٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
38
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما شرح معايب هؤلاء الكفار وفضائحهم، عاد إلى الترغيب في مقاتلتهم وقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ } وتقرير الكلام أنه تعالى ذكر في الآيات السابقة أسباباً كثيرة موجبة لقتالهم، وذكر منافع كثيرة تحصل من مقاتلتهم كقوله: { أية : يُعَذّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ } تفسير : [التوبة: 14] وذكر أقوالهم المنكرة وأعمالهم القبيحة في الدين والدنيا، وعند هذا لا يبقى للإنسان مانع من قتالهم إلا مجرد أن يخاف القتل ويحب الحياة فبين تعالى أن هذا المانع خسيس لأن سعادة الدنيا بالنسبة إلى سعادة الآخرة كالقطرة في البحر، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل جهل وسفه. المسألة الثانية: المروي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك، وذلك لأنه عليه السلام لما رجع من الطائف أقام بالمدينة وأمر بجهاد الروم، وكان ذلك الوقت زمان شدة الحر وطابت ثمار المدينة وأينعت، واستعظموا غزو الروم وهابوه، فنزلت هذه الآية. قال المحققون: وإنما استثقل الناس ذلك لوجوه: أحدها: شدة الزمان في الصيف والقحط. وثانيها: بعد المسافة والحاجة إلى الاستعداد الكثير الزائد على ما جرت به العادة في سائر الغزوات. وثالثها: إدراك الثمار بالمدينة في ذلك الوقت. ورابعها: شدة الحر في ذلك الوقت. وخامسها: مهابة عسكر الروم فهذه الجهات الكثيرة اجتمعت فاقتضت تثاقل الناس عن ذلك الغزو، والله أعلم. المسألة الثالثة: يقال: استنفر الإمام الناس لجهاد العدو فنفروا ينفرون نفراً ونفوراً، إذا حثهم ودعاهم إليه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : إذا استنفرتم فانفروا » تفسير : وأصل النفر الخروج إلى مكان لأمر واجب، واسم ذلك القوم الذين يخرجون النفير، ومنه قولهم: فلان لا في العير ولا في النفير. وقوله: {ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ } أصله تثاقلتم، وبه قرأ الأعمش ومعناه: تباطأتم ونظيره قوله: { أية : فادارأتم } تفسير : [البقرة:72] وقوله: { أية : قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ } تفسير : [النمل:47] قال صاحب «الكشاف»: وضمن معنى الميل والإخلاد فعدي بـ(إلى)، والمعنى ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه، ونظيره { أية : أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ } تفسير : [الأعراف: 176] وقيل معناه ملتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاء فيها، وقوله: {مَالَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ } وإن كان في الظاهر استفهاماً إلا أن المراد منه المبالغة في الإنكار. ثم قال تعالى: {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} والمعنى كأنه قيل قد ذكرنا الموجبات الكثيرة الداعية إلى القتال، وقد شرحنا المنافع العظيمة التي تحصل عند القتال، وبينا أنواع فضائحهم وقبائحهم التي تحمل العاقل على مقاتلتهم، فتركتم جميع هذه الأمور، أليس أن معبودكم يأمركم بمقاتلتهم وتعلمون أن طاعة المعبود توجب الثواب العظيم في الآخرة؟ فهل يليق بالعاقل ترك الثواب العظيم في الآخرة، لأجل المنفعة اليسيرة الحاصلة في الدنيا؟ والدليل على أن متاع الدنيا في الآخرة قليل، إن لذات الدنيا خسيسة في أنفسها ومشوبة بالآفات والبليات ومنقطعة عن قريب لا محالة، ومنافع الآخرة شريفة عالية خالصة عن كل الآفات، ودائمة أبدية سرمدية وذلك يوجب القطع بأن متاع الدنيا قليل حقير خسيس. المسألة الرابعة: اعلم أن هذه الآية تدل على وجوب الجهاد في كل حال لأنه تعالى نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر، ولو لم يكن الجهاد واجباً لما كان هذا التثاقل منكراً، وليس لقائل أن يقول الجهاد إنما يجب في الوقت الذي يخاف هجوم الكفار فيه، لأنه عليه السلام ما كان يخاف هجوم الروم عليه، ومع ذلك فقد أوجب الجهاد معهم، ومنافع الجهاد مستقصاة في سورة آل عمران، وأيضاً هو واجب على الكفاية، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين. المسألة الخامسة: لقائل أن يقول إن قوله: {يا أيها الذين آمنوا} خطاب مع كل المؤمنين. ثم قال: {مَالَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ } وهذا يدل على أن كل المؤمنين كانوا متثاقلين في ذلك التكليف، وذلك التثاقل معصية، وهذا يدل على إطباق كل الأمة على المعصية وذلك يقدح في أن إجماع الأمة حجة. الجواب: أن خطاب الكل لإرادة البعض مجاز مشهور في القرآن، وفي سائر أنواع الكلام كقوله: شعر : إياك أعني واسمعي يا جاره
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأُولى ـ قوله تعالى: {مَا لَكُمْ} «ما» حرف ٱستفهام معناه التقرير والتوبيخ؛ التقدير: أي شيء يمنعكم عن كذا؛ كما تقول: مالك عن فلان مُعْرِضاً. ولا خلاف أن هذه الآية نزلت عتاباً على تخلُّف من تخلّف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تَبُوك، وكانت سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام، وسيأتي ذكرها في آخر السورة إن شاء الله. والنَّفْر: هو التنقل بسرعة من مكان إلى مكان لأمر يحدث؛ يقال في ابن آدم: نفَر إلى الأمر يَنْفِر نفوراً. وقوم نفور؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} تفسير : [الإسراء: 46]. ويقال في الدابة: نَفَرت تَنْفِرُ (بضم الفاء وكسرها) نفاراً ونفوراً. يقال: في الدابة نِفار، وهو اسم مثل الحِران. ونفر الحاج من مِنًى نَفْراً. الثانية ـ قوله تعالى: {ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ} قال المفسرون: معناه ٱثاقلتم إلى نعيم الأرض، أو إلى الإقامة بالأرض. وهو توبيخ على ترك الجهاد وعتابٌ على التقاعد عن المبادرة إلى الخروج، وهو نحو من أخلد إلى الأرض. وأصله تثاقلتم، أدغمت التاء في الثاء لقربها منها، واحتاجت إلى ألف الوصل لتصل إلى النطق بالساكن؛ ومثله «ادّارَكُوا» و «ٱدَّارَأْتُمْ» و «ٱطَّيَّرْنَا» و «ٱزَّيَّنَتْ». وأنشد الكسائي:شعر : تُولِي الضَّجيعَ إذا ما ٱستافها خَصِراً عَذبَ المَذاق إذا ما ٱتَّابع القُبَلُ تفسير : وقرأ الأعمش «تَثَاقَلْتُمْ» على الأصل. حكاه المهدويّ. وكانت تبوك ـ ودعا الناس إليها ـ في حرارة القَيْظ وطيب الثمار وبرد الظلال ـ كما جاء في الحديث الصحيح على ما يأتي ـ فاستولى على الناس الكسل، فتقاعدوا وتثاقلوا؛ فوبّخهم الله بقوله هذا، وغاب عليهم الإيثار للدنيا على الآخرة. ومعنى {أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ} أي بدلاً؛ التقدير: أرضيتم بنعيم الدنيا بدلاً من نعيم الآخرة. فـ «مِن» تتضمن معنى البدل؛ كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ} تفسير : [الزخرف: 60] أي بدلاً منكم. وقال الشاعر:شعر : فليت لنا من ماء زمزم شربةً مُبرّدة باتت على طَهيَان تفسير : ويروى من ماء حَمْنان. أراد: ليت لنا بدلاً من ماء زمزم شربة مبرَّدة. والطَّهيَان: عود ينصب في ناحية الدار للهواء، يعلّق عليه الماء حتى يَبْرُد. عاتبهم الله على إيثار الراحة في الدنيا على الراحة في الآخرة؛ إذ لا تنال راحة الآخرة إلاَّ بنصَب الدنيا. حديث : قال صلى الله عليه وسلم لعائشة وقد طافت راكبة: «أجْرُك على قدر نَصَبِك»تفسير : . خرجه البخاريّ.
البيضاوي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ} تباطأتم، وقرىء "تثاقلتم" على الأصل و"أثَّاقَلْتُمْ" على الاستفهام للتوبيخ. {إِلَى ٱلأَرْضِ} متعلق به كأنه ضمن معنى الإِخلاد والميل فعدى بإلى، وكان ذلك في غزوة تبوك أمروا بها بعد رجوعهم من الطائف في وقت عسرة وقيظ مع بعد الشقة وكثرة العدو فشق عليهم. {أَرَضِيتُمْ بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا} وغرورها. {مِنَ ٱلآخِرَةِ} بدل الآخرة ونعيمها. {فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} فما التمتع بها. {فِى ٱلآخِرَةِ} في جنب الآخرة. {إِلاَّ قَلِيلٌ} مستحقر.
ابن كثير
تفسير : هذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك حين طابت الثمار والظلال في شدة الحر وحمارّة القيظ فقال تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي: إذا دعيتم إلى الجهاد في سبيل الله {ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ} أي: تكاسلتم، وملتم إلى المقام في الدعة والخفض وطيب الثمار {أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلأَخِرَةِ} أي: ما لكم فعلتم هكذا، أرضًى منكم بالدنيا بدلاً من الآخرة؟ ثم زهد تبارك وتعالى في الدنيا، ورغب في الآخرة فقال: {فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلأَخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع ويحيى بن سعيد قالا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن المستورد أخي بني فهر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم، فلينظر بم ترجع؟» تفسير : وأشار بالسبابة. انفرد بإخراجه مسلم. وروى ابن أبي حاتم: حدثنا بشر بن مسلم بن عبد الحميد الحمصي بحمص، حدثنا الربيع بن روح، حدثنا محمد بن خالد الوهبي، حدثنا زياد، يعني: الجصاص، عن أبي عثمان قال: قلت: يا أبا هريرة سمعت من إخواني بالبصرة أنك تقول: سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله يجزي بالحسنة ألف ألف حسنة» تفسير : قال أبو هريرة: بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة» تفسير : ثم تلا هذه الآية {فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلأَخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} فالدنيا ما مضى منها وما بقي منها عند الله قليل. وقال الثوري عن الأعمش في الآية: {فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلاَْخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} قال: كزاد الراكب. وقال عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه: لما حضرت عبد العزيز بن مروان الوفاة، قال: ائتوني بكفني الذي أكفن فيه أنظر إليه، فلما وضع بين يديه، نظر إليه فقال: أما لي من كبير ما أخلف من الدنيا إلا هذا؟ ثم ولى ظهره فبكى، وهو يقول: أف لك من دار، إن كان كثيرك لقليل، وإن كان قليلك لقصير، وإن كنا منك لفي غرور. ثم توعد تعالى من ترك الجهاد فقال: {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} قال ابن عباس: استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم حياً من العرب، فتثاقلوا عنه، فأمسك الله عنهم القطر، فكان عذابهم {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} أي: لنصرة نبيه؛ وإقامة دينه؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} تفسير : [محمد: 38]، {وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا} أي ولا تضروا الله شيئاً بتوليكم عن الجهاد، ونكولكم وتثاقلكم عنه، {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي: قادر على الانتصار من الأعداء بدونكم، وقد قيل: إن هذه الآية وقوله: {أية : ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً}تفسير : [التوبة: 41] وقوله: {أية : مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 120] إنهن منسوخات بقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} تفسير : [التوبة: 122] روي هذا عن ابن عباس وعكرمة والحسن، وزيد بن أسلم، ورده ابن جرير، وقال: إنما هذا فيمن دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد، فتعين عليهم ذلك، فلو تركوه لعوقبوا عليه. وهذا له اتجاه، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل لما دعا صلى الله عليه وسلم الناس إلى غزوة تبوك وكانوا في عسرة وشدّة حرّ فشقّ عليهم { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ } بإِدغام التاء في الأصل في المثلثة واجتلاب همزة الوصل أي تباطأتم وملتم عن الجهاد {إِلَى ٱلأَرْضِ } والقعود فيها والاستفهام للتوبيخ {أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } ولذاتها {مِنَ ٱلأَخِرَةِ } أي بدل نعيمها؟{فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا فِى } جنب متاع {ٱلأَخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ } حقير.
الشوكاني
.تفسير : قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} لما شرح معايب أولئك الكفار عاد إلى ترغيب المؤمنين في قتالهم، والاستفهام في {مَا لَكُمْ } للإنكار والتوبيخ: أي، أيّ شيء يمنعكم عن ذلك، ولا خلاف أن هذه الآية نزلت عتاباً لمن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وكانت سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام، والنفر: هو الانتقال بسرعة من مكان إلى مكان، لأمر يحدث. قوله: {ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ } أصله تثاقلتم، أدغمت التاء في الثاء لقربها منها، وجيء بألف الوصل ليتوصل بها إلى النطق بالساكن، ومثله: ادّاركوا، واطيرتم، واطيروا، وأنشد الكسائي:شعر : توالى الضجيع إذا ما اشتاقها حضرا عذب المذاق إذا ما اتابع القبل تفسير : وقرأ الأعمش "تثاقلتم" على الأصل، ومعناه: تباطأتم، وعدى بـ {إلى} لتضمنه معنى الميل والإخلاد. وقيل: معناه: ملتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاء فيها وقرىء: {ٱثَّاقَلْتُمْ } على الاستفهام، ومعناه: التوبيخ، والعامل في الظرف "ما" في {مَالَكُمْ } من معنى الفعل، كأنه قيل: ما يمنعكم، أو ما تصنعون إذا قيل لكم؟ و {إِلَى ٱلأرْضِ } متعلق بـ {اثاقلتم} وكما مرّ. قوله: {أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي: بنعيمها بدلاً من الآخرة كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلَـئِكَةً فِى ٱلأرْضِ يَخْلُفُونَ } تفسير : [الزخرف: 60] أي بدلاً منكم، ومثله قول الشاعر:شعر : قلبت لنا من ماء زمزم شربة مبردة باتت على طهيان تفسير : أي بدلاً من ماء زمزم، والطهيان: عود ينصب في ناحية الدار للهواء يعلق عليه الماء ليبرد، ومعنى: {ٱلآخِرَةِ } أي في جنب الآخرة، وفي مقابلتها {إِلاَّ قَلِيلٌ } أي: إلا متاع حقير لا يعبأ به، ويجوز أن يراد بالقليل العدم، إذ لا نسبة للمتناهي الزائل إلى غير المتناهي الباقي، والظاهر: أن هذا التثاقل لم يصدر من الكل، إذ من البعيد أن يطبقوا جميعاً على التباطؤ والتثاقل، وإنما هو من باب نسبة ما يقع من البعض إلى الكل، وهو كثير شائع. قوله: {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ } هذا تهديد شديد، ووعيد موكد لمن ترك النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم {يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً } أي: يهلككم بعذاب شديد مؤلم، قيل: في الدنيا فقط، وقيل: هو أعم من ذلك. قوله: {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ } أي: يجعل لرسله بدلاً منكم ممن لا يتباطأ عند حاجتهم إليهم. واختلف في هؤلاء القوم من هم؟ فقيل أهل اليمن، وقيل أهل فارس، ولا وجه للتعين بدون دليل. قوله: {وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا } معطوف على {يَسْتَبْدِلْ }، والضمير قيل: لله، وقيل: للنبي صلى الله عليه وسلم: أي ولا تضرّوا الله بترك امتثال أمره بالنفير شيئاً، أو لا تضرّوا رسول الله بترك نصره والنفير معه شيئاً {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } ومن جملة مقدوراته تعذيبكم والاستبدال بكم. قوله: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ } أي: إن تركتم نصره فالله متكفل به، فقد نصره في مواطن القلة، وأظهره على عدوه بالغلبة والقهر، أو فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد وقت إخراج الذين كفروا له حال كونه {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ } أي: أحد اثنين، وهما: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق رضي الله عنه. وقرىء بسكون الياء. قال ابن جني: حكاها أبو عمرو بن العلاء، ووجهها أن تسكن الياء تشبيهاً لها بالألف. قال ابن عطية: فهي كقراءة الحسن ما بقي من الربا، وكقول جرير:شعر : هو الخليفة فارضوا ما رضيه لكم ماضي العزيمة ما في حكمه جنف تفسير : قوله: {إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ } بدل من {إِذْ أَخْرَجَهُ } بدل بعض، والغار: ثقب في الجبل المسمى ثوراً، وهو: المشهور بغار ثور، وهو: جبل قريب من مكة، وقصة خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر ودخولهما الغار مشهورة مذكورة في كتب السير والحديث. قوله: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ } بدل ثان: أي وقت قوله لأبي بكر: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا } أي: دع الحزن، فإن الله بنصره وعونه وتأييده معنا، ومن كان الله معه فلن يغلب، ومن لا يغلب فيحق له أن لا يحزن. قوله: {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } السكينة: تسكين جأشه وتأمينه حتى ذهب روعه، وحصل له الأمن، على أن الضمير في {عَلَيْهِ } لأبي بكر. وقيل: هو للنبي صلى الله عليه وسلم، ويكون المراد بالسكينة النازلة عليه: عصمته عن حصول سبب من أسباب الخوف له، ويؤيد كون الضمير في {عَلَيْهِ } للنبي صلى الله عليه وسلم الضمير في {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } فإنه للنبي صلى الله عليه وسلم، لأنه المؤيد بهذه الجنود التي هي الملائكة، كما كان في يوم بدر. وقيل: إنه لا محذور في رجوع الضمير من {عَلَيْهِ } إلى أبي بكر، ومن {وَأَيَّدَهُ } إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك كثير في القرآن، وفي كلام العرب {وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ } أي: كلمة الشرك، وهي دعوتهم إليه. ونداؤهم للأصنام {وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا } قرأ الأعمش، ويعقوب بنصب "كلمة" حملاً على جعل، وقرأ الباقون برفعها على الاستئناف. وقد ضعف قراءة النصب الفراء، وأبو حاتم، وفي ضمير الفصل، أعني {هِىَ } تأكيد لفضل كلمته في العلوّ، وأنها المختصة به دون غيرها، وكلمة الله هي كلمة التوحيد، والدعوة إلى الإسلام {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ } أي: غالب قاهر لا يفعل إلا ما فيه حكمة وصواب. ثم لما توعد من لم ينفر مع الرسول صلى الله عليه وسلم وضرب له من الأمثال ما ذكره عقبه بالأمر الجزم فقال: {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً } أي: حال كونكم خفافاً وثقالاً، قيل المراد: منفردين أو مجتمعين. وقيل: نشاطاً وغير نشاط. وقيل: فقراء وأغنياء. وقيل: شباباً وشيوخاً. وقيل: رجالاً وفرساناً، وقيل: من لا عيال له ومن له عيال، وقيل: من يسبق إلى الحرب كالطلائع، ومن يتأخر كالجيش، وقيل: غير ذلك. ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه المعاني، لأن معنى الآية: انفروا خفت عليكم الحركة أو ثقلت. قيل: وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَاء وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ } تفسير : [التوبة: 91]، وقيل: الناسخ لها قوله: {أية : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ } تفسير : [النور: 122] الآية. وقيل: هي محكمة وليست بمنسوخة، ويكون إخراج الأعمى والأعرج بقوله: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأعْرَجِ حَرَجٌ } تفسير : [النور: 61]. وإخراج الضعيف والمريض بقوله: {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَاء وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ} من باب التخصيص، لا من باب النسخ على فرض دخول هؤلاء تحت قوله: {خِفَافًا وَثِقَالاً } والظاهر: عدم دخولهم تحت العموم. قوله: {وَجَـٰهِدُواْ بِأَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } فيه الأمر بالجهاد بالأنفس والأموال وإيجابه على العباد، فالفقراء يجاهدون بأنفسهم، والأغنياء بأموالهم وأنفسهم. والجهاد من آكد الفرائض وأعظمها، وهو فرض كفاية مهما كان البعض يقوم بجهاد العدوّ وبدفعه، فإن كان لا يقوم بالعدوّ إلا جميع المسلمين في قطر من الأرض، أو أقطار وجب عليهم ذلك وجوب عين، والإشارة بقوله: {ذٰلِكُمْ } إلى ما تقدّم من الأمر بالنفير، والأمر بالجهاد {خَيْرٌ لَّكُمْ } أي: خير عظيم في نفسه، وخير: من السكون والدعة {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } ذلك، وتعرفون الأشياء الفاضلة وتميزونها عن المفضولة. قوله: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ }. قال الزجاج: لو كان المدعوّ إليه فحذف لدلالة ما تقدّم عليه، والعرض: ما يعرض من منافع الدنيا. والمعنى: غنيمة قريبة غير بعيدة {وَسَفَرًا قَاصِدًا } عطف على ما قبله: أي سفراً متوسطاً بين القرب والبعد، وكل متوسط بين الإفراط والتفريط فهو قاصد {وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ } قال أبو عبيدة وغيره: إن الشقة السفر إلى أرض بعيدة، يقال: منه شقة شاقة، قال الجوهري: الشقة بالضم من الثياب، والشقة أيضاً: السفر البعيد، وربما قالوه بالكسر، والمراد بهذا غزوة تبوك، فإنها كانت سفرة بعيدة شاقة. وقرأ عيسى بن عمر "بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ" بكسر العين والشين {وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ } أي: المتخلفون عن غزوة تبوك حال كونكم قائلين: {لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ } أي: لو قدرنا على الخروج ووجدنا ما نحتاج إليه فيه مما لا بدّ منه {لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ } هذه الجملة سادّة مسدّ جواب القسم والشرط. قوله: {يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ } هو بدل من قوله: {سَيَحْلِفُونَ } لأن من حلف كاذباً فقد أهلك نفسه أو يكون حالاً: أي مهلكين أنفسهم موقعين لها موقع الهلاك {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } في حلفهم الذي سيحلفون به لكم. وقد أخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ } الآية، قال: هذا حين أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح، وحين أمرهم بالنفير في الصيف وحين خرفت النخل وطابت الثمار، واشتهوا الظلال، وشق عليهم المخرج، فأنزل الله: {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً }. وأخرج أبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، في قوله: {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر حياً من أحياء العرب، فتثاقلوا عنه، فأنزل الله هذه الآية، فأمسك عنهم المطر فكان ذلك عذابهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة، قال: لم نزلت: {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا }، وقد كان تخلف عنه أناس في البدو يفقهون قومهم، فقال المؤمنون: قد بقي ناس في البوادي، وقالوا هلك أصحاب البوادي، فنزلت: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً}. وأخرج أبو داود، وابن أبي حاتم، والنحاس، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، في قوله: {إِلاَّ تَنفِرُواْ } الآية قال: نسختها: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً}. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ } قال: ذكر ما كان من أوّل شأنه حين بعث، يقول: فأنا فاعل ذلك به، وناصره كما نصرته إذ ذاك وهو ثاني اثنين. وأخرج أبو نعيم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن شهاب وعروة، أنهم ركبوا في كل وجه يعني المشركين يطلبون النبي صلى الله عليه وسلم، وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم ويجعلون لهم الحمل العظيم، وأتوا على ثور الجبل الذي فيه الغار، والذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم حتى طلعوا فوقه، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أصواتهم، فأشفق أبو بكر، وأقبل عليه الهمّ والخوف، فعند ذلك يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا } ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت عليه السكينة من الله، {فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} الآية. وأخرج ابن شاهين، وابن مردويه، وابن عساكر، عن حبشي ابن جنادة، قال أبو بكر: يا رسول الله، لو أن أحداً من المشركين رفع قدمه لأبصرنا، فقال: «حديث : يا أبا بكر، لا تحزن إن الله معنا»تفسير : . وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن الزهري، في قوله: {إذ هُمَا فِى ٱلْغَارِ } قال: هو الغار الذي في الجبل الذي يسمى ثوراً. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر في تاريخه، عن ابن عباس، في قوله: {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } قال: على أبي بكر لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تزل معه السكينة. وأخرج ابن مردويه، عن أنس، قال: دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر غار حراء، فقال أبو بكر للنبيّ صلى الله عليه وسلم: لو أن أحدهم يبصر موضع قدمه لأبصرني وإياك، فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما ظنك باثنين الله ثالثهما يا أبا بكر؟ إن الله أنزل سكينته عليك وأيدني بجنود لم يروها»تفسير : . وأخرج الخطيب في تاريخه، عن حبيب بن أبي ثابت {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } قال: على أبي بكر، فأما النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقد كانت عليه السكينة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس، في قوله: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ } قال: هي الشرك بالله: {وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا } قال: لا إله إلا الله. وأخرج الفريابي، وأبو الشيخ، عن أبي الضحى قال: أوّل ما أنزل من براءة: {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً } ثم نزل أوّلها وآخرها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أبي مالك، نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {خِفَافًا وَثِقَالاً } قال: نشاطاً وغير نشاط. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحكم في الآية قال: مشاغيل وغير مشاغيل. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن، قال: في العسر واليسر. وأخرج ابن المذر، عن زيد ابن أسلم، قال: فتياناً وكهولاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن عكرمة، قال: شباباً وشيوخاً. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، قال: قالوا: إن فينا الثقيل، وذا الحاجة، والضيعة، والشغل فأنزل الله: {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً } وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا خفافاً وثقالاً، وعلى ما كان منهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ قال: جاء رجل زعموا أنه المقداد، وكان عظيماً سميناً، فشكا إليه وسأله أن يأذن له فأبى، فنزلت: {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً } فلما نزلت هذه الآية اشتدّ على الناس شأنها فنسخها الله، فقال: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَاء وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ } تفسير : [التوبة: 91] الآية. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له: ألا تغزو بني الأصفر لعلك أن تصيب ابنة عظيم الروم؟ فقال رجلان: قد علمت يا رسول الله، أن النساء فتنة فلا تفتنا بهنّ فأذن لنا، فأذن لهما، فلما انطلقنا قال أحدهما: إن هو إلا شحمة لأوّل آكل، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل عليه شيء في ذلك، فلما كان ببعض الطريق نزل عليه وهو على بعض المناة {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ } ونزل عليه: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} ونزل عليه: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [التوبة: 45] ونزل عليه: {أية : إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } تفسير : [التوبة: 95]. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا } قال: غنيمة قريبة، {وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ } قال: المسير. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، في قوله: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } قال: لقد كانوا يستطيعون الخروج ولكن كان تبطئة من عند أنفسهم، وزهادة في الجهاد.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلتُمْ إِلَى الأَرْضِ} قال الحسن ومجاهد: دُعوا إلى غزوة تبوك فتثاقلوا فنزل ذلك فيهم. وفي قوله {اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ} ثلاثة أوجه: أحدها: إلى الإقامة بأرضكم ووطنكم. والثاني: إلى الأرض حين أخرجت الثمر والزرع. قال مجاهد: دعوا إلى ذلك أيام إدراك النخل ومحبة القعود في الظل. الثالث: اطمأننتم إلى الدنيا، فسماها أرضاً لأنها فيها، وهذا قول الضحاك. وقد بينه قوله تعالى {أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الأَخَرَةِ} يعني بمنافع الدنيا بدلاً من ثواب الآخرة. والفرق بين الرضا والإرادة أن الرضا لما مضى، والإرادة لما يأتي. {فَمَا مَتَاعُ الَْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الأخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} لانقطاع هذا ودوام ذاك. قوله عز وجل {إِلاَّ تَنفِرُواْ} يعني في الجهاد. {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} قال ابن عباس: احتباس القطر عنهم هو العذاب الأليم الذي أوعدتم ويحتمل أن يريد بالعذاب الأليم أن يظفر بهم أعداؤهم. {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} يعني ممن ينفر إذا دُعي ويجيب إذا أُمر. {وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً} فيه وجهان: أحدهما: ولا تضروا الله بترك النفير، قاله الحسن. والثاني: ولا تضرّوا الرسول، لما تكفل الله تعالى به من نصرته، قاله الزجاج.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية هي بلا اختلاف نازلة عتاباً على تخلف من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وكانت سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام غزا فيها الروم في عشرين ألفاً بين راكب وراجل، وتخلف عنه قبائل من الناس ورجال من المؤمنين كثير ومنافقون فالعتاب في هذه الآية هو للقبائل وللمؤمنين الذين كانوا بالمدينة، وخص الثلاثة كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية بذلك التذنيب الشديد بحسب مكانهم من الصحبة إذ هم من أهل بدر وممن يقتدى بهم، وكان تخلفهم لغير علة حسب ما يأتي، وقوله {ما لكم} استفهام بمعنى التقرير والتوبيخ، وقوله {قيل } يريد النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن صرفه الفعل لا يسمى فاعلة يقتضي إغلاظاً ومخاشنة ما، و" النفر " هو التنقل بسرعة من مكان إلى مكان لأمر يحدث، يقال في ابن آدم نفر إلى الأمر ينفر نفيراً ونفراً ، ويقال في الدابة نفرت تنفرُ بضم الفاء نفوراً، وقوله {اثاقلتم } أصله تثاقلتم أدغمت التاء في الثاء فاحتيج إلى ألف الوصل كما قال {فادارأتم} وكما تقول ازين، وكما قال الشاعر [الكسائي ]: [البسيط] شعر : تولي الضجيع إذا ما استافها خصراً عذب المذاق إذا ما اتّابَع القبل تفسير : وقرأ الأعمش فيما حكى المهدوي وغيره " تثاقلتم " على الأصل، وذكرها أبو حاتم " تتثاقلتم" بتاءين ثم ثاء مثلثة، وقال هي خطأ أو غلط، وصوب " تثاقلتم " بتاء واحدة وثاء مثلثة أن لو قرىء بها، وقوله {اثاقلتم إلى الأرض} عبارة عن تخلفهم ونكولهم وتركهم الغزو لسكنى ديارهم والتزام نخلهم وظلالهم، وهو نحو من أخلد إلى الأرض، وقوله: {أرضيتم} تقرير يقول أرضيتم نزر الدنيا على خطير الآخرة وحظها الأسعد، ثم أخبر فقال إن الدنيا بالإضافة إلى الآخرة قليل نزر، فتعطي قوة الكلام التعجب من ضلال من يرضى النزر بدل الكثير الباقي، وقوله {إلا تنفروا} الآية، {إلا تنفروا يعذبكم } شرط وجواب، وقوله {يعذبكم} لفظ عام يدخل تحته أنواع عذاب الدنيا والآخرة، والتهديد بعمومه أشد تخويفاً، وقالت فرقة يريد يعذبكم بإمساك المطر عنكم، وروي عن ابن عباس أنه قال: استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبيلة من القبائل فقعدت فأمسك الله عنها المطر وعذبها به، و {أليم} بمعنى مؤلم بمنزلة قول عمرو بن معديكرب: [الوافر ] شعر : أمن ريحانة الداعي السميع تفسير : وقوله {ويستبدل قوماً غيركم } توعد بأن يبدل لرسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً لا يقعدون عند استنفاره إياهم، والضمير في وقوله {ولا تضروه شيئاً} عائد على الله عز وجل أي لا ينقص ذلك من عزه وعز دينه، ويحتمل أن يعود على النبي صلى الله عليه وسلم وهو أليق، {والله على كل شيء قدير} أي على كل شيء مقدور وتبديلهم منه ليس بمحال ممتنع.
ابن عبد السلام
تفسير : {انفِرُواْ} لما دعوا إلى غزوة تبوك تثاقلوا، فنزلت. {الأَرْضِ} الإقامة بأوطانكم وأرضكم، دعوا إلى ذلك في شدة الحر وإدراك الثمار، أو اطمأنوا إلى الدنيا فسماها [أرضاً] {أَرَضِيتُم} بمنافع الدنيا بدلاً من ثواب الآخرة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل:{يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض} نزلت هذه الآية في الحث على غزوة تبوك وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف أمر بالجهاد لغزو الروم وكان ذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر حين طابت الظلال ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت غزوة تبوك فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفراً بعيداً ومفاوز وعدداً كثيراً وجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم فشق عليهم الخروج وتثاقلوا فأنزل الله عز وجل هذه الآية يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم يعني قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم: انفروا في سبيل الله، أي اخرجوا إلى الجهاد. يقال: استنفر الإمام الناس إذا حثهم على الخروج إلى الجهاد ودعاهم إليه ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وإذا استنفرتم فانفروا " تفسير : والإثم النفير اثاقلتم أي تثاقلتم وتباطأتم عن الخروج إلى الغزو إلى الأرض يعني لزمتم أرضكم ومساكنكم وإذنما استثقل ذلك الغزو لشدة الزمان وضيق الوقت وشدة الحر وبعد المسافة والحاجة إلى كثرة الاستعداد من العدد والزاد وكان ذلك الوقت وقت إدراك ثمار المدينة وطيب ظلالها وكان العدو كثيراً فاستثقل الناس تلك الغزوة فعاتبهم الله تعالى بقوله: {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة} يعني أرضيتم بخفض العيش وزهرة الدنيا ودعتها من نعيم الآخرة {فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} يعني أن لذات الدنيا ونعيمها فان زائل ينفد عن قليل ونعيم الآخرة باق على الأبد فلهذا السبب كان متاع الدنيا قليلاً بالنسبة إلى نعيم الآخرة وفي الآية دليل على وجوب الجهاد في كل حال وفي كل وقت لأن الله سبحانه وتعالى نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر فلو لم يكن الجهاد واجباً لما عاتبهم على ذلك التثاقل ويؤكد هذا الوعيد المذكور الآية الآتية وهي قوله تعالى: {إلا تنفروا} يعني إن لم تنفروا أيها المؤمنون إلى ما استنفركم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه: {يعذبكم عذاباً إليماً} يعني في الآخرة لأن العذاب الأليم لا يكون إلا في الآخرة. وقيل: إن المراد به احتباس المطر في الدنيا. قال نجدة بن نفيع: سألت ابن عباس عن هذه الآية فقال: استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم حياً من أحياء العرب فتثاقلوا فأمسك الله تعالى عنهم المطر فكان ذلك عذابهم {ويستبدل قوماً غيركم} يعني خيراً منكم وأطوع. قال سعيد بن جبير: هم أبناء فارس. وقيل: هم أهل اليمن نبه سبحانه وتعالى على أنه قد تكفل بنصرة نبيه صلى الله عليه وسلم وإعزاز دينه فإن سارعوا معه إلى الخروج إلى حيث استنفروا حصلت النصرة بهم ووقع أجرهم على الله عز وجل وإن تثاقلوا وتخلفوا عنه حصلت النصرة بغيرهم وحصلت العتبى لهم لئلا يتوهموا أن إعزاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرته لا تحصل إلا بهم وهو قوله تعالى: {ولا تضروه شيئاً} قيل: الضمير راجع إلى الله تعالى يعني ولا تضروا الله شيئاً لأنه غني عن العالمين وإنما تضرون أنفسكم بترككم الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: الضمير راجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: ولا تضروا محمداً صلى الله عليه وسلم شيئاً فإن لله ناصره على أعدائه ولا يخذله {والله على كل شيء قدير} يعني أنه تعالى قادر على كل شيء فهو ينصر نبيه ويعز دينه قال الحسن وعكرمة هذا الآية منسوخة بقوله وما كان المؤمنون لينفروا كافة وقال الجمهور هذه الآية محكمة لأنها خطاب لقوم استنفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفروا كما نقل عن ابن عباس وعلى هذا التقدير فلا نسخ. قوله عز وجل: {إلا تنصروه فقد نصره الله} يعني إلا تنصروا محمداً صلى الله عليه وسلم أيها المؤمنون هذا خطاب لمن تثاقل عن الخروج معه إلى تبوك فأعلم الله عز وجل أنه هو المتكفل بنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعزاز دينه وإعلاء كلمته أعانوه أو لم يعينوه وإنه قد نصره عند قلة الأولياء وكثرة الأعداء فكيف به اليوم وهو في كثرة من العدد والعدد {إذ أخرجه الذين كفروا} يعني أنه تعالى نصره في الوقت الذي أخرجه فيه كفار مكة من مكة حين مكروا به وأرادوا قتله {ثاني اثنين} يعني هو واحد اثنين وهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر {إذ هما في الغار} يعني إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في الغار والغار نقب عظيم يكون في الجبل وهذا الغار في جبل ثور وهو قريب من مكة {إذ يقول لصاحبه لا تحزن} يعني يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق لا تحزن وذلك أن أبا بكر خاف من الطلب أن يعلموا بمكانهم فجزع من ذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحزن {إن الله معنا} يعني بالنصر والمعونة قال الشعبي: عاتب الله عز وجل أهل الأرض جميعاً في هذه الآية غير أبي بكر وقال الحسن بن الفضل: من قال إن أبا بكر لم يكن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر لإنكاره نص القرآن وفي سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعاً ولا يكون كافراً. حديث : عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: "أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار"تفسير : . أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن غريب (ق). عن أبي بكر الصديق قال: نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا فقلت يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه فقال: "حديث : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما"تفسير : . قال الشيخ محيي الدين النووي معناه: ثالثهما بالنصر والمعونة والحفظ والتسديد وهو داخل في قوله سبحانه وتعالى أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وفيه بيان عظيم على توكل النبي صلى الله عليه وسلم حتى في هذا المقام وفيه فضيلة لأبي بكر وهي من أجل مناقبه والفضيلة من أوجه منها اللفظ الدال على أن الله ثالثهما ومنها بذله نفسه ومفارقته أهله وماله ورياسته في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وملازمته النبي صلى الله عليه وسلم ومعاداة الناس فيها ومنها جعله نفسه وقاية عنه وغير ذلك. حديث : روي عن عمر بن الخطاب أنه ذكر عنده أبو بكر فقال: وددت أن عملي كله مثل عمله يوماً واحداً من أيامه وليلة واحدة من لياليه أما فليلته ليلة سار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار فلما انتهيا إليه قال والله لا تدخله حتى أدخله قبلك فإن كان فيه شيء أصابني دونك فدخله فكنسه ووجد في جانبه ثقباً فشق إزاره وسدها به وبقي منهما ثقبان فألقمهما رجليه ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ادخل فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضع رأسه في حجره ونام فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقطت دموعه على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "مالك يا أبا بكر" فقال: لدغت فداك أبي وأمي فتفل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب ما يجده ثم انتقض عليه وكان سبب موته وأما يومه فلما قبض صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب، وقالوا: لا نؤدي الزكاة فقال لو منعوني عقالاً لجاهدتهم عليه فقلت يا خليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم. قال: لي أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام أنه قد انقطع الوحي وتم الدين أينقص وأنا حي تفسير : أخرجه في جامع الأصول ولم يرقم عليه علامة لأحد قال البغوي وروي أنه حين انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار جعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "مالك يا أبا بكر"؟ فقال: أذكر الطلب فأمشي خلفك واذكر الرصد فأمشي بين يديك فلما انتهيا إلى الغار قال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ الغار فدخل فاستبرأه ثم قال انزل يا رسول الله فنزل وقال له: "إن أقتل فأنا رجل واحد من المسلمين وإن قتلت هلكت الأمة" تفسير : (ذكر سياق حديث الهجرة وهو من أفراد البخاري) عن عائشة قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشياً فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجراً نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال: اين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي. فقال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق فأنا لك جار فارجع واعبد ربك ببلدك فرجع وارتحل معه ابن الدغنة فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيق ويعين على نوائب الحق فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة وفي رواية فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وأمنوا أبا بكر وقال لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره وليصل فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر فلبث أبو بكر كذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجداً بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلاً بكَّاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره فقد جاوز ذلك فابتنى مسجداً بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك فإنا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر، فقال: قد علمت الذي عاهدت لك عليه فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلى ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله والنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين: "حديث : إني رأيت دار هجرتكم سبخة ذات نخل بين لابتين"تفسير : وهما الحرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة ورجع عامة من كان بأرض الحبشة إلى المدينة وتجهز أبو بكر قبل المدينة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي"تفسير : فقال أبو بكر وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي قال "حديث : نعم"تفسير : فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده من ورق السمر هو الخبط أربعة أشهر قال ابن شهاب: قال عروة قالت عائشة: فبينا نحن جلوس يوماً في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها. فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر قالت فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن، فأذن له فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: "حديث : اخرج من عندك"تفسير : . فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: فإني قد أذن لي في الخروج قال أبو بكر الصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : نعم"تفسير : . قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت وأمي يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بالثمن. قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاقين قالت ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمراً يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حتى تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلاً من بني الديل وهو من بني عبد بن عدي هادياً خريتا والخريت الماهر بالهداية قد غمس حلفاً في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال فأتاهما صبح ثلاث فارتحلا وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل الديلي فأخذ بهم طريق السواحل وفي رواية طريق الساحل. قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جعشم أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن مالك بن جعشم يقول: جاءنا رسول كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس. فقال: يا سراقة إني قد رأيت آنفاً أسودة بالساحل أراها محمداً وأصحابه قال سراقة فعرفت أنهم هم فقلت له: إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلاناً وفلاناً انطلقوا بأعيننا يبتغون ضالة لهم ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها عليّ وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فخططت بزجه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت وأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي أكره فركبت فرسي وعصيت الأزلام تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكبر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذ الأثر يديها عثان ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قال أخف عنا ما استطعت فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجاراً قافلين من الشأم فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض وسمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة فانقلبوا يوماً بعد ما أطالوا انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على ظهر أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه فبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السارب فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرونه قال فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتاً فطفق من جاء من الأنصار لمن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ركب راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين وكان مربداً للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته هذا إن شاء الله المنزل ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً فقال لا بل نهبه لك يا رسول الله فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجداً وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنيانه ويقول: شعر : هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر تفسير : ويقول:"حديث : اللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة"تفسير : ، فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي. قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت شعر تام غير هذا البيت أخرجه البخاري بطوله. (شرح غريب ألفاظ الحديث) قولها: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، يعني، أنهما كانا ينقادان إلى الطاعة، وبرك الغماد بفتح الباء من برك وكسر الغين المعجمة اسم موضع بينه وبين مكة خمس ليال مما يلي ساحل البحر إلى المدينة من بلاد غفار. وقيل: هو قليب ماء لبني ثعلبة. قوله: تكسب المعدوم فيه قولان: أحدهما: أنه لقوة سعده وحظه من الدنيا لا يتعذر عليه كسب كل شيء حتى المعدوم الذي يتعذر كسبه على غيره. والقول الثاني: إنه يملك الشيء المعدوم المتعذر لمن لا يقدر عليه ففيه وصفة بالإحسان والكرم والكل ما يثقل حمله من حقوق الناس وصلة الأرحام والقيام بأمر العيال وإقراء الضيف ونوائب الحق ما ينوب الإنسان من المغارم وقضاء الحقوق لمن يقصده أنا لك جار أي حام وناصر ومدافع عنك والاستعلان إظهار المخفي. وقوله: فينقذف النساء عليه يعني يزدحمن عليه والذمة العهد والأمان وإخفاؤها نقضها. واللابة: الجبل. والحرة: الأرض التي تعلوها حجارة سود. يقال: افعل الشيء على رسلك بكسر الراء أي على هينتك. والراحلة: البعير القوي على الحمل والسير، والظهيرة: وقت شدة الحر والنطاق: حبل أو نحوه تشد به المرأة وسطها وترفع ثوبها من تحته فتعطف طرفاً من أعلاه إلى أسفله لئلا يصل إلى الأرض. وقولها: ثقف لقن. يقال: ثقف الرجل ثقافة إذا صار حاذقاً فطناً واللقن السريع الفهم. والإدلاج: بتخفيف الدال سير أول الليل وبتشديدها سير آخره والمنحة الشاة ذات اللبن والرسل بكسر الراء وسكون السين هو اللبن يقال: نعق الراعي بالغنم إذا دعاها لتجتمع إليه. والغلس. ظلام آخر الليل. والخريت: تقدم شرحه في الحديث وهو الماهر بالهداية وأراد به هداية الطريق فهو الدليل. وقد غمس حلفاً يقال: غمس فلان حلفاً في آل فلان إذا أخذ بنصيب من عهدهم وحلفهم والأسودة الأشخاص. والأكمة: التل المرتفع من الأرض. يقال: قرب الفرس يقرب تقريباً إذا عدا عدواً دون الإسراع والكناية هي الجعبة التي تجعل فيها السهام والأزلام القداح التي كانوا يستقسمون بها عند طلب الحوائج كالفأل والعثان الغبار. يقال: ما رزأت فلاناً شيئاً أي ما أصبت منه شيئاً والمراد أنهم لم يأخذوا منه شيئاً وقوله أوفى أي أشرف وأطلع. والأطم: البناء المرتفع كالحصن، وقوله: مبيضين هو بكسر الياء أي: هم ذو ثياب بيض والمربد الموضع يوضع فيه التمر كالبيدر. وقوله: هذا الحمال هو بالحاء المهملة يعني هذا الحمل والمحمول من اللبن أبر عند الله وأطهر وأبقى ذخراً وأدوم منفعة في الآخرة لأحمال خيبر يعني ما يحمل من خيبر من التمر والزبيب والطعام المحمول منها. والمعنى: أن ذلك الحمل الذي نحمله من اللبن لأجل عمارة المسجد أفضل عند الله مما يحمل من خيبر وقد روى هذا الجمال بالجيم من التجمل، والرواية الأولى أشهر وأكثر والله أعلم قال الزهري: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الغار أرسل الله سبحانه وتعالى زوجاً من حمام حتى باضتا في أسفل النقب ونسجت العنكبوت بيتاً. وقيل: أتت يمامة على فم الغار وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : اللهم أعم أبصارهم"تفسير : فجعل الطلب يضربون يميناً وشمالاً حول الغار يقولون لو دخلا هذا الغار لتكسر بيض الحمام وتفسخ بيت العنكبوت ووجدت في بعض التفاسير شعراً وقد نسب إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وهو قوله: شعر : قال النبي ولم يجزع يوقرني ونحن في سدف في ظلمة الغار لا تخش شيئاً فإن الله ثالثنا وقد تكفل لي منه بإظهار وإنما كيد من تخشى بوادره كيد الشياطين قد كادت لكفار والله مهلكهم بما صنعوا وجاعل المنتهي منهم طم إلى النار تفسير : وقوله سبحانه وتعالى: {فأنزل الله سكينته عليه} يعني فأنزل الله الطمأنينة والسكون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن عباس عن أبي بكر لأن النبي صلى الله عليه وسلم كانت عليه السكينة من قبل ذلك. (فصل في الوجوه المستنبطة من هذه الآية الدالة على فضل سيدي أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه) منها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اختفى في الغار من الكفار كان مطلعاً على باطن أبي بكر الصديق في سره وإعلانه وأنه من المؤمنين الصادقين الصديقين المخلصين فاختار صحبته في ذلك المكان المخوف لعمله بحاله. ومنها: أن هذه الهجرة كانت بإذن الله فخصّ الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم أبا بكر دون غيره من أهله وعشيرته وهذا التخصيص يدل على شرف أبي بكر وفضله على غيره. ومنها: أن الله سبحانه وتعالى عاتب أهل الأرض بقوله تعالى إلا تنصروه فقد نصره الله سوى أبي بكر الصديق وهذا دليل على فضله. ومنها: أن سيدنا أبا بكر رضي الله تعالى عنه لم يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ولا حضر بل كان ملازماً له وهذا دليل على صدق محبته وصحة صحبته له ومنها مؤانسته للنبي صلى الله عليه وسلم في الغار وبذل نفسه له وفي هذا دليل على فضله. ومنها: أن الله سبحانه وتعالى جعله ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله سبحانه وتعالى ثاني اثنين إذ هما في الغار وفي هذا نهاية الفضيلة لأبي بكر رضي الله تعالى عنه. وقد ذكر بعض العلماء أن أبا بكر كان ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر الأحوال ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الخلق إلى الإيمان بالله فكان أبو بكر أول من آمن ثم دعا أبو بكر إلى الإيمان بالله ورسوله فاستجاب له عثمان وطلحة والزبير فآمنوا على يدي أبي بكر ثم حملهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف في موقف من غزواته إلا وأبو بكر معه في ذلك الموقف ومنه أنه لما مرض صلى الله عليه وسلم قام مقامه في الإمامة فكان ثانيه ومنها أنه ثانيه في تربته صلى الله عليه وسلم وفي هذا دليل على فضل أبي بكر الصديق ومنها أن الله سبحانه وتعالى نص على صحبة أبي بكر دون غيره بقوله سبحانه وتعالى إذ يقول لصاحبه لا تحزن ومنها أن الله سبحانه وتعالى كان ثالثهما ومن كان الله معه دل على فضله وشرفه على غيره ومنها إنزال السكينة على أبي بكر واختصاصه بها دليل على فضله والله أعلم. وقوله سبحانه وتعالى: {وأيده بجنود لم تروها} يعني: وأيد النبي صلى الله عليه وسلم بإنزال الملائكة ليصرفوا وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته. وقيل: ألقى الرعب في قلوب الكفار حتى رجعوا وقال مجاهد والكلبي: أعانه بالملائكة يوم بدر فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه نصره وصرف عنه كيد الأعداء وهو في الغار في حالة القلة والخوف ثم نصره بالملائكة يوم بدر {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى} يعني كلمة الشرك فهي سفلى إلى يوم القيامة {وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم} قال ابن عباس: هي كلمة لا إله إلا الله فهي باقية إلى يوم القيامة عالية. وقيل: إن كلمة الذين كفروا هي ما كانوا قدروها فيما بينهم من الكيد للنبي صلى الله عليه وسلم ليقتلوه وكلمة الله هي ما وعده من النصر والظفر بهم فكان ما وعد الله سبحانه وتعالى حقا وصدقاً.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {وكلمة الله} بالنصب: يعقوب. الباقون: بالرفع. الوقوف: {إلى الأرض} ط {من الآخرة} ط {قليل} ه {شيئا} ط {قدير} ه {معنا} ج لعطف {أنزل} على {نصره} مع عوارض الظروف. {السفلى} ط إلا لمن قرأ {وكلمة} بالنصب {العليا} ط {حكيم} ه {في سبيل الله} ط {تعلمون} ه {الشقة} ط {معكم} ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال. {أنفسهم} ج لواو الابتداء والحال. {لكاذبون} ه {عنك} ج لحق الاستفهام مع اتصال الكلام معنى. {الكاذبين} ه {وأنفسهم} ط {بالمتقين} ه {يتردّدون} ه {القاعدين} ه {الفتنة} ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال {لهم} ط {بالظالمين} {كارهون} ه {ولا تفتني} ط {سقطوا} ط {بالكافرين} ه. التفسير: لما شرح الله معايب هؤلاء الكفار عاد إلى الترغيب في قتالهم. عن ابن عباس أنها نزلت في غزوة تبوك سنة عشر؛ وذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف أقام بالمدينة أياماً فأمر بجهاد الروم فاستثقله الناس لكون الزمان زمان صيف وللقحط ولبعد المسافة ولمزيد احتياج الاستعداد ولشدة الحر وللخوف من عسكر الروم ولوجود أسباب الرفاهية بالمدينة لكون الوقت وقت إدراك الثمار وحصول الغلات. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خرج في غزوة إلا ورّى عنها بغيرها إلا في غزوة تبوك ليستعد الناس تمام العدة. أصل النفر الخروج إلى مكان لأمر هاج عليه واسم ذلك القوم الذين يخرجون النفير. وأصل {اثاقلتم} تثاقلتم كما قلنا في{أية : فادّارأتم} تفسير : [البقرة: 72] ومعناه تبأطاتم. وإنما عدّي بإلى لتضمين معنى الميل والإخلاد كقوله {أية : أخلد إلى الأرض}تفسير : [الأعراف: 176] أي مال إلى الدنيا وشهواتها. وقيل: المراد لتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاء فيها. ومعنى الاستفهام في {مالكم} الإنكار. وقرىء {أثاقلتم} على الاستفهام للإنكار أيضاً فيكون جواب "إذا" فعلاً آخر مدلولاً عليه بأثاقلتم كنحو ملتم، وذلك أن جواب "إذا" عامل في "إذا"، والاستفهام لا يعمل فيما قبله. ويجوز على هذه أن يكون "إذا" لمجرد الظرفية والعامل فيه ما في {مالكم} من معنى الفعل كأنه قيل: ما تصنعون إذا قيل لكم و "من" في {من الآخرة} للبدل كقوله {لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون} كأنه قيل: قد ذكرنا الموجبات الكثيرة الداعية إلى القتال وبينا أنواع فضائحهم التي تحمل العاقل على مقاتلتهم، ولو لم يكن فيه إلا طاعة المعبود المستلزمة لثواب الآخرة لكفى به باعثاً. {فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة} أي في جنبها وفي مقابلها. {إلا قليل} ويجوز أن يراد بالقلة العدم إذ لا نسبة للمتناهي الزائل إلى غير المتناهي الباقي. والظاهر أن هذا التثاقل لم يصدر من جميع المخاطبين لاستحالة إطباق هذه الأمة على المعصية والضلالة إلا أنه طالما أعطى للأكثر حكم الكل وأطلق لفظ الكل على الإغلب، ثم لما رغبهم في الجهاد بعرض الثواب عليهم رغبتهم فيه بعرض العقاب فقال {إلا تنفروا} ورتب عليه ثلاث خصال: الأولى قوله {يعذبكم عذاباً أليماً} قيل: هو عذاب الدنيا. عن استنفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتثاقلوا فأمسك الله عنهم المطر. وقال الحسن: الله أعلم بالعذاب الذي كان ينزل عليهم. وقيل: هو عذاب الآخرة فإن الأليم لا يليق إلا به. وقيل: إنه تهديد بالعذاب المطلق الشامل للدارين. الثانية قوله {ويستبدل قوماً غيركم} يعني قوماً آخرين خيراً منهم وأطوع. قيل: هم أهل اليمن. عن أبي روق. وقيل: أبناء فارس عن سعيد بن جبير. وقيل: يحتمل أن يراد بهم الملائكة. وقال الأصم: معناه أنه يخرجه من بين أظهركم وهي المدينة والأصح إبقاء الآية على الإطلاق. الثالثة قوله {ولا تضروه شيئاً} قال الحسن: الضمير لله وفيه أنه غني عنهم في نصرة دينه بل في كل شيء. وقال آخرون: الضمير للرسول لأن الله وعده أن يعصمه ووعد الله كائن لا محالة. وفي قوله {والله على كل شيء قدير} تنبيه على أنه قادر على نصرة رسوله بأي وجه أراد، وقادر على إيقاع العذاب بكل من يخالف أمره كائناً من كان. عن الحسن وعكرمة أن الآية منسوخة بقوله{أية : وما كان المؤمنون لينفروا كافة}تفسير : [التوبة: 122] والصحيح أنها خطاب لمن استنفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفروا فلا نسخ. قال الجبائي: في الآية دلالة على إبطال مذهب المرجئة من أن أهل القبلة لا وعيد لهم. وقال القاضي: فيها دلالة على وجوب الجهاد سواء كان مع الرسول أولا لقوله تعالى {مالكم إذا قيل لكم} ولم ينص على أن القائل هو الرسول. ومن قال إن الضمير في قوله {لا يضروه} عائد إلى الرسول فجوابه أن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها. ثم رغبهم في الجهاد بطريق آخر فقال {إلا تنصروه فقد نصره الله} وهذا كالتفسير لما تقدم. والمعنى إن لم تشتغلوا بنصره فإن الله سينصره بدليل أن الله نصره وقواه حال ما لم يكن معه إلا رجل واحد ولا أقل من الواحد. وفيه أنه لما أوجب له النصرة وقتئذّ فلن يخذله بعد ذلك. وقوله {إذ أخرجه الذين كفروا} أي ألجؤه إلى أن خرج ظرف لنصره، و {ثاني اثنين} نصب على الحال ومعناه أحد اثنين لأنه إذا حضر اثنان فكل واحد منهما ثانٍ للآخر وواحد منهما. وقوله {إذ هما في الغار} بدل من إذ أخرجه و{إذ يقول} بدل ثان والغار نقب عظيم في الجبل والمراد به ههنا نقب في أعلى ثور وهو جبل في يمين مكة على مسيرة ساعة. واعلم أنا قد ذكرنا في سورة الأنفال أن قريشاً ومن بمكة تعاقدوا على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل{أية : وإذ يمكر بك الذين كفروا}تفسير : [الأنفال: 30] فأمره الله تعالى أن يخرج هو وأبو بكر الصديق إلى الغار. فخرج وأمر علياً أن يضطجع على فراشه فلما وصلا إلى الغار دخل أبو بكر يلتمس ما في الغار فقال له الرسول: مالك؟ فقال: بأبي أنت وأمي، الغيران مأوى السباع والهوام فإن كان فيه شيء كان بي لا بك، فخرق عمامته وسد الحجرة وبقي حجر واحد فوضع عقبه عليه كيلا يخرج منه ما يؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم. فلما طلب المشركون الأثر وقربوا بكى أبو بكر خوفاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام: {لا تحزن إن الله معنا} وقيل: طلع المشركون فوق الغار فأشفق أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن تصب اليوم ذهب دين الله فقال صلى الله عليه وسلم: ما ظنك باثنين الله ثالثهما! وقيل: لما دخلا الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله، والعنكبوت فنسجت عليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم أعم أبصارهم. فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون له قد أخذ الله أبصارهم عنه. استدل أهل السنة بالآية على أفضلية أبي بكر وغاية اتحاده ونهاية صحبته وموافقة باطنه ظاهره وإلا لم يعتمد الرسول عليه في مثل تلك الحالة، وأنه كان ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار وفي العلم لقوله"حديث : ما صب في صدري شيء إلا وصببته في صدر أبي بكر"تفسير : . وفي الدعوة إلى الله لأنه صلى الله عليه وسلم عرض الإيمان أولاً على أبي بكر فآمن، ثم عرض أبو بكر الإيمان على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة أخرى من أجلة الصحابة، وكان لا يفارق الرسول صلى الله عليه وسلم في الغزوات وفي أداء الجماعات وفي المجالس والمحافل، وقد أقامه في مرضه مقامه في الإمامة، ولما توفي دفن بجنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ثاني اثنين من أول أمره إلى آخره، ولو قدرنا أنه توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك السفر لزم أن لا يقوم بأمره ولا يكون وصيه إلا أبو بكر. وأن لا يبلغ ما حدث في ذلك الطريق من الوحي والتنزيل إلا أبو بكر. وقوله {لا تحزن} نهى عن الحزن مطلقاً والنهي يقتضي الدوام والتكرار فهو لا يحزن قبل الموت وعنده وبعده. ولا شك أن من كان الله معه فإنه يكون من المتقين المحسنين لقوله{أية : إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}تفسير : [النحل: 128] قال الحسين بن فضيل: من أنكر صحبة غير أبي بكر من الصحابة فإنه يكون كذاباً مبتدعاً، ومن أنكر صحبة أبي بكر فإنه يكون كافراً لأنه خالف قول الله تعالى {إذ يقول لصاحبه} أجابت الشيعة بأن كونه ثاني اثنين ليس أعظم من كون الله رابعاً لكل ثلاثة في قوله {أية : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} تفسير : [المجادلة:7] وهذا عام في حق كل كافر ومؤمن. وكون المصاحبة موجبة للتشريف معارض بقوله تعالى للكافر{أية : قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك}تفسير : [الكهف: 37] وكما احتمل أن يقال إنه عليه السلام استخلصه لنفسه في هذا السفر لأجل الثقة، احتمل أن يكون ذلك لأجل إنه خاف أن يدل الكفار عليه أو يوقفهم على أسراره لو تركه. ثم إن حزنه لو كان حقاً لم ينه عنه فهو ذنب وخطأ. سلمنا دلالة الآية على فضل أبي بكر إلا أن اضطجاع علي رضي الله عنه على فراشه أعظم من ذلك فيه من خطر النفس. أجاب أهل السنة بأن كون الله رابعاً لكل ثلاثة أمر مشترك، وكونه ثاني اثنين تشريف زائد اختص الله أبا بكر به على أن المعية هنالك بالعمل والتدبير وههنا بالصحبة والمرافقة، فأين إحداهما من الأخرى؟! والصحبة في قوله {قال له صاحبه} مقرونة بما تقتضي الإهانة والإذلال وهو قوله {أكفرت} وفي الآية مقرونة بما يوجب التعظيم والإجلال وهو قوله {لا تحزن إن الله معنا} قالوا: والعجب أن الشيعة إذا حلفوا قالوا: وحق خمسة سادسهم جبريل. واستنكروا أن يقال: وحق اثنين الله ثالثهما. والاحتمال الذي ذكروه مدفوع بما روي أن أبا بكر هو الذي اشترى الراحلة للرسول وأن عبد الرحمن بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر هما اللذان كانا يأتيانهما بالطعام مدة مكثهما في الغار وذلك ثلاثة أيام وقيل بضعة عشر يوماً. وروي أن جبريل عليه السلام أتاه وهو جائع فقال؛ هذه أسماء قد أتتك بحيسة ففرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر به أبا بكر، ولو كان أبو بكر قاصداً له لصاح بالكفار عند وصولهم إلى باب الغار، ولقال ابنه وابنته نحن نعرف مكان محمد. وكون حزنه معصية معارض بقوله تعالى لموسى{أية : لا تخف إنك أنت الأعلى}تفسير : [طه: 68] وقول الملائكة لإبراهيم{أية : لا تخف وبشروه}تفسير : [الذاريات: 28] ثم إنا لا ننكر أن اضطجاع علي رضي الله عنه على فراش الرسول طاعة وفضيلة إلا أن صحبة أبي بكر أعظم لأن الحاضر أعلى حالاً من الغائب، ولأن علياً رضي الله عنه ما تحمل المحنة إلا ليلة وأبو بكر مكث في الغار أياماً، وإنما اختار علياً للنوم على فراشه لأنه كان صغيراً لم يظهر عنه بعد دعوة بالدليل والحجة ولا جهاد بالسيف والسنان بخلاف أبي بكر فإنه قد دعا حينئذ جماعة إلى الدين وكان يذب عن الرسول بالنفس والمال، فكان غضب الكفار على أبي بكر أشد من غضبهم على عليّ رضي الله عنه ولهذا لم يقصدوا علياً بضرب ولا ألم لما عرفوا أن المضطجع هو. ثم زعم أهل السنة أن الضمير في قوله {فأنزل الله سكينته عليه} عائد إلى أبي بكر لا إلى الرسول لأنه أقرب المذكورين فإن التقدير: إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر ولأن الخوف كان حاصلاً لأبي بكر والرسول كان آمناً ساكن القلب بما وعده الله من النصر، ولو كان خائفاً لم يمكنه إزالة الخوف عن غيره بقوله {لا تحزن} ولناسب أن يقال: فأنزل الله سكينته عليه فقال لصاحبه لا تحزن. واعترض بأن قوله {وأيده} عطف على {فأنزل} فواجب أن يتحد الضميران في حكم العود. وأجيب بأن قوله {وأيده} معطوف على قوله {فقد نصره} والتقدير: إلا تنصروه فقد نصره في واقعة الغار وأيده في واقعة بدر والأحزاب وحنين بالملائكة، والظاهر أن الحزن لا يبعد أن يكون شاملاً للنبي صلى الله عليه وسلم أيضاً من حيث البشرية كقوله{أية : وزلزلوا}تفسير : [البقرة: 214] ويكون في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: فأنزل الله سكينته عليه إذ يقول، أو يكون {فأنزل} معطوفاً على نصره. والمراد بالسكينة ما ألقي في قلبه من الأمنة التي سكن عندها قلبه وعلم أنه منصور لا محالة كقوله في قصة حنين{أية : ثم أنزل الله سكينته على رسوله}تفسير : [التوبة: 26] وقوله {وجعل} يعني يوم بدر وسائر الوقائع {كلمة الذين كفروا} وهي دعوتهم إلى الكفر وعبادة الأصنام {السفلى وكلمة الله} وهي دعوته إلى الإسلام أو كلمة التوحيد لا إله إلا الله {هي العليا} وفي توسيط كلمة الفصل - أعني هي - تأكيد فضل كلمة الله في العلو وأنها المختصة بالعلاء دون سائر الكلم. قال الفراء: لا أحب قراءة نصب الكلمة لأن الأجود حينئذ أن يقال: وكلمته هي العليا. ألا ترى أنك تقول: أعتق أبوك غلامه ولا تقول أعتق أبوك غلام أبيك؟ قلت: وفي الرفع أيضاً الاستئناف وما في الجملة الاسمية من الثبات {والله عزيز حكيم} قاهر غالب لا فعل له إلا الصواب. ثم لما توعد من لا ينفر مع الرسول وضرب له من الأمثال ما وصف عقبه بالأمر الجزم فقال {انفروا خفافاً وثقالاً} قال المفسرون: أي خفافاً في النفور لنشاطكم وثقالاً عنه لمشقته عليكم، أو خفافاً لقلة عيالكم وثقالاً لكثرتهم، أو خفافاً من السلام وثقالاً منه، أو ركباناً ومشاة، أو شباناً وشيوخاً، أو مهازيل وسماناً، أو صحاحاً ومراضاً، والصحيح التعميم، وأن المراد انفروا سواء كنتم على الصفة التي يخف عليكم الجهاد معها أو على ضدها. قال الأكثرون: ظاهر هذا الأمر يقتضي تناول جميع الناس حتى المرضى والعاجزين ويؤيده ما روي عن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أعليّ أن أنفر؟ قال: ما أنت إلا خفيف أو ثقيل فرجع إلى أهله ولبس سلاحه ووقف بين يديه فنزل قوله{أية : ليس على الأعمى حرج}تفسير : [النور: 61] وقال مجاهد: إن أبا أيوب شهد بدراً مع رسول الله ولم يتخلف عن غزوات المسلمين ويقول: قال الله {انفروا خفافاً وثقالاً} فلا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً. وعن صفوان بن عمرو قال: كنت والياً على حمص فلقيت شيخاً كبيراً قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك. فرفع حاجبيه وقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً إلا أنه من يحبه الله يبتليه. وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل: إنك عليل صاحب ضرر. فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل فإن لم تمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع. وعن أنس قال: قرأ أبو طلحة هذه الآية فقال: ما أسمع الله عذر أحداً فخرج مجاهداً إلى الشام حتى مات. وقال السدي: جاء المقداد بن الأسود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عظيماً سميناً وشكا إليه وسأله أن يأذن له فنزل فيه {انفروا خفافاً وثقالاً} فاشتد شأنها على الناس فنسخها الله بقوله{أية : ليس على الضعفاء ولا على المرضى}تفسير : [التوبة: 91] الآية. وقيل: لا حاجة إلى التزام النسخ لأن هذه الآيات نزلت في غزوة تبوك بالاتفاق، ولا شك أنه صلى الله عليه وسلم خلف من النساء والرجال أقواماً فذلك يدل على أن هذا الوجوب ليس على الأعيان ولكنه من فروض الكفايات. فمن أمره الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يخرج لزمه ذلك ومن أمره أن يبقى لزمه أن يبقى. ولقائل أن يقول: لا نزاع في هذا إنما النزاع في الضعفاء والمرضى. ثم قال {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم} وفي إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو بالنفس إن لم يكن مال زائد على أسباب الجهاد، أو بالمال بأن يستنيب من يغزو وعنه إن لم تكن له نفس سليمة صالحة للجهاد وهذا قول كثير من العلماء. {ذلكم خير لكم} يعني أنه خير في نفسه أو أنه خير من القعود لما فيه من الراحة والدعة والنعيم العاجل. وإنما قال {إن كنتم تعلمون} لأن ما يحصل من الخيرات في الجهاد لا يدرك إلا بالتأمل ولا يعرفه إلا المؤمن الذي عرف بالدليل أن وعد الله حق. ثم نزل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين {لو كان عرضاً قريباً} قال الزجاج: أي لو كان المدعو إليه فحذف لدلالة ما تقدم عليه. والعرض ما عرض لك من منافع الدنيا ومنه قولهم: الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، والمراد بالقرب سهولة مأخذه {وسفراً قاصداً} أي وسطاً بين القرب والبعد وكل متوسط بين الإفراط والتفريط فهو قاصد أي ذو قصد لأن كل أحد يقصده. والشقة المسافة الشاقة الشاطة، ووصف المسافة البعيدة بالبعد مبالغة نحو جد جدّة. وفحوى الكلام لو كانت المنافع قريبة الحصول والسفر وسطاً {لاتبعوك} طمعاً في الفوز بتلك المنافع ولكن طال السفر فكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة. ثم أخبر أنه سيجدهم إذا رجع من الجهاد يحلفون بالله إما ابتداء على طريق إقامة العذر وإما عندما يعاتبهم بسبب التخلف وقد وقع كما أخبر فكان معجزاً. و {بالله} متعلق بـ {سيحلفون} أو هو من جملة كلام المتخلفين والقول مقدر في الوجهين أي سيحلفون بالله قائلين {لو استطعنا} وقوله {لخرجنا} سادّ مسدّ جوابي القسم ولو جميعاً. قيل: في الآية دلالة على أن قوله {انفروا} خطاب للمستطيعين وإلا لما أمكنهم جعل عدم الاستطاعة عذراً في التخلف. قال الجبائي: فيها دليل على أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لما كذبهم الله تعالى، فإن لم من يخرج إلى القتال لم يكن مستطيعاً للقتال عند من يجعل الاستطاعة مع الفعل. وقال الكعبي: زائداً عليه فإن قيل: لم لا يجوز أن يراد أنهم ما كان لهم زاد ولا راحلة ولا يراد نفس القدرة؟ قلنا إن من لا راحلة له يعذر في ترك الخروج فمن لا قدرة له أولى. وأيضاً الظاهر من الاستطاعة قوة البدن وإذا أريد به المال فلأنه يعين على ما يفعله الإنسان بقوة البدن. وأجيب بأن المعتزلة سلموا أن القدرة على الفعل لا تتقدم الفعل إلا بوقت واحد فإن الإنسان الجالس في مكان لا يكون قادراً في هذا الزمان على أن يفعل فعلاً في مكان بعيد عنه وإنما يقدر على فعله في المكان الملاصق لمكانه. فالقوم الذين تخلفوا ما كانوا قادرين على القتال عندنا وعندهم فيلزمهم ما ألزموه علينا فوجب المصير إلى تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة فيسقط السؤال. ولقائل أن يقول: إنهم وإن كانوا غير قادرين على القتال إلا أنهم كانوا قادرين على الاشتغال بأسباب القتال فيعود السؤال. قال في الكشاف {يهلكون} بدل من {سيحلفون} أو حال أي يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب، أو حال من ضمير {خرجنا} أي لخرجنا معكم وإن ألقينا أنفسنا في التهلكة. وإنما جاء به على لفظ الغائب لأنه مخبر عنهم. حلف بالله ليفعلن أو لأفعلن فالغيبة على الإخبار والتكلم على الحكاية. قلت: وفي الوجه الأخير نظر للزوم بناء أول الكلام على التكلم وآخره على الغيبة، ولعل الصحيح حينئذ أن لو قيل: لخرجنا معكم نهلك أنفسنا والله تعالى أعلم. ثم بين أن ذلك التخلف من بعضهم كان بإذن الرسول ولهذا توجه عليه العتاب بقوله {عفا الله عنك} فإن العفو يستدعي سابقة الذنب. وبقوله {لم أذنت لهم} فإنه استفهام في معنى الإنكار وبيان لما كنى عنه بالعفو. قال قتادة وعمرو بن ميمون: شيئان فعلهما الرسول لم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من الأسارى. فعاتبه الله بطريق الملاطفة كما تسمعون. والذي عليه المحققون أنه محمول على ترك الأولى. وقوله {عفا الله عنك} إنما جاء على عادة العرب في التعظيم والتوقير فيقدمون أمثال ذلك بين يدي الكلام يقولون: عفا الله عنك ما صنعت في أمري، رضي الله عنك ما جوابك عن كلامي، وعافاك الله ألا عرفت حقي. وبعد حصول العفو من الله تعالى يستحيل أن يكون قوله {لم أذنت لهم} وارداً على سبيل الذم والإنكار بل يحمل على ترك الأكمل والأولى لا سيما وهذه الواقعة كانت من جنس ما يتعلق بالحروب ومصالح الدنيا. قال كثير من العلماء: في الآية دلالة على جواز الاجتهاد لأنه عليه السلام أذن لهم من تلقاء نفسه من غير أن يكون من الله في ذلك إذن وإلا لم يعاتب أو منع وإلا كان عاصياً بل كافراً لقوله{أية : ومن لم يحكم بما أنزل الله}تفسير : [المائدة: 47] ولا ريب أنه لا يكون بمجرد التشهي فيكون بالاجتهاد ثم إنه لم يمنع من الاجتهاد مطلقاً وإنما منع إلى غاية هي قوله {حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين} ولا يمكن أن يكون المراد من ذلك التبين هو التبين بطريق الوحي وإلا كان ترك ذلك كبيرة فتعين أن يحمل التبين على استعلام الحال بطريق الاجتهاد ليكون الخطأ واقعاً في الاجتهاد لا في النص ويدخل تحت قوله"حديث : ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد" تفسير : وفي الآية دلالة على وجوب الاحتراز عن العجلة وترك الاغترار بظواهر الأمور. قال قتادة. عاتبه الله كما تسمعون ثم رخص له في سورة النور في قوله{أية : فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم}تفسير : [الآية: 62]. قال أبو مسلم: يحتمل أن يريد بقوله {لم أذنت لهم} الإذن في الخروج لا في القعود، فقد يكون الخروج غير صواب لكونهم عيناً للمنافقين على المسلمين، وإذا كان هذا محتملاً فلا تتعين الآية لرخصة الإذن في القعود. وقال القاضي: هذا بعيد لأن سياق الآية يدل على أن الكلام في القاعدين وفي بيان حالهم. ثم ذكر أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوا لأن الاستئذان من علامات النفاق فقال {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا} أي في أن يجاهدوا، وكان الأكابر من المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد وكانوا بحيث لو أمرهم بالقعود شق عليهم ذلك. ألا ترى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما أمره الرسول صلىالله عليه وسلم بأن يبقى في المدينة شق عليه ذلك ولم يرض إلى أن قال له الرسول صلى الله عليه وسلم"حديث : أنت مني بمنزلة هارون من موسى"تفسير : . وقيل: إن حرف النفي مضمر كإضمار الجار والتقدير في أن لا يجاهد والآن سياق الآية يدل على ذم من يستأذن في القعود. وعلى هذا يمكن أن يقال: معناه كراهة أن يجاهدوا وفي قوله {والله عليم بالمتقين} رمز إلى أنهم من جملة المتقين وأن لهم ثوابهم. ثم بين الذين من شأنهم الاستئذان فقال {إنما يستأذنك} الآية. وفيه أن الشاك في أمر الدين وفي أصوله لا في بعض مسائلة غير مؤمن بالله تعالى، وفيه أن محل الريب واليقين هو القلب وأن الإيمان ليس مجرد الإقرار باللسان وإلا لم يصح نفيه عن المنافقين. ومعنى قوله {فهم في ريبهم يترددون} أن الشاك متردد بين النفي والإثبات غير حاكم بأحد الطرفين. وتقريره أن الاعتقاد إما أن يكون جازماً أولاً، فالجازم إن كان غير مطابق فهو الجهل وإن كان مطابقاً فإما بضرورة أو نظر فهو العلم أولاً وهو اعتقاد المقلد. وغير الجازم إن كان أحد الطرفين راجحاً عنده فالراجع هو الظن والمرجوح هو الوهم، وإن تساوى الطرفان فهو الريب والشك فلهذا كانت الحيرة والتردد من شأن صاحبه كما أن الثبات والاستقرار ديدن المستبصر. قال المفسرون: إن المستأذنين هم المنافقون وكانوا تسعة وثلاثين رجلاً. ثم نعى على المنافقين سوء فعالهم فقال {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة} قال ابن عباس: يريد من الماء والزاد والراحلة لأن سفرهم بعيد والزمان شديد، فتركهم العدّة دليل على أنهم أرادوا التخلف. قال العلماء: وفيه إشارة إلى أنهم كانوا مياسير قادرين على تحصيل الأهبة والعدّة. {ولكن كره الله انبعاثهم} أي انطلاقهم {فثبطهم} والتثبيط رد الإنسان عن الفعل الذي هم به. ومعنى الاستدراك أن قوله {ولو أرادوا الخروج} يعطي معنى نفي الخروج وكأنه قيل: ما خرجوا ولكن تنبطوا لأن الله تعالى صرفهم عن ذلك كما تقول: ما أحسن إليّ زيد ولكن أساء إليّ. ومثل هذا يسمى في علم البديع صنعة الاستدراك. وقد يقال: تأكيد الذم بما يشبه المدح. ولو قيل مثل هذا في المنع لقيل تأكيد المدح بما يشبه الذم. وههنا سؤال وهو أن خروجهم مع الرسول إن كان مفسدة فلم عاتب الله رسوله في إذنه لهم بالقعود، وإن كان مصلحة فلم كره الله انبعاثهم؟ والجواب أنه كان مفسدة لقوله عقيب ذلك {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً} وحديث العتاب ظاهر عند من لا يجوز الاجتهاد على الأنبياء لتمكنهم من استعلام الصواب بطريق الوحي، وكذا على قول أبي مسلم. ومما يوهم أنه صلى الله عليه وسلم أذن لهم في الخروج قوله تعالى في هذه السورة{أية : فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً}تفسير : [التوبة: 83] وقوله في سورة الفتح {أية : سيقول لك المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم} تفسير : [الفتح:15] إلى قوله{أية : قل لن تتبعونا}تفسير : [الفتح: 15] وأما عندنا فإنما لم يستحسن الله من الرسول صلى الله عليه وسلم إذنه لهم بالقعود وإن كان قعودهم مصلحة لأنه أذن لهم قبل إتمام التفحص وإكمال التدبر ولأنه لو لم يأذن لهم فهم كانوا يقعدون من تلقاء أنفسهم فكان يصير ذلك القعود علامة على نفاقهم ولا تبقى حاجة إلى إظهار نفاقهم بوجوه أخر دالة على هتك أستارهم وكشف أسرارهم. قال معتزلة البصرة: في الآية دلالة على أنه تعالى موصوف بصفة الكراهة كما أنه موصوف بصفة الإرادة. قالت الأشاعرة: معنى كره الله أنه أراد عدم ذلك الشيء. وزيف بأن العدم لا يصلح أن يكون متعلق الإرادة لأن العدم مستمر فتعلق الإرادة به يكون تحصيلاً للحاصل. ويمكن أن يجاب بأن الإرادة صفة تقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر سواء في ذلك طرف الوجود وطرف العدم، وطرف العدم غير حاصل إلا بإرادة العدم فكيف يكون تعلق الإرادة به تحصيلاً للحاصل؟ وأيضاً عدم الشيء المخصوص ليس عدماً محضاً. أما قوله {وقيل اقعدوا} فيحتمل أن يكون قد جعل إلقاء الله في قلوبهم كراهة الخروج أمراً بالقعود، ويحتمل أن يراد به قول الشيطان بطريق الوسوسة، أو قول بعضهم لبعض لما أرادوا الاجتماع على التخلف، أو هو قول الرسول كأنه غضب عليهم حين استأذنوه فقال على سبيل الزجر {اقعدوا مع القاعدين} فاغتنموا هذه اللفظة وقالوا قد أذن لنا فلهذا عوتب بقوله {لم أذنت لهم} أي لم ذكرت هذه اللفظة التي أمكنهم أن يتوسلوا بها إلى تحصيل غرضهم. ومعنى قوله {مع القاعدين} ذم لهم وتعجيز وإلحاق بالنساء والصبيان والزمنى الذين شأنهم الجثوم في البيوت. {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} قال المفسرون: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عسكره على ثنية الوداع وضرب عبد الله بن أبي عسكره على ذي حدة - أسفل من ثنية الوداع - ولم يكن بأقل العسكرين، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب فأنزل الله يعزي نبيه {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً} فيكون استثناء متصلاً من أعم العام، وحمله على الاستثناء المنقطع بناء على أن التقدير ما زادوكم خيراً إلا خبالاً ضعيف. والخبال في اللغة الفساد ومنه المخبل للمعتوه، وللمفسرين عبارات؛ قال الكلبي: إلا شراً. وقال سلمان إلا مكراً. وقال الضحاك: إلا غدراً. وقيل: إلا خبثاً. وقيل: هو الاضطراب في الرأي وذلك بتزيين أمر لقوم وتقبيحه لآخرين حتى يختلفوا وتتفرق كلمتهم. قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه كره انبعاثهم لاشتماله على هذا الخبال والشر. وفيه دليل على أنه تعالى لا يريد إلا الخير والصلاح. ولقائل: أن يقول إثبات حكم كلي بحكم جزئي غير معقول. واعلم أنه سبحانه عد من مفاسد خروجهم ثلاثة: الأول: قوله {ما زادوكم إلا خبالاً} الثاني: {ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة} قال في الكشاف: زيد ألف في الكتابة لأن الفتحة كانت تكتب ألفاً قبل الخط العربي والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفاً أخرى ونحوه{أية : أو لأذبحنه}تفسير : [الآية: 21] في النمل {أية : لأتوها} تفسير : [الآية: 14] في الأحزاب، ولا رابع لها في القرآن. وفي الإيضاع قولان لأهل اللغة؛ فقال أكثرهم: هو متعد يقال: وضع البعير إذا عدا، وأوضعه الراكب إذا حمله على العدو. وعلى هذا يكون في الآية حذف والتقدير: ولأوضعوا ركائبهم. وقال الأخفش وأبو عبيد: إنه جاء لازماً ويقال: أوضع الرجل إذا سار بنفسه سيراً حثيثاً. ومنه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاض من عرفة وعليه السكينة وأوضع في وادي محسر أي أسرع. قال الواحدي: والآية تشهد للأخفش وأبي عبيد. وعلى القولين المراد في الآية السعي بين المسلمين بالتضريب والنميمة والمبالغة في الأول أكثر لأن الراكب أسرع من الماشي. ومعنى {خلالكم} أي فيما بينكم. والخلل الفرجة فيما بين الشيئين. و {يبغونكم الفتنة} أي يبغون لكم. قال الأصمعي: يقال ابغني كذا وابغ لي أي اطلبه لأجلي. ومعنى الفتنة هنا افتراق الكلمة والتشويش في المقاصد فعند ذلك يحصل الانهزام أسرع ما يكون. فالحاصل من النوع الأول اختلاف الآراء، ومن الثاني المشي بالنميمة لتسهيل ذلك الغرض. وأما النوع الثالث فذلك قوله {وفيكم سماعون لهم} قال مجاهد وابن زيد: أي عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم. وقال قتادة: فيكم من يسمع كلامهم ويقبل قولهم وإذا تعاضد الفاعل والقابل وقع الأثر على أكمل الوجوه لا محالة. واعترض على هذا القول بأنه كيف يجوز ذلك على المؤمنين مع قوة دينهم؟ وأجيب بأن ذلك إنما يقع لمن قرب عهده بالإسلام أو لمن جبل على الجبن والفشل أو لمن حسن ظنه ببعض المنافقين لقرابة أو هيبة، وقلما يخلو الأقوياء من ضعيف سخيف أو أهل الحق من مبطل منافق ولهذا ختم الآية بقوله {والله عليم بالظالمين} الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم ونفاقهم وغيرهم بإلقاء الفتنة فيما بينهم. ثم سلى نبيه بتوهين كيد أهل النفاق قديماً وحديثاً فقال {لقد ابتغوا الفتنة من قبل} أي من قبل وقعة تبوك. قال ابن جريج: هو أن اثني عشر رجلاً من المنافقين وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: المراد ما فعله عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عن النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه. ومعنى الفتنة السعي في تشتيت شمل المسلمين والاختلاف الموجب للفرقة بعد الألفة فسلمهم الله منه {وقلبوا لك الأمور} حرفوها ودبروا كل الحيل والمكايد. ومنه فلان حوّل قلب إذا كان دائراً حول مصايد المكايد {حتى جاء الحق} الذي هو القرآن {وظهر أمر الله} غلب دينه وشرعه {وهم كارهون} رد الله مكرهم في نحرهم وأتى بضد مقصودهم. ولما كان الأمر كذلك في الماضي فكذا يكون الحال في المستقبل لقوله{أية : ويأبى الله إلا أن يتم نوره}تفسير : [التوبة: 32] {ومنهم من يقول ائذن لي} في القعود {ولا تفتني} ولا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت. احتمل أن يكون قد ذكره على سبيل السخرية أو على سبيل الجد بأن كان يغلب على ظن ذلك المنافق صدق محمد وإن كان غير جازم به بعد. وقيل: لا تفتني أي لا تلقني في التهلكة فإني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي. وقيل: قال الجد بن قيس؛ قد علمت الأنصار أني مستهتر بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر يعني نساء الروم، ولكني أعينك بما لي فاتركني، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: قد أذنت لك فنزلت الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبني سلمة - وكان الجد منهم - من سيدكم يا بني سلمة؟ قالوا: جد بن قيس غير أنه بخيل جبان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وأي داء أدوى من البخل؟ بل سيدكم الفتى الأبيض الجعد الشعر البراء ابن معرور. {ألا في الفتنة سقطوا} أي إن الفتنة هي التي سقطوا فيها وهي فتنة النفاق والتمرد عن قبول التكليف المستتبع لشقاء الدارين ولهذا ختم الآية بقوله {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} أما في الدنيا فلإحاطة أسبابها بهم من النعي عليهم بالنفاق وإفشاء الأسرار وهتك الأستار وتحقير المقدار، وأما في الآخرة فلمآل حالهم إلى الدرك الأسفل من النار. التأويل: أيها الأرواح والقلوب المؤمنة ما مصيبتكم وبلواكم إذ قيل لكم بالإلهام الرباني اخرجوا من الدنيا وما فيها في طلب والسير إليه، أثاقلتم إلى أرض الدنيا وشهواتها. {إلا تنفروا} من سجن الدنيا وقيود شهواتها {يعذبكم عذاباً أليماً} باستيلاء ظلمات الصفات النفسانية وغلبات الأوصاف السبعية والشيطانية وبألم البعد عن الحضرة الربانية {ويستبدل قوماً غيركم} من الأرواح والقلوب العاشقة الصادقة بل من العقول الكاملة المفارقة {إلا تنصروه} والرسول الوارد الرباني {فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا} أي النفوس الأمارة الكافرة من أرض القبول. {ثاني اثنين} ثاني النفس الملهمة {إذ هما في} غار العدم. {وكلمة الله هي العليا} بجعل النفس المطمئنة بجذبة{أية : ارجعي} تفسير : {الفجر: 28] واصلة إلى مقام العنديه {انفروا} أيها الطلاب {خفافاً} مجردين من علائق الأهل والأولاد والأموال {وثقالاً} متلبسين بها، أو {خفافاً} مجذوبين بالعناية {وثقالاً} سالكين بالهداية {وجاهدوا} بقدمي بذل الأموال والأنفس. وقدّم إنفاق المال لأن بذل النفس مع بقاء صفاتها الذميمة غير معتبر، ومن صفاتها الذميمة الحرص على الدنيا والبخل بها ذلكم خير لكم لأن الحاصل من المال ومن النفس الوزر والوبال. والحاصل من الطلب الوصول والوصال {لو كان} مطلوبك يا محمد {عرضاً قريباً} هو الدنيا ونعيمها {وسفراً قاصداً} هو تتبع شهوات النفس وهواها {لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة} لأنها الخروج من الدنيا والعقبى. {وسيحلفون} يعني أرباب النفوس {لخرجنا معكم} يا أهل القلوب. {عفا الله عنك} قدم العفو على العتاب تحقيقاً لقوله{أية : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}تفسير : {الفتح: 2] {فهم في ريبهم يترددون} بين أوصافهم الذميمة النفسانية والحيوانية بلا داعية لخروج إلى الأنوار الروحانية {لأعدوا له عدة} وهي متابعة الأنبياء {فثبطهم} حبسهم في سجن البشرية {ما زادوكم إلاَّ خبالاً} فيه إشارة إلى أن قعود أهل الطبيعة في حبس البشرية صلاح لأرباب القلوب وأصحاب السلوك لأنهم لو خرجوا لا عن نية صادقة وعزيمة صالحة ما زادوهم إلا تشويشاً وتفرقة لأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم. {لقد ابتغوا الفتنة من قبل} يعني أن صفات النفس قبل البلوغ كانت تستخدم الروح في شهواتها {حتى جاء الحق} وهو العقل القابل لأوامر الشرع {وظهر أمر الله} وهو التكليف {ومنهم} أي من صفات النفس {من يقول} وهو الهوى {ائذن لي} في القعود عن الارتقاء في مدارج المعارف والمشارع {ولا تفتني} يا روح بتكليفي ما ليس من شأني. وذلك أن الهوى مركب المحبة تستعمله الروح في تصاعده إلى ذروة الكمال والوصال. {ألا في الفتنة سقطوا} أي إن فتنة الهبوط هي الفتنة بالحقيقة {وإن جهنم} البعد والقطيعة من لوازم كفار النفس وصفاتها أعاذنا الله منها.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ أَرَضِيتُمْ} الآية. لمَّا ذكر فضائح الكفار عاد إلى التَّرغيب في مقاتلتهم. قال ابنُ عبَّاس: نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، وذلك لأنَّهُ عليه الصلاة والسلام لمَّا رجع من الطائف أقام بالمدينة أمر بجهاد الرُّوم وكان ذلك الوقت زمان شدة الحر، حين طابت ثمار المدينة، واستعظم النَّاسُ غزو الرُّوم وهابوه، وكان ذلك في حر شديد، وسفر بعيد، ومفاوز، وعدُو كثير، وذلك حين طابت ثمار المدينة، وظلالها فأمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فشقَّ عليهم الخروج، وتثاقلُوا، فنزلت هذه الآية. ومعنى: "إِذَا قِيلَ لَكُم" أي: قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم "انفِرُوا" اخرجوا، واسم القوم الذين يخرجون النفير. قوله: "ٱثَّاقَلْتُمْ" أصله "تثَاقلْتُم" فلمَّا أريد الإدغام سكنت الثَّاءُ فاجتلبت همزةُ الوصل كما تقدَّم في {أية : فَٱدَّارَأْتُمْ}تفسير : [البقرة:72]، والأصل: "تَدَارَأتُم". وقرأ الأعمشُ "تثاقَلْتُم" بهذا الأصل و "ما" في قوله: "مَا لَكُمْ" استفهامية، وفيها معنى الإنكار. وقيل: فاعله المحذوف هو الرسول. "اثَّاقَلْتُمْ" ماضي اللَّفظ، مضارع المعنى، أي: تتثاقلون، وهو في موضع الحالِ، وهو عاملٌ في الظَّرف، أي: ما لكم متثاقلين وقت القول. وقال أبُو البقاءِ: "اثَّاقلتم: ماض بمعنى المضارع أي: ما لكم تتثاقلون، وهو في موضع نصب، أي: أيُّ شيء لكم في التَّثاقل، أو في موضع جر على رأي الخليلِ. وقيل: هو في موضع حال". قال أبو حيان: وهذا ليس بجيد؛ لأنه يلزم منه حذفُ "أنْ" لأنه لا ينسبِكُ مصدرٌ إلاَّ من حرف مصدري والفعل وحذفُ "أنْ" في هذا قليلٌ جداً، أو ضرورة. وإذا كان التقديرُ في التثاقل، فلا يمكن عمله في "إذا" لأنَّ معمول المصدر الموصول لا يتقدَّمُ عليه، فيكون النَّاصب لـ "إذا" والمتعلِّق به في التثاقل ما تعلَّق به "لَكُم" الواقعُ خبراً لـ "ما" وقرىء "أثَّاقلْتُم" بالاستفهام الذي معناه الإنكار، وحينئذٍ لا يجوزُ أن يعمل في "إذا"؛ لأنَّ ما بعد حرف الاستفهام لا يعمل فيما قبله، فيكونُ العاملُ في هذا الظَّرف إمَّا الاستقرارُ المقدَّر في "لكم"، أو مضمرٌ مدلولٌ عليه باللَّفظ، والتقدير: ما تصنعون إذا قيل لكم، وإليه نحا الزمخشري. والظَّاهر أن يقدَّر: ما لكم تتثاقلون إذا قيل لكم، ليكون مدلولاً عليه من حيث اللفظُ والمعنى. وقوله: "إِلَى ٱلأَرْضِ" ضُمِّنَ اثَّاقلتم معنى المَيْل والإخلاء، فعدي بـ "إلى" والمعنى: تباطأتم إلى الأرض، أي: لزمتم أرضكم ومساكنكم، وملتم إلى الدنيا وشهواتها، وكرهتم مشاق الجهاد ومتاعبه، ونظيره قوله {أية : أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ}تفسير : [الأعراف:176] قال المفسِّرون: معناه: اثاقلتم إلى نعيم الأرض، وإلى الإقامة وبالأرض. قوله {أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي: بخفض الدنيا ودعتها. وقوله: {إِلَى ٱلأَرْضِ أَرَضِيتُمْ} جناس لفظي]، وكذا قوله: {أية : ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ}تفسير : [آل عمران:200]، وقوله: {أية : أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ}تفسير : [هود:48] وقوله: {أية : يٰأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ}تفسير : [يوسف:84]، وقوله: {أية : وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ}تفسير : [النمل:44]، وقوله: {أية : أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ}تفسير : [فصلت:51]، وقوله: {أية : عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الدخان:32] وقوله {أية : مَالِكَ ٱلْمُلْكِ}تفسير : [آل عمران:26]. قوله "مِنَ ٱلآخِرَةِ" تظاهرت أقوالُ المعربين، والمفسرين على أنَّ "مِنْ" بمعنى "بدل" كقوله {أية : لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً}تفسير : [الزخرف:60]، أي: بدلكم؛ ومثلة قول الآخر: [الرجز] شعر : 2783- جَارِيةٌ لَمْ تأكُلِ المُرقَّقَا ولمْ تَذُقْ مِن البُقُولِ الفُسْتُقَا تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 2784- فَليْتَ لَنَا مِنْ ماءِ زَمْزمَ شَرْبَةً مُبرَّدَةً باتَتْ على طَهَيَانِ تفسير : إلاَّ أنَّ أكثر النَّحويين لم يثبتُوا لها هذا المعنى، ويتأوَّلون ما أوهم ذلك، والتقدير هنا: اعتصمْتُمْ من الآخرة راضين بالحياةِ الدُّنيا، وكذلك باقيها. وقال أبُو البقاءِ: "مِنَ ٱلآخِرَةِ" في موضع الحال، أي: بدلاً من الآخرة. فقدَّر المتعلَّقَ كوناً خاصاً، ويجوز أن يكون أراد تفسير المعنى. ثم قال: "فما متاع الحياة الدنيا" أي: لذاتها. وقوله "فِي الآخرةِ" متعلقٌ بمحذوفٍ من حيثُ المعنى، تقديره: فما متاعُ الحياة الدنيا محسوباً في الآخرة فـ "محسوباً" حالٌ مِنْ "متاعُ". وقال الحوفي: إنَّه متعلق بـ "قَلِيلٌ"، وهو خبر المبتدأ قال: "وجاز أن يتقدَّم الظَّرفُ على عامله المقترن بـ "إلاَّ"؛ لأنَّ الظروف تعمل فيها روائحُ الأفعال، ولو قلت: ما زيدٌ عمراً إلاَّ يضرب، لم يَجُزْ". فصل الدَّليلُ على أنَّ متاع الدُّنيا في الآخرة قليل، أنَّ لذات الدُّنيا خسيسة في أنفسها ومشوبة بالآفاتِ والبليات، ومنقطعة عن قريبٍ لا محالة، ومنافع الآخرة شريفة عالية خالصة عن كل الآفاتِ، ودائمة أبدية سرمدية، وذلك يوجب القطع بأنَّ متاع الدُّنيا في جنب متاع الآخرة قليل حقير. قوله: {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً}. في الآخرة، وقيل: هو احتباس المطر عنهم في الدنيا. قال القرطبيُّ: "هذا شرطٌ، فلذلك حذفت منه النُّون. والجوابُ "يُعذِّبْكُم" و {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} وهذا تهديدٌ ووعيدٌ لتارك النَّفير". {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} خيراً منكم وأطوع. قال ابنُ عبَّاسٍ: "هم التابعون". وقال سعيدُ بن جبير: "هم أبناء فارس" وقيل: هم أهلُ اليمن. "وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً" بترككم النفير. قال الحسنُ "الكناية راجعة إلى الله تعالى، أي: لا تضروا الله"، وقال غيره تعود إلى الرسول؛ لأنَّ الله عصمه من الناس، ولا يخذله إن تثاقلتم عنه. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. قال الحسنُ وعكرمةُ: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً}تفسير : [التوبة:122] وقال المحقِّقون: الصحيح أنَّ هذه الآية خطاب لمن استنفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفروا، وعلى هذا فلا نسخ. قوله: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ}. هذا الشرط جوابه محذوف، لدلالة قوله: {فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ} عليه، والتقدير: إلاَّ تنصروه فسينصره. وذكر الزمخشريُّ فيه وجهين: أحدهما: ما تقدَّم. والثاني: قال "إنه أوجب له النُّصْرَة، وجعله منصوراً في ذلك الوقتِ، فلنْ يُخْذَلَ من بعده". قال أبُو حيَّان: "وهذا لا يظهرُ منه جوابُ الشَّرط؛ لأنَّ إيجابَ النصرة له أمْرٌ سبق، والماضي لا يترتَّب على المستقبل والذي يظهرُ الوجهُ الأول". وهذا إعلام من الله أنَّه المتكفلُ بنصر رسوله، وإعزاز دينه، أعانوه، أو لَمْ يُعينُوه، وأنه قد نصرهُ عند قلة الأولياءِ، وكثرة الأعداء، فكيف به اليوم وهو في كثرة من العَدَدِ والعُدَدِ. وقوله: {إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: أنهم جعلوه كالمضطر إلى الخُروج من مكَّة، حين مكروا به وأرادوا تثبيته، وهمُّوا بقتله. قوله "ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ" منصوبٌ على الحالِ من مفعول "أخْرَجهُ" وقد تقدَّم معنى الإضافة في نحو هذا التَّركيب عند قوله: {أية : ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ}تفسير : [المائدة:73]. وقرأت جماعة "ثَانِي اثنَيْنِ" بسكون الياء. قال أبُو الفَتْحِ: "حكاها أبو عمرو". ووجهها أنَّ يكون سكَّن الياء تشبيهاً لها بالألفِ وبعضهم يخصُّه بالضرورة، والمعنى: هو أحد الاثنين، والاثنان أحدهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآخر أبو بكر الصديق. قوله: {إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ}. "إذ" بدلٌ من "إذ" الأولى، والعاملُ فيها "فَقدْ نَصرَهُ". وقال أبُو البقاءِ: "مَنْ منع أن يكون العاملُ في البدلِ هو العامل في المبدل منه، قدَّر عاملاً آخر، أي: نصره إذ هما في الغارِ". و "الغارُ" بيت يكون في الجبل، وهو هنا بيت في جبل ثور بمكَّة، ويجمع على "غِيران"، ومثله: "تاج وتِيجَان"، و "قاعٌ وقيعان"، والغارُ أيضاً: نَبْتٌ طيبُ الريح، والغارُ أيضاً: الجماعة والغاران: البطنُ والفرجُ. وألف "الغَارِ" عن واو. قوله: "إِذْ يَقُولُ" بدل ثان من "إذْ" الأولى. وقال أبُو البقاءِ: أي: إذ هما في الغار، و "إذْ يَقُول" ظرفان لـ "ثَانِي اثنَيْنِ". فصل عن ابن عمر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: "أنت صاحبي في الغارِ وصاحبِي على الحَوْضِ". قال الحسينُ بن الفضل "من قال إنَّ أبا بكر لم يكن صاحب رسول الله فهو كافر؛ لإنكاره نص القرآن، وفي سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعاً لا كافراً". فإن قيل: إنَّ الله تعالى وصف الكافر بكونه صاحباً للمؤمن في قوله: {أية : قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ}تفسير : [الكهف:37]. فالجوابُ: أنَّ هناك وإن وصفه بكونه صاحباً إلاَّ أنَّه أردفهُ بما يدلُّ على الإهانة والإذلال وهو قوله: "أكفرتَ"؟ أمَّا ههنا فبعد أن وصفه بكون صاحباً ذكر بعده ما يدل على الإجلال والتعظيم وهو قوله {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} فأيّ مناسبة بين البابين؟. روي أنَّ قريشاً لمَّا بيَّتُوا على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أول الليل إلى الغار، وأمر عليّاً أن يضطجع على فراشه، ليمنعهم السواد من طلبه، جعل أبُو بكر يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ما لك يا أبا بكر؟ فقال: أذكر الطلب؛ فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك؛ فلما انتهينا إلى الغار دخل أبو بكر أولاً، يلتمس ما في الغار، فقال له رسُول الله صلى الله عليه وسلم، ما لك؟ فقال بأبي أنت وأمِّي، الغيرَانُ مأوى السِّباع والهوام، فإن كان فيه شيء كان بِي لا بِكَ وكان في الغارِ حجر، فوضع عقبه عليه، لئلا يخرج ما يؤذي الرسول، فلما طلب المشركون الأثر وقربوا، بكى أبو بكر خوفاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام "لا تَحْزَنْ إنَّ الله مَعَنَا" فقال أبو بكر: إن الله لمعنا، فقال الرسول "نعم" فجعل يمسح الدموع عن خدِّه، ولم يكن حزن أبي بكر جبناً منه، وإنَّما إشفاقاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إن أقتل فأناً رجلٌ واحدٌ، وإن قتلت هلكت الأمة. تفسير : وروي أنَّ الله تعالى بعث حمامتين فباضتا في أسفل باب الغارِ، والعنكبوت نسجت عليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اللَّهُمَّ أعْمِ أبصارهم" تفسير : فجعلوا يترددون حول الغار ولا يرون أحداً. فصل دلَّت هذه الآية على فضيلة أبي بكر رضي الله عنه من وجوه: أحدها: أنَّه عليه الصلاة والسلام لمَّا ذهب إلى الغار كان خائفاً من الكفار أن يقتلوه، فلولا أنه عليه الصلاة والسلام كان قاطعاً بأنَّ أبا بكر من المؤمنين المحقين الصادقين الصِّديقين، وإلا لما أصحبه نفسه في ذلك؛ لأنه لو جوز أن يكون باطنُه بخلاف ظاهره، لخافه أن يدل أعداءه عليه، أو لخافه أن يقدم هو على قتله، فلمَّا استخلصه لنفسه في تلك الحالة، دلَّ على أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام كان قاطعاً بأنَّ باطنه على وفق ظاهره. وثانيها: أن الهجرة كانت بإذن الله، وكن في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من المخلصين، وكانوا في النسب إلى شجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقرب من أبي بكر، فلولا أنَّ الله تعالى أمره بأن يستصحب أبا بكر في هذه الواقعة الصعبة، وإلاَّ لكان الظاهر ألاَّ يخصه بهذه الصُّحبة وتخصيص الله إيَّاه بهذا التشريف يدلُّ على علو منصبه في الدِّين. وثالثها: أنَّ كل من سوى أبي بكر فارقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمَّا أبو بكر فما فارق رسول الله كغيره، ولا تخلَّف عنه كغيره، بل صبر على مؤانسته، وملازمته، وخدمته عند الخوفِ الشَّديد الذي لم يبق معه أحد، وذلك يوجب الفضل العظيم. ورابعها: أنَّه تعالى سمَّاه: "ثَانِيَ اثْنَيْنِ" فجعله ثاني محمَّدٍ - عليه الصَّلاة والسَّلام - حال كونهما في الغار، والعلماء أثبتوا أنه كان ثاني محمدٍ - عليه الصلاة والسلام - في أكثر المناصب الدينية، فإنَّه صلى الله عليه وسلم لمَّا أرسل إلى الخلقِ وعرض الإسلام على أبي بكر فآمن؛ وذهب وعرض الإسلام على طلحة، والزبير، وعثمان، وجماعة من كبار الصحابة فآمن الكلُّ على يده، ثم إنه جاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أيام قلائل، فكان هو - رضي الله عنه - "ثَانِي اثْنَيْن" في الدَّعوة إلى الله تعالى، وكلَّما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، كان أبو بكر يقف في خدمته، فكان "ثَانِيَ اثنين" في المواقف كلِّها، وكلما صلَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقف خلفه، وكلَّما جلسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان "ثَانِيَ اثنين" في مجلسه، ولمَّا مرض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، قام مقامه في الإمامة، فكان "ثَانِيَ اثْنَيْنِ" ولمَّا مات دفن بجنبه، فكان "ثاني اثنين" هناك. وطعن بعض الحمقى من الروافض في هذا الوجه وقال: كونه ثاني اثنين للرسول لا يكون أعظم من كون الله رابعاً لكل ثلاثة في قوله تعالى: {أية : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ}تفسير : [المجادلة:7] الآية. ثم إن هذا الحكم عام في حق المؤمن والكافر، فلمَّا لم يكن هذا المعنى من الله دالاًّ على فضيلة الإنسان فلأن لا يدل من النبي عليه الصلاة والسلام على فضيلة الإنسان أولى؟. والجوابُ: أنَّ هذا تعسف بارد؛ لأنَّ المراد هناك كونه تعالى مع الكل بالعلم والتدبير، وكونه مطلقاً على ضمير كل أحد، أمَّا هنا فالمراد بقوله تعالى: {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ} تخصيصه بهذه الصِّفة في معرض التعظيم. قوله: {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} فالضمير في "عَلَيْه" يعودُ على أبي بكر؛ لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عليه السكينة دائماً، وقد تقدَّم القولُ في السكينة. والضميرُ في "أيَّدهُ" للنبي صلى الله عليه وسلم وهو إشارة إلى قصَّة بدر، وهو معطوف على قوله {فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ}. وقرأ مجاهد "وأيَدَه" بالتَّخفيف. و "لَمْ تَرَوْهَا" صفة لـ "جُنُود". قوله: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ} كلمتهم: الشرك وهي السفلى إلى يوم القيامة، {وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا} إلى يوم القيامة. قال ابنُ عبَّاسٍ "هي قول: لا إله إلاَّ الله". وقيل: كلمة الذين كفروا ما قدروا في أنفسهم من الكيدية، وكلمة الله: وعده أنه ناصره. والجمهور على رفع "كَلِمة" على الابتداء، و "هي" يجوزُ أن تكون مبتدأ ثانياً، و "العُليا" خبرها، والجملة خبر الأوَّل. ويجز أن تكن "هي" فصلاً، و "العُليا" الخبر. وقرأ يعقوب "وكلمةَ اللهِ" بالنَّصب، نسقاً على مفعولي "جعل" أي: وجعل كلمة الله هي العليا. قال أبُو البقاء: وهو ضعيفٌ، لثلاثة أوجه: أحدها: وضعُ الظَّاهر موضع المضمر، إذ الوجه أن يقول: وكلمته. الثاني: أنَّ فيه دلالةً أنَّ كلمة الله كانت سُفْلَى، فصارت عليا، وليس كذلك. الثالث: أنَّ توكيد مثل ذلك بـ "هي" بعيد، إذ القياسُ أن يكون "إياها". قال شهابُ الدِّين: أما الأولُ فلا ضعف فيه؛ لأنَّ القرآن ملآن من هذا النَّوعِ، وهو من أحسن ما يكون؛ لأنَّ فيه تعظيماً وتفخيماً. وأمَّا الثاني فلا يلزمُ ما ذكر، وهو أن يكون الشَّيء المصيَّر على الضد الخاص، بل يدلُّ التَّصيير على انتقال ذلك الشيء المُصَيَّر عن صفةٍ ما إلى هذه الصفة. وأمَّا الثالثُ فـ "هِيَ" ليست تأكيداً ألبتة، إنما هي ضمير فصل على حالها، وكيف يكونُ تأكيداً، وقد نصَّ النحويون على أنَّ المضمر لا يؤكد المظهر؟. ثم قال: {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي: قاهر غالب "حَكِيمٌ" لا يفعل إلاَّ الصَّواب.
البقاعي
تفسير : ولما أوعز سبحانه في أمر الجهاد، وأزاح جميع عللهم وبين أن حسنه لا يختص به شهر دون شهر وأن بعضهم كان يحل لهم ويحرم فيتبعونه بما يؤدي إلى تحريم الشهر الحلال وتحليل الشهر الحرام بالقتال فيه، عاتبهم الله سبحانه على تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الآمر لهم بالنفر في غزوة تبوك عن أمره سبحانه، وكان ابتداؤها في شهر رجب سنة تسع، فقال تعالى على سبيل الاستعطاف والتذكير بنعمة الإيمان بعد ختم التي قبلها بأنه لا يهدي الكافرين - الذي يعم الحرب وغيره الموجب للجرأة عليهم [لأن لا هداية له أعمى، والأعمى لا يخشى]: {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا ذلك {ما لكم} أي ما الذي يحصل لكم في أنكم {إذا قيل لكم} أي من أيّ قائل كان {انفروا} أي اخرجوا مسرعين بجد ونشاط جماعات ووحداناً إمداداً لحزب الله ونصراً لدينه تصديقاً لدعواكم الإيمان، والنفر: مفارقة مكان إلى مكان لأمر هاج على ذلك {في سبيل الله} أي بسبب تسهيل الطريق إلى الملك الذي له جميع صفات الكمال، وقال ابو حيان: بني "قيل" للمفعول والقائل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر إغلاظاً ومخاشنة لهم وصوناً لذكره إذ أخلد إلى الهوينا والدعة من أخلد وخالف أمره - انتهى. {اثاقلتم} أي تثاقلتم تثاقلاً عظيماً، وفيه ما لم يذكروا له سبباً ظاهراً بما أشار إليه الإدغام إخلاداً وميلاً {إلى الأرض} أي لبرد ظلالها وطيب هوائها ونضج ثمارها، فكنتم أرضيين في سفول الهمم، لا سمائيين بطهارة الشيم. ولما لم يكن - في الأسباب التي تقدم أنها كانت تحمل على التباطؤ عن الجهاد - ما يحتمل القيام بهم في هذه الغزوة إلا الخوف من القتل والميل إلى الأموال الحاضرة وثوقاً بها والإعراض عن الغنى الموعود به الذي ربما يلزم من الإعراض عنه التكذيب، فيؤدي إلى خسارة الآخر، هذا مع ما يلزم على ذلك - ولا بد - من الزهد في الأجر المثمر لسعادة العقبى بهذا الشيء الخسيس؛ قال مبيناً خسة ما أخلدوا إليه تزهيداً فيه وشرف ما أعرضوا عنه ترغيباً منبهاً على أن ترك الخير الكثير لأجل الشر اليسير شر عظيم منكراً على من تثاقل موبخاً لهم: {أرضيتم بالحياة الدنيا} أي بالخفض والدعة في الدار الدنية الغارة {من الآخرة} أي الفاخرة الباقية؛ قال أبو حيان: و"من" تظافرت أقوال المفسرين أنها بمعنى بدل، وأصحابنا لا يثبتون أن من تكون للبدل - انتهى. والذي يظهر لي أنهم لم يريدوا أنها موضوعة للبدل، بل إنه يطلق عليها لما قد يلزمها في مثل هذه العبارة من ترك ما بعدها لما قبلها فإنها لابتداء الغاية، فإذا قلت: رضيت بكذا من زيد، كان المعنى أنك أخذت ذلك أخذاً مبتدئاً منه غير ملتفت إلى ما عداه، فكأنك جعلت ذلك بدل كل شيء يقدر أنه ينالك منه من غير ذلك المأخوذ. ولما كانوا قد أعطوا الآخرة على الأتباع فاستبدلوا به الامتناع، كان إقبالهم على الدنيا كأنه مبتدىء مما كانوا قد توطنوه من الآخرة مع الإعراض عنها، فكأنه قيل: أرضيتم بالميل إلى الدنيا من الآخرة؟ ويؤيد ما فهمته أن العلامة علم الدين أبا محمد القاسم بن الموفق الأندلسي ذكر في شرح الجزولية انهم عدوا لـ {من} خمسة معان كلها ترجع إلى ابتداء الغاية عند المحققين، وبين كيفية ذلك حتى البيانية، فمعنى{أية : فاجتنبوا الرجس من الأوثان} تفسير : [الحج: 30] الذي ابتداؤه من الأوثان، لأن الرجس جامع للأوثان وغيرها. ولما كان الاستفهام إنكارياً كان معناه النهي، فكان تقدير: لا ترضوا بها فإن ذلك أسفه رأي وأفسده! فقال تعالى معللاً لهذا النهي: {فما} أي بسبب أنه ما {متاع الحياة الدنيا في} أي مغموراً في جنب {الآخرة إلا قليل*} والذي يندب هم المتجر ويدعي البصر به ويحاذر الخلل فيه يعد فاعل ذلك سفيهاً. ولما كان طول الاستعطاف ربما كان مدعاة للخلاف وترك الإنصاف، توعدهم بقوله: {إلا تنفروا} أي في سبيله {يعذبكم} أي على ذلك {عذاباً أليماً*} أي في الدارين {ويستبدل} أي يوجد بدلاً منكم {قوماً غيركم} أي ذوي بأس ونجدة مخالفين لكم في الخلال التي كانت سبباً للاستبدال لولايته ونصر دينه. ولما هددهم بما يضرهم، أخبرهم أنهم لا يضرون بفتورهم غير أنفسهم فقال: {ولا تضروه} أي الله ورسوله {شيئاً} لأنه متم أمره ومنجر وعده ومظهر دينه؛ ولما أثبت بذلك قدرته على ضره لهم وقصورهم عن الوصول إلى ضره، كان التقدير: لأنه قادر على نصر دينه ونبيه بغيركم، فعطف عليه تعميماً لقدرته ترهيباً من عظيم سطوته قوله: {والله} أي الملك الذي له الإحاطة الكاملة {على كل شيء قدير*}. ولما وصف سبحانه نفسه الأقدس بما هو له أهل من شمول القدرة وعظيم البأس والقوة، أتبع ذلك بدليل يتضمن أن المستنفر لهم - وهو نبيه صلى الله عليه وسلم - غير محتاج إليه ومتوقف نصره عليهم كما لم يحتج إليهم - بحياطة القادر له - فيما مضى من الهجر التي ذكرها، وأن نفع ذلك إنما هو لهم باستجلاب ما عدوه واستدفاع ما أوعدوه في الدارين المشار إلى ذلك كله بقوله {فما متاع الحياة الدنيا} الآية وقوله {إلا تنفروا} - الآية، فقال: {إلا تنصروه} أي أنتم طاعة لأمر الله، والضمير للنبي صلى الله عليه وسلم إما على طريق الاستخدام من سبيل الله لأنه الموضح له الداعي إليه، أو لتقدم اسمه الشريف إضماراً في قوله {إذا قيل لكم} أي من رسول الله صلى عليه وسلم استنصاراً منه لكم، وإظهاراً في قوله تعالى{أية : هو الذي أرسل رسوله} تفسير : [التوبة: 34] الاية وقوة ما في كل جملة من المناسبة المقتضية لأن تعانق التي بعدها ولا تنفك عنها قصر الفصل بين الظاهر وضميره، وذكر الغاز والصاحب أوضح الأمر.وذلك أنه سبحانه لما عابهم باتخاذ الرؤساء أرباباً اشتدت الحاجة إلى بيان أنهم في البعد عن ذلك على غاية لا تخفى على متأمل، فوصفهم بالأكل المستلزم للجسمية المستلزمة للحاجة، وبأن مأكولهم أموال غيرهم باطلاً، وبأنهم يغشونهم لصدهم إياهم عن السبيل التي لا يخفى حسنها على من له أدنى نظر؛ ولما كان ذلك شديد الإثارة لتشوف النفوس إلى السؤال عن العرب: هل فعلوا فعلهم واتبعوا سنتهم؟ أجاب بأن عملهم في تحليل النسأة لهم بعض الأشهر الحرم وتحريم بعض أشهر الحل والزيادة في عدة أشهر السنة كعملهم سواء. ولما أمر بقتال المشركين كافة وحثهم على التقوى، وكان بعضهم قد توانى في ذلك، اشتد اقتضاء الحال لمعاتبة على التثاقل عن النفر، فلما تم ذلك في هذا الأسلوب البديع والطراز الرفيع حث على نصر الرسول الذي أرسله ليظهره على الدين كله فقال جواباً للشرط: {فقد} أي إن لم يتجدد منكم له نصر فإن الله قادر على نصره وسينصره ويغنيه عنكم ولا تضرون إلا أنفسكم فقد {نصره الله} أي الملك الأعظم وحده والأمر في غاية الشدة، ولا شك عند عاقل أن المستقبل عنده كالماضي {إذ} أي حين {أخرجه الذين} وعبر بالماضي لأن فيهم من أسلم بعد ذلك فقال: {كفروا} أي من مكة وهم في غاية التمالؤ عليه حين شاوروا في قتله أو إخراجه او إثباته، فكان ذلك سبباً لإذن الله له في الخروج من بينهم حال كونه {ثاني اثنين} أي أحدهما أبو بكر رضي الله عنه ولا ثالث لهما ينصرهما إلا الله {إذ هما في الغار} أي غار ثور الذي في أعلى الجبل المواجه للركن اليماني بأسفل مكة على مسيرة ساعة منها لمّا كمنا به ثلاث ليال ليفتر عنهما الطلب، وذلك قبل أن يصلا إليكم أو يعولا في النصر عليكم {إذ يقول} أي رسول الله صلى الله عليه وسلم {لصاحبه} أي أبي بكر الصديق رضي الله عنه وثوقاً بربه غير منزعج من شيء {لا تحزن} والحزن: هم غليظ بتوجع يرق له القلب، حزنه وأحزنه بمعنى؛ وقال في القاموس: أو أحزنه: جعله حزيناً، وحزّنه: جعل فيه حزناً؛ ثم علل نهيه لصاحبه بقوله معبراً بالاسم الأعظم مستحضراً لجميع ما جمعه من الأسماء الحسنى والصفات العلى التي تخضع دونها صلاب الرقاب وتندك بعظمتها شوامخ الجبال الصلاب {إن الله} أي الذي له الأمر كله {معنا} أي بالعون والنصرة، وهو كاف لكل مهم، قوي على دفع ملم، فالذي تولى نصره بالحراسة في ذلك الزمان كان قادراً على أن يأمر الجنود التي أيده بها أن تهلك الكفار في كل موطن من غير أن يكون لكم في ذلك أمر أو يحصل لكم به أخر، وكما أنه كان موجوداً في ذلك الزمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلى هو على ذلك في هذا الزمان وكل زمان، فتبين كالشمس أن النفع في ذلك إنما هو خاص بكم، وأنه سبحانه ما رتب هذا كله على هذا المنوال إلا لفوزكم، وفي هذه الآية من التنويه بمقدار الصديق وتقدمه وسابقته في الإسلام وعلو منصبه وفخامة أمره ما لا يعلمه إلا الذي أعطاه إياه؛ قال أبو حيان وغيره: قال العلماء: من أنكر صحبة أبي بكر رضي الله عنه كفر لإنكاره كلام الله، وليس ذلك لسائر الصحابة. ولما كان رضي الله عنه نافذ البصيرة في المعارف الإلهية، راسخ القدم في ذلك المقام لذلك لم يتلعثم من أول الأمر في عناد جميع العباد بخاع الأنداد، ثم تدرب فيه مترقياً لثلاث عشرة سنة، وكان الذي به من القلق إنما هو الخوف من أن يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم أذى فيدركه من الحزن لذلك ما يهلكه قبل سروره بظهور الدين وقمع المعتدين، ولم يكن جنباً ولا سوء ظن، لما كان ذلك كذلك كان رضي الله عنه حقيقاً لحصول السكينة له عند سماع اسم الشريف الأعظم الدال على ذلك المقام المذكر بتلك العظمة التي يتلاشى عندها كل عظيم، ويتصاغر في جنبها كل كبير، ولذلك ذكر هذا الاسم الأعظم وقدم، وأشرك الصديق في المعية وبدأ بالنهي عن الحزن لأنه المقصود بالذات ومابعده علة له. وأما بنو إسرائيل فلم يكن عندهم من المعرفة إلا ما شاهدوا من إحسانه تعالى إلى موسى عليه السلام بإظهار تلك الآيات على يده حتى استنقذهم بها مما كانوا فيه، ومنع موسى عليه السلام مع وحدته من سطوات فرعون على عظمته وما كان يواجهه به من المكروه، فلما رأوا جموعه مقبلة كان حالهم مقتضياً للسؤال عن ذلك المحسن بإظهار تلك الآيات: هل هو مع موسى عليه السلام على ما كان عليه فيمنعهم ام لا؟ فلذلك قد إنكار الإدراك ثم إثبات المعية على سيبل الخصوص به، وعبر عن الإله باسم الرب الدال على ذلك الإحسان المذكر به فقال {أية : كلا إن معي ربي} تفسير : [الشعراء: 62] فكأن قيل: ماذا يفعل والبحر أمامنا والعدو وراءنا؟ فقال "سيهدين" أي إلى ما أفعل، يعرف ذلك من كان متضلعاً بالسير وقصص بني إسرائيل على ما ذكرتها في الأعراف عن التوارة، مستحضراً لأن الصديق رضي الله عنه كان في صعودهما إلى الغار يذكر الرصد فيتقدم النبي صلى الله عليه وسلم ليفتديه بنفسه ثم يذكر الطلب فيتأخر ثم يذكر ما عن اليمين والشمال فينتقل إليهما، ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إن قتلت أنا فأنا رجل واحد، وإن قتلت أنت هلكت الأمة، وأنه كان عارفاً بأن الله تعالى تكفل بإظفار الدين على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم المتضمن لحراسة نفسه الشريفة قبل ذلك، ولذلك كان به في هذا اليوم من القلق ما ذكر، وكان عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أثبت الناس، ولذلك أتى بالفاء المعقبة في قوله: {فأنزل الله} أي الملك الأعظم {سكينته} أي السكون المبالغ فيه المؤثر للنسك {عليه} أي الصديق - كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما - لأن السكينة لم تفارق النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عطف على نصره الله قوله: {وأيده} أي النبي صلى الله عليه وسلم واختلاف الضمائر هنا لا يضر لأنه غير مشتبه {بجنود لم تروها} أي من الملائكة الكرام {وجعل كلمة} أي دعوة {الذين كفروا} أي أوقعوا الكفر من آمن منهم بعد ذلك وغيره {السفلى} فخيّب سعيهم ورد كيدهم، ثم ابتدأ الإخبار بما له سبحانه على الدوام من غير انقطاع أصلاً في وقت من الأوقات فقال: {وكلمة الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء، ونصبها يعقوب عطفاً على ما سبق {هي العليا} أي وحدها، لايكون إلا ما يشاءه دائماً أبداً، فالله قادر على ذلك {والله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {عزيز} أي مطلقاً يغلب كل شيء من ذلك وغيره {حكيم*} لا يمكن أن ينقض شيء من مراده لما ينصب من الأسباب التي لا مطمع لأحد في مقاومتها فلا محيص عن نفوذها. ولما بلغت هذه الماعظ من القلوب الواعية مبالغاً هيأها به للقبول، أقبل عليها سبحانه بالأمر فقال: {انفروا خفافاً وثقالاً} والمراد بالخفة كل ما يكون سبباً لسهولة الجهاد والنشاط إليه، وبالثقل كل ما يحمل على الإبطاء عنه؛ وقال أبو حيان: والخفة والثقل هنا مستعار لمن يمكنه السفر بسهولة ومن يمكنه بصعوبة، وأما من لا يمكنه كالأعمى ونحوه فخارج عن هذا - انتهى. قال البغوي: قال الزهري: خرج سعيد بن المسيب رحمه الله الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له: إنك عليل صاحب ضرر فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع؛ وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده بسند صحيح عن أنس أن أبا طلحة رضي الله عنهما قرأ سورة براءة فأتى على هذه الآية فقال: لا أرى ربي يستنفرني شاباً وشيخاً! جهزوني، فمات فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فما تغير، {وجاهدوا} أي أوقعوا جهدكم ليقع جهد الكفار. ولما كانت هذه الآية في سياق المعاتبة لمن تثاقل إلى الأرض عن الجهاد عند الاستنفار في غزوة تبوك، وكان سبب التثاقل ما كان في ذلك ما كان في ذلك الوقت من العسرة في المال والشدة بالحر وما كان من طيب الظلال في أراضي الجنان وقت الأخذ في استواء الثمار - كما هو مشهور في السير؛ اقتضى المقام هنا تقديم المال والنفس بخلاف ما مضى فإن الكلام كان في المفاضلة بين الجهاد في سبيل الله وخدمة البيت ومن يحجه في هذه السورة التي صادف وقت نزولها بعد مواطن الجهاد وطول المفارقة للأموال، والأولاد وقدم المال لأن النظر إليه من وجهين: قلته، ومحبة الإقامة في الحدائق أيثاراً للتمتع بها وخوفاً من ضياعها مع أن بها قوام الأنفس، فصار النظر إليها هو الحامل على الشح بالأنفس فقال تعالى: {بأموالكم وأنفسكم} أي بهما معاً على ما أمكنكم أو بأحدهما {في سبيل الله} أي الملك الأعلى أي حتى لا يبقى منه مانع {ذلكم} أي الأمر العظيم {خير} أي في نفسه حاصل {لكم} أي خاص بكم، ويجوز أن يكون أفعل تفضيل بمعنى أن عبادة المجاهد بالجهاد خير من عبادة القاعد بغيره كائناً ما كان، كما قال صلى الله عليه وسلم لمن سأله: هل يمكن بلوغ درجة المجاهد؟ فقال: هل تستطيع أن تقوم فلا تفتر وتصوم فلا تفطر؟ وختم الآية بقوله: {إن كنتم تعلمون*} إشارة إلى أن هذا الأمر وإن كان عاماً فإنما ينتفع به ذوو الأذهان الصافية والمعالم الوافية، فإن العلم - ولا يعد علماً إلا النافع - يحث على العمل وعلى إحسانه باخلاص النية وتصحيح المقاصد وتقوية العزم وغير ذلك وضده يورث ضده.
السيوطي
تفسير : أخرج سنيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا...} الآية. قال: هذا حين أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح، وحنين أمرهم بالنفير في الصيف حين خرقت الأرض فطابت الثمار واشتهوا الظلال وشق عليهم المخرج، فأنزل الله سبحانه وتعالى {أية : انفروا خفافاً وثقالاً} تفسير : [التوبة: 41]. قوله تعالى: {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} وأخرج الحاكم وصححه عن المستورد رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فتذاكروا الدنيا والآخرة فقال بعضهم: إنما الدنيا بلاغ للآخرة، فيها العمل وفيها الصلاة وفيها الزكاة، وقالت طائفة منهم: الآخرة فيها الجنة. وقالوا ما شاء الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما الدنيا في الآخرة إلا كما يمشي أحدكم إلى اليم فأدخل أصبعه فيه فما خرج منه فهي الدنيا ". تفسير : وأخرجه أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه عن المستورد بن شداد رضي الله عنه قال: حديث : كنت في ركب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ مر بسخلة ميتة فقال "أترون هذه هانت على أهلها حين ألقوها قالوا: من هوانها ألقوها يا رسول الله قال: فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها" . تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله جعل الدنيا قليلاً وما بقي منها إلا القليل، كالثعلب في الغدير شرب صفوه وبقي كدره ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخل عمر رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال: يا رسول الله لو اتخذت فرشاً أوثر من هذا؟ فقال "حديث : ما لي وللدنيا وما للدنيا وما لي، والذي نفسي بيده ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة، ثم راح وتركها ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنه "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم نام على حصير فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا يا رسول الله: لو اتخذنا لك؟ فقال: ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت ظل شجرة ثم راح وتركها ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن سهل رضي الله عنه قال: حديث : مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة فرأى شاة شائلة برجلها فقال "أترون هذه الشاة هينة على صاحبها؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على صاحبها، ولو كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منها شربة ماء" . تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضرَّ بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن أبي الدنيا في كتاب المنامات والحاكم وصححه والبيهقي عن النعمان بن بشير رضي الله عنه "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه لم يبق من الدنيا إلا مثل الذباب تمور في جوها، فالله الله في اخوانكم من أهل القبور، فإن أعمالكم تعرض عليهم ". تفسير : وأخرج الترمذي والحاكم وصححه والبيهقي عن قتادة بن النعمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا أحب الله عبداً حماه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه الماء ". تفسير : وأخرج أحمد والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حلوة الدنيا مرة الآخرة، ومرة الدنيا حلوة الآخرة ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن أبي حجيفة قال: أكلت لحماً كثيراً وثريداً، ثم جئت فقعدت قبال النبي صلى الله عليه وسلم فجعلت أتجشأ، فقال "حديث : اقصر من جشائك، فإن أكثر الناس شبعاً في الدنيا أكثرهم جوعاً في الآخرة ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : يا عائشة إن أردت اللحوق بي فليكفك من الدنيا كزاد الراكب، ولا تستخلقي ثوباً حتى ترقعيه، وإياك ومجالسة الأغنياء ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي عن سعد بن طارق رضي الله عنه عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : نعمت الدار الدنيا لمن تزوّد منها لآخرته حتى يرضي ربه، وبئست الدار لمن صدته عن آخرته وقصرت به عن رضا ربه، وإذا قال العبد: قبَّح الله الدنيا. قالت الدنيا: قبح الله أعصانا لربه ". تفسير : وأخرج ابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي عن سهل بن سعد رضي الله عنه "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم وعظ رجلاً فقال: ازهد الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس ". تفسير : وأخرج أحمد والحاكم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الدنيا سجن المؤمن وسننه، فإذا خرج من الدنيا فارق السجن والسنة ". تفسير : وأخرج الحاكم والبيهقي عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من أصبح والدنيا أكبر همه فليس من الله في شيء، ومن لم يهتم للمسلمين فليس منهم ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن الأعمش عن أبي سفيان رضي الله عنه عن أشياخه قال: دخل سعد رضي الله عنه على سلمان يعوده، فبكى فقال سعد: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راض، وترد عليه الحوض، وتلقى أصحابك. قال: ما أبكي جزعاً من الموت ولا حرصاً على الدنيا ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا عهداً. قال "حديث : ليكن بلغة أحدكم من الدنيا كزاد الراكب" تفسير : وحولي هذه الأساودة، وإنما حوله اجانة وجفنة ومطهرة. وأخرج الحاكم وصححه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يأتي على الناس زمان يتحلقون في مساجدهم وليس همهم إلا الدنيا، ليس لله فيهم حاجة فلا تجالسوهم ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اقتربت الساعة ولا يزداد الناس على الدنيا إلا حرصاً، ولا يزدادون من الله إلا بعداً ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن سفيان قال: كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري قال: لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح ذبابة ما سقى منها كافراً شربة ماء. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن المستورد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم ثم يرفعها فلينظر ثم يرجع ". تفسير : وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي عثمان النهدي قال: قلت يا أبا هريرة: سمعت اخواني بالبصرة يزعمون أنك تقول: سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إن الله يجزي بالحسنة ألف ألف حسنة؟ فقال أبو هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة، ثم تلا هذه الآية {فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} فالدنيا ما مضى منها إلى ما بقي منها عند الله قليل، وقال {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة} [البقرة: 245] فكيف الكثير عند الله تعالى إذا كانت الدنيا ما مضى منها وما بقي عند الله قليل ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش في قوله {فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} كزاد الراعي. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حازم قال: لما حضرت عبد العزيز بن مروان الوفاة قال: ائتوني بكفني الذي أكفن فيه أنظر إليه، فلما وضع بين يديه نظر إليه فقال: أمالي كثير ما أخلف من الدنيا إلا هذا؟ ثم ولى ظهره وبكى وقال: أف لك من دار إن كان كثيرك القليل، وإن كان قليلك الكثير، وإن كنا منك لفي غرور.
ابو السعود
تفسير : {يأيها الذين آمنوا} رجوعٌ إلى حث المؤمنين وتجريدِ عزائمِهم على قتال الكفرةِ إثرَ بـيان طرَفٍ من قبائحهم الموجبةِ لذلك {مَا لَكُمْ} استفهامٌ فيه معنى الإنكارِ والتوبـيخ {إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ} تباطأتم وتقاعستم أصلهُ تثاقلتم وقد قرىء كذلك، أي أيُّ شيءٍ حصل أو حاصلٌ لكم أو ما تصنعون حين قال لكم النبـيُّ صلى الله عليه وسلم: «انفِروا» أي اخرُجوا إلى الغزو في سبـيل الله متثاقلين، على أن الفعلَ ماضٍ لفظاً مضارعٌ معنىً كأنه قيل: تتثاقلون، فالعاملُ في الظرف الاستقرارُ المقدرُ في لكم أو معنى الفعلِ المدلولِ عليه بذلك ويجوز أن يعملَ فيه الحالُ أي ما لكم متثاقلين حين قيل لكم: انفِروا وقرىء أَثّاقلتم على الاستفهام الإنكاريِّ التوبـيخيِّ، فالعاملُ في الظرف حينئذ إنما هو الأول {إِلَى ٱلأَرْضِ} متعلقٌ باثاقلتم على تضمينه معنى المَيْلِ والإخلادِ أي اثاقلتم مائلين إلى الدنيا وشهواتِها الفانيةِ عما قليل، وكرِهتم مشاقَّ الغزوِ ومتاعبَه المستتبِعةَ للراحة الخالدة، كقوله تعالى: {أية : أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ } تفسير : [الأعراف: 176] أو إلى الإقامة بأرضكم وديارِكم وكان ذلك في غزوة تبوكَ في سنة عشرٍ بعد رجوعِهم من الطائف استُنفِروا في وقت عُسرةٍ وقَحطٍ وقَيْظ، وقد أدركت ثمارُ المدينة وطابت ظلالُها مع بعد الشُّقةِ وكثرةِ العدوِّ فشق عليهم ذلك، وقيل: ما خرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا ورَّى بغيرها إلا في غزوة تبوكَ فإنه عليه الصلاة والسلام بـيّن لهم المقصِدَ فيها ليستعدوا لها {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وغرورِها {مِنَ ٱلأَخِرَةِ} أي بدلَ الآخرة ونعيمِها الدائم {فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أظهر في مقام الإضمارِ لزيادة التقرير أي فما التمتعُ بها وبلذائذها {فِى ٱلأَخِرَةِ} أي في جنب الآخرة {إِلاَّ قَلِيلٌ} أي مستحقَرٌ لا يُؤبَه له، وفي ترشيح الحياةِ الدنيا بما يُوذِن بنفاستها ويستدعي الرغبةَ فيها وتجريدِ الآخرة عن مثل ذلك مبالغةٌ في بـيان حقارة الدنيا ودناءتِها وعِظَمِ شأن الآخرةِ وعلوِّها {إِلاَّ تَنفِرُواْ} أي إن لا تنفِروا إلى ما استُنفرتم إليه {يُعَذّبُكُم} أي الله عز وجل {عَذَاباً أَلِيماً} أي يُهلكْكم بسبب فظيعٍ هائل كقَحط ونحوِه {وَيَسْتَبْدِلْ} بكم بعد إهلاكِكم {قَوْماً غَيْرَكُمْ} وصفهم بالمغايرة لهم لتأكيد الوعيدِ والتشديد في التهديد بالدِلالة على المغايرةِ الوصفيةِ والذاتيةِ المستلزِمة للاستئصال، أي قوماً مطيعين مُؤْثرين للآخرة على الدنيا ليسوا من أولادكم ولا أرحامِكم كأهل اليمنِ وأبناءِ فارسَ، وفيه من الدِلالة على شدة السُّخط ما لا يخفى {وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا} أي لا يقدح تثاقلُكم في نُصرة دينِه أصلاً فإنه الغنيُّ عن كل شيءٍ في كل شيءٍ، وقيل: الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم فإن الله عز وجل وعده بالعصمة والنصرةِ وكان وعدُه مفعولاً لا محالة {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} فيقدر على إهلاككم والإتيانِ بقوم آخرين.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ} [الآية: 38]. قال يحيى بن معاذ: الناس من مخافة الفضيحة فى الدنيا وقعوا فى فضيحة الآخرة. قال الله عز وجل: {ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} [الآية: 38]. قال النهرجورى: الدنيا بحر والآخرة ساحل والمركب واحد وهو التقوى والناس سفن. وقال بعضهم: ما تعطاه عارية ينتزع منك أو تنتزع منها، وهو قليل فيما تملكه من نعيم الآخرة على الأبد. قال النهرجورى: الدنيا أولها بكاء وأوسطها عناء وآخرها فناء.
القشيري
تفسير : عاتَبهم على تَركِ البدار عند توجيه الأمر، وانتهاز فُرْصَةِ الرُّخصَة. وأَمَرَهم بالجد في العزم، والقَصْدِ في الفعل؛ فالجنوحُ إلى التكاسل، والاسترواحُ إلى التثاقل أماراتُ ضعفِ الإيمان إذ الإيمان غريمٌ مُلازِمٌ لا يرضى من العبد بغير ممارسة الأشْقِّ، وملابسة الأحَقِّ. قوله: {أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}: وهل يَجْمُل بالعابِد أَنْ يختارَ دنياه على عقْباه؟ وهل يحسُن بالعارف أَنْ يُؤْثِرَ هواه على رضا مولاه؟ وأنشدوا: شعر : أيجملُ بالأحبابِ ما قد فعلوا مضَوْا وانصرفوا يا ليتهم قَفَلُوا تفسير : إنَّ غيبةَ يوم للزاهد عن الباب تَعْدِل شهوراً، وغيبةُ لحظةٍ للعارف عن البِساط تعدل دهوراً، وأنشدوا: شعر : الإلْفُ لا يصْبِرُ عن إِلْفِه أَكْثَرَ من طَرْفَةِ عَيْنِ وقد صبَرْنا عَنكُمُ ساعةً ما هكذا فِعْلُ مُحِبيْنِ
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا} شروع فى بيان غزوة تبوك وهى ارض بين الشام والمدينة ويقال لها غزوة العسرة ويقال لها الفاضحة لانها اظهرت حال كثير من المنافقين -وروى- انه عليه السلام لما فتح مكة وغزا هوازن وثقيفا بحنين واوطاس وحاصرالطائف وفتحها واتى الجعرانة واحرم بها للعمرة واعتمر ثم اتى المدينة فامر بالخروج الى غزوة الروم قبل الشأم وذلك فى شهر رجب سنة تسع بلغه عليه السلام ان الروم قد جمعت له جموعا كثيرة بالشأم وانهم قدموا مقدماتهم الى البلقاء المحل المعروف وقيل للروم بنوا الاصفر لانهم ولد روم بن العيص بن اسحق نبى الله عليه الصلاة والسلام وكان يسمى الاصفر لصفرة به. فقد ذكر العلماء باخبار القدماء ان العيص تزوج بنت عمه اسماعيل فولدت له الروم وكان به صفرة فقيل له الاصفر وقيل الصفرة كانت بابيه العيص وكان ذلك فى زمان عسرة من الناس وجدب فى البلاد وشدة من الحر حن طابت ثمار المدينة واينعت واستكملت ظلالها وطالت المسافة بينهم وبين العدو فشق عليهم الخروج فانزل الله تعالى هذه الاية وقال ايها لمؤمنون {مالكم} استفهام فى اللفظ وانكار وتوبيخ فى المعنى {اذا قيل لكم} من طرف رسول الله الآمر بامر الله {انفروا فى سبيل الله} [بيرون رويد رراه خداى تعالى وجهاد كنيد] ومعناه بالعربية اخرجوا الى الغزو يقال نفر القوم ينفرون نفرا ونفيرا اذا خرجوا الى مكان لمصلحة توجب الخروج والقوم الذين يخرجون يقال لهم النفير واستنفر الامام الناس لجهاد العدو اى طلب منهم الخروج الى الغزو وحثهم عليه {اثاقلتم} اصله تثاقلتم وهو ماض لفظا مضارع معنى لانه حال من مالكم {الى الارض} متعلق باثاقلتم على تضمينه معنى الميل والاخلاد. والمعنى اى سبب وغرض حصل لكم واستقر اذا قيل لكم ذلك كنتم متثاقلين اى مائلين الى الدنيا وشهواتها الفانية عما قريب وكرهتم مشاق السفر والجهاد المستتبعة للراحة الخالدة فالارض هى الدنيا وشهواتها وقيل ملتم الى الاقامة بارضكم ودياركم {أرضيتم} باستفهام التوبيخ [آياراضى شديد وخوشدل كشتيد] {بالحيوة الدنيا} ولذاتها من الثمار والظلال {من الاخرة} اى بدل الآخرة ونعيمها فكلمة من بمعنى البدل كما فى قوله تعالى {أية : لجعلنا منكم ملائكة} تفسير : [الزخرف: 60] اى بدلكم {فما متاع الحيوة الدنيا} اى فما التمتع بها وبلذائذها {فى الآخرة} اى فى جنب الآخرة {الا قليل} اى مستحقر لا يعتد به لان متاع الدنيا فان معيوب ومتاع الآخرة باق مرغوب -روى- انه عليه السلام قال "حديث : والله ما الدنيا فى الآخرة الا مثل ما يجعل احدكم اصبعه هذه فى اليم فلينظر بم يرجع "
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (اثاقلتم)، أصله: تثاقلتم أدغمت التاء في الثاء، وجلبت الهمزة للساكن، وقرئ على الأصل، وضمن معنى الإخلاد، فَعُدِّيَ بإلى. يقول الحق جل جلاله: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله}؛ للجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، {اثَّاقلتُم} أي: تباطأتم وأخلدتم {إلى الأرض} كسلاً وفشلاً، وكان ذلك في غزوة تبوك، أُمروا بها بعد رجوعهم من الطائف، في وقت عسر، وحَر، وبُعد الشقة، وكثرة العدو، فشق عليهم ذلك، {أرضيتُم بالحياة الدنيا} وكدرها، {من الآخرة}، بدل الآخرة ونعيمها، {فما متاع الحياة الدنيا} أي: التمتع بها في جانب الآخرة، {إلا قليلٌ}؛ مستحقر، لسرعة فنائه ومزجه بالكدر. {إلاّ تنفرُوا} مع رسوله إلى ما استنفرتم إليه، {يُعذبكم عذاباً إليماً} في الدنيا والآخرة، في الدنيا: بالإهلاك بأمر فظيع، كقحط وظهور عدو، وغير ذلك من المهلكات، وفي الآخرة: بعذاب النار. {ويستبدلْ} مكانكم {قوماً غيركم} في الدنيا، يكونون مطيعين لله ورسوله، كأهل اليمن، وأمثالهم، {ولا تضرُّوه شيئاً}؛ إذ لا يقدح تثاقلكم في نصر دينه شيئاً، فإنه الغني عن كل شيء، في كل وقت. وقيل: الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإن الله وعده بالعصمة والنصرة، ووعده حق، {والله على كل شيء قدير} لا يعجزه شيء، فيقدر على التبديل وتغيير الأسباب والنصرة بلا مدد، كما فعل معه في الغار والهجرة، على ما ياتي. الإشارة: ما لكم إذا قيل لكم: انفروا إلى من يُعرفكم بالله، ويعلمكم كيف تجاهدون نفوسكم في طلب مرضاة الله، اثاقلتم وأخلدتم إلى أرض الحظوظ والشهوات، أرضيتم بالحياة الدنيا الدنية، بل الحياة الأبدية، في الحضرة القدسية؟ أرضيتم بحياة الأشباح بدل حياة الأرواح؟ فما متاع الحياة الدنيا الفانية في جانب الحياة الأبدية في الحضرة العلية، إلا نزر قليل حقير ذليل، إلا تنفروا لجهاد نفوسكم، يعذبكم عذاباً أليماً، بغم الحجاب، وشدة التعب والنصب، وتوارد الخواطر والهموم، وترادُف الأكدار والغموم، ويستبدل قوماً غيركم يكونون عارفين بالله، مَرْضيين عند الله، راضين عن الله، والله على كل شيء قدير. ثم ذكر نصرته لرسوله بلا سبب، فقال: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ}.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب من الله تعالى لجماعة من المؤمنين وعتاب وتوبيخ لهم بأنهم إذا قيل لهم على لسان رسوله {انفروا في سبيل الله} ومعناه اخرجوا في سبيل الله يعني الجهاد وسماه سبيل الله، لأن القيام به موصل إلى معنى الجنة ورضا الله تعالى والنفر الخروج إلى الشيء لامر هيج عليه وضده الهدوء تقول: نفر إلى الثغر ينفر نفراً ونفيراً ولا يقال النفور إلا في المكروه كنفور الدابة عما تخاف، وقوله {اثاقلتم إلى الأرض} اصله تثاقلتم وادغمت التاء في الثاء لمناسبتها لها وادخلت الف الوصل ليمكن الابتداء بها ومثله اداركوا قال الشاعر: شعر : تولى الضجيع إذا ما استافها خصراً عذب المذاق إذا ما اتابع القبل تفسير : والتثاقل تعاطي اظهار ثقل النفس ومثله التباطئ وضده التسرع. ومعنى {اثاقلتم إلى الأرض} قيل فيه قولان: احدهما - إلى المقام بارضكم ووطنكم. الثاني - لما اخرج من الارض من الثمر والزرع. قال الحسن ومجاهد: دعوا إلى الخروج إلى غزوة تبوك بعد فتح مكة وغزوة الطائف، وكان ايام ادراك الثمرة ومحبة القعود في الظل فعاتبهم الله على ذلك. والآية مخصوصة بقوم من المؤمنين دون جميعهم، لأن من المعلوم ان جميعهم لم يكن بهذه الصفة من التثاقل في الجهاد، وهو قول الجبائي وغيره. فقال الله تعالى لهم على جهة التوبيخ، والتعنيف ارضيتم بالحياة الدنيا على الاخرة، آثرتم الحياة الدنيا الفانية على الحياة الآخرة الباقية. وهو استفهام، والمراد به الانكار. والرضا هو الارادة غير انها لا توصف بذلك إلا اذا تعلقت بما مضى من الفعل والارادة توصف بما لم يوجد بعد قال تعالى مخبراً {فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} اي ليس الانتفاع بما يظهر للحواس الا قليل ومنه قولهم: تمتع بالرياض والمناظر الحسان. ويقال للاشياء التي لها أثمان: متاع تشبيهاً بالانتفاع به.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالايمان العامّ او بالايمان الخاصّ {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} اى الجهاد الصّورىّ او فى طلب الولاية او فى طريق القلب بالجهاد الباطنىّ والّذكر والفكر ورفض الهوى وترك مأمول النّفس {ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ} ارض التّراب او ارض الطّبع او اراض النّفس، ونزول الآية فى غزوة تبوك، وسبب غزوة تبوك على ما نقل انّ رسول الله (ص) كتب كتاباً الى بعض حكّام ممالك الشّام وأرسل حارث بن عمر والازدىّ، ولمّا وصل الحارث الى موتة من قرى بلقاء من اعمال الشّام ومنها الى بيت المقدس مرحلتان، قتله شرحيل بن عمرو الغسانىّ احد امراء القيصر فوصل الخبر الى رسول الله (ص) فهيّاً سريّة موتة وجعل زيد بن حارثة اميراً عليهم وقال حين الوداع: "حديث : ان قتل زيدٌ فالامير جعفر بن أبى طالبٍ، وان قتل جعفر فالامير عبد الله بن رواحة، وان قتل عبد الله فالامير من ارتضاه المسلمون"تفسير : ، وكان يهودىّ حاضراً فسمع مقالته فقال: يا ابا القاسم ان كنت صادقاً فى نبوّتك فكلّ من عيّنته للامارة فلا بدّ من ان يقتل، لانّ انبياء بنى اسرائيل اذا وجّهوا عسكراً الى قتال الاعداء وعيّنوا جمعاً للامارة هكذا قتلوا جميعاً، فتوجّه زيدٌ مع العكسر الى المقصد وبعد المقابلة مع الاعداء والمقاتلة قتل الّذين سماّهم الرّسول (ص) للامارة، وروى انّه ما افلت من اهل الاسلام الاّ قليلٌ، وروى انّ كثيراً منهم بقوا وغيّروا بعد يوم المقاتلة اوضاعهم فتوهّم شرحيل وظنّ وصول المدد الى اهل الاسلام وارتحل وصار متحصّناً، ورجع اهل الاسلام سالمين الى المدينة، وكان ذلك فى العام الثّامن من الهجرة وفى هذا العام كان فتح مكّة وغزوة حنينٍ مع بنى هوازن، ثمّ لمّا دخل العام التّاسع من الهجرة ورد عير الشّام المدينة واشاعوا فيها انّ سلطان الرّوم جمع الجنود يريد غزو المدينة، وانّ هرقل قد سار بجنودٍ عظيمة وجلب معهم غسّان وجذام وبهراء وقد قدّم عساكره البلقاء ونزل هو حمص، فأمر رسول الله (ص) اصحابه بالتهيّؤ الى تبوك وهى من بلاد البلقاء، وبعث الى القبائل حوله والى مكّة والى كلّ من اسلم وحثّهم على الجهاد وامر اهل الجدة ان يعينوا من لا قوّة له على الخروج، روى انّ ابا بكرٍ عرض جمع امواله، وانّ عمر بذل نصف امواله، وانّ عثمان جهّز مائتى ابلٍ، وقيل: ثلاثمائةٍ ابل، وبذل ألف دينارٍ وعبد الرّحمن بن عوف بذل اربعين وُقيّة من الّذهب وأربعة آلاف درهمٍ، وهكذا بذل كلّ بقدر همّته وسعته وبلغ عسكره (ص) الى ثلاثين الفاً، وقيل: الى اربعين الفاً، ولمّا كانت تلك الغزوة صعبةً لبعد السّفر وشدّة القيظ وكثرة جنود الاعداء تقاعد بعض عن الحركة والغزو فنزل: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ} (الآيات)، وسار الرّسول (ص) بالعسكر فى غاية المحنة والمشقّة فى شدّة حرارة الهواء وقلّة الماء حتّى نزل بعين تبوك وكانت عينه قليلة الماء فغسل (ص) يده ووجهه بمائها فنبع الماء منها بحيث أخذ جميع العسكر منه باعجازه (ص) ومكث (ص) فى ذلك الموضع عدّة ايّام، فصحّ عنده (ص) انّ خبر خروج عسكر الرّوم كان كذباً فشاور الاصحاب فى الرّجوع ورجع من هناك، وبعث (ص) خالد بن الوليد مع اربعمائة وعشرين فارساً ليغير على دومة الجندل، وبعد وصولهم الى نواحى دومة الجندل فى اللّيل وجدوا اُكيدر حاكمها مع اخيه حسّان ومعدودٍ من خدمه فى طلب الصّيد فقاتلوهم وقتلوا حسّاناً واسروا اكيدر وانهزم قليلٌ منهم، ودخلوا الحصار وتحصّنوا مع اخيه الاخر مصاد فقال الخالد لأكيدر: لا اقتلك وأذهب بك الى رسول الله (ص) ان امرت أخاك واهل القلعة ان يفتحوا باب الحصار ويسلّموا الينا الف ابلٍ وسبعمائة بردٍ واربعمائة سنانٍ واشترط لك ان آخذ حكومة دومة الجندل لك من رسول الله (ص)، فقبل اكيدر وصالح وأرسل الى اخيه مصاد ان: افتح باب الحصار وهيّئ مال الصّلح، وبعد اخذ مال الصّلح رجع خالد ومعه أكيدر وأخوه مصاد ودخلوا المدينة سالمين غانمين {أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} استفهام توبيخ {مِنَ ٱلآخِرَةِ} بدل الآخرة {فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} الفاء للسّببيّة باعتبار انكار الرّضا بالحياة الدّنيا.
الأعقم
تفسير : {يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله} الآية نزلت في غزوة تبوك قيل: لما رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الطائف دعا الناس إلى غزوة الروم أيام النخل والزرع ومحبة القعود في الظل من شدة الحر فعظم ذلك عليهم وكرهوا الخروج، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قلّ ما يخرج في غزوة إلا كنّى عنها إلا غزوة تبوك {فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} لأنه زائد {إلا تنفروا} أي ألا تخرجوا، إجابة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الجهاد {يعذبكم عذاباً أليماً} وجيعاً في الآخرة {ويستبدل قوماً غيركم} أي يأتي بقوم أطوع منكم {إلا تنصروه} أي ألا تخرجوا معه إذا استنصركم على جهاد عدوه يعني الذين قعدوا {فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا} يعني من مكة لما اجتمعوا إلى دار الندوة وتشاوروا في أمره واتفقوا على قتله والكيد به فدفع الله عنه مكرهم وأمره الله بالخروج، فخرج معه أبو بكر إلى الغار ثقب في أعلى جبل ثور وهو جبل في يمنى مكة على مسيرة ساعة، مكث فيه ثلاثاً واضطجع علي (عليه السلام) على فراشه ليمنعهم ما يشاهدون من طلبته، قيل: طلع المشركون فوق الغار فأشفق أبو بكر على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له: ما ظنك باثنين الله ثالثهما، وقيل: لما دخلا الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوت فنسجت عليه، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "اللهم أعم أبصارهم" فجعلوا يترددون حول الغار ولا يدرون ببابه إذ يقول لصاحبه {لا تحزن إن الله معنا} أي ناصرنا {فأنزل الله سكينته} أي طمأنينته {عليه} أي على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {وأيَّده بجنود لم تروها} وهم الملائكة، روي أن أسماء بنت أبي بكر كانت تأتيهما بلبن يشربانه، "حديث : وروي أنه لم يرهم عند الخروج إلاَّ سراقة بن مالك بن جعشم فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "اللهم اكفناه" فصاحت فرسه في الأرض إلى بطنها فعاهده لا يسوءه بسوء، فدعى فنجاه الله تعالى"تفسير : ، ومضى حتى نزل خيمة أم معبد فسار حتى نزل المدينة فقال أنس بن مالك: ما رأيت يوماً قط أحسن من يوم قدومه، وما رأيت يوماً قط أقبح من يوم قبض {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى} يعني دينهم الذين يتكلمون به وهو الشرك {وكلمة الله هي العليا} يعني دعوته إلى الاسلام {والله عزيز حكيم}.
الهواري
تفسير : قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ مَالَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ اتَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ} وهو مثل قوله: (أية : أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ) تفسير : [الأعراف:176] وهو الرضا بالدنيا. قال: {أَرَضِيتُم بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الأَخِرَةِ} أي ليست الدنيا عوضاً من الآخرة {فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الأَخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} أي يستمتع به في الدنيا ثم يفنى، ويذهب ولا يبقى. وما في الآخرة باقٍ دائم، لا يفنى ولا يذهب. كقوله:{مَا عِندَكُمْ } أي في الدنيا {يَنفَذُ وَمَا عِندَ اللهِ} أي في الآخرة (أية : بَاقٍ) تفسير : [النحل:96]. وكقوله: (أية : إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ) تفسير : [سورة ص:54] أي: من فناء.
اطفيش
تفسير : {يا أيُّها الذين آمنُوا ما لكُم إذا قِيلَ لَكُم انفِرُوا فى سَبيلِ اللهِ} أى إذا قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم: انتقلوا بسرعة فى سبيل الله للجهاد، وأصل النفر التنقل من مكان إلى آخر لأمر يحدث، والمضارع ينفر بكسر الفاء فى بنى آدم، وبضمها فى الدواب كذا قيل، تضم وتكسر فيهما ويستعمل أيضا النفر فى مطلق الذهاب، والخطاب لمن لم ينفر فى غزوة تبوك. {اثَّاقلْتُم إلى الأرْض} تباطأتم، وعدى بإلى لتضمنه معنى الإخلال والميل، فهو مثل قوله: {أية : أخلد إلى الأرض} تفسير : وهذا جواب إذا، وإذا جوابها وشرطها حال من الكاف فى قوله: {ما لكم} أو هذا حال وجواب إذا محذوف مدلول عليه به، وهو بمعنى المضارع لكونه دليل جواب، والأصل تثاقلتم أبدلت التاء المثناة مثلثة، وسكنت وأدغمت فى المثلثة بعدها، فكان أول الكلمة ساكنا، فجلبت همزة الوصل، وقد قرأ الأعمش تثاقلتم بتاء مثناة فثاء مثلثة على الأصل، وقال أبو حاتم: قرأ الأعمش تثاقلتم بمثناتين فمثلثة، ولا يصح ذلك، إذ لا تزاد فى أول الماضى تاءان، وقرىء أثاقلتم بقطع الهمزة مفتوحة على الاستفهام التوبيخى، وقد سقطت همزة الوصل، وعلى هذا فجواب إذا محذوف قطعا دل عليه اثاقلتم بهمزة استفهام تقديره: اثاقلتم بهمزة الوصل، أو أبطأتم أو نحو ذلك، أو دل عليه ما لكم، فإنه بمنزلة ما تصنعون. {أرضِيتُم} استفهام توبيخ {بالحيَاة الدُّنيا مِنَ الآخرةِ} عوض الآخرة، فمن للبدلية متعلقة بمحذوف حال من الحياة، أو برضيتم، والدنيا مؤنث الأدنى، أى الحياة التى هى قرينة الزوال، أو دنية خسيسة، وهو خارج عن التفضيل، وهذا دليل على أن تثاقلهم كان بسبب حب الحياة ونعيمها، والمال والأهل والولد والزهد عن نعيم الآخرة. {فَما مَتاعُ الحيَٰوةِ الدُّنْيا} أى إن رضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة، فليست منفعة الحياة الدنيا التى تتمتعون بها فى الحياة الدنيا {فى الآخِرةِ} أى فى جنب الآخرة ومقابلتها {إلا قَليلٌ} لنقصانه وتكدره وفنائه، بخلاف نعيم الآخرة، وفى متعلقة بنعت محذوف، أى المعتبرة فى جنب الآخرة، أو بنسبة الخبر إلى المبتدأ.
الالوسي
تفسير : {يَـا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} عود إلى ترغيب المؤمنين وحثهم على المقاتلة بعد ذكر طرف من فضائح أعدائهم {مَا لَكُمْ} استفهام فيه معنى الإنكار والتوبيخ {إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي اخرجوا للجهاد، وأصل النفر على ما قيل الخروج / لأمر أوجب ذلك {ٱثَّاقَلْتُمْ} أي تباطأتم ولم تسرعوا وأصله تثاقلتم وبه قرأ الأعمش فأدغمت التاء في الثاء واجتلبت همزة الوصل للتوصل إلى الابتداء بالساكن ونظيره قول الشاعر:شعر : تؤتى الضجيع إذا ما اشتاقها خفرا عذب المذاق إذا ما أتابع القبل تفسير : وبه تتعلق {إِذَا} والجملة في موضع الحال، والفعل ماض لفظاً مضارع معنى أي مالكم متثاقلين حين قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم انفروا، وجوز أن يكون العامل في {إِذَا} الاستقرار المقدر في {لَكُمْ} أو معنى الفعل المدلول عليه بذلك أي أي شيء حاصل أو حصل لكم أو ما تصنعون حين قيل لكم انفروا، وقرىء {ٱثَّاقَلْتُمْ} بفتح الهمزة على أنها للاستفهام الإنكاري التوبيخي وهمزة الوصل سقطت في الدرج، وعلى هذه القراءة لا يصح تعلق {إِذَا} بهذا الفعل لأن الاستفهام له الصدارة فلا يتقدم معموله عليه، ولعل من يقول يتوسع في الظرف ما لا يتوسع في غيره يجوز ذلك، وقوله سبحانه: {إِلَى ٱلأَرْضِ} متعلق باثاقلتم على تضمينه معنى الميل والإخلاد ولولاه لم يعد بإلى، أي أثاقلتم مائلين إلى الدنيا وشهواتها الفانية عما قليل وكرهتم مشاق الجهاد ومتاعبه المستتبعة للراحة الخالدة والحياة الباقية أو إلى الإقامة بأرضكم ودياركم والأول أبلغ في الإنكار والتوبيخ ورجح الثاني بأنه أبعد عن توهم شائبة التكرار في الآية، وكان هذا التثاقل في غزوة تبوك وكانت في رجب سنة تسع فإنه صلى الله عليه وسلم بعد أن رجع من الطائف أقام بالمدينة قليلاً ثم استنفر الناس في وقت عسرة وشدة من الحر وجدب من البلاد وقد أدركت ثمار المدينة وطابت ظلالها مع بعد الشقة وكثرة العدو فشق عليه الشخوص لذلك. وذكر ابن هشام أن النبـي صلى الله عليه وسلم كان قلما يخرج في غزوة إلا كنَّى عنها وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه عليه الصلاة والسلام بينها للناس ليتأهبوا لذلك أهبته. {أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} وغرورها {مِنَ ٱلآخِرَةِ} أي بدل الآخرة ونعيمها الدائم {فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي فما فوائدها ومقاصدها أو فما التمتع بها وبلذائذها {فِي ٱلآخِرَةِ} أي في جنب الآخرة {إِلاَّ قَلِيلٌ} مستحقر لا يعبأ به، والإظهار في مقام الإضمار لزيادة التقرير، و {فِي} هذه تسمى القياسية لأن المقيس يوضع في جنب ما يقاس به، وفي ترشيح الحياة الدنيا بما يؤذن بنفاستها ويستدعي الرغبة فيها وتجريد الآخرة عن مثل ذلك مبالغة في بيان حقارة الدنيا ودناءتها وعظم شأن الآخرة ورفعتها. وقد أخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن المسور قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله «حديث : ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم ثم يرفعها فلينظر بم ترجع»تفسير : . وأخرج الحاكم وصححه عن سهل قال: حديث : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة فرأى شاة شائلة برجلها فقال: أترون هذه الشاة هينة على صاحبها؟ قالوا: نعم. قال عليه الصلاة والسلام والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله تعالى من هذه على صاحبها ولو كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء تفسير : ولا أرى الاستدلال على رداءة الدنيا إلا استدلالاً في مقام الضرورة. نعم هي نعمت الدار لمن تزود منها لآخرته.
سيد قطب
تفسير : هذا المقطع من سياق السورة يرجح أنه نزل بعد الأمر بالنفير العام لغزوة تبوك. ذلك حين بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الروم قد جمعوا له على أطراف الجزيرة بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه رزق سنة، وانضمت إليهم لخم وجدَام وعاملة وغسان من قبائل العرب. وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء من أعمال الشام. فاستنفر الناس إلى قتال الروم. وكان - صلى الله عليه وسلم - قلما يخرج إلى غزوة إلى ورّى بغيرها مكيدة في الحرب، إلا ما كان من هذه الغزوة. فقد صرح بها لبعد الشقة وشدة الزمان. إذا كان ذلك في شدة الحر، حين طابت الظلال، وأينعت الثمار، وحبب إلى الناس المقام.. عندئذ بأدت تظهر في المجتمع المسلم تلك الأعراض التي تحدثنا عنها في تقديم السورة. كما وجد المنافقون فرصتهم للتخذيل. فقالوا: لا تنفروا في الحر. وخوفوا الناس بعد الشقة، وحذروهم بأس الروم.. وكان لهذه العوامل المختلفة أثرها في تثاقل بعض الناس عن النفرة.. وهذا ما تعالجه هذه الفقرة.. {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض. أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل. إلاّ تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم، ولا تضروه شيئاً، والله على كل شيء قدير. إلاّ تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا، والله عزيز حكيم. انفروا خفافاً وثقالاً، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون}.. ذلك بدء العتاب للمتخلفين والتهديد بعاقبة التثاقل عن الجهاد في سبيل الله، والتذكير لهم بما كان من نصر الله لرسوله، قبل أن يكون معه منهم أحد، وبقدرته على إعادة هذا النصر بدونهم، فلا ينالهم عندئذ إلا إثم التخلف والتقصير. {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض؟}.. إنها ثقلة الأرض، ومطامع الأرض، وتصورات الأرض.. ثقلة الخوف على الحياة، والخوف على المال، والخوف على اللذائذ والمصالح والمتاع.. ثقلة الدعة والراحة والاستقرار.. ثقلة الذات الفانية والأجل المحدود والهدف القريب.. ثقلة اللحم والدم والتراب.. والتعبير يلقي كل هذه الظلال بجرس ألفاظه: {اثاقلتم}. وهي بجرسها تمثل الجسم المسترخي الثقيل، يرفعه الرافعون في جهد فيسقط منهم في ثقل! ويلقيها بمعنى ألفاظه: {اثاقلتم إلى الأرض}.. وما لها من جاذبية تشد إلى أسفل وتقاوم رفرفة الأرواح وانطلاق الأشواق.. إن النفرة للجهاد في سبيل الله انطلاق من قيد الأرض، وارتفاع على ثقلة اللحم والدم؛ وتحقيق للمعنى العلوي في الإنسان، وتغليب لعنصر الشوق المجنح في كيانه على عنصر القيد والضرورة؛ وتطلع إلى الخلود الممتد، وخلاص من الفناء المحدود: {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل}. وما يحجم ذوعقيدة في الله عن النفرة للجهاد في سبيله، إلا وفي هذه العقيدة دخل، وفي إيمان صاحبها بها وهن. لذلك يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -"حديث : من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من شعب النفاق"تفسير : . فالنفاق - وهو دخل في العقيدة يعوقها عن الصحة والكمال - هو الذي يقعد بمن يزعم أنه على عقيدة عن الجهاد في سبيل الله خشية الموت أو الفقر، والآجال بيد الله، والرزق من عند الله. وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل. ومن ثم يتوجه الخطاب إليهم بالتهديد: {إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم، ولا تضروه شيئاً، والله على كل شيء قدير}.. والخطاب لقوم معينين في موقف معين. ولكنه عام في مدلوله لكل ذوي عقيدة في الله. والعذب الذي يهتددهم ليس عذاب الآخرة وحده، فهو ذلك عذاب الدنيا. عذاب الذلة التي تصيب القاعدين عن الجهاد والكفاح، والغلبة عليهم للأعداء، والحرمان من الخيرات واستغلالها للمعادين؛ وهم مع ذلك كله يخسرون من النفوس والأموال أضعاف ما يخسرون في الكفاح والجهاد؛ ويقدمون على مذبح الذل أضعاف ما تتطلبه منهم الكرامة لو قدموا لها الفداء. وما من أمة تركت الجهاد إلا ضرب الله عليها الذل، فدفعت مرغمة صاغرة لأعدائها أضعاف ما كان يتطلبه منها كفاح الأعداء.. {ويستبدل قوماً غيركم}.. يقومون على العقيدة، ويؤدون ثمن العزة، ويستعلون على أعداء الله: {ولا تضروه شيئاً}.. ولا يقام لكم وزن، ولا تقدمون أو تؤخرون في الحساب! {والله على كل شيء قدير}.. لا يعجزه أن يذهب بكم، ويستبدل قوماً غيركم، ويغفلكم من التقدير والحساب! إن الاستعلاء على ثقلة الأرض وعلى ضعف النفس، إثبات للوجود الإنساني الكريم. فهو حياة بالمعنى العلوي للحياة: إن التثاقل إلى الإرض والاستسلام للخوف إعدام للوجود الإنساني الكريم. فهو فناء في ميزان الله وفي حساب الروح المميزة للأنسان. ويضرب الله لهم المثل من الواقع التاريخي الذي يعلمونه، على نصرة الله لرسوله بلا عون منهم ولا ولاء، والنصر من عند الله يؤتيه من يشاء: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا، ثاني اثنين إذ هما في الغار. إذ يقول لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا. فأنزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا، والله عزيز حكيم}.. ذلك حين ضاقت قريش بمحمد ذرعاً، كما تضيق القوة الغاشمة دائماً بكلمة الحق، لا تملك لها دفعاً، ولا تطيق عليها صبراً، فائتمرت به، وقررت أن تتخلص منه؛ فأطلعه الله على ما ائتمرت، وأوحي إليه بالخروج، فخرج وحيداً إلا من صاحبه الصدّيق، لا جيش ولا عدة، وأعداؤه كثر، وقوتهم إلى قوته ظاهرة. والسياق يرسم مشهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه: {إذ هما في الغار}. والقوم على إثرهما يتعقبون، والصديق - رضي الله عنه - يجزع - لا على نفسه ولكن على صاحبه - أن يطلعواعليها فيخلصوا إلى صاحبه الحبيب، يقول له: لو أن أحدهم نظر إلى قدمية لأبصرنا تحت قدميه. والرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد أنزل الله سكينته على قلبه، يهدئ من روعه ويطمئن من قلبه فيقول له:"حديث : يا أبا بكر ما ظنك بأثنين الله ثالثهما؟ ". تفسير : ثم ماذا كانت العاقبة، والقوة المادية كلها في جانب، والرسول - صلى الله عليه وسلم - مع صاحبه منها مجرد؟ كان النصر المؤزر من عند الله بجنود لم يرها الناس. وكانت الهزيمة للذين كفروا والذل والصغار: {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى}. وظلت كلمة الله في مكانها العالي منتصرة قوية نافذة: {وكلمة الله هي العليا}.. وقد قرئ "{ وكلمةَ الله} بالنصب. ولكن القراءة بالرفع أقوى في المعنى. لأنها تعطي معنى التقرير. فكلمة الله هي العليا طبيعة وأصلاً، بدون تصيير متعلق بحادثة معينة. والله {عزيز} لا يذل أولياؤه {حكيم} يقدر النصر في حينه لمن يستحقه ذلك مثل على نصرة الله لرسوله ولكلمته؛ والله قادر على أن يعيده على أيدي قوم آخرين غير الذين يتثاقلون ويتباطأون. وهو مثل من الواقع إن كانوا في حاجة بعد قول الله إلى دليل! وفي ظلال هذا المثل الواقع المؤثر يدعوهم إلى النفرة العامة، لا يعوقهم معوق. ولا يقعد بهم طارئ، إن كانوا يريدون لأنفسهم الخير في هذه الأرض وفي الدار الآخرة: {انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله. ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون}.. انفروا في كل حال، وجاهدوا بالنفوس والأموال، ولا تتلمسوا الحجج والمعاذير، ولا تخضعوا للعوائق والتعلات. {ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون}. وأدرك المؤمنون المخلصون هذا الخير. فنفروا والعوائق في طريقهم، والأعذار حاضرة لو أرادوا التمسك بالأعذار. ففتح الله عليهم القلوب والأرضين، وأعز بهم كلمة الله، وأعزهم بكلمة الله، وحقق على أيديهم ما يعد خارقة في تاريخ الفتوح. قرأ أبو طلحة - رضي الله عنه - سورة براءة فأتى على هذه الآية فقال: أرى ربنا استنفرنا شيوخاً وشباناً، جهزوني يا بني. فقال بنوه: يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك. فأبى فركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد تسعة أيام، فلم يتغير، فدفنوه بها. وروى ابن جرير بإسناده - عن أبي راشد الحراني قال: "وافيت المقداد بن الأسود فارس رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - جالساً على تابوت من توابيت الصيارفة، وقد فضل عنها من عظمه يريد الغزو؛ فقلت له قد أعذر الله إليك. فقال: أتت علينا سورة البعوث. {انفروا خفافاً وثقالاً}. وروى كذلك بإسناده - عن حيان بن زيد الشرعبي قال: نفرنا مع صفوان بن عمرو، وكان والياً على حمص قبل الأفسوس إلى الجراجمة فرأيت شيخا كبيراً هما، قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار، فأقبلت إليه فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك. قال: فرفع حاجبيه فقال يا ابن أخي استنفرنا الله، خفافاً وثقالاً. ألا إنه من يحبه الله يبتليه، ثم يعيده فيبقيه، وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر، ولم يعبد إلا الله عز وجل. وبمثل هذا الجد في أخذ كلمات الله انطلق الإسلام في الأرض، يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، وتمت تلك الخارقة في تلك الفتوح التحريرية الفريدة.
ابن عاشور
تفسير : هذا ابتداء خطاب للمؤمنين للتحريض على الجهاد في سبيل الله، بطريقة العتاب على التباطىء بإجابة دعوة النفير إلى الجهاد، والمقصود بذلك غزوة تبوك. قال ابن عطية: «لا اختلاف بين العلماء في أنّ هذه الآية نزلت عتاباً على تخلّف مَن تخلّف عن غزوة تبوك، إذ تخلّف عنها قبائل ورجال من المؤمنين والمنافقون» فالكلام متّصل بقوله: {أية : وقاتلوا المشركين كافة}تفسير : [التوبة: 36] ــــ وبقوله ــــ {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} تفسير : [التوبة: 29] إلى قوله {أية : فذوقوا ما كنتم تكنزون}تفسير : [التوبة: 35] كما أشرنا إليه في تفسير تلك الآيات. وهو خطاب للذين حصل منهم التثاقل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر المسلمين إلى تلك الغزوة، وكان ذلك في وقت حرّ شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً، حين نضجت الثمار، وطابت الظلال، وكان المسلمون يومئذٍ في شدّة حاجة إلى الظهر والعُدّة. فلذلك سُمّيت غزوة العُسرة كما سيأتي في هذه السورة، فجلى رسولُ الله للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أهبة عدوّهم، وأخبرهم بوجههِ الذي يريد، وكان قبل ذلك لا يريد غزوة إلاّ وَرَّى بما يوهم مكاناً غير المكان المقصود، فحصل لبعض المسلمين تثاقل، ومن بعضهم تخلّف، فوجه الله إليهم هذا الملام المعقّب بالوعيد. فإنّ نحن جرَينا على أنّ نزول السورة كان دفعة واحدة، وأنّه بعد غزوة تبوك، كما هو الأرجح، وهو قول جمهور المفسّرين، كان محمل هذه الآية أنّها عتاب على ما مضى وكانت {إذا} مستعملة ظرفاً للماضي، على خلاف غالب استعمالها، كقوله تعالى: {أية : وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها}تفسير : [الجمعة: 11] وقوله: {أية : ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد}تفسير : [التوبة: 92] الآية، فإنّ قوله: {أية : وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله}تفسير : [النساء: 75] صالح لإفادَة ذلك، وتحذيرٌ من العودة إليه، لأنّ قوله: {إلاَّ تنفروا} و{إلاّ تنصروه} و{انفروا خفافاً} مراد به ما يستقبل حين يُدعَون إلى غزوة أخرى، وسنبيّن ذلك مفصّلاً في مواضعه من الآيات. وإن جرينا على ما عَزاه ابن عطية إلى النقاش: أنّ قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض} هي أول آية نزلت من سورة براءة، كانت الآية عتاباً على تكاسلٍ وتثاقلٍ ظهرا على بعض الناس، فكانت {إذا} ظرفاً للمستقبل، على ما هو الغالب فيها، وكان قوله: {أية : إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً}تفسير : [التوبة: 39] تحذيراً من ترك الخروج إلى غزوة تبوك، وهذا كلّه بعيد ممّا ثبت في «السيرة» وما ترجّح في نزول هذه السورة. و{مَا} في قوله: و{ما لكم} اسم استفهام إنكاري، والمعنى: أي شيء، و{لكم} خبر عن الاستفهام أي: أي شيء ثَبت لكم. و{إذا} ظرف تعلّق بمعنى الاستفهام الإنكاري على معنى: أنّ الإنكار حاصل في ذلك الزمان الذي قيل لهم فيه: انفروا، وليس مضمّناً معنى الشرط لأنّه ظرفُ مُضيّ. وجملة {اثّاقلتم} في موضع الحال من ضمير الجماعة، وتلك الحالة هي محل الإنكار، أي: ما لكم متثاقلين. يقال: ما لكَ فعلت كذا، وما لك تَفعل كذا كقوله: {أية : ما لكم لا تناصرون}تفسير : [الصافات: 25]، وما لك فاعِلاً، كقوله: {أية : فما لكم في المنافقين فئتين}تفسير : [النساء: 88]. والنَّفْر: الخروج السريع من موضع إلى غيره لأمرٍ يحدث، وأكثر ما يطلق على الخروج إلى الحرب، ومصدره حينئذٍ النفير. وسبيل الله: الجهاد، سمّي بذلك لأنّه كالطريق الموصّل إلى الله، أي إلى رضاه. و{اثَّاقلتم} أصله تثاقلتم قلبت التاء المثنّاة ثاء مثلّثة لتقارب مخرجيهما طلباً للإدغام، واجتلبت همزة الوصل لإمكان تسكين الحرف الأول من الكلمة عند إدغامه. (والتثاقل) تكلّف الثقل، أي إظهار أنّه ثقيل لا يستطيع النهوض. والثِقَل حالة في الجسم تقتضي شدّة تطلّبه للنزول إلى أسفل، وعُسرَ انتقاله، وهو مستعمل هنا في البطء مجازاً مرسلاً، وفيه تعريض بأنّ بُطأهم ليس عن عجز، ولكنّه عن تعلّق بالإقامة في بلادهم وأموالهم. وعُدّي التثاقل بــــ {إلى} لأنّه ضمن معنى المَيل والإخلاد، كأنّه تثاقل يطلب فاعله الوصول إلى الأرض للقعود والسكون بها. والأرض ما يمشي عليه الناس. ومجموع قوله: {اثّاقلتم إلى الأرض} تمثيل لحال الكارهين للغزو المتطلّبين للعُذر عن الجهاد كسلاً وجبناً بحال من يُطلب منه النهوض والخروج، فيقابل ذلك الطلب بالالتصاق بالأرض، والتمكّن من القعود، فيأبى النهوض فضلاً عن السير. وقوله: {إلى الأرض} كلام موجه بديع: لأنّ تباطؤهم عن الغزو، وتطلّبهم العذر، كان أعظم بواعثه رغبتهم البقاء في حوائطهم وثمارهم، حتّى جعل بعض المفسّرين معنى اثاقلتم إلى الأرض: ملتم إلى أرضكم ودياركم. والاستفهام في {أرضيتم بالحياة الدنيا} إنكاري توبيخي، إذ لا يليق ذلك بالمؤمنين. و{مِنْ} في {من الآخرة} للبدل: أي كيف ترضون بالحياة الدنيا بدلاً عن الآخرة. ومثل ذلك لا يُرضَى به والمراد بالحياة الدنيا، وبالآخرة: منافعهما، فإنّهم لمّا حاولوا التخلّف عن الجهاد قد آثروا الراحة في الدنيا على الثواب الحاصل للمجاهدين في الآخرة. واختير فعل {رَضيتم} دون نحو آثرتم أو فضّلتم: مبالغة في الإنكار، لأن فعل (رضي بكذا) يدلّ على انشراح النفس، ومنه قول أبي بكر الصديق في حديث الغار «فشرب حتّى رضيت». والمَتاع: اسم مصدر تمتّع، فهو الالتذاذ والتنعّم، كقوله: {أية : متاعاً لكم ولأنعامكم}تفسير : [عبس: 32] ووصفه بــــ {قليل} بمعنى ضعيف ودنيء استعير القليل للتافه. ويحتمل أن يكون المتاع هنا مراداً به الشيء المتمتّع به، من إطلاق المصدر على المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق فالإخبار عنه بالقليل حقيقة. وحرف {في} من قوله: {في الآخرة} دالّ على معنى المقايسة، وقد جعلوا المقايسة من معاني {في} كما في «التسهيل» و«المغني»، واستشهدوا بهذه الآية أخذاً من «الكشاف» ولم يتكلّم على هذا المعنى شارحوهما ولا شارحو «الكشّاف»، وقد تكرّر نظيره في القرآن كقوله في سورة الرعد (26) {أية : وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع}تفسير : ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث مسلم ما الدنيا في الآخرة إلاّ كمثَل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليمّ فلينظر بم يرجع وهو في التحقيق (مِن) الظرفية المجازية: أي متاع الحياة الدنيا إذا أقحم في خيرات الآخرة كان قليلاً بالنسبة إلى كثرة خيرات الآخرة، فلزم أنّه ما ظهرت قلّته إلاّ عندما قيس بخيرات عظيمة ونسب إليها، فالتحقيق أنّ المقايسة معنى حاصل لاستعمالِ حرف الظرفية، وليس معنى موضوعاً له حرف (في).
الواحدي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا ما لكم} نزلت في حثِّ المؤمنين على غزوة تبوك، وذلك أنَّهم دُعوا إليها في زمان عسرةٍ من النَّاس، وجدبٍ من البلاد، وشدةٍ من الحرِّ، فشقَّ عليهم الخروج، فأنزل الله تعالى: {ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله} أخرجوا في الجهاد لحرب العدوِّ {اثاقلتم إلى الأرض} أَحْبَبْتُمْ المقام {أرضيتم بالحياة الدنيا} بدلاً {من الآخرة} يعني: الجنَّة {فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة} يريد: الدُّنيا كلَّها {إلاَّ قليل} عند شيءٍ من الجنَّة. {إلاَّ تنفروا} تخرجوا مع نبيِّكم إلى الجهاد {يعذبكم عذاباً أليماً} بالقحط وحبس المطر {ويستبدل قوماً غيركم} يأت بقومٍ آخرين ينصرُ بهم رسوله {ولا تضرّوه شيئاً} لأنَّ الله عصمه عن النَّاس، ولا يخذله أَنْ تثاقلتم، كما لم يضرَّه قلَّة ناصريه حين كان بمكَّة وهم به الكفَّار، فتولَّى الله نصره، وهو قوله: {إلاَّ تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا} أَيْ: اضطروه إلى الخروج لمَّا همُّوا بقتله، فكانوا سبباً لخروجه من مكَّة هارباً منهم، {ثاني اثنين} أَيْ: واحد اثنين هو صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه، والمعنى: نصره الله منفرداً إلاَّ من أبي بكر: {إذْ هما في الغار} هو غارٌ في جبل مكة يقال له: ثور {إذْ يقول لصاحبه} أبي بكر: {لا تحزن} وذلك أنَّه خاف على رسول الله صلى الله عليه وسلم الطَّلب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا تحزن إنَّ الله معنا} يمنعهم منَّا، وينصرنا {فأنزل الله سكينته} ألقى في قلب أبي بكر ما سكن به، {وأيده} أَيْ: رسوله {بجنود لم تروها} قوَّاه وأعانه بالملائكة يوم بدر. أخبر أنَّه صرف عنه كيد أعدائه، ثمَّ أظهره: نصره بالملائكة يوم بدر {وجعل كلمة الذين كفروا} وهي كلمة الشِّرك {السفلى وكلمة الله هي العليا} [يعني: كلمة التَّوحيد] لأنَّها علت وظهرت، وكان هذا يوم بدر. {انفروا خفافاً وثقالاً} شباباً وشيوخاً {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذٰلكم خير لكم} من التَّثاقل إلى الأرض {إن كنتم تعلمون} ما لكم من الثَّواب والجزاء، ثمَّ نزل في المنافقين الذين تخلَّفوا عن هذه الغزوة: {ولو كان عرضاً قريباً} أَيْ: لو كان ما دُعوا إليه غنيمةً قريبةً {وسفراً قاصداً} قريباً هيِّناً {لاتبعوك} طمعاً في الغنيمة {ولكن بعدت عليهم الشقة} المسافة {وسيحلفون بالله} عندك إذا رجعت إليهم {لو استطعنا لخرجنا معكم} لو قدرنا وكان لنا سعةٌ من المال {يهلكون أنفسهم} بالكذب والنِّفاق {والله يعلم إنهم لكاذبون} لأنَّهم كانوا يستطيعون الخروج. {عفا الله عنك لم أذنت لهم} كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لطائفةٍ في التَّخلُّف عنه، من غير مؤامرةٍ، ولم يكن له أن يمضي شيئاً إلاَّ بوحي، فعاتبه الله سبحانه، وقال: لم أَذنت لهم في التَّخلُّف {حتى يتبيَّن لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين} حتى تعرف مَنْ له العذر منهم، ومَنْ لا عذر له، فيكون إذنك لمَنْ له العذر.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: مالكم؟: أي أي شيء ثبت لكم من الأعذار. انفروا: أي اخرجوا مستعجلين مندفعين. اثاقلتم: أي تباطأتم كأنكم تحملون أثقالاً. إلا تنصروه: أي الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. ثاني اثنين: أي هو وأبو بكر رضي الله عنه. في الغار: غار ثور أي في جبل يقال له ثور بمكة. لصاحبه: هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه. سكينتهُ: أي طمأنينته. كلمة الذين كفروا: هي الدعوة إلى الشرك. السفلى: أي مغلوبة هابطة لا يسمع لها صوت. وكلمة الله هي العليا: أي دعوة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) هي العليا الغالبة الظاهرة. معنى الآيات: هذه الآيات نزلت في غزوة تبوك فقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن هرقل ملك الروم قد جمع جموعه لحرب الرسول صلى الله عليه وسلم، فأعلن النبي صلى الله عليه وسلم التعبئة العامة، وكان الزمن صيفاً حاراً وبالبلاد جدب ومجاعة، وكان ذلك في شوال من سنة تسع، وسميت هذه الغزوة بغزوة العسرة فاستحثَّ الربّ تبارك وتعالى المؤمنين ليخرجوا مع نبيهم لقتال أعدائه الذين عزموا على غزوه في عقر داره فأنزل تعالى قوله {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} والقائل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم {ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي اخرجوا للجهاد {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي لأجل رضاه سبحانه وتعالى وما عنده من نعيم مقيم. وقوله {مَا لَكُمْ} أي أي شيء يجعلكم لا تنفرون؟ وأنتم المؤمنون طلاب الكمال والإِسعاد في الدارين، وقوله {ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ} أي تباطأتم عن الخروج راضين ببقائكم في دوركم وبلادكم. {أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ}؟ ينكر تعالى على من هذه حاله منهم، ثم يقول لهم {فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي ما كل ما يوجد فيها من متع على اختلافها بالنسبة إلى ما في الآخرة من نعيم مقيم في جوار رب العالمين {إِلاَّ قَلِيلٌ} تافه لا قيمة له؛ فكيف تؤثرون القليل على الكثير والفاني على الباقي. ثم قال لهم {إِلاَّ تَنفِرُواْ} أي إن تخليتم عن نصرته صلى الله عليه وسلم وتركتموه يخرج إلى قتال الروم وحده {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. وفي هذا الخبر وعيد شديد اهتزت له قلوب المؤمنين. وقوله تعالى {إِلاَّ تَنصُرُوهُ} أي إن خذلتموه ولم تخرجوا معه في هذا الظرف الصعب فقد نصره الله تعالى في ظرف أصعب منه نصره في الوقت الذي أخرجه الذين كفروا {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ} أي هو وأبو بكر لا غير، {إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ} أي غار ثور، {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ}: لما قال لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا يا رسول الله، {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} فسكنت نفسه واطمأن وذهب الخوف من قلبه، {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وهي دعوتهم إلى الشرك جعلها {ٱلسُّفْلَىٰ} مغلوبة هابطة {وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ} كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله {هِيَ ٱلْعُلْيَا} الغالبة الظاهرة {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} غالب لا يغالب {حَكِيمٌ} في تصرفه وتدبيره، ينصر من أراد نصره بلا ممانع ويهزم من أراد هزيمته بلا مغالب. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب الخروج إلى الجهاد إذا دعا الإِمام بالدعوة العامة وهو ما يعرف بالتعبئة العامة أو النفير العام. 2- يجب أن يكون النفير في سبيل الله لا في سبيلٍ غير سبيله تعالى. 3- بيان حقارة الدنيا وضآلتها أمام الآخرة. 4- وجوب نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في دينه في أمته في سنته. 5- شرف أبي بكر الصديق وبيان فضله. 6- الإِسلام يعلو ولا يعلى عليه.
القطان
تفسير : انفروا في سبيل الله: أقدموا على الجهاد وأسرعوا في الخروج اليه. اثاقلتم: تباطأتم. في الغار: الغار هنا هو غار ثور الذي لجأ اليه النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه ابو بكر رضي الله عنه يوم الهجرة. سكينته: سكون النفس وطمأنينتها. الكلام من هنا الى أواخر السورة في غزوة تبوك، وما لابسَها من هتك ستر المنافقين وضعفاء الايمان، وتطهير قلوب المؤمنين من عوامل الشقاق. وهناك بعض الأحكام تخلّلت الآياتِ جرياً على سُنة القرآن في أسلوبه الحكيم. ومناسبة الآيات لِما قبلها ان الكلام السابق كان في حُكْم مشاكلِ اليهود، وبيانِ حقيقة أحوالِهم المنحرفة، وبيانِ بعض عقائد العرب في الجاهلية وإبطالها. والكلام هنا في غزوة تبوك، ومواجهة الروم ومن يشايعهم من عرب الشام، وجميعهم نصارى. وكانت المعركة في رجبَ، سنةَ تسعٍ للهجرة، المصادف لشهر تشرين الثاني. وتبوك موضع في منتصف الطريق بين المدينة، ودمشق، تبعد عن المدينة حوالي 600 كيلو متر، وعن دمشق حوالى 700 كيلوا متر. كان مُلك الروم يشمل بلاد الشام، وسمعوا بقوة الإسلام، فخاف ملكهم هِرقْل على دولته. لذلك بادر الى جمع الجيوش ليهاجم المسلمين في دراهم. وقد نقل هذه الاخبار عددٌ من التجار الآتين من بلاد الشام، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس واستنفرهم الى قتال الروم. وتجهّز المسلمون حتى اجتمع جيشٌ كبير بلغ ثلاثين الفا. وقد تبارى المسلمون في البذل والعطاء، فدفع عثمان بن عفان رضي الله عنه الف دينار، وجاء أبو بكر بكل ما يملك، وجاء عمر بنِصف ما يملك، وتطوع الناس بقدر ما يستطيعون. كان الوقت في أواخر الصيف والحر الشديد، والسفر طويل وشاق، ولذلك سُميت غزوة العُسْرة. كانت الثمار قد طابت بعد نضجها، والناس يحبّون المقام لجمع ثمارهم، ويكرهون الشخوص آنذاك، ومن هنا تخلّف المنافقون وتعّللوا بشتى المعاذير. وكان بينهم اربعة من كبار الصحابة هم: كعب بن مالك، وهلال بن امية، ومرارة بن الربيع، وابو خيثمة، وجاء أبو خيثمة الى داره فوجد زوجتَيه قد مهّدتا له الفراش، وهيّأتا له كل سبيل للراحة، فلما وجد كل هذه الرفاهية في منزله قال: رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الضِحّ (الشمس) والريح والحر، وأبو خيثمة في ظلٍّ بارد، وطعام مهيّأ، وامرأة حسناء، وفي ماله مقيم! ما هذا بالنَصَف. ثم هيّأ نفسه ولحق بالرسول وجيشه. وسيأتي خبر إخوانه الثلاثة الذين خُلّفوا فيما بعد. ومضى الجيش حتى وصل تبوك ولم يلقَ حربا، وقد عقدت صلحاً مع حاكم تبوك وبعض حاميات الحدود، وعاد الرسول وجيشه الى المدينة. واستغرقت هذه الرحلة نحو عشرين يوما. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ}. يا أيها المؤمنون، ما لَكُم حِينما نَدَبكم الرسولُ الى الجهاد في سبيل الله تباطَأَ بعضُكم عن الخروج، وأخلّدوا للراحة واللذة! وكان من أسباب تثاقُلهم ما روى ابن جرير عن مجاهِد قال: اُمِروا بغزوة تبوك بعد الفتح وبعد حُنين وبعد الطائف، اُمروا بالنفير في الصيف حين اخْتُرِفَت النخل (قُطفت) وطابت الثمار، واشتهوا الظلال، وشق عليهم الخروج، فقالوا: منا الثقيلُ وذو الحاجة والشغل، والمنتشِر به أمْرُه في ذلك كله. {أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ}. هل آثرتم لذّات الدنيا الفانية على سعادة الآخرة الكاملة، ونعيمها الدائم!؟ ما هذا الذي تتمتعون به في الدنيا وما لذائذها المشوبة بالمنغّصات إلا تافهاً أمام متاع الآخرة العريض! انه لا يرضى به عاقل ولن يقبله. روى أحمد ومسلم والترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله: "حديث : ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعلُ إصبعَه هذه في اليمّ، فلينظْر بِمَ ترجع - واشار بالسبّابة ". تفسير : {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً}. إن لم تستجيبوا للرسول، فتخرجُوا للجهاد يعذّبكم الله عذاباً أليما في الدنيا يهلككم به، ويستبدل بكم قوماً آخرين، يطيعونه ولا يتخلّفون عن الجهاد. إنكم لا تضرون الله بهذا التخلف شيئا. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. قادر لا يُعجزه عقابكم ولا نُصره دِينه بغيركم: كما قال تعالى {أية : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} تفسير : [محمد: 38]. ثم بعد ذلك رغّبهم في الجهاد وبيَّن لهم أنه تعالى هو الذي ينصر نبيّه على أعداء دينه، سواء أعانوه ام لم يفعلوا، وهو سبحانه قد فعل ذلك والرسول في قلّة من العدد، والعُدوُّ في كثرة، فيكف واصحابه الآن كثيرون، والعدوُّ قليل!!. {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا}. ان لم تنصروا رسولَ الله فإن الله كفيلٌ بذلك. فلقد أيَده ونَصره حين أجمعَ كفّار قريش على قتله، واضطروه الى الخروج من مكة مهاجراً، وليس معه الا أبو بكر ثانيَ اثنين في الغار. والغارُ هو غار ثَوْر على ساعةٍ من مكة الى جهة اليَمَن. وقد مكثا فيه ثلاث ليالٍ، وبينما هما في الغار اقتفى اثرهما نفر من المشركين، فخاف ابو بكر على حياة الرسول، فقال له رسول الله: لا تحزن إن الله معنا، ولن يصلوا الينا. روى الامام أحمد البخاري ومسلم عن أنَس قال: حديث : حدثني ابو بكر قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، فنظرتُ الى أقومِ المشركين، وهم على رؤوسنا فقلت: يا رسولَ الله، لو ان أحدَهم نَظَر الى قدميه لأَبصرَنا تحت قدميه. فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثُهما ؟ تفسير : {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا}. عند ذلك انزل الله الطمأنينة على رسوله، وأيّده بجنود من عنده لا يعلمهم إلا هو سبحانه، انتهى الأمرُ بأن جعَلَ كلمةَ الشِرك وشوكتَهم هي السفلى، وكلمةُ الله وهي دينُه، هي العليا بظهور نور الاسلام. {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} والله متّصفٌ بالعِزة لا يُقهر، حكيم إذ يضع الأمورَ في مواضعِها. توقد اقتضت حكمتُه ان ينصر نبيه بعزّته، ويُظهر دينه على جميع الأديان. قراءات: قرأ يعقوب "وكلمة الله" بالنصب، والباقون بالرفع.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {بِٱلْحَيَاةِ} {ٱلآخِرَةِ} {ٱلْحَيَاةِ} (38) - يُعَاتِبُ اللهُ تَعَالَى مَنْ تَخَلَّفَ، مِنَ المُؤْمِنِينَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوك، حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلاَلُ، وَكَانَ الْوَقْتُ حَارّاً قَائِظاً، فَيَقُولُ تَعَالَى لَهُمْ: مَا لَكُمْ أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ إِذَا دُعِيْتُمْ إِلى الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَكَاسَلْتُمْ وَتَبَاطَأْتُمْ، وَمِلْتُمْ إِلَى الدَّعَةِ وَالإِْقَامَةِ فِي الظِّلِ وَطِيبِ الثِّمَارِ؟ أَفَعَلْتُمْ ذَلِكَ رِضاً مِنْكُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا بَدَلاً مِنَ الآخِرَةِ؟ وَمَا قِيمَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا مَتَاعُهَا إِلاَّ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الآخِرَةِ، إِذْ يَنْتَظِرُ المُؤْمِنِينَ رِضْوانٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ، وَجَنَّاتٌ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. انْفِرُوا - اخْرُجُوا إِلَى الجِهَادِ. اثَّاقَلْتُمْ - تَبَاطَأْتُمْ وَأَخْلَدْتُمْ إِلَى الرَّاحَةِ.
الثعلبي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ} الآية فيها حثٌّ من الله سبحانه لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على غزوة تبوك، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف أمر بالجهاد لغزوة الروم، وذلك في زمان عسرة من الناس وجدب من البلاد وشدة من الحر [حين] فأحرقت النخل وطابت الثمار وعظم على الناس غزوة الروم، وأحبّوا الظلال والمقام في المسكن والمال، فشقّ عليهم الخروج إلى القتال، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلَّ ماخرج في غزوة الاّ كنّى عنها وورّى بغيرها إلا غزوة تبوك لبُعد شقتها وكثرة العدو ليتأهب الناس وأمرهم بالجهاد، وأخبرهم بالذي يريد، فلمّا علم الله تثاقل الناس، انزل الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا مالكم أي شيء أمركم {إِذَا قِيلَ لَكُمُ} إذا قال لكم رسول الله {ٱنفِرُواْ} اخرجوا {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} وأصل النفر مفارقة مكان إلى مكان آخر لأمر هاج على ذلك، فقالت نفر فلان إلى ثغر كذا، ينفر نفراً ونفوراً، ومنه نفور الدابة ونفارها {ٱثَّاقَلْتُمْ} تباطأتم. قال المبرّد: أخلدْتم {إِلَى ٱلأَرْضِ} ومعناه: لزمتم أرضكم ومساكنكم، وأصله تثاقلتم فأُدغمت التاء في الثاء وأخرجت لها الف يوصل إلى الكلام بها حين الابتداء بها، كقوله {أية : حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا}تفسير : [الأعراف: 38]وقالوا: اطّيرنا وأرجفت، العلاء والكسائي. شعر : تولى الضجيج إذا ما اشتاقها خضرا عذب المذاق إذا ما اتابع القبل تفسير : أي إذا تتابع. {أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ} أي أرضيتم الدنيا ودِعتها عوضاً من نعيم الآخرة وثوابها {فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} ثم أوعدهم على ترك الجهاد {إِلاَّ تَنفِرُواْ} وقرأ عبيد بن عمير تنفروا بضم الفاء وهما لغتان {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} في الآخرة، وقيل: هو احتباس القطر عنهم، سُئل نجدة بن نفيع عن ابن عباس عن هذه الآية فقال: حديث : إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر حياً من أحياء العرب فتثاقلوا عنه، فأمسك عنهم المطر فكذلك كان عذابهم تفسير : {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} خيراً منكم وأطوع، قال سعيد بن جبير: هم أبناء فارس، وقال أبو صلاح: هم أهل اليمن {وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً} بترك النفير {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ} هذا إعلام من الله أنه هو المتكفّل بنصر رسوله وإظهار دينه أعانوه أو لم يعينوه، وأنه قد نصره حين كان أولياؤه قليلاً وأعدائه كثيراً، فكيف به اليوم وهو في كثرة من العدد والعدّة فقال عزّ من قائل: إلاّ تنفروا أيها المؤمنون إذا استنفركم، ولا تنصروه إذا استنصركم فالله يعينه يعوّضه عنكم كما نصره {إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}. وقيل: [معناه]: إن لم تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا من مكة حين مكروا به وأرادوا [إخراجه] وهموا بقتله {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ} نصب على الحال، وهو أحد الاثنين، والاثنين رسول الله وأبو بكر الصديق {إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ} وهو نقب في جبل بمكة يقال له ثور {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ} أبي بكر رضي الله عنه {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} للعون والنصرة، ولم يكن حزن أبي بكر ح جبناً منه ولا سوء ظن وإنما كان اشفاقاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلّ عليه أنه قال: يارسول الله إن قتلتُ فأنا رجل واحد، وإن قتلتَ هلكت الأُمة. همام عن ثابت حديث : عن أنس أن أبا بكر حدّثه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار: لو أن أحداً نظر إلى تحت قدميه لأبصرنا فقال: يا أبا بكر ما ظنّك باثنين الله ثالثهما. تفسير : قال مجاهد حديث : مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثاً . تفسير : قال عروة: كان لأبي بكر منيحة من غنم فكان عامر بن فهيرة يروح بتلك الغنم على النبي صلى الله عليه وسلم في الغار. وقال قتادة: كان عبد الرحمن بن أبي بكر يختلف إليهما، فلمّا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج دعاهم وكانوا أربعة: النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعامر بن فهيرة وعبد الله بن أُريقط الليثي. قال الزهري: "حديث : لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الغار أرسل الله زوجاً من حمام حتى باضا أسفل النقب، والعنكبوت حتى نسج بيتاً، فلمّا جاء سراقة بن مالك في طلبهما فرأى بيض الحمام وبيت العنكبوت، قال لو دخلاه لتكسر البيض، وتفسخ بيت العنكبوت، فانصرف. وقال النبي: اللهم اعم أبصارهم" فعميت أبصارهم عن دخوله، وجعلوا يضربون يميناً وشمالاً حول الغار . تفسير : روى السري بن يحيى عن محمد بن سيرين قال: ذكر رجال على عهد عمر بن الخطاب فكأنّهم فضّلوا عمر على أبي بكر، قال: فبلغ ذلك عمر فقال: والله لَليلة من أبي بكر خير من آل عمر، ولَيوم من أبي بكر خير من آل عمر، حديث : لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة انطلق إلى الغار ومعه أبو بكر فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه حتى وصل رسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا بكر مالك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي فقال: يارسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك، فقال: يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني؟ قال: نعم والذي بعثك بالحق. فلما أتيا إلى الغار قال أبو بكر رضي الله عنه: مكانك يارسول الله حتى أستبرئ الغار، فدخل فاستبرأ حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنّه لم يستبرئ الحجر، فقال مكانك يا رسول الله حتى استبرئ الحجر فدخل فاستبرأ ثم قال: انزل يارسول الله فنزل، فقال عمر: والذي نفسي بيده لَتلك الليلة خير من آل عمر. تفسير : أبو عوانة عن فراس عن الشعبي قال: لقد عاتب الله أهل الأرض جميعاً غير أبي بكر رضي الله عنه في هذه الآية، وقال أبو بكر: شعر : قال النبي ولم يجزع يوقّرني ونحن في شدة من ظلمة الغار لا تخشَ شيئاً فإن الله ثالثنا وقد توكل لي منه بإظهار وإنما كيد من تخشى بوادره كيد الشياطين كادته لكفّار والله مهلكهم طُراً بما كسبوا وجاعل المنتهى منها إلى النار تفسير : {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ} سكونه وطمأنينته {عَلَيْهِ} أي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن عباس: على أبي بكر، فأمّا النبي صلى الله عليه وسلم فكانت السكينة عليه قبل ذلك {وَأَيَّدَهُ} قرأ مجاهد: وأيده بالمد {بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} وهم الملائكة {وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ} أي المقهورة المغلوبة {وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ} رفع على مبتدأ وقرأ يعقوب: وكلمة الله على النصب على العطف {هِيَ ٱلْعُلْيَا} العالية. قال ابن عباس: الكلمة السفلى: كلمة الشرك، والعليا: لا إله إلاّ الله {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} قال أبو الضحى: أول آية نزلت من براءة هذه الآية وقال مقاتل: قالوا: فينا الثقيل وذو الحاجة والضيعة، والشغل والمنتشر أمره، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، وأبى أن يعذرهم. واختلفوا في معنى الخفاف والثقال، فقال أنس والحسن والضحاك ومجاهد وقتادة وعكرمة وشمر بن عطية ومقاتل بن حيان: مشاغيل، وقال الحكم: مشاغيل وغير مشاغيل. الحسن: مشاغيل، وقال أبو صالح: خفافاً من المال، أي فقراء وثقالا منه أي أغنياء، وقال ابن زيد: الثقيل الذي له الضيعة فهو ثقيل يكبره بأن يضع ضيعته من الخفيف الذي لا ضيعة له. قال: نشاط وغير نشاط، وقال عطية العوفي: ركباناً ومشاة، وقال مرة الهمذاني: أصحّاء ومرضى، وقال يمان بن رباب: عزّاباً ومتأهلين. وقيل: خفافاً مسرعين غير خارجين ساعة اتباع النفير. قال: خفّ الرجل خفوفاً إذا مشى مسرعاً، وثقالاً أي بعد التروية فيه والاستعداد له. وقيل: خفافاً من السلاح أي مقلّين منه وثقالاً مستكثرين منه، فالعرب تسمي الأعزل مخفّاً. وقيل: خفافاً من ماشيتكم وأبنائكم وثقالا متكثّرين بهم {وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} علي بن زيد عن أنس: إن أبا طلحة قرأ سورة براءة فأتى على هذه الآية {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} فقال: أي بني جهّزوني جهّزوني. فقال بنوه: يرحمك الله قد غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات، ومع أبي بكر وعمر رضي الله عنه حتى ماتا، فنحن نغزو عنك، فقال: جهزوني، فغزا البحر فمات في البحر فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلاّ بعد سبعة أيام فدفنوه فيها فلم يتغير. وقال الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزوة وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: إنّك عليل، صاحب ضرّ فقال استنفر له الخفيف والثقيل، فإن لم يمكنني الحرب كثّرت السواد وحفظت المتاع.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وساعةَ تسمع {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} فهذا نداء خاص بمن آمن بالله؛ لأن الله لا يكلف من لم يؤمن به شيئاً، ولكنه كلف الذين آمنوا، فلا يوجد حكم من أحكام منهج الله فيه تكليف لكافر أو غير مؤمن. ولكن أحكام المنهج موجهة كلها للمؤمنين. ولذلك ساعةَ تسمع: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تعرف أن الله يخاطب أو يأمر من آمن به؛ لأنك أنت الذي آمنت باختيارك، ودخلتَ على الإيمان برغبتك، فالحق سبحانه لم يأخذك إلى الإيمان قهراً، ولكنك جئت للإيمان اختياراً، ولذلك يقول سبحانه وتعالى لك: ما دُمْتُ قد آمنت بي إلهاً قادراً قيُّوماً، له مطلق صفات الكمال، فاسمع مني ما أريده لحركة حياتكَ. ولا يحسب أحد أنه قادر على أن يدخل في الإيمان ولا ينفذ المنهج، ولا يحسب أحد أنه قادر أن يضر الله شيئاً، وسبق أن ضربنا المثل بالمريض الذي يختار أبرع الأطباء، ولم يجبره أحد على أن يذهب إليه، وأجرى الطبيب الكشف على المريض، وحدد الداء وكتب الدواء، ولكن المريض بعد أن خرج من العيادة أمسك بتذكرة الدواء ومزقها، أو أنه اشترى الدواء ولم يتناوله. أيكون بذلك قد عاقب الطبيب أم عاقب نفسه؟ إن الطبيب لن يتأثر ولن يضره شيء مما فعله هذا المريض، ولكنه هو الذي سيزداد عليه المرض ويقود نفسه إلى الهلاك، وكذلك الإنسان إن لم يتبع منهج الله، فإنه يضيع نفسه ويُغرقها في الشقاء؛ لأن الحق سبحانه قد وضع هذا المنهج وفيه علاج لكل أمراض الإنسان، فإن عمل به الإنسان نجا من بلاء الدنيا، وإذا عمل به مجتمع لن يظهر فيه الشقاء. بل يمتلىء بالرخاء والأمن والطمأنينة، ومن لم يعمل به فلن يضر الله شيئاً، بل يحصل على الشقاء ويهلك نفسه. وحين يخاطب الحق سبحانه الذين آمنوا يوضح: خذوا مني هذا التكليف ففيه سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، ولهذا نجد أن الحق سبحانه وتعالى لا يذكر أمراً من أوامره بأي تكليف أو نهياً من نواهيه، إلا مسبوقاً بقوله سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مثل قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ...}تفسير : [البقرة: 183]. وقوله سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ...} تفسير : [البقرة: 178]. وهذه التكليفات لمَ تأتِ مبنية للمعلوم، فمن الذين يكتب؟ إنه الحق سبحانه، كما أنها صيغة مبنية دائماً لما لم يُسَمَّ فاعله، أي: أن الكتابة أتت من كثير. ونقول: صحيح أن الله سبحانه وتعالى هو الذي كتب، فلماذا لم يقل: يأيها الذين آمنوا كتبتُ عليكم. ولماذا يقول: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ}؟. ونقول: لأن الله وإن كان قد كتب، إلا أنه لم يكتبها على كل خلقه، بل كتبها على الذين آمنوا به، وأنت بإيمانك أصبحت ملتزماً بعناصر التكليف، فكأن الحق سبحانه لم يكتب ثم يلزمك، ولكن التزامك تم في نفس اللحظة التي دخلت فيها باختيارك في الإيمان. وبذلك تكون كل هذه الأحكام قد كُتِبتْ علينا باختيار كل منا، فمن لم يَخْتَرْ الإيمان ليس مكتوباً عليه أن ينفذ أحكام الإيمان؛ لأنها لا تُنفذ إلا بالعقد الإيماني بيننا وبين الحق سبحانه؛ وقد احترم سبحانه دخولنا في هذا العقد، فلم ينسبه لذاته العلية فقط، بل شمل أيضاً كل مَنْ دخل في الإيمان. ولذلك فإن سأل أحد عن حكمة التكليف من الله، نقول له: إن الحكمة تنبع من أنه سبحانه هو الذي كَلَّف. ثم إن معرفة الحكمة لا تكون إلا من المساوي للمساوي، فإن ذهب المريض إلى الطبيب وكتب له الدواء، وظل المريض يناقش الطبيب في الدواء وفوائده؛ فالطبيب يرفض المناقشة، ويقول للمريض: ادخل كلية الطب واقْضِ فيها سبع سنوات، واحصل على الدرجات العلمية، ثم تَعَالَ وناقشني. إذن: فأنت تربط علة التكليف بأمر المكلف، مع أن المكلف من البشر قد يخطئ. أما إذا جئنا بمجموعة من الأطباء ليكشفوا على مريض احتار الطب فيه، ثم جلسوا بعد الكشف يتناقشون، فكل منهم يقبل مناقشة الآخر؛ لأنه مُسَاوٍ له في الفكر والثقافة والعلم إلى آخره، لكن إنْ أردتَ أن تسأل عن الحكمة في تكليف من الله فلن تجد مساويًا لله سبحانه وتعالى، وبذلك تكون المناقشة مرفوضة. إذن: فالمكلف لا بد أن تكون له منزلة سابقة على التكليف، ومنزلة الحق أنك آمنت به، ولهذا أرى أن البحث عن أسباب التكليف هو أمر مرفوض إيمانياً، فإذا قيل: إن الله فرض الصوم حتى يشعر الغني بألم الجوع؛ ليعطف على الفقير، نقول: لا، وإلا سقط الصوم عن الفقير؛ لأنه يعرف ألم الجوع جيداً. وإذا قيل لنا: إن الصوم يعالج أمراض كذا وكذا وكذا. نقول: إن هذا غير صحيح، وإلا لما أسقط الله فريضة الصوم عن المريض في قوله تعالى: {أية : وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ...}تفسير : [البقرة: 185]. فإذا كان الله قد أباح للمريض أن يفطر، فكيف يأتي إنسان ويقول: إن علة فرض الصوم هي شفاء الأمراض؟ كما أن هناك بعض الأمراض لا يُسْمَح معها بالصوم. إذن: فنحن نصوم لأن الله فرض علينا الصوم، وما دام الله قد قال فسبب التنفيذ هو أن القول صادر من الله سبحانه، ولا شيء غير ذلك، فإذا ظهرت حكمة التكليف فإنها تزيدنا إيماناً، مثلما ثبت ضرر لحم الخنزير بالنسبة للإنسان؛ لأن لحم الخنزير مليء بالميكروبات والجراثيم التي يأكلها مع القمامة، ونحن لا نمتنع عن أكل لحم الخنزير لهذا السبب، بل نمتنع عن أكله لأن الله قد أمرنا بذلك، ولو أن هذه الحكمة لم يكشف عنها الطب ما قَلَّلَ هذا من اقتناعنا بعدم أكل لحم الخنزير؛ لأننا نأخذ التكليف من الله، وليس من أي مصدر آخر. ونعود إلى خواطرنا حول الآية الكريمة: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ}، ونجد كلمة: {مَا لَكُمْ} تأتي حين نتعجب من حال لا يتفق مع حال، وكأن حرب المؤمنين للكفار أمر متوقع وتقتضيه الحال؛ لأن المؤمنين حين يقاتلون الكفار إنما يدخلون شيئاً من اليقين على أهل الاستقامة، فأهل الاستقامة إن لم يجدوا من يضرب على أيدي الكافرين فقد ينحرف على أيدي الكفار، فإنه بفعله هذا يربب في المؤمن إيمانه؛ لأنه يرى عدوه وهو يتلقى النكال. كأن تقول للتلميذ: ما لك تهمل في مذاكرتك وقد قَرُبَ الامتحان؟ أي: أن المفروض أنه إذا قرب الامتحان لا بد أن يجتهد الطالب في المذاكرة. فإن أهمل التلميذ عمله فنحن نتعجب من سلوكه؛ لأنه لا يتفق مع ما كان يجب أن يحدث. وبذلك نستنكر أن يحدث مثل هذا الإهمال، مثلما نستنكر ونتعجب من مريض يترك الدواء بينما هو يتألم. ويتعجب الحق سبحانه هنا من تثاقل المؤمنين حين يُدْعَوْنَ إلى القتال؛ لأن قوة الإيمان تدعو دائماً إلى أن يكون هناك استعداد مستمر للقتال، وهذا الاستعداد يخيف الكفار ويمنع عدوانهم واستهتارهم بالمؤمنين أولاً، كما أنه ثانياً يجعل المؤمنين قادرين على الرد والردع في أي وقت. ويعطي ثالثاً شيئاً من اليقين للمجتمع المؤمن عندما يرى أن هناك من يضرب على يد الكافرين إذا استهانوا بمجتمع الإيمان وحاولوا أن يستذلوا المؤمنين. إذن: فَلِكَيْ يبقى المجتمع المؤمن قوياً وآمناً؛ لا بد أن يوجد استعداد دائم للقتال في سبيل الله ورغبة في الشهادة، وهنا يقول الحق: {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} فكأن الاستعداد المستمر للقتال في سبيل الله أمر لا بد أن يوجد بالفطرة وبالعقل، فإذا ضَعُفَ هذا الاستعداد أو قَلَّ صار هذا الأمر موطناً للتعجب؛ لأن المؤمنين يعرفون أن مجتمع الكفر يتربص بهم دائماً، وعليهم أن يكونوا على استعداد دائم مستمر للمواجهة، ويستنكر الحق أن يتثاقل المؤمنون إذا دُعُوا للقتال في سبيل الله أو أن يتكاسلوا. وقوله سبحانه: {ٱنفِرُواْ} من "النفرة" وهي الخروج إلى أمر يهيج استقرار الإنسان، فحين يكون الإنسان جالساً في مكانه، قد يأتي أمر يهيجه فيقوم ليفعل ما يتناسب مع الأمر المهيج، فأنت مثلاً إذا رأيت إنساناً سيسقط في بئر، فهذا الأمر يهيجك، فتنطلق من مكانك لتجذبه بعيداً، ومنه النُّفْره التي تحدث بين الأحباب الذين يعيشون في وُدٍّ دائم، وقد يحدث بينهم أمر يُحوِّل هذا الود إلى جَفْوة. إذن: فكلمة {ٱنفِرُواْ} تدل على الخروج إلى أمر مهيج، وهو المنطق الطبيعي الذي يجب أن يكون؛ لأن عمل الكفار يهيج المؤمنين على مواجهتهم. وقول الحق سبحانه: {ٱنفِرُواْ} يدل على الاستفزاز المستمر من الكفار للمؤمنين. ويقول الحق تعالى: {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ}. والثقل معناه: أن كتلة الشيء تكون زائدة على قدرة من يحمله، فإن قلت: إن هذا الشيء ثقيل فهذا يعني أن وزنه مثلاً أكبر من قوة عضلاتك فلا تستطيع أن تحمله. أما التثاقل فهو عدم موافقة الشيء لطبيعة التكوين. كأن تقول: فلان ثقيل أي أن وزنه ضخم ولا يستطيع أن يقوم من مكانه إلا بصعوبة، ولا أن يتحرك إلا بمشقة. ولكن التثاقل معناه تكلف المشقة، أي: لك قدرة على الفعل، ولكنك تتصنع أنك غير قادر، كأن يكون هناك - على سبيل المثال - شيء وزنه رطل، ثم تدَّعي أنه ثقيل عليك ولا تستطيع أن تحمله. إذن: فقوله تعالى: {ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ} أي: تكلفتم الثقل بدون حقيقة، فأنتم عندكم قدرة على القتال ولكنكم تظاهرتم بأن لا قدرة لكم. وهكذا نعرف أن الموقف يقتضي النفرة ليواجهوا الكفر؛ لأن المنهج الذي ارتضوه لأنفسهم والتزموا به يحقق السلامة والأمن والاطمئنان لهم ولغيرهم، وكأن التثاقل إلى الأرض له مقابل، فالنفرة تكون في سبيل الله، والمقابل في سبيل الشيطان أو في سبيل شهوات النفس. لقد تحدث العلماء في المسائل التي تجعل الإنسان يُقبِلُ على المعصية، وهي النفس التي تُحدِّث الإنسان بشيء، فالإنسان يقبل على المعصية بهذين العاملين فقط. فما الفرق بين الاثنين؟ وكيف يتعرف الإنسان على ذلك؟ قال العلماء: إذا كانت النفس تُلحُّ عليك أن تفعل معصية بعينها بحيث إذا صرفتها عنها عادت تُلِحُّ عليك لاقتراف نفس المعصية لتحقق متعة عاجلة، فهذا إلحاح من النفس الأمَّارة بالسوء. ولكن الشيطان لا يريد منك ذلك، إنه يريدك مخالفاً لمنهج الله على أي لون، فإذا استعصى عليه أن يجذبك إلى المال الحرام، فهو يزين لك شهوة النساء، فإذا فشل جاء من ناحية الخمر. إذن: فهو يريدك عاصياً بأي معصية، ولكن النفس تريدك عاصياً بنفس المعصية التي تشتهيها. وهذا هو الفرق. وهكذا نعرف أن هناك واقعين، واقعاً يدعو المؤمنين إلى قتال الكفار الذين يفسدون منهج الله في الأرض، وواقعاً يدعوهم إلى أن يتثاقلوا عن هذا القتال، وذلك إما بسبب حب الدنيا لتحقيق شهوة النفس أو إغراء الشيطان، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ} والرضا هو حب القلب، فيقال: فلان رَاضٍ لأنه مسرور بالحال الذي هو فيه. ومعنى تثاقل المؤمنين عن القتال في سبيل الله، أن هناك شيئاً قد غلب شيئاً آخر في داخل نفوسهم، فالرضا بالحياة الدنيا قد تغلَّبَ على حب الآخرة. ولكن المنطق الإيماني يقول: إنه إذا كان هناك أمر آخر غير الدنيا، أو حياة أخرى غير حياتنا الدنيوية، فلا بد أن نقارن بين ما تعطيه الدنيا وبين ما تعطيه الآخرة، فإذا رضينا بما تقدمه لنا هذه الحياة المادية، يكون المؤمن بلا طموح وبلا ذكاء؛ لأنه رضي بمتاع قليل زائل وترك متاعاً أبدياً ممتداً بقدرة الله. وأنت لو نظرت إلى الدنيا نظرة فاحصة، تجد أنها متغيرة متبدلة، فالصحيح يصبح مريضاً، والغني يصبح فقيراً، والقوي يصبح ضعيفاً. إذن: فمتاع الدنيا متغير ولا عصمة لك فيه، وأنت لا تستطيع أن تعصم نفسك من المرض أو من الضعف أو من الفقر؛ لأن هذه كلها أغيار تحكمك ولا تحكمها أنت؛ تقهرك ولا تستطيع أنت أن تقهرها. فإن رضيت بمتاع الدنيا اليوم فأنت لا تضمن استمراره إلى غد. ولهذا ينبغي ألا تؤخر تنفيذ ما يكلفك به الله؛ لأنك الآن تستطيع أن تؤديه، لكن أنت لا تضمن إن كنت قادراً غداً أم لا. كذلك لا تأخذ التكليف على أنه قد يسلبك حريتك أو مالك، بل هو يسلبك ويعطيك في نفس الوقت. فإذا أمر الله سبحانه بأن تُخرِجَ الزكاة، قد تعتقد أن هذا يُنقصُ مالك، أو تقول: هذه غرامة. نقول: إن هذا في ظاهر الأمر قد يكون صحيحاً، ولكنه سبحانه يأخذ منك هذا المال فيزيده لك ويُنميه فإذا بالجنيه الواحد قد تضاعف إلى سبعمائة مِثْل، ثم تضاعف إلى ما شاء الله، كما أن هذا الحكم الذي يأخذ منك الآن وأنت غني، هو بذاته الذي سوف يعطيك إن افتقرتَ ولجأت إلى الناس. فإذا كان الحكم الذي سيأخذ هو الذي سيعطي تكون هذه عدالة وتأميناً ضد الأغيار، وعليك أن تقارن الصفقة النفعية بمقابلها، وساعةَ تعطي أنت الذي لا يملك، لا بد أن تتذكر أنه قد يأتي عليك يَوْمٌ لا تملك فيه. وكلمة دنيا بالنسبة لحياتنا أعطتنا الوصف الطبيعي الذي ينطبق عليها؛ لأن "الدنيا" مقابلها "العليا". والحياة العليا تكون في الآخرة. فإذا كانت هذه هي الحياة الدنيا. فلماذا تربط نفسك بالأدنى إلا أن يكون ذلك خَوَراً في العزيمة؟ والمثال للقوة الإيمانية هو: سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وكان قبل أن يصبح خليفة المؤمنين يرتدي أفخر الثياب ويتعطر بأجمل العطور، وكان الناس يدفعون أموالاً لمن يغسل ثياب عمر بن عبد العزيز ليدخلوا ثيابهم مع ثيابه حتى تمتلئ عطراً. وذلك من غزارة وجود العطر الذي كان يضعه عمر بن عبد العزيز على ثيابه فتخرج كل الثياب مليئة بالعطر. وعندما أصبح عمر بن عبد العزيز خليفة، كانوا يأتونه بالثوب الخشن الذي كان يرفض ارتداءه قبل الخلافة، فيرفضه ويقول: هاتوا أخشن منه، وامتنع عن العطر، أي: أن معاييره قد تغيرت وليس في هذا أدنى تناقض، بل هو علو في الحياة، ولذلك قال: اشتاقت نفسي إلى الإمارة فقلت لها: اقعدي يا نفْسُ، فلما نلْتُهَا اشتاقت نفسي إلى الخلافة فنهيتها عن ذلك، فلما نلْتُها؛ أي نال الخلاَفة، اشتاقت نفسي إلى الجنة فسلكتُ كل طريق يؤدي إليها. وهكذا نعرف أن سلوكه رضي الله عنه لم يكن في تناقض بل تعلية للصفقة الإيمانية. كان دائماً في علو يريد أن يواصله، فقد اشتاق أولاً إلى الإمارة، فلما تحققت أراد أن يعلو فاشتاق للخلافة، فلما تحققتْ أراد أن يعلوَ فاشتاق إلى الجنة، إذن: فهو دائماً في عُلُوٍّ. وأقول: ليس في سلوكه أدنى تناقض؛ لأن علماء النفس يفسرون التناقض في السلوك البشري على أنه اختلاف في المقارنة، فالإنسان يقارن بشيء ثم يقارن بشيء آخر وهكذا؛ لأن كل شيء في الدنيا نسبي. ومعنى النسبية أن ينسب الشيء لما حوله، فإذا قلت: إنني أسكن فوق فلان، فأنت في نفس الوقت تسكن تحت فلان الذي يعيش في الطابق الذي يعلوك. إذن: فأنت فوق فلان وتحت فلان في نفس الوقت، فلا تأخذ نقطة وتغفل عن الأخرى، وهذا اسمه "معنى إضافي" أي: أن المعاني لا تتحقق بذاتها، ولكن بالنسبة إلى شيء تقاس به، وكذلك المقاييس بين الأشياء يجب أن نقيسها بالأمور التي تُصعد لك القيمة. فأنت إذا نظرت إلى الدنيا؛ تجد أن الحق سبحانه أسماها: دُنْيا ولم يجد اسماً أقلَّ من هذا ليسميها به، لماذا؟ لأنك تتنعم في الدنيا على قدر وجودك فيها، أي على قدر عمرك، وهو مهما زاد وطال فهو سنوات معدودة، وقد يكون متاعك منها حتى سنِّ الثلاثين أو الأربعين أو الخمسين. أو أكثر من ذلك أو أقل. ومتاعك فيها بما تحققه قدراتك، فالذي عنده ألف جنيه يتمتع على قدرها، والذي عنده عدة ألوف متاعه على قدرها، وصاحب الملايين متاعه أكبر. إذن: فكل واحد يتمتع بقدر ما عنده من مال. وحتى إن وصل الإنسان إلى أعلى متاع في الدنيا؛ متاع صاحب الملايين، فهذه الملايين إما أن تزول عن صاحبها، وإما أن يترك هو هذه الملايين بالموت. وهذه تتحقق وهذه تتحقق. إذن: فنعمة الدنيا إما أن تنخلع منك أو تنخلع أنت منها. فإذا جئتَ إلى المقابل وهو الآخرة تجد أن النعيم فيها دائم لا يزول عنك، وأنت خالد لا تزول عن النعمة بالفناء أو الموت، وأنت لا تتمتع في الآخرة بقدراتك أنت، بل بقدرة الله سبحانه. فكأن المتاع أكبر كثيراً من قدرتك، وأعلى كثيراً من كل ما تستطيع أن تحققه. فمثلاً: إن كان معك ريال وجاءك رجل فقير فأعطيته له ليأكل به، تكون في ظاهر الأمر قد آثرتَ الفقير على نفسك؛ لأنك أعطيته كل ما تملك ليأكل به وحرمت نفسك منه، ولكنك في الحقيقة فضَّلْتَ نفسك على الفقير؛ لأنك أعطيته هذا الريال ليكون عند الله عشرة إلى سبعمائة ضعف، فمَنْ منكما الذي استفاد؟ ومَنْ منكما الذي انتفع؟ إنه أنت. ولذلك نجد أن الدين الصحيح ضد الأنانية الحمقاء، ويُعْلي فيك الأنانية العاقلة بأن يجعلك تحب نفسك حباً أعلى. فأنت حين تتصدق تحب نفسك، ولذلك تريد أن تعطيها الأعلى والأنفع. فظاهر الأمر أنك أعطيت، وفي حقيقته أنك قد أخذت. وأنت حين تعطي إنساناً مساوياً لك كأن تقدم له هدية في مناسبة معينة، تنتظر أن يرد إليك الهدية بمثلها في مناسبة أخرى. إذن: فالعطاء مُتَساوٍ، وقد يرد هذا الإنسان الهدية، وقد لا يردها. وقد ينوي ردها ولكن تصادفه ظروف لا تُمكِّنه من أن يردها لك. لكن الحق سبحانه يقول: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً...} تفسير : [البقرة: 245]. إذن: فحينما تعطي ابتغاء وجه الله فأنت لا تحصل على عطاء مُسَاوٍ لما أعطيت. لكنك تحصل على عطاء مضاعف أضعافاً مضاعفة. والذي يعطيك الثواب هو الله سبحانه وتعالى دائم الوجود، ولن ينفد عطاؤه لك؛ لأنه دائم القدرة، ولن يأتي عليه وقت يكون غير قادر على أن يرد لك ما أعطيت؛ لأن عنده كنوز السماوات والأرض؛ وهو سبحانه قادر على أن يضاعف لك مهما كانت قيمة عطائك. فإن فضَّلْتَ الحياة الدنيا على الآخرة، فأنت تقيس بمقاييس الكمال عندك وهي مقاييس ساقطة وهابطة، ولو كنت تملك المقياس الصحيح لعرفتَ أن الذي يحقق لك النفع الأكبر هو أن تعطي وتعمل طلباً للآخرة وليس للدنيا. ولذلك فالحق سبحانه يقول هنا: {أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ} أي: أنكم أردتم الحياة الدنيا بدل الآخرة. وهذه مقارنة غير عاقلة وغير حكيمة. وكلمة {مِنَ} تدل على البدل في قوله: {بِٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} ومادة البدل والاستبدال البيع والشراء، ونعرف أن الباء تدخل على المتروك، فأنت تقول: اشتريت الشيء بكذا درهم، أي: تركت الدراهم مقابل شرائك الشيء، كأن هؤلاء الراضين بالحياة الدنيا قد أخذوا الدنيا بدلاً من الآخرة، وهذه صفقة تخلو من العقل والحكمة. وبعد أن استنكر الله سبحانه وتعالى على المؤمنين أن يرضوا بالحياة الدنيا ويتركوا الآخرة يقول سبحانه: {فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} والمتاع: هو ما يستمتع به. والإنسان لا يستطيع أن يوقن أنه سيستمتع بالحياة، وهذا أمر مطعون فيه، فليس كل كائن حي مستمتعاً بالحياة، هناك أشقياء وهناك تعساء، وهناك مَنْ يُدريهم ماذا يحمل المستقبل لهم؟ ألا يمكن أن يكون استمتاعهم هذا وقتياً؟ ألا يمكن أن يأتيهم ظرف من الظروف؛ أو قدر من الأقدار يملأ حياتهم بالشقاء؟ إننا نجد العقلاء - حين يرون في نعمة الله عليهم ما يكدر حياتهم - يشكرون الله، بينما نجد الإنسان السطحي التفكير والفهم يستاء وينفعل ويزيد الموقف معاناة. العاقل - إذن - يعرف أن الإنسان يعيش في دنيا أغيار، ومعنى أننا نعيش في دنيا أغيار أنه تأتي أحداث تنقلنا من حال إلى حال، أي من الغنى إلى الفقر. أو من الصحة إلى المرض إلى غير ذلك من أحوال الدنيا المتقلبة المتغيرة، ففي الدنيا لا يدوم حال، وما دامت الدنيا أغياراً؛ فأحوال الناس تتغير فيها دائماً. وهَبْ أن إنساناً وصل إلى القمة التي لا يوجد أعلى منها. نقول له: لا داعي أن يأخذك الفرح والكبر والخيلاء، ولا تنس أنك تعيش في دنيا أغيار، وأن دوام الحال من المحال، فلو دامت لغيرك ما وصلتَ أنت إلى القمة؛ لأن مَنْ كان عليها سقط فصعدتَ أنت. إذن: فمعنى هذا أنك وإن وصلتَ للقمة فلن تثبت عليها وتبقى هكذا بلا تغيير. وما دمتَ قد وصلت إلى أعلى ما يمكن، فالتغيير الوحيد الذي يمكن أن يحدث لك هو أن تنزل؛ لأنك وصلت إلى قمة الصعود، ولم يَعُدْ بعدها شيء تصعد إليه. فالتغيير المتوقع لا بد أن يكون إلى أسفل، ويقال: "ترقَّبْ زَوالاً إذا قِيل تَمّ"، ولهذا نجد أهل الحكمة والبصيرة يقولون: إن المصائب في الأموال والأنفس من تمائم النعمة، وكأن الحق لا يريد أن يتمم النعم؛ لأنه إن تمت تزول؛ لأن المصيبة ما دامت قد حدثت فلا بد أن تزول. وسبحانه حين يقول: {فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} يريد أن يبين لنا أن متاع الآخرة أكبر، فأنت حين تقول: شيء في شيء. فأيهما يكون أكبر؟ إنه الذي يدخل فيه الشيء الآخر، فإذا قلنا: فلان في البيت، فمعنى ذلك أن البيت أكبر من فلان هذا، وإلا لما احتواه داخله. وإن قلنا: محمد في جدة أو في المملكة السعودية أو في مصر؛ يكون هناك ظرف ومظروف، والمظروف عادة أوسع من الظرف، وسعته كبيرة لدرجة أنه تحيط بالظرف من كل جوانبه. وقول الحق سبحانه: {فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} معناه: أن متاع الدنيا يتوه في متاع الآخرة؛ لأن متاع الآخرة أوسع ويحتوي متاع الدنيا ويزيد، وما دام الكلام بقدرة الله سبحانه وتعالى، فمعنى ذلك أن سعة متاع الآخرة بالنسبة لمتاع الدنيا لا نهائية. فإذا زاد الحق سبحانه وقال: {فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} فهو لإعطاء صورة لسعة متاع الآخرة. لكن هذا الاستثناء في قوله تعالى {إِلاَّ قَلِيلٌ} إنما هو لمخاطبة العقول بالنسبة لقمة المتمتعين في الدنيا. ومثال هذا: أنك تجد إنساناً قد أعطاه الله قمة متاع الدنيا، وتجده يعتقد أن المتاع لا يمكن أن يزيد على ما وصل إليه، فيوضح الحق سبحانه وتعالى له: لو أنك متمتع بكل ما تستطيع أن تعطيه لك الدنيا فهو بالنسبة لمتاع الآخرة قليل. وإذا كان غير المتمتع بشيء من متاع الدنيا ينظر إلى مَنْ أعطاه الله سبحانه وتعالى قمة متاع الدنيا ويتساءل: هل هناك متاع أكثر من ذلك؟ إن هذا الإنسان متمتع بكذا وكذا وكأنه يعيش في الجنة، ولا أعتقد أنه يمكن أن يكون هناك متاع أكثر من هذا. نقول له: لا، إن ما تحسبه نهاية لما يمكن أن يتمتع به الإنسان هو بالنسبة لمتاع الآخرة قليل. إذن: فقوله سبحانه {إِلاَّ قَلِيلٌ} ليس مقصوداً به المتعة العادية للدنيا التي يتمتع بها الناس، ولكن المقصود به متاع القمة الذي لا يصل إليه ولا يحدث إلا لأفراد قليلين في العالم. فقد يعيش إنسان في قصر ضخم، وحوله المئات من الناس يخدمونه، وعنده من الأجهزة الإلكترونية وغيرها ما يجعله بمجرد أن يريد شيئاً يضغط على زر صغير فيجد ما يريده أمامه، وكل شيء حوله يحقق له رغباته، بل إنه يعيش في درجة الحرارة التي يريدها داخل قصره، وعنده أفخر أنواع الطعام والشراب، وإذا أراد أن ينتقل من مكان إلى آخر؛ ضغط على زر فيتحرك به الكرسي إلى المكان الذي يريده وكل مَنْ حوله يطيعونه طاعة عمياء، فكل رغباته أوامر، وحياته تشبه الحلم الجميل. إذا عاش إنسان في هذا الجو وانبهر بهذه النعم كلها يستوقفه رب العزة سبحانه ويوضح له: لا تنبهر، فهذا المتاع الذي تعيش فيه بالنسبة للآخرة قليل. فإذا قرأ الناس أو سمعوا أو شاهدوا ما يعيش فيه هذا الإنسان من متعة وانبهروا بها، يوضح لهم الله: لا تنبهروا ولا يأخذكم العجب، فكل هذا الذي ترونه أمامكم بالنسبة لمتاع الآخرة قليل. إذن: فقوله سبحانه {إِلاَّ قَلِيلٌ} يدل على أن فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تحب القليل من النعم بل تريد الكثير، ولهذا نجد الحق سبحانه وتعالى يُنفِّر عباده من أن تفتنهم نعم الدنيا مهما بلغت، فيوضح لهم: لا تظنوا أن هذه النعم كثيرة، بل إنها نعم قليلة بالنسبة لما ينتظركم في الآخرة، فإذا كان الإنسان بفطرته يحب كثرة النعم، ففي هذه الحالة لن تفتنه نعم الدنيا، بل سوف يطلب نعم الآخرة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لو أن ابن آدم أعطي وادياً ملآن من ذهب أحبَّ إليه ثانياً، ولو أعطي ثانياً أحب إليه ثالثاً " تفسير : أي: أن الإنسان الذي امتلك واديين يريد أن يحتفظ بالواديين كما هما ويطمع في امتلاك الوادي الثالث، رغم أنه قد لا يعيش لينفق مقدار وادٍ واحد. فالإنسان بطبعه لا يحب القليل من النعم بل يطلب الكثير، لماذا؟ لأن كثيراً من الناس ينسون الآخرة، ويعتقدون أن هذه الحياة الدنيا هي كل شيء، ولهذا تجد الإنسان منهم يريد أن يحتاط لنفسه، فإذا أخذ ما يكفيه يريد أن يحتاط لأولاده، فإذا كان عنده ما يكفيه هو وأولاده يريد أن يحتاط لأحفاده. ولكن المؤمن الحق هو من يعرف أن الحياة الدنيا طريق العبور إلى الآخرة، وأنها رحلة قصيرة تنتهي، فلا يهتم بهذا اللون من الاحتياط، ولكن الذي يحرص على عملية الاحتياط هذه هو من يظن أن الحياة الدنيا هي الغاية من الخلق، ولا يتنبه إلى أنه وسيلة للآخرة. إننا نجد أولئك الذين يسرفون على أنفسهم ويتبعون شهواتهم وهم يحاولون أن يأخذوا من الدنيا كل شيء يمكن أن تعطيه لهم حلالاً أو حراماً، وهذا واضح في سلوكهم الدنيوي. أما المؤمن فهو كالطالب الذي يَجِدُّ في دروسه ويجتهد ويستيقظ مبكراً ويذهب إلى المدرسة، ويظل ساهراً ليذاكر ويحرم نفسه من مُتَعٍ كثيرة؛ لأنه بفطنته وذكائه يعرف أن هذا حرمان مؤقت. وهو إنما يفعل ذلك لفترة قصيرة ليستريح بقية العمر، ويحصل على المركز المرموق والدخل المرتفع إلى آخر ما يمكن أن يعطيه له المستقبل. أما المسرف على نفسه فهو كالطالب الذي لا يذهب إلى المدرسة ويقضي وقته في اللعب والاستمتاع، وهو بمثل هذا السلوك كان قصير النظر، وأعطى لنفسه شهوة عاجلة ليظل في معاناة بقية حياته. إذن: فكل من الطالبين أعطى نفسه ما تريد؛ الأول: أعطى نفسه مستقبلاً مريحاً ممتدّاً، وصار قمة من قمم المجتمع، والثاني: أعطى نفسه متعة عاجلة زائلة، ثم صار بعد سنوات قليلة صعلوكاً في المجتمع لا يساوي شيئاً. إذن: فإياك أن تنظر تحت أقدامك فقط؛ لأن العالم لا ينتهي عند موقع وقوف قدميك هاتين، ولكنه ممتد إلى آفاق بعيدة، فإذا نظرتَ إلى هذه الآفاق، فلا يليق بك أن تختار متعة وقتية قليلة. وقول الحق سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} [التوبة: 38]. نزل في غزوة تبوك، وهي أول غزوة للمسلمين مع غير العرب، وسبقتْها كل المعارك بين المسلمين وبين الكفار والمشركين، ودارت على أرض الجزيرة العربية معارك مع المشركين في بدر أو في مكة، أو مع اليهود في مجتمع المدينة، فقد كانت هذه معارك في محيط الجزيرة العربية، ولكن غزوة تبوك كانت مع الروم على الحدود الشمالية للجزيرة العربية. وحينما بدأ تجهيز الجيش ليذهب إلى تبوك لمحاربة الروم تثاقل المسلمون. وهنا يبرز استفهام: كيف يحارب المسلمون الروم، وهم الذين حزنوا حين انتصر الفرس على الروم؟ أيحزن المسلمون لهزيمة الروم ثم يذهبون ليحاربوهم؟ نقول: نعم؛ لأن المواقف الإيمانية ليست مواقف في قالب من حديد، ولكنها تتكيف تبعاً لمواقف الكفار من الإيمان والإسلام. ولذلك فإن المؤمن الحق ينفعل للأحداث انفعالاً إيمانياً، وعلى سبيل المثال، نجد قلب سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه مملوءاً رقة ورحمة، بينما قلب سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان مملوءاً قوة وحزماً، انظر إلى موقف الاثنين عندما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى؛ وارتد عدد من المسلمين عن الإسلام، ومنعوا الزكاة؛ وقرر أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن يحارب هؤلاء المرتدين؛ لأنهم أنكروا ركناً من أركان الإسلام، هنا وقف عمر بن الخطاب ضد رأي أبي بكر وقال: يا أبا بكر أنحارب أناساً شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقال أبو بكر: أجبار يا عمر في الجاهلية خوّار في الإسلام؟ والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه. وهكذا انقلبت المواقف؛ فالقوة والشدة ملأت قلب أبي بكر الذي كان مشهوراً بالرقة والرحمة والعطف، بينما امتلأ قلب عمر باللين، وهو المشهور بالشدة والقوة. ولو أن عمر هو الذي قال كلمة أبي بكر لقالوا: شدة ألفها الناس من عمر. ولكن الناس قالوا عن عمر الشديد: "قد لاَنَ قلبه بينما اشتد قلب أبي بكر" هذه هي المواقف الإيمانية التي تملأ نفس كل مؤمن. فالذي يصنع موقف المؤمن هو إيمانه لا طبعه؛ ولذلك قال الحق في وصفه للمؤمنين: {أية : فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ...} تفسير : [المائدة: 54]. وكيف يكون الإنسان عزيزاً وذليلاً في الوقت نفسه؟ وكيف يوصف الشخص نفسه بـأنه عزيز وذليل؟ وكيف يمكن أن يجتمع النقيضان في شخص واحد؟ لكنك تقرأ ما يطمئنك في قول الحق: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ...}تفسير : [الفتح: 29]. لقد وصف الحق سبحانه المؤمنين بأنهم أشداء، ووصفهم أيضاً بأنهم رحماء، ولكي تفهم هذا المعنى عليك أن تعلم أن المواقف الإيمانية هي التي تحدد مشاعر المؤمن، ولا تحددها طباعه الخاصة والشخصية، وهو يُكيِّف مواقفه حسب الموقف الإيماني وما يتطلبه، فهو شديد ورحيم، وذليل وعزيز. ونعود إلى غزوة تبوك التي نزلت فيها الآية التي نتناولها بخواطرنا وإلى السؤال: كيف يحارب المسلمون الروم، وقد حزنوا يوم هزيمة الروم من الفرس؟ ونقول: لقد حزن المسلمون لأن إلحاداً ينكر الألوهية قد انتصر على إيمان مرتبط برسالات السماء؛ ولأن الروم - وهم نصارى - مرتبطون برسالات السماء. ولذلك فهم أقرب إلى قلوب المؤمنين من الكفار، إذن: فالمسألة قد أُخِذَتْ من ناحية الوجود الإلهي. أما في غزوة تبوك فقد أُخِذَتْ من ناحية قبول المنهج الناسخ ومنع الدعوة له، ولهذا تحول الموقف في غزوة تبوك إلى عداء إيماني، وهذا هو السبب الذي أدَّى إلى الحرب. فإذا نظرنا إلى الغزوة نفسها نجد أن تبوك تبعد عن المدينة بمسافة كبيرة، ووقت الغزوة كان صيفاً شديد الحرارة، كما أنها كانت بعد غزوة حنين التي قاتل المؤمنون فيها قتالاً شديداً. وكان العام عام عسرة، فلم يكن مع الجيش ما يكفيه من طعام أو خيل أو جمال. إذن: فقد اجتمعت المشقة في هذه الغزوة؛ مع حرارة الجو؛ وبُعْد المسافة، وكانت قوى المسلمين مُنْهكَة من غزوة حنين. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد الخروج لغزوة، لا يخبر عنها أصحابه إلا عندما يصلون إلى مكان القتال؛ إلا هذه الغزوة فقد بيَّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحابته قبل أن يغادروا المدينة؛ لكي يستعدوا للمشقة التي تنتظرهم. وتباطأ المسلمون، وبعضهم كان يستمتع بالجلوس في ظل البساتين الموجود في المدينة ويأكل من ثمارها. واستطاب - هذا البعض - الثمار والظلال؛ لذلك تباطأوا في الذهاب إلى القتال، فنزلت هذه الآية ببيان اللوم، ثم جاءت الآية التي بعدها لتوضح وتُبيِّن العقوبة، فقال الحق: {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ} [الاية: 38]. قال: هذا حين أُمروا بغزوة تبوك بعد الفتح، وبعد الطائف، وبعد حنين، أُمروا بالنفر في الصيف، حين خرفت النخل وطاب الثمر واشتهيت الظلال وشق عليهم بالخروج.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} معناهُ أُخرُجُوا {ٱثَّاقَلْتُمْ} معناه تَثَاقَلتُم. تفسير : وقوله تعالى: {أية : أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأعراف: 176] معناهُ سَكَنَ إِليهَا.
الجيلاني
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا} ذا عرض ولحق {لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} لنصرة دينه وإعلاء كلمة توحيده {ٱثَّاقَلْتُمْ} أي: تثاقلتم وتعاللتم وتباطأتم، وصرتم من غاية ثقلكم وتكاسلكم كأنكم تلزقون {إِلَى ٱلأَرْضِ أَرَضِيتُمْ} أيها المستبطئون {بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} الدنية الحقيرة ومزخرفاتها الفانية بدلاً {مِنَ ٱلآخِرَةِ} ولذاتها الباقية {فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} والاستمتاع بها، والتلذذ بمستلذاتها ومشتهياتها {فِي ٱلآخِرَةِ} أي: جنب لذاتها ودرجاتها {إِلاَّ قَلِيلٌ} [التوبة: 38] مستحقر مسترذل، بل فانٍ مطلقاً، لا وجود لها أصلاً عند من كحل الله عين بصيرته، وأذهب عمى قلبه. {إِلاَّ تَنفِرُواْ} بعدما أمرتم به {يُعَذِّبْكُمْ} الله المنتقم منكم {عَذَاباً أَلِيماً} باستيلاء عدوكم عليكم، واستئصالكم بأفظع الوجوه وأفزعها {وَ} بعد إهلاكهم {يَسْتَبْدِلْ} منكم {قَوْماً غَيْرَكُمْ} مطيعين لأمره، منقادين لحمه؛ لينفروا في سبيله، كأهل اليمن والفرس {وَ} اعلموا أنكم بتكاسلكم وتقاعدكم عن القتال المأمور {لاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً} إذ هو منزه عن تقويتكم وإضراركم، وكفركم وإيمانكم {وَٱللَّهُ} المنتقم على من خرج عن مقتضى أمره {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من صور الانتقام {قَدِيرٌ} [التوبة: 39] لا يخرج عن حيطة قدرته شيء.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : اعلم أن كثيرا من هذه السورة الكريمة، نزلت في غزوة تبوك، إذ ندب النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى غزو الروم، وكان الوقت حارا، والزاد قليلا والمعيشة عسرة، فحصل من بعض المسلمين من التثاقل ما أوجب أن يعاتبهم اللّه تعالى عليه ويستنهضهم، فقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } ألا تعملون بمقتضى الإيمان، وداعي اليقين من المبادرة لأمر اللّه، والمسارعة إلى رضاه، وجهاد أعدائه والنصرة لدينكم، فـ { مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأرْضِ } أي: تكاسلتم، وملتم إلى الأرض والدعة والسكون فيها. { أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ } أي: ما حالكم إلا حال من رضي بالدنيا وسعى لها ولم يبال بالآخرة، فكأنه ما آمن بها. { فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } التي مالت بكم، وقدمتموها على الآخرة { إِلا قَلِيلٌ } أفليس قد جعل اللّه لكم عقولا تَزِنُون بها الأمور، وأيها أحق بالإيثار؟. أفليست الدنيا -من أولها إلى آخرها- لا نسبة لها في الآخرة. فما مقدار عمر الإنسان القصير جدا من الدنيا حتى يجعله الغاية التي لا غاية وراءها، فيجعل سعيه وكده وهمه وإرادته لا يتعدى حياته الدنيا القصيرة المملوءة بالأكدار، المشحونة بالأخطار. فبأي رَأْيٍ رأيتم إيثارها على الدار الآخرة الجامعة لكل نعيم، التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأنتم فيها خالدون، فواللّه ما آثر الدنيا على الآخرة من وقر الإيمان في قلبه، ولا من جزل رأيه، ولا من عُدَّ من أولي الألباب، ثم توعدهم على عدم النفير فقال: { إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } في الدنيا والآخرة، فإن عدم النفير في حال الاستنفار من كبائر الذنوب الموجبة لأشد العقاب، لما فيها من المضار الشديدة، فإن المتخلف، قد عصى اللّه تعالى وارتكب لنهيه، ولم يساعد على نصر دين اللّه، ولا ذب عن كتاب اللّه وشرعه، ولا أعان إخوانه المسلمين على عدوهم الذي يريد أن يستأصلهم ويمحق دينهم، وربما اقتدى به غيره من ضعفاء الإيمان، بل ربما فَتَّ في أعضاد من قاموا بجهاد أعداء اللّه، فحقيق بمن هذا حاله أن يتوعده اللّه بالوعيد الشديد، فقال: { إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ } ثم لا يكونوا أمثالكم { وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا } فإنه تعالى متكفل بنصر دينه وإعلاء كلمته، فسواء امتثلتم لأمر اللّه، أو ألقيتموه، وراءكم ظهريا. { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } لا يعجزه شيء أراده، ولا يغالبه أحد.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 341 : 15 : 11 - سفين عن الأعمش {فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} قال، المتاع زاد الراعي، مخلاته فيها طعامه. [الآية 38].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):