Verse. 1271 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

اِنَّ عِدَّۃَ الشُّہُوْرِ عِنْدَ اللہِ اثْنَا عَشَرَ شَہْرًا فِيْ كِتٰبِ اللہِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضَ مِنْہَاۗ اَرْبَعَۃٌ حُرُمٌ۝۰ۭ ذٰلِكَ الدِّيْنُ الْقَيِّمُ۝۰ۥۙ فَلَا تَظْلِمُوْا فِيْہِنَّ اَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِيْنَ كَاۗفَّۃً كَـمَا يُقَاتِلُوْنَكُمْ كَاۗفَّۃً۝۰ۭ وَاعْلَمُوْۗا اَنَّ اللہَ مَعَ الْمُتَّقِيْنَ۝۳۶
Inna AAiddata alshshuhoori AAinda Allahi ithna AAashara shahran fee kitabi Allahi yawma khalaqa alssamawati waalarda minha arbaAAatun hurumun thalika alddeenu alqayyimu fala tathlimoo feehinna anfusakum waqatiloo almushrikeena kaffatan kama yuqatiloonakum kaffatan waiAAlamoo anna Allaha maAAa almuttaqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن عدة الشهور» المعتد بها للسنة «عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله» اللوح المحفوظ «يوم خلق السماوات والأرض منها» أي الشهور «أربعة حرم» محرَّمة ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب «ذلك» أي تحريمها «الدين القيم» المستقيم «فلا تظلموا فيهن» أي الأشهر الحرم «أنفسكم» بالمعاصي فإنها فيها أعظم وزرا وقيل في الأشهر كلها «وقاتلوا المشركين كافة» جميعا في كل الشهور «كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين» بالعون والنصر.

36

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا شرح النوع الثالث من قبائح أعمال اليهود والنصارى والمشركين، وهو إقدامهم على السعي في تغييرهم أحكام الله، وذلك لأنه تعالى لما حكم في كل وقت بحكم خاص، فإذا غيروا تلك الأحكام بسبب النسىء فحينئذ كان ذلك سعياً منهم في تغيير حكم السنة بحسب أهوائهم وآرائهم فكان ذلك زيادة في كفرهم وحسرتهم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن السنة عند العرب عبارة عن اثني عشر شهراً من الشهور القمرية، والدليل عليه هذه الآية وأيضاً قوله تعالى: { أية : هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسّنِينَ وَٱلْحِسَابَ } تفسير : [يونس: 5] فجعل تقدير القمر بالمنازل علة للسنين والحساب، وذلك إنما يصح إذا كانت السنة معلقة بسير القمر، وأيضاً قال تعالى: { أية : يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجّ } تفسير : [البقرة: 189] وعند سائر الطوائف: عبارة عن المدة التي تدور الشمس فيها دورة تامة، والسنة القمرية أقل من السنة الشمسية بمقدار معلوم، وبسبب ذلك النقصان تنتقل الشهور القمرية من فصل إلى فصل، فيكون الحج واقعاً في الشتاء مرة، وفي الصيف أخرى، وكان يشق الأمر عليهم بهذا السبب، وأيضاً إذا حضروا الحج حضروا للتجارة، فربما كان ذلك الوقت غير موافق لحضور التجارات من الأطراف، وكان يخل أسباب تجاراتهم بهذا السبب، فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة على ما هو معلوم في علم الزيجات، واعتبروا السنة الشمسية، وعند ذلك بقي زمان الحج مختصاً بوقت واحد معين موافق لمصلحتهم وانتفعوا بتجاراتهم ومصالحهم، فهذا النسىء وإن كان سبباً لحصول المصالح الدنيوية، إلا أنه لزم منه تغير حكم الله تعالى، لأنه تعالى لما خص الحج بأشهر معلومة على التعيين، وكان بسبب ذلك النسىء، يقع في سائر الشهور تغير حكم الله وتكليفه. فالحاصل: أنهم لرعاية مصالحهم في الدنيا سعوا في تغيير أحكام الله وإبطال تكليفه، فلهذا المعنى استوجبوا الذم العظيم في هذه الآية. واعلم أن السنة الشمسية لما كانت زائدة على السنة القمرية جمعوا تلك الزيادة، فإذا بلغ مقدارها إلى شهر جعلوا تلك السنة ثلاثة عشر شهراً، فأنكر الله تعالى ذلك عليهم وقال: إن حكم الله أن تكون السنة اثني عشر شهراً لا أقل ولا أزيد، وتحكمهم على بعض السنين، أنه صار ثلاثة عشر شهراً حكم واقع على خلاف حكم الله تعالى، ويوجب تغيير تكاليف الله تعالى، وكل ذلك على خلاف الدين. واعلم أن مذهب العرب من الزمان الأول أن تكون السنة قمرية لا شمسية، وهذا حكم تورثوه عن إبراهيم وإسمعيل عليهما الصلاة والسلام فأما عند اليهود والنصارى، فليس كذلك. ثم إن بعض العرب تعلم صفة الكبيسة من اليهود والنصارى، فأظهر ذلك في بلاد العرب. المسألة الثانية: قال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن يتعلق قوله في كتاب الله بقوله: {عِدَّةَ الشُّهُورِ } لأنه يقتضي الفصل بين الصلة والموصول بالخبر الذي هو قوله: {ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً } وأنه لا يجوز. وأقول في إعراب هذه الآية وجوه: الأول: أن نقول قوله: {عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ } مبتدأ وقوله: {ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً } خبر. وقوله: {عَندَ ٱللَّهِ } في كتاب الله {يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } ظروف أبدل البعض من البعض، والتقدير: إن عدة الشهور اثنا عشر شهراً عند الله في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض. والفائدة في ذكر هذه الإبدالات المتوالية تقرير أن ذلك العدد واجب متقرر في علم الله، وفي كتاب الله من أول ما خلق الله تعالى العالم. الثاني: أن يكون قوله تعالى: {فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } متعلقاً بمحذوف يكون صفة للخبر تقديره: اثنا عشر شهراً مثبتة في كتاب الله، ثم لا يجوز أن يكون المراد بهذا الكتاب كتاب من الكتب، لأنه متعلق بقوله: {يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } وأسماء الأعيان لا تتعلق بالظروف، فلا تقول: غلامك يوم الجمعة، بل الكتاب ههنا مصدر. والتقدير: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله، أي في حكمه الواقع يوم خلق السموات. والثالث: أن يكون الكتاب اسماً وقوله: {يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ } متعلق بفعل محذوف والتقدير: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً مكتوباً في كتاب الله كتبه يوم خلق السموات والأرض. المسألة الثالثة: في تفسير أحكام الآية: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ } أي في علمه {ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } وفي تفسير كتاب الله وجوه: الأول: قال ابن عباس: إن اللوح المحفوظ الذي كتب فيه أحوال مخلوقاته بأسرها على التفصيل، وهو الأصل للكتب التي أنزلها الله على جميع الأنبياء عليهم السلام. الثاني: قال بعضهم: المراد من الكتاب القرآن، وقد ذكرنا آيات تدل على أن السنة المعتبرة في دين محمد صلى الله عليه وسلم هي السنة القمرية وإذا كان كذلك كان هذا الحكم مكتوباً في القرآن. الثالث: قال أبو مسلم: {فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } أي فيما أوجبه وحكم به، والكتاب في هذا الموضع هو الحكم والإيجاب، كقوله تعالى: { أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ } تفسير : [البقرة: 216] { أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ } تفسير : [البقرة: 178] { أية : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } تفسير : [الأنعام: 54] قال القاضي: هذا الوجه بعيد، لأنه تعالى جعل الكتاب في هذه الآية كالظرف، وإذا حمل الكتاب على الحساب لم يستقم ذلك إلا على طريق المجاز، ويمكن أن يجاب عنه: بأنه وإن كان مجازاً، إلا أنه مجاز متعارف يقال: إن الأمر كذا وكذا في حساب فلان وفي حكمه. وأما قوله: {يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } فقد ذكرنا في المسألة الثانية وجوهاً فيما يتعلق به والأقرب ما ذكرناه في الوجه الثالث، وهو أن يكون المراد أنه كتب هذا الحكم وحكم به يوم خلق السموات والأرض، والمقصود بيان أن هذا الحكم حكم محكوم به من أول خلق العالم، وذلك يدل على المبالغة والتأكيد. وأما قوله: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } فقد أجمعوا على أن هذه الأربعة ثلاثة منها سرد، وهي ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وواحد فرد، وهو رجب، ومعنى الحرم: أن المعصية فيها أشد عقاباً، والطاعة فيها أكثر ثواباً، والعرب كانوا يعظمونها جداً حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه لم يتعرض له. فإن قيل: أجزاء الزمان متشابهة في الحقيقة، فما السبب في هذا التمييز؟. قلنا: إن هذا المعنى غير مستبعد في الشرائع، فإن أمثلته كثيرة ألا ترى أنه تعالى ميز البلد الحرام عن سائر البلاد بمزيد الحرمة، وميز يوم الجمعة عن سائر أيام الأسبوع بمزيد الحرمة، وميز يوم عرفة عن سائر الأيام بتلك العبادة المخصوصة، وميز شهر رمضان عن سائر الشهور بمزيد حرمة وهو وجوب الصوم وميز بعض ساعات اليوم بوجوب الصلاة فيها وميز بعض الليالي عن سائرها وهي ليلة القدر، وميز بعض الأشخاص عن سائر الناس بإعطاء خلعة الرسالة. وإذا كانت هذه الأمثلة ظاهرة مشهورة، فأي استبعاد في تخصيص بعض الأشهر بمزيد الحرمة، ثم نقول: لا يبعد أن يعلم الله تعالى أن وقوع الطاعة في هذه الأوقات أكثر تأثيراً في طهارة النفس، ووقوع المعاصي فيها أقوى تأثيراً في خبث النفس، وهذا غير مستبعد عند الحكماء، ألا ترى أن فيهم من صنف كتباً في الأوقات التي ترجى فيها إجابة الدعوات، وذكروا أن تلك الأوقات المعينة حصلت فيها أسباب توجب ذلك. وسئل النبي عليه الصلاة والسلام: أي الصيام أفضل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : أفضله بعد صيام شهر رمضان صيام شهر الله المحرم » تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : من صام يوماً من أشهر الله الحرم كان له بكل يوم ثلاثون يوماً » تفسير : وكثير من الفقهاء غلظوا الدية على القاتل بسبب وقوع القتل في هذه الاْشهر، وفيه فائدة أخرى: وهي أن الطباع مجبولة على الظلم والفساد وامتناعهم من هذه القبائح على الإطلاق شاق عليهم، فالله سبحانه وتعالى خص بعض الأوقات بمزيد التعظيم والاحترام، وخص بعض الأماكن بمزيد التعظيم والاحترام، حتى أن الإنسان ربما امتنع في تلك الأزمنة وفي تلك الأمكنة من القبائح والمنكرات، وذلك يوجب أنواعاً من الفضائل والفوائد: أحدها: أن ترك تلك القبائح في تلك الأوقات أمر مطلوب، لأنه يقل القبائح. وثانيها: أنه لما تركها في تلك الأوقات فربما صار تركه لها في تلك الأوقات سبباً لميل طبعه إلى الإعراض عنها مطلقاً. وثالثها: أن الإنسان إذا أتى بالطاعات في تلك الأوقات وأعرض عن المعاصي فيها، فبعد انقضاء تلك الأوقات لو شرع في القبائح والمعاصي صار شروعه فيها سبباً لبطلان ما تحمله من العناء والمشقة في أداء تلك الطاعات في تلك الأوقات، والظاهر من حال العاقل أن لا يرضى بذلك فيصير ذلك سبباً لاجتنابه عن المعاصي بالكلية، فهذا هو الحكمة في تخصيص بعض الأوقات وبعض البقاع بمزيد التعظيم والاحترام. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ } وفيه بحثان: البحث الأول: أن قوله: {ذٰلِكَ } إشارة إلى قوله: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً } لا أزيد ولا أنقص أو إلى قوله: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } وعندي أن الأول أولى، لأن الكفار سلموا أن أربعة منها حرم، إلا أنهم بسبب الكبسة ربما جعلوا السنة ثلاثة عشر شهراً، وكانوا يغيرون مواقع الشهور، والمقصود من هذه الآية الرد على هؤلاء، فوجب حمل اللفظ عليه. البحث الثاني: في تفسير لفظ الدين وجوه: الأول: أن الدين قد يراد به الحساب. يقال: الكيس من دان نفسه أي حاسبها، والقيم معناه المستقيم فتفسير الآية على هذا التقدير، ذلك الحساب المستقيم الصحيح والعدل المستوفى. الثاني: قال الحسن: ذلك الدين القيم الذي لا يبدل ولا يغير، فالقيم ههنا بمعنى القائم الذي لا يبدل ولا يغير، الدائم الذي لا يزول، وهو الدين الذي فطر الناس عليه. الثالث: قال بعضهم: المراد أن هذا التعبد هو الدين اللازم في الإسلام. وقال القاضي: حمل لفظ الدين على العبادة أولى من حمله على الحساب، لأنه مجاز فيه، ويمكن أن يقال: الأصل في لفظ الدين الانقياد. يقال: يا من دانت له الرقاب، أي انقادت، فالحساب يسمى ديناً، لأنه يوجب الانقياد، والعدة تسمى ديناً، فلم يكن حمل هذا اللفظ على التعبد أولى من حمله على الحساب. قال أهل العلم: الواجب على المسلمين بحكم هذه الآية أن يعتبروا في بيوعهم ومدد ديونهم وأحوال زكواتهم وسائر أحكامهم السنة العربية بالأهلة، ولا يجوز لهم اعتبار السنة العجمية والرومية. ثم قال تعالى: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ } وفيه بحثان: البحث الأول: الضمير في قوله: {فِيهِنَّ } فيه قولان: الأول: وهو قول ابن عباس: أن المراد: فلا تظلموا في الشهور الإثني عشر أنفسكم، والمقصود منع الإنسان من الإقدام على الفساد مطلقاً في جميع العمر. والثاني: وهو قول الأكثرين: أن الضمير في قوله: {فِيهِنَّ } عائد إلى الأربعة الحرم قالوا: والسبب فيه ما ذكرنا أن لبعض الأوقات أثراً في زيادة الثواب على الطاعات والعقاب على المحظورات، والدليل على أن هذا القول أولى وجوه: الأول: أن الضمير في قوله: {فِيهِنَّ } عائد إلى المذكور السابق فوجب عوده إلى أقرب المذكورات، وما ذاك إلا قوله: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } الثاني: أن الله تعالى خص هذه الأشهر بمزيد الاحترام في آية أخرى وهو قوله: {أية : ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجّ } تفسير : [البقرة:197] فهذه الأشياء غير جائزة في غير الحج أيضاً، إلا أنه تعالى أكد في المنع منها في هذه الأيام تنبيهاً على زيادتها في الشرف. الثالث: قال الفراء: الأولى رجوعها إلى الأربعة، لأن العرب تقول فيما بين الثلاثة إلى العشرة {فِيهِنَّ } فإذا جاوز هذا العدد قالوا فيها: والأصل فيه أن جمع القلة يكنى عنه كما يكنى عن جماعة مؤنثة، ويكنى عن جمع الكثرة، كما يكنى عن واحدة مؤنثة، كما قال حسان بن ثابت: شعر : لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما تفسير : قال: يلمعن ويقطرن، لأن الأسياف والجفنات جمع قلة، ولو جمع جمع الكثرة لقال: تلمع وتقطر، هذا هو الاختيار، ثم يجوز إجراء أحدهما مجرى الآخر كقول النابغة: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : فقال بهن والسيوف جمع كثرة. البحث الثاني: في تفسير هذا الظلم أقوال: الأول: المراد منه النسىء الذي كانوا يعملونه فينقلون الحج من الشهر الذي أمر الله بإقامته فيه إلى شهر آخر، ويغيرون تكاليف الله تعالى. والثاني: أنه نهى عن المقاتلة في هذه الأشهر. والثالث: أنه نهى عن جميع المعاصي بسبب ما ذكرنا أن لهذه الأشهر مزيد أثر في تعظيم الثواب والعقاب، والأقرب عندي حمله على المنع من النسىء، لأن الله تعالى ذكره عقيب الآية. ثم قال: {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَافَّةً } وفيه مباحث: البحث الأول: قال الفراء: {كَافَّةً } أي جميعاً، والكافة لا تكون مذكرة ولا مجموعة على عدد الرجال فنقول: كافين، أو كافات للنساء ولكنها (كَافَّةً ) بالهاء والتوحيد، لأنها وإن كانت على لفظ فاعلة فإنها في ترتيب مصدر مثل الخاصة والعامة، ولذلك لم تدخل العرب فيها الألف واللام، لأنها في مذهب قولك قاموا معاً، وقاموا جميعاً. وقال الزجاج: كافة منصوب على الحال، ولا يجوز أن يثنى ولا يجمع، كما أنك إذا قلت: قاتلوهم عامة، لم تثن ولم تجمع، وكذلك خاصة. البحث الثاني: في قوله: {كَافَّةً } قولان: الأول: أن يكون المراد قاتلوهم بأجمعهم مجتمعين على قتالهم، كما أنهم يقاتلونكم على هذه الصفة، يريد تعاونوا وتناصروا على ذلك ولا تتخاذلوا ولا تتقاطعوا وكونوا عباد الله مجتمعين متوافقين في مقاتلة الأعداء. والثاني: قال ابن عباس: قاتلوهم بكليتهم ولا تحابوا بعضهم بترك القتال، كما أنهم يستحلون قتال جميعكم، والقول الأول أقرب حتى يصح قياس أحد الجانبين على الآخر. البحث الثالث: ظاهر قوله: {قَاتَلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً } إباحة قتالهم في جميع الأشهر، ومن الناس من يقول: المقاتلة مع الكفار محرمة، بدليل قوله: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ } أي فلا تظلموا فيهن أنفسكم باستحلال القتال والغارة فيهن، وقد ذكرنا هذه المسألة في سورة البقرة في تفسير قوله: { أية : يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ } تفسير : [البقرة: 217]. ثم قال: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ } يريد مع أوليائه الذين يخشونه في أداء الطاعات والاجتناب عن المحرمات. قال الزجاج: تأويله أنه ضامن لهم النصر.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَات وَٱلأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}. فيه ثمان مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ} جمع شهر. فإذا قال الرجل لأخيه: لا أُكلمك الشهور؛ وحلف على ذلك فلا يكلمه حولاً؛ قاله بعض العلماء. وقيل: لا يكلمه أبداً. ابن العربيّ: وأرى إن لم تكن له نية أن يقتضي ذلك ثلاثة أشهر؛ لأنه أقلّ الجمع الذي يقتضيه صيغة فُعول في جمع فَعْل. ومعنى {عِندَ ٱللَّهِ} أي في حكم الله وفيما كتب في اللوح المحفوظ. {ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً} أعربت «ٱثنا عشر شهراً» دون نظائرها؛ لأنّ فيها حرف الإعراب ودليله. وقرأ العامة «عَشَر» بفتح العين والشين. وقرأ أبو جعفر «عَشْر» بجزم الشين. {فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} يريد اللوح المحفوظ. وأعاده بعد أن قال «عِنْدَ اللَّهِ» لأن كثيراً من الأشياء يوصف بأنه عند الله، ولا يقال إنه مكتوب في كتاب الله؛ كقوله:{أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ}تفسير : [لقمان: 34.] الثانية ـ قوله تعالى: {يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَات وَٱلأَرْضَ} إنما قال «يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ» ليبيّن أن قضاءه وقدره كان قبل ذلك، وأنه سبحانه وضع هذه الشهور وسماها بأسمائها على ما رتّبها عليه يوم خلق السموات والأرض، وأنزل ذلك على أنبيائه في كتبه المنزلة. وهو معنى قوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً}. وحكمها باقٍ على ما كانت عليه لم يُزِلها عن ترتيبها تغييرُ المشركين لأسمائها، وتقديمُ المقدّم في الاسم منها. والمقصود من ذلك اتباعُ أمر الله فيها ورفضُ ما كان عليه أهل الجاهلية من تأخير أسماء الشهور وتقديمها، وتعليق الأحكام على الأسماء التي رتّبوها عليه؛ ولذلك قال عليه السلام في خطبته في حَجّة الوداع: «حديث : أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض»تفسير : على ما يأتي بيانه. وأن الذي فعل أهل الجاهلية من جعل المحرّم صفراً وصفرٍ محرّماً ليس يتغيّر به ما وصفه الله تعالى. والعامل في «يوم» المصدر الذي هو «في كتاب الله»، وليس يعني به واحد الكُتُب؛ لأن الأعيان لا تعمل في الظروف. والتقدير: فيما كتب الله يوم خلق السموات والأرض. و «عند» متعلق بالمصدر الذي هو العِدّة، وهو العامل فيه. و «في» من قوله: «فِي كِتَابِ اللَّهِ» متعلقة بمحذوف، هو صفة لقوله: «ٱثْنَا عَشَرَ». والتقدير: اثنا عشر شهراً معدودةً أو مكتوبة في كتاب الله. ولا يجوز أن تتعلق بِعدّة لما فيه من التفرقة بين الصلة والموصول بخبر إنّ. الثالثة ـ هذه الآية تدلّ على أن الواجب تعليق الأحكام من العبادات وغيرها إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب، دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقِبط وإن لم تزد على اثني عشر شهراً؛ لأنها مختلفة الأعداد، منها ما يزيد على ثلاثين ومنها ما ينقص، وشهور العرب لا تزيد على ثلاثين وإن كان منها ما ينقص، والذي ينقص ليس يتعيّن له شهر، وإنما تفاوتها في النقصان والتمام على حسب اختلاف سير القمر في البروج. الرابعة ـ قوله تعالى: {مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} الأشهر الحُرُم المذكورة في هذه الآية ذو القعدة وذو الحِجة والمحرّم ورجب الذي بين جمادى الآخرة وشعبان، وهو رجب مُضَر، وقيل له رجب مضر لأن ربيعة بن نزار كانوا يحرمون شهر رمضان ويسمّونه رجباً. وكانت مضر تحرّم رجباً نفسَه؛ فلذلك قال النبيّ صلى الله عليه وسلم فيه: «حديث : الذي بين جمادى وشعبان»تفسير : ورفع ما وقع في ٱسمه من الاختلال بالبيان. وكانت العرب أيضاً تسميه مُنْصِل الأسِنّة؛ روى البخارِيّ عن أبي رَجاء العُطارِديّ ـ واسمه عمران بن مِلْحان وقيل عمران بن تَيْم ـ قال: كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجراً هو خير منه ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجراً جمعنا حثوة من تراب ثم جئنا بالشاء فحلبنا عليه ثم طُفنا به، فإذا دخل شهر رجب قلنا مُنْصِل الأسنّة؛ فلم نَدَعْ رُمْحاً فيه حديدة ولا سهماً فيه حديدة إلا نزعناها فألقيناه. الخامسة ـ قوله تعالى: {ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} أي الحساب الصحيح والعدد المستوْفَى. وروى عليّ بن أبي طلحة عن ٱبن عباس: «ذلك الدِّين» أي ذلك القضاء. مُقاتل: الحق. ابن عطية: والأصوب عندي أن يكون الدِّين هٰهنا على أشهر وجوهه؛ أي ذلك الشرع والطاعة. «الْقَيِّمُ» أي القائم المستقيم؛ من قام يقوم. بمنزلة سيد؛ من ساد يسود. أصله قَيوِم. السادسة ـ قوله تعالى: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} على قول ابن عباس راجع إلى جميع الشهور. وعلى قول بعضهم إلى الأشهر الحُرُم خاصّةً؛ لأنه إليها أقرب ولها مزية في تعظيم الظلم؛ لقوله تعالى: {أية : فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ}تفسير : [البقرة: 197] لا أن الظلم في غير هذه الأيام جائز على ما نبيّنه. ثم قيل: في الظلم قولان: أحدهما لا تظلموا فيهن أنفسكم بالقتال، ثم نسخ بإباحة القتال في جميع الشهور؛ قاله قَتادة وعطاء الخُرساني والزُّهريّ وسفيان الثَّوريّ. وقال ابن جُريج: حلف بالله عطاء بن أبي رَباح أنه ما يحل للناس أن يغزوا في الحَرَم ولا في الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا فيها، وما نُسخت. والصحيح الأوّل؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم غزا هوازِن بُحنين وثقيفاً بالطائف، وحاصرهم في شوّال وبعض ذي القَعدة. وقد تقدّم هذا المعنى في البقرة. الثاني ـ لا تظلموا فيهنّ أنفسكم بارتكاب الذنوب؛ لأن الله سبحانه إذا عظّم شيئاً من جهة واحدة صارت له حُرمة واحدة، وإذا عظّمه من جهتين أو جهات صارت حرمته متعدّدة؛ فيضاعف فيه العقاب بالعمل السيّء كما يضاعف الثواب بالعمل الصالح. فإنّ من أطاع الله في الشهر الحرام في البلد الحرام ليس ثوابه ثوابَ من أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام. ومن أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام ليس ثوابه ثوابَ من أطاعه في شهر حلال في بلد حلال. وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله تعالى: {أية : يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ}تفسير : [الأحزاب: 30]. السابعة ـ وقد ٱختلف العلماء من هذا المعنى فيمن قتَل في الشهر الحرام خطأ، هل تغلظ عليه الدِّيّة أم لا؛ فقال الأوزاعيّ: القتل في الشهر الحرام تُغلّظ فيه الدية فيما بلغنا وفي الحَرَم، فتجعل دِيّة وثلثاً. ويزاد في شبه العمد في أسنان الإبل. قال الشافعيّ: تغلّظ الديّة في النفس وفي الجراح في الشهر الحرام وفي البلد الحرام وذوي الرحم. ورُوي عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وٱبن شهاب وأبَان بن عثمان: من قتل في الشهر الحرام أو في الحرم زيد على دِيته مثلُ ثلثها. وروي ذلك عن عثمان بن عفان أيضاً. وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما وٱبن أبي لَيْلَى: القتل في الحِلّ والحَرَم سواء، وفي الشهر الحرام وغيره سواء، وهو قول جماعة من التابعين. وهو الصحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سنّ الديات ولم يذكر فيها الحرم ولا الشهر الحرام. وأجمعوا أن الكفارة على من قتل خطأ في الشهر الحرام وغيره سواء. فالقياس أن تكون الدية كذلك. والله أعلم. الثامنة ـ خصّ الله تعالى الأربعة الأشهر الحُرُم بالذكر، ونهى عن الظلم فيها تشريفاً لها، وإن كان منهيّاً عنه في كل الزمان. كما قال: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ} على هذا أكثر أهل التأويل. أي لا تظلموا في الأربعة الأشهر أنفسكم. وروى حماد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن يوسف بن مِهْران عن ابن عباس قال: «فَلا تظلِموا فِيهِن أنفسكم» في الاثني عشر. وروى قيس بن مسلم عن الحسن عن محمد ابن الحنفية قال: فيهنّ كلهن. فإن قيل على القول الأوّل: لِم قال فيهنّ ولم يقل فيها؟ وذلك أن العرب يقولون لما بين الثلاثة إلى العشرة: هنّ وهؤلاء، فإذا جاوزوا العشرة قالوا: هي وهذه، إرادةَ أن تعرف تسمية القليل من الكثير. وروي عن الكِسائي أنه قال: إني لأتعجب من فعل العرب هذا. وكذلك يقولون فيما دون العشرة من الليالي: خَلَوْن. وفيما فوقها خَلَت. لا يقال: كيف جُعل بعض الأزمنة أعظم حُرمة من بعض؛ فإنا نقول: للبارىء تعالى أن يفعل ما يشاء. ويخص بالفضيلة ما يشاء، ليس لعمله عِلّة ولا عليه حجر، بل يفعل ما يريد بحكمته، وقد تظهر فيه الحكمة وقد تخفى. قوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً} فيه مسألة واحدة: قوله تعالى: «قَاتِلُوا» أمر بالقتال. و «كَافَّةً» معناه جميعاً، وهو مصدر في موضع الحال. أي محيطين بهم ومجتمعين. قال الزجاج: مثل هذا من المصادر عافاه الله عافية وعاقبه عاقبة. ولا يثنىّ ولا يجمع، وكذا عامّة وخاصّة. قال بعض العلماء: كان الغرض بهذه الآية قد توجّه على الأعيان ثم نسخ ذلك وجعل فرض كفاية. قال ابن عطية؛ وهذا الذي قاله لم يُعلم قطُّ من شرع النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه ألزم الأُمة جميعاً النّفْر؛ وإنما معنى هذه الآية الحض على قتالهم والتحزب عليهم وجمع الكلمة. ثم قيدها بقوله: {كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} فبحسب قتالهم واجتماعهم لنا يكون فرض اجتماعنا لهم. والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ} أي مبلغ عددها. {عَندَ ٱللَّهِ} معمول عدة لأنها مصدر. {ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ} في اللوح المحفوظ، أو في حكمه وهو صفة لاثني عشر، وقوله: {يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} متعلق بما فيه من معنى الثبوت أو بالكتاب إن جعل مصدراً والمعنى: أن هذا أمر ثابت في نفس الأمر مذ خلق الله الأجرام والأزمنة. {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} واحد فرد وهو رجب وثلاثة سرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرم. {ذٰلِكَ ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ} أي تحريم الأشهر الأربعة هو الدين القويم دين إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام والعرب ورثوه منهما. {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} بهتك حرمتها وارتكاب حرمها والجمهور على أن حرمة المقاتلة فيها منسوخة، وأولوا الظلم بارتكاب المعاصي فيهن فإنه أعظم وزراً كارتكابها في الحرم وحال الإِحرام، وعن عطاء أنه لا يحل للناس أن يغزوا في الحرم وفي الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا ويؤيد الأول ما روي (أنه عليه الصلاة والسلام حاصر الطائف وغزا هوازن بحنين في شوال وذي القعدة). {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَافَّةً} جميعاً وهو مصدر كف عن الشيء فإن الجميع مكفوف عن الزيادة وقع موقع الحال. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} بشارة وضمان لهم بالنصرة بسبب تقواهم.

ابن كثير

تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، أخبرنا محمد بن سيرين عن أبي بكرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجته، فقال: «حديث : ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» تفسير : ثم قال: «حديث : أي يوم هذا؟» تفسير : قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: «حديث : أليس يوم النحر؟» تفسير : قلنا: بلى، ثم قال: «حديث : أي شهر هذا؟» تفسير : قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «حديث : أليس ذا الحجة؟» تفسير : قلنا: بلى، ثم قال: «حديث : أي بلد هذا؟» تفسير : قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «حديث : أليست البلدة؟» تفسير : قلنا: بلى، قال: «حديث : فإن دماءكم وأموالكم - وأحسبه قال: وأعراضكم - عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. وستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، ألا لا ترجعوا بعدي ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت؟ ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب، فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه» تفسير : رواه البخاري في التفسير وغيره. ومسلم من حديث أيوب عن محمد، وهو ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه به، وقد قال ابن جرير: حدثنا معمر، حدثنا روح، حدثنا أشعث عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات - ذو القعدة وذو الحجة والمحرم - ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» تفسير : ورواه البزار عن محمد بن معمر به. ثم قال: لا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، وقد رواه ابن عون وقرة عن ابن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه به، وقال ابن جرير أيضاً: حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، حدثنا زيد بن حباب، حدثنا موسى بن عبيدة الربذي، حدثني صدقة بن يسار عن ابن عمر قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى في أوسط أيام التشريق، فقال: «حديث : أيها الناس إن الزمان قد استدار، فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، أولهن رجب مضر بين جمادى وشعبان، وذو القعدة وذو الحجة والمحرم» تفسير : وروى ابن مردويه من حديث موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مثله، أو نحوه، وقال حماد بن سلمة: حدثني علي بن زيد عن أبي حمزة الرقاشي عن عمه، وكانت له صحبة، قال: كنت آخذاً بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق أذود الناس عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم، فلا تظلموا فيهن أنفسكم» تفسير : وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله {مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} قال: محرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة. وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: «حديث : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» تفسير : تقرير منه صلوات الله وسلامه عليه، وتثبيت للأمر على ما جعله الله في أول الأمر، من غير تقديم ولا تأخير، ولا زيادة ولا نقص، ولا نسيء ولا تبديل؛ كما قال في تحريم مكة: «حديث : إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة» تفسير : وهكذا قال ههنا: «حديث : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» تفسير : أي: الأمر اليوم شرعاً كما ابتدع الله ذلك في كتابه يوم خلق السموات والأرض. وقد قال بعض المفسرين والمتكلمين على هذا الحديث: إن المراد بقوله: «حديث : قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» تفسير : أنه اتفق أن حج رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السنة في ذي الحجة، وأن العرب قد كانت نسأت النسيء، يحجون في كثير من السنين، بل أكثرها، في غير ذي الحجة، وزعموا أن حجة الصديق في سنة تسع كانت في ذي القعدة، وفي هذا نظر كما سنبينه إذا تكلمنا عن النسيء. وأغرب منه ما رواه الطبراني عن بعض السلف في جملة حديث: أنه اتفق حج المسلمين واليهود والنصارى في يوم واحد، وهو يوم النحر عام حجة الوداع، والله اعلم. (فصل) ذكر الشيخ علم الدين السخاوي في جزء جمعه سماه: (المشهور في أسماء الأيام والشهور): أن المحرم سمي بذلك لكونه شهراً محرماً، وعندي أنه سمي بذلك تأكيداً لتحريمه؛ لأن العرب كانت تتقلب به، فتحله عاماً، وتحرمه عاماً. قال: ويجمع على محرمات، ومحارم، ومحاريم، وصفر سمي بذلك لخلو بيوتهم منهم حين يخرجون للقتال والأسفار، يقال: صفر المكان: إذا خلا، ويجمع على أصفار؛ كجمل وأجمال، وشهر ربيع الأول سميّ بذلك لارتباعهم فيه، والارتباع الإقامة في عمارة الربع، ويجمع على أربعاء؛ كنصيب وأنصباء، وعلى أربعة؛ كرغيف وأرغفة، وربيع الآخر كالأول. جمادى سمي بذلك لجمود الماء فيه، قال: وكانت الشهور في حسابهم لا تدور، وفي هذا نظر؛ إذ كانت شهورهم منوطة بالأهلة، فلا بد من دورانها، فلعلهم سموه بذلك أول ما سمي عند جمود الماء في البرد، كما قال الشاعر:شعر : ولَيْلَةٍ من جمادى ذاتِ أَنْدِيَةٍ لا يُبْصِرُ العبدُ في ظَلْمائِها الطُّنُبا لا يَنْبَحُ الكلبُ فيها غيرَ واحدةٍ حتى يَلُفُّ على خُرْطومِهِ الذَّنَبا تفسير : ويجمع على جماديات؛ كحبارى وحباريات، وقد يذكر ويؤنث، فيقال: جمادى الأولى، والأول، جمادى الآخر، والآخرة. رجب من الترجيب، وهو التعظيم، ويجمع على أرجاب، ورجاب، ورجبات. شعبان من تشعب القبائل وتفرقها للغارة، ويجمع على شعابين وشعبانات. رمضان من شدة الرمضاء، وهو الحر، يقال: رمضت الفصال: إذا عطشت، ويجمع على رمضانات، ورماضين، وأرمضة، قال: وقول من قال: إنه اسم من أسماء الله خطأ لا يعرج عليه، ولا يلتفت إليه، قلت: قد ورد فيه حديث، ولكنه ضعيف، وبينته في أول كتاب الصيام. شوال من شالت الإبل بأذنابها للطراق، قال: ويجمع على شواول، وشواويل، وشوالات. القعدة بفتح القاف، قلت: وكسرها، لقعودهم فيه عن القتال والترحال، ويجمع على ذوات القعدة. الحجة بكسر الحاء، قلت: وفتحها، سمي بذلك لإقامتهم الحج فيه، ويجمع على ذوات الحجة، أسماء الأيام: أولها الأحد، ويجمع على آحاد، وأوحاد، ووحود، ثم يوم الاثنين، ويجمع على أثانين، الثلاثاء يمد، ويذكر ويؤنث، ويجمع على ثلاثاوات، وأثالث، ثم الأربعاء بالمد، ويجمع على أربعاوات، وأرابيع، والخميس، يجمع على أخمسة، وأخامس، ثم الجمعة بضم الميم وإسكانها وفتحها أيضاً، ويجمع على جمع، وجماعات، السبت مأخوذ من السبت وهو القطع؛ لانتهاء العدد عنده، وكانت العرب تسمي الأيام: أول، ثم أهون، ثم جبار، ثم دبار، ثم مؤنس، ثم العروبة، ثم شيار، قال الشاعر من العرب العرباء العاربة المتقدمين:شعر : أُرَجِّي أنْ أَعيشَ وإِنَّ يومي بأَوَّلَ أو بأهْوَنَ أو جُبارُ أو التالي دُبار فإِنْ أفتْهُ فَمُؤْنِسُ أو عَرُوبةُ أو شيارُ تفسير : وقوله تعالى: {مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} فهذا مما كانت العرب أيضاً في الجاهلية تحرمه، وهو الذي كان عليه جمهورهم، إلا طائفة منهم يقال لهم: البسل، كانوا يحرمون من السنة ثمانية أشهر؛ تعمقاً وتشديداً، وأما قوله: «ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» فإنما أضافه إلى مضر؛ ليبين صحة قولهم في رجب: إنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان، لا كما تظنه ربيعة من أن رجب المحرم هو الشهر الذي بين شعبان وشوال، وهو رمضان اليوم، فبين صلى الله عليه وسلم أنه رجب مضر، لا رجب ربيعة، وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة، ثلاثة سرد، وواحد فرد؛ لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فحرم قبل أشهر الحج شهراً، وهو ذو القعدة؛ لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحرم شهر ذي الحجة؛ لأنهم يوقعون فيه الحج، ويشتغلون فيه بأداء المناسك، وحرم بعده شهراً آخر، وهو المحرم؛ ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحرم رجب في وسط الحول؛ لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمناً. وقوله: {ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} أي: هذا هو الشرع المستقيم؛ من امتثال أمر الله فيما جعل من الأشهر الحرم، والحذو بها على ما سبق من كتاب الله الأول. قال تعالى: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} أي: في هذه الأشهر المحرمة؛ لأنها آكد وأبلغ في الإثم من غيرها؛ كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف؛ لقوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} وكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام، ولهذا تغلظ فيه الدية في مذهب الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وكذا في حق من قتل في الحرم، أو قتل ذا محرم، وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس في قوله: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} قال: في الشهور كلها، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ} الآية، فلا تظلموا فيهن أنفسكم: في كلهن، ثم اختص من ذلك أربعة أشهر، فجعلهن حراماً، وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم. وقال قتادة في قوله: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزراً من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيماً، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء، وقال: إن الله اصطفى صفايا من خلقه؛ اصطفى من الملائكة رسلاً، ومن الناس رسلاً، واصطفى من الكلام ذِكْره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان، والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظموا ما عظم الله، فإنما تعظيم الأمور بما عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل. وقال الثوري عن قيس بن مسلم عن الحسن عن محمد بن الحنفية بأن لا تحرموهن كحرمتهن. وقال محمد بن إسحاق: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} أي: لا تجعلوا حرامها حلالاً، ولا حلالها حراماً؛ كما فعل أهل الشرك؛ فإنما النسيء الذي كانوا يصنعون من ذلك زيادة في الكفر {يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الآية، وهذا القول اختيار ابن جرير. وقوله: {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً} أي: جميعكم {كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} أي: جميعهم {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} وقد اختلف العلماء في تحريم ابتداء القتال في الشهر الحرام، هل هو منسوخ أو محكم؟ على قولين: (أحدهما) وهو الأشهر: أنه منسوخ؛ لأنه تعالى قال ههنا: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} وأمر بقتال المشركين، وظاهر السياق مشعر بأنه أمر بذلك أمراً عاماً، ولو كان محرماً في الشهر الحرام، لأوشك أن يقيده بانسلاخها، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف في شهر حرام، وهو ذو القعدة؛ كما ثبت في الصحيحين أنه خرج إلى هوازن في شوال، فلما كسرهم واستفاء أموالهم ورجع فلهم، لجؤوا إلى الطائف، فعمد إلى الطائف فحاصرهم أربعين يوماً، وانصرف ولم يفتتحها، فثبت أنه حاصر في الشهر الحرام. والقول الآخر: أن ابتداء القتال في الشهر الحرام حرام، وأنه لم ينسخ تحريم الشهر الحرام؛ لقوله تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ} تفسير : [المائدة: 2] وقال: {أية : ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة: 194]، وقال: {أية : فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [التوبة: 5]، وقد تقدم أنها الأربعة المقررة في كل سنة، لا أشهر التسيير على أحد القولين. وأما قوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} فيحتمل أنه منقطع عما قبله، وأنه حكم مستأنف، ويكون من باب التهييج والتحضيض، أي: كما يجتمعون لحربكم إذا حاربوكم، فاجتمعوا أنتم أيضاً لهم إذا حاربتموهم، وقاتلوهم بنظير مايفعلون، ويحتمل أنه أذن للمؤمنين بقتال المشركين في الشهر الحرام إذا كانت البداءة منهم؛ كما قال تعالى: {أية : ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ} تفسير : [البقرة: 194]، وقال تعالى: {أية : وَلاَ تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَـٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ} تفسير : [البقرة: 191]، وهكذا الجواب عن حصار رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف، واستصحابه الحصار إلى أن دخل الشهر الحرام؛ فإنه من تتمة قتال هوازن وأحلافها من ثقيف؛ فإنهم هم الذين ابتدؤوا القتال، وجمعوا الرجال ودعوا إلى الحرب والنزال، فعندها قصدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم، فلما تحصنوا بالطائف ذهب إليهم لينزلهم من حصونهم، فنالوا من المسلمين وقتلوا جماعة، واستمر الحصار بالمجانيق وغيرها قريباً من أربعين يوماً، وكان ابتداؤه في شهر حلال، ودخل الشهر الحرام فاستمر فيه أياماً، ثم قفل عنهم؛ لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، وهذا أمر مقرر، وله نظائر كثيرة، والله أعلم، ولنذكر الأحاديث الواردة في ذلك، وقد حررنا ذلك في السيرة، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ } المعتدّ بها للسنة {عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ } اللوح المحفوظ {يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ مِنْهَآ } أي الشهور {أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } محرَّمة: ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ورجب {ذٰلِكَ } أي تحريمها {ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ } المستقيم {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ } أي الأشهر الحرم {أَنفُسَكُمْ } بالمعاصي، فإِنها فيها أعظم وزراً، وقيل: في الأشهر كلها {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً } في كل الشهور {كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ } جميعاً بالعون والنصر.

الشوكاني

. تفسير : قوله: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً } هذا كلام مبتدأ يتضمن ذكر نوع آخر من قبائح الكفار وذلك أن الله سبحانه لما حكم في كل وقت بحكم خاص، غيروا تلك الأوقات بالنسيء والكبيسة، فأخبرنا الله بما هو حكمه فقال: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ} أي: عدد شهور السنة عند الله في حكمه وقضائه وحكمته: اثنا عشر شهراً. قوله: {فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } أي: فيما أثبته في كتابه. قال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن يتعلق في {في كتاب الله} بقوله: {عدّة الشهور}، للفصل بالأجنبي وهو الخبر: أعني {اثنا عشر شهراً}؛ فقوله: {في كتاب الله}، وقوله: {يوم خلق} بدل من قوله: {عند الله}، والتقدير: إن عدّة الشهور عند الله في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض. وفائدة الإبدالين تقرير الكلام في الأذهان؛ لأنه يعلم منه أن ذلك العدد واجب عند الله في كتاب الله، وثابت في علمه في أوّل ما خلق الله العالم. ويجوز أن يكون {في كتاب الله} صفة {اثنا عشر}: أي اثنا عشر مثبتة في كتاب الله، وهو اللوح المحفوظ. وفي هذه الآية بيان أن الله سبحانه وضع هذه الشهور وسماها بأسمائها على هذا الترتيب المعروف يوم خلق السموات والأرض، وأن هذا هو الذي جاءت به الأنبياء ونزلت به الكتب. وأنه لا اعتبار بما عند العجم، والروم، والقبط، من الشهور التي يصطلحون عليها ويجعلون بعضها ثلاثين يوماً، وبعضها أكثر، وبعضها أقلّ. قوله: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } هي: ذي القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب: ثلاثة سرد، وواحد فرد؛ كما ورد بيان ذلك في السنة المطهرة. قوله: {ذٰلِكَ ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ } أي: كون هذه الشهور كذلك، ومنها أربعة حرم هو: الدين المستقيم، والحساب الصحيح، والعدد المستوفى. قوله {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ } أي في هذه الأشهر الحرم بإيقاع القتال فيها والهتك لحرمتها، وقيل: إن الضمير يرجع إلى الشهور كلها الحرم وغيرها، وإن الله نهى عن الظلم فيها، والأوّل: أولى. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنّ تحريم القتال في الأشهر الحرم ثابت محكم لم ينسخ لهذه الآية، ولقوله: {أية : يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ } تفسير : [المائدة: 2] أولقوله: {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ} الآية. وقد ذهب جماعة آخرون إلى أن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ بآية السيف. ويجاب عنه بأن الأمر بقتل المشركين ومقاتلتهم مقيد بانسلاخ الأشهر الحرم كما في الآية المذكورة، فتكون سائر الآيات المتضمنة للأمر بالقتال مقيدة بما ورد في تحريم القتال في الأشهر الحرم. كما هي مقيدة بتحريم القتال في الحرم للأدلة الواردة في تحريم القتال فيه. وأما ما استدلوا به من أنه صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف في شهر حرام وهو: ذو القعدة، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، فقد أجيب عنه أنه لم يبتد محاصرتهم في ذي القعدة بل في شوّال، والمحرّم إنما هو ابتداء القتال في الأشهر الحرم لا إتمامه، وبهذا يحصل الجمع. قوله: {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً } أي جميعاً، وهو مصدر في موضع الحال. قال الزجاج: مثل هذا من المصادر كعامة وخاصة لا يثنى ولا يجمع. {كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَافَّةً } أي جميعاً، وفيه دليل على وجوب قتال المشركين، وأنه فرض على الأعيان إن لم يقم به البعض {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ } أي: ينصرهم ويثبتهم، ومن كان الله معه فهو الغالب، وله العاقبة والغلبة. قوله: {إِنَّمَا ٱلنَّسِىء زِيَادَةٌ فِى ٱلْكُفْرِ } قرأ نافع في رواية ورش عنه "النسيّ" بياء مشدّدة بدون همز. وقرأ الباقون بياء بعدها همزة. قال النحاس: ولم يرو أحد عن نافع هذه القراءة إلا ورش وحده، وهو مشتق من نسأه، وأنسأه: إذا أخره، حكى ذلك الكسائي. قال الجوهري: النسيء فعيل بمعنى مفعول من قولك: نسأت الشيء فهو منسوء: إذا أخرته، ثم تحوّل منسوء إلى نسيء كما تحوّل مقتول إلى قتيل. قال ابن جرير: في النسيء بالهمزة معنى الزيادة يقال: نسأ ينسأ: إذا زاد، قال: ولا يكون بترك الهمزة إلا من النسيان، كما قال تعالى: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ } تفسير : [التوبة: 67]، وردّ على نافع قراءته. وكانت العرب تحرّم القتال في الأشهر الحرم المذكورة، فإذا احتاجوا إلى القتال فيها قاتلوا فيها وحرّموا غيرها. فإذا قاتلوا في المحرّم، حرّموا بدله شهر صفر، وهكذا في غيره. وكان الذي يحملهم على هذا: أن كثيراً منهم إنما كانوا يعيشون بالغارة على بعضم البعض، ونهب ما يمكنهم نهبه من أموال من يغيرون عليه، ويقع بينهم بسبب ذلك القتال، وكانت الأشهر الثلاثة المسرودة يضرّ بهم تواليها وتشتدّ حاجتهم وتعظم فاقتهم. فيحللون بعضها ويحرّمون مكانه بقدره من غير الأشهر الحرم، فهذا هو معنى النسيء الذي كانوا يفعلونه. وقد وقع الخلاف في أوّل من فعل ذلك، فقيل: هو رجل من بني كنانة يقال له حذيفة بن عتيد. ويلقب القلمس، وإليه يشير الكميت بقوله:شعر : ألسنا الناشئين على معد شهور الحـلّ نجعلها حراما تفسير : وفيه يقول قائلهم:شعر : ومنا ناسيء الشهر القلمس تفسير : وقيل: هو عمرو بن لحيّ، وقيل: هو نعيم بن ثعلبة من بني كنانة، وسمى الله سبحانه النسيء زيادة في الكفر؛ لأنه نوع من أنواع كفرهم، ومعصية من معاصيهم المنضمة إلى كفرهم بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر. قوله: {يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } قرأ أهل الحرمين وأبو عمرو وابن عامر "يضلّ" على البناء للمعلوم. وقرأ الكوفيون على البناء للمجهول. ومعنى القراءة الأولى: أن الكفار يضلون بما يفعلونه من النسيء، ومعنى القراءة الثانية، أن الذي سنّ لهم ذلك يجعلهم ضالين بهذه السنة السيئة، وقد اختار القراءة الأولى أبو حاتم، واختار القراءة الثانية أبو عبيد، وقرأ الحسن وأبو رجاء ويعقوب "يضل" بضم الياء وكسر الضاد على أن فاعله الموصول، ومفعوله محذوف. ويجوز أن يكون فاعله هو الله سبحانه، ومفعوله الموصول. وقرىء بفتح الياء والضاد من ضلّ يضلّ. وقرىء «نضلّ» بالنون. قوله: {يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرّمُونَهُ عَامًا } الضمير راجع إلى النسيء: أي يحلون النسيء عاماً ويحرّمونه عاماً، أو إلى الشهر الذي يؤخرونه ويقاتلون فيه، أي يحلونه عاماً بإبداله بشهر آخر من شهور الحل، ويحرّمون عاماً، أي يحافظون عليه فلا يحلون فيه القتال، بل يبقونه على حرمته. قوله: {لّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ } أي: لكي يواطئوا، والمواطأة: الموافقة، يقال: تواطأ القوم على كذا: أي توافقوا عليه واجتمعوا. والمعنى: إنهم لم يحلوا شهراً إلا حرّموا شهراً لتبقى الأشهر الحرم أربعة، قال قطرب: معناه عمدوا إلى صفر فزادوه في الأشهر الحرم، وقرنوه بالمحرّم في التحريم. وكذا قال الطبري. قوله: {فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ } أي: من الأشهر الحرم التي أبدلوها بغيرها {زُيّنَ لَهُمْ سُوء أَعْمَـٰلِهِمْ } أي: زين لهم الشيطان الأعمال السيئة التي يعملونها، ومن جملتها النسيء. وقرىء على البناء للفاعل. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي: المصرّين على كفرهم المستمرين عليه فلا يهديهم هداية توصلهم إلى المطلوب، وأما الهداية بمعنى الدلالة على الحق والإرشاد اليه فقد نصبها الله سبحانه لجميع عباده. وقد أخرج البخاري ومسلم، وغيرهما، من حديث أبي بكر أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجته فقال: «حديث : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان»تفسير : وأخرج نحوه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، من حديث ابن عمر. وأخرج نحوه ابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، من حديث ابن عباس. وأخرج نحوه أيضاً البزار، وابن جرير، وابن مردويه، من حديث أبي هريرة. وأخرجه أحمد، وابن مردويه، من حديث أبي حرة الرقاشي عن عمه مرفوعاً مطوّلاً. وأخرج سعيد بن منصور، وابن مردويه، عن ابن عباس {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } قال: المحرّم، ورجب، وذو القعدة، وذو الحجة. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك قال: إنما سمين حرماً لئلا يكون فيهنّ حرب. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } ثم اختصّ من ذلك أربعة أشهر فجعلهنّ حرماً، وعظم حرماتهنّ، وجعل الدين فيهنّ أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ } قال: في كلهنّ {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً } يقول جميعاً. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مقاتل، في قوله: {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً } قال: نسخت هذه الآية كل آية فيها رخصة. وأخرج الطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: كانت العرب يحلون عاماً شهراً وعاماً شهرين، ولا يصيبون الحج إلا في كل سنة، وعشرين سنة مرة، وهي النسيء الذي ذكره الله في كتابه، فلما كان عام حجّ أبو بكر بالناس، وافق ذلك العام، فسماه الله الحجّ الأكبر، ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام المقبل، واستقبل الناس الأهلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عمر، قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة فقال: "حديث : إنما النسيء من الشيطان زيادة في الكفر، يضلّ به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرّمونه عاماً، فكانوا يحرّمون المحرّم عاماً ويستحلون صفر، ويحرّمون صفر عاماً ويستحلون المحرّم، وهي: النسيء"تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال: كان جنادة بن عوف الكناني يوافي الموسم كل عام، وكان يكنى أبا ثمامة، فينادي ألا إن أبا ثمامة لا يخاب ولا يعاب، ألا وإن صفر الأوّل العام حلال، فيحله للناس، فيحرّم صفر عاماً، ويحرّم المحرّم عاماً. فذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلنَّسِىء زِيَادَةٌ فِى ٱلْكُفْرِ } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، في الآية قال: المحرّم كانوا يسمونه صفر، وصفر يقولون: صفران الأوّل والآخر، يحلّ لهم مرّة الأوّل، ومرّة الآخر. وأخرج ابن مردويه، عنه، قال: كانت النساءة حي من بني مالك من كنانة من بني فقيم، فكان آخرهم رجلاً يقال له: القلمس، وهو الذي أنسأ المحرم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شهْراً} يعني شهور السنة، وإنما كانت اثني عشر شهراً لموافقة الأهلة ولنزول الشمس والقمر في اثني عشر برجاً يجريان فيها على حساب متفق كما قال الله تعالى {أية : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} تفسير : [الرحمن: 5]. {...مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} يعني أن من الاثني عشر شهراً أربعة حرم، يعني بالحرم تعظيم انتهاك المحارم فيها، وهو ما رواه صدقة بن يسار عن ابن عمر قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى في وسط أيام التشريق فقال: "حديث : أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ فَهُوَ اليَومُ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهراً مِنهَا أَرْبَعَةٌ حَرُمٌ، أَوّلُهُنَّ رَجَبُ مُضَرَ بيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ ". تفسير : {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} فيه وجهان: أحدهما: أي ذلك الحساب الصحيح والعدد المستوفي، قاله ابن قتيبة. والثاني: يعني القضاء الحق المستقيم، قاله الكلبي. {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} فيه أربعة أوجه: أحدها: فلا تظلموها بمعاصي الله تعالى في الشهور الاثني عشر كلها، قاله ابن عباس. والثاني: فلا تظلموها بمعاصي الله في الأربعة الأشهر، قاله قتادة. والثالث: فلا تظلموا أنفسكم في الأربعة الأشهر الحرم بإحلالها بعد تحريم الله تعالى لها، قاله الحسن وابن إسحاق. والرابع: فلا تظلموا فيها أنفسكم أي تتركوا فيها قتال عدوكم، قاله ابن بحر. فإن قيل: فلم جعل بعض الشهور أعظم حرمة من بعض؟ قيل: ليكون كفهم فيها عن المعاصي ذريعة إلى استدامة الكف في غيرها توطئة للنفس على فراقها مصلحة منه في عباده ولطفاً بهم.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية والتي بعدها تتضمن ما كانت العرب شرعته في جاهليتها من تحريم شهور الحِل وتحليل شهور الحرمة، وإذا نص ما كانت العرب تفعله تبين معنى الآيات فالذي تظاهرت به الروايات وينفك عن مجموع ما ذكر الناس، أن العرب كانت لا عيش لأكثرها إلا من الغارات وإعمال سلاحها فكانوا إذا توالت عليهم حركة ذي القعدة وذي الحجة والمحرم صعب عليهم وأملقوا، وكان بنو فقيم من كنانة أهل دين في العرب وتمسك بشرع إبراهيم عيه السلام، فانتدب منهم القلمس وهو حذيفة بن عبد فقيم فنسأ الشهور للعرب، ثم خلفه على ذلك ابنه عباد بن حذيفة، ثم خلف ابنه قلع بن عباد، ثم خلفه ابنه أمية بن قلع، ثم خلفه ابنه عوف بن أمية، ثم خلفه ابنه أبو ثمامة جنادة بن عوف وعليه قام الإسلام، وذكر الطبري وغيره أن الأمر كان في عدوان قبل بني مالك بن كنانة، وكانت صورة فعلهم أن العرب كانت إذا فرغت من حجها جاء إليه من شاء منهم مجتمعين، فقالوا أنسئنا شهراً أي آخّر عنا حرمة المحرم فاجعلها في صفر، فيحل لهم المحرم فيغيرون فيه ويعيشون ثم يلتزمون حرمة صفر ليوافقوا عدة الأشهر الأربعة، قال مجاهد: ويسمون ذلك الصفر المحرم، ثم يسمون، ربيعاً، ربيعاً الأول صفراً وربيعاً الآخر ربيعاً الأول، وهكذا في سائر الشهور يستقبلون سنتهم من المحرم الموضوع لهم فيسقط على هذا حكم المحرم الذي حال لهم، وتجيء السنة من ثلاثة عشر شهراً أولها المحرم المحلل ثم المحرم الذي هو في الحقيقة صفر، ثم استقبال السنة كما ذكرنا، ففي هذا قال الله عز وجل {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً} أي ليست ثلاثة عشر شهراً، قال الطبري حدثني ابن وكيع عن عمران بن عيينة عن حصين عن أبي مالك قال: كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهراً، قال مجاهد: ثم كانوا يحجون في كل شهر عامين ولاء، وبعد ذلك يندلون، فيحجون عامين ولاء، ثم كذلك حتى كانت حجة أبي بكر في ذي القعدة حقيقة، وهم يسمونه ذا الحجة، ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة عشر في ذي الحجة حقيقة، فذلك قوله إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان وفي حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خطب في حجة الوداع فساق الحديث فقال فيه: حديث : أولهن رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان وذو القعدة وذو الحجة والمحرم . تفسير : قال القاضي أبو محمد: ويجيء في أكثر الكتب أنهم كانوا يجعلون حرمة المحرم في صفر ويسكت عن تمام القصة، والذي ذكرناه هو بيانها، وأما كون المحرم أول السنة العربية وكان حقه إذ التاريخ من الهجرة أن يكون أول السنة في ربيع الأول فإن ذلك فيما يرون لأن عمر بن الخطاب دون ديوان المسلمين وجعل تاريخه المحرم إذ قبله انقضاء الموسم والحج فكان الحج خاتمة للسنة، واعتد بعام الهجرة وإن كان قد نقص من أوله شيء، ولما كانت سنة العرب هلالية بدىء العام من أول شهر ولم يكن في الثاني عشر من ربيع الذي هو يوم دخول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ولا كان عند تمام الحج لأنه في كسر شهر، وأما الأربعة الحرم فهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" تفسير : قصد التفريق بينه وبين ما كانت تفعله قبائل ربيعة بأسرها، فإنها كانت تجعل رجبها رمضان وتحرمه ابتداعاً منها، وكانت قريش ومن تابعها في ذلك من قبائل مضر على الحق، فقر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ونسبه إلى مضر إذ كان حكمه وتحريمه إنما كان من قبل قريش، وفي المفضليات لبعض شعراء الجاهلي [عوف بن الأحوص العامري]: [الوافر] شعر : وشهر بني أمية والهدايا تفسير : البيت؛ قال الأصمعي: يريد رجباً، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع " اثنا عْشر شهراً " بسكون العين وذلك تخفيف لتوالي الحركات، وكذلك قرأ أحد عشر وتسعة عشر وقوله {في كتاب الله} أي فيما كتبه وأثبته في اللوح المحفوظ أو غيره، فهي صفة فعل مثل خلقه ورزقه وليست بمعنى قضائه وتقديره لأن تلك هي قبل خلق السموات والأرض، " والكتاب " الذي هو المصدر هو العامل في {يوم} وفي قوله {في كتاب الله } متعلقة بمستقرة أو ثابتة ونحوه، ويقلق أن يكون الكتاب القرآن في هذا الموضع، وتأمل، ولا يتعلق في بعده للتفرقة بين الصلة والموصول بخبر"أن " وقوله {منها أربعة حرم} نص على تفضيل هذه الأربعة وتشريفها، قال قتادة: اصطفى الله من الملائكة والبشر رسلاً ومن الشهور المحرم ورمضان، ومن البقع المساجد، ومن الأيام الجمعة، ومن الليالي ليلة القدر، ومن الكلام ذكره فينبغي أن يعظم ما عظم الله، وقوله {ذلك الدين القيم}، قالت فرقة: معناه الحساب المستقيم، وقال ابن عباس فيما حكى المهدوي: معناه القضاء المستقيم. قال القاضي أبو محمد: والأصوب عندي أن يكون الدين ها هنا على أشهر وجوهه، أي ذلك الشرع والطاعة لله، {القيم} أي القائم المستقيم، وهو من قام يقوم بمنزلة سيد من ساد يسود أصله قيوم، وقوله {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} الضمير عائد على الـ {اثنا عشر شهراً }، أي لا تظلموا أنفسكم بالمعاصي في الزمن كله، وقال قتادة: الضمير عائد على الأربعة الأشهر، ونهى عن الظلم فيها تشريفاً لها بالتخصيص والذكر وإن كان منهياً عنه في كل الزمن، وزعم النحاة أن العرب تكنى عما دون العشرة من الشهور، فيهن وعما فوق العشرة فيها، وروي عن الكسائي أنه قال إني لأتعجب من فعل العرب هذا، وكذلك يقولون فيما دون العشرة من الليالي خلون وفيما فوقها خلت وقال الحسن معنى فيهن أي بسببهن ومن جراهن في أن تحلوا حرامها وتبدلوه بما لا حرمة له، وحكى المهدوي أنه قيل " لا تظلموا فيهن أنفسكم بالقتل ". ثم نسخ بفرض القتال في كل زمن، قال سعيد بن المسيب في كتاب الطبري: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحرم القتال في الأشهر الحرم بما أنزل الله في ذلك حتى نزلت براءة. قال القاضي أبو محمد: وقوله {وقاتلوا المشركين} معناه فيهن فأحرى في غيرهن، وقوله {كافة} معناه جميعاً وهو مصدر في موضع الحال، قال الطبري: كالعاقبة والعافية فهو على هذا كما تقول خاصة وعامة، ويظهر أيضاً أنه من كف يكف أي جماعة تكف من عارضها وكذلك نقل الكافة أي تكف من خالفها، فاللفظة على هذا اسم فاعل، وقال بعض الناس: معناه يكف بعضهم بعضاً عن التخلف، وما قدمناه أعم وأحسن، وقال بعض الناس: كان الفرض بهذه الآية قد توجه على الأعيان ثم نسخ ذلك بعد وجعل فرض كفاية. قال القاضي أبو محمد: وهذا الذي قالوه لم يعلم قط من شرع النبي صلى الله عليه وسلم، أنه ألزم الأمة جميعاً النفر، وإنما معنى الآية الحض على قتالهم والتحزب عليهم وجمع الكلمة، ثم قيدها بقوله {كما يقاتلونكم} فبحسب قتالهم واجتماعهم لنا يكون فرض اجتماعنا لهم، وأما الجهاد الذي ينتدب إليه فإنما هو فرض على الكفاية إذا قام به بعض الأمة سقط عن الغير، وقوله {واعلموا أن الله مع المتقين } خبر في ضمنه أمر بالتقوى ووعد عليها بالنصر والتأييد.

ابن عبد السلام

تفسير : {حُرُمٌ} لعظم انتهاك الحرمات فيها، {الدِّينُ الْقَيِّمُ} الحساب المستقيم، أو القضاء الحق. {فَلا تَظْلِمُواْ [فِيهِنَّ] أَنفُسَكُمْ} بالمعاصي في الإثني عشر، أو في الأربعة، أو فلا تظلموها في الأربعة بعد تحريم الله ـ تعالى ـ لها، أو لا تظلموها بترك قتل عدوكم فيها. {النَّسِىءُ} كانوا يؤخرون السنة أحد عشر يوماً حتى يجعلوا المحرم صفراً أو كانوا يؤخرون الحج في كل سنتين شهراً، قال مجاهد: حج المشركون في ذي الحجة عامين ثم حجوا في المحرم عامين ثم حجوا في صفر عامين ثم في ذي القعدة عامين الثاني منهما حجة أبي بكر، ثم حج الرسول صلى الله عليه وسلم من قابل في ذي الحجة، وقال: "حديث : إن الزمان قد استدار كهيئته"تفسير : . وكان ينادي بالنسيء في الموسم بنو كنانة قال شاعرهم: شعر : ألسنا الناسئين على معد شهور الحل نجعلها حراما تفسير : وأول من نسأ الشهور [سرير] بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، أو القلمس الأكبر، وهو عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث، وآخر من نسأها إلى أن نزل تحريمها سنة عشر أبو ثُمامة جُنادة بن عوف، وكان ينادي إذا نسأها في كل عام إلا إن أبا ثمامة لا يحاب ولا يعاب. {لِّيُوَاطِئُواْ} ليوافقوا عدة الأربعة فيحرموا أربعة كما حرم الله ـ تعالى ـ أربعة. {سُوءُ أَعْمَالِهِمْ} من تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم، أو الربا.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ}، هذه الآيةُ والتي بعدها تتضمَّن ما كانت العربُ عليه في جاهليَّتها من تحريم شُهُورِ الحلِّ، وتحليلِ شهورِ الحُرْمَةَ، وإِذا نصَّ ما كانت العرب تفعله، تبيَّن معنى الآيات، فالذي تظاهرَتْ به الرواياتُ، ويتخلَّص من مجموع ما ذَكَره النَّاسُ: أن العرب كانَتْ لا عَيْشَ لأكْثَرها إِلا من الغارات وإِعمالِ سِلاَحِها، فكانوا إِذا توالَتْ عليهم حُرْمَةُ الأشهر الحُرُمِ، صَعُبَ عليهم، وأَمْلقوا وكان بنو فُقَيْمٍ من كِنانة أهْلَ دينٍ في العرب، وتَمَسُّكٍ بشرعِ إبراهيمَ عليه السلام، فٱنتدب منهم القلمس، وهو حُذَيْفَةُ بْنُ عَبْدِ فُقَيْمٍ، فنَسِيَ الشهورَ للعربِ، ثم خَلَفَهُ عَلَى ذلك بنوه، وذكر الطبريُّ وغيره؛ أن الأمر كان في عدوانٍ قبل بني مالكِ بن كنانةً، وكانتْ صورة فعلهم: أن العرب كانَتْ إِذا فرغَتْ من حَجِّها، جاء إِليه مَنْ شاء منهم مجتمعين، فقالوا: أَنْسَانَا شَهْراً، أيْ: أخّرْ عنا حرمةَ المُحَرَّم، فٱجعلها في صَفَرٍ، فيحلُّ لهم المُحَرَّمَ، فيغيرون فيه، ثم يلتزمُونَ حُرْمَةَ صَفَرٍ؛ ليوافقوا عدَّة الأشهرِ الحُرُمِ الأربعة قال مجاهد: ويسمُّون ذلك الصَّفَرَ المُحرَّم، ثم يسمون ربيعاً الأوَّل صفراً وربيعاً الآخِرَ ربيعاً الأَوَّل، وهكذا في سائِرِ الشهورِ، وتجيء السنةُ مِنْ ثلاثةَ عَشَرَ شهراً أولها: المحرَّم المُحَلَّل، ثم المحرَّم الذي هو في الحقيقة صَفَرٌ، وفي هذا قال اللَّهُ عزَّ وجَلَّ: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً }، أيْ: ليستْ ثلاثةَ عَشَرَ، ثم كانَتْ حِجَّةُ أبي بَكْرٍ في ذي القَعْدة حقيقةً، وهم يسمُّونه ذَا الحِجَّة، ثم حَجَّ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَنَةَ عَشْرٍ في ذي الحِجَّة حقيقةً، فذلك قوله عليه السلام: « حديث : إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ ٱسْتَدَارَ كَهَيْئتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمٰوات وَالأَرْضِ؛ السَّنَةُ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّة والمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَان ». تفسير : وقوله في {كِتَـٰبِ ٱللَّهِ }، أَيْ: فيما كتبه، وأثبته في اللَّوْحِ المحفوظ، أو غيرِهِ، فهي صفةُ فِعْلٍ مثل خَلْقِهِ وَرِزْقِهِ، وليستْ بمعنى قضاءه وتقديره؛ لأن تلكَ هي قَبْلَ خلْق السموات والأرض. وقوله سبحانه: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ }: نصٌّ على تفضيلِ هذه الأربعة وتشريفها، قال قتادة: «ٱصطفى اللَّه مِنَ الملائكةِ والبَشَرِ رُسُلاً، ومِنَ الشَهور المُحَرَّمَ ورمَضَانَ، ومِنَ البُقَعِ المساجَدِ، ومِنَ الأيام الجمعةَ، ومِنَ الليالِي ليلةَ القَدْرِ، ومِنَ الكلام ذِكْرُهُ، فينبغي أَنْ يعظَّم ما عَظَّمُ اللَّه». وقوله سبحانه: {ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ}، قالتْ فرقة: معناه: الحسابُ المُسْتَقيم، وقال ابن عباس، فيما حكى المَهْدَوِيُّ: معناه: القضاءُ المستقيم. قال * ع *: والأصوب عندي أنْ يكون {ٱلدِّينِ } ههنا عَلَى أشهر وجوهه، أي: ذلك الشَّرْعُ والطَّاعة. وقوله: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ }، أي: في ٱلاثْنَيْ عَشَرَ شَهْراً، أي: لا تظلموا أنفسكم بالمعاصي في الزمان كلِّه، وقال قتادة: المرادُ الأربعةُ الأشْهُرِ، وخُصِّصتْ تشريفاً لها. قال سعيدُ بن المسيِّب: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يحرِّم القتَالَ في الأشْهُرِ الحُرُم؛ بما أنزل اللَّه في ذلك؛ حتَّى نزلَتْ «براءة». وقوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ }، معناه: فيهنَّ فأحْرَى في غيرهن، وقوله: {كَافَّةً }، معناه: جميعاً.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً} الآية. "العِدَّة" مصدر بمعنى "العَدَد". و "عِندَ اللهِ" منصوبٌ به، أي: في حُكْمه. و "اثْنَا عشرَ" خبرُ "إنَّ"، وقرأ ميسرة عن حفص، وهي قراءةُ أبي جعفر "اثْنَا عَشْرَ" بسكون العين مع ثبوتِ الألف قبلها، واستكرهتْ من حيثُ الجمعُ بين ساكنين على غير حَدَّيْهما، كقولهم: "التقَتْ حَلْقتَا البطانِ" بإثباتِ الألف من "حَلْقتَا". وقرأ طلحة بسكون الشين كأنه حمل "عشر" في المذكر على "عشرة" في المؤنث، و "شَهْراً" نصب على التمييز، وهو مؤكِّد؛ لأنه قد فُهِم ذلك من الأول، فهو كقولك: عندي من الدَّنانير عشرون ديناراً. والجمعُ متغاير في قوله "عِدَّة الشُّهورِ" وفي قوله تعالى: {أية : ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ}تفسير : [البقرة:197]؛ لأنَّ هذا جمعُ كثرة، وذاك جمعُ قلة. قوله: {فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} يجوزُ أن يكون صفةً لـ "اثْنَا عَشَرَ"، والتقديرُ: اثنا عشر شهراً مثبتة في كتاب الله. ثمَّ لا يجوزُ أن يعنى بهذا الكتاب كتاب من الكتب، لأنَّه متعلقٌ بقوله: {يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَات} وأسماء الأعيان لا تتعلَّق بالظروفِ، فلا تقول: غلامك يوم الجمعة، بل الكتاب ههنا مصدر والتقدير: إنَّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله، أي: في حكمه الواقع يوم خلق السموات والأرض. ويجوزُ أن يكون بدلاً من الظرفِ قبله، وهذا لا يجوزُ، أو ضعيفٌ، لأنَّه يلزمُ منه أن يخبر عن الموصول قبل تمام صلته، فإنَّ هذا الجارَّ متعلق به على سبيل البدلية، وعلى تقدير صحة ذلك من جهة الصناعة، فكيف يصحُّ من جهة المعنى؟ ولا يجوزُ أن يكون "فِي كتابِ اللهِ" متعلقاً بـ "عِدَّة" لئلاَّ يلزم الفصلُ بين المصدر ومعموله بخبره وقياس مَنْ جوَّز إبداله من الظرف أن يجوِّز هذا، وقد صرَّح بجوازه الحوفيُّ. قوله: "يَوْمَ خَلَقَ" يجوز فيه أن يتعلَّق بـ "كِتَاب" على أنَّه يُرادُ به المصدر، لا الجثة ويجوزُ أن يتعلَّق بالاستقرار في الجار والمجرور، وهو "في كِتابِ الله" ويكونُ الكتابُ جثةً لا مصدراً، وجوَّز الحوفيُّ أن يكون متعلقاً بـ "عِدَّة" وهو مردودٌ بما تقدَّم، ويجوزُ أن يتعلَّق بفعل مقدر، أي: كتب ذلك يوم خلق. فصل هذه الآية أيضاً من شرح قبائح اليهود والنَّصارى والمشركين، وهو إقدامهم على تغيير أحكام الله تعالى؛ لأنَّه تعالى، حكم في كل وقت بحكم خاص، فإذا غَيَّرُوا تلك الأوقات بسبب النَّسيء، كان ذلك سعياً منهم في تغيير حكم السَّنة بحسب أهوائهم وآرائهم فكان ذلك زيادة في كفرهم وجرأتهم. فإنَّ السَّنة عند العربِ: عبارة عن اثني عشر شهراً قمرية، ويدُلُّ عليه هذه الآية وقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ}تفسير : [يونس:5] فجعل تقدير القمر بالمنازل دليلاً على السنين، وإنَّما يصح ذلك إذا كانت السَّنة معلقة بسير القمر، وقال تعالى {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ}تفسير : [البقرة:189] وعند سائر الطوائف: السَّنة عبارة عن المدة التي تدور الشمس فيها دورة تامة من فصل إلى فصل، فيكون الحج واقعاً في الشتاء مرَّة، وفي الصيف أخرى، فشقَّ الأمر عليهم بهذا السَّبب. وأيضاً إذا حضروا الحجَّ حضروا للتجارة، فربما كان ذلك الوقت غير موافق لحضور التجارات من الشمسية، فلذلك بقي زمان الحج مختصاً بوقت معين موافق لمصلحتهم، وانتفعوا بتجاراتهم ومصالحهم، فهذا النَّسيء وإن كان سبباً لحصولِ المصالحِ الدنيوية، إلاَّ أنَّه لزم منه تغيير حكم الله تعالى، لمَّا خصَّ الحجَّ بأشهر معلومة على التّعيين، وكان بسبب ذلك النَّسيء يقع في سائر الشُّهور تغيير حكم الله تعالى وإبطال تكليفه؛ فلهذا المعنى استوجبُوا الذَّمَّ العظيمَ في هذه الآية. والمرادُ بالكتابِ: حكمه وإيجابه. قال ابن عباس "إنه اللَّوحُ المحفوظ" وقيل: القرآن. فصل قال القرطبيُّ: قوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ} وهي جمع شهر. فإذا قال الرجل لأخيه: لا أكلمك الشهور، وحلف على ذلك فلا يكلمه حَوْلاً، قالهُ بعض العلماء وقيل: لا يكلمه أبداً. قال ابنُ العربي: وأرى إن لم يكن له نيّة أن يقتضي ذلك ثلاثة أشهر، لأنَّه أقل الجمع الذي يقتضيه صيغة "فُعول" في جمع "فَعْل". قوله {مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} هذه الجملةُ يجوز فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون صفةً لـ "اثْنَا عَشَرَ". الثاني: أن تكون حالاً من الضمير في الاستقرار. الثالث: أن تكون مستأنفة. والضمير في "منها" عائدٌ على اثنا عشر شهراً، لأنه أقربُ مذكورٍ، على "الشُّهور" والضمير في "فيهنَّ" عائدٌ على "الاثني عشر" أيضاً. وقال الفرَّاءُ، وقتادةُ: يعودُ على الأربعةِ الحُرُم وهذا أحسنُ، لوجهين: أحدهما: أنه أقرب مذكور. والثاني: أنه قد تقرَّر أنَّ معاملة جمع القلة غير العاقل معاملة جمع الإِناث أحسنُ مِنْ معاملة ضمير الواحدة، والجمعُ الكثيرُ بالعكس، تقول الأجذاع انكسرن، والجذوع انكسرت، ويجوزُ العكس. فصل أجمعُوا على أنَّ هذه الأربعة ثلاثة منها سرد، وهي: ذُو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، وواحد فرد، وهو: رجبٌ، ومعنى الحرم: أنَّ المعصية فيها أشد عقاباً، والطَّاعةُ فيها أشد ثواباً، والعربُ كانوا يُعظِّمُونها حتَّى لو لقي الرجلُ قاتل أبيه لم يتعرَّض له. فإن قيل: أجزاء الزمان متشابهة في الحقيقة، فما السَّببُ في هذا التَّمييز؟ فالجوابُ: هذا المعنى غير مُسْتَبعَدٍ في الشَّرائع، فإنه ميَّز البلد الحرام عن سائر البلاد بمزيد الحرمةِ، وميَّز يوم الجمعة عن سائر الأيام بمزيد الحرمة، وميَّز يوم عرفة عن سائر الأيام بعبادة مخصوصة، وميز شهر رمضان عن سائر الشُّهور بمزيد حرمة، وميز بعض ساعات اليوم والليلة بوجوب الصلاة فيها، وميز ليلة القدر عن سائر الليالي، وميَّز بعض الأشخاص بإعطاء الرِّسالة، فأي استبعاد في تخصيصِ بعض الشهور بمزيد الحرمة. وفيه فائدة أخرى وهي: أنَّ الطباع مجبولة على الظلم والفساد، وامتناعهم من هذه القبائح على الإطلاق شاقٌّ عليهم، فخص تعالى بعض الأوقات وبعض الأماكن بمزيد التعظيم والاحترام، حتى إنَّ الإنسانَ ربما امتنع في تلك الأزمنة، وفي تلك الأمكنة عن فعل القبائح، وذلك يوجب أنواعاً من الفوائد. أحدها: أنَّ ترك القبائح في تلك الأوقات أمر مطلوب؛ لأنه يقل القبائح. وثانيها: أنَّ تركها في تلك الأوقات ربما صار سبباً لميل طبعه إلى الإعراضِ عنها مطلقاً. وثالثها: أنَّه إذا أتى بالطَّاعات فيها وأعرض عن المعاصي فيها، فبعد انقضاء تلك الأوقات لو شرع في المعاصي صار شروعه فيها سبباً لبطلان ما تحمله من العناءِ والمشقَّةِ في أداء الطَّاعات في تلك الأوقات، والظَّاهر من حال العاقل أنَّه لا يرضى بذلك فيصير ذلك سبباً لاجتنابه عن المعاصي بالكلِّية، فهذا هو الحكمة في تخصيص بعض الأزمنة، وبعض الأمكنة، بمزيد التعظيم. قوله {ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} أي: الحساب المستقيم، يقال: "الكَيِّسُ من دَانَ نَفسَهُ" أي: حاسبها، وقال الحسنُ: "ذلكَ الدِّينُ القَيّم" الذي لا يبدلُ ولا يُغير، "القَيِّم" - ههنا - بمعنى: القائم الدائم الذي لا يزول، وهو الدِّينُ الذي فَطَرَ الناس عليه. قوله {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} بفعل المعصية، وترك الطَّاعاتِ، قال ابنُ عبَّاسٍ: "المراد، فلا تظلموا في الشهور الاثني عشر أنفسكم، والمراد: منع الإنسان من الإقدام على الفساد في جميع العمر". وقال الأكثرون الضَّمير في قوله "فِيهِنَّ" عائدٌ على الأربعة الحرم، وقد تقدَّم. وقيل: المرادُ بـ "الظلم" النَّسيء الذي كانُوا يعملونه، فينقلون الحجَّ من الشهر الذي أمر الله بإقامته فيه إلى شهرٍ آخر، وقيل: المرادُ بـ "الظُّلمِ" ترك المقاتلة في هذه الأشهر. قوله: {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً} نصب "كَافَّةً" على الحالِ، إمَّا من الفاعل، أو من المفعول، وقد تقدَّم أن "كَافَّةً" لا يُتصرَّف فيها بغير النصب على الحال، وأنَّها لا تدخلها "أل"؛ لأنها بمعنى قولك: قامُوا جميعاً، وقامُوا معاً، وأنَّها لا تُثَنَّى، ولا تُجْمع، وكذلك "كافة" الثانية، ومعنى "كافة" أي: جميعاً. فصل معنى الآية: قاتلوهم بأجمعكم مجتمعين على قتالهم، كما أنَّهم يقاتلونكم على هذه الصِّفة، أي: تعاونوا وتناصروا على ذلك؛ ولا تتخاذلوا وكونوا عباد الله مجتمعين متوافقين في مقاتلة الأعداء. وقال ابنُ عبَّاسٍ: "قاتلوهم بكليتهم ولا تحابوا بعضهم بترك القتال، كما أنَّهُم يستحلُّون قتال جميعكم" {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} أي: مع أوليائه الذين يخشونه في أداء الطَّاعات والاجتناب عن المحرمات. واختلفوا في تحريم القتال في الأشهر الحرم، فقيل: كان مُحرماً ثم نسخ بقوله تعالى {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً} أي: فيهن، وفي غيرهن، وهو قول قتادة، وعطاء الخراساني، والزهريِّ وسفيان الثوري، وقالوا: لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم غزا هوازن بحنين، وثقيفاً بالطائف، وحاصرهم في شوال وبعض ذي القعدة. وقال آخرون: غير منسوخ. قال ابن جريج "حلف بالله عطاء بن أبي رباح أنَّهُ ما يحلُّ للنَّاس أن يغزوا في الحرم، ولا في الأشهر الحرم إلاَّ أن يقاتلوا فيها، وما نسخت". قوله {إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ} في "النَّسِيء" قولان: أحدهما: أنَّه مصدرٌ على "فَعِيل" مِن: "أنْسأ"، أي: أخَّرَ، كـ "النذير" من أنذر، و "النكير" من أنْكَر، وهذا ظاهرُ قول الزمخشري فإنَّه قال: "النَّسيء: تأخيرُ حرمة الشهر إلى شهر آخر"، وحينئذٍ. فالإخبارُ عنه بقوله "زيادة" واضحٌ، لا يحتاج إلى إضمار. وقال الطبريُّ: "النَّسيء - بالهمز - معناه: الزيادة"؛ لأنَّه تأخير في المدة، فيلزمُ منه الزيادة، ومنه النَّسيئة في البيع، يقال: أنْسَأ الله أجلهُ، ونسأ في أجله أي أخّر وهو ممدود عند أكثر القراء. الثاني: أنَّه "فَعِيلٌ" بمعنى" مَفْعُول" مِنْ نسأهُ أي: أخَّره فهو منسوءٌ، ثم حُوِّل "مفعول" إلى "فَعِيلٍ"، وإلى ذلك نَحَا أبُو حاتمٍ، والجوهري - وهذا القول ردَّه الفارسي فإنَّه يكون المعنى: إنَّما المؤخَّر زيادة، والمؤخَّر الشهر، ولا يكون الشهرُ زيادة في الكفرِ، وأجيب عن هذا بأنَّه على حذف مضاف إمَّا من الأول، أي: إنَّما إنساءُ النَّسيء زيادة في الكفر، وإمَّا من الثاني، أي: إنما النسيء ذُو زيادة. وقرأ الجمهورُ "النَّسيء" بهمزة بعد الياءِ، وقرأ ورش عن نافع "النسيّ" بإبدال الهمزة ياء وإدغام الياء فيها، ورُويت هذه عن أبي جعفر، والزهري وحميد، وذلك كما خفّفوا "برية" و "خطية". وقرأ السلمي، وطلحة، والأشهب، وشبل، "النَّسْء" بإسكان السين. وقرأ مجاهدٌ والسلمي وطلحةُ أيضاً "النَّسُوء" بزنة "فعُول" بفتح الفاءِ، وهو التأخير، و "فعول" في المصادر قليل، قد تقدَّم منه ألفاظ في أوائل البقرة، وتقدَّم في البقرة اشتقاقُ هذه المادة، وهو هنا عبارةٌ عن تأخير بعض الشُّهُور عن بعض؛ قال: [الوافر] شعر : 2780- ألَسْنَا النَّاسِئِينَ على مَعَدٍّ شُهُورَ الحِلِّ نجعَلُهَا حَرَامَا تفسير : وقال آخر: [الكامل] شعر : 2781- نَسَئُوا الشُّهُورَ بها وكانُوا أهلهَا مِنْ قبلِكُم والعِزُّ لمْ يتحوَّلِ تفسير : قوله "يُضَلُّ بِهِ" قرأ الأخوان، وحفص "يُضَلُّ" مبنياً للمفعول وأبو عمرو في رواية ابن مقسم "يُضِلّ" مبنياً للفاعل، وفيه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: يضل اللهُ به الذين كفروا. والثاني: يضل الشيطان به الذين كفروا. والثالث: يضل به الذين كفروا تابعيهم. والباقون مبنياً للفاعل، والموصول فاعل به. وقرأ ابن مسعود والحسن، ومجاهد، وقتادة ويعقوب، وعمرو بن ميمون "يُضِلّ" مبنياً للفاعل، من "أضَلَّ" وفي الفاعل وجهان: أحدهما: ضمير الباري تعالى، أي: يُضِلُّ اللهُ الذين كفروا. والثاني: أنَّ الفاعل "الذينَ كفرُوا" وعلى هذا فالمفعولُ محذوف، أي يُضل الذين كفروا أتباعهم. وقرأ أبُو رجاء "يَضَلُّ" بفتح الياء والضَّاد، وهي مِنْ "ضَلِلْتُ" بكسر اللام، "أضَلُّ" بفتحها، والأَصْلُ: "أَضْلَلُ" فَنُقِلت فتحة اللام إلى الضَّاد، لأجل الإدغام، وقرأ النَّخغي، والحسن في رواية محبوب "نُضِلُّ" بضم نون العظمة، و "الَّذينَ" مفعول، وهذه تقوِّي أنَّ الفاعل ضمير الله في قراءة ابن مسعود. قوله: "يُحِلُّونه" فيه وجهان: أحدهما: أنَّ الجملة تفسيريةٌ للضلال. والثاني: أنها حاليةٌ. وقوله: "ليواطِئُوا" في هذه اللام وجهان: أحدهما: أنها متعلقةٌ بـ "يُحَرِّمُونَه" وهذا مقتضى مذهب البصريين فإنهم يعملون الثاني من المتنازعين. والثاني: أنَّها تتعلَّق بـ " يُحِلُّونَهُ" وهذا مقتضى مذهب الكوفيين، فإنهم يعملون الأول، لسبقه. وقول من قال: إنَّها متعلقةٌ بالفعلين معاً، فإنَّما يعني من حيث المعنى، لا اللفظ. وقرأ أبُو جعفرٍ "ليُواطِئُوا" بكسر الطَّاءِ وضمِّ الياءِ الصَّريحة. والصحيحُ أنه ينبغي أن يقرأ بضمِّ الطاء وحذف الياء؛ لأنَّه لمَّا أبدل الهمزة ياءً استثقل الضمة عليها فحذفها، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء، وضمت الطاء، لتجانس الواو والمواطأة: الموافقةُ والاجتماع، يقال: تواطئوا على كذا، أي: اجتمعوا عليه كأنَّ كلَّ واحدٍ يَطَأ حيث يَطَأ الآخر، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً}تفسير : [المزمل:6]. وسيأتي إن شاء الله تعالى. وقرأ الزهريُّ "لِيُواطِيُّوا" بتشديد الياء، هكذا ترجموا قراءته، وهي مشكلةٌ، فإن لم يُرِدْ به شدة بيان الياء، وتخليصها من الهمز دون التضعيف، فلا أعرف وجهها وهو كما قال. قوله: "زُيِّنَ" الجمهور على "زُيِّنَ" ببنائه للمفعول، والفاعل المحذوف هو الشيطان. وقرأ زيد بن علي "زَيَّن" ببنائه للفاعل، وهو الشيطان أيضاً، و "سوء" مفعوله. فصل معنى النَّسيء: هو تأخير تحريم شهر إلى شهر آخر، وذلك أنَّ العرب كانت تعتقد تعظيم الأشهر الحرم، وكان ذلك ممَّا تمسكت به من ملة إبراهيم، وكانت معايشهم من الصيد والغارة فكان يشق عليهم الكف عن ذلك ثلاثة أشهر متوالية، وربَّما وقعت لهم حرب في الأشهر الحرم، فيكرهون تأخير حربهم، فنسئوا، يعني: أخَّرُوا تحريم ذلك الشَّهر إلى شهر آخر، وكانوا يؤخِّرُون تحريم المحرم إلى صفر، فيحرمون صفر، ويستحلُّون المحرم فإذا احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر أخَّرُوه إلى ربيع الأوَّل؛ فكانوا يصنعون هكذا شهراً بعد شهر حتَّى استدار التَّحريم إلى السَّنة كلها، فقام الإسلامُ وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه اللهُ - عزَّ وجلَّ - وذلك بعد دهر طويل، فخطب النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقال: "حديث : ألاّ إنَّ الزَّمانَ قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السَّنة اثنا عشر شهراً منها أربعةٌ حرمٌ ثلاث متواليات ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم ورجب مُضَر الذي بين جُمادى وشعبان..." تفسير : الحديث. فأمرهم بالمحافظة لئلاَّ يتبدل في مستأنف الأيام. واختلفوا في أوَّل من نسأ النَّسيء. فقال ابنُ عباس والضحَّاك وقتادة ومجاهد "أوَّل من نسأ النسيء بنو مالك بن كنانة". وقال الكلبيُّ "أول من فعل ذلك رجل من بني كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة، وكان يقومُ على الناس بالموسم، فإذا همَّ الناسُ بالصدودِ، قام فخطب، فقال: لا مردّ لما قضيتُ، أنا الذي لا أعاب ولا أجاب فيقول له المشركون: لبيك، ثم يسألونه أن ينسأهم شهراً يغيرون فيه، فيقول: إنَّ صفر في هذا العام حرام فإذا قال ذلك حلوا الأوتار، ونزعوا الأسنة والأزجة، وإن قال حلال، عقدوا الأوتار، وشدوا الأزجة، وأغاروا وكان من بعد نعيم رجل يقال له: جنادة بن عوف، وهو الذي أدرك النبي صلى الله عليه وسلم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هو رجل من كنانة يقال له: القَلَمَّسُ. قال شاعرهم: [الوافر] شعر : 2782- ومِنَّا نَاسِىءُ الشَّهْرِ القَلمَّسْ تفسير : وكانوا لا يفعلون ذلك إلاَّ في الحجِّ إذا اجتمعت العرب في الموسم. وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: "إنَّ أول من سنَّ النَّسيء: عمرو بن لُحَيّ بن قمعة بن خندف". ثم قال: {إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تقدَّم الكلام عليه. {يُحِلُّونَهُ عَاماً} يعني: النَّسيء {وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِئُواْ} أي: يوافقوا. {عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ} أي: إنهم لم يحلوا شهراً من الحرام إلاَّ حرَّمُوا مكانه شهراً من الحلال، ولم يحرِّمُوا شهراً من الحلال إلاَّ أحلُّوا مكانه شهراً من الحرام، لئلاَّ يكون الحرام أكثر من أربعة أشهر، فتكون الموافقة في العدد. {زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ} قال ابنُ عبَّاس: زين لهم الشيطان: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ}.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي بكرة ‏"‏حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجته فقال‏: ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا‏ً:‏ منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو العقدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البزار وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات، ورجب مضر بين جمادى وشعبان‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى في أوسط أيام التشريق فقال ‏"حديث : ‏أيها الناس إن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، أولهن رجب مضر بين جمادى وشعبان، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏"حديث : ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال‏:‏ أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات رجب مضر حرام، إلا وإن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا ‏"‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والباوردي وابن مردويه عن أبي حمزة الرقاشي عن عمه - وكانت له صحبة - قال‏:‏ كنت آخذاً بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق أذود الناس عنه فقال ‏"حديث : ‏يا أيها الناس، هل تدرون في أي شهر أنتم، وفي أي يوم أنتم، وفي أي بلد أنتم‏؟‏ قالوا‏:‏ في يوم حرام، وشهر حرام، وبلد حرام، قال‏: فإن دماءكم وأموالكم واعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه، ثم قال‏:‏ اسمعوا مني تعيشوا، ألا لا تتظالموا ألا لا تتظالموا، إنه لا يحل مال امرىء إلا بطيب نفس منه، ألا أن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه إلى يوم القيامة، وإن أول دم يوضع دم ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب كان مسترضعاً في بني ليث فقتله هذيل، ألا وإن كل ربا كان في الجاهلية موضوع، وإن الله قضى أن أول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، ألا وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق الله السموات والأرض، منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم، ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، إلا إن الشيطان قد آيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكنه في التحريش بينهم، واتقوا الله في النساء فانهن عوان عندكم لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإن لهن عليكم حقاً ولكم عليهن حقاً أن لا يوطئن فرشكم أحداً غيركم، ولا يأذن في بيوتكم لأحد تكرهونه، فإن خفتم نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها وبسط يديه‏.‏ وقال‏:‏ اللهمَّ قد بلغت ألا هل بلغت، ثم قال‏:‏ ليبلغ الشاهد الغائب فإنه رُبَّ مبلغ أسعد من سامع‏ "‏‏. تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏منها أربعة حرم‏} ‏ قال‏:‏ المحرَّم ورجب وذو القعدة وذو الحجة‏. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه قال‏:‏ إنما سُمِّينَ حُرُماً لئلا يكون فيهن حرب‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏ذلك الدين القيم‏}‏ قال‏:‏ القضاء القيم‏.‏ وأخرج أبو داود والبيهقي في شعب الإِيمان حديث : عن مُجيبة الباهلي عن أبيه أو عمه‏.‏ أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسلم، ثم انطلق فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حاله وهيئته، فقال‏:‏ يا رسول الله‏ "‏وما تعرفني‏؟‏‏!‏ قال‏: ومن أنت‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول‏.‏ قال‏: فما غيَّرك وقد كنت حسن الهيئة‏؟ قال‏:‏ ما أكلت طعاماً منذ فارقتك إلا قليلاً‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: لِمَ عذبت نفسك‏؟‏ ثم قال‏:‏ صم شهر الصبر ويوماً من كل شهر‏.‏ قال‏:‏ زدني فإن لي قوة‏.‏ قال‏: صم يومين‏. قال‏:‏ زدني‏.‏ قال‏:‏ صم ثلاثة أيام‏.‏ قال‏:‏ زدني‏.‏ قال‏: صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، وقال بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من صام من شهر حرام الخميس والجمعة والسبت كتب الله له عبادة سنتين‏ "‏‏. تفسير : وأخرج مسلم وأبو داود عن عثمان بن حكيم رضي الله عنه قال‏:‏ سألت سعيد بن جبير رضي الله عنه عن صيام رجب‏؟‏ فقال‏:‏ اخبرني ابن عباس رضي الله عنهما ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم‏"‏‏.‏ وأخرج البيهقي عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من صام يوماً من رجب كان كصيام سنة، ومن صام سبعة أيام غلقت عنه سبعة أبواب جهنم، ومن صام ثمانية أيام فتحت له ثمانية أبواب الجنة، ومن صام عشرة أيام لم يسأل الله عز وجل شيئاً الا أعطاه، ومن صام خمسة عشر يوماً نادى مناد من السماء قد غفرت لك ما سلف فاستأنف العمل قد بدلت سيئاتكم حسنات، من زاد زاده الله‏. وفي رجب حمل نوح عليه السلام في السفينة فصام نوح عليه السلام وأمر من معه أن يصوموا، وجرت بهم السفينة ستة أشهر إلى آخر ذلك لعشر خلون من المحرم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي والأصبهاني عن أبي قلابة رضي الله عنه قال‏:‏ "في الجنة قصر لصوام رجب"‏ ‏قال البيهقي‏:‏ موقوف على أبي قلابة وهو من التابعين، فمثله لا يقول ذلك إلا عن بلاغ عمن فوقه ممن يأتيه الوحي‏. وأخرج البيهقي وضعفه عن أبي هريرة رضي الله عنه ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصم بعد رمضان إلا رجب وشعبان‏"‏‏. وأخرج البيهقي وضعفه عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : أن رجب شهر الله ويدعى الأصم، وكان أهل الجاهلية إذا دخل رجب يعطلون أسلحتهم ويضعونها، فكان الناس ينامون ويأمن السبيل ولا يخافون بعضهم بعضاً حتى ينقضي‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن قيس بن أبي حازم رضي الله عنه قال‏:‏ كن نسمي رجب الأصم في الجاهلية من شدة حرمته في أنفسنا‏. أوخرج البخاري والبيهقي عن أبي رجاء العطاردي رضي الله عنه قال‏:‏ كنا في الجاهلية إذا دخل رجب نقول‏:‏ جاء منصل الأسِنَّة، لا ندع حديدة في سهم ولا حديدة في رمح إلا انتزعناها فألقيناها‏. وأخرج البيهقي عن قيس بن أبي حازم رضي الله عنه قال‏:‏ كنا نسمي رجب الأصم في الجاهلية من شدة حرمته‏. وأخرج البيهقي وضعفه عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏في رجب يوم وليلة من صام ذلك اليوم وقام تلك الليلة كان كمن صام من الدهر مائة سنة وقام مائة سنة، وهو لثلاث بقين من رجب وفيه بعث الله محمدا‏ً "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي وضعفه عن أنس رضي الله عنه مرفوعا‏ً حديث : "‏في رجب ليلة يكتب للعامل فيها حسنة مائة سنة وذلك لثلاث بقين من رجب، فمن صلى فيها اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة من القرآن يتشهد في كل ركعتين ويسلم في آخرهن ثم يقول‏:‏ سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر مائة مرة، ويستغفر الله مائة مرة، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم مائة مرة، ويدعو لنفسه ما شاء من أمر دنياه وآخرته ويصبح صائماً، فإن الله يستجيب دعاءه كله إلا أن يدعو في المعصية‏تفسير : .‏ قال البيهقي‏:‏ هذا أضعف من الذي قبله‏"‏‏. وأخرج البيهقي وقال‏:‏ إنه منكن بمرة عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً ‏"حديث : ‏حيرة الله من الشهور شهر رجب وهو شهر الله، من عظم شهر رجب فقد عظم أمر الله، ومن عظم أمر الله أدخله جنات النعيم وأوجب له رضوانه الأكبر، وشعبان شهري فمن عظم شهر شعبان فقد عظم أمري، ومن عظم أمري كنت له فرطاً وذخراً يوم القيامة، وشهر رمضان شهر أمتي فمن عظم شهر رمضان وعظم حرمته ولم ينتهكه، وصام نهاره، وقام ليله، وحفظ جوارحه، خرج من رمضان وليس عليه ذنب يطلبه الله به‏ "‏. تفسير : وأخرج ابن ماجه والبيهقي وضعفه عن ابن عباس رضي الله عنهما‏‏ "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم رجب كله‏"‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله‏} ‏ قال‏:‏ يقرب بها شر النسىء ما نقص من السنة‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله‏} ‏ ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حرماً وعظم حرماتهم، وجعل الذنب فيهن أعظم والعمل الصالح والأجر أعظم، ‏ {‏فلا تظلموا فيهن أنفسكم‏}‏ قال‏:‏ في كلهن ‏ {‏وقاتلوا المشركين كافة‏} ‏ يقول‏:‏ جميعا‏ً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏فلا تظلموا فيهن أنفسكم‏}‏ قال‏:‏ إن الظلم في الشهر الحرام أعظم خطيئة ووزراً من الظلم فيما سواه، وإن كان الظلم على كل حال عظيماً ولكن الله يعظم من أمره ما شاء، وقال‏:‏ إن الله اصطفى صفايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس رسلاً، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظموا ما عظم الله فإنما تعظم الأمور لما عظمها الله تعالى به عند أهل الفهم والعقل. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ‏ {‏فلا تظلموا فيهن أنفسكم‏} ‏ قال‏:‏ في الشهور كلها‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ‏ {‏فلا تظلموا فيهن أنفسكم‏} ‏ قال‏:‏ الظلم العمل لمعاصي الله والترك لطاعته‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل في قوله ‏ {‏وقاتلوا المشركين كافة‏}‏ قال‏:‏ نسخت هذه الآية كل آية فيها رخصة‏. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن كعب قال‏:‏ اختار الله البلدان، فأحب البلدان إلى الله البلد الحرام، واختار الله الزمان، فاحب الزمان إلى الله الأشهر الحرم، واحب الأشهر إلى الله ذو الحجة، وأحب ذو الحجة إلى الله العشر الأول منه، واختار الله الأيام، فأحب الأيام إلى الله يوم الجمعة، وأحب الليالي إلى الله ليلة القدر، واختار الله ساعات الليل والنهار، فأحب الساعات إلى الله ساعات الصلوات المكتوبات، واختار الله الكلام، فأحب الكلام إلى الله لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله‏.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ} أي عددَها {عَندَ ٱللَّهِ} أي في حكمه وهو معمولٌ لها لأنها مصدرٌ {ٱثْنَا عَشَرَ} خبرٌ لأن {شَهْراً} تميـيزٌ مؤكدٌ كما في قولك: عندي من الدنانير عشرون ديناراً والمرادُ الشهورُ القمريةُ إذ عليها يدور فلكُ الأحكام الشرعية {فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ} في اللوحِ المحفوظِ أو فيما أثبته وأوجبه، وهو صفةُ اثنا عشر أي اثنا عشر شهراً مُثبتاً في كتاب الله، وقولُه عز وجل: {يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} متعلقٌ بما في الجارِّ والمجرور من معنى الاستقرار أو بالكتاب على أنه مصدرٌ والمعنى إن هذا أمرٌ ثابتٌ في نفس الأمرِ منذ خلق الله تعالى الأجرامَ والحركاتِ والأزمنة {مِنْهَا} أي من تلك الشهورِ الاثنىْ عشر {أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} هي ذو القَعدة وذو الحِجة والمحرَّم ورجبٌ ومنه قوله عليه الصلاة والسلام في خُطبته في حجة الوداع:«حديث : ألا إن الزمانَ قد استدار كهيئته يومَ خلقَ الله السمواتِ والأرضَ السنةُ اثنا عشرَ شهراً منها أربعةٌ حرُمٌ ثلاثٌ متوالياتٌ: ذو القَعدةِ وذو الحِجة والمحرَّم، ورجبُ مُضَرَ الذي بـين جُمادىٰ وشعبانَ» تفسير : والمعنى رجعت الأشهرُ إلى ما كانت عليه من الحِل والحُرمة وعاد الحجُّ إلى ذي الحِجّة بعد ما كانوا أزالوه عن محله بالنسيءِ الذي أحدثوه في الجاهلية وقد وافقت حَجةُ الوَداعِ ذا الحِجة، وكانت حَجةُ أبـي بكر رضي الله عنه قبلها في ذي القَعدة {ذٰلِكَ} أي تحريم الأشهرِ الأربعة المعينة المعدودةِ، وما في ذلك من معنى البُعد لتفخيم المشار إليه هو {ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ} المستقيمُ دينُ إبراهيَم وإسماعيلَ عليهما السلام وكانت العرب قد تمسكت به وراثةً منهما وكانوا يعظّمون الأشهرَ الحرمَ ويكرهون القتال فيها حتى إنه لو لقيَ رجلٌ قاتلَ أبـيه أو أخيه لم يَهِجْهُ وسمَّوا رجباً الأصمَّ ومنصل الأسنة حتى أحدثوا النسيء فغيروا {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} بهتك حرمتِهن وارتكابِ ما حرّم فيهن، والجمهورُ على أن حرمةَ القتال فيهن منسوخةٌ وأن الظلم ارتكابُ المعاصي فيهن فإنه أعظمُ وزراً كارتكابها في الحرَم وعن عطاء أنه لا يحِلّ للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الأشهر الحرُم إلا أن يقاتلَوا وما نسخت ويؤيد الأولَ أنه عليه الصلاة والسلام حصرَ طائفاً وغَزَا هَوازنَ بحُنين في شوال وذي القعدة. {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَافَّةً} أي جميعاً وهو مصدرُ كفّ عن الشيء فإن الجميع مكفوفٌ عن الزيادة وقع موقعَ الحال {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} أي معكم بالنصر والإمداد فيما تباشِرونه من القتال وإنما وضع المُظهرُ موضعَه مدحاً لهم بالتقوى وحثاً للقاصرين عليه وإيذاناً بأنه المدارُ في النصر وقيل: هي بشارةٌ وضمانٌ لهم بالنصرة بسبب تقواهم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [الآية: 36]. قيل: باتباع الشهوات. قال بعضهم: ظلم نفسه من أطلق عنانها فى طرق الأمانى من اتباع الشهوات وارتكاب السيئات والتخطى إلى المحارم.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ}. لمَّا عَلِم أنهم لا يُداوِمُون على مُلازَمَةِ القُرْبِ أَفْرَدَ بعضَ الشهور بالتفضيل، ليخُصُّوها باستكثار الطاعة فيها. فأمَّا الخواصُ مِنْ عبادِه فجميعُ الشهورِ لهم شعبانُ ورمضانُ، وكذلك جميع الأيام لهم جمعة، وجميع البقاع لهم مسجد... وفي معناه أنشد بعضهم: شعر : يا ربُّ إنَّ جهادي غيرُ مُنْقَطِعٍ وكُلُّ أرضٍ لي ثَغْرُ طرسوس تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ}. قال للعوام: لا تَظْلِموا في بعض الشهور أَنْفُسَكُم، يعني بارتكاب الزَّلَّة. وأَمَّا الخواص فمأمورون ألا يَظْلِمُوا في جميع الشهور قلوبَهم باحتقاب الغفلة. ويقال: الظلم على النَّفْس أن يجعلَ العبدُ زمامَه بيد شهواته، فَتُورِدُه مَواطِنَ الهلاك. ويقال: الظلم على النَّفْس بخدمة المخلوقين بَدَل طاعة الحقِّ. ويقال: مَنْ ظَلَم على قلبه بالمضاجعات امْتُحِنَ بِعَدمِ الصفوة في مرور الأوقات. {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً}: ولا سِلاحَ أمضى على العدوِّ مِن تَبَرِّيكَ عن حَوْلِكَ وقُوّتِك.

البقلي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} جعل الله ايام الفراق معدودة وجعل ايام الوصال بلا حساب ولا انقطاع وجعلها على التابيد قال الله تعالى لا مقطوعة ولا ممنوعة وجعل لايام العبادة منقطعا وجزاؤها بمشاهدته لهم لم يجعل له منقطعا قال الله تعالى مما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب وحث بهذه الاية المشتاقين الى الفرح بوصاله وزيادة شوقهم الى كشف جماله حيث جعل ايام التفرقة القليل وحسن وصالهم الخليل دنا وصال الحبيب اقتربا واطربا للوصال واطرباً كان فى الكتاب الازلى لا يلم العبودية حصر لانها زمان الامتحان وهى من اوصاف الحدثان فاذا خرجت من اماكن الكونين لا يبقى الا انوار جمال الرحمن المنزهة عن تغاير الملوان وعن الانقلاب والذوبان وحدود المكان ومضئ الزمان لا يكون هناك الا كشف جمال الازل لجلال الابد وكشف جلال الابد لجمال الازل ليس عنده مساء غروب الفناء ولا صباح عل البداء وقت العارف فى كشف جمال وجهه ليس وقت الازمنة بل تسرمد استغراقه فى بحار القدمية وطيرانه باجنحة البقاء فى هواء الابدية ولا يجرى عليهم طوارق الزمان ولا علة الحدثان ما اطيب ايام الوصاف للمشاهدين كشف الجمال طوبى لاعين قوم انت بينهم فهن من نعمة من وجهك الحسن ولاشارة فى قوله {يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَات وَٱلأَرْضَ} كشف اوقات السرامدية بنعت تجلى الازلية لوقت مرور القضاء والقدر اليوم عبارة من طلوع الشمس وغروبها وليس فى جلال القدم مشرق الحدث ومغرب المشارق هناك ازال وازال الازال والمغارب ابادوا اباد الاباد الدهر الدهار والفلك الدرر فانيات فى قدر الرحمن اوجد من العدم وقتا بقدر يوم فخلق الخلق فى ذلك اليوم وقوله {مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} وجعل بكرمه ورحمتها شهواد القربات وزيادة للمدانات ومناسكا للعبادات وشرفها لكشف المشاهدات ومنعهم فيها عن التمتع والتنعم وامرهم فيها === الخارجين من السنة لتأهبهم اهبة الاوية والابرار الى جوار الرحمة وما سواهما من الايام والشهور == لاهل الانس ومطايبة لاهل البسط ثم او كذلك تلك الحرمات على اهل القربات وقال {ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} الى طريق المستقيم الى الله وشهادة وصال الله وكشف مشاهدة الله وحذرهم فيها عن مخالفة الله بقوله {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} بمنعها عن المجاهدات وطلب المشاهدات واعطائكم حظها من الشهوات قال بعضهم ظلم نفسه من اطلق عناقها فى طرق الامانى من اتباع الشهوات وارتكاب السيئات والتخطى الى المحارم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان عدة الشهور} العدة مصدر بمعنى العدد أى ان عدد الشهور التى تتعلق بها الاحكام الشرعية من الحج والعمرة والصوم والزكاة والاعياد وغيرها وهى الشهور العربية القمرية التى تعتبر من الهلال الى الهلال وهى تكون مرة ثلاثين يوما ومرة تسعة وعشرين ومدة السنة القمرية ثلاثمائة واربعة وخمسون يوما وثلث يوم دون الشهور الرومية والفارسية التى تكون تارة ثلاثين يوما وتارة احدا وثلاثين ومدة السنة الشمسية ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم وللشمس اثنا عشر برجا تسير فى كلها فى سنة والقمر فى كل شهر وهى حمل ثور جوزاء سرطان اسد سنبلة ميزان عقرب قوس جدى دلوحت واصطلحوا على ان جعلوا ابتداء السنة الشمسية من حين حلول مركز الشمس نقطة رأس الحمل الى عودها الى تلك النقطة لان الشمس اذا حلت هناك ظهر فى النبات قوة ونشو ونماء وتغير الزمان فى رثاثة الشتاء الى نضارة الربيع واعتدل الزمان فى كيفيتى الحر والبرد. ولما كانت السنة عند العرب عبارة عن اثنى عشر شهرا من الشهور القمرية وكانت السنة القمرية اقل من السنة الشمسية بمقدار وبسبب ذلك النقصان تنتقل الشهور القمرية من فصل الى فصل كان الحج والصوم والفطر يقع تارة فى الصيف واخرى فى الشتاء. ولما كانت عند سائر الطوائف عبارة عن مدة تدور فيها الشمس دورة تامة كانت اعيادهم وصومهم تقع فى موسم واحد ابدا {عند الله} اى فى حكمه وهو ظرف لقوله عدة {اثنا عشر} خبر لان {شهرا} تمييز مؤكد كما فى قولك عندى من الدنانير عشرون دينارا {فى كتاب الله} صفة لاثنا عشر والتقدير اثنا عشر شهرا مثبتة فى كتابه وهو اللوح المحفوظ وانما قال فى كتاب الله لان كثيرا من الاشياء توصف بانها عند الله ولا يقال انها فى كتاب الله {يوم خلق السموات والارض} ظرف منصوب بما يتعلق به قوله فى كتاب الله اي مثبته فى كتاب الله يوم خلق السماوات والارض اى منذ خلق الاجرام اللطيفة والكثيفة وانما قال ذلك لان الله تعالى اجرى الشمس والقمر فى السموات يوم خلق السموات والارض فمبلغ عدد الشهور اثنا عشر من غير زيادة اولها المحرم وآخرها ذو الحجة وانا خصت باثنى عشر لانهم كانوا ربما جعلوها ثلاثة عشر وذلك انهم كانوا يؤخرون الحج فى كل عامين من شهر الى آخر ويجعلون الشهر الذى انسأوا فيه اى اخروا ملغى فتكون تلك السنة ثلاثة عشر شهرا ويكون العام الثانى على ما كان عليه الاول سوى ان الشهر الملغى فى الاول لا يكون فى العام الثانى وعلى هذا تمام الدورة فيستدير حجهم فى كل خمس وعشرين سنة الى الشهر الذى بدئ منه ولذا خرج الحساب من ايديهم وربما يحجون فى بعض السنة فى شهر ويحجون من قابل فى غيره الى ان كان العام الذى حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فصادف حجهم ذا الحجة فوقف بعرفة يوم التاسع واعلمهم بطلان النسيئ كما سيجيئ وهذه الشهور قد نظمها بعضهم بقوله شعر : جون محرم بكذرد آيد بنزد توصفر بس ربيعين وجمادين ورجب آيدببر بازشعبا نست وماه صوم وعيد وذى القعد بعد ازان ذى الحجة نام ماهها آيدبسر تفسير : اما المحرم فسمى بذلك لانهم كانوا يحرمون القتال فيه حتى ان احدهم كان يظفر بقاتل ابيه وابنه فلا يكلمه ولا يتعرض له. واما صفر فسمى بذلك لخلوهم من الطعام وخلو منازلهم من الزاد ولذلك كانوا يطلبون الميرة فيه ويرحلون لذلك يقال صفر السقاء اذا لم يكن فيه شيء والصفر الخالى من كل شئ كذا فى التبيان. وقال فى شرح التقويم سمى بذلك لخلوه عن التحريم الذى كان فى المحرم. واما الربيعان فسميا بذلك لان العرب كانت تربع فيهما لكثرة الخصب فيهما. والربيع عند العرب اثنان ربيع الشهور وربيع الازمنة. اما ربيع الشهور فهو شهران بعد صفر اى ربيع الاول وربيع الآخر بتنوين ربيع على الاول صفته وكذا الآخر والاضافة غلط. واما ربيع الازمنة فهو ايضا فهو ايضا اثنان الربيع الاول وهو الذى تأتى فيه الكماة والنور ويسمونه ربيع الكلاء والربيع الثانى وهو الفصل الذى تدرك فيه الثمار فربيعا الشهور لا يقال فيهما الاشهر ربيع الاول وشهر ربيع الآخر ليمتازا عن الربيعين فى الازمنة. واما الجماديان فسميا بذلك لان الماء كان يجمد فيهما لشدة البرد فيهما كذا فى التبيان. وقال فى شرح التقويم جمادى الاولى بضم الجيم وفتح الدال فعالى من الجمد بضم الجيم والميم وسكون الميم لغة فيه وهو المكان الصلب المرتفع الخشن وانما سمى بذلك لان الزمان فى اول وضع هذا الاسم كان حارا والامكنة فى الصلابة والارتفاع والخشونة من تاثير الحرارة وجمادى الآخرة تالية للشهر المتقدم فى المعنى المذكور. قال ابن الكمال جمادى الاولى والآخرة فعالى كحبارى والدال مهملة والعوام يستعملونها بالمعجمة المكسورة ويصفونها بالاول فيكون فيها ثلاث تحريفات قلب المهملة معجمة والفتحة كسرة والتأنيث تذكيرا. وكذا جمادى الآخرة يقولون جمادى الآخر بلا تاء والصحيح الآخرة بالتاء او الاخرى وهما معرفتان من اسماء الشهور فادخال اللام فى وصفهما صحيح. وكذا ربيع الاول وربيع الآخر فى الشهور واما ربيع الازمنة فالربيع الاول باللام انتهى. واما رجب فسمى بذلك لان العرب فى الجاهلية كانوا يعظمونه ويتركون فيه القتال والمحاربة يقال رجبته بالكسر اى عظمته والترجيب التعظيم وكانوا يسمونه رجب مضر وهو اسم قبيلة لكونه اشد تعظيما له من بقية العرب ولذلك قال عليه السلام فيه "حديث : رجب مضر الذى بين جمادى وشعبان" تفسير : وانما وصف رجب بقوله الذى للتأكيد او لبيان ان رجب الحرام هو الذى بينهما الا ما كانوا يسمونه رجب على حساب النسيئ او يسمون رجب وشعبان رجبين فيغلبون رجب عليه وربما يقال شعبانان تغليبا له على رجب. واما شعبان فسمى بذلك لانهم كانوا يتفرقون ويتشعبون من التشعيب وهو التفريق. واما رمضان فسمى بذلك لشدة الحر الذى كان يكون فيه حتى ترمض الفصال كما قيل للشهر الذى يحج فيه ذو الحجة. قال فى شرح التقويم الرمض شدة وقع الشمس على الرمل وغيره وسبب تسمية هذا الشهر بهذا الاسم ان العرب كانت تسمى الشهور بلوازم الازمنة التى كانت الشهور واقعة فيها وكانت اللوازم وقت التسمية ههنا رمض الحر اى شدته انتهى. وقيل سمى رمضان لانه ترمض فيه الذنوب رمضا اى تغفر. وكان مجاهد يكره ان يقول رمضان ويقول لعله اسم من اسماء الله فالوجه ان يقال شهر رمضان لما روى "حديث : لا تقولوا جاء رمضان وذهب رمضان ولكن قولوا جاء شهر رمضان فان رمضان اسم من اسماء الله تعالى" تفسير : على ما فى التيسير. قال فى التلويح العلم هو شهر رمضان بالاضافة ورمضان محمول على الحذف للتخفيف ذكره فى الكشاف وذلك لانه لو كان رمضان علما لكان شهر رمضان بمنزلة انسان زيد ولا يخفى قبحه ولهذا كثر فى كلام العرب شهر رمضان ولم يسمع شهر رجب وشهر شعبان على الاضافة انتهى. قال المولى حسن جلبى قد يمنع القبح بان الاضافة البيانية شائعة عرفا فلا مجال لاستقباحها بعد ان تكون مطردة انتهى. واما شوال فسمى بذلك لانه يشول الذنوب اى يرفعها ويذهبها لانه من شال يشول اذا رفع الشيء ومن ذلك قولهم شالت الناقة بذنبها اى رفعته اذا طلبت الذراب كذا فى التبيان. وقال فى شرح التقويم هو من الشول وهو الخفة من الحرارة فى العمل والخدمة وانما سمى بذلك لخروج الانسان فيه عن مخالفة النفس الامارة وقمع شهواتها اللذين كانا فى الانسان فى رمضان باطلاق طوع المستلذات والمشتهيات فعند خروجه عن ذلك كان يجد خفة فى نفسه ويستريح. واما ذو القعدة فسمى بذلك لانهم كانوا يقعدون فيه لكثرة الخصب فيه او يقعدون عن القتال. قال فى شرح التقويم انما سمى هذا الشهر بهذا الاسم لانه زمان يحصل فيه قعود مكة. والقعدة بفتح القاف وسكون العين المهملة. قال ابن ملك قولهم ذو القعدة وذو الحجة يجوز فيهما فتح القاف والحاء وكسرهما لكن المشهور فى القعدة الفتح وفى الحجة الكسر. واما ذو الحجة فسمى بذلك لانهم كانوا يحجون فيه. وقال فى كتاب عقد الدرر واللالى فى فضائل الايام والشهور والليالى تكلم بعض اهل العلم على معانى اسماء الشهور فقال كانت العرب اذا رأوا السادات تركوا العادات وحرموا الغارات قالوا المحرم. واذا مرضت ابدانهم وضعفت اركانهم واصفرت الوانهم قالوا صفر. واذا نبتت الرياحين واخضرت البساتين قالوا ربيعين. واذا قلت الثمار وبرد الهواء وانجمد الماء قالوا جماديين. واذا ماجت البحار وجرت الانهار ورجبت الاشجار قالوا رجب. واذا تشعبت القبائل وانقطعت الوسائل قالوا شعبان. واذا حر الفضاء ورمضت الرمضاء قالوا رمضان. واذا ارتفع التراب وكثر الذباب وشالت الابل الاذناب قالوا شوال. واذا رأوا التجار قعدوا من الاسفار والمماليك والاحرار قالوا ذو القعدة. واذا قصدوا من كل فج ووج وكثر العج والثج قالوا ذو الحجة انتهى {منها} اى من تلك الشهور الاثنى عشر {اربعة حرم} واحد فرد وهو رجب وثلاثة سرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرم. والحرم بضمتين جمع الحرام اى اربعة اشهر حرم يحرم فيها القتال جعلت انفس الاشهر حرما لكونها ازمنة لحرمة ما حل فيها من القتال وهو من قبيل اسناد الحكم الى ظرفه اسنادا مجازيا واجزاء الزمان وان كانت متشابهة فى الحقيقة الا انه تعالى له ان يميز بعض الامور المتشابهة بمزيد حرمة لم يجعلها فى البعض الآخر. كما ميز يوم الجمعة. ويوم عرفة بحرمة لم يجعلها فى سائر الايام حيث خصهما بعبادة مخصوصة تميزا بها عن سائر الايام. وكذا ميز شهر رمضان عن سائر الشهور بمزيد حرمة لم يجعلها لسائر الشهور. وميز بعض ساعات الليل والنهار بان جعلها اوقاتا لوجوب الصلاة فيها. وكما ميز الاماكن والبلدان وفضلها على سائرها كالبلد الحرام والمسجد الحرام فخص الله تعالى بعض الاوقات وبعض الاماكن بمزيد التعظيم والاحترام فلا بعد فى تخصيص بعض الاشهر بمزيد الحرمة بان جعل انتهاك المحارم فيها اشد واعظم من انتهاكها فى سائر الاشهر ويضاعف فيها السيآت بتكثير عقوباتها ويضاعف فيها الحسنات بتكثير مثوباتها. وفى اسئلة الحكم فضل الاشهر والايام والاوقات بعضها على بعض كما فضل الرسل والامم بعضها على بعض لتبادر النفوس وتسارع القلوب الى ادراكها واحترامها وتتشوق الارواح الى احبائها بالتعبد فيها ويرغب الخلق فى فضائلها. واما تضاعف الحسنات فى بعضها فمن المواهب اللدنية والاختصاصات الربانية. وفى الاسرار المحمدية ان الله تعالى اذا احب عبدا استعمله فى الاوقات الفاضلات بفواضل الاعمال الصالحات واذا مقته والعياذ بالله شتت همه واستعمله بسيء الاعمال واوجع فى عقوبته واشد بمقته بحرمان بركة الوقت وانتهاك حرمته فليبذل المريد كل وسعه حتى لا يغفل عنها اى عن الاوقات الفاضلة فانها موسم الخيرات ومظانّ التجارات ومتى غفل التاجر عن المواسم لم يربح ومتى غفل عن فضائل الاوقات لم تنحج دع التكاسل تغنم قد جرى مثل [كه زاد راهروان جستيست وجالا كى]. واتفق اهل العلم على افضلية شهر رمضان لانه انزل فيه القرآن. ثم شهر ربيع الاول لانه مولد حبيب الرحمن. ثم رجب لانه فرد اشهر الحرم. ثم شعبان لانه شهر حبيب الرحمن مقسم الاعمال والآجال بين شهرين عظيمين رجب ورمضان ففيه فضل الجوارين العظيمين ليس لغيره. ثم ذو الحجة لانه موطن الحج والعشر التى تعادل كل ليلة منها ليلة القدر. ثم المحرم شهر الانبياء عليهم السلام ورأس السنة واحد الاشهر الحرم ثم الاقرب الى افضل الاشهر من وجوه {ذلك} اى تحريم الاشهر الاربعة المعينة هو {الدين القيم} المستقيم دين ابراهيم واسماعيل عليهما السلام والعرب ورثوه منهما حتى احدثت النسيئ فغيروا {فلا تظلموا فيهن انفسكم} بهتك حرمتهن وارتكاب ما حرم فيهن. قال فى التبيان قال فى الاثنى عشر منها فوحد الضمير لانه للكثرة. وقال فى الاربعة فيهن فجمع الضمير لانه للقلة وسببه ان الضمير فى القلة للمؤنث يرجع بالهاء والنون وفى الكثرة يرجع بالهاء والالف لفرق بين القلة والكثرة والجمهور على ان حرمة القتال فيهن منسوخة وأوّلوا الظلم بارتكاب المعاصى فيهن فان اعظم وزرا كارتكابها فى الحرم وفى خلال الاحرام يعنى ان هذه الاشهر الاربعة خصت بالنهى عن ظلم النفس فيها مع ان الظلم حرام فى كل وقت لبيان ان الظلم فيها اغلظ كأنه قيل فلا تظلموا فيهن خصوصا انفسكم {وقاتلوا المشركين كافة} مصدر كف فان مصدر الثلاثى قد يجيء على فاعله نحو عافية ومعناه معنى كل وجميع وهو منصوب على الحال اما من الفاعل وهو الواو فالمعنى قاتلوا جميعا المشركين اى مجتمعين على قتالهم متعاونين متناصرين ومن التعاون الدعاء بالنصرة اذ هو سلاح معنوى كما ان السيف سلاح صورى فمن تأخر ودعا فقلبه مجتمع بمن اقدم وغزا اذا التفرق الصورى لا يقدح فى الاجتماع المعنوى: كما قال الحافظ شعر : درراه عشق مرحله قرب وبعد نيست مى بينمت عيان ودعا مى فرستمت تفسير : {كما يقاتلونكم كافة} كذلك اى مجتمعين واما من المفعول فالمعنى قاتلوا المشركين جميعا اى بكليتهم ولا تتركوا القتال مع بعضهم كما انهم يستحلون قتال جميعكم واما منهما معها نحو ضرب زيد عمرا قائمين فان المصدر عام للتثنية والجمع فجميع المؤمنين يقاتل جميع الكافرين ويجوز ان يكون منصوبا على الظرف اى فى الحل والحرم وفى جميع الازمان فى الاشهر الحرم وفى غيرها والى الابد فان الجهاد مستمر الى آخر الزمان {واعلموا ان الله مع المتقين} اى معكم بالنصر والامداد فيما تباشرون من القتال وانما وضع المظهر موضعه مدحا لهم بالتقوى وحثا للقاصرين عليه وايذانا بلن المدار فى النصر كذا فى الارشاد. وقال القاضى هى بشارة وضمان لهم بالنصر بسبب تقواهم فان السلاح والدعاء لا ينفذان الا بالتقوى على مراتبها فكلمة التقوى هى كلمة الشهادة وبها بقى المؤمن نفسه وماله وعياله من التعرض فى الدنيا ومن العذاب فى العقبى ثم انها اذا قارنت بشرائطها الظاهرة والباطنة يحصل تقوى القلب وهو التخلى عن الاوصاف الذميمة ثم يحصل تقوى السر وهو التخلى عما سوى الله فمن كان لله كان الله له بالنصرة والامداد. واعلم ان السيف سيفان سيف ظاهر وهو سيف الجهاد الصورى وسيف باطن وهو سيف الجهاد المعنوى فبالاول تنقطع عروق الكفرة الظاهرة الباغية وبالثانى عروق القوى الباطنة الطاغية والاول بيد مظهر الاسم الظاهر وهو السلطان وجنوده والثانى بيد مظهر الاسم الباطن وهو القطب وجنوده فنسأل الله تعالى ان ينصر سلطاننا بالاسم الممد والناصر المعين ويخذل اعدائنا بالاسم المنتقم والقهار وذى الجلال: وقد قال السعدى شعر : دعاى ضعيفان اميدوار زبازوى مردى به آيد بكار تفسير : ففى الآية حث على المجاهدة مع الاعداء وفى الحديث "حديث : القتل فى سبيل الله مصمصة" تفسير : اى مطهرة غاسلة من الذنوب يقال مصمص الاناء اذا جعل فيه الاناء اذا جعل فيه الماء وحركه ومضمضه كذلك عن الاصمعى كذا فى تاج المصادر وفى الحديث "حديث : ان ابواب الجنه تحت ظلال السيوف" تفسير : يعنى كون المجاهد فى القتال بحيث يعلوه سيوف الاعداء سبب للجنة حتى كان ابوابها حاضرة معه او المراد بالسيوف سيوف المجاهد هذا كناية عن الدنو من العدو فى الاضراب لانه اذا دنا منه كان تحت ظل سيفه حين رفعه ليضربه وانما ذكر السيوف لانها اكثر سلاح العرب ومن التقوى الاحتراز عن الرياء والسمعة فى حضور معارك الحروب ومحافل الدعاء: قال خسر والدهلوى شعر : غازئ رسمى كه بغارت رود هست جوحاجى كه تجارت رود آنكه غزا خوانى وجويى رضا كر غرضى هست نباشد غزا رو بغزا دل غرض آلوده واى جهد خود است اين نه جهاد خذاى تفسير : والاشارة {ان عدة الشهور} اى تعديد عدة الشهور {عند الله} فى الازل {اثنا عشر شهرا فى كتاب الله} فى علم الله {يوم خلق السموات والارض منها اربعة حرم} يعنى اقتضت الحكمة الالهية الازلية ان يكون من الشهور يوم خلق السموات والارض اربعة اشهر حرم اى يعظم انتهاك المحارم فيها باشد مما يعظم فى غيرها بل هى اشهر الطاعات والعبادات محرمة فيها الشواغل الدنيوية والحظوظ النفسانية على الطلاب. وفيه اشارة الى ان ايام الطالب واوقات عمره ينبغى ان تصرف جملتها فى الطلب فان لم يتيسر له ذلك فثلثها واى فنصفها وان لم يكن فمحرم صرف ثلثها فى غير الطلب ولا يفلح من نقص من صرف الثلث شيئاً فى الطلب اذ لا بد له من صرف بعض عمره فى تهيئ معاشه ومعاش اهله وعياله ومن استغنى عن هذا المانع فمحرم عليه صرف لحظة من عمره فى غير الطلب وتوابعه كما قال {ذلك الدين القيم} اى المستقيم يعنى من صرف شيئاً من عمره فى شئ غير طلب الحق ما استقام دينه بل فيه اعوجاج بقدر ذلك فافهم جدا ثم قال {فلا تظلموا فيهن انفسكم} اى فى ثلث العمر لان الاربعة هى ثلث الاثنى عشر يعنى ان صرفتم شيئاً من ثلث اعماركم المحرم فى شئ من المصالح الدنيوية فقد ظلمتم انفسكم باستيلائها على القلوب والارواح عند غلبات صفاتها لانه مهما يكن صرف اكثر العمر فى الدنيا ومصالحها واستيفاء الحظوظ النفسانية تكون النفس غالبة على القلب والروح فتخالفهما وتنازعهما بجميع صفاتها الذميمة وتميل الى الدنيا وشهواتها وتعبد هواها فتكون مشركة بالله فلهذا قال {وقاتلوا المشركين كافة} اى قلوبكم وصفاتها وارواحكم وصفاتها {كما يقاتلونكم كافة} اى النفوس وصفاتها جميعا ومقاتلة النفوس بمخالفتها وردعها عن هواها وكسر صفاتها ومنعها عن شهواتها وشغلها بالطاعات والعبادات واستعمالها فى المعاملات الروحانية والقلبية وجملتها التزكية عن الاوصاف الذميمة والتحلية بالاخلاق الحميدة ثم قال {واعلموا ان الله مع المتقين} وهم القلوب والارواح المتقية عن الشرك يعنى عن الالتفات لغير الله ولو لم يكن الله معهم بالنصر والتوفيق لما اتقوا بالله عما سواه كذا فى التأويلات النجمية

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (عند الله): معمول لعدة؛ لأنها مصدر، و (في كتاب الله): صفة لاثني عشر، و (يوم): متعلق بالثبوت المقدر في الخبر، أي: ثابتة في كتاب الله يوم خلق الأكوان والزمان. وقوله: (منها): أي: الأشهر، ثم قال: (فيهن). وضابط الضمير إن عاد على الجماعة المؤنثة، حقيقة أو مجازاً، إن كانت أكثر من عشرة، قلتَ: منها وفيها، وإن كانت أقل من عشرة، قلت: منهن وفيهن، قال تعالى: {أية : يَأكُلُهُنَّ}تفسير : [يوسف: 46] وقال هنا: (فيهن). انظر الإتقان. و (كافة): حال من الفاعل أو المفعول. يقول الحق جل جلاله: {إِنَّ عِدَّة الشهور} في كل سنة {عند الله}؛ في علم تقديره، {اثنا عشرَ شهراً}: أولها المحرم، وآخرها ذو الحجة. وأول من جعل أولها المحرم: عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وهذه العدة ثابتة {في كتاب الله}؛ اللوح المحفوظ، أو في حكمه، أو القرآن، {يومَ خَلَقَ السموات والأرض}، هذا أمر ثابت في نفس الأمر منذ خلق الله الأجرام والأزمنة، {منها} أي: الأشهر {أربعة حُرُم}، واحد فرد، وهو رجب، وثلاثة سَرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، {ذلك الدين القيم} أي: تحريم الأشهر الحرم هو الدين القويم، دين إبراهيم وإسماعيل ـ عليهما السلام ـ وتمسكت به العرب حتى غيَّره بعضهم بالنسيء، {فلا تظلموا فيهن أنفسَكم}؛ بهتك حرمتها والقتال فيها، ثم نسخ بقوله: {وقاتلوا المشركين كافةً} أي: في الأزمنة كلها؛ {كما يُقاتلونكم كافة}؛ لأنهم، إن قاتلتموهم فيها قاتلوكم فهذا نسخ لتحريم القتال في الأشهر الحرم. وقال عطاء: لا يحل للناس أن يغزوا في الأشهر الحرم، ولا في الحَرم، إلا أن يُبدئوا بالقتال، ويرده غزوه صلى الله عليه وسلم حُنيناً والطائف في شوال وذي القعدة. {واعلموا أن الله مع المتقين} بالنصر والمعونة، وفيه بشارة وضمان لهم بالنصر بسبب تقواهم. الإشارة: أهل الفهم عن الله: الأزمنةُ كلها عندهم حُرُم، والأمكنة كلها عندهم حَرامٌ، فهم يحترمون أوقاتهم ويغتنمون ساعاتهم لئلا تضيع. قال الحسن البصري: أدركت أقواماً كانوا على ساعاتهم أشفق منكم على دنانيركم ودراهيمكم، يقول: كما لا يخرج أحدكم ديناراً ولا درهماً إلا فيما يعود عليهم نفعه، كذلك لا يحبون أن يخرجوا ساعة من أعمارهم إلا فيما يعود عليهم نفعة وقال الجنيد رضي الله عنه: الوقت إذا فات لا يُستدرك، وليس شيء أعز من الوقت. هـ. وكل جزء يحصل له من العمر غير خال من عمل صالح، يتوصل به إلى مُلْك كبير لا يفنى، ولا قيمة لما يوصل إلى ذلك؛ لأنه في غاية الشرف والنفاسة، ولأجل هذا عظمت مراعاة السلف الصالح لأنفسهم، ولحظاتهم، وبادروا إلى اغتنام ساعاتهم وأوقاتهم، ولم يضيعوا أعمارهم في البطالة والتقصير، ولم يقنعوا من أنفسهم لمولاهم إلا بالجد والتشمير، وإلى هذه الإشارة بقوله: (فلا تظلموا فيهن أنفسكم)؛ بتضييعها في غير ما يقرب إلى الله. ثم أمر بجهاد القواطع، التي تترك العبد في مقام الشرك الخفي، وبَشَّرهُم بكونه معهم بالنصر والتأييد، والمعونة والتسديد. ثم عاب على المشركين ما أحدثوا من النسيء، فقال: {إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابو جعفر {اثنا عشر} و {أحد عشر} و {تسعة عشر} بسكون الشين فيهن إلا أن النهرواني روى عنه حذف الألف التي قبل العين. لما ذكر الله تعالى وعيد الظالم لنفسه بكنز المال من غير اخراج الزكاة وغيرها من الحقوق التي لله منه اقتضى ذلك ان يذكر النهي عن مثل حاله، وهو الظلم في الاشهر الحرم التي تؤدي إلى مثل حاله او شر منها في سوء المنقلب، فأخبر تعالى {إن عدة الشهور} في السنة على ما تعبد الله المسلمين بأن يجعلوه لسنتهم دون ما يعتبره مخالفوا الاسلام {اثنا عشر شهراً} وانما قسمت السنة اثني عشر شهراً لتوافق أمر الاهلة مع نزول الشمس في اثني عشر برجاً تجري على حساب متفق، كما قال: {أية : الشمس والقمر بحسبان} تفسير : والشهر مأخوذ من شهرة أمره لحاجة الناس اليه في معاملاتهم ومحل ديونهم وحجهم وصومهم، وغير ذلك من مصالحهم المتعلقة بالشريعة. وقوله {في كتاب الله} معناه فيما كتبه الله في اللوح المحفوظ وفي الكتب المنزلة على أنبيائه. وقوله {يوم خلق السماوات والأرض} متصل بـ {عند الله} والعامل فيها الاستقرار. ثم بين أمر هذه الاثني عشر شهراً {منها أربعة حرم} وهي ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب: ثلاثة سرد وواحد فرد كما يعتقده العرب. ومعنى {حرم} انه يعظم انتهاك المحارم فيها اكثر مما يعظم في غيرها، وكانت العرب تعظمها حتى ان الرجل لو لقي قاتل أبيه لم يهجه لحرمته. وانما جعل الله تعالى بعض الشهور اعظم حرمة من بعض لما علم في ذلك من المصلحة في الكف عن الظلم فيها، فعظم منزلتها، وانه ربما أدى ذلك إلى ترك الظلم اصلا لانطفاء النائرة تلك المدة وانكسار الحمية، فان الأشياء تجر إلى اشكالها. وقوله {ذلك الدين القيم} معناه التدين بذلك هو الدين المستقيم. وقوله {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} نهي منه تعالى لخلقه عن أن يظلموا انفسهم لأن من فعل قبيحاً يستحق عليه العقاب، فقد ظلم نفسه بذلك بادخال الضرر عليها وقال ابو مسلم: معناه لا تدعوا قتال عدوكم في هذه الأشهر بأجمعكم، ولا تمتنعوا من أحد الا من دخل تحت الجزية والصغار، وكان من أهلها بدلالة قوله {وقاتلوا المشركين كافة} وكافة مشتقة من كفة الشيء وهي طرفه وانما أخذ من أن الشيء إذا انتهى إلى ذلك كف عن الزيادة، ولا يثنى كافة ولا يجمع. وقوله {وقاتلوا المشركين كافة} امر منه تعالى بقتال المشركين أجمع: امر الله تعالى المؤمنين بأن يقاتلوهم كما أن المشركين يقاتلونهم كذلك، والضمير في قوله {فيهن} يحتمل أن يكون عائداً على الشهور كلها على ما قال ابن عباس، ويحتمل أن يعود على الأربعة الحرم على ما قال قتادة لعظم أمرها. واختار الفراء رجوعه إلى الاشهر الحرم. قال لانه لو رجع إلى الاثني عشر لقال فيها. والصحيح ان الجميع جائز وانما خص الأربعة اشهر بذلك في قول قتادة لتعاظم الظلم لا أن الظلم يجوز فعله على حال من الأحوال. وقوله {ذلك الدين القيم} معناه ذلك الحساب الصحيح هو الدين القيم لا ما كانت عليه العرب من النسيء. وقيل: معناه ذلك التدين هو الدين القيم. وقوله {كافة} نصب على المصدر، ولا يدخل عليها الالف واللام، لأنه من المصادر التي لا تنصرف لوقوعه موقع معاً وجمعاً بمعنى المصدر الذي هو في موضع الحال المذكورة، فهو في لزوم النكرة نظير أجمعين في لزوم المعرفة. وقوله {واعلموا أن الله مع المتقين} لمعاصيهم وما يؤدي إلى عقابه ويكون معهم بالنصرة والولاية دون الاجتماع في مكان او محل، لأن الله لا يجوز عليه ذلك لانه من امارت الحدث.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً} استيناف لابداء ذمٍّ اخر للمشركين وعلّة اخرى لمقاتلتهم اعلم، انّ الايّام والشّهور الزّمانيّة الّتى ههنا صور للدّهر والدّهر صورة للسرمد، والكلّ ظهور سير شمس الحقيقة فى بروجها السّتّة النّزوليّة والسّتّة الصّعوديّة وغروبها فى افق كرة ارض الطّبع وطلوعها منه وظهور الكلّ علينا بهذا الزّمان الّذى يعبّر عنه باليوم واللّيل والشّهر والعام، فهذه الايّام والاشهر لها حقائق متمايزة فى مراتب الملكوت والجبروت وتلك الحقائق لها آثار وخواصّ ورقائق فى هذه، وما قاله الانبياء (ع) واصحاب الوحى والتّحديث من خواصّها وما جرّبه المجرّبون منها عشر من اعشار خواصّها، وما يترتّب عليها مثل ما قالوا من خواصّ ايّام الاسبوع او ايّام الشّهور، ومثل ما قالوا من خواصّ الشّهور ولمّا جعل المشركون كالطّبيعيّين واكثر العوامّ ما سمعوه منها كالاسمار ولم يستمعوه بسمع الحقيقة والاعتبار بل قالوا: انّ الايّام متشابهة والاشهر متوافقة لا تمايز بينها فى الحقيقة وانّ ما قيل فيها من التّمايز والخواصّ محض اعتبارٍ لا حقيقة له قال تعالى ردّاً عليهم، انّ عدّة الشّهور عند الله كما انّها عندكم اثنى عشر شهراً يعنى ما عندكم من اثنى عشراً قمريّةً فى كلّ عام تقريباً وشمسيّةً فى كلّ عام حقيقةً انّما هى رقائق للحقائق الّتى عندنا، وكلّ منها مظهر لحقيقة من تلك الحقائق ولكلّ خواصّ وآثارٌ ليست لغيره ولذا أتى بالتّميز التّأكيدىّ لاسم العدد تمكيناً فى القلوب ولم يكتف بقوله عند الله وقال {فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} اى مكتوب الله او الكتاب المبين الّذى هو العقل او اللّوح المحفوظ {يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَات وَٱلأَرْضَ} يعنى قبل استقرارها عندكم وبعد ما بيّن انّ حقائقها عند الله مؤكّداً هذا المعنى بالقيود الثّلاثة بيّن بعض خواصّها بقوله {مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم ورجبٌ ثمّ أكّد حرمتها بقوله {ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} الّذى لا عوج فيه يعنى اعتقاد حرمتها والتّصديق بها هو الطّريق القويم الّذى كانت الانبياء عليه فمن عدل عنه كان خارجاً عن طريق الانبياء {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} بان يقتل بعضكم بعضاً وينهب ويأسر، او فلا تظلموا فيهنّ انفسكم بالاعتداء فيهنّ بهتك حرمتها بالمقاتلة فيها وارتكاب سائر ما لاينبغى {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً} فى غير تلك الاشهر لانّهم هتكوا حرمتها بالنسيء بقرينة انّما النّسيء زيادة فى الكفر وفى تلك الاشهر حيث بدؤكم بالقتال فيها بقرينة {كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} واتّقوا هتك حرمة تلك الاشهر {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ} استيناف فى موضع التّعليل للامر بالمقاتلة والمراد بالنّسيء تأخير حرمة الشّهر الحرام الى شهرٍ آخر وتحليل المقاتلة فى ذلك الشّهر الحرام كانوا اذا جاء الشّهر الحرام ولم يريدوا ترك المقاتلة فيه يقولون: هذا الشّهر كسائر الاشهر فنقاتل فيه ونترك القتال فى شهرٍ آخر، وكونه زيادة فى الكفر لانّه بعد الكفر بالله بواسطة الكفر بالرّسول تبديل لاحكام الله المقرّرة عنده المكتوبة فى كتبه العالية قبل خلق هذا العالم {يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} حيث يخرجون من الطّريق القويم المستقيم بالخروج منه {يُحِلُّونَهُ} اى النّسيء او الشّهر الحرام المنسيّ {عَاماً} بيان لضلالتهم {وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِئُواْ} يوافقوا {عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ} عدد الاشهر الّتى حرّمها الله {فَيُحِلُّواْ} بالنّسيء {مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} الى الطّريق القويم ولذا احلّوا ما حرّم وحرّموا ما احلّ وزيّن لهم القبائح.

الهواري

تفسير : قوله: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللهِ} [قال الحسن: في كتاب الله] الذي نسخ منه كتب الأنبياء وفي جميع كتب الله {يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرّم { ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ} يعني أنه حرّم على ألسنة أنبيائه هذه الأربعة الأشهر. قوله: {فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} أي في الاثني عشر كلها. وفيها تؤدى الزكاة في كل اثني عشر شهراً مرة. وقد عظّم الله هذه الأربعة الأشهر فجعلها حُرُماً. وقال بعضهم: {لاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} يقول: إن الظلم فيهن أعظم خطيئة ووزراً من الظلم فيما سوى ذلك. ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: حديث : سيِّد الشهور رمضان، وأعظمها حرمة ذو الحجة تفسير : ذكر الحسن قال: قيل يا رسول الله: أي الشهور بعد رمضان أفضل؟ قال: حديث : شهر الله الأصم: المحرم تفسير : قوله: {وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} أي: جميعاً، كما يُقَاتِلُونَكُمْ جميعاً { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ} بالعون لهم والنصر على عدوهم.

اطفيش

تفسير : {إنَّ عِدَّة الشُّهورِ عنْدَ الله} متعلق بنسبة الخبر إلى اسم إن وهى عامل معنوى، أو متعلق بمحذوف نعت لعدة على ما ذكر بعض المتأخرين فى مثله، أى إن عدة الشهور الثابتة عند الله، وعلقه القاضى بعدة وهو مصدر {اثْنا عَشَر} وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بإسكان العين قبل الشين تخفيفا، لتوالى الحركات {شَهْراً} لا أكثر، وكانت بالنسىء ثلاثة عشر أو أربعة عشر. والاثنا عشر: المحرم، وصفر، وربيع الأول، وربيع الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الآخرة، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة، وهى شهور السنة القمرية، مبنية على سير القمر فى المنازل، وهى شهور العرب التى يعتد بها المسلمون فى الصوم والحج والأعياد، وأيامها ثلاثمائة وخمسة وخمسون يوما، كذا قيل، وإنما هذا فى عام الكبس، وهو يكون فى كل ثلاثة أعوام وهو القياس، ويقع فى عامين أيضا، وذلك أن العام ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما وسدس يوم وخمسه، ففى العام الثالث يكمل يوم وزيادة يسيرة، فيجعل فى آخره، واصطلاحهم أن يكون ذلك فى العام الثانى ينقصان، وذلك أنه إذا اجتمع من الكسور أكثر من نصف يوم عدوه يوما كاملا. وقيل العام ثلاثمائة يوم وأربعة وخمسون يوما وربع يوم، إذا جعلنا شهرا ثلاثين وشهرا تسعة وعشرين، استوفت الشهور أيام السنة، وإذا اجتمع من الكسور يوم زيد فى آخر ذى الحجة. والسنة العجمية، تزيد على العام العربى بأحد عشر يوما، وقيل بعشرة، وسبب هذه الزيادة كان الصوم والحج تارة فى الصيف، وتارة فى الشتاء، وتارة فى الربيع، وتارة فى الخريف، وسميت الثلاثون يوما، والتسعة والعشرون يوما شهرا أخذا من الشهرة، ولأن الناس ينظرون إلى الهلال فى أولها ويشهرونه. وأول شهور العام: المحرم بضم الميم وفتح الراء مشددة، سمى لتحريم القتال فيه، وقيل لتحريم الجنة فيه على إبليس، وقرن بأل المعرفة إشارة إلى أنه هو أول العام، والصحيح أنها للمح الوصف، فإن محرما اسم مفعول فى الأصل لا للتعريف، وخص بهذا الاسم دون سائر الأشهر الحرام، لأن التحريم فيه أشد، لأنه أفضل منها. وثانيها: صفر بفتح الصاد والفاء، سمى لخلو مكة فيه من أهلها لخروجهم للحرب، وقيل: لأنه وافق وقت خروجهم منها وتركهم لها. وثالثها ورابعها: الربيعان، وسميا لارتباع الناس فيهما أى لإقامتهم فيهما بلا غزو، وقيل: لأن إرادة وضع الاسم لهما وافقت ارتباعهم، لكن الصحيح أن الأسماء توقيف، الله علمها آدم. وخامسها وسادسها: جمادى الأولى والآخرة بضم الجيم، وبألف التأنيث المقصورة لجمود الماء فيهما بالموافقة لحين الوضع. وسابعها: رجب، سمى لتعظيمهم له، وقيل: لموافقته حين الوضع تثاقل الشجر بحملها حتى احتاجت إلى الترجيب، وهو جعل ما تعتمد عليه لها، ويسمى الأصم لعدم قعقعة السلاح فيه والأصب لكثرة صب الله سبحانه فيه الرحمة والخيرات، قيل: ولعدم تعذيب أمة فيه، ورد بإغراق قوم نوح فيه. وثامنها: شعبان لتفرق القبائل فيه، والتشعب يطلق على التفريق وعلى الاجتماع، وفى الحديث: "حديث : سمى لأنه يفرق فيه خير كثير ". تفسير : وتاسعها: رمضان، لاحتراق الأكباد فيه بالجوع والعطش، أو احتراق الذنوب فيه، أو لموافقته حين الوضع شدة الحر، ومنع صرفه للعلمية وزيادة الألف والنون، قيل: ويسمى شهر رمضان وإنه هذا كله علم عليه، وتعتبر علامتا منع الصرف فى الجزء الثانى لوجودهما فيه كأبى هريرة بمنع هريرة للعلمية والتأنيث، وهذا فى نفسه صحيح، لكن لا أسلم أن مجموع قولك: شهر رمضان علم مركب، بل العلم رمضان، والإضافة للبيان إضافة عام لخاص، وزعم بعض أنه لا يقال: رمضان، بل شهر رمضان، وزعم مجاهد: أن رمضان اسم لله، ومعنى شهر رمضان شهر الله، فلا يجوز أن يسمى باسم لم يرد فى سنَّة أو قرآن، وإن لم يشعر بنقص، وأسماء رسوله توقيفية إجماعا، لأن تسميته حق له، وحق المخلوق مبنى على المشاحة، وحق الله على المسامحة، فلو خوطبت بما لم يسمك به أبواك لم تسمح نفسك، كذا قال التلاتى، والصحيح أن أسماء الله توقيفية، ولعل له فى ذلك توقيفا. وعاشرها: شوال، سمى لرفع الإبل فيه أذنابها للطروق، وقيل: لقلة اللبن فيه عند أصحاب الإبل. وحادى عشرها: ذو القعدة بفتح القاف وهو أشهر من كسرها، وروى ضمها وهو غريب، سمى لقعودهم عن القتال فيه. وثانى عشرها: ذو الحجة بكسر الحاء على الصحيح، وقيل: بفتحها اسمى لوقوع الحج فيه فى الإسلام، ولأنه وقت الحج أيضا فى الجاهلية على الأصل، ولو كان تارة فيه، وتارة فى صفر، وتارة فى بقية الشهور للنسائى، قال ابن هشام: تكون الحال مؤكدة لعاملها، ولا يقع التمييز كذلك، وأما أن عدة الشهور عند الله اثنى عشر شهرا، فشهر مؤكد لما فهم من أن عدة الشهور، وأما بالنسبة إلى عامله وهو اثنا عشر فمبين، ولا ينافى هذا قوله فى القطر وشرحه: إن هذا تمييز مؤكد لأنه لم يقل مؤكد لعامله. {فى كِتَابِ اللهِ} متعلق بالنسبة التى تعلق بها عند على أنه بدل، أو بمحذوف نعت لاثنى عشر، أو بعدة على ضعف للفصل بين المصدر ومعموله حينئذ بخبر إن، والمصدر ومعموله كالموصول وصلته، ومنعه بعض، وكتاب الله اللوح المحفوظ، أو حكم الله، والقرآن لأن فيه آيات تدل على الحساب أقوال ضعف الثالث. {يَومَ خَلقَ السَّماواتِ والأرضَ} متعلق بكتاب إن جعل مصدرا، أو بالنعت المحذوف النائب عنه قوله: {فى كتاب الله} أو بمحذوف مستأنف أى ثبت ذلك يوم خلق السماوات والأرض. {مِنْها أربعةٌ حُرمٌ} جمع حرام، والحرام ما منع وهى: رجب وهو فرد، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وهى ثلاثة فرد، كانت العرب تعظم الأربعة وتحرم القتال فيها، يلقى أحدهم فيها قاتل ابنه أو أبيه أو أخيه فلا يقتله ولا يروعه، وأعظمها رجب، وسموه متصل الأسنة، لأنهم يدخلون فيه الأسنة فى أغمادها، ولا يركبونها فى مواضعها كالرمح والنبل والسيف، واختلفوا: هل القتال فيها جائز أو حرام؟ والصحيح جوازه وعليه الجمهور. وقد حاصر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أهل الطائف فى ذى القعدة، ووقع بعض قتال، وقال سعيد بن المسيب: كان حراما ثم نسخ تحريمه لقوله: {أية : براءة من الله ورسوله} تفسير : وقيل بقوله: {أية : قاتلوا المشركين كافة} تفسير : وقال عطاء بن أبى رباح: تالله ما يحل للناس أن يغزوا فى الحرم، ولا فى الأشهر الحرم، إلا أن يقاتلوا، وما نسخت والجمهور وعطاء الخراسانى على أنه كان القتال فيها حراما ثم نسخ تحريمه، وكان تحريمها من دين إبراهيم وإسماعيل، وتمسكت به العرب. وذكر بعضهم: أن معنى كونها حرما أن المعصية فيها أشد عقوبة منها فى غيرها، وأن الطاعة فيها أكثر ثوابا منها فى غيرها، وفى الحديث: "حديث : إن الله اختار من الشهور رمضان وهذه الأربعة، وإن سيد الشهور رمضان، وأعظمها حرمة ذو الحجة، وإن أعظم الشهور بعد رمضان المحرم" تفسير : واستبعد بعضهم تفضيل الأشهر الحرم على غيرها، لتماثل الشهور، ويرده كثرة نظائره كتفضيل ليلة القدر، ويوم الجمعة وليلتها، ويوم عرفة، وفضل مكة. وأول الأشهر الحرم ذو القعدة، وقيل: المحرم، والصحيح الأول، قيل: يؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إلا إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلقه الله" تفسير : ووافقت حجته من ذى الحجة، وهى حجة الوداع، وكانت حجة أبى بكر فى العام قبله فى ذى القعدة، وعلى الأول تكون من سنتين، ومن نذر صومها مرتبة بدأ بذى القعدة، وعلى الثانى من سنة، ويبدأ من المحرم، وعليه فجعل أولها المحرم لأنه أفضلها، ووسط أحدها وهو رجب، لتعلم بركته الوسط، قيل: والأول ختم بذى القعدة، وذى الحجة، لتتم بركة الطرف الثانى، وأما الطرف الأول له بركتان: بركة ابتدائه بالمحرم، وأخذه جزءًا من رجب كذا زعموا، وزعموا أيضا أنه ختم بشهرين ليقع فيهما الحج المركب من شيئين: مال وبدن، وهو ختام الأركان الأربعة الزكاة، وهو مال محض، والصلاة وهى عمل بدن، والصوم وهو عمل القلب فيما قيل وهو بدن، لأنه الكف عما حرم، والحج وهو مال وبدن. وفى حديث، عن ابن عمران: "حديث : أولهن رجب" تفسير : وأذا رأى أى الشخص الهلال قال: الله أكبر اللهم أهلَّه علينا بالأمن والأمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربى وربك الله، هلال خير ورشد، اللهم إنى أسألك من خير هذا الشهر وخير القدر، وأعوذ بك من شره. وإذا نظر إلى القمر أول ليلة فليقل: اللهم إنى أعوذ بك من شر هذا الغاسق، ومن رأى هلال رمضان كبر خمسا وعشرين وقال: إلهى وإلهك الله، وربى وربك الله، سبحان من أظهر فيك من محاسن أسمائه ما عمت به البركات، سبحان من شرف أوقاتك على سائر الأوقات، سبحان من فتح فيك أبواب الإجابات للدعوات، سبحان من وصفك بأتم الصفات، سبحان من سنى فيك ملائكة الحضرات القدسيات، إلهى توسلت إليك بالأسماء التى على أبواب ليلة القدر وبالأذكار، التى ألهمت بها أولياءك، فشرفت بها على ألف شهر، تعرج الروح فيها والأملاك، أن تشهد فى مشاهدة هذه الليلة مطابقة لشهودك، وتلهمنى ذكر أسمائك التى تقدست بها ملائكة الليلة، حتى يمتزج الذكر فيصير وضعى ملكيا ونفسا روحيا يا قيوم لا إله إلا أنت. {ذَلكَ} أى تحريم الأشهر الأربعة {الدِّينُ القيِّمُ} دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام المستقيم، وقال ابن عباس: القضاء المستقيم، وقيل: الحكم الثابت الذى لا يزول، وقيل: الحساب المستقيم، وقد فسر بعضهم دان بمعنى حاسب فى حديث: "حديث : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" تفسير : والإشارة فى هذا القول إلى عدد الاثنى عشر شهرا. {فَلا تظْلمُوا فيهنَّ} فى هذه الأربعة {أنفُسَكم} بارتكاب المعاصى، فإن الوزر فيها أعظم كالوزر فى الحرم، ولو كان الوزر محرما فى كل وقت، وكل زمان، وذلك على قول الجمهور، وعطاء الخراسانى، وأما على قول عطاء بن أبى رباح، فالظلم القتال، وكان يرى القتال فيهن حراما، وقال ابن إسحاق: لا تظلموا فيهن أنفسكم باستحلالها، وتحريم غيرها بالنسىء كما تفعل الجاهلية. قيل: سبب تعظيم بعض الأشهر، وبعض الأماكن: أن يتدرب الإنسان المجبول النفس على المعصية إلى ترك المعصية فيما سواها، وقيل: الضمير عائد إلى الاثنى عشر، أى خلقت الأزمنة كلها للطاعة، فلا تعصوا الله فيها، والجمهور وقتادة على أن الضمير للأربعة، ويؤيده المجىء به بصورة الجمع المؤنث، لأن الأربعة لم تبلغ عدد جمع الكثرة، وهى لغير العاقل، فكان الأفصح الجمع، وإذا رد على الاثنى عشر كان بدون ذلك فى الفصاحة، لأن الاثنى عشر بلغ عدد جمع الكثرة لغير العاقل، فكان الأفصح الإفراد والتأنيث، بأن يقال فيها، وجمع الكثرة أحد عشر، وقيل عشرة فصاعدا. {وقَاتِلُوا المشْرِكينَ كافَّة كَما يُقاتلونَكُم كافَّة} قاتلوهم وأنتم مجتمعون عليهم، كما يقاتلونكم وهم مجتمعون عليكم، فكافة حال من الفاعل فى الموضعين، أو قاتلوهم ولا تتركوا منهم أحدا كما يقاتلونكم، ولا يتركون منكم أحدا، فكأنه حال من مفعول وهو مصدر بوزن اسم الفاعل وقع حالا، وذلك أن الجميع مكفوف عن الزيادة، ويجوز أن يكون حالا من الفاعل والمفعول معا، ويجوز أن يكون اسم فاعل، أى جماعة كافة، أى تكف من عارضها، وقيل: يكف بعضها بعضا عن التخلف وهو ضعيف، قال بعضهم: المراد قاتلوا المشركين فى الأشهر الأربعة، وأخرى أن تقاتلوهم فى غيرها. قال بعضهم: كان الغرض بهذه الآية متوجها على الأعيان، ثم نسخ وجعل فرض كفاية، قال بعض: إن هذا ضعيف، وإنه لم يعلم قط من شرع النبى صلى الله عليه وسلم أنه ألزم الأمة جميعا النفر، وإن المراد بالآية الحض على قتال المشركين والتحزب عليهم. {واعْلَموا أنَّ اللهَ مَعَ المتَّقينَ} أمرهم بعلم أن الله مع المتقين بالنصر والعون بعد أمرهم بالقتال بشارة، ووعد بالغلبة بسبب التقوى، وحظا على القتال والتقوى.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ عَدَّةَ الشُّهُورِ} أَى العربية القمرية {عِنْدَ اللهِ} أَى فى حكمه أَو علمه أَو اللوح المحفوظ، وقيل القرآن لهذه الآية نفسها، وقيل لأَن فيه آيات على الحساب ومنازل القمر لا ابتداع الناس، فكيف يغيرونها بالنسىءِ، كما جعل الأَيام سبعة. وإلا فالشهور والأَيام فى أَنفسها متماثلة لا حصر لها، هى سيالة لا يحدها حد بخلاف شهور الشمس، فإِنها تعد بقطع الفلك إِلى موضع ابتدأَت منه، إِلا أَن الله جل وعلا قرب العربية إِليها، وبنى عليها إِذ حدث وزاد بعشرة أَيام أَو أَحد عشر تقريباً، وبهذه الزيادة تنتقل الشهور القمرية فى الشمسية فيكون رمضان مثلا تارة في يناير وتارة في فبراير وهكذا، أَو أَمرهم الله من زمان إِبراهيم بناءَ العبادات على القمرية، واعتبروا الشمسية لمصالح دنياهم فذمهم الله، إِذ أَخروا حرمة شهر إِلى آخر وذكر قول عند الله لبيان كما قبح النسىءِ وهو متعلق بعدة. وصح التعلق به مع أَنه بمعنى العدد لأَن الظروف ومعمولات ضعيفة يكفيها أَذى رائحة الحدث، ويدل على أَنه ليس مصدراً بمعنى العد الإِخبار عنه بقوله {اثْنَا عَشَر شَهْراً} ولو كان فى الأَصل مصدراً مؤكداً لتقدم قوله عدة الشهور، دفعاً لاحتمال التجوز بالشهور، بأَن يراد بها السنة. ولو قيل اثنى عشر عاماً أَو يوماً لصح لأَنه قال عند الله كما {أية : وَإِن يوماً عند ربك كأَلف سنة}تفسير : [الحج: 47] لذلك الدفع قيل غير مؤكد وأَولها المحرم وآخرها ذو الحجة. وهما من عام واحد، وقيل أَولها رجب فهى من عامين. قال ابن عمر خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع بمنى فى وسط أَيام التشريق فقال "حديث : يا أَيها الناس إن الزمان قد استدار، فهو اليوم كهيئة يوم خلق الله السماوات والأَرض، وإِن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً منها أَربعة حرم، أَولهن رجب مضر بين جمادى وشعبان وذو القعدة وذو الحجة والمحرم"تفسير : ، وقيل أَولها ذو القعدة، روى البخارى ومسلم: أَلا إِن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأَرض، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ورجب مضر، وأُضيف رجب لضر، لأَن ربيعة كانوا يحرمون رمضان ويسمونه رجبا، وذلك مبنى على أَن أَول السنة المحرم، وعرض على عمر تاريخ الأَكاسرة بمن كان غالباً من ملوكهم وتاريخ اليهود واستحسن التاريخ بالهجرة، وأَرخوا فى أَول الإِسلام بربيع الأَول سنة القدوم، وبأَول شهر منها، وهو ربيع الأَول. وأول هلال المحرم فى التاريخ الهجرى ليلة الخميس بالحساب وبالرؤية ليلة الجمعة، والشهر الحقيقى معتبر برؤية الهلال أَو إِكمال ثلاثين يوماً. والحقيقى معتبر من اجتماع القمر مع الشمس فى نقطة، وعوده بعد المقارنة إلى ذلك ولا مدخل للخروج من تحت شعاع إِلا فى إِمكان الرؤْية بحسب العادة الشائعة التى عليها الشرع، ومدة الحقيقى تسعة وعشرون يوماً مائة واحد وتسعون جزءاً من ثلاثمائة وستين جزءًا لليوم وليلته، فالسنة القمرية ثلاثمائة وأَربعة وخمسون يوماً وخمس يوم وسدسه وثانية، وذلك أحد عشر جزءًا من ثلاثين جزءًا لليوم وليلته، وإِذا اجتمع من هذه الأَجزاءِ أكثر من نصف يوم، عدُّوُه يوماً كاملا وزادوا فى الأَيام وتكون السنة كبيسة وأَيامها ثلاثمائة وخمسة وخمسون يوماً، واصطلحوا على جعل الاسم شهراً كاملا، وشهراً ناقصاً، وهذا هو الشهر الاصطلاحى، فالمحرم ثلاثون وصفر تسعة وعشرون، وهكذا، فالأَفراد ثلاثون وأَولها المحرم والأَزواج تسعة وعشرون، وأَولها صفر إِلا ذا الحجة من السنة الكبيسة فمن ثلاثين لجعلهم ما زاد فى أَيام السنة الكبيسة فى ذى الحجة آخر السنة، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة، إِن ثواب تسعة وعشرين فيهما ثواب ثلاثين أَو لا يكونان فى سنة واحدة من تسعة وعشرين معا غالبا {فِى كِتَابِ اللهِ} اللوح المحفوظ أَو حكمه إِن فسرت عند الله بعلمه، وهو نعت لشهر أَو اثنى عشر {يَوْمَ خَلق السَّمَاواتِ والأَرْضَ} متعلق بمتعلق فى كتاب أَو نفى كتاب أَو بكتاب بمعنى مكتوب أَو كتابة، قيل أَو بدل من عند وهو ضعيف لأَن عند للمكان المجازى، والزمان لا يبدل من المكان ولا المكان من الزمان، وذلك فىعلم الله وحكمه قبل خلق السماوات والأَرض واللوح، ولكن الظهور يحصل بخلق السماوات والأَرض {مِنْهَا أَرْبَعةٌ حُرُمٌ} معظمة بالعبادة وتحريم القتال وتضعيف الحسنات والسيئات فيها، أَو ممنوعة عن القتال: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، والصحيح نسخ تحريم القتال فيهن، ويدل له أَنه صلى الله عليه وسلم حاصر الطائف وغزا هوازن فى شوال وذى القعدة، وقوله عز وجل "أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم"تفسير : [التوبة: 5] على ما قيل إِن تعميم الأَمكنة تعميم للأَزمنة {ذَلِكَ} أَى التحريم المعلوم من حرم أَو كون العدة اثنى عشر، ورجح بأَن المراد الرد على الكفرة فى النسىءِ والزيادة وأَما التحريم فإنها محرمة فى الجاهلية أَيضاً ويترجح أَيضاً الأَول بالتفريع فى قوله تعالى: فلا تظلموا إِلخ {الدِّينُ الْقَيِّمُ} القويم المستقيم دين إِبراهيم وإِسماعيل، منهما ورثه العرب. ولو كان لا قتال لهما فإنهن محترمات عندهما بالعبادة، أَو الدين الحكم والقضاء والقيم الدائم، أَو الدين الحساب المستقيم لا ما تفعله العرب من النسىءِ {فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ} فى الأَربعة الحرم {أَنْفُسَكُمْ} بالذنوب وهتك حرمتهن، فإِن السيئات تتضاعف فيهن كما تتضاعف الحسنات وهكذا تتضاعف حيث تتضاعف الحسنات من زمان أَو مكان. كذنوب مكة ورمضان أَو الضمير للشهور الاثنى عشر والأَول أَولى لأَنه أَقرب مذكور، لأَن النهى عن الظلم فى الاثنى عشر يكفى عنه مطلق النهى عن الذنب فى العمر كله، ويدل له قول عطاءٍ لا يحل للناس الغزو فى المحرم والشهر الحرام، إِلا أَن يقاتلهم العدو، إِلا أَن الصحيح نسخ تحريم القتال فيهن كما مر، فالظلم غير القتال الحلال، وكان الرجل من العرب يلقى قاتل أَبيه أَو ابنه فلا يضره ولو بإِشارة بلسان أَو عضو، وسموا رجباً أَصم ومنصل الأَسنة حتى أَحدثوا النسىءَ فغيروا {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} فى كل زمان وفى كل مكان، ولو فى الأَشهر الحرم أَو الحرم، وقد زعم بعض أَن عموم الأَشخاص يستلزم عموم الأَحوال والأَزمنة والأَمكنة وكافة حال، أَى جميعاً من الفاعل قبله أَو المفعول فى الموضعين، وهو مصدر كف بوزن اسم الفاعل كما قيل فى العافية والعاقبة، فإنه إذا تم الجمع لا يتصور أَن يزاد فيه، والفرض أَنه لم يبق منه شىءٌ خارج. فذلك منع وكف، وقيل كافة وصف والتاءُ فيه للمبالغة، والمعنى كافين لهم وكافين لكم، وقيل معناه جماعة ومن أَسماءِ الجماعة كافة والتاءُ للتأْنيث، والجماعة المخصوصة تكف غيرها أَن يزاد عليها وتكف عن التعرض لها، وبشر المسلمين بالنصر مع الحض على التقوى فى قوله تعالى {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} بكل خير بسبب تقواهم دنيا وأُخرى، وأَخذت العموم من إَطلاق المعية إِذ لم يقل مع المتقين لكذا، ودخل المخاطبون بالأَولى، وقيل هم المراد أَى أن الله معكم بالنصر والإِمداد.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ} أي مبلغ عدد شهور السنة {عَندَ ٱللَّهِ} أي في حكمه {ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً} وهي الشهور القمرية المعلومة إذ عليها يدور فلك الأحكام الشرعية {فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ} أي في اللوح المحفوظ. وقيل: فيما أثبته وأوجب على عباده الأخذ به، وقيل: القرآن لأن فيه آيات تدل على الحساب ومنازل القمر وليس بشيء {يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ} أي في ابتداء إيجاد هذا العالم، وهذا الظرف متعلق بما في كتاب الله من معنى الثبوت الدال عليه بمنطوقه أو بمتعلقه أو بالكتاب إن كان مصدراً بمعنى الكتابة، والمراد أنه في ابتداء ذلك كانت عدتها ما ذكر وهي الآن على ما كانت عليه، و {فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ} صفة {ٱثْنَا عَشَرَ} وهي خبر {إِنَّ} و {عِندَ} معمول {عِدَّةَ} لأنها مصدر كالشركة و {شَهْراً} تمييز مؤكد كما في قولك: عندي من الدنانير عشرون ديناراً، وما يقال: إنه لرفع الإبهام إذ لو قيل عدة الشهور عند الله اثنا عشر سنة لكان كلاماً مستقيماً ليس بمستقيم على ما قيل. وانتصر له بأن مراد القائل إنه يحتمل أن تكون تلك الشهور في ابتداء الدنيا كذلك كما في قوله سبحانه: {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ} ونحوه ولا مانع منه فإنه أحسن من الزيادة المحضة، ولم يجوزوا تعلق {فِى كِتَـٰبِ} بعدة لأن المصدر إذا أخبر عنه لا يعمل فيما بعد الخبر. ومن الناس من جعله بدلاً من {عَندَ ٱللَّهِ} وضعفه أبو البقاء بأن فيه الفصل بين البدل والمبدل منه بخبر العامل في المبدل، وجوز بعض أن يجعل {ٱثْنَا عَشَرَ} مبتدأ و {عِندَ} خبر مقدم والجملة خبر إن أو إن الظرف لاعتماده عمل الرفع {فِى ٱثْنَا عَشَرَ}. وقوله سبحانه: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} يجوز أن يكون صفة لاثنا عشر وأن يكون حالاً من الضمير في الظرف وأن يكون جملة مستأنفة وضمير {مِنْهَا} على كل تقدير لاثنا عشر، وهذه / الأربعة ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر. واختلف في ترتيبها فقيل: أولها المحرم وآخرها ذو الحجة فهي من شهور عام، وظاهر ما أخرجه سعيد بن منصور وابن مردويه عن ابن عباس يقتضيه. وقيل: أولها رجب فهي من عامين واستدل له بما أخرجه ابن جرير وغيره عن ابن عمر قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى في أوسط أيام التشريق فقال: «حديث : يا أيها الناس إن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم أولهن رجب مضر بين جمادى وشعبان وذو القعدة وذو الحجة والمحرم».تفسير : وقيل: أولها ذو القعدة وصححه النووي لتواليها. وأخرج الشيخان «حديث : ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ورجب مضر» تفسير : الحديث وأضيف رجب إليهم لأن ربيعة كانوا يحرمون رمضان ويسمونه رجب ولهذا بين في الحديث بما بين. وقيل: إن ما ذكر من أنها على الترتيب الأول من شهور عام وعلى الثاني من شهور عامين إنما يتمشى على أن أول السنة المحرم وهو إنما حدث في زمن عمر رضي الله تعالى عنه وكان يؤرخ قبله بعام الفيل وكذا بموت هشام بن المغيرة ثم أرخ بصدر الإسلام بربيع الأول وعلى هذا التاريخ يكون الأمر على عكس ما ذكر ولم يبين هذا القائل ما أول شهور السنة عند العرب قبل الفيل، والذي يفهم من كلام بعضهم أن أول الشهور المحرم عنده من قبل أيضاً إلا أن عندهم في اليمن والحجاز تواريخ كثيرة يتعارفونها خلفاً عن سلف ولعلها كانت باعتبار حوادث وقعت في الأيام الخالية، وأنه لما هاجر النبـي صلى الله عليه وسلم اتخذ المسلمون هجرته مبدأ التاريخ وتناسوا ما قبله وسموا كل سنة أتت عليهم باسم حادثة وقعت فيها كسنة الأذن وسنة الأمر وسنة الابتلاء وعلى هذا المنوال إلى خلافة عمر رضي الله تعالى عنه فسأله بعض الصحابة في ذلك وقال: هذا يطول وربما يقع في بعض السنين اختلاف وغلط فاختار رضي الله تعالى عنه عام الهجرة مبدأ من غير تسمية السنين بما وقع فيها فاستحسنت الصحابة رأيه في ذلك. وفي بعض «شروح البخاري» أن أبا موسى الأشعري كتب إليه إنه يأتينا من أمير المؤمنين كتب لا ندري بأيها نعمل، وقد قرأنا صكاً محله شعبان فلم ندر أي الشعبانين الماضي أم الآتي. وقيل: إنه هو رضي الله تعالى عنه رفع إليه صك محله شعبان فقال: أي شعبان هو؟ ثم قال: إن الأموال قد كثرت فينا وما قسمناه غير مؤقت فكيف التوصل إلى ضبطه فقال له ملك الأهواز وكان قد أسر وأسلم على يده: إن للعجم حساباً يسمونه ـ ماهروز ـ يسندونه إلى من غلب من الأكاسرة ثم شرحه له وبين كيفيته فقال رضي الله تعالى عنه: ضعوا للناس تاريخاً يتعاملون عليه وتضبط أوقاتهم فذكروا له تاريخ اليهود فما ارتضاه والفرس فما ارتضاه فاستحسنوا الهجرة تاريخاً انتهى. وما ذكر من أنهم كانوا يؤرخون في صدر الإسلام بربيع الأول فيه إجمال ويتضح المراد منه بما في «النبراس» من أنهم كانوا يؤرخون على عهد النبـي صلى الله عليه وسلم بسنة القدوم وبأول شهر منها وهو ربيع الأول على الأصح فليفهم، والشهر عندهم ينقسم إلى شرعي وحقيقي واصطلاحي؛ فالشرعي معتبر برؤية الهلال بالشرط المعروف في الفقه، وكان أول هلال المحرم في التاريخ الهجري ليلة الخميس كما اعتمده يونس الحاكمي المصري وذكر أن ذلك بالنظر إلى الحساب، وأما باعتبار الرؤية فقد حرر ابن / الشاطر أن هلاله رؤي بمكة ليلة الجمعة. والحقيقي معتبر من اجتماع القمر مع الشمس في نقطة وعوده بعد المفارقة إلى ذلك ولا دخل للخروج من تحت الشعاع إلا في إمكان الرؤية بحسب العادة الشائعة، قيل: ومدة ما ذكر تسعة وعشرون يوماً ومائة وأحد وتسعون جزءاً من ثلثمائة وستين جزءاً لليوم بليلته، وتكون السنة القمرية ثلثمائة وأربعة وخمسين يوماً وخمس يوم وسدسه وثانية وذلك إحدى عشر جزءاً من ثلاثين جزءاً من اليوم بليلته، وإذا اجتمع من هذه الأجزاء أكثر من نصف عدوه يوماً كاملاً وزادوه في الأيام وتكون تلك السنة حينئذٍ كبيسة وتكون أيامها ثلثمائة وخمسة وخمسين يوماً، ولما كانت الأجزاء السابقة أكثر من نصف جبروها بيوم كامل، واصطلحوا على جعل الأشهر شهراً كاملاً وشهراً ناقصاً فهذا هو الشهر الاصطلاحي، فالمحرم في اصطلاحهم ثلاثون يوماً وصفر تسعة وعشرون وهكذا إلى آخر السنة القمرية الأفراد منها ثلاثون وأولها المحرم والأزواج تسعة وعشرون وأولها صفر إلا ذا الحجة من السنة الكبيسة فإنه يكون ثلاثين يوماً لاصطلاحهم على جعل ما زادوه في أيام السنة الكبيسة في ذي الحجة آخر السنة. وحيث كان مدار الشهر الشرعي على الرؤية اختلفت الأشهر فكان بعضها ثلاثين وبعضها تسعة وعشرين في بعض آخر منها. وما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أبـي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة» تفسير : محمول على معنى ((لا ينقص أجرهما والثواب المرتب عليهما وإن نقص عددهما، وقيل: معناه لا ينقصان جميعاً في سنة واحدة غالباً، وقيل: لا ينقص ثواب ذي الحجة عن ثواب رمضان [لأن فيه المناسك] حكاه الخطابـي وهو ضعيف، والأول كما قال النووي هو الصواب المعتمد)). {ذٰلِكَ} أي تحريم الأشهر الأربعة وما فيه من معنى البعد لتفخيم المشار إليه، وقيل: هو إشارة لكون العدة كذلك ورجحه الإمام بأنه كونها أربعة محرمة مسلم عند الكفار وإنما القصد الرد عليهم في النسىء والزيادة على العدة، ورجح الأول بأن التفريع الآتي يقتضيه، ولا يبعد أن تكون الإشارة إلى مجموع ما دل عليه الكلام السابق والتفريع لا يأبـى ذلك {ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} أي المستقيم دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وكانت العرب قد تمسكت به وراثة منهما. وكانوا يعظمون الأشهر الحرم حتى إن الرجل يلقى فيها قاتل أبيه أو أخيه فلا يهجه ويسمون رجب الأصم ومنصل الأسنة حتى أحدثوا النسىء فغيروا، وقيل: المراد من {ٱلدِّينِ} الحكم والقضاء ومن {ٱلْقَيِّمُ} الدائم الذي لا يزول أي ذلك الحكم الذي لا يبدل ولا يغير ونسب ذلك إلى الكلبـي، وقيل: الدين هنا بمعنى الحساب ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت»تفسير : أي ذلك الحساب المستقيم والعدد الصحيح المستوي لا ما تفعله العرب من النسىء واختار ذلك الطبرسي، وعليه فتكون الإشارة لما رجحه الإمام. {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} بهتك حرمتهن وارتكاب ما حرم فيهن، والضمير راجع إلى الأشهر الحرم وهو المروي عن قتادة واختاره الفراء وأكثر المفسرين، وقيل: هو راجع إلى الشهور كلها أي فلا تظلموا أنفسكم في جميع شهور السنة بفعل المعاصي وترك الطاعات أو لا تجعلوا حلالها حراماً وحرامها حلالاً كما فعل أهل الشرك ونسب هذا القول لابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والعدول عن فيها الأوفق بمنها إلى {فِيهِنَّ} مؤيد لما عليه الأكثر، والجمهور على أن حرمة المقاتلة فيهن منسوخة وأن / الظلم مؤول بارتكاب المعاصي، وتخصيصها بالنهي عن ارتكاب ذلك فيها مع أن الارتكاب منهي عنه مطلقاً لتعظيمها ولله سبحانه أن يميز بعض الأوقات على بعض فارتكاب المعصية فيهن أعظم وزراً كارتكابها في الحرم وحال الإحرام. وعن عطاء بن أبـي رباح أنه لا يحل للناس أن يغزوا في الحرم والأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا، واستثنى هذا لأنه للدفع فلا يمنع منه بالاتفاق أو لأن هتك الحرمة في ذلك ليس منهم بل من البادي. ويؤيد القول بالنسخ أنه عليه الصلاة والسلام حاصر الطائف وغزا هوازن بحنين في شوال وذي القعدة سنة ثمان. {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} أي جميعاً، واشتهر أنه لا بد من تنكيره ونصبه على الحال وكون ذي الحال من العقلاء، وخطأوا الزمخشري في قوله في خطبة «المفصل»: محيطاً بكافة الأبواب ومخطؤه هو المخطىء لأنا إذا علمنا وضع لفظ لمعنى عام بنقل من السلف وتتبع لموارد استعماله في كلام من يعتد به ورأيناهم استعملوه على حالة مخصوصة من الإعراب والتعريف والتنكير ونحو ذلك جاز لنا على ما هو الظاهر أن نخرجه عن تلك الحالة لأنا لو اقتصرنا في الألفاظ على ما استعملته العرب العاربة والمستعربة نكون قد حجرنا الواسع وعسر التكلم بالعربية على من بعدهم ولما لم يخرج بذلك عما وضع له فهو حقيقة، فكافة ـ وإن استعملته العرب منكراً منصوباً في الناس خاصة ـ يجوز أن يستعمل معرفاً ومنكراً بوجوه الإعراب في الناس وغيرهم وهو في كل ذلك حقيقة حيث لم يخرج عن معناه الذي وضعوه له وهو معنى الجميع، ومقتضى الوضع أنه لا يلزمه ما ذكر ولا ينكر ذلك إلا جاهل أو مكابر، على أنه ورد في كلام البلغاء على ما ادعوه، ففي كتاب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لآل بني كاكلة قد جعلت لآل بني كاكلة على كافة بيت مال المسلمين لكل عام مائتي مثقال عيناً ذهباً إبريزاً، وهذا كما في «شرح المقاصد» مما صح، والخط كان موجوداً في آل بني كاكلة إلى قريب هذا الزمان بديار العراق، ولما آلت الخلافة إلى أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه عرض عليه فنفذ ما فيه لهم وكتب عليه بخطه {أية : للهِ الأمْر مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُون} تفسير : [الروم: 4] أنا أول من تبع أمر من الإسلام ونصر الدين والأحكام عمر بن الخطاب ورسمت بمثل ما رسم لآل بني كاكلة في كل عام مائتي دينار ذهباً إبريزاً واتبعت أثره وجعلت لهم مثل ما رسم عمر إذ وجب عليَّ وعلى جميع المسلمين اتباع ذلك كتبه علي بن أبـي طالب، فانظر كيف استعمله عمر بن الخطاب معرفة غير منصوبة لغير العقلاء وهو من هو في الفصاحة وقد سمعه مثل علي كرم الله تعالى وجهه ولم ينكره وهو واحد الأحدين، فأي إنكار واستهجان يقبل بعد. فقوله في «المغني» ـ كافة ـ مختص بمن يعقل ووهم الزمخشري في تفسير قوله تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ } تفسير : [سبأ: 28] إذ قدر كافة نعتاً لمصدر محذوف أي رسالة كافة لأنه أضاف إلى استعماله فيما لا يعقل إخراجه عما التزم فيه من الحال كوهمه في خطبة «المفصل» مما لا يلتفت إليه، وإذا جاز تعريفه بالإضافة جاز بالألف واللام أيضاً ولا عبرة بمن خطأ فيه كصاحب «القاموس» وابن الخشاب، وهو عند الأزهري مصدر على فاعلة كالعافية والعاقبة ولا يثنى ولا يجمع، وقيل: هو اسم فاعل والتاء فيه للمبالغة كتاء رواية وعلاَّمة وإليه ذهب الراغب، ونقل أن المعنى هنا ((قاتلوهم كافين لهم كما يقاتلونكم كافين لكم، وقيل: معناه جماعة، [كما يقاتلونكم جماعة] وقيل للجماعة الكافة كما يقال لهم الوازعة لقوتهم باجتماعهم))، وتاؤه كتاء جماعة. والحاصل أنهم رواية ودراية لم يصيبوا / فيما التزموه من تنكيره ونصبه واختصاصه بالعقلاء، وأنهم اختلفوا في أصله هل هو مصدر أو اسم فاعل من الكف وأن تاءه هل هي للمبالغة أو للتأنيث؟، ثم إنهم تصرفوا فيه واستعملوه للتعميم بمعنى جميعاً وعلى ذلك حمل الأكثرون ما في الآية قالوا: وهو مصدر كف عن الشيء، وإطلاقه على الجميع باعتبار أنه مكفوف عن الزيادة أو باعتبار أنه يكف عن التعرض له أو التخلف عنه، وهو حال إما من الفاعل أو من المفعول، فمعنى قاتلوا المشركين كافة لا يتخلف أحد منكم عن قتالهم أو لا تتركوا قتال واحد منهم، وكذا في جانب المشبه به، واستدل بالآية على الاحتمال الأول على أن القتال فرض عين. وقيل: وهو كذلك في صدر الإسلام ثم نسخ وأنكره ابن عطية. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} بالولاية والنصر فاتقوا لتفوزوا بولايته ونصره سبحانه فهو إرشاد لهم إلى ما ينفعهم في قتالهم بعد أمرهم به، وقيل: المراد أن الله معكم بالنصر والإمداد فيما تباشرونه من القتال، وإنما وضع المظهر موضع المضمر مدحاً لهم بالتقوى وحثاً للقاصرين على ذلك وإيذاناً بأنه المدار في النصر، وقيل: هي بشارة وضمان لهم بالنصرة بسبب تقواهم كما يشعر بذلك التعليق بالمشتق، وما ذكرناه نحن لا يخلو عن حسن إلا أن الأمر بالتقوى فيه أعم من الأحداث والدوام ومثله كثير في الكلام.

سيد قطب

تفسير : هذا المقطع في السياق استطراد في إزالة المعوقات التي كانت قائمة في طريق النفرة إلى جهاد الروم وحلفائهم من نصارى العرب في شمال الجزيرة.. ذلك أن الاستنفار لهذه الغزوة - تبوك - كان في رجب من الأشهر الحرم. ولكن كانت هناك ملابسة واقعة. وهي أن رجب في هذا العام لم يكن في موعده الحقيقي! وذلك بسبب {النسيء} الذي ورد ذكره في الآية الثانية - كما سنبين - فقد ورد أن ذا الحجة في هذا العام لم يكن في موعده كذلك، إنما كان في ذي القعدة! فكأن رجب كان في جمادى الآخرة.. وسر هذا الاضطراب كله هو اضطراب الجاهلية في تقاليدها؛ وعدم التزامها بالحرمات إلا شكلاً؛ والتأويلات والفتاوى التي تصدر عن البشر، ما دام أن أمر التحليل والتحريم يوكل في الجاهلية إلى البشر! وبيان هذه القضية: أن الله حرم الأشهر الحرم الأربعة وهي الثلاثة المتوالية: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، والشهر الرابع المفرد: رجب.. والواضح أن هذا التحريم كان مع فرض الحج في أشهره المعلومات منذ إبراهيم وإسماعيل.. وعلى كثرة ما حرف العرب في دين إبراهيم، وعلى شدة ما انحرفوا عنه في جاهليتهم قبل الإسلام، فإنهم بقوا يعظمون الأشهر الحرم هذه؛ لارتباطها بموسم الحج؛ الذي كانت تقوم عليه حياة الحجازيين، وبخاصة سكان مكة. كيما يكون هناك السلام الشامل في الجزيرة الذي يسمح بالموسم، والانتقال إليه، والتجارة فيه! ثم كانت - بعد ذلك - تعرض حاجات لبعض القبائل العربية تتعارض مع تحريم هذه الأشهر.. وهنا تلعب الأهواء؛ ويقوم من يفتي باستحلال أحد الأشهر الحرم عن طريق تأخيره في عام وتقديمه في عام آخر، فتكون عدة الأشهر المحرمة أربعة، ولكن أعيان هذه الأشهر تتبدل {ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله}.. فلما كان هذا العام التاسع كان رجب الحقيقي غير رجب، وكان ذو الحجة الحقيقي غير ذي الحجة! كان رجب هو جمادى الآخرة، وكان ذو الحجة هو ذا القعدة! وكان النفير في جمادى الآخرة فعلاً وواقعاً، ولكنه كان في رجب اسماً بسبب هذا النسيء! فجاءت هذه النصوص تبطل النسيء؛ وتبين مخالفته ابتداء لدين الله، الذي يجعل التحليل والتحريم (والتشريع كله) حقاً خالصاً لله؛ وتجعل مزاولته من البشر - بغير ما أذن الله - كفراً.. بل زيادة في الكفر.. ومن ثم تزيل العقبة التي تحيك في بعض النفوس من استحلال رجب. وفي الوقت ذاته تقرر أصلاً من أصول العقيدة الأساسية؛ وهو قصر حق التشريع في الحل والحرمة على الله وحده. وتربط هذه الحقيقة بالحق الأصيل في بناء الكون كله، يوم خلق الله السماوات والأرض. فتشريع الله للناس إنما هو فرع عن تشريعه للكون كله بما فيه هؤلاء الناس. والحيدة عنه مخالفة لأصل تكوين هذا الكون وبنائه؛ فهو زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا.. وحقيقة أخرى تقررها هذه النصوص، تتعلق بما سبق تقريره في المقطع السابق مباشرة، من اعتبار أهل الكتاب مشركين، وضمهم في العداوة والجهاد إلى المشركين، والأمر بقتالهم كافة.. المشركين وأهل الكتاب.. كما أنهم يقاتلون المسلمين كافة.. الأمر الذي يقرره الواقع التاريخي كله؛ كما تقرره من قبل كلمات الله - سبحانه - وهي تعبر عن وحدة الهدف تماماً بين المشركين وأهل الكتاب تجاه الإسلام والمسلمين، وعن وحدة الصف التي تجمعهم كذلك عند ما تكون المعركة مع الإسلام والمسلمين، مهما يكن بينهم هم من عداوات قبل ذلك وثارات واختلافات في تفصيلات العقيدة كذلك، لا تقدم شيئاً ولا تؤخر في تجمعهم جميعاً في وجه الانطلاق الإسلامي؛ وفي عملهم متجمعين لسحق الوجود الإسلامي. وهذه الحقيقة الأخيرة الخاصة بأن أهل الكتاب مشركون كالمشركين، وأن المشركين هؤلاء وهؤلاء يقاتلون المسلمين كافة فوجب على المسلمين أن يقاتلوهم كافة.. بالإضافة إلى الحقيقة الأولى: وهي أن النسيء زيادة في الكفر، لأنه مزاولة للتشريع بغير ما أنزل الله، فهو كفر يضاف إلى الكفر الاعتقادي ويزيد فيه.. هاتان الحقيقتان هما المناسبة التي تربط هاتين الآيتين بما قبلهما وما بعدهما في السياق؛ الذي يعالج المعوقات دون النفير العام، والانطلاق الإسلامي تجاه المشركين وأهل الكتاب.. {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم. ذلك الدين القيم}.. إن هذا النص القرآني يرد معيار الزمن، وتحديد دورانه إلى طبيعة الكون التي فطره الله عليها. وإلى أصل الخلقة. خلقة السماوات والأرض. ويشير إلى أن هناك دورة زمنية ثابتة، مقسمة إلى اثني عشر شهراً. يستدل على ثباتها بثبات عدة الأشهر؛ فلا تزيد في دورة وتنقص في دورة. وأن ذلك في كتاب الله - أي في ناموسه الذي أقام عليه نظام هذا الكون. فهي ثابتة على نظامها، لا تتخلف ولا تتعرض للنقص والزيادة. لأنها تتم وفق قانون ثابت، هو ذلك الناموس الكوني الذي أراده الله يوم خلق السماوات والأرض: هذه الإشارة إلى ثبات الناموس يقدم بها السياق لتحريم الأشهر الحرم وتحديدها، ليقول: إن هذا التحديد والتحريم جزء من نواميس الله كثباتها، لا يجوز تحريفه بالهوى، ولا يجوز تحريكه تقديماً وتأخيراً، لأنه يشبه دورة الزمن التي تتم بتقدير ثابت، وفق ناموس لا يتخلف: {ذلك الدين القيم}.. فهذا الدين مطابق للناموس الأصيل، الذي تقوم به السماوات والأرض، منذ أن خلق الله السماوات والأرض. وهكذا يتضمن ذلك النص القصير سلسلة طويلة من المدولات العجيبة.. يتبع بعضها بعضاً، ويمهد بعضها لبعض، ويقوي بعضها بعضاً. ويشتمل على حقائق كونية يحاول العلم الحديث جاهداً أن يصل إليها بطريقته ومحاولاته وتجاربه. ويربط بين نواميس الفطرة في خلق الكون وأصول هذا الدين وفرائضه، ليقر في الضمائر والأفكار عمق جذوره، وثبات أسسه، وقدم أصوله.. كل أولئك في إحدى وعشرين كلمة تبدو في ظاهرها عادية بسيطة قريبة مألوفة. {ذلك الدين القيم. فلا تظلموا فيهن أنفسكم}.. لا تظلموا أنفسكم في هذه الأشهر الحرم التي يتصل تحريمها بناموس كوني تقوم عليه السماوات والأرض. ذلك الناموس هو أن الله هو المشرع للناس كما أنه هو المشرع للكون.. لا تظلموا أنفسكم بإحلال حرمتها التي أرادها الله لتكون فترة أمان وواحة سلام؛ فتخالفوا عن إرادة الله. وفي هذه المخالفة ظلم للأنفس بتعريضها لعذاب الله في الآخرة، وتعريضها للخوف والقلق في الأرض، حين تستحيل كلها جحيماً حربية، لا هدنة فيها ولا سلام. {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة}.. ذلك في غير الأشهر الحرم، ما لم يبدأ المشركون بالقتال فيتعين رد الاعتداء في تلك الأشهر، لأن الكف عن القتال من جانب واحد يضعف القوة الخيرة، المنوط بها حفظ الحرمات، ووقف القوة الشريرة المعتدية؛ ويشيع الفساد في الأرض؛ والفوضى في النواميس. فرد الاعتداء في هذه الحالة وسيلة لحفظ الأشهر الحرم، فلا يعتدى عليها ولا تهان. {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة}.. قاتلوهم جميعاً بلا استثناء أحد منهم ولا جماعة، فهم يقاتلونكم جميعاً لا يستثنون منكم أحداً، ولا يبقون منكم على جماعة. والمعركة في حقيقتها إنما هي معركة بين الشرك والتوحيد. وبين الكفر والإيمان وبين الهدى والضلال. معركة بين معسكرين متميزين لا يمكن أن يقوم بينهما سلام دائم، ولا أن يتم بينهما اتفاق كامل لأن الخلاف بينهما ليس عرضياً ولا جزئياً. ليس خلافاً على مصالح يمكن التوفيق بينهما، ولا على حدود يمكن أن يعاد تخطيطها. وإن الأمة المسلمة لتخدع عن حقيقة المعركة بينها وبين المشركين - وثنيين وأهل كتاب - إذا هي فهمت أو أفهمت أنها معركة اقتصادية أو معركة قومية، أو معركة وطنية، أو معركة استراتيجية.. كلا. إنها قبل كل شيء معركة العقيدة. والمنهج الذي ينبثق من هذه العقيدة.. أي الدين.. وهذه لا تجدي فيها أنصاف الحلول. ولا تعالجها الاتفاقات والمناورات. ولا علاج لها إلا بالجهاد والكفاح الجهاد الشامل والكفاح الكامل. سنة الله التي لا تتخلف، وناموسه الذي تقوم عليه السماوات والأرض، وتقوم عليه العقائد والأديان، وتقوم عليه الضمائر والقلوب. في كتاب الله يوم خلق الله السماوات والأرض. {واعلموا أن الله مع المتقين}.. فالنصر للمتقين الذين يتقون أن ينتهكوا حرمات الله، وأن يحلوا ما حرم الله، وأن يحرفوا نواميس الله. فلا يقعد المسلمون عن جهاد المشركين كافة، ولا يتخوفوا من الجهاد الشامل. فهو جهاد في سبيل الله يقفون فيه عند حدوده وآدابه؛ ويتوجهون به إلى الله يراقبونه في السر والعلانية. فلهم النصر، لأن الله معهم، ومن كان الله معه فهو المنصور بلا جدال. {إنما النسيء زيادة في الكفر. يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً، ليواطئوا عدة ما حرم الله، فيحلوا ما حرم الله. زين لهم سوء أعمالهم، والله لا يهدي القوم الكافرين}.. قال مجاهد - رضي الله عنه -: كان رجل من بني كنانة يأتي كل عام إلى الموسم على حمار له فيقول: أيها الناس. إني لا أعاب ولا أخاب، ولا مرد لما أقول. إنا قد حرمنا المحرم وأخرنا صفر. ثم يجيء العام المقبل بعده فيقول مثل مقالته، ويقول: إنا قد حرمنا صفر وأخرنا المحرم فهو قوله: {ليواطئوا عدة ما حرم الله} قال: يعني الأربعة. فيحلوا ما حرم الله تأخير هذا الشهر الحرام. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذا رجل من بني كنانة يقال له القلمس، وكان في الجاهلية وكانوا في الجاهلية لا يغير بعضهم على بعض في الشهر الحرام، يلقى الرجل قاتل أبيه ولا يمد إليه يده؛ فلما كان هو قال: اخرجوا بنا. قالوا له: هذا المحرم. قال: ننسئه العام. هما العام صفران. فإذا كان العام القابل قضينا.. جعلناهما محرمين.. قال ففعل ذلك. فلما كان عام قابل لا قال تغزوا في صفر. حرموه مع المحرم. هما محرمان.. فهذان قولان في الآية، وصورتان من صور النسيء. في الصورة الأولى يحرم صفر بدل المحرم فالشهور المحرمة أربعة في العدد، ولكنها ليست هي التي نص عليها الله، بسبب إحلال شهر المحرم. وفي الصورة الثانية يحرم في عام ثلاثة أشهر وفي عام آخر خمسة أشهر فالمجموع ثمانية في عامين بمتوسط أربعة في العام ولكن حرمة المحرم ضاعت في أحدهما، وحل صفر ضاع في ثانيهما! وهذه كتلك في إحلال ما حرم الله؛ ولمخالفة عن شرع الله.. {زيادة في الكفر}.. ذلك أنه - كما أسلفنا - كفر مزاولة التشريع إلى جانب كفر الاعتقاد. {يضل به الذين كفروا}.. ويخدعون بما فيه من تلاعب وتحريف وتأويل.. {زين لهم سوء أعمالهم}.. فإذا هم يرون السوء حسناً، ويرون قبح الانحراف جمالاً، ولا يدركون ما هم فيه من ضلال ولجاج في الكفر بهذه الأعمال. {والله لا يهدي القوم الكافرين}.. الذين ستروا قلوبهم عن الهدى وستروا دلائل الهدى عن قلوبهم. فاستحقوا بذلك أن يتركهم الله لما هم فيه من ظلام وضلال.

ابن عاشور

تفسير : {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}. استئناف ابتدائي لإقامة نظام التوقيت للأمّة على الوجه الحق الصالح لجميع البشر، والمناسب لما وضع الله عليه نظام العالم الأرضي، وما يتّصل به من نظام العوالم السماوية، بوجه محكم لا مدخل لتحكّمات الناس فيه، وليوضّح تعيين الأشهر الحُرم من قوله: {أية : فإذا انسلخ الأشهر الحرم}تفسير : [التوبة: 5] بعدما عَقِبَ ذلك من التفاضيل في أحكام الأمن والحرب مع فرق الكفار من المشركين وغيرهم. والمقصود: ضبط الأشهر الحرم وإبطال مَا أدخله المشركون فيها من النسيء الذي أفسدَ أوقاتها، وأفضى إلى اختلاطها، وأزال حُرمة مالَهُ حرمة منها، وأكسب حرمة لما لا حرمة له منها. وإن ضبط التوقيت من أصول إقامة نظام الأمة ودفع الفوضى عن أحوالها. وافتتاح الكلام بحرف التوكيد للاهتمام بمضمونه لتتوجّه أسماع الناس وألبابهم إلى وعْيِهِ. والمراد بالشهور: الشهور القمرية بقرينة المقام، لأنّها المعروفة عند العرب وعند أغلب الأمم، وهي أقدم أشهر التوقيت في البشر وأضبطها لأنّ اختلاف أحوال القمر مساعد على اتّخاذ تلك الأحوال مواقيت للمواعيد والآجال، وتاريخِ الحوادث الماضية، بمجرّد المشاهدة، فإنّ القمر كرة تابعة لنظام الأرض. قال تعالى: {أية : لتعلموا عدد السنين والحساب}تفسير : [يونس: 5] ولأنّ الاستناد إلى الأحوال السماوية أضبط وأبعد عن الخطأ، لأنّها لا تتناولها أيدي الناس بالتغيير والتبديل، وما حدثت الأشهر الشمسية وسَنتها إلاّ بعد ظهور علم الفلك والميقات، فانتفع الناس بنظام سير الشمس في ضبط الفصول الأربعة، وجعلوها حساباً لتوقيت الأعمال التي لا يصلح لها إلاّ بعض الفصول، مثل الحرث والحصاد وأحوال الماشية، وقد كان الحساب الشمسي معروفاً عند القبط والكلدانيين، وجاءت التوراة بتعيين الأوقات القمرية للأشهر، وتعيين الشمسية للأعياد، ومعلوم أنّ الأعياد في الدرجة الثانية من أحوال البشر لأنّها راجعة إلى التحسين، فأمّا ضبط الأشهر فيرجع إلى الحاجي. فألْهم الله البشر، فيما ألهمهم من تأسيس أصول حضارتهم، أن اتّخذوا نظاماً لتوقيت أعمالهم المحتاجة للتوقيت، وأن جعلوه مستنداً إلى مشاهَدات بيّنة واضحة لسائر الناس، لا تنحجب عنهم إلا قليلاً في قليل، ثمّ لا تلبث أن تلوح لهم واضحة باهرة، وألهمهم أن اهتدوا إلى ظواهر ممّا خلق الله له نظاماً مطرداً. وذلك كواكب السماء ومنازلها، كما قال في بيان حكمة ذلك {أية : هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً وقدّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلاّ بالحق}تفسير : [يونس: 5]، وإن جعلوا توقيتهم اليومي مستنداً إلى ظهور نور الشمس ومغيبه عنهم، لأنّهم وجدوه على نظام لا يتغيّر، ولاشتراك الناس في مشاهدة ذلك، وبذلك تنظم اليومُ والليلة، وجعلوا توقيتهم الشهري بابتداء ظهور أول أجزاء القمر وهو المسمّى هلالاً إلى انتهاء محاقه فإذا عاد إلى مثل الظهور الأول فذلك ابتداء شَهْر آخر، وجعلوا مراتب أعداد أجزاء المدّة المسمّاةِ بالشهر مرتّبة بتزايد ضوء النصف المضيء من القمر كلّ ليلة، وبإعانة منازل ظهور القمر كلّ ليلة حذوَ شكل من النجوم سَمَّوه بالمنازل. وقد وجدوا ذلك على نظام مطّرد، ثم ألهمهم فرقبوا المدّة التي عاد فيها الثمَر أو الكلأ الذي ابتدأوا في مثله العَدّ وهي أوقات الفصول الأربعة، فوجدوها قد احتوت على اثني عشر شهراً فسمّوا تلك المدّة عاماً، فكانت الأشهر لذلك اثني عشر شهراً، لأنّ ما زاد على ذلك يعود إلى مثل الوقت الذي ابتدأوا فيه الحساب أوّل مرّة، ودعوها بأسماء لتمييز بعضها عن بعض دفعاً للغلط، وجعلوا لابتداء السنين بالحوادث على حسب اشتهارها عندهم، إن أرادوا ذلك وذلك واسع عليهم، فلمّا أراد الله أن يجعل للناس عبادات ومواسم وأعياداً دورية تكون مرّة في كلّ سنة، أمرهم أن يجعلوا العبادة في الوقت المماثل لوقت أختها ففرض على إبراهيم وبَنِيه حجّ البيت كلّ سنة في الشهر الثاني عشر، وجعل لهم زمناً محترماً بينهم يأمنون فيه على نفوسهم وأموالهم ويستطيعون فيه السفر البعيد وهي الأشهر الحرم، فلمّا حصل ذلك كله بمجموع تكوين الله تعالى للكواكب، وإيداعه الإلهام بالتفطّن لحكمتها، والتمكّن من ضبط مطرد أحوالها، وتعيينه ما عين من العبادات والأعمال بمواقيتها، كان ذلك كلّه مراداً عنده فلذلك قال: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض}. فمعنى قوله: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً}: أنّها كذلك في النظام الذي وضَع عليه هذه الأرض التي جعلها مقرَّ البشر باعتبار تمايز كلّ واحد فيها عن الآخر، فإذا تجاوزت الاثني عشر صار ما زاد على الاثني عشر مماثلاً لنظير له في وقت حلوله فاعتبر شيئاً مكرّراً. و{عند الله} معناه في حكمه وتقديره، فالعندية مجاز في الاعتبار والاعتداد، وهو ظرف معمول لــــ {عدّة} أو حال من {عدّة} و{في كتاب الله} صفة لــــ {اثنا عشر شهراً}. ومعنى {في كتاب الله} في تقديره، وهو التقدير الذي به وُجدت المقدورات، أعني تعلقّ القدرة بها تعلّقاً تنجيزياً كقوله: {أية : كتابا مؤجلا}تفسير : [آل عمران: 145] أي قدرا محدّداً، فكتاب هنا مصدر. بيان ذلك أنّه لمّا خلق القمر على ذلك النظام أراد من حكمته أن يكون طريقاً لحساب الزمان كما قال: {أية : وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب}تفسير : [يونس: 5] ولذلك قال هنا {يوم خلق السماوات والأرض} فــــ {يومَ} ظرف لــــ {كتاب الله} بمعنى التقدير الخاصّ، فإنّه لما خلق السماوات والأرض كان ممّا خلَق هذا النظامُ المنتسب بين القمر والأرض. ولهذا الوجه ذُكرت الأرض مع السماوات دون الاقتصار على السماوات، لأنّ تلك الظواهر التي للقمر، وكان بها القمر مجزَّءاً أجزاء، منذُ كونِه هلالاً، إلى رُبعه الأول، إلى البدر، إلى الربُع الثالث، إلى المحاق، وهي مقادير الأسابيع، إنّما هي مظاهر بحسب سمته من الأرض وانطباع ضوء الشمس على المقدار البادي منه للأرض. ولأنّ المنازل التي يحلّ فيها بعدد ليالي الشهر هي منازل فرضية بمرأى العين على حسب مسامتته الأرض من ناحية إحدى تلك الكُتل من الكواكب، التي تبدو للعين مجتمعة، وهي في نفس الأمر لها أبعاد متفاوتة لا تآلف بينها ولا اجتماع، ولأنّ طلوع الهلال في مثل الوقت الذي طلع فيه قبلَ أحد عشر طلوعاً من أي وقت ابتُدىءَ منه العد من أوقات الفصول، إنّما هو باعتبار أحوال أرضية. فلا جرم كان نظام الأشهر القمرية وسنَتُها حاصلاً من مجموع نظام خلق الأرض وخلق السماوات، أي الأجرام السماوية وأحوالها في أفلاكها، ولذلك ذكرت الأرض والسماوات معاً. وهذه الأشهر معلومة بأسمائها عند العرب، وقد اصطلحوا على أن جعلوا ابتداء حسابها بعد موسم الحجّ، فمبدأ السنة عندهم هو ظهور الهلال الذي بعد انتهاء الحجّ وذلك هلال المحرّم، فلذلك كان أول السنة العربية شهر المحرم بلا شكّ، ألا ترى قول لبيد:شعر : حتى إذا سَلَخَا جمادَى سِتةً جَزْءا فطَال صيامُه وصِيامها تفسير : أراد جمادى الثانية فوصفه بستّة لأنّه الشهر السادس من السنة العربية. وقرأ الجمهور {اثنا عشر} بفتح شين {عشر} وقرأه أبو جعفر {اثنا عْشَرَ} بسكون عين {عشر} مع مدّ ألف اثنا مُشْبَعاً. والأربعة الحرم هي المعروفة عندهم: ثلاثة منها متوالية لا اختلاف فيها بين العرب وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم، والرابع فرد وهو رجب عند جمهور العرب، إلاّ ربيعة فهم يجعلون الرابع رمضان ويسمّونه رَجَباً، وأحسب أنّهم يصفونه بالثاني مثل ربيع وجمادى، ولا اعتداد بهؤلاء لأنّهم شذّوا كما لم يعتدّ بالقبيلة التي كانت تُحلّ أشهر السنة كلَّها، وهي قضاعة. وقد بيّن إجمال هذه الآية النبي صلى الله عليه وسلم في حديث : خطبة حجّة الوداع بقوله: {منها أربعة حرم} «ذو القعدة وذو الحجّة والمحرم ورجب مُضر الذي بين جمادى وشعبان»تفسير : . وتحريم هذه الأشهر الأربعة ممّا شرعه الله لإبراهيم عليه السلام لمصلحة الناس، وإقامة الحجّ، كما قال تعالى: {أية : جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام}تفسير : [المائدة: 97]. واعلم أنّ تفضيل الأوقات والبقاع يشبه تفضيل الناس، فتفضيل الناس بما يصدر عنهم من الأعمال الصالحة، والأخلاق الكريمة، وتفضيل غيرهم ممّا لا إرادة له بما يقارنه من الفضائل، الواقعة فيه، أو المقارِنة له. فتفضيل الأوقات والبقاع إنّما يكون بجعل الله تعالى بخبر منه، أو بإطْلاع على مراده، لأنّ الله إذا فضلها جعلها مظانّ لتطلّب رضاه، مثل كونها مظانّ إجابة الدعوات، أو مضاعفةِ الحسنات، كما قال تعالى: {أية : ليلة القدر خير من ألف شهر}تفسير : [القدر: 3] أي من عبادة ألف شهر لمَنْ قبلَنا من الأمم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : صَلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلاّ المسجدَ الحَرام» تفسير : والله العليم بالحكمة التي لأجلها فُضّل زمنٌ على زمَن، وفُضّل مكانٌ على مكان والأمور المجعولة من الله تعالى هي شؤون وأحوال أرادها الله، فقدَّرها، فأشبهت الأمور الكونيه، فلا يُبطلها إلاّ إبطال من الله تعالى، كما أبطل تقديسَ السبت بالجمعة، وليس للناس أن يجعلوا تفضيلاً في أوقات دينية: لأنّ الأمور التي يجعلها الناس تشبه المصنوعات اليدوية، ولا يكون لها اعتبار إلاّ إذا أريدت بها مقاصد صالحة فليس للناس أن يغيّروا ما جعله الله تعالى من الفضل لأزمنةٍ أو أمكنةٍ أو ناس. {ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ}. الإشارة بقوله: {ذلك} إلى المذكور: من عدّةِ الشهور الاثني عشر، وعدّة الأشهر الحرم. أي ذلك التقسيم هو الدين الكامل، وما عداه لا يخلو من أن اعتراه التبديل أو التحكّمُ فيه لاختصاص بعض الناس بمعرفته على تفاوتهم في صحّة المعرفة. والدين: النظام المنسوب إلى الخالق الذي يُدان الناس به، أي يعامَلون بقوانينه. وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : إن الدين عند الله الإسلام} تفسير : في سورة آل عمران (19)، كما وصف بذلك في قوله تعالى: {أية : فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم}تفسير : [الروم: 30]. فكون عدّة الشهور اثني عشر تحقّق بأصل الخلقة لقوله عقبه {في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض}. وكون أربعةٍ من تلك الأشهر أشهراً حُرُما تحقّق بالجعل التشريعي للإشارة عقبه بقوله: {ذلك الدين القيم}، فحصل من مجموع ذلك أنّ كون الشهور اثني عشر وأنّ منها أربعة حرماً اعتبر من دين الإسلام وبذلك نسخ ما كان في شريعة التوراة من ضبط مواقيت الأعياد الدينية بالتاريخ الشمسي، وأبطل ما كان عليه أهل الجاهلية. وجملة: {ذلك الدين القيم} معترضة بين جملة {إن عدة الشهور} وجملة {فلا تظلموا فيهن أنفسكم}. {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ}. تفريع على {منها أربعة حُرم} فإنّها، لما كانت حرمتها ممّا شرعه الله، أوجب الله على الناس تعظيم حرمتها بأن يتجنّبوا الأعمال السيئة فيها. فالضمير المجرور بــــ {في} عائد إلى الأربعة الحرم: لأنّها أقرب مذكور، ولأنّه أنسب بسياق التحذير من ارتكاب الظلم فيها، وإلاّ لكان مجرّد اقتضاب بلا مناسبة، ولأنّ الكسائي والفرّاء ادّعيا أنّ الاستعمال جرى أن يكون ضمير جمع القلّة من المؤنث مثل هُنّ كما قال هنا {فيهن} إن ضمير جمع الكثرة من المؤنث مثل (ها) يعاملان معاملة الواحد كما قال: {منها أربعة حرم} ومعلوم أنّ جموع غير العاقل تعامل معاملة التأنيث، وقال الكسائي: إنّه من عجائب الاستعمال العربي ولذلك يقولون فيما دون العشر من الليالي «خلون» وفيما فوقها «خَلَت». وعن ابن عبّاس أنّه فسرّ ضمير فيهنّ بالأشهر الاثني عشر فالمعنى عنده: فلا تظلموا أنفسكم بالمعاصي في جميع السنة يعني أنّ حرمة الدين أعظم من حرمة الأشهر الأربعة في الجاهلية، وهذا يقتضي عدم التفرقة في ضمائر التأنيث بين {فيها} و{فيهن} وأنّ الاختلاف بينهما في الآيةِ تفنُّن وظلم النفس هو فعل ما نهى الله عنه وتوعّد عليه، فإنّ فعله إلقاء بالنفس إلى العذاب، فكان ظلماً للنفس قال تعالى: {أية : ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله}تفسير : [النساء: 64] الآية وقال: {أية : ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه}تفسير : [النساء: 110]. والأنفس تحتمل أنّها أنفس الظالمين في قوله: {فلا تظلموا} أي لا يظلم كلّ واحد نفسه. ووجه تخصيص المعاصي في هذه الأشهر بالنهي: أنّ الله جعلها مواقيت للعبادة، فإن لم يكن أحد متلبّساً بالعبادة فيها فليكن غير متلبس بالمعاصي، وليس النهي عن المعاصي فيها بمقتض أنّ المعاصي في غير هذه الأشهر ليست منهياً عنها، بل المراد أنّ المعصية فيها أعظم وأنّ العمل الصالح فيها أكثر أجراً، ونظيره قوله تعالى: {أية : ولا فسوق ولا جدال في الحجّ}تفسير : [البقرة: 197] فإنّ الفسوق منهي عنه في الحجّ وفي غيره. ويجوز أن يكون الظلم بمعنى الاعتداء، ويكون المراد بالأنفس أنفس غير الظالمين، وإضافتها إلى ضمير المخاطبين للتنبيه على أنّ الأمّة كالنفس من الجسد على حدّ قوله تعالى: {أية : فإذا دخلتم بيوتاً فسلّموا على أنفسكم}تفسير : [النور: 61]، أي على الناس الذين فيها على أرجح التأويلين في تلك الآية، وكقوله: {أية : إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم}تفسير : [آل عمران: 164] والمراد على هذا تأكيد حكم الأمن في هذه الأشهر، أي لا يعتدي أحد على آخر بالقتال كقوله تعالى: {أية : جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام}تفسير : [المائدة: 97] وإنّما يستقيم هذا المعنى بالنسبة لمعاملة المسلمين مع المشركين فيكون هذا تأكيداً لمنطوق قوله: {أية : فسيحوا في الأرض أربعة أشهر}تفسير : [التوبة: 2] ولمفهوم قوله: {أية : فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين}تفسير : [التوبة: 5] وهي مقيّدة بقوله: {أية : فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم}تفسير : [التوبة: 7] وقوله: {أية : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}تفسير : [البقرة: 194]. ولذلك لا يشكل الأمر بمقاتلة الرسول عليه الصلاة والسلام هوازن أياماً من ذي القعدة لأنهم ابتدأوا بقتال المسلمين قبل دخول الأشهر الحرم، فاستمرّت الحرب إلى أن دخلوا في شهر ذي القعدة، وما كان ليكفّ القتال عند مشارفة هزيمة المشركين وهم بدأوهم أوّلَ مرّة، وعلى هذا المحمل يكون حكم هذه الآية قد انتهى بانقراض المشركين من بلاد العرب بعد سنة الوفود. والمحمل الأول للآية أخذ به الجمهور، وأخذ بالمحمل الثاني جماعة: فقال ابن المسيّب، وابن شهاب، وقتادة، وعطاء الخراساني حَرَّمت الآية القتالَ في الأشهر الحرم ثم نُسخت بإباحة الجهاد في جميع الأوقات، فتكون هذه الآية مكمّلة لما بقي من مدّة حرمة الأشهر الحرم، حتّى يعُمّ جميع بلاد العرب حكمُ الإسلام بإسلام جمهور القبائل وضَربِ الجزية على بعض قبائل العرب وهم النصارى واليهود. وقال عطاء بن أبي رباح: يحرم الغزو في الأشهر الحرم إلاّ أن يبدأ العدوّ فيها بالقتال ولا نسخ في الآية. {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ}. أحسب أنّ موقع هذه الآية موقعُ الاحتراس من ظنّ أنّ النهيِ عن انتهاء الأشهر الحرم يَقتضي النهي عن قتال المشركين فيها إذا بدأوا بقتال المسلمين، وبهذا يؤذن التشبيه التعليلي في قوله: {كما يقاتلونكم كافة} فيكون المعنى فلا تنتهكوا حرمة الأشهر الحرم بالمعاصي، أو باعتدائكم على أعدائكم، فإن هم بَادَأوكم بالقتال فقاتلوهم على نحو قوله تعالى: {أية : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}تفسير : [البقرة: 194] فمقصود الكلام هو الأمر بقتال المشركين الذين يقاتلون المسلمين في الأشهر الحرم، وتعليله بأنّهم يستحلون تلك الأشهر في قتالهم المسلمين. و{كافّة} كلمة تدلّ على العموم والشمول بمنزلة (كلّ) لا يختلف لفظها باختلاف المؤكَّد من أفراد وتثنية وجمع، ولا من تذكير وتأنيث، وكأنّه مشتق من الكفّ عن استثناء بعض الأفراد، ومحلّها نصب على الحال من المؤكَّد بها، فهي في الأول تأكيد لقوله {المشركين} وفي الثاني تأكيد لضمير المخاطبين، والمقصود من تعميم الذوات تعميم الأحوال لأنّه تبع لعموم الذوات، أي كلّ فِرق المشركين، فكلّ فريق وُجد في حالة مَّا، وكان قد بادأ المسلمين بالقتال، فالمسلمون مأمورون بقتاله، فمن ذلك: كلّ فريق يكون كذلك في الأشهر الحُرُم، وكلّ فريق يكون كذلك في الحَرَم. والكاف في {كما يقاتلونكم} أصلها كاف التشبيه استعيرت للتعليل بتشبيه الشيء المعلول بعلّته، لأنه يقع على مثالها ومنه قوله تعالى: {أية : واذكروه كما هداكم}تفسير : [البقرة: 198]. وجملة {واعلموا أن الله مع المتّقين} تأييد وضمان بالنصر عند قتالهم المشركين، لأنّ المعية هنا معية تأييد على العمل، وليست معية عِلم، إذ لا تختصّ معيّة العلم بالمتّقين. وابتدئت الجملةُ بــــ {اعلموا} للاهتمام بمضمونها كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : واعلموا أن ما غنمتم من شيء}تفسير : [الأنفال: 41] الآية، بحيث يجب أن يعلموه ويَعوه. والجملة بمنزلة التذييل لما قبلها من أجل ما فيها من العموم في المتّقين، دون أن يقال واعلموا أنّ الله معكم ليحصل من ذكر الاسم الظاهر معنى العموم، فيفيد أنّ المتّصفين بالحال المحكية في الكلام السابق معدودون من جملة المتقين، لئلا يكون ذكر جملة {واعلموا أن الله مع المتّقين} غريباً عن السياق، فيحصل من ذلك كلام مستقلّ يجري مجرى المثل وإيجازٌ يفيد أنّهم حينئذٍ من المتّقين، وأنّ الله يؤيّدهم لتقواهم، وأنّ القتال في الأشهر الحرم في تلك الحالة طاعة لله وتقوى، وأنّ المشركين حينئذٍ هم المعتدون على حرمة الأشهر، وهم الحاملون على المقابلة بالمثل للدفاع عن النفس.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: عدة: أي عدد. الشهور: جمع شهر والشهر تسعة وعشرون يوماً، أو ثلاثون يوماً. في كتاب الله: أي كتاب المقادير: اللوح المحفوظ. أربعة حرم: هي رجب، والقعدة، والحجة، ومحرم، الواحد منها حرام والجمع حرم. الدين القيم: أي الشرع المستقيم الذي لا اعوجاج فيه. فلا تظلموا فيهن أنفسكم: أي لا ترتكبوا في الأشهر الحرم المعاصي فإنها أشد حرمة. كافة: أي جميعاً وفي كل الشهور حلالها وحرامها. مع المتقين: أي بالتأييد والنّصر، والمتقون هم الذين لا يعصون الله تعالى. إنما النسيء: أي تأخير حرمة شهر المحرم إلى صفر. يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً: أي النسيء عاماً يحلونه وعاماً يحرمونه. ليواطئوا عدة ما حرم الله: أي ليوافقوا عدد الشهور المحرمة وهي أربعة. زين لهم سوء عملهم: أي زين لهم الشيطان هذا التأخير للشهر الحرام وهو عمل سيء لأنه إفتيات على الشارع واحتيال على تحليل الحرام. معنى الآيتين عاد السياق للحديث على المشركين بعد ذلك الاعتراض الذي كان للحديث عن أهل الكتاب فقال تعالى {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً} لا تزيد ولا تنقص، وأنها هكذا في اللوح المحفوظ {يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ}. وأن منها أربعة أشهر حرم أي محرمات وهي رجب، والقعدة والحجة ومحرم، وحرمها الله تعالى أي حرم القتال فيها لتكون هدنة يتمكن العرب معها من السفر للتجارة وللحج والعمرة ولا يخافون أحداً، ولما جاء الإِسلام وأعز الله أهله، نسخ حرمة القتال فيها. وقوله تعالى {ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} أي تحريم هذه الأشهر واحترامها بعدم القتال فيها هو الشرع المستقيم وقوله تعالى {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} أي لا ترتكبوا الذنوب والمعاصي في الأشهر الحرم فإن ذلك يوجب غضب الله تعالى وسخطه عليكم فلا تعرضوا أنفسكم له، وقوله تعالى {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ} هذا خطاب للمؤمنين يأمرهم تعالى بقتال المشركين بعد انتهاء المدة التي جعلت لهم وهي أربعة أشهر وقوله {كَآفَّةً} أي جميعاً لا يتأخر منكم أحد كما هم يقاتلونكم مجتمعين على قتالكم فاجتمعوا أنتم على قتالهم، وقوله {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} وهم الذين اتقوا الشرك والمعاصي ومعناه أن الله معكم بنصره وتأييده على المشركين العصاة وقوله عز وجل {إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ} أي إنما تأخير حرمة محرم إلى صفر كما يفعل أهل الجاهلية ليستبيحوا القتال في الشهر الحرام بهذه الفُتيا الشيطانية هذا التأخير زيادة في كفر الكافرين، لأنه محاربة لشرع الله وهي كفر قطعاً لقوله تعالى {يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي بالنسيء يزدادون ضلالاً فوق ضلالهم. وقوله {يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً} يعني النسيء وهو الشهر الذي أخروه أي أخروا حرمته إلى الشهر الذي بعده ليتمكنوا من القتال في الشهر الحرام، فعاماً يحلون وعاماً يحرمون حتى يوافقوا عدة الأشهر الحُرُم بلا زيادة ولا نقصان، ظناً منهم أنهم ما عصوا مستترين بهذه الفتيا الإِبليسية كما قال تعالى {زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ} والمزين للباطل قطعاً هو الشيطان. وقوله تعالى {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} يخبر تعالى أنه عز وجل لا يهدي القوم الكافرين لما هو الحق والخير وذلك عقوبة لهم على كفرهم به وبرسوله، وإصرارهم على ذلك. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- بيان أن شهور السنة الهجرية اثنا عشر شهراً وأيامها ثلثمائة وخمسة وخمسون يوماً. 2- بيان أن الأشهر الحرم أربعة وقد بينها الرسول صلى الله عليه وسلم وهي رجب، والقعدة والحجة ومحرم. 3- حرمة الأشهر الحرم، ومضاعفة السيآت فيها أي قبح الذنوب فيها. 4- صفة المعية لله تعالى وهي معية خاصة بالنصر والتأييد لأهل تقواه. 5- حرمة الاحتيال على الشرع بالفتاوى الباطلة لاحلال الحرام، وأن هذا الاحتيال ما هو إلا زيادة في الإِثم. 6- تزيين الباطل وتحسين المنكر من الشيطان. 7- حرمان أهل الكفر والفسق من هداية الله تعالى وتوفيقه لما هو حق وخير حالاً ومآلاً.

القطان

تفسير : الشهور: واحدها شهر هو جزء من السنة القمرية يقدر بدورة القمر حول الأرض، ويسمى الشهرَ القمري، ويكون 29 يوما، وثلاثين يوما. منها اربعة حرم: جمع حرام، وهي من الحرمة بمعنى التعظيم. القيم: الصحيح المستقيم. النسيء: التأخير، تأخير حمة شهر الى شهر آخر. كان العرب في الجاهلية يؤخرون شهراً الى شهر آخر فكانوا مثلا يؤخرون المحرَّم الى صفر، وهكذا. وقد أبطله الاسلام. {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ...}. ان عدد الشهور في السنة القمرية اثنا عشر شهرا في حكم الله وتقديره، وفيما بيّنه في كُتبه منذ بدء العالم، ومن هذه الاثني عشر شهراً اربعةُ أشهرٍ محرّمة معظّمة يحرم فيها القتال، وهي: رجب وذو القعدة، وذو الحجة والمحرم. {ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ}. والتحريم للأشهر الاربعة المذكورة هو دينُ الله المستقيم، الذي لاتبديل فيه ولا تغيير، فلا تظلِموا أنفسَكم في هذه الأشهر باستحلال القتال فيها، او امتناعكم عنه اذا هاجمكم الأعداء. قاتِلوا أيها المؤمنون كلَّ من يقالتكم من المشركين جميعا، ولو كان ذلك في الأشهر الحرم. وذلك لأنهم انما يقاتلونكم لاطفاء نور الاسلام، فأنتم أَولى بالاتحاد لدفع العدوان وجعل كلمة الله هي العليا. {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ}. ينصركم ويعينهم ويوفقهم لما فيه خيرهم وصلاحهم. ومن كان الله معه فهو المنصور بلا جدال. وقت وقَّت الله بالأشهر القمرية لأنها هي الاشهر الجارية على سنن الطبيعة لا زيادة ولا نقصان، ولتدورَ المناسكُ على جميع فصول السنة. {إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ}. ورثت العربُ من ملّة إبراهيم وإسماعيل تحريمَ القتال في الاشهر الحرم لتأمين الحجّ وطُرُقه. ولما طال عليهم الأمد غيّروا وبدّلوا في المناسك وفي تحريم الأشهر، اذا كان يشِقُّ عليهم تركُ القتال وشنّ الغارات مدة ثلاثة أشهر متواليات، فكانوا يحلُّون شهر المحرَّم ويؤخرون تحريمه إلى صَفَرَ لتبقى الأشهر الحُرُم اربعة. وقال ابن كثير: انما كانت الاشهر المحرمة اربعة: ثلاثة سَرْد متوالية، وواحد فَرْدٌ وهو رَجَب، وذلك لأجل اداء المناسك، فحُرِّم قبلَ أشهرِ لاحج شهرٌ وهو ذو القعدة لأنهم يقعُدون فيه عن القتال، وحُرّم ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون بأداءِ المناسك. وحُرّم بعده شهر آخر هو المحرَّم ليرجِعوا فيه الى أقصى بلادِهم آمنين. وحرم رجَبُ في وسط الحول، لأجل زيارة البيت والاعتمار به، لمن يَقْدَم اليه من أقصى الجزيرة فيزوره ثم يعود الى وطنه فيه آمنا. قال ابن اسحاق: كان اولَ من نَسأَ الشهور على العربِ، فأحلَّ منها مان حرّم اللهُ، وحرَم منها ما أحلّ الله عز وجل - "القَلَمَّس" وهو حُذَيفة بن فقيم الكِناني، ثم قام بعده أولاده واحفاده بذلك. وكان آخرَهم جُنادةُ بن عوف، أبو ثمامة، وعليه قام الاسلام. فكانت العرب اذا فرغت من حجّها اجتمعت إليه، فقام فيهم خطيباً فحرَّم رجَباً وذا القعدة وذا الحجة ويُحِلَّ المحرّم عاماً ويجعل مكانه (صَفَرا) ويحرّمه عاما ليواطئ عدةَ ما حرّم الله، فحيلّ ما حرّم الله، ويحرّم ما أحلّ الله. ومعنى: {إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ...} الآية. إن تأخير هذه الأشهر الحُرُم او بعضِها مما رتّبها الله عليه (كما كان يفعل اهل الجاهلية) هو إمعانٌ في الكفر، به يزداد الذين كفروا ضلالاً فوق ضلالهم، وذلك لجعلهم الشهر الحرام حلالا. لقد زيَّن لهم الشيطانُ أعمالهم بهذه الشُّبهة الباطلة، واللهُ لا يهدي القوم الضالين المصرّين على كفرهم الى طريق الخير. قراءات: قرأ نافع برواية ورش: انما النسيُّ، والباقون: "النسيء" بالهمزة. وقرأ حمزة والكسائي وحفص: "يُضَلُّ" بضم الياء وفتح الضاد، وقرأ يعقوب: "يُضِل" بضم الياء وكسر الضاد. والباقون: "يَضِل" بفتح الياء وكسر الضاد.

د. أسعد حومد

تفسير : {كِتَابِ} {ٱلسَّمَٰوَٰتِ} {وَقَاتِلُواْ} {يُقَاتِلُونَكُمْ} (36) - خَطَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي حِجَّةِ الوَدَاعِ فَقَالَ: "حديث : أَلاَ إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ (أَيْ فَرَضَ اللهُ احْتِرَامَهَا، وَحَرَّمَ فِيهَا القِتَالَ عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ)، ثَلاَثَةٌ مُتَتَالِيَاتٌ: ذو القعدةِ وذو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَر بَيْنَ جُمادى وَشَعْبَانَ" تفسير : وَذَلِكَ هُوَ الشَّرْعُ الصَّحِيحُ، الذِي كَانَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ وَغَيْرُهُمَا، وَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَشْهُرِ الحُرُمِ مِنْ أَحْكَامٍ، فَلا تَظْلِمُوا فِي هَذِهِ الأَشْهُرِ الحُرُمِ أَنْفُسَكُمْ بِارْتِكَابِكُمُ المَعَاصِيَ لأِنَّ الإِثْمَ فِيهَا يَتَضَاعَفُ، كَمَا أَنَّ المَعَاصِي فِي البَلَدِ الحَرَامِ يَتَضَاعَفُ فِيهَا الإِثْمُ. وَالعَمَلُ الصَّالِحُ فِي الأَشْهُرِ الحُرُمِ وَفِي البَلَدِ الحَرَامِ أَعْظَمُ ثَوَاباً عِنْدَ اللهِ. (وَقِيلَ إِنَّ مَعْنَى - لاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ - هُوَ لاَ تَجْعَلُوا حَرَامَ هَذِهِ الأَشْهُرِ حَلاَلاً، وَلاَ حَلاَلَها حَرَاماً، كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الشِّرْكِ، وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ جَمِيعُكُمْ كَافَّةً، وَكُونُوا يَداً وَاحِدَةً فِي دَفْعِ عُدْوَانِهِمْ، وَكَفِّ أَذَاهُمْ، لأَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً لِهَدْمِ دِينِكُمْ، وَالقَضَاءِ عَلَيْهِ، وَإٍطْفَاءِ نُورِ اللهِ، فَأَنْتُمْ أَجْدَرُ بِالاتِّحَادِ لِدَفْعِ العُدْوَانِ، وَجَعْلِ كَلِمَةِ اللهِ هِيَ العُلْيَا، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ، يَنْصُرُهُمْ وَيَمُدُّهُمْ بِعَوْنِهِ وَجُنْدِهِ). (وَقِيلَ إِنَّ آيَةَ تَحْرِيمِ الأَشْهُرِ الحُرُمِ قَدْ نُسِخَتْ، بِدَلِيلِ أَنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم حَاصَرَ أَهْلَ الطَّائِفِ فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ ذِي القِعْدَةِ، وَبِدَلِيلِ أَنَّ اللهَ أَمَرَ بِقِتَالِ المُشْرِكِينَ دُونَ اسْتِثْنَاءٍ، وَقَالَ: فَلاَ تَظْلِمُوا فِيْهِنَّ أَنْفُسَكُمْ. وَدَلِيلُ السِّيَاقِ أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ أَمْراً عَاماً). الأَشْهُرُ الحُرُمُ - ذُو القِعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ وَرَجَب. الدِّينُ القَيِّمُ - الدِّينُ المُسْتَقِيمُ دِينُ إِبْرَاهِيمَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والشهر: هو دورة القمر كما هو معلوم، ونحن نعرف أن الكون فيه شمس وقمر وفيه نجوم، هذه هي الأشياء المرئية لنا، وهناك كواكب أخرى بعيدة عنا تستطيع أن تأخذ مليون شمس في جوفها، كل هذا يعطيك فكرة عن مدى اتساع الكون، فلا تعتقد أن الشمس هذه موجودة بذاتها، بل هي تأخذ أشياء من كواكب أعلى منها كثيرة، ولكن ما نراه بأعيننا محدود، وهناك ما لا يمكننا أن نراه؛ لأنه غير منظور لنا. وأنت إذا نظرت إلى مصباح كهربائي، فنور المصباح ليس ذاتياً، بل إن وراءه أجهزة كثيرة تمده بالكهرباء من أسلاك وكابلات وأكشاك، ثم محطة توليد الكهرباء التي تولد التيار الكهربائي، ثم المصانع التي أنتجت الآلات التي تعمل في محطة الكهرباء، إذن: فوراء هذا المصباح الصغير حجم هائل من العمل والأجهزة المختلفة. ونحن نرى الشمس فيها ضياء، والقمر فيه نور، فما الفرق بين الضياء والنور؟ الضياء: فيه نور وفيه حرارة. والنور: فيه ضوء وليس فيه حرارة. ولذلك يسمون ضوء القمر "الضوء الحليم"، أي: أنك عندما تجلس في ضوء القمر لا تحتاج إلى مظلة تحميك منه، ولكن إن جلست تحت ضوء الشمس فأنت تحتاج إلى مظلة تحميك من حرارة الشمس الشديدة. والحق سبحانه وتعالى يسمى الشمس سراجاً وهَّاجاً، والسراج فيه حرارة وفيه ضوء. أما القمر فسماه منيراً؛ لأن أشعة الشمس تنعكس عليه فينير، وهذان الكوكبان العلويان - الشمس والقمر - وضع الله فيهما موازين الزمن. والزمن له حالات كثيرة تتطلب موازين وقياسات مختلفة، وأساس الزمن هو اليوم والليلة، وأساس اليوم هو صباح وظهر وعصر ومغرب، وهناك الفجر الصادق والفجر الكاذب والشروق، وهناك أوقات يتساوى فيها الشيء وظله، وأوقات يكون الظل مثْلَيْ الشيء. والليل فيه الظلام، ويأتي بعد النهار والليل - في مقاييس الزمن - الشهورُ، وبعد الشهور تأتي السنوات. إذن: فمقاييس الزمن محتاجة لآلات تقاس بها، وأنت تعرف بداية اليوم بشروق الشمس. إذن فالشمس معيار اليوم. وأنت تعرف بداية الليل بغروب الشمس. وهكذا فالشمس تعطينا بداية ونهاية الليل والنهار، ولكنها لا تعطينا شيئاً عن الشهور، فإذا نظرت إلى الشمس فإنك لا تعرف هل أنت في أول الشهر أو في منتصفه أو في آخره. ولكنك إذا نظرت إلى القمر عرفت، ففي أول الشهر يكون القمر هلالاً، وفي منتصفه يكون بدراً، وفي آخره المحاق. والشهور عند الله اثنا عشر شهراً. وهكذا نرى أن الحق سبحانه وتعالى قبل أن يخلق الإنسان، ويجعله خليفة في الأرض؛ خلق له كوناً مُعَدَّا إعداداً حكيماً لاستقباله، فقدَّر في الأرض الأقوات وجعل الشمس والقمر وأنزل المطر، فكل ما يقيم حياة الإنسان كان موجوداً في الكون قبل أن يأتي الإنسان إليه. والإنسان جعله الله خليفة في الأرض وله حركة، وهي الأحداث التي تقع منه أو تقع فيه أو تقع عليه، والأحداث تتطلب زماناً ومكاناً، ولذلك خلق الله لها الزمان والمكان. إذن: فالحياة كلها تفاعل بين حركة الإنسان الخليفة وبين الزمان والمكان. وكما أعدَّ الله سبحانه وتعالى للإنسان في كونه مقومات حياته اليومية.. أنزل له القيم التي تحفظ له معنويات حياته، وأراد بها الحق سبحانه وتعالى أن تتساند حركة الإنسان ولا تتعاند، ومعنى التساند أنْ تتحد حركة الناس جميعاً في إيجاد النافع لمزيد من الإصلاح في الأرض، أما إن تعاندت حركات البشر ضد بعضها البعض، فإن الفساد يظهر في الأرض؛ لأن كل واحد يريد أن يهدم ما يفعله الآخر. ولكي تتساند حركات الإنسان في الكون؛ فلا بد من مُشَرِّع واحد - وهو المشرع الأعلى - يعطي قوانين الحركة البشرية لكل الناس. وإن ابتعد الناس عن تشريعات الله تعالى، وأخذوا يقنِّنون لأنفسهم، نجد قوانين البشر تتبع أهواءهم، وكل واحد يحاول أن يحصل على مَيْزات لنفسه، ويأخذ حقوق الآخرين؛ فتفسد الحياة، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَاتُ وَٱلأَرْضُ}تفسير : [المؤمنون: 71]. إن اتباع الحق لأهوائهم سيُخضِعُ الكون لأهواء البشر، هذا يريد وهذا لا يريد، والحق سبحانه يريد في الكون حركة السلام والأمن والاطمئنان، وهذه لا تتم إلا إذا التزم كل إنسان بمنهج الله؛ حينئذ يوجد سلام دائم ومستوعب شامل، مستوعب لسلام الإنسان مع نفسه، ولسلام الإنسان مع الكون، ولسلام الإنسان مع الله، لكن الإنسان الذي خلقه الله مُخيَّراً وأنزل له المنهج بالتكليف، في إمكانه أن يطيع هذا المنهج أو أن يعصيه. وإن عصى الإنسان المنهج فهو يفسد في الأرض وينشر فيها الظلم والفساد. وأراد الحق سبحانه أن يضع للسلام ضماناً، وهو أن توجد قوة تقف أمام الفساد في الأرض؛ لذلك شاء الحق أن يكون للحرب وجود في هذا الكون؛ لتتصارع الإرادات، فما دام للإنسان اختيار، وما دام هناك من يعصي ومن يطيع، فلا بد أن يحدث الصراع. أما الأمور التي لا اختيار للإنسان فيها فهي لا تعكر السلام في الكون، فلن تقوم ثورة - مثلاً - لكي تشرق الشمس، أو تشتعل حرب لإنزال المطر؛ لأن هذه الأمور تسير بقوانين القهر التي أرادها الله لها، وتعطي نفعها للجميع، ولكن الفساد يأتي من انحراف الناس عن منهج الله، وما دام في الكون حراس للمنهج من البشر، بحيث إذا انحرف إنسان ضربوا على يده حتى يعود إلى الطريق السليم؛ فإن الحياة المطمئنة الآمنة تبقى. ولكن إن عَمَّ الفساد، ولم يوجد في المجتمع من يقف ضده تعاندت حركات الحياة وتعب الناس في حياتهم وأرزاقهم. ولكي يسود السلام في الكون؛ وضع الحق سبحانه في الزمن وفي المكان حواجز أمام طغيان النفوس؛ عَلَّها تفيق وتعود إلى الحق، فجعل في الزمان أشهراً حُرماً يمتنع فيها القتال، ويسود فيها السلام بأمر السماء، وأراد الحق أن يكون هذا السلام القسري فرصة تجعل هؤلاء المتحاربين يفيقون إلى رشدهم وينهون الخلاف بينهم، كذلك خصَّ الله بعض الأماكن بتحريم القتال فيها، فإذا التقى الناس في هذه الأماكن كانت هناك فرصة لتصفية النفوس وإنهاء الخلاف. والإنسان في حربه مع أخيه الإنسان يُنهك بنيران ونتائج الحرب، تنهكه دماً، وتنهكه مالاً، وتنهكه عتاداً، ويصيب الضعفُ الإنسان نتيجة هذه الإنهاكات منتصراً كان أم مهزوماً، ولكنه أمام عزة نفسه في مواجهة خصمه يريد أن يستمر في الحرب حتى لا يظهر أمام الخصم بأنه قد ذُلَّ. فيشاء الله برحمته لخلقه أن يجعل في الزمان وفي المكان ما يحرم فيه القتال؛ حتى لا يقال: إن قبيلة ما أو جماعة ما قد أوقفت القتال خوفاً من خصومها، أو لأن خصومها هم الأقوى؛ ولكن ليقول الناس: إنهم أوقفوا الحرب بأمر الله. وبهذا يحتفظ كل طرف من الأطراف المتحاربة بكرامته؛ فيسهل الصلح وتسلم الأرواح والنفوس. وكذلك إن لجأ واحد من المتحاربين إلى المكان أو الأماكن التي يحرم الله فيها القتال، أمن على نفسه، وفي هذا منع للشر أن يستمر، وصون للنفوس من المهانة والذلة والانكسار أمام الغير؛ لذلك أراد الله أن يوضح لنا: أنا خالقكم، وأنا الرحيم بكم، وسأجعل لكم من الزمان زماناً أحرم فيه القتال، وأجعل مكاناً مَنْ دخله كان آمناً، فاستتروا وراء ذلك وكُفُّوا عن القتال. وهذه هي بعض من رحمة الله، يعطي بها سبحانه للناس فرص الحياة، وهذا من عطاءات الربوبية، وعطاء الربوبية من الله هو لخلقه جميعاً، المؤمن منهم والكافر، والطائع والعاصي، وكل نعم الكون من عطاءات ربوبية الله. إن عطاءات الله سبحانه لا تفرق بين المؤمن والكافر، فالأرض مثلاً لا تعطي الزرع للطائع وتمنعه عن العاصي، والشمس لا تضيء وتسقط دفئها وحرارتها للمؤمن دون الكافر؛ فَنِعَمُ الكون المادية كلها من عطاء ربوبية الله سبحانه وتعالى لخلقه. الأسباب - إذن - هي للناس جميعاً، ولهم أن يتخذوا الأزمان المواتية لحركة الحياة كما يحبون، فيسيرون الزراعات على أي تقويم، ويحددون المواسم على حسب ما يفيدهم، وهم يحددون بذلك مصالحهم المادية التي هي من عطاء الربوبية. ولكن الله رب قَيِّم، ولذلك فهناك عطاء ألوهية لله في المنهج الذي أرسل به الرسل للناس فأوضح: أنا أختار الزمان الذي أجده مناسباً للقيم والمعاني السامية، وأختار الأماكن المناسبة للقيم والمعاني السامية. وأراد الحق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم أن يشيع اصطفاء المكان والزمان لكل الزمان والمكان. والشهور والأزمان عند الله هي اثنا عشر شهراً، وما دام قد قال: {عِندَ ٱللَّهِ}، فهناك "عند" غير الله؛ وهناك "عند" الناس. وأوضح سبحانه لخلقه: قَدِّروا أزمانكم بمصالحكم، وهذا ما يحدث في الواقع المعاش.. إنك تجد من يزرع حسب التقويم القبطي، حيث تكون شهور الصيف فيه ثابتة، وكذلك شهور الشتاء والربيع والخريف؛ لأن التقويم القبطي قائم على التقويم الشمسي. ولكن الحق سبحانه وتعالى يريد للقيم أزماناً مخصوصة؛ لذلك قال: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً} وأوضح سبحانه: لا تجعلوا زمن القيم كالأزمان التي تجعلونها لمصالحكم. وأراد الله سبحانه أن تعم القِيمَ كل الزمن، ولا تكون مقصورة على أزمان معينة، ولذلك اختار سبحانه أزماناً للصلاة مثلاً، فصلاة الصبح لها قوت، وصلاة الظهر لها وقت، والعصر لها وقت، والمغرب لها وقت، والعشاء لها وقت. ولكن أوقات الصلاة رغم أنها محدودة فهي تشمل الزمن كله؛ فالصلاة تقام مثلاً في أسوان، وبعد دقائق في الأقصر، وبعد دقائق في القاهرة، وبعد دقائق في الإسكندرية، ثم تتدرج إلى دول أوربا، وهكذا. فكأنها لا تتوقف عند فترة معينة، بل هي مستمرة حسب اختلاف الأوقات في الدول المختلفة، فصلاة الفجر - على سبيل المثال - قبل شروق الشمس. والشمس تشرق في كل دقيقة على بقعة مختلفة من الأرض. فكأن الصلاة دائمة على سطح الأرض. بل أكثر من ذلك نجد أننا في الوقت الذي نصلي فيه نحن الظهر، قد يصلي غيرنا العصر في شمال أوربا، والمغرب في أمريكا، والعشاء في كندا مثلاً، فكأن الصلاة تقام في كل وقت على ظهر الأرض؛ ذلك لأن الكون كله مُسبِّح لله. ونأتي بعد ذلك إلى اختيار الله ليوم وقفة عرفات، ولشهر الصوم وغير ذلك من الأوقات، فشهر رمضان يأتي مرة في الصيف، كما يأتي في الشتاء وفي الربيع، وفي الخريف. كذلك الحج يأتي في فصول السنة المختلفة. وهكذا شاء عدل الله أن تكون الأيام المفضلة عنده مُوزَّعة على الزمن كله. وجعل الحق سبحانه وحدة الزمن هي اليوم، واليوم يتكون من الليل والنهار، والأيام وحدتها الشهر، والشهور وحدتها العام، وجعل من مهمة الشمس أن تحدد لنا اليوم، ومن مهمة القمر أن يحدد لنا الشهر؛ فهو في أول الشهر هلال، ثم تربيع أول وتربيع ثانٍ فبدْر إلى آخره. إذن فالقمر هو الذي يحدد بداية الشهر ونهايته. ولقد حدد الحق سبحانه شهور العام، فقال: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً} وقال: {مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}. ولكن لماذا لم يجعل الحق الأشهر سلاماً؟ نقول: إن الحق في تشريعه أراد أن يسود السلام، ولكن الحرب أيضاً قد تكون سبباً لتحقيق السلام، فليس كل إنسان أو مجتمع يسير على الجادة، فمن الممكن أن تخرج جماعة عن الجادة، ولهذا لا بد من قتال تلك الجماعة، ولا بد كذلك من وقفة للخير أمام الشر، وما دام الإنسان له اختيار؛ فقد يسير في اختياره إلى ناحية السوء؛ لذلك لا بد أن يضرب المجتمع على يد المسيء، وإذا ما اختارت دولة قتال دولة أخرى اعتداءً، فالحرب ضرورة للدفاع. وكذلك لو أن الحق قد جعل العام كله أياماً حُرُماً لأذلَّ الكفار والمشركون المؤمنين؛ لأن الكفار والمشركين سيعصون الله ويحاربون، والمؤمنون ملتزمون بأمر الله، فكأن الله قد فرض العبودية على المؤمن به. وأعطى السيادة لغير المؤمن. ثم إن قوى الخير والشر تتصارع في هذا الكون، وقوى الحق والباطل تتقاتل، ولا بد من وقفة للحق أمام الباطل، ولذلك أباح الحق في الأشهر الحرم القتال، حتى إذا استشرى الباطل تصدى له الحق بالقوة، ولذلك قال شوقي: شعر : الحرْبُ في حَقٍّ لَديْكَ شريعةٌ ومِنَ السُّمُومِ النَّافِعَاتِ دَوَاءُ تفسير : إذن: فقد شاء الله أن يوجد من يقاوم الباطل، وضمن للحق أن يحارب الباطل ويواجهه؛ لذلك لم يشرع تحريم القتال في العام كله. ولكنه شرع هذا التحريم فقط أربعة أشهر يذوق الناس فيها حلاوة السلام ويتوقف فيها القتال وتتاح الفرصة للصلح. ولقد أوجد سبحانه في الكون سُنَّة، هي أنه إذا ما التقى حق وباطل في المعركة فالباطل ينهزم في وقت قصير. وإن رأيت معركة تطول سنوات طويلة فاعرف أنه بين باطل وباطل، وإذا قامت الحرب بين وباطل فإن السماء لا تتدخل، وأما إذا قامت المعركة بين حق وباطل فإن السماء تنصر الحق على الباطل. ولا تقوم معركة بين حَقَّيْن أبداً؛ لأن الحق في الدنيا كلها واحد، فلا يوجد حقان، بل حق وباطل، وإن وجد الصراع فإنه لا يطول بينهما؛ لأن الباطل زهوق بطبيعته، وإن وجدت حرب بين باطلين، فالسماء توضح لنا أنه لا يوجد باطل منهما أولى بأن ينصره الله على الآخر؛ بل يترك سبحانه هذا الصراع لأسبابهم؛ مما يطيل أمد الحرب. وحين شرع الله الأشهر الحرم، ضمن الناس مطلوبات السلام الدائم؛ لأن الناس تنهكهم الحرب ويحبون أن يرتاحوا منها، فإذا جاءت الأشهر الحرم كانت فرصة للناس ليوقفوا الحرب، دون أن يشعر أحدهم بالذل والهوان والهزيمة. ونحن نلجأ إلى ذلك أحياناً، فإذا كنا في بيت يسكنه عدد من الناس - كما يحدث في الريف - وسُرِق شيء ثمين من هذا البيت، والسارق من السكان ونريد منه أن يعيده دون أن ينكشف أمره فهم يحددون مكاناً معيناً، وكل واحد من سكان البيت يأتي ليلاً ويضع حفنة من التراب في هذا المكان، لعل السارق يضع ما سرقه دون أن يعرفه أحد، وفي هذا ستر له فلا ينفضح أمام الناس. والأشهر الحرم فرصة للسلام دون أن ينفضح أحد من الأطراف المتحاربة أمام الناس بأنه ضعيف أو غير قادر على الاستمرار في الحرب، وتتوقف خلالها الحرب وقد ستر الله كل أطرافها، وتقوى خلالها فرص أكبر للسلام والصلح، وبذلك تكون فرص السلام أكبر من فرص الحرب بكثير. ولكن ماذا يحدث عندما يعتدي عصاة غير مطيعين لله على المؤمنين في الأشهر الحرم التي حرم الله القتال فيها؟ إن الحق سبحانه لا يعني بتشريعاته أبداً أن تكون مصدر إذلال للمؤمنين وإعزاز للكافرين؛ ولذلك ينبهنا إلى أننا يجب ألا نسمح لأعداء الله بأن يستغلوا حرمة الأشهر الحرم ليتمادوا في العدوان على المؤمنين، فأباح للمؤمنين القتال في هذه الأشهر إذا قاتلهم الكفار فيها، وكذلك في الأماكن المحرَّم فيها القتال، فقال: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ...}تفسير : [البقرة: 217]. وهكذا أباح الله القتال في الشهر الحرام ليدافع المؤمنون فيه عن أنفسهم إذا بدأهم الكفار بالقتال، وأباح الحق سبحانه أيضاً القتال في المسجد الحرام إذا قام الكفار بقتال المؤمنين فيه، رغم أننا نعلم أن تحريم القتال في المسجد الحرام هو تحريم دائم، ولكن الحق سبحانه وضع استثناء فقال: {أية : وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 191]. وهكذا جاء التقنين الإلهي ليحمي المؤمنين من طغيان الكافرين، فالمؤمنون يلتزمون بعدم القتال في الأشهر الحرم كما أمر الله؛ بشرط التزام الطرف الآخر الذي يقاتلهم، فإن لم يلتزم الكفار بهذا التحريم، فسبحانه لا يترك المؤمنين للهزيمة، وهكذا شاء الحق أن يضع التشريعات المناسبة لهذا الموقف. فإن احترمها الطرفان كان بها، أما إن خالفها الكفار فقد سمح الله للمؤمنين بالقتال. وهنا يقول سبحانه: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} والكتاب يطلق على الشيء المكتوب المدوَّن، ولا يُدوَّن الكلام إلا إذا كانت له أهمية ما، أما الأحاديث التي تتم بين الناس فهم لا يكتبونها ولا تُدوَّن. بينما الكلام المهم وحده هو الذي يُكتب حتى يكون حجة في الاستشهاد به في حالة وجود خلاف. ولكن أين {كِتَابِ ٱللَّهِ} الذي كُتِبَ فيه هذا؟ إنه اللوح المحفوظ عند الله، والمهيمن على كل الكتب التي نزلت في مواكب الرسل، ويقصد بالكتاب - أيضاً - القرآن الكريم الذي نزلت فيه هذه الآية، وقد جاء القرآن جامعاً لمنهج الله بدءاً بآدم عليه السلام إلى أن تقوم الساعة. وتغير في القرآن كثير من الأحكام الموجودة في الرسالات السابقة، أما العقائد فهي واحدة. كما أن القرآن قد تضمن الحقائق الكونية التي لم تكن معروفة وقت نزوله، والمثال هو قوله الحق: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ...} تفسير : [البقرة: 189]. وأيضاً يقول الحق سبحانه: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ...}تفسير : [يونس: 5]. فكأنه ربط السنين والحساب بالقمر، وهذا الحساب هو من ضمن إعجازات الأداء البياني في القرآن؛ لأن العالم قد بحث عن أدق حساب للزمن، فلم يجد أدق من حساب القمر، وكل الأحياء المائية تعتمد في حسابها على الحساب القمري، والله سبحانه يريد منا حين نقرأ كتاباً أن نتمعن في وضع الألفاظ في موضعها. فيقول سبحانه: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} وبعد ذلك يأتي باستثناء هو: {مِنْهَآ} أي من الاثني عشر شهراً {أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}، ولقائل أن يقول: لماذا لم يقل الله: "فيها" بدلاً من {فِيهِنَّ} ما دام قد قال من قبل: {مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}؟ ونقول: إن الحق ينهى عن الظلم العام في كل الشهور، وإن كان المقصود الأشهر الحرم الأربعة، فالمقصود النهي عن ظلم الحرب. وهنا قاعدة لغوية يجب أن نلتفت إليها؛ وعندنا في اللغة جمع قلة وجمع كثرة؛ جمع القلة من ثلاثة إلى عشرة، ويختلط الأمر على بعض الناس في مسألة جمع القلة وجمع الكثرة، وجمع التكسير وجمع الصحيح. فجمع القلة وجمع الكثرة، غير جمع التكسير، والجمع الصحيح؛ لأن التكسير هو أن تكسير بنية الكلمة، فمثلاً بيت جمعها بيوت، ورسول جمعها رسل؛ هنا كسرْتَ بنية الكلمة أي: غيَّرتها. أما إن قلت: "مسلم" فجمعها "مسلمون"، وهنا تضيف "واواً ونوناً"، ولكن كلمة "مسلم" صحيحة، أي أننا لم نكسر المفرد. ولكن إن قلت: "سفينة" وجمعها "سفن" تكون قد كسرت المفرد. وقول الحق هنا: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} فما دام العدد هو اثنا عشر شهراً تكون قد زادت عن جمع القلة؛ لأن جمع القلة من ثلاثة إلى عشرة، وجمع القلة يعاملونه معاملة الجماعة. وإن زاد على عشرة يعاملونه معاملة المفرد المؤنث، مثل وضع الشهور الأربعة المحرمة في كتاب الله، ولذلك قال: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} وجاء هنا بـ"نون النسوة" للجمع. والقاعدة - كما قلنا - إن جمع القلة يعامل معاملة الجماعة، فإن كان جمع كثرة عومل معاملة المفرد المؤنث؛ لأن الفرد يكون معصوماً بالجماعة، أي أنه بمفرده ضعيف. فإن وجد جماعة ينتمي إليها فهو يُحِسُّ بالقوة. إذن: فالفرد يعصم بالجماعة، وبهذا تعامل الحماعة كلها كهيئة واحدة، وهناك شاعر يستهزىء بقوة جماعة ما، فيقول: شعر : لاَ أُبَالِي بِجمْعِهِنَّ فَجَمْـ ـعُهُنَّ كُلُّ جَمْعٍ مُؤنَّثٍ تفسير : إذن: فكل جمع يكون مؤنثاً، وهذا ما ينطبق على قوله سبحانه وتعالى هنا: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}. وأكرر: إن أردت الظلم العام فإن الله قد حرم الظلم في كل شهور السنة؛ سواء ظلمك لنفسك أم ظلمك للناس، وإن أردتَ من معنى الكلام تحريم الحرب في الأشهر الحرم تكون: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} قد أتت بالمؤنث. ومعنى قوله: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} أي: إياكم أن تظنوا أن مخالفتكم لمنهج الله يحدث منها شيء يضر الحق سبحانه، فكل ما يحدث من ظلمكم لأنفسكم هو أن تضروا أنفسكم أو غيركم، لكن لن يضر أحدكم الله؛ لأن صفات الله في الكون لا تتأثر أطاع الخلق أم عَصَوا. ولذلك فإن اتباع منهج الله هو أمر لصالح الناس، لصالحنا نحن، فانصرافنا عن المنهج لا يضر الله سبحانه شيئاً ولكن يضرنا نحن، فكل ما أنزله الله من قيم هو لصالحنا حرباً وسلاماً، وتحريماً وتحليلاً. ولكن لماذا خصَّ الحق سبحانه الشمس بحساب اليوم، والقمر بحساب الشهر؟ وأقول: لأن الله سبحانه يريد أن يوزع الفضل على كل الزمن، وأن ييسر على الناس أداء مناسكه وما يكلفهم به. فلو حسبت الشهور بالشمس لكان ميعاد الحج كل عام في أشهر الصيف دائماً، ومن يعيش مثلاً في بلاد باردة إن ذهب إلى الحج صيفاً يتعرض لأخطار شديدة، فكأنه ليس هناك عدل بين الذين يعيشون في مناطق باردة، والذين يعيشون في مناطق حارة في أداء مناسك الحج، فلو كان ميعاد الحج هو الصيف دائماً، فسوف يؤديه الذين يعيشون في المناطق الحارة بسهولة، بينما يؤديه من يحيا في المناطق الباردة بصعوبة، ولتمام عدل الله بين خلقه نجده سبحانه قد أدار الأشهر القمرية في السنة الميلادية، فلا يأتي الحج أبداً في طقس واحد، وبذلك تستوي كل البيئات وكل الناس في أحكام الله. وأيضا صوم رمضان لو كان يأتي في الصيف دائماً، لوجدنا بعض الناس سيصومون ثماني أو تسع ساعات، والذين يعيشون قرب القطب الشمالي يصومون عشرين ساعة في اليوم، ولكن مجيء رمضان في فصول السنة كلها يجعل أولئك الذين يعيشون قرب القطب الشمالي يصومون مرة تسع عشرة ساعة مثلاً، ومرة ساعتين أو ثلاثاً، وهذه تعوض تلك، فيتم العدل، وإذا أخذنا متوسط ساعات الصيام بالنسبة لهؤلاء الناس على مدار السنة، نجد أن فترات صومهم فترة تسع عشرة ساعة وفترات ثلاث ساعات، وبذلك يتساوون في المتوسط مع أولئك الذين يصومون ثماني أو تسع ساعات يومياً. ونجد بالحساب أن تقويم الهلال ينقص عن تقويم الشمس بمقدار أحد عشر يوماً وثلث يوم كل عام، ويكون الفرق عاماً كاملاً كل ثلاث وثلاثين سنة وثلث العام، أي أن رمضان يأتي مرة في يناير ومرة في فبراير ومرة في مارس، وكذلك الحج، وبذلك تتكافأ الفرص بين المؤمنين جميعاً، فالذين يصومون في الصيف المعروف بيومه الطويل، يصومون في الشتاء ويومه قصير. والذين يعانون من الصوم في حرارة الجو، يصومون أيضاً في برد الشتاء، وهكذا يدور رمضان والحج في شهور العام كله، وبذلك يتم عدل الله على الجميع بالتشريع الحق، ويدور التكليف مشقة ويُسْراً وصعوبة وسهولة على جميع المؤمنين. وإذا نظرنا إلى ربط اليوم بالشمس نجد أن الحق سبحانه وتعالى الذي ربط أوقات الصلاة بالشمس، كفل لها الدوام التكليفي، لماذا؟ لأن القمر نراه أياماً، ولكننا لا نراه في أيام المحاق، فلو ربطنا الصلاة بالقمر لضاع منا الدوام، مضافاً إلى ذلك أن القمر يظهر لنا في أوقات غير متساوية؛ فعندما يكون هلالاً لا يظهر للعين في الأفق معدودة، ولكن الشمس تشرق كل يوم في وقت محدد، وتغيب كل يوم في وقت محدد، وهي بضوئها ظاهرة للناس كل الناس من الشروق إلى الغروب، فلا يجدون مشقة في رؤيتها. ولذلك فربْطُ الصلاة بالشمس فيه يُسْر التكليف ودوامه، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصلاة عماد الدين، من أقامها أقام الدين" تفسير : وهي الركن الوحيد من أركان الإسلام الذي لا يسقط أبداً؛ لأن الفقير تسقط عنه الزكاة، والمريض يسقط عنه الصوم، وغير المستطيع يسقط عنه الحج، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله يكفي أن تقال مرة واحدة في العمر، ولكن إقامة الصلاة لا تسقط أبداً. إذن فهي عماد الدين، ولذلك تتكرر خمس مرات يومياً لكل أهل الأرض، فالصبح في دولة قد يكون ظهراً في دولة ثانية، وعصراً في دولة ثالثة ومغرباً في دولة رابعة وعشاء في دولة خامسة؛ وذلك بسبب فروق التوقيت بين دول العالم، وهكذا تكون في كل لحظة من الزمن جميع أوقات الصلاة قائمة على الأرض، فيظل الله سبحانه وتعالى معبوداً بالصلاة في كل الزمن في كل بقاع الأرض. وهكذا يرتفع الأذان: الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمداً رسول الله في كل لحظة على الأرض. قد نجد رجلاً أمياً لا يعرف القراءة أو الكتابة، لكن له إشراقات نورانية، أفاض الله عليه يقول: يا زمن وفيك كل الزمن، أي يا فجر وفيك كل أوقات الصلاة على سطح الأرض. ولذلك فظاهر الأمر أن الصلوات خمس، والحقيقة أن الصلاة دائمة على وجه الأرض في كل ثانية، ولا يوجد جزء من الزمن إلا والله معبود فيه بعبادات كل الزمن، أي أنه في كل لحظة تمر نجد الله معبوداً بالصلوات الخمس على ظهر الأرض. وهذا سبب ربط الصلاة بالشمس. وإذا عرفنا هذه الحقيقة، وعلمنا أن الكون كله يصلي لله في كل لحظة من الزمن، فإننا نعلم أن القرآن يتسع لأشياء كثيرة، وأن كل جيل يأخذ من القرآن على قدر عقله، فإذا ارتقى العقل أعطى القرآن عطاءً جديداً. وهذا ما يؤكد أن آيات القرآن يتسع إدراكها في الذهن كلما مر الزمن، فنتنبه إلى معان جديدة لم نكن ندركها. وعندما يأتي المستشرقون ليقولوا: إن في القرآن تناقضاً في الكونيات. نقول لهم: مستحيل. فيقولون: لقد جاء في القرآن: {أية : قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الشعراء: 28]. ويقول: {أية : رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ} تفسير : [الرحمن: 17]. ويقول: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ...}تفسير : [المعارج: 40]. وبين هذه الآيات تناقض ظاهر. ونرد: إن التقدم العلمي جعلنا نفهم بعمق معنى هذه الآيات، فكل مكان على الأرض له مشرق وله مغرب، هذه هي النظرة العامة، إذن فقوله تعالى: {رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ} صحيح، ثم عرفنا أن الشمس حين تشرق عندي، تغرب عند قوم آخرين، وحين تغرب عندي تشرق عند قوم آخرين، إذن فمع كل مشرق مغرب ومع كل مغرب مشرق، فيكون هناك مشرقان ومغربان. ثم عرفنا أن الشمس لها مشرق كل يوم ومغرب كل يوم يختلف عن الآخر. وفي كل ثانية هناك شروق وغروب، إذن فالقسم هنا {بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ}؛ لأن المشارق والمغارب مختلفة على مدار السنة. فإذا سأل أحدهم: لماذا تخصون القمر لحساب الزمن وتخصون الشمس لحساب اليوم؟ نقول: إن الشمس مرتبطة بعلامة يومية ظاهرة وهي النهار، واختفاؤها عنك مرتبط بعلامة يومية ظاهرة وهي الليل. ولكن القمر غير مرتبط بعلامة يومية، صحيح أن القمر موجود دائماً، ولكن الإنسان لا يستطيع أن يدركه أو يراه إلا في أوقات محددة. بعض الناس يقول: إذا كان المقصود بهذه الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - هو بيان الأشهر الأربعة الحرم، فما فائدة باقي أشهر السنة؟ ونقول: إنك لن تستطيع أن تحدد الأشهر الحرم إلا من خلال بيان وتوضيح أمر السنة ومعرفة عدد أشهرها، وهذا أمر ضروري أيضاً حتى تستطيع أن تحدد الأشهر الأربعة الحرم في العام. وإلا كيف يمكن أن نميز هذه الأشهر وزمنها؟ لا بد لنا إذن من أن نعلم أن هناك عاماً، وأن العام فيه اثنا عشر شهراً لنستطيع أن نحدد الأشهر الحرم. والأشهر الحرم منها ثلاثة متتابعة وشهر فرد، والأشهر المتتابعة هي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وشهر رجب هو الشهر الفرد. وتحديد الحق لهذه الأشهر الأربعة يعني أنها تتميز بخصوصيات؛ لأن الحق سبحانه وتعالى لو أراد أن تكون هذه الشهور في أي وقت من السنة لتركها لنا لنحددها بمعرفتنا فنختار أي أربعة أشهر على هوانا، لنمتنع فيها عن القتال، ولكن كون الله تبارك وتعالى حددها فذلك لخصوصيات فيها. جاء البعض وقال: ما دام سبحانه وتعالى قد جعل الشهور اثني عشر شهراً وجعل منها أربعة حرماً، ونحن نريد أن نحارب في شهر المحرم فلنفعل ذلك ونمتنع عن القتال في شهر آخر غيره، وبذلك نكون قد حافظنا على عدد الأشهر الحرم وهي أربعة كما حددها الله. ونقول: إنكم حافظتم على العدد ولم تحافظوا على المعدود. ولو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبين الأربعة الأشهر المقصودة بالآية الكريمة من الاثني عشر شهراً، لأصبح من حق كل جماعة أن تختار ما تريده من أشهر السنة، ولكنه صلى الله عليه وسلم خصصها؛ لأننا علمنا بذلك كيف نحافظ على الفرق بين العدد والمعدود. إن مسألة العدد والمعدود حَلَّتْ لنا إشكالات كثيرة، منها إشكالات أثارها المستشرقون الذين يريدون أن يسيئوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الزواج كان مطلقاً عند العرب، ثم حدد الله سبحانه وتعالى عدد الزوجات بأربع، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام الذين كانوا قد تزوجوا بأكثر من أربع زوجات أن يمسك الواحد منهم أربعاً ويفارق الباقيات، وأضاف المستشرقون تساؤلاً: إذا كان الرسول قد شرع للناس، فلماذا لم يطبق هذا الأمر على نفسه، ولماذا اتخذ تسع زوجات؟ ونقول: إننا إذا قمنا بعملية حسابية منصفة، لوجدنا أنه ليست توسعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما هي تضييق عليه، فأنت حين تأخذها من ناحية العدد فقط تقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ تسع زوجات وأمته أخذت أربعاً، ولكنك لم تلاحظ مع العدد المعدود، أي أنه إذا ماتت زوجاتك الأربع أحلت لك أربع أخريات، وإن ماتت واحدة أحلت لك أخرى، إذن فأنت - كمسلم - عندك عدد لا معدود، بحيث إذا طلَّقْتَ واحدة أو اثنتين حلَّت لك زوجة أو زوجتان أخريان، فأنت مُقيَّد بالعدد، ولكن المعدود أنت حُرٌّ فيه. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد نزلت هذه الآية الكريمة: {أية : لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ...}تفسير : [الأحزاب: 52]. وهكذا نجد أن التشريع ضَيَّق على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعدود. وكان استثناؤه عليه الصلاة والسلام في العدد للتشريع، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتزوج بإرادة التشريع التي يشاؤها الله. وسبحانه يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} وعرفنا أن قوله سبحانه: {فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} معناها اللوح المحفوظ أو القرآن، وقوله تعالى: {يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} معناه: أنها مسألة لم تطرأ على الكون، ولكنها محسوبة من قبل أن يُخلقَ الإنسان. فهي إذن مسألة من النظام الكوني الذي خُلق عليه الكون. وهو سبحانه قد خلق الكون بدقة وإحكام، فكأن الحق يريد أن يلفتنا إلى أن من مهام الشمس والقمر أن يكونا حساباً للزمن؛ لليوم والشهر والعام، ولذلك يقول سبحانه: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}تفسير : [الرحمن: 5]. أي: أنهما خُلِقَا بحساب دقيق، ويقول سبحانه: {أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً}تفسير : [الأنعام: 96]. أي: أنه سبحانه يطالبنا بأن نستخدم الشمس والقمر حساباً لنا. وهذا يتفق مع منطق الأمور، فالشيء الذي تريد أن تتخذه حساباً لنا. وهذا يتفق مع منطق الأمور، فالشيء الذي تريد أن تتخذه حسباً لك، لا بد أن يكون مصنوعاً بحساب دقيق. ولذلك فإن الساعة مثلاً إن لم تكن مصنوعة بدقة فإنها لا تصلح قياساً للوقت؛ لأنها تقدم أو تؤخر. ولكن إن كانت مصنوعة بحساب دقيق فهي تعطيك الزمن الدقيق. إذن: فدقة قياس الزمن تعتمد أساساً على دقة صناعة آلات القياس. وقبل أن يُنزِلَ الحق هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، كان العرب يعترفون بالأشهر الأربعة الحرم، ولكنهم كانوا يغيِّرون في مواعيدها، فكانت الجماعة منهم تقاتل الأخرى، فإذا ما أحسوا بقرب انتصارهم وجاءت الأشهر الحرم قالوا: نستبدل شهراً بشهر، أي نقاتل في الشهر الحرام، ثم نأخذ شهراً آخر نمتنع عن القتال فيه، وحسبوا أنهم ما داموا قد حافظوا على العدد يكونون بذلك قد أدوا مطلوبات الله، ولكنهم نسوا أنهم لم يحافظوا على المعدود، ونسوا أن الدين مجموعة من القيم التي لا بد أن نؤمن بها ونطبقها. والإيمان - كما نعلم - هو انقياد وتسليم لله سبحانه وتعالى، فإذا أمر الله بأمر من الأمور فلا اختيار لنا فيه؛ لأنه سبحانه وتعالى يرى بحكمته وعلمه هدفاً أو أهدافاً أو حكمة، وهنا يجب أن يقف الاختيار البشري، بمعنى أنه لا أحد يملك تعديل مرادات الله بأي شكل من الأشكال؛ لأننا في حياتنا اليومية حين نرى واحداً من البشر قد اشتهر بحكمته وعلمه في أمر من الأمور أكثر منا، نقول له: وكَّلْناكَ في هذا الأمر، وسنسير وراءك فيما تقرره. ومعنى هذا أننا سنسلم اختيارنا لاختيارات هذا الحكيم. إننا لا نعطي أحداً هذه الصلاحية إلا إذا تأكدنا بالتجربة أنه عليم بهذه المسألة، وأنه حكيم في تصرفه. وإن سألك أحد من الناس: لماذا تتصرف في ضوء ما يقوله لك فلان؟ فتقول: إنه حكيم وخبير في هذه المسائل، وهذا دليل منك على أنك واثق في علمه، وواثق في صدقه، وواثق في حكمته. والمثال الحي المتجدد أمامنا هو سيدنا أبو بكر رضي الله عنه عندما قيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلن أنه نبي الله، قال أبو بكر رضي الله عنه: إن كان قد قال فقد صدق. قال أبو بكر رضي الله عنه هذا القول؛ لأنه عرف ولمس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكذب قط في كل الأحداث السابقة، فإذا كان عليه الصلاة والسلام لا يكذب على أهل الأرض أيكذب على السماء؟ طبعاً هذا غير معقول. وأنت لا تسلم زمام أمرك للمساوي لك إذا كانت هناك مقدمات أثبتت أنه أعلى منك في ناحية معينة، صحيح أنه مساويك في الفردية وفي الذاتية، ولكنه أعلى منك علماً في المجال الذي يتفوق فيه. فما يقوله تنفذه بلا نقاش لأنك وثقت في علمه. وأنت إذا مرضت - لا قدر الله - وكان هناك طبيب تثق في علمه وقال لك: خذ هذا الدواء؛ أتناقشه أو تجادله؟ طبعاً لا، بل تفعل ما يأمرك به بلا نقاش. فإذا سألك أحدهم: لماذا تتناول هذا الدواء؟ تقول: لقد كتبه لي الطبيب الذي أثق فيه. وهذا يكفي كحيثية للتنفيذ. فإذا جئنا إلى الله سبحانه الذي أعدَّ لنا هذا الكون وأنزل إلينا منهجاً وطالبنا أن نُسلِمَ له وجوهنا، وأن نفعل ما يأمرنا به في كل أمور الحياة، فإن احتجنا إلى حكمة فهو الحكيم وحده، وإن احتجنا إلى قدرة فهو القادر دائماً، وإذا احتجنا إلى قهر فهو القاهر فوق عباده، وإن احتجنا إلى رزق فهو الرازق، وعنده كنوز السماوات والأرض. أيوجد من هو أحق من الحق سبحانه لنُسْلمَ زمامنا له ونفعل ما يأمرنا به؟ طبعاً لا يوجد، وإذا سألنا أحد: لماذا نتبع هذا المنهج؟ نقول: إنه سبحانه قد أمرنا باتباعه. وهذا هو الإسلام الحقيقي؛ أن تسلم اختيارك في الحياة لمرادات الخالق الأعلى، فالدين معناه الالتزام والانقياد لله، ولذلك يقول سبحانه: {ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} أي قَيِّم على كل أمور حياتنا، والدليل على ذلك قائم فيما تحدثنا عنه، فما دام الله سبحانه وتعالى قد قال، فنحن نفعل. إذن: فالدين قَيِّم علينا. والدين قَيِّم أيضاً على غيره من الرسالات السماوية، أي مُهَيْمِنٌ عليها، وفي هذا يقول الحق: {أية : وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ...} تفسير : [المائدة: 48]. حددت الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنه - أشهراً حُرماً يحرم فيها القتال وحذرت من الظلم بالحرب أو غيرها، وقد يقال: إن معنى هذا أن تضعف حمية الحرب عند من يريد الحرب ضد الباطل، فنرى الباطل أمامنا خلال الأشهر الحرم ولا نحارب. نقول: إن هذا غير صحيح، ففترة السلام هذه تكون شَحْذاً لِهمَمِ المقاتلين ضد الكفر والظلم؛ لأنك قد ترى الباطل أمامك لكنك تمتثل لأمر الله في وقف القتال، فإن ذلك يزيد الانفعال الذي يحدثه الباطل في تحديه للنفس المؤمنة، فإذا انتهت الأشهر الحرم كنت أكثر حماسة. تماماً كالإنسان الحليم الذي يرى إنساناً يضايقه باستمرار فيصبر عليه شهراً واثنين وثلاثة، فإذا نفذ صبره كان غضبه قوياً شديداً، وقتاله شرساً، ولذلك قيل: "اتقوا غضب الحليم"؛ لأن غضبه أقوى من غضب أي إنسان آخر. وكذلك يكون حِلْم المؤمن على الكافر في الأشهر الحرم؛ شحذاً لهمته إذا استمر الباطل في التحدي، وفي هذا تحذير للمسلمين من أن تضعف في نفوسهم فكرة القتال وعزيمتهم فيه، ولذلك يقول الحق سبحانه: {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} وكلمة {كَآفَّةً} هنا سبقها أمران: {وَقَاتِلُواْ} فإلي أي طرف ترجع {كَآفَّةً} هنا؟ هل تُرجعها إلى المؤمنين المقاتلين، أم إلى المقاتلين من الكفار؟ وهذا إثراء في الأداء القرآني في إيجاد اللفظ الذي يمكن أن نضعه هنا ونضعه هناك فيعطيك المعنى. ولكن هل يريدنا الحق أن نقاتل المشركين حالة كوننا - نحن المؤمنين - كافة؟ أم نقاتل المشركين حالة كونهم كافة؟. إن {كَآفَّةً} كما نعرف لفظ لا يُجمَعُ ولا يُثنَّى، فالرجل كافة، والرجلان كافة، والقوم كافة، وهي مأخوذة من الكف. وتطلق أيضاً على حافة الشيء لأنها منعت امتداده إلى حيز غيره. وفي لغة من يقومون بحياكة الملابس يقال: "كافة الثوب" حين يكون الثوب حين يكون الثوب قد تنسل، فيقول الحائك بمنع التنسيل بتكفيف الثوب. والحق سبحانه هنا يقول: {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً} أي: يٰأيها المؤمنون كونوا جميعاً في قتال المشركين. وهي تصلح للفرد، أي: للمقاتل الواحد، وللمقاتليْن، ولجماعة المقاتلين. وقوله: {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} ذلك أن الباطل يتجمع مع الباطل دائماً، والمثال الواضح في السيرة أن يهود المدينة تحالفوا مع الكفار ضد المسلمين، فكما أن الباطل يجتمع مع بعضه البعض فاجمعوا أنتم أيها المؤمنون وأصحاب الحق قوتكم لتواجهوا باطل الكفر والشرك. ويقول الإمام علي كرم الله وجهه: "أعجب كل العجب من تضافر الناس على باطلهم وفشلكم عن حقكم" ويتعجب الإمام علي رضي الله عنه من أن أهل الحق يفرطون في حقهم رغم اجتماع أهل الباطل على باطلهم. ويعطينا القرآن صورة من تجمُّع أهل الباطل في قول اليهود لكفار مكة: {أية : هَٰؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً...}تفسير : [النساء: 51]. أي أن اليهود قالوا: إن عبدة الأصنام أهدى من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه، قالوا ذلك رغم أن كتبهم قد ذكرت لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيأتي بالدين الخاتم حتى إنهم كانوا يقولون لأهل المدينة من المشركين: لقد أطل زمان نبي سنتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم. كذلك في كتب أهل الكتاب نبأ رسول الله وأوصافه وزمانه. وعندما تحقق ما في كتبهم كفروا به واجتمعوا مع أهل الباطل. وهنا يوضح لنا الحق: ما دام الباطل قد اجتمع عليكم وأنتم على الحق فلا بد أن تجتمعوا على دحض الباطل وإزهاقه؛ ولذلك يقول سبحانه وتعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} إذن: فالله يأمر المؤمنين بأن يجتمعوا على قتال الكافرين، ولأن الله مع الذين آمنوا؛ لذلك فهو ينصر المؤمنين، وإذا وُجدَ الله مع قوم ولم يوجد مع آخرين، فأيُّ الكفتين أرجح؟ لا بد من رجحان كفة المؤمنين. {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} والعلم - كما قلنا - حكم يقين عليه دليل، أي لا يحتاج إلى دليل؛ لأن العلم هو أن تأتي بقضية غير معلومة، م تقيم الدليل عليها لتصبح يقيناً. وإذا قال الله سبحانه وتعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ} فالعلم هنا ينتقل من علم يقين إلى عين يقين. والعلم - كما نعرف - قضية معلومة في النفس يؤيدها الواقع وتستطيع أن تقيم عليها الدليل. فإذا علمت بشيء أخبرت به، ويقينك بما علمت يكون على قدر ثقتك بمن أخبرك. والمثال: حين قيل لأبي بكر رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إنه أُسْرِيَ به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وعُرِجَ به إلى السماء السابعة، هنا قال الصدِّيق: إن كان قد قال فقد صدقتفسير : ، وكانت هذه هي ثقته في القائل، وهو يستمد منها الثقة فيما قال وروي. وحينما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدتنا خديجة رضي الله عنها بخبر الوحي وأبدى خوفه مما يرى، قالت: "كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصِلُ الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتَكْسِبُ المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"، وهي بذلك قد أخذت من المقدمات حيثيات الحكم وكانت أول مجتهدة في الإسلام عملت بالقياس. فقد قاست الحاضر بالماضي. وعندما يقول الحق: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} فيكفينا أن يكون هذا كلام الله سبحانه ليكون يقيناً في نفوسنا، وهناك علم يقين يأتيك ممن تثق في علمه وصدقه، وأنت إن رأيت الشيء الذي أخبرت به وشاهدته يصبح عين يقين، فإذا اختبرته وعِشْت فيه يصبح حقَّ يقين. وحين قال الحق: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} وجدنا بعض المؤمنين قد أخذوها على أنها علم عين يقين، أو حق يقين؛ لأنهم شاهدوا ذلك في المعارك حين كانوا قلة، فمن أخذ كلام الله دون مناقشة عقلية - لأن الله هو القائل - أخذه علم يقين. والذي أخذ الكلام على أنه يصل إلى درجة المشاهدة أخذه على أنه حق يقين، والذي أخذ الكلام كأنه عايشه فهذا عين يقين، ولكي نعرف هذه المنازل نقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ * كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ}تفسير : [التكاثر: 1-5]. وهذه أولى الدرجات: علم يقين؛ لأنه صادر عن الحق سبحانه وتعالى:{أية : لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ}تفسير : [التكاثر: 6-7]. أي: أنكم في الآخرة سوف ترونها بأعينكم بعد أن كنتم مؤمنين بها كعلم يقين، أما الآن فقد أصبحت عين يقين أي مشاهدة بالعين. وفي هذه السورة أعطانا الحق مرحلتين من مراحل اليقين هما: علم اليقين وعين اليقين، ففي الآخرة سوف يُضرب الصراط على جهنم، ويرى الناس - كل الناس، المؤمن منهم والكافر - نار جهنم، وهم يمرون فوق الصراط، ويرونها مشتعلة متأججة، وحين يمر المؤمن فوق الصراط ويرى جهنم وهولها، يعرف كيف نجاه الإيمان من هذا العذاب الرهيب فيفرح؛ فإذا دخل الجنة ورأى نعيمها يزداد فرحة؛ فله فرحة بأنه نجا من العذاب، وفرحة بالنعم وبالمنعم، ويقول المؤمن: الحمد لله الذي أنقذني من النار. وهذه نعمة كبيرة وفوز عظيم، ولذلك يقول الحق: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ...} تفسير : [آل عمران: 185]. فالنجاة من النار وحدها فضل كبير، ودخول الجنة فضل أكبر، والحق هو القائل: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} تفسير : [مريم: 71]. ويَرِدُ الشيء أي يصل إليه دون أن يدخل فيه، ويقال: ورد الماء أي وصل إلى مكانه دون أن يشرب منه. إذن فكل منا سوف يرى جهنم، ويعرف المؤمن نعمة الله عليه؛ لأنه أنجاه منها، ويندم الكافر؛ لأنه يُعذب فيها. وقد ضربت من قبل مثلاً - ولله المثل الأعلى - بالقراءة عن مدينة نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية، ويعرف القارىء أنه مبنية على عدة جزر، وفيها ناطحات سحاب وأنها مزدحمة بالسكان، وهذه القراءة هي علم يقين، فإذا ركب الإنسان الطائرة ورآها من الجو يكون ذلك عين يقين، فإذا ما نزل وعاش على أرضها بين ناطحاتها وعايش ازدحامها بالسكان يكون ذلك حق اليقين. وفي سورة التكاثر جاء الله سبحانه وتعالى بمرحلتين فقط من مراحل اليقين، وجاء بالمرحلة الثالثة في سورة الواقعة، فقال: {أية : فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ * فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ * وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ}تفسير : [الواقعة: 88-95]. وحقُّ اليقين هو آخر مراحل العلم، والإنسان قد يكابر في حقيقة ما حين يقرؤها، وقد يجادل في حقيقة يشاهدها، ولكنه لا يستطيع أن يكابر في واقع يعيشه، وقد حدث ذلك وحملته لنا سطور الكتب عن سيدنا عمر وقد قال عن أحد المعارك: "وحينما شهرت سيفي لأقصف رأس فلان؛ وجدت شيئاً سبقني إليه وقصف رأسه" أي: هناك من شاهد ذلك بنفسه. وبعد ذلك يعطي الله الحكم فيمن يُغيِّر الأشهر الحرم أو يُبدلها فيقدمها شهراً، أو يؤخرها شهراً، فيقول: {إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} هُوَ القَائِمُ المُسْتَقيمُ. تفسير : وقوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً} معناهُ عَامةٌ.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ قال سبحانه تعليماً للمؤمنين على ما ثبت عنده من الأيام والشهور؛ لتتميم مصالحهم ومعاملاتهم: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ} على ما ثبت {عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} أي: في حضرة علمه ولوح قضائه {يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} أي: حين أظهر سبحانه عالم الكون والفساد المقدر بمكال الأيام والليالي المنقسمتين إلى الشهور والأعوام والأسبوع والساعات؛ إذ في أزل الذات لا صباح ولا مساء، ولا صيف ولا شتاء، ولا الشهور ولا السنون، فسبحان من تنزه عن التبديل والتحويل، وتقدس عن الظهور والبطون. {مِنْهَآ} من تلك الشهور في كتاب الله {أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} هي رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم، سيمت بها؛ لأن الله سبحانه حرم فيها لعباده بعض ما أباح في الشهور الأخر كرامةً لها واحترامناً، فعليكم أيها المكلفون أن تواظبوا فيها على الطاعات، وتداموا على الخيرات المبرات، واجتنبوا عن الآثام والجهالات، وأكثروا فيها الأعمال الصالحات وتوجهوا نحو الحق في جميع الحالات، سيما في تكل الشهور المعدة للتوجه من عنده {ذٰلِكَ} أي: تحريم الشهور الأربعة {ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} المستقيم الموروث لكم من ملة إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} بالخروج عن مقتضى تحريمها وهتك حرمتها؛ حتى لا تستحقوا عذاب الله ونكاله. {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ} فيها إن قاتلوكم، ولا تبادروا وتسابقوا إلى قتالهم فيها وفي غيرها، بل إن بادروا على قتالكم قاتلوكم، واقتلوهم {كَآفَّةً} أي: جميعاً {كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} بلا ترحم وتوقيت {وَٱعْلَمُوۤاْ} أيها المؤمنون {أَنَّ ٱللَّهَ} المستوي على العدل القويم {مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} [التوبة: 36] الذي يحفظون نفوسهم عن هتك حرمة الله، قد حرمها الله لحكمة ومصلحة لم يطلعكم عليها. {إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ} أي: تأخير حرمة الشهر المحرم إلى شهر آخر بدله من غير المحرمات {زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ} لأن خصوصية هذه الأشهر معتبرة في الحرمة، واستبدالها ازدياد في الكفر؛ لأن هتك الحرمة كفر، وتبديلها كفر آخر {يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: بسبب تبديلهم إضلالاً زائداً على ضلالهم الأصلي؛ إذ {يُحِلُّونَهُ} أي: النسيء الذي يؤخرونه {عَاماً} سنة {وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً} أخر بلا رعاية خصوصية في التحريم، وليس غرضهم من هذا التحليل والتحريم إلاَّ {لِّيُوَاطِئُواْ} ويوافقوا {عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ} وهي الأربعة من غير التفات إلى خصوصية {فَيُحِلُّواْ} بفعلهم وتبديلهم {مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ} بخصوصه، وما ذلك إلا أن {زُيِّنَ} أي: حسن وحبب لهم {لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ} أي: تحليلهم وتبديلهم القبيح {وَٱللَّهُ} الهادي لعباده إلى صوب جنابه {لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} [التوبة: 37] الخارجين عن مقتضى مأموراته.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ } أي: في قضائه وقدره. { اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا } وهي هذه الشهور المعروفة { فِي كِتَابِ اللَّهِ } أي في حكمه القدري، { يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ } وأجرى ليلها ونهارها، وقدر أوقاتها فقسمها على هذه الشهور الاثني عشر [شهرا]. { مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } وهي: رجب الفرد، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وسميت حرما لزيادة حرمتها، وتحريم القتال فيها. { فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ } يحتمل أن الضمير يعود إلى الاثنى عشر شهرا، وأن اللّه تعالى بين أنه جعلها مقادير للعباد، وأن تعمر بطاعته، ويشكر اللّه تعالى على مِنَّتِهِ بها، وتقييضها لمصالح العباد، فلتحذروا من ظلم أنفسكم فيها. ويحتمل أن الضمير يعود إلى الأربعة الحرم، وأن هذا نهي لهم عن الظلم فيها، خصوصا مع النهي عن الظلم كل وقت، لزيادة تحريمها، وكون الظلم فيها أشد منه في غيرها. ومن ذلك النهي عن القتال فيها، على قول من قال: إن القتال في الأشهر الحرام لم ينسخ تحريمه عملا بالنصوص العامة في تحريم القتال فيها. ومنهم من قال: إن تحريم القتال فيها منسوخ، أخذا بعموم نحو قوله تعالى: { وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً } أي: قاتلوا جميع أنواع المشركين والكافرين برب العالمين. ولا تخصوا أحدا منهم بالقتال دون أحد، بل اجعلوهم كلهم لكم أعداء كما كانوا هم معكم كذلك، قد اتخذوا أهل الإيمان أعداء لهم، لا يألونهم من الشر شيئا. ويحتمل أن { كَافَّةً } حال من الواو فيكون معنى هذا: وقاتلوا جميعكم المشركين، فيكون فيها وجوب النفير على جميع المؤمنين. وقد نسخت على هذا الاحتمال بقوله: { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً } الآية. { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } بعونه ونصره وتأييده، فلتحرصوا على استعمال تقوى اللّه في سركم وعلنكم والقيام بطاعته، خصوصا عند قتال الكفار، فإنه في هذه الحال، ربما ترك المؤمن العمل بالتقوى في معاملة الكفار الأعداء المحاربين.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 337 : 11 : 18 - سفين {كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} قال، جميعاً. [الآية 36].