Verse. 1276 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

اِنْفِرُوْا خِفَافًا وَّثِــقَالًا وَّجَاہِدُوْا بِاَمْوَالِكُمْ وَاَنْفُسِكُمْ فِيْ سَبِيْلِ اؘ۝۰ۭ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ اِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُوْنَ۝۴۱
Infiroo khifafan wathiqalan wajahidoo biamwalikum waanfusikum fee sabeeli Allahi thalikum khayrun lakum in kuntum taAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«انفِروا خفافا وثقالا» نشاطا وغير نشاط، وقيل أقوياء وضعفاء، أو أغنياء وفقراء، وهي منسوخة بآية (ليس على الضعفاء) «وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون» أنه خير لكم فلا تثاقلوا.

41

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما توعد من لا ينفر مع الرسول، وضرب له من الأمثال ما وصفنا، أتبعه بهذا الأمر الجزم. فقال: {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً } والمراد انفروا سواء كنتم على الصفة التي يخف عليكم الجهاد أو على الصفة التي يثقل، وهذا الوصف يدخل تحته أقسام كثيرة والمفسرون ذكروها. فالأول: {خِفَافًا } في النفور لنشاطكم له {وَثِقَالاً } عنه ولمشقته عليكم. الثاني: {خِفَافًا } لقلة عيالكم {وَثِقَالاً } لكثرتها. الثالث: {خِفَافًا } من السلاح {وَثِقَالاً } منه. الرابع: ركباناً ومشاة. الخامس: شباناً وشيوخاً. السادس: مهازيل وسمانا. السابع: صحاحاً ومراضاً والصحيح ما ذكرنا إذ الكل داخل فيه لأن الوصف المذكور وصف كلي، يدخل فيه كل هذه الجزئيات. فإن قيل: أتقولون إن هذا الأمر يتناول جميع الناس حتى المرضى والعاجزين؟ قلنا: ظاهره يقتضي ذلك عن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أعلي أن أنفر، قال: « حديث : ما أنت إلا خفيف أو ثقيل » تفسير : فرجع إلى أهله ولبس سلاحه ووقف بين يديه، فنزل قوله تعالى: { أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ } تفسير : [الفتح: 17 النور: 61] وقال مجاهد: إن أبا أيوب شهد بدراً مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يتخلف عن غزوات المسلمين، ويقول: قال الله: {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً } فلا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً. وعن صفوان بن عمرو قال: كنت والياً على حمص، فلقيت شيخاً قد سقط حاجباه، من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو، قلت يا عم أنت معذور عند الله، فرفع حاجبيه وقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً، ألا إن من أحبه ابتلاه. وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له إنك عليل صاحب ضرر، فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن عجزت عن الجهاد كثرت السواد وحفظت المتاع. وقيل للمقداد بن الأسود وهو يريد الغزو: أنت معذور، فقال: أنزل الله علينا في سورة براءة {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً }. واعلم أن القائلين بهذا القول الذي قررناه يقولون: هذه الآية صارت منسوخة بقوله تعالى: { أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ } تفسير : [الفتح: 17 النور: 61] وقال عطاء الخراساني: منسوخة بقوله: { أية : وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً } تفسير : [التوبة: 122]. ولقائل أن يقول: اتفقوا على أن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك، واتفقوا على أنه عليه الصلاة والسلام خلف النساء وخلف من الرجال أقواماً، وذلك يدل على أن هذا الوجوب ليس على الأعيان، لكنه من فروض الكفايات، فمن أمره الرسول بأن يخرج، لزمه ذلك خفافاً وثقالاً، ومن أمره بأن يبقى هناك، لزمه أن يبقى ويترك النفر. وعلى هذا التقدير: فلا حاجة إلى التزام النسخ. ثم قال تعالى: {وَجَـٰهِدُواْ بِأَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } وفيه قولان: القول الأول: أن هذا يدل على أن الجهاد إنما يجب على من له المال والنفس، فدل على أن من لم يكن له نفس سليمة صالحة للجهاد، ولا مال يتقوى به على تحصيل آلات الجهاد لا يجب عليه الجهاد. والقول الثاني: أن الجهاد يجب بالنفس إذا انفرد وقوي عليه، وبالمال إذا ضعف عن الجهاد بنفسه، فيلزم على هذا القول أن من عجز أن ينيب عنه نفراً بنفقة من عنده فيكون مجاهداً بماله لما تعذر عليه بنفسه، وقد ذهب إلى هذا القول كثير من العلماء. ثم قال تعالى: {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }. فإن قيل: كيف يصح أن يقال: الجهاد خير من القعود عنه، ولا خير في القعود عنه. قلنا: الجواب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن لفظ {خَيْرٌ } يستعمل في معنيين: أحدهما: بمعنى هذا خير من ذاك. والثاني: بمعنى أنه في نفسه خير كقوله: { أية : إِنّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } تفسير : [القصص: 24] وقوله: { أية : وَإِنَّهُ لِحُبّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } تفسير : [العاديات: 8] ويقال: الثريد خير من الله، أي هو خير في نفسه، وقد حصل من الله تعالى، فقوله: {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ } المراد هذا الثاني، وعلى هذا الوجه يسقط السؤال. الوجه الثاني: سلمنا أن المراد كونه خيراً من غيره، إلا أن التقدير: أن ما يستفاد بالجهاد من نعيم الآخرة خير مما يستفيده القاعد عنه من الراحة والدعة والتنعم بهما، ولذلك قال تعالى: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } لأن ما يحصل من الخيرات في الآخرة على الجهاد لا يدرك إلا بالتأمل، ولا يعرفه إلا المؤمن الذي عرف بالدليل أن القول بالقيامة حق، وأن القول بالثواب والعقاب حق وصدق.

القرطبي

تفسير : فيه سبع مسائل: الأُولى ـ روى سفيان عن حُصين بن عبد الرّحمن عن أبي مالك الغِفاريّ قال: أوّل ما نزل من سورة براءة {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً}. وقال أبو الضُّحا كذلك أيضاً. قال: ثم نزل أوّلها وآخرها. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} نصب على الحال، وفيه عشرة أقوال: الأوّل ـ يذكر عن ابن عباس «ٱنْفِرُوا ثُبَاتٍ»: سَرَايَا متفرّقين. الثاني ـ روي عن ابن عباس أيضاً وقتادة: نشاطاً وغير نشاط. الثالث ـ الخفيفُ: الغنيُّ، والثقيلُ: الفقير؛ قاله مجاهد. الرابع ـ الخفيف: الشاب، والثقيل: الشيخ؛ قاله الحسن. الخامس ـ مشاغيل وغير مشاغيل؛ قاله زيد بن عليّ والحكم بن عتيبة. السادس ـ الثقيل: الذي له عيال، والخفيف: الذي لا عيال له؛ قاله زيد بن أسلم. السابع؛ الثقيل: الذي له ضَيْعة يكره أن يدعها، والخفيف: الذي لا ضيعة له؛ قاله ابن زيد. الثامن ـ الخفاف: الرجال، والثقال: الفرسان؛ قاله الأوزاعيّ. التاسع ـ الخفاف: الذين يسبقون إلى الحرب كالطليعة وهو مقدّم الجيش، والثقال: الجيش بأسْره. العاشر ـ الخفيف: الشجاع، والثقيل: الجبان؛ حكاه النقاش. والصحيح في معنى الآية أن الناس أُمِروا جُملةً؛ أي انفروا خفّت عليكم الحركة أو ثقلت. ورُوي أن ابن أُمّ مكتوم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: أعليّ أن أنفر؟ فقال: «نعم» حتى أنزل الله تعالىٰ {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ} تفسير : [النور: 61]. وهذه الأقوال إنما هي على معنى المثال في الثقل والخفة. الثالثة ـ وٱختلف في هذه الآية؛ فقيل إنها منسوخة بقوله تعالىٰ: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ}تفسير : [التوبة: 91]. وقيل: الناسخ لها قوله: {أية : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} تفسير : [التوبة: 122]. والصحيح أنها ليست بمنسوخة. روى ابن عباس عن أبي طلحة في قوله تعالىٰ: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} قال شبانا وكهولاً، ما سمع الله عُذْر أحد. فخرج إلى الشام فجاهد حتى مات رضي الله عنه. وروى حماد عن ثابت وعليّ بن زيد عن أنس أن أبا طلحة قرأ سورة «براءة» فأتى على هذه الآية {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} فقال: أي بنيّ، جَهّزُوني جهزوني. فقال بنوه: يرحمك الله! لقد غزوتَ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك. قال: لا، جهّزوني. فغزا في البحر فمات في البحر، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلاَّ بعد سبعة أيام فدفنوه فيها، ولم يتغيّر رضي الله عنه. وأسند الطبريّ عمن رأى المِقداد بن الأسود بِحمص على تابوت صَرّاف، وقد فضل على التابوت من سِمَنه وهو يتجهّز للغَزْو. فقيل له: لقد عذرك الله. فقال: أتت علينا سورة البعوث {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً}. وقال الزّهريّ: خرج سعيد بن المسيِّب إلى الغَزْوِ وقد ذهبت إحدى عينيه. فقيل له: إنك عليل. فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكني الحرب كثّرت السواد وحفظت المتاع. ورُوي أن بعض الناس رأى في غزوات الشأم رجلاً قد سقط حاجباه على عينيه من الكِبَر؛ فقال له: يا عمّ، إن الله قد عذرك. فقال: يابن أخي، قد أمِرنا بالنَّفر خِفَافاً وثِقَالاً. ولقد قال ٱبن أُمّ مكتوم رضي الله عنه ـ واسمه عمرو ـ يوم أُحُد: أنا رجل أعمى، فسلّموا لي اللواء؛ فإنه إذا انهزم حامل اللواء انهزم الجيش، وأنا ما أدري من يقصدني بسيفه فما أبرح. فأخذ اللواء يومئذ مصعبُ بن عُمير على ما تقدّم في «آل عمران» بيانه. فلهذا وما كان مثله مما رُوي عن الصحابة والتابعين. قلنا: إن النسخ لا يصح. وقد تكون حالة يجب فيها نفير الكل، وهي: الرابعة ـ وذلك إذا تعيّن الجهاد بغلبة العدوّ على قطر من الأقطار، أو بحلوله بالعُقْر، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافاً وثقالاً، شباباً وشيوخاً، كلُّ على قدر طاقته، من كان له أب بغير إذنه ومن لا أب له، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج، من مقاتل أو مكثر. فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوّهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة؛ حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم. وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضاً الخروج إليهم؛ فالمسلمون كلّهم يدٌ على من سواهم، حتى إذا قام بدفع العدوّ أهل الناحية التي نزل العدوّ عليها واحتلّ بها سقط الفرض عن الآخرين. ولو قارب العدوّ دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضاً الخروج إليه؛ حتى يظهر دين الله وتُحمىٰ البَيْضة وتُحفظ الحَوْزة ويُخْزىٰ العدوّ. ولا خلاف في هذا. وقسم ثان من واجب الجهاد ـ فرض أيضاً على الإمام إغزاء طائفة إلى العدوّ كل سنة مرّة، يخرج معهم بنفسه، أو يُخرج مَن يثق به ليدعوَهم إلى الإسلام ويرغبهم، ويكف أذاهم ويظهر دين الله عليهم، حتى يدخلوا في الإسلام أو يُعطوا الجزية عن يدٍ. ومن الجهاد أيضاً ما هو نافلة، وهو إخراج الإمام طائفة بعد طائفةٍ، وبَعْثُ السّرايا في أوقات الغِرّة وعند إمكان الفرصة، والإرصاد لهم بالرِّباط في موضع الخوف، وإظهار القوة. فإن قيل: كيف يصنع الواحد إذا قصّر الجميع، وهي: الخامسة ـ قيل له: يعمِد إلى أسير واحد فيفديه؛ فإنه إذا فدى الواحد فقد أدّىٰ في الواحد أكثر مما كان يلزمه في الجماعة؛ فإن الأغنياء لو ٱقتسموا فداء الأسارىٰ ما أدّىٰ كل واحد منهم إلا أقلّ من درهم. ويغزو بنفسه إن قدر وإلا جهّز غازياً. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : من جهّز غازياً فقد غزا ومن خَلَفه في أهله بخير فقد غزا» تفسير : أخرجه الصحيح. وذلك لأن مكانه لا يغني وماله لا يكفي. السادسة ـ روي أن بعض الملوك عاهد كفاراً على ألا يحبسوا أسيراً، فدخل رجل من المسلمين جهة بلادهم فمرّ على بيت مغلق، فنادته امرأة أني أسيرة، فأبلغ صاحبك خبري، فلما اجتمع به واستطعمه عنده وتجاذبا ذيل الحديث، انتهىٰ الخبر إلى هذه المعذَّبة، فما أكمل حديثه حتى قام الأمير على قدميه وخرج غازياً من فوره، ومشىٰ إلى الثَّغْر حتى أخرج الأسيرة واستولىٰ على الموضع؛ رضي الله عنه. ذكره ابن العربيّ وقال: «ولقد نزل بنا العدوّ ـ قصمه الله ـ سنة سبع وعشرين وخمسمائة، فجاس ديارنا وأسر خيرتنا وتوسط بلادنا في عدد هال الناس عددُه، وكان كثيراً وإن لم يبلغ ما حدّدوه. فقلت للوالي والمولىٰ عليه: هذا عدوّ الله قد حصل في الشَّرَك والشبكة، فلتكن عندكم بركة، ولتظهر منكم إلى نُصرة الدين المتعيّنة عليكم حركة، فليخرج إليه جميع الناس حتى لا يبقى منهم أحد في جميع الأقطار فيحاط به، فإنه هالك لا محالة إن يسركم الله له. فغلبت الذنوب ورجفت القلوب بالمعاصي، وصار كل أحد من الناس ثعلباً يأوي إلى وِجَاره وإن رأىٰ المكيدة بجاره. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وحسبنا الله ونعم الوكيل». السابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَجَاهِدُواْ} أمر بالجهاد، وهو مشتق من الجهد {بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} روى أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم»تفسير : . وهذا وصف لأكمل ما يكون من الجهاد وأنفعه عند الله تعالىٰ. فحضّ على كمال الأوصاف، وقدّم الأموال في الذكر إذ هي أوّل مصرف وقت التجهيز. فرتّب الأمر كما هو في نفسه.

ابن كثير

تفسير : قال سفيان الثوري عن أبيه عن أبي الضحى مسلم بن صبيح: هذه الآية: {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً} أول ما نزل من سورة براءة، وقال معتمر بن سليمان عن أبيه قال: زعم حضرمي أنه ذكر له: أن ناساً كانوا عسى أن يكون أحدهم عليلاً وكبيراً فيقول: إني لا آثم، فأنزل الله: {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً} الآية، أمر الله تعالى بالنفير العام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك لقتال أعداء الله من الروم الكفرة من أهل الكتاب، وحتم على المؤمنين في الخروج معه على كل حال؛ في المنشط والمكره، والعسر واليسر، فقال: {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً}. وقال علي بن زيد عن أنس عن أبي طلحة: كهولاً وشباباً، ما سمع الله عذر أحد، ثم خرج إلى الشام، فقاتل حتى قتل. وفي رواية: قرأ أبو طلحة سورة براءة، فأتى على هذه الآية: {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَـٰهِدُواْ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} فقال: أرى ربنا استنفرنا شيوخاً وشباناً، جهزوني يا بني، فقال بنوه: يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك، فأبى، فركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنوه فيها إلا بعد تسعة أيام، فلم يتغير، فدفنوه فيها. وهكذا روي عن ابن عباس وعكرمة وأبي صالح والحسن البصري وسهيل بن عطية ومقاتل بن حيان والشعبي وزيد بن أسلم: أنهم قالوا في تفسير هذه الآية {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً} كهولاً وشباناً. وكذا قال عكرمة والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرواحد، وقال مجاهد: شباناً وشيوخاً، وأغنياء ومساكين. وكذا قال أبو صالح وغيره. وقال الحكم بن عتيبة: مشاغيل وغير مشاغيل، وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً} يقول: انفروا نشاطاً وغير نشاط، وكذا قال قتادة. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً} قالوا: فإن فينا الثقيل، وذا الحاجة والضيعة والشغل والمتيسر به أمره، فأنزل الله، وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا {خِفَافًا وَثِقَالاً} أي: على ما كان منهم. وقال الحسن بن أبي الحسن البصري أيضاً: في العسر واليسر. وهذا كله من مقتضيات العموم في الآية، وهذا اختيار ابن جرير. وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي: إذا كان النفير إلى دروب الروم، نفر الناس إليها خفافاً وركباناً، وإذا كان النفير إلى هذه السواحل نفروا إليها خفافاً وثقالاً، وركباناً ومشاة، وهذا تفصيل في المسألة. وقد روي عن ابن عباس ومحمد بن كعب وعطاء الخراساني وغيرهم: أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} تفسير : [التوبة: 122] وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله، وقال السدي: قوله: {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً} يقول: غنياً وفقيراً، وقوياً وضعيفاً، فجاءه رجل يومئذ - زعموا أنه المقداد وكان عظيماً سميناً - فشكا إليه، وسأله أن يأذن له، فأبى، فنزلت يومئذ: {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً} فلما نزلت هذه الآية، اشتد على الناس، فنسخها الله فقال: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} تفسير : [التوبة: 91]. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب عن محمد قال: شهد أبو أيوب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً، ثم لم يتخلف عن غزاة للمسلمين إلا عاماً واحداً، قال: وكان أبو أيوب يقول: قال الله تعالى: {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً} فلا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً. وقال ابن جرير: حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية، حدثنا جرير، حدثني عبد الرحمن بن ميسرة، حدثني أبو راشد الحبراني قال: وافيت المقداد بن الأسود فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص، وقد فصل عنها من عظْمه يريد الغزو، فقلت له: قد أعذر الله إليك فقال: أتت علينا سورة البعوث: {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً}. وقال ابن جرير: حدثني حيان بن زيد الشرْعَبِي قال: نفرنا مع صفوان بن عمرو، وكان والياً على حمص، قِبَل الأفسوس إلى الجراجمة، فرأيت شيخاً كبيراً هِمّاً، قد سقط حاجباه على عينيه؛ من أهل دمشق، على راحلته فيمن أغار، فأقبلت إليه فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك، قال: فرفع حاجبيه فقال: يا بن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً، ألا إنه من يحبه الله يبتليه، ثم يعيده الله فيبقيه، وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر ولم يعبد إلا الله عز وجل. ثم رغب تعالى في النفقة في سبيله وبذل المهج في مرضاته ومرضاة رسوله فقال: {وَجَـٰهِدُواْ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: هذا خير لكم في الدنيا والآخرة؛ لأنكم تغرمون في النفقة قليلاً، فيغنمكم الله أموال عدوكم في الدنيا، مع ما يدخر لكم من الكرامة في الآخرة؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : تكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرده إلى منزله بما نال من أجر أو غنيمة» تفسير : ولهذا قال الله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 216] ومن هذا القبيل ما رواه الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي عن حميد عن أنس: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «حديث : أسلم» تفسير : قال: أجدني كارهاً، قال: «حديث : أسلم وإن كنت كارهاً».

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً } نشاطا وغير نشاط، وقيل أقوياء وضعفاء أو أغنياء وفقراء، وهي منسوخة بآية { أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ } تفسير : [91:9] {وَجَٰهِدُواْ بِأَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه خير لكم فلا تثاقلوا.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {انفِرُواْ خِفَافاً وثِقَالاً} فيه عشرة تأويلات: أحدها: يعني شباباً وشيوخاً، قاله الحسن وعكرمة ومجاهد. والثاني: في اليسر والعسر فقراء وأغنياء، قاله أبو صالح. والثالث: مشاغيل وغير مشاغيل، قاله الحكم. والرابع: نشاطاً وغير نشاط، قاله ابن عباس وقتادة. والخامس: ركباناً ومشاة، قاله أبو عمرو الأوزاعي. والسادس: ذا صنعة وغير ذي صنعة، قاله ابن زيد. والسابع: ذا عيال وغير ذي عيال، قاله زيد بن أسلم. والثامن: أصحاء وغير أصحاء ومرضى، قاله جويبر. والتاسع: على خفة البعير وثقله، قاله علي بن عيسى والطبري. والعاشر: خفافاً إلى الطاعة وثقالاً عن المخالفة. ويحتمل حادي عشر: خفافاً إلى المبارزة، وثقالاً في المصابرة. {وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أما الجهاد بالنفس فمن فروض الكفايات إلا عند هجوم العدو فيصير متعيناً. وأما بالمال فبزاده وراحلته إذا قدر على الجهاد بنفسه، فإن عجز عنه بنفسه فقد ذهب قوم إلى أن بذل المال يلزم بدلاً عن نفسه. وقال جمهورهم: لا يجب لأن المال في الجهاد تبع النفس إلا سهم سبيل الله من الزكاة. {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: أن الجهاد خير لكم من تركه إلى ما أبيح من القعود عنه. والثاني: معناه أن الخير في الجهاد لا في تركه. {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} فيه وجهان: أحدهما: إن كنتم تعلمون صدق الله تعالى فيما وعد به من ثوابه وجنته. والثاني: إن كنتم تعلمون أن الخير في الجهاد. ويحتمل وجهاً ثالثاً: إن كنتم تعلمون أن لله تعالى يريد لكم الخير.

ابن عطية

تفسير : هذا أمر من الله عز وجل أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالنفر إلى الغزو فقال بعض الناس هذا أمر عام لجميع المؤمنون تعين به الفرض على الأعيان في تلك المدة، ثم نسخه الله عز وجل، بقوله: {أية : وما كان المؤمنون لينفروا كافة} تفسير : [التوبة: 122]، روي ذلك عن الحسن وعكرمة، وقال جل الناس: بل هذا حض والأمر في نفسه موقوف على فرض الكفاية ولم يقصد بالآية فرضه على الأعيان، وأما قوله {خفافاً وثقالاً} فنصب على الحال من الضمير في قوله {انفروا} ، ومعنى الخفة والثقل هنا مستعار لمن يمكنه السفر بسهولة ومن يمكنه بصعوبة، وأما من لا يمكنه كالعمي ونحوهم فخارج عن هذا. وروي أن ابن أم مكتوم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أعليَّ أن أنفر؟ فقال له نعم، حتى نزلت {أية : ليس على الأعمى حرج} تفسير : [النور:61]، وذكر الناس من معاني الخفة والثقل أشياء لا وجه لتخصيص بعضها دون بعض، بل هي وجوه متفقة، فقيل " الخفيف " الغني " والثقيل " الفقير: قاله مجاهد، وقيل الخفيف الشاب والثقيل الشيخ قاله الحسن وجماعة، وقيل الخفيف النشيط والثقيل الكاسل، قاله ابن عباس وقتادة، وقيل المشغول ومن لا شغل له قاله الحكم بن عيينة وزيد بن علي، وقيل الذي له ضيعة هو الثقيل ومن لا ضيعة له هو الخفيف قاله ابن زيد: وقيل الشجاع هو الخفيف والجبان هو الثقيل حكاه النقاش، وقيل الرجل هو الثقيل والفارس هو الخفيف قاله الأوزاعي. قال القاضي أبو محمد: وهذان الوجهان الآخران ينعكسان وقد قيل ذلك ولكنه بحسب وطأتهم على العدو فالشجاع هو الثقيل وكذلك الفارس والجبان هو الخفيف وكذلك الراجل وكذلك ينعكس الفقير والغني فيكون الغني هو الثقيل بمعنى صاحب الشغل ومعنى هذا أن الناس أمروا جملة. وهذه الأقوال إنما هي على معنى المثال في الثقل والخفة، وقال أبو طلحة: ما أسمع الله عذراً أحداً وخرج إلى الشام فجاهد حتى مات. وقال أبو أيوب: ما أجدني أبداً إلا ثقيلاً أو خفيفاً، وروي أن بعض الناس رأى في غزوات الشام رجلاً سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فقال له يا عم إن الله قد عذرك، فقال يا ابن أخي إنَّا قد أمرنا بالنفر خفافاً وثقالاً، وأسند الطبري عمن رأى المقداد بن الأسود بحمص وهو على تابوت صراف وقد فضل على التابوت من سمنه وهو يتجهز للغزو فقال له لقد عذرك الله، فقال أتت علينا سورة البعوث {انفروا خفافاً وثقالاً }، وروي سورة البحوث، وقوله تعالى: {بأموالكم وأنفسكم } وصف لأكمل ما يكون من الجهاد وأنفسه عند الله تعالى: فحض على كمال الأوصاف، وقدمت الأموال في الذكر إذ هي أول مصرف وقت التجهيز فرتب الأمر كما هو في نفسه، ثم أخبر أن ذلك لهم خير للفوز برضى الله وغلبة العدو ووراثة الأرض، وفي قوله: {إن كنتم تعلمون} تنبيه وهز للنفوس، وقوله: {لو كان عرضاً قريباً} الآية، ظاهر هذه الآية وما يحفظ من قصة تبوك أن الله لما أمر رسوله بغزو الروم نذب الناس وكان ذلك في شدة من الحر وطيب من الثمار والظلال، فنفر المؤمنون، واعتذر منهم لا محالة فريق لا سيما من القبائل المجاورة للمدينة، ويدل على ذلك قوله في أول هذه الآية {أية : يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض} تفسير : [التوبة:38]، لأن هذا الخطاب ليس للمنافقين خاصة بل هو عام، واعتذر المنافقون بأعذار كاذبة، وكانوا بسبيل كسل مفرط وقصد للتخلف وكانت أعذار المؤمنين خفيفة ولكنهم تركوا الأولى من التحامل، فنزل ما سلف من الآيات في عتاب المؤمنين، ثم ابتدأ من هذه الآية ذكر المنافقين وكشف ضمائرهم، فيقول لو كان هذا الغزو لعرض أي لمال وغنيمة تنال قريباً بسفر قاصد يسير لبادروا إليه، لا لوجه الله ولا لظهور كلمته، ولكن بعدت عليهم الشقة في غزو الروم أي المسافة الطويلة، وذكر أبو عبيدة أن أعرابياً قدم البصرة وكان قد حمل حمالة فعجز عنها، وكان معه ابن له يسمى الأحوص فبادر الأحوص أباه بالقول، فقال إنا من تعلمون وابنا سبيل وجئنا من شقة ونطلب في حق وتنطوننا ويجزيكم الله فتهيأ أبوه ليخطب فقال له يا إياك إني قد كفيتك. قال القاضي أبو محمد: يا تنبيه وإياك نهي، وقرأ عيسى ابن عمر "الشِّقة "بكسر الشين، وقرأ الأعرج "بعِدت " بكسر العين، وحكى أبو حاتم أنها لغة بني تميم في اللفظتين، وقوله {سيحلفون بالله} يريد المنافقين، وهذا إخبار بغيب، وقوله {يهلكون أنفسهم} يريد عند تخلفهم مجاهرة وكفرهم، فكأنهم يوجبون على أنفسهم الحتم بعذاب الله. ثم أخبر أن الله الذي هو أعدل الشاهدين يعلم كذبهم وأنهم كانوا يستطيعون الخروج ولكنهم تركوه كفراً ونفاقاً، وهذا كله في الجملة لا بتعيين شخص ولو عين لقتل بالشرع، وقرأ الأعمش على جهة التشبيه بواو ضمير الجماعة " لوُ استطعنا" بضم الواو، ذكره ابن جني، ومثله بقوله تعالى: {أية : لقد ابتغوا الفتنة} تفسير : [التوبة: 48] {أية : فتمنوا الموت} تفسير : [البقرة: 94] و {أية : اشتروا الضلالة} تفسير : [البقرة 16-175].

ابن عبد السلام

تفسير : {خِفَافاً وثِقَالاً} شباباً وشيوخاً، أو فقراء وأغنياء، أو مشاغيل وغير مشاغيل، أو نشاطاً وغير نشاط "ع" أو ركباناً ومشاة، أو ذا ضيعة وغير ذي ضيعة، أو ذوي عيال وغير ذوي عيال، أو أصحاء ومرضى، أو خفة النفير وثقله، أو خفافاً إلى الطاعة ثقالاً عن المخالفة. {وَجَاهِدُواْ} الجهاد بالنفس فرض كفاية متعين عند هجوم العدو. وبالمال بالزاد والراحلة إذا قدر بنفسه، وإن عجز لزمه بذل المال بدلاً عن نفسه، أو لا يلزمه ذلك عند الجمهور، لأن المال تابع للنفس. {خَيْرٌ لَّكُمْ} الجهاد خير من القعود المباح، أو الخير في الجهاد لا في تركه {تَعْلَمُونَ} صدق وعد الله ـ تعالى ـ بثواب الجهاد، أو أن الخير في الجهاد.

النسفي

تفسير : {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا } في النفور لنشاطكم له {وَثِقَالاً } عنه لمشقته عليكم، أو خفافاً لقلة عيالكم وثقالاً لكثرتها، أو خفافاً من السلاح وثقالاً منه، أو ركباناً ومشاة أو شباباً وشيوخاً، أو مهازيل وسماناً، أو صحاحاً ومراضاً {وَجَـٰهِدُواْ بِأَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ } إيجاب للجهاد بهما إن إمكن، أو بأحدهما على حسب الحال والحاجة {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ذٰلِكُمْ } الجهاد {خَيْرٌ لَّكُمْ } من تركه {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } كون ذلك خيراً فبادروا إليه. ونزل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين {لَوْ كَانَ عَرَضًا } هو ما عرض لك من منافع الدنيا، يقال: الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر أي لو كان ما دعوا إليه مغنماً {قَرِيبًا } سهل المأخذ {وَسَفَرًا قَاصِدًا } وسطاً مقارباً، والقاصد والقصد المعتدل {لاَّتَّبَعُوكَ } لوافقوك في الخروج {وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ } المسافة الشاطة الشاقة {وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ }. من دلائل النبوة لأنه أخبر بما سيكون بعد القفول فقالوا كما أخبر، و {بِٱللَّهِ } متعلق بـ {سَيَحْلِفُونَ }، أو هو من جملة كلامهم، والقول مراد في الوجهين أي سيحلفون ـ يعني المتخلفين ـ عند رجوعك من غزوة تبوك معتذرين يقولون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم، أو سيحلفون بالله يقولون لو استطعنا. وقوله {لخرجنا} سد مسد جوابي القسم و { لَوْ} جميعاً. ومعنى الاستطاعة استطاعة العدة أو استطاعة الأبدان كأنهم تمارضوا {يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ } بدل من {سَيَحْلِفُونَ } أو حال منه أي مهلكين، والمعنى أنهم يهلكونها بالحلف الكاذب، أو حال من {لَخَرَجْنَا } أي لخرجنا معكم وإن أهلكنا أنفسنا وألقيناها في التهلكة بما نحملها على المسير في تلك الشقة {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } فيما يقولون. {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ } كناية عن الزلة لأن العفو رادف لها وهو من لطف العتاب بتصدير العفو في الخطاب، وفيه دلالة فضله على سائر الأنبياء عليهم السلام حيث لم يذكر مثله لسائر الأنبياء عليهم السلام {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } بيان لما كنى عنه بالعفو، ومعناه مالك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك واعتلّوا لك بعللهم وهلا استأنيت بالإذن! {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } يتبين لك الصادق في العذر من الكاذب فيه. وقيل: شيئان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين، وأخذه الفدية من الأسارى، فعاتبه الله. وفيه دليل جواز الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام لأنه عليه السلام إنما فعل ذلك بالاجتهاد، وإنما عوتب مع أن له ذلك لتركه الأفضل وهم يعاتبون على ترك الأفضل {لا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ أَن يُجَـٰهِدُواْ } ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا {بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ } عدة لهم بأجزل الثواب. {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } يعني المنافقين وكانوا تسعة وثلاثين رجلاً {وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ } شكوا في دينهم واضطربوا في عقيدتهم {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ } يتحيرون لأن التردد ديدن المتحير كما أن الثبات ديدن المتبصر {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ } للخروج أو للجهاد {عُدَّةً } أهبة لأنهم كانوا مياسير، ولما كان {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ } معطياً معنى نفي خروجهم واستعدادهم للغزو قيل: {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ } نهوضهم للخروج كأنه قيل: ما خرجوا ولكن تثبطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم {فَثَبَّطَهُمْ } فكسلهم وضعف رغبتهم في الانبعاث والتثبيط التوقيف عن الأمر بالتزهيد فيه {وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ } أي قال بعضهم لبعض، أو قاله الرسول عليه السلام غضباً عليهم، أو قاله الشيطان بالوسوسة {مَعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ } هو ذم لهم وإلحاق بالنساء والصبيان والزمني الذين شأنهم القعود في البيوت. {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ } بخروجهم معكم {إِلاَّ خَبَالاً } إلا فساداً وشراً، والاستثناء متصل لأن المعنى ما زادوكم شيئاً إلا خبالاً، والاستثناء المنقطع أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه كقولك «ما زداوكم خيراً إلا خبالاً» والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور، وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من الشيء فكان استثناء متصلاً لأن الخبال بعضه {ولأَوْضَعُواْ خِلَـٰلَكُمْ } ولسعوا بينكم بالتضريب والنمائم وإفساد ذات البين. يقال: وضع البعير وضعاً إذا أسرع. وأوضعته أنا. والمعنى ولأوضعوا ركائبهم بينكم، والمراد الإسراع بالنمائم لأن الراكب أسرع من الماشي. وخط في المصحف {وَلاَ أوضعوا } بزيادة الألف لأن الفتحة كانت تكتب ألفاً قبل الخط العربي، والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن وقد بقي من تلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفاً وفتحها ألفاً أخرى ونحوه {أَوْ لاَ أذبحنه } [النمل: 21] { يَبْغُونَكُمُ } حال من الضمير في {أوضعوا} {إِلَى ٱلْفِتْنَةَ } أي يطلبون أن يفتنوكم بأن يوقعوا الخلاف فيما بينكم ويفسدوا نياتكم في مغزاكم {وَفِيكُمْ سَمَّـٰعُونَ لَهُمْ } أي نمامون يسمعون حديثكم فينقلونه إليهم {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ } بالمنافقين {لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ } بصد الناس أو بأن يفتكوا به عليه السلام ليلة العقبة، أو بالرجوع يوم أحد {مِن قَبْلُ } من قبل غزوة تبوك {وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ } ودبروا لك الحيل والمكايد ودوّروا الآراء في إبطال أمرك {حَتَّىٰ جَاءَ ٱلْحَقُّ } وهو تأييدك ونصرك {وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ } وغلب دينه وعلا شرعه {وَهُمْ كَـٰرِهُونَ } أي على رغم منهم.

الخازن

تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {انفروا خفافاً وثقالاً} يعني انفروا على الصفة التي يخفف عليكم الجهاد بها وعلى الصفة التي يثقل عليكم فيها وهذان الوصفان يدخل تحتها أقسام كثيرة فلهذا اختلفت عبارات المفسرين فيها. فقال الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة وعكرمة: يعني شباباً وشيوخاً. وقال ابن عباس: نشاطاً وغير نشاط. وقال عطية العوفي: ركباناً ومشاة. وقال أبو صالح: خفافاً من المال يعني فقراء وثقالاً يعني أغنياء. وقال ابن زيد: الخفيف الذي لا ضيعة له والثقيل الذي له الضيعة يكره أن يدع ضيعته. ويروى عن ابن عباس قال: خفافاً أهل اليسرة من المال وثقالاً أهل العسرة. وقيل: خفافاً يعني من السلاح مقلين منه وثقالاً يعني مستكثرين منه. وقيلك مشاغيل وغير مشاغيل. وقيل: أصحاء ومرضى. وقيل: عزاباً ومتأهلين. وقيل: خفافاً من الحاشية والأتباع وثقالاً مستكثرين منه. وقيل: خفافاً يعني مسرعين في الخروج إلى الغزو ساعة سماع النفير وثقالاً يعني بعد التروي فيه والاستعداد له والصحيح أن هذا عام لأن هذه الأحوال كلها داخلة تحت قوله تعالى انفروا خفافاً وثقالاً يعني على أي حال كنتم فيهما. فإن قلت: فعلى هذا يلزم الجهاد لكل أحد حتى المريض والزمن والفقير وليس الأمر كذلك فما معنى هذا الأمر. قلت: من العلماء من حمله على الوجوب ثم إنه نسخ. قال ابن عباس: نسخت هذه الآية بقوله وما كان المؤمنون لينفروا كافة الآية. وقال السدي: نسخت بقوله: ليس على الضعفاء ولا على المرضى الآية ومنهم من حمل هذا الأمر على الندب. قال مجاهد: إن أبا أيوب الأنصاري شهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتخلف عن غزوة غزاها المسلمون بعده فقيل له في ذلك، فقال: سمعت الله عز وجل يقول انفروا خفافاً وثقالاً ولا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً وقال الزهري: خرج سعيد بن المسيب وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له: إنك عليل صاحب ضر فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد أو حفظت المتاع. وقال صفوان بن عمرو: كنت والياً على حمص فلقيت شيخاً قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو فقلت يا عم أنت معذور عند الله، فرفع حاجبيه وقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً إلا أنه من يحبه يبتليه والصحيح. هو القول الأول أنها منسوخة وأن الجهاد من فروض الكفايات ويدل عليه أن هذه الآيات نزلت في غزوة تبوك وأن النبي صلى الله عليه وسلم خلف في المدينة في تلك الغزوة النساء وبعض الرجال فدل ذلك على أن الجهاد من فروض الكفايات ليس على الأعيان والله أعلم. وقوله سبحانه وتعالى: {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} فيه قولان الأول أن الجهاد إنما يجب على من له مال يتقوى به على تحصيل آلاف الجهاد ونفس سليمة قوية صالحة للجهاد فيجب عليه فرض الجهاد والقول الثاني أن من كان له مال وهو مريض أو مقعد أو ضعيف لا يصلح للحرب فعليه الجهاد بماله بأن يعطيه غيره ممن يصلح للجهاد فيغزو بماله فيكون مجاهداً بماله دون نفسه {ذلكم} يعني ذلكم الجهاد {خير لكم} يعني من القعود والتثاقل عنه. وقيل: معناه أن الجهاد خير حاصل لكم ثوابه {إن كنتم تعلمون} يعني أن ثواب الجهاد خير لكم من القعود عنه ثم نزل في المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} الآية. لمَّا توعد من لا ينفر مع الرسول، أتبعه بهذا الأمر الجزم، فقال: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} نصبهما على الحال من فاعل "انفرُوا". قال الحسنُ، والضحاكُ، ومجاهد، وقتادة وعكرمة: "شُباناً وشُيوخاً". وعن ابن عباسٍ: نشاطاً وغير نشاط. وقال عطيةُ العوفي: ركباناً ومشاةً. وقال أبو صالحٍ: "خفافاً من المال، أي: فقراء و "ثقالاً" أي: أغنياء". وقال ابن زيد "الثقيل: الذي له الضيعة، والخفيف: الذي لا ضيعة له". وقيل: "خفافاً" من السلاح أي: مقلين منه، و "ثِقالاً" مستكثرين منه. وقال مرة الهمداني: صحاحاً ومراضاً. وقال يمان بن رباب "عزاباً ومتأهلين"، وقيل غير ذلك. والصحيح أنَّ الكلَّ داخل فيه؛ لأنَّ الوصف المذكور وصف كلّي؛ فيدخل فيه كل هذه الجزئيات، فقد روى ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أعَلَيَّ أنَّ أنفر؟ قال: "حديث : ما أنت إلاَّ خفيفٌ أو ثقيلٌ"تفسير : . فرجع إلى أهله ولبس سلاحه، ووقف بين يديه؛ فنزل قوله: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ}تفسير : [النور:61]. وقال مجاهدٌ: "إنَّ أبا أيُّوب شهد بدراً مع الرسول، ولم يتخلف عن الغزوات مع المسلمين، ويقول قال الله تعالى: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} فلا أجدني إلاَّ خفيفاً أو ثقيلاً". وعن صفوان بن عمرو قال: كنت والياً على حمص، فلقيت شيخاً قد سقط حاجباه، من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو، فقلت: يا عم أنت معذور عند الله، فرفع حاجبيه وقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً، إلا أنَّ من أحبَّه ابتلاه. وعن الزهري: خرج سعيدُ بنُ المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له: إنَّك عليل صاحب ضرر، فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن عجزت عن الجهاد كثرت السواد وحفظت المتاع. وقيل للمقداد بن الأسود وهو يريد الغزو أنت معذور، فقال: أنْزلَ اللهُ علينا في سورة براءة: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} [التوبة:41] والقائلون بهذا القول يقولون: إنَّ هذه الآية نسخت بقوله: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ}تفسير : [النور:61] وبقوله: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ}تفسير : [التوبة:91] وقال عطاء الخراساني نسخت بقوله {أية : وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً}تفسير : [التوبة:122]. ولقائل أن يقول: اتفقوا على أن هذه الآيات نزلت في غزوة تبوك، واتفقوا على أنَّهُ عليه الصَّلاة والسَّلام خلف النساء وخلف من الرجال أقواماً، فدلَّ ذلك على أنَّ هذا الوجوب ليس على الأعيان، بل من فروض الكفايات، فمنْ أمره الرسولُ بالخروج، لزمه خفافاً وثقالاً، ومن أمره بأن يبقى ترك النفير. وحينئذٍ لا حاجة إلى التزام النسخ. وأيضاً فقوله: {وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} [التوبة:42] دليل على أنَّ قوله: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} إنَّما يتناولُ من كان قادراً متمكناً، إذ لو لم تكن الاستطاعة معتبرة في ذلك التكليف، لما أمكنهم جعل عدم الاستطاعة عذراً في التخلف، فدلَّ على عدم النسخ فيها. قوله: {وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}. فيه قولان: الأول: أنَّها تَدُلُّ على أنَّ الجهادَ يجبُ على من له المال والنفس، ومن لم يكن له ذلك، لم يجب عليه الجهاد. والثاني: أنَّ الجهاد بالنفس يجب إذا انفرد وقوي، ويجب بالمالِ إذا ضعف عن الجهادِ بنفسه؛ فيلزمه أن ينيبَ من يغزُو عنه بنفقة من عنده، وذهب إلى هذا كثيرٌ من العلماء. ثم قال: {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}. فإن قيل: كيف يصح أن يقال: الجهادُ خير من القعُودِ عنه، ولا خير في القعود؟ فالجوابُ: من وجهين: الأول: أنَّ لفظ "خير" يستعمل في شيئين: أحدهما: بمعنى: هذا خير من الآخر. والثاني: أنه خير في نفسه، كقوله تعالى {أية : إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}تفسير : [القصص:24]. وقوله: {أية : وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}تفسير : [العاديات:8]، وعلى هذا سقط السُّؤال. والثاني: سلمنا أنَّ المراد كونه خيراً من غيره، إلا أن التقدير: أن ما يستفاد من نعيم الآخرة بالجهاد خير ممَّا يستفيده القاعد عنه من الرَّاحة والتنعم بها، ولذلك قال تعالى: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}. قوله: {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً} الآية. لمَّا بالغ في ترغيبهم في الجهادِ، وأمرهم بالنَّفير، عاد إلى تقرير كونهم متثاقلين، بقوله: {لَوْ كَانَ عَرَضاً} اسم "كان" ضميرٌ يعودُ على ما دل عليه السِّياق، أي: لو كان ما دعوتَهم إليه. والعرض: ما عرض لك من منافع الدُّنيا، والمراد هنا: غنيمة قريبة المتناول، {وَسَفَراً قَاصِداً} أي: سَهْلاً قريباً ههنا. "لاَّتَّبَعُوكَ" لخرجوا معك. ومثل بالقاصد، لأنَّ المتوسط، بين الإفراد والتفريط، يقال له: مُقتصدٌ. قال تعالى: {أية : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ}تفسير : [فاطر:32] ومعنى القاصد: ذو قصد، كقولهم: لابنٌ، وتامرٌ، ورابحٌ {وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ}. قرأ عيسى بن عمر، والأعرج "بَعِدَت" بكسر العين. وقرأ عيسى "الشِّقَّة" بكسر الشين أيضاً قال أبو حاتمٍ: هما لغة تميم. والشُّقَّة: الأرض التي يُشَقُّ ركوبُها، اشتقاقاً من المشقَّة. وقال الليثُ، وابن فارسٍ: هي الأرضُ البعيدة المسير، اشتقاقاً من الشِّق، أو من المشقَّة، والمعنى: بعدت عليهم المسافة وهذه الآية نزلت في المنافقين الذين تخلَّفُوا عن غزوة تبوك. قوله: {وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ} الجارُّ متعلقٌ بـ "سَيَحْلِفُونَ". وقال الزمخشريُّ "بِاللهِ" متعلقٌ بـ "سَيحْلفُونَ"، أو هو من جملة كلامهم، والقولُ مرادٌ في الوجهين، أي: سَيحْلِفُون، يعني: المتخلِّفين عند رجوعك معتذرين يقولون: باللهِ لو استطعنا أو سَيحْلفُونَ بالله يقولون: لو اسْتَطعْنَا. وقوله: "لَخَرجْنَا" سدَّ مسدَّ جواب القسم، و "لَوْ" جميعاً. قال أبو حيان: قوله: "لخَرجْنَا" سدَّ مسدَّ جواب القسمِ، و "لو" جميعاً"؛ ليس بجيد، بل للنحويين في هذا مذهبان: أحدهما: أنَّ "لَخَرجْنَا" جوابُ القسم وجوابُ "لَوْ" محذوفٌ، على قاعدة اجتماع القسم والشَّرط، إذا تقدَّم القسم على الشَّرط، وهذا اختيارُ ابن عصفورٍ. والآخر: أنَّ "لخَرجْنَا" جوابُ "لَوْ" و "لَوْ" وجوابها جواب القسم، وهذا اختيارُ ابن مالكٍ. أمَّا أنَّ "لخَرَجْنَا" سد مسدَّهما فلا أعلمُ أحداً ذهب إلى ذلك، ويحتمل أن يتأول كلامه على أنَّه لمَّا حذف جواب "لو" ودلَّ عليه جواب القسم جعل كأنَّهُ سدَّ مسدَّ جواب القسمِ، وجواب "لو". وقرأ الأعمشُ، وزيدُ بنُ عليٍّ "لوُ استطَعْنَا" بضم الواو، كأنَّهما فَرَّا من الكسرة على الواو وإن كان الأصل، وشبَّها واو "لَوْ" بواو الضَّمير، كما شبَّهوا واو الضَّمير بواو "لَوْ" حيث كسرُوها، نحو: {اشْتَرَواْ ٱلضَّلاَلَةَ} [البقرة:16]، لالتقاء الساكنين. وقرأ الحسنُ: {ٱشْتَرَوَاْ ٱلضَّلاَلَةَ}، و {لَوِ ٱسْتَطَعْنَا} بفتح الواو تخفيفاً. ولو قلت: "وأنا قائمٌ" حالاً من ضمير "ليفعلنَّ" لم يجز، وكذا عكسه، نحو: حلفَ زيدٌ لأفعلنَّ يقوم، تريد: قائماً، لم يجز. وأمَّا قوله: "وجاء به على لفظ الغائب؛ لأنه مُخْبرٌ عنهم" فمغالطةٌ، ليس مخبراً عنهم بقوله: "لَوِ استطَعْنَا لخَرجْنَا"، بل هو حاكٍ لفظ قولهم. ثمَّ قال: ألا ترى لو قيل: لو استطاعوا لخرجوا، لكان سديداً... إلى آخره. كلامٌ صحيحٌ، لكنه - تعالى - لم يقل ذلك إخباراً عنهم، بل حكايةٌ، والحالُ من جملة كلامهم المحكيّ، فلا يجوزُ أن يخالف بين ذي الحال وحاله، لاشتراكهما في العامل، لو قلت: قال زيدٌ: خرجت يضربُ خالداً، تريد: اضرب خالداً، لم يجز. ولو قلت: قالت هندٌ: خرج زيد أضرب خالداً، تريد: خرج زيد ضاربًا خالداً، لم يَجُزْ، انتهى. الرابعُ: أنَّها جملةٌ استئنافيةٌ، أخبر اللهُ عنهم بذلك. فصل معنى الآية: أنَّه لو كانت المنافع قريبة، والسَّفر قريباً لاتبعوك طمعاً منهم في الفوزِ بتلك المنافع، ولكن طال السفرُ، وكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة، بسبب استعظامهم غزو الرُّوم، فلهذا تخلَّفُوا، ثمَّ أخبر تعالى أنه إذا رجع من الجهادِ يجدهم: {سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} إمَّا عند ما يعاتبهم بسبب التخلف، وإمَّا ابتداءً على طريقة إقامة العذر في التخلف، ثم بيَّن أنَّهم يهلكون أنفسهم بسبب الكذب والنِّفاق، وهذا يَدُلُّ على أن الأيمان الكاذبة توجب الهلاك، ولهذا قال عليه الصَّلاة والسَّلام "حديث : اليمينُ الغموسُ تدعُ الدِّيارَ بلاقعَ"تفسير : . ثم قال: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} في قولهم ما كنا نستطيع الخروج فإنهم كانوا مستطيعين الخروج، فكانوا كاذبين في أيمانهم. فصل قالوا: الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - أخبر عنهم أنَّهم سيحلفون، وهذا إخبار عن غيب يقع في المستقبل، والأمر لمَّا وقع كما أخبر كان إخباراً عن الغيب، فكان معجزاً. قوله تعالى: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} الآية. لمَّا بيَّن تعالى بقوله: {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ} أنه تخلف قوم عن ذلك الغزو، وليس فيه بيان أنَّ ذلك التخلف كان بإذن الرسول أم لا؟ فلمَّا قال بعده: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} دلَّ هذا، على أنَّ فيهم من تخلَّف بإذنه. قوله: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} "لِمَ"، و "لَهُمْ" كلاهما متعلقٌ بـ "أذِنْتَ"، وجاز ذلك؛ لأنَّ معنى اللاَّمين مختلف؛ فالأولى للتعليل، والثانية للتبليغ. وحذفت ألفُ "ما" الاستفهامية لانجرارها، وتقديمُ الجارِّ للأول واجبٌ؛ لأنَّه جرَّ ما له صدرُ الكلام، ومتعلَّقُ الإذن محذوفٌ، يجوزُ أن يكون القُعود، أي: لِمَ أذنت لهم في القعود، ويدل عليه السِّياق من اعتذارهم عن تخلُّفِهم عنه عليه السلام. ويجوزُ أن يكون الخروج، أي: لِمَ أذنت لهم في الخروج، لأنَّ خروجهم فيه مفسدةٌ من التخذيل، وغيره، يدلُّ عليه: {أية : لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً}تفسير : [التوبة:47]. قوله: "حتَّىٰ يتبيَّن" يجوزُ في "حتى" أن تكون للغاية، ويجوز أن تكون للتعليل، وعلى كلا التقديرين فهي جارَّةٌ، إمَّا بمعنى "إلى"، وإمَّا بمعنى اللام، و "أنْ" مضمرةٌ بعدها، ناصبة للفعل، وهي متعلقة بمحذوفٍ. قال أبُو البقاءِ: "تقديرهُ: هَلاَّ أخَّرْتَهم إلى أن يَتبيَّنَ، أو ليتبيَّن، وقوله: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} يدُلُّ على المحذوف، ولا يجُوزُ أن تتعلَّق "حتَّى" بـ "أذِنْتَ" لأنَّ ذلك يوجب أن يكون أذنَ لهم إلى هذه الغاية، أو لأجل التَّبيين، وذلك لا يُعاتبُ عليه" وقال الحوفيُّ: "حتى غاية لِمَا تضمَّنه الاستفهامُ، أي: ما كان له أن يأذن لهم، حتى يتبيَّن له العُذْر". وفي هذه العبارة بعضُ غَضَاضةٍ. فصل احتجُّوا بهذه الآية على أنَّ الرسول - عليه الصَّلاة والسَّلام -؛ كان يحكم بمقتضى الاجتهاد في بعض الوقائع، ولدخوله عليه الصلاة والسلام تحت قوله تعالى: {أية : فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ}تفسير : [الحشر:2] والرسول - عليه الصَّلاة والسَّلام - كان سيداً لهُم، ثمَّ أكَّدُوا ذلك بهذه الآية فقالوا: إمَّا أن يقال: إنه تعالى أذن له في ذلك الإذن، أو منعه عنه، أوْ مَا أذن له فيه وما منعهُ عنه والأول باطلٌ، وإلاَّ امتنع أن يقول له: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}، والثاني باطل؛ لأنه يلزم منه أن يقال: إنَّه حكم بغير ما أنزل الله، فيدخل تحت قوله: {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ}تفسير : [المائدة:44-47] الآيات. وذلك باطل بصريح القول. فلمْ يبق إلاَّ أنَّه عليه الصلاة والسلام أذن في تلك الواقعة من تلقاء نفسه، فإمَّا أن يكون ذلك عن اجتهاد، أو لا، والثاني باطل؛ لأنه حكم بمجرد التشهي وهو باطل كقوله تعالى: {أية : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ}تفسير : [مريم:59] فلمْ يبق إلاَّ أنه عليه الصَّلاة والسَّلام أذن في تلك الواقعة بالاجتهاد. فإن قيل: الآية تدلُّ على أنَّهُ لا يجوز له الاجتهاد؛ لأنه تعالى منعه بقوله: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}؟ فالجوابُ: أنه تعالى ما منعه من الإذن مطلقاً، لقوله تعالى: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ} [التوبة:43] والحكم الممدود إلى غاية بـ "حتّى" يجب انتهاؤه عند حصول الغاية فدلَّ على صحة قولنا. فإن قالوا: لِمَ لا يجوز أن يكون المرادُ من ذلك التَّبيين هو التَّبيين بطريق الوحي؟. فالجواب: ما ذكرتموه محتمل؛ إلاَّ أنه على تقديركم، يصير تكليفه، أن لا يحكم ألبتة، حتى ينزل الوحي، فلمَّا ترك ذلك، كان كبيرة، وعلى تقديرنا يكون ذلك الخطأ خطأ في الاجتهاد فيؤجر عليه، لقوله: "ومن اجتهد فأخطأ فله أجر" فكان حمل الكلامِ عليه أولى. فصل دلَّت هذه الآية على وجوب التثبت، وعدم العجلة، والتَّأنِّي، وترك الاغترار بظواهر الأمور، والمبالغة في التفحص، حتَّى يمكنه أن يعامل كل فريق بما يستحقه. فصل قال قتادةُ: عاتبه الله كما تسمعون في هذه الآية، ثمَّ رخَّص له في سورة النُّور فقال: {أية : فَإِذَا ٱسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ}تفسير : [النور:62]. فصل قال أبُو مسلم الأصفهاني في قوله {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}: ليس فيه ما يدل على أنَّ الإذن في ماذا؟ فيحتمل أن بعضهم استأذن في القُعُودِ؛ فأذن له، ويحتملُ أن بعضهم استأذن في الخروجِ؛ فأذن له، مع أنَّ ما كان خروجهم معه صواباً، لكونهم عيوناً للمنافقين على المسلمين، وكانوا يثيرون الفتنَ، فلهذا ما كان خروجهم مع الرَّسُول مصلحة، قال القاضي "هذا بعيدٌ؛ لأن هذه الآية نزلتْ في غزوة تبوك على وجه الذَّم للمتخلفين، والمدح للمبادرين وأيضاً ما بعد هذه الآية يدل على ذم القاعدين وبيان حالهم".

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وأبو الشيخ عن أبي الضحى رضي الله عنه قال‏:‏ أوّل ما نزل من براءة ‏ {‏انفروا خفافاً وثقالاً} ‏ ثم نزل أولها وآخرها‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي مالك رضي الله عنه قال‏:‏ أول شيء نزل من براءة ‏{‏انفروا خفافاً وثقالا‏ً}‏ ثم نزل أولها وآخرها‏. ‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي مالك رضي الله عنه قال‏:‏ أول شيء نزل من براءة ‏ {‏انفروا خفافاً وثقالاً‏} ‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏انفروا خفافاً وثقالا‏ً} ‏ قال‏:‏ نشاطاً وغير نشاط‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحكم في قوله ‏{‏انفروا خفافاً وثقالا‏ً} ‏ قال‏:‏ مشاغيل وغير مشاغيل‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏{‏انفروا خفافاً وثقالاً} ‏ قال‏:‏ في العسر واليسر‏. وأخرج ابن المنذر عن زيد بن أسلم رضي الله عنه في قوله ‏ {‏خفافاً وثقالا‏ً} ‏ قال‏:‏ فتياناً وكهولاً‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عكرمة في قوله ‏{‏خفافاً وثقالا‏ً} ‏ قال‏:‏ شباباً وشيوخا‏ً. ‏ وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ قالوا‏:‏ إن فينا الثقيل وذا الحاجة والصنعة والشغل والمنتشر به أمره في ذلك، فأنزل الله ‏{‏انفروا خفافاً وثقالا‏ً} ‏ وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا خفافاً وثقالاً وعلى ما كان منهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه قال‏:‏ جاء رجل زعموا أنه المقداد وكان عظيماً سميناً، فشكا إليه وسأله أن يأذن له فأبى، فنزلت يومئذ فيه ‏ {‏انفروا خفافاً وثقالا‏ً} ‏ فلما نزلت هذه الآية اشتد على الناس شأنها، فنسخها الله فقال ‏{أية : ليس على الضعفاء ولا على المرضى‏}‏ ‏تفسير : [‏التوبة: 91‏]‏ الآية‏. وأخرج ابن جرير عن حضرمي قال‏:‏ ذكر لنا أن أناساً كانوا عسى أن يكون أحدهم عليلاً أو كبيراً فيقول‏:‏ إني لا آثم، فأنزل الله ‏ {‏انفروا خفافاً وثقالا‏ً} ‏ الآية. وأخرج ابن سعد وابن أبي عمر العدني في مسنده وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس بن مالك‏.‏ أن أبا طلحة قرأ سورة براءة، فأتى على هذه الآية ‏ {‏انفروا خفافاً وثقالاً} ‏ قال‏:‏ أرى ربنا يستنفرنا شيوخاً وشبابا‏ً.‏ وفي لفظ فقال‏:‏ ما أسمع الله عذر أحداً جهزوني‏.‏ قال بنوه‏:‏ يرحمك الله تعالى قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، وغزوت مع أبي بكر حتى مات وغزوت مع عمر رضي الله عنه حتى مات، فنحن نغزو عنك‏.‏ فأبى فركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد تسعة أيام، فلم يتغير فدفنوه فيها‏. وأخرج ابن سعد والحاكم عن ابن سيرين رضي الله عنه قال‏:‏ شهد أبو أيوب رضي الله عنه بدراً ثم لم يتخلف عن غزوة للمسلمين إلا عاماً واحداً، وكان يقول‏:‏ قال الله ‏ {‏انفروا خفافاً وثقالاً‏} ‏ فلا أجدني إلا خفيفاً وثقيلاً‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن أبي راشد الحبراني قال‏:‏ رأيت المقداد فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص يريد الغزو فقلت‏:‏ لقد أعذر الله تعالى إليك‏.‏ قال‏:‏ ابت علينا سورة التحوب ‏ {‏انفروا خفافاً وثقالا‏ً} ‏ يعني سورة التوبة‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي يزيد المديني قال‏:‏ كان أبو أيوب الأنصاري والمقداد بن الأسود يقولان‏:‏ أمرنا أن تنفر على كل حال، ويتأوّلان قوله تعالى ‏{‏انفروا خفافاً وثقالا‏ً} ‏‏.

ابو السعود

تفسير : { ٱنْفِرُواْ} تجريدٌ للأمر بالنفور بعد التوبـيخِ على تركه الإنكار على المساهلة فيه وقوله تعالى: {خِفَافًا وَثِقَالاً} حالان من ضمير المخاطبـين أي على أيّ حالٍ كان من يُسر وعُسر حاصلَين بأي سببٍ كان من الصِحة والمرض، أو الغِنى والفقر، وقلةِ العيال وكثرتِهم أو غير ذلك مما ينتظمه مساعدةُ الأسباب وعدمُها بعد الإمكان والقدرةِ في الجملة، وما ذكر في تفسيرهما من قولهم: خفافاً لقلة عيالِكم وثقالاً لكثرتها أو خِفافاً من السلاح وثِقالاً منه أو رُكباناً ومُشاةً أو شباناً وشيوخاً أو مهازيلَ وسِماناً أو صِحاحاً ومِراضاً ليس لتخصيص الأمرَين المتقابلَين بالإرادة من غير مقارنةٍ للباقي وعن ابن أمّ مكتومٍ أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أعليّ أن أنفِر؟ قال عليه الصلاة والسلام: «نعم» حتى نزل {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ }تفسير : . وعن ابن عباس رضي الله عنهما نسخت بقوله عز وجل: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَاء وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ }تفسير : [التوبة: 91] الآية {وَجَـٰهِدُواْ بِأَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} إيجابٌ للجهاد بهما إن أمكن وبأحدهما عند إمكانِه وإعوازِ الآخَر، حتى إن من ساعده النفسُ والمالُ يجاهدُ بهما ومن ساعده المالُ دون النفسِ يغزو مكانَه مَنْ حالُه على عكس حالِه. إلى هذا ذهب كثيرٌ من العلماء وقيل: هو إيجابٌ للقسم الأول فقط {ذٰلِكُمْ} أي ما ذكر من النفير والجهادِ، وما في اسم الإشارةِ من معنى البعدِ للإيذان ببعد منزلِته في الشرف {خَيْرٌ لَّكُمْ} أي خيرٌ عظيمٌ في نفسه أو خبر مما يبتغىٰ بتركه من الراحة والدعةِ وسَعةِ العيشِ والتمتع بالأموال والأولاد {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي تعلمون الخيرَ علمتم أنه خيرٌ أو إن كنتم تعلمون أنه خيرٌ إذ لا احتمال لغير الصدقِ في أخبار الله تعالى فبادروا إليه. {لَّوْ كَانَ} صرفٌ للخطاب عنهم وتوجيهٌ له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تعديداً لما صدَر عنهم من الهَنات قولاً وفعلاً على طريق المباثةِ وبـياناً لدناءة هممِهم وسائرِ رذائلِهم أي لو كان ما دعَوا إليه {عَرَضًا قَرِيبًا} العرَضُ ما عرَض لك من منافعِ الدنيا أي لو كان ذلك غُنماً سَهلَ المأخذِ قريبَ المنال {وَسَفَرًا قَاصِدًا} (ذا قصدٍ) بـين القريبِ والبعيد {لاَّتَّبَعُوكَ} في النفير طمعاً في الفوز بالغنيمة، وتعليقُ الاتباعِ بكلا الأمرين يدل على عدم تحققِه عند توسّط السفرِ فقط {وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ} أي المسافةُ الشاطّةُ التي تُقطع بمشقة وقرىء بكسر العين والشين {وَسَيَحْلِفُونَ} أي المتخلفون عن الغزو وقوله تعالى: {بِٱللَّهِ} إما متعلقٌ بسيحلفون أو هو من جملة كلامِهم والقولُ مرادٌ على الوجهين أي سيحلفون بالله اعتذاراً عند قفولك قائلين: {لَوِ ٱسْتَطَعْنَا} أو سيحلِفون قائلين: بالله لو استطعنا الخ، أي ولو كان لنا استطاعةٌ من جهة الصحةِ أو من جهتهما جميعاً حسبما عنّ لهم من الكذب والتعللِ، وعلى كلا التقديرين فقوله تعالى: {لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} سادٌّ مسدَّ جوابـي القسمِ والشرط جميعاً. أما على الثاني فظاهرٌ وأما على الأول فلأن قولَهم: لو استطعنا في قوة بالله لو استطعنا لأنه بـيانٌ لقوله تعالى: {سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ} وتصديقٌ له، والإخبارُ بما سيكون منهم بعد القُفولِ ـ وقد وقع حسبما أُخبر به ـ من جملة المعجزات الباهرة، وقرىء لو استطعنا بضم الواو تشبـيهاً لها بواو الجمع كما في قوله عز وجل: {أية : فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ} تفسير : [البقرة: 94] {يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ} بدلٌ من سيحلفون لأن الحلِفَ الكاذبَ إهلاكٌ للنفس ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : اليمينُ الفاجرةُ تدع الديارَ بلاقِعَ»تفسير : . أو حالٌ من فاعله أي مهلِكين أنفسَهم أو من فاعل خرَجْنا، جيء به على طريقة الإخبارِ عنهم كأنه قيل: نهلك أنفسَنا أي لخرَجْنا معكم مهلِكين أنفسَنا كما في قولك: حلَف ليفعلن مكان لأفعلن {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} أي في مضمون الشرطيةِ وفيما ادّعَوا ضمناً من انتفاء تحققِ المقدم حيث كانوا مستطيعين للخروج ولم يخرجوا.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [الآية: 41]. قال ابن عطاء: خفافًا بقلوبكم، وثقالاً بأبدانكم. قال أبو عثمان فى قوله: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} فى وقت النشاط والكراهية، فإن البيعة على هذا وقعت، كما روى عن جرير بن عبد الله أنه قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فى المنشط والمكره". وقال بعضهم: انفروا خفافًاً إلى الطاعات، وثقالاً إلى المخالفات. {وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} الفقر ألاَّ تمنعوهم حقوقهم، وجاهدوا بأنفسكم الشياطين كى لا يستولى عليكم. قال بعضهم: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} قال: هو نزع القلب عن الأمانى الباطلة، وإخراج العادات القبيحة عن النفس.

القشيري

تفسير : أمرهم بالقيام بحقه، والبدار إلى أداء أمره في جميع أحوالهم. "خفافاً" يعني في حال حضور قلوبكم، فلا يمسُّكم نَصَبُ المجاهدات. "وثقالا" إذا رُدِدْتُم إليك في مقاساة تعب المكابدات. فإنَّ البيعةَ أُخِذَتْ عليكم في (...) و (...). ويقال "خفافا" إذا تحررتم من رِقِّ المطالبات والاختيار، "وثقالا" إذا كان على قلوبكم ثقل الحاجات، وأنتم تؤمِّلُون قضاءَ الحقِّ مآرِبَكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {انفروا} اى اخرجوا ايها المؤمنون مع النبى عليه السلام الى غزوة تبوك. قال تاج المصادر النفير والنفور [بسفر بيرون شدن] {خفافا وثقالا} جمع خفيف وثقيل اى حال كونكم شبانا وشيوخا او فقراء او اغنياء او ركبانا ومشاتا او اصحاء ومرضى او عزبا او متأهلين او خفافا مسرعين خارجين ساعة استماع النفير وثقالا بعد التروية فيه الاستعداد له او مقلين من السلاح ومكثرين منه او نشاطا وغير نشاط اى خفت عليكم الحركة او ثقلت او مشاغيل وغير مشاغيل او مهازيل وسمانا واقوياء وضعفاء يا غريبان وكدخدايان كما فى الكاشفى وهذا ليس لتخصيص الامرين المتقابلين بالارادة من غير مقارنة للباقى. قال المولى ابو السعود اى على أى حال كان من يسر او عسر بأى سبب كان من الصحة والمرض او الغنى والفقر او قلة العيال وكثرتهم او غير ذلك مما ينتظمه مساعدة الاسباب وعدمها بعد الامكان والقدرة فى جمله. حديث : وعن ابن مكتوم اعلىّ ان انفر فقال عليه السلام "نعم" فرجع الى اهله فلبس سلاحه ووقف بين يديه فنزل قوله تعالى {ليس على الاعمى حرج} تفسير : [الفتح: 17] وعن ابن عباس رضى الله عنهما نسخت بقوله تعالى {أية : ليس على الضعفاء ولا على المرضى} تفسير : [التوبة: 91]. الآية [سلمى ميكويد سبك روحان بارتكاب طاعات وكران باران از مباشرت مخالفات. امام قشيرى ميفرمايد كه خفاف آنانندكه از بند شهود ما سوى آزادند وثقال ايشانند كه بقيد تعلقات مقيدانند] وفى بحر الحقائق انفروا ايها الطلاب فى طلب الحق خفافا مجردين عن علائق الاولاد والاهالى منقطعين عن عوائق الاموال والاملاك وثقالا متمولين ومتأهلين وايضا خفافا مجذوبين بالعناية وثقالا سالكين بالهداية [يعنى خفاف مجذوبانند از كشش عنايت براه سلوك در آمده وثقال سالكانندكه بيرورش متوجه جذبه حقانى شده هردو طائفه درراهند اما يكى ببال كشش مى برد ويكى بباى كوشش راه ميبرد آنكه بياميره د درهر قدمى عالمى زير باميكند وآنكه ببال اقبال مى برديدم بساط مشاهدة ما سوى را طى مى كند] شعر : مرد عارف جون بدان برمى برد در دمى از نه فلك مى بكذرد سير زاهد در دمى يك روزه راه سير عارف هر زمان تا تخت شاه تفسير : {وجاهدوا} [وجهاد كنيد] والجهاد فى الاصطلاح قتال الكفار لتقوية الدين كما فى شرح الترغيب المنذرى وهو المراد بما فى خالصة الحقائق نقلا عن اهل الحكمة الجهاد بذل المجهود وقتال المتمردين حملا لهم على الاسلام ومنعا لهم عن عبادة الاصنام. واعلم ان الجهاد لا ينافى كونه عليه السلام نبى الرحمة وذلك انه مأمور بالجهاد مع من حالفه من الامم بالسيف ليرتدعوا عن الكفر وقد كان عذاب الامم المتقدمة عند مخالفة انبيائهم بالهلاك والاستئصال فاما هذه الامة فلم يعالجوا بذلك كرامة لنبيهم عليه السلام ولكن يجاهدوا بالسيف وله بقية بخلاف العذاب المنزل وقد روى ان قوما من العرب قالوا يا رسول الله افنانا السيف فقال "حديث : ذلك ابقى لآخركم " .تفسير : كذا فى ابكار الافكار {باموالكم} [بمالهاى خودكه تهيئه زاد وسلاح كنيد] {وأنفسكم} [وبنفسهاى خو كه مباشر كار زار كرديد] فهو ايجاب للجهاد بهما ان امكن وباحدهما عند امكانه واعواز الآخر حتى ان من ساعده النفس والمال يجاهد بهما ومن ساعده المال دون النفس يغزى مكانه من حاله على عكس حاله. وفى التأويلات النجمية وانما قدم انفاق المال فى طلب الحق على بذل النفس لان بذل النفس مع بقاء الصفات الذميمة غير معتبر وهى الحرص على الدنيا والبخل بها قاشار بانفاق المال الى ترك الدنيا وفى الحديث "حديث : تعس عبد الدينار وعبد الدرهم " . تفسير : قوله تعس بفتح العين وكسرها عثر او هلك او لزمه الشر وسقط لوجهه او انتكب وهو دعاء عليه اى اتعسه الله وانما دعا عليه السلام على عبد الدينار والدرهم لانه حرص على تحصيل المال من الحرام والحلال وبخل بالانفاق فى سبيل الملك الخلاق فوقف على متاع الدنيا الفانى وترك العمل لنعيم الآخرة الباقى: قال السلطان ولد قدس سره شعر : بكذار جهان راكه جهان آن تونيست وين دم كه همى زنى بفرمان تونيست كرمال جهان جمع كنى شاد مشو ورتكيه بجان كنى جان كنى جان آن تو نيست تفسير : {فى سبيل الله} هذا اللفظ عام يقع على كل عمل خالص لله تعالى سلك به طريق التقرب الى الله تعالى باداء الفرائض والنوافل وانواع الطاعات واذا اطلق فهم فى الغالب واقع على الجهاد حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه كما فى شرح الترغيب. يقول الفقير فمعنى فى سبيل الله اى فى الطريق الموصل الى الجنة والقربة والرضى وهو ان لا يكون بهوى وغرض وان كان حصول الجنة كما فى المفاتيح -حكى- انه كتب واحد الى يوسف بن اسباط وهو من متقدمى الصوفية ان نفسى تنازعنى الى الغزو فما تقول فيه فكتب فى الجواب لان ترد نفسك عن هواها خير من ان تقتل او تقتل فى المعركة -وحكى- انه لما دنا قتيبة بن مسلم من بلدة بخارى ليفتحها فانتهى الى جيحون اخذ الكفار السفن حتى لا يعبر جيش المسلمين عليها فقال قتيبة اللهم ان كنت تعلم انى ما خرجت الا للجهاد فى سبيلك ولاعزاز دينك ولوجهك فلا تغرقنى فى هذا البحر وان خرجت لغير هذا فاغرقنى فى هذا البحر ثم ارسل دابته فى جيحون فعبره مع اصحابه باذن الله -روى- ان بعضهم رأى ابليس فى صورة شخص يعرفه وهو ناحل الجسم مصفر اللون باكى العين محقوقف الظهر فقال له ما الذى انحل جسمك قال صهيل الخيل فى سبيل الله ولو كان فى سبيلى لكان احب الىّ فقال له ما الذى غير لونك فقال تعاون الجماعة على الطاعة ولو تعاونوا على المعصية لكان احب الىّ قال فما الذى ابكى عينك قال خروج الحاج اليه لا بتجارة اقول قد قصدوه او خاف ان لا يخيبهم فيحزننى ذلك وفى الصحيحين حديث : عن ابى سعيد يرفعه قيل يا رسول الله اى الناس افضل فقال رسول الله "مؤمن مجاهد بنفسه وماله" قالوا ثم من قال "مؤمن فى شعب من الشعاب يتقى الله ويدع الناس من شره" .تفسير : {ذلكم} اى ما ذكر من النفير والجهاد {خير لكم} من القعود وترك الامداد. فان قيل ما معنى كون الجهاد خيرا من تركه والحال انه لا خير فى تركه. اجيب بان معناه ان ما يستفاد من الجهاد من ثواب الآخرة خير مما يستفيده القاعد عنه من الراحة وسعة العيش والتنعم بهما كما قال فى البحر الخيرية فى الدنيا بغلبة العدو ووراثة الارض وفى الآخرة بالثواب ورضوان الله تعالى. قال سعد جلبى وفى الترك خير دنيوى فيه الراحة {ان كنتم تعلمون} الخير علمتم انه خير لان فيه استجلاب خير الدنيا وخير الآخرة وفى خلافه مفاسد ظاهرة. وفى بحر الحقائق ترك الدنيا وبذل النفس خير لكم فى طلب الحق من المال والنفس {ان كنتم تعلمون} قدر طلب الحق وعزة السير اليه فان الحاصل من المال والنفس الوزر والوبال والحاصل من الطلب الوصول والوصال انتهى. قال فى زبدة التفاسير عن انس رضى الله عنه ان ابا طلحة رضى الله عنه قرأ سورة براءة فاتى على هذه الآية {إنفروا خفافا وثقالا} فقال اى بنى جهزونى فقال بنوه رحمك الله فقد غزوت مع مع النبى عليه السلام حتى مات ومع ابى بكر وعمر رضى الله عنهما حتى ماتا فنحن نغزو عنك فقال لاجهزونى فغزا بحرا فمات فى البحر فلم يجدوا لهم جزيرة يدفنونه فيها الا بعد سبعة ايام فدفنوه فيها ولم يتغير. يقول الفقير وذلك لان اجساد الانبياء والاولياء والشهداء لا تبلى ولا تتغير لما ان الله تعالى قد نقى ابدانهم من العفونة الموجبة للتفسخ وبركة الروح المقدس الى البدن كالاكسير ثم ان الناس صنفان ارباب رخصة واصحاب عزيمة ولله در أصحاب العزيمة فى مسابقتهم ومسارعتهم فعليك بطريقتهم وسيرتهم. وهذه الآية الكريمة متعلقة بمرتبة النفس واصلاحها فان النفس مجبولة على حب المال وفى بذله تزكيتها عن هذه الرذيلة فمن علم ان الغنى والفقر من الله تعالى وآمن بالقدر ايمانا عيانيا هان عليه البذل ولم يبق عنده مقدار للمال كما ان من علم ان الموت بالاجل وان المرء لا يموت قبل حلول ذلك الاجل لا يفر من محاربة العدو وحفظ المال وامساكه انما يحسن لاجل الانفاق وقت الحاجة والا فكنزه مذموم [كويند كه نافع مولاى عبد الله بن عمر رضى الله عنهما كه استاد امام شافعى بوددروقت مردن كفت اين جايكه را بكنيد بكندند بيست هزار درم درسبويى بديد آمد كفت آنكاه كه ازجنازه من باز آمده باشيد بدرويش دهيد اورا كفتند يا شيخ جون تو كسى درم نهد كفت بحق اين وقت تنك كه زكاة وى بركردن من نيست وهركز عيالان خودرا بسختى نداشتم لكن هركاه كه مرا آرزويى بودمى آنجه بدان آرزو بايستى دادن درسبو افكندمى تا اكرمرا سختى بيش آيد بدر سفله نبايد رفتن] كذا فى شرح الشهاب. وفى هذه الحكاية امور. الاول ان من كان اماما للناس ومقتدى فى الدين لا ينبغى له ان يدخر ويكنز المال طمعا وحرصا لان الناس على دين ملوكهم وقد قيل [شيخ جون مائل بمال آيد مريداو مباش مائل دينار هركز مالك ديدار نيست]. والثانى ان من غلبت عليه شهوته فمنع طبيعته عن مقتضاها بامساك ماله عن الصرف لها رجاء بذله لخير منه فقد جاهد مع نفسه وطبيعته اما مع نفسه فلانه ما كتم المال لاجل الكنز بل لاجل البذل لانفع شيء فى وقت مّا. واما مع طبيعته فلانه منعها من مقفتضاها وراضها ومثل هذا هو الجهاد الاكبر. والثالث ان عرض الاحتياج على اللئيم ملوم مذموم شرعا وطريقة ولذا من جاع واحتاج فكتمه عن الناس واقبل الى الله تعالى كان على الله ان يفتح له رزق سنة والشكاية من الحبيب الى الحبيب عين التوحيد والى غيره شرك تعلق به الوعيد. فعلى العاقل ان يختار طريق اصحاب الصفة فانهم كانوا مع الحق وفى معاونته دائما ببذل اموالهم ان منحوا وانفسهم ان منعوا لان ما لا يدرك كله لا يترك كله فكل مأمور بمقدار طاقته وليست الطاعة الا بقدر الطاقة هذا واللائح بالبال والله اعلم بحقيقه الحال نسأل الله سبحانه ان يوفقنا لبذل المجهود وترك ملاحظة المفقود ويوصلنا الى جنابه انه هو المروم والمقصود

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (يُهلكون): حال من فاعل (يحلفون)، أو بدل منه. قال في القاموس: (الشقة) ـ بالضم والكسر: البُعد والناحية يقصدها المسافر، والسفر، البعيد والمشقة. هـ. يقول الحق جل جلاله: {انفرُوا} للجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم، حال كونكم {خِفافاً}؛ نشاطاً، {وثِقالاً}؛ كسالى لمشقته، أو (خفاقاً) لمن قَلَّ عياله، (وثقالاً) لمن كثر عياله، أو خفافاً لمن كان فقيراً، وثقالاً لمن كان غنياً، أو خفافاً ركباناً، وثقالاً مشاة، أو خفافاً بلا سلاح، وثقالاً بالسلاح، أو خفافاً شباباً، وثقالاً شيوخاً، أو خفافاً أصحاء، وثقالاً مرضى. ولذلك قال ابنُ أمِّ مكتوم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أَعَليَّ الغزو يا رسول الله؟ قال: "حديث : نعم"،تفسير : حيث نزل: {أية : ليسَ عَلَيكُم جُناحُ}تفسير : [النور: 61]. {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} أي: بما أمكن؛ إمّا بهما أو بأحدهما، {ذلكم خير لكم}، مِنْ تركه، {إن كنتم تعلمون} ما في ذلك من الأجر العظيم والخير الجسيم، أي: لو علمتم ذلك ما قعدتم خلف سرية. ثم عاتب من أراد التخلف، فقال: {لو كان عرضاً قريباً} من الدنيا، {وسفراً قاصداً}؛ متوسطاً أو قريباً، {لاتَّبعوك} أي: لو كان ما دعوا إليه أمراً دنيوياً، كغنيمة كبيرة، أو سفراً متوسطاً، لاتبعوك ولوافقوك على الخروج، {ولكن بَعُدتْ عليهم الشُّقَّةُ} أي: المسافة التي تقطع بمشقة، وذلك أن الغزوة ـ أي: تبوك ـ كانت إلى أرض بعيدة، وكانت في شدة الحر، وطيب الثمار، فشقت عليهم. {وسيحلفون بالله} أي: المتخلفون إذا رجعت من تبوك، معتذرين، يقولون: {لو استطعنا} الخروج {لخرجنا معكم}، لكن لم تكن لنا استطاعة من جهة العُدة والبدن وهذا إخبار بالغيب قبل وقوعه. {يُهلِكُونَ أنفسهم} بوقوعها في العذاب، {والله يعلم إِنهم لكاذبون} في ذلك؛ لأنهم كانوا مستطيعين الخروج، وإنما قعدوا كسلاً وجُبْناً، والله تعالى أعلم. الإشارة: انفروا إلى الجهاد أنفسكم وقطع علائقكم وعوائقكم، لكي تستأهلوا لدخول حضرة ربكم، وسافروا إلى من يعينكم ويقوي مدد أجناد أنواركم، وهم المشايخ العارفون، فسيروا إليهم خفافاً وثقالاً، ونشاطاً وكُسَّالاً، والغالب أن النفس يشق عليها ما يكون سبباً في قتلها فلا ينفر إليها خفافاً أول مرة إلا النادر. ثم أمر ببذل الأموال والمُهج في طريق الوصول إلى حضرة الله، وعاتب من تخلف عن ذلك وطلب الراحة والبقاء في وطن نفسه. قال القشيري: أمرهم بالقيام بحقه، والبدار إلى أداء أمره على جميع أحوالهم، {خفافاً} أي: في حال حضور قلوبكم، فلا يمسُّكم نَصَبُ المجاهدات، {وثقالاً} أي: إذا رُدِدتُم إليكم في مقاساة نصب المكابدات. فإن البيعةَ أُخِذَتْ عليكم في المنشط والمكره. هـ. ومثله عند الورتجبي عن أبي عثمان قال: خفافاً وثقالاً؛ في وقت النشاط والكراهية، فإن البيعة على هذا وقعت، كما روى عن جرير بن عبد الله أنه قال: بايعنا رسول الله على المنشط والمكره. هـ. ثم عاتب رسولَه صلى الله عليه وسلم لشدة قربه، وعظيم منزلته، وتَلَطَّفَ له على إذنه للمنافقين في التخلف، فقال: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}.

الطوسي

تفسير : هذا امر من الله تعالى للمؤمنين أن ينفروا إلى جهاد المشركين خفافاً وثقالا وقيل في معنى {خفافاً وثقالاً} ثمانية أقوال: احدها - قال الحسن ومجاهد والضحاك والجبائي: إن معناه شباناً وشيوخاً. وثانيها - قال صالح: معناه أغنياء وفقراء. وثالثها - قال ابن عباس وقتادة: نشاطاً وغير نشاط. ورابعها - قال ابو عمرو: ركباناً ومشاة. وخامسها - قال ابن زيد: ذا صنعة وغير ذي صنعة. وسادسها - قال الحكم: مشاغيل وغير مشاغيل. وسابعها - قال الفراء: ذو العيال، والميسرة: هم الثقال، وذو العسرة وقلة العيال هم الخفاف. وثامنها - ان يحمل على عمومه فيدخل فيه جميع ذلك، وهو الأولى والأليق بالظاهر، وهو اختيار الطبري، والرماني ويكون ذلك على حال خفة النفير وثقله لأن هذا الذي ذكر يجري مجرى التمثيل لما يعمل هذا العمل به. وقوله {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم} أمر من الله لهم بأن يجاهدوا في قتال اعدائه بأموالهم وأنفسهم. والجهاد بالمال واجب كالجهاد بالأنفس، وهو الانفاق في سبيل الله، وظاهر الاية يدل على وجوب ذلك بحسب الامكان. فمن لم يطق الجهاد إلا بالمال فعليه ذلك يعين به من ليس له مال. وظاهر الآية يقتضي وجوب مجاهدة البغاة كما يجب مجاهدة الكفار، لأنه جهاد في سبيل الله، ولقوله {أية : فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله } تفسير : فأوجب قتال البغاة إلى حين يرجعوا إلى الحق. وقوله {ذلكم خير لكم} إشارة إلى الجهاد وتقديره ذلك الجهاد خير لكم. وإنما قال {خير لكم} وان لم يكن في ترك الجهاد خير؛ لأحد أمرين: احدهما - خير من تركه إلى المباح. والثاني - ان فيه الخير لكم لا في تركه، فلا يكون خير بمعنى أفعل من كذا. وقوله {إن كنتم تعلمون} معناه إن كنتم تعلمون الخير في الجملة فاعلموا أن هذا خير. وقال أبو علي: معناه {إن كنتم تعلمون} صدق الله فيما وعد به من الثواب الدائم. وقال أبو الضحى: أول ما نزل من سورة براءة {انفروا}. وقال مجاهد: أول ما نزل قوله {لقد نصركم الله}. وقال ابن عباس: نسخ هذه الاية قوله {أية : وما كان المؤمنون لينفروا كافة}. تفسير : وقال جعفر بن قيس: هذا ليس بمنسوخ، لأن المنسوخ ما لا يجوز فعله. وهذا ليس بصحيح، لأنه يجوز أن يكون وجوبه زال إلى الندب او الاباحة.

الجنابذي

تفسير : {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} شبّاناً وشيوخاً او مجرّدين عن الخدم والحشم والسّلاح ومثقّلين بها او ناشطين وغير ناشطين فى العالم الكبير او فى العالم الصّغير امرهم بالجهاد بعد التّوبيخ بقوله: ما لكم اذا قيل لكم انفروا، وبقوله ارضيتم بالحياة الدّنيا، والتّهديد بقوله الاّ تنفروا يعذّبكم الله، والتّرغيب بتذكير نصرته لنبيّه (ص) وتأييده له (ص) حتّى يكون اوقع فى القلوب وابعد من الانكار {وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} الامور وعواقبها.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} الآية نزلت في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين، وقيل: بل استأذنه جماعة من المؤمنين في التخلف ففيهم نزلت الآية، ومعناه خفافاً وثقالاً يعني شباباً وشيوخاً، وقيل: مشاغيل وغير مشاغيل، وقيل: ركباناً ومشاة، وقيل: أغنياء وفقراء، وذكر الأصم أن الآية لما نزلت جاء ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله أعليَّ جهاد؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "ما أنت إلاَّ خفيف أو ثقيل"، فرجع ولبس سلاحه ووقف بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)" فنزل قوله تعالى: {ليس على الأعمى حرج} {ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} بثواب الجهاد {لو كان عرضاً قريباً} أي غنيمة حاضرة {وسفراً قاصداً} سهلاً قريباً {لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة} أي المسافة والسفر البعيد {وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم} وكانوا مستطيعين فحلفوا كذباً {عفى الله عنك}، قيل: عفى عنك عما أقدمت عليه من غير إذن الله تعالى وهو إذنه للمنافقين في القعود عن الغزو، وقيل: شيئان فعلهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يؤمر بهما اذنه للمنافقين وأخذه للفدية من الأسارى، فعاقبه الله تعالى على ذلك {حتى يتبين} من صدق في عدته ومن كذب فيه {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا} يعني ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا {انما يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر} يعني المنافقين وكانوا تسعة وثلاثين رجلاً {فهم في ريبهم يترددون} عبارة عن التحيز {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة} نزلت في المنافقين كعبد الله بن أبي بن سلول وجدّ بن قيس وغيرهما ممن تخلَّف عن غزوة تبوك، وقيل: لما تخلفوا أنزل الله تعالى قوله: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً}، قوله تعالى: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً} والعدة هيئة الحرب من السلاح والكراع فتركهم لذلك يدل على عزمهم على التخلف {ولكن كره الله انبعاثهم} أي انطلاقهم وخروجهم إلى الغزو لأن خروجهم كان معصية ونفاقاً {وقيل اقعدوا مع القاعدين}: قيل: المرضى، وقيل: الضعفاء والنساء والصبيان {لو خرجوا فيكم ما زادوكم} يعني لو خرج المنافقون معكم أيها المؤمنون ما زادوكم {إلا خبالاً}، قيل: فساداً، وقيل: شراً، وقيل: عذراً ومكروهاً {ولأوضعوا خلالكم} يعني بالنميمة لافساد نيتكم، وقيل: لسارعوا فيما يحل بكم {يبغونكم الفتنة} بأن توقعوا الخلاف فيما بينكم ويفسدوا نياتكم في مغزاكم {وفيكم سمَّاعون لهم} أي نمامون يسمعون حديثكم فيلقونه إليهم، أو فيكم قوم يسمعون للمنافقين ويطيعون، وقيل: فيكم عيون منهم ينقلون أخباركم إلى المشركين {والله عليم بالظالمين} يعني هؤلاء المنافقين الذين ظلموا أنفسهم.

الهواري

تفسير : قوله: {انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً}، ذكروا أن أبا طلحة وأبا أيوب قالا: استنفَرَنا الله على كل حال، شباباً وشيوخاً، وهو تفسير الحسن وقال: الخِفاف: الشباب. والثِقال: الشيوخ. وقال بعضهم خفافاً وثقالاً: نِشاطاً وغير نِشاط. وقال بعضهم: فقراء وأغنياء. قال: { وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي الجهاد خير لكم في الثواب عند الله {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} هذا في غزوة تبوك، وهي آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الكلبي: وذلك حين استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في حر شديد وعسرة من الناس، فكره بعض الناس الخروج، وجعلوا يستأذنونه في المقام من بين صاحب علة ومن ليست به علة، فيأذن لمن يشاء أن يأذن له. وتخلف كثير منهم بغير إذن، فأنزل الله فيها نفاقهم، فقال: { لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً} أي: غنيمة قريبة { وَسَفَراً قَاصِداً} أي: هيّناً. وقال الحسن: {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً}، أي: غنيمة حاضرة {وَسَفَراً قَاصِداً} أي: قريباً {لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ} [يعني السفر] قال: وتخلّف المنافقون وقال بعضهم لبعض: أترى هذا الرجل أنه يظهر على الشام، وما الشام، إنما الشام الدّهم، وتبوك في أدنى الشام؛ فقال الله: لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة أي السفر. { وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ} أي: بالكذب. {وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} أي أنهم إنما اعتلوا بالكذب.

اطفيش

تفسير : {انفِرُوا خِفافاً} بنشاط أو قلة عيال، أو لركوب أو إقلال سلاح، أو لصحة أو شباب، أو فقر أو عدم ضيعة مشغلة، أو لعزية أو قلة حاشية وأتباع، أو لمبادرة الخروج بلا ترو ولا استعداد، أو لعدم شغل، أو لشجاعة ونحو ذلك مما يمكن به السفر بسهولة {وثِقالاً} لعكس ذلك، ويجوز دخول الغنى بالخفة نظرا إلى أن الغنى تسهل له مؤنة التجهيز والفقر فى الثقل، ودخول الرجولة فى الخفة، والركوب فى الثقل، لأن الراكب يتجهز لمركوبه ولنفسه جميعا، ودخول الجبان فى الخفة نظرا إلى أن الجبان هين عند العدو، والشجاعة فى الثقل نظرا إلى شدتها عنده. والمراد: انفروا على أى حال كنتم، شهد أبو أيوب الأنصارى المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتخلف بعد موته عن غزوة، فقيل له فى ذلك فقال: سمعت الله سبحانه وتعالى يقول: {انفروا خفافا وثقالا} ولا أجدنى إلا خفيفا أو ثقيلا، قال أبو طلحة: ما أسمع الله عذر أحد، وخرج إلى الشام فجاهد حتى مات. وذكر الطبرى، عن بعض: أنه رأى المقداد بن الأسود بحمص وهو على تابوت صراف، وقد فضل على التابوت من سمنه وهو يتجهز للغزو فقيل له: لقد عذرك الله، فقال: أبت علينا سورة البعوث {انفروا خفافا وثقالا} وروى سورة البحوث، قال صفوان بن عمرو: وكنت واليا على حمص، فلقيت شيخا قد سقط حاجباه على عينيه، وأهل دمشق على راحلة يريد الغزو، فقلت: يا عم أنت معذور عند الله، فرفع حاجبيه فقال: يا ابن أخى استنفرنا الله خفافا وثقالا، إلا أنه من يحبه يبتليه. وخرج سعيد بن المسيب وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له: إنك عليل، فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن لم يكن القتال فكثرة السواد، وخفض المتاع، قال الحسن وعكرمة: ذلك فرض عين، ثم نسخ بقوله سبحانه وتعالى: {أية : وما كان المؤمنون لينفروا كافة} تفسير : وهو رواية عن ابن عباس رضى الله عنهما. وقال السدى: نسخت بقوله: {أية : ليس على الضعفاء ولا على المرضى} تفسير : الآية، "حديث : وقال ابن أم مكتوم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أعلىَّ أن أنفر؟ فقال: "نعم" حتى نزل: {ليس على الأعمى حرج}" تفسير : وقال جار الله: الأمر هنا ندب بالنظر إلى الأعيان، والنفر فرض كفاية، ولم يدخل فيه من لا يمكن غزوه كالعمى، فضلا عن أن ينسخ، وقد خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذه الغزوة النساء، وبعض الرجال فى المدينة. وقيل: المراد انفروا إذا نفر النبى صلى الله عليه وسلم، وقيل: انفروا إذا استغفرتم عند الخوف الشديد، ودهمكم الأمر من العدو، وصيح فيكم بالنفير. {وجاهِدُوا بأموالكُم وأنفُسِكم} بما أمكن من ذلك، فالقوى الذى له مال يجاهد بنفسه وماله، ومن له مال وهو ضعيف لمرض أو غيره، أو لا يصلح للقتال يجاهد بماله، بأن يعطى منه ويجهز به من يجاهد بنفسه فقط لفقره، وقيل: ذلك وصف لأكمل ما يكون فى الجهاد وأنفعه عند الله، بأن يكون بالنفس والمال معا، وقد ذكر الأموال لأنها أول مصرف وقت التجهز. {فى سَبيلِ الله ذلكُم خيرٌ لكم} من تركه أو ذلك منفعة لكم تفوزون بها {إنْ كنْتُم تعْلَمونَ} الأفضل أو المنفعة، وإنما صح وجه التفضيل بالنظر إلى أن قعودهم عن الجهاد تستحسنه أيضا طباعهم، وجواب إن دل عليه ما قبلها، بيانه أن ذلك يكون خيرا لهم بالنظر إليهم إن كانوا يعلمون الخير، وإلا فلا يكون خيرا، ولو كان فى الحقيقة خيرا، أو عبر عن العمل بسببه وملزومه وهو العلم، فالمراد أن ذلكم خير لكم إن علمتم، هذا ما ظهر لى، وقال القاضى: إن كنتم تعلمون الخير علمتم أنه خير أو كنتم تعلمون أنه خير إذا أخبر به صادق فبادروا إليه، وذلك فى شأن غزوة تبوك، وهى آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت فى حر شديد، وقت طيب الثمار، وعسرة فى الناس، فجعل المنافقون يستأذنونه فى القعود ويعتبون، فمن صاحب علة، ومن لا علة له، حتى قالوا: استأذنوه واقعدوا، وإن لم يأذن لكم ولا سيما لقبائل مجاورة للمدينة، وكانوا يهابون غزو الروم بضعف إيمانهم وعدمه، وأما المؤمنون فيرون جهاد الروم كقتل حية.

اطفيش

تفسير : {انْفِرُوا خِفَافاً} شباباً ونشاطا وركبانا وفقراءَ. إِذ لا يعطلهم المال، أَو أغنياء إِذ وجدوا ما يسرعون به ومقللين السلاح وغير مشغولين وأَصحاء وعزابا ومتجردين من الأَتباع ومسرعين حال سماع الهيعة بلا تفكر {وَثِقَالاً} عكس ذلك. انفروا على أَى حال، ثم نسخ عن المرضى والزمنى والعمى ومن لا يقدر. أَو لعدم المال بقوله تعالى: "ليس على الضعفاء" إِلخ. وقيل بقوله "وما كان المؤمنون" إِلخ، لم يتخلف أبو أَيوب عن غزوة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بعده. فقيل له فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل ولا أجدنى إِلا خفيفاً أَو ثقيلاً، وخرج سعيد بن المسيب وهو أَعور فقيل: إِنك معذور. فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإِن لم يمكننى الحرب كثرت السواد، وحفظت المتاع، وقال صفوان بن عمرو والي دمشق لشيخ من أَهل دمشق خرجا على راحلته: إِنك يا عم معذور. فرفع حاجبين وقد سقطا على عينيه فقال: يا ابن أخى استنفرنا الله خفافا وثقالا، إِلا أَن يبتلى من أَحب، وقال ابن أُم مكتوم: يا رسول الله علىَّ أَن أَنفر؟ فقال: نعم، ما أَنت إِلا خفيف أَو ثقيل، فتقلد بسلاح ووقف بين يديه، فأَنزل الله عز وجل "ليس على الأعمى حرج". {وَجَاهِدُوا بأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} بما أَمكن بهما أَو بأَحدهما، وقد قيل الآية على الندب أَو هى من أَول الأَمر فى من أَمكن له القتال {فى سَبِيلِ اللهِ} فى إِعلاءِ دينه {ذِلِكُمْ} أى الجهاد {خَيْرٌ لَكُمْ} نفع وحسن فى الدنيا والآخرة، وتركه ضر وقبيح، أَو أَفضل مما تعدونه نفعا وحسنا من عدم الخروج له {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أَنه خير أَو أَنه من الله، فبادروا إِليه، وعاب المتخلفين المنافقين وقرر تثاقلهم فى قوله: {لَوْ كَانَ} أَى الجهاد الذى دعوتهم بقطع النظر عن كونه فى تبوك، فكأَنه عاد الضمير إِلى الجهاد على طريق التجريد لأَن الجهاد مع فرض أَنه فى تبوك، لا يتصور أَنه دونها أَو يقدر مضاف، أَى لو كان بدله {عَرَضاً} نفعا أَى ذا نفع من منافع الدنيا {قَرِيباً} سهل التناول، شبه سهولة التناول بقرب المكان على التجوز الاستعارى وقرب المكان سبب للسهولة على التجوز الإِرسالى {وَسَفَراً قَاصِداً} ذا سفر قاصد أَى ذا قصد، كلابن وتامر بمعنى ذى لبن وذى تمر، فقاصد لنسب أَى متوسطا بين القلة والكثرة يقصده كل أَحد تسمية للمتعلق بالفتح باسم المتعلق بالكسر، أَو القصد بمعنى التوسط حقيقة لا مجازاً، وعلى كل حال ليس بمعنى الإِرادة سمى المتوسط بين طرفى الإِفراط والتفريط ذا قصد {لاَتَّبَعُوكَ} إِليه ليأْخذوا العرض القريب من الغنيمة {وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ} منهم أَو لاستعلاءِ للمضرة {الشَّقَّةُ} أَى المسافة التى تقطع بمشقة، ولذلك سميت بالمشقة، ومن باب أَولى أَن يتبعوك لو قربت المسافة {وَسَيَحْلِفُونَ} لكم المتخلفون عن اتباعك {بِاللهِ} إِذا رجعت من تبوك، وهو موضع قرب دمشق فيما قيل، سمى باسم عين فيه، وهى العين التى أَمر صلى الله عليه وسلم أَن لا يمسوا منها حتى يأْتى فسبق إِليها رجلان، وفيها ماء قليل فجعلا يوسعانها بسهم، فقال صلى الله عليه وسلم ما زلتما تبوكانها أَى تحفرانها فسميت تبوك لذلك. والآية نزلت قبل الرجوع من تبوك، فهى إِخبار بالغيب على تقدير القول، أَى قائلين والله {لَوِ اسْتَطَعْنَا} ويجوز أَن لا يقدر القول على تضمين يحلفون معنى يقولون، فلا يتعلق بالله حينئذ، بيحلفون بل بفعل القسم محذوفا، أَى يقولون بالله لو استطعنا {لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} أَى لو استطعنا الخروج معكم لخرجنا معكم، أَو لو استطعنا قوة بدن أَو مال لخرجنا معكم، ولو وشرطها وجوابها جواب القسم، أَو لخرجنا جواب القسم، وجواب لو أَغنى عنه جواب القسم. {يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ} بدل من يحلفون بدل اشتمال لا بدل مطابق كما قيل، فإِن الحلف سبب الإِهلاك لانفس الإِهلاك، وقد يقال إِنه هو لأَن إِيقاعه إِيقاع للهلاك، أَو حال من واو يحلفون أَو من الفاعل فى خرجنا، وإِهلاك أَنفسهم بالكذب، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حلف بالله كاذبا تبوأَ مقعده من النار"تفسير : وقال: "حديث : اليمين الكاذبة تذر الديار بلاقع"تفسير : {وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} فى نفيهم الاستطاعة إذ قالوا لو استطعنا لأَنهم مستطيعون، وفى دعوى أَنهم مؤمنون، وليس المراد تكذيبهم بأَنهم لو استطاعوا لم يخرجوا. لأَن فى هذا إِثبات عدم استطاعتهم وهم مستطيعون، واعتذرت طائفة من المنافقين، وطلبوا أَلا ينفروا، فأُذن لهم فى التخلف اجتهادا منه بلا نوع مصلحة من الدنيا، فعاتبه الله بلطف فى قوله: {عَفَا اللهُ عَنْكَ} بتقديم العفو عن العتاب تعظيما له لم يقع لغيره وتطييبا لقلبه، والعفو مؤذن بالإِساءة. {لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} فى التخلف عنك بقول كاذب، وهذا بيان لما فيه العفو وهو الإذن لهم ويجوز ألا يكون قوله عفا الله عنك مشعرا بالإِساءة، بل بدْءَ كلام بخير إِعظاما له كما تقول لمن لم يسىءْ إِليك: عفا الله عنك، افعل لى كذا أَو لا تفعل كذا، وعفا الله عنك ما فعلت فى أَمرى، ورضى الله عنك ما قلت فى جوابى، قال ابن الجهم للمتوكل حين أَمر بنفيهِ: شعر : عفا الله عنك أَلا حرمة تجود بفضلك يا ابن الندا أَلم تر عبدا عدا طوره ومولى عفوا ورشدا هدى أَقلنى أَقالك من لم يزل يقيك ويصرف عنك الردى تفسير : فلا دليل فى الآية على أَنه صلى الله عليه وسلم اجتهد وأَخطأَ وأَن له الاجتهاد مطلقا أو فى مصالح الدنيا، ولا على أَنه صدر منه الذنب بذكر العفو وبالاستفهام الإِنكارى، فإِنا نقول الآية أمر له بالأُولى، ولو أَبقينا العفو مشعرا بالإِساءة وأَيضا ذلك إِساءَة لهم لم تصل الذنب، وعاتبه على شيئين: الإِذن لهؤلاءِ وأَخذ الفداء، وقد يزاد إِليهما فى غير الجهاد فى قصة ابن أم مكتوم فى عبس وما فى التحريم، ثم إِنه إِن اجتهد فغايته أَنه اجتهد ولم يصب فله أَجر واحد لا ذنب ولو أصاب لكان له أَجران {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} فى اعتذارهم بأَن يكون لهم عذر صحيح {وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} فيه، علة لقوله لم أذنت لأَن المعنى: لا ينبغى لك الإِذن حتى يتبين إِلخ، وأُذن له فى سورة النور أَن يأْذن لمن شاءَ من المؤمنين "فأْذن لن شئْت منهم" ولم يعرف صلى الله عليه وسلم المنافقين حتى نزلت براءَة. كذا قيل، ويجوز أَن يقدر لا تأْذن لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين، ولم يقل وتعلم الذين كذبوا كما قال الذين صدقوا للفاصلة، ولم يقل ويتبين الكاذبون للتفنن، قال عمرو بن ميمون الأَودى: اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. لم يؤمر بشىءٍ فيهما: إذنه للمنافقين وأَخذه الفداء من أسارى بدر، فعاتبه الله كما تسمعون.

الالوسي

تفسير : {انْفِرُواْ} تجريد للأمر بالنفور بعد التوبيخ على تركه والإنكار على المساهلة فيه، وقوله سبحانه: {خِفَافًا وَثِقَالاً} حالان من ضمير المخاطبين أيعلى كل حال من يسر أو عسر حاصلين بأي سبب كان من الصحة والمرض أو الغنى والفقر أو قلة العيال وكثرتهم أو الكبر والحداثة أو السمن والهزال أو غير ذلك مما ينتظم في مساعدة الأسباب وعدمها بعد الإمكان والقدرة في الجملة. أخرج ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن أبـي يزيد المديني قال: كان أبو أيوب الأنصاري والمقداد بن الأسود يقولان: أمرنا أن ننفر على كل حال ويتأولان الآية. وأخرجا عن مجاهد قال: قالوا إن فينا الثقيل وذا الحاجة والصنعة والشغل والمنتشر به أمره فأنزل الله تعالى: {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً} وأبـى أن يعذرهم دون أن ينفروا خفافاً وثقالاً وعلى ما كان منهم، فما روي في تفسيرهما من قولهم: خفافاً من السلاح وثقالاً منه أو ركباناً ومشاة أو شباناً وشيوخاً أو أصحاء ومراضا إلى غير ذلك ليس تخصيصاً للأمرين المتقابلين بالإرادة من غير مقارنة للباقي. وعن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أعليَّ أن أنفر؟ قال: نعم. حتى نزل: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ } تفسير : [النور: 61] وأخرج ابن أبـي حاتم وغيره عن السدي قال: لما نزلت هذه الآية اشتد على الناس شأنها فنسخها الله تعالى فقال: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ } تفسير : [التوبة: 91] الآية. وقيل: إنها منسوخة بقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً } تفسير : [التوبة: 122] وهو خلاف الظاهر، ويفهم من بعض الروايات أن لا نسخ فقد أخرج ابن جرير والطبراني والحاكم وصححه عن أبـي راشد قال: رأيت المقداد فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص يريد الغزو فقلت: لقد أعذر الله تعالى إليك قال: أبت علينا سورة البحوث يعني هذه الآية منها. {وَجَـٰهِدُواْ بِأَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي بما أمكن لكم منهما كليهما أو أحدهما والجهاد بالمال إنفاقه على السلاح وتزويد الغزاة ونحو ذلك {ذٰلِكُمْ} أي ما ذكر من النفير والجهاد، وما فيه من معنى البعد لما مر غير مرة {خَيْرٌ} عظيم في نفسه {لَكُمْ} في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما، ويجوز أن يكون المراد خير لكم مما يبتغي بتركه من الراحة والدعة وسعة العيش والتمتع بالأموال والأولاد. {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي إن كنتم تعلمون الخير علمتم أنه خير أو إن كنتم تعلمون أنه خير إذ لا احتمال لغير الصدق في أخباره تعالى فبادروا إليه، فجواب إن مقدر. وعلم إما متعدية لواحد بمعنى عرف تقليلاً للتقدير أو متعدية لاثنين على بابها. / هذا ومن باب الإشارة في الآيات أن قوله سبحانه {أية : لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ } تفسير : [التوبة: 25] الخ إشارة إلى أنه لا ينبغي للعبد أن يحتجب بشيء عن مشاهدة الله تعالى والتوكل عليه ومن احتجب بشيء وكل إليه، ومن هنا قالوا: استجلاب النصر في الذلة والافتقار والعجز، ولما رأى سبحانه ندم القوم على عجبهم بكثرتهم ردهم إلى ساحة جوده وألبسهم أنوار قربه وأمدهم بجنوده وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [التوبة: 26] الآية، وكانت سكينته عليه الصلاة والسلام ـ كما قال بعض العارفين ـ من مشاهدة الذات وسكينة المؤمنين من معاينة الصفات، ولهم في تعريف السكينة عبارات كثيرة متقاربة المعنى فقيل: هي استحكام القلب عند جريان حكم الرب بنعت الطمأنينة بخمود آثار البشرية بالكلية والرضا بالبادي من الغيب من غير معارضة واختيار، وقيل: هي القرار على بساط الشهود وبشواهد الصحو والتأدب بإقامة صفاء العبودية من غير لحوق مشقة ولا تحرك عرق بمعارضة حكم وقيل: هي المقام مع الله تعالى بفناء الحظوظ والجنود روادف آثار قوة تجلي الحق سبحانه، ويقال: هي وفود اليقين وزوائد الاستبصار. والإشارة في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } تفسير : [التوبة: 28] الخ إلى أن من تدن بالميل إلى السوى وأشرك بعبادة الهوى لا يصلح للحضرة وهل يصلح لبساط القدس إلا المقدس. وذكر أبو صالح حمدون أن المشرك في عمله من يحسن ظاهره لملاقاة الناس ومخالطتهم ويظهر للخلق أحسن ما عنده وينظر إلى نفسه بعين الرضا عنها وينجس باطنه بنحو الرياء والسمعة والعجب والحقد ونحو ذلك فالحرم الإلهي حرام على هذا وهيهات هيهات أن يلج الملكوت أو لج الجمل في سم الخياط، وقال بعض العارفين: من فقد طهارة الأسرار بماء التوحيد وبقي في قاذورات الظنون والأوهام فذلك هو المشرك وهو ممنوع عن قربان المساجد التي هي مشاهد القرب. وفي الآية إشارة إلى منع الاختلاط مع المشركين، وقاس الصوفية أهل الدنيا بهم، ومن هنا قال الجنيد: الصوفية أهل غيب لا يدخل فيهم غيرهم. وقال بعضهم: من بقي في قلبه نظر إلى غير خالقه لا يجوز أن يدنو إلى مجالس الأولياء غير مستشف بهم فإن صحبته تشوش خواطرهم وينجس بنفسه أنفاسهم، وصحبة المنكر على أولياء الله تعالى تورث فتقا يصعب على الخياط رتقه وتؤثر خرقاً يعيـى الواعظ رقعه، ومن الغريب ما يحكى أن الجنيد قدس سره جلس يوماً مع خاصة أصحابه وقد أغلق باب المجلس حذراً من الأغيار وشرعوا يذكرون الله تعالى فلم يتم لهم الحضور ولا فتح لهم باب التجلي الذي يعهدونه عند الذكر فتعجبوا من ذلك فقال الجنيد: هل معكم منكر حرمنا بسببه؟ فقالوا: لا. ثم اجتهدوا في معرفة المانع فلم يجدوا الا نعلا لمنكر فقال الجنيد: من هنا أوتينا، فانظر يرحمك الله تعالى إذا كان هذا حال نعل المنكر فما ظنك به إذا حضر بلحيته؟ ثم إنه سبحانه ذم أهل الكتابين بالاحتجاب عن رؤية الحق سبحانه حيث قال جل شأنه: {أية : ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 31] وفيه إشارة إلى ذم التقليد الصرف وذم البخلاء بقوله سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ } تفسير : [التوبة: 34] الآية، ولعمري إنهم أحقاء بالذم، وقد قال بعضهم: من بخل بالقليل من ملكه فقد سد على نفسه باب نجاته وفتح عليها طريق هلاكه. ولا يخفى أن جمع المال وكنزه وعدم الإنفاق لا يكون الا لاستحكام رذيلة الشح وكل رذيلة كية يعذب بها صاحبها في الآخرة ويخزى بها في الدنيا. ولما كانت مادة رسوخ تلك الرذيلة واستحكامها هي ذلك المال كان هو الذي يحمى عليه في نار جهنم الطبيعة وهاوية الهوى فيكوى صاحبه به، وخصت هذه الأعضاء لأن / الشح مركوز في النفس تغلب القلب من هذه الجهات لا من جهة العلو التي هي جهة استيلاء الروح وممد الحقائق والأنوار ولا من جهة السفلي التي هي جهة الطبيعة الجسمانية لعدم تمكن الطبيعة من ذلك فبقيت سائر الجهات فيؤذى بذلك من الجهات الأربع ويعذب، وهذا كما تراه يعاب في الدنيا ويخزي من هذه الجهات فيواجه بالذم جهراً فيفضح أو يسار في جنبه أو يغتاب من وراء ظهره قاله بعض العارفين. ولهم في قوله سبحانه: {أية : إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً } تفسير : [التوبة: 36] تأويل بعيد يطلب من محله، وقوله سبحانه: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ} الخ عتاب للمتثاقلين أو لأهل الأرض كافة وإرشاد إلى أنه عليه الصلاة والسلام مستغن بنصرة الله عن نصرة المخلوقين. وفيه إشارة إلى رتبة الصديق رضي الله تعالى عنه فقد انفرد برسول الله صلى الله عليه وسلم انفراده عليه الصلاة والسلام بربه سبحانه في مقام قاب قوسين، ومعنى {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا } تفسير : [التوبة: 40] على ما قال ابن عطاء إنه معنا في الأزل حيث وصل بيننا بوصلة الصحبة وأثر هذه المعية قد ظهر في الدنيا والآخرة فلم يفارقه حياً ولا ميتاً، وقيل: معنا بظهور عنايته ومشاهدته وقربه الذي لا يكيف، ولله تعالى در من قال:شعر : يا طالب الله في العرش الرفيع به لا تطلب العرش أن المجد للغار تفسير : ولا يخفى ما بين قول النبـي صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا } وقول موسى عليه السلام: {أية : إِنَّ مَعِيَ رَبِّي }تفسير : [الشعراء: 62] من الفرق الظاهر لأرباب الأذواق حيث قدم نبينا صلى الله عليه وسلم اسمه تعالى عليه وعكس موسى عليه السلام، وأتى صلى الله عليه وسلم بالاسم الجامع وأتى الكليم باسم الرب، وأتى عليه الصلاة والسلام ـ بنا ـ في {مَعَنَا} وأتى موسى عليه السلام بياء المتكلم لأن نبينا صلى الله عليه وسلم على خلق لم يكن عليه موسى عليه الصلاة والسلام. والضمير في قوله تعالى: {أية : فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } تفسير : [التوبة: 40] إن كان للصاحب فالأمر ظاهر وإن كان للنبـي عليه الصلاة والسلام فيقال: في ذلك إشارة إلى مقام الفناء في الشيخ إذ ذاك. وقال بعض الأكابر: أنزلت السكينة عليه عليه الصلاة والسلام لتسكين قلب الصديق رضي الله تعالى عنه وإذهاب الحزن عنه بطريق الانعكاس والإشراق ولو أنزلت على الصديق بغير واسطة لذاب لها ولعظمها فكأنه قيل: أنزل سكينة صاحبه عليه. {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً} أي انفروا إلى طاعة مولاكم خفافاً بالأرواح ثقالاً بالقلوب، أو خفافاً بالقلوب وثقالاً بالأجسام بأن يطيعوه بالأعمال القلبية والقالبية، أو خفافاً بأنوار المودة وثقالاً بأمانات المعرفة، أو خفافاً بالبسط وثقالاً بالقبض، وقيل: خفافاً بالطاعة وثقالاً عن المخالفة. وقيل غير ذلك {وَجَـٰهِدُواْ بِأَمْوٰلِكُمْ} بأن تنفقوها للفقراء {وأَنفُسَكُمْ} بأن تجودوا بها لله تعالى {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} في الدارين {أية : إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } تفسير : [التوبة: 41] ذلك والله تعالى الموفق للرشاد.

ابن عاشور

تفسير : الخطاب للمؤمنين الذين سبق لومهم بقوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذ قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض}تفسير : [التوبة: 38]، فالنفير المأمور به ما يستقبل من الجهاد. وقد قدّمنا أنّ الاستنفار إلى غزوة تبوك كان عامَّاً لكلّ قادر على الغزو: لأنّها كانت في زمن مشقّة، وكان المغزُوُّ عدوّاً عظيماً، فالضمير في {انفروا} عام للذين استُنفروا فتثاقلوا، وإنّما استُنفِر القادرون، وكان الاستنفار على قدر حاجة الغزو، فلا يقتضي هذا الأمر توجّه وجوب النفير على كلّ مسلم في كلّ غزوة، ولا على المسلم العاجز لعمىً أو زَمانة أو مرض، وإنّما يجري العمل في كلّ غزوة على حسب ما يقتضيه حالها وما يصدر إليهم من نفير. وفي الحديث: «حديث : وإذا استنفرتم فانْفِروا»تفسير : . و{خفافا} جمع خفيف وهو صفة مشبّهة من الخفّة، وهي حالة للجسم تقتضي قلّة كمية أجزائه بالنسبة إلى أجسام أخرى متعارفة، فيكون سهْلَ التنقّل سهل الحمل. والثقال ضدّ ذلك. وتقدّم الثقل آنفاً عند قوله: {أية : اثاقلتم إلى الأرض}تفسير : [التوبة: 38]. والخفاف والثقال هنا مستعاران لما يشابههما من أحوال الجيش وعلائقهم، فالخفّة تستعار للإسراع إلى الحرب، وكانوا يتمادحون بذلك لدلالتها على الشجاعة والنجدةِ، قال قُريط بن أنيف العنبري:شعر : قومٌ إذا الشرُّ أبدَى ناجِذَيْه لهم طَاروا إليه زَرَافَات ووُحدانا تفسير : فالثقل الذي يناسب هذا هو الثبات في القتال كما في قول أبي الطيب:شعر : ثِقال إذا لاقَوْا خِفاف إذا دُعوا تفسير : وتستعار الخفّة لقلّة العدد، والثقلُ لكثرة عدد الجيش كما في قول قُريط: «زَرافات ووُحدانا». وتستعار الخفّة لتكرير الهجوم على الأعداء، والثقل للتثبّت في الهجوم. وتستعار الخفّة لقلّة الأزوَاد أو قلّة السلاح، والثقل لضدّ ذلك. وتستعار الخفّة لقلّة العيال، والثقل لضدّ ذلك وتستعار الخفّة للركوب لأنّ الراكب أخفّ سيراً، والثقل للمشي على الأرجل وذلك في وقت القتال. قال النابغة:شعر : على عارفاتٍ للطِّعان عوابِسٍ بهِنَّ كلوم بين دامٍ وجالب إذ استُنزلوا عنهنّ للضَّرب ارقلوا إلى الموت ارْقالَ الجمال المصَاعب تفسير : وكلّ هذه المعاني صالحة للإرادة من الآية ولمّا وقع {خفافاً وثقالاً} حالاً من فاعل {انفروا}، كان محمل بعض معانيهما على أن تكون الحال مقدّرة والواو العاطفة لإحدى الصفتين على الأخرى للتقسيم، فهي بمعنى (أو)، والمقصود الأمر بالنفير في جميع الأحوال. والمجاهدة: المغالبة للعدوّ، وهي مشتقّة من الجُهد ــــ بضمّ الجيم ــــ أي بذل الاستطاعة في المغالبة، وهو حقيقة في المدافعة بالسلاح، فإطلاقه على بذل المال في الغزو من إنفاقٍ على الجيش واشتراءِ الكراع والسلاح، مجاز بعلاقة السببية. وقد أمر الله بكلا الأمرين فمن استطاعهما معاً وجبا عليه، ومن لم يستطع إلاّ واحداً منهما وجب عليه الذي استطاعه منهما. وتقديم الأموال على الأنفس هنا: لأنّ الجهاد بالأموال أقلّ حُضوراً بالذهن عند سماع الأمر بالجهاد، فكان ذكره أهمّ بعد ذكر الجهاد مجملاً. والإشارة بــــ {ذلكم} إلى الجهاد المستفاد من {وجاهدوا}. وإبهام {خير} لقصد توقّع خير الدنيا والآخرة من شعب كثيرة أهمها الاطمئنان من أن يغزوهم الروم ولذلك عُقب بقوله: {إن كنتم تعلمون} أي إن كنتم تعلمون ذلك الخير وشعبه. وفي اختيار فعل العلم دون الإيمان مثلاً للإشارة إلى أنّ من هذا الخير ما يخفى فيحتاج متطلّب تعيين شعبه إلى اعمال النظر والعلم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} الآية. لا يخفى ما في هذه الآية الكريمة من التشديد في الخروج إلى الجهاد على كل حال، ولكنه تعالى بين رفع هذا التشديد بقوله: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ}تفسير : [التوبة: 91] الآية. فهي ناسخة لها.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: خفافاً وثقالاً: الخفاف جمع خفيف: وهو الشاب القوي البدن ذا الجدة من زاد ومركوب. والثقال جمع ثقيل: وهو الشيخ الكبير والمريض والفقير الذي لا جدة عنده. ذلكم: أي الجهاد بالمال والنفس خير من التثاقل إلى الأرض وترك الجهاد حالاً ومآلاً. عرضاً قريباً: غنيمة في مكان قريب غير بعيد. أو سفراً قاصداً: أي معتدلاً لا مشقة فيه. الشقة: الطريق الطويل الذي لا يقطع إلا بمشقة وعناء. عفا الله عنك: لم يؤاخذك. معنى الآيات: ما زال السياق في الحث على الخروج إلى قتال الروم بالشام ففي هذه الآيات يأمر تعالى المؤمنين بالخروج إلى الجهاد على أي حال كان الخروج من قوة وضعف فليخرج الشاب القوي كالكبير العاجز الضعيف والغني كالفقير فقال تعالى {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} أعداء الله الكافرين به وبرسوله حتى يدخلوا في الإِسلام أو يعطوا الجزية ويقبلوا أحكام الإِسلام {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي نفوركم للجهاد وقتالكم الكافرين إلى الانتهاء بهم إلى إحدى الغايتين خير لكم من الخلود إلى الأرض والرضا بالحياة الدنيا وهي متاع قليل، إن كنتم تعلمون ذلك، وقوله تعالى {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ} يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم لو كان أولئك المتخلفون عن الجهاد من المنافقين وضعفة الإِيمان قد دعوتهم إلى عرض قريب أي غنيمة حاضرة أو إلى سفر سهل قاصد معتدل لاتبعوك وخرجوا معك، ولكن دعوتهم إلى تبوك وفي زمن الحر والحاجة فبعدت عليهم الشقة فانتحلوا الأعذار إليك وتخلفوا. وقوله تعالى {وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ} أي لكم قائلين: لو استطعنا أي الخروج لخرجنا معكم. قال تعالى {يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ} حيث يجلبون لها سخط الله وعقابه {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} في كل ما اعتذروا به. هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى والثانية [41 - 42] وأما الآية الثالثة فقد تضمنت عتاب الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم حيث أذن لمن طلب منه التخلف عن النفور والنهوض إلى تبوك وكان من السياسة الرشيدة عدم الإِذن لأحد حتى يتميز بذلك الصادق من الكاذب قال تعالى {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ} أي تجاوز عنك ولم يؤاخذك وقدم هذا اللفظ على العتاب الذي تضمنه الاستفهام {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} تعجيلاً للمسرة للنبي صلى الله عليه وسلم إذ لو أخر عن جملة العتاب لأوجد خوفاً وحزناً، وقوله تعالى {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ} علة للعتاب على الإِذن للمنافقين بالتخلف عن الخروج إلى تبوك. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- إذا أعلن الإِمام التعبئة العامة يحرم التخلف عن الجهاد ولا يقعد أحد، إلا بإذن لأجل علة قامت به فاستأذن فأذن له. 2- الجهاد كما يكون بالنفس يكون بالمال وهو خيرٌ من تركه حالاً ومآلاً. 3- الأيمان الكاذبة لإِبطال حق أو إحقاق باطل توجب سخط الله تعالى وعذابه. 4- مشروعية العتاب للمحب. 5- جواز مخالفة الأولى على النبي صلى الله عليه وسلم لعدم علمه ما لم يعلِّمه الله تعالى.

القطان

تفسير : خفافا: جمع خفيف والمراد النشاط والسرعة في الحركة ومن يستطيع التأهب بيسر. ثقالا: جمع ثقيل وهو كل من وجد صعوبة في السفر والتأهب اليه بمشقة. اي انفروا على كل حال. لو كان عرضا قريبا: كل ما يعرض للانسان مما فيه منفعة يحصل عليها بسهولة. وسفراً قاصدا: هينا لا مشقة فيه. الشقة: الطريق التي فيها تعب وعناء. بعد ان توعدّ من لم ينفِروا مع الرسول وتثاقلوا حين استنفرهم، جاء بأمر حازم لا هوادةَ فيه، فأوجب النفير العام على كل فرد، فلا عذرَ لأحدٍ التي في التخلّف وتركِ الطاعة. {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}. أيها المؤمنون. إذا دعى داعي الجهاد فلبُّوا النداء، وانفِروا على كل حال، من يُسرٍ او عسرِ، او صحة او مرض. فعندما يعتدي عدوّ على بلد من بلاد الاسلام يجب الجهادُ على كل فرد قادر ولو بمشقّة، فاذا أُعِلن النفِيرُ العام وجَبَ الامتثال إلا في حال العجزِ التام، وهو ما بيّنه الله تعالى بقوله: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ} تفسير : [التوبة:91]. وجاهِدوا أعداءكم الذين يقاتلونكم ويعتدون على بلادِكم.. بأموالكم وأنفسكم، فمن استطاع الجهادَ بماله وبنفسه وجب ذلك عليه، ومن قَدَر على أحدهما وجبَ عليه ما كان في مقدرته والآن، والعدو يحتلّ جزاءا غالياً من بلادنا المقدسة هو فلسطين، فإن الجهاد واجب بالمال والنفس على كل مُسلمٍ وعربيّ في جميع بلاد الإسلام، وكل من يتخلّف فهو آثم ومقصِّر، وخارج عن طاعة اللهِ ورسوله. وقد قال أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه: "ما تركتْ أمةٌ الجهادَ إلا وقَرَنَها الله بالذلّ". {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}. إنَّ الذي أُمرتم به من النفير العام والجهاد في سبيل الله - هو الوسيلةُ في حِفظِ كيان الأمة وعلو كلمتها. وهو خير لكم في دِينكم ودُنياكم.. أما في الدين فلا سعادة الا لمن ينصر الحقَّ ويُقيم العدل. وأما في الدنيا فلا عزّ لأمةٍ إى بالقوة، فهي وسيلة لدفع العدوّ وكبحِ جماحه. وقد علم فضلَ ذلك أسلافنا من المؤمنين الصادقين فامتثلوا واهتدوا ففتحوا البلادَ واسدوا العباد. قال القرطبي عند تفسير هذ الآية: "قال ابن العربي: ولقد نَزلَ بنا العدوُّ - قصمه الله - سنة سبعٍ وعشرين وخمسمائة، فجاس ديارَنا وأسَرَ خِيرتنا، وتوسّط بلادنا في عدد هالَ الناسَ عددُه، فقلت للوالي عليه: هذا عدوُّ الله قد حَصَل في الشَرَك والشبكة، فلتكنْ عندكم بَرَكة، ولتظهرْ منكم إلى نُصرة الدين المتعيِّنةِ عليكم حَرَكة، فليخرجْ إليه جميع الناسِ حتى لا يبقى منهم أحد في جميع الأقطار، فيُحاط به، فإنه هالك لا محالةَ ان يسَّركم الله له. فغَلبت الذنوبُ ورجفت القلوب بالمعاصي، وصار كل واحدٍ من الناس ثعلباً يأوي الى وِجَارِه وان رأى المكيدةَ بِجارِه، فإنا لله وإنّا إليه راجعون". الوجار: حُجر الثعلب. اليس هذا ينطبق علينا اليوم في موقفنا من اليهود!! نحن أكثرُ منهم عددا، وأغنى ثروةً، وأقوى، ولدينا كل الإمكانات لنحاربَهم ونسترد بلادنا منهم، ولكن غلبت الذنوبُ ورجفت القلوب بالمعاصي... ولما أمَرَهم بالنَّفْر تخلَّف بعض المافقين لأعذار ضعيفة، وتخلّف بعضُ المؤمنين فأنزل الله تعالى قوله: {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}. بعد ان رغَّبهم في الجهاد، وبيّن أن فريقاً منهم تباطأوا وتثاقلوا - بيَّنَ هنا أن فريقاً منهُم تخلّفوا، رغم كل ما تقدم من الوعيد، وجعلوا ينتحِلون الأعذار، ليستأذنوا الرسول في التخلُّف، فندّد بهم في تخلُّفهم من متابعة الرسول في الجهاد، فقال: لو كان في ما دعوتَهم اليه منفعةٌ من منافع الدنيا قريبةُ المنال ليس في الوصول إليها كبيرُ عَناء، أو لو كان سَفَراً هيّنا لا تعبَ فيه - لاتبعوك ايها الرسول، ولكنك استنفرتهم الى بلدٍ بعيد وشقّ عليهم السفر، في ذلك الوقت من الحر والقيظ. وسيحلِفون لك أنهم لو استطاعوا لخَرجوا معك. إنهم بهذا النفاق يُهلكون أنفسَهم، واللهُ لا يخفى عليه حالُهم، ويعلم أنهم كاذبون. ثم عاتب الله نبيّه صلى الله عليه وسلم في إذْنه لمن تخلّف عنه من المنافقين فقال: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ}. لقد عفا الله عنك ايها الرسول في إذْنِك لهؤلاء المنافقين بالتخلّف عن الجهاد قبل أن تتبيّن أمْرَهم، وتعلم الصادقَ من أعذارهم ان كان، كما تعرِف الكاذبين منهم في ادّعائهم الإيمان.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَجَاهِدُواْ} {بِأَمْوَالِكُمْ} (41) - أَمَرَ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِالنَّفِيرِ الْعَامِّ، وَالْخُرُوجِ جَمِيعاً مَعَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَعَاهُمْ إِلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَلْزَمَهُمْ بِالْخُرُوجِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِي المَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَالْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، فَقَالَ انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً، وَأَغْنِيَاءَ وَفُقَرَاءَ، وَرُكْبَاناً وَمُشَاةً وَأَقْوِيَاءَ وَضُعَفَاءَ، لأَِنَّ فِي ذَلِكَ خَيْرَ المُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا، لأَِنَّهُ لاَ عِزَّ لِلأُمَمِ، وَلاَ سِيَادَةَ إِلاَّ بِالْقُوَّةِ الْحَرْبِيَّةِ، وَفِيهِ أَيْضاً خَيْرُهُمْ فِي الدِّينِ لأَِنَّهُ لاَ سَعَادَةَ لِمَنْ لَمْ يَنْصُرِ الْحَقَّ، وَيُقِمِ العَدْلَ بِاتِّبَاعِ الْهُدَى وَالْعَمَلِ بِشَرْعِ اللهِ. وَقَدْ نُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهكذا يفتح الحق باب الوصول إليه؛ ليهبُّوا إلى نصرة الرسول ويزيل الضباب من أذهانهم، ويفتح لهم باب الوصول إليه لأنهم خلق الله وعياله، فهو سبحانه يريد منهم أن يكونوا جميعاً مهديين، وأن يشاركوا في نُصْرة الدعوة إليه. والقتال في سبيل الله قد يكون مشقة في ظاهر الأمر، ولكنه يَهَبُ الدعوة انتشاراً واستقراراً. وحين يقوم المسلمون بنصر الدعوة إلى الله، ففي هذا القيام مغفرة وتوبة، وهو رحمة من الله بهم. ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو القائل: "حديث : الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة ". تفسير : ويقول الحق سبحانه وتعالى في حديث قدسي: "حديث : قالت السماء: يا ربي إئذن لي أن أسقط كِسَفاً على ابن آدم؛ لأنه طَعِمَ خيرك ومنع شكرك، وقالت البحار: يا رب إئذن لي أن أغرِقَ ابن آدم لأنه طَعِم خيرك ومنع شكرك، وقالت الأرض مثلهما ". تفسير : فماذا قال الحق سبحانه وتعالى؟ قال: "حديث : دعوني وعبادي، لو خلقتموهم لرحمتموهم، إنْ تابوا إليّ فأنا حبيبهم، وإنْ لم يتوبوا فأنا طبيبهم ". تفسير : وهكذا نرى رحمة الله بخلقه. وبعد أن لام الحق سبحانه المسلمين؛ لأنهم لم يتحمسوا للجهاد، يفتح أمامهم باب التوبة فقال: {ٱنْفِرُواْ} أي: اخرجوا للقتال، وهذا أمر من الله يوقظ به سبحانه الإيمان في قلوب المسلمين، وفي الوقت نفسه يفتح أمامهم باب التوبة لتباطئهم عن الخروج للقتال في غزوة تبوك. ولذلك قال: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} والنفرة: هي الخروج إلى شيء بمهيج عليه، والمثال: هو التباعد بين إنسان وصديق له كان بينهما وُدّ، ثم حدث من هذا الصديق سلوك أو قول يُهيج على الخروج عليه، فينفر منه الإنسان. والحق سبحانه هنا يأمر: {ٱنْفِرُواْ} والذي يهيج على النفور هو رفعة دين الله وكلمته، وحين ترفعون كلمة الله إنما يفتح لكم باب الارتفاع بها فقال: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً}. والخفيف: هو الصحيح السليم القوي الذي لا تتبعه ولا ترهقه الحركة. والثقيل: هو المريض أو كبير السن. والله يريد من الجميع أن يسارعوا إلى القتال؛ لينجوا من العذاب الأليم، وينالوا توبته ورضاه. ولكن الصحيح خفيف الحركة يمكنه أن يقاتل، فماذا يفعل المريض؟ يفعل مثلما فعل سيدنا سعيد بن المسيَّب وكان مريضاً، إذ قالوا له: إن الله أعفاك من الخروج إلى المعركة في قوله تعالى: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ} تفسير : [الفتح: 17]. فقال: والله أكَثِّرُ سواد المسلمين وأحرس متاعهم. ومن الممكن أن يكون المريض متميزاً بالذكاء وصحة العقل، ويمكن أن يُسْتشار في مسألة ما. وقد يكون المريض أسْوة في قومه، فإذا خرج للقتال هاج قومه وخرجوا معه، ويمكن أن يكون المريض أو الضعيف حافزاً للأقوياء على القتال. فحين يرى الأقوياء المريض وهو يخرج للقتال؛ فإنهم يخجلون أن يتخلفوا هم. واختلف العلماء في تفسير قوله تعالى: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} فبعضهم قال: إن هذه إشارة إلى ذات الإنسان، فهناك ذات خفيفة وذات ثقيلة في الوزن لا تستطيع الحركة بسهولة، وقال آخرون: إن الفرد الواد يمكن أن يكون فيه الوضعان، وقوله تعالى: {ٱنْفِرُواْ} هو أمر للجماعة، و{خِفَافاً} جمع "خفيف"، و{ثِقَالاً} جمع "ثقيل"، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة إلى آحاد. والمعنى: أن ينفر كل واحد من المسلمين سواء كان خفيفاً أم ثقيلاً. وسبق أن ضربنا المثل حينما يدخل الأستاذ على الطلبة ويقول: أخرجوا كتبكم، ومعنى هذا الأمر أن يُخرج كل تلميذ كتابه، وإن قلت: اركبوا سياراتكم، فمعنى ذلك أن يركب كل واحد منكم سيارته. إذن: فالآية تعني: لينفر كل واحد منكم سواء كان ثقيلاً أم خفيفاً. ولكن: كيف يكون الإنسان ثقيلاً وخفيفاً في وقت واحد؟ نقول: يكون خفيفاً أي: ذا نشاط للجهاد، وثقيلاً أي: أنه سيدخل في مشقَّة تجعل المهمة ثقيلة على نفسه. والله سبحانه وتعالى يقول: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} تفسير : [البقرة: 216]. والدخول فيما هو مكروه في سبيل الله أمر يرفع درجات الإيمان. إذن: فالآية تحتمل أكثر من معنى، فهي تحمل المعنى العام: أن يكون البعض خفيفاً والبعض ثقيلاً في ذاته، أو: أن يجمع القتال بين الخفة في الحركة والثقل في المشقة، أو: أن يكون الذي يملك دابة هو الخفيف؛ لأن الدابة تزيل المشقة وأسرع في الطريق، والثقيل هو من يجاهد ماشياً؛ لأنه سيتحمل طول المسافة. وساعة يشحن الحق سبحانه وتعالى قلوب المؤمنين، فهو يطلب منهم ما يكلفهم به بقوة، ثم تتجلى رحمته فيخفف التكليف. ولو جاء الحكم خفيفاً في أول التشريع، ثم يُصعَّد؛ فإن هذا الأمر يكون صعباً على النفس، ولكن عندما يأتي الحكم ثقيلاً، ثم يخفف يكون أقرب إلى النفس، والمثال في قول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [الأنفال: 65]. وهنا يعطي الحق مقياساً لقدرة المؤمن بالنسبة للكافر. فالعشرون يغلبون مائتين، أي: أن النسبة هي واحد من المؤمنين إلى عشرة من الكافرين، ولذلك فعندما نزلت هذه الآية كان على المؤمن الواحد أن يقتل عشرة من الكافرين، لكن الحق سبحانه وتعالى قد علم أن هذا الأمر شديد على نفوس المؤمنين بأن يواجه المؤمن الواحد عشرة من الكفار، فإنه لا يقدر على ذلك إلا أولو العزم، فقال سبحانه: {أية : ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً}تفسير : [الأنفال: 66]. وما دام هناك ضعف فلا بد أن يُخفف الأمر بالنسبة للمؤمنين في مواجهة الكفار أثناء القتال. ونقل الحق سبحانه وتعالى النسبة من: واحد إلى عشرة، إلى: واحد إلى اثنين، فقال سبحانه وتعالى: {أية : ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [الأنفال: 66]. لذلك: مَنْ فَرَّ من قتال اثنين يكون قد فَرَّ من الزحف، ولكن إن فرّ من مواجهة ثلاثة لا يُحسب فَاراً؛ لأنهم أكثر من النسبة التي قررها الله. وقول الحق في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} هو أمر يشمل الجميع على اختلاف أشكالهم، أي: أنها تحمل أمراً عاماً لكافة المسلمين. ولكن هناك قول آخر في سورة التوبة، أعفى بعض حالات معينة من المؤمنين الذين أخلصوا قلوبهم لله، فيقول سبحانه: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ}تفسير : [التوبة: 91-92]. أي: ليس على هؤلاء الذين جاءت الآيتان الكريمتان بذكرهم أيُّ حرج في أن يقعدوا عن القتال. وكان هذا هو الاستثناء من القاعدة العامة التي فرضت على كل مؤمن أن يقاتل في سبيل الله، وهو ما جاءت به الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَٰهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} والمال هو الذي يجعلك تُعدُّ السلاح للحرب، وحين يذهب الجيش إلى القتال لا بد أن يكون مُزوَّدَاً بالسلاح، وبالمركبات وهي مثل الخيل على زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضاً لا بد من الزاد الذي يكفي لأيام القتال، لذلك جاء الله سبحانه وتعالى بذكر المال أولاً، ثم بعذ ذلك ذكر الأنفس والأرواح، ومن يملك القوة والمال فعليه أن يجاهد بهما، ومن يملك عنصراً من الاثنين؛ القوة أو المال، فعليه أن يجاهد به. فإن كان ضعيفاً فعليه أن يعين بماله القوي القادر على القتال بأن يوفر له الأسلحة والخيول والدروع وغير ذلك من وسائل القتال. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَجَٰهِدُواْ}، و"جاهد" و"قاتل" مبنية على المفاعلة، بمعنى: إن قاتلك واحد من الكفار، فلا بد أن تبذل كل جهدك في قتاله، و"جاهد" مثل "شارك"، فهل تقول: شارك زيد ثم تسكت، أم تقول: شارك زيد عَمْراً، وقاتل زيد عمراً؟ إذن: فهناك مفاعلة. ولكن الحق سبحانه وتعالى يقول في آية أخرى:{أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفسير : [آل عمران: 200]. وهذا القول هو أمر بالصبر على القتال. ولكن هَبْ أن عدوك صبر مثلك، هنا يأتي أمر آخر من الحق سبحانه وتعالى: {وَصَابِرُواْ} أي: اغلبه في الصبر بأن تصبر أكثر منه. وكذلك {وَجَٰهِدُواْ} أي: اغلبوهم في الجهاد، بأن تجاهدوا أكثر منهم. ونعود إلى قول الحق سبحانه وتعالى: {وَجَٰهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} وسبيل الله هو: الطريق الموصل إلى الغاية التي هي رضا الله والجنة. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ}، و"ذا" اسم إشارة ويشير إلى المفرد المستفاد من قوله تعالى: {وَجَٰهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} إذن: فـ"ذا" تشير إلى الجهاد بالمال والنفس، و {لَّكُمْ} تشير للخطاب؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يخاطب جماعة. وبعض من لا يفهم اللغة يقول: {ذٰلِكُمْ} كلمة واحدة خطاباً أو إشارة، ونقول لهم: لا، بل هي كلمتان؛ إشارة وخطاب. والإشارة هنا لشيء واحد، والخطاب لجماعة. ومثال هذا أيضاً قول الحق سبحانه على لسان امرأة العزيز في قصة يوسف عندما جمعت امرأة العزيز النسوة، وأخرجت يوسف عليهن، وصارت هناك جماعة من النسوة، وهناك يوسف - أيضاً -: {أية : فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} تفسير : [يوسف: 32]. و"ذا" المقصود بها يوسف، و"لكُنَّ" هن: النسوة المخَاطَبات. ومثال آخر أيضاً هو قول الحق سبحانه: {أية : فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ}تفسير : [القصص: 32]. و"ذان" إشارة لاثنين، وهما معجزتان من معجزات موسى عليه السلام؛ العصا واليد البيضاء، وحرف الكاف للمخاطب وهو موسى عليه السلام. إذن: فقول الحق: {ذٰلِكُمْ} في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها مكون من كلمتين: الإشارة لواحد والخطاب لجماعة. وقوله تعالى: {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ}.. عن أي خير يتحدث سبحانه؟ إن نفرتم وجاهدتم بأموالكم وأنفسكم فهو خير، ولا بد أن يكون خيراً من مقابل له. والمقابل له هو القعود عن الجهاد بأموالكم وأنفسكم. إذن: فالجهاد خير من القعود. وكلمة {خَيْرٌ} تستعمل في اللغة استعمالين؛ الاستعمال الأول أن يراد بها الخير العام، كقوله تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}تفسير : [الزلزلة: 7-8]. ويكون مقابلها في هذه الحالة هو الشر. ومرة تأتي "خير" بمعنى "أفعل التفضيل"، كأن تقول: هذا خير من هذا. وفي هذه الحالة يكون كل من الأمرين خيراً، ولكن أحدهما أفضل من الآخر، مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن القوي خَيْرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خير " تفسير : فإن جاءت "خير" دون أن تسبقها "من" فالمراد بها المقابل لها، وهو "الشر". ونجد بعضاً من أساتذة اللغة العربية يقولون: عندما تستخدم كلمة "خير" كأفعل تفضيل لا تقل: "خير"، بل قل: "الخير"، ولكن اللفظ المستخدم هنا هو "خير"، فإن استُعْمِل في أفعل التفضيل فهو يعطي الصفة الزائدة لواحد دون الثاني، والاثنان مشتركان في الخيرية. وعلى سبيل المثالحديث : كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد اسمه زيد بن حارثة اشترته خديجة رضي الله عنها، وأهدته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرف أبو زيد وعمه مكانه فذهبا إلى مكة ليروه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأنت قد علمت ورأيت محبتي لك فاخترني أو اخترهما". فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحداً، أي: أنه اختار أن يبقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يذهب مع أهله، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكافئه؛ فألحقه بنفسه وقال: "يا من حضر اشهدوا أن زيداً ابني يرثني وأرثه" تفسير : وكان التبني مباحاً عند العرب، وأراد الحق أن يُلغي التبني وأن يطبق رسول الله هذا الإلغاء بنفسه، فجاء قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ}تفسير : [الأحزاب: 40]. وهكذا أنهى الحق سبحانه وتعالى التبني، وقال سبحانه وتعالى: {أية : ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ}تفسير : [الأحزاب: 5]. و{أَقْسَطُ} يعني "أعدل"، كأن الحق سبحانه وتعالى لم يَنْف عن رسوله صلى الله عليه وسلم العدل، ولكنه أنزل ما هو أعدل. إذن: فساعة ترى أَفعل التفضيل؛ فاعلم أنه يعطي الصفة الزائدة ويُبقي الصفة الأصلية. وفي الآية التي نحن بصددها {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ} ومقابلها: أن القعود عن الجهاد بالمال والنفس شر. يقول الحق سبحانه: {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} إذن: فهناك موازين نعرف بها ما هو خير وما هو شر.. وحينما قال الحق: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} فكأن هناك مقدمات للعلم، فإن لم يكونوا يعلمون؛ فالله يعلمهم، ذلك أن الذي يجاهد بماله ونفسه يكون قد اقتنع بيقين أنه سوف يحصل من الجهاد على ما هو خير من المال والنفس. وأيضاً: إن قُتل فهو باستشهاده صار أسوة حسنة لمن يأتي بعده. وحين أوضح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من يقاتل صابراً محتسباً يدخل الجنة، جاء له صحابي في فمه تمرة يمضغها فيقول: أليس بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن أقاتل فيقتلوني؟ فلما أجاب النبي صلى الله عليه وسلم: نعم. استبطأ الصحابي أن يضيع مضغ التمرة وقتاً، وأن يتأخر عن القتال بسببها، فرماها من فمه وقاتل حتى استشهد. وكان هذا دليلاً على أنه واثق تمام الثقة أن الاستشهاد يعطيه جزاءً أعلى بكثير مما ترك. ثم بعد ذلك يعود الحق سبحانه وتعالى إلى الذين يتثاقلون عن الجهاد ليصفي المسائل كلها، فيقول جل جلاله: {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} فالخَفيفُ: الشَّابُ. والثِّقالُ: الشِّيوخُ.

الأندلسي

تفسير : {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} لما توعد الله تعالى من لا ينفر مع رسوله عليه السلام وضرب له من الأمثال ما ضرب، اتبعه بهذا الأمر الجزم، والمعنى انفروا على الوصف الذي يخف عليكم فيه الجهاد، أو على الوصف الذي يثقل. والخفة والثقل هنا مستعار لمن يمكنه السفر بسهولة ومن يمكنه بصعوبة، وأما من لا يمكنه كالأعمى ونحوه فخارج عن هذا. {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً} أي لو كان ما دعوا إليه غنماً قريباً سَهْلَ المنال وسفراً قاصداً وسطاً مقارباً. وهذه الآية في قصة تبوك حين استنفر المؤمنين فنفروا واعتذر منهم لا محالة فريق لا سيما من القبائل المجاورة للمدينة. {لاَّتَّبَعُوكَ} لبادروا إليه لا لوجه الله ولا لظهور كلمته. {وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ} أي المسافة الطويلة في غزو الروم. والشُقة: السفر البعيد. وربما قالوه بالكسر في الشين. {وَسَيَحْلِفُونَ} أي المنافقون. وهذا إخبار بغيب. قال الزمخشري في قوله: وسيحلفون بالله، ما نصه: بالله متعلق بسيحلفون أو هو من كلامهم، والقول مراد في الوجهين أي سيحلفون متخلفين عند رجوعك من غزوة تبوك معتذرين يقولون بالله. {لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} أو وسيحلفون بالله يقولون: لو استطعنا. وقوله: لخرجنا، سد مسد جواب القسم ولو جميعاً والاخبار بما سوف يكون بعد القول من حلفهم واعتذارهم. وقد كان من جملة المعجزات. ومعنى الاستطاعة: استطاعة العدّة أو استطاعة الأبدان، كأنهم تمارضوا. "انتهى". وما ذهب إليه من أن قوله: لخرجنا، سدّ مسدّ جواب القسم، ولو جميعاً ليس بجيد بل للنحويين في هذا مذهبان: أحداهما: أن لخرجنا هو جواب القسم، وجواب لو محذوف على قاعدة اجتماع القسم. والشرط إذا تقدم القسم على الشرط وهو اختيار ابن عصفور، والآخر: ان لخرجنا هو جواب لو، وجواب القسم هو لو وجوابها وهذا هو اختيار ابن مالك، اما انّ لخرجنا يسد مسدهما فلا أعلم أحداً ذهب إلى ذلك. {يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ} بالحلف الكاذب أي يوقعونها في الهلاك به. والظاهر أنها جملة استئناف إخبار منه سبحانه وتعالى. وقال الزمخشري: يهلكون أنفسهم، إما أن يكون بدلاً من سيحلفون، أو حالاً بمعنى مهلكين، والمعنى أنهم يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب وما يحلفون عليه من التخلف. ويحتمل أن يكون حالاً من قوله: لخرجنا، أي لخرجنا معكم وان أهلكنا أنفسنا وألقيناها إلى التهلكة بما نحملها من السير في تلك الشقة. وجاء به على لفظ الغائب لأنه مخبر عنهم، ألا ترى أنه لو قيل: سيحلفون بالله لو استطاعوا لخرجوا، لكان سديداً. يقال: حلف بالله ليفعلن ولأفعلن، فالغيبة على حكم الاخبار والتكلم على الحكاية. "انتهى". اما كون يهلكون بدلاً من سيحلفون فبعيد، لأن الاهلال ليس مرادفاً للحلف ولا هو نوع من الحلف، ولا يجوز أن يبدل فعل من فعل إلا أن يكون مرادفاً له أو نوعاً منه، واما كونه حالاً من قوله: لخرجنا، فالذي يظهر أن ذلك لا يجوز لأن قوله: لخرجنا فيه ضمير التكلم فالذي يجري عليه إنما يكون بضمير المتكلم، فلو كان حالاً من ضمير لخرجنا لكان التركيب نهلك أنفسنا أي مهلكي أنفسنا. واما قياسه ذلك على حلف بالله ليفعلن ولأفعلن فليس بصحيح لأنه إذا أجراه على ضمير الغيبة لا يخرج منه إلى ضمير المتكلم، لو قلت: حلف زيد ليفعلن وانا قائم، على أن يكون وأنا قائم حالاً من ضمير ليفعلن لم يجز وكذا عكسه نحو: حلف زيد لأفعلن يقوم، تريد قائماً لم يجز. واما قوله: وجاء به على لفظ الغائب لأنه مخبر عنهم فمغالطة ليس مخبراً عنهم بقوله: لو استطعنا لخرجنا معكم، بل هو حاك لفظ قولهم. ثم قال: ألا ترى انه لو قيل: لو استطاعوا لخرجوا لكان سديداً.. إلى آخر كلام صحيح، لكنه تعالى لم يقل ذلك إخباراً عنهم بل حكاية. والحال من جملة كلامهم المحكي فلا يجوز أن يخالف بين ذي الحال وحاله لاشتراكهما في العامل. لو قلت: قال زيد: خرجت يضرب خالداً، تريد أضرب خالداً، لم يجز. ولو قلت: قالت هند، خرج زيد أضرب خالداً، تريد خرج زيد ضارباً خالداً، لم يجز. {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} الآية، اللام في لم: لام التعليل، وما: استفهامية، حذف منها الألف، واللام الثانية: للتبليغ، وهما متعلقان باذنت، وجاز ذلك لاختلاف معنَيْيهما، وحتى: غاية للاستفهام. وقوله: الذين صدقوا في استئذانك، وانك لو لم تأذن لهم خرجوا معك. {وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ} يريد في أنهم استأذنوك يظهرون لك أنهم يقفون عند حدك وهم كذبة، وقد عزموا على العصيان أذنت لهم أو لو تأذن. {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} ما قبل هذه الآية وما بعدها ورد في قصة تبوك. والظاهر أن متعلق الاستئذان هو أن يجاهدوا، أي ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا، وكان الخلص من المهاجرين والأنصار لا يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم أبداً، ويقولون: لنجاهدنّ معه بأموالنا وأنفسنا. {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} الآية، هم المنافقون وكانوا تسعة وثلاثين رجلاً، ومعنى وارتابت قلوبهم: شكت. ويتردّدون: ويتحيرون لا يتجه لهم هدى فتارة يخطر لهم صحة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتارة يخطر لهم خلاف ذلك.

الجيلاني

تفسير : {ٱنْفِرُواْ} أيها الغزاة المجاهدون في سبيل الله {خِفَافاً} نشطاً فرحاناً، منبسطين لمرتبة الشهادة {وَثِقَالاً} قاصداً لأخذ الغنيمة والأحمال والأثقال من عدوكم، أو مشاة وركباناً {وَ} بالجملة: {جَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ} لتهيئة الأسباب وإعداد السفر {وَأَنْفُسِكُمْ} بتحمل المشاق والمتاعب {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} لتفوزوا من عنده بالمثوبة العظمى والدرجة العليا التي لا درجة أعلى منها {ذٰلِكُمْ} أي: ما أمرتم به من عند ربكم {خَيْرٌ لَّكُمْ} في أولاكم وأخراكم {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41] الخير وتميزونه من الشر. ثمَّ قال سباحنه في حق المستخلفين عن القتال المأمور به، المستأذنين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، المعتذرين له بالعذر الكاذب توبيخاً لهم وتقريعاً: {لَوْ كَانَ} ما تدعوهم إليه يا أكمل الرسل {عَرَضاً} أي: متاعاً دنيوياً مما يشتهيه نفوسهم {قَرِيباً} سهل الحصول {وَ} كان السعي في حصوله {سَفَراً قَاصِداً} متوسطاً؛ أي: مساوياً نفعه لمشقة تحصيله {لاَّتَّبَعُوكَ} ألبتة طائعين لمصلحة ما يؤملونه من جلب النفع، لا لغرض ديني ونفع أخروي {وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ} المسافة، واشتدت {ٱلشُّقَّةُ} أي: المشقة فيها، مع جزمهم بعدم الفائدة فيها بزعمهم الفاسد واعتقادهم الكاسد. {وَ} مع ذلك {سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ} معتذرين متمنين بلا موافقة قلوبهم بألسنتهم بعدما رجت من غزوة تبوك: {لَوِ ٱسْتَطَعْنَا} بالخروج استطاعة مالية أو بدنية {لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} ألبتة، مع أنهم قادرون مستطيعون بكلتا الاستطاعتين، وهم لخبث باطنهم {يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ} بهذا الحلف الكاذب، ويعرضونها على عذاب الله {وَٱللَّهُ} والمطلع لمخايل هؤلاء المنافقين {يَعْلَمُ} بعلمه الحضوري {إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 42] في حلفهم وعذرهم هذا. {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ} ما جئت به من ترك الأولى {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} استأذنوك بالقعود؛ أي: هؤلاء المنافقين المتخلفين، المعتذرين بالأعذار الكاذبة {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ} ويظهر {لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} في الاعتذار والاعتدال {وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ} [التوبة: 43] فيها على مقتضى نفاقهم الكامنة في نفوسهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى لعباده المؤمنين -مهيجا لهم على النفير في سبيله فقال: { انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا } أي: في العسر واليسر، والمنشط والمكره، والحر والبرد، وفي جميع الأحوال. { وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } أي: ابذلوا جهدكم في ذلك، واستفرغوا وسعكم في المال والنفس، وفي هذا دليل على أنه -كما يجب الجهاد في النفس- يجب الجهاد في المال، حيث اقتضت الحاجة ودعت لذلك. ثم قال: { ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أي: الجهاد في النفس والمال، خير لكم من التقاعد عن ذلك، لأن فيه رضا اللّه تعالى، والفوز بالدرجات العاليات عنده، والنصر لدين اللّه، والدخول في جملة جنده وحزبه. لو كان خروجهم لطلب العرض القريب، أي: منفعة دنيوية سهلة التناول { وَ } كان السفر { َسَفَرًا قَاصِدًا } أي: قريبا سهلا. { لاتَّبَعُوكَ } لعدم المشقة الكثيرة، { وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ } أي: طالت عليهم المسافة، وصعب عليهم السفر، فلذلك تثاقلوا عنك، وليس هذا من أمارات العبودية، بل العبد حقيقة هو المتعبد لربه في كل حال، القائم بالعبادة السهلة والشاقة، فهذا العبد للّه على كل حال. { وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ } أي: سيحلفون أن تخلفهم عن الخروج أن لهم أعذرا وأنهم لا يستطيعون ذلك. { يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ } بالقعود والكذب والإخبار بغير الواقع، { وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }. وهذا العتاب إنما هو للمنافقين، الذين تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في "غزوة تبوك" وأبدوا من الأعذار الكاذبة ما أبدوا، فعفا النبي صلى الله عليه وسلم عنهم بمجرد اعتذارهم، من غير أن يمتحنهم، فيتبين له الصادق من الكاذب، ولهذا عاتبه اللّه على هذه المسارعة إلى عذرهم فقال: { عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ ...}.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 342 : 16 : 12 - سفين عن أبيه عن أبي الضحى قال، أول ما نزل من برآءة {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً}. [الآية 41].

همام الصنعاني

تفسير : 1087- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً}: [الآية: 41]، قال: نشاطاً وغير نشاطٍ.