٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
39
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما رغبهم في الآية الأولى في الجهاد بناء على الترغيب في ثواب الآخرة، رغبهم في هذه الآية في الجهاد بناء على أنواع أخر من الأمور المقوية للدواعي، وهي ثلاثة أنواع: الأول: قوله تعالى: {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً }. واعلم أن يحتمل أن يكون المراد منه عذاب الدنيا، وأن يكون المراد منه عذاب الآخرة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم القوم فتثاقلوا، فأمسك الله عنهم المطر. وقال الحسن: الله أعلم بالعذاب الذي كان ينزل عليهم. وقيل المراد منه عذاب الآخرة إذ الأليم لا يليق إلا به. وقيل إنه تهديد بكل الأقسام، وهي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وقطع منافع الدنيا ومنافع الآخرة. الثاني: قوله: {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ } والمراد تنبيههم على أنه تعالى متكفل بنصره على أعدائه، فإن سارعوا معه إلى الخروج حصلت النصرة بهم، وإن تخلفوا وقعت النصرة بغيرهم، وحصل العتبى لهم لئلا يتوهموا أن غلبة أعداء الدين وعز الإسلام لا يحصل إلا بهم، وليس في النص دلالة على أن ذلك المعنى منهم، ونظيره قوله تعالى: { أية : يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِ ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } تفسير : [المائدة: 54] ثم اختلف المفسرون فقال ابن عباس: هم التابعون وقال سعيد بن جبير: هم أبناء فارس. وقال أبو روق: هم أهل اليمن، وهذه الوجوه ليست تفسيراً للآية، لأن الآية ليس فيها إشعار بها، بل حمل ذلك الكلام المطلق على صورة معينة شاهدوها. قال الأصم: معناه أن يخرجه من بين أظهركم، وهي المدينة. قال القاضي: هذا ضعيف لأن اللفظ لا دلالة فيه على أنه عليه السلام ينقل من المدينة إلى غيرها، فلا يمتنع أن يظهر الله في المدينة أقواماً يعينونه على الغزو، ولا يمتنع أن يعينه بأقوام من الملائكة أيضاً حال كونه هناك، والثالث: قوله: {وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا } والكناية في قول الحسن: راجعة إلى الله تعالى، أي لا تضروا الله لأنه غني عن العالمين، وفي قول الباقين يعود إلى الرسول، أي لا تضروا الرسول لأن الله عصمه من الناس، ولأنه تعالى لا يخذله إن تثاقلتم عنه. ثم قال: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ } وهو تنبيه على شدة الزجر من حيث إنه تعالى قادر لا يجوز عليه العجز، فإذا توعد بالعقاب فعل. المسألة الثانية: قال الحسن وعكرمة: هذه الآية منسوخة بقوله: { أية : وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً } تفسير : [التوبة:122] قال المحققون: إن هذه الآية خطاب لمن استنفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفروا، وعلى هذا التقدير فلا نسخ. قال الجبائي: هذه الآية تدل على وعيد أهل الصلاة حيث بين أن المؤمنين إن لم ينفروا يعذبهم عذاباً إليماً وهو عذاب النار، فإن ترك الجهاد لا يكون إلا من المؤمنين، فبطل بذل قول المرجئة إن أهل الصلاة لا وعيد لهم، وإذا ثبت الوعيد لهم في ترك الجهاد فكذا في غيره، لأنه لا قائل بالفرق، واعلم أن مسألة الوعيد ذكرناها بالاستقصاء في سورة البقرة. المسألة الثالثة: قال القاضي: هذه الآية دالة على وجوب الجهاد، سواء كان مع الرسول أو لا معه، لأنه تعالى قال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ } ولم ينص على أن ذلك القائل هو الرسول. فإن قالوا: يجب أن يكون المراد هو الرسول لقوله تعالى: {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ } ولقوله: {وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا } إذ لا يمكن أن يكون المراد بذلك إلا الرسول. قلنا: خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها على ما قررنا في أصول الفقه.
القرطبي
تفسير : فيه مسألة واحدة ـ وهو أن قوله تعالىٰ: {إِلاَّ تَنفِرُواْ} شرط؛ فلذلك حذفت منه النون. والجواب «يُعَذِّبْكُمْ»، «وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ» وهذا تهديد شديد ووعيد مؤكد في ترك النفِير. قال ابن العربيّ: ومن محققات الأُصول أن الأمر إذا ورد فليس في وروده أكثر من اقتضاء الفعل. فأما العقاب عند الترك فلا يؤخذ من نفس الأمر ولا يقتضيه الاقتضاء، وإنما يكون العقاب بالخبر عنه؛ كقوله: إن لم تفعل كذا عذبتك بكذا؛ كما ورد في هذه الآية. فوجب بمقتضاها النفير للجهاد والخروج إلى الكفار لمقاتلتهم على أن تكون كلمة الله هي العليا. روى أبو داود عن ابن عباس قال: {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} و {مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ} ـ إلى قوله ـ {يَعْمَلُونَ} نسختها الآية التي تليها: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً}. وهو قول الضحاك والحسن وعِكرَمة. {يُعَذِّبْكُمْ} قال ابن عباس: هو حبس المطر عنهم. قال ابن العربِيّ: فإن صحّ ذلك عنه فهو أعلم من أين قاله، وإلاَّ فالعذاب الأليم هو في الدنيا باستيلاء العدوّ وبالنار في الآخرة. قلت: قول ابن عباس خرّجه الإمام أبو داود في سننه عن ابن نُفيع قال: سألت ابن عباس عن هذه الآية {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} قال: فأمسك عنهم المطر فكان عذابهم. وذكره الإمام أبو محمد بن عطية مرفوعاً عن ابن عباس قال: استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبيلة من القبائل فقعدت، فأمسك الله عنهم المطر وعذبها به. و «أليم» بمعنى مؤلم؛ أي موجع. وقد تقدّم. {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} توعّدٌ بأن يبدّل لرسوله قوماً لا يقعدون عند استنفاره إياهم. قيل: أبناء فارس. وقيل: أهل اليمن. {وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً} عطف. والهاء قيل لله تعالىٰ: وقيل للنبيّ صلى الله عليه وسلم. والتثاقل عن الجهاد مع إظهار الكراهة حرام على كل أحد. فأما من غير كراهة فَمن عيّنه النبيّ صلى الله عليه وسلم حَرُم عليه التثاقل وإن أمن منهما فالفرض فرض كفاية؛ ذكره القشيرِيّ. وقد قيل: إن المراد بهذه الآية وجوب النفير عند الحاجة وظهورِ الكفرة واشتداد شوكتهم. وظاهر الآية يدل على أن ذلك على وجه الاستدعاء فعلى هذا لا يتّجه الحمل على وقت ظهور المشركين؛ فإن وجوب ذلك لا يختص بالاستدعاء، لأنه متعيّن. وإذا ثبت ذلك فالاستدعاء والاستنفار يبعد أن يكون موجبا شيئاً لم يجب من قبل؛ إلاَّ أن الإمام إذا عيّن قوماً وندبهم إلى الجهاد لم يكن لهم أن يتثاقلوا عند التعيين، ويصير بتعيينه فرضاً على من عيّنه لا لمكان الجهاد ولكن لطاعة الإمام. والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {إِلاَّ تَنفِرُواْ} إن لا تنفروا إلى ما استنفرتم إليه. {يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} بالإهلاك بسبب فظيع كقحط وظهور عدو. {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ } ويستبدل بكم آخرين مطيعين كأهل اليمن وأبناء فارس. {وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا} إذ لا يقدح تثاقلكم في نصر دينه شيئاً فإنه الغني عن كل شيء وفي كل أمر. وقيل الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم أي ولا تضروه فإن الله سبحانه وتعالى وعد له بالعصمة والنصر ووعده حق. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} فيقدر على التبديل وتغيير الأسباب والنصرة بلا مدد كما قال. {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ} أي إن لم تنصروه فسينصره الله كما نصره. {إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ} ولم يكن معه إلا رجل واحد، فحذف الجزاء وأقيم ما هو كالدليل عليه مقامه، أو إن لم تنصروه فقد أوجب الله له النصر حتى نصره في مثل ذلك الوقت فلن يخذله في غيره، وإسناد الإِخراج إلى الكفرة لأن همهم بإخراجه أو قتله تسبب لإذن الله له بالخروج. وقرىء {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ} بالسكون على لغة من يجري المنقوص مجرى المقصور في الإعراب ونصبه على الحال. {إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ} بدل من إذ أخرجه بدل البعض إذ المراد به زمان متسع، والغار نقب في أعلى ثور وهو جبل في يمنى مكة على مسيرة ساعة مكثا فيه ثلاثاً. {إِذْ يَقُولُ } بدل ثان أو ظرف لثاني. {لِصَاحِبِهِ } وهو أبو بكر رضي الله تعالى عنه {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا } بالعصمة والمعونة. روي (أن المشركين طلعوا فوق الغار فأشفق أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما ظنك باثنين الله ثالثهما»تفسير : فأعماهم الله عن الغار فجعلوا يترددون حوله فلم يروه). وقيل لما دخلا الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوت فنسجت عليه. {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ } أمنته التي تسكن عندها القلوب. {عَلَيْهِ } على النبي صلى الله عليه وسلم، أو على صاحبه وهو الأظهر لأنه كان منزعجاً. {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } يعني الملائكة أنزلهم ليحرسوه في الغار أو ليعينوه على العدو يوم بدر والأحزاب وحنين، فتكون الجملة معطوفة على قوله {نَصَرَهُ ٱللَّهُ}. {وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ} يعني الشرك أو دعوة الكفر. {وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا} يعني التوحيد أو دعوة الإِسلام، والمعنى وجعل ذلك بتخليص الرسول صلى الله عليه وسلم عن أيدي الكفار إلى المدينة فإنه المبدأ له، أو بتأييده إياه بالملائكة في هذه المواطن أو بحفظه ونصره له حيث حضر. وقرأ يعقوب {وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ} بالنصب عطفاً على كلمة {ٱلَّذِينَ}، والرفع أبلغ لما فيه من الإِشعار بأن {كَلِمَةَ ٱللَّهِ} عالية في نفسها وإن فاق غيرها فلا ثبات لتفوقه ولا اعتبار ولذلك وسط الفصل. {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ } في أمره وتدبيره. {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا} لنشاطكم له. {وَثِقَالاً} عنه لمشقته عليكم، أو لقلة عيالكم ولكثرتها أو ركباناً ومشاة، أو خفافاً وثقالاً من السلاح، أو صحاحاً ومراضاً ولذلك لما قال ابن أم مكتوم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أعلي أن أنفر قال "نعم" حتى نزل {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ }تفسير : [النور: 61] {وَجَـٰهِدُواْ بِأَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} بما أمكن لكم منهما كليهما أو أحدهما. {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ } من تركه. {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} الخير علمتم أنه خير، أو إن كنتم تعلمون أنه خير إذ إخبار الله تعالى به صدق فبادروا إليه. {لَوْ كَانَ عَرَضًا} أي لو كان ما دعوا إليه نفعاً دنيوياً. {قَرِيبًا } سهل المأخذ. {وَسَفَرًا قَاصِدًا } متوسطاً. {لاَّتَّبَعُوكَ } لوافقوك. {وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ} أي المسافة التي تقطع بمشقة. وقرىء بكسر العين والشين. {وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ} أي المتخلفون إذا رجعت من تبوك معتذرين. {لَوِ ٱسْتَطَعْنَا } يقولون لو كان لنا استطاعة العدة أو البدن. وقرىء {لَوِ ٱسْتَطَعْنَا} بضم الواو تشبيهاً لها بواو الضمير في قوله: {ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ }. {لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ } ساد مسد جوابي القسم والشرط، وهذا من المعجزات لأنه إخبار عما وقع قبل وقوعه. {يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ } بإيقاعها في العذاب، وهو بدل من سيحلفون لأن الحلف الكاذب إيقاع للنفس في الهلاك أو حال من فاعله. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} في ذاك لأنهم كانوا مستطيعين الخروج. {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ} كناية عن خطئه في الإِذن فإن العفو من روادفه. {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} بيان لما كني عنه بالعفو ومعاتبة عليه، والمعنى لأي شيء أذنت لهم في القعود حين استأذنوك واعتلوا بأكاذيب وهلا توقفت. {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} في الاعتذار. {وَتَعْلَمَ ٱلْكَـٰذِبِينَ} فيه. قيل إنما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئين لم يؤمر بهما، أخذه للفداء وإذنه للمنافقين فعاتبه الله عليهما. {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ أَن يُجَـٰهِدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} أي ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا فإن الخلص منهم يبادرون إليه ولا يتوقفون على الاذن فيه فضلاً أن يستأذنوك في التخلف عنه، أو أن يستأذنوك في التخلف كراهة أن يجاهدوا. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ } شهادة لهم بالتقوى وعده لهم بثوابه. {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ} في التخلف. {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} تخصيص الإيمان بالله عز وجل واليوم الآخر في الموضعين للإِشعار بأن الباعث على الجهاد والوازع عنه الإِيمان وعدم الإِيمان بهما. {وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} يتحيرون. {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لاعَدُّواْ لَهُ } للخروج. {عِدَّةَ} أهبة وقرىء «عد» بحذف التاء عند الإضافة كقوله:شعر : إِنَّ الخَلِيطَ أَجَدُّوا البَيْنَ فَانْجَرَدُوا وَأَخْلَفُوكَ عَدَّا الأَمْرِ الَّذِي وَعَدُوا تفسير : وعده بكسر العين بالإضافة وعدة بغيرها. {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ} استدراك عن مفهوم قوله: {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ} كأنه قال ما خرجوا ولكن تثبطوا لأنه تعالى كره انبعاثهم أي نهوضهم للخروج. {فَثَبَّطَهُمْ} فحسبهم بالجبن والكسل. {وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ} تمثيل لإِلقاء الله كراهة الخروج في قلوبهم، أو وسوسة الشيطان بالأمر بالقعود، أو حكاية قول بعضهم لبعض، أو إذن الرسول عليه السلام لهم والقاعدين يحتمل المعذورين وغيرهم وعلى الوجهين لا يخلو عن ذم. {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ} بخروجهم شيئاً. {إِلاَّ خَبَالاً} فساداً وشراً ولا يستلزم ذلك أن يكون لهم خبال حتى لو خرجوا زادوه لأن الزيادة باعتبار أعم العام الذي وقع منه الاستثناء، ولأجل هذا التوهم جعل الاستثناء منقطعاً وليس كذلك لأنه لا يكون مفرغاً. {ولأَوْضَعُواْ خِلَـٰلَكُمْ } ولأسرعوا ركائبهم بينكم بالنميمة والتضريب، أو الهزيمة والتخذيل من وضع البعير وضعاً إذا أسرع. {يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ } يريدون أن يفتنوكم بإيقاع الخلاف فيما بينكم أو الرعب في قلوبكم، والجملة حال من الضمير في «أوضعوا». {وَفِيكُمْ سَمَّـٰعُونَ لَهُمْ} ضعفة يسمعون قولهم ويطيعونهم، أو نمامون يسمعون حديثكم للنقل إليهم. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ} فيعلم ضمائرهم وما يتأتى منهم. {لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ} تشتيت أمرك وتفريق أصحابك. {مِن قَبْلُ} يعني يوم أحد فإن ابن أبي وأصحابه كما تخلفوا عن تبوك بعدما خرجوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ذي جدة أسفل من ثنية الوداع انصرفوا يوم أحد. {وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ} ودبروا لك المكايد والحيل ودوروا الآراء في إبطال أمرك. {حَتَّىٰ جَاء ٱلْحَقُّ} بالنصر والتأييد الإلهي. {وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ } وعلا دينه. {وَهُمْ كَـٰرِهُونَ } أي على رغم منهم، والآيتان لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على تخلفهم وبيان ما ثبطهم الله لأجله وكره انبعاثهم له وهتك أستارهم وكشف أسرارهم وإزاحة اعتذارهم تداركاً لما فوت الرسول صلى الله عليه وسلم بالمبادرة إلى الأذن ولذلك عوتب عليه. {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لّي } في القعود. {وَلاَ تَفْتِنّى } ولا توقعني في الفتنة أي في العصيان والمخالفة بأن لا تأذن لي، وفيه إشعار بأنه لا محالة متخلف أذن له أم لم يأذن، أو في الفتنة بسبب ضياع المال والعيال إذ لا كافل لهم بعدي. أو في الفتنة بنساء الروم لما روي: أن جد بن قيس قال: قد علمت الأنصار أني مولع بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر ولكني أعينك بمالي فاتركني. {أَلا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ } أي إن الفتنة هي التي سقطوا فيها وهي فتنة التخلف أو ظهور النفاق لا ما احترزوا عنه. {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَـٰفِرِينَ } جامعاً لهم يوم القيامة، أو الآن لأن إحاطة أسبابها بهم كوجودها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِلاَّ } بإِدغام «لا» في نون «إن» الشرطية في الموضعين (لا) {تَنفِرُواْ } تخرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم للجهاد {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً } مؤلماً {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ } أي يأت بهم بدلكم {وَلاَ تَضُرُّوهُ } أي اللهَ أو النبيَّ صلى الله عليه وسلم {شَيْئاً } بترك نصره فإن الله ناصر دينه {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ومنه نصر دينه ونبيه.
ابن عبد السلام
تفسير : {عَذَاباً أَلِيماً} احتباس القطر"ع"، ولا تضروا الله بترك النفير، أو لا تضروا الرسول، لأن الله ـ تعالى ـ تكفل بنصره.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو داود وابن المنذر وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله {إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً} قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر حياً من أحياء العرب فتثاقلوا عنه، فأنزل الله هذه الآية فأمسك عنهم المطر فكان ذلك عذابهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما نزلت {إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً} وقد كان تخلف عنه ناس في البدو يفقهون قومهم فقال المنافقون: قد بقي ناس في البوادي. وقالوا: هلك أصحاب البوادي فنزلت {أية : وما كان المؤمنون لينفروا كافة} تفسير : [التوبة: 122]. وأخرج أبو داود وابن أبي حاتم والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً} قال: نسختها {وما كان المؤمنون لينفروا كافة}.
القشيري
تفسير : العذابُ الأليمُ إذا أعرض العَبْدُ عن الطاعةِ ألا يبعث وراءه من جنود التوفيق ما يردُّه إلى الباب. العذابُ الأليمُ أنْ يَسْلُبَه حلاوةَ النَّجوى إذا آب. العذابُ الأليمُ الصدودُ يومَ الورود، وقيل: شعر : واعدوني بالوصال - والوصالُ عَذْبٌ - ورَمَوني بالصُّدودِ والصدُّ صعبُ تفسير : العذابُ الأليمُ الوعيدُ بالفِراق، فأمَّا نَفْسُ الفِراق فهو تمامُ التَّلَفِ، وأنشدوا: شعر : وزَعَمْتَ أَنَّ البَيْنَ مِنْكَ غداً هَدِّدْ بذلك مَنْ يعيش غدا تفسير : قوله: {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} يصرف ما كان مِنْ إقباله عليه إلى غيره من أشكاله، وليس كلُّ مَنْ حَفَرَ بئراً يشربُ مِنْ معِينها، وأنشدوا: شعر : تَسْقِي رَيَاحِينَ الحِفَاظِ مدامعي وَسِوَايَ في رَوْضِ التواصُل يَرْتَع
اسماعيل حقي
تفسير : {الا} كلمتان ان للشرط ولا للنفى اى ان لم {تنفروا} تخرجوا الى الغزو {يعذبكم} اى الله تعالى {عذابا اليما} وجيعا لابدانكم وقلوبكم اى يهلككم بسبب فظيع كقحط وظهور عدو {ويستبدل} بكم بعد اهلاككم {قوما غيركم} اى قوما مطيعين مؤثرين للآخره على الدنيا ليسوا من اولادكم ولا ارحامكم كاهل اليمن وابناء فارس {ولا تضروه} اى الله تعالى بترك الجهاد {شيأ} اى لا يقدح تثاقلكم فى نصرة دينه اصلا فانه الغنى عن كل شيء فى كل شيء {والله على كل شيء قدير} فيقدر على اهلاككم والاتيان بقوم آخرين. واعلم ان البطالة تقسى القلب كما جاء فى الحديث [زيرا مرد بايد بشعل معاد مشغول باشد يابشغل معاش ازوجه مباح تا در شغل دين فضل وثواب مى ستاند ودر شغل معاش خانه را آبادان مى دارد بس جون باين شغل مشغول شود ونه بآن بى كارماند وازبى كارى سياه دل وسخت طبع شود] فلا بد من الحركة فان البركات فى الحركات الحضرية والسفرية والسفر على نوعين سفر الدنيا وسفر الآخرة وفى كليهما مشقة وان كان الثانى اشق وفى الحديث "حديث : السفر قطعة من العذاب" تفسير : [بعض مشايخ كفته اندكه اكر نه آنستى كه لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم نشايد كردانيدن من كفتمى السفر قطعة من السقر وبيغمبر عليه السلام سفررا باره ازدوزخ كفت ازمرك نكفت زيراكه درمرك رنج تن باشد رنج دل نبود ودر سفر رنج دل وتن باشد وحجاج كفتى كه اكر نه شادى بخانه آمدن بودى كه مسافر جون بخانه رسد همه رنج سفر فراموش كند من مردمانرا نكشتمى بسفر عذاب دادمى] ومن سفر الدين الخروج الى الغزو وفى الحديث "حديث : لغدوة فى سبيل الله" تفسير : وهو الذهاب فى اول النهار "حديث : او روحة" تفسير : وهو الذهاب فى آخره "حديث : خير من الدنيا وما فيها" تفسير : يعنى ان فضل الغدوة والروحة فى سبيل الله وثوابهما خير من نعيم الدنيا باسرها لانه زائل ونعيم الآخرة باق وحق الجهاد ان ينوى نصرة الدين بقهر اعداء الله وبذل النفوس فى رضاه تعالى ويكثر ذكره تعالى ويكف عن ذكر النساء والاولاد والاموال والموطن فهو يفتره فالجهاد بهذا الوجه افضل الاعمال [على مرتضى رضى الله عنه كويدكه معصيت غازيان زيان ندارد وطاعت سخن جينان سود ندارد ودعاى مخنث نشنوند ونماز خمر خواره نبذيرند] فعلى المرء ان يغتنم ايام وحياته ويجتهد فى تحصيل مرضاة ربه وفى الحديث "حديث : نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ" تفسير : شبه النبى عليه السلام المكلف بالتاجر والصحة والفراغ برأس المال لانهما من اسباب الارواح ومقدمات نيل النجاح فمن عامل الله تعالى بامتثال اوامره يربح كما قال تعالى {أية : هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون فى سبيل الله باموالكم وأنفسكم} تفسير : ومن عامل الشيطان باتباعه يضيع رأس ماله ولا ينفعه ندم باله وفى امتثال امر الله عاقبة حميدة اذرب شيء تكرهه النفس كالجهاد وهو عند الله محبوب فبترك الراحة واختيار المشقة ينال العبد امانيه الدنيوية والاخروية والتوفيق اليه من الله تعالى وليس كل احد من لا يبالى بانتقاص دنياه اذا كان التكامل فى طرف دينه: قال الحافظ شعر : حام راطاقت بروانه برسوخته نيست نازكانرا نرسد شيوه جان افشانى تفسير : ثم اعلم انه كما قال تعالى يستبدل بذوات ذواتا اخر كذلك يستبدل بصفات صفات اخر فالذاهب خلف مشتهياته والتابع لهواه فى كل حركاته وسكناته يهلك فى وادى الطبيعة والنفس ولا يصل الى مقامات رجال عالم القدس والانس ولا يتفق له معهم الصحبة فى مقالهم ومقامهم وحالهم اذ بينهما بون بعيد من حيث ان صفاته صفات النفس واحواله احوال الطبيعة وصفاتهم صفات الروح واخلاقهم اخلاق الله ولذا يحشر كثير من الناس فى صوة صفاته الغالبة المذمومة الا ان يتداركه الله تعالى بفضله ويكسوه كسوة الوجود الانساني على الحقيقة
الطوسي
تفسير : هذا تحذير من الله تعالى لهؤلاء الذين استبطأهم ووصفهم بالتثاقل عن سبيل الله بقوله {إلا تنفروا} أي إن لم تخرجوا الى سبيل الله التي دعيتم اليها من الجهاد {يعذبكم عذاباً أليما ويستبدل قوماً غيركم} يقومون بنصرة نبيه ولا يتثاقلون فيه. والاستبدال جعل أحد الشيئين بدل الاخر مع الطلب له والتعذيب بطول وقت العذاب، لانه من الاستمرار وقد يكون عقاباً وغير عقاب. وقوله {ولا تضروه شيئاً} قيل فيمن يرجع اليه قولان: احدهما - انه يعود على اسم الله في قول الحسن. قال: لأنه غني بنفسه عن جميع الاشياء والاخر - قال الزجاج: إنها تعود إلى النبي صلى الله عليه وآله لأن الله عصمه من جميع الناس وقوله {والله على كل شيء قدير} معناه قادر على الاستبدال بكم وعلى غيره من الاشياء. وفيه مبالغة.
الجنابذي
تفسير : {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} بعد اهلاككم تهديد ووعيد بعد توبيخٍ وتقريعٍ {وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً} بهلاككم او بتقاعدكم او بمكركم وهو اظهار للغنى عنهم وعدم الحاجة اليهم، والضّمير المفعول امّا لله او للرّسول (ص) بقرينة المقام ولتوافق ضمير ان لا تنصروه {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} يقدر على نصرة رسوله بدون امدادكم وعلى اهلاككم واستبدالكم قوماً غيركم.
الهواري
تفسير : {إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} أي موجعاً. قال الحسن: يعني به العامة الذين فرض عليهم الجهاد مع النبي عليه السلام. وكان الجهاد يومئذٍ مع النبي فريضة. وقد كان النبي يخلف قوماً بالمدينة، وفيهم من قد وضع عنه الجهاد. وكان هذا حين أمروا بغزوة تبوك [في الصيف حين طابت الثمار واشتهوا الظل] {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} يقول: يهلككم بالعذاب ويستبدل قوماً غيركم {وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً} إن أهلككم { وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. وفي هذه الآية دليل على أهل الفراق أن هؤلاء الذين وعدوا بالعذاب ممن ناداهم الله بالإِيمان، وسماهم بما قِبَلهم من خصال الإِيمان كلما قيل المؤمنون فقال: {إِلاَّ تَنفِرُوا} أنتم الذين نودوا بالإِيمان وسموا به، {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} فلا يجوز لِوَاصِفٍ أن يصف الله أنه يعذبهم ـ إن لم ينفروا كما استنفرهم ـ وهم مؤمنون. قال بعضهم: استنفر الله المؤمنين في شدة لَهَبَان الحرِّ في غزوة تبوك على ما يعلم من الجهد. وفيها قيل ما قيل. قوله: { إِلاَّ تَنصُرُوهُ} يعني النبي عليه السلام { فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي من مكة { ثَانِيَ اثْنَيْنِ} أي أخرجوه ثاني اثنين { إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا}. وذلك أن قريشاً لما اجتمعوا في دار الندوة، فتوامروا بالنبي، أجمع رأيهم على ما قال عدو الله أبو جهل من قتله. وقد فسّرنا ذلك في سورة الأنفال. فأوحى الله عزّ وجلّ إليه فخرج هو وأبو بكر ليلاً حتى انتهيا إلى الغار، ونام علي على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم. فطلبه المشركون، فلم يجدوه. ووجدوا علياً على فراشه، فطلبوا الأثر. وقد كان أبو بكر دخل الغار قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمس الغار ينظر ما فيه، لئلا يكون في سبع أو حية، يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه. ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الغار، وأخذ ثمامة فوضعها على باب الغار، فجعلا يستمعان وقع حوافر دواب المشركين في طلبهما. فجعل أبو بكر يبكي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ما يبكيك يا أبا بكر؟ قال: أخاف أن يظهر عليك المشركون فيقتلوك يا رسول الله، فلا يعبد الله بعدك أبداً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا}. فجعل أبو بكر يمسح الدموع عن خدهتفسير : . وكان أبو بكر أرق الخلق كلهم وأحضره دموعاً. { فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} قال الحسن: السكينة: الوقار. وقال بعضهم: السكينة: الرحمة. قال: { وَأَيَّدَهُ} أي وأعانه {بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} يعني الملائكة عند قتالهم المشركين بعد. قال مجاهد: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ} يقول: فالله فاعل ذلك به، أي ناصره كما نصره إذ هو ثاني اثنين. قال: { وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى} وهي كلمة الكفر { وَكَلِمَةُ اللهِ} أي: ودين الله، وهو الإِيمان بلا إله إلا الله والعمل بفرائضه. {هِيَ العُلْيَا} أي: هي الظاهرة {وَاللهُ عَزِيزٌ} أي في نقمته {حَكِيمٌ} أي: في أمره. قال بعضهم: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ}: كان صاحبَه أبو بكر، والغار في جبل بمكة يقال له ثَوْر.
اطفيش
تفسير : {إلاّ} إنْ لا {تَنفِرُوا} إذا ما استنفركم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم {يُعذِّبْكُم عذاباً أليماً} فى الآخرة، وقيل: فى الدنيا بقحط أو ظهور عدو أو نحو ذلك، وعن ابن عباس: استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم نفرا من العرب فلم ينفروا، فعذبهم الله بالقحط وإمساك المطر، وقول بعضهم: إن العذاب الأليم مختص بالآخرة غير مقبول، وكم من عذاب أليم فى الدنيا. {ويسْتَبْدلْ} بكم {قَوماً غَيرَكم} مطيعين لله ورسوله كأهل اليمن، وأبناء فارس، ينصرون دين الله إن خذلتموه، وقيل: يهلككم بالعذاب، ويستبدل قوما غيركم ينصرونه، وعن ابن جبير، عن ابن عباس: أبناء فارس، وقيل: أهل اليمن. {ولا تَضرُّوهُ} أى الله بتثاقلكم فى نصرة دينه، فإن الله غنى عن العالمين فى النصر وغيره، لا يصله ضر من مخلوق ولا نفع، وإنما تضرون أنفسكم، أو الهاء لسبيل الله، وقيل: هى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أى لا تضروه بالخذلان، لأن الله وعده النصر وهو ناصره حقا، وهو أنسب بالسياق اللاحق {واللهُ عَلى كلِّ شىءٍ قَديرٌ} فإن شاء نصر دينه ونبيه بلا جنود. قال الحسن، وعكرمة: هذه الآية منسوخة لقوله: {أية : وما كان المؤمنون لينفروا كافة} تفسير : والصحيح أنها عتاب وخطاب لقوم تثاقلوا، فليست منسوخة، وهى تحضيض على غزوة تبوك، وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأقباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة، أن الروم تجمعت بالشام مع هرقل، فندب الناس إلى الخروج وذلك بعد رجوعه من الطائف، وأعلمهم بالمكان الذى يريد ليتأهبوا، وكان صلى الله عليه وسلم لا يريد الخروج لغزوة إلا ورى عنها بغيرها، إلا غزوة تبوك، فإنه بينها للناس لبعد المشقة، وشدة الحر، وكثرة وذلك بعد رجوعه من الطائف، وأعلمهم بالمكان الذى يريد ليأهبوا، العدو، والناس يريدون المقام فى ثمارهم، وهو وقت طيبها، وقلة إبلهم كما قال ابن عقيل شارح الألفية. خرجوا فى قلة من الظهر، وفى حر شديد، حتى كانوا ينحرون البعير فيشربون ما فى كرشه من الماء، فكان ذلك عسرة فى الماء والظهر والنفقة، فسميت غزوة العسرة، وكان خروجهم إليهم يوم الخميس فى رجب سنة تسع من الهجرة بلا خلاف، وتسمى أيضا الفاضحة، لافتضاح المنافقين، فيها، وعن عمران بن حصين: لأن نصارى العرب كتبت إلى هرقل أن هذا الرجل الذى يدعى النبوة هلك وأصابتهم سنون، فهلكت أموالهم، فبعث رجلا من عظمائهم، وجهز معه أربعين ألفا، فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم، ولم يكن للناس قوة، وكان عثمان قد جهز عيرا إلى الشام، فقال: يا رسول الله هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أوقية. قال صاحب المواهب القسطلانى، وهو من علماء الأندلس، منسوب إلى بلدته فى الأندلس وهى قسطلان، قال عمران بن حصين: فسمعته يقول: "لا يضر عثمان ما عمل بعدها" والعهدة على القسطلانى وعمران، فإن صح ذلك فمعنى ذلك الدعاء له بالخير لا القطع بأنه من أهل الجنة, وعن عبد الرحمن بن سمرة: "حديث : جاء عثمان بن عفان بألف دينار فى كمه حين جهز جيش العسرة، فنثرها فى حجره صلى الله عليه وسلم، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلبها فى حجره ويقول: "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم"" تفسير : فإن صح هذا فذلك أيضا دعاء. وإنما قلت ذلك لأخبار سوء وردت فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومثل ذلك ما رواه الطبرى، عن حذيفة: "حديث : أن عثمان بعث فى جيش العسرة بعشرة آلاف دينار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصبت بين يديه، فجعل يقلبها ظهرا لبطن ويقول: "غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما هو كائن إلى يوم القيامة، ما يبالى ما عمل بعدها"" تفسير : وهذا كما يقول المتلطف لمن أراد قتله: يا سيدى لا أموت، أى لا تقتلنى، فكأنه قال: اغفر له ولا تعاقبه بذنب بعد هذه الفعلة، أو بعد هذه النفقة. وعن قتادة: حمل عثمان فى جيش العسرة على ألف بعير، وسبعين فرسا، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فى جنود من المسلمين، لا يجمعهم كتاب حافظ، قاله كعب بن مالك، يريد ديوانا. وعن زيد ابن ثابت: كنا فى غزوة تبوك ثلاثين ألفا، لقد كان الناس يرحلون عند ميل الشمس كما ترحلون، والساقة مقيمون حتى يرحل آخر العسكر، قال بعض من كان على الساقة: يرحل آخرهم نساء، وترحل على أثرهم فلا ننتهى إلى العسكر إلا مصبحين من كثرة الناس، وقال أبو زرعة: كانوا سبعين ألفا، وعنه أربعون ألفا. وقال الواقدى قالوا: "حديث : كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين ألفا، ومن الخيل عشرة آلاف فارس، واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة على الصحيح، وقيل: إنه استخلف عليا على المدينة وعياله، ولم يتخلف علىّ عن غزوة غير تبوك لما استخلفه صلى الله عليه وسلم، وقال له يؤمئذ: "أنت منى بمنزلة هارون من موسى" يعنى فى القرابة المطلقة، والنصر والإعانة، وخاف أن تتوهم نبوة علىّ فقال: "إلا أنه لا نبى بعدى"" تفسير : ورجحه ابن عبد البر من علماء الأندلس، وهو فى حديث سعد بن أبى وقاص، وقيل: استخلف سباع بن عرفطة، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كل بطن من الأنصار والقبائل من العرب، أن يتخذوا لواء وراية. "حديث : ولما خرجوا وكانوا فى السير، جعل الرجل يتخلف فيقولون: تخلف فلان يا رسول الله، فيقول: "دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه" حتى قيل: يا رسول الله تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره، فقال: "دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه" ثم إنه حمل متاعه على ظهره واتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله إن هذا الرجل يمشى على الطريق وحده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله أبا ذر يمشى وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده"" تفسير : يشير إلى أنه أبو ذر وفى رواية: "حديث : كن أبا ذر ". تفسير : ولقد خرج إلى الربذة ومات فى الطريق ومعه امرأته وغلامه، وقد أوصاهما أن يغسلاه ويكفناه ويضعاه على قارعة الطريق، ويقولا لأول ركب يمر بهما هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعينونا على دفنه، ففعلا ذلك، ومر ابن مسعود فى رهط من أهل العراق عمارا، فقام إليهم الغلام فقال ذلك، فاستهل ابن مسعود يبكى ويقول: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تمشى وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك" وصلوا عليه ودفنوه، وحدثهم بما قال فى مسيره إلى تبوك. وتخلف أيضا أبو خيثمة، وذهب إلى جنابهم وله فيه امرأة حسناء وقد أينع، ففرشت له فى الظل، وبسطت له الحصير، وقربت إليه الرطب والماء البارد، فنظر فقال: ظل ظليل، ورطب يانع، وماء بارد، وامرأة حسناء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فى الحر والريح، ما هذا بخير، فقام فرحَّل ناقته، وأخذ سيفه ورمحه، ومر كالريح، ثم لحقه بعد وصوله تبوك ونزوله قالوا: هذا رجل راكب فقيل فقال: "كن أبا خيثمة" أى أنت أبو خيثمة، فالطلب بمعنى إن خيار، وقيل المعنى: اللهم اجعله أبا خيثمة، قالوا: هو يا رسول الله، وفرح به صلى الله عليه وسلم. "حديث : ومرّ صلى الله عليه وسلم بالحجر ديار ثمود ونزلها واستقى الناس من بئرها، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تشربوا من مائها شيئا، ولا تتوضئوا منه للصلاة، ومن كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له، وستهب ريح شديدة، ومن كان له بعير فليشد عقاله" وهبت وفعلوا إلا رجلين من بنى ساعدة، خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر فى طلب بعير له، فأما الذى ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه، وأما الذى ذهب فى طلب بعيره فإنه احتملته الريح حتى طرحته بجبل طيىء، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ألم أنهكم أن يخرج منكم أحد إلا ومعه صاحبه" ثم دعا للذى أصيب على مذهبه فشفى، وأما الذى وقع بجبل طيىء فإن طيئا أهدته لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة ". "حديث : وروى أنه لما مر بالحجر سجى ثوبه على وجهه، واستحث راحلته ثم قال: "لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون لئلا يصيبكم ما أصابهم"" تفسير : ولما أصبحوا ولا ماء شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا الله سبحانه فأرسل الله سبحانه سحابة فأمطرت وارتووا، وحملوا حاجتهم من الماء، وكان منافق معروف النفاق يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سار، فأقبلوا عليه يقولون: ويحك هل بعد هذا شىء سحابة مارة، وضلت ناقته ببعض الطريق فخرج بعض أصحابه فى طلبها، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه يقال له: عمارة بن حزم، وكان عقبيا بدريا، وكان فى رحله زيد بن لصيت القينقاعى، وكان منافقا، فقال زيد بن لصيت وهو فى رحل عمارة، وعمارة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس محمد يزعم أنه نبى يخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدرى أين ناقته؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمارة عنده: "حديث : إن رجلا قال هذا محمد يخبركم أنه نبى ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لا يدرى أين ناقته، وإنى والله لا أعلم إلا ما علمنى الله، وقد دلنى الله عليها وهى فى هذا الوادى من شعب كذا وكذا، قد حسبتها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتونى بها ". تفسير : فذهبوا فجاءوا بها، فرجع عمارة إلى رحله فقال: والله لعجب من شىء حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفا عن مقالة قائل أخبره الله عز وجل كذا وكذا للذى قال زيد بن لصيت، فقال رجل ممن كان فى رحل عمارة، ولم يحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم، زيد والله قالها قبل أن تأتى، فأقبل عمارة على زيد يضربه بيده فى عنقه ويقول: يا لعباد الله، إن فى رحلى لداهية، اخرج يا عدو الله من رحلى، ولا تصحبنى، فزعم بعض الناس أن زيدا تاب بعد ذلك، وقال بعض: لم يزل متهما بشر حتى هلك". وعن معاذ بن جبل: حديث : وردوا عين تبوك تخرج قليلا من الماء، وغرفوا منها قليلا قليلا، حتى اجتمع فى شىء، ثم غسل صلى الله عليه وسلم وجهه ويديه، ثم أعاده فيها فجرت بماء كثير فاستقوا، ولما انتهى إلى تبوك أتاه يجنة صاحب أيلة، فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية، وأتاه جربا وأذرح فأعطوه الجزيةتفسير : ، جربا بالجيم وأذرح بذال معجمة وحاء مهملة بلدتان بالشام بينهما ثلاثة أميال، وكتب لهم كتابا: حديث : "بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمانة من الله ومحمد النبى رسول ليجنة وأهل أبلة لمن فى البر أو فى البحر، لهم ذمة الله ومحمد النبى، ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه، ولا يحل أن يمنعوا ما يردونه من بر أو بحر ". تفسير : ووجد هرقل بحمص فأرسل خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك وهو نصرانى ملك عظيم بدومة الجندل، وهو من كندة فى أربعمائة وعشرين فارسا وقيل: أرسله فى رجب فى غير غزوة تبوك، وقال: "ستجده ليلا يصيد البقر" فخرج خالد حتى إذا كان من حصته بمنظر العين فى ليلة مقمرة صائفة، وتلقاه وأخاه حسانا يطارد البقر، فشدت عليه خيل خالد فأسروه وقتلوا حسانا، وهرب من كان معهما، فدخل الحصن وأتوا بأكيدر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقتلوه على أن يفتح له دومة الجندل، ففعل وصالحه على ألفى بعير وثمانمائة فرس، وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح". "حديث : وروى أن البقر باتت تحك بقرونها باب الحصن، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط، قال: لا والله، قالت: فمن يترك هذه؟ قال: لا أحد، فنزل فأمر بفرسه فأسرج له، وركب معه نفر من أهل بيته، فيهم أخوه حسان، فتلقته خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسروه وقتلوا أخاه، وعليه قباء من ديباج مخوص بالذهب، فاستلبه خالد، فبعثه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه به عليه، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم متعجبين، فقال صلى الله عليه وسلم: "أتعجبون من هذا، فوالذى نفسى بيده لمنازل سعد بن معاذ فى الجنة أحسن من هذا" ". تفسير : وقدم خالد بأكيدر بعد قيادة، فصالحه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع إلى قريته، ومقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك بضع عشرة ليلة، وقيل: عشرون وهو يقصر ولم يجاوزها، وروى أنه كتب فيها إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، فقارب الإجابة ولم يجب، "حديث : وروى أنه كتب إلى رسول الله: إنى مسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كذب عدو الله ليس بمسلم" وانصرف إلى المدينة، ولم يلق كيدا ". "حديث : وبنى فى طريقه مساجد، وكان فى طريقه ماء من عين، يروى الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له، المشقق، فقال: "من سبقنا إلى ذلك الوادى فلا يسقبن منه شيئا حتى نأتيه" فسبق إليه نفر من المنافقين: مقتب بن قشير، والحارث بن زيد، ووديعة بن ثابت، وزيد بن لصيت فاستقوا ما فيه، فلما أتاه صلى الله عليه وسلم لم ير فيه شيئا فقال: "من سبقنا إلى هذا؟" فقيل: يا رسول الله، فلان وفلان وفلان، فقال: "أو لم أنههم أن يستقوا منه شيئا حتى آتيه" ولعنهم ودعا عليهم، ووضع يده تحت الماء النازل من العين، ومسح به ودعا، فانخرق من الماء ماحسة كالصواعق، فشرب الناس واستقوا حاجتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لئن بقيتم أو بقى بعضكم لتسمعن بهذا الوادى" وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه ." "حديث : وفى غزوة تبوك مات عبد الله ذو البجادين بلا قتال ليلا، وأدلاه أبو بكر وعمر رضى الله عنهما إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى قبره يقول لهما: "أدليا أخاكما" رأى ابن مسعود شعلة نار فى طرف العسكر فاتبعها، فإذا هم كذلك، ولما هيأه لقبره قال صلى الله عليه وسلم: "اللهم إنى قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه" ويقول ابن مسعود: ليتنى صاحب الحفرة"تفسير : ، ولقب ذا البجادين لأنه ينازع إلى الإسلام فضيق عليه قومه حتى تركوه فى بجاد، وهو الكساء الغليظ الجافى، فهرب منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان قريبا منه شق بجاده باثنين، اتزر بواحد، واشتمل بالآخر، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: ذو البجادين. ولما دنى رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة خرج الناس لاستقباله، وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن: شعر : طلعَ البدرُ عَلينا من ثنيات الوداع وجَبَ الشُّكر علينا ما دَعا لله داع تفسير : ووهم من قال: إن هذا عند قدومه المدينة من مكة مهاجرا، لأن ثنيات الوداع من ناحية الشام لا يراها القادم من مكة إلى المدينة، ولما دنا من المدينة قال: "حديث : إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم العذر" تفسير : أى وقد نووا السير، ولما أشرف على المدينة قال: "حديث : هذه طابة، وهذا جبل أحد يحبنا ونحبه".
الالوسي
تفسير : {إِلاَّ تَنفِرُواْ} أي إلا تخرجوا إلى ما دعاكم رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج له {يُعَذّبُكُم} / أي الله عز وجل {عَذَاباً أَلِيماً} بالإهلاك بسبب فظيع لقحط وظهر عدو، وخص بعضهم التعذيب بالآخرة وليس بشيء، وعممه آخرون واعتبروا فيه الإهلاك ليصح عطف قوله سبحانه: {وَيَسْتَبْدِلْ} عليه أي ويستبدل بكم بعد إهلاككم {قَوْماً غَيْرَكُمْ} وصفهم بالمغايرة لهم لتأكيد الوعيد والتشديد في التهديد بالدلالة على المغايرة الوصفية والذاتية المستلزمة للاستئصال، أي قوماً مطيعين مؤثرين للآخرة على الدنيا ليسوا من أولادكم ولا أرحامكم وهم أبناء فارس كما قال سعيد بن جبير أو أهل اليمن كما روي عن أبـي روق أو ما يعم الفريقين كما اختاره بعض المحققين {وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً} من الأشياء أو شيئاً من الضرر، والضمير لله عز وجل أي لا يقدح تثاقلكم في نصرة دينه أصلاً فإنه سبحانه الغني عن كل شيء وفي كل أمر، وقيل: الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم فإن الله عز وجل وعده العصمَة والنصر وكان وعده سبحانه مفعولاً لا محالة، والأول هو المروي عن الحسن وأختاره أبو علي الجبائي وغيره، ويقرب الثاني رجوع الضمير الآتي إليه عليه الصلاة والسلام اتفاقاً {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} فيقدر على إهلاكهم والإتيان بقوم آخرين، وقيل: على التبديل وتغيير الأسباب والنصرة بلا مدد فتكون الجملة تتميماً لما قبل وتوطئة لما بعد.
ابن عاشور
تفسير : هذا وعيد وتهديد عقب به الملام السابق، لأنّ اللوم وقع على تثاقل حصل، ولمّا كان التثاقل مفضياً إلى التخلّف عن القتال، صرّح بالوعيد والتهديد أن يعودوا لمثل ذلك التثاقل، فهو متعلّق بالمستقبل كما هو مقتضَى أداة الشرط. فالجملة مستأنفة لغرض الإنكار بعد اللوم. فإن كان هذا وعيداً فقد اقتضى أنّ خروج المخاطبين إلى الجهاد الذي استنفرهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم قد وجب على أعيَانهم كلّهم بحيث لا يغني بعضهم عن بعض، أي تعيّن الوجوب عليهم، فيحتمل أن يكون التعيين بسبب تعيين الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم للخروج بسبب النفير العام، وأن يكون بسبب كثرة العدوّ الذي استُنفروا لقتاله، بحيث وجب خروج جميع القادرين من المسلمين لأنّ جيش العدوّ مثلَيْ عدد جيش الملسمين. وعن ابن عباس أنّ هذا الحكم منسوخ نسخه قوله تعالى: {أية : وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة}تفسير : [التوبة: 122] فيكون الجهاد قد سبق له حكم فرض العين ثم نقل إلى فرض الكفاية. وهذا بناء على أنّ المراد بالعذاب الأليم في قوله: {يعذبكم عذاباً أليماً} هو عذاب الآخرة كما هو المعتاد في إطلاق العذاب ووصفِه بالأليم، وقيل: المراد بالعذاب الأليم عذاب الدنيا كقوله: {أية : أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا}تفسير : [التوبة: 52] فلا يكون في الآية حجّة على كون ذلك الجهاد واجباً على الأعيان، ولكنّ الله توعّدهم، إن لم يمتثلوا أمر الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ، بأن يصيبهم بعذاب في الدنيا، فيكون الكلام تهديداً لا وعيداً. وقد يرجح هذا الوجه بأنّه قرن بعواقب دنيوية في قوله: {ويستبدل قوماً غيركم}. والعقوبات الدنيوية مصائب تترتّب على إهمال أسباب النجاح وبخاصّة ترك الانتصاح بنصائح الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ، كما أصابهم يوم أُحد، فالمقصود تهديدهم بأنّهم إن تقاعدوا عن النفير هاجمهم العدوّ في ديارهم فاستأصلوهم وأتى الله بقوم غيرهم. والأليم المؤلم، فهو فعيل مأخوذ من الرباعي على خلاف القياس كقوله تعالى: {أية : تلك آيات الكتاب الحكيم}تفسير : [لقمان: 2]، وقول عمرو بن معد يكرب:شعر : أمِنْ ريْحانَةَ الداعي السَّميع تفسير : أي المُسمع. وكتب في المصاحف {إلا} من قوله: {إلا تنفروا} بهمزة بعدها لامْ ألف على كيفية النطق بها مدغمة، والقياسُ أن يكتب (إن لا) بنون بعد الهمزة ثم لام ألف. والضمير المسْتتر في {يعذبكم} عائد إلى الله لتقدّمه في قوله: {أية : في سبيل الله}تفسير : [التوبة: 38]. وتنكير {قوماً} للنوعية إذ لا تعيّن لهؤلاء القوم ضرورةَ أنّه معلَّقٌ على شرط عدم النفير وهم قد نَفَروا لمّا استُنفروا إلاّ عدداً غيرَ كثير وهم المخلّفون. و{يستبدل} يبدل، فالسين والتاء للتأكيد والبدل هو المأخوذ عوضاً كقوله: {أية : ومن يتبدّل الكفر بالإيمان}تفسير : [البقرة: 108] أي ويستبدل بكم غيركم. والضمير في {تضروه} عائد إلى ما عاد إليه ضمير {يعذبكم} والواو للحال: أي يعذّبكم ويستبدل قوماً غيركم في حال أن لا تضرّوا الله شيئاً بقُعودكم، أي يصبكم الضرّ ولا يصب الذي استنفركم في سبيله ضرّ، فصار الكلام في قوة الحصر، كأنّه قيل: إلاّ تنفروا لا تضرّوا إلاّ أنفسكم. وجملة {والله على كل شيء قدير} تذييل للكلام لأنّه يحقّق مضمونَ لحاق الضرّ بهم لأنّه قدير عليهم في جملة كلّ شيء، وعدم لحاق الضرّ به لأنّه قدير على كلّ شيء فدخلت الأشياء التي من شأنها الضرّ.
د. أسعد حومد
تفسير : (39) - وَإِذَا لَمْ تَنْفِرُوا مَعَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ تَخْرُجُوا مَعَهُ إِلَى الجِهَادِ فَإِنَّ اللهَ سَيُعَذِّبُكُمْ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا، بِزَوَالِ النِّعْمَةِ وَغَيْرِهَا عَنْكُمْ، وَفِي الآخِرَةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَلاَ يَصْعُبُ عَلَى اللهِ أَنْ يَسْتَبْدِلَ قَوْماً غَيْرَكُمْ بِكُمْ، يَخِفُّونَ لِنُصْرَةِ نَبِيِّهِ، وَيُجَاهِدُونَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يُضِرُّ اللهَ، لأَِنَّهُ الغَنِيُّ عَنِ الْعِبَادِ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: إن لم تذهبوا إلى القتال فإن الله ينذركم بالعذاب. وإذا أنذر الحق فلا بد أن يتحقق ما أنذر به، فأنتم إن لم تنفروا مخافة العذاب المظنون، وهو الإرهاق والتعب، فما بالكم بالعذاب المحقق إن لم تنفذوا أمر الله بالنَّفْرة إلى القتال؟ وإذا كانت المقارنة بين مشقة السفر والقتال والحر الشديد، وبين عذاب الله، فالمؤمن سوف يختار - بلا شك - مشقة الحرب مهما كانت؛ لأن كل فعل إنما يكون بقياس فاعله، فمظنة العذاب بالحر، أو مشقة السفر، وقسوة القتال لا يمكن قياسها بعذاب الله؛ لأن العذاب الذي ينتظر مَنْ يتباطأ أو يفِرُّ من الزحف أكبر من مشقة الاستجابة للزحف مهما كانت مرهقة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} إذن: فلا تظنوا أنكم بتباطئكم؛ وعدم رغبتكم في القتال ستضرون الله شيئاً؛ لأن الله قادر على أن يأتي بخلق جديد، وهو على ذلك قدير، لذلك يقول: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه: {أية : هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم}تفسير : [محمد: 38]. فلا تظنوا أنكم بما معكم من ثراء أو قوة قادرون على عرقلة منهج الله بالبخل أو التخاذل؛ لأنه سبحانه قادر على أن يستبدلكم بقوم غيركم، يملكون حمية القتال والتضحية في سبيل الله؛ لأنه القادر فوق كل الخلق. وقوله سبحانه: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} هو حيثية للأحكام التي سبقتها من قوله: {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً} وإن ظن واحد منهم أن هذا كلام نظري، فالحق سبحانه يضرب لهم المثل العملي من الواقع الذي شاهدوه وعاصروه حينما اجتمع كفار قريش ليقتلوه فنصره الله عليهم، فقال جل جلاله: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):