٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
42
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بالغ في ترغيبهم في الجهاد في سبيل الله، وكان قد ذكر قوله: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ } تفسير : [التوبة:38] عاد إلى تقرير كونهم متثاقلين، وبين أن أقواماً، مع كل ما تقدم من الوعيد والحث على الجهاد، تخلفوا في غزوة تبوك، وبين أنه {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: العرض ما عرض لك من منافع الدنيا، يقال: الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر. قال الزجاج: فيه محذوف والتقدير: لو كان المدعو إليه سفراً قاصداً، فحذف اسم (كَانَ) لدلالة ما تقدم عليه. وقوله: {وَسَفَرًا قَاصِدًا } قال الزجاج: أي سهلاً قريباً. وإنما قيل لمثل هذا قاصداً، لأن المتوسط، بين الإفراط، والتفريط، يقال له: مقتصد. قال تعالى: { أية : فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } تفسير : [فاطر: 32] وتحقيقه أن المتوسط بين الكثرة والقلة يقصده كل أحد، فسمي قاصداً، وتفسير القاصد: ذو قصد، كقولهم لابن وتامر ورابح. قوله: {وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ } قال الليث: الشقة بعد مسيره إلى أرض بعيدة يقال: شقة شاقة، والمعنى: بعدت عليهم الشاقة البعيدة، والسبب في هذا الاسم أنه شق على الإنسان سلوكها. ونقل صاحب «الكشاف» عن عيسى بن عمر: أنه قرأ {بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ } بكسر العين والشين. المسألة الثانية: هذه الآية نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، ومعنى الكلام أنه لو كانت المنافع قريبة والسفر قريباً لاتبعوك طمعاً منهم في الفوز بتلك المنافع، ولكن طال السفر فكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة، بسبب أنهم كانوا يستعظمون غزو الروم، فلهذا السبب تخلفوا. ثم أخبر الله تعالى أنه إذا رجع من الجهاد يجدهم يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ إما عندما يعاتبهم بسبب التخلف، وإما ابتداء على طريقة إقامة العذر في التخلف، ثم بين تعالى أنهم يهلكون أنفسهم بسبب ذلك الكذب والنفاق. وهذا يدل على أن الأيمان الكاذبة توجب الهلاك، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام:«حديث : اليمين الغموس تدع الديار بلاقع » تفسير : . ثم قال: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } في قولهم ما كنا نستطيع الخروج، فإنهم كانوا مستطيعين الخروج. المسألة الثالثة: دلت الآية على أن قوله: {ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً } إنما يتناول من كان قادراً متمكناً، إذ عدم الاستطاعة عذر في التخلف. المسألة الرابعة: استدل أبو علي الجبائي بهذه الآية على بطلان أن الاستطاعة مع الفعل، فقال: لو كانت الاستطاعة مع الفعل لكان من يخرج إلى القتال لم يكن مستطيعاً إلى القتال، ولو كان الأمر كذلك لكانوا صادقين في قولهم: ما كنا نستطيع ذلك، ولما كذبهم الله تعالى في هذا القول، علمنا أن الاستطاعة قبل الفعل. واستدل الكعبي بهذا الوجه أيضاً له، وسأل نفسه لا يجوز أن يكون المراد به: ما كان لهم زاد ولا راحلة، وما أرادوا به نفس القدرة. وأجاب: إن كان من لا راحلة له يعذر في ترك الخروج، فمن لا استطاعة له أولى بالعذر. وأيضاً الظاهر من الاستطاعة قوة البدن دون وجود المال، وإذا أريد به المال، فإنما يراد لأنه يعين على ما يفعله الإنسان بقوة البدن، فلا معنى لترك الحقيقة من غير ضرورة. وأجاب أصحابنا: بأن المعتزلة سلموا أن القدرة على الفعل لا تتقدم على الفعل، إلا بوقت واحد، فأما أن تتقدم عليه بأوقات كثيرة فذلك ممتنع، فإن الإنسان الجالس في المكان لا يكون قادراً في هذا الزمان أن يفعل فعلاً في مكان بعيد عنه، بل إنما يقدر على أن يفعل فعلاً في المكان الملاصق لمكانه فإذا ثبت أن القدرة عند القوم لا تتقدم الفعل إلا بزمان واحد، فالقوم الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا قادرين على أصول المعتزلة، فيلزمهم من هذه الآية ما ألزموه علينا، وعند هذا يجب علينا وعليهم، أن نحمل الاستطاعة على الزاد والراحلة وحينئذ يسقط الاستدلال. المسألة الخامسة: قالوا الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر عنهم أنهم سيحلفون، وهذا إخبار عن غيب يقع في المستقبل، والأمر لما وقع كما أخبر، كان هذا إخباراً عن الغيب، فكان معجزاً، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : لمّا رجع النبيّ صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أظهر الله نفاق قوم. والعَرَض: ما يعرض من منافع الدنيا. والمعنىٰ: غنيمة قريبة. أخبر عنهم أنهم لو دُعُوا إلى غنيمة لاتبعوه. {عَرَضاً} خبر كان. {قَرِيباً} نعته. {وَسَفَراً قَاصِداً} عطف عليه. وحذف اسم كان لدلالة الكلام عليه. التقدير: لو كان المدعوّ إليه عَرَضاً قريباً وسفراً قاصداً ـ أي سهلاً معلوم الطُرق ـ لاتبعوك. وهذه الكناية للمنافقين كما ذكرنا؛ لأنهم داخلون في جملة من خوطب بالنفير. وهذا موجود في كلام العرب، يذكرون الجملة ثم يأتون بالإضمار عائداً على بعضها؛ كما قيل في قوله تعالىٰ: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} أنها القيامة. ثم قال جل وعز: {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} يعني جل وعز جهنم. ونظير هذه الآية من السُّنة في المعنىٰ قوله عليه السلام: «حديث : لو يعلم أحدهم أنه يجد عَظْماً سميناً أو مِرْماتين حسنتين لشَهِد العِشاء»تفسير : . يقول: لو علم أحدهم أنه يجد شيئا حاضراً معجّلاً يأخذه لأتىٰ المسجد من أجله. {وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ} حكى أبو عبيدة وغيره أن الشقة السفر إلى أرض بعيدة. يقال: منه شُقّة شاقة. والمراد بذلك كلّه غزوة تبوك. وحكىٰ الكسائيّ أنه يقال: شُقة وشِقة. قال الجوهري: الشّقة بالضم من الثياب؛ والشّقة أيضاً السفر البعيد وربما قالوه بالكسر. والشِّقة شظِيّة تُشْظَىٰ من لوح أو خشبة. يقال للغضبان: احتدّ فطارت منه شقة، بالكسر. {وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا} أي لو كان لنا سِعَة في الظَّهْر والمال. {لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} نظيره {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}تفسير : [آل عمران: 97] فسّرها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : زادٌ وراحلة»تفسير : وقد تقدّم. {يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ} أي بالكذب والنفاق. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} في الاعتلال.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى موبخاً للذين تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وقعدوا بعدما استأذنوه في ذلك، مظهرين أنهم ذوو أعذار، ولم يكونوا كذلك، فقال: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا} قال ابن عباس: غنيمة قريبة {وَسَفَرًا قَاصِدًا} أي: قريباً أيضاً، {لاَّتَّبَعُوكَ} أي: لكانوا جاؤوا معك لذلك، {وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ} أي المسافة إلى الشام {وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ} أي: لكم، إذا رجعتم إليهم {لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} أي: لو لم يكن لنا أعذار، لخرجنا معكم، قال الله تعالى: {يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل في المنافقين الذين تخلَّفوا {لَّوْ كَانَ } ما دعوتهم إليه {عَرْضاً } متاعاً من الدنيا {قَرِيبًا } سهل المأخذ {وَسَفَرًا قَاصِدًا } وسطاً {لاَّتَّبَعُوكَ } طلباً للغنيمة {وَلَٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ } المسافة فتخلفوا {وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ } إذا رجعتم إليهم {لَوِ ٱسْتَطَعْنَا } الخروج {لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ } بالحلف الكاذب {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ } في قولهم ذلك.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً} أي لو كان الذي دُعيتم إليه عرضاً قريباً. وفيه وجهان: أحدهما: يعني بالعرض ما يعرض من الأمور السهلة. والثاني: يعني الغنيمة. {وَسَفَراً قَاصِداً} أي سهلاً مقتصداً. {لاَّتَّبُعُوكَ} يعني في الخروج معك. {وَلَكِنْ بَعْدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ} والشقة هي القطعة من الأرض التي يشق ركوبها على صاحبها لبعدها. {وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: لو استطعنا فراق أوطاننا وترك ثمارنا. والثاني: لو استطعنا مالاً نستمده ونفقةً نخرج بها لخرجنا معكم في السفر الذي دعوا إليه فتأخروا عنه وهو غزوة تبوك. ثم جاءوا بعد ذلك يحلفون بما أخبر الله عنهم من أنهم لو استطاعوا لخرجوا تصديقاً لقوله تعالى وتصحيحاً لرسالة نبيه صلى الله عليه وسلم. {يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: يهلكون أنفسهم باليمين الكاذبة. والثاني: يهلكون أنفسهم بالتأخر عن الإجابة.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَوْ كَانَ} الذي دُعوا إليه {عَرَضاً} غنيمة، أو أمراً سهلاً. {قَاصِدًا} سهلاً مقتصداً. {لاَّتَّبَعُوكَ} في الخروج. {الشُّقَّةُ} القطعة من الأرض يشق ركوبها لبعده.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {لو كان عرضاً قريباً} فيه إضمار تقديره لو كان ما تدعوهم إليه عرضاً يعني غنيمة سهلة قريبة التناول والعرض ما عرض لك من منافع الدنيا ومتاعها. يقال: الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر {وسفراً قاصداً} يعني سهلاً قريباً {لاتبعوك} يعني لخرجوا معك {ولكن بعدت عليهم الشقة} أي المسافة والشقة السفر البعيد، لأنه يشق على الإنسان سلوكها. ومعنى الآية: لو كان العرض قريباً والغنيمة سهلة والسفر قاصداً لاتبعوك طمعاً في تلك المنافع التي تحصل لهم ولكن لما كان السفر بعيداً وكانوا يستعظمون غزو الروم لا جرم أنهم تخلفوا لهذا السبب ثم أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم أنه إذا رجع النبي عليه السلام من هذا الجهاد يحلفون بالله وهو قوله تعالى: {وسيحلفون بالله} يعني المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة {لو استطعنا لخرجنا معكم} يعني إلى هذه الغزوة {يهلكون أنفسهم} يعني بسبب هذه الأيمان الكاذبة والنفاق وفيه دليل على أن الأيمان الكاذبة تهلك صاحبها {والله يعلم إنهم لكاذبون} يعني في أيمانهم وهو قولهم: لو استطعنا لخرجنا معكم لأنهم كانوا مستطيعين الخروج. قوله عز وجل: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} قال الطبري: هذا عتاب من الله عز وجل عاتب الله به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أي في إذنه لمن أذن له في التخلف عنه من المنافقين حين شخص إلى تبوك لغزو الروم. والمعنى: عفا الله عنك يا محمد ما كان منك في إذنك لهؤلاء المنافقين الذين استأذنوك في ترك الخروج معك إلى تبوك. قال عمرو بن ميمون الأودي: اثنان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بشيء فيهما إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من أسارى بدر فعاتبه الله كما تسمعون وقال سفيان بن عيينة: انظروا إلى هذا اللطف بدأه بالعفو قبل أن يعيره بالذنب. (فصل) استدل بهذه الآية من يرى جواز صدور الذنوب من الأنبياء وبيانه من وجهين: أحدهما، أنه سبحانه وتعالى. قال: عفا الله عنك والعفو يستدعي سابقة الذنب الوجه الثاني أنه سبحانه وتعالى قال لم أذنت لهم وهذا استفهام معناه الإنكار. والجواب عن الأول: إنا لا نسلم أن قوله تعالى عفا الله عنك يوجب صدور الذنب بل نقول إن ذلك يدل على المبالغة في التعظيم والتوقير فهو كما يقول الرجل لغيره إذا كان معظماً له عفا الله عنك ما صنعت في أمري رضي الله عنك ما جوابك عن كلامي وعافاك الله وغفر لك كل هذه الألفاظ في ابتداء الكلام وافتتاحه تدل على تعظيم المخاطب به قال علي بن الجهم يخاطب المتوكل. شعر : عفا الله عنك إلا حرمة تعود بفضلك أن أبعدا ألم تر عبداً عدا طوره ومولى عفا ورشيداً هدى أقلني أقالك من لم يزل يقيل ويصرف عنك الردى تفسير : والجواب عن الثاني: أنه لا يجوز أن يكون المراد بقوله لم أذنت لهم الإنكار عليه وبيانه: إما أن يكون قد صدر عنه ذنب في هذه الواقعة أولاً فإن كان قد صدر عنه ذنب فذكر الذنب بعد العفو لا يليق. فقوله: عفا الله عنك، يدل على حصول العفو وبعد حصول العفو، يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه وإن لم يكن قد صدر عنه ذنب امتنع الإنكار عليه فثبت بهذا أن الإنكار يمتنع في حقه صلى الله عليه وسلم. وقال القاضي عياض في كتابه الشفاء في الجواب عن قوله عفا الله عنك لم أذنت لهم: أنه أمر لم يتقدم للنبي صلى الله عليه وسلم فيه من الله تعالى نهي فيعد معصية ولا عده تعالى عليه معصية بل لم يعده أهل العلم معاتبة وغلطوا من ذهب إلى ذلك قال نفطويه: وقد حاشاه لله من ذلك بل كان مخيراً في أمرين قالوا: وقد كان له أن يفعل ما يشاء فيما لم ينزل عليه فيه وحي فكيف وقد قال الله سبحانه وتعالى له فأذن لمن شئت منهم فلما أذن لهم أعلمه الله بما لم يطلع عليه من سرهم أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا وأنه لا حرج عليه فيما فعل وليس عفا هنا بمعنى غفر بل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق ولم تجب عليهم قط أي يلزمكم ذلك ونحوه للقشيري قال: وإنما يقول العفو لا يكون إلا عن ذنب من لم يعرف كلام العرب قال ومعنى عفا الله عنك أي لم يلزمك ذنب. قال الداودي: إنها تكرمة. وقال مكي: هو استفتاح كلام مثل أصلحك الله وأعزك وحكى السمرقندي أن معناه عفاك الله. وقيل معناه: أدام الله لك العفو لم أذنت لهم يعني في التخلف عنك وهذا يحمل على ترك الأولى والأكمل لا سيما وهذه كانت من جنس ما يتعلق بالحروب ومصالح الدنيا {حتى يتبين لك الذين صدقوا} يعني في اعتذارهم {وتعلم الكاذبين} يعني فيما يعتذرون به. قال ابن عباس: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين يومئذ حتى نزلت براءة. قوله سبحانه وتعالى: {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم} أي في أن يجاهدوا وإنما حسن هذا الحذف لظهوره {والله عليم بالمتقين} يعني الذين يتقون لمخالفته ويسارعون إلى طاعته {إنما يستأذنك} يعني في التخلف عن الجهاد معك يا محمد من غير عذر {الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر} وهم المنافقون لقوله {وارتابت قلوبهم} يعني شكت قلوبهم في الإيمان وإنما أضاف الشك والارتياب إلى القلب لانه محل المعرفة والإيمان أيضاً فإذا داخله الشك كان ذلك نفاقاً {فهم في ريبهم يترددون} يعني أن المنافقين متحيرون لا مع الكفار ولا مع المؤمنين وقد اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية. فقيل: إنها منسوخة بالآية التي في سورة النور وهي قوله سبحانه وتعالى إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم وقيل إنها محكمات كلها ووجه الجمع بين هذه الآيات أن المؤمنين كانوا يسارعون إلى طاعة الله وجهاد عدوهم من غير استئذان فإذا عرض لأحدهم عذراً استأذن في التخلف فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيراً في الإذن لهم بقوله تعالى فأذن لمن شئت منهم وأما المنافقون فكانوا يستأذنون في التخلف من غير عذر فعيرهم الله تعالى بهذا الاستئذان لكونه بغير عذر.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ}، هذه الآية في المنافقين المتخلِّفين في غزوة تَبُوكَ، وكَشْفِ ضمائرهم، وأما الآيات التي قبلها، فعامَّة فيهم وفي غيرهم، والمعنى: لو كان هذه الغزوَ لِعَرَضٍ، أي: لمال وغنيمةٍ تنالُ قريباً؛ بسَفرٍ قاصدٍ يسيرٍ، لبادروا لا لوجه اللَّه، {وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ} وهي المسافةُ الطويلة. وقوله: {وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ}، يريد: المنافقينَ، وهذا إِخبار بغَيْب. وقوله عز وجل: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}، هذه الآيةُ هي في صِنْفٍ مُبَالِغٍ في النفاق، ٱستأذنوا دون ٱعتذارٍ، منهم: الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ وَرِفَاعَةُ بْنُ التأبوت وَمنِ اتبعهم؛ قال مجاهدٌ: وذلك أَنَّ بعضهم قال: نَسْتَأْذنه، فإِن أَذِنَ في القعودِ قعدنا، وَإِلاَّ قعدنا، وقَدَّم له العَفْوَ قبل العتاب: إِكراماً له صلى الله عليه وسلم، وقالت فرقة: بل قوله سبحانه {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ}: ٱستفتاحُ كلامٍ كما تقولُ: أصْلَحَكَ اللَّهُ، وأَعَزَّكَ اللَّهُ، ولم يكنْ منه عليه السلام ذَنْبٌ يعفَى عنه؛ لأن صورة ٱلاستنفار وقَبُول الأَعْذَار مصروفةٌ إِلى ٱجتهاده. وقوله: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ}، يريد: في ٱستئذانك، وأنك لو لم تأذن لهم، خرجوا معك. وقوله: {وَتَعْلَمَ ٱلْكَـٰذِبِينَ}، أي: بمخالفتكَ، لَوْ لم تأذن؛ لأنهم عَزَمُوا على العِصْيَان، أذنتَ لهم أو لم تأذن، وقال الطبريُّ: معناه: حتى تعلم الصَّادقين؛ في أَنَّ لهم عُذْراً، والكاذبين، في أن لا عُذْرَ لهم، والأول أصْوبُ، واللَّه أعلم، وأمَّا قوله سبحانه: في سورة: { أية : فَإِذَا ٱسْـتَئْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ... } تفسير : [النور:62] الآية، ففي غزوة الخندَقِ نزلَتْ: {وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ }، أيْ: شكَّت و{يَتَرَدَّدُونَ}، أي: يتحيَّرون؛ إِذ كانوا تخطر لهم صِحَّة أمر النبيِّ صلى الله عليه وسلم أحياناً، وأنه غير صحيحٍ أحياناً، فهم مذبذبُونَ.
البقاعي
تفسير : ولما كان هذا العتاب مؤذناً بأن فيهم من تباطأ عن الجهاد اشتغالاً بنحو الأموال والأولاد، وكان ما اشتملت عليه هذه الآيات من الأوامر والزواجر والمواعظ جدير: بأن يخفف كل متثاقل وينشط كل متكاسل، تشوفت النفوس إلى ما اتفق بعد ذلك فأعلم سبحانه به في أساليب البلاغة المخبرة عن أحوال القاعدين وأقاصيص الجامدين المفهمة ان هناك من غلب عليه الشقاء فلم ينتفع بالمواعظ، فالتفت من لطف الإقبال إلى تبكيت المتثاقلين بأسلوب الإعراض المؤذن الغضب المحقق للسخط المبين لفضائحهم المبعثر لقبائحهم المخرج لهم ما دخلوا فيه من عموم الدعاء باسم الإيمان فقال: {لو كان} أي ما تدعوا إليه {عرضاً} أي متاعاً دنيوياً {قريباً} أي سهل التناول {وسفراً قاصداً} أي وسطاً عدلاً مقارباً {لا تبعوك} أي لأجل رجاء العرض مع سهولة السفر لأن هممهم قاصرة ومنوطة بالحاضر {ولكن} أي لم يتبعوك تثاقلاً إلى الأرض ورضى بالفاني الحاضر من الباقي الغائب لأنها {بعدت عليهم الشقة} أي المسافة التي تطوى بذرع الأرجل بالمسير فيحصل بها النكال والمشقة فلم يواز ما يحصل لهم بها من التعب ما يرجونه من العرض، فاستأذنوك، وفي هذا إشارة إلى ذمهم بسفول الهمم ودناءة الشيم بالعجز والكسل والنهم والثقل، وإلى أن هذا الدين متين لا يحمله إلا ماضي الهم صادق العزم كما قال الشاعر: شعر : إذا همَّ ألقى بين عينيه عزمه وأعرض عن ذكر العواقب جانبا تفسير : فلله در أولي العزائم والصبر على الشدائد والمغارم! ولما ذمهم بالشح بالدنيا، أتبعه وصمهم بالسماح بالدين فقال مخبراً عما سيكون منهم علماً من أعلام النبوة: {وسيحلفون} أي المتخلفون باخبار محقق لا خلف فيه {بالله} أي الذي لا أعظم منه عند رجوعكم إليهم جمعاً إلى ما انتهكوا من حرمتك بالتخلف عنك لانتهاك حرمة الله بالكذب قائلين: والله {لو استطعنا} أي الخروج إلى ما دعوتمونا إليه {لخرجنا معكم} يحلفون حال كونهم {يهلكون أنفسهم} أي بهذا الحلف الذي يريدون به حياتها لأنهم كذبوا فيه فانتهكوا حرمة اسم الله {والله} أي والحال أن الملك الأعظم المحيط علماً وقدرة سبحانه {يعلم إنهم لكاذبون*} فقد جمعوا بين إهلاك أنفسهم والفضيحة عند الله بعلمه بكذبهم في انهم غير مستطيعين، وجزاء الكاذب في مثل ذلك الغضب المؤيد الموجب للعذاب الدائم المخلد. ولما بكتهم على وجه الإعراض لأجل التخلف والحلف عليه كاذباً، أقبل إليه صلى الله عليه وسلم بالعتاب فبي لذيذ الخطاب على الاسترسال في اللين لهم والائتلاف وأخذ العفو وترك الخلاف إلى هذا الحد، فقال مؤذناً بأنهم ما تخلفوا إلا بإذنه صلى الله عليه وسلم لأعذار ادعوها كاذبين فيها كما كذبوا في هذا الحلف، مقدماً للدعاء على العتاب لشدة الاعتناء بشأنه واللطف به صلى الله عليه وسلم: {عفا الله} أي ذو الجلال والإكرام {عنك} وهذا كما كانت عادة العرب في مخاطبتهم لأكابرهم بأن يقولوا: أصلح الله الأمير، والملك - ونحو ذلك. ولما كان من المعلوم أنه لا يأذن إلا لما يرى أنه يرضي الله من تألفهم ونحوه، بين أنه سبحانه يرضى منه ترك الإذن فقال كناية عن ذلك: {لم أذنت لهم} أي في التخلف عنك تمسكاً بما تقدم من الأمر باللين لهم والصفح عنهم موافقاً لما جبلت عليه من محبة الرفق، وهذا إنما كان في أول الأمر لخوف التنازع والفتنة، وأما الآن فقد علا الدين وتمكن أمر المؤمنين فالمأمور به الإغلاط على المنافقين فهلا تركت الإذن لهم {حتى يتبين لك} أي غاية البيان {الذين صدقوا} أي في التزام الأوامر بما أقروا به من كلمة التوحيد {وتعلم الكاذبين*} أي فيما أظهروا من الإيمان باللسان، فإنك إن لم تأذن لهم لقعدوا بلا إذن غير مراعين ميثاقهم الذي واثقوك عليه بالطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره؛ قال أبو حيان: و{حتى} غاية الاستفهام - انتهى. وذلك لأنه وإن كان داخلاً على فعل مثبت فمعناه النفي، أي ما لك لم تحملهم على الغزو معك ليتحقق بذلك الحمل من يطيع ومن يعصي، فالحاصل أن الذي فعله صلى الله عليه وسلم حسن موافق لما أمره الله به فإنه لا ينطبق عن الهوى بل عن أمر الله إما بإيحاء واصل جديد، أو استناد إلى وحي سابق حاصل عتيد، والذي أشار إليه سبحانه أحسن مثل{ أية : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك} تفسير : [الفتح: 2] من باب "حسنات الأبرار سيئات المقربين" ومن باب الترقية من مقام عال إلى مقام اعلى تسييراً فيهم بالعدل لما انكشف أنهم ليسوا بأهل الفضل؛ قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في آخر كتاب العروة في تفاوت وجه الخطاب فيما بين ما أنزل على وفق الوصية أو أنزل على حكم الكتاب: اعلم أن الله سبحانه بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالرحمة لجميع العالمين وخلقه بالعفو والمعروف، كما ورد في الكتب السابقة من قوله تعالى: "وأجعل العفو والمعروف خلقه" وبذلك وصاه كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : أوصاني ربي من غير ترجمان ولا واسطة بسبع خصال: بخشية الله في السر والعلانية، وأن أصل من قطعني، وأصفح عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأن يكون نطقي ذكراً، وصمتي فكراً، ونظري عبرة ". تفسير : فكان فيما أوصاه به ربه تبارك وتعالى من غير ترجمان ولا واسطة أن يصل من قطعة ويصفح عمن ظلمه، ولا أقطع له ممن كفر به وصد عنه، فكان هو صلى الله عليه وسلم - بحكم ما بعث به وجبل عليه ووصى به - ملتزماً للعفو عمن ظلمه والوصل لمن قطعه إلا أن يعلن عليه بالإكراه على ترك ذلك والرجوع إلى حق العدل والاقتصاص والانتصاف المخالف لسعة وصيته الموافق لما نقل من أحكام سنن الأولين في مؤاخذتهم بالحق والعدل إلى جامع شرعته ليوجد فيها نحو مما تقدم من الحق والعدل وإن قل، ولتفضل شرعته بما اختص هو به صلى الله عليه وسلم من البعثة بسعة الرحمة والفضل {أية : إن الله يأمر بالعدل والإحسان} تفسير : [النحل: 9]،{ أية : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} تفسير : [الأنفال: 33] فمن القرآن ما أنزل على الوجه الذي بعث له وجبل عليه ووصى به نحو قوله تعالى:{ أية : ادفع بالتي هي أحسن السيئة} تفسير : [المؤمنون: 96] وقوله تعالى: {أية : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}تفسير : [الأعراف: 199] وقوله تعالى:{أية : ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر} تفسير : [آل عمران: 159] وقوله تعالى: {أية : فاصفح الصفح الجميل} تفسير : [الحجر: 85] وقوله تعالى{أية : فاصفح عنهم وقل سلام} تفسير : [الزخرف: 89] وأصل معناه في مضمون قوله تعالى:{أية : لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم} تفسير : [التوبة: 128] فما كان من المنزل على هذا الوجه تعاضدت فيه الوصية والكتاب وقبله هو صلى الله عليه وسلم جبلة وحالاً وعملاً ولم تكن له عنه وقفة لتظافر الأمرين وتوافق الخطابين: خطاب الوصية، وخطاب الكتاب؛ وهذا الوجه من المنزل خاص بالقرآن العظيم الذي هو خاص به صلى الله عليه وسلم، لم يؤته أحد قبله{أية : ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم}تفسير : [الحجر: 87] ومن القرآن ما أنزل على حكم العدل والحق المتقدم فضله في سنن الأولين وكتب المتقدمين وإمضاء عدل الله سبحانه في المؤاخذين والاكتفاء بوصل الواصل وإبعاد المستغني والإقبال على القاصد والانتقام من الشارد، وذلك خلاف ما جبل الله عليه نبيه وما وصى به حبيبه صلى الله عليه وسلم؛ فكان صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه - أي من الكتاب - على مقتضى الحق وإمضاء العدل ترقب تخفيفه وترجى تيسيره حتى يعلن عليه بالإكراه في أخذه والتزام حكمه فحينئذ يقوم لله به ويظهر عذره في إمضائه فيكون له في خطاب التشديدعليه في أخذه أعظم مدح وأبلغ ثناء من الله ضد ما يتوهمه الجاهلون، فمما أنزل إنباء عن مدحه بتوقفه على إمضاء حكم العدل والحق رجاء تدارك الخلق واستعطاف الحق ما هو نحو قوله تعالى:{أية : فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً} تفسير : [الكهف: 6] ونحو قوله تعالى:{أية : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين} تفسير : [الشعراء: 3] نحو قوله تعالى:{أية : ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون} تفسير : [الحجر: 97] ومما أنزل على وجه الإعلان عليه بما هو عليه من الرحمة وتوقفه على الأخذ بسنن الأولين حتى يكره عليه ليقوم عذره ليقوم عذره في الاقتصار على حكم الوصية وحال الجبلة ما هو نحو قوله تعالى:{ أية : ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك} تفسير : [هود: 17] ونحو قوله تعالى:{ أية : ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} تفسير : [يونس: 99] ونحو قوله تعالى:{أية : فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} تفسير : [يونس: 94] أي لا تتوقف لطلب الرحمة لهم كما - يتوقف الممتري في الشيء أو الشاك فيه لما قد علم أنه لا بد لأمته من حظ من مضاء كلمة العدل فيهم وحق كلمة العذاب عليهم وإجراء بعضهم دون كلهم على سنة من تقدمهم من أهل الكتب الماضية في المؤاخذة بذنوبهم وإنفاذ حكم السطوة فيهم فأخذهم الله بذنوبهم{أية : فكلاً أخذنا بذنبه} تفسير : [العنكبوت: 40] ولم ينفعهم الرجوع عند مشاهدة الآيات {أية : آلآنَ وقد عصيت قبل} تفسير : [يونس: 91] {أية : لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم}تفسير : [الأنبياء: 13] وذلك أن كل مطالع بالعذاب راجع - ولا بد - عن باطله حين لا ينفعه {أية : وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون} تفسير : [الأنبياء: 95] {أية : إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا} تفسير : [يونس: 98] لما أبطن تعالى في قلب نبيهم عليه السلام عزماً على هلاكهم، أظهر تعالى رحمة عليهم، ولما ملأ نبيه صلى الله عليه وسلم رحمة لأمته: كافرهم ومؤمنهم ومنافقهم، أشار بآي من إظهار مؤاخذتهم وأعلم بكف نبيه صلى الله عليه وسلم عن تألفهم وأحسبه بمؤمنهم دون كافرهم ومنافقهم{أية : يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} تفسير : [الأنفال: 64] وكل ذلك معلوم عنده صلى الله عليه وسلم قبل وقوعه بمضمون قوله تعالى: {سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا}{أية : سنة الله التي قد خلت من قبل}تفسير : [الفتح:23]، {أية : فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل}تفسير : [يونس: 94]،{أية : كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين}تفسير : [الحجر: 12-13] "حديث : ولذلك قال صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك} [يونس: 94]: "أما أنا فلا أشك ولا أسأل""تفسير : ، لأنه قد علم جملة أمر الله أن منهم من يتداركه الرحمة ومن يحق عليه كلمة العذاب، ولكنه لا يزال ملتزماً لتألفهم واستجلابهم حتى يكره على ترك ذلك بعلن خطاب نحو قوله تعالى:{أية : عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى كلاّ إنها تذكرة فمن شاء ذكره}تفسير : [عبس: 1-12] ونحو قوله تعالى:{أية : ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً واتقوا الله إن الله غفور رحيم} تفسير : [الأنفال: 67- 69] فهذه الآي ونحوها يسمعها العالم بموقعها على إكراه لنبي الرحمة حتى يرجع إلى عدل نبي الملحمة من جملة أمداح القرآن له والشهادة بوفائه بعهد ووصية حتى تحقق له تسميته بنبي الرحمة ثابتاً على الوصية ونبي الملحمة إمضاء في وقت لحكم الحق وإظهار العدل، فهو صلى الله عليه وسلم بكل القرآن ممدوح وموصوف بالخلق العظيم جامع لما تضمنته كتب الماضين وما اختصه الله به من سعة القرآن العظيم، فهذا وجه تفاوت ما بين الوصية والكتاب في محكم الخطاب؛ والله سميع عليم - انتهى.
السيوطي
تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له: الا تغزو بني الأصفر لعلك أن تصيب ابنة عظيم الروم؟ فقال رجلان: قد علمت يا رسول الله أن النساء فتنة فلا تفتنا بهن فأْذَن لنا. فأذن لهما، فلما انطلقا قال أحدهما: إن هو إلا شحمة لأوّل آكل، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل عليه في ذلك شيء، فلما كان ببعض الطريق نزل عليه وهو على بعض المياه {لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك} ونزل عليه {أية : عفا الله عنك لم أذنت لهم} تفسير : [التوبة: 43] ونزل عليه {أية : لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر} تفسير : [التوبة: 43] ونزل عليهم {أية : إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون} تفسير : [التوبة: 95]. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما {لو كان عرضاً قريباً} قال: غنيمة قريبة {ولكن بعدت عليهم الشقة} قال: المسير. وأخرجه ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {لو كان عرضاً قريباً} يقول: دنيا يطلبونها {وسفراً قاصداً} يقول: قريباً. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {والله يعلم إنهم لكاذبون} قال: لقد كانوا يستطيعون الخروج ولكن كان تبطئة من عند أنفسهم وزهادة في الجهاد.
القشيري
تفسير : يريد به المتخلفين عنه في غزوة "تبوك"، بيَّنَ سبحانه أنه لو كانت المسافةُ قريبةً، والأمرُ هيِّناً لَمَا تخلَّفوا عنك؛ لأنَّ مَنْ كان غيرَ متحقِّقٍ في قَصْدِه كان غيرَ بالغ في جهده، يعيش على حَرْفٍ، ويتصرَّف بحرف، فإِنْ أصابه خيرٌ اطمأنَّ به وإنْ أصابَتْه فتنةٌ انقلبَ على وجهه. وقال تعالى: {أية : فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ}تفسير : [محمد: 21]. فإذا رأيتَ المريدَ يتبعُ الرُّخَصَ ويَجْنَحُ إلى الكسل، ويتعلَّلُ بالتأويلاتِ.. فاعلَمْ أنه مُنْصَرِفٌ عن الطريق، متخلِّفٌ عن السلوك، وأنشدوا: شعر : وكذا المَلُولُ إذا أراد قطيعةً مَلَّ الوصال وقال: كان وكانا تفسير : ومَنْ جَدَّ في الطلب لم يُعَرِّج في أوطان الفشل، ويواصل السير والسُّرى، ولا يحتشم من مقاساة الكدِّ والعناء، وأنشدوا: شعر : ثــم قطعـتُ الليــلَ فـي مهمـهٍ لا أسداً أخشى ولا ذئبا يغلبني شوقي فأطوي السُّرى ولم يَزَلْ ذو الشوقِ مغلوبا تفسير : قوله: {وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ} [التوبة: 42]: يمين المتعلِّلِ والمُتَأَوِّلِ يمينٌ فاجرةٌ تشهد بكذبها عيون الفراسة، وتنفر منها القلوب، فلا تجد من القلوب محلاً.
اسماعيل حقي
تفسير : {لو كان} [آورده اندكه جون حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم مردمانرا بغزوه تبوك اشارت فرمود ايشان سه فرقه شدند. جمعى مسارعت نمودند وفرمانرا بسمع اطاعت شنودندوآن اكابر مهاجرين وانصار بودند. وبعضى ضعفاء مؤمنانرا كران آمد فرمان خدا وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم برهواى نفس اختيار كردند. وبرخى دستورى اقامت وتخلف طلبيدند وآنها منافقان بودند ودرشان ايشان نازل شد كه] لو كان يا محمد ما دعوتهم اليه فاسم كان محذوف دل عليه ما قبله {عرضا قريبا} العرض ما عرض لك من نافع الدنيا اى غنما سهل المأخذ قريب المنال {وسفراً قاصدا} ذا قصد وتوسط بين القريب والبعيد ففاعل بمعنى ذى قصد كلابن وتامر بمعنى ذى لبن وذى تمر وسمى السفر سفرا لانه يسفر اى يكشف عن اخلاق الرجال {لاتبعوك} فى الخروج طمعا فى المال وتعليق الاتباع بكلا الامرين يدل على عدم تحققه عند توسط السفر فقط {ولكن بعدت عليهم الشقة} اى المسافة الشاقة التى تقطع بمشقة {وسيحلفون بالله} السين للاستقبال اى سيحلف المتخلفون عن الغزو اذا رجعتم اليهم من غزوة تبوك وقد صنع كما اخبر فهو من جملة المعجزات النبوية {لو استطعنا} اى قائلين لو كان لنا استطاعة من جهة العدة او من جهة الصحة او من جهتهما جميعا {لخرجنا معكم} اى الى الغزاة. فقوله بالله متعلق بسيحلفون. وقوله لخرجنا ساد مسد جوابى القسم والشرط جميعا لان قولهم لو اسطعنا فى قوة بالله لو استطعنا فيكون بالله قسما {يهلكون انفسهم} بدل من سيحلفون لان الحلف الكاذب اهلاك للنفس ولذلك قال عليه الصلاة والسلام "حديث : اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع" تفسير : جمع بلقع وبلقعة وهى الارض القفر التى لا شيء بها والمرأة البلقعة الخالية من الخير يعنى من حلف عمدا كذبا لاجل الدنيا وزيادة المال وبقاء الجاه فقد تعرض لزوال ما فى يده من المال والجاه وبزواله يفتقر وتخرب داره من البركة وفى الحديث "حديث : اليمين الكاذبة منفقة للسلعة " .تفسير : اى سبب لنفاقها ورواجها فى ظن الحالف "حديث : ممحقة للكسب " .تفسير : اى سبب لمحق بركة المسكوب وذهابها اما بتلف يلحقه فى ماله او بانفاقه فى غير ما يعود نفعه اليه فى العاجل او ثوابه فى الآجل او بقى عنده وحرم نفعه او ورثه من لا يحمده {والله يعلم انهم لكاذبون} اى فى مضمون الشرطية وفيما ادعوا ضمنا من انتفاء تحقيق المقدم حيث كانوا مستطيعين للخروج ولم يخرجوا {عفا الله عنك لم اذنت لهم} لام لم ولام لهم متعلقتان بالاذن لاختلافهما فى المعنى فان الاولى للتعليل والثانية للتبليغ والضمير المجرور لجميع المستأذنين اى لأى سبب اذنت لهم فى التخلف حين اعتلوا بعللهم. واعلم ان قوله تعالى {لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا ولاتبعوك} دل على ان قوما تخلفوا عن اتباعه عليه السلام لان لو لانتفاء الجواب لانتفاء الشرط وقوله {عفا الله عنك لم اذنت لهم} دل على ان ذلك التخلف كان باذن رسول الله والعفو يستدعى سبق الخطأ وهذا الخطأ ليس من قبيل الذنب بل من ترك الاولى والافضل الذى هو التأنى والتوقف الى انجلاء الامر وانكشاف الحال. فقوله عفا خبر: يعنى [دركذار بندخداى ازتو]. وقوله لم اذنت لهم بيان لما اشير اليه بالعفو من ترك الاولى وانما قدم الله العفو عن العتاب تصديقا وتحقيقا لقوله تعالى {أية : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} تفسير : [الفتح: 2] وقوله لم اذنت لهم ما كان على وجه العتاب حقيقة بل كان على اظهار لطفه به وكمال رأفته فى حقه كما فى التأويلات النجمية. قال سفيان ابن عيينة انظروا الى هذا اللطف بدا بالعفو قبل ذكره المعفو ولقد اخطأ واساء الادب وبئسما فعل فيما قال وكتب عن زعم ان الكلام كناية عن الجناية وان معناه اخطأت وبئسما فعلت كما فى الارشاد. ويجوز ان يكون انشاء كما قال الكاشفى فى تفسيره {عفا الله عنك} [دعاء له است حق سبحانه وتعالى بيغمبر خودرا ميفرمايد كه عفو كناد ازتوخداى وعادت مردم مى باشد كه دعا كند كسى را بعفو ورحمت ومغفرت بى وقوع خطايى ازوى جنانجه مثلا يكى تشنه را آب دهد اودر جواب ميكويد غفر الله لك بادر جواب عاطس ميكويد يرحمك الله] انتهى. اقول ولقد اصاب فى تفسيره واجاد فى تقريره فان خطأ النبى عليه السلام وسهوه ونسيانه ليس من قبيل خطأ الامة وسهوهم ونسيانهم فالاولى للتأدب ان يسكت عما يشين بحاله او لا يليق بكماله {حتى يتبين لك الذين صدقوا} اى فيما اخبروا به عند الاعتذار من عدم الاستطاعة من جهة المال او من جهة البدن او من جهتهما معا {وتعلم الكاذبين} فى ذلك فتعامل كلا من الفريقين بما يستحقه وهو بيان لذلك الاولى والافضل. وحتى متعلقة بمحذوف دل عليه الكلام تقديره لم سارعت الى الاذن لهم وهلا اخرتهم وتأنيت الى ان يتبين الامر وينجلى او ليتبين كما هو قضية الجزم فحتى بمعنى الى او بمعنى اللام ولا يجوز ان يتعلق باذنت لان ذلك يوجب ان يكون اذن لهم الى هذه الغاية او لاجل التبين وهذا لا يعاتب عليه. واعلم ان الآية الاولى اشارت الى ان من كان مطلوبه الدنيا وزينتها يجد له مساعدا ومصاحبا كثيرا ومن كان مطلوبه الحق والوصول اليه لا يجد له مرافقا وموافقا الا اقل من القليل لصعوبة الانقطاع عن الحظوظ والامانى: وفى المثنوى شعر : حفت الجنة بمكروهاتنا حفت النيران من شهواتنا تفسير : يعنى جعلت الجنة محفوفة بالاشياء التى كانت مكروهة لنا وجعلت النار محاطة بالامور التى كانت محبوبة لنا واتيان الحظوظ اسهل من تركها ولذا ترى الرجل يدخل النار بالف درهم ولا يدخل الجنة بدرهم واحد. والآية الاخيرة افادت التحرى والتأنى فى الامور وفى حديث انس رضى الله عنه حديث : ان رجلا قال للنبى اوصنى فقال النبى عليه السلام "خذ الامر بالتدبر فان رأيت فى عاقبته خيرا فامضه وان خفت غيا فامسك"تفسير : والعجلة صفة من صفات الشيطان -روى- انه لما رأى خلقه آدم من الطين قبل ان ينفخ فيه الروح عجل فى امره وقال وعزة ربى ان جعل هذا خيرا وفضله على فلا اطيعه وان جعلنى خيرا منه لاهلكته فلما نفخ فيه الروح وامر الملائكة وابليس بالسجود له عجل ابليس بالاباء لاظهار العداوة والسعى فى هلاكه على ما عزم عليه اولا ولم يتأن وينظر فى امره. واما التأنى فمن اوصاف الرحمن ولذا خلق السموات والارض فى ستة ايام وان كان قادرا على ان يخلقها فى مقدار طرفة عين. فعلى العاقل العمل بالتأنى والافضل والجهاد الى آخر العمر وحلول الاجل كيلا يكون من المتخلفين. قال شقيق ان الله تعالى اظهر هذا الدين وجعل عزه فى الجهاد فمن اخذ منه حظه فى زمانه كان كمن شاهده كله وشارك من مضى قبله من الغزاة ومن تبطأ عنه فى زمانه فقد شارك المتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اثمهم وعارهم والتبطؤ والتخلف انما هو من الكسل الطبيعى البدنى ومن كان له حظ روحانى يجد فى نفسه المسارعة الى الخيرات: وفى المثنوى شعر : هركرانى وكسل خود ازتنست جان زخفت جمله دربريدنست تفسير : اللهم اعصمنا من الكسل فى باب الدين واعنا انك انت المعين
الطوسي
تفسير : هذه الاية في قوم تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وآله ولم يخرجوا معه إلى غزوة تبوك. وحسن الكناية عنهم وإن لم يجر لهم ذكر لكونهم داخلين في جملة الذين أمروا بالخروج مع النبي صلى الله عليه وآله إلى الجهاد وأن ينفروا معه. والمعنى لو كان المدعو اليه عرضاً قريباً من الغنيمة وما يطمع فيه من المال {وسفراً قاصداً} معناه سفراً سهلا باقتصاده من غير طول في آخره. وسمي العدل قصداً، لأنه مما ينبغي أن يقصد {لاتبعوك} يعني خرجوا معك وبادروا إلى اتباعك {ولكن بعدت عليهم الشقة} اي بعدت عليهم المسافة، لأنهم دعوا إلى الخروج إلى تبوك ناحية الشام، فالشقة القطعة من الأرض التي يشق ركوبها على صاحبها لبعدها. ويحتمل أن يكون من الشق ويحتمل ان يكون من المشقة. والشقة السفر والمشاقة. وقريش يضمون الشين، وقيس يكسرونها. وقريش يضمون العين من {بعدت}. وقوله {وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم} اخبار منه تعالى ان هؤلاء الذين ذكرهم يحلفون ويقسمون على وجه الاعتذار اليك ويقولون فيما بعد {لو استطعنا لخرجنا معكم} اي لو قدرنا وتمكنا من الخروج لخرجنا معكم ثم اخبر تعالى انهم {يهلكون أنفسهم} بذلك واخبر تعالى انه يعلم انهم يكذبون في هذا الخبر الذي أقسموا عليه. وفي الاية دلالة على أن الاستطاعة قبل الفعل لانهم لا يخلون من احد امرين: إما أن يكونوا مستطيعين من الخروج وقادرين عليه ولم يخرجوا اولم يكونوا قادرين عليه وإنما حلفوا أنهم لو قدروا في المسقبل لخرجوا، فان كان الاول فقد ثبت ان القدرة قبل الفعل، وإن كان المراد الثاني فقد أكذبهم الله في ذلك وبين انه لو فعل لهم الاستطاعة لما خرجوا، وفي ذلك أيضاً تقدم القدرة على المقدور، وليس لهم أن يجعلوا الاستطاعة على آلة السفر وعدة الجهاد، لأن ذلك ترك الظاهر من غير ضرورة فان حقيقة الاستطاعة القدرة وإنما يشبه غيرها بها على ضرب من المجاز، على انه إذا كان عدم الالة والعدة يعذر صاحبه في التأخر فمن ليس فيه قدرة اولى بأن يكون معذوراً وفي الاية دلالة على النبوة لأنه اخبر انهم سيحلفون في المستقبل على ذلك بالله {لو استطعنا لخرجنا معكم} فجاؤا فيما بعد وحلفوا على ما اخبر به.
الجنابذي
تفسير : {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً} غنيمةً قريبة الوصول {وَسَفَراً قَاصِداً} متوسّطاً غير بعيدٍ {لاَّتَّبَعُوكَ} بيان لسبب تخلّفهم وتثبّطهم وانّ المانع لهم والباعث على العذر الكاذب هو بعد السّفر وكثرة المشقّة {وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ} الشّقة بالضّمّ وبالكسر النّاحية يقصدها المسافر والسّفر البعيدة والمشقّة وتعدية بعدت بعلى لتضمينه معنى ثقلت {وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ} بعد رجوعكم اليهم {لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} يعنى ما كان لنا استطاعة للخروج فلم نخرج، اخبر نبيّه (ص) انّهم سيعتذرون بعدم الاستطاعة كذباً وهو اخبار عن المستقبل {يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ} استيناف جواباً لسؤالٍ مقدّر اى ما لهم فى هذا العذر والمقصود؛ انّهم بعد التّخلّف ان اعترفوا بتقصيرهم وتابوا أحيوا أنفسهم لبقاء استعداد الحياة لكنّهم بالعذر الكاذب أبطلوا استعدادهم للحياة وأهلكوا انفسهم من صورة الحياة بالتّخلّف، ومن استعدادها بعدم التّوبة والعذر الكاذب {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} بالغ فى تأكيد تكذيبهم بانّ واسميّة الجملة والّلام مبدّواً بعلم الله الّذى هو بمنزلة القسم.
اطفيش
تفسير : {لوْ كانَ} الجهاد المأمورون هم به {عَرَضا} نفعا دنيوياً، فإن الدنيا بما فيها شىء عارض لا يدوم، وفى الحديث: "حديث : الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر" تفسير : {قَرِيباً} سهل التناول، ويجوز عندى أن يكون المعنى عرضا قريب الفناء، أو غير بعيد المرتبة والشأن، وذلك نفع مستطرد فى منافع الدنيا. {وسَفراً قَاصداً} متوسطا وقيل هيِّن يسير {لاتَّبعُوكَ} إلى تبوك لذلك العرض لا لله {ولكِنْ بَعُدَت} وقرأ عيسى بن عمرو، والأعرج بكسر العين، وقال أبو حاتم: موافقة تميم {عَليهُم الشُّقَّة} وقرأ عيسى بن عمرو بكسر الشين، قال أبو حاتم: تميم هو لغة وهى المسافة التى تقطع بمشقة. {وسَيحْلفُونَ باللهِ} إذا رجعت من تبوك معتذرين، والباء متعلق بيحلف، لو استطعنا خروجا لخرجنا معكم، ولكن منعنا عدم قوة البدن، وعدم العدة، وهذا إخبار بغيب، والجواب للوْ وشرطها وجوابها جواب ليحلف، لا كما قال جار الله، والقاضى: إن لخرجنا ساد مسد جوابى القسم والشرط، ولا يحتاج إلى تقدير القول، ويجوز أن يكون بالله قسما من كلامهم، فيعلق بمحذوف، فحينئذ يضمن يحلف المذكور معنى القول، أو يقدر القول أى يقولون بالله. {لو اسْتَطعْنا لخرجْنَا مَعَكم} وذلك ما ظهر لى وهو صحيح إن شاء الله، وقال جار الله: يقدر القول على الوجهين، أى سيحلفون بالله يقولون: لو استطعنا، أو سيحلفون يقولون: بالله لو استطعنا، قال أبو الفتح، قرأ الأعمش بضم واو لو تشبيها بواو الجماعة المفتوح ما قبلها، المسكن ما بعدها، فتمنوا الموت، واشتروا الضلالة. {يُهْلكُون أنْفُسَهم} باليمين الفاجرة، كما ورد فى الحديث: "حديث : إنها تذر الديار بلاقع وإنها تورث النار" تفسير : والجملة بدل من يحلفون أو حال من واوه، أو من الضمير فى لخرجنا، وعلى الأخير فأصل الكلام لخرجنا معكم ونحن مهلكون أنفسنا بالشقة، أى لخرجنا معك صابرين على ذلك، وجىء بلفظ الغيبة. {واللهُ يعْلم إنَّهم لكَاذِبُون} فى ادعاء الاستطاعة، قيل هم تسعة وثلاثون رجلا.
الالوسي
تفسير : {لَّوْ كَانَ} أي ما دعوا إليه كما يدل عليه ما تقدم {عَرَضًا قَرِيبًا} أي غنماً سهل المأخذ قريب المنال، وأصل العرض ما عرض لك من منافع الدنيا ومتاعها. وفي الحديث «حديث : الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر» تفسير : {وَسَفَرًا قَاصِدًا} أي متوسطاً بين القرب والبعد وهو من باب تامر ولابن {لاَّتَّبَعُوكَ} أي لوافقوك في النفير طمعاً في الفوز بالغنيمة، وهذا شروع في تعديد ما صدر عنهم من الهنات قولاً وفعلاً وبيان قصور همهم وما هم عليه من غير ذلك، وقيل: هو تقرير لكونهم متثاقلين مائلين إلى الإقامة بأرضهم، وتعليق الاتباع بكلا الأمرين يدل على عدم تحققه عند توسط السفر فقط / {وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ} أي المسافة التي تقطع بمشقة. وقرأ عيسى بن عمر {بعدت} بكسر العين و {الشقة} بكسر الشين، وبعد يبعد كعلم يعلم لغة واختص ببعد الموت غالباً، وجاء لا تبعد للتفجع والتحسر في المصائب كما قال:شعر : لا يبعد الله إخواناً لنا ذهبوا أفناهم حدثان الدهر والأبد تفسير : {وَسَيَحْلِفُونَ} أي المتهلفون عن الغزو {بِٱللَّهِ} متعلق بسيحلفون، وجوز أن يكون من جمة كلامهم ولا بد من تقدير القول في الوجهين أي سيحلفون عند رجوعك من غزوة تبوك بالله قائلين {لَوِ ٱسْتَطَعْنَا} أو سيحلفون قائلين بالله لو استطعنا الخ، وقيل: لا حاجة إلى تقدير القول لأن الحلف من جنس القول وهو أحد المذهبين المشهورين، والمعنى لو كان لنا استطاعة من جهة العدة أو من جهة الصحة أو من جهتيهما معاً حسبما عنّ لهم من التعلل والكذب {لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} لما دعوتمونا إليه وهذا جواب القسم وجواب لو محذوف على قاعدة اجتماع القسم والشرط إذا تقدم القسم وهو اختيار ابن عصفور، واختار ابن مالك أنه جواب {لَوْ} ولو وجوابها جواب القسم، وقيل: إنه ساد مسد جوابـي القسم والشرط جميعاً، والقسم على الاحتمال الأول ظاهر وأما على الثاني فلأن {لَوِ ٱسْتَطَعْنَا} في قوة {بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا} لأنه بيان لسيحلفون بالله وتصديق له كما قيل. واعترض القول الأخير بأنه لم يذهب إليه أحد من أهل العربية. وأجيب بأن مراد القائل أنه لما حذف جواب {لَوْ} دل عليه جواب القسم جعل كأنه ساد مسد الجوابين. وقرأ الحسن والأعمش {لَوِ ٱسْتَطَعْنَا} بضم الواو تشبيهاً لها بواو الجمع كما في قوله تعالى: {أية : فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ } تفسير : [الجمعة: 6] و {أية : ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ } تفسير : [البقرة: 16] وقرىء بالفتح أيضاً. {يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ} بايقاعها في العذاب، قيل: وهو بدل من {سَيَحْلِفُونَ} واعترض بأن الهلاك ليس مرادفاً للحلف ولا هو نوع منه، ولا يجوز أن يبدل فعل من فعل إلا أن يكون مرادفاً له أو نوعاً منه. وأجيب بأن الحلف الكاذب إهلاك للنفس ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع» تفسير : وحاصله أنهما ترادفان ادعاء فيكون بدل كل من كل، وقيل إنه بدل اشتمال إذ الحلف سبب للإهلاك والمسبب يبدل من السبب لاشتماله عليه، وجوز أن يكون حالاً من فاعله أي سيحلفون مهلكين أنفسهم، وأن يكون حالاً من فاعل {لَخَرَجْنَا} جيء به على طريقة الإخبار عنهم كأنه قيل: نهلك أنفسنا أي لخرجنا [معكم] مهلكين أنفسنا كما في قولك: حلف ليفعلن مكان لأفعلن ولكن فيه بعد. وجوز أبو البقاء الاستئناف {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} في مضمون الشرطية وفيما ادعوا ضمنا من انتفاء تحقق المقدم حيث كانوا مستطيعين للخروج ولم يخرجوا. واستدل بالآية على أن القدرة قبل الفعل.
سيد قطب
تفسير : من هنا يبدأ الحديث عن الطوائف التي ظهرت عليها أعراض الضعف في الصف. وبخاصة جماعة المنافقين، الذين اندسوا في صفوف المسلمين باسم الإسلام، بعد أن غلب وظهر، فرأى هؤلاء أن حب السلامة وحب الكسب يقتضيان أن يحنوا رؤوسهم للإسلام، وأن يكيدوا له داخل الصفوف بعد أن عز عليهم أن يكيدوا له خارج الصفوف. وسنرى في هذا المقطع كل الظواهر التي تحدثنا عنها في تقديم السورة كما يصورها السياق القرآني. ونحسب أنها ستكون مفهومة واضحة في ضوء ذلك التقديم الذي أسفلنا. {لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك، ولكن بعدت عليهم الشقة؛ وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم، يهلكون أنفسهم، والله يعلم إنهم لكاذبون. عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين؟ لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين. إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون؛ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم، فثبطهم، وقيل: اقعدوا مع القاعدين. لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة، وفيكم سماعون لهم، والله عليم بالظالمين. لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون}.. لو كان الأمر أمر عرض قريب من أعراض هذه الأرض، وأمر سفر قصير الأمد مأمون العاقبة لاتبعوك ولكنها الشقة البعيدة التي تتقاصر دونها الهمم الساقطة والعزائم الضعيفة. ولكنه الجهد الخطر الذي تجزع منه الأرواح الهزيلة والقلوب المنخوبة. ولكنه الأفق العالي الذي تتخاذل دونه النفوس الصغيرة والبنية المهزولة. وإنه لنموذج مكرور في البشرية ذلك الذي ترسمه تلك الكلمات الخالدة: {لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة}.. فكثيرون هم أولئك الذين يتهاوون في الطريق الصاعد إلى الآفاق الكريمة. كثيرون أولئك الذين يجهدون لطول الطريق فيتخلفون عن الركب ويميلون إلى عرض تافه أو مطلب رخيص. كثيرون تعرفهم البشرية في كل زمان وفي كل مكان، فما هي قلة عارضة، إنما هي النموذج المكرور. وإنهم ليعيشون على حاشية الحياة، وإن خيل إليهم أنهم بلغوا منافع ونالوا مطالب، واجتنبوا أداء الثمن الغالي، فالثمن القليل لا يشتري سوى التافه الرخيص! {وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم}.. فهو الكذب المصاحب للضعف أبداً. وما يكذب إلا الضعفاء. أجل ما يكذب إلا ضعيف ولو بدا في صورة الأقوياء الجبارين في بعض الأحايين. فالقوي يواجه والضعيف يداور. وما تتخلف هذه القاعدة في موقف من المواقف ولا في يوم من الأيام.. {يهلكون أنفسهم}.. بهذا الحلف وبهذا الكذب، الذي يخيل إليهم أنه سبيل النجاة عند الناس، والله يعلم الحق، ويكشفه للناس، فيهلك الكاذب في الدنيا بكذبه، ويهلك في الآخرة يوم لا يجدي النكران. {والله يعلم إِنهم لكاذبون}.. {عفا الله عنك. لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين}.. إنه لطف الله برسوله، فهو يعجل له بالعفو قبل العتاب. فلقد تدارى المتخلفون خلف إذن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم بالقعود حين قدموا له المعاذير. وقبل أن ينكشف صدقهم من كذبهم في هذه المعاذير وكانوا سيتخلفون عن الركب حتى ولو لم يأذن لهم. فعندئذ تتكشف حقيقتهم، ويسقط عنهم ثوب النفاق، ويظهرون للناس على طبيعتهم، ولا يتوارون خلف إذن الرسول. وإذا لم يكن ذلك فإن القرآن يتولى كشفهم، ويقرر القواعد التي يمتاز بها المؤمنون والمنافقون. {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين. إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم، فهم في ريبهم يترددون}. وهذه هي القاعدة التي لا تخطئ. فالذين يؤمنون بالله، ويعتقدون بيوم الجزاء، لا ينتظرون أن يؤذن لهم في أداء فريضة الجهاد؛ ولا يتلكأون في تلبية داعي النفرة في سبيل الله بالأموال والأرواح؛ بل يسارعون إليها خفافاً وثقالاً كما أمرهم الله، طاعة لأمره، ويقيناً بلقائه، وثقة بجزائه، وابتغاء لرضاه. وإنهم ليتطوعون تطوعاً فلا يحتاجون إلى من يستحثهم، فضلاً عن الإذن لهم. إنما يستأذن أولئك الذين خلت قلوبهم من اليقين فهم يتلكأون ويتلمسون المعاذير، لعل عائقاً من العوائق يحول بينهم وبين النهوض بتكاليف العقيدة التي يتظاهرون بها، وهم يرتابون فيها ويترددون. إن الطريق إلى الله واضحة مستقيمة، فما يتردد ويتلكأ إلا الذي لا يعرف الطريق، أو الذي يعرفها ويتنكبها اتقاء لمتاعب الطريق! ولقد كان أولئك المتخلفون ذوي قدرة على الخروج، لديهم وسائله، وعندهم عدته: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة}.. وقد كان فيهم عبد الله بن أبي بن أبي سلول، وكان فيهم الجد بن قيس، وكانوا أشرافاً في قومهم أثرياء. {ولكن كره الله انبعاثهم}.. لما يعلمه من طبيعتهم ونفاقهم، ونواياهم المنطوية على السوء للمسلمين كما سيجيء. {فثبطهم}.. ولم يبعث فيهم الهمة للخروج. {وقيل: اقعدوا مع القاعدين}.. وتخلفوا مع العجائز والنساء والأطفال الذين لا يستطيعون الغزو، ولا ينبعثون للجهاد. فهذا مكانكم اللائق بالهمم الساقطة والقلوب المرتابة والنفوس الخاوية من اليقين. وكان ذلك خيراً للدعوة وخيراً للمسلمين: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة، وفيكم سماعون لهم، والله عليم بالظالمين}.. والقلوب الحائرة تبث الخور والضعف في الصفوف، والنفوس الخائنة خطر على الجيوش؛ ولو خرج أولئك المنافقون ما زادوا المسلمين قوة بخروجهم بل لزادوهم اضطراباً وفوضى. ولأسرعوا بينهم بالوقيعة والفتنة والتفرقة والتخذيل. وفي المسلمين من يسمع لهم في ذلك الحين. ولكن الله الذي يرعى دعوته ويكلأ رجالها المخلصين، كفى المؤمنين الفتنة، فترك المنافقين المتخاذلين قاعدين: {والله عليم بالظالمين}.. والظالمون هنا معناهم "المشركون" فقد ضمهم كذلك إلى زمرة المشركين! وإن ماضيهم ليشهد بدخل نفوسهم، وسوء طويتهم، فلقد وقفوا في وجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبذلوا ما في طوقهم، حتى غلبوا على أمرهم فاستسلموا وفي القلب ما فيه: {لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون}.. وكان ذلك عند مقدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، قبل أن يظهره الله على أعدائه. ثم جاء الحق وانتصرت كلمة الله فحنوا لها رؤوسهم وهم كارهون، وظلوا يتربصون الدوائر بالإسلام والمسلمين. ثم يأخذ السياق في عرض نماذج منهم ومن معاذيرهم المفتراة؛ ثم يكشف عما تنطوي عليه صدورهم من التربص بالرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين: {ومنهم من يقول: ائذن لي ولا تفتني. ألا في الفتنة سقطوا، وإن جهنم لمحيطة بالكافرين. إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا: قد أخذنا أمرنا من قبل، ويتولوا وهم فرحون. قل: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون. قل: هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين؟ ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا. فتربصوا إنا معكم متربصون}. روى محمد بن إسحاق عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن قتادة قالوا: "حديث : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم، وهو في جهازه (أي لغزوة تبوك) للجد بن قيس أخي بني سلمة: هل لك يا جد في جلاد بني الأصفر؟" تفسير : (يعني الروم) فقال: يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني؟ فوالله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجباً بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر عنهن. فأعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "حديث : قد أذنت لك" تفسير : ففي الجد بن قيس نزلت هذه الآية. بمثل هذه المعاذير كان المنافقون يعتذرون. والرد عليهم: {ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين}.. والتعبير يرسم مشهداً كأن الفتنة فيه هاوية يسقط فيها المفتونون؛ وكأن جهنم من ورائهم تحيط بهم، وتأخذ عليهم المنافذ والمتجهات فلا يفلتون. كناية عن مقارفتهم للخطيئة كاملة وعن انتظار العقاب عليها حتماً، جزاء الكذب والتخلف والهبوط إلى هذا المستوى المنحط من المعاذير. وتقريراً لكفرهم وإن كانوا يتظاهرون بالإسلام وهم فيه منافقون. إنهم لا يريدون بالرسول خيراً ولا بالمسلمين؛ وإنهم ليسؤوهم أن يجد الرسول والمسلمون خيراً: {إن تصبك حسنة تسؤهم}.. وإنهم ليفرحون لما يحل بالمسلمين من مصائب وما ينزل بهم من مشقة: {وإن تصبك مصيبة يقولوا: قد أخذنا أمرنا من قبل}.. واحتطنا ألا نصاب مع المسلمين بشرّ، وتخلفنا عن الكفاح والغزو! {ويتولوا وهم فرحون}.. بالنجاة وبما أصاب المسلمين من بلاء. ذلك أنهم يأخذون بظواهر الأمور، ويحسبون البلاء شراً في كل حال، ويظنون أنهم يحققون لأنفسهم الخير بالتخلف والقعود. وقد خلت قلوبهم من التسليم لله، والرضى بقدره، واعتقاد الخير فيه. والمسلم الصادق يبذل جهده ويقدم لا يخشى، اعتقاداً بأن ما يصيبه من خير أو شر معقود بإرادة الله، وأن الله ناصر له ومعين: {قل: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون}.. والله قد كتب للمؤمنين النصر، ووعدهم به في النهاية، فمهما يصبهم من شدة، ومهما يلاقوا من ابتلاء؛ فهو إعداد للنصر الموعود، ليناله المؤمنون عن بينة، وبعد تمحيص، وبوسائله التي اقتضتها سنة الله، نصراً عزيزاً لا رخيصاً، وعزة تحميها نفوس عزيزة مستعدة لكل ابتلاء، صابرة على كل تضحية. والله هو الناصر وهو المعين: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون}.. والاعتقاد بقدر الله، والتوكل الكامل على الله، لا ينفيان اتخاذ العدة بما في الطوق. فذلك أمر الله الصريح: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة...} وما يتكل على الله حق الاتكال من لا ينفذ أمر الله، ومن لا يأخذ بالأسباب، ومن لا يدرك سنة الله الجارية التي لا تحابي أحداً، ولا تراعي خاطر إنسان! على أن المؤمن أمره كله خير. سواء نال النصر أو نال الشهادة. والكافر أمره كله شر سواء أصابه عذاب الله المباشر أو على أيدي المؤمنين: {قل: هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا. فتربصوا إنا معكم متربصون}.. فماذا يتربص المنافقون بالمؤمنين؟ إنها الحسنى على كل حال. النصر الذي تعلو به كلمة الله، فهو جزاؤهم في هذه الأرض. أو الشهادة في سبيل الحق عليا الدرجات عند الله. وماذا يتربص المؤمنون بالمنافقين؟ إنه عذاب الله يأخذهم كما أخذ من قبلهم من المكذبين؛ أو ببطش المؤمنين بهم كما وقع من قبل للمشركين..{فتربصوا إنا معكم متربصون} والعاقبة معروفة.. والعاقبة للمؤمنين. ولقد كان بعض هؤلاء المعتذرين المتخلفين المتربصين، قد عرض ماله، وهو يعتذر عن الجهاد، ذلك ليمسك العصا من الوسط على طريقة المنافقين في كل زمان ومكان. فرد الله عليهم مناورتهم، وكلف رسوله أن يعلن أن إنفاقهم غير مقبول عند الله، لأنهم إنما ينفقونه عن رياء وخوف، لا عن إيمان وثقة، وسواء بذلوه عن رضا منهم بوصفه ذريعة يخدعون بها المسلمين، أو عن كره خوفاً من انكشاف أمرهم، فهو في الحالتين مردود، لا ثواب له ولا يحسب لهم عند الله: {قل: أنفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم، إنكم كنتم قوماً فاسقين. وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ورسوله، ولا يأتون الصلاة إلى وهم كسالى، ولا ينفقون إلا وهم كارهون}.. إنها صورة المنافقين في كل آن. خوف ومداراة، وقلب منحرف وضمير مدخول. ومظاهر خالية من الروح، وتظاهر بغير ما يكنه الضمير. والتعبير القرآني الدقيق: {ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى}.. فهم يأتونها مظهراً بلا حقيقة، ولا يقيمونها إقامة واستقامة. يأتونها كسالى لأن الباعث عليها لا ينبثق من أعماق الضمير، إنما يدفعون إليها دفعاً، فيحسون أنهم عليها مسخرون! وكذلك ينفقون ما ينفقون كارهين مكرهين. وما كان الله ليقبل هذه الحركات الظاهرة التي لا تحدو إليها عقيدة، ولا يصاحبها شعور دافع. فالباعث هو عمدة العمل والنية هي مقياسه الصحيح. ولقد كان هؤلاء المنفقون وهم كارهون ذوي مال وذوي أولاد، وذوي جاه في قومهم وشرف. ولكن هذا كله ليس بشيء عند الله. وكذلك يجب ألا يكون شيئاً عند الرسول والمؤمنين. فما هي بنعمة يسبغها الله عليهم ليهنأوا بها، إنما هي الفتنة يسوقها الله إليهم ويعذبهم بها: {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا، وتزهق أنفسهم وهم كافرون}. إن الأموال والأولاد قد تكون نعمة يسبغها الله على عبد من عباده، حين يوفقه إلى الشكر على النعمة، والإصلاح بها في الأرض، والتوجه بها إلى الله، فإذا هو مطمئن الضمير، ساكن النفس، واثق من المصير. كلما أنفق احتسب وشعر أنه قدم لنفسه ذخراً، وكلما أصيب في ماله أو بنيه احتسب، فإذا السكينة النفسية تغمره. والأمل في الله يسري عنه.. وقد تكون نقمة يصيب الله بها عبداً من عباده، لأنه يعلم من أمره الفساد والدخل، فإذا القلق على الأموال والأولاد يحول حياته جحيماً، وإذا الحرص عليها يؤرقه ويتلف أعصابه، وإذا هو ينفق المال حين ينفقه فيما يتلفه ويعود عليه بالأذى، وإذا هو يشقى بأبنائه إذا مرضوا ويشقى بهم إذا صحوا، وكم من الناس يعذبون بأبنائهم لسبب من الأسباب! وهؤلاء الذين كانوا على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأمثالهم في كل زمان، يملكون الأموال ويرزقون الأولاد، يعجب الناس ظاهرها، وهي لهم عذاب على نحو من الأنحاء. عذاب في الحياة الدنيا، وهم - بما علم الله من دخيلتهم - صائرون إلى الهاوية. هاوية الموت على الكفر والعياذ بالله من هذا المصير. والتعبير {وتزهق أنفسهم} يلقي ظل الفرار لهذه النفوس أو الهلاك. ظلاً مزعجاً لا هدوء فيه ولا اطمئنان، فيتسق هذا الظل مع ظل العذاب في الحياة الدنيا بالأموال والأولاد. فهو القلق والكرب في الدنيا والآخرة. وما يحسد أحد على هذه المظاهر التي تحمل في طياتها البلاء! ولقد كان أولئك المنافقون يدسون أنفسهم في الصف، لا عن إيمان واعتقاد، ولكن عن خوف وتقية، وعن طمع ورهب. ثم يحلفون أنهم من المسلمين، أسلموا اقتناعاً، وآمنوا اعتقاداً.. فهذه السورة تفضحهم وتكشفهم على حقيقتهم، فهي الفاضحة التي تكشف رداء المداورة وتمزق ثوب النفاق: {ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون. لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلاً لولوا إليه وهم يجمحون}. إنهم جبناء. والتعبير يرسم لهذا الجبن مشهداً ويجسمه في حركة. حركة النفس والقلب، يبرزها في حركة جسد وعيان: {لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلاً لولوا إليه وهم يجمحون}.. فهم متطلعون أبداً إلى مخبأ يحتمون به، ويأمنون فيه. حصناً أو مغارة أو نفقاً. إنهم مذعورون مطاردون. يطاردهم الفزع الداخلي والجبن الروحي. ومن هنا: {يحلفون بالله إنهم لمنكم}.. بكل أدوات التوكيد، ليداروا ما في نفوسهم، وليتقوا انكشاف طويتهم، وليأمنوا على ذواتهم.. وإنها لصورة زرية للجبن والخوف والملق والرياء. لا يرسمها إلا هذا الاسلوب القرآني العجيب. الذي يبرز حركات النفس شاخصة للحس على طريقة التصوير الفني الموحي العميق. ثم يستمر سياق السورة في الحديث عن المنافقين، وما يند منهم من أقوال وأعمال، تكشف عن نواياهم التي يحاولون سترها، فلا يستطيعون. فمنهم من يلمز النبي - صلى الله عليه وسلم - في توزيع الصدقات، ويتهم عدالته في التوزيع، وهو المعصوم ذو الخلق العظيم، ومنهم من يقول: هو اذن يستمع لكل قائل، ويصدق كل ما يقال، وهو النبي الفطن البصير، المفكر المدبر الحكيم. ومنهم من يتخفى بالقولة الفاجرة الكافرة، حتى إذا انكشف أمره استعان بالكذب والحلف ليبرئ نفسه من تبعة ما قال. ومنهم من يخشى أن ينزل الله على رسوله سورة تفضح نفاقهم وتكشفهم للمسلمين. ويعقب على استعراض هذه الصنوف من المنافقين، ببيان طبيعة النفاق والمنافقين، ويربط بينهم وبين الكفار الذين خلوا من قبل، فأهلكهم الله بعد ما استمتعوا بنصيبهم إلى أجل معلوم. ذلك ليكشف عن الفوارق بين طبيعتهم هذه وطبيعة المؤمنين الصادقين، الذين يخلصون العقيدة ولا ينافقون. {ومنهم من يلمزك في الصدقات، فإن أعطوا منها رضوا، وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون. ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله، وقالوا: حسبنا الله، سيؤتينا الله من فضله ورسوله، إنا إلى الله راغبون. إنما الصدقات للفقراء والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله وابن السبيل، فريضة من الله والله عليم حكيم}.. من المنافقين من يغمزك بالقول، ويعيب عدالتك في توزيع الصدقات، ويدعي أنك تحابي في قسمتها. وهم لا يقولون ذلك غضباً للعدل، ولا حماسة للحق، ولا غيرة على الدين، إنما يقولونه لحساب ذواتهم وأطماعهم، وحماسة لمنفعتهم وأنانيتهم: {فإن أعطوا منها رضوا} ولم يبالوا الحق والعدل والدين! {وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون}! وقد وردت روايات متعددة عن سبب نزول الآية، تقص حوادث معينة عن أشخاص بأعيانهم لمزوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - في عدالة التوزيع. روى البخاري والنسائي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: بينما النبي - صلى الله عليه وسلم - يقسم قسماً إذ جاءه ذو الخويصر التميمي، فقال: أعدل يا رسول الله. فقال:"حديث : ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟"تفسير : فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ائذن لي فأضرب عنقه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"حديث : دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم في الرمية... "تفسير : قال أبو سعيد، فنزلت فيهم: {ومنهم من يلمزك في الصدقات}. وروى ابن مردويه عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: "لما قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - غنائم حنين سمعت رجلاً يقول: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له ذلك فقال:"حديث : رحمة الله على موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر"تفسير : ونزل {ومنهم من يلمزك في الصدقات}. وروى سنيد وابن جرير عن داود بن أبي عاصم قال: أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بصدقة فقسمها ها هنا وها هنا حتى ذهبت، ورآه رجل من الأنصار فقال: ما هذا بالعدل. فنزلت هذه الآية. وقال قتادة في قوله: {ومنهم من يلمزك في الصدقات} يقول: ومنهم من يطعن عليك في الصدقات. وذكر لنا أن رجلاً من أهل البادية حديث عهد بأعرابية أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقسم ذهباً وفضة، فقال: يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما عدلت، فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : ويلك فمن ذا الذي يعدل عليك بعدي؟ " تفسير : وعلى أية حال فالنص القرآني يقرر أن القولة قولة فريق من المنافقين. يقولونها لا غيرة على الدين، ولكن غضباً على حظ أنفسهم، وغيظاً أن لم يكن لهم نصيب.. وهي آية نفاقهم الصريحة. فما يشك في خلق الرسول - صلى الله عليه وسلم - مؤمن بهذا الدين، وهو المعروف حتى قبل الرسالة بأنه الصادق الأمين، والعدل فرع من أمانات الله التي ناطها بالمؤمنين فضلاً على نبي المؤمنين. وواضح أن هذه النصوص تحكي وقائع وظواهر وقعت من قبل، ولكنها تتحدث عنها في ثنايا الغزوة لتصوير أحوال المنافقين الدائمة المتصلة قبل الغزوة وفي ثناياها. وبهذه المناسبة يرسم السياق الطريق اللائق بالمؤمنين الصادقي الإيمان: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله، وقالوا: حسبنا الله، سيؤتينا الله من فضله ورسوله. إنا إلى الله راغبون}.. فهذا هو أدب النفس وأدب اللسان، وأدب الإيمان: الرضا بقسمة الله ورسوله، رضا التسليم والاقتناع لا رضا القهر والغلب. والاكتفاء بالله، والله كاف عبده. والرجاء في فضل الله ورسوله والرغبة في الله خالصة من كل كسب مادي، ومن كل طمع دنيوي.. ذلك أدب الإيمان الصحيح الذي ينضح به قلب المؤمن. وإن كانت لا تعرفه قلوب المنافقين، الذين لم تخالط بشاشة الإيمان أرواحهم، ولم يشرق في قلوبهم نور اليقين. وبعد بيان هذا الأدب اللائق في حق الله وحق رسوله، تطوعاً ورضا وإسلاماً، يقرر أن الأمر - مع ذلك - ليس أمر الرسول؛ إنما هو أمر الله وفريضته وقسمته، وما الرسول فيها إلا منفذ للفريضة المقسومة من رب العالمين. فهذه الصدقات - أي الزكاة - تؤخذ من الأغنياء فريضة من الله، وترد على الفقراء فريضة من الله. وهي محصورة في طوائف من الناس يعينهم القرآن، وليست متروكة لاختيار أحد، حتى لا اختيار الرسول: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل. فريضة من الله والله عليم حكيم}.. وبذلك تأخذ الزكاة مكانها في شريعة الله، ومكانها في النظام الإسلامي، لا تطوعاً ولا تفضلاً ممن فرضت عليهم. فهي فريضة محتمة. ولا منحة ولا جزافاً من القاسم الموزع. فهي فريضة معلومة. إنها إحدى فرائض الإسلام تجمعها الدولة المسلمة بنظام معين لتؤدي بها خدمة اجتماعية محددة. وهي ليست إحساناً من المعطي وليست شحاذة من الآخذ.. كلا فما قام النظام الاجتماعي في الإسلام على التسول، ولن يقوم! إن قوام الحياة في النظام الإسلامي هو العمل - بكل صنوفه وألوانه - وعلى الدولة المسلمة أن توفر العمل لكل قادر عليه، وأن تمكنه منه بالإعداد له، وبتوفير وسائله، وبضمان الجزاء الأوفى عليه، وليس للقادرين على العمل من حق في الزكاة، فالزكاة ضريبة تكافل اجتماعي بين القادرين والعاجزين، تنظمها الدولة وتتولاها في الجمع والتوزيع؛ متى قام المجتمع على أساس الإسلام الصحيح، منفذاً شريعة الله، لا يبتغي له شرعاً ولا منهجاً سواه. عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ". تفسير : وعن عبد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر، فرآهما جلدين، فقال:"حديث : إن شئتما أعطيتكما. ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب ". تفسير : إن الزكاة فرع من فروع نظام التكافل الاجتماعي في الإسلام. وهذا النظام أشمل وأوسع كثيراً من الزكاة؛ لأنه يتمثل في عدة خطوط تشمل فروع الحياة كلها، ونواحي الارتباطات البشرية بأكملها، والزكاة خط أساسي من هذه الخطوط. والزكاة تجمع بنسبة العشر ونصف العشر وربع العشر من أصل المال حسب أنواع الأموال. وهي تجمع من كل من يملك حوالي عشرين جنيهاً فائضة عن حاجته يحول عليها الحول. وبذلك يشترك في حصيلتها معظم أفراد الأمة. ثم تنفق في المصارف التي بينتها الآية هنا، وأول المستحق لها هم الفقراء والمساكين. والفقراء هم الذين يجدون دون الكفاية، والمساكين مثلهم ولكنهم هم الذين يتجملون فلا يبدون حاجتهم ولا يسألون. وإن كثيراً ممن يؤدون الزكاة في عام، قد يكونون في العام التالي مستحقين للزكاة. بنقص ما في أيديهم عن الوفاء بحاجاتهم. فهي من هذه الناحية تأمين اجتماعي. وبعضهم يكون لم يؤد شيئاً في حصيلة الزكاة ولكنه يستحقها. فهي من هذه الناحية ضمان اجتماعي.. وهي قبل هذا وذاك فريضة من الله، تزكو النفس بأدائها وهي إنما تعبد بها الله، وتخلص من الشح وتستعلي عليه في هذا الأداء. {إنما الصدقات للفقراء والمساكين}.. وقد سبق بيانهما. {والعاملين عليها}.. أي الذين يقومون على تحصيلها. {والمؤلفة قلوبهم}.. وهم طوائف، منهم الذين دخلوا حديثاً في الإسلام ويراد تثبيتهم عليه. ومنهم الذين يرجى أن تتألف قلوبهم فيسلموا. ومنهم الذين أسلموا وثبتوا ويرجى تأليف قلوب أمثالهم في قومهم ليثوبوا إلى الإسلام حين يرون إخوانهم يرزقون ويزادون.. وهناك خلاف فقهي حول سقوط سهم هؤلاء المؤلفة قلوبهم بعد غلبة الإسلام.. ولكن المنهج الحركي لهذا الدين سيظل يواجه في مراحله المتعددة كثيراً من الحالات، تحتاج إلى إعطاء جماعة من الناس على هذا الوجه؛ إما إعانة لهم على الثبات على الإسلام إن كانوا يحاربون في أرزاقهم لإسلامهم، وإما تقريباً لهم من الإسلام كبعض الشخصيات غير المسلمة التي يرجى أن تنفع الإسلام بالدعوة له والذب عنه هنا وهناك. ندرك هذه الحقيقة، فنرى مظهراً لكمال حكمة الله في تدبيره لأمر المسلمين على اختلاف الظروف والأحوال. {وفي الرقاب}.. ذلك حين كان الرق نظاماً عالمياً، تجري المعاملة فيه على المثل في استرقاق الأسرى بين المسلمين وأعدائهم. ولم يكن للإسلام بد من المعاملة بالمثل حتى يتعارف العالم على نظام آخر غير الاسترقاق.. وهذا السهم كان يستخدم في إعانة من يكاتب سيده على الحرية في نظير مبلغ يؤديه له، ليحصل على حريته بمساعدة قسطه من الزكاة. أو بشراء رقيق وإعتاقهم بمعرفة الدولة من هذا المال. {والغارمين}.. وهم المدينون في غير معصية. يعطون من الزكاة ليوفوا ديونهم. بدلاً من إعلان إفلاسهم كما تصنع الحضارة المادية بالمدينين من التجارة مهما تكن الأسباب! فالإسلام نظام تكافلي، لا يسقط فيه الشريف، ولا يضيع فيه الأمين، ولا يأكل الناس بعضهم بعضاً في صورة قوانين نظامية، كما يقع في شرائع الأرض أو شرائع الغاب! {وفي سبيل الله}.. وذلك باب واسع يشمل كل مصلحة للجماعة، تحقق كلمة الله. {وابن السبيل}.. وهو المسافر المنقطع عن ماله، ولو كان غنياً في بلده. هذه هي الزكاة التي يتقول عليها المتقولون في هذا الزمان، ويلمزونها بأنها نظام تسول وإحسان.. هذه هي فريضة اجتماعية، تؤدى في صورة عبادة إسلامية. ذلك ليطهر الله بها القلوب من الشح؛ وليجعلها وشيجة تراحم وتضامن بين أفراد الأمة المسلمة. تندّي جو الحياة الإنسانية، وتمسح على جراح البشرية؛ وتحقق في الوقت ذاته التأمين الاجتماعي والضمان الاجتماعي في أوسع الحدود. وتبقى لها صفة العبادة التي تربط بين القلب البشري وخالقه، كما تربط بينه وبين الناس: {فريضة من الله} الذي يعلم ما يصلح لهذه البشرية، ويدبر أمرها بالحكمة: {والله عليم حكيم}. وبعد بيان قواعد الصدقات، التي يرجع إليها التوزيع والتقسيم. ذلك البيان الذي يكشف عن جهل الذين يلمزون الرسول - صلى الله عليه وسلم - فوق سوء أدبهم حين يلمزون الرسول الأمين. بعد هذا يمضي السياق يعرض صنوف المنافقين، وما يقولون وما يفعلون: {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون: هو أذن. قل: أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين، ورحمة للذين آمنوا منكم، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم. يحلفون بالله لكم ليرضوكم، والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين. ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له نار جهنم خالداً فيها. ذلك الخزي العظيم. يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم. قل: استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون. ولئن سألتهم ليقولن: إنما كنا نخوض ونلعب. قال: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم؛ إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين}.. إنه سوء الأدب في حق الرسول، يبدو في صورة أخرى غير صورة اللمز في الصدقات. إنهم يجدون من النبي - صلى الله عليه وسلم - أدباً رفيعاً في الاستماع إلى الناس بإقبال وسماحة؛ ويعاملهم بظاهرهم حسب أصول شريعته؛ ويهش لهم ويفسح لهم من صدره. فيسمون هذا الأدب العظيم بغير اسمه، ويصفونه بغير حقيقته، ويقولون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - {هو أذن} أي سماع لكل قول، يجوز عليه الكذب والخداع والبراعة، ولا يفطن إلى غش القول وزوره. من حلف له صدقه، ومن دس عليه قولاً قبله. يقولون هذا بعضهم لبعض تطميناً لأنفسهم أن يكشف النبي - صلى الله عليه وسلم - حقيقة أمرهم، أو يفطن إلى نفاقهم. أو يقولونه طعناً على النبي في تصديقه للمؤمنين الخلص الذين ينقلون له ما يطلعون عليه من شؤون المنافقين وأعمالهم وأقوالهم عن الرسول وعن المسلمين. وقد وردت الروايات بهذا وذلك في سبب نزول الآية. وكلاهما يدخل في عمومها.وكلاهما يقع من المنافقين. ويأخذ القرآن الكريم كلامهم ليجعل منه رداً عليهم: {ويقولون: هو أذن}.. نعم.. ولكن. {قل: أذن خير لكم}.. أذن خير يستمع إلى الوحي ثم يبلغه لكم وفيه خيركم وصلاحكم. وأذن خير يستمع إليكم في أدب ولا يجبهكم بنفاقكم، ولا يرميكم بخداعكم، ولا يأخذكم بريائكم. {يؤمن بالله}. فيصدق كل ما يخبره به عنكم وعن سواكم. {ويؤمن للمؤمنين}.. فيطمئن إليهم ويثق بهم، لأنه يعلم منهم صدق الإيمان الذي يعصمهم من الكذب والالتواء والرياء. {ورحمة للذين آمنوا منكم}.. يأخذ بيدهم إلى الخير. {والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم}.. من الله غيرة على الرسول أن يؤذى وهو رسول الله. {يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين}. يحلفون بالله لكم ليرضوكم، على طريقة المنافقين في كل زمان، الذين يقولون ما يقولون ويفعلون ما يفعلون من وراء الظهور؛ ثم يجبنون عن المواجهة، ويضعفون عن المصارحة، فيتضاءلون ويتخاذلون للناس ليرضوهم. {والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين}.. فماذا يكون الناس؟ وماذا تبلغ قوتهم؟ ولكن الذي لا يؤمن بالله عادة ولا يعنو له، يعنو لإنسان مثله ويخشاه؛ ولقد كان خيراً أن يعنو لله الذي يتساوى أمامه الجميع، ولا يذل من يخضع له، إنما يذل من يخضع لعباده، ولا يصغر من يخشاه، إنما يصغر من يعرضون عنه فيخشون من دونه من عباد الله. {ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالداً فيها، ذلك الخزي العظيم}.. سؤال للتأنيب والتوبيخ، فإنهم ليدعون الإيمان، ومن يؤمن يعلم أن حرب الله ورسوله كبرى الكبائر، وأن جهنم في انتظار من يرتكبها من العباد، وأن الخزي هو الجزاء المقابل للتمرد. فإذا كانوا قد آمنوا كما يدعون، فكيف لا يعلمون؟ إنهم يخشون عباد الله فيحلفون لهم ليرضوهم، ولينفوا ما بلغهم عنهم. فكيف لا يخشون خالق العباد، وهم يؤذون رسوله، ويحاربون دينه. فكأنما يحاربون الله، تعالى الله أن يقصده أحد بحرب! إنما هو تفظيع ما يرتكبون من إثم، وتجسيم ما يقارفون من خطيئة، وتخويف من يؤذون رسول الله، ويكيدون لدينه في الخفاء. وإنهم لأجبن من أن يواجهوا الرسول والذين معه، وإنهم ليخشون أن يكشف الله سترهم، وأن يطلع الرسول - صلى الله عليه وسلم - على نواياهم: {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم. قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون. ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب. قل: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم؛ إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين}.. إن النص عام في حذر المنافقين أن ينزل الله قرآناً يكشف خبيئتهم، ويتحدث عما في قلوبهم. فينكشف للناس ما يخبئونه. وقد وردت عدة روايات عن حوادث معينة في سبب نزول هذه الآيات. قال أبو معشر المديني عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء (يقصدون قراء القرآن) فرفع ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد ارتحل وركب ناقته؛ فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، فقال: {أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟} إلى قوله: {كانوا مجرمين} وإن رجليه لتسفعان الحجارة، وما يلتفت إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متعلق بسيف رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم. وقال محمد بن إسحاق: وقد كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بني أمية بن زيد بن عمرو بن عوف، ورجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له مخشي بن حمير يسيرون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو منطلق إلى تبوك؛ فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضاً؟ والله لكأنا بكم غداً مقرنين في الحبال.. إرجافاً وترهيباً للمؤمنين. فقال مخشي ابن حمير: والله لوددت أن أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة، وأننا ننجوا أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه. "حديث : وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني لعمار بن ياسر أدرك القوم فإنهم قد احترقوا، فاسألهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى قلتم كذا وكذا"تفسير : فانطلق إليهم عمار، فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتذرون إليه. فقال وديعة بن ثابت، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقف على راحلته، فجعل يقول وهو آخذ بحقبها: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب. فقال مخشي بن حمير: يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبي. فكان الذي عفي عنه في هذه الآية مخشي بن حمير، فتسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتل شهيداً لا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة ولم يوجد له أثر. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال: "بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوته إلى تبوك، وبين يديه أناس من المنافقين فقالوا: أيرجو هذا الرجل أن يفتح له قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات. فأطلع الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - على ذلك. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -"حديث : احبسوا على هؤلاء الركب"تفسير : فأتاهم فقال: قلتم كذا. قلتم كذا. قالوا: يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله فيهم ما تسمعون. إنما كنا نخوض ونلعب.. كأن هذه المسائل الكبرى التي يتصدون لها، وهي ذات صلة وثيقة بأصل العقيدة.. كأن هذه المسائل مما يخاض فيه ويلعب. {قل: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟}. لذلك، لعظم الجريمة، يجبههم بأنهم قالوا كلمة الكفر. وكفروا بعد إيمانهم الذي أظهروه، وينذرهم بالعذاب، الذي إن تخلف عن بعضهم لمسارعته إلى التوبة وإلى الإيمان الصحيح، فإنه لن يصرف عن بعضهم الذي ظل على نفاقه واستهزائه بآيات الله ورسوله، وبعقيدته ودينه: {بأنهم كانوا مجرمين}.. وعندما يصل السياق إلى هذا الحد في استعراض تلك النماذج من أقوال المنافقين وأعمالهم وتصوراتهم، يعمد إلى تقرير حقيقة المنافقين بصفة عامة، وعرض الصفات الرئيسية التي تميزهم عن المؤمنين الصادقين، وتحديد العذاب الذي ينتظرهم أجمعين: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، ويقبضون أيديهم. نسوا الله فنسيهم. إن المنافقين هم الفاسقون. وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها؛ هي حسبهم، ولعنهم الله، ولهم عذاب مقيم}. المنافقون والمنافقات من طينة واحدة، وطبيعة واحدة. المنافقون في كل زمان وفي كل مكان. تختلف أفعالهم وأقوالهم، ولكنها ترجع إلى طبع واحد، وتنبع من معين واحد. سوء الطوية ولؤم السريرة، والغمز والدس، والضعف عن المواجهة، والجبن عن المصارحة. تلك سماتهم الأصلية. أما سلوكهم فهو الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، والبخل بالمال إلا أن يبذلوه رئاء الناس. وهم حين يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف يستخفون بهما، ويفعلون ذلك دساً وهمساً، وغمزاً ولمزاً، لأنهم لا يجرؤون على الجهر إلا حين يأمنون. إنهم {نسوا الله} فلا يحسبون إلا حساب الناس وحساب المصلحة، ولا يخشون إلا الأقوياء من الناس يذلون لهم ويدارونهم {فنسيهم} الله فلا وزن لهم ولا اعتبار. وإنهم لكذلك في الدنيا بين الناس، وإنهم لكذلك في الآخرة عند الله. وما يحسب الناس حساباً إلا للرجال الأقوياء الصرحاء، الذين يجهرون بآرائهم، ويوقفون خلف عقائدهم، ويواجهون الدنيا بأفكارهم، ويحاربون أو يسالمون في وضح النهار. أولئك ينسون الناس ليذكروا إله الناس، فلا يخشون في الحق لومة لائم، وأولئك يذكرهم الله فيذكرهم الناس ويحسبون حسباهم. {إن المنافقين هم الفاسقون}.. فهم خارجون عن الإيمان، منحرفون عن الطريق، وقد وعدهم الله مصيراً كمصير الكفار: {وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها، هي حسبهم}.. وفيها كفايتهم وهي كفاء إجرامهم. {ولعنهم الله}.. فهم مطرودون من رحمته.. {ولهم عذاب مقيم}.. هذه الطبيعة الفاسقة المنحرفة الضالة، ليست جديدة، ففي تاريخ البشرية لها نظائر وأمثال. ولقد حوى تاريخ البشرية من قبل هؤلاء نماذج كثيرة من هذا الطراز. ولقد لاقى السابقون مصائر تليق بفسوقهم عن الفطرة المستقيمة والطريق القويمة، بعدما استمتعوا بنصيبهم المقدر لهم في هذه الأرض، وكانوا أشد قوة وأكثر أموالاً وأولاداً فلم يغن عنهم من ذلك كله شيء. والقرآن يذكر القوم بما كان من أسلافهم، ويبصرهم بأنهم يسلكون طريقهم، ويحذرهم أن يلاقوا مصيرهم. لعلهم يهتدون: {كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً، فاستمتعوا بخلاقهم. فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم، وخضتم كالذي خاضوا. أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون}. إنها الفتنة بالقوة، والفتنة بالأموال والأولاد. فأما الذين اتصلت قلوبهم بالقوة الكبرى فهم لا يفتنون بالقوة العارضة التي تخول لهم في الأرض، لأنهم يخشون من هو أقوى، فينفقون قوتهم في طاعته وإعلاء كلمته. وهم لا يفتنون بالأموال والأولاد، لأنهم يذكرون من أنعم عليهم بالأموال والأولاد، فيحرصون على شكر نعمته، وتوجيه أموالهم وأولادهم إلى طاعته.. وأما الذين انحرفت قلوبهم عن مصدر القوة والنعمة فهم يبطرون ويفجرون في الأرض، ويتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام: {أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة}.. وبطلت بطلاناً أساسياً، لأنها كالنبتة بلا جذور، لا تستقر ولا تنمو ولا تزدهر. {وأولئك هم الخاسرون}.. الذين خسروا كل شيء على وجه الإجمال بلا تحديد ولا تفصيل. ويلتفت السياق من خطابهم إلى خطاب عام، كأنما يعجب من هؤلاء الذين يسيرون في طريق الهالكين ولا يعتبرون: {ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات؟ أتتهم رسلهم بالبينات، فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}.. هؤلاء الذين يستمتعون غير شاعرين، ويسيرون في طريق الهلكى ولا يتعظون.. هؤلاء {ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم} ممن ساروا في نفس الطريق؟ {قوم نوح} وقد غمرهم الطوفان وطواهم اليم في تيار الفناء المرهوب {وعاد} وقد أهلكوا بريح صرصر عاتية {وثمود} وقد أخذتهم الصيحة {وقوم إبراهيم} وقد أهلك طاغيتهم المتجبر وأنجى إبراهيم {وأصحاب مدين} وقد أصابتهم الرجفة وخنقتهم الظلة {والمؤتفكات} قرى قوم لوط وقد قطع الله دابرهم إلا الأقلين.. ألم يأتهم نبأ هؤلاء الذين {أتتهم رسلهم بالبينات} فكذبوا بها، فأخذهم الله بذنوبهم: {فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}؟ إن النفس المنحرفة تبطرها القوة فلا تذكر، وتعميها النعمة فلا تنظر. وما تنفع عظات الماضي ولا عبره إلا من تتفتح بصائرهم لإدراك سنة الله التي لا تتخلف، ولا تتوقف، ولا تحابي أحداً من الناس. وإن كثيراً ممن يبتليهم الله بالقوة وبالنعمة لتغشى أبصارهم وبصائرهم غشاوة، فلا يبصرون مصارع الأقوياء قبلهم، ولا يستشعرون مصير البغاة الطغاة من الغابرين. عندئذ تحق عليهم كلمة الله، وعندئذ تجري فيهم سنة الله، وعندئذ يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. وهم في نعمائهم يتقلبون، وبقوتهم يتخايلون. والله من ورائهم محيط. إنها الغفلة والعمى والجهالة نراها تصاحب القوة والنعمة والرخاء، نراها في كل زمان وفي كل مكان. إلا من رحم الله من عباده المخلصين. وفي مقابل المنافقين والكفار، يقف المؤمنون الصادقون. طبيعة غير الطبيعة، وسلوكاً غير السلوك، ومصيراً غير المصير: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة؛ ويطيعيون الله ورسوله. أولئك سيرحمهم الله، إن الله عزيز حكيم. وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ومساكن طيبة في جنات عدن، ورضوان من الله أكبر، ذلك هو الفوز العظيم}.. إذا كان المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض. إذا كانوا جبلة واحدة وطبيعة واحدة.. فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض. أن المنافقين والمنافقات مع وحدة طبيعتهم لا يبلغون أن يكونوا أولياء بعضهم لبعض. فالولاية تحتاج إلى شجاعة وإلى نجدة وإلى تعاون وإلى تكاليف. وطبيعة النفاق تأبى هذا كله ولو كان بين المنافقين أنفسهم. إن المنافقين أفراد ضعاف مهازيل، وليسوا جماعة متماسكة قوية متضامنة، على ما يبدو بينهم من تشابه في الطبيعة والخلق والسلوك. والتعبير القرآني الدقيق لا يغفل هذا المعنى في وصف هؤلاء وهؤلاء.. {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض}.. {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}.. إن طبيعة المؤمن هي طبيعة الأمة المؤمنة. طبيعة الوحدة وطبيعة التكافل، وطبيعة التضامن، ولكنه التضامن في تحقيق الخير ودفع الشر. {يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}.. وتحقيق الخير ودفع الشر يحتاج إلى الولاية والتضامن والتعاون. ومن هنا تقف الأمة المؤمنة صفاً واحداً. لا تدخل بينها عوامل الفرقة. وحيثما وجدت الفرقة في الجماعة المؤمنة فثمة ولا بد عنصر غريب عن طبيعتها، وعن عقيدتها، هو الذي يدخل بالفرقة. ثمة غرض أو مرض يمنع السمة الأولى ويدفعها. السمة التي يقررها العليم الخبير! {بعضهم أولياء بعض}.. يتجهون بهذه الولاية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإعلاء كلمة الله، وتحقيق الوصاية لهذه الأمة في الأرض. {ويقيمون الصلاة}.. الصلة التي تربطهم بالله. {ويؤتون الزكاة}.. الفريضة التي تربط بين الجماعة المسلمة، وتحقق الصورة المادية والروحية للولاية والتضامن. {ويطيعون الله ورسوله}.. فلا يكون لهم هوى غير أمر الله وأمر رسوله، ولا يكون لهم دستور إلا شريعة الله ورسوله. ولا يكون لهم منهج إلا دين الله ورسوله، ولا يكون لهم الخيرة إذا قضى الله ورسوله.. وبذلك يوحدون نهجهم ويوحدون هدفهم ويوحدون طريقتهم، فلا تتفرق بهم السبل عن الطريق الواحد الواصل المستقيم. {أولئك سيرحمهم الله}.. والرحمة لا تكون في الآخرة وحدها، إنما تكون في هذه الأرض أولاً ورحمة الله تشمل الفرد الذي ينهض بتكاليف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؛ وتشمل الجماعة المكونة من أمثال هذا الفرد الصالح. رحمة الله في اطمئنان القلب، وفي الاتصال بالله، وفي الرعاية والحماية من الفتن والأحداث. ورحمة الله في صلاح الجماعة وتعاونها وتضامنها واطمئنان كل فرد للحياة واطمئنانه لرضاء الله. إن هذه الصفات الأربع في المؤمنين: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، لتقابل من صفات المنافقين: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ونسيان الله وقبض الأيدي.. وإن رحمة الله للمؤمنين لتقابل لعنته للمنافقين والكفار.. وإن تلك الصفات لهي التي وعد الله المؤمنين عليها بالنصر والتمكين في الأرض ليحققوها في وصايتهم الرشيدة على البشرية: {إن الله عزيز حكيم}.. قادر على إعزاز الفئة المؤمنة ليكون بعضها أولياء بعض في النهوض بهذه التكاليف، حكيم في تقدير النصر والعزة لها، لتصلح في الأرض، وتحرس كلمة الله بين العباد. وإذا كان عذاب جهنم ينتظر المنافقين والكافرين، وكانت لعنته لهم بالمرصاد، وكان نسيانه لهم يدمغهم بالضآلة والحرمان. فإن نعيم الجنة ينتظر المؤمنين: {جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن}.. للإقامة المطمئنة. ولهم فوقها ما هو أكبر وأعظم: {ورضوان من الله أكبر}.. وإن الجنة بكل ما فيها من نعيم لتتضاءل وتتوارى في هالات ذلك الرضوان الكريم. {ورضوان من الله أكبر}.. إن لحظة اتصال بالله. لحظة شهود لجلاله. لحظة انطلاق من حبسة هذه الأمشاج، ومن ثقلة هذه الأرض وهمومها القريبة. لحظة تنبثق فيها في أعماق القلب البشري شعاعة من ذلك النور الذي لا تدركه الأبصار. لحظة إشراق تنير فيها حنايا الروح بقبس من روح الله.. إن لحظة واحدة من هذه اللحظات التي تتفق للندرة القليلة من البشر في ومضة صفاء، ليتضاءل إلى جوارها كل متاع، وكل رجاء.. فكيف برضوان من الله يغمر هذا الأرواح، وتستشعره بدون انقطاع؟ {ذلك هو الفوز العظيم}.. وبعد بيان صفة المؤمنين الصادقين وصفة المنافقين الذين يدّعون الإيمان.. يأمر الله نبيه أن يجاهد الكفار والمنافقين. ويقرر القرآن الكريم أن هؤلاء المنافقين قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم، وهموا بأمر خيبهم الله فيه، وهو من وحي الكفر الذي صاروا إليه. ويعجب من نقمتهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما كان لهم من بعثته إلا الخير والغنى. ويرغبهم في التوبة ويخوفهم التمادي في الكفر والنفاق: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم، ومأواهم جهنم وبئس المصير. يحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر، وكفروا بعد إسلامهم، وهموا بما لم ينالوا. وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله. فإن يتوبوا يك خيراً لهم، وإن يتولوا يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة، وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير}.. لقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لاين المنافقين كثيراً، وأغضى عنهم كثيراً، وصفح عنهم كثيراً. فها هو ذا يبلغ الحلم غايته، وتبلغ السماحة أجلها، ويأمره ربه أن يبدأ معهم خطة جديدة، ويلحقهم بالكافرين في النص، ويكلفه جهاد هؤلاء وهؤلاء جهاداً عنيفاً غليظاً لا رحمة فيه ولا هوادة. إن للين مواضعه وللشدة مواضعها. فإذا انتهى أمد اللين فلتكن الشدة؛ وإذا انقضى عهد المصابرة فليكن الحسم القاطع.. وللحركة مقتضياتها، وللمنهج مراحله، واللين في بعض الأحيان قد يؤذي، والمطاولة قد تضر. وقد اختلف في الجهاد والغلظة على المنافقين. أتكون بالسيف كما روي عن علي - كرم الله وجهه - واختاره ابن جرير - رحمه الله - أم تكون في المعاملة والمواجهة وكشف خبيئاتهم للأنظار كما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - والذي وقع - كما سيجيء - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقتل المنافقين.. {يحلفون بالله ما قالوا. ولقد قالوا كلمة الكفر، وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا}.. والنص في عمومه يستعرض حالة المنافقين في كثير من مواقفهم، ويشير إلى ما أرادوه مراراً من الشر للرسول - صلى الله عليه وسلم - وللمسلمين.. وهناك روايات تحدد حادثة خاصة لسبب نزول الآية: قال قتادة: نزلت في عبد الله بن أبي. وذلك أنه اقتتل رجلان، جهني وأنصاري، فعلا الجهني على الأنصاري، فقال عبد الله للأنصاري: ألا تنصرون أخاكم؟ والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك. وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إليه فسأله، فجعل يحلف بالله ما قاله، فأنزل الله فيه هذه الآية. ويروي الإمام أبو جعفر بن جرير بإسناده عن ابن عباس قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالساً تحت ظل شجرة، فقال:"حديث : إنه سيأتيكم إنسان، فينظر إليكم بعين الشيطان، فإذا جاء فلا تكلموه"تفسير : . فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:"حديث : علام تشتمني أنت وأصحابك؟"تفسير : فانطلق الرجل فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا، حتى تجاوز عنهم، فأنزل الله عز وجل: {يحلفون بالله ما قالوا.. الآية}. وروي عن عروة بن الزبير وغيره ما مؤداه: أنها نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت. كان له ربيب من امرأته اسمه عمير بن سعد، فقال الجلاس: إن كان ما جاء به محمد حقاً فنحن أشر من حمرنا هذه التي نحن عليها. فقال عمير: والله يا جلاس إنك لأحب الناس إلي، وأحسنهم عندي بلاء، وأعزهم على أن يصله شيء يكره، ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحني، ولئن كتمتها لتهلكني، ولإحداهما أهون عليّ من الأخرى. فأخبر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنكرها وحلف بالله ما قالها، فأنزل الله الآيات. فقال الرجل قد قلته، وقد عرض الله عليّ التوبة، فأنا أتوب، فقبل منه ذلك. ولكن هذه الروايات لا تنسجم مع عبارة: {وهموا بما لم ينالوا} وهذه تضافر الروايات على أن المعنيّ بها ما أراده جماعة من المنافقين في أثناء العودة من الغزوة، من قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غيلة وهو عائد من تبوك. فنختار إحداها. قال الإمام أحمد - رحمه الله - حدثنا يزيد أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبي الطفيل قال: لما أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك أمر منادياً فنادى: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ العقبة، فلا يأخذها أحد. فبينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوده حذيفة ويسوقه عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، فغشوا عماراً وهو يسوق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأقبل عمار - رضي الله عنه - يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحذيفة "حديث : قد. قد"تفسير : حتى هبط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجع عمار. فقال يا عمار:"حديث : هل عرفت القوم؟"تفسير : فقال: لقد عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون. قال:"حديث : هل تدري ما أرادوا؟"تفسير : قال: الله ورسوله أعلم. قال: "حديث : أرادوا أن ينفروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - راحلته فيطرحوه"تفسير : قال: فسأل عمار رجلاً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: نشدتك بالله، كم تعلم كان أصحاب العقبة؟ قال: أربعة عشر رجلاً. فقال: إن كنت منهم فقد كانوا خمسة عشر. قال: فعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم ثلاثة قالوا: والله ما سمعنا منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما علمنا ما أراد القوم. فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. هذه الحادثة تكشف عن دخيلة القوم. وسواء كانت هي أو شيء مثلها هي الذي تعنيه الآية، فإنه ليبدو عجيباً أن تنطوي صدور القوم على مثل هذه الخيانة. والنصر يعجب هنا منهم: {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله}.. فما من سيئة قدمها الإسلام لهم ينقمون عليه هذه النقمة من أجلها. اللهم إلا أن يكون الغنى الذي غمرهم بعد الإسلام، والرخاء الذي أصابهم بسببه هو ما ينقمون! ثم يعقب على هذا التعجيب من أمرهم، بعد كشف خبيئاتهم بالحكم الفاصل: {فإن يتوبوا يك خيراً لهم، وإن يتولوا يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة، وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير}.. بعد هذا كله يظل باب التوبة مفتوحاً على مصراعيه. فمن شاء لنفسه الخير فليدلف إلى الباب المفتوح. ومن أراد أن يمضي في طريقه الأعوج، فالعاقبة كذلك معروفة: العذاب الأليم في الدنيا والآخرة. وانعدام الناصر والمعين في هذه الأرض.. ولمن شاء أن يختار، وهو وحده الملوم: {فإن يتوبوا يك خيراً لهم، وإن يتولوا يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة، وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير}.. ثم يمضي السياق في عرض نماذج من المنافقين وأحوالهم وأقوالهم من قبل الغزوة وفي ثناياها. {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين. فلما آتاهم من فضله بخلوا به، وتولوا وهم معرضون، فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه، بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون}. من المنافقين من عاهد الله لئن أنعم الله عليه ورزقه، ليبذلن الصدقة، وليصلحن العمل. ولكن هذا العهد إنما كان في وقت فقره وعسرته، في وقت الرجاء والطمع. فلما أن استجاب الله له ورزقه من فضله نسي عهده، وتنكر لوعده، وأدركه الشح والبخل فقبض يده، وتولى معرضاً عن الوفاء بما عاهد. فكان هذا النكث بالعهد مع الكذب على الله فيه سبباً في التمكين للنفاق في قلبه، والموت مع هذا النفاق، ولقاء الله به. والنفس البشرية ضعيفة شحيحة، إلا من عصم الله؛ ولا تطهر من هذا الشح إلا أن تعمر بالإيمان، وترتفع على ضرورات الأرض، وتنطلق من قيود الحرص على النفع القريب، لأنها تؤمل في خلف أعظم، وتؤمل في رضوان من الله أكبر. والقلب المؤمن يطمئن بالإيمان، فلا يخشى الفقر بسبب الإنفاق، لأنه يثق بأن ما عند الناس ينفد وما عند الله باق. وهذا الاطمئنان يدفع به إلى إنفاق المال في سبيل الله تطوعاً ورضى وتطهراً، وهو آمن مغبته. فحتى لو فقد المال وافتقر منه، فإن له عوضاً أعظم عند الله. فأما حين يقفر القلب من الإيمان الصحيح، فالشح الفطري يهيج في نفسه كلما دعي إلى نفقه أو صدقة، والخوف من الفقر يتراءى له فيقعد به عن البذل. ثم يبقى سجين شحه وخوفه بلا أمن ولا قرار. والذي يعاهد الله ثم يخلف العهد، والذي يكذب على الله فلا يفي بما وعد، لا يسلم قلبه من النفاق:"حديث : آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان ". تفسير : فلا جرم يعقب إخلاف العهد والكذب على الله نفاقاً دائماً في قلوب تلك الطائفة التي تشير إليها الآية: {فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون}.. {ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب}؟ ألم يعلموا - وهم يدعون الإيمان - أن الله مطلع على السرائر، عالم بما يدور بينهم من أحاديث، يحسبونها سراً بينهم لأنهم يتناجون بها في خفية عن الناس؟ وأن الله يعلم الغيب الخافي المستور، فيعلم حقيقة النوايا في الصدور؟ ولقد كان من مقتضى علمهم بهذا، ألا يستخفوا عن الله بنية، وألا تحدثهم نفوسهم بإخلاف ما عاهدوا الله عليه، والكذب عليه في إعطاء العهود. وقد وردت روايات عن سبب نزول الآيات الثلاث، نذكر منها رواية عن ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث معان - بإسناده - عن أبي أمامة الباهلي عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ادع الله أن يرزقني مالاً. قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"حديث : ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه"تفسير : قال: ثم قال مرة أخرى. فقال:"حديث : أما ترضى أن تكون مثل نبي الله فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير الجبال معي ذهباً وفضة لسارت"تفسير : قال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالاً لأعطين كل ذي حق حقه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"حديث : اللهم ارزق ثعلبة مالاً"تفسير : قال: فاتخذ غنماً فنمت كما ينمي الدود، فضاقت المدينة، فتنحى عنها فنزل وادياً من أوديتها، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما، ثم نمت وكثرت فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمي كما ينمي الدود حتى ترك الجمعة، فطفق يتلقى الركبان يوم الجمعة ليسألهم عن الأخبار. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"حديث : ما فعل ثعلبة؟"تفسير : فقالوا يا رسول الله اتخذ غنماً فضاقت عليه المدينة، فأخبروه بأمره، فقال:"حديث : يا ويح ثعلبة! يا ويح ثعلبة! يا ويح ثعلبة!"تفسير : وأنزل الله جل ثناؤه:أية : خذ من أموالهم صدقة}تفسير : الآية.. ونزلت فرائض الصدقة، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلين على الصدقة من المسلمين. رجلاً من جهينة ورجلاً من سليم، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين؛ وقال لهما:"حديث : مرا بثعلبة وبفلان - رجل من نبي سليم - فخذا صدقاتهماتفسير : . فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما هذه إلا جزية. وما هذه إلا أخت الجزية. ما أدري ما هذا؟ انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليّ. وسمع بهما السلمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بها، فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريد أن نأخذ هذا منك. فقال: بل فخذوها فإن نفسي بذلك طيبة وإنما هي له، فأخذاها منه ومرا على الناس فأخذا الصدقات. ثم رجعا إلى ثعلبة فقال: أروني كتابكما فقرأه: فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية. انطلقا حتى أرى رأيي. فانطلقا حتى أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما رآهما قال:"حديث : يا ويح ثعلبة"تفسير : قبل أن يكلمهما، ودعا للسلمي بالبركة، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السلمي. فأنزل الله عز وجل {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن...} الآية. وعند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل من أقارب ثعلبة فسمع بذلك، فخرج حتى أتاه، فقال: ويحك يا ثعلبة! أنزل الله فيك كذا وكذا؛ فخرج ثعلبة حتى أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله أن يقبل منه صدقته، فقال:"حديث : إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك"تفسير : فجعل يحثو على رأسه التراب، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : هذا عملك، قد أمرتك فلم تطعني" تفسير : فلما أبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقبض صدقته رجع إلى منزله؛ فقبض رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ولم يقبل منه شيئاً. ثم أتى أبا بكر - رضي الله عنه - حين استخلف، فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله وموضعي من الأنصار فاقبل صدقتي؛ فقال أبو بكر: لم يقبلها منك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبى أن يقبلها؛ فقبض أبو بكر ولم يقبلها. فلما ولي عمر - رضي الله عنه - أتاه فقال: يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي فقال: لم يقبلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر، وأنا أقبلها منك؟ فقبض ولم يقبلها. فلما ولي عثمان - رضي الله عنه - أتاه فقال: اقبل صدقتي، فقال: لم يقبلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر ولا عمر، وأنا أقبلها منك؟ فلم يقبلها منه. فهلك ثعلبة في خلافة عثمان.. وسواء كانت هذه الواقعة مصاحبة لنزول الآيات أو كان غيرها، فإن النص عام، وهو يصور حالة عامة، ويرسم نموذجاً مكرراً للنفوس التي لم تستيقن، ولم يبلغ الإيمان فيها أن يتمكن. وإذا كانت الرواية صحيحة في ربط الحادثة بنزول الآيات، فإن علم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن نقض العهد والكذب على الله قد أورث المخلفين نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه، يكون هو الذي منعه من قبول صدقة ثعلبة وتوبته التي ظهر بها، ولم يعامله بالظاهر حسب الشريعة. إنما عامله بعلمه بحاله الذي لا شك فيه، لأنه إخبار من العليم الخبير، وكان تصرفه - صلى الله عليه وسلم - تصرفاً تأديبياً برد صدقته. مع عدم اعتباره مرتداً فيؤخذ بعقوبة الردة ولا مسلماً فتقبل منه زكاته. ولا يعني هذا إسقاط الزكاة عن المنافقين شريعة. إن الشريعة تأخذ الناس بظاهرهم. فيما ليس فيه علم يقيني، كالذي كان في هذا الحادث الخاص، فلا يقاس عليه. غير أن رواية الحادث تكشف لنا كيف كان المسلمون الأوائل ينظرون إلى الزكاة المفروضة. إنهم كانوا يحتسبونها نعمة عليهم، من يحرم أداءها أو يحرم قبولها منه، فهو الخاسر. الذي يستحق الترحم مما أصابه من رفض زكاته! مدركين لحقيقة المعنى الكامن في قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}.. فكانت لهم غنماً ينالونه لا غرماً يحملونه. وهذا هو الفارق بين فريضة تؤدى ابتغاء رضوان الله وضريبة تدفع لأن القانون يحتمها ويعاقب عليها الناس! والآن يعرض السياق لوناً آخر من تصورات المنافقين للزكاة يخالفون به ذلك التصور الحق عند المؤمنين الصادقين؛ ويكشف عن لون من طبيعة الغمز فيهم واللمز، النابعين من طبعهم المنحرف المدخول: {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات، والذين لا يجدون إلا جهدهم، فيسخرون منهم. سخر الله منهم ولهم عذاب أليم}.. والقصة المروية عن سبب نزول هذه الآية، تصور نظرة المنافقين المنحرفة لطبيعة الإنفاق في سبيل الله وبواعثه في النفوس. أخرج ابن جرير من طريق يحيى بن أبي كثير، ومن طريق سعيد عن قتادة وابن أبي حاتم من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة - بألفاظ مختلفة - قال: حث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الصدقة (يعني في غزوة تبوك) فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف فقال: يا رسول الله مالي ثمانية آلاف، جئتك بنصفها وأمسكت نصفها. فقال: "حديث : بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت"تفسير : . وجاء أبوعقيل بصاع من تمر فقال: يا رسول الله أصبت صاعين من تمر صاع أقرضه لربي وصاع لعيالي. قال: فلمزه المنافقون، وقالوا: ما الذي أعطى ابن عوف إلا رياء. وقالوا: ألم يكن الله ورسوله غنيين عن صاع هذا؟ وفي روايات أخرى أنهم قالوا عن أبي عقيل، وهو الذي بات يعمل ليحصل على صاعين أجر له، جاء بأحدهما لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنه إنما أراد أن يذكر بنفسه! وهكذا تقولوا على المؤمنين الذين انبعثوا إلى الصدقة عن طواعية نفس، ورضا قلب، واطمئنان ضمير، ورغبة في المساهمة في الجهاد كل على قدر طاقته، وكل على غاية جهده. ذلك أنهم لا يدركون بواعث هذا التطوع في النفوس المؤمنة. لا يدركون حساسية الضمير التي لا تهدأ إلا بالبذل عن طيب خاطر. لا يدركون المشاعر الرفرافة التي تنبعث انبعاثاً ذاتياً، لتلبي دواعي الإيمان والتضحية والمشاركة. من أجل هذا يقولون عن المكثر: إنه يبذل رياء، وعن المقل! إنه يذكر بنفسه. يجرحون صاحب الكثير لأنه يبذل كثيراً، ويحتقرون صاحب القليل لأنه يبذل القليل. فلا يسلم من تجريحهم وعيبهم أحد من الخيرين. ذلك وهم قاعدون متخلفون منقبضو الأيدي شحيحو الأنفس، لا ينفقون إلا رياء، ولا يدركون من بواعث النفوس إلا مثل هذا الباعث الصغير الحقير. ومن ثم يجبههم الرد الحاسم الجازم: {سخر الله منهم ولهم عذاب أليم}.. ويالهولها سخرية. ويالهولها عاقبة. فمن شر ذمة صغيرة هزيلة من البشر الضعاف الفانين وسخرية الخالق الجبار تنصب عليهم وعذابه يترقبهم؟! ألا إنه للهول المفزع الرهيب! {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله، والله لا يهدي القوم الفاسقين}.. هؤلاء المنافقون الذين يلمزون المتطوعين بالصدقات على هذا النحو، قد تقرر مصيرهم، فما عاد يتبدل: {فلن يغفر الله لهم}.. لن يجديهم استغفار، فإنه وعدم الاستغفار لهم سواء. ويبدو أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يستغفر للمخطئين عسى أن يتوب الله عليهم. فأما هؤلاء فقد أخبر بأن مصيرهم قد تقرر، فلا رجعة فيه: {ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله}.. {والله لا يهدي القوم الفاسقين}. أولئك الذين انحرفوا عن الطريق فلم تعد ترجى لهم أوبة. وفسدت قلوبهم فلم يعد يرجى لها صلاح.. {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم}.. والسبعون تذكر عادة للتكثير. لا على أنها رقم محدد. والمعنى العام أن لا رجاء لهم في مغفرة، لأنه لا سبيل لهم إلى توبة. والقلب البشري حين يصل إلى حد معين من الفساد لا يصلح، والضلال حين ينتهي إلى أمد معين لا يرجى بعده اهتداء. والله أعلم بالقلوب. وينتقل السياق - مرة أخرى - إلى الحديث عن المتخلفين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك: {فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله، وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وقالوا: لا تنفروا في الحر. قل: نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون. فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاء بما كانوا يكسبون. فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل: لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً. إنكم رضيتم بالعقود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين. ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره، إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون. ولا تعجبك أموالهم وأولادهم، إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا، وتزهق أنفسهم وهم كافرون}.. هؤلاء الذين أدركتهم ثقلة الأرض. ثقلة الحرص على الراحة، والشح بالنفقة. وقعد بهم ضعف الهمة وهزال النخوة، وخواء القلب من الإيمان.. هؤلاء المخلفون - والتعبير يلقي ظل الإهمال كما لو كانوا متاعاً يخلف أو هملاً يترك - فرحوا بالسلامة والراحة {خلاف رسول الله} وتركوا المجاهدين يلاقون الحر والجهد، وحسبوا أن السلامة غاية يحرص عليها الرجال! {وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله}.. {وقالوا: لا تنفروا في الحر} وهي قولة المسترخي الناعم الذي لا يصلح لشيء مما يصلح له الرجال. إن هؤلاء لهم نموذج لضعف الهمة، وطراوة الإرادة؛ وكثيرون هم الذين يشفقون من المتاعب، وينفرون من الجهد، ويؤثرون الراحة الرخيصة على الكدح الكريم، ويفضلون السلامة الذليلة على الخطر العزيز. وهم يتساقطون إعياء خلف الصفوف الجادة الزاحفة العارفة بتكاليف الدعوات. ولكن هذه الصفوف تظل في طريقها المملوء بالعقبات والأشواك، لأنها تدرك بفطرتها أن كفاح العقبات والأشواك فطرة في الإنسان، وأنه ألذ وأجمل من القعود والتخلف والراحة البليدة التي لا تليق بالرجال. والنص يرد عليهم بالتهكم المنطوي على الحقيقة: {وقالوا: لا تنفروا في الحر. قل: نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون}.. فإن كانوا يشفقون من حر الأرض، ويؤثرون الراحة المسترخية في الظلال. فكيف بهم في حر جهنم وهي أشد حراً، وأطول أمداً؟ وإنها لسخرية مريرة، ولكنها كذلك حقيقة. فإما كفاح في سبيل الله فترة محدودة في حر الأرض، وإما انطراح في جهنم لا يعلم مداه إلا الله: {فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاء بما كانوا يكسبون}.. وإنه لضحك في هذه الأرض وأيامها المعدودة، وإنه لبكاء في أيام الآخرة الطويلة. وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما يعدون. {جزاء بما كانوا يكسبون}.. فهو الجزاء من جنس العمل، وهو الجزاء العادل الدقيق. هؤلاء الذين آثروا الراحة على الجهد - في ساعة العسرة - وتخلفوا عن الركب في أول مرة. هؤلاء لا يصلحون لكفاح، ولا يُرجون لجهاد، ولا يجوز أن يؤخذوا بالسماحة والتغاضي، ولا أن يتاح لهم شرف الجهاد الذي تخلوا عنه راضين: {فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج، فقل: لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً، إنكم رضيتم بالقعود أول مرة، فاقعدوا مع الخالفين}.. إن الدعوات في حاجة إلى طبائع صلبة مستقيمة ثابتة مصممة تصمد في الكفاح الطويل الشاق. والصف الذي يتخلله الضعاف المسترخون لا يصمد لأنهم يخذلونه في ساعة الشدة فيشيعون فيه الخذلان والضعف والاضطراب. فالذين يضعفون ويتخلفون يجب نبذهم بعيداً عن الصف وقاية له من التخلخل والهزيمة. والتسامح مع الذين يتخلفون عن الصف في ساعة الشدة، ثم يعودون إليه في ساعة الرخاء، جناية على الصف كله، وعلى الدعوة التي يكافح في سبيلها كفاحة المرير.. {فقل: لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً}. لماذا؟. {إنكم رضيتم بالقعود أول مرة}.. ففقدتم حقكم في شرف الخروج؛ وشرف الانتظام في الكتيبة، والجهاد عبء لا ينهض به إلا من هم له أهل. فلا سماحة في هذا ولا مجاملة: {فاقعدوا مع الخالفين}.. المتجانسين معكم في التخلف والقعود. هذا هو الطريق الذي رسمه الله تعالى لنبيه الكريم، وإنه لطريق هذه الدعوة ورجالها أبداً. فليعرف أصحابها في كل زمان وفي كل مكان ذلك الطريق.. وكما أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بألا يسمح للمتخلفين في ساعة العسرة أن يعودوا فينتظموا في الصفوف، كذلك أمره ألا يخلع عليهم أي ظلال من ظلال التكريم: {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره. إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون}. ولقد ذكر المفسرون حوادث خاصة عنتها هذه الآية. ولكن دلالة الآية أعم من الحوادث الخاصة. فهي تقرر أصلاً من أصول التقدير في نظام الجماعة المكافحة في سبيل العقيدة، هو عدم التسامح في منح مظاهر التكريم لمن يؤثرون الراحة المسترخية على الكفاح الشاق؛ وعدم المجاملة في تقدير منازل الأفراد في الصف. ومقياس هذا التقدير هو الصبر والثبات والقوة والإصرار والعزيمة التي لا تسترخي ولا تلين. والنص يعلل هذا النهي في موضعه هنا {إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون} وهو تعليل خاص بعدم الصلاة أو قيام الرسول - صلى الله عليه وسلم - على قبر منافق.. ولكن القاعدة - كما ذكرنا - أوسع من المناسبة الخاصة. فالصلاة والقيام تكريم. والجماعة المسلمة يجب ألا تبذل هذا التكريم لمن يتخلف عن الصف في ساعة الجهاد، لتبقى له قيمته، ولتظل قيم الرجال منوطة بما يبذلون في سبيل الله، وبما يصبرون على البذل، ويثبتون على الجهد، ويخلصون أنفسهم وأموالهم لله لا يتخلفون بهما في ساعة الشدة، ثم يعودون في الصف مكرمين! لا التكريم الظاهر ينالونه في أعين الجماعة، ولا التكريم الباطن ينالونه في عالم الضمير: {ولا تعجبك أموالهم وأولادهم. إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون}.. والمعنى العام للآية قد سبق في السياق. أما مناسبة ورودها فتختلف. فالمقصود هنا ألا يقام وزن لأموالهم وأولادهم، لأن الأعجاب بها نوع من التكريم الشعوري لهم. وهم لا يستحقونه لا في الظاهر ولا في الشعور. إنما هو الاحتقار والإهمال لهم ولما يملكون. {وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم، وقالوا: ذرنا نكن مع القاعدين: رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون. لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وأولئك لهم الخيرات، وأولئك هم المفلحون، أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها، ذلك الفوز العظيم}.. إنهما طبيعتان.. طبيعة النفاق والضعف والاستخذاء. وطبيعة الإيمان والقوة والبلاء. وإنهما خطتان.. خطة الالتواء والتخلف والرضى بالدون. وخطة الاستقامة والبذل والكرامة. فإذا أنزلت سورة تأمر بالجهاد جاء أولوا الطول، الذين يملكون وسائل الجهاد والبذل. جاءوا لا ليتقدموا الصفوف كما تقتضيهم المقدرة التي وهبها الله لهم، وشكر النعمة التي أعطاها الله إياهم، ولكن ليتخاذلوا ويعتذروا ويطلبوا أن يقعدوا مع النساء لا يذودون عن حرمة ولا يدفعون عن سكن. دون أن يستشعروا ما في هذه القعدة الذليلة من صغار وهوان، ما دام فيها السلامة، وطلاب السلامة لا يحسون العار، فالسلامة هدف الراضين بالدون: {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف}.. {وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون}.. ولو كانوا يفقهون لأدركوا ما في الجهاد من قوة وكرامة وبقاء كريم، وما في التخلف من ضعف ومهانة وفناء ذميم. "إن للذل ضريبة كما أن للكرامة ضريبة. وإن ضريبة الذل لأفدح في كثير من الأحايين. وإن بعض النفوس الضعيفة ليخيل إليها أن للكرامة ضريبة باهظة لا تطاق، فتختار الذل والمهانة هرباً من هذه التكاليف الثقال، فتعيش عيشة تافهة رخيصة، مفزعة قلقة، تخاف من ظلها، وتفرق من صداها، يحسبون كل صيحة عليهم، ولتجدنهم أحرص الناس على حياة.. هؤلاء الأذلاء يؤدون ضريبة أفدح من تكاليف الكرامة. إنهم يؤدون ضريبة الذل كاملة. يؤدونها من نفوسهم، ويؤدونها من أقدارهم، ويؤدونها من سمعتهم، ويؤدونها من اطمئنانهم، وكثيراً ما يؤدونها من دمائهم وأموالهم وهم لا يشعرون" ومن هؤلاْ.. أولئك الذين {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون}.. {لكن الرسول والذين آمنوا معه}.. وهم طراز آخر غير ذلك الطراز.. {جاهدوا بأموالهم وأنفسهم}.. فنهضوا بتكاليف العقيدة، وأدوا واجب الإيمان؛ وعملوا للعزة التي لا تنال بالقعود {وأولئك لهم الخيرات}.. خيرات الدنيا والآخرة، في الدنيا لهم العزة ولهم الكرامة ولهم المغنم ولهم الكلمة العالية. وفي الآخرة لهم الجزاء الأوفى، ولهم رضوان الله الكريم {وأولئك هم المفلحون}.. الفلاح في الدنيا بالعيش الكريم القويم والفلاح في الآخرة بالأجر العظيم: {أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها}.. {ذلك الفوز العظيم}. {وجاء المعذّرون من الأعراب ليؤذن لهم، وقعد الذين كذبوا الله ورسوله، سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم}.. فأما الأولون فهم ذوو الأعذار الحقيقية فلهم عذرهم إن استأذنوا في التخلف، وأما الآخرون فقعدوا بلا عذر. قعدوا كاذبين على الله والرسول. وهؤلاء ينتظر الذين كفروا منهم عذاب أليم. أما الذين يتوبون ولا يكفرون فمسكوت عنهم لعل لهم مصيراً غير هذا المصير. وأخيراً يحدد التبعة. فليس الخروج ضربة لازب على من يطيقون ومن لا يطيقون. فالإسلام دين اليسر ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. والذين عجزوا عن النفرة لا تثريب عليهم ولا مؤاخذة لهم، لأنهم معذورون: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى، ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله. ما على المحسنين من سبيل، والله غفور رحيم. ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون}. ليس على الضعفاء العاجزين عن القتال لعلة في تكوينهم، أو لشيخوخة تقعدهم؛ ولا على المرضى الذين لا يستطيعون الحركة والجهد؛ ولا على المعدمين الذين لا يجدون ما يتزودون به.. ليس على هؤلاء حرج إذا تخلفوا عن المعركة في الميدان، وقلوبهم مخلصة لله ورسوله، لا يغشون ولا يخدعون، ويقومون بعد ذلك بما يستطيعونه - دون القتال - من حراسة أو صيانة أو قيام على النساء والذرية في دار الإسلام، أو أعمال أخرى تعود بالنفع على المسلمين. ليس عليهم جناح، وهم يحسنون بقدر ما يستطيعون، فلا جناح على المحسنين، إنما الجناح على المسيئين. ولا جناح كذلك على القادرين على الحرب، ولكنهم لا يجدون الرواحل التي تحملهم إلى أرض المعركة. فإذا حرموا المشاركة فيها لهذا السبب، ألمت نفوسهم حتى لتفيض أعينهم دموعاً، لأنهم لا يجدون ما ينفقون. وإنها لصورة مؤثرة للرغبة الصحيحة في الجهاد، والألم الصادق للحرمان من نعمة أدائه. وإنها لصورة واقعة حفظتها الروايات عن جماعة من المسلمين في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - تختلف الروايات في تعيين أسمائهم، ولكنها تتفق على الواقعة الصحيحة. روى العوفي عن ابن عباس: "وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه، فجاءته عصابة من أصحابه فيهم عبد الله بن مغفل بن مقوى المازني، فقالوا: يا رسول الله احملنا، فقال لهم:"حديث : والله لا أجد ما أحملكم عليه"تفسير : فتولوا وهم يبكون، وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد ولا يجدون نفقة ولا محملاً: فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله أنزل عذرهم في كتابه. وقال مجاهد: نزلت في بني مقرن من مزينة. وقال محمد بن كعب كانوا سبعة نفر من بني عمرو بن عوف: سالم بن عوف، ومن بني واقف: حرمي ابن عمر، ومن بني مازن بن النجار: عبد الرحمن بن كعب ويكنى أبا ليلى، ومن بني المعلى: فضل الله ومن بني سلمة: عمرو بن عتمة وعبد الله بن عمرو والمزني. وقال ابن إسحاق في سياق غزوة تبوك: ثم إن رجالاً من المسلمين أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم الباكون وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير، وعلية بن زيد أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة، وعبد الله بن المغفل المزني، وبعض الناس يقول: بل هو عبد الله بن عمرو والمزني وحرمي بن عبد الله أخو بني واقف وعياض بن سارية الفزاري، فاستحملوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانوا أهل حاجة: قال:"حديث : لا أجد ما أحملكم عليه"تفسير : تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون. بمثل هذه الروح انتصر الإسلام، وبمثل هذه الروح عزت كلمته. فلننظر أين نحن من هؤلاء. ولننظر أين روحنا من تلك العصبة. ثم لنطلب النصر والعزة إن استشعرنا من أنفسنا بعض هذه المشاعر. وإلا فلنسدد ولنقارب والله المستعان.
ابن عاشور
تفسير : استئناف لابتداء الكلام على حال المنافقين وغزوة تبوك حين تخلّفوا واستأذن كثير منهم في التخلّف واعتلُّوا بعلل كاذبة، وهو ناشىء عن قوله: {أية : ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض}تفسير : [التوبة: 38]. وانتُقل من الخطاب إلى الغيبة لأنّ المتحدّث عنهم هنا بعض المتثاقلين لا محالة بدليل قوله بعد هذا {أية : إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم}تفسير : [التوبة: 45]. ومن هذه الآيات ابتدأ إشعار المنافقين بأنّ الله أطْلَع رسوله صلى الله عليه وسلم على دخائلهم. والعَرَض ما يعرض للناس من متاع الدنيا وتقدّم في قوله تعالى: {أية : يأخذون عرض هذا الأدنى} تفسير : في سورة الأعراف (169) وقوله: {أية : تريدون عرض الدنيا} تفسير : في سورة الأنفال (67) والمراد به الغنيمة. والقريب: الكائن على مسافة قصيرة، وهو هنا مجاز في السهْل حصولُه. و{قاصدا} أي وَسطاً في المسافة غير بعيد. واسم كان محذوف دلّ عليه الخبر: أي لو كان العرض عرضاً قريباً، والسفر سفراً متوسّطاً، أو: لو كان ما تدعوهم إليه عَرضاً قريباً وسفراً. والشُّقة ــــ بضمّ الشين ــــ المسافة الطويلة. وتعدية {بعدت} ــــ بحرف (على) لتضمّنه معنى ثقلت، ولذلك حسن الجمع بين فعل {بعدت} وفاعله {الشقة} مع تقارب معنييهما، فكأنّه قيل: ولكن بعد منهم المكان لأنّه شُقّة، فثقل عليهم السفر، فجاء الكلام موجزاً. وقوله: {وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم} يؤذن بأنّ الآية نزلت قبل الرجوع من غزوة تبوك، فإنّ حلفهم إنّما كان بعد الرجوع وذلك حين استشعروا أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام ظانٌ كذبَهم في أعذارهم. والاستطاعة القدرة: أي لسنا مستطيعين الخروج، وهذا اعتذار منهم وتأكيد لاعتذارهم. وجملة {لخرجنا معكم} جواب {لو}. والخروج الانتقال من المقرّ إلى مكان آخر قريب أو بعيد ويعدّى إلى المكان المقصود بــــ (إلى)، وإلى المكان المتروك بــــ (مِن)، وشاع إطلاق الخروج على السفر للغزو. وتقييده بالمعية إشعار بأنّ أمر الغزو لا يهمّهم ابتداءً، وأنّهم إنّما يخرجون لو خرجوا إجابة لاستنفار النبي صلى الله عليه وسلم خروج الناصر لغيره، تقول العرب: خرج بنو فلان وخرج معهم بنو فلان، إذا كانوا قاصدين نصرهم. وجملة {يهلكون أنفسهم} حال، أي يحلفون مُهلكين أنفسهم، أي موقعينَها في الهُلْك. والهُلْك: الفناء والموتُ، ويطلق على الأضرار الجسيمة وهو المُناسب هنا، أي يتسبّبون في ضرّ أنفسهم بالأيمان الكاذبة، وهو ضرّ الدنيا وعذاب الآخرة. وفي هذه الآية دلالة على أنّ تعمد اليمين الفاجرة يفضي إلى الهلاك، ويؤيّده ما رواه البخاري في كتاب الديات من خبر الهذليين الذين حلفوا أيمان القسامة في زمن عُمر، وتعمّدوا الكذب، فأصابهم مطر فدخلوا غاراً في جبل فانهجم عَليهم الغار فماتوا جميعاً. وجملة {والله يعلم إنهم لكاذبون} حال، أي هم يفعلون ذلك في حال عدم جدواه عليهم، لأنّ الله يعلم كذبهم، أي ويُطلِع رسوله على كذبهم، فما جنوا من الحلف إلاّ هلاك أنفسهم. وجملة {إنهم لكاذبون} سدّت مسدّ مفعولي {يعلم}.
د. أسعد حومد
تفسير : {لَكَاذِبُونَ} (42) - يُوَبِّخُ اللهُ تَعَالَى الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، مُعْتَذِرِينَ بِأَنَّهُمْ ذَوُو أَعْذَارٍ، وَلَمْ يَكُونُوا فِي الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ، فَقَالَ: لَوْ كَانَ الأَمْرُ يَتَعَلَّقُ بِغَنِيمَةٍ قَرِيبَةٍ (عَرَضاً قَرِيباً)، أَوْ سَفَرٍ قَرِيبٍ لاَ مَشَقَّةَ فِيهِ (سَفَراً قَاصِداً) لاَتَّبَعُوا رَسُولَ اللهِ، وَلَكِنَّ المَسَافَةَ بَيْنَ الشَّامِ وَالْمَدِينَةِ (الشُّقَّةُ) قَدْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمْ. وَيُخْبِرُ اللهُ نَبيَّهُ أَنَّهُمْ سَيَحْلِفُونَ لَهُ بِاللهِ، بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنَ الغَزْوَةِ، أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ أَعْذَارٌ تَمْنَعُهُمْ مِنَ الخُرُوجِ مَعَهُ لَخَرَجُوا، وَسَيُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ بِالأَيْمَانِ وَالأَعْذَارِ لِيُرْضُوهُ، إِذْ أَنَّهُمْ بِهَذا النِّفَاقِ وَالْكَذِبِ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ فِي حَلْفِهِمْ، وَفِي قَوْلِهِمْ: (لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ) وَلَنْ يَرْضَى اللهُ عَنْهُمْ. عَرَضاً قَرِيباً - مَغْنَماً سَهْلاً. سَفَراً قَاصِداً - مُتَوَسِّطاً بَيْنَ القَرِيبِ وَالبَعِيدِ. الشُّقَّةُ - المَسَافَةُ التِي تُقْطَعُ بِمَشَقَّةٍ.
الثعلبي
تفسير : ثم نزل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين {لَوْ كَانَ} اسمه مضمر أي لو كان ما يدعوهم إليه {عَرَضاً قَرِيباً} غنيمة حاضرة {وَسَفَراً قَاصِداً} وموضعاً قريباً. قال المبرّد: قاصداً أي ذا قصد نحو تامر ولابن، وقيل: هو طريق مقصود فجعلت صفته على [فاعلة بمعنى مفعولة] كقوله {أية : عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}تفسير : [الحاقة: 21] أي مرضية. {لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ} يعني المسافة وقال الكسائي: هي الغزاة التي يخرجون إليها، وقال قطرب: هي السفر البعيد سمّيت شقة لأنّها تشقّ على الانسان، والقراءة بضم الشين وهي اللغة الغالبة، وقرأ عبيد ابن عمير بكسر الشين وهي لغة قيس. {وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا} قرأ الأعمش بضم الواو لأن أصل الواو الضمة، وقرأ الحسن بفتح الواو لأن الفتح أخفّ الحركات، وقرأ الباقون بالكسر لأن الجزم يحرّك بالكسر {لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ} بالحلف الكاذب {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} في أيمانهم [واعتلالهم] {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ} قدّم العفو على القتل. قال قتادة وعمرو بن ميمون: شيئان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين وأخذه من الأُسارى الفدية فعاتبه الله كما تسمعون. وقال بعضهم: إنّ الله عز وجل وقّره ورفع محله [فهو افتتاح] الكلام بالدعاء له، كما يقول الرجل لمخاطبه إن كان كريماً عنده: عفا الله عنك ماصنعت في حاجتي ورضي الله عنك إلاّ زرتني، وقيل: معناه: أدام الله لك العفو. {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} في أعذارهم {وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ} فيها { لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} إلى قوله تعالى {وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ} شكّت ونافقت قلوبهم {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} متحيّرين، {ولو أرادوا الخروج} إلى الغزو {لأَعَدُّواْ} لهيّأوا {لَهُ عُدَّةً} وهي المتاع والكراع {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ} لم يرد الله {ٱنبِعَاثَهُمْ} [خروجهم] {فَثَبَّطَهُمْ} فمنعهم وحبسهم {وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ} في بيوتكم {مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ} يعني المرضى والزمنى، وقيل: النساء والصبيان. {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم} الآية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس بالجهاد لغزوة تبوك، فلمّا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وعسكره على ثنيّة الوداع، ولم يكن بأقلّ العسكرين، فلمّا سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أُبيّ فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب، فأنزل الله تعالى [يعزي] نبيه صلى الله عليه وسلم {لو خرجوا فيكم} يعني المنافقين {مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} فساداً، وقال الكلبي: شرّاً وقيل: غدراً ومكرا {ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ} يعني ولأوضعوا ركابهم بينكم، يقال: وضعت الناقة تضع وضعاً ووضوعاً إذا أسرعت السير، وأوضعها أيضاعاً أي جدّ بها فأسرع، قال الراجز: شعر : يا ليتني فيها جذع أخبّ فيها وأضعْ وقال: أقصرْ فإنك طالما أوضعت في إعجالها تفسير : قال محمد بن إسحاق يعني: أسرع الفرار في أوساطكم وأصل الخلال من الخلل وهو الفرجة بين الشيئين وبين القوم في الصفوف وغيرها، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : تراصّوا في الصفوف لايخللكم الشيطان كأولاد الحذف ". تفسير : {يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ} أي يبغون لكم، يقول: يطلبون لكم ماتفتنون به، يقولون: لقد جمع [العدو] لكم فعل وفعل، يخبلونكم. وقال الكلبي: يبغونكم الفتنة يعني الغيب والسر، وقال الضحاك: يعني الكفر، يقال فيه: بغيته أبغيه بغاء إذا التمسته بمعنى بغيت له، ومثله عكمتك إن عكمت لك فيها، وإذا أرادوا أعنتك عليه قالوا: أبغيتك وأحلبتك وأعمكمتك. {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} قال مجاهد وابن زيد بينكم عيون لهم عليكم [يوصلون] مايسمعون منكم، وقال قتادة وابن يسار: وفيكم من يسمع كلامهم ويطبعهم {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ * لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ} أي عملوا بها لصد أصحابك عن الدين وردهم إلى الكفر بتخذيل الناس عنك قبل هذا اليوم، كفعل عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عنك بأصحابه {وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ} أجالوا فيك وفي إبطال دينك الرأي بالتخذيل عنك وتشتّت أصحابك. {حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ} أي النصر والظفر {وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ} دين الله {وَهُمْ كَارِهُونَ * وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي} الآية. نزلت في جد بن قيس المنافق وذلك حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا تجهّز لغزوة تبوك، قال له: يا أبا وهب، هل لك في جلاد بني الأصفر تتخذ منهم وصفاء، قيل: وإنما أمر بذلك لأن الحبش غلبت على ناحية الروم فولدت لهم بنات قد أنجبت من بياض الروم وسواد الحبشة فكنّ صفر اللعس، فلمّا قال له ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جد: يارسول الله لقد عرفت قومي أني رجل مغرم بالنساء وأني أخشى إن رأيت بنات الأصفر أن لا أصبر عنهن فلا تفتنّي بهن وائذنْ لي في القعود وأُعينك بمالي، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قد أذنت لكتفسير : ، فأنزل الله [ومنهم] يعني ومن المنافقين [من يقول أئذن لي] في التخلف [ولا تفتنّي] ببنات الأصفر، قال قتادة: ولا تأتمنّي {أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} ألا في الإثم والشرك وقعوا بخيانتهم وخلافهم أمر الله ورسوله {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} مطيقة بهم وجامعتهم فيها، فلما نزلت هذه الآية حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبني سلمة وكان منهم: من سيّدكم؟ قالوا: جدّ بن قيس غير أنه نحيل جبان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وأي داء أدوى من البخل، بل سيّدكم الفتى الأبيض الجعد بشر بن البراء بن معرور، تفسير : فقال فيه حسّان: شعر : وقال رسول الله والقول لاحق بمن قال منّا من تعدّون سيّدا فقلنا له جدّ بن قيس على الذي نبخّله فينا وإن كان أنكدا فقال وأي الداء أدوى من الذي رميتم به جدا وعالى بها يدا وسوّد بشر بن البراء لجوده وحق لبشر ذي الندى أن يُسوّدا إذا ما أتاه الوفد أنهب ماله وقال خذوه إنه عائد غدا
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والعَرَضُ هو ما يقابل الجوهر، والجوهر هو ما لا تطرأ عليه أغيار، فالصحة عَرَض والمرض؛ لأن كليهما لا يدوم، إذن فكل ما يتغير يسمى عَرَضٌ حاضر يأكل منها البَرُّ والفاجر. إذن: فقول الحق سبحانه وتعالى: {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً} أي: لو كان أمراً من متاع سهل التناول، ومحبباً للنفس؛ وليس فيه مشقة السفر والتضحية بالمال والنفس؛ لأسرعوا إليه. {وَسَفَراً قَاصِداً}، والقاصد هو المقتصد الذي في الوسط؛ وبعض الناس يسرف في الكسل، فلا يستنبط الخير من السعي في الأرض ومما خلق الله، وبعض الناس يسرف في حركة الدنيا ويركض كركض الوحوش في البرية، ولا يكون له إلا ما قسمه الله. وأمزجة الناس تتراوح ما بين الإسراف والتقتير، أما المؤمن فعليه أن يكون من الأمة المقتصدة. والحق هو القائل: {أية : مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ} تفسير : [المائدة: 66]. لأن المؤمن لا يأخذه الكسل فيفقد خير الدنيا، ولا يأخذه الإسراف فينسى الإيمان. إذن: فالحق سبحانه وتعالى يوضح لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه لو كان هناك متاع من متاع الدنيا أو سفر بلا مشقة ولا تعب لاتبعوك، فهم لم يتبعوك؛ لأنه ليست هناك مغانم دنيوية؛ لأن هناك مشقة، فالرحلة إلى تبوك، ومقاتلة الروم، وهم أصحاب الدولة المتحضرة التي تضع رأسها برأس دولة الفرس، وهذه أيضاً مشقة، والعام عُسْر والحر شديد، ولو أن الأمر سهل مُيسَّر لاتبعوك. ويتابع سبحانه: {وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ} أي: أن المشقة طويلة، ثم يقول: {وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} هم إذن لم يتبعوك؛ لأن المسألة ليست عرضاً قريباً ولا سفراً سهلاً، بل هي رحلة فيها أهوال، وتضحيات بالمال والنفس، وحين تعود من القتال سوف يحلفون لك؛ أنهم لو استطاعوا لخرجوا معكم للقتال. وقد قال الحق ذلك قبل أن تأتي أوان الحلف، وهذه من علامات النبوة؛ لكي يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم المنافقين مِنْ صادقي الإيمان. وسبحانه وتعالى يفضح غباء المنافقين؛ لذلك قال: {وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ} واستخدام حرف السين هنا يعني أنهم لم يكونوا قد قالوها بعد، ولكنهم سيقولونها في المستقبل، ولو أنهم تنبهوا إلى لم يكونوا قد قالوها بعد، ولكنهم سيقولونها في المستقبل، ولو أنهم تنبهوا إلى ذلك لامتنعوا عن الحلف. ولقالوا: إن القرآن قال سنحلف، ولكننا لن نحلف. ولكن الله أعماهم فحلفوا، وهكذا يأتي خصوم الإسلام ليشهدوا - رغم أنوفهم - للإسلام. ومثال آخر على نفس الأمر؛ عندما حُوّلت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة الشريفة؛ قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا} تفسير : [البقرة: 142]. وقوله هنا {سَيَقُولُ} معناها أنهم لم يقولوا بعد، وإلا ما استخدم فيها حرف السين. وهذه الآية نزلت في القرآن يتلى ولا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة.. ورغم أنه كان في استطاعتهم ألا يقولوا ذلك القول، ولو فعلوا لساهموا في التشكيك بمصداقية القرآن، ولهدموا قضية الدين التي يتمنون هدمها، ولكنهم مع ذلك قالوا: {مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ} وجاءوا مثبتين ومُصدِّقين للقرآن. وفي هذه الأيام نجد شيئاً عجيباً؛ نجد من يقول: أنا لا أتبع إلا ما جاء في القرآن، أما السنة فلستُ مطالباً بالالتزام بها. وتقول لمن يردد هذا الكلام: كم عدد ركعات الصبح وركعات الظهر والعصر والمغرب والعشاء؟ وسوف يرد قائلاً: صلاة الصبح ركعتان، والظهر أربع، والعصر أربع، والمغرب ثلاث، والعشاء أربع. ونقول: من أين أتيت بهذا؟ يقول: من السنة. نقول: إذن فلا بد من اتباع السنة حتى تستطيع أن تصلي، ولن تفهم التطبيق العملي لكثير من الأحكام إلا باتباع السنة. ويجبر الحق سبحانه هذا الذي يحارب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدعو إلى عدم الالتزام بها؛ يجبره سبحانه على الاعتراف بضرورة اتباع السنة، وبهذا يصدق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يوشك الرجل يتكىء على أريكته يُحدَّث بحديثي، فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما كان فيه حراماً حرَّمْناه، وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله ". تفسير : وقد قالوا ذلك القول طَعْناً في الكتاب، ولكنهم من حيث لا يدرون أكدوا صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم لم يمتلكوا الذكاء؛ لأن الذكاء الذي لا يهدي للإيمان هو لون من الغباء وعَمى البصيرة، وكذلك كان حال من حلفوا بعدم استطاعتهم الخروج للقتال؛ فقد سبقهم قول الله: {وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} وجاءوا من بعد ذلك وحلفوا؛ ليؤكدوا صدق القرآن. وهم في حلفهم يدّعون عدم استطاعتهم للقتال، مع أن لديهم المال والقدرة. ويقول الحق عنهم: {يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} وما داموا قد حلفوا بالله كذباً، فقد أدخلوا أنفسهم في الهلاك، فهم لم يكتفوا بعدم الجهاد؛ بل كذبوا وفضح الله كذبهم. ويقول الحق بعد ذلك: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً} معناهُ غَنِيمةٌ قَرِيبةٌ. تفسير : وقوله تعالى: {وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ} معناهُ السَّفرُ والسَّيرُ.
همام الصنعاني
تفسير : 1088- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً}: [الآية: 42]، قال: هي غزوة تبوك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):