: من أنكر صحبة أبي بكر فقد كفر لأنه رد كتاب الله تعالى. لطيفَة: عن حيان بن زيد قال: نفرنا مع صفوان بن عمرو، فرأيت شيخاً كبيراً هرماً، قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار فأقبلت عليه فقلت: يا عم لقد أعذر الله إِليك قال: فرفع حاجبيه فقال يا ابن أخي: استنفرنا الله خفافاً وثقالاً، ألا إِنه من يحبه الله يبتليه، ثم يعيده الله فيبقيه، وإِنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر، ولم يعبد إِلا الله عز وجل. أقول: رحم الله تلك الأنفس الزكية التي باعت أرواحها في مرضاة الله تعالى.
الأندلسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ} الآية، لما ذكر تعالى أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ذكر ما عليه كثير منهم تنقيصاً من شأنهم وتحقيراً، وان مثل هؤلاء لا ينبغي تعظيمهم فضلاً عن اتخاذهم أرباباً لما اشتملوا عليه من أكل المال بالباطل، وصدهم عن سبيل الله، واندرجوا في عموم الذين يكنزون الذهب والفضة، فجمعوا بين الخصلتين الذميمتين أكل المال بالباطل وكنز المال. وأكلهم المال بالباطل هو أخذهم من أموال اتباعهم ضرائب باسم الكنائس والبيع وغير ذلك مما يوهمونهم به أن النفقة فيه من الشرع والتقرب إلى الله تعالى، وصدهم عن سبيل الله هو دين الإِسلام، واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم. والذين مبتدأ اسم موصول ضمّن معنى اسم الشرط فلذلك دخلت الفاء في خبره في قوله: {فَبَشِّرْهُمْ}. والضمير في لا ينفقونها عائد على المكنوزات الدال عليها الذهب والفضة. {يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا} الآية، يوم منصوب بقوله: اليم. والضمير في عليها عائد على المكنوزات يوقد عليها في نار جهنم إذ يجوز أن يخلق الله تلك المكنوزات فيحمى عليها. {فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} وخصصت هذه المواضع بالكيّ لأنه في الجبهة أشنع وفي الجنب والظهر أوجع، ولأنها مجوفة فتصل إلى أجوافهم النار بخلاف اليد والرجل. {هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ} هو على إضمار قول تقديره فيقال لهم: هذا إشارة إلى المصدر المفهوم من قوله: فتكوى، أي هذا الكي جزاء ما كنزتم. {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ} الآية، كانت العرب لا عيش لأكثرها إلا من الغارات وأعمال سلاحها فكانت إذا توالت عليهم الأربعة الحرم صعب عليهم وأملقوا وكان بنو فُقَيم من كنانة أهل دين وتمسك بشرع إبراهيم عليه السلام فانتدب منهم القلمس وهو حذيفة بن عبيد بن فقيم فنسأ الشهور للعرب ثم خلفه على ذلك ابنه عباد ثم ابنه قلع، ثم ابنه أمية، ثم ابنه عوف، ثم ابنه جنادة بن عوف وعليه قام الإِسلام، وكانت العرب إذا فرغت من حجها جاء إليه من شاء منهم مجتمعين فقالوا: أنسئنا شهراً، أي أخّر عنّا حرمة الشهر المحرّم فاجعلها في صفر فيحل المحرم فيغيرون فيه ويعيشون ثم يلتزمون حرمة صفر ليوافقوا عدة الأشهر الأربعة الحرم ويسمون ذلك صفر المحرم، ويسمون ربيعاً الأول صفر، أو ربيعاً الآخر ربيعاً الأول، وهكذا في سائر الشهور يستقبلون نسيئهم في المحرم ويسمون الموضوع لهم فيسقط على هذا حكم المحرم الذي حلل لهم. وتجيء السنة من ثلاثة عشر شهراً أولها المحرم المحلل، ثم المحرم الذي هو في الحقيقة صفر، ثم استقبال السنة كما ذكرنا. قال مجاهد: ثم كانوا يحجون من كل عام شهرين ولاءً، وبعد ذلك يبدلون فيحجون عامين ولاءً، ثم كذلك حتى كانت حجة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في ذي القعدة حقيقة وهم يسمونه ذا الحجة، ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة عشر في ذي الحجة حقيقة فلذلك قوله: حديث : ان الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهراً أربعة حرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان تفسير : . ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر أنواعاً من قبائح أهل الشرك وأهل الكتاب، ذكر أيضاً نوعاً منه وهو تغيير العرب احكام الله تعالى لأنه حكم في وقت بحكم خاص، فإِذا غيروا ذلك الوقت فقد غيروا حكم الله تعالى والشهور جمع كثرة. وأعاد الضمير عليها كإِعادته على الواحدة المؤنثة فقال: منها، أي من تلك الشهور، ولما كانت الأربعة الحرم للقلة عاد الضمير عليها بالنون في قوله: فيهن. تقول العرب: الجذوع انكسرت لأنه جمع كثرة. والأجذاع انكسْرنَ، لأنه جمع قلة. وانتصب كافة على الحال من الفاعل أو المفعول، ومعناه جميعاً. ولا يثنى ولا يجمع ولا تدخله ألْ ولا يتصرف فيها بغير الحال وتقدم بسط الكلام فيها عند قوله تعالى: {أية : ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً}تفسير : [البقرة: 208] فأغنى عن إعادته والمعيّة بالنصر والتأييد، وفي ضمّنه الأمر بالتقوى والحث عليها.
الجيلاني
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله ورسوله، وتحققوا وتيقنوا {إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ} الموسوسين لضعفاء العوام، الملبسين لهم طريق الحق بالتغديرات المبتدعة من تلقاء نفوسهم، كالشيخوخة التي ظهرت في زماننا هذا، إنما غرضهم ومعظم مأمولهم {لَيَأْكُلُونَ} ويأخذون {أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ} المنحطين عن زمرة أهل التحقيق {بِٱلْبَاطِلِ} أي: بتزويج الباطل الزائغ الذي ابتدعوها بلا مستند لهم. {وَيَصُدُّونَ} أي: يصرفون ويضلون أباطيلهم وتلبساتهم ضعاء الأنام {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} الذي هو الإسلام تلبيساً عليهم وتغريراً لهم؛ ليأخذوا الرضى منهم ويكنزوها {وَ} لم يعلموا أن {ٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ} أي: يجعلونها مخزوناً محفوظاً من أي ملة كانوا {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} طلباً لمرضاته {فَبَشِّرْهُمْ} يا أكمل الرسل {بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34] مؤلم مفزع. اذكر لهم {يَوْمَ يُحْمَىٰ} أي: حين توقدون وتحرقون {عَلَيْهَا} أي: على تلك الذهب والفضة المخزونة المحفوظة نار، مع أنها موضوعة {فِي نَارِ جَهَنَّمَ} وهذا مبالغة لشدة احمائه، وبعدما حميت إلى أن صارت جذوة نار {فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ} ليوسموا بها ويعلموا على رءوس الأشهاد جزاء ما افتخروا بها في النشأة الأولى {وَجُنوبُهُمْ} ليتألموا بها أشد تألم، بدل ما يتلذذون بها أشد تلذذ {وَظُهُورُهُمْ} بدل ما يستظهرون بها ويتعاونون بسببها، ويقال حين كيهم وتعذيبهم: {هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ} وخزنتم {لأَنْفُسِكُمْ} لتتنعموا بها وتسروا بجمعها وادخارها {فَذُوقُواْ} اليوم وبال {مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 35] بدل ما تتلذذون بها.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا تحذير من اللّه تعالى لعباده المؤمنين عن كثير من الأحبار والرهبان، أي: العلماء والعباد الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، أي: بغير حق، ويصدون عن سبيل اللّه، فإنهم إذا كانت لهم رواتب من أموال الناس، أو بذل الناس لهم من أموالهم فإنه لأجل علمهم وعبادتهم، ولأجل هداهم وهدايتهم، وهؤلاء يأخذونها ويصدون الناس عن سبيل اللّه، فيكون أخذهم لها على هذا الوجه سحتا وظلما، فإن الناس ما بذلوا لهم من أموالهم إلا ليدلوهم إلى الطريق المستقيم. ومن أخذهم لأموال الناس بغير حق، أن يعطوهم ليفتوهم أو يحكموا لهم بغير ما أنزل اللّه، فهؤلاء الأحبار والرهبان، ليحذر منهم هاتان الحالتان: أخذهم لأموال الناس بغير حق، وصدهم الناس عن سبيل اللّه. { وَالَّذِينَ يَكْنزونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ } أي: يمسكونها { وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } أي: طرق الخير الموصلة إلى اللّه، وهذا هو الكنز المحرم، أن يمسكها عن النفقة الواجبة، كأن يمنع منها الزكاة أو النفقات الواجبة للزوجات، أو الأقارب، أو النفقة في سبيل اللّه إذا وجبت. { فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } ثم فسره بقوله: { يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا } أي: على أموالهم، { فِي نَارِ جَهَنَّمَ } فيحمى كل دينار أو درهم على حدته. { فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ } في يوم القيامة كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ويقال لهم توبيخا ولوما: { هَذَا مَا كَنزتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنزونَ } فما ظلمكم ولكنكم ظلمتم أنفسكم وعذبتموها بهذا الكنز. وذكر اللّه في هاتين الآيتين، انحراف الإنسان في ماله، وذلك بأحد أمرين: إما أن ينفقه في الباطل الذي لا يجدي عليه نفعا، بل لا يناله منه إلا الضرر المحض، وذلك كإخراج الأموال في المعاصي والشهوات التي لا تعين على طاعة اللّه، وإخراجها للصد عن سبيل اللّه. وإما أن يمسك ماله عن إخراجه في الواجبات، و "النهي عن الشيء، أمر بضده".
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 335 : 9 : 3 - سفين عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد قال، حديث : لما نزلت {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ} قال، اشتد ذلك على المهاجرين. قالوا: "فأي شيء نتخذ"؟ فقال عمر: "أنا أكفيكم". فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أي شيء نتخذ"؟ قال: "لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه"تفسير : . [الآية 34].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ} [34] 236- أنا عِمران بن بكَّار بن راشد، نا علي بن عياش، نا شعيب، حدثني أبو الزِّناد، مما حدثه عبد الرحمن الأعرج مما ذكر أنه سمع أبا هريرة يحدِّث به قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يكون كنز أحدهم يوم القيامة شجاعا أقرع يفِرُّ منه صاحبه، ويُطْلُبُه أنا كنزك، فلا يزال به حتى يَلْقِمه أُصْبعه ". تفسير : 237- أنا قتيبة بن سعيد، أنا الليث، عن ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعاً أقرع ذا زَبيبتَيْن، يتبع صاحبه، وهو يتعوذُّ منه، ولا يزال يتبعه حتى يَلْقِمه أُصبعه ". تفسير : 238- أنا أبو صالح المكي، نا فضيل - يعني ابن عياض - عن حُصين، عن زيد بن وهب قال: أتيت الرَّبذة فدخلت على أبي ذر، فقلت: ما أنزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فقرأت هذه الآية {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا} إلى آخر الآية، فقال معاوية: ليست هذه الآية نزلت فينا، إنما هي في أهل الكتاب فقلت: إنها فينا وفي أهل الكتاب، إلى أن كان قول وتنازع، وكتب إلى عثمان يشكوني، كتب إليَّ عثمان رحمه الله (أن) اقْدُم، فقدمت المدينة، فكُثَر ورائي الناس كأنهم لم يروني قط، فدخلت على عثمان، فشكوت إليه ذلك، فقال: تَنَحَّ، وكن قريبا، فنزلت هذا المنزل، والله لو أمر علي حَبَشي ما عصيته، ولا أرجع عن قولي.
همام الصنعاني
تفسير : 1075- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوريُّ، قال: أنبأنا أبو حَصين، عن أبى الحضى، عن جعدة بن هبيرة، عن عَليّ، في قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ}: [الآية: 34]، قال: أربعة آلاف درهم فما دُونَها نفقة، وما فوقها كنز. 1076- حدثنا عبد الرزاق، عن مَنْصورٍ، عن عَمْرو بن مُرَّةَ، عن سالم بن أبي الْجَعْدِ، قال: لما نَزَلَتْ هذه الآية: {وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}: [الآية: 34]، قال الْمُهَاجِرُونَ: حديث : فأيّ المالِ نَتَّخِذُ؟ قال عُمَر: فإني أسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه. قال: فَأَدْرَكْتُهُ على بَعِيري فقلت: يا رسول الله! إن المهاجرين قالوا: أيّ المال نتخذ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وزوجةً مؤمنةً تُعِينُ أحَدَكُمْ عَلَى دينه . تفسير : 1077- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: ذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "حديث : من فارق الروح جسده وَهُوَ بريء من ثلاث دَخَلَ الجنَّةَ: الكنتز، والغلول، والدين ". تفسير : 1078- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن أبي أُمَامَةَ، قال: حديث : تُوُفَِّ رجلٌ من أهل الصُّفَّة فَوُجِدَ في إزاره دينارٌ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كَيَّةٌ" ثم تُفي آخرُ فَوُجِدَ في إزاره ديناران فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كيتان"،تفسير : قال مَعْمَر: كانوا يأكلون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فما باله يرفعون شيئاً. 1079- حدثنا عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَر: عن ابنِ طَاوُسَ، عن أبيهِ، قال: بلغني أن الكنْزَ يتحوّل يَوْمَ القِيَامَةِ شجاعاً أقرعَ يَتْبَعُ صاحبه وهو يَفرُّ منه. يقُولُ: إنا كنزك لا يدرك منه شَيْئاً إلا أخذه. 1080- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن سهيل بن أبي صَالِح، عن أبيه، عن أبي هريرية، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من رجل لا يؤدي زكاة مالِهِ إلا جُعل له يوْمَ القيامةِ صفائح من نار فتكوى بها جَبينه، وجبهته، وظهره، في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقْضى بن الناس، ثم يرى سبيله، وإن كانت إبلاً إلا بُطِحَ لَهَا بقَاعِ قرقر في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، تطؤه بأخفافها - حسبته قال: وتَعضَّهُ بأفواهها - يَرد أوّلها على آخِرهَا حتى يُقْضى بين الناسِ ثم يرى سبيله، وإن كانت غنماً فكمثل ذلك إلا أنه قال: تنطحه بقرونها وتَطؤُه بأظلافِهَا . تفسير : 1081- عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من كان له مال فلم يؤدِّ حقَّهُ جُعِلَ له يوم القيامةِ شجاعاً أقعر، لفيه زبيبتان يتبعه حتى يضع يده في فيه، فلا يزال يقضمها حتى يُقْضَى بين الخلائق . تفسير : 1082- حدثنا عبد الرزاق، عن الثّوري، عن أبي سلمة، عن رجلين بينه وبين ابن مسعود، عن ابن مسعود، قال: من كسب طيباً خَبَّثَهُ مَنْعُ الزكاة، ومن كسب خبيثاً لم تطيبه الزكاة. 1083- حدثنا عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، قال: أخبرني رزين أبي سلمى، عن يزيد الرقاشي، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: لا صَلاَةَ إلا بزكاة. 1084- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، كان يقال: إن الزكاة قنطرة بين [النار] وبين الجنة فمن أدَّى زكاته قطع القنطرة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):