٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
40
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا ذكر طريق آخر في ترغيبهم في الجهاد، وذلك لأنه تعالى ذكر في الآية الأولى أنهم إن لم ينفروا باستنفاره، ولم يشتغلوا بنصرته فإن الله ينصره بدليل أن الله نصره وقواه، حال ما لم يكن معه إلا رجل واحد، فههنا أولى، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: كيف يكون قوله: {فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ } جواباً للشرط؟ وجوابه أن التقدير إلا تنصروه، فسينصره من نصره حين ما لم يكن معه إلا رجل واحد، ولا أقل من الواحد والمعنى أنه ينصره الآن كما نصره في ذلك الوقت. المسألة الثانية: قوله: {إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } يعني قد نصره الله في الوقت الذي أخرجه الذين كفروا من مكة وقوله: {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ } نصب على الحال، أي في الحال التي كان فيها {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ } وتفسير قوله: {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ } سبق في قوله: { أية : ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ } تفسير : [المائدة:73] وتحقيق القول أنه إذا حضر اثنان فكل واحد منهما يكون ثانياً في ذينك الاثنين للآخر فلهذا السبب قالوا: يقال فلان ثاني اثنين، أي هو أحدهما. قال صاحب «الكشاف»: وقرىء {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ } بالسكون و {إِذْ هُمَا } بدل من قوله: {إِذْ أَخْرَجَهُ } والغار ثقب عظيم في الجبل، وكان ذلك الجبل يقال له ثور، في يمين مكة على مسيرة ساعة، مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه مع أبي بكر ثلاثاً. وقوله: {إذ يقول}: بدل ثان. المسألة الثالثة: ذكروا أن قريشاً ومن بمكة من المشركين تعاقدوا على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل { أية : وإذْ يَمْكُر بِكَ الذينَ كفروا } تفسير : [الأنفال: 30] فأمره الله تعالى أن يخرج هو وأبو بكر أول الليل إلى الغار، والمراد من قوله: {أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } هو أنهم جعلوه كالمضطر إلى الخروج. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أول الليل إلى الغار، وأمر علياً أن يضطجع على فراشه ليمنعهم السواد من طلبه، حتى يبلغ هو وصاحبه إلى ما أمر الله به، فلما وصلا إلى الغار دخل أبو بكر الغار أولاً، يلتمس ما في الغار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم، حديث : مالك؟تفسير : فقال: بأبي أنت وأمي، الغيران مأوى السباع والهوام، فإن كان فيه شيء كان بي لا بك، وكان في الغار جحر، فوضع عقبه عليه لئلا يخرج ما يؤذي الرسول، فلما طلب المشركون الأثر وقربوا، بكى أبو بكر خوفاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام: « حديث : لا تحزن إن الله معنا » تفسير : فقال أبو بكر: إن الله لمعنا، فقال الرسول: «حديث : نعم» تفسير : فجعل يمسح الدموع عن خده. ويروى عن الحسن أنه كان إذا ذكر بكاء أبي بكر بكى، وإذا ذكر مسحه الدموع مسح هو الدموع عن خده. وقيل: لما طلع المشركون فوق الغار أشفق أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن تصب اليوم ذهب دين الله. فقال رسول الله: «حديث : ما ظنك باثنين الله ثالثهما» تفسير : وقيل لما دخل الغار وضع أبو بكر ثمامة على باب الغار، وبعث الله حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوت نسجت عليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : اللهم أعم أبصارهم » تفسير : فجعلوا يترددون حول الغار ولا يرون أحداً. المسألة الرابعة: دلت هذه الآية على فضيلة أبي بكر رضي الله عنه من وجوه: الأول: أنه عليه السلام لما ذهب إلى الغار لأجل أنه كان يخاف الكفار من أن يقدموا على قتله، فلولا أنه عليه السلام كان قاطعاً على باطن أبي بكر، بأنه من المؤمنين المحققين الصادقين الصديقين، وإلا لما أصحبه نفسه في ذلك الموضع، لأنه لو جوز أن يكون باطنه بخلاف ظاهره، لخافه من أن يدل أعداءه عليه، وأيضاً لخافه من أن يقدم على قتله فلما استخلصه لنفسه في تلك الحالة، دل على أنه عليه السلام كان قاطعاً بأن باطنه على وفق ظاهره. الثاني: وهو أن الهجرة كانت بإذن الله تعالى، وكان في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من المخلصين، وكانوا في النسب إلى شجرة رسول الله أقرب من أبي بكر، فلولا أن الله تعالى أمره بأن يستصحب أبا بكر في تلك الواقعة الصعبة الهائلة، وإلا لكان الظاهر أن لا يخصه بهذه الصحبة، وتخصيص الله إياه بهذا التشريف دل على منصب عال له في الدين. الثالث: أن كل من سوى أبي بكر فارقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما هو فما سبق رسول الله كغيره، بل صبر على مؤانسته وملازمته وخدمته عند هذا الخوف الشديد الذي لم يبق معه أحد، وذلك يوجب الفضل العظيم. الرابع: أنه تعالى سماه {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ } فجعل ثاني محمد عليه السلام حال كونهما في الغار، والعلماء أثبتوا أنه رضي الله عنه كان ثاني محمد في أكثر المناصب الدينية، فإنه صلى الله عليه وسلم لما أرسل إلى الخلق وعرض الإسلام على أبي بكر آمن أبو بكر، ثم ذهب وعرض الإسلام على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة آخرين من أجلة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والكل آمنوا على يديه، ثم إنه جاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أيام قلائل، فكان هو رضي الله عنه {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ } في الدعوة إلى الله وأيضاً كلما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، كان أبو بكر رضي الله عنه يقف في خدمته ولا يفارقه، فكان ثاني اثنين في مجلسه، ولما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قام مقامه في إمامة الناس في الصلاة فكان ثاني اثنين، ولما توفي دفن بجنبه، فكان ثاني اثنين هناك أيضاً، وطعن بعض الحمقى من الروافض في هذا الوجه وقال: كونه ثاني اثنين للرسول لا يكون أعظم من كون الله تعالى رابعاً لكل ثلاث في قوله: { أية : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ } تفسير : [المجادلة: 7] ثم إن هذا الحكم عام في حق الكافر والمؤمن، فلما لم يكن هذا المعنى من الله تعالى دالاً على فضيلة الإنسان فلأن لا يدل من النبي على فضيلة الإنسان كان أولى. والجواب: أن هذا تعسف بارد، لأن المراد هناك كونه تعالى مع الكل بالعلم والتدبير، وكونه مطلعاً على ضمير كل أحد، أما ههنا فالمراد بقوله تعالى: {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ } تخصيصه بهذه الصفة في معرض التعظيم وأيضاً قد دللنا بالوجوه الثلاثة المتقدمة على أن كونه معه في هذا الموضع دليل قاطع على أنه صلى الله عليه وسلم كان قاطعاً بأن باطنه كظاهره، فأين أحد الجانبين من الآخر؟ والوجه الخامس: من التمسك بهذه الآية ما جاء في الأخبار أن أبا بكر رضي الله عنه لما حزن قال عليه الصلاة والسلام حديث : ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ تفسير : ولا شك أن هذا منصب علي، ودرجة رفيعة. واعلم أن الروافض في الدين كانوا إذا حلفوا قالوا: وحق خمسة سادسهم جبريل، وأرادوا به أن الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلياً، وفاطمة، والحسن والحسين، كانوا قد احتجبوا تحت عباءة يوم المباهلة، فجاء جبريل وجعل نفسه سادساً لهم، فذكروا للشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى أن القوم هكذا يقولون، فقال رحمه الله: لكم ما هو خير منه بقوله: «حديث : ما ظنك باثنين الله ثالثهما» تفسير : ومن المعلوم بالضرورة أن هذا أفضل وأكمل. والوجه السادس: أنه تعالى وصف أبا بكر بكونه صاحباً للرسول وذلك يدل على كمال الفضل. قال الحسين بن فضيل البجلي: من أنكر أن يكون أبو بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كافراً، لأن الأمة مجمعة على أن المراد من {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ } هو أبو بكر، وذلك يدل على أن الله تعالى وصفه بكونه صاحباً له، اعترضوا وقالوا: إن الله تعالى وصف الكافر بكونه صاحباً للمؤمن، وهو قوله: { أية : قَالَ لَهُ صَـٰحِبُهُ وَهُوَ يُحَـٰوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ } تفسير : [الكهف: 37]. والجواب: أن هناك وإن وصفه بكونه صاحباً له ذكراً إلا أنه أردفه بما يدل على الإهانة والإذلال، وهو قوله: {أَكَفَرْتَ } أما ههنا فبعد أن وصفه بكونه صاحباً له، ذكر ما يدل على الإجلال والتعظيم وهو قوله: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا } فأي مناسبة بين البابين لولا فرط العداوة؟ والوجه السابع: في دلالة هذه الآية على فضل أبي بكر. قوله: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا } ولا شك أن المراد من هذه المعية، المعية بالحفظ والنصرة والحراسة والمعونة، وبالجملة فالرسول عليه الصلاة والسلام شرك بين نفسه وبين أبي بكر في هذه المعية، فإن حملوا هذه المعية على وجه فاسد، لزمهم إدخال الرسول فيه، وإن حملوها على محمل رفيع شريف، لزمهم إدخال أبي بكر فيه، ونقول بعبارة أخرى، دلت الآية على أن أبا بكر كان الله معه، وكل من كان الله معه فإنه يكون من المتقين المحسنين، لقوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } تفسير : [النحل: 128] والمراد منه الحصر، والمعنى: إن الله مع الذين اتقوا لا مع غيرهم، وذلك يدل على أن أبا بكر من المتقين المحسنين. والوجه الثامن: في تقرير هذا المطلوب أن قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا } يدل على كونه ثاني اثنين في الشرف الحاصل من هذه المعية، كما كان ثاني اثنين إذ هما في الغار، وذلك منصب في غاية الشرف. والوجه التاسع: أن قوله: {لاَ تَحْزَنْ } نهى عن الحزن مطلقاً، والنهي يوجب الدوام والتكرار، وذلك يقتضي أن لا يحزن أبو بكر بعد ذلك البتة، قبل الموت وعند الموت وبعد الموت. والوجه العاشر: قوله: {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } ومن قال الضمير في قوله: {عَلَيْهِ } عائداً إلى الرسول فهذا باطل لوجوه: الوجه الأول: أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وأقرب المذكورات المتقدمة في هذه الآية هو أبو بكر، لأنه تعالى قال: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ } والتقدير: إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر لا تحزن، وعلى هذا التقدير: فأقرب المذكورات السابقة هو أبو بكر، فوجب عود الضمير إليه. والوجه الثاني: أن الحزن والخوف كان حاصلاً لأبي بكر لا للرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه عليه السلام كان آمناً ساكن القلب بما وعده الله أن ينصره على قريش فلما قال لأبي بكر لا تحزن صار آمناً، فصرف السكينة إلى أبي بكر ليصير ذلك سبباً لزوال خوفه، أولى من صرفها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، مع أنه قبل ذلك ساكن القلب قوي النفس. والوجه الثالث: أنه لو كان المراد إنزال السكينة على الرسول لوجب أن يقال: إن الرسول كان قبل ذلك خائفاً، ولو كان الأمر كذلك لما أمكنه أن يقول لأبي بكر: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا } فمن كان خائفاً كيف يمكنه أن يزيل الخوف عن قلب غيره؟ ولو كان الأمر على ما قالوه لوجب أن يقال: فأنزل الله سكينته عليه، فقال لصاحبه لا تحزن، ولما لم يكن كذلك، بل ذكر أولاً أنه عليه الصلاة والسلام قال لصاحبه لا تحزن، ثم ذكر بفاء التعقيب نزول السكينة، وهو قوله: {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } علمنا أن نزول هذه السكينة مسبوق بحصول السكينة في قلب الرسول عليه الصلاة والسلام، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن تكون هذه السكينة نازلة على قلب أبي بكر. فإن قيل: وجب أن يكون قوله: {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } المراد منه أنه أنزل سكينته على قلب الرسول، والدليل عليه أنه عطف عليه قوله: {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } وهذا لا يليق إلا بالرسول، والمعطوف يجب كونه مشاركاً للمعطوف عليه، فلما كان هذا المعطوف عائداً إلى الرسول وجب في المعطوف عليه أن يكون عائداً إلى الرسول. قلنا: هذا ضعيف، لأن قوله: {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } إشارة إلى قصة بدر وهو معطوف على قوله: {فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ } وتقدير الآية إلا تنصروه فقد نصره الله في واقعة الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها في واقعة بدر، وإذا كان الأمر كذلك فقد سقط هذا السؤال. الوجه الحادي عشر: من الوجوه الدالة على فضل أبي بكر من هذه الآية إطباق الكل على أن أبا بكر هو الذي اشترى الراحلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أن عبد الرحمن بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر هما اللذان كانا يأتيانهما بالطعام. روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: « حديث : لقد كنت أنا وصاحبي في الغار بضعة عشر يوماً وليس لنا طعام إلا التمر » تفسير : وذكروا أن جبريل أتاه وهو جائع فقال هذه أسماء قد أتت بحيس، ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وأخبر به أبا بكر ولما أمر الله رسوله بالخروج إلى المدينة أظهره لأبي بكر، فأمر ابنه عبد الرحمن أن يشتري جملين ورحلين وكسوتين، ويفصل أحدهما للرسول عليه الصلاة والسلام فلما قربا من المدينة وصل الخبر إلى الأنصار فخرجوا مسرعين، فخاف أبو بكر أنهم لا يعرفون الرسول عليه الصلاة والسلام فألبس رسول الله ثوبه، ليعرفوا أن الرسول هو هو، فلما دنوا خروا له سجداً فقال لهم: « حديث : اسجدوا لربكم وأكرموا أخاً لكم » تفسير : ثم أناخت ناقته بباب أبي أيوب روينا هذه الروايات من تفسيرأبي بكر الأصم. الوجه الثاني عشر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل المدينة ما كان معه إلا أبو بكر، والأنصار ما رأوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً إلا أبا بكر، وذلك يدل على أنه كان يصطفيه لنفسه من بين أصحابه في السفر والحضر، وأن أصحابنا زادوا عليه وقالوا: لما لم يحضر معه في ذلك السفر أحد إلا أبو بكر، فلو قدرنا أنه توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك السفر لزم أن لا يقوم بأمره إلا أبو بكر وأن لا يكون وصيه على أمته إلا أبو بكر، وأن لا يبلغ ما حدث من الوحي والتنزيل في ذلك الطريق إلى أمته إلا أبو بكر، وكل ذلك يدل على الفضائل العالية والدرجات الرفيعة لأبي بكر. واعلم أن الروافض احتجوا بهذه الآية وبهذه الواقعة على الطعن في أبي بكر من وجوه ضعيفة حقيرة جارية مجرى إخفاء الشمس بكف من الطين: فالأول: قالوا إنه عليه الصلاة والسلام قال لأبي بكر: «حديث : لا تحزن» تفسير : فذلك الحزن إن كان حقاً فكيف نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عنه؟ وإن كان خطأ، لزم أن يكون أبو بكر مذنباً وعاصياً في ذلك الحزن، والثاني: قالوا يحتمل أن يقال: إنه استخلصه لنفسه لأنه كان يخاف منه أنه لو تركه في مكة أن يدل الكفار عليه، وأن يوقفهم على أسراره ومعانيه، فأخذه مع نفسه دفعاً لهذا الشر. والثالث: وإن دلت هذه الحالة على فضل أبي بكر إلا أنه أمر علياً بأن يضطجع على فراشه، ومعلوم أن الاضطجاع على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل تلك الليلة الظلماء مع كون الكفار قاصدين قتل رسول الله تعريض النفس للفداء، فهذا العمل من علي، أعلى وأعظم من كون أبي بكر صاحباً للرسول، فهذه جملة ما ذكروه في ذلك الباب. والجواب عن الأول: أن أبا علي الجبائي لما حكى عنهم تلك الشبهة، قال: فيقال لهم يجب في قوله تعالى لموسى عليه السلام: { أية : لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [طه: 68] أن يدل على أنه كان عاصياً في خوفه، وذلك طعن في الأنبياء، ويجب في قوله تعالى في إبراهيم، حيث قالت الملائكة له: { أية : لاَ تَخَفْ } تفسير : [هود:69] في قصة العجل المشوي مثل ذلك، وفي قولهم للوط: { أية : لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ } تفسير : [العنكبوت: 33] مثل ذلك. فإذا قالوا: إن ذلك الخوف إنما حصل بمقتضى البشرية، وإنما ذكر الله تعالى ذلك في قوله: {لاَ تَخَفْ } ليفيد الأمن، وفراغ القلب. قلنا لهم في هذه المسألة كذلك. فإن قالوا: أليس إنه تعالى قال: { أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [المائدة: 67] فكيف خاف مع سماع هذه الآية؟ فنقول: هذه الآية إنما نزلت في المدينة، وهذه الواقعة سابقة على نزولها، وأيضاً فهب أنه كان آمناً على عدم القتل، ولكنه ما كان آمناً من الضرب، والجرح والإيلام الشديد والعجب منهم، فإنا لو قدرنا أن أبا بكر ما كان خائفاً، لقالوا إنه فرح بسبب وقوع الرسول في البلاء، ولما خاف وبكى قالوا: هذا السؤال الركيك، وذلك يدل على أنهم لا يطلبون الحق، وإنما مقصودهم محض الطعن! والجواب عن الثاني: أن الذي قالوه أخس من شبهات السوفسطائية، فإن أبا بكر لو كان قاصداً له، لصاح بالكفار عند وصولهم إلى باب الغار، وقال لهم نحن ههنا، ولقال ابنه وابنته عبد الرحمن وأسماء للكفار نحن نعرف مكان محمد فندلكم عليه، فنسأل الله العصمة من عصبية تحمل الإنسان على مثل هذا الكلام الركيك. والجواب عن الثالث من وجوه: الأول: أنا لا ننكر أن اضطجاع علي بن أبي طالب في تلك الليلة المظلمة على فراش رسول الله طاعة عظيمة ومنصب رفيع، إلا أنا ندعي أن أبا بكر بمصاحبته كان حاضراً في خدمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلي كان غائباً، والحاضر أعلى حالاً من الغائب. الثاني: أن علياً ما تحمل المحنة إلا في تلك الليلة، أما بعدها لما عرفوا أن محمداً غاب تركوه، ولم يتعرضوا له. أما أبو بكر، فإنه بسبب كونه مع محمد عليه الصلاة والسلام ثلاثة أيام في الغار كان في أشد أسباب المحنة، فكان بلاؤه أشد. الثالث: أن أبا بكر رضي الله عنه كان مشهوراً فيما بين الناس بأنه يرغب الناس في دين محمد عليه الصلاة والسلام ويدعوهم إليه، وشاهدوا منه أنه دعا جمعاً من أكابر الصحابة رضي الله عنهم إلى ذلك الدين، وأنهم إنما قبلوا ذلك الدين بسبب دعوته، وكان يخاصم الكفار بقدر الإمكان، وكان يذب عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالنفس والمال وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فإنه كان في ذلك الوقت صغير السن، وما ظهر منه دعوة لا بالدليل والحجة، ولا جهاد بالسيف والسنان، لأن محاربته مع الكفار إنما ظهرت بعد انتقالهم إلى المدينة بمدة مديدة، فحال الهجرة ما ظهر منه شيء من هذه الأحوال، وإذا كان كذلك كان غضب الكفار على أبي بكر لا محالة أشد من غضبهم على علي، ولهذا السبب، فإنهم لما عرفوا أن المضطجع على ذلك الفراش هو علي لم يتعرضوا له ألبتة، ولم يقصدوه بضرب ولا ألم، فعلمنا أن خوف أبي بكر على نفسه في خدمة محمد صلى الله عليه وسلم أشد من خوف علي كرم الله وجهه، فكانت تلك الدرجة أفضل وأكمل. هذا ما نقوله في هذا الباب على سبيل الاختصار. أما قوله تعالى: {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } فاعلم أن تقدير الآية أن يقال: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ } فلا بد له ذلك بدليل صورتين. الصورة الأولى: أنه قد نصره في واقعة الهجرة {إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ}. والصورة الثانية: واقعة بدر، وهي المراد من قوله: {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } لأنه تعالى أنزل الملائكة يوم بدر، وأيد رسوله صلى الله عليه وسلم بهم، فقوله: {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } معطوف على قوله: {فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }. ثم قال تعالى: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا } والمعنى أنه تعالى جعل يوم بدر كلمة الشرك سافلة دنيئة حقيرة، وكلمة الله هي العليا، وهي قوله لا إله إلا الله. قال الواحدي: والاختيار في قوله: {وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ } الرفع، وهي قراءة العامة على الاستئناف، قال الفراء، ويجوز {كَلِمَةَ ٱللَّهِ } بالنصب، ولا أحب هذه القراءة لأنه لو نصبها لكان الأجود أن يقال: وكلمة الله العليا، ألا ترى أنك تقول أعتق أبوك غلامك، ولا تقول أعتق غلامه أبوك. ثم قال: {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ } أي قاهر غالب لا يفعل إلا الصواب.
القرطبي
تفسير : فيه إحدى عشرة مسألة: الأُولى ـ قوله تعالىٰ: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ} يقول: تُعِينوه بالنّفْر معه في غزوة تبَوُك. عاتبهم الله بعد انصراف نبيه عليه السَّلام من تبوك. قال النقاش: هذه أوّل آية نزلت من سورة «براءة». والمعنى: إن تركتم نَصْره فالله يتكفّل به؛ إذ قد نصره الله في مواطن القلّة وأظهره على عدوّه بالغلبة والعزة. وقيل: فقد نصره الله بصاحبه في الغار بتأنيسه له وحمله على عنقه، وبوفائه ووقايته له بنفسه ومواساته له بماله. قال الليث بن سعد: ما صحب الأنبياء عليهم السَّلام مثل أبي بكر الصديق. وقال سفيان بن عُيينة: خرج أبو بكر بهذه الآية من المعاتبة التي في قوله: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ}. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وهو خرج بنفسه فارّاً، لكن بإلجائهم إلى ذلك حتى فعله، فنسب الفعل إليهم ورتّب الحكم فيه عليهم؛ فلهذا يقتل المكرِه على القتل ويضمن المال المتلَف بالإكراه؛ لإلجائه القاتل والمتلِف إلى القتل والإتلاف. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ} أي أحد ٱثنين. وهذا كثالث ثلاثة ورابع أربعة. فإذا اختلف اللفظ فقلت رابع ثلاثة وخامس أربعة؛ فالمعنى صير الثلاثة أربعة بنفسه والأربعة خمسة. وهو منصوب على الحال؛ أي أخرجوه منفرداً من جميع الناس إلاَّ من أبي بكر. والعامل فيها «نصره الله» أي نصره منفرداً ونصره أحد اثنين. وقال عليّ بن سليمان: التقدير فخرج ثاني اثنين؛ مثل {أية : وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً}تفسير : [نوح: 17]. وقرأ جمهور الناس «ثانِيَ» بنصب الياء. قال أبو حاتم: لا يعرف غير هذا. وقرأت فرقة «ثانِي» بسكون الياء. قَال ٱبن جنِّي: حكاها أبو عمرو بن العلاء، ووجهه أنه سكن الياء تشبيهاً لها بالألف. قال ٱبن عطية: فهي كقراءة الحسن «مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا» وكقول جرير:شعر : هو الخليفة فَارْضَوْا ما رَضِي لَكُمُ ماضِي العزيمةِ ما في حُكْمه جَنَفُ تفسير : الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ} الغار: ثقب في الجبل، يعني غار ثَوْر. ولما رأت قريش أن المسلمين قد صاروا إلى المدينة قالوا: هذا شر شاغل لا يُطاق؛ فأجمعوا أمرهم على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبيّتوه ورصدوه على باب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج؛ فأمر النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه، ودعا الله أن يعمّى عليهم أثره، فطمس الله على أبصارهم فخرج وقد غشِيَهم النوم، فوضع على رؤوسهم تراباً ونهض، فلما أصبحوا خرج عليهم علي رضي الله عنه وأخبرهم أن ليس في الدار أحد، فعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فات ونجا. وتواعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق للهجرة، فدفعا راحلتيهما إلى عبد الله بن أَرقْط. ويُقال ابن أريقط، وكان كافراً لكنهما وثقا به، وكان دليلاً بالطرق فاستأجراه ليدل بهما إلى المدينة. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من خَوْخة في ظهر دار أبي بكر التي في بني جُمَح ونهضا نحو الغار في جبل ثَوْر، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يستمع ما يقول الناس، وأمر مولاه عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه ويريحها عليهما ليلاً فيأخذ منها حاجتهما. ثم نهضا فدخلا الغار. وكانت أسماء بنت أبي بكر الصديق تأتيهما بالطعام ويأتيهما عبد الله بن أبي بكر بالأخبار، ثم يتلوهما عامر بن فهيرة بالغنم فيُعَفّى آثارهما. فلما فقدته قريش جعلت تطلبه بقائف معروف بقفاء الأثر، حتى وقف على الغار فقال: هنا انقطع الأثر. فنظروا فإذا بالعنكبوت قد نسج على فم الغار من ساعته؛ ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله. فلما رأوا نسج العنكبوت أيقنوا أن لا أحد فيه، فرجعوا وجعلوا في النبي صلى الله عليه وسلم مائة ناقة لمن ردّه عليهم. الخبر مشهور، وقصة سراقة بن مالك ابن جعْشُم في ذلك مذكورة. وقد رُوي من حديث أبي الدّرداء وثَوْبان (رضي الله عنهما): أن الله عزّ وجل أمر حمامة فباضت على نسج العنكبوت، وجعلت ترقد على بيضها، فلما نظر الكفار إليها ردّهم ذلك عن الغار. الخامسة ـ روى البخاريّ عن عائشة قالت: استأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلاً من بني الدِّيل هادياً خِرِّيتاً، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غارَ ثَوْر بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ثلاث، فارتحلا وارتحل معهما عامر بن فُهيرة والدليلُ الدّيلي، فأخذ بهم طريق الساحل. قال المهلب: فيه من الفقه ائتمان أهل الشرك على السر والمال إذا عُلم منهم وفاء ومروءة كما ائتمن النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا المشرك على سِرّه في الخروج من مكة وعلى الناقتين. وقال ابن المنذر: فيه استئجار المسلمين الكفار على هداية الطريق. وقال البخاريّ في ترجمته: (باب استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد أهل الإسلام). قال ابن بطّال: إنما قال البخاريّ في ترجمته (أو إذا لم يوجد أهل الإسلام) من أجل أن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما عامل أهل خيبر على العمل في أرضها إذ لم يوجد من المسلمين من ينوب منابهم في عمل الأرض، حتى قوِي الإسلام وٱستُغْني عنهم أجلاهم عمر. وعامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضرورة وغيرها. وفيه: استئجار الرجلين الرجل الواحد على عمل واحد لهما. وفيه: دليل على جواز الفِرار بالدِّين خوفاً من العدو، والاستخفاء في الغِيران وغيرها، ألاّ يُلقِي الإنسان بيده إلى العدوّ توكلا على الله وإستسلاما له. ولو شاء ربكم لعصَمه مع كونه معهم، ولكنها سنة الله في الأنبياء وغيرهم، ولن تجد لسنة الله تبديلاً. وهذا أدل دليل على فساد من منع ذلك وقال: من خاف مع الله سواه كان ذلك نقصاً في توكّله، ولم يؤمن بالقدر. وهذا كله في معنى الآية، ولله الحمد والهداية. السادسة ـ قوله تعالىٰ: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} هذه الآية تضمنت فضائل الصديق رضي الله عنه. روى أَصْبغ وأبو زيد عن ٱبن القاسم عن مالك «ثَانيَ ٱثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الْغَارِ إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا» هو الصدّيق. فحقق الله تعالىٰ قوله له بكلامه ووصف الصحبة في كتابه. قال بعض العلماء: من أنكر أن يكون عمر وعثمان أو أحد من الصحابة صاحبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كذاب مبتدِع. ومن أنكر أن يكون أبو بكر رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر؛ لأنه ردّ نص القرآن. ومعنى {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} أي بالنصر والرعاية والحفظ والكلاءة. روى الترمِذيّ والحارث بن أبي أُسامة قالا: حدّثنا عفان قال حدّثنا همام قال أخبرنا ثابت حديث : عن أنس أن أبا بكر حدثه قال: قلت للنبيّ صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه؛ فقال: «يا أبا بكر ما ظنّك باثنين الله ثالثهما»تفسير : . قال المُحاسِبيّ: يعني معهما بالنصر والدفاع؛ لا على معنى ما عمّ به الخلائق؛ فقال: {أية : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ}تفسير : [المجادلة: 7]. فمعناه العموم أنه يسمع ويرى من الكفار والمؤمنين. السابعة ـ قال ابن العربيّ: قالت الإمامية قبّحها الله: حزنُ أبي بكر في الغار دليل على جهله ونقصه، وضعف قلبه وخرقه. وأجاب علماؤنا عن ذلك بأن إضافة الحزن إليه ليس بنقص؛ كما لم ينقص إبراهيم حين قال عنه: «نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ». ولم ينقص موسى قوله: {أية : فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ قُلْنَا لاَ تَخَفْ} تفسير : [طه: 67]. وفي لوط: {أية : وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ}تفسير : [العنكبوت: 33]. فهؤلاء العظماء صلوات الله عليهم قد وجدت عندهم التَّقيّة نصّاً، ولم يكن ذلك طعناً عليهم ووصفاً لهم بالنقص؛ وكذلك في أبي بكر. ثم هي عند الصدّيق احتمال؛ فإنه قال: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا. جواب ثان ـ إن حزن الصدّيق إنما كان خوفاً على النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يصل إليه ضرر، ولم يكن النبيّ صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت معصوماً، وإنما نزل عليه {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [المائدة: 67] بالمدينة. الثامنة ـ قال ابن العربِيّ: قال لنا أبو الفضائل العدل قال لنا جمال الإسلام أبو القاسم قال موسى صلى الله عليه وسلم: {أية : كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ }تفسير : [الشعراء: 62] وقال في محمد صلى الله عليه وسلم: «حديث : لاَ تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا»تفسير : لا جَرَم لما كان الله مع موسى وحده ارتدّ أصحابه بعده، فرجع من عند ربه ووجدهم يعبدون العجل. ولما قال في محمد صلى الله عليه وسلم «حديث : لاَ تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا»تفسير : بقي أبو بكر مهتدياً موحّداً عالماً جازماً قائماً بالأمر ولم يتطرق إليه اختلال. التاسعة ـ خرّج الترمِذي من حديث نُبيط بن شُريط عن سالم بن عبيد ـ له صحبة ـ قال: أغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم...؛ الحديث. وفيه: واجتمع المهاجرون يتشاورون فقالوا: انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار ندخلهم معنا في هذا الأمر. فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. فقال عمر رضي الله عنه: من له مثل هذه الثلاث {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} من «هما»؟ قال: ثم بسط يده فبايعه وبايعه الناس بيعة حسنة جميلة. قلت: ولهذا قال بعض العلماء: في قوله تعالىٰ: {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ} ما يدلّ على أن الخليفة بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه؛ لأن الخليفة لا يكون أبداً إلاَّ ثانياً. وسمعتُ شيخنا الإمام أبا العباس أحمد بن عمر يقول: إنما استحق الصديق أن يُقال له ثاني ٱثنين لقيامه بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم بالأمر؛ كقيام النبيّ صلى الله عليه وسلم به أوّلاً. وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما مات ارتدّت العرب كلها، ولم يبق الإسلام إلاَّ بالمدينة ومكة وجُوَاثا؛ فقام أبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام ويقاتلهم على الدخول في الدين كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فٱستحق من هذه الجهة أن يُقال في حقه ثاني ٱثنين. قلت ـ وقد جاء في السنة أحاديث صحيحة، يدلّ ظاهرها على أنه الخليفة بعده، وقد انعقد الإجماع على ذلك ولم يبق منه مخالف. والقادح في خلافته مقطوع بخطئه وتفسيقه. وهل يكفر أم لا؛ يُختلف فيه، والأظهر تكفيره. وسيأتي لهذا المعنى مزيد بيان في سورة «الفتح» إن شاء الله. والذي يقطع به من الكتاب والسنة وأقوال علماء الأُمة ويجب أن تؤمن به القلوب والأفئدة فضل الصديق على جميع الصحابة. ولا مبالاة بأقوال أهل الشّيع ولا أهل البدع؛ فإنهم بين مكفر تضرب رقبته، وبين مبتدع مفسّق لا تقبل كلمته. ثم بعد الصديق عمر الفاروق، ثم بعده عثمان. روى البخاريّ عن ابن عمر قال: كنا نخيّر بين الناس في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمان. وٱختلف أئمة أهل السلف في عثمان وعليّ؛ فالجمهور منهم على تقديم عثمان. ورُوي عن مالك أنه توقف في ذلك. وروي عنه أيضاً أنه رجع إلى ما عليه الجمهور. وهو الأصح إن شاء الله. العاشرة ـ قوله تعالىٰ: {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} فيه قولان: أحدهما ـ على النبيّ صلى الله عليه وسلم. والثاني ـ على أبي بكر. ٱبن العربيّ: قال علماؤنا وهو الأقوى؛ لأنه خاف على النبيّ صلى الله عليه وسلم من القوم؛ فأنزل الله سكينته عليه بتأمين النبيّ صلى الله عليه وسلم، فسكن جأشه وذهب رَوْعه وحصل الأمن، وأنبت الله سبحانه ثُمامة، وألهم الوَكْرَ هناك حمامةً؛ وأرسل العنكبوت فنسجت بيتاً عليه. فما أضعف هذه الجنود في ظاهر الحس وما أقواها في باطن المعنى ٰ ولهذا المعنى حديث : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لعمر حين تغامر مع الصديق: «هل أنتم تاركو لي صاحبي إن الناس كلّهم قالوا كذبت وقال أبو بكر صدقت» تفسير : رواه أبو الدرداء. الحادية عشرة ـ قوله تعالىٰ: {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} أي من الملائكة. والكناية في قوله «وَأَيَّدَهُ» ترجع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. والضميران يختلفان، وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب. {وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ} أي كلمة الشرك. {وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا} قيل: لا إلٰه إلاَّ الله. وقيل: وعْد النصر. وقرأ الأعمش ويعقوب «وكلِمة اللَّهِ» بالنصب حملاً على «جعل». والباقون بالرفع على الاستئناف. وزعم الفراء أن قراءة النصب بعيدة؛ قال: لأنك تقول أعتق فلان غلام أبيه، ولا تقول غلام أبي فلان. وقال أبو حاتم: نحواً من هذا. قال: كان يجب أن يُقال وكلمته هي العليا. قال النحاس: الذي ذكره الفرّاء لا يشبه الآية، ولكن يشبهها ما أنشد سيبويه:شعر : لا أرى الموتَ يسبِق الموتَ شيءٌ نغّص الموت ذا الغِنَى والفقِيرَا تفسير : فهذا حسن جيّد لا إشكال فيه، بل يقول النحويون الحذاق: في إعادة الذكر في مثل هذا فائدة، وهي أن فيه معنى التعظيم؛ قال الله تعالىٰ: {أية : إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا}تفسير : [الزلزلة: 1 ـ 2] فهذا لا إشكال فيه. وجمع الكلِمة كَلِم. وتميم تقول: هي كِلمة بكسر الكاف. وحكى الفرّاء فيها ثلاث لغات: كَلِمة وكِلْمة وكَلْمة مثل كَبِد وكِبْد وكَبْد، ووَرِق ووِرْق ووَرْق. والكلْمة أيضاً القصيدة بطولها؛ قاله الجوهريّ.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ} أي: تنصروا رسوله، فإن الله ناصره ومؤيده، وكافيه وحافظه؛ كما تولى نصره {إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ} أي: عام الهجرة، لما هم المشركون بقتله أو حبسه أو نفيه، فخرج منهم هارباً بصحبة صديقه وصاحبه أبي بكر بن أبي قحافة، فلجأ إلى غار ثور ثلاثة أيام؛ ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهم، ثم يسيروا نحو المدينة، فجعل أبو بكر رضي الله عنه يجزع أن يطلع عليهم أحد، فيخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أذى، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يسكنه ويثبته ويقول: «حديث : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» تفسير : كما قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، أنبأنا ثابت عن أنس: أن أبا بكر حدثه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، قال: فقال: «حديث : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» تفسير : أخرجاه في الصحيحين، ولهذا قال تعالى: {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} أي: تأييده ونصره عليه، أي: على الرسول صلى الله عليه وسلم في أشهر القولين، وقيل: على أبي بكر، وروي عن ابن عباس وغيره، قالوا: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم تزل معه سكينة، وهذا لا ينافي تجدد سكينة خاصة بتلك الحال، ولهذا قال: {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} أي: الملائكة، {وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا} قال ابن عباس: يعني بكلمة الذين كفروا: الشرك، وكلمة الله: هي لا إله إلا الله. وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: «حديث : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» تفسير : وقوله: {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} أي في انتقامه وانتصاره، منيع الجناب، لا يضام من لاذ ببابه، واحتمى بالتمسك بخطابه {حَكِيمٌ} في أقواله وأفعاله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِلاَّ تَنصُرُوهُ } أي النبيَّ صلى الله عليه وسلم {فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ } حين {أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } من مكة أي ألجَأُه إلى الخروج لما أرادوا قتله أو حبسه أو نفيه بدار الندوة {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ } حال أي أحد اثنين والآخر أبو بكر، المعنى نصره الله في مثل تلك الحالة فلا يخذله في غيرها {إِذْ } بدل من «إذ» قبله {هُمَا فِى ٱلْغَارِ } نقب في جبل ثور {إِذْ } بدل ثان {يَقُولُ لِصَاحِبِهِ } أبي بكر وقد قال له لما رأى أقدام المشركين: لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا } بنصره {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ } طمأنينته {عَلَيْهِ } قيل على النبي صلى الله عليه وسلم وقيل على أبي بكر {وَأَيَّدَهُ } أي النبي صلى الله عليه وسلم {بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } ملائكة في الغار ومواطن قتاله {وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي دعوة الشرك {ٱلسُّفْلَىٰ } المغلوبة {وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ } أي كلمة الشهادة {هِىَ ٱلْعُلْيَا } الظاهرة الغالبة {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ } في ملكه {حَكِيمٌ } في صنعه.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} يعني إلا تنصروا أيها الناس النبي صلى الله عليه وسلم بالنفير معه وذلك حين استنفرهم إلى تبوك فتقاعدوا فقد نصره الله. {إِذْ أَخَرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني من مكة ولم يكن معه من يحامي عنه ويمنع منه إلا الله تعالى، ليعلمهم بذلك أن نصره نبيه ليس بهم فيضره انقطاعهم وقعودهم، وإنما هو من قبل الله تعالى فلم يضره قعودهم عنه. وفي قوله {فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} وجهان: أحدهما: بإرشاده إلى الهجرة حتى أغناه عن معونتهم. والثاني: بما تكفل به من إمداده بملائكته. {ثَانِيَ اثْنَيْنِ} أي أحد اثنين، وللعرب في هذ مذهب أن تقول خامس خمسة أي أحد خمسة. {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر حين خرجا من مكة دخلا غاراً في جبل ثور ليخفيا على من خرج من قريش في طلبهم. والغار عمق في الجبل يدخل إليه. قال مجاهد: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار مع أبي بكر ثلاثاً. قال الحسن: جعل الله على باب الغار ثمامة وهي شجرة صغيرة، وقال غيره: ألهمت العنكبوت فنسجت على باب الغار. وذهب بعض المتعمقة في غوامض المعاني إلى أن قوله تعالى {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} أي في غيرة على ما كانوا يرونه من ظهور الكفر فغار على دين ربه. وهو خلاف ما عليه الجمهور. {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبهِ لاَ تَحْزَنْ} يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لصاحبة أبي بكر "حديث : لا تَحْزَنْ" تفسير : فاحتمل قوله ذلك له وجهين: أحدهما: أن يكون تبشيراً لأبي بكر بالنصر من غير أن يظهر منه حزن. والثاني: أن يكون قد ظهر منه حزن فقال له ذلك تخفيفاً وتسلية. وليس الحزن خوفاً وإنما هو تألم القلب بما تخيله من ضعف الدين بعد الرسول فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا"تفسير : أي ناصرنا على أعدائنا. {...فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} فيها قولان: أحدهما: على النبي صلى الله عليه وسلم، قاله الزجاج. والثاني: على أبي بكر لأن الله قد أعلم نبيه بالنصر. وفي السكينة أربعة أقاويل: أحدها: أنها الرحمة، قاله ابن عباس. والثاني: أنها الطمأنينة، قاله الضحاك. والثالث: الوقار، قاله قتادة. والرابع: أنها شيء يسكن الله به قلوبهم، قاله الحسن وعطاء. {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} فيه وجهان: أحدهما: بالملائكة. والثاني: بالثقة بوعده واليقين بنصره. وفي تأييده وجهان: أحدهما: إخفاء أثره في الغار حين طلب. والثاني: المنع من التعرض له حين هاجر. {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْسُّفْلَى} يحتمل وجهين: أحدهما: بانقطاع الحجة. والثاني: جعل كلمة الذين كفروا السفلى بذُلّ الخوف، وكلمة الله هي العليا بعز الظفر. {وَكَلِمَةُ اللهِ هيَ العُلْيَا} بظهور الحجة.
ابن عطية
تفسير : هذا أيضاً شرط وجواب والجواب في الفاء من قوله {فقد} وفيما بعدها، قال النقاش: هذه أول آية نزلت من سورة براءة، ومعنى الآية أنكم إن تركتم نصره فالله متكفل به، إذ فقد نصره في موضع القلة والانفراد وكثرة العدو، فنصره إياه اليوم أحرى منه حينئذ، وقوله {إذ أخرجه الذين كفروا} يريد فعلوا من الأفاعيل ما أدى إلى خروجه، وأسند الإخراج إليهم إذ المقصود تذنيبهم، ولما كان مقصد أبي سفيان بن الحارث الفخر في قوله: من طردت كل مطرد، لم يقرره النبي صلى الله عليه وسلم، والإشارة إلى خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وفي صحبته أبو بكر، واختصار القصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينتظر أمر الله عز وجل في الهجرة من مكة، وكان أبو بكر حين ترك ذمة ابن الدغنة قد أراد الخروج من مكة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اصبر فلعل الله أن يسهل في الصحبة " تفسير : ،فلما أذن الله لرسوله في الخروج تجهز من دار أبي بكر وخرجا فبقيا في الغار الذي في جبل ثور في غربي مكة ثلاث ليال، وخرج المشركون في أثرهم حتى انتهو إلى الغار، فطمس عليهم الأثر، وقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم: لو نظر أحدهم لقدمه لرآنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : ما ظنك باثنين الله ثالثهما . تفسير : ويروى أن العنكبوت نسجت على باب الغار، ويروى أن الحمامة عششت عند باب الغار، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يجعل ثماماً في باب الغار فتخيله المشركون نابتاً وصرفهم الله عنه، ووقع في الدلائل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه نبتت على باب الغار راءة أمرها الله بذلك في الحين، قال الأصمعي: جمعها راء وهي نبات من السهل. وروي أن أبا بكر لما دخل الغار خرق رداءه فسدَّ به كواء الغار لئلا يكون فيها حيوان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم. وروي أنه بقيت واحدة فسدها برجله فوقى الله تعالى، وكان يروح عليهما باللبن عامر بن فهيرة مولى أبي بكر، وقوله {ثاني اثنين } معناه أحد اثنين، وهذا كثالث ثلاثة ورابع أربعة فإذا اختلف اللفظ فقلت رابع ثلاثة فالمعنى صير الثلاثة بنفسه أربعة، وقرأ جمهور الناس " ثانيَ اثنين " بنصب الياء من " ثاني". قال أبو حاتم: لا يعرف غير هذا وقرأت فرقة " ثاني اثنين " بسكون الياء من ثاني، قال أبو الفتح: حكاها أبو عمرو بن العلاء، ووجهه أنه سكن الياء تشبيهاً لها بالألف. قال القاضي أبو محمد: فهذه كقراءة ما بقي من الربا وكقوله جرير: [البسيط ] شعر : هو الخليفةُ فارضوا ما رضي لكمُ ماضي العزيمة ما في حكمه جنف تفسير : و" صاحبه " أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وروي أن أبا بكر الصديق قال يوماً وهو على المنبر: أيكم يحفظ سورة التوبة، فقال رجل أنا، فقال اقرأ فقرأ، فلما انتهى إلى قوله {إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } بكى وقال أنا والله صاحبه، وقال الليث: ما صحب الأنبياء مثل أبي بكر الصديق، وقال سفيان بن عيينة: خرج أبو بكر بهذه الآية من المعاتبة التي في قوله: {إلا تنصروه } . قال القاضي أبو محمد: أقول بل خرج منها كل من شاهد غزوة تبوك ولم يتخلف، وإنما المعاتبة لمن تخلف فقط، أما إن هذه الآية منوهة بأبي بكر حاكمة بقدمه وسابقته في الإسلام رضي الله عنه، وقوله: {إن الله معنا} يريد به النصر والإنجاء واللطف، وقوله تعالى: {فأنزل الله سكينته عليه} الآية، قال حبيب بن أبي ثابت: الضمير في {عليه} عائد على أبي بكر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل ساكن النفس ثقة بالله عز وجل. قال القاضي أبو محمد : وهذا قول من لم ير السكينة إلا سكون النفس والجأش، وقال جمهور الناس: الضمير عائد على النبي صلى الله عليه وسلم وهذا أقوى، و"السكينة" عندي إنما هي ما ينزله الله على أنبيائه من الحياطة لهم والخصائص التي لا تصلح إلا لهم، كقوله تعالى: {أية : فيه سكينة من ربكم} تفسير : [البقرة:248] ويحتمل أن يكون قوله {فأنزل الله سكينته} إلى آخر الآية يراد به ما صنعه الله لنبيه إلى وقت تبوك من الظهور والفتوح لا أن تكون هذه الآية تختص بقصة الغار والنجاة إلى المدينة، فعلى هذا تكون " الجنود" الملائكة النازلين ببدر وحنين، ومن رأى أن الآية مختصة بتلك القصة قال " الجنود" ملائكة بشروه بالنجاة وبأن الكفار لا ينجح لهم سعي، وفي مصحف حفصة " فأنزل الله سكينته عليهما وأيدهما "، وقرأ مجاهد "وأأيده" بألفين، والجمهور " وأيّده " بشد الياء، وقوله: {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى} يريد بإدحارها ودحضها وإذلالها، { وكلمة الله هي العليا} قيل يريد لا إله الا الله، وقيل الشرع بأسره، وقرأ جمهور الناس "وكلمةُ" بالرفع على الابتداء، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ويعقوب " وكلمةَ " بالنصب على تقدير وجعل كلمة، قال الأعمش: ورأيت في مصحف أنس بن مالك المنسوب إلى أبيّ بن كعب " وجعل كلمته هي العليا".
ابن عبد السلام
تفسير : {إِلاَّ تَنصُرُوهُ} إن لا تنصروا الرسول بالنفير معه فقد نصره الله بالملائكة، أو بإرشاده إلى الهجرة حتى أغناه من إعانتكم. {أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ} من مكة أعلمهم أنه غني عن نصرهم، دخل الرسول صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ الغار فأقاما فيه ثلاثاً وجعل الله ـ تعالى ـ على بابه ثمامة وهي شجيرة صغيرة، وألهمت العنكبوت فنسجت على بابه، ولما ألم الحزن قلب أبي بكرـ رضي الله تعالى ـ عنه بما تخيله من وهن الدين بعد الرسول صلى الله عليه وسلم قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تحزن إن الله معنا بالنصر عليهم " تفسير : . {سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} النبي صلى الله عليه وسلم أو أبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم أنه منصور، والسكينة الرحمة، أو الطمأنينة، أو الوقار، أو شيء سَكَّنَ الله ـ تعالى ـ به قلوبهم. {بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} الملائكة، أو الثقة بوعده واليقين بنصره وتأييده بإخفاء أثره في الغار لما طلب، أو بمنعهم من التعرض له لما هاجر.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ} هذا أيضاً شرطٌ وجوابٌ، ومعنى الآية: إِنكم إِن تركتم نَصْره، فاللَّه متكفِّل به؛ إِذ قد نصره في موضع القلَّة والانفراد وكثرةِ العدو، ولَنْ يترك نَصْرَهُ الآن. وقوله: {إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }، أسند الإخراج إِليهم؛ تذنيباً لهم، ولما كان مَقْصِدُ أبي سفيان بن الحارثِ الفَخْرَ في قوله: من طردت كل مطرد، لم يقرَّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى ما عُلِمَ في كتب «السِّيرَةِ»، حديث : الإِشارةُ إِلى خروجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ مكَّة إلى المدينة، وفي صحبته أبو بَكْر، وٱختصارُ القصَّة أَنَّ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان ينتظر إِذْنَ اللَّه سبحانه في الهِجْرة من مكَّة، وكان أبو بَكْر حينَ تَرَكَ ذمَّة ابنِ الدِّغِنَّةِ قد أراد الخروجَ، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «ٱصْبِرْ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُسَهِّلَ الصُّحْبَةَ» فَلَمَّا أَذِنَ اللَّه لنبيِّه في الخروج، تجهَّز مِنْ دار أبي بَكْر، وخَرَجَا، فبقيا في الغار الذي في جَبَلِ ثَوْرٍ في غَرْبِيِّ مَكَّة ثلاثَ ليالٍ، وخرج المشركُونَ في إِثرهِمْ؛ حتى ٱنْتَهوْا إِلى الغار، فَطَمَسَ اللَّهُ عَلَيْهِم الأَثَرَ، وقال أبو بَكْرٍ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: لَوْ نَظَر أَحَدُهُمْ إِلى قدمه، لرآنَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: « مَا ظَنُّكَ بٱثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا » تفسير : هكذا في الحديث الصحيحِ، ويروَى أن العنكبوتَ نَسَجَتْ على باب الغَار. ويُرْوَى أن الحمامة عشَّشَتْ عند باب الغارِ، وكان يروحُ عليهما باللَّبَنِ عامرُ بْنُ فُهَيْرَةَ. وقوله: {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ }، معناه: أحد اثنين، وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا }، يريد: بالنصر والنجاة واللُّطْف. وقوله سبحانه: {وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا }، قيل: يريد: لا إِلٰه إِلا اللَّه، وقيل: الشرْعَ بأسره. وقوله سبحانه: {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً } معنى الخِفَّة والثِّقَلِ ههنا: مستعار لمن يمكنه السفَرُ بسهولة، ومن يمكنه بصُعُوبة، وأما من لا يمكنه، كالعُمْيِ ونحوهم، فخارجٌ عن هذا. وقال أبو طلحة: ما أسْمع اللَّه عذر أحد، وخرج إِلى الشامِ، فجاهد حتَّى ماتَ. وقال أبو أيُّوب: ما أَجدني أبداً إِلا خفيفاً أو ثقيلاً. وقوله سبحانه: {ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }: تنبيهٌ وهزٌّ للنفوس.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {إلا تنصروه فقد نصره الله} قال: ذكر ما كان من أول شأنه حتى بعث؛ يقول الله: فأنا فاعل ذلك به وناصره كما نصرته إذ ذاك وهو ثاني اثنين. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن أبي حاتم عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: حديث : اشترى أبو بكر رضي الله عنه من عازب رجلاً بثلاثة عشر درهماً فقال لعازب: مر البراء فليحمله إلى منزلي. فقال: لا، حتى تحدثنا كيف صنعت حيث خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت معه؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: خرجنا فأدلجنا فأحثثنا يوماً وليلة حتى أظهرنا، وقام قائم الظهيرة فضربت ببصري هل أرى ظلاً فآوي إليه، فإذا أنا بصخرة فأهويت إليها فإذا بقية ظلها فسوّيته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرشت له فروة وقلت اضطجع يا رسول الله فاضطجع، ثم خرجت أنظر هل أرى أحداً من الطلب فإذا أنا براعي غنم، فقلت: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من قريش، فسماه فعرفته فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم. فقلت: وهل أنت حالب لي؟ قال: نعم. قال: فأمرته فاعتقل لي شاة منها، ثم أمرته فنفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته فنفض كفيه ومعي اداوة على فمها خرقة فحلب لي كثبة من اللبن، فصببت على القدح من الماء حتى برد أسفله، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافقته قد استيقظ، فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت، ثم قلت: هل آن الرحيل؟ قال: فارتحلنا والقوم يطلبونا فلم يدركنا منهم إلا سراقة على فرس له، فقلت: يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا فقال: "لا تحزن إن الله معنا" حتى إذا دنا فكان بيننا وبينه قدر رمح أو رمحين أو ثلاثة، فقلت: يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا وبكيت...! قال: لم تبك فقلت: أما والله لا أبكي على نفسي ولكني أبكي عليك. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال "اللهمَّ اكفناه بما شئت" فساخت فرسه إلى بطنها في أرض صلد ووثب عنها، وقال: يا محمد إن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه، فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب وهذه كنانتي فخذ منها سهماً فإنك ستمر بإبلي وغنمي في موضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا حاجة لي فيها ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق، ورجع إلى أصحابه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتى قدمنا المدينة فتلقاه الناس فخرجوا على الطرق وعلى الأجاجير واشتد الخدم والصبيان في الطرق الله أكبر جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد، تنازع القوم أيهم ينزل عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنزل الليلة على بني النجار أخوال عبد المطلب لأكرمهم بذلك". فلما أصبح غداً حيث أمر . تفسير : وأخرج البخاري عن سراقة بن مالك رضي الله عنه قال: خرجت أطلب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه، حتى إذا دنوت منهما عثرت بي فرسي، فقمت فركبت حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر رضي الله عنه يكثر التلفت، ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عنان ساطع في السماء مثل الدخان، فناديتهما بالأمان: فوقفا لي ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهما أنه سيظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:حديث : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل لحق بغار ثور قال: وتبعه أبو بكر رضي الله عنه، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حسَّه خلفه خاف أن يكون الطلب، فلما رأى ذلك أبو بكر رضي الله عنه تنحنح، فلما سمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفه فقام له حتى تبعه فأتيا الغار، فأصبحت قريش في طلبه فبعثوا إلى رجل من قافة بني مدلج، فتبع الأثر حتى انتهى إلى الغار وعلى بابه شجرة، فبال في أصلها القائف ثم قال: ما جاز صاحبكم الذي تطلبون هذا المكان. قال: فعند ذلك حزن أبو بكر رضي الله عنه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تحزن إن الله معنا" قال: فمكث هو وأبو بكر رضي الله عنه في الغار ثلاثة أيام يختلف إليهم بالطعام عامر بن فهيرة وعلي يجهزهم، فاشتروا ثلاثة أباعر من إبل البحرين واستأجر لهم دليلاً، فلما كان بعض الليل من الليلة الثالثة أتاهم علي رضي الله عنه بالإِبل والدليل، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته وركب أبو بكر أخرى فتوجهوا نحو المدينة وقد بعثت قريش في طلبه . تفسير : وأخرج ابن سعد عن ابن عباس وعلي وعائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهم وعائشة بنت قدامة وسراقة بن جعشم دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والقوم جلوس على بابه، فأخذ حفنة من البطحاء فجعل يدرها على رؤوسهم ويتلو {يس. والقرآن الحكيم} [يس : 1 - 2] الآيات ومضى، فقال لهم قائل ما تنتظرون؟ قالوا: محمداً. قال: قد - والله - مر بكم. قالوا: والله ما أبصرناه! وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه إلى غار ثور فدخلاه، وضربت العنكبوت على بابه بعشاش بعضها على بعض، وطلبته قريش أشد الطلب حتى انتهت إلى باب الغار، فقال بعضهم: إن عليه لعنكبوتا قبل ميلاد محمد . تفسير : وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن عائشة بنت قدامة "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لقد خرجت من الخوخة متنكراً، فكان أول من لقيني أبو جهل، فعمى الله بصره عني وعن أبي بكر حتى مضينا ". تفسير : وأخرج أبو نعيم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها "حديث : أن أبا بكر رضي الله عنه رأى رجلاً مواجه الغار فقال: يا رسول الله إنه لرائينا. قال: كلا إن الملائكة تستره الآن بأجنحتها، فلم ينشب الرجل أن قعد يبول مستقبلهما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر لو كان يراك ما فعل هذا ". تفسير : وأخرج أبو نعيم عن محمد بن إبراهيم التيمي رضي الله عنه "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل الغار ضربت العنكبوت على بابه بعشاش بعضها على بعض، فلما انتهوا إلى فم الغار قال قائل منهم: ادخلوا الغار فقال أمية بن خلف: وما أربكم إلى الغار؟ إن عليه لعنكبوتا كان قبل ميلاد محمد، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل العنكبوت، قال: إنها جند من جنود الله ". تفسير : وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عطاء بن أبي ميسرة رضي الله عنه قال: نسجت العنكبوت مرتين. مرة على داود عليه السلام حين كان طالوت يطلبه، ومرة على النبي صلى الله عليه وسلم في الغار. وأخرج ابن سعد وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن أنس رضي الله عنه قال: حديث : لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه التفت أبو بكر رضي الله عنه فإذا هو بفارس قد لحقهم، فقال: يا نبي الله هذا فارس قد لحقنا. فقال "اللهمَّ اصرعه". فصرع عن فرسه فقال: يا نبي الله مرني بما شئت. قال: تقف مكانك لا تتركن أحداً يلحق بنا. فكان أول النهار جاهداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي آخر النهار مسلحة لهتفسير : ، وفي ذلك يقول سراقة مخاطباً لأبي جهل: شعر : أبا حكم لو كنت والله شاهداً لأمر جوادي أن تسيخ قوائمه علمت ولم تشكك بأن محمداً رسول ببرهان فمن ذا يقاومه تفسير : وأخرج البيهقي في الدلائل وابن عساكر حديث : عن ضبة بن محصن العبري قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنت خير من أبي بكر، فبكى وقال: والله لَليلة من أبي بكر ويوم خير من عمر، هل لك أن أحدثك بليلته ويومه؟ قال: قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: أما ليلته، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم هارباً من أهل مكة، خرج ليلاً فتبعه أبو بكر رضي الله عنه فجعل يمشي مرة أمامه ومرة خلفه، ومرة عن يمينه ومرة عن يساره، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما هذا يا أبا بكر ما أعرف هذا من فعلك؟! قال: يا رسول الله اذكر الرصد فأكون أمامك واذكر الطلب فأكون من خلفك ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك لا آمن عليك. فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلته على أطراف أصابعه حتى حفيت رجلاه، فلما رآه أبو بكر رضي الله عنه أنها قد حفيت حمله على كاهله وجعل يشد به حتى أتى فم الغار فأنزله، ثم قال: والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك، فدخل فلم ير شيئاً فحمله فأدخله، وكان في الغار خرق فيه حيات وأفاعي، فخشي أبو بكر رضي الله عنه أن يخرج منهن شيء يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقمه قدمه، فجعلن يضربنه وتلسعه الأفاعي والحيات وجعلت دموعه تتحدر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله سكينته، أي طمأنينته لأبي بكر رضي الله عنه، فهذه ليلته. وأما يومه، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب، فقال بعضهم: نصلي ولا نزكي. وقال بعضهم: لا نصلي ولا نزكي، فأتيته ولا آلوه نصحاً فقلت: يا خليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم. فقال: جبار في الجاهلية خوّار في الإِسلام، بماذا تألفهم، أبشعر مفتعل أو بشعر مفترٍ؟ قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتفع الوحي، فوالله لو منعوني عقالاً مما كانوا يعطون لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه. قال: فقاتلنا معه فكان - والله - رشيد الأمر؛ فهذا يومه . تفسير : وأخرج أبو نعيم والبيهقي في الدلائل حديث : عن ابن شهاب رضي الله عنه وعروة رضي الله عنه. أنهم ركبوا في كل وجه يطلبون النبي صلى الله عليه وسلم وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم ويجعلون له الجعل العظيم، وأتوا على ثور الجبل الذي فيه الغار الذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم حتى طلعوا فوقه، وسمع أبو بكر رضي الله عنه والنبي صلى الله عليه وسلم أصواتهم، وأشفق أبو بكر وأقبل عليه الهم والخوف، فعند ذلك يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تحزن إن الله معنا، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت عليه سكينة من الله {فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم} " . تفسير : وأخرج ابن شاهين وابن مردويه وابن عساكر حديث : عن حبشي بن جنادة قال: قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله لو أن أحداً من المشركين رفع قدمه لأبصرنا. قال "يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا" . تفسير : وأخرج ابن عساكر حديث : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن الذين طلبوهم صعدوا الجبل فلم يبق أن يدخلوا. فقال أبو بكر رضي الله عنه: أتينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تحزن إن الله معنا" وانقطع الأثر فذهبوا يميناً وشمالاً . تفسير : وأخرج ابن عساكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: خرج رسول الله وخرج أبو بكر رضي الله عنه معه، لم يأمن على نفسه غيره حتى دخلا الغار. وأخرج ابن شاهين والدارقطني وابن مردويه وابن عساكر حديث : عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر "أنت صاحبي في الغار، وأنت معي على الحوض" . تفسير : وأخرج ابن عساكر من حديث ابن عباس عن أبي هريرة. مثله. وأخرج ابن عدي وابن عساكر من طريق الزهري عن أنس رضي الله عنه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان رضي الله عنه: هل قلت في أبي بكر شيئاً؟ قال: نعم. قال: قل وأنا أسمع. فقال: شعر : وثاني اثنين في الغار المنيف وقد طاف العدوّ به إذ صاعد الجبلا وكان حب رسول الله قد علموا من البرية لم يعدل به رجلا حديث : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قال: صدقت يا حسان، هو كما قلت ". تفسير : وأخرج خيثمة بن سليمان الاطرابلسي في فضائل الصحابة وابن عساكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إن الله ذم الناس كلهم ومدح أبا بكر رضي الله عنه، فقال {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} . وأخرج ابن عساكرحديث : عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: ما دخلني اشفاق من شيء ولا دخلني في الدين وحشة إلى أحد بعد ليلة الغار، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى اشفاقي عليه وعلى الدين، قال لي "هوّن عليك، فإن الله قد قضى لهذا الأمر بالنصر والتمام" . تفسير : وأخرج ابن عساكر عن سفيان بن عيينة رضي الله عنه قال: عاتب الله المسلمين جميعاً في نبيه صلى الله عليه وسلم غير أبي بكر رضي الله عنه وحده، فإنه خرج من المعاتبة، ثم قرأ {إلا تنصروه فقد نصره الله} الآية. وأخرج الحكيم الترمذي عن الحسن رضي الله عنه قال: لقد عاتب الله جميع أهل الأرض فقال {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين} . وأخرج ابن عساكر من طريق محمد بن يحيى قال: أخبرني بعض أصحابنا قال: قال شاب من أبناء الصحابة في مجلس فيه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق: والله ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من موطن إلا وأبي فيه معه. قال: يا ابن أخي لا تحلف. قال: هلمَّ. قال: بلى ما لا ترده، قال الله {ثاني اثنين إذ هما في الغار} . أخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي وأبو عوانة وابن حبان وابن المنذر وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: حدثني أبو بكر رضي الله عنه قال "حديث : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، فرأيت آثار المشركين فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا تحت قدمه. فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ وأبو نعيم في الدلائل عن أبي بكر رضي الله عنه. انهما لما انتهيا إلى الغار إذا جحر فالقمه أبو بكر رضي الله عنه رجليه قال: يا رسول الله إن كانت لدغة أو لسعة كانت فيَّ. وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:حديث : لما كانت ليلة الغار قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله دعني فلأدخل قبلك، فإن كانتْ حية أو شيء كانت فيَّ قبلك. قال "ادخل. فدخل أبو بكر رضي الله عنه فجعل يلمس بيديه، فكلما رأى جحراً قال بثوبه فشقه ثم ألقمه الجحر حتى فعل ذلك بثوبه أجمع، وبقي جحر فوضع عليه عقبه وقال: أدخل. فلما أصبح قال له النبي صلى الله عليه وسلم: فأين ثوبك؟ فأخبره بالذي صنع، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: اللهمَّ اجعل أبا بكر معي في درجتي يوم القيامة. فأوحى الله إليه أن الله قد استجاب لك" . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن جندب بن سفيان رضي الله عنه قال: لما انطلق أبو بكر رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار قال له أبو بكر رضي الله عنه: لا تدخل يا رسول الله حتى استبرئه. فدخل أبو بكر رضي الله عنه الغار. فأصاب يده شيء، فجعل يمسح الدم عن أصبعه وهو يقول: شعر : هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت تفسير : وأخرج ابن مردويه عن جعدة بن هبيرة رضي الله عنه قال: قالت عائشة رضي الله عنها: قال أبو بكر رضي الله عنه: لو رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ صعدنا الغار، فأما قدما رسول الله صلى الله عليه وسلم فتفطرتا دماً، وأما قدماي فعادتا كأنهما صفوان. قالت عائشة رضي الله عنها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتعوّد الحفية. وأخرج ابن سعد وابن مردويه عن ابن مصعب قال: أدركت أنس بن مالك، وزيد بن أرقم، والمغيرة بن شعبة، فسمعتهم يتحدثون أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الغار أمر الله شجرة فنبتت في وجه النبي فسترته، وأمر الله العنكبوت فنسجت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم فسترته، وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار، وأقبل فتيان قريش من كل بطن رجل بعصيهم وأسيافهم وهراويهم، حتى إذا كانوا من النبي صلى الله عليه وسلم قدر أربعين ذراعاً فنزل بعضهم فنظر في الغار، فرجع إلى أصحابه فقالوا: ما لك لم تنظر في الغار؟! فقال: رأيت حمامتين بفم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد. فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ما قال، فعرف أن الله درأ عنه بهما فسمت النبي صلى الله عليه وسلم عليهن وفرض جزاءهن وانحدرن في الحرم، فأخرج ذلك الزوج كل شيء في الحرم. وأخرج ابن عساكر في تاريخه بسند واه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حديث : كان أبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار فعطش، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "اذهب إلى صدر الغار فاشرب. فانطلق أبو بكر رضي الله عنه إلى صدر الغار فشرب منه ماء أحلى من العسل، وأبيض من اللبن، وأزكى رائحة من المسك، ثم عاد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله أمر الملك الموكل بأنهار الجنة أن خرق نهراً من جنة الفردوس إلى صدر الغار لتشرب" . تفسير : وأخرج ابن المنذر عن الشعبي رضي الله عنه قال: والذي لا إله غيره لقد عوتب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في نصرته إلا أبا بكر رضي الله عنه، فإن الله تعالى قال {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار} خرج أبو بكر رضي الله عنه والله من المعتبة. وأخرج ابن أبي حاتم عن سالم بن عبيد الله رضي الله عنه - وكان من أهل الصفة - قال: أخذ عمر بيد أبي بكر رضي الله عنهما فقال: من له هذه الثلاث. إذ يقول لصاحبه من صاحبه؟ {إذ هما في الغار} من هما؟ {لا تحزن إن الله معنا}. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن الحارث عن أبيه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: أيكم يقرأ سورة التوبة؟ قال: رجل: أنا. قال: اقرأ. فلما بلغ {إذ يقول لصاحبه لا تحزن} بكى وقال: والله أنا صاحبه. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال: كان صاحبه أبا بكر رضي الله عنه، والغار جبل بمكة يقال له ثور. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أبو بكر أخي وصاحبي في الغار فاعرفوا ذلك له، فلو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، سدوا كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو اتخذت خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخي وصاحبي في الغار ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الزهري رضي الله عنه في قوله {إذ هما في الغار} قال: الغار الذي في الجبل الذي يسمى ثوراً. وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: رأيت قوماً يصعدون حراء فقلت: ما يلتمس هؤلاء في حراء؟ فقالوا: الغار الذي اختبأ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه. قالت عائشة رضي الله عنها: ما اختبأ في حراء إنما اختبأ في ثور، وما كان أحد يعلم مكان ذلك الغار إلا عبد الرحمن بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر فإنهما كانا يختلفان إليهما، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر رضي الله عنه فإنه كان إذا سرح غنمه مر بهما فحلب لهما. وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: مكث أبو بكر رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثاً. وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق الزهري حديث : عن عروة عن عائشة قالت: لم أعقل أبويَّ قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية، ولما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر رضي الله عنه مهاجراً قبل أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال ابن الدغنة: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي. قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار. فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وأمنوا أبا بكر وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، وليصل فيها ما شاء، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا ولا يشتغلن بالصلاة والقراءة في غير داره. ففعل ثم بدا لأبي بكر رضي الله عنه فابتنى مسجداً بفناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رضي الله رجلاً بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم فقالوا: إنَّا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره، وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجداً بفناء داره وأعلن الصلاة والقراءة، وإنا خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فإن أحب أن يقتصر أن يعبد ربه في داره فعل وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنَّا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. فأتى ابن الدغنة أبا بكر رضي الله عنه فقال: يا أبا بكر قد علمت الذي عقدت لك عليه، فأما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترد إلي ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب إني أخفرت في عقد رجل عقدت له. فقال أبو بكر رضي الله عنه: فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله ورسوله صلى الله عليه وسلم - ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين "قد أريت دار هجرتكم، رأيت سبخة ذات نخل بين لابتين وهما حرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين، وتجهز أبو بكر رضي الله عنه مهاجراً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي. فقال أبو بكر رضي الله عنه: وترجو ذلك بأبي أنت؟! قال: نعم". فحبس أبو بكر رضي الله عنه نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحبته، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر. فبينما نحن جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر رضي الله عنه: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها! فقال أبو بكر رضي الله عنه: فداه أبي وأمي ان جاء به في هذه الساعة إلا أمر! فجاء رسول الله فاستأذن صلى الله عليه وسلم، فأذن له فدخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل لأبي بكر رضي الله عنه "أخرج من عندك. فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنه قد أذن لي بالخروج. فقال أبو بكر رضي الله عنه: فالصحابة بأبي أنت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. فقال أبو بكر رضي الله عنه: فخذ بأبي أنت يا رسول الله احدى راحلتي هاتين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم" بالثمن. فقالت عائشة رضي الله عنها: فجهزناهما أحسن الجهاز فصنعنا لهما سفرة من جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر من نطاقها فأوكت به الجراب! - فلذلك كانت تسمى ذات النطاقين - ولحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل يقال له ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب لقن ثقف، فيخرج من عندهما سحراً فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمراً يكاد أن به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى لأبي بكر منيحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب بغلس ساعة من الليل، فيبيتان في رسلهما حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث. واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني الديل، ثم من بني عبد بن عدي هادياً خريتا - والخريت الماهر بالهداية - قد غمس يمين حلف في آل العاص بن وائل وهو على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ثلاث ليال فارتحلا، فانطلق معهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر والدليل الديلي، فأخذ بهم طريقاً آخر وهو طريق الساحل قال الزهري: وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي وهو ابن أخي سراقة بن جعشم: أن أباه أخبره أنه سمع سراقة يقول: جاءتنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه دية كل واحد منهما لمن قتلهما أو أسرهما. فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا فقال: يا سراقة إني رأيت آنفاً اسودة بالساحل لا أراها إلا محمداً وأصحابه! قال سراقة: فعرفت أنهم هم. فقلت: إنهم ليسوا بهم ولكن رأيت فلاناً وفلاناً انطلقوا، ثم لبثت في المجلس حتى قمت فدخلت بيتي وأمرت جاريتي أن تخرج لي فرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها عليَّ، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، فخططت برمحي الأرض وخفضت عالية الرمح حتى أتيت فرسي، فركبتها ودفعتها تقرب بي حتى رأيت اسودتهما، فلما دنوت منهم حيث يسمعهم الصوت عثرت بي فرسي، فخررت عنها فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي أكره أن لا أضرهم، فركبت فرسي وعصيت الأزلام حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت، وأبو بكر رضي الله عنه يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغت الركبتين، فخررت عنها فجررتها فنهضت فلم تكد تخرج يداها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان ساطع في السماء من الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره أن لا أضرهم، فناديتهم بالأمان فوقف وركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أنه سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم من أخبار سفرهم وما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني شيئاً ولم يسألاني إلا أن أخف عنا، فسألته أن يكتب لي كتاباً موادعة آمن به، فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي في رقعة من أديم ثم مضى . تفسير : قال الزهري: حديث : وأخبرني عروة بن الزبير أنه لقي الزبير وركبا من المسلمين كانوا تجاراً بالشام قابلين إلى مكة، فعرفوا النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر فكساهم ثياب بيض، وسمع المسلمون بالمدينة بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يؤذيهم حرة الظهيرة، فانقلبوا يوماً بعدما أطالوا انتظاره، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود أطما من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فنادى بأعلى صوته يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون. فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتواه بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل في بني عمرو بن عوف بقباء، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه يذكر الناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتاً، وطفق من جاء من الأنصار ممن لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسبه أبا بكر حتى أصابت رسول الله صلى الله عليه وسلم الشمس، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى ظلل عليه برادئه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك. فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وابتنى المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته فسار، ومشى الناس حتى بركت به عند مسجد رسول الله بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربداً للتمر لسهل وسهيل غلامين يتيمين أخوين في حجر أبي أمامة أسعد بن زرارة من بني النجار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته "هذا المنزل ان شاء الله، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد يتخذه مسجداً. فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله. فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما حتى ابتاعه منهما وبناه مسجداً، وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنائه وهو يقول: شعر : هذا الجمال لا جمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة حديث : ويتمثل رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي، قال ابن شهاب: ولم يبلغني في الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت من الشعر تاماً غير هؤلاء الأبيات ولكن يرجزهم لبناء المسجد. فلما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كفار قريش حالت الحرب بين مهاجري أرض الحبشة وبين القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقوه بالمدينة زمن الخندق، فكانت أسماء بنت عميس تحدث: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعيرهم بالمكث في أرض الحبشة، فذكرت ذلك أسماء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله: لستم كذلك، وكانت أول آية أنزلت في القتال {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} [الحج: 39] حتى بلغ {لقوي عزيز} " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري عن أنس رضي الله عنه قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو يردف أبا بكر رضي الله عنه، وهو شيخ يعرف والنبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف، فكانوا يقولون: يا أبا بكر من هذا الغلام بين يديك؟ فيقول: هاد يهديني السبيل. قال: فلما دنونا من المدينة نزلنا الحرة، وبعث إلى الأنصار فجاءوا قال: فشهدته يوم دخل المدينة، فما رأيت يوماً كان أحسن منه وما رأيت يوماً كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن عبد البر في التمهيد عن كثيِّر بن فرقد "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج مهاجراً إلى المدينة ومعه أبو بكر رضي الله عنه، أتى براحلة أبي بكر فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركب ويردفه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بل أنت راكب وأردفك أنا فإن الرجل أحق بصدر دابته" فلما خرجا لقيا في الطريق سراقة بن جعشم - وكان أبو بكر رضي الله عنه لا يكذب - فسأله من الرجل؟ قال: باغ. قال: فما الذي وراءك؟ قال: هاد. قال: أحسست محمداً! قال: هو ورائي. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فأنزل الله سكينته عليه} قال: على أبي بكر رضي الله عنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل السكينة معه. وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر غار حراء، فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أن أحدهم يبصر موقع قدمه لأبصرني وإياك. فقال "ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ يا أبا بكر إن الله أنزل سكينته عليك وأيدني بجنود لم تروها" . تفسير : وأخرج الخطيب في تاريخه عن حبيب بن أبي ثابت رضي الله عنه {فأنزل الله سكينته عليه} قال: على أبي بكر رضي الله عنه، فأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كانت عليه السكينة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى} قال: هي الشرك {وكلمة الله هي العليا} قال: لا إله إلا الله. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك. مثله. وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه عن أبي موسى رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ قال "حديث : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله تعالى ".
ابو السعود
تفسير : {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ} أي إن لم تنصُروه فسينصُره الله الذي قد نصره في وقت ضرورةٍ أشدَّ من هذه المرة، فحُذف الجزاءُ وأقيم سببُه مُقامَه أو إن لم تنصُروه فقد أوجب له النُصرة حتى نصره في مثل ذلك الوقت فلن يخذُله في غيره {إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي تسببوا لخروجه حيث أُذن له عليه الصلاة والسلام في ذلك حين همّوا بإخراجه {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ} حالٌ من ضميره عليه الصلاة والسلام، وقرىء بسكون الياء على لغة من يُجري الناقصَ مُجرى المقصور في الإعراب، أي أحدَ اثنين من غير اعتبار كونِه عليه الصلاة والسلام ثانياً فإن معنى قولِهم: ثالثُ ثلاثةٍ ورابعُ أربعةٍ ونحوُ ذلك أحدُ هذه الأعدادِ مطلقاً لا الثالثُ والرابعُ خاصة، ولذلك منع الجمهورُ أن يُنصَبَ ما بعده بأن يقال: ثالثٌ ثلاثةً ورابعٌ أربعةً، وقد مر في قوله تعالى: {أية : لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ }تفسير : [المائدة: 73] من سورة المائدة وجعلُه عليه الصلاة والسلام ثانيَهما لمشي الصديقِ أمامَه ودخولِه في الغار أولاً لكنسه وتسويةِ البِساط له ـ كما ذكر في الأخبار ـ تمحّلٌ مُستغنىً عنه {إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ} بدلٌ من إذ أخرجه بدلَ البعضِ إذ المرادُ به زمانٌ متسعٌ والغارُ ثقبٌ في أعلى ثوْرٍ وهو جبلٌ في يُمنىٰ مكةَ على مسيرة ساعةٍ مكثاً فيه ثلاثاً. {إِذْ يَقُولُ} بدلٌ ثانٍ أو ظرفٌ لثانيَ {لِصَاحِبِهِ} أي الصدّيق {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} بالعون والعصمةِ والمرادُ بالمعية الولايةُ الدائمةُ التي لا تحوم حول صاحبِها شائبةُ شيءٍ من الحزن، وما هو المشهورُ من اختصاص مَعَ بالمتبوع فالمرادُ بما فيه من المتبوعية في الأمر المباشر، (روي "حديث : أن المشركين لما طلعوا فوق الغار فأشفق أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنْ نُصَبْ اليومَ ذهب دينُ الله فقال عليه الصلاة والسلام: "ما ظنُّك باثنين الله ثالثُهما؟"»تفسير : وقيل: (لما دخلا الغارَ بعث الله تعالى حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوتَ فنسَجت عليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم أعمِ أبصارَهم»تفسير : فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطَنون قد أخذ الله تعالى أبصارهم عنه)، وفيه من الدِلالة على علو طبقةِ الصّدّيق رضي الله عنه وسابقةِ صُحبتِه ما لا يخفى، ولذلك قالوا: من أنكر صُحبةَ أبـي بكر رضى الله عنه فقد كفر لإنكاره كلامَ الله سبحانه وتعالى {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ} أمَنتَه التي تسكُن عندها القلوب {عَلَيْهِ} على النبـي صلى الله عليه وسلم فالمرادُ بها ما لا يحوم حوله شائبةُ الخوفِ أصلاً أو على صاحبه إذ هو المنزعِج، وأما النبـي صلى الله عليه وسلم فكان على طُمَأْنينة من أمره {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} عطفٌ على نصره الله والجنودُ هم الملائكةُ النازلون يوم بدرٍ والأحزابِ وحُنينٍ، وقيل: هم الملائكةُ أنزلهم الله ليحرِسوه في الغار ويأباه وصفُهم بعدم رؤيةِ المخاطَبـين لهم وقوله عز وعلا: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ} يعني الشركَ أو دعوةَ الكفرِ فإن ذلك الجعلَ لا يتحقق بمجرد الأنجاءِ بالقتل والأسر ونحو ذلك {وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ} أي التوحيدُ أو دعوةُ الإسلام {هِىَ ٱلْعُلْيَا} لا يدانيها شيءٌ، وتغيـيرُ الأسلوب للدِلالة على أنها في نفسها كذلك لا يتبدل شأنُها ولا يتغيرُ حالُها دون غيرِها من الكلم ولذلك وُسِّط ضميرُ الفصلِ، وقرىء بالنصب عطفاً على كلمة الذين {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} لا يغالب {حَكِيمٌ} في حكمه وتدبـيره.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ} [الآية: 40]. قوله: {قَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ} حيث أغناه عن نصرتكم بقوله: {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 67]. فمن كان فى ميدان العصمة، كان مستغنيًا عن نصرة المخلوقين، ألا ترى أنه لما اشتد الأمر كيف قال: "بك أصول فإنك النصار والمعين". وقال ابن عطاء فى قوله: {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ} قال: فى محل القرب فى كهف الأنوار فى الأزل. قال فى قوله: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} قال: ليس من حكم من كان الله معه أن يحزن. وقال الشبلى: {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ} بشخصه مع صاحبه، وواحد الواحد بقلبه مع سيده وقيل فى قوله: {إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}: قال: الذين جحدوا نعمة الله عليهم به وبمكانه. قال ابن عطاء فى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا}. قال: معناه فى الأزل، حيث وصل بيننا وصلة الصحبة ولم ينفصل. وقال بعضهم فى قوله: {لاَ تَحْزَنْ} قال: كان حزن أبى بكر إشفاقًا على النبى صلى الله عليه وسلم وقيل: شفقة على الإسلام أن يقع فيه وهن. وقال فارس: إنما نهى عن الحزن لأن الحزن علة وإنما هو تعريف أن الحزن لا يحل بمثله، لأنه فى محل القربة وقيل فى قوله: {إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ} قال: أخرجهما غيرة مما كانوا يرونه من مخالفات الحق، فأخرجتهما الغيرة إلى الغار، فغار عليهم الحق فسترهما عن أعين الخلق لأنهم كانوا فى مشاهدته يشهدهم ويشهدونه، ألا تراه صلى الله عليه وسلم كيف يقول لأبى بكر رضى الله عنه: " حديث : ما ظنك باثنين الله ثالثهما " تفسير : مشاهدًا لهما وعونًا وناصرًا. قوله تعالى: {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} [الآية: 40]. قال بعضهم: السكينة نزلت على أبى بكر فثبت، وزال عن قلبه ما كان يجده من الوجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال بعضهم: السكينة لأبى بكر ما ظهر له على لسان المصطفى صلى الله عليه وسلم من قوله: " حديث : ما ظنك باثنين الله ثالثهما ". تفسير : قال بعضهم: السكينة: سكون القلب إلى ما يبدو من مجارى الأقدار. قال جعفر: فى قوله: {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا}. قال: تلك الجنود اليقين والثقة بالله عز وجل والتوكل. قال بعضهم: السكينة هى التثبت، ولا يتم التثبت إلا بالقطع عما سواه.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا}. مِنْ عزيزِ تلك النصرة أنه لم يستأنِسْ بثانية الذي كان معه بل رد الصِّدِّيقَ إلى الله، ونهاه عن مساكنته إياه، فقالَ: "حديث : ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما؟ ". تفسير : قال تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا}. ويقال من تلك النصرة إبقاؤه إياه في كشوفاته في تلك الحالة، ولولا نصرتُه لتلاشى تحت سطواتِ كَشْفِه. ويقال كان - عليه السلام - أمانَ أهل الأرض على الحقيقة، قال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}تفسير : [الأنفال: 33]، وجعله - في الظاهر - في أمان العنكبوت حين نَسَجَ خَيْطَه على باب الغار فَخَلَّصَه من كيدهم. ويقال لو دخل هذا الغار لا تشقَّ نسيج العنكبوت... فيا عجباً كيف سَتَرَ قصةَ حبيبه - صلوات الله عليه وعلى آله وسلم؟!. ويقال صحيحٌ ما قالوا: للبقاع دول، فما خَطَرَ ببالِ أحدٍ أنَّ تلك الغار تصير مأوى ذلك السيِّد - صلى الله عليه وسلم! ولكنه يختص بقسمته ما يشاء {أية : يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ}تفسير : [البقرة: 105]. ويقال ليست الغِيران كلها مأوى الحيَّاتِ، فمنها ما هو مأوى الأحباب. ويقال علقت قلوب قوم بالعرش فطلبوا الحق منه، وهو تعالى يقول: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} فهو سبحانه - وإن تقدَّس عن كل مكان - ولكن في هذا الخطاب حياة لأسرار أرباب المواجيد، وأنشدوا: شعر : يا طالبَ الله في العرشِ الرفيعِ به لا تطلب العرشَ إن المجد في الغار تفسير : وفي الآية دليل على تحقيق صحبة الصدِّيق - رضي الله عنه - حيث سمَّاه الله سبحانه صاحبَه، وعَدَّه ثانِيه، في الإيمان ثانية، وفي الغار ثانيه ثم في القبر ضجيعه، وفي الجنة يكون رفيقه. قوله جلّ ذكره: {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ}. الكناية في الهاء من "عليه" تعود إلى الرسول عليه السلام، ويحتمل أن تكون عائدةً إلى الصديق رضي الله عنه، فإن حُمِلَتْ على الصديق تكون خصوصية له من بين المؤمنين على الانفراد، فقد قال عز وجلّ لجميع المؤمنين: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الفتح: 4]. وقال للصدِّيق - على التخصيص - فأنزل الله سكينته عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يتجلّى للناس عامة ويتجلَّى لأبي بكر خاصة ."تفسير : وإنما كان حزنُ الصديقِ ذلك اليوم لأجل الرسول - صلى الله عليه وسلم إشفاقاً عليه.. لا لأجل نَفْسِه. ثم إنه - عليه السلام - نفى حزنه وسلاّه بأن قال: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا}، وحُزْنٌ لا يذهب لِمَعِيَّة الحقِّ لا يكون إلاَّ "لحقِّ الحق". قوله جلّ ذكره: {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. يريد به النبي صلى الله عليه وسلم. وتلك الجنودُ وفودُ زوائد اليقين على أسراره بتجلِّي الكشوفات. {وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ} بإظهار حُجج دينه، وتمهيد سُبُل حقِّه ويقينه؛ فراياتُ الحقِّ إلى الأبدِ عالية، وتمويهات الباطل واهية، وحِزْبُ الحقِّ منصورون، ووفد الباطل مقهورون. ويقال لما خلا الصديق بالرسول عليه السلام في الغار، وأشرقت على سِرِّه أنوار صحبة الرسول عليه السلام، ووقع عليه شعاعُ أنواره، واشتاق إلى الله تعالى لفَقْدِ قراره - أزال عنه لواعِجه بما أخبره مِنْ قُرْبه - سبحانه - فاستبدل بالقلق سكوناً، وبالشوق أُنساً، وأنزل عليه من السكينة ما كاشفه به من شهود الهيبة. ويقال كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثاني اثنين في الظاهر بشبه ولكن كان مُسْتَهْلَكَ الشاهد في الواحِد بِسِرِّه.
البقلي
تفسير : قوله تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ} من كان مصطفى بتائيد الازل لا يحتاج الى نصرة احد غير الله ومن اعزه الله بعزته جعله ناصرا له وهو مستغنى عن نصرته وناصرة تشرف نصرته او نصرة الخلق قائم بنصرة الحق ومن انقطع الى الله من الخلق اعانه الله على كل همة ويصل الى كل نعمة وصف تعالى نصرته لنبيه عليه السّلام حيزاوى اليه فى دخوله مع صاحبه فى الغار بكشف جماله وابراز نوره منه لصاحبه اى من كان قادرا بنصرة من كان مخفيا وراء نسج العنكبوت على اعدائه بلا مددكم ولا عددكم وايضا هو بنصره ويجعله غالباً على كافة الخلائق مما اعطاهم من راية نصرة الازلية واعلام دولة الرسالة والنبوة قيل نصره الله حيث اغناه عن نصرتكم بقوله والله يعصمك من الناس ومن كان فى ميدان العصمة كان مستغنيا عن نصرة المخلوقين الا تراه لما اشتد الامر كيف قال بك اصول فامك الناصر والمعين ومعنى قوله يانى اثنين اذ هما فى الغار اشارة الى خاصية الصديق بصحبته الحبيب اذ كان مشربة من مشارب بحار نبوته وشواقى النهار رسالته التى جرت من قلزم القدم ولولا تلك الاهلية لما كان فردا فى الصحبة كان الصديق فى منزل ما كان محمد وكان الله ولم يكن معه شئ من شقائق قدسه وبرقه من بروق انوار انسه خرجا من تلك الانوار ودخلا لها من الغار وعرف الحبيب الصديق خصائص العيّة معه حين ورد عليه طوارق الامتحان واخرجته من رؤية الحدثان بقوله {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} اى لا يحزن بتغير الاصطفائية وانكسار حصون العصمة فهو معناه بمعنى القدرة والعلم الازلى وعناية الابدية وظهور مشاهدته من حيث القلب والروح والعقل بوصف المناجاة و المداناة وقال ابن عطا فى قوله ثانى اثنين اذ هما فى الغار قال فى محل القرب فى كهف الانوار فى الازل وقال فى قوله لا تحزن ان الله معنا ليس من حكم من كان الله معه ان تحزن وقال الشبلى ثانى اثنين تشخصه مع صاحبه وواحد الواحد بقلبه مع سيده وقال ابن عطافى قوله ان الله معنا معناه ان الله معنا فى الازل حيث وصل بينا ووصل الصحبة ولم يتفضل قيل فى قوله لا تحزن كان حزن ابى بكر اشفاقاً على النبى صلى الله عليه وسلم وقيل شفقة على الاسلام ان يقع فيه وهن وقال فارس انما هى عن الحزن لان الحزن منة وانما هو تعريفان الحزن لا يحل بمثله لانه فى محل القربة وقيل اخرجهما الغيرة الى الغار عليهما الحق فسترهما عن اعين الخلق لانهم ك انوا فى مشاهدته يشهدهم ويشهدونه الا ترى كيف يقول عليه السّلام لابى بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهم مشاهدا لهما وعونا وناصرا ويقال فى قوله نصرة الله من تلك النصرة ابقاه اياه فيما لقاه به من كشوفاته فى تلك الحالة ولولا نصرته لتلاشى تحت سطوات كشفه ويقال صحيح ما قالوا للبقاع دون ما خطر ببال احد ان ذلك الغار يصير مثوى ذلك السيد صلوات الله عليه ولكن يختص بقسميه ما يشاء كما يختص برحمته من يشاء ويقال علقت فلوب قوم بالعرش فطلبوا الحق منه وهو تعالى يقول اذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا انه سبحانه وان تقدس عن كل مكان ولكن هذا الخطاب حيوة لاسرار بالمواجيد وينشد شعر : يا طالب الله فى العرش الرفيع به لا تطلب العرش ان المجد لغار تفسير : ولى نكتة عجيبة فى قوله ثانى اثنين اذ هما فى الغار فى قوله عليه الصلاة والسّلام لصاحبه لا تحزن ان الله معنا هذا نفى الاتحاد بالوحدانية كما نفى عن عيسى وامّه حين زعموا النصارى ان الله ثالث ثلاثة فقال وما من اله الا اله واحد بقى الا يوصيه عن الروح والصديقة كما نفى ههنا ن سيد المرسلين وسيد الصديقين حتى لا يظن ظان ان من العرش لى الثرى لم يكن فى ساحة الكبرياء والازلية اثر لان الالوهية القديمة ممتنعة عن الانقسام والافتراق ولاجتماع وتحقيق ذلك قوله ان الله معنا وتلويح ذلك نفى الاتحاد واظهار الانبساط ودليل الاشارة بقوله لا تحزن اثبت الحزن فى طلب ابى بكر رضى الله عنه وذلك الحزن حزن فوت الحال والوقت فى زمان الباس والابتلاء وعرفه عليه السّلام ان الوقت والحال لا يفوت عنا فهو تعالى معنا بالكشف والوقت والحال بقوله ان الله معنا ثم زاد فى حدث الكشف والوصال حيث حزن صاحبه لاجلها بقوله {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} اشارة ان سكينته نزلت من عند الله عن قلب محمد صلى الله عليه وسلم وتلك زيادة وضوح الكشف والمدانات النبى صلى الله عليه وسلم كان مستقيما فى الاحوال كلها وما حزن لاجل الفوت ولكن انزلت السكينة عليه لاجل زيادة استقامة قلب الصديق وذهاب الحزن عنه ليستضئ نورها من جمال النبى صلى الله عليه وسلم ولو انزلت على الصديق بغير واسطة النبى صلى الله عليه وسلم لذاب تحت اشراق سلطان انوار القدم لان تلك البرحاء فى تلك الاوقات لا يحتملها الا المرسلون من اولى العزم كان قال انزل سكينة ابى بكر على محمد وان كان الهاء راجعا الى الله سبحانه ويحتمل ان السكينة نزلت على ابى بكر فاما النبى صلى الله عليه وسلم فكانت السكينة عليه قبل ذلك قال بعضهم السكينة لابى بكر ما ظهر له على لسان المصطفى صلوات الله عليه من قوله ما ظنك باثنين الله ثالثهما قال بعضهم السكينة سكون القلب الى ما يبدوا من مجارى الاقدار وقال ابن عطا يحتمل ان ابا بكر لم يكن محزونا ولكن النبى صلى الله عليه وسلم بشفقته عليه حذر ما يجوز ان يكون فى ذلك الحال فقال له لا تحزن ان الله معنا قال ابو بكر بن ظاهر وما الرّسول بأخص اسماء وارفعها وقدمه اسما على صفتهما وقال موسى ان معى ربى فدعاه باسم التربية وهو من عموم الاسامى وقدم اسمه على اسم ربه فقال معى ربى فلذلك عصم امة محمد صلى الله عليه وسلم من الشرك وابتلى امة موسى بعبادة العجل وههنا ان موسى كان غيورا فلم ير فى البين احدا من غيره على بسمه فكان النبى صلى الله عليه وسلم خرج من حد الغيرة ههنا لانه كان غنياً بالمشاهدة وكان موسى فى محل الافتقار الى المشاهدة فقال الكليم ان معى ربى وقال الحبيب ان الله معنا فوقع موسى فى رؤية الصفات حيث سما بالرب ووقع النبى صلى الله عليه وسلم فى رؤية الذات بما سماه باسم الجمع وهو قوله ان الله معنا وزاد عليه نعمته بقوله {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} هذه الجنود جنود عساكر تجلى جمال الازل انزلت على اسراره لانها تطبق حملها فان فى الكون لم يكن لتلك الجنود محل قبولها وقال جعفر فى قوله جنود اليقين والثقة بالله والتوكل عليه ويقال كان الرسول عليه السلام ثانى اثنين بظاهر شجه ولكن كان مستهلك الشاهد فى الواحد بره ثم وصف منته سبحانه على الكل باذهابه ظلمة الطبائع واخراجه انوار الشرائع بقوله {وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا} جعل الدعاوى الباطلة فانية تحت انوار التوحيد والحقيقة كلمة انفراده بفردانيته وعلوه بنعت التنزيه والتقديس عن ظنون خلقه بانه عزيز بعد الكبرياء وحكيم فى اختصاصه اوليائه بكشف البقاء ثم ان الله سبحانه حث الجميع على التسارع ببذل القلوب والارواح والاشباح والى ميادين الوحدانية والفردانية لرؤية جماله وكشف جلاله وادراك وصاله بقوله {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} اى انفروا الى ابواب الازل خفافا بالعقول القدسية وثقالا بالقلوب الملكوتية وايضاً خفافاً بالألاواح الروحانية وثقالا بالقلوب السماويّة وايضاً خفافاً بالارادات الصادقة وثقالا بالمحبة والمفرطة وايضاً خفافاً بالايمان وثقالا بالايقان وايضاً خفافاً بالانس وثقالا بالقدس وايضاً خفافاً بانوار المؤدة وثقالا بامانات المعرفة وايضا خفافاً بالتجريد عن الحدثان وثقالاً بانوار التوحيد الى جمال الحمن وايضاً خفافاً بنعوت الافتقار وثقالا بكسوة غنى العزيز الغفار وايضا خفافا بالقناعة وثقالاً بالتوكل وايضاً خفافاً بالبسط وثقالاً بالقبض قال ابن عطا خفافاً بقلوبكم وثقالاً بابدانكم وقال ابو عثمان خفافاً وثقالا فى وقت النشاط والكراهية فان البيعة على هذا وقعت كما روى عن جزير بن عبد الله قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنشط والمكره وقال بعضهم خفافاً الى الطاعات وثقالاً الى لامخالفات وجاهدوا بأموالكم للفقراء ان لا تمنعوهم حقوقهم وجاهدوا بانفسكم الشياطين كيلا تستولى عليكم.
اسماعيل حقي
تفسير : {إلا تنصروه} ان لم تنصروا محمدا فى غزوة تبوك {فقد نصره الله} فسينصره الله كما نصره {اذا اخرجه الذين كفروا} اى تسببوا لخروجه بان هموا بقتله والا فهو عليه السلام انما خرج باذن الله تعالى وامره لا باخراج الكفرة اياه {ثانى اثنين} حال من ضميره عليه السلام اى احد اثنين من غير اعتبار كونه عليه السلام ثانيا فان معنى قولهم ثالث ثلاثة ورابع اربعة ونحو ذلك احد هذه الاعداد مطلقا لا الثالث والرابع خاصة والاثنان ابو بكر ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم {اذ هما فى الغار} بدل من اذ اخرجه بدل البعض اذ المراد به زمان متسع والغار ثقب فى اعلى ثور وثور جبل فى يمنى مكة على مسير ساعة. وقال فى التبيان على فرسخين او نحوهما. وفى القاموس ويقال له ثور اطحل واسم الجبل اطحل نزله ثور بن عبد مناة فنسب اليه. وفى انسان العيون وانما قيل للجبل ذلك لانه على صورة الثور الذى يحرث عليه -وتحرير القصة- انه حديث : لما ابتلى المسلمون باذى الكفار اذن صلى الله عليه وسلم لهم فى الهجرة وقال "انى رأيت دار هجرتكم ذات نخيل بين لابتين" وهما الحرتان وقال "انى لارجو ان يؤذن لى فى الهجرة اليها" فقال ابو بكر وهل ترجو ذلك بابى انت قال "نعم"تفسير : فحبس ابو بكر نفسه على رسول الله ليصحبه عند هجرته فلم يتخلف الا هو وعلىّ وصهيب ومن كان محبوسا او مريضا او عاجزا عن الخروج فابتاع ابو بكر بعد هذا المقال النبوى راحلتين بثمانمائة ردهم فحبسهما فى داره يعلفهما الخبط اعدادا لذلك والخبط محركة ورق ينفض بالمخابط ويجفف ويطحن ويخلط بدقيق او غيره ويعجن بالماء فتوجره الابل اى تأكله فكانتا عنده قريبا من ثلاثة اشهر لان الهجرة كانت فى ذى الحجة ومهاجرته عليه السلام كانت فى ربيع الاول ولما رأت قريش قوة امر رسول الله حيث بايعه الاوس والخزرج وصار له انصار فى القبائل والاقطار خافوا من ان يخرج ويجمع الناس على حربهم وقد وقعوا فيما خافوا منه ولو كان بعد حين ونعم ما قيل اذا ادبر الامر كان العطب فى الحيلة فاجتمعوا فى دار الندوة ليتشاوروا فى امره عليه السلام ودار الندوة هى اول دار بنيت بمكة كانت منزل قصى بن كلاب وكانت جهة الحجر عند مقام الحنفى الآن وكان لها باب للمسجد وقيل لها دار الندوة لاجتماع الندوة وهى الجماعة فيها وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة لانه اجتمع فيه اشراف عبد بنى شمس وبنى نوفل وبنى عبد الدار وبنى أسد وبنى محزوم وغيرهم ممن لا يعد من قريش ولم يتخلف عن اهل الراى والحجى احد وكانت مشاورتهم فى يوم السبت فقد حديث : سئل صلى الله عليه وسلم عن يوم السبت فقال "يوم مكر وخديعة" قالوا ولم يا رسول الله قال "ان قريشا ارادوا ان يمكروا فيه" .تفسير : وجاء اليهم ابليس فى صورة شيخ نجدى وقال انا من اهل نجد وانما قال ذلك لان قريشا قالوا لا يدخلن معكم فى المشاورة احد من اهل تهامة لان هواهم كان مع محمد فعند ذلك قالوا هو من اهل نجد لا من مكة فلا يضركم حضوره معكم وعند المشورة قال بعضهم بالحبس وبعضهم بالنفى كما بين فى تفسير قوله تعالى {أية : وإذ يمكر بك الذين كفروا} تفسير : [الانفال: 30]. فى سورة الانفال فمنعه ابليس واتفقت آراؤهم على قول ابى جهل وهو ان يخرجوا اليه من كل قبيلة من قريش شابا جليدا اى قويا بسيف صارم ويقتلوه فيفرق دمه فى القبائل بحيث لا يقدر بنوا عبد مناف على حرب قومهم جميعا فيرضون بالدية واستحسن الشيخ النجدى هذا الرأى وتفرقوا عن تراض فلما امسى رسول الله صلى الله عليه وسلم اتاه جبريل فاخبره بمكر قريش وامره بمفارقة مضجعه تلك الليلة فلما علم ما يكون منهم قال لعلى رضى الله عنه "حديث : نم على فراشى واتشح بردائى هذا الحضرمى فانه لن يخلص اليك شيء تكرهه منهم" تفسير : وكان عليه السلام يشهد العيدين فى ذلك الرداء وكان طوله اربعة اذرع وعرضه ذراعين وشبرا وهل كان اخضر او احمر يدل للثانى قول جابر رضى الله عنه كان يلبس رداء احمر فى العيدين والجمعة. وفى سيرة الحافظ الدمياطى وارتد بردائى هذا الاحمر والحضرمى منسوب الى حضرموت التى هى القبيلة او البلدة باليمن كان عليه السلام يتسجى بذلك البرد عند نومه وانما امر عليا رضى الله عنه ان يضطجع على فراشه ليمنعهم سواد علىّ عن طلبه حتى يبلغ وهو وصاحبه الى ما امره الله ان يبلغا اليه فلما مضى عتمة من الليل اى الثلث الاول منه اجتمعوا على باب رسول الله وكانوا مائة فجعلوا يتطلعون من شق الباب ويرصدون متى ينام فيثبون عليه فيقتلونه فخرج عليه السلام عليهم وهم ببابه وقرأ قوله تعالى {أية : يس والقرآن الحكيم} تفسير : [يس: 1] الى قوله {أية : فأغشيناهم فهم لا يبصرون} تفسير : [يس: 9]. فاخذ الله ابصارهم عنه عليه السلام فلم يبصروه حتى خرج من بينهم. وعن النبى عليه السلام انه ذكر فى فضل يس انها "حديث : اذا قرأها خائف امن او جائع شبع او عار كسى او عاطش سقى او سقيم شفى" تفسير : وعند خروجه عليه السلام اخذ حفنة من تراب فذرها عليهم فاتاهم آت فقال ما تنتظرون قالوا محمدا قال قد خيبكم الله والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك رجلا منكم الا وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته فما ترون بكم فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فاذا عليه تراب فدخلوا على علىّ فقالوا له يا على اين محمد فقال لا ادرى اين ذهب وكان قد انطلق الى بيت ابى بكر باشارة جبرائيل عليه السلام فلما دخل عليه قال "حديث : قد اذن لى فى الخروج" فقال ابو بكر الصحبة يا رسول الله بابى انت اى اسألك الصحبة قال "نعم" فبكى ابو بكر سرورا تفسير : ولله در القائل شعر : ورد الكتاب من الحبيب بانه سيزورنى فاستعبرت اجفانى هجم السرور على حتى انه من فرط ما قد سرنى ابكانى يا عين صار الدمع عندك عادة تبكين من فرح ومن احزان تفسير : قال ابو بكر فخذ بابى انت احدى راحلتى هاتين فانى اعددتهما للخروج فقال عليه السلام "حديث : نعم بالثمن" تفسير : وذلك لتكون هجرته عليه السلام الى الله بنفسه وماله والا فقد انفق ابو بكر رضى عنه على رسول الله اكثر ماله. فعن عائشة رضى الله عنها اربعين الف درهم. وفى رواية اربعين الف دينار هى الناقة القصوى او الجدعاء وقد عاشت بعده عليه السلام وماتت فى خلافة ابى بكر واما ناقته عليه السلام العضباء فقد جاء ان ابنته فاطمة رضى الله عنها تحشر عليها ثم استأجر رسول الله وابو بكر رجلا من بنى الدئل وهو عبد الله بن اريقط ليدلهما على الطريق للمدينة وكان على دين قريش فدفعا اليه راحلتيهما وواعداه غار جبل ثور بعد ثلاث ليال ان يأتى بالراحلتين صباح الليلة الثالثة فمكث عليه السلام فى بيت ابى بكر الى الليلة القابلة فخرجا الى طرف الغار وجعل ابو بكر يمشى مرة امام النبى ومرة خلفه فسأله رسول الله عن ذلك فقال يا رسول اذكر الرصد فاكون امامك واذكر الطلب فاكون خلفك لاكون فداءك فمشى عليه السلام ليلته على اطراف اصابعه اى لئلا يظهر اثر رجليه على الارض حتى حفيت رجلاه فلما رآهما ابو بكر قد حفيتا حمله على كاهله وجعل يشتد به حتى اتى فم الغار فانزله وفى رواية كانت قدما رسول الله قد قطرتا دما ويشبه ان يكون ذلك من خشونة الجبل والا فبعد المكان لا يحتمل ذلك ولعلهم ضلوا طريق الغار حتى بعدت المسافة ويدل عليه قوله فمشى ليلته او انه عليه السلام ذهب الى جبل حنين فناداه اهبط عنى فانى اخاف ان تقتل لى ظهرى فاعذب فناداه جبل ثور الى يا رسول الله وكان الغار معروفا بالهوام فلما اراد رسول الله دخوله قال له ابو بكر مكانك يا رسول حتى استبرئ الغار فدخل واستبرأه وجعل يسد الحجرة بثيابه خشية ان يخرج منها شيء يؤذيه اى رسول الله فبقى جحر وكان فيه حية فوضع رضى الله عنه عقبه عليه ثم دخل رسول الله فجعلت تلك الحية تلسعه وصارت دموعه تنحدر فتفل رسول الله على محل اللدغة فذهب ما يجده وقال بعضهم والسر فى اتخاذ رافضة العجم اللباد المفضض على رؤسهم تعظيما للحية التى لدغت ابا بكر فى الغار وذلك لانهم يزعمون ان ذلك على صورة تلك الحية ولما دخل رسول الله وابو بكر الغار امر الله شجرة وهى التى يقال لها القتاد وقيل ام غيلان فنبتت فى وجه الغار فسترته بفروعها ويقال انه عليه السلام دعا تلك الليلة الشجرة وكانت امام الغار فاقبلت حتى وقفت على باب الغار وانها كانت مثل قامة الانسان. وقال الحدادى وكان عليه السلام مر على ثمامة وهى شجرة صغيرة ضعيفة فامر ابا بكر ان يأخذها معه فلما صار الى باب الغار امره ان يجعلها على باب الغار وبعث الله العنكبوت فنسجت ما بين فروعها نسجا متراكما بعضه على بعض كنسج اربع مسنين كما قال فى القصيدة البردية شعر : ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحم تفسير : اى ظنوا ان الحمام ما وكر وما باض على باب الغار الذى فيه خير البرية وظنوا ان العنكبوت لم تنسج ولم تحم اى لم تطف من حام حوله اى طاف ودار فهو من قبيل علفتها تبنا وماء باردا: وقال المولى الجامى شعر : شد دوسه تارى كه عنكبوت تنيد بر دران غار برده دار محمد تفسير : وقد نسج العنكبوت ايضا على نبى الله داود عليه السلام لما طلبه جالوت. ونسج ايضا على عورة سيدنا زيد بن على بن الحسين بن ابى طالب وهو اخو الامام محمد الباقر وعم جعفر الصادق وقد كان يوسف بن عمر الثقفى امير العراقين من قبل هشام بن عبد الملك صلبه عريانا للخروج عليه وذلك فى سنة ست وعشرين ومائة واقام مصلوبا اربع سنين وقيل خمس سنين فلم تر عورته وقيل بطنه الشريف ارتخى على عورته فغطاها ولا مانع من وجود الامرين وكانوا عند صلبه وجهوه الى غير القبلة فدارت خشبته التى عليها الى ان صار وجهه الى القبلة ثم احرقوا خشبته وجسده رضى الله عنه قال العلماء ويكفى للعنكبوت شرفا نسجها على الغار حديث : ونهى النبى عليه السلام يومئذ عن قتل العنكبوت وقال "انها جند من جنود الله تعالى"تفسير : : قال فى المثنوى شعر : جمله ذرات زمين وآسمان لشكر حقنده كاه امتحان تفسير : واما قوله عليه السلام "حديث : العنبكوت شيطان فاقتلوه" تفسير : وفى لفظ "حديث : العنكبوت شيطان مسخه الله فاقتلوه" تفسير : فان صح فلعله صدر قبل وقعة الغار فهو منسوخ. وعن على طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت فان تركه فى البيوت يورث الفقر وهذا لا يقدح فى شرفها. وذكره فى حياة الحيوان ان ما تنسجه العنكبوت يخرج من خارج جلدها لا من جوفها. ومن خواصها انها اذا وضع نسجها على الجراحة الطرية فى ظاهر البدن حفظها بلا ورم ويقطع سيلان الدم اذا وضع عليه والعنكبوت التى تنسج على الكنيف اذا علقت على المحموم يبرأ قاله ابن زهير. وامر الله تعالى حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار وباضتا وبارك عليه السلام على الحمامتين وانحدرتا فى الحرم وهل حمام الحرم من نسل تينك الحمامتين اولا ففيه اختلاف والظاهر انه ليس من نسلهما لانه روى فى قصة نوح عليه السلام انه بعث الحمامة من السفينة لتأتيه بخبر الارض ووقعت بوادى الحرم فاذا الماء قد نضب من موضع الكعبة وكانت طينتها حمراء فاختضبت رجلها ثم جاءته فمسح عنقها وطوّقها طوقا ووهب لها الحمرة فى رجليها واسكنها الحرم ودعا لها بالبركة. وذكر ان حمام مكة اظلته عليه السلام يوم فتحها فدعا لها بالبركة. وكان المسيح عليه السلام يقول لاصحابه ان استطعتم ان تكونوا بلهاقى الله مثل الحمام فافعلوا وكان يقال انه ليس شيء ابله من الحمام انك تأخذ فرخه من تحته فتذبحه ثم يعود الى مكانه ذلك فيفرخ فيه ومن طبعه انه يطلب وكره ولو ارسل من الف فرسخ يحمل الاخبار ويأتى بها من المسافة البعيدة فى المدة القريبة كما قال فى المغرب الحمام بارض العراق والشام تشترى باثمام غالية وترسل من الغايات البعيدة بكتب الاخبار فتؤديها وتعود بالاجوبة. قال الجاحظ لولا الحمام لما عرف بالبصرة ما حدث بالكوفة فى بياض يوم واحد واليه الاشارة فى اشعار البلغاء: كما قال المولى جلال الدين قدس سره فى المثنوى شعر : رقعه كر برّ مرغى دوختى برّ مرغ ازتفّ رقعه سوختى تفسير : قال السلطان سليم الاول يعنى فاتح مصر شعر : مرغ جشم من كه بروازش بجزسوى تونيست بسته ام از اشك صد جانامه شوقش ببال تفسير : وقال فى حياة الحيوان اتخاذ الحمام للبيض والفراخ وللانس ولحمل الكتب جائز بلا كراهة واما اللعب بها والتطير والمسابقة فقيل يجوز لانه يحتاج اليها فى الحرب لنقل الاخبار والاصح كراهيته فان قامر بالحمام ردت شهادته. ولما فقد المشركون رسول الله شق عليهم ذلك وخافوا وطلبوه بمكة اعلاها واسفلها وبعثوا القافة اى الذين يقفون الاثر فى كل وجه ليقفوا اثره فوجد الذى ذهب الى جبل ثور وهو علقمة بن كرز اسلم عام الفتح اثره انتهى الى الغار فقال ههنا انقطع الاثر ولا ادرى اخذ يمينا ام شمالا ام صعد الجبل وكان عليه السلام شثن الكفين والقدمين يقال شثنت كفه شثنا وشثونة خشنت وغلظت فهو شثن الاصابع بالفتح كذا فى القاموس فاقبل فتيان قريش من كل بطن بعصيهم وسيوفهم فلما انتهوا الى فم الغار قال قائل منهم ادخلوا الغار فقال امية بن خلف وما اربكم اى حاجتكم الى الغار ان عليه لعنكبوتا كان قبل ميلاد محمد ولو دخل لما نسج ذلك العنكبوت وتكسر البيض وعند ما حاموا حول الغار حزن ابو بكر رضى الله عنه خوفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى {اذ يقول} بدل ثان او ظرف ثان والقائل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم {لصاحبه} وهو ابو بكر الصديق رضى الله عنه ولذلك قالوا من انكر صحبة ابى بكر فقد كفر لانكاره كلام الله تعالى وكذا الروافض اذا كانوا يسبون الشيخين اى ابا بكر وعمر رضى الله عنهما ويلعنوهما يكفرون واذا كانوا يفضلون عليا عليهما يكونون مبتدعين والمبتدع صاحب الكبيرة والبدعة الكبيرة كما فى هدية المهديين وعن ابى بكر رضى الله عنه انه قال لجماعة ايكم يقرأ سورة التوبة قال رجل انا اقرأ فلما بلغ الى قوله اذ يقول لصاحبه الآية بكى رضى الله عنه وقال انا والله صاحبه {لا تحزن} ولم يقل لا تخف لان حزنه على رسول الله يغفله عن حزنه على نفسه وهذا النهى تأنيس وتبشير له كما فى قوله تعالى له عليه السلام {ولا يحزنك قولهم} وبه يرد ما زعمته الرافصة ان ذلك كان غضبا من ابى بكر وذما له لان حزنه ان كان طاعة فالنبى عليه السلام لا ينهى عن الطاعة فلم يبق الا انه معصية كذا فى انسان العيون {ان الله معنا} بالعون والعصمة والمراد بالمعية الولاية التى لا تحوم حولها شائبة من الحزن وما هو المشهور من اختصاص مع بالمتبوع فالمراد ما فيه من المتبوعية فى الامر المباشر وتأمل الفرق بين قوله عليه السلام {ان الله معنا} وبين قول موسى عليه السلام {أية : ان معى ربى} تفسير : [الشعراء: 62]. كيف تجده دقيقا والله الهادى حديث : -روى- ان المشركين لما طلعوا فوق الغار وعلوا على رؤسهما اشفق ابو بكر على رسول الله عليه السلام فقال عليه السلام "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" فاعماهم الله عن الغار فجعلوا يترددون حوله فلم يروه تفسير : وذكر ان ابا بكر لما قال للنبى عليه السلام لو ان احدهم نظر الى قدميه لابصرنا قال له النبى عليه السلام "حديث : لو جاؤنا من ههنا لذهبنا من ههنا" تفسير : فنظر الصديق الى الغار فاذا هو قد انفرج من الجانب الآخر واذا البحر قد اتصل به وسفينه مشدودة الى جانبه. حديث : قال ابن كثير وهذا ليس بمنكر من حيث القدرة العظيمة. وفى الآية دلالة على علو طبقة الصديق وسابقة صحبته وهو ثانى رسول الله فى عالم الارواح حين خرج من العدم وثانيه حين خرج مهاجرا وثانيه فى الغار وثانيه فى الخلافة وثانيه فى القبر بعد وفاته وثانيه فى انشقاق الارض عنه يوم البعث وثانيه فى دخول الجنة كما قال عليه السلام "اما انك يا ابا بكر اول من يدخل الجنة من امتى"تفسير : وقال ايضا حديث : "الا ابشرك" قال بلى بابى انت وامى قال "ان الله عز وجل يتجلى للخلائق يوم القيامة ويتجلى لك خاصة"تفسير : حديث : -وروى- ان ابا بكر عطش فى الغار فقال عليه السلام "اذهب الى صدر الغار فاشرب" فانطلق ابو بكر الى صدر الغار فوجد ماء احلى من العسل وابيض من اللبن واذكى رائحة من المسك فشرب منه فقال عليه السلام "ان الله امر الملك الموكل بانهار الجنة ان يخرق نهرا من جنة الفردوس الى صدر الغار لتشرب يا ابا بكر" قال ابو بكر يا رسول الله ولى عند الله هذه المنزلة فقال عليه السلام "نعم وافضل والذى بعثنى بالحق لا يدخل الجنة مبغضك ولو كان عمله عمل سبعين نبيا"تفسير : {فانزل الله سكينته} امنته التى تسكن عندها القلوب. وقال الكاشفى [رحمت خودرا كه سبب آرامش است] {عليه} اى على النبى عليه السلام فالمراد بها ما لا يحوم حوله شائبة الخوف اصلا او على صاحبه وهو الاظهر اذ هو المنزعج وكان رسول الله ساكنا على طمأنينة من امره واليه اشار الشيخ فريد الدين العطار قدس سره. شعر : خواجه اول كه اول يار اوست ثانى اثنين اذ هما فى الغار اوست جون سكينه شد زحق منزل برو كشت مشكلهاى عالم حل برو تفسير : وقال سعدى جلبى المفتى فى حواشيه بل الاول هو الاظهر المناسب للمقام وانزال السكينة لا يلزم ان يكون لرفع الانزعاج بل قد يكون لدفعه كما سبق فى قصة حنين والفاء للتعقيب الذكرى انتهى. وفى مصحف حفصة {أية : فانزل الله سكينته عليه} تفسير : [التوبة: 40]. {وايده} اى قوىّ النبى عليه السلام {بجنود لم تروها} وهم الملائكة النازلون يوم بدر والاحزاب وحنين ليعينوه على العدو والجملة معطوفة على نصره تعالى {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى} يعنى جعل الله الشرك مقهورا مغلوبا ابدا الى يوم القيامة او دعوتهم الى الكفر: يعنى [دعوت كفررا كه ازايشان صادر مى شد خوار وبيمقدار ساخت {وكلمة الله} اى التوحيد او الدعوة الى الاسلام وهى بالرفع على الابتداء {هى} ضمير فصل دفع توهم انه قد يفوق غير كلمة الله {العليا} الى يوم القيامة وهو خبر المبتدأ وجعل الله ذلك بان اخرج رسوله من بين الكفر. وقرأ يعقوب كلمة الله بالنصب عطفا على كلمة الذين وهو ضعيف لانه يشعر بان كلمة الله كانت سفلى ثم صارت عليا وليس كذلك بل هى عالية فى نفسها ابدا. وفى مناظرات المكى لو قال احد وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله وقطع ولم يقل وكلمة الله هى العليا كان كافرا ان كان عمدا {والله عزيز} [وخداى تعالى عاليست عزيز كند اهل توحيدرا] {حكيم} فى امره وتدبيره وحكمه. قال الكاشفى [داناست خوارساز داهل كفررا ومقصود ازايراد قصه غاردر اثناى امر بغزوة تبوك آنست كه اكرشما اى كارهان جهاد يارى نكنيد بيغمبر مرا من اورا يارى كنم جنانجه در آن محل كه با او يك كس بيش نبود تمام صناديد قريش بقصد او برخواسته بودند من اورا يارى كردم وازميان دشمنانش بسلامت بيرون آوردم بس مفتاح نصرت بقبضه منست: وما النصر الا من عند الله. شعر : يارى ازمن جو نه ازخيل وسباه راز بامن كوى نه بامير وشاه هركرا يارى كنم برتر شود هركرا دور افكنم ابتر شود تفسير : وتمام القصة انه لما انصرف قريش من الغار وايسوا منهما ارسلوا لاهل السواحل ان من اسر او قتل احدهما كان له مائة ناقة وفى رواية مائتان ومكثا فى الغار ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن ابى بكر وهو غلام يعرف يأتيهما حين يختلط الظلام ويخبرهما بما وعاه من اخبار اهل مكة ويدلج من عندهما بفجر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فى بيته وكان عامر بن فهيرة مولى ابى بكر يرعى لابى بكر اغناما له نهاره ثم يروح عليهما فيحلبها لهما وكانت اسماء بنت ابى بكر تأتيهما اذا امست بطعامهما وشرابهما فلما طلع صبح الليلة الثالثة اتى الدليل بالراحلتين فركباهما وانطلقا نحو المدينة وانطلق معهما عامر بن فهيرة رديفا لابى بكر وانزل الله عليه {أية : وقل رب أدخلنى مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق وٱجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا} تفسير : [الاسراء: 80]. قال زيد بن اسلم جعل الله له مدخل صدق المدينة ومخرج صدق مكة وسلطانا نصيرا الانصار رضى الله عنهم حديث : ولما خرج من مكة التفت اليها وبكى وقال "انى لاخرج منك وانى لاعلم انك احب بلاد الله واكرمها على الله ولولا ان اهلك اخرجونى ما خرجت"تفسير : وهو يدل على ان مكة افضل من سائر البلاد وفى الحديث "حديث : من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائة عام والحسنة فيها بمائة الف حسنة" تفسير : والكلام فى غير ما ضم اعضاءه الشريفة من ارض المدينة والا فذاك افضل بقاع الارض بالاجماع حتى من العرش والكرسى -ذكر- ان الطوفان موّج تلك التربة المكرمة على محل الكعبة حتى ارساها بالمدينة فهى من جملة ارض مكة حديث : ولما سمع سراقة بن مالك بن جعشم الكنانى ان الكفار جعلوا فيهما ان قتلا او اسرا مائة ناقة ركب خلفهما حتى ادركهما فى طريق الساحل وقال يا محمد من يمنعك منى اليوم فقال عليه السلام "يمنعنى الجبار الواحد القهار" ونزل جبريل فصاح وقال يا محمد ان الله يقول لك قد جعلت الارض مطيعة لك فاثمرها بما شئت فقال عليه السلام "يا ارض خذيه" فاخذت ارجل جواده الى الركب فقال يا محمد الامان فقال عليه السلام "يا ارض اطلقيه" فاطلقته تفسير : يقال عاهد سبع مرات ثم نكث العهد وكلما نكث تغوص قوائم فرسه فى الارض وفى السابعة تاب توبة صدق ورجع الى مكة وصار لا يرى واحدا من طلابه عليه السلام الا رده يقول اختبرت الطريق فلم ار احدا وقصة نزوله المدينة مذكورة فى السير
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "إن": شرط، وجوابه محذوف، دلّ عليه قول: {فقد نصره الله} أي: إن لم تنصروه فسينصره الله، الذي نصره حين أخرجه الذين كفروا، حال ثاني اثنين، فدل بنصره في الماضي على نصره في المستقبل، وإسناد الإخراج إلى الكفرة؛ لأن همهم بإخراجه أو قتله كان سبباً لإذن الله له في الخروج، و (إذ هُما): بدل من (أخرجه)؛ بدل البعض، و (إذ يقول): بدل ثان، و (كلمة الله): مبتدأ، و (العليا): خبر، وقرأ يعقوب: بالنصب؛ عطفاً على {كلمة الذين كفروا}، والأول: أحسن؛ للإشعار بأن كلمة الله عالية في نفسها، فاقت غيرها أم لا. يقول الحق جل جلاله: {إلاّ تنصروهُ}؛ تنصروا محمداً، وتثاقلتم عن الجهاد معه، فسينصره الله، كما نصره حين {أخرجه الذين كفروا} من مكة، حال كونه {ثاني اثنين} أي: لم يكن معه إلا رجل واحد، وهو الصدِّيق، {إِذْ هما في الغار}؛ نقب في أعلى غار ثور، وثور جبل عن يمين مكة، على مسيرة ساعة. {إِذْ يقول لصاحبه}: أبي بكر رضي الله عنه: {لا تحزنْ إنَّ الله معنا} بالعصمة والنصرة. رُوي أن المشركين طلعوا فوق الغار يطلبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين فقدوه من مكة، فأشفق أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : ما ظَنُّكَ باثنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهِما"تفسير : فأعماهم الله عن الغار، فجعلوا يترددون حوله فلم يروه. وقيل: لما دخل الغار بعث الله حمامتين، فباضتا في أسفله، والعنكبوت نسجت عليه. {فأنزل اللَّهُ سكِينَتُه} أي: أًمْنَه الذي تسكن إليه القلوب، {عليه} أي: على رسوله صلى الله عليه وسلم، أو على صاحبه، {وأيَّده بجنودٍ لم تَرَوها}، يعني الملائكة، أنزلهم ليحرسوه في الغار، أو يوم بدر وأحد وغيرهما، فتكون على هذا: الجملة معطوفة على: {فقد نصره الله}. {وجعلَ كلمةَ الذين كفروا} وهي الشرك، أو دعوى الكفر، {السفلى وكلمةُ الله} التي هي التوحيد، أو دعوة الإسلام، {هي العُليا}؛ حيث خلص رسوله صلى الله عليه وسلم من بين الكفار، ونقله إلى المدينة، ولم يزل ينصره حتى ظهر التوحيد وبطل الكفر، {والله عزيزٌ}؛ غالب على أمره، {حكيم} في أمره وتدبيره. الإشارة: ما قيل في حق الرسول صلى الله عليه وسلم يقال في حق ورثته، الداعين إلى الله بعده؛ من العارفين بالله، فيقال لمن تخلف عن صُحبَة ولي عصره وشيخ تربية زمانه: إلا تنصروه فقد نصره الله وأعزه، وأغناه عن غيره، فمن صحبه فإنما ينفع نفسه، فقد نصره الله حين أنكره أهله وأبناء جنسه، كما هي سنة الله في أوليائه، لأن الداخل على الله منكور، والراجع إلى الناس مبرور، فمن دخل مع الخصوص قطعاً أنكرته العموم، فنخرجه ثاني اثنين هو وقبله، فيأوي إلى كهف الأنس بالله، والوحشة مما سواه، فيقول لقلبه: لا تحزن إن الله معنا، فينزل الله عليه سكينة الطمأنينة والتأييد، وينصره باجناد أنوار التوحيد والتفريد، فيجعل كلمة أهل الإنكار السفلى، وكلمة الداعين إلى الله هي العليا، والله عزيز حكيم. ثم نَهَّضَهم إلى الجهاد، فقال: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ}.
الطوسي
تفسير : قرأ يعقوب وحده {وكلمة الله هي العليا} بالنصب على تقدير وجعل كلمة الله هي العليا ومن رفع استأنف، وهو أبلغ لأنه يفيد أن كلمة الله العليا على كل حال. وهذا ايضاً زجر آخر وتهديد لمن خاطبه في الاية الاولى بانهم إن لم ينصروا النبي صلى الله عليه وآله ولم يقاتلوا معه ولم يجاهدوا عدوه {فقد نصره الله} أي قد فعل الله به النصر حين اخرجه الكفار من مكة {ثاني اثنين}. وهو نصب على الحال اي هو ومعه آخر، وهو ابو بكر في وقت كونهما في الغار من حيث {قال لصاحبه} يعني ابا بكر {لا تحزن} اي لا تخف. ولا تجزع {إن الله معنا} أي ينصرنا. والنصرة على ضربين: احدهما - يكون نعمة على من ينصره. والآخر - لا يكون كذلك، فنصرة المؤمنين تكون إحساناً من الناصر إلى نفسه لأن ذلك طاعة لله ولم تكن نعمة على النبي صلى الله عليه وآله. والثاني - من ينصر غيره لينفعه بما تدعوا اليه الحكمة كان ذلك نعمة عليه مثل نصرة الله لنبيه صلى الله عليه وآله. ومعنى {ثاني اثنين} أحد اثنين يقولون هذا ثاني اثنين، وثالث ثلاثة، ورابع أربعة، وخامس خمسة، لأنه مشتق من المضاف اليه. وقد يقولون خامس اربعة أي خمس الاربعة بمصيره فيهم بعد أن لم يكن. والغار ثقب عظيم في الجبل. قيل: وهو جبل بمكة يقال له ثور، في قول قتادة. وقال مجاهد: مكث النبي صلى الله عليه وآله في الغار مع ابي بكر ثلاثاً. وقال الحسن: أنبت الله على باب الغار ثمامة، وهي شجيرة صغيرة. وقال غيره: الهم العنكبوت فنسجت على باب الغار. وأصل الغار الدخول إلى عمق الخباء. ومنه قوله {أية : إن أصبح ماؤكم غوراً}تفسير : وغارت عينه تغور غوراً اذا دخلت في رأسه. ومنه أغار على القوم إذا أخرجهم من أخبيتهم بهجومه عليهم. وقوله {فأنزل الله سكينته عليه} قيل فيمن تعود الهاء اليه قولان: احدهما - قال الزجاج: إنها تعود إلى النبي صلى الله عليه وآله. والثاني - قال الجبائي: تعود على أبي بكر لأنه كان الخائف واحتاج إلى الأمن لأن من وعد بالنصر فهو ساكن القلب. والاول أصح، لأن جميع الكنايات قبل هذا وبعده راجعة إلى النبي صلى الله عليه وآله ألا ترى أن قوله {إلا تنصروه} الهاء راجعة إلى النبي صلى الله عليه وآله بلا خلاف، وقوله {فقد نصره الله} فالهاء أيضاً راجعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وقوله {إذ أخرجه} يعني النبي صلى الله عليه وآله {إذ يقول لصاحبه} يعني صاحب النبي صلى الله عليه وآله ثم قال {فأنزل الله سكينته عليه} وقال بعده {وأيده بجنود} يعني النبي صلى الله عليه وآله فلا يليق أن يتخلل ذلك كله كناية عن غيره وتأييد الله إياه بالجنود ما كان من تقوية الملائكة لقلبه بالبشارة بالنصر من ربه ومن القاء اليأس في قلوب المشركين حتى انصرفوا خائبين. وقوله {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى} أي جعلها نازلة دنية وأراد بذلك أن يسفل وعيدهم النبي صلى الله عليه وآله وتخويفهم إياه فأبطل وعيدهم ونصر رسول الله والمؤمنين عليهم فعبر عن ذلك بأنه جعل كلمتهم كذلك، لا انه خلق كلمتهم كما قال {أية : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً}. تفسير : وقيل: إن كلمة الذين كفروا الشرك، وكلمة الله التوحيد، وهي قول: لا اله الا الله. وقيل: كلمتهم هو ما تغامزوا عليه ومن قتله. و {كلمة الله} ما وعد به من النصر والنجاة. ثم أخبر ان {كلمة الله هي العليا} المرتفة اي هي المنصورة بغير جعل جاعل، لأنها لا يجوز أن تدعو إلى خلاف الحكمة. وقوله {والله عزيز} معناه قادر لا يقهر {حكيم} واضع الاشياء مواضعها ليس فيها وجه من وجوه القبح. وليس في الاية ما يدل على تفضيل أبي بكر، لأن قوله {ثاني اثنين} مجرد الاخبار أن النبي صلى الله عليه وآله خرج ومعه غيره، وكذلك قوله {إذ هما في الغار} خبر عن كونهما فيه، وقوله {إذ يقول لصاحبه} لا مدح فيه أيضاً، لأن تسمية الصاحب لا تفيد فضيلة ألا ترى أن الله تعالى قال في صفة المؤمن والكافر {أية : قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك } تفسير : وقد يسمون البهيمة بأنها صاحب الانسان كقول الشاعر (وصاحبي بازل شمول) وقد يقول الرجل المسلم لغيره: ارسل اليك صاحبي اليهودي، ولا يدل ذلك على الفضل، وقوله {لا تحزن} إن لم يكن ذمّاً فليس بمدح بل هو نهي محض عن الخوف، وقوله {إن الله معنا} قيل إن المراد به النبي صلى الله عليه وآله، ولو أريد به أبو بكر معه لم يكن فيه فضيلة، لأنه يحتمل أن يكون ذلك على وجه التهديد، كما يقول القائل لغيره إذا رآه يفعل القبيح لا تفعل إن الله معنا يريد أنه متطلع علينا، عالم بحالنا. والسكينة قد بينا أنها نزلت على النبي صلى الله عليه وآله بما بيناه من ان التأييد بجنود الملائكة كان يختص بالنبي صلى الله عليه وآله فأين موضع الفضلية للرجل لولا العناد، ولم نذكر هذا للطعن على ابي بكر بل بينا أن الاستدلال بالاية على الفضل غير صحيح.
الجنابذي
تفسير : {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ} تذكيرٌ لهم بنصرته له (ص) حين لم يكن له معاون حتّى يتحقّق عندهم نصرته بدونهم استمالةً لقلوبهم {إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} حين شاوروا فى امره بالاجلاء والحبس والقتل فى دار النّدوة كما سبق {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ} يعنى لم يكن معه الا رجلٌ واحدٌ وهو ابو بكرٍ {إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ} غار ثورٍ وهو جبل فى يمنى مكّة على مسيرة ساعةٍ {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ} والاتيان بالمضارع للاشارة الى انّه كرّر هذا القول لعدم سكونه عن اضطرابه {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} ومن كان معه لا يغلب فلا تحزن من اطّلاع الاعداء وغلبتهم، روى عن الباقر (ع) انّ رسول الله (ص) اقبل يقول لابى بكر فى الغار: اسكن فانّ الله معنا وقد أخذته الرّعدة ولا يسكن فلمّا رأى رسول الله (ص) حاله قال له: اتريد ان اريك اصحابى من الانصار فى مجالسهم يتحدّثون؟ واريك جعفراً واصحابه فى البحر يغوصون؟ - قال: نعم فمسح رسول الله (ص) بيده على وجهه فنظر الى الانصار يتحدّثون، والى جعفرٍ واصحابه فى البحر يغوصون، فأضمر تلك السّاعة انّه ساحر {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} السّكينة كما فى الخبر ريح تفوح من الجنّة لها وجه كوجه الانسان، وهى كما مضى قبيل هذا وفى سورة البقرة على ما حقّقها الصّوفيّة صورة ملكوتيّة ملكيّة آلهيّة تظهر بصورة احبّ الاشياء على صدر السّالك الى الله وأحبّ الاشياء الى السّالك هو شيخه المرشد ووليّه القائد، وتسمّى عندهم بالسّكينة والفكر والحضور وهى السّلطان النّصير والطمأنينة واليها أشير بقوله تعالى {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} تفسير : [الرعد:28] {أية : وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} تفسير : [العنكبوت:45] وهى النّور فى قوله {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [النور:35]، وبها يحصل معرفة علىٍّ (ع) بالنّوارنيّة، وهى ظهور القائم عجّل الله فرجه فى العالم الصّغير وبها استنارة سماوات روحه واراضى نفسه وطبعه كما قال تعالى: {أية : وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} تفسير : [الزمر:69]، وهى الاسم الاعظم والكلمة الّتى هى اتمّ، وهى حقيقة الرّحمة والهدى والفتح والنّصرة والصّراط المستقيم والطّريق القويم والسّبيل الى الله والفوز والنّجاح، وغير ذلك من الاسماء الحسنى الّتى لا حدّ لها واشير اليها فى الآيات والاخبار، ولذلك كان تمام اهتمام المشايخ فى تلقين الّذكر الخفىّ القلبىّ او الجلىّ اللّسانىّ بتحصيل هذا المقام للسّلاّك وكانوا يأمرونهم بالفكر الّذى هو هذا تعمّلاً حتّى تظهر وتنزل تلك السّكينة من غير تعمّلٍ ورويّةٍ، ولا مقام لبشريّة الانسان نبيّاً كان او وليّاً او تابعاً لهما اشرف من هذا المقام كما قال فى مقام الامتنان فى هذه السّورة: ثمّ انزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين فى غزوة حنين الّتى كانت فى الثّامن من الهجرة وحين كمال النّبوّة وتبليغ الرّسالة، اذا عرفت هذا فاعلم، انّ العامّة جعلوا هذه الآية دالّةً على فضيلة أبى بكرٍ حيث كان اولّ من هاجر وذكر بمصاحبته للرّسول (ص) ولا دلالة فى الآية على فضيلةٍ له ان لم يكن دلالة على ذمّه، فانّ الصّحابة البشريّة قد كانت للمشركين والكفّار والمنافقين المرتدّين بل الفضيلة فى الصّحابة الملكوتيّة الّتى هى ظهور ملكوت الصّاحب على ملكوت الصّاحب، وفى الآية دلالة على عدمها حيث خاطبه (ص)، بلا تحزن، فانّ الصّحابة الملكوتيّة مانعة من الحزن باعثة على السّكون والوقار، وايضاً هى دالّة على عدم حصولها له بعد هذا الخطاب حيث افرد الضّمير المجرور فهو امّا راجع الى النّبىّ (ص) او الى ابى بكرٍ، ورجوعه الى ابى بكرٍ وان كان يتراءى انّه مناسب لاضطرابه ورعدته لكنّه يسلتزم تفكيك الضّمير فى قوله وايده بجنودٍ ويستلزم امّا عدم نزول السّكينة على النّبىّ (ص) وهو مستلزم لافضليّة ابى بكر او عدم الاعتناء بذكر النّبى (ص) وهو ايضاً كذلك او عدم الحاجة الى ذكره وليس به، لانّ الحاجة فى مقام اظهار النّعمة على الاحباب ماسّة الى ذكر مثل هذه النّعمة العظيمة الّتى لا نعمة اعظم منها فى مقام البشريّة كما سبق من ذكره (ص) بهذه النّعمة بعد الثّامن من الهجرة وكمال النّبوّة، ولو سلّم صحّة رجوعه الى ابى بكر كانت الآية من المتشابهات الّتى لا يستدلّ بها على منقبه تثبت بها الامامة؛ هذا اذا كان عطفاً على اخرجه، وامّا اذا كان عطفاً على قد نصره الله من قبيل عطف التّفصيل على الاجمال فلا يحتمل عود الضّمير الى ابى بكر {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} اى لم تقووا على رؤيتها ان كان المراد بالجنود السّكينة ومحافظة الملائكة فى الغار واغماء الكفّار عنه بنسج العنكبوت وبيض الحمامة وانبات الشّجر على فم الغار او لم تقع رؤية منكم لها ان كان المراد مطلق جنود الملائكة فى غزواته {وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا} الكلمة كما مرّ مراراً تشمل الكلمات اللّفظيّة والكلمات التّكوينيّة من العقول والارواح وعالم المثال والقوى البشريّة والحيوانيّة والنّباتيّة والاخلاق والاحوال والافعال فى العالم الصّغير، وهى ان كانت منتسبة الى الولاية الّتى هى كلمة الله الحقيقيّة بلا واسطةٍ او الى من انتسب الى الولاية فهى كلمات الله، لانّ كلمة الله الحقيقيّة هى المشيّة الّتى يعبّر عنها بالحقّ المخلوق به، والاضافة الاشراقيّة والحقيقة المحمّديّة وعلويّة علىٍّ (ع) وهى الولاية المطلقة، وكلّما كان منتسباً اليها كان كلمة الله، وكلّما كان كلمة الله كانت عليا بعلوّ الله وكان العلوّ ذاتياً لها لا عرضيّاً محتاجاً الى الجعل والتّسبيب، ولذا أتى بالجملة الثّانية مرفوعة المبتدأ مستأنفة او معطوفة على الجملة الفعليّة او حالاً عن فاعل جعل او مفعوله، او المستتر فى السّفلى مؤكّدة باسميّة الجملة وضمير الفصل وتعريف المسند الدّالّ على الحصر الّذى هو تأكيدٌ لا منصوبة عطفاً على مدخول جعل، وان لم تكن منتسبة الى الولاية فان كانت منتسبةً الى الشّيطان بان كان صاحبها متمكّناً فى تبعيّة الشّيطان بحيث لا يكون مدخل ومخرج فى وجوه الاّ للشّيطان، فهى كلمات الشّيطان والسّفليّة ذاتيّة لها، وان لم تكن كذلك بان لم يكن صاحبها متمكّناً فى تبعيّة الشّيطان ولا منتسباً الى الله والولاية، فهى ليست كلمات الله ولا كلمات الشّيطان بل هى منتسبة الى ما هو الغالب الظّاهر من احوال صاحبه كالاسلام والايمان والمحبّة والرّضا والسّخط والشّرك والكفر، وهى بذاتها لا سفلى ولا عليا بل محتاجة الى جعل فى ذلك، ولذلك اتى بالجعل فى الجملة الاولى من غير التّأكيد بضمير الفصل {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} لن يغلب حتّى يتصوّر السّفليّة لكلمته {حَكِيمٌ} لا يتطرّق الخلل الى ما كان منتسباً اليه حتّى يتصوّر طرّ والسّفليّة لكلمته فالعطف من قبيل عطف السّبب.
اطفيش
تفسير : {إلاَّ تنْصُروهُ} إلا هى إن الشرطية ولا النافية، لكن أبدلت النون لاما وأدغمت فى لام لا، ولذلك حذفت النون فى تنصروه، وابن مالك على جلالته فى النحو والتصريف كغيرهما من الحديث والتفسير، والفقه واللغة، والعروض، ذكر إلا هذه فى شرح التسهيل من أقسام إلا، وإنما ذلك منه على جهة الغفلة، أو زلة القلم، وجواب إن محذوف تقديره فسينصره الله وقوله: {فَقَد نَصرهُ اللهُ إذْ أخْرجَه الَّذينَ كفَرُوا ثَانىَ اثْنينِ} كالدليل عليه القائم مقامه، وذلك أن نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد يتضمن أنه ينصره، وقد كان معه آلاف رجل، وهذا باعتبار شأن الإنسان فى النظر إلى الوسائط، وإلا فالقلة والكثرة عند الله سبحانه سواء، أو الآية مشيرة إلى أن وجودكم وعدمه سواء، ألا ترون أنه نصره إذ لم تكونوا معه، ولم يكن معه إلا واحد، وأجاز جار الله كون قوله: {فقد نصره الله} جوابا على أن المعنى فقد أوجب الله له النصر المطلق فى ذلك الوقت الذى كان فيه ثانى اثنين، فنصره فيه، وينصره فى غيره انتهى بإيضاح. وذكر النقاش: أن هذه الآية أول آية نزلت من سورة براءة، وأسند الإخراج إلى الكفار، لأنه لما هم بإخراجه أذن الله له بالخروج، أو لأنهم ضيقوا عليه حتى خرج، وثانى حال، وقرىء بإسكان الياء على لغة من لا يظهر النصب فى المنقوص، وهى قراءة حكاها أبو عمرو بن العلاء، والآخر من الاثنين هو أبو بكر، "حديث : روى أن جبريل عليه السلام، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة فقال: "من يخرج معى؟" قال: يخرج معك أبو بكر، وطلبه أبو بكر بلا علم منه بمقالة جبريل أن يخرج معه، فقال: نعم ". تفسير : {إذ هُما فى الغَارِ} إذ بدل بعض من إذ قبله، لأن المراد بإذ قبله زمان متسع، سمى كله زمان الإخراج، والغار ثقب فى أعلى ثور، وثور جبل على يمين مكة، وهو غربى لها، بينهما مسيرة ساعة، وأل للعهد الذهنى. {إذْ} بدل ثان بدل بعض، أو بدل من إذ الثانية بدل الشىء من الشىء، أو متعلق باستقرار قوله: {فى الغار} أو بثانى {يقُولُ لصَاحِبه} هو أبو بكر رضى الله عنه، من أنكر صحبة أبى بكر أشرك للإجماع على أنه المراد فى الآية {لا تَحْزَن إنَّ اللهَ مَعَنا} تعليل جملى، والمعنى لأن الله معنا بالحفظ، "حديث : طلع المشركون على الغار، فأشفق أبو بكر رضى الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ظنك باثنين ثالثهما الله" فأعماهم الله عن الغار، فما علموه غارا، وجعلوا يترددون حوله فلم يروا له فما، فهو عندهم صخرة"تفسير : ، وقيل: علموه غارا ورأوا فمه، لكن بعث الله حمامتين وحشيتين باضتا فى أسفله، وعنكبوتا نسج على فمه بقدر ما يظن أنه نسج لعام وهو المشهور. {فأنْزلَ اللهُ سَكينتهُ} الطمأنينة التى خلقها تسكن إليها القلوب، ورحمة منه سبحانه {عَليْه} أى على رسوله، وقيل: الضمير عائد إلى صاحب وهو أبو بكر رضى الله عنه، وهو أظهر لأنه كان منزعجا فى الغار، بخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يزل ساكن النفس، مطمئنا، والجمهور على الأول وهو أنسب بما يعد ذلك فى الآية، ووجهه أنه ولو كان لم يزل ساكن النفس مطمئنا، لكنه قد تعتريه مخافة، ما أو أنه أراد أنه أنزل عليه سكينته على السكينة التى هو فيها، أو أنه أراد بالسكينة الحفظ الذى من شأنه أن يسكن إليه ساكن، أو أمرا يختص بالتبيين. ولا يخفى ما خص الله به أبا بكر، واختاره به على غيره بعد النبى صلى الله عليه وسلم، مثل جعله صاحبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى الغار حالة الخوف لشدة صفائه فى الظاهر والباطن، وذكر صحبته فى القرآن، ومثل جعله صاحبا له فى الهجرة قبل الغار، وفيه وبعده، صعد يوما على المنبر وقال: أيكم يحفظ سورة براءة؟ فقال رجل: أنا، فقال: اقرأ فقرأ، فلما انتهى إلى قوله: {إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} بكى وقال: أنا والله صاحبه. قال الليث: ما صحب الأنبياء عليهم السلام مثل أبى بكر رضى الله عنه، قال سفيان بن عيينة: عاتب الله الأمة بقوله: {إلا تنصروه} إلا أبا بكر فإنه خرج بقوله: {إذ أخرجه الذين كفروا} الخ، وليس كذلك، فإن المعاتبة إنما هى لمن تخلفه، ومثل عدم تخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سفر ولا حضر، هو مثل نفعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وماله ونيته، وقد ذكر بعض العلماء أنه ثانى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أكثر الأحوال كالإمامة والتوبة. ومثل كونه أول من آمن عند بعض، وقيل: علىّ، وقيل: خديجة، وقيل: راهب، وعلى يده آمن عثمان، وطلحة، والزبير، ومثل كونه ما يقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فى موقف من غزواته إلا وأبو بكر معه فى ذلك الموقف، ومثل كون الله ثالثهما، ومثل ذكره بخصوصه بإنزال السكينة عليه مع عموم إنزال السكينة على المؤمنين إياه على ما مر. وعن عمر رضى الله عنه: وددت أن عملى كله مثل عمل أبى بكر يوما واحدا من أيامه، وليلة واحدة من لياليه، أما يومه فيوم منعت العرب الزكاة فقال: لو منعونى عقالا لجاهدتهم عليه، فقلت: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم تألف الناس وارفق بهم، فقال لى: أجبار فى الجاهلية خوار فى الإسلام، أنه قد انقطع الوحى، وتم الدين، أينقص وأنا حى، وأما ليلته فليلة سار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار، ودخل قبله ليتلقى ما فيه من ضر وكسحه، وشق إزاره وسد به ثقبات، وبقيت واحدة فألقمها رجله، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ادخل فدخل، فوضع رأسه فى حجره، ولدغ فى رجله من الثقبة، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقطت دموعه على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "مالك يا أبا بكر؟" فقال لدغت فداك أبى وأمى، فتفل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب ما يجده وعادت عليه هذه اللدغة، وكانت سبب موته ليموت شهيدا، أو مما لا ينسى لأبى بكر مفارقته الرياسة التى هو فيها فى طاعة الله ورسوله، وفى الكفر مدة وإباء. {وأيَّدهُ} قوى رسوله {بجُنودٍ} من الملائكة {لَم تَروْها} أنزلها عليه لتحرسه فى الغار، تصرف وجوه الكفار من الغار، أو عن رؤيته، وليلقى الرعب فى قلوب الكفار حتى يرجعوا، وليعينوه على العدو ويوم بدر والأحزاب وحنين، فالعطف على: {نصره الله} ويجوز على: {أنزل الله سكينته عليه} أى على رسوله، ويضعف هذا إذا رجع الضمير لأبى بكر، والخطاب للناس أو للمؤمنين أو للمعاتبين، وهو أولى، وفى مصحف حفصة: فأنزل الله سكينته عليهما وأيدهما، وقرأ مجاهد: وأيده بهمزة فألف وتخفيف الياء بوزن أفعل. {وجَعَل كَلمَة الَّذينَ كَفرُوا} وهى كلمة الشرك أو الدعاء إلى الكفر، وقيل: كيدهم بالقتل {السُّفْلى} بإدحارها ودحضها، وذلك حصر لتعريف الطرفين وهما كلمة والسفلى، فإنهما مفعولا جعل، وأصلهما مبتدأ وخبر، كأنه قيل: ما جعل كلمة سفلى إلا كلمة الذين كفروا، وهذا كالنص فى أن كلمة الإسلام عليا، وصرح بذلك مع قصر العلو عليه فى قوله: {وكَلمةُ اللهِ} أى التوحيد، وقيل: الدعاء إلى الإسلام، وقيل: الشرع كله، وقيل: وعده بالنصر، وقرأ الحسن، ويعقوب بنصب كلمة عطفا على معمول عامل، ويناسبهما، قال الأعمش: من أنه رأى فى مصحف أنس بن مالك، المنسوب إلى أبى بن كعب: وجعل كلمته هى العليا، والرفع أولى وأبلغ لإشعاره بأن كلمة الله عاليه فى نفسه بدون أن تكون أسفل، ثم صيرت أعلى، فإنه ولو فاق غيرها فلا ثبات لتفوقه، ولا اعتبار، ولكونه أولى وأبلغ، عقب ذلك بضمير الفصل وهو قوله: {هِىَ} وهو ضمير لا محل له، أو حرف وهو ضعيف وما بعده خبر كلمة أو مبتدأ خبره ما بعده، والجملة خبر كلمة وعلى النصب، وهو ضمير لا محل له، أو حرف وما بعده مفعول ثان، أو مبتدأ خبره ما بعده والجملة مفعول ثان {العُلْيا} فى ذاتها، وينصر الله لها وإظهارها، ونصر رسوله حيث حضر، وحفظه وتأييده بالملائكة، وبتخليصه من أيدى الكفار إلى المدينة إذ هاجر، والحكمة فى هجرته إلى المدينة، وإقامته بها حتى مات أن تتشرف به المدينة كما تشرفت بإبراهيم وإسماعيل، فلا يتوهم أن شرفه بمكة، وقد أجمعوا على أن أفضل البقاع قبره، ويليه على الصحيح الكعبة، والمسجد الحرام، وخرج بعد بيعة العقبة بنحو ثلاثة أشهر، وقيل: أول ربيع الأول بعد البيعة بشهرين وبضعة عشر يوما، وقدم المدينة لاثنى عشرة خلت من ربيع الأول، وقد خرج يوم الخميس عند بعض، وتواترت الأخبار أنه خرج يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، ويجمع بأنه خرج من مكة يوم الخميس، ومن الغار يوم الاثنين أقام فيه ثلاث ليال، وخرج صبيحة الثالثة فقيل فى أثنائها: "حديث : قالت عائشة رضى الله عنها: بينا نحن جلوس فى بيت أبى بكر فى نحر الظهيرة، وهو أول الزوال، إذا قال قائل لأبى بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا فى ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فدى له أبى وأمى، والله ما جاء به فى هذه الساعة إلا أمر، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن له فدخل، فقال النبى صلى الله عليه وسلم لأبى بكر: "أخرج مَنْ عندك" فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبى أنت يا رسول الله، وذلك أنه قد زوجه عائشة رضى الله عنها قبل ذلك، وكان معها غيرها مثل أمها، قال صلى الله عليه وسلم: "إنه قد أذن لى فى الخروج" قال أبو بكر: الصحبة بأبى أنت وأمى يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم" قال أبو بكر: فخذ بأبى أنت يا رسول الله إحدى راحلتى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن" تفسير : لتكون هجرته إلى الله بنفسه وماله، ويكمل فضل الهجرة، وتكون على أتم الأحوال. قالت عائشة: فجهزناهما أحب الجهاز، وصنعنا لهما سفرة فى جراب، فقطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين، ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضى الله تعالى عنه بغار ثور، ومكثا فيه ثلاث ليال وهو المشهور، وقيل: بضعة عشر يوما، "حديث : ولما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فى خروجه على موضع عند باب الخياطين يسمى الحزورة بوزن قسورة لا بالتشديد كما قيل، نظر إلى البيت وقال: "والله إنك لأحب أرض الله إلىَّ وإنك لأحب أرض الله إلى الله"" تفسير : مخاطبا لمكة وهو من أصح ما يحتج به فى تفضيل مكة على المدينة، ولم يعلم بخروجه إلا أبو بكر وآله وعلىّ. وروى أنهما خرجا من خوخة لأبى بكر فى ظهر بيته ليلا، ولما فقدت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم، طلبوه بمكة أعلاها وأسفلها، وبعثوا القافة أثره فى كل وجه، فوجد الذى ذهب نحو ثور أثره هنالك، فلم يزل يتبعه حتى انقطع به لما انتهى إلى ثور، وقيل: اتبعه أيضا فى الجبل حتى بلغ فم الغار، وقال: هو فى الغار، فكذبوه البيضتين والحمامتين والنسج، وقيل: لما وصل الغار قال: من هنا طلع إلى السماء، وشق على قريش خروجه، وجزعوا، وجعلوا مائة ناقة لمن رده، ولما دخل الغار أنبت الله على بابه راءة وهي من شجر السهل، فحجبت عن الغار أعين الكفار، وقيل: هى أم غيلان، وعن أبى حنيفة تكون كقامة الإنسان، زهرها أبيض يحشى به المخاد، فيكون كالريش لخفته ولينه، لأنه كالقطن. ويروى أن الله سبحانه أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار، وأرسل حمامتين وحشيتين باضتا فيه وعششتا، ووقفتا بفمه، وقيل: وقفت بفمه يمامة، وذلك مما صد المشركين عن الغار، قيل: حمام الحرم من نسل الحمامتين. أقبل فتيان قريش من كل بطن بعصيهم وهراويهم وسيوفهم، فجعل بعضهم ينظر فى الغار فلم ير إلا حمامتين وحشيتين بفم الغار فرجع إلى أصحابه فقالوا به: مالك؟ قال: رأيت حمامتين وحشيتين، فعرفت أنه ليس فيه أحد، وقال الآخر: ادخلوا الغار، فقال أمية بن خلف: وما إربكم إلى الغار، إن فيه لعنكبوتا أقدم من ميلاد محمد، وقالوا: لو دخل الغار لتكسر البيض، وتفسخ نسج العنكبوت. "حديث : وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم أعم أبصارهم" فعميت عن دخوله، وجعلوا يضربون يمينا وشمالا حول الغار"تفسير : ، وروى "حديث : أن أبا بكر قال: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لرآنا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما"" "حديث : وروى أن أبا بكر قال: نظرت إلى قدمى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الغار وقد تقطرتا دما، فبكيت بكاء شديدا وعلمت أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يعود الحفاء والجفوةتفسير : ، وروى حديث : أنه رأى ثقبا فى الغار فألقمه عقبه لئلا يخرج ما يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلت الأفاعى والحيات تضربنه وتلسعنه، فجعلت دموعه تتحدر، ولما رأى القافة وسمع وقع حوافر دواب المشركين، اشتد حزنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكى، فقال له: "ما يبكيك يا أبا بكر؟" فقال: إن قتلت فإنما أنا رجل واحد، وإن قتلتَ أنت هلكت الأمة، ولا يعبد الله بعدك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحزن إن الله معنا" فجعل أبو بكر يمسح الدموع عن خده، وكان أرق خلق الله، وأحضرهم دموعا ". "حديث : وكان حين خرجا إلى الغار، تارة يمشى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتارة أمامه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مالك يا أبا بكر؟" فقال: أذكر الطلب فأمشى خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشى بين يديك"تفسير : ، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يجعل تمامة فى باب الغار، فجعلها فتخليها المشركون نابتة فانصرفوا، وقيل: جعلها بيده. والمشهور أن أنصرافهم عن الغار للحمامتين والبيضتين ونسج العنكبوت، ونسجت العنكبوت أيضا على داود عليه السلام حين طلبه جالوت، وعلى الغار الذى دخله عبد الله بن أنيس لما بعثه صلى الله عليه وسلم لقتل خالد بن نبيح الهذلى بالعرنة، فقتله ثم حمل رأسه ودخل فى غار، فجاء الطلب فلم يجدوا شيئا فانصرفوا راجعين، وعلى عورة زيد بن الحسين بن على أبى طالب حين قتل وصلب عريانا، فى سنة إحدى وعشرين ومائة. وكان يبيت عندهما إذا كانا فى الغار: عبد الله بن أبى بكر وهو شاب ثقف أى ثابت المعرفة بما يحتاج إليه لقن، أى سريع الفهم، فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا يكادان به إلا خبرهما به، يأتيهما حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبى بكر منحة من غنم فيريحها عليهما بعد العشاء بساعة كل ليلة، حديث : وكان أبو بكر رضى الله عنه ورسول الله صلى الله عليه وسلم استأجرا عبد الله بن أريقط الديلى، وهو على دين قريش، ولم يعرف له إسلام دليلا، وهو ماهر فى الدلالة، دفعا إليه راحلتيهما ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبح الثالثة، وانطلق معهما عامر بن فهيرة، وأخذ بهم الدليل طريق الساحل، ومروا بقديد على أم معبد عاتكة بنت خالد الخزاعية تسقى وتطعم من مر، وكان القوم مسنتين، فطلبوا لبنا ولحما يشترونه منها فلم يجدوا عندها شيئا، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة فى كسر الخيمة خلفها الجهد عن الغنم، فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل بها من لبن؟" فقالت: هى أجهد من ذلك، فقال: "أتأذنين أن أحلبها" فقالت: نعم بأبى أنت وأمى، إن رأيت بها حلبا فاحلبها، فدعا بالشاة فاعتقلها، ومسح ضرعها، وسمى الله ففتحت ما بين رجليها، ودرت ودعا بإناء يشبع الجماعة فحلب فيه سائلا، وسقى القوم حتى رووا، ثم شرب آخرا، ثم حلب فيه وتركه عندها، ولبثت قليلا. وجاء زوجها أبو معبد أكتم بن أبى الجون، ويقال ابن الجون يسوق أعنزا عجافا مخهن قليل، فقال: أنى لك هذا يا أم معبد والشاء عازل حيال ولا حلوب فى البيت؟ قالت: مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا، فقال: صفيه يا أم معبد، فقالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، وضىء الوجه، حسن الخلق، ليس بعظيم البطن، ولا بريق الجسم، عظيم الرأس، حسن الوجه والأعضاء، فى عينه سواد، كثير شعر الجفن، وفى صوته بحة، شديد سواد العين وبياضها، وسواد شعر الأجفان وغيرها، دقيق طرف الحاجبين، كادا يلتصقان ولم يلتصقا، طويل العنق، لا دقيق اللحية ولا طويلها، وفيها كثافة، فى سكوته وقار، وفى كلامه بها يعلو أصحابه، وكلماته كالدر ينحدر، حلو المنطق، كلامه فاصل بين الحق والباطل، ولا يكثر كلامه، ربعة القد، يحف به رفقاؤه، تبادرون لأمره، غير عابس الوجه، ولا يكثر اللوم. فقال: هذا والله صاحب قريش، لو رأيته لاتبعته ". تفسير : قالت أسماء بنت أبى بكر: لما خفى علينا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتانا نفر من قريش منهم أبو جهل، فخرجت إليهم فقل: أين أبوك؟ فقلت: والله لا أدرى أين أبى، فلطم خدى لطمة خرج منها قرطى، وكان فاحشا خبيثا، ثم انصرفوا، وأنشد رجل من الجن يسمع ولا يرى: شعر : جَزَى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلاَّ خيمتى أم معبد هما نزلا بالبرِّ ثم ترحَّلا فأفْلح من أمسى رفيق محمد فيالَ قُصىّ ما زوى الله عنكم به من فعال لا تجارى وسؤدد ليهنا بنى كعب مكان فتاتهم ومقْعَدها للمؤمنين بمرصد سلُوا أختكم عَن شاتها وإنائها فإنكم إن تسألوا الشَّاة تَشْهد دَعَاها بشاة حائل فتحلَّبت له بصَريح ضرة الشَّاة مزبد فغادَرَها دهنا لديها لحالب يرددها فى مصدر ثم مورد تفسير : ولما سمع الناس قوله، عرفنا حيث توجه، والضرة لحمة الضرع فاعل تحلبت، والأصل يا آل قصى فخفف بالحذف، أو يكتب بلام متصلة بالقاف، وأسلمت أم معبد وزوجها بعد ذلك، قالت: بقيت الشاة إلى خلافة عمر نحلبها صبوحاً وغبوقاً، وما فى الأرض قليل ولا كثير. وتعرض لهم بقديد سراقة بن مالك بن جشعم، فبكى أبو بكر وقال: يا رسول الله أتينا، قال: "كلا" ودعا بدعوات فساخت قوائم فرسه، وطلب الأمان فقال: أعلم أن قد دعوتما علىَّ فادْعُوا لى، ولكما أن أردّ الناس عنكما، فوقفا له، فركب فرسه فجاءهما، قال: ووقع فى نفسى حين لقيت ما لقيت أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرتهما بأن قومهما جعلوا دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، وعرضت عليهما الزاد والمتاع ولم يأخذا شيئا. وذكر سراقة: أنى بينما أنا جالس فى مجلس قومى بنى مدلج، أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة إنى رأيت آنفا، أشخاصا بالساحل أرهما محمداً وأصحابه، فعرفت أنهم هم، فقلت: ليسوا هم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقا بأعيننا، ثم لبثت فى المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت، فأمرت جاريتى أن تخرج بفرسى وتحبسها علىَّ وراء أكمة، وأخذت رمحى، فخرجت من ظهر البيت معتمدا على الرمح حتى وصلت الأرض وأتيت فرسى فركبتها تغدو حتى دنوت منهم، فعثرت بى فخررت عنها، فقمت فأهويت بيدى إلى كنانتى، فاستخرجت منها الأزلام واستقسمت بها أضرهم أم لا، فخرج لا، فركبت فرسى وعصيت الأزلام، ودنوت حتى سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت، وأبو بكر يلتفت مرارا، وساخت يدا فرسى فى الأرض حتى بلغت الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذ لأثر يديها غبار ساطع فى السماء كالدخان، فرجعت للأزلام فخرج الذى أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا إلى آخر ما مر. وروى أنه ساخت يداها ثلاث مرات، وقيل: سبعا، وقال له: أخف عنا ما استطعت، قال: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب لى كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب لى فى رقعة من جلد مدبوغ. "حديث : وروى أن أبا بكر التفت، فإذا بفارس فقال: يا رسول الله هذا فارس قد لحق بنا، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "اللهم اصرعه" فصرعه عن فرسه، ثم قامت تحمحم وهو سراقة، فقال: يا نبى الله مرنى بما شئت، فقال: "قف مكانك لا تتركن أحدا يلحق بنا" فكان أول النهار جاهدا على نبى الله صلى الله عليه وسلم، وآخره مسلحة له ". تفسير : وفى رواية قال: "حديث : يا محمد قد علمت أن هذا عملك فادع الله أن ينجنى مما أنا فيه، فوالله لأعمين على من ورائى من الطلب، وهذه كنانتى فخذ منها سهما فإنك ستمر على إبلى وغنمى بمكان كذا وكذا فخذ منها حاجتك، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا حاجة لى فى إبلك" ودعا له، فانطلق راجعا لا يلقى أحدا إلا قال: كفيتم ما هنا ورده"تفسير : ، ولامه أبو جهل على رجوعه بلا شىء، فقال سراقة مخاطبا له: شعر : أبا حكم والله لو كنت شاهداً لأمرى جوادى إذ تسوخ قوائمه عَلمت ولم تشكك بأن محمداً رسولٌ ببرهان فمن ذا يقاومه عليك بكفّ القوم عنه فإننى أرى أمره يوما ستبدو معالمه بأمر يود الناس فيه بأسرهم بأن جميع الناس طرأ يسالمه حديث : وروى أن راعيا عرف خبرهما فأسرع إلى قريش يعلمهم، فلما ورد مكة ضرب على قلبه فما يدرى ما يصنع، وأنسى ما جاء له حتى رجع إلى موضعه. ومرا بعبد يرعى غنما فاستسقياه اللبن، فقال: ما عندى شاة تحلب، غير أن ها هنا عناقا حملت عام أول فما بقى لها لبن، فقال: "ادع بها" فاعتقلها صلى الله عليه وسلم، ومسح ضرعها، ودعا حتى أنزلت، وجاء أبو بكر بشىء كالترس، يوضع على الرأس يقى من يمشى بين الشجر من الشوك يسمى المجن، فحلب فسقى فيه أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعى، ثم حلب فشرب، فقال الراعى: بالله من أنت، فوالله ما رأيت مثلك؟ فقال: "أو تراك تكتم علىَّ حتى أخبرك؟" قال: نعم، قال: "إنى محمد رسول الله" فقال: أنت الذى تزعم قريش أنه صابٍ، قال: "إنهم ليقولون ذلك" قال: فأشهد أنك نبى، وإنما جئت به حق، وإنه لا يفعل ما فعلت إلا نبى وأنا متبعك، قال: "إنك لن تستطيع ذلك يومك فإذا بلغك أنى قد ظهرت فأتنا" ". تفسير : ولقى الزبير فى ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسى الزبيرُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثيابا بيضا، وكان الناس يعرفون أبا بكر، ولا يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: من هذا؟ فيقول: رجل يهدينى السبيل، يعنى دين الله، ويظنون أنه أراد الطريق فى الأرض، أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخفاء أمره. ولما سمع المسلمون بالمدينة خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، كانوا يغدون كل غداة إلى الحرة وهى الأرض التى يعلوها حجارة سود ينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، وكان الإسلام فيهم من البيعة التى بايعوه إياها فى الموسم، وانقلبوا يوما بعد ما أطالوا الانتظار، فلما آووا إلى بيوتهم، أو فى رجل من اليهود على بناء رفيع لهم، لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ذوى ثياب بيض، يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودى نفسه فنادى بأعلى صوته: يا بنى قيلة وهم الأوس والخزرج، هذا جدكم أى حظكم ومطلوبكم قد أقبل، وقيل قال: يا معشر العرب هذا جدكم الذى تنتظرونه، فخرجوا سراعا بسلاحهم، فتلقوه صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة يعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم فى بنى عمرو بن عوف بقباء. وقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيى أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك، وإنما كانت الغمامة والملائكة تظلله قبل البعثة. وقدم فى أول يوم من ربيع الأول، وقيل: ليلتين منه، وقيل: لاثنتى عشرة منه يوم الاثنين وهو صحيح، وقيل: لثلاث عشرة، ويجمع بين هذين بالاختلاف فى رؤية الهلال، وقيل لاثنتين وعشرين. قال ابن حزم: خرجا من مكة، وقد بقى من صفر ثلاث ليال، وأقام علىّ بمكة بعد مخرج النبى صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام، ثم أدركه بقباء يوم الاثنين سابع ربيع الأول، وقيل: ثامن عشرة، وأقام مع النبى صلى الله عليه وسلم ليلة أو ليلتين، وأمر صلى الله عليه وسلم بالتاريخ فكتب من حين الهجرة. وقيل: إن أول من أرخ عمر، وجعله من المحرم، وأقام صلى الله عليه وسلم بقباء فى بنى عمرو بن عوف اثنين وعشرين يوما، وقيل: أربعة عشر يوما، وقيل: يوم الاثنين والأربعاء والخميس، وأسس مسجد قباء الذى أسس على التقوى، وهو أول مسجد بنى فى الإسلام، وأول مسجد صلى فيه صلى الله عليه وسلم بأصحابه جماعة ظاهرا، وأول مسجد بنى لجماعة المسلمين عامة، وأما ما تقدمه من المساجد فلخصوص بانيه، مثل الذى بناه أبو بكر بفناء داره، وذلك أن الدين أسرع فى أهل أبى بكر كما قالت عائشة: لم أعقل أبوى إلا وهما يدينان الدين، أى يعتقدانه ويخضعان له، ولم يمر علينا [يوم] إلا أتانا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرة وعشية، طرفى النهار. وضيق المشركون على المؤمنين، فخرج أبو بكر نحو أرض الحبشة، حتى بلغ برك الغماد، وهو موضع بخمسة ليال من مكة مما يلى ساحل البحر إلى المدينة من بلاد غفار، وقيل: قليب ماء لبنى ثعلبة، لقبه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال: أخرجنى قومى، فأريد أن أسيح فى الأرض فأعبد ربى، فقال: مثلك يا أبا بكر لا يُخرَج، إنك تكسب المعدوم بضم التاء على حذف مفعول، أى تملك الشىء المعدوم من لا يملكه أو بفتحها، أى تحصل بكسبك ما عدمه الناس، وتصل الرحم، وتحمل الكل، ، أى المنقطع أو ما يثقل من حقوق الناس، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق، أى مثل الدية وسائر المغارم، فأنا لك جار، أى ناصر وحافظ، فارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع مع ابن الدغنة بفتح الدال المهملة وكسر الغين المعجمة وتخفيف النون، وأطاف فى أشراف قريش وقال: إن أبا بكر لا يُخرَج مثله، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقرى الضيف، ويعين على نوابب، الحق. فأنفذت قريش جواره وأمنوا أبا بكر وقالوا له: مُرْه يعبد ربه فى داره ويصلى ويقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك، ولا يعلن فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال لأبى بكر ذلك ففعل، ثم بدا له فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلى فيه، وينتصب، فيه أبناء المشركين ونساؤهم يعجون منه، وكان لا يملك عينيه من البكاء إذا قرأ القرآن، فأتوه فقالوا: إنه قد ظهر أمره وكرهنا هو أن يحقرك، فيرد لك جوارك، فأتاه فقال له: أخف أمرك أو رد إلىَّ جوارى، فإنى لا أحب أن تسمع العرب أنى حقرت فى رجل عقدت له، قال أبو بكر: فإنى رددت إليك جوارك، وأرضى بجوار الله. "حديث : وأراد الخروج من مكة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اصبر فلعل الله يسهل فى الصحبة، وإنى أرجو أن يؤذن لى فى الهجرة، وقد رأيت دار هجرتكم حرة سبخة، ذات نخل بين لابتين" أى جبلين فقال له: هل ترجو ذلك يا رسول الله بأبى أنت وأمى؟ قال: "نعم" فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلف راحلتين كانتا عنده من ورق السمر أربعة أشهر، فخرج إلى الغار معه، ثم خرجا منه حتى نزلا ببنى عمرو بن عوف فى قباء"تفسير : ، على حد ما مر. وخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قباء يوم الجمعة حين ارتفع النهار، فأدركتهما الجمعة فى بنى سالم بن عوف، فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن كان معه من المسلمين وهم مائة فى بطن رانوناء، براء ونونين ومد بوزن عاشوراء، فيسمى مسجد الغيب، ومسجد الجمعة، وهو صغير، بنى بجحارة قدر نصف القامة، وهو يمين السالك إلى قباء، وركب منه على راحلته إلى المدينة، قال أنس: وهو مردف أبا بكر قال: وأبو بكر شيخ يُعرَف والنبى صلى الله عليه وسلم غير شيخ ولا يعرف، وقال صلى الله عليه وسلم لأبى بكر: "اله الناس عنى" فيلقاه الرجل فيقول: يا أبا بكر من هذا الذى بين يديك، فيقول رجل يهدينى السبيل، يريد سبيل الخير، ويحسبون أنه أراد الطريق، ويلقاه الرجل فيقول: من أنت؟ فيقول: باغى حاجة، فإذا قيل: من هذا معك؟ قال: هذا يهدينى السبيل، وكان فيهم من يعرف أبا بكر لأنه مر بهم مسافر إلى الشام. وذكر بعضهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسن من أبى بكر، لكنه لم يشب يومئذ، ولم يكن من الذين هاجروا أشمط غير أبى بكر، "حديث : وكان صلى الله عليه وسلم كل ما مر على دار من دور الأنصار يدعونه إلى المقام عندهم: يا رسول الله هلمَّ إلى القوة والمنعة، فيقول: "خلو سبيلها، يعنى ناقته، فإنها مأمورة" وقد أرخى زمامها وما يحركها، وهى تنظر يمينا وشمالا، حتى إذا أتت دار مالك بن النجار، بركت على باب المسجد، وهو يومئذ مربد، أى منشر للتمر، وهو لسهل أو سهيل ابنى رافع بن عمرو، وهما يتيمان فى حجر معاذ بن عفراء، أو سعد بن ذرارة وهو الصحيح، ثم ثارت ورسول الله صلى الله عليه وسلم عليها، حتى بركت على باب أبى أيوب الأنصارى، ثم ثارت منه ورجعت خلفها، وبركت فى مبركها الأول، وألقت جرانها بالأرض، أى باطن عنقها أو مقدمه، وصوتت من غير أن تفتح فاها، ونزل عنها، صلى الله عليه وسلم، وقال: "هذا المنزل إن شاء الله" واحتمل أبو أيوب رحله وأدخله بيته، ومعه زيد بن حارثة"تفسير : ، وكان دار بنى النجار أوسط دور الأنصار وأفضلهم، وهم أخوال عبد المطلب، جد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واسم أمه سلمى بنت عمرو. "حديث : روى أنه لما مر بهم قالوا: يا رسول الله هلمَّ إلى أخوالك، إلى العدد والعُدة والمنفعة، قال: "خلوا سبيلها فإنها مأمورة" فانطلقت حتى أتت دار بنى مالك بن النجار على حد ما مر، وكان أبو أيوب فى العلو، ولما خلا بامرأته قال لها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق بالعلو منَّا، تنزل عليه الملائكة والوحى، فما بات تلك الليلة ولا امرأته، فلما أصبح قال: ما بت الليلة أنا ولا أم أيوب، قال: "لِمَ يا أبا أيوب؟" قلت: كنت أحق بالعلو منَّا، تنزل عليك الملائكة والوحى، والذى بعثك بالحق لا أعلو سقيفة أنت تحتها أبدا ". تفسير : وهذا البيت الذى لأبى أيوب بناه تبَّع الأول للنبى صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وترك فيها أربعمائة عالم، وكتب كتابا للنبى صلى الله عليه وسلم، ودفعه إلى كبيرهم، وسأله أن يدفعه للنبى صلى الله عليه وسلم، فتداول الدار الملاَّك إلى أن صارت لأبى أيوب، قيل: وهو من ولد ذلك العالم قبل، وأهل المدينة الذين نصروه صلى الله عليه وسلم من ولد أولئك العلماء، وعلى هذا فقد نزل فى منزل نفسه، وسيأتى إن شاء الله بعض كلام فى أمر تبع. وبنى صلى الله عليه وسلم مساكنه ومسجده، وعمل فيه بنفسه مع المهاجرين والأنصار، "حديث : ودخل عمار بن ياسر وقد أثقلوه باللبن، فقال: يا رسول الله قتلونى يحملون علىَّ ما لا يحملون، قالت أم سلمة رضى الله عنها: فنفض وفرته بيده، وهو يقول: "ويح ابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك، إنما تقتلك الفئة الباغية"" تفسير : وقتله أصحاب علىّ وهو مع من أنكر الحكومة. وقد اشتهر أن ذوات الخدور طلعن على السطوح والولدان والإيماء تلقوه وكلٌّ يقول: شعر : طلعَ البدرُ عَلينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع تفسير : عند قدومه المدينة صلى الله عليه وسلم، وتقدم أن هذا عند مرجعه من تبوك، وأن ثنية الوداع من جهة الشام، قيل: ويحتمل أن تكون الثنية التى من كل جهة يصل إليها المشيعون يسمى ثنية الوداع، وسميت ثنية الوداع لأن المسافر يشيع إليها ويودع عندها قديما، كما يدل عليه البيت السابق، وقيل: لأنهم يشيعون الحاج والغازى إليها، ويودعونه عندها، وقيل: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيع إليها بعض سراياه فودعها عندها، وقيل: ودع بها بعض المقيمين بالمدينة فى بعض أسفاره، "حديث : ولما نزلت الناقة فى باب أبى أيوب خرج من جوار بنى النجار بالدفوف ويقلن: * نحن جوار من بنى النجار * يا حبذا محمداً من جار * فقال صلى الله عليه وسلم: "أتحببننى" قلن: نعم يا رسول الله، فقال: "الله يعلم أن قلبى يحبكم"" تفسير : وتفرق الغلمان والخدم فى الطرق ينادون: جاء محمد، جاء رسول الله، ولما قدم المدينة أرسل عليا، وقيل: زيد بن حارثة، وأبا رافع مولاه، وأرسل أبو بكر ابن أريقط فجاءوا بأهليهما. {واللهُ عَزيزٌ} فلا يغلب من أراد أن يكون غالبا {حَكيمٌ} فى أمره كله.
الالوسي
تفسير : {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} من مكة، وإسناد الإخراج إليهم إسناد إلى السبب البعيد فإن الله تعالى أذن له عليه الصلاة والسلام بالخروج حين كان منهم ما كان فخرج صلى الله عليه وسلم بنفسه {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ} حال من ضميره عليه الصلاة والسلام. أي أحد اثنين من غير اعتبار كونه صلى الله عليه وسلم ثانياً، فإن معنى قولهم ثالث ثلاثة ورابع أربعة ونحو ذلك أحد هذه الأعداد مطلقاً لا الثالث والرابع خاصة، ولذا منع الجمهور أن ينصب ما بعد بأن يقال ثالث ثلاثة ورابع أربعة، فلا حاجة إلى تكلف توجيه كونه عليه الصلاة والسلام ثانيهما كما فعله بعضهم. وقرىء {ثاني} بسكون الياء على لغة من يجري الناقص مجرى المقصور في الإعراب، وليس بضرورة خلافاً لمن زعمه وقال: إنه من أحسن الضرورة في الشعر. واستشكلت الشرطية بأن الجواب فيها ماض ويتشرط فيه أن يكون مستقبلاً حتى إذا كان ماضياً قلب مستقبلاً وهنا لم ينقلب، وأجيب بأن الجواب محذوف أقيم سببه مقامه وهو مستقبل أي إن لم تنصروه فسينصره الله تعالى الذي قد نصره في وقت ضرورة أشد من هذه المرة وإلى هذا يشير كلام مجاهد، وجوز أن يكون المراد إن لم تنصروه فقد أوجب له النصرة حين نصره في مثل ذلك الوقت فلن يخذله في غيره، وفرق بين الوجهين بعد اشتراكهما في أن جواب الشرط محذوف بأن الدال عليه على الوجه الأول النصرة المقيدة بزمان الضعف والقلة في السالف وعلى الوجه الثاني معرفتهم بأنه صلى الله عليه وسلم من المنصورين، وقال القطب: الوجهان متقاربان إلا أن الأول مبني على القياس والثاني على الاستصحاب فإن النصرة ثابتة في تلك الحالة فتكون ثابتة في الاستقبال إذ الأصل بقاء ما كان على ما كان، وقيل: إنه على الوجه الأول يقدر الجواب وعلى الثاني هو نصر مستمر فيصح ترتيبه على المستقبل لشموله له. {إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ} بدل من {إِذْ أَخْرَجَهُ} بدل البعض إذ المراد به زمان متسع فلا يتوهم التغاير المانع من البدلية، وقيل: إنه ظرف {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ} والمراد بالغار ثقب في أعلى ثور وهو جبل في الجهة اليمنى لمكة على مسير ساعة، مكثا فيه كما روي عن ابن عباس رضي الله / تعالى عنهما ثلاثة أيام يختلف إليهما بالطعام عامر بن فهيرة؛ وعلي كرم الله تعالى وجهه يجهزهما فاشترى ثلاثة أباعر من إبل البحرين واستأجر لهما دليلاً، فلما كانا في بعض الليل من الليلة الثالثة أتاهم علي كرم الله تعالى وجهه بالإبل والدليل فركبوا وتوجهوا نحو المدينة، ولاختفائه عليه الصلاة والسلام في الغار ثلاثة اختفى الإمام أحمد فيما يروى زمن فتنة القرآن كذلك لكن لا في الغار، واختفى هذا العبد الحقير زمن فتح بغداد بعد المحاصرة سنة سبع وأربعين بعد الألف والمائتين خوفاً من العامة وبعض الخاصة لأمور نسبت إليّ وافتراها بعض المنافقين عليّ في سرداب عند بعض الأحبة ثلاثة أيام أيضاً لذلك ثم أخرجني منه بالعز أمين وأيدني الله تعالى بعد ذلك بالغر الميامين. {إِذْ يَقُولُ} بدل ثان، وقيل: أول {لَصَـٰحِبِهِ} وهو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. وقد أخرج الدارقطني وابن شاهين وابن مردويه وغيرهم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبـي بكر رضي الله تعالى عنه: «حديث : أنت صاحبـي في الغار، وأنت معي على الحوض» تفسير : وأخرج ابن عساكر من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأبـي هريرة مثله، وأخرج هو وابن عدي من طريق الزهري عن أنس «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان: هل قلت في أبـي بكر رضي الله تعالى عنه شيئاً؟ قال: نعم. قال: قل وأنا أسمع. فقال حسان رضي الله تعالى عنه: شعر : وثاني اثنين في الغار المنيف وقد طاف العدو به إذ صاعد الجبلا وكان حب رسول الله قد علموا من البرية لم يعدل به رجلا حديث : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: صدقت يا حسان هو كما قلت»تفسير : ، ولم يخالف في ذلك أحد حتى الشيعة فيما أعلم لكنهم يقولون ما ستعلمه ورده إن شاء الله تعالى {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} بالعصمة والمعونة فهي معية مخصوصة وإلا فهو تعالى مع كل واحد من خلقه. روى الشيخان وغيرهما عن أنس قال: حدثني أبو بكر قال: «حديث : كنت مع النبـي صلى الله عليه وسلم في الغار فرأيت آثار المشركين فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا تحت قدمه. فقال عليه الصلاة والسلام: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله تعالى ثالثهما»تفسير : . وروى البيهقي وغيره. «أنه لما دخلا الغار أمر الله تعالى العنكبوت فنسجت على فم الغار وبعث حمامتين وحشيتين فباضتا فيه وأقبل فتيان قريش من كل بطن رجلاً بعصيهم وسيوفهم حتى إذا كانوا قدر أربعين ذراعاً تعجل بعضهم فنظر في الغار ليرى أحداً فرأى حمامتين فرجع إلى أصحابه فقال: ليس في الغار أحد ولو كان قد دخله أحد ما بقيت هاتان الحمامتان». وجاء في رواية قال بعضهم: إن عليه لعنكبوتاً قبل ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم فانصرفوا، وأول من دخل الغار أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فقد أخرج ابن مردويه عن جندب بن سفيان قال: لما انطلق أبو بكر رضي الله تعالى عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار قال أبو بكر: لا تدخل يا رسول الله حتى استبرئه فدخل الغار فأصاب يده شيء فجعل يمسح الدم عن أصبعه وهو يقول:شعر : ما أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت تفسير : / روى البيهقي في «الدلائل». وابن عساكر «حديث : أنه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجراً تبعه أبو بكر فجعل يمشي مرة أمامه ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن يساره. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا أبا بكر؟ فقال: يا رسول الله أذكر الرصد فأكون أمامك واذكر الطلب فأكون خلفك ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك لا آمن عليك فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلته على أطراف أصابعه حتى حفيت رجلاه فلما رأى ذلك أبو بكر حمله على كاهله وجعل يشتد به حتى أتى فم الغار فأنزله ثم قال: والذي بعثك بالحق لا تدخل حتى أدخله فإن كان فيه شيء نزل بـي قبلك فدخل فلم ير شيئاً فحمله فأدخله وكان في الغار خرق فيه حيات وأفاعي فخشي أبو بكر أن يخرج منهن شيء يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقمه قدمه فجعلن يضربنه ويلسعنه وجعلت دموعه تتحدر وهو لا يرفع قدمه حباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم». وفي رواية «أنه سد كل خرق في الغار بثوبه قطعه لذلك قطعاً وبقي خرق سده بعقبه»تفسير : رضي الله تعالى عنه. {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ} وهي الطمأنينة التي تسكن عندها القلوب {عَلَيْهِ} أي على النبـي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في «الدلائل» وابن عساكر في «تاريخه» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الضمير للصاحب. وأخرج الخطيب في «تاريخه» عن حبيب بن أبـي ثابت نحوه، وقيل: وهو الأظهر لأن النبـي عليه الصلاة والسلام لم ينزعج حتى يسكن ولا ينافيه تعين ضمير {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} له عليه الصلاة والسلام لعطفه على {نَصَرَهُ ٱللَّهُ} لا على (أنزل) حتى تتفكك الضمائر على أنه إذا كان العطف عليه كما قيل به يجوز أن يكون الضمير للصاحب أيضاً كما يدل عليه ما أخرجه ابن مردويه من حديث أنس أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال لأبـي بكر رضي الله تعالى عنه: «حديث : يا أبا بكر إن الله تعالى أنزل سكينته عليك وأيدك» تفسير : الخ وأن أبيت فأي ضرر في التفكيك إذا كان الأمر ظاهراً. واستظهر بعضهم الأول وادعى أنه المناسب للمقام، وإنزال السكينة لا يلزم أن يكون لدفع الانزعاج بل قد يكون لرفعته ونصره صلى الله عليه وسلم، والفاء للتعقيب الذكري وفيه بعد، وفسرها بعضهم على ذلك الاحتمال بما لا يحوم حوله شائبة خوف أصلاً، والمراد بالجنود الملائكة النازلون يوم بدر والأحزاب وحنين، وقيل: هم ملائكة أنزلهم الله تبارك وتعالى ليحرسوه في الغار. ويؤيده ما أخرجه أبو نعيم عن أسماء بنت أبـي بكر رضي الله تعالى عنه «حديث : أن أبا بكر رأى رجلاً يواجه الغار فقال: يا رسول الله إنه لرآنا قال: كلا إن الملائكة تستره الآن بأجنحتها فلم ينشب الرجل أن قعد يبول مستقبلهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر لو كان يرانا ما فعل هذا»تفسير : ، والظاهر أنهما على هذا كانا في الغار بحيث يمكن رؤيتهما عادة ممن هو خارج الغار، واعترض هذا القول بأنه يأباه وصف الجنود بعدم رؤية المخاطبين لهم إلا أن يقال: المراد من هذا الوصف مجرد تعظيم أمر الجنود، ومن جعل العطف على {أَنَزلَ} التزم القول المذكور لاقتضائه لظاهر حال الفاء أن يكون ذلك الإنزال متعقباً على ما قبله وذلك مما لا يتأتى على القول الأول في الجنود. {وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ} أي كلمتهم التي اجتمعوا عليها في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة حيث نجاه ربه سبحانه على رغم أنوفهم وحفظه من كيدهم مع أنهم لم يدعوا في القوس منزعاً في إيصال الشر إليه، وجعلوا الدية لمن يقتله أو يأسره عليه الصلاة والسلام، وخرجوا في طلبه عليه الصلاة والسلام رجالاً وركباناً فرجعوا صفر الأكف سود الوجوه، وصار له بعض / من كان عليه عليه الصلاة والسلام. فقد أخرج ابن سعد وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في «الدلائل» عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: «حديث : لما خرج النبـي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر التفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم فقال: يا نبـي الله هذا فارس قد لحق بنا فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم اصرعه فصرع عن فرسه فقال: يا نبـي الله مرني بما شئت قال: فقف مكانك لا تتركن أحداً يلحق بنا فكان أول النهار جاهداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وآخر النهار مسلحة»تفسير : وكان هذا الفارس سراقة، وفي ذلك يقول لأبـي جهل:شعر : أبا حكم والله لو كنت شاهداً لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه علمت ولم تشكك بأن محمداً رسول ببرهان فمن ذا يقاومه تفسير : وصح من حديث الشيخين وغيرهما «أن القوم طلبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، وقال أبو بكر: ولم يدركنا منهم إلا سراقة على فرس له فقلت: يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا فقال: حديث : {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} حتى إذا دنا فكان بيننا وبينه قدر رمح أو رمحين أو ثلاثة قلت: يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا وبكيت قال: لم تبكي؟ قلت: أما والله ما أبكي عل نفسي ولكن أبكي عليك فدعا عليه عليه الصلاة والسلام وقال: اللهم أكفناه بما شئت فساخت فرسه إلى بطنها في أرض صلدة ووثب عنها وقال: يا محمد إن هذا عملك فادع الله تعالى أن ينجيني مما أنا فيه فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب وهذه كنانتي فخذ منها سهماً فانك ستمر بإبلي وغنمي في موضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حاجة لي فيها ودعا له فانطلق ورجع إلى أصحابه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتى قدمنا المدينةتفسير : » الحديث، ويجوز تفسير الكلمة بالشرك وهو الذي أخرجه ابن المنذر وابن أبـي حاتم والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فهي مجاز عن معتقدهم الذي من شأنهم التكلم به، وفسرها بعضهم بدعوة الكفر فهي بمعنى الكلام مطلقا، وزعم شيخ الإسلام بأن الجعل المذكور على التفسيرين آب عن حمل الجنود على الملائكة الحارسين لأنه لا يتحقق بمجرد الانجاء بل بالقتل والأسر ونحو ذلك، وأنت تعلم أنه لا إباء على التفسير الذي ذكرناه نحن على أن كون الانجاء مبدأ للجعل بتفسيريه كاف في دفع الإباء بلا امتراء. {وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا} يحتمل أن يراد بها وعده سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم المشار إليه بقوله تعالى: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ} تفسير : [الأنفال: 30] وإما كلمة التوحيد كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وإما دعوة الاسلام كما قيل، ولا يخفى ما في تغيير الأسلوب من المبالغة لأن الجملة الاسمية تدل على الدوام والثبوت مع الإيذان بأن الجعل لم يتطرق لتلك الكلمة وأنها في نفسها عالية بخلاف علو غيرها فانه غير ذاتي بل بجعل وتكلف فهو عرض زائل وأمر غير قار ولذلك وسط ضمير الفصل.وقرأ يعقوب {كَلِمَةَ ٱللَّهِ} بالنصب عطفاً على {كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ} وهو دون الرفع في البلاغة، وليس الكلام عليه كأعتق زيد غلام زيد كما لا يخفى {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} لا يغالب في أمرهه {حَكِيمٌ} لا قصور في تدبيره هذا. واستدل بالآية على فضل أبـي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وهو لعمري مما يدع الرافضي في حجر ضب أو مهامه قفر فانها خرجت مخرج العتاب للمؤمنين ما عدا أبا بكر رضي الله تعالى عنه. فقد أخرج ابن / عساكر عن سفيان بن عيينة قال: عاتب الله سبحانه المسلمين جميعاً في نبيه صلى الله عليه وسلم غير أبـي بكر وحده فانه خرج من المعاتبة ثم قرأ {إِلاَّ تَنصُرُوهُ} الآية، بل أخرج الحكيم الترمذي عن الحسن قال: عاتب الله تعالى جميع أهل الأرض غير أبـي بكر رضي الله تعالى عنه فقال: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ } الخ. وأخرج ابن عساكر عن علي كرم الله تعالى وجهه بلفظ إن الله تعالى ذم الناس كلهم ومدح أبا بكر رضي الله تعالى عنه فقال: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ} الخ، وفيها النص على صحبته رضي الله تعالى عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يثبت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام سواه، وكونه المراد من الصاحب مما وقع عليه الإجماع ككون المراد من العبد في قوله تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ } تفسير : [الإسراء: 1] رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا قالوا: إن إنكار صحبته كفر، مع ما تضمنته من تسلية النبـي عليه الصلاة والسلام له بقوله: {لاَ تَحْزَنْ} وتعليل ذلك بمعية الله سبحانه الخاصة المفادة بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} ولم يثبت مثل ذلك في غيره بل لم يثبت نبـي معية الله سبحانه له ولآخر من أصحابه وكأن في ذلك إشارة إلى أنه ليس فيهم كأبـي بكر الصديق رضي الله عنه. وفي إنزال السكينة عليه بناء على عود الضمير إليه ما يفيد السكينة في أنه هو ـ هو ـ رضي الله تعالى عنه ولعن باغضيه، وكذا في إنزالها على الرسول عليه الصلاة والسلام مع أن المنزعج صاحبه ما يرشد المنصف إلى أنهما كالشخص الواحد، وأظهر من ذلك إشارة ما ذكر إلى أن الحزن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويشهد لذلك ما مر في حديث الشيخين. وأنكر الرافضة دلالة الآية على شيء من الفضل في حق الصديق رضي الله تعالى عنه قالوا: إن الدال على الفضل إن كان {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ} فليس فيه أكثر من كون أبـي بكر متما للعدد، وإن كان {إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ} فلا يدل على أكثر من اجتماع شخصين في مكان وكثيراً ما يجتمع فيه الصالح والطالح، وإن كان {لِصَاحِبِهِ} فالصحبة تكون بين المؤمن والكافر كما في قوله تعالى: {أية : قَالَ لَهُ صَـٰحِبُهُ وَهُوَ يُحَـٰوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ } تفسير : [الكهف: 37] و قوله سبحانه: {أية : وَمَا صَـٰحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ } تفسير : [التكوير: 22] و {أية : يٰصَاحِبَىِ ٱلسّجْنِ } تفسير : [يوسف: 39] بل قد تكون بين من يعقل وغيره كقوله:شعر : إن الحمار مع الحمير مطية وإذا خلوت به فبئس الصاحب تفسير : وإن كان {لاَ تَحْزَنْ} فيقال: لا يخلو إما أن يكون الحزن طاعة أو معصية لا جائز أن يكون طاعة وإلا لما نهى عنه صلى الله عليه وسلم فتعين أن يكون معصية لمكان النهي وذلك مثبت خلاف مقصودكم على أن فيه من الدلالة على الجبن ما فيه، وإن كان {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} فيحتمل أن يكون المراد إثبات معية الله تعالى الخاصة له صلى الله عليه وسلم وحده لكن أتى ـ بنا ـ سداً لباب الإيحاش، ونظير ذلك الإتيان بأوفى قوله: {أية : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } تفسير : [سبأ: 24] وإن كان {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} فالضمير فيه للنبـي صلى الله عليه وسلم لئلا يلزم تفكيك الضمائر، وحينئذ يكون في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بالسكينة هنا مع عدم التخصيص في قوله سبحانه: {أية : فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الفتح: 26] إشارة إلى ضد ما ادعيتموه، وإن كان ما دلت عليه الآية من خروجه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت فهو عليه الصلاة والسلام لم يخرجه معه الا حذراً من كيده لو بقي مع المشركين بمكة، وفي كون المجهز لهم بشراء الإبل علياً كرم الله تعالى وجهه إشارة لذلك، وإن كان شيئاً وراء ذلك فبينوه لنتكلم عليه انتهى كلامهم. ولعمري إنه أشبه شيء بهذيان المحموم أو عربدة السكران ولولا ان الله سبحانه حكى في كتابه الجليل عن اخوانهم اليهود والنصارى ما هو مثل ذلك ورده رحمة بضعفاء المؤمنين ما كنا نفتح في رده فماً أو نجري / في ميدان تزييفه قلما لكني لذلك أقول: لا يخفى أن {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ} وكذا {إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ} إنما يدلان بمعونة المقام على فضل الصديق رضي الله تعالى عنه ولا ندعي دلالتهما مطلقاً ومعونة المقام أظهر من نار على علم ولا يكاد ينتطح كبشان في أن الرجل لا يكون ثانياً باختياره لآخر ولا معه في مكان إذا فر من عدو ما لم يكن معولاً عليه متحققاً صدقه لديه لا سيما وقد ترك الآخر لأجله أرضاً حلت فيها قوابله وحلت عنه بها تمائمه وفارق أحبابه وجفا أترابه وامتطى غارب سبسب يضل به القطا وتقصر فيه الخطا. ومما يدل على فضل تلك الاثنينية قوله صلى الله عليه وسلم مسكناً جأش أبـي بكر: «حديث : ما ظنك باثنين الله تعالى ثالثهما» تفسير : ، والصحبة اللغوية وإن لم تدل بنفسها على المدعى لكنها تدل عليه بمعونة المقام أيضاً فإضافة صاحب إلى الضمير للعهد أي صاحبه الذي كان معه في وقت يجفو فيه الخليل خليله ورفيقه الذي فارق لمرافقته أهله وقبيله، وأن {لاَ تَحْزَنْ} ليس المقصود منه حقيقة النهي عن الحزن فإنه من الأمور التي لا تدخل تحت التكليف بل المقصود منه التسلية للصديق رضي الله تعالى عنه أو نحوها، وما ذكروه من الترديد يجري مثله في قوله تعالى خطاباً لموسى وهارون عليهما السلام: {أية : لاَ تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا } تفسير : [طه: 46] وكذا في قوله سبحانه للنبـي صلى الله عليه وسلم: {أية : وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } تفسير : [يونس: 65] إلى غير ذلك، أفترى أن الله سبحانه نهى عن طاعته؟ أو أن أحداً من أولئك المعصومين عليهم الصلاة والسلام ارتكب معصية سبحانك هذا بهتان عظيم، ولا ينافي كون الحزن من الأمور التي لا تدخل تحت التكليف بالنظر إلى نفسه انه قد يكون مورداً للمدح والذم كالحزن على فوات طاعة فانه ممدوح والحزن على فوات معصية فإنه مذموم لأن ذلك باعتبار آخر كما لا يخفى، وما ذكر في حيز العلاوة من أن فيه من الدلالة على الجبن ما فيه فيه من ارتكاب الباطل ما فيه فإنا لا نسلم أن الخوف يدل على الجبن وإلا لزم جبن موسى وأخيه عليهما السلام فما ظنك بالحزن؟ وليس حزن الصديق رضي الله تعالى عنه بأعظم من الاختفاء بالغار، ولا يظن مسلم أنه كان عن جبن أو يتصف بالجبن أشجع الخلق على الإطلاق صلى الله عليه وسلم؟، ومن أنصف رأى أن تسليته عليه الصلاة والسلام لأبي بكر بقوله: {لاَ تَحْزَنْ} كما سلاه ربه سبحانه بقوله: {أية : وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ } تفسير : [يونس: 65] مشيرة إلى الصديق رضي الله تعالى عنه عنده عليه الصلاة والسلام بمنزلته عند ربه جل شأنه فهو حبيب حبيب الله تعالى بل لو قطع النظر عن وقوع مثل هذه التسلية من الله تعالى لنبيه النبيه صلى الله عليه وسلم كان نفس الخطاب بلا ـ تحزن ـ كافياً في الدلالة على أنه رضي الله تعالى عنه حبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا فكيف تكون محاورة الأحباء وهذا ظاهر إلا عند الأعداء. وما ذكر من أن المعية الخاصة كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحده والإتيان ـ بنا ـ لسد باب الإيحاش من باب المكابرة الصرفة كما يدل عليه الخبر المار آنفاً، على أنه إذا كان ذلك الحزن إشفاقاً على رسول الله عليه الصلاة والسلام لا غير فأي إيحاش في قوله لا تحزن عليَّ إن الله معي، وإن كان إشفاقاً على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى نفسه رضي الله تعالى عنه لم يقع التعليل موقعه والجملة مسوقة له ولو سلمنا الإيحاش على الأول ووقوع التعليل موقعه على الثاني يكون ذلك الحزن دليلاً واضحاً على مدح الصديق، وإن كان على نفسه فقط كما يزعمه ذو النفس الخبيثة لم يكن للتعليل معنى أصلا، وأي معنى في لا تحزن على نفسك إن الله معي لا معك. على أنه يقال للرافضي هل فهم الصديق رضي الله تعالى عنه من الآية ما فهمت من التخصيص وأن التعبير / {بِنَا} كان سداً لباب الإيحاش أم لا؟ فإن كان الأول يحصل الإيحاش ولا بد فنكون قد وقعنا فيما فررنا عنه، وإن كان الثاني فقد زعمت لنفسك رتبة لم تكن بالغها ولو زهقت روحك، ولو زعمت المساواة في فهم عبارات القرآن الجليل وإشاراته لمصاقع أولئك العرب المشاهدين للوحي ما سلم لك أو تموت فكيف يسلم لك الامتياز على الصديق وهو ـ هو ـ وقد فهم من إشارته صلى الله عليه وسلم في حديث التخيير ما خفي على سائر الصحابة حتى علي كرم الله تعالى وجهه فاستغربوا بكاءه رضي الله تعالى يومئذ، وما ذكر من التنظير في الآية مشير إلى التقية التي اتخذها الرافضة دينا وحرفوا لها الكلم عن مواضعها، وقد أسلفنا لك الكلام في ذلك على أتم وجه فتذكره، وما ذكر في أمر السكينة فجوابه يعلم مما ذكرناه، وكون التخصيص مشيراً إلى إخراج الصديق رضي الله تعالى عنه عن زمرة المؤمنين كما رمز إليه الكلب عدو الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ـ لو كان ـ ما خفي على أولئك المشاهدين للوحي الذين من جملتهم الأمير كرم الله تعالى وجهه فكيف مكنوه من الخلافة التي هي أخت النبوة عند الشيعة وهم الذين لا تأخذهم في الله تعالى لومة لائم؟ وكون الصحابة قد اجتمعوا في ذلك على ضلالة، والأمير كان مستضعفاً فيما بينهم أو مأموراً بالسكوت وغمد السيف إذ ذاك كما زعمه المخالف قد طوي بساط رده وعاد شذر مذر فلا حاجة إلى إتعاب القلم في تسويد وجه زاعمه، وما ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخرجه الا حذراً من كيده فيه أن الآية ليس فيها شائبة دلالة على إخراجه له أصلاً فضلاً عن كون ذلك حذراً من الكيد، على أن الحذر ـ لو كان ـ في معيته له عليه الصلاة والسلام وأيُّ فرصة تكون مثل الفرصة التي حصلت حين جاء الطلب لباب الغار؟ فلو كان عند أبـي بكر رضي الله تعالى عنه وحاشاه أدنى ما يقال لقال: هلموا فهٰهنا الغرض، ولا يقال: إنه خاف على نفسه أيضاً لأنه يمكن أن يخلصها منهم بأمور ولا أقل من أن يقول لهم: خرجت لهذه المكيدة، وأيضاً لو كان الصديق كما يزعم الزنديق فأي شيء منعه من أن يقول لابنه عبد الرحمن أو ابنته أسماء أو مولاه عامر بن فهيرة فقد كانوا يترددون إليه في الغار كما أخرج ابن مردويه عن عائشة فيخبر أحدهم الكفار بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أنه على هذا الزعم يجيء حديث التمكين وهو أقوى شاهد على أنه هو ـ هو ـ وأيضاً إذا انفتح باب هذا الهذيان أمكن للناصبـي أن يقول والعياذ بالله تعالى في علي كرم الله تعالى وجهه: إن النبـي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالبيتوتة على فراشه الشريف ليلة هاجر إلا ليقتله المشركون ظناً منهم أنه النبـي صلى الله عليه وسلم فيستريح منه، وليس هذا القول بأعجب ولا أبطل من قول الشيعي: إن إخراج الصديق إنما كان حذراً من شره فليتق الله سبحانه من فتح هذا الباب المستهجن عند ذوي الألباب، وزعم أن تجهيز الأمر كرم الله تعالى وجهه لهم بشراء الأباعر إشارة إلى ذلك لا يشير بوجه من الوجوه، على أن ذلك وإن ذكرناه فيما قبل إنما جاء في بعض الروايات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والمعول عليه عند المحدثين غير ذلكد ولا بأس بايراده تكميلاً للفائدة وتنويراً لفضل الصديق رضي الله تعالى عنه فنقول: أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري وابن المنذر وابن أبـي حاتم من طريق الزهري عن عروة حديث : عن عائشة قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية ولما ابتلى المسلمون خرج أبو بكر مهاجراً قبل أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال ابن الدغنة: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربـي. قال ابن الدغنة: مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج إنك تكسب المعدوم / وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق فانا لك جار فارجع فاعبد ربك ببلدك فارتحل ابن الدغنة فرجع مع أبـي بكر فطاف ابن الدغنة في كفار قريش فقال: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وأمنوا أبا بكر وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره وليصل فيه ما شاء وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا ولا يستعلن بالصلاة والقراءة في غير داره ففعل ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجداً بفناء داره فكان يصلي فيه ويقرأ فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه وكان رجلاً بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن فأفزع ذلك أشراف قريش فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا: إنما أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجداً بفناء داره وأعلن بالصلاة والقراءة وإنا خشينا أن يفتتن نساؤنا وأبناؤنا فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل وإِن أبـى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد إليك ذمتك فأنا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبـي بكر الاستعلان فأتى ابن الدغنة أبا بكر فقال: يا أبا بكر قد علمت الذي عقدت لك عليه فاما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترد إليَّ ذمتي فاني لا أحب أن تسمع العرب إني أخفرت في عقد رجل عقدت له فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة يومئذ قال للمسلمين: قد أريت دار هجرتكم أريت سبخة ذات نخل بين لابتين وهما حرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة إلى أرض الحبشة من المسلمين وتجهز أبو بكر مهاجراً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي. فقال أبو بكر: وترجو ذلك بأبـي أنت قال: نعم. فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحبته وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السَّمُر أربعة أشهر فبينما نحن جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة قال قائل لأبـي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر: فداه أبـي وأمي إن جاء به في هذه الساعة إلا أمر فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن [فأذن له فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر أخرج] من عندك؟ فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبـي أنت يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإنه قد أذن لي بالخروج. فقال أبو بكر: فالصحابة بأبـي أنت يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. فقال أبو بكر: فخذ بأبـي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: بالثمن قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز فصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبـي بكر من نطاقها فأوكت به الجراب فلذلك كانت تسمى ذات النطاق. ولحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل يقال له ثور فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبـي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيخرج من عندهما سحراً فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمراً يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حتى يختلظ الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى لأبـي بكر منيحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب بغلس ساعة من الليل فيبيتان في رسلها حتى ينعق بها عامر بغلس يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الدئل من بني عبد بن عدي هادياً خريتا قد غمس يمين حلف في آل العاص بن وائل وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما / وواعداه غار ثور بعد ثلاث فأتاهما براحلتيهما صبيحة ثلاث ليال فأخذ بهم طريق أذاخر وهو طريق الساحل»تفسير : الحديث بطوله، وفيه من الدلالة على فضل الصديق رضي الله تعالى عنه ما فيه، وهو نص في أن تجهيزهما كان في بيت أبـي بكر وأن الراحلتين كانتا له، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبل إحداهما إلا بالثمن يرد على الرافضي زعم نهمة الصديقة وحاشاها في الحديث. هذا ومن أحاط خبراً بأطراف ما ذكرناه من الكلام في هذا المقام علم أن قوله: «وإن كان شيئاً وراء ذلك فبينوه لنا حتى نتكلم عليه» ناشىء عن محض الجهل أو العناد ومن يضلل الله فما له من هاد وبالجملة إن الشيعة قد اجتمعت كلمتهم على الكفر بدلالة الآية على فضل الصديق رضي الله تعالى عنه ويأبى الله تعالى إلا أن يكون كلمة الذين كفروا السفلى وكلمته هي العليا.
ابن عاشور
تفسير : {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا}. استئناف بياني لقوله: {أية : ولا تضروه شيئاً والله على كل شيء قدير}تفسير : [التوبة: 39] لأنّ نفي أن يكون قعودهم عن النفير مُضرّاً بالله ورسولِه، يثير في نفس السامع سؤالاً عن حصول النصر بدون نصير، فبيّن بأنّ الله ينصره كما نصره حين كان ثاني اثنين لا جيش معه، فالذي نصره حين كان ثاني اثنين قدير على نصره وهو في جيش عظيم، فتبيّن أنّ تقدير قعودهم عن النفير لا يضرّ الله شيئاً. والضمير المنصوب بــــ {تنصروه} عائِد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يتقدّم له ذكر، لأنّه واضح من المقام. وجملة {فقد نصره الله} جواب للشرط، جعلت جواباً له لأنّها دليل على معنى الجواب المقدَّر لِكونها في معنى العلّة للجواب المحذوف: فإنّ مضمون {فقد نصره الله} قد حصل في الماضي فلا يكون جواباً للشرط الموضوع للمستقبل، فالتقدير: إن لا تنصروه فهو غني عن نصرتكم بنصر الله إيّاه إذ قد نصره في حين لم يكن معه إلا واحد لا يكون به نصر فكما نصره يومئذٍ ينصره حين لا تنصرونه. وسيجيء في الكلام بيان هذا النصر بقوله: {فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها} الآية. ويتعلّق {إذ أخرجه} بــــ {نَصَره} أي زمنَ إخراج الكفارِ إيّاه، أي من مكة، والمراد خروجه مهاجراً. وأسند الإخراج إلى الذين كفروا لأنّهم تسببوا فيه بأن دبّروا لخروجه غير مرّة كما قال تعالى: {أية : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يُخرجوك}تفسير : [الأنفال: 30]، وبأن آذوه وضايقوه في الدعوة إلى الدين، وضايقوا المسلمين بالأذى والمقاطعة، فتوفّرت أسباب خروجه ولكنّهم كانوا مع ذلك يتردّدون في تمكينه من الخروج خشية أن يظهر أمر الإسلام بين ظهراني قوم آخرين، فلذلك كانوا في آخر الأمر مصمّمين على منعه من الخروج، وأقاموا عليه من يرقبه وحاولوا الإرسال وراءه ليردّوه إليهم، وجعلوا لمن يظفر به جزاءً جَزلاً، كما جاء في حديث سُراقة بن جُعْشُم. كتب في المصاحف {إلاَّ} من قوله: {إلا تنصروه} بهمزة بعدها لام ألف، على كيفية النطق بها مدغمةً، والقياس أن تكتب (إنْ لا) ــــ بهمزة فنون فلام ألف ــــ لأنّهما حرفان: (إنْ) الشرطية و(لا) النافية، ولكنَّ رسم المصحف سنّة متبعة، ولم تكن للرسم في القرن الأول قواعد متّفق عليها، ومثل ذلك كتب {أية : إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض} تفسير : في سورة الأنفال (73). وهم كتبوا قوله: {أية : بل ران }تفسير : في سورة المطففين (14) بلام بعد الباء وراء بعدها، ولم يكتبوها بباء وراء مشدّدة بعدها. وقد أثار رسم {إلا تنصروه} بهذه الصورة في المصحف خشية تَوَهُّم مُتوهّم أنّ {إلاّ} هي حرف الاستثناء فقال ابن هشام في «مغني اللبيب»: «تنبيه ليس من أقسام (إلاّ)، (إلاّ) التي في نحو {إلا تنصروه فقد نصره الله} وإنّما هذه كلمتان (إن) الشرطية و(لا) النافية، ومن العجب أن ابن مالك على إمامته ذكرها في «شرح التسهيل» من أقسام إلاّ، ولم يتبعه الدماميني في شروحه الثلاثة على «المغني» ولا الشمني. وقال الشيخ محمد الرصاع في كتاب «الجامع الغريب لترتيب آي مغني اللبيب» «وقد رأيت لبعض أهل العصر المشارقة ممن اعتنى بشرح هذا الكتاب ــــ أي «التسهيل» ــــ أخذ يعتذر عن ابن مالك والانصاف أنّ فيه بعض الإشكال». وقال الشيخ محمد الأمير في تعليقه على «المغني» «ليس ما في «شرح التسهيل» نصّاً في ذلك وهو يُوهمه فإنّه عَرَّف المستثنى بالمخرَج بــــ (إلاّ) وقال «واحترزتُ عن (إلا) بمعنى إنْ لم ومثَّل بالآية، أي فلا إخراج فيها». وقلت عبارة متن «التسهيل» «المستثنى هو المخرج تحقيقاً أو تقديراً من مذكور أو متروك بإلا أو ما بمعناها»، ولم يعرّج شارحه المُرادي ولا شارحه الدماميني على كلامه الذي احترز به في شرحه ولم نقف على شرح ابن مالك على «تسهيله»، وعندي أنّ الذي دعا ابن مالك إلى هذا الاحتراز هو ما وقع للأزهري من قوله: «إلاّ تكون استثناءً وتكون حرف جزاء أصلها «إنْ لا» نقله صاحب «لسان العرب». وصدوره من مثله يستدعي التنبيه عليه. و{ثانيَ اثنين} حال من ضمير النصب في {أخرجه}، والثاني كلّ من به كان العدد اثنين فالثاني اسم فاعل أضيف إلى الاثنين على معنى {مِن}، أي ثانياً مِن اثنين، والاثنان هما النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر: بتواتر الخبر، وإجماع المسلمين كلّهم. ولكون الثاني معلوماً للسامعين كلّهم لم يحتج إلى ذكره، وأيضاً لأنّ المقصود تعظيم هذا النصر مع قلّة العدد. و{إذْ} التي في قوله: {إذ هما في الغار} بدل من {إذ} التي في قوله: {إذ أخرجه} فهو زمن واحد وقع فيه الإخراج، باعتبار الخروج، والكونُ في الغار. والتعريف في الغار للعهد، لغار يعلمه المخاطبون، وهو الذي اختفى فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر حين خروجهما مهاجِريْن إلى المدينة، وهو غارٌ في جبل ثَوْر خارج مكة إلى جنوبيها، بينه وبين مكة نحو خمسة أميال، في طريق جبليّ. والغار الثقب في التراب أو الصخر. و{إذْ} المضافة إلى جملة {يقول} بدل من {إذ} المضافة إلى جملة {هما في الغار} بدل اشتمال. والصاحب هو {ثاني اثنين} وهو أبو بكر الصديق. ومعنى الصاحب: المتّصف بالصحبة، وهي المعية في غالب الأحوال، ومنه سمّيت الزوجة صاحبة، كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : ولم تكن له صاحبة } تفسير : في سورة الأنعام (101). وهذا القول صدر من النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر حين كانا مختفيين في غار ثور، فكان أبو بكر حزيناً إشفاقاً على النبي أن يشعر به المشركون، فيصيبوه بمضرّة، أو يرجعوه إلى مكة. والمعية هنا: معية الإعانة والعناية، كما حكى الله تعالى عن موسى وهارون: {أية : قال لا تخافا إنني معكما}تفسير : [طه: 46] ــــ وقوله ــــ {أية : إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم}تفسير : [الأنفال: 12]. {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. التفريع مؤذن بأنّ السكينة أنزلت عقب الحُلول في الغار، وأنّها من النصر، إذ هي نصر نفساني، وإنّما كان التأييد بجنود لم يروها نصراً جثمانياً. وليس يلزم أن يكون نزول السكينة عقب قوله: {لا تحزن إن الله معنا} بل إنّ قوله ذلك هو من آثار سكينة الله التي أنزلت عليه، وتلك السكينة هي مظهر من مظاهر نصر الله إيّاه، فيكون تقدير الكلام: فقد نصره الله فأنزل السكينة عليه وأيّده بجنود حين أخرجه الذين كفروا، وحِين كان في الغار، وحين قال لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا. فتلك الظروف الثلاثة متعلّقة بفعل {نصره} على الترتيب المتقدّم، وهي كالاعتراض بين المفرّع عنه والتفريع، وجاء نظم الكلام على هذا السبك البديع للمبادأة بالدلالة على أنّ النصر حصل في أزمان وأحوال ما كان النصر ليحصل في أمثالها لغيره لولا عناية الله به، وأنّ نصره كان معجزةً خارقاً للعادة. وبهذا البيان تندفع الحيرة التي حصلت للمفسّرين في معنى الآية، حتّى أغرب كثير منهم فأرجع الضمير المجرور من قوله: {فأنزل الله سكينته عليه} إلى أبي بكر، مع الجزم بأنّ الضمير المنصوب في {أيّده} راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنشأ تشتيت الضمائر، وانفكاك الأسلوب بذكر حالة أبي بكر، مع أنّ المقام لذكر ثباتِ النبي صلى الله عليه وسلم وتأييد الله إيّاه، وما جاء ذكر أبي بكر إلاّ تبعاً لذكر ثبات النبي عليه الصلاة والسلام، وتلك الحيرة نشأت عن جعل {فأنزل الله} مفرّعاً على {إذ يقول لصاحبه لا تحزن} وألجأهم إلى تأويل قوله: {وأيده بجنود لم تروها} إنّها جنود الملائكة يوم بدر، وكلّ ذلك وقوف مع ظاهر ترتيب الجمل، مع الغفلة عن أسلوب النظم المقتضي تقديماً وتأخيراً. والسكينة: اطمئنان النفس عند الأحوال المخوفة، مشتقّة من السكون، وقد تقدّم ذكرها عند قوله تعالى: {أية : فيه سكينة من ربكم} تفسير : في سورة البقرة (248). والتأييد: التقوية والنصر، وهو مشتقّ من اسم اليَدِ، وقد تقدّم عند قوله تعالى {أية : وأيدناه بروح القدس} تفسير : في سورة البقرة (87). والجنود: جمع جند بمعنى الجيش، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : فلما فصل طالوت بالجنود} تفسير : في سورة البقرة (249)، وتقدّم آنفاً في هذه السورة. ثم جوز أن تكون جملة {وأيده بجنود} معطوفة على جملة {فأنزل الله سكينته عليه} عطف تفسير فيكون المراد بالجنود الملائكة الذين ألقوا الحيرة في نفوس المشركين فصرفوهم عن استقصاء البحث عن النبي صلى الله عليه وسلم وإكثار الطلب وراءهُ والترصّدِ له في الطرق المؤدّية والسبل الموصلة، لا سيما ومن الظاهر أنّه قصد يثرب مهاجَرَ أصحابه، ومدينة أنصاره، فكان سهلاً عليهم أن يرصدوا له طرق الوصول إلى المدينة. ويحتمل أن تكون معطوفة على جملة {أخرجه} والتقدير: وإذ أيده بجنود لم تروها أي بالملائكة، ويوم بدر، ويوم الأحزاب، ويوم حنين، كما مر في قوله: {أية : ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها}تفسير : [التوبة: 26]. (والكلمة) أصلها اللفظة من الكلام، ثم أطلقت على الأمر والشأن ونحوِ ذلك من كلّ ما يتحدّث به الناس ويخبر المرءُ به عن نفسه من شأنه، قال تعالى: {أية : وجعلها كلمة باقية في عقبه}تفسير : [الزخرف: 28] (أي أبقى التبرىء من الأصنام والتوحيد لله شأنَ عقبه وشعارهم) وقال {أية : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات}تفسير : [البقرة: 124] أي بأشياء من التكاليف كذبح ولده، واختتانه، وقال لمريم {أية : إن الله يبشرك بكلمة منه}تفسير : [آل عمران: 45] أي بأمر عجيب، أو بولد عجيب، وقال {أية : وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً}تفسير : [الأنعام: 115] أي أحكامه ووعوده ومنه قولهم: لا تُفرقْ بين كلمة المسلمين، أي بين أمرهم واتّفاقهم، وجَمع الله كلمة المسلمين، فكلمةُ الذين كفروا شأنهم وكيدهم وما دبروه من أنواع المكر. ومعنى السفلى الحقيرة لأنّ السُفل يكنّى به عن الحقارة، وعكسه قوله: {وكلمة الله هي العليا} فهي الدين وشأن رسوله والمؤمنين، وأشعر قوله: {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى} أنّ أمر المشركين كان بمظنّة القوة والشدّة لأنّهم أصحاب عدد كثير وفيهم أهل الرأي والذكاء، ولكنّهم لمّا شاقوا الله ورسوله خذلهم الله وقلب حالهم من علوّ إلى سفل. وجملة {وكلمة الله هي العليا} مستأنفة بمنزلة التذييل للكلام لأنّه لمّا أخبر عن كلمة الذين كفروا بأنّها صارت سفلى أفاد أنّ العَلاء انحصر في دين الله وشأنه. فضمير الفصل مفيد للقصر، ولذلك لم تعطف كلمة الله على كلمة الذين كفروا، إذ ليس المقصود إفادةَ جعل كلمة اللَّهِ عُليا، لما يُشعر به الجعل من إحداث الحالة، بل إفادةَ أنّ العَلاء ثابت لها ومقصور عليها، فكانت الجملة كالتذييل لجعل كلمة الذين كفروا سفلى. ومعنى جعلها كذلك: أنّه لمّا تصادمت الكلمتان وتناقضتا بطلت كلمة الذين كفروا واستقرّ ثبوت كلمة الله. وقرأ يعقوب، وحده {وكلمةَ الله} بنصب (كلمة) عطفاً على {كلمة الذين كفروا السفلى} فتكون كلمة الله عُليا بجعل الله وتقديره. وجملة {والله عزيز حكيم} تذييل لمضمون الجملتين: لأنّ العزيز لا يغلبه شيء، والحكيم لا يفوته مقصد، فلا جرم تكون كلمته العليا وكلمة ضدّه السفلى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 40- يا أيها المؤمنون، إن لم تنصروا رسول الله فإن الله كفيل بنصره، كما أيَّدَه ونصره حينما اضطره الذين كفروا إلى الخروج من مكة. وليس معه إلا رفيقه أبو بكر، وكان ثانى اثنين، وبينما هما فى الغار مختفين من المشركين الذين يتعقبونهما خشى أبو بكر على حياة الرسول، فقال له الرسول مطمئناً: لا تحزن فإن الله معنا بالنصر والمعونة. عند ذلك أنزل الله الطمأنينة فى قلب صاحبه، وأيَّد الرسول بجنود من عنده، لا يعلمها إلا هو سبحانه. وانتهى الأمر بأن جعل شوكة الكافرين مفلولة ودين الله هو الغالب، والله متصف بالعزة فلا يقهر، وبالحكمة فلا يختل تدبيره. 41- أيها المؤمنون، إذا دعا داعى الجهاد فلبوا النداء أفراداً وجماعات - كل على قدر حاله - ناشطين بالقوة والسلامة والسلاح، وجاهدوا بالمال والنفس فى سبيل إعلاء كلمة الله. ففى ذلك العز والخير لكم.. إن كنتم من أهل العلم الصحيح والمعرفة الحقة. 42- ندد القرآن بالمنافقين فى تخلفهم عن متابعة الرسول فى الجهاد، فقال: لو كان ما دعى إليه هؤلاء المنافقون عرضاً من أعراض الدنيا قريب المنال، أو لو كان كذلك سفراً سهلا، لاتبعوك - أيها الرسول - ولكن شق عليهم السفر وسيحلفون أنهم لو استطاعوا لخرجوا معك، وبهذا النفاق والكذب يهلكون أنفسهم، والله لا يخفى عليه حالهم، فهو يعلم كذبهم وسيجزيهم على ذلك.
د. أسعد حومد
تفسير : {لِصَاحِبِهِ} (40) - يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ إِذَا لَمْ تَنْصُرُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّ اللهَ نَاصِرُهُ وَمُؤَيِّدُهُ وَكَافِيهِ، كَمَا تَوَلَّى نَصْرَهُ حِينَ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَكَّةَ حِينَ هَاجَرَ، فَخَرَجَ مِنْهَا هَارِباً بِصُحْبَةِ صَدِيقِهِ وَصَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ، فَلَجَأَا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ فِي آثَارِهِمَا حَتَّى وَقَفُوا بِبَابِ الْغَارِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكرٍ جَزِعاً: لَوْ نَظَرَ أَحَدُهُمْ مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ لَرَآنَا. فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم: مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا؟ فَأَنْزَلَ اللهُ طُمَأْنِينَتَهُ وَتَأْيِيدَهُ وَنَصْرَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَأَيَّدَهُ بِالمَلاَئِكَةِ تَحْفَظَهُ وَتَحْمِيهِ (بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا)، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ السُّفْلَى، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الإِْيمَانِ (لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ) هِيَ الْعُلْيَا، وَاللهُ عَزِيزٌ فِي انْتِقَامِهِ وَانْتِصَارِهِ، وَهُوَ مَنِيعُ الْجَانِبِ لاَ يُضَامُ، وَهُوَ حَكِيمٌ فِي شَرْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ. الغَارِ - غَارِ جَبَلٍ ثورٍ قُرْبَ مَكَّةَ. لِصَاحِبِهِ - لأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ووقف المستشرقون عند قول الحق سبحانه: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ} وكعادتهم - كمشككين في الإسلام - نجدهم يبذلون جهداً كبيراً في محاولة التصيد لأخطاء يتوهمونها في القرآن الكريم فيقولون: إن مهابة القرآن وقدسيته عندكم أيها المسلمون لا تُمكِّن أذهانكم من الجراءة اللازمة للبحث في أساليبه؛ لتكتشفوا ما فيه من الخلل. ولكن إن نظرتم إلى القرآن ككتاب عادي لا قداسة له سوف تجدون فيه التضارب والاختلاف. وخصص المستشرقون باباً كبيراً للبحث في مجال النحو بالقرآن الكريم، وجاءوا إلى مسألة الشرط والجزاء، ومن يقرأ نقدهم يتعرف فوراً على حقيقة واضحة هي جهلهم بعمق أسرار اللغة العربية، ولا يملكون فيها مَلَكة أو حُسْن فهم، وقالوا: إن أساليب الشرط في اللغة العربية تقتضي وجود جواب لكل شرط، فإن قلت: إن جاءك زيد فأكرمه، تجد الإكرام يأتي بعد مجيء زيد، وإن قلت: إن تذاكر تنجح، فالنجاح يأتي بعد المذاكرة. إذن: فزمن الجواب متأخر عن زمن الشرط. وهم قدموا كل تلك المقدمات ليشككونا في القرآن. ونقول لهم: إن كلامكم عن الشرط وجوابه صحيح، ولكن افهموا الزائد، فحين نحقق في الأمر نجد أن الجواب سبب في الشرط؛ لأنك حين تقول: إن تذاكر تنجح، فالطالب إن لم يستحضر امتيازات النجاح فلن يذاكر، بل لا بد أن يتصور الطالب في ذهنه امتيازات النجاح ليندفع إلى المذاكرة، إذن: فالجواب سبب دافع في الشرط، ولكن الشرط سبب في الجواب ولكنه سبب واقع، فتصُّور النجاح أولاً هو سبيل لبذل الجهد في تحقيق النجاح، وهكذا تكون الجهة منفكة؛ لأن هذا سبب دافع، وهذا سبب واقع. وقوله تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ} فعل مضارع، زمنه هو الزمن الحالي، ولكن الحق يتبع المضارع بفعل ماضٍ هو: {فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ} فهل يكون الشرط حاضراً ومستقبلاً، والجواب ماضياً؟ ونقول: إن المعنى: إلا تنصروه فسينصره الله. بدليل أنه قد نصره قبل ذلك. وهذا ليس جواب شرط، وإنما دليل الجواب، فحين يكون دليل الجواب ماضياً، فهو أدل على الوثوق من حدوث الجواب، فحين دعاهم الله لينفروا فتثاقلوا، أوضح لهم سبحانه: أتظنون أن جهادكم هو الذي سينصر محمداً وينصر دعوته؟ لا؛ لأنه سبحانه قادر على نصره، والدليل على ذلك أن الله قد نصره من قبل في مواطن كثيرة، وأهم موطن هو النصر في الهجرة، وقد نصره برجل واحد هو أبو بكر على قريش وكل كفار مكة، وكذلك نصره في بدر بجنود لم تروها، إذن: فسابقة النصر من الله لرسوله سابقة ماضية، وعلى ذلك فليست هي الجواب، بل هي دليل الجواب. ونرى في قوله تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ} أن نصر الله له ثلاثة أزمنة، فـ{إِذْ} تكررت ثلاث مرات، فسبحانه يقول: {إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا}أي: أننا أمام ثلاثة أزمنة: زمن الإخراج، وزمن الغار، والزمن الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا }، وقد جاء النصر في هذه الأزمنة الثلاثة؛ ساعة الإخراج من مكة، وساعة دخل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر إلى الغار، وساعة حديثه مع أبي بكر. ولسائل أن يسأل: هل أخرج الكفار رسول الله من مكة، أم أن الله هو الذي أخرجه؟ ونقول: إن عناد قومه وتآمرهم عليه وتعنُّتهم أمام دعوته، كل ذلك اضطره إلى الخروج، ولكن الحق أراد بهذا الخروج هدفاً آخر غير الذي أراده الكفار، فهم أرادوا قتله، وحين خرج ظنوا أن دعوته سوف تختنق بالعزل عن الناس، فأخرجه الله لتنساح الدعوة، وأوضح لهم سبحانه: أنتم تريدون إخراج محمد بتعنتكم معه، وأنا لن أمكنكم من أن تخرجوه مخذولاً، وسأخرجه أنا مدعوماً بالأنصار. وقالوا: إن الهجرة توأم البعثة. أي: أن البعثة المحمدية جاءت ومعها الهجرة، بدليل حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أخذته أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها إلى ورقة بن نوفل، بعد ما حدث له في غار حراء، قال له ورقة: ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك. قال ورقة بن نوفل ذلك لرسول الله قبل أن يتثبت من النبوة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمُخْرجيَّ هم؟ قال ورقة بن نوفل: نعم، لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عُودِي . تفسير : إذن: فالهجرة كانت مقررة مع تكليف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة، لماذا؟ لأنه صلى الله عليه وسلم كان أول من أعلن على مسامع سادة قريش رسالة الحق والتوحيد. ففكرة الهجرة مسبقة مع البعثة؛ ولأن البعثة هي الصيحة التي دوَّت في آذان سادة قريش وهم سادة الجزيرة. ولو صاحها في آذان قوم ليسوا من سادة العرب لقالوا: استضعف قوماً فصاح فيهم، ولكن صيحة البلاغ جاءت في آذان سادة الجزيرة العربية كلها، فانطلقوا في تعذيب المسلمين ليقضوا على هذه الدعوة. وشاء الله سبحانه وتعالى ألا ينصره بقريش في مكة؛ لأن قريشاً ألفَتْ السيادة على العرب، فإذا جاء رسول لهداية الناس عامة إلى الإسلام، لقال من أرسِلَ فيهم: لقد تعصبتْ له قريش لتسود الدنيا كما سادت الجزيرة العربية. فأراد الحق سبحانه أن يوضح لنا: لا. لقد كانت الصيحة الأولى في آذان سادة العرب، ولا بد أن يكون نصر الإسلام والانسياح الديني لا من هذه البلدة بل من بلد آخر؛ حتى لا يقال: إن العصبية لمحمد هي التي خلقت الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم. ولكن الإيمان برسالة محمد هو الذي خلق العصبية لمحمد صلى الله عليه وسلم. ويلاحظ في أمر الهجرة أن فعلها "هاجر". وهذا يدلنا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يهجر مكة، وإنما هاجر، والمهاجرة مفاعلة من جانبين، فكأن قومه أعنتوه فخرج، والإخراج نفسه فيه نصر؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وحده من بيته؛ الذي أحاط به شباب أقوياء من كل قبائل العرب ليضربوه ضربة رجل واحد، وينثر عليهم التراب فتغشى أبصارهم، وكان أبو بكر رضي الله عنه ينتظره في الخارج، وكأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يثبت لهم أنهم لن ينالوا من محمد؛ لا بتآمر خفي، ولا بتساند علني. وهذا نصر من الله. ويتابع الحق سبحانه: {إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ}، ويتأكد في الغار نصر آخر. ذلك أن قصاص الأثر الذي استعانت به قريش واسمه كرز بن علقمة من خزاعة قد تتبع الأثر حتى جاء عند الغار، وقال: هذه محمد وهو اشبه بالموجود في الكعبة، أي أشبه بأثر قدم إبراهيم عليه السلام، ثم قال: هذه قدم أبي بكر أو قدم ابنه وما تجتوزا هذا المكان. وكان قصاص الأثر يتعرف على شكل القدم وأثره على الأرض. وأضاف: إنهما ما تجاوزا هذا المكان، إلا أن يكونا قد صعدا إلى السماء أو دخلا في جوف الأرض. وبالرغم من هذا التأكيد فإنهم لم يدخلوا الغار، ولم يفكر أحدهم أن يقلب الحجر أو يفتش عن محمد وصاحبه، مع أن هذا أول ما كان يجب أن يتبادر إلى الذهن، فما دامت آثار الأقدام قد انتهت عند مدخل الغار كان يجب أن يفتشوا داخله. لكن أحداً لم يلتفت إلى ذلك. وجاء واحد منهم وأخذ يبول، فجاء بعورته قبالة الغار، وهذا هو السبب في قول أبي بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لأو أن أحدهم نظر تحت قدميه لرآنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بفطنة النبوة: لو رأونا ما استقبلونا بعوراتهم وهذا دليل على أن العربي كان يأنف أن تظهر عورته، أو هي كرامة لمحمد صلى الله عليه وسلم ألا يُريه عورة غيره، وليأخذها القارىء كما يأخذها، وهي على كل حال فيض إلهامي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كذلك جعل الحق سبحانه العنكبوت ينسج خيوطه على مدخل الغار، وجعل الحمام يبني عُشَّاً فيه بيض، وجعل سراقة بن مالك يقول: لا يمكن أن يكون محمد وصاحبه دخلا الغار، وإلا لكانا قد حطَّما عُشَّ الحمام، وهتكا نسيج العنكبوت. ونحن نعلم أن أوهى البيوت هو بيت العنكبوت، فالحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 41]. ويظهر الإعجاز الإلهي هنا في: أن الله سبحانه قد صد مجموعة كبيرة من المقاتلين الأقوياء بأوهى البيوت، وهو بيت العنكبوت، وقدرة الله تجلَّتْ في أن يجعل خيط العنكبوت أقوى من الفولاذ، وكذلك شاء الحق أن يبيض الحمام وهو أودع الطيور، وإنْ أهيجَ هاج. وهذا نصر، ثم هناك نصر ثالث نفسي وذاتي، حديث : فحين قال أبو بكر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد في ثقة بربه: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما ". تفسير : هذا الرد ينسجم مع سؤال أبي بكر؛ لأن أبا بكر كان يخشى أنهم لو نظروا تحت أقدامهم لرأوا مَنْ في الغار، وكان الرد الطبيعي أن يقال: "لن يرونا"، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يلفتنا لفتة إيمانية إلى اللازم الأعلى، فقال: "حديث : ما ظنك باثنين الله ثالثهما"تفسير : ، لأنه ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في معية الله، والله لا تدركه الأبصار؛ فمن في معيته لا تدركه الأبصار. وتكون كلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تعوَّد أبو بكر منه الصدق في كل ما يقول، تكون هي الحجة على صدق ما قال، فعندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه أسْرى به إلى بيت المقدس وعُرِج به إلى السماء، قال أبو بكر: إن كان قد قال فقد صدق. فحين يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر فيما يحكيه سبحانه: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا}، فلا بد أن يذهب الحزن عن أبي بكر، وقد خشي سيدنا أبو بكر حين دخل الغار ووجد ثقوباً، خشي أن يكون فيها حيات، أو ثعابين، فأخذ يمزق ثوبه ويسد به تلك الثقوب؛ حتى لم يَبْقَ من الثوب إلا ما يستر العورة، فسدَّ الثقوب الباقية بيده وكعبه. إذن: فأبو بكر يريد أن يفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه؛ لأنه إن حدث شيء لأبي بكر فهو صحابي، أما إن حدث مكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فالدعوة كلها تُهدم. إذن: فأبو بكر لم يحزن عن ضعف إيمان، ولكنه حزن خوفاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُصَابَ بمكروه. ويأتي الحق سبحانه وتعالى فيقول: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} اختلف العلماء في قوله تعالى {عَلَيْهِ}، هل المقصود بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أو أن المقصود بها أبو بكر؟ وما دامت السكينة قد نزلت؛ فلا بد أنه نزلت على قلب أصابه الحزن. ولكن العلماء يقولون: إى الضمائر في الآيات تعود على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالحق قال: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ} أي محمداً عليه الصلاة والسلام، وسبحانه يقول: {فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ} أي محمداً صلى الله عليه وسلم، ويقول أيضاً: {إِذْ أَخْرَجَه} أي محمداً صلى الله عليه وسلم، فكل الضمائر في الآية عائدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم يأتي قول الله سبحانه وتعالى: {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} إذن: فلا بد أن يعود الضمير هنا أيضاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقول: ولكن لماذا لا نلتفت إلى قول الحق سبحانه وتعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} وهذا قول رسول الله؛ ولا بد أن قوله يجعل السكينة تنزل على قلب أبي بكر. إذن: فالضمير هنا عائد على أبي بكر. ويقول الحق سبحانه وتعالى: {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} والعنكبوت والحمام مرئيان، وأول الجنود غير المرئية هو أنه لم يخطر على بال القوم ولا فكرهم أن ينظروا في الغار، مع أن آثار الأقدام انتهت إليه. لكن الله طمس على قلوبهم وصرفهم عن هذه الفكرة بالذات، ولم تخطر على بالهم. ثم جاء حدث آخر حين استطاع سراقة بن مالك وهو من الكفار أن يلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وهما في طريقهما إلى المدينة، وكلما حاول الاقتراب منهما ابتلعت الأرض قوائم فرسه في الرمال، وعلى أية حال ما دام الحق سبحانه وتعالى قال: {بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} وقال في آية أخرى: {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ}تفسير : [المدثر: 31]. إذن: فالجنود الذين سخرهم الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ليحفظوه خلال الهجرة لا يعلمهم إلا الله. وكل شيء في هذا الكون من جنود الله؛ فهو سبحانه وتعالى الذي سخر الكافر لخدمة الإيمان، ألم يكن دليل رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته من مكة إلى المدينة هو عبد الله بن أريقط، وكان ما زال على الكفر، فكأن الله سبحانه وتعالى يسخر له الكافر ليكون دليله في رحلته من مكة إلى المدينة. وهكذا عمل الكافر في خدمة الإيمان، وفي الوقت نفسه فكل ما رصدتْه قريش من جُعل لمن يدلُّها على مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُغْرِ الدليل الكافر بالخيانة، بل أدخل الله على قلب الكافر ما يجعله أميناً على رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحق سبحانه يقول: {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ}، ولقد أراد الكفار القضاء على الدعوة بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو نَفْيه بإخراجه إلى مكان بعيد، أو سجنه، وأراد الله سبحانه وتعالى أن يلفتنا إلى أن الباطل لا يمكن أن يعلو على الحق، وأن الحق دائماً هو الأعلى، ولذلك قال سبحانه وتعالى: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ} ولا يجعل الله كلمة الكفار السفلى إلا إذا كانت في وقت ما في عُلُوٍّ. وإن كان عُلوها هو علو الزَّبَدِ على الماء الذي قال عنه الحق سبحانه وتعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الرعد: 17]. ولقد ضرب الله هذا المثل فقال: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} تفسير : [الرعد: 17]. أي: أن كل وادِ أخذ ما قدره الله له من الماء. {أية : فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً} تفسير : [الرعد: 17]. وهذا نلاحظه عندما يحدث سيل، ونجده يأخذ معه القَشَّ والقاذورات التي لها كثافة قليلة؛ لتطفو على سطح الماء، ولكن أتظل عليه؟. لا، بل تُطرد إلى الجوانب بقوة التيار ويبقى الماء نظيفاً. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الرعد: 17]. إذن: فالحق سبحانه وتعالى يخبرنا أن كلمة الكفار كانت في عُلُوٍّ كالزَّبَد، ولكن: لماذا أوجد الله علواً ولو مؤقتاً للكفر؟ أراد الحق ذلك حتى إذا جاء الإسلام وانتصر على الكفر يكون قد انتصر على شيء عال فيجعله أسفل؛ ولذلك جاء الله سبحانه وتعالى بالمقابل وقال: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا}، فالنسق الأدائي في القرآن كان لا بد أن يتم على أساس؛ لذلك جاء القول: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا}؛ لأن كلمة الله دائماً وأبداً هي العليا، وليست كلمة الله عُلْيَا جَعْلاً، فهي لم تكن في أي وقت من الأوقات إلا وهي العليا. ولهذا لم يعطفها بالنصب؛ لأن كلمة الحق سبحانه وتعالى هي العليا دائماً وأبداً وأزلاً. وإن كان الكفار قد أرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أن يخرجوه إلى مكان بعيد لا يستطيع فيه أن يمارس دعوته، أو يحبسوه، فإنهم لم يظفروا بشيء من هذا؛ لأن الله عزيز لا يُغلَبُ، وعِزَّته مبنية على الحكمة. وهنا يريد الحق سبحانه وتعالى أن يلفت المؤمنين إلى أن تثاقلهم عن الجهاد في غزوة تبوك لن يضر الدعوة شيئاً؛ لأن الله قد نصر رسوله وهو وحده، ونصره بجنود لم يَرَوْهَا، فإذا كان النصر لا يحتاج إلا لكلمة الله، ولا يتم إلا بإرادة الله، فلماذا إذن التثاقل؟ ويقول سبحانه بعد ذلك: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَٰهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ}. قال: ذكر ما كان من أًول شأْنه حين أَخرجوه. يقول: فالله ناصره كما نصره وهو {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ} [الآية: 40]. أَخبرنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: لما استنفر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الناس إِلى تبوك، قالوا: فينا الثقيل وذو الحاجة والضيعة والمنتشر أَمره والشغل. فأَنزل الله عز وجل: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} [الآية: 41].
الجيلاني
تفسير : {إِلاَّ تَنصُرُوهُ} أي: إن لم تنصروا نبيه المؤيَّد من عنده {فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ} الرقيب عليه، اذكروا نصر الله إياه وقت {إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: أهل مكة من مكة حال كونه {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ} أي: ليس معه إلا رجل واحد، وهو أبو بكر رضي الله عنه فذهبا نحو الجبل فدخلا الغار، واقتفى العدو أثرهما فوصلوا الغار {إِذْ هُمَا} خبيئين {فِي ٱلْغَارِ} فتحزَّن صاحبه من إدراك العدو، اذكروا {إِذْ يَقُولُ} صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة {لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ} عن إدراكهم، ولا تيأس عن نصر الله وحفظه {إِنَّ ٱللَّهَ} الرقيب علينا حاضر {مَعَنَا} يكفينا مؤونة ضررهم. {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ} سبحانه بقوله صلى الله عليه وسلم {سَكِينَتَهُ} أي: اطمئنانه وقراره {عَلَيْهِ} أي: على صاحبه {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ} أي: ملائكة مستحفظين مستحصنين، حارسين له {لَّمْ تَرَوْهَا} عيونكم، مثل أولئك الجنود {وَجَعَلَ} سبحانه بنصره وتأييده إياه صلى الله عليه وسلم {كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: ما يدعون ويخاصمون معه لأجله وترويجه {ٱلسُّفْلَىٰ} أي: الأدنى الانزل، لا يؤبه ولا يبالي بها أصلاً {وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ} أي: كلمة توحيده التي ظهر بها حبيبه صلى الله عليه وسلم {هِيَ ٱلْعُلْيَا} إذا الحق يعلو ولا يُعلى {وَٱللَّهُ} القادر المقتدر على كل من يشاء {عَزِيزٌ} غالب في نصر أوليائه على أعدائه {حَكِيمٌ} [التوبة: 40] في جميع أفعاله وتبدبيراته.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن ترك النصر كما لم يضره كذلك لا يضره ترك الخروج بقوله تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ} [التوبة: 40] إلا تنصروه يا أرباب الصورة بأن تكونوا معه فقد نصره الله في عالم الحقيقة بأن كان معه، {إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [التوبة: 40] من مكة ولم يخرجوا معه بالنصر إلا أبو بكر رضي الله عنه، {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ} [التوبة: 40] الوحدة الأزلية والخلوة الحبيبية، إذ لا يسعه ملك مقرب ولا نبي مرسل حين لا حين، وكان الله ولم يكن معه شي فخلق ببديع فطرته أول ما خلق الله نور وجود حبيبه، فكان ثاني اثنين في غار الغيرة ومقام المعية، وله صلى الله عليه وسلم مع الله وقت لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل إلى أن شرف الله تعالى أبا بكر رضي الله عنه باختصاص هذين القائلين بتبعيته صلى الله عليه وسلم؛ أعني: مقام ثاني اثنين ومقام العندية كما قال تعالى: {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]، وأنه تعالى متكلم به من الأزل إلى الأبد فدل على أن أبا بكر رضي الله عنه كان مكرماً في الأزل بهذه الكرامة وهو ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع الأحوال، فكما أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً كان أبا بكر ثانيه فقط، فكذلك لمَّا خرج من العدم كان أ بو بكر ثانيه وفي عالم الأرواح، بل كان ثانيه في غار العدم، ولم يكن لأحد من الخلق هذا الاختصاص من معه غير أبي بكر رضي الله عنه والذي يدل قوله صلى لله عليه وسلم: "حديث : ما ظنك باثنين الله ثالثهما ". تفسير : وكان أبو بكر رضي الله عنه ثانيه في سباق الطلب والسير إلى الله تعالى في الجاهلية، والذي يؤكد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كنت أنا وأبو بكر كفرسي رهان فسبقته فتبعني، ولو سبقني لتبعته"،تفسير : وكان ثانيه في الإسلام دل عليه قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ}تفسير : [الزمر: 33] وكان ثانيه في إمامة المسلمين يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفى فيه: "حديث : مروا أبا بكر فليصل بالناس"تفسير : فلما كان أبو بكر رضي الله عنه ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإطلاق في بدء الخلقة وفي خلال حياته في مقامات وأحوال كثيرة، فقد تعين أن يكون ثانيه بعد وفاته في الخلافة كما قاله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر"تفسير : والذي يؤكد قولنا في أن أبا بكر كان ثاني رسول الله على الإطلاق، وأنه كان متعيناً للخلافة بعدما أورده الشيخ الفضل بن سهل في تصديق خلافة أبي بكر رضي الله عنه فقال: إنه خير الناس بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن خلافته حق واجب من الله تعالى. قال الله عز وجل: {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ} حصل له في كل أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ثانيه فأطلق القول أنه ثاني اثنين، ولم يعلقه بأنه ثاني اثنين في الغار فيكون ثانيه بحضوره معه في الغار فيكون مخصوصاً بثانيه في الغار فقط، فلما قال: {إِذْ هُمَا} دل على عموم الحال حتى يقول دليل بأنه مخصوص بثانيه في الغار فقال: ومن النبي صلى الله عليه وسلم واجب في عظم الدين وهو بأصحابه في مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلف. وذكر فيه بإسناده إلى عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه: "حديث : ليؤم الناس أبو بكر" فقالت عائشة لحفصة: قولي له إن أبا بكر رجل رقيق، وإنه إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس، فقالت حفصة: يا رسول الله إن أبا بكر رقيق، وإنه إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فقال: "يؤم الناس أبو بكر" وقالت: فأعدت ذلك، فقال: "مه إنكن لأنتن صواحب يوسف ليؤم الناس أبو بكر"تفسير : وقال: لما عورض رسول الله صلى الله عليه وسلم سهل الخلقة لين الجانب أجل وأغلظ لحضور الحق الذي لا يجوز غيره وهذا بيِّن لاخفاء فيه. وقال دليل آخر أن خلافته حق لا يجوز غيره ما أخبرنا ممحمد بن بكر، وذكر إسنادها إلى عبد الله بن زمعة قال: لما اسْتُعِزَّ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم وسلم وأنا عنده في نَفَر من الناس دعاه بلال إلى الصلاة، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مُرُوا أبا بكر يُصلِّي بالنس، قال: فخرجنا، فإِذا عُمرُ في الناس، وكان أبو بكر غائباً، فقلتُ: يا عمر، قم فصلِّ للناس، فتقدَّم فكبَّر، فلما سمع النبيُّ صلى الله عليه وسلم صوتَه - وكان عمر رجلاً مِجْهَراً - قال فأين أبو بكر؟ يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر، فبعث إلى أبي بكر، فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة، فصلى بالناس ". تفسير : قال لولا أنه حق لا يجوز غيره ما أعيدت تلك الصلاة ولولا أنه حق واجب ينظر بأبي بكر لكان في الناس غير عمر حضور وغيب، وبعث إلى أبي بكر وهو غائب ونادى الصلاة؛ لأنه حضر وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الصلاة في ذلك الوقت خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان غير ذلك لم تجب الإعادة، فقد صلى رسول الله صلى الله عليه سلم وأبو بكر وعمر والصحابة بأجمعهم خلف عبد الرحمن بن عوف وهم في مسيرهم إلى تبوك فجاز ولم يوجب إعادة، ولو لم يعد تلك الصلاة كانت الخلافة شرعاً لمن كان، فلما أعيدت تأكدت الخلافة. ثم ذكر دليلاً وكيداً آخر بإسناده عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اقتدوا بالذين من بعدي أبا بكر وعمر"،تفسير : فلما قال: "من بعدي" دل على أن الخلافة لهما حق، فأمره بالاقتداء بهما حق واجب. وقال: دليل وكيد آخر ثم ذكر بإسناده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فخرجت معه فدخل حائطاً من حيطان الأنصار فدخلت معه فقال: يا أنس أغلق الباب فأغلقته، فإذا برجل يقرع الباب فقال: يا أنس افتح له وبشره بالجنة، وأخبره أنه يأتي أمتي من بعدي فذهبت أفتح له لا أدري من هو فإذا هو أبو بكر فأخبرته بما قال النبي صلى الله عليه وسلم ". تفسير : وقال: دليل وكيد آخر ثم ذكر بإسناده عن سفينة قال: "حديث : بنى النبي صلى الله عليه وسلم المسجد ووضع حجراً، ثم قال لأبي بكر: ضع حجرك إلى جنب حجري، ثم قال لعمر: ضع حجرك إلى جنب حجر أبي بكر، ثم قال لعثمان: ضع حجر إلى جنب حجر عمر، ثم قال: هؤلاء الخلفاء من بعدي ". تفسير : ثم روى عن زيد بن وهب بإسناده قال علي رضي الله عنه: استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر في صلاتنا، واختاره لنا فرضينا لدنيانا من استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاتنا، ثم ذرك دلائل خلافته كثيرة يطول ذكرها، فتحقق أن أبا بكر رضي الله عنه كان ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإطلاق في بدء الخلقة إلى أن كان ثانيه في القبر بعد وفاته، وثانيه فيما صب الله في صدره من أسرار النبوة كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما صب الله في صدري شيئاً إلا وصببته في صدر أبي بكر"تفسير : وبذلك استحق أن يكون ثانيه في الخلافة من بعده. والذي يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} [التوبة: 40] يعني: على أبي بكر في الغار، {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} [التوبة: 40] وهي حقائق الإيمان، ودقائق العرفان، ودقائق الإيقان من سوابق الإحسان ولواحق العيان ولا يبعد أن إنزال السكينة كان على قلب النبي صلى الله عليه وسلم والتأييد بالجنود له. ثم صب النبي صلى الله عليه وسلم ما صب الله تعالى في صدره من حقائق السكينة والتأييد في صدر أبي بكر رضي الله عنه بتصرف قوله: "حديث : لا تحزن إن الله معنا"تفسير : فنزلت السكينة على أبي كبر وحصل له التأييد بقوله صلى الله عليه وسلم: حديث : ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما تفسير : ليستحق بذلك كله أن يكون ثانيه في الخلافة. {وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ} [التوبة: 40] يشير به إلى الذين ارتدوا من العرب بعد النبي صلى الله عليه وسلم من دفع الزكاة، فقهرهم الله تعالى وأظهر أبا بكر عليهم، {وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا} [التوبة: 40] وهي قول الحق الذي قاله الصديق: "والله لو منعوا عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه"، {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} [التوبة: 40] يعز بعزته أولياءه بالنصر، {حَكِيمٌ} [التوبة: 40] فيما يذل بحكمته أعداءه بالقهر. ثم أخبر عن حق الأولياء على قهر الأعداء بقوله تعالى: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً} [التوبة: 41] إلى قوله: {أية : وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [التوبة: 47] انفروا أيها الطلاب في طلب الحق خفافاً مجردين من علائق الأولاد والأهالي منقطعين من علائق الأموال والأملاك، {وَثِقَالاً} [التوبة: 41] مشمولين ومتأهلين، وأيضاً خفافاً من قطع علائق تعلقات الكونين وثقالاً معتصمين بحبل الثقلين، وأيضاً خفافاً مجذوبين بالعناية وثقالاً سالكين بالهداية، {وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ} [التوبة: 41] بإنفاقها، {وَأَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 41] ببذلها، {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [التوبة: 41] في السير إلى الله على قدمي بذل الأموال والنفس، وإنما قدم أثقال المال في طلب الحق على بذل النفس؛ لأن بذل النفس مع بقاء الصفات الذميمة غير معتبر، وإنما الاعتبار بأن ينقي النفس عن دنس صفاتها، ثم تفنى ببذلها في الله بالله لله، فإن من صفاتها الذميمة الحرص على الدنيا والبخل بها، فأشار بإنفاق المال إلى ترك الدنيا؛ لينقطع عن النفس وصفاتها ما هو مادة تربيتها وتقوية صفاتها. {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} [التوبة: 41] يعني: ترك الدنيا وبذل النفس خير لكم في طلب الحق من الله والنفس، {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41] قدر طلب الحق وعزة السير إليه، فإن الحاصل من المال والنفس الوزر والوبال، والحاصل من طلب الحق الوصول والوصال، ثم قال تعالى: {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً} [التوبة: 42] لو كان مطلوبك يا محمد الدنيا، وزينتها، {وَسَفَراً قَاصِداً} [التوبة: 42] وهي تتبع شهوات النفس وهواها، {لاَّتَّبَعُوكَ} [التوبة: 42] أرباب النفوس وطلاب الدنيا، { وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ} [التوبة: 42] ولأنها الخروج عن الدنيا وزينتها وترك شهواتها وقهر النفس وقمع صفاتها فلم يكونوا متابعيك. {وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ} [التوبة: 42] يعني: أرباب النفوس، {لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} [التوبة: 42] يا أرباب القلوب من الدنيا وما فيها كما خرجتم عنها، {يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ} [التوبة: 42] في مهالك شهوات الدنيا؛ إذ لم يخرجوا عنها وما يخلفون عن عدم الاستطاعة للخروج، {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 42] فيما يخلفون؛ لأن استطاعة الخروج شاملة لكافة الخلق مركوزة في جبلتهم. ثم قال تعالى: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} [التوبة: 43] قدم العفو على العتاب تصديقاً وتحقيقاً؛ لقوله تعالى: {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}تفسير : [الفتح: 2] وقوله تعالى: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} ما كان على وجه الكتاب حقيقة؛ بل كان على وجه إظهار لطفه معه وكما رأفته في حقه؛ لقوله: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} [التوبة: 43] جعل فائدة عدم الإذن راجعة إليه صلى الله عليه وسلم لا إلى غيره؛ يعني: ليحصل ذلك العلم والمعرفة بمن صدقك أنه مؤمن، {وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ} [التوبة: 43] المنافقين من المؤمنين الصادقين. ثم بيَّن الصادقين والكاذبين فقال: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [التوبة: 44] أي: إن يطلب الإذن المقصود عن الجهاد المعنوي والصوري من لم يكن إيمانه بالنور الإلهي الموجب لليقين؛ بل يكون إيمانه تقلداً ونفاقاً، {أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ} [التوبة: 44] {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ} [التوبة: 45] عند عدم الإيقان. {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ} [التوبة: 45] أي: في ظلمة ريبهم، {يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة: 45] بين أوصافهم الذميمة النفسانية والطبائع الحيوانية لا داعية لهم في الخروج عنها إلى الأنوار الروحانية والأخلاق الربانية.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: إلا تنصروا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، فاللّه غني عنكم، لا تضرونه شيئا، فقد نصره في أقل ما يكون وأذلة { إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا } من مكة لما هموا بقتله، وسعوا في ذلك، وحرصوا أشد الحرص، فألجؤوه إلى أن يخرج. { ثَانِيَ اثْنَيْنِ } أي: هو وأبو بكر الصديق رضي اللّه عنه. { إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ } أي: لما هربا من مكة، لجآ إلى غار ثور في أسفل مكة، فمكثا فيه ليبرد عنهما الطلب. فهما في تلك الحالة الحرجة الشديدة المشقة، حين انتشر الأعداء من كل جانب يطلبونهما ليقتلوهما، فأنزل اللّه عليهما من نصره ما لا يخطر على البال. { إِذْ يَقُولُ } النبي صلى الله عليه وسلم { لِصَاحِبِهِ } أبي بكر لما حزن واشتد قلقه، { لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا } بعونه ونصره وتأييده. { فَأَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } أي: الثبات والطمأنينة، والسكون المثبتة للفؤاد، ولهذا لما قلق صاحبه سكنه وقال { لا تحزن إن اللّه معنا }. { وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا } وهي الملائكة الكرام، الذين جعلهم اللّه حرسا له، { وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى } أي: الساقطة المخذولة، فإن الذين كفروا قد كانوا على حرد قادرين، في ظنهم على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخذه، حنقين عليه، فعملوا غاية مجهودهم في ذلك، فخذلهم اللّه ولم يتم لهم مقصودهم، بل ولا أدركوا شيئا منه. ونصر اللّه رسوله بدفعه عنه، وهذا هو النصر المذكور في هذا الموضع، فإن النصر على قسمين: نصر المسلمين إذا طمعوا في عدوهم بأن يتم اللّه لهم ما طلبوا، وقصدوا، ويستولوا على عدوهم ويظهروا عليهم. والثاني نصر المستضعف الذي طمع فيه عدوه القادر، فنصر اللّه إياه، أن يرد عنه عدوه، ويدافع عنه، ولعل هذا النصر أنفع النصرين، ونصر اللّه رسوله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين من هذا النوع. وقوله { وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا } أي كلماته القدرية وكلماته الدينية، هي العالية على كلمة غيره، التي من جملتها قوله: {أية : وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } {أية : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ } {أية : وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } تفسير : فدين اللّه هو الظاهر العالي على سائر الأديان، بالحجج الواضحة، والآيات الباهرة والسلطان الناصر. { وَاللَّهُ عَزِيزٌ } لا يغالبه مغالب، ولا يفوته هارب، { حَكِيمٌ } يضع الأشياء مواضعها، وقد يؤخر نصر حزبه إلى وقت آخر، اقتضته الحكمة الإلهية. وفي هذه الآية الكريمة فضيلة أبي بكر الصديق بخصيصة لم تكن لغيره من هذه الأمة، وهي الفوز بهذه المنقبة الجليلة، والصحبة الجميلة، وقد أجمع المسلمون على أنه هو المراد بهذه الآية الكريمة، ولهذا عدوا من أنكر صحبة أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم، كافرا، لأنه منكر للقرآن الذي صرح بها. وفيها فضيلة السكينة، وأنها من تمام نعمة اللّه على العبد في أوقات الشدائد والمخاوف التي تطيش بها الأفئدة، وأنها تكون على حسب معرفة العبد بربه، وثقته بوعده الصادق، وبحسب إيمانه وشجاعته. وفيها: أن الحزن قد يعرض لخواص عباد الله الصديقين، مع أن الأولى -إذا نزل بالعبد- أن يسعى في ذهابه عنه، فإنه مضعف للقلب، موهن للعزيمة.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ} [40] 239- أنا نصر بن علي، نا عبد الله بن داود قال سلمة بن نُبَيط: أنا نُعيم بن أبي هند، عن نُبَيط بن شَريط. سالم بن عُبيد أن رسول الله / صلى الله عليه وسلم لما قُبِض، قالت الأنصار: منا أمير، ومنكم أمير، فقال عمر: من له مثل هذه الثلاث؟ {إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ} من هما؟ {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ} من هو؟ {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} من هما؟ ثم بسط يده وبايعه الناس بيعة حسنة جميلة.
همام الصنعاني
تفسير : 1086- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، في قوله تعالى: {إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ}: [الآية: 40]، قال: هو الغار الذي في الجبل الذي سمي ثوراً، مكث النبي صلى الله عليه وسلم فيه وأبو بكر ثلاث ليال.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):