٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
37
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في {ٱلنَّسِىء } قولان: القول الأول: أنه التأخير. قال أبو زيد: نسأت الإبل عن الحوض أنسأها نسأ إذا أخرتها وأنسأته إنساء إذا أخرته عنه، والاسم النسيئة والنسء، ومنه: أنسأ الله فلاناً أجله، ونسأ في أجله قال أبو علي الفارسي: النسىء مصدر كالنذير والنكير، ويحتمل أيضاً أن يكون نسىء بمعنى منسوء كقتيل: بمعنى مقتول، إلا أنه لا يمكن أن يكون المراد منه ههنا المفعول، لأنه إن حمل على ذلك كان معناه: إنما المؤخر زيادة في الكفر، والمؤخر الشهر، فيلزم كون الشهر كفراً، وذلك باطل، بل المراد من النسيء ههنا المصدر بمعنى الإنساء، وهو التأخير. وكان النسىء في الشهور عبارة عن تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر، ليست له تلك الحرمة. وروي عن ابن كثير من طريق شبل: النسء بوزن النفع وهو المصدر الحقيقي، كقولهم: نسأت، أي أخرت وروي عنه أيضاً: النسىء مخففة الياء، ولعله لغة في النسء بالهمزة مثل: أرجيت وأرجأت. وروي عنه: النسي مشدد الياء بغير همزة وهذا على التخفيف القياسي. والقول الثاني: قال قطرب: النسىء أصله من الزيادة يقال: نسأل في الأجل وأنسأ إذا زاد فيه، وكذلك قيل للبن النسء لزيادة الماء فيه، ونسأت المرأة حبلت، جعل زيادة الولد فيها كزيادة الماء في اللبن، وقيل للناقة: نسأتها، أي زجرتها ليزداد سيرها وكل زيادة حدثت في شيء فهو نسىء قال الواحدي: الصحيح القول الأول، وهو أن أصل النسىء التأخير، ونسأت المرأة إذا حبلت لتأخر حيضها، ونسأت الناقة أي أخرتها عن غيرها، لئلا يصير اختلاط بعضها ببعض مانعاً من حسن المسير، ونسأت اللبن إذا أخرته حتى كثر الماء فيه. إذا عرفت هذين القولين فنقول: إن القوم علموا أنهم لو رتبوا حسابهم على السنة القمرية، فإنه يقع حجهم تارة في الصيف وتارة في الشتاء، وكان يشق عليهم الأسفار ولم ينتفعوا بها في المرابحات والتجارات، لأن سائر الناس من سائر البلاد ما كانوا يحضرون إلا في الأوقات اللائقة الموافقة، فعلموا أن بناء الأمر على رعاية السنة القمرية يخل بمصالح الدنيا، فتركوا ذلك واعتبروا السنة الشمسية، ولما كانت السنة الشمسية زائدة على السنة القمرية بمقدار معين، احتاجوا إلى الكبيسة وحصل لهم بسبب تلك الكبيسة أمران: أحدهما: أنهم كانوا يجعلون بعض السنين ثلاثة عشر شهراً بسبب اجتماع تلك الزيادات. والثاني: أنه كان ينتقل الحج من بعض الشهور القمرية إلى غيره، فكان الحج يقع في بعض السنين في ذي الحجة وبعده في المحرم وبعده في صفر، وهكذا في الدور حتى ينتهي بعد مدة مخصوصة مرة أخرى إلى ذي الحجة، فحصل بسبب الكبيسة هذان الأمران: أحدهما: الزيادة في عدة الشهور. والثاني: تأخير الحرمة الحاصلة لشهر إلى شهر آخر وقد بينا أن لفظ النسىء يفيد التأخير عند الأكثرين، ويفيد الزيادة عند الباقين، وعلى التقديرين فإنه منطبق على هذين الأمرين. والحاصل من هذا الكلام: أن بناء العبادات على السنة القمرية يخل مصالح الدنيا، وبناؤها على السنة الشمسية يفيد رعاية مصالح الدنيا والله تعالى أمرهم من وقت إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام ببناء الأمر على رعاية السنة القمرية، فهم تركوا أمر الله في رعاية السنة القمرية، واعتبروا السنة الشمسية رعاية لمصالح الدنيا، وأوقعوا الحج في شهر آخر سوى الأشهر الحرم، فلهذا السبب عاب الله عليهم وجعله سبباً لزيادة كفرهم، وإنما كان ذلك سبباً لزيادة الكفر، لأن الله تعالى أمرهم بإيقاع الحج في الأشهر الحرم، ثم إنهم بسبب هذه الكبيسة أوقعوه في غير هذه الأشهر، وذكروا لأتباعهم أن هذا الذي عملناه هو الواجب، وأن إيقاعه في الشهور القمرية غير واجب، فكان هذا إنكاراً منهم لحكم الله مع العلم به وتمرداً عن طاعته، وذلك يوجب الكفر بإجماع المسلمين فثبت أن عملهم في ذلك النسىء يوجب زيادة في الكفر، وأما الحساب الذي به يعرف مقادير الزيادة الحاصلة بسبب تلك الكبائس فمذكور في الزيجات، وأما المفسرون فإنهم ذكروا في سبب هذا التأخير وجهاً آخر فقالوا: إن العرب كانت تحرم الشهور الأربعة، وكان ذلك شريعة ثابتة من زمان إبراهيم وإسمٰعيل عليهما السلام، وكان العرب أصحاب حروب وغارات فشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها وقالوا: إن توالت ثلاثة أشهر حرم لا نصيب فيها شيئاً لنهلكن، وكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه ويستحلون المحرم. قال الواحدي: وأكثر العلماء على أن هذا التأخير ما كان يختص بشهر واحد، بل كان ذلك حاصلاً في كل الشهور، وهذا القول عندنا هو الصحيح على ما قررناه. واتفقوا أنه عليه السلام لما أراد أن يحج في سنة حجة الوداع عاد الحج إلى شهر ذي الحجة في نفس الأمر، فقال عليه السلام: « حديث : ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة إثنا عشر شهراً » تفسير : وأراد أن الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها. المسألة الثانية: قوله تعالى: {زِيَادَةٌ فِى ٱلْكُفْرِ } معناه: أنه تعالى حكى عنهم أنواعاً كثيرة من الكفر، فلما ضموا إليها هذا العمل ونحن قد دللنا على أن هذا العمل كفر كان ضم هذا العمل إلى تلك الأنواع المذكورة سالفاً من الكفر زيادة في الكفر. احتج الجبائي بهذه الآية على فساد قول من يقول: الإيمان مجرد الاعتقاد والإقرار، قال: لأنه تعالى بين أن هذا العمل زيادة في الكفر والزيادة على الكفر يجب أن تكون إتماماً، فكان ترك هذا التأخير إيماناً، وظاهر أن هذا الترك ليس بمعرفة ولا بإقرار. فثبت أن غير المعرفة والإقرار قد يكون إيماناً قال المصنف رضي الله عنه: هذا الاستدلال ضعيف، لأنا بينا أنه تعالى لما أوجب عليهم إيقاع الحج في شهر ذي الحجة مثلاً من الأشهر القمرية، فإذا اعتبرنا السنة الشمسية، فربما وقع الحج في المحرم مرة وفي صفر أخرى. فقولهم: بأن هذا الحج صحيح يجزى، وأنه لا يجب عليهم إيقاع الحج في شهر ذي الحجة إن كان منهم بحكم علم بالضرورة كونه من دين إبراهيم وإسمٱعيل عليهما السلام، فكان هذا كفراً بسبب عدم العلم وبسبب عدم الإقرار. أما قوله تعالى: {يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } فهذا قراءة العامة وهي حسنة لإسناد الضلال إلى الذين كفروا لأنهم إن كانوا ضالين في أنفسهم فقد حسن إسناد الضلال إليهم، وإن كانوا مضلين لغيرهم حسن أيضاً، لأن المضل لغيره ضال في نفسه لامحال. وقراءة أهل الكوفة {يضل } بضم الياء وفتح الضاد، ومعناه: أن كبراءهم يضلونهم بحملهم على هذا التأخير في الشهور، فأسند الفعل إلى المفعول كقوله في هذه الآية: {زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَـٰلِهِمْ } أي زين لهم ذلك حاملوهم عليه. وقرأ أبو عمرو في رواية من طريق ابن مقسم {يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بضم الياء وكسر الضاد وله ثلاثة أوجه: أحدها: يضل الله به الذين كفروا. والثاني: يضل الشيطان به الذين كفروا. والثالث: وهو أقواها يضل به الذين كفروا تابعيهم والآخذين بأقوالهم، وإنما كان هذا الوجه أقوى لأنه لم يجر ذكر الله ولا ذكر الشيطان. واعلم أن الكناية في قوله: {يُضِلُّ بِهِ } يعود إلى النسىء وقوله: {يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرّمُونَهُ عَامًا } فالضمير عائد إلى النسىء. والمعنى: يحلون ذلك الإنساء عاماً ويحرمونه عاماً. قال الواحدي: يحلون التأخير عاماً وهو العام الذي يريدون أن يقاتلوا في المحرم، ويحرمون التأخير عاماً آخر وهو العام الذي يدعون المحرم على تحريمه. قال رضي الله عنه هذا التأويل إنما يصح إذا فسرنا النسىء بأنهم كانوا يؤخرون المحرم في بعض السنين، وذلك يوجب أن ينقلب الشهر المحرم إلى الحل وبالعكس، إلا أن هذا إنما يصلح لو حملنا النسىء على المفعول وهو المنسوء المؤخر، وقد ذكرنا أنه مشكل لأنه يقتضي أن يكون الشهر المؤخر كفراً وأنه غير جائز إلا إذا قلنا إن المراد من النسىء المنسوء وهو المفعول، وحملنا قوله: {إِنَّمَا ٱلنَّسِىء } زيادة في الكفر على أن المراد العمل الذي به يصير النسىء سبباً في زيادة الكفر، وبسبب هذا الإضمار يقوى هذا التأويل. أما قوله: {لّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ } قال أهل اللغة يقال: واطأت فلاناً على كذا إذا وافقته عليه. قال المبرد: يقال: تواطأ القوم على كذا إذا اجتمعوا عليه، كان كل واحد يطأ حيث يطأ صاحبه والإيطاء في الشعر من هذا وهو أن يأتي في القصيدة بقافيتين على لفظ واحد، ومعنى واحد. قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنهم ما أحلوا شهراً من الحرام إلا حرموا مكانه شهراً من الحلال، ولم يحرموا شهراً من الحلال إلا أحلوا مكانه شهراً من الحرام، لأجل أن يكون عدد الأشهر الحرم أربعة، مطابقة لما ذكره الله تعالى، هذا هو المراد من المواطأة. ولما بين تعالى كون هذا العمل كفراً ومنكراً قال: {زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَـٰلِهِمْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } قال ابن عباس والحسن: يريد زين لهم الشيطان هذا العمل والله لا يرشد كل كفار أثيم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ} هكذا يقرأ أكثر الأئمة. قال النحاس: ولم يَرو أحد عن نافع فيما علمناه «إنَّمَا النَّسِيُّ» بلا همز إلا وَرْشٌ وحده. وهو مشتق من نسأه وأنسأه إذا أخره؛ حكى اللغتين الكسائي. الجوهريّ: النّسِيء فعيل بمعنى مفعول؛ من قولك: نسأت الشيء فهو منسوء إذا أخرته. ثم يحوّل منسوء إلى نسيء كما يحوّل مقتول إلى قتيل. ورجل ناسىء وقوم نَسَأة، مثلُ فاسق وفسقة. قال الطبريّ: النسيء بالهمزة معناه الزيادة؛ يقال: نسأ ينسأ إذا زاد. قال: ولا يكون بترك الهمز إلا من النسيان؛ كما قال تعالى: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}تفسير : [التوبة: 67]، وردّ على نافع قراءته، واحتجّ بأن قال: إنه يتعدّى بحرف الجر؛ يقال: نسأ الله في أجلك كما تقول زاد الله في أجلك؛ ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من سَرّه أن يُبْسَط له في رزقه ويُنْسأ له في أَثَره فلْيصل رَحمه»تفسير : . قال الأزهريّ: أنسأت الشيء إنساء ونسيئا؛ اسم وضع موضع المصدر الحقيقيّ. وكانوا يحرّمون القتال في المحرّم، فإذا احتاجوا إلى ذلك حَرّموا صَفَراً بدله وقاتلوا في المحرّم. وسبب ذلك أن العرب كانت أصحابَ حروب وغارات، فكان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغيرون فيها؛ وقالوا: لئن توالت علينا ثلاثة أشهر لا نُصيب فيها شيئاً لنهلكنّ. فكانوا إذا صدروا عن مِنًى يقوم من بني كنانة، ثم من بني فُقَيم منهم رجل يقال له القَلَمّس؛ فيقول أنا الذي لا يُردّ لي قضاء. فيقولون: أنسئنا شهراً، أي أخّر عنا حُرمة المحرّم واجعلها في صفر؛ فيحلّ لهم المحرّم. فكانوا كذلك شهراً فشهراً حتى ٱستدار التحريم على السَّنة كلها. فقام الإسلام وقد رجع المحرّم إلى موضعه الذي وضعه الله فيه. وهذا معنى قوله عليه السلام: «حديث : إن الزمان قد ٱستدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض»تفسير : . وقال مجاهد: كان المشركون يحجّون في كل شهر عامين؛ فحجّوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرّم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور كلها حتى وافقت حجّة أبي بكر التي حجها قبل حجّة الوداع ذا القَعدة من السنة التاسعة. ثم حج النبيّ صلى الله عليه وسلم في العام المقبل حجة الوداع فوافقت ذا الحجة؛ فذلك قوله في خطبته: «حديث : إن الزمان قد ٱستدار»تفسير : الحديث. أراد بذلك أن أشهر الحج رجعت إلى مواضعها، وعاد الحج إلى ذي الحِجة وبطل النسيء. وقول ثالث. قال إياس بن معاوية: كان المشركون يحسبُون السنة اثني عشر شهراً وخمسة عشر يوماً؛ فكان الحج يكون في رمضان وفي ذي القَعدة، وفي كل شهر من السنة بحكم استدارة الشهر بزيادة الخمسة عشر يوماً، فحج أبو بكر سنة تسع في ذي القَعدة بحكم الاستدارة، ولم يحج النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فلما كان في العام المقبل وافق الحج ذا الحجة في العشر، ووافق ذلك الأهِلة. وهذا القول أشبه بقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الزمان قد استدار»تفسير : . أي زمان الحج عاد إلى وقته الأصليّ الذي عينه الله يوم خلق السموات والأرض بأصل المشروعية التي سبق بها علمه، ونفذ بها حكمه. ثم قال: السنة ٱثنا عشر شهراً. يَنْفي بذلك الزيادة التي زادوها في السنة ـ وهي الخمسة عشر يوماً ـ بتحكمهم؛ فتعيّن الوقت الأصلي وبطل التحكّم الجهليّ. وحكى الإمام المازَريّ عن الخَوَارَزْميّ أنه قال: أوّل ما خلق الله الشمس أجراها في بُرْج الحَمَل، وكان الزمان الذي أشار به النبيّ صلى الله عليه وسلم صادف حلول الشمس برج الحمل. وهذا يحتاج إلى توقيف؛ فإنه لا يُتوصّل إليه إلا بالنقل عن الأنبياء، ولا نقل صحيحاً عنهم بذلك، ومن ادّعاه فلْيُسنده. ثم إن العقل يجوّز خلاف ما قال، وهو أن يخلق الله الشمس قبل البروج، ويجوّز أن يخلق ذلك كلّه دَفعة واحدة. ثم إن علماء التعديل قد اختبروا ذلك فوجدوا الشمس في برج الحوت وقت قوله عليه السلام: «حديث : إن الزمان قد استدار» تفسير : بينها وبين الحَمَل عشرون درجة. ومنهم من قال عشر درجات. والله أعلم. واختلف أهل التأويل في أوّل من نسأ؛ فقال ابن عباس وقَتادة والضحاك: بنو مالك بنِ كنانة، وكانوا ثلاثة. وروى جُوَيْبِر عن الضحاك عن ابن عباس أن أوّل من فعل ذلك عمرو بن لُحَيّ بن قَمعة بن خِنْدِف. وقال الكلبيّ: أوّل من فعل ذلك رجل من بني كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة، ثم كان بعده رجل يقال له: جُنادة ابن عوف، وهو الذي أدركه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الزُّهريّ: حيّ من بني كِنانة ثم من بني فُقَيم منهم رجل يقال له القَلَمّس، واسمه حذيفة بن عبيد. وفي رواية: مالك بن كنانة. وكان الذي يلي النّسيء يظفر بالرياسة لتريّس العرب إياه. وفي ذلك يقول شاعرهم:شعر : ومنّا ناسِىءُ الشهرِ القَلَمّسْ تفسير : وقال الكُمَيْت:شعر : ألسنا الناسئين على مَعَدٍّ شهورَ الحِلّ نجعلها حرامَا تفسير : قوله تعالى: {زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ} بيان لما فعلته العرب من جمعها من أنواع الكفر؛ فإنها أنكرت وجود البارىء تعالى فقالت: {وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ} في أصح الوجوه. وأنكرت البعث فقالت: {أية : مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} تفسير : [ياسين: 78]. وأنكرت بعثة الرسل فقالوا: {أية : أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ} تفسير : [القمر: 24]. وزعمت أن التحليل والتحريم إليها، فابتدعته من ذاتها مقتفيةً لشهواتها؛ فأحلّت ما حرّم الله. ولا مبدّل لكلماته ولو كره المشركون. قوله تعالى: {يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} فيه ثلاث قراءات. قرأ أهل الحَرَمين وأبو عمرو «يَضِل» وقرأ الكوفيون «يُضَل» على الفعل المجهول. وقرأ الحسن وأبو رجاء «يُضِل». والقراءات الثلاث كل واحدة منها تؤدّي عن معنى؛ إلا أن القراءة الثالثة حذف منها المفعول. والتقدير: ويضِل به الذين كفروا مَن يقبل منهم. و {ٱلَّذِينَ} في محل رفع. ويجوز أن يكون الضمير راجعاً إلى الله عز وجل. التقدير: يضل الله به الذين كفروا؛ كقوله تعالى: {أية : يُضِلُّ مَن يَشَآءُ} تفسير : [الرعد: 27]، وكقوله في آخر الآية: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ}. والقراءة الثانية «يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا» يعني المحسوب لهم؛ واختار هذه القراءة أبو عبيد؛ لقوله تعالى: «زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ». والقراءة الأُولى اختارها أبو حاتم؛ لأنهم كانوا ضالين به، أي بالنسيء؛ لأنهم كانوا يحسبونه فيضِلون به. والهاء في «يحِلُّونه» ترجع إلى النسيء. وروي عن أبي رجاء «يَضَل» بفتح الياء والضاد. وهي لغة؛ يقال: ضَلِلت أضَل، وضَلَلت أضِل. {لِّيُوَاطِئُواْ} نصب بلام كَيْ؛ أي ليوافقوا. تواطأ القوم على كذا أي ٱجتمعوا عليه؛ أي لم يُحلّوا شهراً إلا حرموا شهراً لتبقى الأشهر الحرم أربعة. وهذا هو الصحيح، لا ما يذكر أنهم جعلوا الأشهر خمسة. قال قتادة: إنهم عمدوا إلى صفر فزادوه في الأشهر الحُرُم، وقرنوه بالمحرّم في التحريم؛ وقاله عنه قُطْرُبْ والطبري. وعليه يكون النسيء بمعنى الزيادة. والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {إِنَّمَا ٱلنَّسِىء} أي تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر، كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهراً آخر حتى رفضوا خصوص الأشهر واعتبروا مجرد العدد، وعن نافع برواية ورش {إِنَّمَا ٱلنَّسِي} بقلب الهمزة ياء وإدغام الياء فيها. وقرىء "النسي" بحذفها والنسء والنساء وثلاثتها مصادر نسأه إذا أخره. {زِيَادَةٌ فِى ٱلْكُفْرِ} لأنه تحريم ما أحله الله وتحليل ما حرمه الله فهو كفر آخر ضموه إلى كفرهم. {يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } ضلالاً زائداً. وقرأ حمزة والكسائي وحفص {يُضِلَّ} على البناء للمفعول، وعن يعقوب {يُضِلَّ} على أن الفعل لله تعالى. {يُحِلُّونَهُ عَامًا} يحلون المنسي من الأشهر الحرم سنة ويحرمون مكانه شهراً آخر. {وَيُحَرّمُونَهُ عَامًا} فيتركونه على حرمته. قيل: أول من أحدث ذلك جنادة بن عوف الكناني كان يقوم على جمل في الموسم فينادي: إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه ثم ينادي في القبائل إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه. والجملتان تفسير للضلال أو حال. {لّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ} أي ليوافقوا عدة الأربعة المحرمة، واللام متعلقة بيحرمونه أو بما دل عليه مجموع الفعلين {فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ} بمواطأة العدة وحدها من غير مراعاة الوقت. {زُيّنَ لَهُمْ سُوء أَعْمَـٰلِهِمْ} وقرىء على البناء للفاعل وهو الله تعالى، والمعنى خذلهم وأضلهم حتى حسبوا قبيح أعمالهم حسناً. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} هداية موصلة إلى الاهتداء.
ابن كثير
تفسير : هذا مما ذم الله تعالى به المشركين من تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة، وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة، وتحليلهم ما حرم الله، وتحريمهم ما أحل الله، فإنهم كان فيهم من القوة الغضبية، والشهامة والحمية، ما استطالوا به مدة الأشهر الثلاثة في التحريم المانع لهم من قضاء أوطارهم من قتال أعدائهم، فكانوا قد أحدثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرم، فأخروه إلى صفر، فيحلون الشهر الحرام، ويحرمون الشهر الحلال؛ ليواطئوا عدة ما حرم الله الأشهر الأربعة؛ كما قال شاعرهم، وهو عمير بن قيس المعروف بجذل الطعان:شعر : لقد علمتْ مَعَدٌّ بأنَّ قومي كرامُ الناسِ إِنَّ لَهُمْ كِراما ألَسْنا الناسِئينَ على مَعَدَ شُهورَ الحلِّ نجعلُها حَراما فأَيُّ الناسِ لم نُدْرِكْ بِوِتْرٍ وأيُّ الناسِ لَمْ نُعْلِك لِجاما تفسير : وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {إِنَّمَا ٱلنَّسِىۤءُ زِيَادَةٌ فِى ٱلْكُفْرِ} قال: النسيء أن جنادة بن عوف بن أمية الكناني كان يوافي الموسم في كل عام، وكان يكنى أبا ثمامة، فينادي: ألا إن أبا ثمامة لا يجاب ولا يعاب، ألا وإن صفر العام الأول العامَ حلال، فيحله للناس، فيحرم صفراً عاماً، ويحرم المحرم عاماً، فذلك قول الله: {إِنَّمَا ٱلنَّسِىۤءُ زِيَادَةٌ فِى ٱلْكُفْرِ} يقول: يتركون المحرم عاماً، وعاماً يحرمونه، وروى العوفي عن ابن عباس نحوه، وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: كان رجل من بني كنانة يأتي كل عام إلى الموسم على حمار له، فيقول: يا أيها الناس إني لا أعاب ولا أجاب، ولا مرد لما أقول، إنا قد حرمنا المحرم، وأخرنا صفر. ثم يجيء العام المقبل بعده فيقول مثل مقالته، ويقول: إنا قد حرمنا صفر، وأخرناالمحرم، فهو قوله: {لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ} قال: يعني الأربعة، فيحلوا ما حرم الله؛ لتأخير هذا الشهر الحرام، وروي عن أبي وائل والضحاك وقتادة نحو هذا، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {إِنَّمَا ٱلنَّسِىۤءُ زِيَادَةٌ فِى ٱلْكُفْرِ} الآية، قال: هذا رجل من بني كنانة يقال له القلمس، وكان في الجاهلية، وكانوا في الجاهلية لا يغير بعضهم على بعض في الشهر الحرام، يلقى الرجل قاتل أبيه، ولا يمد إليه يده، فلما كان هو، قال: اخرجوا بنا، قالوا له: هذا المحرم، قال: ننسئه العام، هما العام صفران، فإذا كان العام القابل، قضينا، جعلناهما محرمين، قال: ففعل ذلك، فلما كان عام قابل، قال: لا تغزوا في صفر، حرموه مع المحرم، هما محرمان، فهذه صفة غريبة في النسيء، وفيها نظر؛ لأنهم في عام إنما يحرمون على هذا ثلاثة أشهر فقط، وفي العام الذي يليه يحرمون خمسة أشهر، فأين هذا من قوله تعالى: {يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ}؟ وقد روي عن مجاهد صفة أخرى غريبة أيضاً، فقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلنَّسِىۤءُ زِيَادَةٌ فِى ٱلْكُفْرِ} الآية، قال: فرض الله عز وجل الحج في ذي الحجة، قال: وكان المشركون يسمون ذا الحجة المحرم وصفر وربيع وربيع وجمادى وجمادى ورجب وشعبان ورمضان وشوالاً وذا القعدة وذا الحجة، يحجون فيه مرة، ثم يسكتون عن المحرم، ولا يذكرونه، ثم يعودون فيسمون صفراً، ثم يسمون رجب جمادى الآخرة، ثم يسمون شعبان رمضان، ثم يسمون شوالاً رمضان، ثم يسمون ذا القعدة شوالاً، ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة، ثم يسمون المحرم ذا الحجة، فيحجون فيه واسمه عندهم ذا الحجة. ثم عادوا بمثل هذه الصفة فكانوا يحجون في كل عام شهرين، حتى إذا وافق حجة أبي بكر الآخر من العامين في ذي القعدة، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم حجته التي حج، فوافق ذا الحجة، فذلك حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته: «حديث : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» تفسير : وهذا الذي قاله مجاهد فيه نظر أيضاً، وكيف تصح حجة أبي بكر وقد وقعت في ذي القعدة، وأنى هذا؟. وقد قال الله تعالى: {وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} الآية، وإنما نودي به في حجة أبي بكر، فلو لم تكن في ذي الحجة، لما قال تعالى: {يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ} ولا يلزم من فعلهم النسيء هذا الذي ذكره من دوران السنة عليهم وحجهم في كل شهر عامين، فإن النسيء حاصل بدون هذا، فإنهم لما كانوا يحلون شهر المحرم عاماً، يحرمون عوضه صفراً، وبعده ربيع وربيع إلى آخر السنة بحالها على نظامها وعدتها وأسماء شهورها، ثم في السنة الثانية يحرمون المحرم، ويتركونه على تحريمه، وبعده صفر وربيع وربيع إلى آخرها {يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ} أي: في تحريم أربعة أشهر من السنة، إلا أنهم تارة يقدمون تحريم الشهر الثالث من الثلاثة المتوالية، وهو المحرم، وتارة ينسئونه إلى صفر، أي: يؤخرونه، وقد قدمنا الكلام على قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الزمان قد استدار» تفسير : الحديث أي إن الأمر في عدة الشهور، وتحريم ما هو محرم منها، على ما سبق في كتاب الله من العدد والتوالي، لا كما تعتمده جهلة العرب من فصلهم تحريم بعضها بالنسيء عن بعض، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا صالح بن بشر بن سلمة الطبراني، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة، فاجتمع إليه من شاء الله من المسلمين، فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: «حديث : إنما النسيء من الشيطان زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا، يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً» تفسير : فكانوا يحرمون المحرم عاماً، ويستحلون صفر، ويستحلون المحرم هو النسيء. وقد تكلم الإمام محمد بن إسحاق على هذا في كتاب السيرة كلاماً جيداً مفيداً حسناً، فقال: كان أول من نسأ الشهور على العرب فأحل منها ما حرم الله، وحرم منها ما أحل الله عز وجل، القلمس، وهو حذيفة بن عبد فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ثم قام بعده على ذلك ابنه عباد ثم من بعد عباد ابنه قلع بن عباد، ثم ابنه أمية بن قلع، ثم ابنه عوف بن أمية، ثم ابنه أبو ثمامة جنادة بن عوف، وكان آخرهم، وعليه قام الإسلام، فكانت العرب إذا فرغت من حجها، اجتمعت إليه، فقام فيهم خطيباً، فحرم رجباً وذا القعدة وذا الحجة، ويحل المحرم عاماً، ويجعل مكانه صفر، ويحرمه؛ ليواطىء عدة ما حرم الله، فيحل ما حرم الله، يعني: ويحرم ما أحل الله. والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّمَا ٱلنَّسِىءُ } أي التأخير لحرمة شهر إلى آخرَ كما كانت الجاهلية تفعله من تأخير حرمة (المحرم) إذا هلّ وهم في القتال إلى (صفر) {زِيَادَةٌ فِى ٱلْكُفْرِ } لكفرهم بحكم الله فيه {يُضِلُّ } بضم الياء وفتحها {بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ } أي النسيء {عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُواْ } يوافقوا بتحليل شهر وتحريم آخر بدله {عِدَّةَ } عدد {مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ } من الأشهر فلا يزيدون على تحريم أربعة أشهر ولا ينقصون ولا ينظرون إلى أعيانها {فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَٰلِهِمْ } فظنّوه حسناً {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ...} أما النسيء في الأشهر فهو تأخيرها، مأخوذ من بيع النسيئة، ومنه قوله تعالى {مَا نَنسَخُ مِنْ ءَايَةٍ أَوْنُنسِهَا} أي نؤخرها. وفي نَسْء الأشهر قولان. أحدهما: أنهم كانوا يؤخرون السنة أحد عشر يوماً حتى يجعلوا المحرم صفراً، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم كانوا يؤخرون الحج في كل سنتين شهراً. قال مجاهد: فحج المسلمون في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين: ثم حجوا في صفر عامين، ثم في ذي القعدة عامين الثاني منهما حجة أبي بكر قبل حجة النبي صلى الله عليه وسلم من قابل في ذي الحجة فذلك حين يقول: "حديث : إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ " تفسير : وكان المنادى بالنسيء في الموسم: من بني كنانة على ما حكاه أبو عبيدة، وقال شاعرهم عمير بن قيس: شعر : ألسنا الناسئين على مَعَدٍّ شهور الحل نجعلُها حَراماً تفسير : واختلف في أول من نسأ الشهور منهم، فقال الزبير بن بكار: أول من نسأ الشهور نعيم بن ثعلبة بن الحارث ابن مالك بن كنانة. وقال أيوب بن عمر الغفاري: أول من نسأ الشهور القَلمّس الأكبر وهو عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، وآخر من نسأ الشهور أبو ثمامة جنادة بن عوف إلى أن نزل هذا التحريم سنة عشر وكان ينادي إني أنسأ الشهور في كل عام، ألا أن أبا ثمامة لا يجاب ولا يعاب، فحرم الله سبحانه بهذه الآية النسيء وجعله زيادة في الكفر. ثم قال تعالى {... لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} أي ليوافقوا فحرموا أربعة أشهر كما حرم الله تعالى أربعة أشهر. {زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ} فيه وجهان: أحدهما: أن الله تعالى زينها بالشهرة لها والعلامة المميزة بها لتجتنب. الثاني: أن أنفسهم والشيطان زين لهم ذلك بالتحسين والترغيب ليواقعوها، وهو معنى قول الحسن. وفي {سُوءُ أَعْمَالِهِمْ} ها هنا وجهان: أحدهما: أنه ما قدمه من إحلالهم ما حرم الله تعالى وتحريمهم ما أحله الله. الثاني: أنه الرياء، قاله جعفر بن محمد.
ابن عطية
تفسير : {النسيء} على وزن فعيل مصدر بمعنى التأخير، تقول العرب أنسأ الله في أجلك ونسأ في أجلك. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سره النساء في الأجل والسعة في الرزق فليصل رحمه" تفسير : . وقرأ جمهور الناس والسبعة " النسيء " كما تقدم، وقرأ ابن كثير فيما روي عنه وقوم معه في الشاذ " النسيّء" بشد الياء، وقرأ فيما روى عنه جعفر بن محمد والزهري " النسيء"، وقرأ أيضاً فيما روي عنه " النسء" على وزن النسع وقرأت فرقة "النسي". فأما "النسيء"بالمد والهمز فقال أبو علي هو مصدر مثل النذير والنكير وعذير الحي ولا يجوز أن يكون فعيلاً بمعنى مفعول لأنه يكون المعنى إنما المؤخر زيادة والمؤخر الشهر ولا يكون الشهر زيادة في الكفر. قال القاضي أبو محمد : وقال أبو حاتم هو فعيل بمعنى مفعول، وينفصل عن إلزام أبي علي بأن يقدر مضاف كان المعنى إنما إنساء النسيء، وقاله الطبري هو من معنى الزيادة أي زيادتهم في الأشهر، وقال أبو وائل كان النسيء رجلاً من بني كنانة. قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف، وأما " النسي" فهو الأول بعينه خففت الهمزة وقيل قلبت الهمزة ياء وأدغمت الياء في الياء، وأما " النسء"هو مصدر من نسأ إذا أخر، وأما"النسي" فقيل تخفيف همزة النسيء وذلك على غير قياس، وقال الطبري هو مصدر من نسي ينسى إذا ترك. قال القاضي أبو محمد: والنسيء هو فعل العرب في تأخيرهم الحرمة، وقوله {زيادة في الكفر } أي جار في كفرهم بالله وخلاف منهم للحق فالكفر متكثر بهذا الفعل الذي هو باطل في نفسه. قال القاضي أبو محمد: ومما وجد في أشعارها من هذا المعنى قول بعضهم: [الوفر] شعر : ومنا منسىء الشهر القلمس تفسير : وقال الآخر:[الكامل] شعر : نسؤوا الشهور بها وكانوا أهلها من قبلكم والعز لم يتحول تفسير : ومنه قول جذل الطعان: [الوافر] شعر : وقد علمت معدّ أَنَّ قومي كرام الناس أن لهم كراما فأي الناس فاتونا بوتر وأي الناس لم تعلك لجاما ألسنا الناسئين على معد شهور الحل نجعلها حراما تفسير : وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر "يَضِل" بفتح الياء وكسر الضاد، وقرأ ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة وعمرو بن ميمون "يُضِل" بضم الياء وكسر الضاد فإما على معنى يضل الله وإما على معنى يضل به الذين كفروا أتباعهم، فـ {الذين } في التأويل الأول في موضع نصب، وفي الثاني في موضع رفع، وقرأ عاصم أيضاً وحمزة والكسائي وابن مسعود فيما روي عنه " يُضِل" بضم الياء وفتح الضاد على المفعول الذي لم يسم فاعله، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {زين} للتناسب في اللفظ، وقرأ أبو رجاء " يَضل" من ضل يضل على وزن فعل بكسر العين يفعل بفتحها وهي لغتان يقال ضل يضل وضل يضل والوزن الذي ذكرناه يفرق بينهما، وكذلك يروى قول النبي صلى الله عليه وسلم، "حديث : حتى يضَل الرجل إن يدر كم صلى" تفسير : بفتح الضاد وكسرها، وقوله {يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً } معناه عاماً من الأعوام وليس يريد أن تلك مداولة في الشهر بعينه عام حلال وعام حرام. قال القاضي أبو محمد: وقد تأول بعض الناس القصة أنهم كانوا إذا شق عليهم توالي الأشهر الحرم أحل لهم المحرم وحرم عليهم صفر بدلاً منه ثم مشت الشهور مستقيمة على أسمائها المعهودة فإذا كان من قابل حرم المحرم على حقه وأحل صفر، ومشت الشهور مستقيمة، ورأت هذه الطائفة أن هذه كانت حالة القوم. قال القاضي أبو محمد : والذي قدمناه قبل أليق بألفاظ الآيات، وقد بينه مجاهد وأبو مالك، وهو مقتضى قول النبي صلى الله عليه وسلم، "حديث : إن الزمان قد استدار" تفسير : مع أن هذا الأمر كله قد تقضى والله أعلم. أي ذلك كان، وقوله {ليواطئوا} معناه ليوافقوا والمواطأة الموافقة تواطأ الرجلان على كذا إذا اتفقا عليه، ومعنى ليواطئوا عدة ما حرم الله ليحفظوا في كل عام أربعة أشهر في العدد. قال القاضي أبو محمد : فأزالوا الفضيلة التي خص الله بها الأشهر الحرم وحدها بمثابة أن يفطر أحد رمضان ويصوم شهراً من السنة بغير مرض أو سفر، وقوله {زين} يحتمل هذا التزيين أن يضاف إلى الله عز وجل والمراد به خلقه لكفرهم وإقرارهم عليه وتحبيبه لهم، ويحتمل أن يضاف إلى مغويهم ومضلهم من الإنس والجن، ثم أخبر تعالى أنه لا يهديهم ولا يرشدهم، وهو عموم معناه الخصوص في الموافين أو عموم مطلق لكن لا هدية من حيث هم كفار. قال القاضي أبو محمد: وذكر أبو علي البغدادي في أمر " النسيء " أنه كان إذا صدر الناس من منى قام رجل يقال له نعيم بن ثعلبة فيقول أنا الذي لا أعاب ولا يرد لي قضاء فيقولون أنسئنا شهراً أي أخّر عنا حرمة المحرم فاجعلها في صفر. قال القاضي أبو محمد : واسم نعيم لم يعرف في هذا وما أرى ذلك إلا كما حكى النقاش من بني فقيم كانوا يسمون القلامس واحدهم قلمس وكانوا يفتون العرب في الموسم، يقوم كبيرهم في الحجر ويقوم آخر عند الباب ويقوم آخر عند الركن فيفتون. قال القاضي أبو محمد: فهم على هذا عدة، منهم نعيم وصفوان ومنهم ذرية القلمس حذيفة وغيرهم. قال القاضي أبو محمد: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، "حديث : لا عدوى ولا هامة ولا صفر " تفسير : ، فقال بعض الناس: إنه يريد بقوله لا صفر هذا النسيء، وقيل غير ذلك.
الخازن
تفسير : {إنما النسئ زيادة في الكفر} النسئ: في اللغة، عبارة عن التأخير في الوقت ومنه النسيئة في البيع ومعنى النسئ المذكور في الآية هو تأخير شهر حرام إلى شهر آخر وذلك أن العرب في الجاهلية كانت تعتقد حرمة الأشهر الحرم وتعظيمها وكان ذلك مما تمسكت به من ملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم وكانت عامة معايش العرب من الصيد والغارة فكان يشق عليهم الكف عن ذلك ثلاثة أشهر متوالية وربما وقعت حروب في بعض الأشهر الحرم فكانوا يكرهون تأخير حروبهم إلى الأشهر الحلال فنسؤوا يعني أخروا تحريم شهر إلى شهر آخر فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيستحلون المحرم ويحرمون صفر فإذا احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر أخروه إلى ربيع الأول فكانوا يصنعون هكذا يؤخرون شهراً بعد شهر حتى استدار التحريم على السنة كلها وكانوا يحجون في كل شهر عامين فحجوا في الحجة عامين ثم حجوا في المحرم عامين ثم حجوا في صفر عامين وكذا باقي شهور السنة فوافقت حجة أبي بكر في السنة التاسعة قبل حجة الوداع المرة الثانية من ذي القعدة ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام المقبل حجة الوداع فوافق حجة شهر ذي الحجة وهو شهر الحج المشروع فوقف بعرفة في اليوم التاسع وخطب الناس في اليوم العاشر بمنى وأعلمهم أن أشهر النسئ قد تناسخت باستدارة الزمان وعاد الأمر إلى ما وضع الله عليه حساب الأشهر يوم خلق السموات والأرض وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض" تفسير : الحديث المتقدم. وأمرهم بالمحافظة على ذلك لئلا يتبدل في مستأنف الأيام واختلفوا في أول من نسأ النسئ. فقال ابن عباس والضحاك وقتادة ومجاهد: أول من نسأ النسئ بنو مالك بن كنانة وكان يليه جنادة بن عوف بن أمية الكناني وقال الكلبي: أول من فعل ذلك رجل من بني كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة وكان يقوم على الناس في الموسم فإذا همَّ الناس بالصدر قام فخطف الناس فيقول لا مرد لما قضيت أنا الذي لا أعاب ولا أجاب فيقول له المشركون لبيك ثم يسألونه أن ينسئهم شهراً يغيرون فيه فيقول: إن صفر في هذا العام حرام فإذا قال ذلك، حلّوا الأوتار، ونزعوا الأسنة، والأزجة من الرماح، وإن قال: حلال، عقدوا أوتار القسي، وركبوا الأسنة في الرماح، وأغاروا وكان من بعد نعيم بن ثعلبة رجل يقال له جنادة بن عوف: وهو الذي أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وقال عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم هو رجل من بني كنانة يقال له القلمس قال شاعرهم: شعر : وفينا ناسئ الشهر القلمس تفسير : وكانوا يفلعون ذلك إذا اجتمعت العرب في الموسم وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أن أول من سن النسئ عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف والذي صح من حديث أبي هريرة وعائشة أن عمرو ابن لحي أول من سيب السوائب وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النارتفسير : فهذا ما ورد في تفسير النسئ الذي ذكره الله في قوله تعالى إنما النسيء زيادة في الكفر يعني زيادة كفر على كفرهم وسبب هذه الزيادة أنهم أمروا بإيقاع كل فعل في وقته من الأشهر الحرم ثم إنهم بسبب إغراضهم الفاسدة أخروه إلى وقت آخر بسبب ذلك النسئ فأوقعوه في غير وقته من الأشهر الحرم فكان ذلك الفعل زيادة في كفرهم {يضل به الذين كفروا} وقرئ: يضل بفتح الياء وكسر الضاد ومعناه يضل الله به الذين كفروا أو يضل به الشيطان الذين كفروا بتزيين ذلك لهم وقيل يضل بالنسئ الذين كفروا وقرئ يضل بضم الياء وفتح الضاد ومعناه أن كبارهم أضلوهم وحملوهم عليه وقرئ يضل به الذين كفروا بضم الياء وكسر الضاد ومعناه يضل به الذين كفروا تابعيهم والآخذين بأفعالهم وهذا الوجه أقوى الوجهين في تفسير قراءة من قرأ يضل بضم الياء وكسر الضاد {يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً} يعني يحلون ذلك الإنساء عاماً ويحرمونه عاماً والمعنى يحلون الشهر المحرم عاماً فيجعلونه حلالاً ليغيروا فيه ويحرمونه عاماً فيجعلونه محرماً فلا يغيرون فيه {ليواطئوا} يعني ليوافقوا {عدة ما حرم الله} يعني أنهم ما أحلوا شهراً من المحرم إلا حرموا شهراً مكانه من الحلال ولم يحرموا شهراً من الحلال إلا أحلوا مكانه شهراً من الحرام لأجل أن يكون عدد الأشهر الحرم أربعة كما حرم الله فيكون ذلك موافقة في العدد لا في الحكم فذلك قوله سبحانه وتعالى: {فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم} قال ابن عباس: زين لهم الشيطان هذا العمل {والله لا يهدي القوم الكافرين} يعني أنه سبحانه وتعالى لا يرشد من هو كافر أثيم لما سبق له في الأزل أنه من أهل النار.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّمَا ٱلنَّسِيءُ}، يعني: فِعْلُ العرب في تأخيرهم الحُرْمَةَ، {زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ }، أي: جارٍ مع كفرهم باللَّهِ، وخلافِهِمْ للحقِّ، فالكفر متكثِّر بهذا الفِعْلِ الذي هو باطلٌ في نفْسهِ؛ وممَّا وُجِدَ في أشعارهم قَوْلُ جِذْلٍ الطَّعَانِ: [الوافر] شعر : وَقَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ أَنَّ قَوْمِي كِرَامُ النَّاسِ إِنَّ لَهُمْ كِرَامَا أَلَسْنَا النَّاسِئِينَ عَلَى مَعَدٍّ شُهُورَ الحِلِّ نَجْعَلُهَا حَرَامَا تفسير : وقوله سبحانه: {يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا }، معناه: عاماً من الأعوام، وليس يريد أنَّ تلك كانَتْ مداولةً. وقوله سبحانه: {لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ}، معناه: ليوافقُوا، والمواطَأَةُ: الموافَقَةُ. وقوله سبحانه: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ}، هذه الآيةُ بلا خلافٍ أنها نزلَتْ عتاباً على تخلُّف من تخلَّف عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في غزوة تَبُوكَ، وكانَتْ سنةَ تسْعٍ من الهجرةِ بعد الفَتْح بعامٍ، غزا فيها الرُّوم في عِشْرينَ ألْفاً بين راكبٍ وراجلٍ، والنَّفْر: هو التنقُّل بسرعة من مكانٍ إلى مكانٍ، وقوله: «أثاقلتم» أصله تَثَاقَلْتُمْ، وكذلك قرأ الأعمش وهو نحو قوله: { أية : أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الأعراف:176] وقوله: {أَرَضِيتُم } تقريرٌ، والمعنى: أرضيتمْ نَزْرَ الدنيا، عَلى حظيرِ الآخرةِ، وحَظِّها الأَسْعَد. قَالَ ابنُ هِشامٍ فـــ «مِنْ» من قوله: {مِنَ ٱلأَخِرَةِ } للبدل. انتهى. ثم أخبر سبحانه، أنَّ الدنيا بالإِضافة إِلى الآخرة قليلٌ نَزْرٌ، فتعطي قُوةُ الكلام التعجُّبَ مِنْ ضلالِ مَنْ يرضَى النزْرَ الفانِيَ بَدَل الكثير الباقي. * ت *: وفي «صحيح مُسْلم» و«الترمذيِّ»، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « حديث : مَا الدُّنْيَا في الآخرة إِلاَّ مَثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَاذَا تَرْجعٌ » تفسير : . قال أبو عيسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. انتهى. وقوله سبحانه: {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ }: شرطٌ وجوابٌ، ولفظُ «العذاب» عامٌّ يدخل تخته أنواعُ عذابِ الدنيا والآخرة. وقوله: {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ }: تَوعُّدٌ بأن يبدل لرسوله عليه السلام قوماً لا يقعدون عند ٱستنفارِهِ إِياهم، والضميرُ في قوله: {وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا } عائدٌ على اللَّه عز وجل، ويحتملُ أنُ يعود على النبيِّ صلى الله عليه وسلم هو أَلْيَقُ.
البقاعي
تفسير : ولما فهم من هذا إبطال النسيء لأنه فعل أهل الجاهلية فلا تقوى فيه، كان كأنه قيل: أفما في النسيء تقوى فإن سببه إنما هو الخوف من انتهاك حرمة الله بالقتال في الشهر الذي حرمه؟وذلك أنهم كانوا أصحاب غارات وحروب، وكانوا يحترمون الأشهر الحرم عن القتال حتى لو رأى الإنسان قاتل أبيه لا مانع منه لم يعرض له، فكان إذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم تركه، وكان يشق عليهم ترك ذلك ثلاثة أشهر متوالية، فجعلوا النسيء لذلك، فقيل تصريحاً بما أفهمه ما مضى: ليس فيه شيء من ذلك: {إنما النسيء} أي تأخير الشهر إلى شهر آخر على أنه مصدر نسأ نسيئاً - إذا أخره، أو هو اسم مفعول، أي الشهر الذي تؤخر العرب حرمته من الأشهر الحرم عن وقتها {زيادة في الكفر} أي لأنه على خلاف ما شرعه الله، ستر تحريم ما أظهر الله تحريمه. ولما بين ما في النسيء من القباحة، تحرر أنهم وقعوا على ضد مرادهم فإنهم كانوا لو قاتلوا في الشهر الحرام قاتلوا وهم معتقدون الحرمة خائفون عاقبتها فكانوا غير خارجين عن دائرة التقوى بالكلية، فإذا هم بتحليله قد صاروا خارجين عن دائرتها بمراحل لارتكابهم فيه كل عظيمة مع الأمن لاعتقاد الحل بتحليل ذلك الذي اعتقدوه رباُ، فكان يقول: إني لا أجاب ولا أعاب، وإنه لا مراد لقضائي، وإني حللت المحرم وحرمت صفراً - إلى غير ذلك من الكلام الذي لايليق إلا بالإله؛ وذلك الذي معنى قوله تعالى بياناً لما قبله: {يضل به} أي بهذا التأخير الذي هو النسيء {الذين كفروا} أي يحصل لهم بذلك ضلال عما شرعه الله - هذا على قراءة الجماعة والمعنى على قراءة حمزة والكسائي وحفص - بالبناء للمفعول: يضلهم مضل من قبل الله، وعلى قراءة يعقوب - بالضم: يضلهم الله؛ ثم بين ضلالهم بقوله: {يحلونه} أي ذلك الشهر، وعبر عن الحول بلفظ يدور على معنى السعة إشارة إلى أنهم يفعلونه ولو لم يضطرهم إلى ذلك جدب سنة ولا عض زمان، بل بمجرد التشهي فقال: {عاماً ويحرمونه عاماً} هكذا دائماً كلما أرادوا. وليس المراد أنهم كل سنة يفعلون ذلك من غير إجلال لسنة من السنين، وهذا الفعل نسخ منهم مع أنهم يجعلون النسخ من معايب الدين {ليواطئوا} أي يوافقوا {عدة ما حرم الله } أي المحيط بالجلال والإكرام في كون الأشهر الحرم أربعة {فيحلوا} أي فيتسبب عن هذا الفعل أن يحلوا {ما حرم الله} أي الملك الأعظم منها كلها، فلا يدع لهم هذا الفعل شهراً إلا انتهكوا حرمته فأرادوا بذلك عدم انتهاك الحرمة فإذا هم لم يدعوا حرمة إلا انتهكوها، فما أبعده من ضلال! ولما انهتكت بهذا البيان قباحة فعلهم، كان كأنه قيل: إن هذا لعجب! ما حملهم على ذلك؟ فقيل: {زين} أي زين مزين، وقرىء شاذاً بإسناد الفعل إلى الله {لهم سوء أعمالهم} أي حتى رأوا حسناً ما ليس بالحسن فضلوا ولم يهتدوا، فعل الله بهم ذلك لما علم من طبعهم على الكفر فلم يهدهم {والله} أي الذي له صفات الكمال {لا يهدي} أي يخلق الهداية في القلوب {القوم الكافرين*} أي الذي طبعهم على الكفر فهم عريقون فيه لا ينفكون عنه؛ والنسيء - قال في القاموس -: الاسم من نسأ الشيء بمعنى زجره وساقه وأخره، قال: وشهر كانت تؤخره العرب في الجاهلية فنهى الله عز وجل عنه؛ وقال ابن الأثير في النهاية؛ والنسيء فعول بمعنى مفعول، وقال ابن فارس في المجمل: والنسيء في كتاب الله التأخير، وكانوا إذا صدروا عن منى يقوم رجل من كنانة فيقول: أنا الذي لا يرد لي قضاء! فيقولون: أنسئنا شهراً، اي أخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر - انتهى. ومادة نسأ تدور على التغريب، وسبب فعلهم هذا أنهم كانوا ربما أرادوا قتالاً في شهر حرام فيحلونه، ويحرمون مكانه شهراً من أشهر الحل ويؤخرون ذلك الشهر؛ قال ابن فارس: وذلك أنهم كانوا يكرهون أن يتوالى عليهم ثلاثة أشهر لا يغيرون فيها، لأن معاشهم في الغارة فيحل لهم الكناني المحرم - انتهى. وكان النسأة من بني فقيم من كنانة، وكان أول من فعل ذلك منهم القلمس وهو حذيفة بن عبد ابن فقيم، وآخرهم الذي قام عليه الإسلام أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أمية بن قلع بن عباد بن حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة ابن خزيمة. نسأ أربعين سنة، كانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه، فحرم الأشهر الحرم الأربعة، فإذا أرادوا أن يحل منها شيئاً أحل المحرم فأحلوه، وحرم مكانه صفراً فحرموه، ليواطئوا عدة الأربعة الأشهر الحرم، فإذا أرادوا الصدر قام فيهم فقال: اللهم إني قد أحللت لهم أحد الصفرين الصفر الأول، ونسأت الآخر للعام المقبل - ذكر ذلك أهل السير، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن أول من نسأ عمرو بن لحي. وتحقيق معنى ما كانت العرب تفعله واختلاف أسماء الشهور به حتى يوجب دوران السنين فلا تصادف أسماء الشهور مسمياتها إلا الحين بعد الحين عسر قل من اتى فيه بما يتضح به قول النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كما مضى"حديث : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض"تفسير : وها أنا أذكر فيه ما لا يبقى بعده لبس إن شاء الله تعالى، فمعنى قوله: ونسأت الآخر للعام المقبل، أنه إذا أحل المحرم وسماه صفراً ابتدأ السنة بعده بالمحرم ثم صفر إلى آخرها، فيصير بين صفر وذي الحجة الذي وقع النسيء فيه شهران، وقد كان ينبغي ان يكون بينهما شهر واحد، فأخر هذا الذي ينبغي إلى العام المقبل، فالمعنى: وأخرت الصفر الآخر عن محله إلى العام المقبل فإذا جاء العام المقبل انتهى تأخره، وإذا انتهى رجع إلى محله، ويمكن أن يتنزل على هذا قول أبي عبيد في غريب الحديث، قال بعد النصف من الجزء الثالث منه في شرح الاستدارة: إن بدء ذلك - والله أعلم - أن العرب كانت تحرم الشهور الأربعة، وكان هذا مما تمسكت به من ملة إبراهيم عليه السلام، فربما احتاجوا إلى تحليل المحرم للحرب تكون بينهم، فيكرهون أن يستحلوه ويكرهون تأخير حربهم فيؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه ويستحلون المحرم، وهذا هو النسيء الذي قال الله {إنما النسيء} [براءة: 37] الآية، وكان ذلك في كنانة هم الذين كانوا ينسؤون الشهور على العرب، والنسيء هو التأخير، فكانوا يمكثون بذلك زماناً يحرمون صفراً وهم يريدون بذلك المحرم ويقولون: هو أحد الصفرين، وقد تأول بعض الناس قول النبي صلى الله عليه وسلم "لا صفر" على هذا، ثم يحتاجون أيضاً إلى تأخير صفر إلى الشهر الذي بعده كحاجتهم إلى تأخير المحرم فيؤخرون تحريمه إلى ربيع، ثم يمكثون بذلك ما شاء الله ثم يحتاجون إلى مثله ثم كذلك، فكذلك يتدافع شهر بعد شهر حتى استدار التحريم على السنة كلها، فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله به، وذلك بعد دهر طويل، فذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم"حديث : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض" تفسير : يقول: رجعت الأشهر الحرم إلى موضعها وبطل النسيء، وقد زعم بعض الناس أنهم كانوا يستحلون المحرم عاماً، فإذا كان من قابل ردوه إلى تحريمه، قال أبو عبيد: الأول أحب إليّ لقول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الزمان قد استدار"تفسير : وليس في التفسير الأخير استدارة، وعلى هذا التفسير الذي فسرناه قد يكون قوله {يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً} مصدقاً له لأنهم إذا حرموا العام المحرم وفي قابل صفراً ثم احتاجوا بعد ذلك إلى تحليل صفر أيضاً أحلوه وحرموا الذي بعده، فهذا تأويل قوله في التفسير، يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً. وقال أبو حيان في النهر ما حاصله: كانت العرب لا عيش لأكثرها إلا من الغارات، فيشق عليهم توالي الأشهر الحرم، وكان بنو فقيم أهل دين وتمسك بشرع إبراهيم عليه السلام، فانتدب منهم القلمس وهو حذيفة بن عبيد بن فقيم، فنسأ الشهور للعرب، ثم خلفه على ذلك ابنه عباد ثم خلفه ابنه قلع ثم خلفه ابنه أمية ثم خلفه ابنه عوف ثم ابنه جنادة بن عوف وعليه قام الإسلام، كانوا إذا فرغوا من حجهم جاء إليه من شاء منهم مجتمعين فقالوا: أنسئنا شهراً، فيحل المحرم، ثم يلزمون حرمة صفر ليوافقوا عدة الأشهر الأربعة ويسمون ذلك الصفر المحرم ويسمون ربيعاً الأول صفراً وربيعاً الآخر ربيعاً الأول - وهكذا سائر الشهور، فيسقط على هذا حكم المحرم الذي حلل لهم، وتجيء السنة من ثلاثة عشر شهراً أولها المحرم الذي هو في الحقيقة صفر؛ وقال البغوي: قال مجاهد: كانوا يحجون في كل شهر عامين، فحجوا في ذي الحجة عامين وحجوا في المحرم عامين ثم حجوا في صفر عامين وكذلك في الشهور، فوافقت حجة أبي بكر السنة الثانية من ذي القعدة، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم في العام المقبل حجة الوادع، فوافق حجه أشهر الحج المشروع وهو ذو الحجة، وقال عبد الرزاق في تفسيره: أخبرنا معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله {إنما النسيء زيادة في الكفر} قال: فرض الله الحج في ذي الحجة، فكان المشركون يسمون الأشهر: ذا الحجة والمحرم وصفر وربيع وربيع وجمادى وجمادى ورجب وشعبان ورمضان وشوال وذا القعدة وذا الحجة، ثم يحجون فيه مرة أخرى، ثم يسكتون عن المحرم ولا يذكرونه، فيسمونه - أحسبه قال - المحرم صفر، ثم يسمون رجب بجمادى الآخرة، ثم يسمون شعبان رمضان، ورمضان شوالاً. ثم يسمون ذا القعدة شوالاً. ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة، ثم يسمون المحرم ذا الحجة ثم يحجون فيه، واسمه عندهم ذو الحجة، ثم عادوا كمثل هذه الصفة فكانوا يحجون عامين في كل شهر حتى وافق حجة أبي بكر الآخر من العامين في ذي القعدة، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم حجته التي حج، فوافق ذلك ذا الحجة، فلذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته"حديث : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض " تفسير : . وقال ابن إسحاق في السيرة؛ سألت ابن أبي نجيح عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال؛ كانت قريش يدخلون في كل سنة شهراً، وإنما كانوا يوافقون ذا الحجة كل اثنتي عشرة سنة مرة، فوفق الله عز وجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته التي حج ذا الحجة، فحج فيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض"تفسير : ، فقلت لابن أبي نجيح: فكيف بحجة أبي بكر وعتاب بن أسيد؟ فقال: على ما كان الناس يحجون عليه، ثم قال ابن أبي نجيح: كانوا يحجون في الحجة ثم العام المقبل في المحرم ثم صفر حتى يبلغوا اثنى عشر شهراً - انتهى. وقوله هذا يوهم أن في حج أبي بكر وعتاب رضي الله عنهما اختلالاً، وتقدم عن المهدوي وغيره التصريح بأنه كان في ذي القعدة - وفيه نظر، لأن السنة التي حج فيها أبو بكر رضي الله عنه نودي فيها بتحريم النسيء وغيره من أمور الجاهلية، فلا شك أنه لم يكن في ذلك العام إنساء، ولما مضى من الشهر الذي حج فيه عشرة أشهر، وكان الحادي عشر وهو ذو القعدة سار النبي صلى الله عليه وسلم في أواخره إلى الحج موافياً لهلال ذي الحجة، فلما وقف بعرفة أخبر أن الزمان قد استدار، فعلم قطعاً أن استدارته كانت في حجة أبي بكر، وكذا في سنة ثمان وهي السنة التي حج فيها عتاب بالمسلمين، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لم يكونوا يعتبرون حساب أهل الجاهلية لا نسأتهم ولا غير نسأتهم، لأنه يلزم من القول بأنهم اعتبروا أمر النسأة أنهم اعتبروا ما هو زيادة من الكفر، وهذا ما لا يقوله ذو مسكة، وقد تقدم النقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أبا بكر رضي الله عنه إلى الحج في أواخر ذي القعدة أو بعد انقضائه من سنة تسع، ووافاه العرب في ذي الحجة: الكفار وغيرهم، فوقع إعلامهم ببراءة في أيام الحج وأماكنه، فلو كان حصل في سنة عتاب اختلال في ذي القعدة بنسيء لكان ذو الحجة بحساب الكفار وهو المحرم بحساب الإسلام، فكان يتأخر مجيء الكفار للحج عن مجيء المسلمين، فثبت بهذا أيضاً أن حجه رضي الله عنه كان في ذي الحجة، فحفظ الله أهل الإسلام من أن يقع في حجهم اختلال في سنة من السنين، وما هي بأول نعمة عليهم - والله الموفق؛ وقال الإمام أبو العباس أحمد بن أبي احمد المشهور بابن القاص من أكابر متقدمي أصحاب الشافعي رحمه الله في كتابه دلائل القبلة في باب معرفة عدد أيام السنة: فالسنة اثنا عشر شهراً بالأهلة، وربما كان الشهر ثلاثين وربما كان تسعاً وعشرين، فمبلغ السنة الهلالية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوماً وثماني ساعات وأربعة أخماس ساعة، وقالت الهند: السنة ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً وست ساعات وخمس ساعة وجزء من أربعمائة جزء من ساعة، وذلك من دخول الشمس برأس الحمل إلى أن تدخل فيه من قابل، ففضل ما بين السنة الهلالية والسنة الشمسية عشرة أيام وإحدى وعشرون ساعة وخمسا ساعة، فإذا زيدت عليها هذه الساعات والأيام استقام حسابه مع دوران الشمس، وكانت العرب تزيده في الجاهليه، وكان الذي أبدع لهم ذلك رجل من كنانة يقال له القلمس، وذلك أنه يجمع هذه الزيادة فإذا تمت شهراً زاده في السنة وجعل تلك السنة ثلاثة عشر شهراً، وسماه نسيئاً، ويحج بهم تلك السنة في المحرم، فأنزل الله تعالى {إنما النسيء زيادة في الكفر} فلما كانت السنة التي حج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وافق الحج في تلك السنة ذا الحجة لما أراد الله تعالى بإثبات الحج في تلك السنة، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : أيها الناس! ألا إن السنة قد استدارت كهيئتها يوم خلق الله السماوات والأرض {منها أربعة حرم ذلك الدين القيم} تفسير : يعنى به الحساب القيم، فاالحرم رجب جمادى وشعبان، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، فسمي ذلك الحج الأقوم، وقال الشاعر: شعر : وأبطل ذو العرش النسي وقلمسا وفاز رسول الله بالحج الأقوم - انتهى تفسير : والقلمس بفتح اللام وتشديد الميم، فالنسيء في البيت متروك الهمز ليصح الوزن، والأقوم منقول حركة الهمزة، وقوله: إن علة النسيء التطبيق بين السنة الشمسية والقمرية - فيه نظر، والظاهر أن علته ما ذكر في السير من اضطرارهم إلى القتال، وأمر الاستدارة في كل من هذه الأقوال واضح الاستنارة، وليس المراد بها مصادفة كل فصل من فصول السنة لموضعه من الحر والبر، ومصادفة اسم كل شهر لمسماه بحسب اشتقاقه حتى يكون رمضان في شدة الحر مثلاً وكذلك غيره وإن كان الواقع أن الأمر كان في هذه الحجة كذلك، لما تقدم من أن غزوة تبوك كان ابتداؤها في شهر رجب، وكان ذلك كما تقدم في شدة الحر وحين طابت الثمار، وإنما المراد الأعظم بالاستدارة مصادفة اسم كل شهر لمسماه لا لمسمى شهر آخر لأجل الدوران بالنسيء بدليل أنه صلى الله عليه وسلم ما ذكر إلا لأجله، فقال في بعض طرق حديث جابر الطويل رضي الله عنه: حديث : إن النسيء زيادة في الكفر، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراًتفسير : . فانظر إلى تعقيبه بحصر الأشهر في الاثنى عشر نفياً لجعلهم إياها سنة النسيء ثلاثة عشر شهراً، وقال: منها أربعة حرم، وعينها وقال: أيّ شهر هذا؟ فلما سكتوا قال: ذو الحجة شهر حرام، كل هذا لبيان أن المراد بالاستدارة رجوع كل شهر عما غيره أهل الجاهلية إلى موضعه الذي وضعه الله به موافقاً اسمه لمسماه، وجعلت أشهرنا هلالية مع المنع من النسيء لتحصل الاستدارة فيحصل بسببها كل عبادة تعبدنا بها من صوم وعيد وحج وغيره في كل فصل من فصول السنة بخلاف من شهوره بالحساب، فإن عباداتهم خاصة بوقت من السنة لا تتعداه - والله الموافق له، وقال القاضي أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي في تفسيره، حثنا ابن أبي عمر ثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طاوس قال؛ الشهر الذي انتزعه الله من الشيطان المحرم. والحاصل أنه لا شك في أن النسيء لم يكن قط إلا للمحرم لما تقدم، وان الحج لم يكن قط في جاهلية ولا إسلام إلا في شهر يسمى ذا الحجة لما قاله نقلة اللغة والحديث والأخبار، قال ابن الأثير في النهاية ونشوان اليمني في شمس العلوم والقزاز في ديوانه وابن مكتوم في ترتيب العباب والمحكم: ذو الحجة بالكسر: شهر الحج، زاد المحكم: سمي بذلك للحج، وقال القزاز؛ إن الفتح فيه أشهر، وفي النهاية: يوم التروية هو الثامن من ذي الحجة، سمى به لأنهم كانوا يرتوون فيه من الماء لما بعده، أي يستقون ويسقون؛ وقال المجد في القاموس: يوم عرفة التاسع من ذي الحجة، وفي كتاب أسواق العرب لأبي المنذر هشام بن محمد الكلبي رواية أبي سعيد السكري أن عكاظ كانت من أعظم أسواق العرب. فإذا أهل أهلها هلال ذي الحجة ساروا بأجمعهم إلى ذي المجاز وهي قريب من عكاظ، وعكاظ في أعلى نجد، فأقاموا بها حتى التروية، ووافاهم بمكة حجاج العرب ورؤوسهم ممن أراد الحج بمن لم يكن شهد تلك الأسواق. قال الأزرقي في تاريخ مكة: فإذا رأوا هلال ذي الحجة انصرفوا إلى ذي المجاز فأقاموا بها ثماني ليال أسواقهم قائمة، ثم يخرجون يوم التروية في ذي المجاز إلى عرفة فيتروون ذلك اليوم من الماء بذي المجاز، وإنما سمي يوم التروية لترويهم الماء بذي المجاز، ينادي بعضهم بعضاً: ترووا من الماء، إنه لا ماء بعرفة ولا بالمزدلفة يومئذ، ثم ذكر أنه لا يحضر ذلك إلا التجار، قال: ومن لم يكن له تجارة فإنه يخرج من أهله متى أراد، ومن كان من أهل مكة ممن لا يريد التجارة خرج من مكة يوم التروية. وروى البيهقي في دلائل النبوة بسندة عن عروة وموسى بن عقبة - فرقهما - قالا: وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة من الجعرانة في ذي القعدة، ثم أسند عن ابن إسحاق انه قال: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرته انصرف راجعاً إلى المدينة، واستخلف عتاب بن أسيد على مكة وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم، فكانت عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة أو في الحجة، وحج الناس تلك السنة على ما كانت العرب يحج عليه، وحج تلك السنة عتاب بن أسيد سنة ثمان، وحديث اعتماره صلى الله عليه وسلم في ذي العقدة رواه الشيخان ومضى على ما كانت العرب من الطواف عراة ونحوه؛ وذكره الواقدي عن مشايخ قالوا: وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة، فأقام بالجعرانة ثلاث عشرة ليلة، فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج من الجعرانة ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ليلاً فأحرم - فذكرعمرته ثم قال: واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة، وخلف معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما يعلمان الناس القرآن والفقه في الدين، وأقام للناس الحج عتاب بن أسيد رضي الله عنه عن تلك السنة وهي سنة ثمان، وحج ناس من المسلمين والمشركين على مدتهم، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الجمعه لثلاث بقين من ذي القعدة، قال الواقدي: فأقام بقية ذي القعدة وذا الحجة، فلما رأى هلال المحرم بعث المصدقين - انتهى. إذا تقرر هذا علم أن الحج لم يكن قط إلا في شهر يسمونه ذا الحجة، وهو مما لا يدور في خَلَد ولا يقع في وهم فيه تردد، ولا يحتاج إلى تطويل بذكره ولا إطناب في أمره، وتارة يوافق اسمه مسماه وتارة لا يوافقه لأجل النسيء، وعلم أيضاً أن حج عتاب بن أسيد كان في ذي الحجة بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة إلى المدينة الشريفة، أنه ما تأخر عن ذي الحجة إلا لنقل، وأن حج أبي بكر رضي الله عنه سنة تسع كان ذي الحجة لذلك ولما تقدم من أن سفره له من المدينة الشريفة كان آخر ذي القعدة أو أول ذي الحجة ولقولهم: إن الأربعة الأشهر التي ضربت للمشركين من يوم النحر ولقولهم: إن الأربعة الأشهر كان آخرها عاشر ربيع الآخر، وعلم أن ذا الحجة تلك السنة لو كان وافق مسمى ذي القعدة لم يقع ذو الحجة سنة عشر التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم في موضعه الذي وضعه الله به إلا بأن تكون تلك السنة ثلاثة عشر شهراً بنسيء أو غيره، وكل من الأمرين باطل، أما الأول فلأن الله تعالى أبطل النسيء في تلك السنة فيما أبطله من أمور الجاهلية في هذه السورة، وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم بالمناداة بها كما مر، وأما الثاني فهو أمر خارق للعادة لم يكن مثله من حين خلق الله السماوات والأرض، والخارق مما تتوفر الدواعي [على] نقله، ولا ناقل لهذا أصلاً فبطل، وإذا بطل ثبت أن سنة عشر كانت اثني عشر شهراً ولا سيما بعد إنزال الله تعالى في ذلك ما أنزل في هذه السورة، وإذا كان الأمر كذلك كان الشهر الذي وقف فيه النبي صلى الله عليه وسلم في موضع الشهر الذي وقف فيه الصديق رضي الله عنه سواء بسواء، وقد ثبت أن الزمان كان فيه قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، فثبت من غير مرية أن شهر الصديق رضي الله عنه كذلك كان، وثبت أيضاً أن سنة عتاب ابن أسيد رضي الله عنه كذلك كانت بما قدمتُ من أنه لم يكن فيها نسيء لتوافق حج المسلمين والمشركين في سنة تسع. فدل ذلك على أنها كانت اثنى عشر شهراً، فكان ذو الحجة فيها في موضعه الذي وضعه الله به كما كانت سنة تسع، بل ظاهر قوله أبي عبيد: فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه - كما مضى - أن الله حفظ زمن الإسلام كله عن نسيء، وهو الذي اعتقده، وقد لاح بذلك أن السبب في قول من قال: إن حج الصديق رضي الله عنه وافق ذا القعدة، أنه فهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الزمان قد استدار تفسير : أن الاستدارة لم تكن إلا في تلك السنة وليس ذلك مدلول هذا التركيب ما لا يخفي والله الوفق: ثم وجدت النقل الصريح في زوائد معجمي الطبراني: الأوسط والأصغر للحافظ نور الدين الهيثمي بمثل ما فهمته، قال في تفسير براءة: حدثنا إبراهيم - يعني ابن هشام - البغوي ثنا الصلت بن مسعود الجحدري ثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي ثنا دواد بن أبي هند عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يعني عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: كانت العرب يحلون عاماً شهراً وعاماً شهرين ولا يصيبون الحج إلا في كل ست وعشرين سنة مرة، وهو النسيء الذي ذكره الله عز وجل في كتابه، فلما كان عام حج أبو بكر رضي الله عنه بالناس وافق ذلك العام الحج فسماه الله الحج الأكبر، ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام المقبل فاستقبل الناس الأهلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرضتفسير : . لم يروه عن عمرو إلا داود تفرد به الصلت - انتهى. وهو حديث حسن إن شاء الله تعالى، ثم رأيت الهيثمي في مجمع الزوائد قال: رجاله ثقات، فأكد ذلك الجزم بما فهمت من أنه حسن، وإنما أطلت هذا بما قد لا يحتاج في إيضاحه إليه لكثرة جدال المجادلين المعاندين ومحال المماحلين الجامدين.
السيوطي
تفسير : أخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كانت العرب يحلون عاماً شهراً وعاماً شهرين، ولا يصيبون الحج إلا في كل ستة وعشرين سنة مرة، وهو النسىء الذي ذكر الله تعالى في كتابه، فلما كان عام الحج الأكبر ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام المقبل فاستقبل الناس الأهلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عمر قال "حديث : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة فقال: إن النسىء من الشيطان {زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً} فكانوا يحرمون المحرم عاماً ويحرمون صفراً عاماً، ويستحلون المحرم وهو النسىء ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان جنادة بن عوف الكناني يوفي الموسم كل عام، وكان يكنى أبا ثمادة فينادي: ألا أن أبا ثمادة لا يخاف ولا يعاب، ألا إن صفر الأول حلال، وكان طوائف من العرب إذا أرادوا أن يغيروا على بعض عدوهم أتوه فقالوا: أحل لنا هذا الشهر - يعنون صفر - وكانت العرب لا تقاتل في الأشهر الحرم فيحله لهم عاماً ويحرمه عليهم في العام الآخر، ويحرم المحرم في قابل {ليواطئوا عدة ما حرم الله} يقول: ليجعلوا الحرم أربعة غير أنهم جعلوا صفراً عاماً حلالاً وعاماً حراماً. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت النساة حياً من بني مالك من كنانة من بني تميم، فكان أخراهم رجلاً يقال له القلمس وهو الذي أنسأ المحرم، وكان ملكاً، كان يحل عاماً ويحرمه عاماً، فإذا حرمه كانت ثلاثة أشهر متوالية، ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وهي العدة التي حرم الله في عهد إبراهيم عليه السلام، فإذا أحله دخل مكانه صفر في المحرم ليواطىء العدة يقول: قد أكملت الأربعة كما كانت لأني لم أحل شهراً إلا وقد حرمت مكانه شهراً، فكانت على ذلك العرب من يدين للقلمس بملكه حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، فأكمل الحرم ثلاثة أشهر متوالية ورجب شهر مضر الذي بين جمادى وشعبان. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي وائل رضي الله عنه في قوله {إنما النسيء زيادة في الكفر} قال: نزلت في رجل من بني كنانة يقال له نسيّ، كان يجعل المحرم صفراً ليستحل فيه المغانم. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي وائل رضي الله عنه قال: كان الناسي رجلاً من كنانة ذا رأي يأخذون من رأيه رأساً فيهم، فكان عاماً يجعل المحرم صفراً فيغيرون فيه ويستحلونه فيصيبون فيغنمون، وكان عاماً يحرمه. وأخرج ابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {إنما النسيء زيادة في الكفر} الآية. قال: عمد أناس من أهل الضلالة فزادوا صفر في أشهر الحرم، وكان يقوم قائلهم في الموسم فيقول: إن آلهتكم قد حرمت صفر فيحرمونه ذلك العام، وكان يقال لهما الصفران، وكان أول من نسأ النسىء بنو مالك من كنانة، وكانوا ثلاثة، أبو ثمامة صفوان بن أمية، أحد بني تميم بن الحرث، ثم أحد بني كنانة. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {إنما النسيء زيادة في الكفر} قال: فرض الله الحج في ذي الحجة، وكان المشركون يسمون الأشهر ذا الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع، وربيع، وجمادى، وجمادى، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة ثم يحجون فيه ثم يسكتون عن المحرم فلا يذكرونه، ثم يعودون فيسمون صفر، صفر، ثم يسمون رجب جمادى الآخر، ثم يسمون شعبان رمضان، ورمضان شوال، ويسمون ذا القعدة شوال، ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة، ثم يسمون المحرم ذا الحجة، ثم يحجون فيه واسمه عندهم ذو الحجة، ثم عادوا مثل هذه القصة فكانوا يحجون في كل شهر عاماً حتى وافق حجة أبي بكر رضي الله عنه الآخرة من العام في ذي القعدة، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم حجته التي حج فيها فوافق ذا الحجة، فذلك حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته "حديث : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في الآية قال: كان رجل من بني كنانة يقال له جنادة بن عوف يكنى أبا امامة ينسىء الشهور، وكانت العرب يشتد عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر لا يغير بعضهم على بعض، فإذا أراد أن يغير على أحد قام يوماً بمنى فخطب فقال: إني قد أحللت المحرم وحرمت صفر مكانه فيقاتل الناس في المحرم، فإذا كان صفر عمدوا ووضعوا الأسنَّة ثم يقوم في قابل فيقول: إني قد أحللت صفر وحرمت المحرم فيواطئوا أربعة أشهر فيحلوا المحرم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً} قال: هو صفر، كانت هوازن وغطفان يحلونه سنة ويحرمونه سنة.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّمَا ٱلنَّسِىء} هو مصدرُ نسَأَه إذا أخَّره نسْأً ونَساءً ونسيئاً نحوُ مسَّ مسّاً ومَساساً ومسيساً وقرىء بهن جميعاً وقرىء بقلب الهمزة ياءً وتشديدِ الياء الأولى فيها كانوا إذا جاء شهرٌ حرامٌ وهم محارِبون أحلُّوه وحرَّموا مكانه شهراً آخر حتى رفضوا خصوصَ الأشهر واعتبروا مجردَ العددِ وربما زادوا في عدد الشهور بأن يجعلوها ثلاثةَ عشرَ أو أربعةَ عشَر ليتسعَ لهم الوقت ويجعلوا أربعةَ أشهر من السنة حُرُماً ولذلك نصّ على العدد المعين في الكتاب والسنة أي إنما تأخيرُ حرمةِ شهرٍ إلى شهر آخر {زِيَادَةٌ فِى ٱلْكُفْرِ} لأنه تحليلُ ما حرمه الله وتحريمُ ما حلله فهو كفرٌ آخرُ مضمومٌ إلى كفرهم {يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ضلالاً على ضلالهم القديم، وقرىء على البناء للفاعل من الأفعال على أن الفعلَ لله سبحانه أي يخلُق فيهم الضلال عند مباشرتِهم لمباديه وأسبابِه وهو المعنيُّ على القراءة الأولى أيضاً، وقيل: المُضِلّون حينئذ رؤساؤُهم والموصولُ عبارةٌ عن أتباعهم، وقرىء يَضَلُّ بفتح الياء والضاد من ضَلِل ونُضِلّ بنون العظمة {يُحِلُّونَهُ} أي الشهرَ المؤخر {عَاماً} من الأعوام ويحرِّمون مكانه شهراً آخرَ مما ليس بحرام {وَيُحَرّمُونَهُ} أي يحافظون على حُرمته كما كانت، والتعبـيرُ عن ذلك بالتحريم باعتبار إحلالِهم له في العام الماضي أو لإسنادهم له إلى آلهتهم كما سيجيء {عَاماً} آخرَ إذا لم يتعلقْ بتغيـيره غرضٌ من أغراضهم. قال الكلبـي: أولُ من فعل ذلك رجلٌ من كنانة يقال له نُعيم بنُ ثعلبة وكان إذا همّ الناسُ بالصدَر من الموسم يقوم فيخطب ويقول: لا مردَّ لما قضيْتُ وأنا الذي لا أُعاب ولا أُجاب فيقول له المشركون: لبـيك ثم يسألونه أن يَنْسئَهم شهراً يغيِّرون فيه فيقول: إن صفرَ العامَ حرامٌ فإذا قال ذلك حلّوا الأوتارَ ونزعوا الأسنةَ والأزِجّة وإن قال: حلالٌ عقدوا الأوتار وشدّوا الأزجةَ وأغاروا، وقيل: هو جُنادةُ بنُ عوفٍ الكنانيُّ وكان مطاعاً في الجاهلية كان يقوم على جمل في الموسم فينادي بأعلى صوتِه: إن آلهتَكم قد أحلت لكم المحرَّم فأحِلّوه ثم يقوم في العام القابل فيقول: إن آلهتَكم قد حرمت عليكم المحرَّمَ فحرِّموه، وقيل: هو رجلٌ من كنانةَ يقال له القَلمّسُ قال قائلهم: شعر : ومنا ناسىءُ الشهرِ القَلَمَّسْ تفسير : وعن ابن عباس رضي الله عنهما أولُ من سنَّ النسيءَ عمرُ بنُ قُمعةَ بن خندِفَ والجملتان تفسيرٌ للضلال أو حالٌ من الموصول والعاملُ عاملُه {لّيُوَاطِئُواْ} أي ليوافقوا {عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ} من الأشهر الأربعةِ واللام متعلقةٌ بالفعل الثاني أو بما يدل عليه مجموعُ الفعلين {فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ} بخصوصه من الأشهر المعينة {زُيّنَ لَهُمْ سُوء أَعْمَـٰلِهِمْ} وقرىء على البناء للفاعل وهو الله سبحانه والمعنى جَعلَ أعمالَهم مشتهاةً للطبع محبوبةً للنفس وقيل: خَذَلهم حتى حسِبوا قبـيحَ أعمالِهم حسناً فاستمروا على ذلك {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} هدايةً موصلةً إلى المطلوب البتةَ وإنما يهديهم إلى ما يوصل إليه عند سلوكِه وهم قد صدّوا عنه بسوء اختيارِهم فتاهوا في تيه الضلال.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ} [الآية: 37]. قال الواسطى: جبرهم على ما فيه هلاكهم ولم يعذرهم بقوله: {زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ}. سُئل جعفر الصادق عليه السلام عن قوله {زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ} قال: هو الرياء.
القشيري
تفسير : الدِّينُ ملاحظةُ الأمر ومجانَبَةُ الوِزر وتركُ التقدم بين يدي الله سبحانه - في جميع أحكام الشرع، فالآجالُ في الطاعاتِ مضروبة، والتوفيقُ في عرفانه متَّبع، والصلاح في الأمور بالإقامة على نعت العبودية؛ فالشهرُ ما سمَّاه الله شهراً، والعامُ والحوْلُ ما أعْلَمَ الخَلْقَ أنه قَدْرُ ما بَيَّنه شرعاً.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ} ذم الله قو ما عموا عن رؤية ما بدالهم من نفوسهم من المخائيل الشيطانية التى هجتهم الى الاستبداد بآرائهم الفاسدة فى استداعهم طرق الباطل وهم راوها من انفسهم مستحسنة من قلة عرفانهم بطريق السنة الاهية قال الواسطى خيرهم على ما فيه هلاكهم ولم يعذبهم بقوله زين لهم سوء اعمالهم وسئل جعفر الصادق عن قوله زين لهم سوء اعمالهم قال هو الرياء ثم حث المؤمنين بترك الدنيا ولذتها لاجل مشاهدته وحسن رضاه بقوله {أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ} اي اخترتم موضع الكرامات وظهور الايات على كشف المشاهدات قال يحيى بن معاذ الناس من مخافة النصيحة فى الدنيا وقعوا فى فضيحة الاخرة قال الله اثاقلتم الى الارض رضيتم بالحيوة الدّنيا من الاخرة ثم وصف الدنيا بالقلّة والدناءة ووصف الاخرة بالشرف والمنزلة بقوله {فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} اى ما وجد العارف الصادق فى الدنيا من القربة والمعرفة والوجه والحالة والفضل والكرامة فى جنب ما تجده من الخصرة بعد وصوله اليها وما يرى من وصال الحق وكشف جماله اقل من قطرة فى البحار قال النهرجورى الدنيا بحر والاخرة ساحل والمركب واحد وهو التقوى والناس سفر.
اسماعيل حقي
تفسير : {انما النسيئ} مصدره نسأه اى اخره كمس مسيسا كانت العرب اذا جاء شهر حرام وهم محاربون احلوه وحرموا مكانه شهر آخر حتى رفضوا خصوص الاشهر واعتبروا مجرد العدد. قال الكاشفى [آورده اندكه طباع اهل جاهليت بقتل وغارت مستأنس شده بود ودرماههاى حرام قتال نميكردند وجون سه ماه متصل حرام بودبتنك آمده كفتند ماسه ماه بى دربى بى تاراج وغارت تحمل بس قلمش كنانى صورتى برانكيخت ودرموسم نداكردوايستاده شد وخطبه خواند كه يا معشر العرب خداى شمارا درين محرم وحلال كردانيد وحرمت اورا تأخير كرد بماه صفر مردمان قول اورا قبول نمودند بازسال ديكر منادى فرمودكه خداى تعالى درين سال محرم را حرام ساخت وصفررا حلال كردوكاه بودى كه در اثناى محاربات ايشان حرام نوشتى حرمت اورا تأخير كردندى بما هى بعد ازواورا حلال داستندى ودهر سالى جهارماه را حرام ميدانستند اما اختصاص اشهر حرم را فروكذاشته مجرد عددرا اختيار كردندى واعتبار داستندى واين عمل را نسئ مى كفتند حق سبحانه وتعالى فرمود] {انما النسيئ} اى انما تأخير حرمة شهر الى شهر آخر {زيادة} [افزنيست] {فى الكفر} لانه تحليل ما حرمه الله وتحريم ما حلله فهو كفر آخر مضموم الى كفرهم وبدعة زائدة على بدع سائر الكفار {يضل} على بناء المفعول من اضل {به} [بدين عمل] وهو النسيء {الذين كفروا} والمضل هو الله تعالى اى يخلق فيهم الضلال عند مباشرتهم لمباديه واسبابه او الرؤساء فالموصول عبارة عن الاتباع اى الاتباع يضلون به باضلال الرؤساء او الشيطان فانه مظهر الاسم المفضل. يقول الفقير سمعت من حضرة شيخنا العلامة ابقاه الله بالسلامة ان الشيطان والنفس والضلال امر واحد فى الحقيقة لكن الاول بحسب الشريعة والثانى بحسب الطريقة والثالث بحسب الحقيقة فلكل مقام تعبير لا يناسب تعبير المقام الآخر {يحلونه} اى الشهر المؤخر فالضمير الى النسيئ المدلول عليه بالنسيئ {عاما} من الاعوام ويحرمون مكانه شهرا آخر مما ليس بحرام {ويحرمونه} اى يحافظون على حرمته كما كانت والتعبير عن ذلك بالتحريم باعتبار احلالهم له فى العام الماضى {عاما} آخر اذا لم يتعلق بتغييره غرض من اغراضهم {ليواطئوا} المواطأة عبارة عن الموافقة والاجتماع على حكم اى ليوافقوا. قال الكاشفى [تاموافق سازند وتمام كنند] {عدة ما حرم الله} اى عدد ما حرمه من الاشهر الاربعة فانهم كانوا يقولون الاشهر الحرم اربعة وقد حرمنا اربعة اشهر {فيحلوا ما حرم الله} اى يتواصلوا بهذه الحيلة الى احلال الشهر الذى حرمه الله بخصوصه من الاشهر المعينة فهم وان راعوا احد الواجبين وهو نفس العدد الا انهم تركوا الواجب الآخر وهو رعاية حكم خصوص الشهر {زين لهم سوء اعمالهم} اى جعل اعمالهم مشتهاة للطبع محبوبة للنفس والمزين هو الله تعالى فى الحقيقة او الشيطان او النفس على تفاوت المراتب {والله لا يهدى القوم الكافرين} هداية موصلة الى المطلوب البتة وانما يهديهم الى ما يوصل اليه عند سلوكه وهم قد اعرضوا عنه بسوء اختيارهم فتاهوا فى تيه الضلال [در ينابيع آورده كه جاهلان عرب در سالى جهار ماه حرام ميداشتتد وخلق را ازدست وزبان خود ايمن ميساختند مؤمنان مؤدب بدان سزاوارترندكه درهمه ماهها مسلمانانرا ازضرر خودسالم دارند وايذا وآزار خلق بزبان ودست فروكذارندكه مجازات اضرار همان اضرارست ومكافات آزار آزار] شعر : آزار دل خلق مجو بى سببى تابر نكشند يا ربى نيمشى برمال وجمال خويشتن تكيه مكن كانرا بشبى برند واين را به تبى تفسير : يقول الفقير سامحه الله القدير بلغت مسامحات الناس فى هذا الزمان الى حيث تساوت عندهم الاشهر الحرم وغيرها أما ترى اليهم فى شهر رمضان الذى جعله الله شهر هذه الامة المرحومة وفضله على سائر الشهور كيف لا يبالون من ارتكاب المحرمات فيه وامسكوا عنها فى النهار بسبب نوم او غيره من الموانع البشرية واكبوا عليها فى الليالى فوا أسفا على غربة هذا الدين وزوال انوار اليقين ومن الله التوفيق الى الاعمال المرضية خصوصا فى الاوقات الفاضلة نهار أو ليالى ثم ان النسيئ المذكور وقعت اليه الاشارة فى قوله عليه السلام "حديث : لا عدوى ولا هامة ولا صفر" تفسير : اما العدوى فهو اسم من الاعداء كالدعوى من الادعاء وهو مجاوزة العلة من صاحبها الى غيره وكانت العرب فى الجاهلية تعتقد ان الامراض تعدى بطبعها من غير اعتقاد تقدير الله لذلك. فالمعنى ليس نفى سراية العلة فان السراية والتعدية واقعة بل اضافتها الى العلة من غير ان يكون ذلك بفعل الله تعالى ويدل عليه السلام "حديث : لا يورد ممرض على مصح" تفسير : والممرض صاحب الابل المريضة والمصحح صاحب الابل الصحيحة والمراد النهى عن ايراد الابل المريضة على الصحيحة وهو من باب اجتناب الاسباب التى هى سبب البلاء اذا كان فى عافية منه فكما انه مأمور ان لا يلقى نفسه فى الماء او فى النار او يدخل تحت ما اشرف على الانهدام ونحوه مما جرت العادة بانه يهلك او يؤذى فكذلك مأمور بالاجتناب عن مقاربة المريض كالمجزوم والقدوم على بلد الطاعون فان هذه كلها اسباب المرض والتلف والله تعالى هو خالق الاسباب ومسبباتها ففى الامر بالاجتناب صيانة للمؤمن الضعيف يقينه لئلا يعتقد التأسير من الاسباب اى عند وقوع البلاء او يعتقد ان السراية كانت بالطبع لا بقضاء الله تعالى وقدره واما اذا قوى التوكل على الله والايمان بقضائه وقدره فتجوز مباشرة بعض هذه الاسباب كما ورد ان النبى عليه السلام اكل مع مجذوم وقال "حديث : بسم الله ثقة الله توكلت على الله" تفسير : ونظيره ما روى عن خالد بن الوليد وعمر رضى الله عنهما من شرب السم وانما لم يؤثر فيهما لانهما انما شرباه فى مقام الحقيقة لا ببشريتهما وانما اثر فى النبى عليه السلام بعد تنزله الى حالة بشرية وذلك ان ارشاده عليه السلام كان فى عالم التنزل غير ان تنزله كان من مرتبة الروح وهى اعدل المراتب ولم يؤثر فيه حتى مضى عليه اثنتا عشرة سنة فلما احتضر تنزل الى ادنى المراتب لان الموت انما يجرى على البشرية فلما تنزل الى تلك المرتبة اثر فيه فليفهم هذا المقام فانه من مزالق الاقدام. واما قوله "حديث : ولا هامة" تفسير : بالتخفيف ففيه تأويلان. احدهما ان العرب كانت تتشاءم بالهامة وهى الطير المعروف من طير الليل وقيل هى البومة كانت اذا سقطت على دار احدهم قالوا نعت اليه نفسه او بعض اهله هذا تفسير مالك بن انس. والثانى ان العرب كانت تعتقد ان روح القتيل الذى لم يؤخذ بثاره تصير هامة فتنشر جناحيها عند قبره وتصحيح اسقونى اسقونى من دم قاتلى فاذا اخذ بثاره طارت وقيل كانوا يزعمون ان عظام الميت اذا بليت تصير هامة ويسمونها الصدى بالفارسية [كوف] وتخرج من القبر وتتردد وتأتى الميت باخبار اهله وهذا تفسير اكثر العلماء وهو المشهور ويجوز ان يكون المراد النوعين وانه عليه السلام نهى عنهما جميعا. وفى فتاوى قاضى خان اذا صاحت الهامة فقال احد يموت رجل قال بعضهم يكون ذلك كفرا وكذا لو رجع فقال ارجع لصياح العقعق كفر عن بعضهم. واما قوله "حديث : ولا صفر" تفسير : ففيه تأويلان ايضا. الاول ان الجاهلية كانت تعتقد ان فى الجوف حية يقال لها الصفر تعض كبد الانسان عضا اذا جاع. والثانى ان المراد تأخيرهم تحريم المحرم الى صفر وهو النسيء الذى كانوا يفعلونه ويحوز ان يكون المراد هذا والاول جميعا وان الصفرين جميعا باطلان لا اصل لهما وقيل كانوا يتشاءمون بصفر فنفاه النبى عليه السلام بقوله ولا صفر يحكى ان بعض الاعراب اراد السفر فى اول السنة فقال ان سافرت فى المحرم كنت جديرا ان احرم وان رحلت فى صفر خشيت على يدى ان نصر فاخر السفر الى شهر ربيع الاول فلما سافر مرض ولم يحظ بطائل فقال ظننته من ربيع الرياض فاذا هو من ربيع الامراض. وكانت وقعة صفين بين على ومعاوية غرة صفر سنة سبع وثلاثين قيل لذلك احترز عن صفر. قال فى روضة الاخبار ذهب الجمهور الى ان القعود فى صفر اولى من الحركة. عن النبى عليه السلام "حديث : من بشرنى بخروج صفر ابشره بالجنة" تفسير : انتهى. يقول الفقير هذا الحديث لا يدل على مدعاة وهو اولوية القعود فى صفر فان النبى عليه السلام انما قال كذلك شغفا بشهر ولادته ووفاته وحبا لدخوله فان الانبياء والاولياء يستبشرون بالموت لكونه تحفة لهم ويتنظرون زمانه اذ ليس انتقالهم الا الى جوار الله تعالى وفى الحديث "حديث : لا تسافروا فى محاق الشهر ولا اذا كان القمر فى العقرب" تفسير : وكان على يكره التزوج والسفر اذا نزل القمر فى العقرب وهو اسناد صحيح. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى ان نحوسة الايام قد ارتفعت عن المؤمنين بشرف نبينا عليه السلام واما ما نقل عن على من انه عد سبعة ايام فى كل شهر نحسا فعلى تقدير صحة النقل محمول على نحوسة النفس والطبيعة فليست السعادة والشقاوة الا لسعادتهما وشقاوتهما فاذا تخلصتا من الشقاوة لم يبق نحوسة انتهى. قال فى عقد الدرر واللآلى وكثير من الجهال يتشاءم من صفر وربما ينهى عن السفر والتشاؤم بصفر هو من جنس الطيرة المنهى عنها وكذا التشاؤم بيوم من الايام كيوم الاربعاء وايام العجائز فى آخر الشتاء وكذا تشاؤم اهل الجاهلية بشوال فى النكاح فيه خاصة. وقد قيل ان طاعونا وقع فى شوال فى سنة من السنين فمات فيه كثير من العرائس فتشاءم بذلك اهل الجاهلية وقد ورد الشرع بابطاله قالت عائشة رضى الله عنها تزوجنى رسول الله فى شوال وبنى بى فى شوال فاى نسائه كان احظى عنده منى فتخصيص الشؤم بزمان دون زمان كصفر او غيره غير صحيح وانما الزمان كله خلق الله تعالى وفيه تقع اعمال بنى آدم فكل زمان اشتغل فيه المؤمن بطاعة الله فهو زمان مبارك عليه وكل زمان اشتغل فيه بمعصية الله فهو مشئوم عليه فالشؤم فى الحقيقة هو المعصية كما قال ابن مسعود رضى الله عنه ان كان الشؤم فى شيء ففيما بين اللحيين يعنى اللسان وفى الحديث "حديث : الشؤم فى ثلاث فى المرأة والدار والفرس" تفسير : وتفسيره ان شؤم المرأة اذا كانت غير ولود وشؤم الدار جار السوء فان المرء يتأذى به كما جاء فى الحديث "حديث : ادفنوا موتاكم وسط قوم صالحين فان الميت يتأذى بجار السوء كما يتأذى الحى بجار السوء" تفسير : وشؤم الفرس اذا لم يغز عليه فى سبيل الله فان الخيل ثلاثة فرس للرحمن وفرس للانسان وفرس للشيطان فاما الذى للرحمن فما اتخذ فى سبيل الله وقوتل عليه اعداؤه واما الذى للانسان فهو الذى يرتبطها يلتمس بطنها فهو ستر من الفقر واما الذى للشيطان فهو ما روهن عليه وقومر
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (النسيء): التأخير، يقال بالهمزة وبقلبها ياء. يقول الحق جل جلاله: {إنما النسيءُ}، وهو تأخير حرمة الشهر الحرام إلى شهر آخر، وذلك أن العرب كانوا أصحاب حروب وإغارات، وكانت محرمة عليهم في الأشهر الحرم، فيشق عليهم تركها، فيجعلونها في شهر حرام، ويحرمون شهراً آخر بدلاً منه، وربما أحلوا المحرم وحرموا صفر، حتى يُكملوا في العام أربعة أشهر محرمة، وإنما ذلك {زيادةٌ في الكفر}؛ لأنه تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله، وهو كفر آخر ضموه إلى كفرهم، {يُضَلُّ به الذين كفروا} عن الحق، ضلالاً زائداً على ضلالهم، أو يضلهم الله بذلك، {يُحلونه عاماً} أي: يحلون الشهر الحرام عاماً، ويجعلون مكانه آخر، {ويحرمونه عاما}، فيتركونه على حرمته، فكانوا تارة ينسئون وتارة يتركون. قيل: أول من أحدث ذلك: جُنادَهُ بن عوف الكناني؛ كان يقوم على جمل في الموسم فينادي: إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه، ثم ينادي من قابل: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه، فتتبعه العرب. ثم حرّموا شهراً آخر مكان المحرم {ليواطئُوا}؛ ليوافقوا {عِدَّةَ ما حرّمَ الله}، وهي الأربعة الحرم، {فيُحلّوا ما حرّم الله} عليهم من القتال في الأشهر الحرم، {زُيِّنَ لهم سوء أعمالهم} أي: خذلهم وأضلهم، والمُزين حقيقة: الله، أو الشيطان؛ حكمةً وأدباً. {والله لا يهدي القوم الكافرين} إلى طريق الرشد، ما داموا على غيهم، حتى يسلكوا سبيل نبيه صلى الله عليه وسلم. الإشارة: إنما تأخير التوبة واليقظة، وترك السير إلى مقام التصفية والترقية، زيادة في البعد والقسوة، يضل به الذين هجروا طريق التربية والتصفية، عن مقام أهل الإحسان والمعرفة، فتارةً يُحلون المقام مع النفس الأمارة، ويقولون: قد انقطعت التربية، وعُدِمَ الطبيبُ الذي يداويها ويخرجها عن وصفها، وتارة يُحرمون المقام معها والاشتغال بحظوظها وهواها، ويقولون: البركة لا تنقطع، والمدد لا ينعدم، ليوافقوا بين الأمر بمجاهدتها في قوله: {والذين جاهدوا فينا}، وبين من قال: قد انقطعت التربية، زُين له سواء أعمالهم، والله لا يهدي القوم الكافرين إلى السير والوصول إلى ربهم. ثم عاتبهم على التأخر عن الجهاد في غزوة تبوك، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابو جعفر وابن فرج عن البزي {إنما النسيّ} من غير همز قلب الهمزة ياء وادغم الياء الاولى فيها فلذلك شدد.. الباقون {النسيء} ممدود مهموز على وزن فعيل. وروي عن ابن مجاهد وابن مسعود عن عبيد بن عقيل عن شبل عن ابن كثير "النسء" على وزن النسع. وقرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر {يضل} بضم الياء وفتح الضاد. وقرأ يعقوب بضم الياء وكسر الضاد. الباقون بفتح الياء وكسر الضاد. قال ابو علي: وجه قراءة ابن كثير اذا قرأت على وزن النسع ان {النسيء} التأخير. قال ابو زيد: نسأت الابل في ظمئها يوماً او يومين او اكثر من ذلك، والمصدر {النسيء} ويقال: الابل نسأتها على الحوض وأنا أنسأنها نسئاً إذا اخرتها عنه. قال: وما روي عن ابن كثير من قراءته بالياء فذلك على ابدال الياء من الهمزة، ولا أعلمها لغة في التأخير، كما ان ارجيت لغة في ارجأت. وما روي فيه من التشديد فعلى تخفيف الهمز، لأن النسيّ بتشديد الياء على وزن فعيل بالتخفيف قياسي. وسيبويه لا يجيز نحو هذا القلب الذي في النسيء الا في ضرورة الشعر. وابن زيد يراه ويروي كثيراً عن العرب. ومن قرأ بالمد والهمز فلأنه اكثر هذا في المعنى. قال أبو زيد: أنسأته الدين إنساء إذا أخترته واسم ذلك النسيئة والنسأ. وكان النسيء في الشهور تأخير حرمة شهر إلى شهر ليست له تلك الحرمة فيحرمون بهذا التأخير ما أحل الله ويحلون ما حرم الله. والنسيء مصدر كالنذير والنكير وعذير الحي. ولا يجوز أن يكون (فعيلا) بمعنى مفعول لأنه حمل على ذلك كأن معناه انما المؤخر زيادة في الكفر. والمؤخر الشهر وليس الشهر نفسه بزيادة في الكفر، وانما الزيادة في الكفر تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر ليست له تلك الحرمة. وقال ابو عبيدة فيما روى عن الثوري من قوله: انما النسيء زيادة في الكفر، قال: كانوا قد وكلوا قوماً من بني كنانة يقال لهم: بنوا فقيم وكانوا يؤخرون المحرم وذلك نساء الشهور لا يفعلون ذلك الا في ذي الحجة اذا اجتمعت العرب للموسم، فينادي مناد أن افعلوا ذلك لحاجة او لحرب، وليس كل سنة يفعلون ذلك، فان ارادوا ان يحلوا المحرم نادوا هذا صفر وان المحرم الاكبر صفر، وربما جعلوا صفراً محرماً مع ذي القعدة حتى يذهب الناس إلى منازلهم إذا نادى المنادي بذلك، وكانوا يسمون المحرم صفراً ويقدمون صفراً سنة ويؤخرونه. وقال الفراء: والذي يتقدم به رجل بني كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة وكان رئيس الموسم، فيقول: أنا الذي لا أعاب ولا أجاب ولايرد لي قضاء فيقولون: نعم صدقت انسئنا شهراً او أخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر وأحل المحرم فيفعل ذلك. وانما دعاهم إلى ذلك توالي ثلاثة اشهر حرم لا يغيرون فيها وكان معاشهم في الغارة. والذي كان ينسأها حين جاء الاسلام هو جنادة بن عوف بن ابي امية وكان في بني معد إن قبل بنو كنانة قال الشاعر: شعر : ألسنا الناسئين على معدّ شهور الحل نجعلها حراما تفسير : وقال ابن عباس كانوا يجعلون المحرم صفراً وقال ابو علي: كانوا يؤخرون الحج في كل سنة شهراً وكان الذين ينسؤن بنو سليم، وغطفان، وهوازن، ووافق حج المشركين في السنة التي حج فيها ابو بكر في ذي القعدة، فلما حج النبي صلى الله عليه وآله في العام المقبل وافق ذلك في ذي الحجة فلذلك قال: ألا إن الزمان قد استدركه كهيئة يوم خلق السماوات والارض وقال مجاهد: فكان النسيء المنهي عنه في الآية تأخير الأشهر الحرم عما رتبها الله، وكانوا في الجاهلية يعملون ذلك وكان الحج يقع في غير وقته واعتقاد حرمة الشهر في غير أوانه، فبين تعالى أن ذلك زيادة في الكفر. قال ابو علي: من قرأ {يضل} بفتح الياء وكسر الضاد قال الذين كفروا لا يخلوا أن يكونوا مضلين لغيرهم أو ضالين هم في انفسهم فاذا كان كذلك لم يكن في حسن اسناد الضلال في قوله {يضل} اشكال، ألا ترى أن المضل لغيره ضال بفعله اضلال غيره كما ان الضال في نفسه الذي لم يضله غيره لا يمتنع اسناد الضلال اليه ومن ضم الياء وكسر الضاد فمعناه ان كبراءهم واتباعهم يضلونهم بأمرهم اياهم بحملهم على هذا التاخير في الشهور. وروي في التفسير ان رجلا من كنانة يقال له ابو ثمامة كان يقول للناس في منصرفهم من الحج إن آلهتكم قد اقسمت لنحرمنّ. وربما قال لنحلن هذا الشهر يعني المحرم فيحلونه ويحرمون صفراً وان حرموه احلوا صفراً وكانوا يسمونهما الصفرين فهذا اضلال من هذا المنادي. ومن قرأ بضم الياء وفتح الضاد - وقيل انها قراءة ابن مسعود - يقوي ذلك قوله {زين لهم سوء أعمالهم} اي زين ذلك لهم حاملوهم عليه وداعوهم اليه. وعلى هذه القراءة يكون {الذين كفروا} في موضع رفع بانهم فاعلون والمفعول به محذوف وتقديره يضل منسؤا الشهور الذين كفروا تابعيهم والآخذين لهم بذلك. ومعنى قوله {ليواطئوا} فالمواطأة موافقة امر التوطئة المعنى ليواطئوا العدة في الاربعة اشهر. وقوله {زين لهم سوء أعمالهم} قال الحسن وأبو علي المزين لهم انفسهم والشيطان وقيل: زين بالشهوة وليجتنبوا المشتهى فذكر ذلك للتحذير والاعتراف به. والتزيين يكون بمعنى الفعل له ويكون بمعنى تقبل الطبع. وإنما سمي انساؤهم زيادة في الكفر من حيث أنهم اعتقدوا أن ذلك صحيح وصواب فلذلك كان كفراً فلا حجة في ذلك ان تكون افعال الجوارح كفراً. وقوله {والله لا يهدي القوم الكافرين} معناه انه لا يهديهم إلى طريق الجنة اذ كانوا كفاراً مستحقين لعذاب الابد.
الهواري
تفسير : { إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ} قال الحسن: النسيُّ من النسئة، وهو التأخير، كانوا يجعلون هذه الأربعة الأشهر الحرم في عام متوالية، فيجعلون ذا القعدة وذا الحجة والمحرم وصفر، فيقولون: قد أنْسَأْنا العام رجباً، أي أخرناه، فيجعلونها في العام المقبل على منزلتها، فقال الله: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةً فِي الكُفْرِ}. يقول: إنساؤهم رجباً. أي: تأخيرهم رجباً، وتحريفهم أمر الله زيادة في الكفر، أي زيادة في كفرهم. {يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ} أي: وهم في ذلك يواطئون العدة فيها ولا ينقصون منها، إلا أنهم يحلّون ما حرّم الله؛ ورجب مما حرّم الله. قال الكلبي: النسي هو المحرم؛ كانوا يسمّونه صفر الأول. وكان الذي يُحله للناس جنادة بن عوف الكناني. كان ينادي بالموسم: ألا إن صفر الأول حلال، فيحلُّه للناس، ويحرّم صفر مكان المحرم. فإذا كان العامُ المقبلُ حرّم المحرمَ وأحلَّ صفرَ. ذكروا أن مجاهداً قال: كانوا يحرمون المحرم عاماً ويحرمون صفر عاماً. وكانت هوازن وغطفان وبنو سليم يفعلونه. وقال بعضهم: كان أناس من أهل الضلالة زادوا صفرَ في الأشهر الحرم؛ فكان يقوم قائمُهم في الموسم فيقول: ألا إن آلهتكم قد حرّمت العامَ صفرَ، فيحرّمونه ذلك العام، فكانا يسمونهما الصفرين. وكان أول من أنسا النسي صفوان بن أمية أبو ثمامة من بني مالك بن كنان، أحد بني فقيم. وذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم منى: حديث : ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان تفسير : . وكان هرم يسمى رجب في الجاهلية منتصل الأسنة. ذكروا أن مجاهداً قال: {يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً} رجب. وذكر ابن مجاهد أن مجاهداً قال: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً ليعرف بها الناس النسي، أي: ما ينقص من السنة. قوله: {زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ} أي ما كانوا يصنعون من ذلك. {وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ} أي: الذين يموتون على كفرهم، أي: لا يكونون بما صنعوا من ذلك مهتدين عند الله.
اطفيش
تفسير : {إنَّما النَّسىءُ} التأخير وهو مصدر نسأه ينسأه بالهمزة بمعنى أخره، ويقال أيضا: أنساه والأصل النسىء بالهمزة، أبدلت ياء وأدغمت فيها الياء، هذه قراءة نافع فى رواية ورش، وهى قراءة ابن كثير فى رواية غير مشهورة، وأبى جعفر، وقرأ الباقون النسىء على الأصل المذكور بإسكان الياء بعدها همزة بوزن المسيس والنذير والصهيل، وهو المشهور عن ابن كثير، وإذا وقف حمزة وهشام وافقا نافعا، وقرأ ابن كثير فى رواية، وجعفر بن محمد، والزهرى: النسىء بإسكان السين بعده ياء فقط، وقرأ ابن كثير أيضا فى رواية: النسىء بإسكان السين بعده همزة متصلة به فقط، وقرأ بعضهم: النساء بالمد، وبعض النسىء بالقصر، والكل مصادر بمعنى التأخير. والمراد تأخير حرمة الشهر إلى شهر بعده، كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أو مريدون المحاربة أحلوه وحرموا مكانه آخر، ورفضوا تخصيص الأشهر الحرم، وحرموا من العام أربعة على حد ما يوافقهم، ولا يجوز أن يكون النسىء بتشديد الباء، أو النسىء بإسكانها بعدها همزة فعيلا بمعنى مفعول، لأن المؤخر الشهر، والشهر لا يكون زيادة فى الكفر كما قال أبو على الفارسى، وقال أبو حاتم: هو فعيل بمعنى مفعول، ولعله مضافا، أى إنما إنساء النسىء. وقال الطبرى: معنى النسىء الزيادة، أى إنما الزيادة فى الأشهر، وذلك أن العام بما تفعله الجاهلية من التأخير يكون ثلاثة عشرة شهرا، وربما جعلوه أربعة عشر شهرا، ولذلك رد الله عليهم بأن الشهور اثنا عشر شهرا لا غير، وقال فى النسىء بإسكان السين بعده ياء: إنه الترك، والصحيح أنه التأخير، لكن أبدلت الهمزة، وزعم أبو وائل: إن النسىء بإسكان الياء بعدها همزة رجل من كنانة، أخبر عنه بزيادة فى الكفر مبالغة أو بتقديره بزائد فى الكفر، أو بذو زيادة فى الكفر، أو بتقدير زيادة النسىء زيادة فى الكفر، وأن الهاء فى به عائدة إليه وترده الهاء ان بعدها. {زِيادةٌ فى الكُفْر} الشرك لأنه تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، ضموه إلى شركهم {يُضلُّ} وقرأ أبو رجاء بفتح الضاد، لأن ضل من باب ضرب، ومن باب علم، وذلك لغتان {به الَّذينَ كَفرُوا} أى يزدادون به ضلالا، وقرأ حمزة، والكسائى، وحفص، وعاصم فى رواية عنه، وابن مسعود بضم الياء وفتح الضاد بالبناء للمفعول، من أضله ليناسب زُيِّن، والمضل لهم الله أو الشيطان، أو رؤساؤهم. وقرأ يعقوب وابن مسعود فى رواية عنه، والحسن، ومجاهد، وقتادة، وعمرو بن ميمون، بضم الياء وكسر الضاد، على أن الفاعل ضمير الله سبحانه وتعالى، أو ضمير الشيطان لعنه الله، والذين مفعول أو هو الفاعل والمفعول محذوف، أى يضل به الذين كفروا أتباعهم ورجحهم بعضهم والهاء عائدة إلى النسىء أى يضل بالتأخير الذين كفروا. {يُحلُّونه} مستأنف لبيان الضلال، أو حال من الذين، أو يحلون النسىء وهو التأخير، بأن يجعلوه حلالا فيؤخروا شهرا ويحرمون مكانه شهرا آخر، وأرجع بعضهم الهاء إلى الشهر المفهوم من المقام، وبعض إلى النسىء على أنه بمعنى الشهر المؤخر على معنى إنما إنساء النسىء زيادة فى الكفر. {عَاماً} ظرف {ويُحرِّمونَه عاماً} آخر، أى يتركونه على حرمته فى العام الآخر {ليُواطِئُوا} يوافقوا متعلق بيحلونه، أو يحرمونه على التنازع، أو بمحذوف يتضمن ذلك التحليل، وذلك التحريم، أى ينسأون أو يفعلون ذلك ليواطئوا، وقرأ الزهرى ليوطئوا بالتشديد. {عِدَّة ما حَرَّم الله} وهو أربعة الأشهر، يوافقون عدها دون أعيانها كلها، وقد يوافقون بعض أعيانها {فَيحلُّوا ما حرَّم الله} أى يزيلون الحرمة عما جعلها الله له بمراعاتهم العدد، دون الوقت المعين. {زُيِّنَ} وقرىء بالبناء للفاعل وهو الله، وقال ابن عباس: الشيطان ونصب سُوء {لَهم سُوءُ أعْمالهم} قبيحها فحسبوه حسنا، كانت العرب لا عيش لأكثرها إلا من الغارات وإعمال سلاحها، فكانوا إذا توالت حرمة ذى القعدة، وذى الحجة، والمحرم، صعب عليهم وأملقوا، وكان بنو فقيم من كنانة أهل دين فى العرب، وتتمسك بشرع إبراهيم عليه السلام فيما يزعمون، فانتدب منهم القلمس وهو حذيفة بن عبد فقيم، فنسأ الشهور للعرب، ثم خلفه على ذلك ابنه عباد بن حذيفة، ثم ابنه قلع بن عباد، ثم ابنه أمية بن قلع، ثم ابنه عوف بن أمية، ثم ابنه أبو ثمامة جنادة بن عوف، وعليه ورد الإسلام. وقيل: هو أول من أحدث ذلك كان يقوم على جمل فى الموسم فينادى بأعلى صوته: إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه، ثم يقوم فى القابل فيقول: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه. وقال الكلبى: أول من فعل ذلك رجل من كنانة يقال له: نعيم ابن ثعلبة، يكون على الناس فى الموسم، فإذا هموا بالصدر خطبهم وقال: أنا الذى لا يرده ما قال، لا أجاب ولا أعاب، فيقول له المشركون: لبيك، ثم يسألونه أن ينسئهم شهرا، فإن أحل لهم المحرم كان صفر حراما. وعن ابن عباس: أول من فعل ذلك عمرو بن يحيى بن قمعة، وهو أول من سيب السوائب ورآه صلى الله عليه وسلم فى النار، وإذا أحلوا المحرم وحرموا صفرا سموا ربيعا الأول صفرا، وربيعا الآخر ربيعا الأول، وهكذا فتكون السنة من ثلاثة عشر شهرا، قال مجاهد فيحجون فى كل شهر عامين، فكانت حجة أبى بكر فى ذى القعدة حقيقة، وهم يسمونه ذا الحجة، وقيل: فى ذى الحجة. "حديث : وحج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فى ذى الحجة حقيقة، وخطب فى منى وقال: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذى بين جمادى وشعبان" وقال: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، وهو يوم النحر فى شهركم هذا، فى بلدكم هذا، وستلقون ربكم يسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه أوعى من بعض من يسمعه" ثم قال: "ألا هل بلغت، ألا هل بلغت" قالوا: نعم، قال: "اللهم اشهد"" تفسير : وإنما نسب رجبا إلى مضر لأن قبائل ربيعة تجعل رجبها رمضان، بخلاف قريش ومن تابعهم. وكان أول السنة المحرَّم، لأن عمر دوَّن ديوان المسلمين وأرَّخه بالمحرَّم، أو لأن سفينة نوح رست فيه، وقال قوم: كانوا يحلون المحرم ويحرمون صفرا، ويحرمون المحرم من قابل، ويحلون صفرا، وكانوا يسمونهما الصفرين، ولو فرضنا أنهم حرموا صفرا وأحلوا المحرم قبله، وفى السنة الثانية أحلوهما وحرموا ربيعا الأول، وفى الثالثة أحلوهن وحرموا ربيعا الآخر وهكذا، أرجع التحريم إلى المحرم فى الثانية عشر، لكنهم قد يفعلون ذلك، وقد يفعلون غير ذلك، وقد يحلون رجبا ويحرمون شعبان، فيحلون ذا القعدة، ويحرمون صفرا، وقد يحلون ذا القعدة فيحرمون مع المحرم صفرا وربيعا الأول، ويفعلون نحو ذلك. {واللهُ لا يهْدِى القَوْم الكافِرينَ} الذين سبقت شقاوتهم هداية توفيق، وأما هداية البيان فقد هداها كل كافر، وهكذا فى مثل الآية، وقد مر الكلام فى مثلها.
اطفيش
تفسير : {إِنَّمَا النَّسِىءُ} مصدر بمعنى التأْخير لحرمة الشهر إلى آخر، أَوْ بمعنى مفعول أَى الشهر المؤخر، فيقدر إِنما زيادة النسىءِ أَو إِنما النسىءٌ ذو زيادة فى الكفر، والأَصل النسىءُ قلبت الهمزة ياءً وأُدغمت فيها الياءُ {زِيَادَةٌ فِى الْكُفْرِ} إِذا جاءهم شهر حرام وهم فى الحرب، أَو أَرادوا إِنشاءَها فيه، أَحلوه وحرموا آخر مكانه، وقالوا: أُمرنا بتحريم أَربعة أشهر وقد وفينا بالأَربعة ولو لم تكن عين ذى القعدة وذى الحجة والمحرم ورجب، فضموا إِلى شركهم السابق كفراً آخر هو تحريم ما أَحل الله من الشهور، وإِحلال ما حرم منها، وأَعظم من ذلك قولهم إِن الله أَمرنا بذلك، وربما جعلوا السنة ثلاثة عشر شهرا، وذلك بجمع تلك الزيادات. {يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كفَرُوا} يزيدون به ضلالا واستعمل الفعل فى الزيادة، أو يقدر يضل ضلالاً آخر أو ضلالاً زائدا {يُحِلُّونَهُ عَاماً} أَى يحلون النسىءَ بمعنى المؤَخر أَو التأْخير، والأَول أَولى، لكن لا مانع من أَن يقال أَحلوا التأْخير أَو حرموه، والجملة مستأْنفة لبيان فعلهم أَو تفسير لقوله عز وجل يضل إِلخ أَو حال {وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً} كانوا يصعب عليهم ترك الحروب والغارات ثلاثة أشهر متوالية، فيحلون المحرم ويحرمون صفراً مكانه، يمكثون زمانا على ذلك ثم يردون التحريم إلى المحرم. ينادى مناديهم فى ذى الحجة، إذا اجتمعت العرب للموسم: أَن أَحلوه وحرموا مكانه شهراً آخر. وأَول من فعل ذلك نعيم بن ثعلبة من كنانة. إِذا هم الناس بالصدور من الموسم خطب وقال: لا مرد لما قضيت أَنا الذى لا أُعاب ولا أُخاب. فيقولون: لبيك فيسأَلونه تحريم القتال فى عامهم أَو تحليله. وقيل: أَول من فعل ذلك جنادة بن عوف الكنانى. بضم الجيم. وكان مطاعا فى الجاهلية، ينادى على جمل فى الموسم: إِن آلهتكم قد أَحلت لكم المحرم فأَحلوه، ومن قابل: إِن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه، وتارة إِذا حرموا صفراً بدلا من المحرم أَحلوه وحرموا ربيعاً الأَول، وهكذا حتى يصلوا المحرم بالتحريم ويحجون فى كل شهر عامين، وحج الصديق فى السنة التاسعة فى ذى الفعدة، وحج صلى الله عليه وسلم من قابل، وقد وصلوا المحرم بالتحريم، فنادى فى منى: أَلا إِن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأَرض. ووافق ما على عهد إِبراهيم عليه السلام. ومن قبله يحل ويحرم فى قوله عز وجل "ليواطئوا" والأَولى تعليقها بما يعمها، أَى فعلوا ذلك ليواطئُوا، بل هذا متعين لأَن معنى يحرمونه يبقونه على تحريمه، فلا يعلل بقوله ليواطئوا، إِلا أَن يتكلف بجعل اللام فى معناها الحقيقى وهو التعليل. والمجازى وهو العاقبة، ولكن لا مانع من أنهم قصدوا تحريمه من أَنفسهم لإِبقائه، فتكون للتعليل فى الجانبين {لِيُوَاطِئُوا} يوافقوا بالتحليل {عِدَّةَ} عدد {مَا حَرَّمَ اللهُ} راعوا وجوب أَربعة ولم يراعوا أَعيانها التى فرض الله عز وجل {فَيُحِلُّوا مَا حرَّم اللَّهُ} من الأَشهر {زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ} زينها الله بمعنى خذلهم وخلق فيهم إِشتهاءَها وزينها الشيطان فرأَوها حسنة {وَاللهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} لا يوفق الأَشقياء. وشرع فى حث المؤمنين على قتال المشركين بعد بيان نبذ من جنابتهم الموجبة له، وفى فضيحة المنافقين بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ} توبيخ وتعجيب وإِنكار للياقة فى الشرع وقوله {إِذَا قِيلَ} قال الله أَو رسوله صلى الله عليه وسلم {لَكُمُ انْفِرُوا فِى سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ} حال، أو الحال اثاقلتم، مع خروج إِذا عن الشرط بجعل اثاقلتم بمعنى مضارع التكرر، فإِن معنى ما لكم تثاقلون بصيغة التجدد، كما يناسبه إِذا أَولى من معنى ما لكم تثاقلتم بدون تجدد، وانفروا اخرجوا سراعاً. وخصه بعض بما لا بد منه كما هنا، وفى سبيل الله الجهاد، فإنه سبيل الله، ويجوز كون فى للتعليل، والأَصل تثاقلتم كما قرأ به الأَعمش، أُبدلت الثناة مثلثة فأُدغمت فجىءَ بهمزة الوصل لسكون الأَول كقوله عز وجل ادارأْتم أَو اداركوا بابدال التاء دالا وإدغامها، وهمزة الوصل والتفاعل هنا للمبالغة، أَو لأَن ثقل كل يدعو ثقل الآخر، وضمن معنى الميل فعدى بإِلى، والمعنى البطءُ والكسل، والأَرض الدنيا أى تركنون إلى الدنيا بحب الحياة والراحة، ويجوز أَن يراد أرض المدينة أَى تركنون إِلى اختيار الأَوطان عن الجهاد، والأَول أَبلغ وأَعم {أَرَضِيتُمْ} توبيخ وتعجيب وإِنكار للياقة {بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وغرورها وراحتها ولذاتها {مِنَ الآخِرَةِ} بدلها وبدل نعيمها {فَمَا مَتاعُ} تمتع {الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِى الآخِرَةِ} أَى فى تمتعها {إِلاَّ قَلِيلٌ} تعليل لمضمون أَرضيتم كأَنه قيل أَخطأْتم فى رضاكم بالدنيا بدل الآخرة، لأَن متاع الدنيا قليل، قال المسور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ما الدنيا فى الآخرة إلا كما يجعل أَحدكم أَصبعه فى اليم ثم يرفعها، فلينظر بم يرجعتفسير : . كما رواه مسلم والترمذى والنسائى، ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذى الحليفة، فرأَى شاة شائلة برجلها، فقال: حديث : أَترون هذه الشاة هينة على أَهلها؟ قالوا: نعم. قال صلى الله عليه وسلم: والذى نفسى بيده للدنيا أَهون على الله تعالى من هذه على صاحبها، ولو كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماءٍتفسير : ، وفى الآخرة حال من المبتدأَ أَى ثابتاً مقابلة الآخرة، أَو يقدر خاص أَى محسوباً، ويقال لفى هذه ونحوها قياسية، لأَن المعنى بالنسبة إِلى الآخرة، ولا يتعلق بقليل، ولو سومح فى تقديم الظرف على إِلا لأَن تلك القلة ليست تقع فى الآخرة، ومعناها صغر مدتها وصغر منافعها لانقطاعها أَو حقارتها كمًّا وكيفًا، لتكدرها وانقطاعها، دعاهم صلى الله عليه وسلم فى رجب من السنة التاسعة بعد الرجوع من غزوة هوازن والطائف وفتح مكة إلى غزوة تبوك وهم فى قحط وشدة حر وقت إِدراك الثمار مع بعدها بأَربع عشرة مرحلة وكثرة عدوها وشدتهم مع النصارى والروم، وتسمى غزوة العسرة لذلك، والفاضحة لأَنها أَظهرت حال كثير من المنافقين حتى زعم بعض أَنه تخلف عنها عشر قبائل، ولتلك الشدة لم يور صلى الله عليه وسلم عنها كما يورى عن سائر غزواته أظهرها ليستعدوا ما يليق، وبلغه أَن مقدمة هرقل من الروم والشام بلغت البلقاءَ. وبعث صلى الله عليه وسلم إِلى مكة وقبائل العرب، وحض الأَغنياءَ على النفقة، وهى آخر غزواته، وأَنفق عثمان ما لم ينفقه غيره، جهز عشرة آلاف وأَنفق عليهم عشرة آلاف دينار، وحمل على تسعمائةِ بعير ومائة فرس، وأَعطى من ما يحتاج إِليه من الزاد وغيره حتى أَوكية الأَسقية، وأَول من أَنفق الصديق جاءَ بأَربعة آلاف درهم وهى جميع ماله يومئذ، والفاروق بنصف ماله، وذلك النصف أكثر من أَربعة آلاف، وعبد الرحمن بن عوف بمائة أَوقية كالصديق، والعباس وطلحة بمال كثير، والنساءُ بما قدرن عليه من حليهن، وهم ثلاثون ألفاً أَو أَربعون أَو سبعون، والخيل عشرة آلاف، واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة الأَنصارى أَو عليا، ورجع عبدالله ابن أُبى ومن معه من ثنية الوداع، ودفع اللواءَ الأَعظم الصديق والراية العظمى للزبير، وراية لأُسيد بن حضير من الأَوس، وراية للخباب ابن المنذر من الخزرج ولكل قبيلة أَو بطن من العرب لواءٌ وراية، ووجد ماءَ تبوك قليلا فاغترف من مائها غرفة فمضمض بها فردها فيه ففاض وأَقام بها بضع عشرة ليلة أَو عشرين فأَتاه بخنة بن رؤْية صاحب أَيلة وعرض عليه الإِسلام فأَبى، وأَهدى بغلة بيضاءَ فكساه صلى الله عليه وسلم رداءً، وعقد عليه الجزية وكتب له كتاباً ليعلموا به، واستشار صلى الله عليه وسلم الصحابة فى مجاوزة تبوك فأَبوا فقفل إلى المدينة، ولما قرب منها قال لهم: لا تكلموا أحداً ممن تخلف ولا تجالسوه حتى آذن لكم، فالرجل يعرض عن أَبيه وأَخيه ومن يعز عليه، وبالغ فى الحث على القتال بقوله تعالى: {إِلاَّ تَنْفِرُوا} معه صلى الله عليه وسلم {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} فى الآخرة، وقيل بحبس المطر أو غلبة العدو أَو ما شاءَ الله، أَو عذاب الدنيا والآخرة، قال ابن عباس: استنفر صلى الله عليه وسلم حياً من العرب، فتثاقلوا فأَمسك عنهم المطر فذلك عذابهم، وعلى هذا لم ينسخ وجوب خروج الكل لأَنها نزلت فى مخصوصين، وقال عكرمة والحسن: نسخ بقوله تعالى "وما كان المؤمنون" إلخ {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} أَطوع منكم ليسوا من أَولادكم ولا من أَرحامكم، قيل: أَبناءُ فارس، وقيل: أَهل اليمن، وعلى الأَول سعيد بن جبير، وقيل ما يعم هؤلاءِ وغيرهم وهو أولى. وليست نصرته متوقفة عليكم، وهى واقعة لا محالة، وإِذا قال الله عز وجل إِن لم تفعلوا كذا كان كذا وقد قضى الله أَن يفعلوا ونحو ذلك، وقضاؤه لا يتخلف ولا يخفى عنه ما يكون وما لا يكون فمعناه احذروا، وما يدريكم بما عند الله، وبنى الله تعالى الخلق كله، بعضه بلا ترتيب على شىءٍ وبلا سبب، وبعضه على ترتيب وتسبب، ويقول إِن لم تفعلوا كذا كان، ولو علم أَنهم يفعلون، ويقول: إن فعلتم ولو علم أَنهم لا يفعلون {وَلاَ تَضَرُّوهُ} بترك نصره {شَيْئاً} ضَرًّا ما، ونصره واقع لا محالة والهاءُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدل له "إِلا تنصروه فقد نصره الله إِذ أَخرجه الذين كفروا" وقيل للذين المدلول عليه بالمقام، والأَول أَولى لأَنه المذكور ولأَنه أَنسب بمتعلق الضر نفياً أَو ثبوتاً، وعدم مضرته عدم مضرة دينه، أَو لله وهو أَولى، إِلا أَنه يرجع إِلى القول الثانى لأَن الله لا يتضرر بشىءٍ، فالمراد لا تضروا دينه {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} فهو قادر على نصره ونصر دينه ولو بلا واسطة، وعلى استبدال، وزاد تأْكيداً وزجراً عن الكسل بقوله: {إِلاَّ تَنْصُرُوهَ} إِن لا تنصروه {فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ} تعليل للجواب المحذوف، أَى فالله ينصره أَو فسينصره، أَو فلن يخذله لأَن الله قد نصره، لأَن الله قد قضى نصره فيما مضى، والنصرة لو كانت لا توجب نصرة بعدها إِلا أَن الله فعال لما يريد، إِلا أَن الكلام يحمل على عوائد كرمه وعلى استصحاب كرمه، والقياس عليه والخطاب للمتثاقلين، والهاءُ للنبى صلى الله عليه وسلم وإِنما لم نجعل قد نصره جواباً لأَن نصره السابق أَو الوعد بنصره اللاحق لا يتوقف على عدم نصرهم إِياه، ولأَن سابق لا يكون جواباً مستقبلا والجواب مستقبل {إِذْ} متعلق بنصر {أَخْرَجَهُ} أهل مكة {الَّذِينَ كَفَرُوا} ضيقوا عليه حتى خرج لأَنه سمع عنهم ما ذكر الله بقوله عز وجل "وإِذ يمكر بك الذين كفروا" إِلخ، فذكر المسبب وهو الإِخراج والمراد السبب، وهو التضييق وما خرج إِلا بأَمر الله {ثَانِىَ اثْنَيْنِ} والآخر الصديق إِجماعا رضى الله عنه لا ثالث لهما من الناس، فكيف لا ينصره الآن ومعه جنود من الناس، وهذا بحسب العادة، والأَمر سواءٌ عند الله، أَو المعنى نصره حين أَخرجوه لأَنه ما أُذن له بالخروج إِلا لينصره من خارج مكة، والخروج إِنما هو للنصرة فكيف تتخلف، والمراد بعض اثنين لأَنه أَضيف لما هو من مادته لا لما تحته نحو ثالث اثنين {إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ} إذ بدل من الأُولى بدل مطابق بأَن نجعل وقت الخروج والذهاب إِلى الغار واللبث فيه واحداً، لا بدل بعض لعدم الرابط ولا تعد هذا منه أَو من ذلك الوقت ربط بالضمير فى منه عائداً إِلى إِذا، وبالإِشارة لأَنه لم يسمع عود الضمير أَو الإِشارة إِلى إذ مع ضعف رجوع الضمير من الجملة إِلى الظرف المضاف إِليها، وهو غار أَعلى ثور ـ بفتح المثلثة وإِسكان الواو ـ وهو جبل في يمين مكة، ويمينها الجنوب، وهو على سير ساعة من مكة، دخله الصديق قبله صلى الله عليه وسلم، ليلاقى هو ما فيه من ضر، ثم لما دخله سد جحره بثوبه خرقا وبقى جحرة فسدها بقدمه فنهشته حية، ولما جاءَ أَجل موته انبعث عليه سمها فمات به ليكون قد مات موت شهيد، وشهر أَنه انبعث إِليه سم أَكله فى طعام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم {إِذْ} بدل من الثانية أَو من الأُولى على جواز الإِبدال من البدل أَو تعدد البدل، وعلى المنع يقدر له اذكر أَو يقدر له نصر لا على طريق البدل، أَو يعلق إِذ الثانية بثانى لكن بضعف، قيل: لإِيهامه تطفله صلى الله عليه وسلم على الصديق فى اللبث فى الغار ومقدماته من تقدم الصديق بالدخول للتمهيد فيه واختبار هل فيه من دابة وليس كذلك، فإن معنى ثانى اثنين بعض اثنين، والإِخبار بأَنه ثان فى الغار لا يوجب أَن لا يكون ثانيا فى الذهاب إِليه، بل لا مانعاً من معنى قولك إِنه ثان لتكريمه بتقدم الصديق لإِصلاح الغار، وما دخل صلى الله عليه وسلم إِلا بعد إِصلاح الغار بخرق الثوب وبالقدم {يَقُولُ} صلى الله عليه وسلم {لِصَاحِبِهِ} أَبى بكر الصديق رضى الله عنه، إِذ قلق وحزن وقال: إِن مت أَنا: مات رجل واحد، وإن مت أَنت مات الدين وهلكت الأُمة، وقال: لو نظر أَحد تحت قدمه أَى جعل خده فى موضعها لأَبصرنا، أَو طلعوا فوق الغار فلو نظر أَسفله لأَبصرنا، ويروى أَن أَحد الفتيان المتبعين بال فى مقابلة الغار، فقال الصديق رضى الله عنه: يرانا. فقال صلى الله عليه وسلم حديث : إِن الملائكة تسترنا، ولو كان يرانا ما كان يبول هناكتفسير : ، والمضارع لحكاية الحال الماضية {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا} بالنصر والولاية الدائمة، ومع هنا دخلت على التابع والأَصل دخولها على المتبوع، أَو يعتبر أن المباشرة تليق بالخلق فدخلت عليه مع ولا بأْس باعتبار خواص المعانى الحقيقية فى المعانى المجازية، وهنا مجازية واعتبرنا فيها خاصة المعية، قال الصديق رضى الله عنه: لو أَن أَحدهم رفع قدمه لأَبصرنا تحت قدمه، وقصدت فتيان الغار فسبق أَحدهم ورأَى حمامة على فم الغار، وبينه وبين الغار قدر أَربعين خطوة فرجع وقال: ارجعوا، لو كان فيه أَحد ما كانت هناك حمامة، ويروى أَنهم رأَوا بيضها فى فم الغار، ورأَوا نسج العنكبوت فرجعوا قائلين: لو كان فيه ما باضت فى فم الغار ولا نسج العنكبوت، وأَنه لأَقدم من ميلاد محمد، ويروى على فمه حمامتان، وخرق الصديق كساءَه فأَلقمه الجحر وبقى جحر فأَلقمه قدمه فلدغ، وحيث الذهاب من مكة يكون الصديق أمامه وخلفه ويمينه ويساره، فقال صلى الله عليه وسلم: ما هذا؟ قال: أَذكر الرصد فأَتقدم، والطلب فأَتخلف وأكون جانباً لآمن عليك. قال صلى الله عليه وسلم له:حديث : " ما ظنك باثنين ثالثهما الله بالحفظ والنصر"تفسير : ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأَبى بكر رضى الله عنه:" حديث : أَنت صاحبى فى الغار، أَنت صاحبى على الحوض"تفسير : . وعن أَنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان: "حديث : هل قلت فى أَبى بكر شيئاً؟ قال: نعم. قال: قل وأَنا أسمع"تفسير : . فقال: شعر : وثانى اثنين فى الغار المنيف وقد طاف العدو به إذ صاعد الجبلا وكان حب رسول الله قد علموا من البرية لم تعْدِل به رجلا حديث : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، قال: صدقت يا حسان هو كما قلت، تفسير : وروى أَن أَبا بكر قال: شعر : قال النبى ولم يجزع يوقرنى ونحن فى سدف فى ظلمة الغار لا تخش شيئاً فإِن الله ثالثنا وقد تكفل لى منه بإِظهار وإِنما كيد من تخشى بـوادره كيد الشياطين قد كادت لكفار والله مهلكهم طرا بما صنعوا وجاعل المنتهى منهم إِلى النار تفسير : ومن فضائِله أَنه أَسلم على يده عثمان وطلحة والزبير وغيرهم، ومنها أَنه حضر معه فى جميع مشاهده ولم يغب عنه فى سفر ولا حضر. قيل: ومنها أَنه عاتب الله تعالى أَهل الأَرض إِلا إِياه فى قوله: {إِلا تنصروه فقد نصره الله}، ويبحث بأَن الخطاب لم تثاقل عن الخروج فقط {فَأَنْزَلَ اللهُ} عطف على يقول والترتيب ذكرى {سَكَينَتَهُ} طمأنينته التى تسكن معها القلوب ويحصل بها اليقين {عَلَيْهِ} على رسول الله صلى الله عليه وسلم الثانى فى الغار القائل لصاحبه، فالضمائر له ولو أَعادها (عليه) إِلى الصديق لتفككت الضمائر فإِن الهاءَ أيضا فى قوله {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} للنبى صلى الله عليه وسلم أَولى من أَن تكون للصديق رضى الله عنه، ولو كان أنسب بإِنزال السكينة، لأَنه هو الذى قلق لا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أَنه لا مانع من أَن يراد بِإنزال السكينة عليه صلى الله عليه وسلم زيادتها فى محل يقلق فيه غيره أَو دوامها، ففى آية أُخرى "أية : ثم أَنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين"تفسير : [التوبة: 26] لكن لا يضر تفكيك الضمائر، وعن أَنس أَنه صلى الله عليه وسلم قال للصديق رضى الله عنه: إِن الله تعالى أَنزل سكينته عليك وأَيدك. والمراد أَنه أَنزل ملائِكةً ليحرسوه فى الغار ويصرفوا وجوه الكفار عنه ويرعبوهم حين رجعوا أَو ليعينوه فى بدر وأُحد وحنين وغيرهن، وليس المراد لم تروها حين الغار، فإِنهم لم يحضروه اللهم إلا باعتبار المجموع فإِن الصديق والرسول صلى الله عليه وسلم حضراه، والعطف على نصرة الله إِذا قلنا أَنزلها ليعينوه فى بدر إِلخ. وعلى أَنزل الله إِذا قلنا أَنزلها للحرس فى الغار ترددوا حول الغار وصرفهم عن أَن يروه، وقال قائِفهم: انتهت هنا، فصعدا إِلى السماءِ أَو نزلا فى باطن الأَرضِ يعنى الجبل. أَمره الله عز وجل بالهجرة فجاءَ إِلى دار الصديق رضى الله عنه فى الظهيرة، فرأَته امرأَة منها، فقالت له: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءَ، فقال بأَبى وأَمى ما جاءَ به فى وقت لا يعتاده؟ فدخل بإِذن، فقال: أُمرت بالهجرة. فقال: الصحبة يا رسول الله، فقال: نعم: فقال: خذ إِحدى الراحلتين. فقال: بالثمن. فأَخذ القصوى بثمانمائة درهم، وهى التى يخرج عليها للجهاد والحج، وماتت فى زمان الصديق، وزوده الخبز واللحم والتمر، وخرجا أَول الليل إِلى الغار وخلف عليا فى فراشه، ليظنه المشركون رسول الله، واستأْجر الصديق عبدالله بن أُريقط ودفع له الراحلتين وواعده أَن يجىءَ بهما بعد ثلاث ليال يلبثان فى الغار، وكان عامر بن فهيرة يختلف إِليهما بِالطعام، وعلى يجهزهما واشترى ثلاثة أَباعر من إِبل البحرين، واستأْجر لهما دليلا وأَتاهما على فى الليلة الثالثة بالإِبل والدليل، وكان عبدالله بن أَبى بكر غلاما ثقفا لقنا يبيت معهما أَو يخرج سحرا، فيصبح فى مكة كبائت، ويأْتيهما بأَخبار قريش إِذا اختلط الظلام، ويأْتيهما عامر بن فهيرة بلبن غنم ليلا، ويروى أَنه صلى الله عليه وسلم استأَجر مشركا من دئل من بنى عبد بن عدى وهو خريت ودفعا إِليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث فأَتاهما براحلتيهما صبح ثلاث، فأَخذ بهم طريق الساحل ويسمى طريق أَذاخر، ورجع الرصد سود الوجوه حزنين هم ومن أَرسلهم. إِذ لم يجدوه، وبكى الصديق رضى الله عنه فى الغار حين أَحس بالرصد، فقال صلى الله عليه وسلم له: حديث : ما يبكيك؟ قال: بكيت للدين ينقطع بموتك لا لموتىتفسير : ، وكذا بكى حين لحقهم سراقة فقال: ما يبكيك؟ فأَجابه بذلك، وبسطت القصة فى العميان وغيره. {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا} كفار قريش {السُّفْلَى} وهى دعوة الشرك أَو الكفار مطلقا أَو الشرك مطلقا، كقول النصارى ثالث ثلاثة، أَو الكلمة اعتقاد الشرك. {وَكَلِمَةُ اللهِ هِىَ الْعُلْيَا} وهى الدعاء إِلى الإِيمان أَو اعتقاده برفع كلمة لا بالنصب، ليكون اللفظ فى معنى أَنها عليا فى نفسها لا بالجعل، وإِن كان النصر بها بالجعل. وحصر العلو فيها بضمير الفصل، وبتعريف الطرفين وكلمة الكفر السفلى بجعل الله إِياها نفسها السفلى، فهى مغلوبة لخستها ولو غلب أَهلها حينا فإِن غلبتها كلا غلبة {واللهُ عَزِيزٌ} فى ملكه فيعز من والاه ويذل من عصاه {حَكِيمٌ} فى صنعه، أَو لا يفعل إِلا الصواب.
الالوسي
تفسير : {إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ} هو مصدر نسأه إذا أخره وجاء النسي كالنهي والنسء كالبدء والنساء كالنداء وثلاثتها مصادر نسأه كالنسىء، وقيل: هو وصف كقتيل وجريح، واختير الأول لأنه لا يحتاج معه إلى تقدير بخلاف ما إذا كان صفة فإنه لا يخبر عنه بزيادة إلا بتأويل ذو زيادة أو إنساء النسىء زيادة، وقد قرىء بجميع ذلك. وقرأ نافع {النسي} بإبدال الهمزة ياء وإدغامها في الياء، والمراد به تأخير حرمة شهر إلى آخر، وذلك أن العرب كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهراً آخر فيستحلون المحرم ويحرمون صفراً فإن احتاجوا أيضاً أحلوه وحرموا ربيعاً الأول وهكذا كانوا يفعلون حتى استدال التحريم على شهور السنة كلها، وكانوا يعتبرون في التحريم مجرد العدد لا خصوصية الأشهر المعلومة، وربما زادوا في عدد الشهور بأن يجعلوها ثلاثة عشر أو أربعة عشر ليتسع لهم الوقت ويجعلوا أربعة أشهر من السنة حراماً أيضاً، ولذلك نص على العدد المعين في الكتاب والسنة، وكان يختلف وقت حجهم لذلك، وكان في السنة التاسعة من الهجرة التي حج بها أبو بكر رضي الله تعالى عنه بالناس في ذي القعدة وفي حجة الوداع في ذي الحجة وهو الذي كان على عهد إبراهيم عليه السلام ومن قبله من الأنبياء عليهم السلام. ولذا قال صلى الله عليه وسلم:«حديث : ألا إن الزمان قد استدار»تفسير : الحديث، وفي رواية أنهم كانوا يحجون في كل شهر عامين فحجوا في ذي الحجة عامين وفي المحرم عامين وهكذا، ووافقت حجة الصديق في ذي القعدة من سنتهم الثانية، وكانت حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي كان من قبل ولذا قال ما قال، أي إنما ذلك التأخير {زِيَادَةٌ فِى ٱلْكُفْرِ} الذي هم عليه لأنه تحريم ما أحل الله تعالى وقد استحلوه واتخذوه شريعة وذلك كفر ضموه إلى كفرهم. وقيل: إنه معصية ضمت إلى الكفر وكما يزداد الإيمان بالطاعة يزداد الكفر بالمعصية. وأورد عليه بأن المعصية ليست من الكفر بخلاف الطاعة فإنها من الإيمان على رأي. وأجيب عنه بما لا يصفو عن الكدر. {يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} إضلالاً على إضلالهم القديم، وقرىء {يُضِلَّ} على البناء للفاعل / من الأفعال على أن الفاعل هو الله تعالى، أي يخلق فيهم الضلال عند مباشرتهم لمباديه وأسبابه وهو المعنى على قراءة الأولى أيضاً، وقيل الفاعل في القراءتين الشيطان، وجوز على القراءة الثانية أن يكون الموصول فاعلاً والمفعول محذوف أي أتباعهم، وقيل: الفاعل الرؤساء والمفعول الموصول. وقرىء {يَضَلّ} بفتح الياء والضاد من ضلل يضلل، و {نضل} بنون العظمة {يُحِلُّونَهُ} أي الشهر المؤخر، وقيل: الضمير للنسىء على أنه فعيل بمعنى مفعول {عَاماً} من الأعوام ويحرمون مكانه شهراً آخر مما ليس بحرام {وَيُحَرِّمُونَهُ} أي يحافظون على حرمته كما كانت، والتعبير عن ذلك بالتحريم باعتبار إحلالهم [له] في العام الماضي أو لإسنادهم له إلى آلهتهم كما سيجىء إن شاء الله تعالى {عَاماً} آخر إذا لم يتعلق بتغييره غرض من أغراضهم، قال الكلبـي: أول من فعل ذلك رجل من كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة وكان إذا هم الناس بالصدور من الموسم يقوم فيخطب ويقول لا مردّ لما قضيت أنا الذي لا أعاب ولا أخاب فيقول له المشركون: لبيك ثم يسألونه أن ينسئهم شهراً يغزون فيه فيقول: إن صفر العام حرام فإذا قال ذلك حلوا الأوتار ونزعوا الأسنة والأزجة وإن قال حلال عقدوا الأوتار وركبوا الأزجة وأغاروا. وعن الضحاك أنه جنادة بن عوف الكناني وكان مطاعاً في الجاهلية وكان يقوم على جمل في الموسم فينادي بأعلى صوته إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه ثم يقوم في العام القابل فيقول: إن آلهتكم قد حرمت: عليكم المحرم فحرموه، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانت النساءة حي من بني مالك بن كنانة وكان آخرهم رجلاً يقال له القلمس وهو الذي أنسأ المحرم وكان ملكاً في قومه وأنشد شاعرهم:شعر : ومنا ناسىء الشهر القلمس تفسير : وقال الكميت:شعر : ونحن الناسئون على معد شهور الحل نجعلها حراماً تفسير : وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن أول من سن النسىء عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف. والجملتان تفسير للضلال فلا محل لهما من الإعراب، وجوز أن تكونا في محل نصب على أنهما حال من الموصول والعامل عامله. {لّيُوَاطِئُواْ} أي ليوافقوا، وقرأ الزهري {ليوطئوا} بالتشديد {عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ} من الأشهر الأربعة، واللام متعلقة بيحرمونه أي يحرمونه لأجل موافقة ذلك أو بما دل عليه مجموع الفعلين أي فعلوا ما فعلوا لأجل الموافقة، وجعله بعضهم من التنازع {فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ} بخصوصه من الأشهر المعينة، والحاصل أنه كان الواجب عليهم العدة والتخصيص فحيث تركوا التخصيص فقد استحلوا ما حرم الله تعالى: {زُيّنَ لَهُمْ سُوء أَعْمَـٰلِهِمْ} وقرىء على البناء للفاعل وهو الله تعالى أي جعل أعمالهم مشتهاة للطبع محبوبة للنفس، وقيل: خذلهم حتى رأوا حسناً ما ليس بالحسن، وقيل: المزين هو الشيطان وذلك بالوسوسة والإغواء بالمقدمات الشعرية {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} هداية موصلة للمطلوب البتة وإنما يهديهم إلى ما يوصل إليه عند سلوكه وهم قد صدوا عنه بسوء اختيارهم فتاهوا في تيه الضلال، والمراد من الكافرين إما المتقدمون ففيه وضع الظاهر موضع الضمير أو الأعم ويدخلون فيه دخولاً أولياً.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني ناشىء عن قوله تعالى: {أية : إن عدة الشهور عند الله}تفسير : [التوبة: 36] الآية لأنّ ذلك كالمقدّمة إلى المقصود وهو إبطال النسيء وتشنيعه. والنسيء يطلق على الشهر الحرام الذي أرجئت حرمتُه وجعلت لشهر آخر فالنسيء فَعِيل بمعنى مفعول من نَسَأ المهموز اللام، ويطلق مصدراً بوزن فعيل مثل نَذير من قوله: {أية : كيف نذير}تفسير : [الملك: 17]، ومثل النكير والعذر وفعله نسأ المهموز، أي أخّر، فالنسيء ــــ بهمزة بعد الياء ــــ في المشهور. وبذلك قرأه جمهور العشرة. وقرأه ورش عن نافع ــــ بياء مشدّدة في آخره على تخفيف الهمزة ياء وإدغامِها في أختها، والإخبارُ عن النسيء بأنّه زيادة إخبار بالمصدر كما أخبر عن هاروت وماروت بالفتنة في قوله: {أية : إنما نحن فتنة}تفسير : [البقرة: 102]. والنسيءُ عند العرب تأخير يجعلونه لشهرٍ حرام فيصيرونه حلالاً ويحرّمون شهراً آخر من الأشهر الحلال عوضاً عنه في عامه. والداعي الذي دعا العرب إلى وضع النسيء أنّ العرب سَنَتهم قمرية تبعاً للأشهر، فكانت سنتهم اثني عشر شهراً قمرية تامة، وداموا على ذلك قروناً طويلة ثم بدا لهم فجعلوا النسيء. وأحسن ما روي في صفة ذلك قول أبي وائل أنّ العرب كانوا أصحاب حروب وغارات فكان يشقّ عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغيرون فيها فقالوا لئن توالت علينا ثلاثة أشهر لا نُصيب فيها شيئاً لنهلِكَنّ. وسكت المفسّرون عمّا نشأ بعد قول العرب هذا، ووقع في بعض ما رواه الطبري والقرطبي ما يوهم أنّ أوّل من نسأ لهم النسيء هو جنادة بن عوف وليس الأمر ذلك لأنّ جنادة بن عوف أدرك الإسلام وأمر النسيء متوغّل في القدم والذي يجب اعتماده أنّ أول من نسأ النسيء هو حذيفة بن عبد نعيم أو فقيم ــــ (ولعل نعيم تحريف فقيم لقول ابن عطية اسم نعيم لم يعرف في هذا). وهو الملقب بالقَلَمَّس ولا يوجد ذكر بني فقيم في «جمهرة ابن حزم» وقد ذكره صاحب «القاموس» وابن عطية. قال ابن حزم أول من نسأ الشهور سرير (كذا ولعلّه سري) بن ثعلبة ابن الحارث بن مالك بن كنانة ثم ابن أخيه عدي بن عامر بن ثعلبة. وفي ابن عطية خلاف ذلك قال: انتدب القلمس وهو حذيفة بن عبدِ فقيم فنسأ لهم الشهور. ثم خلفه ابنه عبّاد. ثم ابنه قُلَع، ثم ابنه أمية، ثم ابنه عوف، ثم ابنه أبو ثمامة جنادة وعليه قام الإسلامُ قال ابن عطية كان بنو فقيم أهل دين في العرب وتمسُّكِ بشرع إبراهيم فانتدب منهم القلمس وهو حذيفة بن عبد فقيم فنسأ الشهور للعرب. وفي «تفسير القرطبي» عن الضحّاك عن ابن عباس أول من نسأ عَمْرو بن لُحَي (أي الذي أدخل عبادة الأصنام في العرب وبحر البحيرة وسيّب السائبة). وقال الكلبي أول من نسأ رجل من بني كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة. قال ابن حزم: كلّ من صارت إليه هذه المرتبة (أي مرتبة النسيء) كان يسمّى القلمس. وقال القرطبي: كان الذي يلي النسيء يظفر بالرئاسة لترييس العرب إيّاه. وكان القلمس يقف عند جمرة العقبة ويقول: اللهم إنّي ناسىءُ الشهور وواضعُها مواضعها ولا أعاب ولا أجاب. اللهم أنّي قد أحللت أحد الصفرين وحرمت صفر المؤخّر انفروا على اسم الله تعالى. وكان آخر النسأة جنادة بن عوف ويكنى أبا ثمامة وكان ذا رأي فيهم وكان يحضر الموسم على حمار له فينادي أيها الناس ألا إنّ أبا ثمامة لا يُعاب ولا يجاب. ولا مرد لما يقول فيقولون أنْسئنا شهراً، أي أخِّرْ عنّا حرمة المحرّم واجعلها في صفر فيُحل لهم المحرّم وينادي: ألا إنّ آلهتكم قد حرمت العام صفر فيحرّمونه ذلك العام فإذا حجّوا في ذي الحجّة تركوا المحرّم وسَمّوه صفراً فإذا انسلخ ذو الحجّة خرجوا في محرّم وغزوا فيه وأغاروا وغنموا لأنّه صار صفراً فيكون لهم في عامهم ذلك صفران وفي العام القابل يصير ذو الحجة بالنسبة إليهم ذا القعدة ويصير محرّم ذا الحجة فيحجون في محرم يفعلون ذلك عامين متتابعين ثم يبدلون فيحجّون في شهر صفر عامين ولاءً ثم كذلك. وقال السهيلي في «الروض الأنف» إنّ تأخير بعض الشهور بعد مدة لقصد تأخير الحج عن وقته القمري، تحرياً منهم للسنة الشمسية، فكانوا يؤخّرونه في كلّ عام أحد عشر يوماً أو أكثر قليلاً، حتى يعود الدور إلى ثلاث وثلاثين سنة، فيعود إلى وقته ونسَب إلى شيخه أبي بكر بن العربي أنّ ذلك اعتبار منهم بالشهور العجمية ولعلّه تبع في هذا قول إياس بن معاوية الذي ذكره القرطبي، وأحسب أنّه اشتباه. وكان النسيء بأيدي بني فقيم من كنانة وأول من نسأ الشهور هو حذيفة بن عبد بن فقيم. وتقريب زمن ابتداء العمل بالنسيء أنّه في أواخر القرن الثالث قبل الهجرة، أي في حدود سنة عشرين ومائتين قبل الهجرة. وصيغة القصر في قوله: {إنما النسىء زيادة في الكفر} تقتضي أنّه لا يعدو كونه من أثر الكفر لمحبّة الاعتداءِ والغارات فهو قصر حقيقي، ويلزم من كونه زيادة في الكفر أنّ الذين وضعوه ليسوا إلاّ كافرين وما هم بمصلحين، وما الذين تابعوهم إلاّ كافرون كذلك وما هم بمتّقين. ووجه كونه كفراً أنّهم يعلمون أنّ الله شرع لهم الحجّ ووقتَّه بشهر من الشهور القمرية المعدودة المسمّاة بأسماء تميّزها عن الاختلاط، فلمّا وضعوا النسيء قد علموا أنّهم يجعلون بعض الشهور في غير موقعه، ويسمّونه بغير اسمه، ويصادفون إيقاع الحج في غير الشهر المعيّن له، أعني شهر ذي الحجّة ولذلك سمّوه النسيء اسماً مشتقّاً من مادة النَّسَاء وهو التأخير، فهم قد اعترفوا بأنّه تأخير شيء عن وقته، وهم في ذلك مستخفّون بشرع الله تعالى، ومخالفون لما وقّت لهم عن تعمّد مثبتين الحلَّ لشهر حرام والحرمةَ لشهر غير حرام، وذلك جرأة على دين الله واستخفاف به، فلذلك يشبه جعلَهم لله شركاء، فكما جعلوا لله شركاء في الإلهية جعلوا من أنفسهم شركاء لله في التشريع يخالفونه فيما شرعه فهو بهذا الاعتبار كالكفر، فلا دلالة في الآية على أنّ الأعمال السيّئة توجب كفر فاعلها ولكن كفر هؤلاء أوجب عملهم الباطل. وحرف {في} المفيد الظرفية متعلّق «بزيادة» لأنّ الزيادة تتعدّى بفي {أية : يزيد في الخلق ما يشاء}تفسير : [فاطر: 1] فالزيادة في الأجسام تقتضي حلول تلك الزيادة في الجسم المشابهِ للظرف ويجوز أن يكون تأويله أنّه لمّا كان إحداثه من أعمال المشركين في شؤون ديانتهم وكان فيه إبطال لمواقيت الحجّ ولحرمة الشهر الحرام اعتبر زيادة في الكفر بمعنى في أعمال الكفر وإن لم يكن في ذاته كفراً وهذا كما يقول السلف: إنّ الإيمان يزيد وينقص يريدون به يزيد بزيادة الأعمال الصالحة وينقص بنقصها مع الجزم بأنّ ماهية الإيمان لا تزيد ولا تنقص وهذا كقوله تعالى: {أية : وما كان الله ليضيع إيمانكم}تفسير : [البقرة: 143]، أي صلاتكم. على أنّ إطلاق اسم الإيمان على أعمال دين الإسلام وإطلاق اسم الكفر على أعمال الجاهلية ممّا طفحت به أقوال الكتاب والسنّة مع اتّفاق جمهور علماء الأمّة على أنّ الأعمال غيرَ الاعتقاد لا تقتضي إيماناً ولا كفراً. وعلى الاحتمال الثاني فتأويله بتقدير مضاف، أي زيادة في أحوال أهل الكفر، أي أمر من الضلال زيد على ما هم فيه من الكفر بضدّ قوله تعالى: {أية : ويزيد الله الذين اهتدوا هدى}تفسير : [مريم: 76]. وهذان التأويلان متقاربان لا خلاف بينهما إلا بالاعتبار، فالتأويل الأول يقتضي أنّ إطلاق الكفر فيه مجاز مرسل والتأويل الثاني يقتضي أنّ إطلاق الكفر فيه إيجازُ حذف بتقدير مضاف. وجملة {يضل به الذين كفروا} خبر ثان عن النسيء أي هو ضلال مستمرّ، لما اقتضاه الفعل المضارع من التجدّد. وجملة {يحلّونه عاماً ويحرمونه عاماً} بيان لسبب كونه ضلالاً. وقد اختير المضارع لهذه الأفعال لدلالته على التجدّد والاستمرار، أي هم في ضلال متجدّد مستمرّ بتجدّد سببه، وهو تحليله تارة وتحريمه أخرى، ومواطأة عدّة ما حرم الله. وإسناد الضلال إلى الذين كفروا يقتضي أنّ النسيء كان عمله مطّرداً بين جميع المشركين من العرب فما وقع في «تفسير الطبري» عن ابن عباس والضحّاك من قولهما وكانت هوازن وغطفان وبنو سليم يفعلونه ويعظمونه ليس معناه اختصاصهم بالنسيء ولكنّهم ابتدأوا بمتابعته. وقرأ الجمهور {يضل} ــــ بفتح التحتية ــــ وقرأه حفص عن عاصم، وحمزةُ، والكسائي وخلَف، ويعقوب ــــ بضمّ التحتية ــــ على أنّهم يضلّون غيرهم. والتنكير والوحدة في قوله: {عاماً} في الموضعين للنوعية، أي يحلّونه في بعض الأعوام ويحرّمونه في بعض الأعوام، فهو كالوحدة في قول الشاعر:شعر : يوماً بحزوى ويوماً بالعقيق تفسير : وليس المراد أنّ ذلك يوماً غبّ يوم، فكذلك في الآية ليس المراد أنّ النسيء يقع عاماً غبّ عام كما ظنّه بعض المفسّرين. ونظيرُه قول أبي الطيّب:شعر : فيوماً بخيل تطْرُد الرومَ عنهم ويوماً بجُود تَطرد الفقرَ والجَدْبا تفسير : (يريد تارة تدفع عنهم العدوّ وتارة تدفع عنهم الفقر والجدب) وإنّما يكون ذلك حين حلول العدوّ بهم وإصابةِ الفقر والجدب بلادَهم، ولذلك فسّره المعري في كتاب «مُعْجِز أحمد» بأنْ قال: «فإنّ قَصَدَهم الرومُ طَرَدْتَهم بخيلك وإن نازَلَهم فقر وجدب كشفتَه عنهم بجُودك وإفضالك». وقد أبقي الكلام مجملاً لعدم تعلّق الغرض في هذا المقام ببيان كيفية عمل النسيء، ولعلّ لهم فيه كيفيات مختلفة هي معروفة عند السامعين. ومحلّ الذمّ هو ما يحصل في عمل النسيء من تغيير أوقات الحجّ المعيّنة من الله في غير أيامها في سنين كثيرة، ومن تغيير حرمة بعض الأشهر الحرم في سنين كثيرة ويتعلّق قوله: {ليواطئوا عدة ما حرم الله} بقوله: {يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً} أي يفعلون ذلك ليوافقوا عدد الأشهر الحرم فتبقى أربعة. والموطأة الموافقة، وهي مفاعلة عن الوَطىء شبه التماثل في المقدار وفي الفعل بالتوافق (في) وطيء الأرجل ومن هذا قولهم (وقوع الحافر على الحافر). و{عِدّة ما حرم الله} هي عدّة الأشهر الحرم الأربعة. وظاهر هذا أنّه تأويل عنهم وضربٌ من المعذرة، فلا يناسب عده في سياق التشنيع بعملهم والتوبيخ لهم، ولكن ذِكْره ليُرتَّب عليه قولُه: {فيحلوا ما حرم الله} فإنّه يتفرّع على محاولتهم موافقة عدّة ما حرم الله أن يحلّوا ما حرّم الله، وهذا نداء على فساد دينهم واضطرابه فإنّهم يحتفظون بعدد الأشهر الحرم الذي ليس له مزيد أثر في الدين، وإنّما هو عدد تابع لتعيين الأشهر الحرم، ويفرّطون في نفس الحُرمة فيحلون الشهر الحرام، ثم يزيدون باطلاً آخر فيحرّمون الشهر الحلال. فقد احتفظوا بالعدد وأفسدوا المعدود. وتوجيه عطف {فيحلوا} على مجرور لام التعليل في قوله: {ليواطئوا عدّة ما حرم الله} هو تنزيل الأمر المترتّب على العلّة منزلة المقصود من التعليل وإن لم يكن قصد صاحبه به التعليل، على طريقة التهكّم والتخطئة مثل قوله تعالى: {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً}تفسير : [القصص: 8]. والإتيان بالموصول في قوله: {عدة ما حرم الله} دون أن يعبّر بنحو عدة الأشهر الحرم، للإشارة إلى تعليل عملهم في اعتقادهم بأنّهم حافظوا على عدة الأشهر التي حرّمها الله تعظيماً. ففيه تعريض بالتهكّم بهم. والإظهار في قوله: {فيحلّوا ما حرم الله} دون أن يقال فيُحلوه، لزيادة التصريح بتسجيل شناعة عملهم، وهو مخالفتهم أمر الله تعالى وإبطالُهم حرمة بعض الأشهر الحرم، تلك الحرمة التي لأجلها زعموا أنّهم يحرّمون بعض الأشهر الحلال حفاظاً على عدّة الأشهر التي حرّمها الله تعالى. وجملة {زين لهم سوء أعمالهم} مستأنفة استئنافاً بيانياً: لأنّ ما حكي من اضطراب حالهم يثير سؤال السائلين عن سبب هذا الضغث من الضلال الذي تمَّلأُوه فقيل: لأنّهم زيّن لهم سوء أعمالهم، أي لأنّ الشيطان زيّن لهم سوء أعمالهم فحسّن لهم القبيح. والتزيين التحسين، أي جعلُ شيء زيْناً، وهو إذا يسند إلى مَا لا تتغيّر حقيقته فلا يصير حسناً، يؤذن بأنّ التحسين تلبيس. وتقدّم التزيينُ في قوله تعالى: {أية : زُيّن للذين كفروا الحياة الدنيا} تفسير : في سورة البقرة (212). وقوله: {أية : كذلك زينا لكل أمة عملهم} تفسير : في سورة الأنعام (108). وفي هذا الاستئناف معنى التعليل لحالهم العجيبة حتّى يزول تعجّب السامع منها. وجملة والله لا يهدي القوم الكافرين} عطف على جملة {زين لهم سوء أعمالهم} فهي مشمولة لمعنى الاستئناف البياني المراد منه التعليل لتلك الحالة الغريبة، لأنّ التعجيب من تلك الحالة يستلزم التعجيب من دوامهم على ضلالهم وعدم اهتدائهم إلى ما في صنيعهم من الاضطراب، حتّى يقلعوا عن ضلالهم، فبعد أن أفيد السائل بأنّ سبب ذلك الاضطراب هو تزيين الشيطان لهم سوءَ أعمالهم، أفيد بأنّ دوامهم عليه لأنّ الله أمسك عنهم اللطف والتوفيق، الذيْن بهما يتفطّن الضالّ لضلاله فيقلع عنه، جزاءاً لهم على ما أسلفوه من الكفر، فلم يزالوا في دركات الضلال إلى أقصى غاية. والإظهار في مقام الإضمار بقوله: {القوم الكافرين} لقصد إفادة التعميم الذي يشملهم وغيرهم، أي: هذا شأن الله مع جميع الكافرين. واعلم أنّ حرمة الأزمان والبقاع إنّما تُتلقَّى عن الوحي الإلٰهي لأنّ الله الذي خلق هذا العالم هو الذي يسُنّ له نظامَه فبذلك تستقرّ حرمة كلّ ذي حرمة في نفوس جميع الناس إذ ليس في ذلك عمل لبعضهم دون بعض، فإذا أدخل على ما جعله الله من ذلك تغييرٌ تقشّعت الحرمة من النفوس فلا يرضى فريق بما وضعه غيره من الفرق، فلذلك كان النسيء زيادة في الكفر لأنّه من الأوضاع التي اصطلح عليها الناس، كما اصطلحوا على عبادة الأصنام بتلقين عمرو ابن لحَيّ. وقد أوْحَى الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أنّ العامَ الذي يَحُجّ فيه يصادف يومُ الحجّ منه يومَ تسعة من ذي الحجة، على الحساب الذي يتسلسل من يوم خلق الله السماوات والأرض، وأنّ فيه يندحض أثر النسيء ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجّة الوداع «حديث : إنّ الزمان قد استدار كهيئتِه يومَ خلق اللَّهُ السماوات والأرض»تفسير : ، قالوا فصادفت حجّة أبي بكر سنة تسع أنّها وقعت في شهر ذي القعدة بحساب النسيء، فجاءت حجّةُ النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ذي الحجّة في الحساب الذي جعله الله يومَ خلق السماوات والأرض.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 37- وما تأخير هذه الأشهر الحرم أو بعضها عما رتَّبها الله عليه - كما كان يفعله أهل الجاهلية - إلا إمعان فى الكفر، يزداد به الذين كفروا ضلالا فوق ضلالهم، وكان العرب فى الجاهلية يجعلون الشهر الحرام حلالا إذا احتاجوا القتال فيه، ويجعلون الشهر الحلال حراماً، ويقولون: شهر بشهر، ليوافقوا عدد الأشهر التى حرمها الله، وقد حسَّنت لهم أهواؤهم أعمالهم السيئة، والله لا يهدى القوم المصرين على كفرهم إلى طريق الخير. 38- يا أيها المؤمنون ما لكم حينما قال لكم الرسول: اخرجوا للجهاد فى سبيل الله، تباطأ بعضكم عن الخروج للجهاد؟ لا ينبغى ذلك. عجباً لكم أآثرتم الحياة الدنيا الفانية على الحياة الآخرة ونعيمها الدائم؟ فما التمتع بالدنيا ولذائذها فى جنب متاع الآخرة إلا قليل تافه. 39- إن لم تستجيبوا للرسول، فتخرجوا للجهاد فى سبيل الله، يعذبكم الله عذاباً موجعاً. ويستبدل ربكم بكم قوماً آخرين يستجيبون للرسول ولا يتخلفون عن الجهاد، ولا تضرون الله بهذا التخلف شيئاً، والله عظيم القدرة على كل شئ.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَعْمَالِهِمْ} {ٱلْكَافِرِينَ} (37) - النَّسِيءُ لُغَةً هُوَ التَّأْخِيرُ، وَالنِّسِيءُ هُنَا يُقْصَدُ بِهِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، إِذْ يُحِلُّونَ أَحَدَ الأَشْهُرِ الحُرُمِ، فَيُقَاتِلُونَ فِيهِ، ثُمَّ يَتَّفِقُونَ عَلَى جَعْلِ أَحَدِ أَشْهُرِ الحِلِّ مُحَرَّماً مَكَانَهُ ذَلِكَ العَامَ، لِيَجْعَلُوا عِدَّةَ الشُهُورِ الحُرُمِ أَرْبَعَةً كَمَا أَمَرَ اللهُ. وَيَذُمُّ اللهُ تَعَالَى المُشْرِكِينَ لِتَصَرُّفِهِمْ بِشَرْعِ اللهِ بِحَسَبِ أَهْوَائِهِمْ، وَبِآرَائِهِم الفَاسِدَةِ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّهُمْ يُحَرِّمُونَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ كَمَا أَمَرَ اللهُ، وَلاَ بَأسَ عِنْدَهُمْ فِي تَأْخِيرِ التَّحْرِيمِ أَوْ تَقْدِيمِهِ، فَالمُهِمُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيهِمْ أَنْ تَكُونَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ أَرْبَعَةً فِي السَّنَةِ، لا تَخْصِيصَ أَشْهرٍ بِعَيْنِهَا تَقَرَّرَتْ حُرْمَتُهَا، وَإِذْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحَلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ، وَقَدْ حَسَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ المُضِّلُّ عَمَلَهُمُ السَّيِّىءَ هَذا بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ البَاطِلَةِ، إِذْ اكْتَفَوْا بِالعَدَدِ، وَلَمْ يُدْرِكُوا حِكْمَةَ التَّخْصِيصِ. وَاللهُ تَعَالَى لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ إِلَى الحَقِّ وَالْهُدَى. النَّسِيءُ - تَأْخِيرُ حُرْمَةِ شَهْرٍ إِلَى شَهْرٍ آخَرَ. لِيُواطِئُوا - لِيُوافِقُوا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والنسيء هو التأخير، فكأنهم إذا ما دخلوا في قتال وجاء شهر حرام قالوا: ننقله إلى شهر قادم، واستمروا في قتالهم؛ وهم بذلك قد أحلُّوا الشهر الذي كان محرماً وجعلوا الشهر الذي لم تكن له حرمة؛ شهراً حراماً، وهنا يوضح الحق سبحانه أن هذا العمل زيادة في الكفر؛ لأنه أدخل في المحلل ما ليس منه، وأدخل في المحرم ما ليس منه؛ لأن الكفر هو عدم الإيمان فإذا بدَّلْتَ وغيَّرْتَ في منهج الإيمان، فهذا زيادة في الكفر. ثم يقول سبحانه: {يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً} و {يُضَلُّ} هنا مبنية للمجهول؛ ومعنى ذلك أن هناك من يقوم بإضلال الذين كفروا، وهذه مهمة الشيطان؛ لأن هناك فرقاً بين الضلال والإضلال، فالضلال في الذات والنفس، أما الإضلال فيتعدى إلى الغير، فهناك ضال لا يكتفي بضلال نفسه، بل يأتي لغيره ويضله ويغويه على المعصية بأن يزينها له. ولذلك هناك جزاء على الضلال، وجزاء أشد على الإضلال، فإذا كان هناك إنسان ضال فهو في نفسه غير مؤمن، أي أن ضلاله لم يتجاوز ذاته، ولم ينتقل إلى غيره. ولكن إذا حاول أن يغري غيره بالضلال والمعصية يكون بذلك قد ضلَّ غيره. ويتخذ بعض المستشرقين هذه القضية مطعناً في القرآن - بلا وعي منهم أو فهم - فيقولون: إن القرآن يقول:{أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}تفسير : [فاطر: 18]. ثم يأتي في آية أخرى فيقول: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ...} تفسير : [العنكبوت: 13]. فكيف يقول القرآن: إن أحداً لا يتحمل إلا وزره، ثم يقول: إن هناك من سيتحمل وِزْره ووِزْر غيره؟ ونقول لهم: أنتم لم تفهموا المعنى، فالأول: هو الضَّالُّ الذي يرتكب المعاصي ولكنه لم يُغْرِ بها غيره، أي: أنه عصى الله ولم يتجاوز المعصية. أما الثاني: فقد ضلَ وأضل غيره.. أي: أنه لم يكتف بارتكاب المعصية بل أخذ يغري الناس على معصية الله. وكلما أغرى واحداً على المعصية كان عليه نفس وِزْر مرتكب المعصية. وهنا يقول الحق: {ضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً} وطبعاً التحليل والتحريم هنا حدث منهم لظنهم أن هذه مصلحتهم، أي أنهم أخضعوا الأشهر الحرم لشهواتهم الخاصة، وخرجوا عن مرادات الله في كونه، يوم خلق السماوات والأرض. ولكن لماذا يُحلُّونه عاماً ويُحرِّمونه عاماً؟ تأتي الإجابة من الحق: {لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ} أي: ليوافقوا عدة ما أحله الله حتى يبرروا ويقولوا لأنفسهم: نحن لسنا عاصين، فإن كان الله يريد أربعة أشهر حرم، فنحن قد التزمنا بذلك! ولكن تشريع الله ليس في العدد فقط ولكن في المعدود أيضاً، وقد حدد لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأشهر الحرم. وكان عمرو بن لحي أو نعيم بن ثعلبة هما أول من قاما بعملية النسيء هذه، فأحلَّ شهر المحرم، وحرَّم غيره وهؤلاء الذين قاموا بهذا العمل كانوا يعرفون أن هناك أربعة أشهر حرم بدليل أنهم أحلوا وحرموا. ولو لم يعرفوها ما أحلوا ولا حرموا، ولكن هم أرادوا أن يُخضعُوا تشريع الله لأهوائهم. وهذا هو المغزى من تحليل شهر المحرم وتحريم شهر آخر، وأرادوا بذلك إخضاع مرادات الله لشهوات نفوسهم؛ لأن المحرم ثابت فيه التحريم، وهو شهر حرام سواء قام الإنسان بتأجيله أم لم يؤجله، فهو شهر حرام بمشيئة الله لا مشيئة الناس. ولذلك حكم الحق سبحانه على النسيء بأنه زيادة في الكفر؛ لأنك حين تؤخر حرمة شهر المحرم إلى شهر غيره، تكون قد قُمْتَ بعمليتين؛ أحللت شهراً حراماً وهذا كفر، وحرمت شهراً حلالاً وهذا كفر آخر.. أي: زيادة في الكفر. ثم يقول الحق سبحانه: {لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ} وقد حكم الله عليهم بالكفر بأنهم أحلوا ما حرمه الله. ثم يقول الحق: {زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ} والتزيين: هو أمر طارئ أو زائد على حقيقة الذات مما يجعله مقبولاً عند الناس، فالمرأة مثلاً لها جمال طبيعي، ولكنها تتزيين. إذن: فالتزيين تغيير في المظهر وليس في الجوهر. وهناك تزيين في أشياء كثيرة، تزيين في الفكر مثلاً، بأن يكون هناك استعداده للقتال فيأتي القائد فيزين للمقاتلين دخول المعركة، ويقول: أنتم ستنتصرون في ساعات، ولن يصاب منكم أحد وسيفِرّ عدوكم؛ هذا تزيين محمود. ولذلك أراد الحق أن يكشف لنا حقيقة التزيين الذي قاموا به حين حللوا حرمة الأشهر الحرُم، وكشف لنا سبحانه أن هذا لون من التزيين غير المحمود فقال: {زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} وما دام قد زُيِّن لهم السوء فهذا العمل قد خرج عن منطقة الهداية، وخرج عن نطاق التزيين المحمود إلى التزيين السيىء. وما داموا قد خرجوا عن هداية الله فلن يعينهم الله؛ لأنه سبحانه لا يعين من كفر، ولا يعين من ظلم، ولا يعين من فسق. ولذلك قال سبحانه: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} أي: أنهم بكفرهم قد أخرجوا أنفسهم عن هداية الله، فالحق سبحانه لم يمنع عنهم الهداية، بل هم الذين منعوها عن أنفسهم بأن كفروا فأخرجوا أنفسهم عن مشيئة هداية الله لهم، وهذا ينطبق فقط على هداية المعونة، ونحن نعلم أن لله سبحانه هداية دلالة وهداية معونة؛ هداية الدلالة هي للمؤمن وللكافر، ويدل الله الجميع على المنهج، ويريهم آياته، وتبلغ الرسل منهج السماء الذي يوضح الطريق إلى رضاء الله والطريق إلى سخطه وعذابه. فمن آمن بالله دخل في مشيئة هداية المعونة، فيعينه الله في الدنيا ويعطيه الجنة في الآخرة. أما من يرفض هداية الدلالة من الله، فالله لا يعطيه هداية المعونة؛ لأن الكفر قد سبق من العبد. وكذلك الظلم والفسق، فيكون قد منع عن نفسه هداية المعونة بارتكابه لتلك الآثام. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} [التوبة: 37]. {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [التوبة: 19]. {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} تفسير : [التوبة: 24]. إذن: هم الذين قدَّموا الكفر والظلم والفسوق، فمنعوا عن أنفسهم هداية المعونة التي قال الحق عنها: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17]. وبعد أن طلب الحق سبحانه وتعالى من المؤمنين أن يواجهوا الباطل جميعاً، كما يجتمع الباطل عليهم ويقاتلهم جميعاً. يقول سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ} هُمْ قَومٌ مِن بَني كِنَانة كَانوا يَنسَئونَ الشّهورَ: معناهُ يؤخِّرونَها لِحربٍ أَو لأمرٍ فَيِجْعَلونَ ذِي الحِجةِ في المُحرَّمِ وذي القعدةِ أَو غَيرها مِن الشّهورِ. تفسير : وقوله تعالى: {لِّيُوَاطِئُواْ} معناه لِيوافِقوا.
الأندلسي
تفسير : {إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ} الآية، قرىء النسىء مهموزاً على وزن فعيل. وقرىء: النسىء بتشديد الياء من غير همز. وتقدم الكلام عليها في قوله: {أية : أَوْ نُنسِهَا} تفسير : [الآية: 106]، في البقرة زيادة في الكفر جاءت مع كفرهم بالله تعالى لأن الكافر إذا أحدث معصية ازداد كفراً. والضمير في به عائد على النسىء، واللام في ليواطئوا متعلقة بقوله: ويحرمونه، وذلك على طريق الأعمال. ومعنى ليواطئوا، أي ليحفظوا في كل عام أربعة أشهر في العدد فأزالوا الفضيلة التي خصّ الله بها الأشهر الحرم وحفظوا العدة وحدها بمثابة أن يفطر رمضان ويصوم شهراً من السنة بغير مرض أو سفر. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ} الآية، لما أمر تعالى رسوله بغزوة تبوك وكان زمان جدب وحر شديد وقد طابت الثمار عظم ذلك على الناس وأحبوا المقام، نزلت عتاباً على من تخلف عن هذه الغزوة وكانت سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام غزا فيها الروم في عشرين ألفاً من راجل وراكب وتخلف عنه قبائل من الناس ورجال من المؤمنين كثير ومنافقون وخص الثلاثة بالعتاب الشديد بحسب مكانهم من الصحبة إذ هم من أهل بدر وممن يقتدى بهم، وكان تخلفهم عن غير علة حسبما يأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. ولما شرح معايب الكفار رغب في مقاتلتهم. وما لكم استفهام معناه الإِنكار والتقريع. وبنى قيل للمفعول والقائل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر أغلاظاً ومخاشنة لهم وصوناً لذكره إذ أخلد إلى الهُوَينا والدعة من أخلد وخالف أمره عليه السلام، ومعنى اثاقلتم إلى الأرض ملتم إلى شهوات الدنيا حين أخرجت الأرض ثمارها وكرهتم مشاق السفر. وقيل: ملتم إلى الإِقامة بأرضكم، ولما ضمن معنى الميل والإِخلاد عدى بإِلى. وفي قوله: أرضيتم، نوع من الإِنكار والتعجب، أي أرضيتم بالنعيم العاجل في الدنيا الزائل بدل النعيم الباقي، ومن تظافرت أقوال المفسرين على أنها بمعنى بدل أي بدل الآخرة كقوله تعالى: {أية : لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً}تفسير : [الزخرف: 60]، أي بدلاً منكم. ومنه قول الشاعر: شعر : فليت لنا من ماء زمزم شربة مبردة باتت على طهيان تفسير : أي بدلاً من ماء زمزم. والطهيان عود ينصب في ناحية الدار للهواء تعلق فيه أوعية الماء حتى يبرد، وأصحابنا لا يثبتون أنّ من تكون للبدل ويتعلق في الآخرة بمحذوف تقديره فما متاع الحياة الدنيا محسوباً في نعيم الآخرة. {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ} الآية، هذا وعيد للمتثاقلين عظيم حيث أوعدهم بعذاب أليم مطلق يتناول عذاب الدارين وأنه يهلكهم ويستبدل قوماً آخرين خيراً منهم وأطوع وأنه غني عنهم في نصرة دينه لا يقدح تثاقلهم فيها شيئاً. {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ} في: الا تنصروه انتفاء النصر بأي طريق كان من نفر أو غيره. وجواب الشرط محذوف تقديره فسينصره الله، ويدل عليه فقد نصره الله أي ينصره في المستقبل كما نصره في الماضي. ومعنى إخراج الذين كفروا إياه فعلهم به ما يؤدي إلى الخروج، والإِشارة إلى خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ونسب الإِخراج إليهم مجازاً كما نسب في قوله: {أية : ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ} تفسير : [محمد: 13]، وقصة خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر مذكورة في السير. وانتصب ثاني اثنين على الحال أي أحد اثنين وهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وروي أنه لما أمر بالخروج قال لجبريل عليه السلام: من يخرج معي؟ قال: أبو بكر. وقال الليث: ما صحب الأنبياء عليهم السلام مثل أبي بكر. وقال سفيان بن عيينة: خرج أبو بكر رضي الله عنه بهذه الآية من المعاتبة التي في قوله: ألا تنصروه. وقال ابن عطية: بل خرج بها كل من شاهد غزوة تبوك، وإنما المعاتبة لمن تخلف فقط. وهذه الآية منوهة بقدر أبي بكر وتقدمه وسابقته في الإِسلام، وفي هذه الآية ترغيبهم في الجهاد ونصر دين الله إذ بين فيها أن الله ينصره كما نصره إذ كان في الغار، وليس معه أحد فيه سوى أبي بكر رضي الله عنه. والغار: نقب في أعلى ثور ـ وهو جبل في يمنى مكة على مسيرة ساعة ـ، مكث صلى الله عليه وسلم فيه ثلاثاً. {إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ} بدل، وإذ يقول بدل ثان. وقال العلماء: من أنكر صحبة أبي بكر فقد كفر لإِنكاره كلام الله تعالى وليس ذلك لسائر الصحابة. حديث : وكان سبب حزن أبي بكر خوفه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهاه رسول الله تسكيناً لقلبه وأخبره بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} يعني بالمعونة والنصر. وقال أبو بكر: يا رسول الله إن قتلتُ فأنا رجل واحد، وإن قتلتَ هلكت الأمة وذهب دين الله. فقال صلى الله عليه وسلم: ما ظنك باثنين الله ثالثهما تفسير : . وقال أبو بكر رضي الله عنه: ـ من البسيط ـ. شعر : قال النبي ولم يجزع يوقرني ونحن في سدف من ظلمة الغار لا تخشى شيئاً فإِن الله ثالثنا وقد تكفل لي منه بإِظهار وإنما كيد من تخشى بوادره كيد الشياطين قد كادت لكفار والله مهلكهم طرا بما صنعوا جاعلُ المنتهى منهم إلى النار تفسير : {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} الآية، قال ابن عباس: السكينة الرحمة والوقار. والضمير في عليه عائد على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ هو المحدّث عنه. وقال ابن عطية: والسكينة عندي إنما هي ما ينزله الله تعالى على أنبيائه من الحياطة لهم والخصائص التي لا تصلح إلا لهم كقوله: {أية : فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [البقرة: 248]، ويحتمل أن يكون قوله: فأنزل الله سكينته.. إلى آخره، يراد به ما صنعه الله تعالى لنبيه إلى وقت تبوك من الظهور والفتوح لا أن يكون هذا يختص بقضية الغار. وكلمة الذين كفروا هي الشرك وهي مقهورة، وكلمة الله هي التوحيد، وفي فصل بين المبتدأ والخبر، أو مبتدأ، والعليا خبره، والجملة خبر لقوله: وكلمة الله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : النسيء: هو ما كان أهل الجاهلية يستعملونه في الأشهر الحرم، وكان من جملة بدعهم الباطلة، أنهم لما رأوا احتياجهم للقتال في بعض أوقات الأشهر الحرم، رأوا -بآرائهم الفاسدة- أن يحافظوا على عدة الأشهر الحرم، التي حرم اللّه القتال فيها، وأن يؤخروا بعض الأشهر الحرم، أو يقدموه، ويجعلوا مكانه من أشهر الحل ما أرادوا، فإذا جعلوه مكانه أحلوا القتال فيه، وجعلوا الشهر الحلال حراما، فهذا -كما أخبر اللّه عنهم- أنه زيادة في كفرهم وضلالهم، لما فيه من المحاذير. منها: أنهم ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، وجعلوه بمنزلة شرع اللّه ودينه، واللّه ورسوله بريئان منه. ومنها: أنهم قلبوا الدين، فجعلوا الحلال حراما، والحرام حلالا. ومنها: أنهم مَوَّهوا على اللّه بزعمهم وعلى عباده، ولبسوا عليهم دينهم، واستعملوا الخداع والحيلة في دين اللّه. ومنها: أن العوائد المخالفة للشرع مع الاستمرار عليها، يزول قبحها عن النفوس، وربما ظن أنها عوائد حسنة، فحصل من الغلط والضلال ما حصل، ولهذا قال: { يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ } أي: ليوافقوها في العدد، فيحلوا ما حرم اللّه. { زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ } أي: زينت لهم الشياطين الأعمال السيئة، فرأوها حسنة، بسبب العقيدة المزينة في قلوبهم. { وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } أي: الذين انصبغ الكفر والتكذيب في قلوبهم، فلو جاءتهم كل آية، لم يؤمنوا.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 338 : 12 : 10 - سفين عن منصور عن أبي وايل {إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ} قال، في رجل من بني كنانة يؤخر المحرم مرة فيجعله صفرا، ويجعله مرة المحرم. فأنزل الله {يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً} [الآية 37]. 339 : 13 : 11 - سفين عن السدي مثله. 340 : 14 : 17 - سفين قال، كان أصحاب عبد الله يقرءونها "يضل". [الآية 37].
همام الصنعاني
تفسير : 1085- عبد الرزاق، [عن معمر] عن ابن أبي نُجَيْحٍ عن مُجَاهِدٍ في قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ}: [الآية: 37]، قال: فرض الله الحج في ذي الحجة، وكان المشركون يسمُّون الأشهر ذا الحجّة والمحرم وصفر وربيع وربيع وجمَادَى وجمادى ورَجَب وشَعْبَانَ ورَمَضَانَ، وشَوَّالَ، وذا القِعْدَة، وذا الحجّة، ثم يَحُجُّون فيه مرة أُخْرى، ثم يَسْكْتُونَ عن المحرم فَلاَ يَذْكُرُونَهُ ثم يعودون فَيُسمُّونَ صفرَ صفرَ، ثم يُسَمُّونَ ذا رجب جُمَادى الآخرة ثم يُسَمُّون شعبانَ رمضانَ، ورمضان شوال، ثم يُسمُّون ذا الْقَعْدَة شوَّالاً، يُسَمُّونَ ذا الحجة ذا القعدة، ثم يُسَمُّوهَ المحرم ذا الحجة، ثم يحجون فيه، واسمه عندهم ذُو الحجّة، ثم عادوا كمثل هذه القصة فكانوا يحجون [ في كل سنة] في كل شهر عامين حتى وافق حجة أبي بكر الآخرة من العامين في ذي القَعْدَة، ثم حجَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وسلم حجته التي حج فوافق ذا الحجة، فذلك حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته: "حديث : إنَّ الزمان قد اسْتَدار كهيئته يَوْمَ خلق الله السماوات والأرض ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):