٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
43
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى بين بقوله: { أية : لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك } تفسير : [التوبة:42] أنه تخلف قوم من ذلك الغزو، وليس فيه بيان أن ذلك التخلف، كان بإذن الرسول أم لا؟ فلما قال بعده: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } دل هذا، على أن فيهم من تخلف بإذنه وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج بعضهم بهذه الآية على صدور الذنب عن الرسول من وجهين: الأول: أنه تعالى قال: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ } والعفو يستدعي سابقة الذنب. والثاني: أنه تعالى قال: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } وهذا استفهام بمعنى الإنكار، فدل هذا على أن ذلك الإذن كان معصية وذنباً. قال قتادة وعمرو بن ميمون: اثنان فعلهما الرسول، لم يؤمر بشيء فيهما، إذنه للمنافقين، وأخذه الفداء من الأسارى، فعاتبه الله كما تسمعون. والجواب عن الأول: لا نسلم أن قوله: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ } يوجب الذنب، ولم لا يجوز أن يقال: إن ذلك يدل على مبالغة الله في تعظيمه وتوقيره، كما يقول الرجل لغيره إذا كان معظماً عنده، عفا الله عنك ما صنعت في أمري ورضي الله عنك، ما جوابك عن كلامي؟ وعافاك الله ما عرفت حقي فلا يكون غرضة من هذا الكلام، إلا مزيد التبجيل والتعظيم. وقال علي بن الجهم: فيما يخاطب به المتوكل وقد أمر بنفيه: شعر : عفا الله عنك ألا حرمة تعود بعفوك إن أبعدا ألم تر عبداً عدا طوره ومولى عفا ورشيداً هدى أقلني أقالك من لم يزل يقيك ويصرف عنك الردى تفسير : والجواب عن الثاني أن نقول: لا يجوز أن يقال: المراد بقوله {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } الإنكار لأنا نقول: إما أن يكون صدر عن الرسول ذنب في هذه الواقعة أو لم يصدر عنه ذنب، فإن قلنا: إنه ما صدر عنه ذنب، امتنع على هذا التقدير أن يكون قوله: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } إنكار عليه، وإن قلنا: إنه كان قد صدر عنه ذنب، فقوله: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ } يدل على حصول العفو عنه، وبعد حصول العفو عنه يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه، فثبت أنه على جميع التقادير يمتنع أن يقال: إن قوله: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } يدل على كون الرسول مذنباً، وهذا جواب شاف قاطع. وعند هذا، يحمل قوله: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } على ترك الأولى والأكمل، لا سيما وهذه الواقعة كانت من جنس ما يتعلق بالحروب ومصالح الدنيا. المسألة الثانية: من الناس من قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم، كان يحكم بمقتضى الاجتهاد في بعض الوقائع. واحتج عليه بأن قوله: { أية : فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ } تفسير : [الحشر: 2] أمر لأولي الأبصار بالاعتبار والاجتهاد، والرسول كان سيداً لهم، فكان داخلاً تحت هذا الأمر، ثم أكدوا ذلك بهذه الآية فقالوا: إما أن يقال إنه تعالى أذن له في ذلك الإذن أو منعه عنه، أو ما أذن له فيه وما منعه عنه والأول باطل، وإلا امتنع أن يقول له لم أذنت لهم. والثاني باطل أيضاً، لأن على هذا التقدير يلزم أن يقال إنه حكم بغير ما أنزل الله فيلزم دخوله تحت قوله: { أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } تفسير : [المائدة: 44] { أية : فأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } تفسير : [المائدة: 45] { أية : فأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } تفسير : [المائدة: 47] وذلك باطل بصريح القول فلم يبق إلا القسم الثالث، وهو أنه عليه الصلاة والسلام أذن في تلك الواقعة من تلقاء نفسه، فإما أن يكون ذلك مبنياً على الاجتهاد أو ما كان كذلك، والثاني باطل، لأنه حكم بمجرد التشهي وهو باطل لقوله تعالى: { أية : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَـوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوٰتِ } تفسير : [مريم: 59] فلم يبق إلا أنه عليه الصلاة والسلام أذن في تلك الواقعة، بناء على الاجتهاد، وذلك يدل على أنه عليه الصلاة والسلام، كان يحكم بمقتضى الاجتهاد. فإن قيل: فهذا بأن يدل على أنه لا يجوز له الحكم بالاجتهاد أولى، لأنه تعالى منعه من هذا الحكم بقوله: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ }. قلنا: إنه تعالى ما منعه من ذلك الإذن مطلقاً لأنه قال: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } والحكم الممدود إلى غاية بكلمة حتى يجب انتهاؤه عند حصول تلك الغاية، فهذا يدل على صحة قولنا. فإن قالوا: فلم لا يجوز أن يكون المراد من ذلك التبين هو التبين بطريق الوحي؟ قلنا: ما ذكرتموه محتمل إلا أن على التقدير الذي ذكرتم، يصير تكليفه، أن لا يحكم ألبتة، وأن يصبر حتى ينزل الوحي ويظهر النص، فلما ترك ذلك، كان ذلك كبيرة، وعلى التقدير الذي ذكرنا كان ذلك الخطأ خطأ واقعاً في الاجتهاد، فدخل تحت قوله: «حديث : ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد»، تفسير : فكان حمل الكلام عليه أولى. المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على وجوب الاحتراز عن العجلة، ووجوب التثبت والتأني وترك الاغترار بظواهر الأمور والمبالغة في التفحص، حتى يمكنه أن يعامل كل فريق بما يستحقه من التقريب أو الإبعاد. المسألة الرابعة: قال قتادة: عاتبه الله كما تسمعون في هذه الآية، ثم رخص له في سورة النور فقال: { أية : فَإِذَا ٱسْتَـذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ } تفسير : [النور: 62]. المسألة الخامسة: قال أبو مسلم الأصفهاني: قوله: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } ليس فيه ما يدل على أن ذلك الإذن فيما ذا؟! فيحتمل أن بعضهم استأذن في القعود فأذن له، ويحتمل أن بعضهم استأذن في الخروج فأذن له، مع أنه ما كان خروجهم معه صواباً، لأجل أنهم كانوا عيوناً للمنافقين على المسلمين، فكانوا يثيرون الفتن ويبغون الغوائل فلهذا السبب، ما كان في خروجهم مع الرسول مصلحة. قال القاضي: هذا بعيد لأن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك على وجه الذم للمتخلفين والمدح للمبادرين، وأيضاً ما بعد هذه الآية يدل على ذم القاعدين وبيان حالهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} قيل: هو افتتاح كلام؛ كما تقول: أصلحك الله وأعزك ورحمك! كان كذا وكذا. وعلى هذا التأويل يحسن الوقف على قوله: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ}؛ حكاه مكيّ والمهدوِيّ والنحاس. وأخبره بالعفو قبل الذنب لئلا يطير قلبه فَرَقاً. وقيل: المعنىٰ عفا الله عنك ما كان من ذنبك في أن أذِنت لهم؛ فلا يحسن الوقف على قوله: «عَفَا الله عَنْكَ» على هذا التقدير؛ حكاه المهدوِيّ واختاره النحاس. ثم قيل: في الإذن قولان: الأوّل ـ «لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ» في الخروج معك، وفي خروجهم بلا عُدّة ونية صادقة فسادٌ. الثاني ـ «لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ» في القعود لما اعتلّوا بأعذار؛ ذكرهما القشيري قال: وهذا عتاب تلطف؛ إذ قال: «عَفَا اللَّهُ عَنْكَ». وكان عليه السلام أذن من غير وحَيْ نزل فيه. قال قتادة وعمرو بن ميمون: ثنتان فعلهما النبيّ صلى الله عليه وسلم و لم يؤمر بهما: إذنُه لطائفة من المنافقين في التخلف عنه ولم يكن له أن يمضي شيئاً إلا بوحي، وأخذهُ من الأسارىٰ الفِدية؛ فعاتبه الله كما تسمعون. قال بعض العلماء إنما بدر منه ترك الأوْلىٰ، فقدّم الله له العفو على الخطاب الذي هو في صورة العتاب. قوله تعالىٰ: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ} أي ليتبيّن لك من صدق ممن نافق. قال ابن عباس: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يومئذ يعرف المنافقين، وإنما عرفهم بعد نزول سورة «التوبة». وقال مجاهد: هؤلاء قوم قالوا: نستأذن في الجلوس، فإن أذن لنا جلسنا. وإن لم يؤذن لنا جلسنا. وقال قتادة: نسخ هذه الآية بقوله في سورة «النور» {أية : فَإِذَا ٱسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ} تفسير : [النور: 62]. ذكره النحاس في معاني القرآن له.
ابن كثير
تفسير : قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو حصين بن سليمان الرازي، حدثنا سفيان بن عيينة عن مسعر عن عون قال: هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟ نداء بالعفو قبل المعاتبة فقال: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} وكذا قال مورق العجلي وغيره. وقال قتادة: عاتبه كما تسمعون، ثم أنزل التي في سورة النور، فرخص له في أن يأذن لهم إن شاء، فقال: {أية : فَإِذَا ٱسْتَـئْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ} تفسير : [النور: 62] وكذا روي عن عطاء الخراساني، وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أناس قالوا: استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أذن لكم، فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم، فاقعدوا، ولهذا قال تعالى: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} أي: في إبداء الأعذار، {وَتَعْلَمَ ٱلْكَـٰذِبِينَ} يقول تعالى: هلا تركتهم لما استأذنوك فلم تأذن لأحد منهم في القعود؛ لتعلم الصادق منهم في إظهار طاعتك من الكاذب، فإنهم قد كانوا مصرين على القعود عن الغزو، وإن لم تأذن لهم فيه. ولهذا أخبر تعالى أنه لا يستأذنه في القعود عن الغزو أحد يؤمن بالله ورسوله فقال: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ} أي: في القعود عن الغزو {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ أَن يُجَـٰهِدُواْ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} لأنهم يرون الجهاد قربة، ولما ندبهم إليه بادروا وامتثلوا، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ} أي: في القعود ممن لا عذر له {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} أي لا يرجون ثواب الله في الدار الآخرة على أعمالهم، {وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ} أي: شكت في صحة ما جئتهم به، {فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} أي: يتحيرون، يقدمون رجلاً ويؤخرون أخرى، وليست لهم قدم ثابتة في شيء، فهم قوم حيارى هلكى، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : وكان صلى الله عليه وسلم أذن لجماعة في التخلف باجتهاد منه، فنزل عتاباً له، وقدَّم العفو تطميناً لقلبه:{عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } في التخلف وهلا تركتهم {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ } في العذر {وَتَعْلَمَ ٱلْكَٰذِبِينَ } فيه؟
الشوكاني
.تفسير : الاستفهام في: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } للإنكار من الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم حيث وقع منه الإذن لما استأذنه في القعود قبل أن يتبين من هو صادق منهم في عذره الذي أبداه، ومن هو كاذب فيه. وفي ذكر العفو عنه صلى الله عليه وسلم ما يدلّ على أن هذا الإذن الصادر منه كان خلاف الأولى، وفي هذا عتاب لطيف من الله سبحانه. وقيل: إن هذا عتاب له صلى الله عليه وسلم في إذنه للمنافقين بالخروج معه، لا في إذنه لهم بالقعود عن الخروج. والأوّل: أولى، وقد رخص له سبحانه في سورة النور بقوله: {أية : فَإِذَا ٱسْتَأْذَنُوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ } تفسير : [النور: 62] ويمكن أن يجمع بين الآيتين بأن العتاب هنا متوجه إلى الإذن قبل الاستثبات حتى يتبين الصادق من الكاذب، والإذن هنالك متوجه إلى الإذن بعد الإستثبات، والله أعلم. وقيل: إن قوله: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ } هي افتتاح كلام كما تقول: أصلحك الله، وأعزّك ورحمك، كيف فعلت كذا، وكذا حكاه مكي والنحاس، والمهدوي، وعلى هذا التأويل يحسن الوقف على عفا الله عنك، وعلى التأويل الأوّل: لا يحسن. ولا يخفاك أن التفسير الأوّل هو المطابق لما يقتضيه اللفظ على حسب اللغة العربية، ولا وجه لإخراجه عن معناه العربي. وفي الآية دليل على جواز الاجتهاد منه صلى الله عليه وسلم، والمسألة مدوّنة في الأصول، وفيها أيضاً دلالة على مشروعية الاحتراز عن العجلة، والاغترار بظواهر الأمور، و«حتى» في {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ } للغاية، كأنه قيل: لم سارعت إلى الإذن لهم؛ وهلا تأنيث حتى يتبين لك صدق من هو صادق منهم في العذر الذي أبداه، وكذب من هو كاذب منهم في ذلك؟ ثم ذكر سبحانه أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود عن الجهاد، بل كان من عادتهم أنه صلى الله عليه وسلم إذا أذن لواحد منهم بالقعود شق عليه ذلك. فقال: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ أَن يُجَـٰهِدُواْ } وهذا على أن معنى لآية أن لا يجاهدوا على حذف حرف النفي؛ وقيل المعنى: لا يستأذنك المؤمنون في التخلف كراهة الجهاد؛ وقيل: إن معنى الاستئذان في الشيء الكراهة له، وأما على ما يقتضيه ظاهر اللفظ فالمعنى: لا يستأذنك المؤمنون في الجهاد، بل دأبهم أن يبادروا إليه من غير توقف ولا ارتقاب منهم، لوقوع الإذن منك فضلاً عن أن يستأذنوك في التخلف. قال الزجاج: {أن يجاهدوا} في موضع نصب بإضمار في: أي في أن يجاهدوا: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ } وهم هؤلاء الذين لم يستأذنوا {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ } في القعود عن الجهاد، والتخلف عنه: {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } وهم: المنافقون، وذكر الإيمان بالله أوّلا، ثم باليوم الآخر ثانياً في الموضعين، لأنهما الباعثان على الجهاد في سبيل الله. قوله: {وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ } عطف على قوله: {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } وجاء بالماضي للدلالة على تحقق الريب في قلوبهم، وهو: الشك. قوله: {فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ } أي: في شكهم الذي حلّ بقلوبهم يتحيرون، والتردّد: التحير. والمعنى: فهؤلاء الذين يستأذنونك ليسوا بمؤمنين، بل مرتابين حائرين لا يهتدون إلى طريق الصواب، ولا يعرفون الحق. قوله: {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لاعَدُّواْ لَهُمْ عِدَّةَ } أي: لو كانوا صادقين فيما يدّعونه ويخبرونك به من أنهم يريدون الجهاد معك، ولكن لم يكن معهم من العدّة للجهاد ما يحتاج إليه، لما تركوا إعداد العدّة وتحصيلها قبل وقت الجهاد، كما يستعدّ لذلك المؤمنون، فمعنى هذا الكلام: أنهم لم يريدوا الخروج أصلاً ولا استعدّوا للغزو. والعدّة ما يحتاج إليه المجاهد من الزاد والراحلة والسلاح. قوله: {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ } أي: ولكن كره الله خروجهم، فتثبطوا عن الخروج، فيكون المعنى: ما خرجوا ولكن تثبطوا، لأن كراهة الله انبعاثهم تستلزم تثبطهم عن الخروج، والانبعاث: الخروج، أي حبسهم الله عن الخروج معك وخذلهم، لأنهم قالوا: إن لم يؤذن لنا في الجلوس، أفسدنا وحرّضنا على المؤمنين. وقيل: المعنى: لو أرادوا الخروج لأعدّوا له عدّة، ولكن ما أرادوه لكراهة الله له قوله: {وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ } قيل: القائل لهم هو الشيطان بما يلقيه إليهم من الوسوسة، وقيل: قاله بعضهم لبعض. وقيل: قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم غضباً عليهم. وقيل: هو عبارة عن الخذلان، أي أوقع الله في قلوبهم القعود خذلاناً لهم. ومعنى: {مَعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ } أي: مع أولي الضرر من العميان، والمرضى، والنساء، والصبيان، وفيه من الذمّ لهم والإزراء عليهم والتنقص بهم ما لا يخفى. قوله: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً } هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين عن تخلف المنافقين، والخبال: الفساد والنميمة، وإيقاع الاختلاف والأراجيف. قيل: هذا الاستثناء منقطع، أي ما زادوكم قوّة، ولكن طلبوا الخبال. وقيل المعنى: لا يزيدونكم فيما تردّدون فيه من الرأي إلا خبالاً فيكون متصلاً. وقيل: هو استثناء من أعمّ العام: أي ما زادوكم شيئاً إلا خبالاً. فيكون الاستثناء من قسم المتصل؛ لأن الخبال من جملة ما يصدق عليه الشيء. قوله: {ولأَوْضَعُواْ خِلَـٰلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ } الإيضاع: سرعة السير، ومنه قوله ورقة بن نوفل:شعر : يا ليتني فيها جذع أخبّ فيها وأضع تفسير : يقال: أوضع البعير: إذا أسرع السير. وقيل: الإيضاع: سير الخبب، والخلل: الفرجة بين الشيئين، والجمع الخلال: أي الفرج التي تكون بين الصفوف. والمعنى: لسعوا بينكم بالإفساد بما يختلقونه من الأكاذيب المشتملة على الإرجاف والنمائم الموجبة لفساد ذات البين. قوله: {يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ } يقال: بغيته كذا: طلبته له، وأبغيته كذا: أعنته على طلبه. والمعنى: يطلبون لكم الفتنة في ذات بينكم بما يصنعونه من التحريش والإفساد. وقيل: الفتنة هنا الشرك. وجملة: {وَفِيكُمْ سَمَّـٰعُونَ لَهُمْ } في محل نصب على الحال، أي والحال أنّ فيكم من يستمع ما يقولونه من الكذب، فينقله إليكم فيتأثر من ذلك الاختلاف بينكم، والفساد لإخوانكم {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ } وبما يحدث منهم لو خرجوا معكم، لذلك اقتضت حكمته البالغة أن لا يخرجوا معكم، وكره انبعاثهم معكم، ولا ينافي حالهم هذا لو خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقدّم من عتابه على الإذن لهم في التخلف؛ لأنه سارع إلى الإذن لهم، ولم يكن قد علم من أحوالهم لو خرجوا أنهم يفعلون هذه الأفاعيل، فعوتب صلى الله عليه وسلم على تسرّعه إلى الإذن لهم قبل أن يتبين له الصادق منهم في عذره من الكاذب، ولهذا قال الله سبحانه فيما يأتي في هذه السورة: {أية : فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا } تفسير : [التوبة: 83] الآية، وقال في سورة الفتح: {سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ } إلى قوله: {أية : قُل لَّن تَتَّبِعُونَا } تفسير : [الفتح: 15]. قوله: {لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ } أي: لقد طلبوا الإفساد والخبال وتفريق كلمة المؤمنين وتشتيت شملهم من قبل هذه الغزوة التي تخلفوا عنك فيها. كما وقع من عبد الله بن أبيّ وغيره {وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ }. قوله: {وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأَمُورَ } أي: صرّفوها من أمر إلى أمر، ودبروا لك الحيل والمكائد، ومنه قول العرب حوّل قلب إذا كان دائراً حول المكائد والحيل، يدير الرأي فيها ويتدبره. وقرىء «وقلبوا» بالتخفيف {حَتَّىٰ جَاء ٱلْحَقُّ } أي: إلى غاية هي مجيء الحق، وهو النصر لك والتأييد {وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ } بإعزاز دينه، وإعلاء شرعه، وقهر أعدائه. وقيل: الحق: القرآن {وَهُمْ كَـٰرِهُونَ } أي: والحال أنهم كارهون لمجيء الحق وظهور أمر الله، ولكن كان ذلك على رغم منهم {وَمِنْهُمُ } أي: من المنافقين {مَن يِقُولُ } لرسول الله صلى الله عليه وسلم {ٱئْذَن لّي } في التخلف عن الجهاد {وَلاَ تَفْتِنّى } أي: لا توقعني في الفتنة، أي الإثم، إذا لم تأذن لي فتخلفت بغير إذنك؛ وقيل: معناه: لا توقعني في الهلكة بالخروج {أَلا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ } أي: في نفس الفتنة سقطوا، وهي: فتنة التخلف عن الجهاد، والاعتذار الباطل. والمعنى: أنهم ظنوا أنهم بالخروج أو بترك الإذن لهم يقعون في الفتنة، وهم بهذا التخلف سقطوا في الفتنة العظيمة. وفي التعبير بالسقوط ما يشعر بأنهم وقعوا فيها وقوع من يهوى من أعلى إلى أسفل، وذلك أشدّ من مجرّد الدخول في الفتنة، ثم توعدهم على ذلك فقال: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَـٰفِرِينَ } أي: مشتملة عليهم من جميع الجوانب لا يجدون عنها مخلصاً، ولا يتمكنون من الخروج منها بحال من الأحوال. وقد أخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن جرير عن عمرو بن ميمون، قال: اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين، وأخذه من الأسارى، فأنزل الله: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عون بن عبد الله، قال: ما سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة. فقال: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ }. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ } الآية قال: ناس قالوا استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أذن لكم، فاقعدوا. وإن لم يأذن لكم، فاقعدوا. وأخرج النحاس في ناسخه، عن ابن عباس في قوله: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } الثلاث الآيات، قال: نسخها: {أية : فَإِذَا ٱسْتَـذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ } تفسير : [النور: 62]. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في ناسخه، عنه، في قوله: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } الآية قال: هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا في القعود عن الجهاد بغير عذر، وعذر الله المؤمنين فقال: {أية : فَإِذَا ٱسْتَأْذَنُوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ } تفسير : [النور: 62]. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عنه، أيضاً في قوله: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ } الآيتين قال: نسختها الآية التي في سورة النور: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } إلى {أية : إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [النور: 62]. فجعل الله النبي صلى الله عليه وسلم بأعلى النظرين في ذلك، من غزا غزا في فضيلة، ومن قعد قعد في غير حرج إن شاء الله. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله: {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ } قال: خروجهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {فَثَبَّطَهُمْ } قال: حبسهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن زيد، في قوله: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً } قال: هؤلاء المنافقون في غزوة تبوك. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله: {ولأَوْضَعُواْ خِلَـٰلَكُمْ } قال: لأسرعوا بينكم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {ولأَوْضَعُوا خِلَـٰلَكُمْ } قال: لأرفضوا {يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ } يبطئونكم: عبد الله بن نبتل، وعبد الله بن أبيّ ابن سلول، ورفاعة بن تابوت، وأوس بن قيظي {وَفِيكُمْ سَمَّـٰعُونَ لَهُمْ } محدّثون لهم بأحاديثكم غير منافقين، وهم عيون للمنافقين. وأخرج ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة، عن ابن عباس، قال: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى غزوة تبوك، قال لجدّ بن قيس: "حديث : يا جدّ بن قيس، ما تقول في مجاهدة بني الأصفر؟"تفسير : فقال: يا رسول الله، إني امرؤ صاحب نساء، ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن، فأذن لي ولا تفتني، فأنزل الله: {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لّي } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن عائشة، نحوه أيضاً. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَلاَ تَفْتِنّى } قال: لا تخرجني {أَلا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ } يعني: في الخروج. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {وَلاَ تَفْتِنّى } قال: لا تؤثمني {أَلا فِى ٱلْفِتْنَةِ } قال: ألا في الإثم، وقصة تبوك مذكورة في كتب الحديث والسير فلا نطول بذكرها.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً} فيه وجهان: أحدهما: صدق العزم ونشاط النفس. والثاني: الزاد والراحلة في السفر، ونفقة الأهل في الحضر. {وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انْبَِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ} وإنما كره انبعاثهم لوقوع الفشل بتخاذلهم كعبد الله بن أبي بن سلول، والجد بن قيس. {وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ} فيه وجهان: أحدهما: مع القاعدين بغير عذر، قاله الكلبي. والثاني: مع القاعدين بعذر من النساء والصبيان، حكاه علي بن عيسى. وفي قائل ذلك قولان: أحدهما: أنه النبي صلى الله عليه وسلم، غضباً عليهم، لعلمه بذلك منهم. والثاني: أنه قول بعضهم لبعض. قوله عز وجل {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} يعني اضطراباً حكاه ابن عيسى. والثاني: فساداً، قاله ابن عباس. فإن قيل: فلم يكونوا في خبال فيزدادوا بهؤلاء الخارجين خبالاً. قيل هذا من الاستثناء المنقطع، وتقديره: ما زادوكم قوة، ولكن أوقعوا بينكم خبالاً. {وَلأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} أما الإيضاع فهو إسراع السير، ومنه قول الراجز: شعر : يا ليتني فيها جذع أخُبّ فيها وأضَعْ تفسير : وأما الخلال فهو من تخلل الصفوف وهي الفُرَج تكون فيها، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : تَرَاصُّوا فِي الصُّفُوفِ وَلاَ يَتَخَلَّلْكُمْ، كَأَولاَدِ الحذف يَعْنِي الشَّيَاطِينَ" تفسير : والخلال هو الفساد، وفيه ها هنا وجهان: أحدهما: لأسرعوا في إفسادكم. والثاني: لأوضعوا الخلف بينكم. وفي الفتنة التي يبغونها وجهان: أحدهما: الكفر. والثاني: اختلاف الكلمة وتفريق الجماعة. {وَفِيكُمْ سّمَّاعُونَ لَهُمْ} وفيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: وفيكم من يسمع كلامهم ويطيعهم، قاله قتادة وابن إسحاق. والثاني: وفيكم عيون منكم ينقلون إلى المشركين أخباركم، قاله الحسن.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية في صنف مبالغ في النفاق واستأذنوا دون اعتذار، منهم عبد الله بن أبيّ والجد بن قيس ورفاعة بن التابوت ومن اتبعهم فقال بعضهم إيذن لي ولا تفتني وقال بعضهم إيذن لنا في الإقامة فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم استيفاء منه صلى الله عليه وسلم، وأخذاً بالأسهل من الأمور وتوكلاً على الله، وقال مجاهد إن بعضهم قال نستأذنه فإن أذن في القعود قعدنا وإلا قعدنا فنزلت الآية في ذلك. وقالت فرقة: إن رسول صلى الله عليه وسلم، أذن لهم دون أن يؤمر بذلك فعفي عنه ما يلحق من هذا، وقدم له ذكر العفو قبل العتاب إكراماً له صلى الله عليه وسلم، وقال عمرو بن ميمون الأودي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، صدع برأيه في قصتين دون أن يؤمر فيهما بشيء. هذه، وأمر أسارى بدر، فعاتبه الله فيهما، وقالت فرقة بل قوله في هذه الآية {عفا الله عنك } استفتاح كلام، كما تقول أصلحك الله وأعزك الله، ولم يكن منه صلى الله عليه وسلم، ذنب يعفى عنه لأن صورة الاستنفار قبول الإعذار مصروفة إلى اجتهاده، وأما قوله {لم أذنت } فهي على معنى التقرير، وقوله {الذين صدقوا} يريد استئذانك وأنك لو لم تأذن لهم خرجوا معك وقوله {وتعلم الكاذبين} يريد في أنهم استأذنوك يظهرون لك أنهم يقفون عند حدك وهو كذبة قد عزموا على العصيان أذنت لهم أو لم تأذن، وقال الطبري معناه حتى تعلم الصادقين في أن لهم عذراً والكاذبين في أن لا عذر لهم. قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا التأويل يختلط المتعذرون وقد قدمنا أن فيهم مؤمنين كالمستأذنين وهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر والأول أصوب والله أعلم. وأدخل الطبري أيضاً في تفسير هذه الآية عن قتادة أن هذه الآية نزلت بعدها الآية الأخرى في سورة النور {أية : فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم} تفسير : [الآية:62]. قال القاضي أبو محمد: هذا غلط لأن آية النور نزلت سنة أربع من الهجرة في غزوة الخندق في استئذان بعض المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم، في بعض شأنهم في بيوتهم في بعض الأوقات، فأباح الله له أن يأذن فتباينت الآيتان في الوقت والمعنى، وقوله {لا يستأذنك} الآية. نفي عن المؤمنين أن يستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في التخلف دون عذر كما فعل الصنف المذكور من المنافقين، وقوله {أن يجاهدوا } يحتمل أن تكون {أن} في موضع نصب على معنى لا يستأذنون في التخلف كراهية أن يجاهدوا، قال سيبويه ويحتمل أن تكون في موضع خفض. قال القاضي أبو محمد: على معنى لا يحتاجون إلى أن يستأذنوا في أن يجاهدوا بل يمضون قدماً، أي فهم أحرى ألا يستأذنوا في التخلف، ثم أخبر بعلمه تعالى {بالمتقين} وفي ذلك تعيير للمنافقين وطعن عليهم بين.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق في المصنف وابن جرير عن عمرو بن ميمون الأودي رضي الله عنه قال: اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمر فيهما بشيء إذنه للمنافقين وأخذه من الأسارى، فأنزل الله {عفا الله عنك لم أذنت لهم} الآية. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مورق العجلي رضي الله عنه قال: سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا، بدأ بالعفو قبل المعاتبة فقال {عفا الله عنك لم أذنت لهم} . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {عفا الله عنك لم أذنت لهم} قال: ناس قالوا: استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أذن لكم فاقعدوا وإن لم يأذن لكم فاقعدوا. وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {عفا الله عنك لم أذنت لهم...} الآيات الثلاث. قال: نسختها {أية : فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم} تفسير : [سورة: 62]. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله {عفا الله عنك لم أذنت لهم...} الآية. قال: ثم أنزل الله بعد ذلك في سورة النور {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم}.
ابو السعود
تفسير : {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ} صريحٌ في أنه سبحانه وتعالى قد عفا عنه عليه الصلاة والسلام ما وقع منه عند استئذانِ المتخلفين في التخلف معتذرين بعدم الاستطاعةِ، وإذنُه كان اعتماداً على أَيْمانهم ومواثيقِهم لخلوها عن المزاحِم من ترك الأولى والأفضلِ الذي هو التأنّي والتوقفُ إلى انجلاء الأمرِ وانكشافِ الحالِ، وقولُه عز وجل: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} أي لأي سببٍ أذِنْتَ لهم في التخلف حين اعتلّوا بعللهم بـيانٌ لما أشير إليه بالعفو من ترك الأولى وإشارةٌ إلى أنه ينبغي أن تكون أمورُه عليه الصلاة والسلام منوطةً بأسباب قويةٍ موجبةٍ لها أو مصححةٍ وأن ما أبرزوه في معرض التعلل والاعتذارِ مشفوعاً بالأيمان كان بمعزل من كونه سبباً للإذن قبل ظهورِ صدقِه، وكلتا اللامَين متعلقةٌ بالإذن لاختلافهما في المعنى فإن الأولى للتعليل والثانيةُ للتبليغ، والضميرُ المجرورُ لجميع المستأذِنين، وتوجهُ الإنكار إلى الإذن باعتبار شمولِه للكل لا باعتبار تعلّقِه بكل فردٍ لتحقق عدمِ استطاعةِ بعضِهم كما ينبىء عنه قوله سبحانه: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} أي فيما أَخبروا به عند الاعتذارِ من عدم الاستطاعةِ من جهة المالِ أو من جهة البدن أو من جهتهما معاً حسبما عنّ لهم هناك. {وَتَعْلَمَ ٱلْكَـٰذِبِينَ} في ذلك فتعامِلَ كلاًّ من الفريقين بما يستحقه وهو بـيانٌ لذلك الأولى والأفضلِ، وتحضيضٌ له عليه الصلاة والسلام عليه، فإن كلمة حتى سواءٌ كانت بمعنى اللامِ أو بمعنى إلى لا يمكن تعلقُها بقوله تعالى: {لِمَ أَذِنتَ} لاستلزامه أن يكون إذنُه عليه الصلاة والسلام لهم معلّلاً أو مُغيّاً بالتبـين والعلم ويكون توجُّهُ الاستفهامِ إليه من تلك الحيثيةِ وذلك بـيِّنُ الفسادِ بل بما يدل عليه ذلك، كأنه قيل: لم سارعت إلى الإذن لهم وهلاّ تأنّيت حتى ينجليَ الأمر كما هو قضيةُ الحزْم قال قتادة وعمرو بنُ ميمون: اثنان فعلهما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمَر فيهما بشيء: إذنُه للمنافقين وأخذهُ الفداءَ من الأُسارى فعاتبه الله تعالى كما تسمعون. وتغيـيرُ الأسلوب بأن عبّر عن الفريق الأولِ بالموصول الذي صلتُه فعلٌ دالٌّ على الحدوث وعن الفريق الثاني باسم الفاعلِ المفيدِ للدوام للإيذان بأن ما ظهر من الأوّلين صدقٌ حادثٌ في أمر خاص غيرُ مصحِّحٍ لنظمهم في سلك الصادقين، وأن ما صدر من الآخَرين وإن كان كذباً حادثاً متعلقاً بأمر خاص لكنه أمرٌ جارٍ على عادتهم المستمرةِ ناشىءٌ عن رسوخهم في الكذب. والتعبـيرُ عن ظهور الصدقِ بالتبـين وعما يتعلق بالكذب بالعلم لما هو المشهورُ من أن مدلولَ الخبر هو الصدقُ والكذبُ احتمالٌ عقلي فظهورُ صدقِه إنما هو تبـيّنُ ذلك المدلولِ وانقطاعُ احتمالِ نقيضِه بعد ما كان محتمِلاً له احتمالاً عقلياً وأما كذبُه فأمرٌ حادثٌ لا دِلالة للخبر عليه في الجملة حتى يكونَ ظهورُه تبـيّناً له بل هو نقيضٌ لمدلوله فما يتعلق به يكون عِلْماً مستأنفاً، وإسنادُه إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لا إلى المعلومين ببناء الفعلِ للمفعول مع إسناد التبـيّنِ إلى الأولين لما أن المقصودَ هٰهنا علمُه عليه الصلاة والسلام بهم ومؤاخذتُهم بموجبه بخلاف الأولين حيث لا مؤاخذةَ عليهم ومن لم يتنبَّه لهذا قال: حتى يتبـين لك مَنْ صدق في عذره ممن كذَب فيه، وإسنادُ التبـيُّنِ إلى الأولين وتعليقُ العلمِ بالآخَرين ـ مع أن مدارَ الإسنادِ والتعلقِ أو لا وبالذات هو وصفُ الصدقِ والكذب كما أشير إليه ـ لما أن المقصِدَ هو العلمُ بكلا الفريقين باعتبار اتصافِهما بوصفهما المذكورَين ومعاملتِهما بحسب استحقاقِهما لا العلمُ بوصفيهما بذاتيهما أو باعتبار قيامِهما بموصوفيهما. هذا وفي تصدير فاتحةِ الخطابِ ببشارة العفوِ دون ما يوهم العتابَ من مراعاة جانبِه عليه الصلاة والسلام وتعهده بحسن المفاوضةِ ولُطفِ المراجعةِ ما لا يخفى على أولي الألباب. قال سفيانُ بن عيـينة: انظرُ إلى هذا اللطفِ بدأ بالعفو قبل ذكر المعفوّ. ولقد أخطأ وأساء الأدبَ وبئسما فعل ـ فيما قال وكتب ـ مَنْ زعم أن الكلام كنايةٌ عن الجناية وأن معناه أخطأتَ وبئسما فعلتَ. هبْ أنه كنايةٌ أليس إيثارُها على التصريح بالجناية للتلطيف في الخطاب والتخفيفِ في العتاب، وهب أن العفوَ مستلزِمٌ للخطأ فهل هو مستلزمٌ لكونه من القبح واستتباعِ اللائمة بحيث يصحِّح هذه المرتبةَ من المشافهة بالسوء أو يسوِّغُ إنشاءَ الاستقباحِ بكلمة بئسما المنبئةِ عن بلوغِ القبحِ إلى رتبة يتُعجَّب منها ولا يخفى أنه لم يكن في خروجهم مصلحةٌ للدين أو منفعةٌ للمسلمين بل كان فساداً وخَبالاً حسبما نطَق به قولُه عز وجل: {أية : لَوْ خَرَجُواْ } تفسير : [التوبة: 47] الخ، وقد كرِهه سبحانه كما يفصح عنه قوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ } تفسير : [التوبة: 46] الآية. نعم كان الأولى تأخيرُ الإذن حتى يظهر كذبُهم آثرَ ذي أثيرٍ ويفتضحوا على رؤوس الأشهادِ ولا يتمكنوا من التمتع بالعيش على الأمن والدعةِ ولا يتسنّى لهم الابتهاجُ فيما بـينهم بأنهم غرُّوه عليه الصلاة والسلام وأرضَوْه بالأكاذيب على أنه لم يهنأ لهم عيشٌ ولا قرت لهم عينٌ إذ لم يكونوا على أمن واطمئنانٍ بل كانوا على خوف من ظهور أمرِهم وقد كان.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} [الآية: 43]. قيل: إن الله عز وجل إذا عاتب أنبياءه وأولياءه عاتبهم ببر قبلها أو بعدها، ألاَ تراه يقول: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}. وقال الحسين بن منصور: الأنبياء مبسطون على مقاديرهم واختلاف مقاماتهم، وكل ربط مع حظه باستعماله الأدب بين يدى الحق، وكل أثيب على ترك الاستعمال فمنهم النبى صلى الله عليه وسلم فإنه أنس قبل التأنيب، ومنهم من أنس بعد التأنيب على اختلاف إذ لو أنس بعد التأنيب لتفطر لقربه من الحق وذلك أن الله عز وجل أمره بقوله: { أية : فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ } تفسير : [النور: 62] ثم قال مؤنبًا له على ذلك: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} فلو قال لم أذنت لهم عفا الله عنك لذاب وهذا غاية القرب، وقال تعالى حاكيًا عن نوح أنه قال: { أية : رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ }تفسير : [هود: 45]. مؤنبًا له وأنسه بعد التأنيب {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} تفسير : [هود: 46] إلى قوله {أية : أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} تفسير : [هود: 46]. ولو ولم يؤنسه بعد التأنيب لتفطر، وهذا مقام نوح وليس المفضول بمقصر إذ كل منهم له رتبة من الحق. قال ابن عطاء: عوتب كل نبى بذنبه، ثم غفر له وغفر لمحمد صلى الله عليه وسلم قبل موافقة الذنب فقال: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} إحلالاً له.
القشيري
تفسير : لم يكن منه صلى الله عليه وسلم خرْقُ حَدٍّ أو تعاطي محظورٍ، وإنما نذر منه ترك ما هو الأَوْلى. قَدَّم الله ذِكْرَ العفو على الخطاب الذي هو في صورة العتاب بقوله: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}. أو مِنْ جواز الزَّلة على الأنبياء - عليهم السلام - إذ لم يكن ذلك في تبليغ أمر أو تمهيد شرع بقول قائله: أنشدوا بالعفو قبل أن وقف للعذر وكذا سُنَّة الأحباب مع الأحباب، قال قائلهم: شعر : ما حطَّك الواشون عن رتبة عندي ولا ضَرَّك مُغْتَابُ كأنهم أَثْنَوْا - ولم يعلموا - عليكَ عندي بالذي عابوا تفسير : ويقال حسناتُ الأعداء - وإن كان حسنات - فكالمردودة، وسيئات الأحباب - وإن كانت سيئات - فكالمغفورة: شعر : مَنْ ذا يؤاخِذُ مَنْ يحبُّ بِذَنْبِه وله شفيعٌ في الفؤاد مُشَفِّع
البقلي
تفسير : قوله تعالى: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} ان من سنة الله سبحانه اذا اراد ان يفتح كنزا من كنوز غرائب علمه ونوال قربه ولطايف وصلته على احد من احبائه واصفيائه وانبيائه اوقعهم فى محل الامتحان واجرى عليه ذلة من ذلل الحدثان حتى يضيق صدره بالغيبة ويذوق قلبه مرارة الغرقة ويذوب روحه من الندامة ويطيح عقله من حشمة العتاب ويزول شجه من دار الاحتجاب فيطلع الله شمس عزة جلاله من مطلع قلبه وينتسم صبح الوصال من مشرق روحه ويبدوا انوار الصفات من روازن اسراره ويشرق سبحات الذات فى ارض فواده ويتنور مجامع عقله بظهور سنا افعاله فيرى العبد فى البسط بعد القبض مشاهدة بديهية ووصلة ابدية وخطايا سرمدية يطير بانوارها فى الازال والاباد ويصير ذلته زلفة وذنبه كشف وصله ويقابل الله منا ذنبه بجميع حسنات العالمين لانه مصطفى فى الازل عجبته ومحبتى بنوال قربه فى القدم ويكون سيئاته حسنات وزلاته زلفات لانه مختار الله فى ارضه وعروسه بين عباده جميع حركاته تقع حسنة وافعاله تكون عند الله مستحسنة وهكذا شان الاحباب المحب يعتبذر لزلة حبيبه ويعشق على غيرة معشوقه لان من كان حسناً فما يبدوا منه ايضاً يكون حسناً.فان نطقت جاءت بكل ملاحة، وان سكنت جاءت بكل جميل. ملاحته وحسن وجهه يعتذر لذنبه فى وجه شافع يمحو اساءته عن القلوب ويا ويأتى بالمعاذير واذا لجيب الى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع. ما حظك الواشون عن رتبة عندى وما ضرك مغتابُ. كأنهم ائنوا ولم يعلموا عليك عندى بالذى عابوا. ولما سبقت الاصطفائية له قبل وقوع المعاملات سبق منه العفولة قبل الزلات كان عليه السّلام من عظمته فى المعرفة اذا اجرى عليه حكم له موقع العتاب خاطبه الله قبله بعفو وتلطف حتى لا يفنى وجوده فى رؤية جلاله وهيبته من حدة الحياء والاحتشاء ولا يكون الا لمن كان معرفته كاملة الا ترى الى قوله عليه السّلام انا اعرفكم بالله واخوفكم منه قيل ان الله اذا عاتب انبيائه عاتبهم ببر قبلها او بعدها الا يراه بقول عفا الله عنك وقال الحسين بن منصور قدس الله روحه الانبياء مبسوطون على مقاديرهم واختلاف مقابلتهم وكل يطيع حظه باستعامال الادب بين يدى الحق وكل ادب على ترك الاستعمال فمنهم من انس قبل التاديب ومنهم من انس بعد التأديب على اختلاف مقاماتهم فاما محمد صلى الله عليه وسلم فانه انس قبل التأديب اذ لو انس بعد التأديب لتفطر لقربه من الحق وذلك ان الحق تعالى امره بقوله ياذن لمن شئت منهم ثم قال مودباً له على ذلك عفا الله عنك لذا وبهذا غاية القرب وقال تعالى حاكياً عن نوح عليه السّلام اى ابنى من اهلى وان وعدك الحق مؤدباً له وأنسه بعد التأديب انه ليس من اهلك الى قوله انى اعظك ان تكون من الجاهلين ولو لم يونسه بعد التأديب ليفطر وهذا مقام نوح عليه السّلام وليس المفضول بمقصر اذ كل منهم له رتبة من الحق ولى نكتة من عجيب الخطاب ان لفظ المسامحة والانس جرى على فعل الماضى لا على فعل المستقبل وكلامه تعالى ازلى اى عفا الله عنك فى الازل قبل وجود العمل ففرح فواده بعفوه السابق له ثم استعمل الانبساط معه بموضع الاستفهام من الامر بوصف الاستيناس والبسط ولو قال ان الله يعفو عنك لكان مستوحشاً فى موقع الخطاب لان المرجو ليس كالمدرك.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: لنبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ؛ ملاطفاً له في الكلام: {عفا اللَّه عنك لم أذنتَ لهم}، لِمَ بادرت إلى الإذن إلى المنافقين في التخلف، واستكفيت بالإذن العام في قولنا: {أية : فَأذَن لِّمن شئتَ مَنهُم} تفسير : [النور: 62]، فإن الخواص من المقربين لا يكتفون بالإذن العام، بل يتوقفون إلى الإذن الخاص. ولذلك عُوتِبَ يونس عليه السلام. والمعنى: لأي شيء أذنت لهم في القعود حين استأذنوك واعتذروا لك بأكاذيب؟ وهلا توقفت {حتى يتبين لك الذين صدقوا} في الاعتذار، {وتعلم الكاذبين} فيه. قال ابن عطية: قوله: {الذين صدقوا} يريد: في استئذانك، وأَنك لو لم تأذن لهم لخرجوا معك، وقوله: {وتعلم الكاذبين} يريد: أنهم استأذنوك يظهرون لك أنهم يقفون عند حدِّك، وهم كَذَبة، قد عزموا على العصيان، أذِنتَ أو لم تأذن. هـ. قال ابن جزي: كانوا قد قالوا: استأذنوه في القعود، فإن إذن لنا قعدنا، وإن لم يأذن قعدنا، وإنما كان يظهر الصادق من الكاذب لو لم يأذن لهم، فحينئذٍ كان يقعد العاصي والمنافق، ويسافر المطيع الصادق. هـ. {لا يستأذنُك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يُجاهدوا بالله واليوم الآخر أن يُجاهدوا بأموالهم وأنفسهم} أي: ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا، بل الخُلَّص منهم يُبادرون إليه، ولا يوقفُونه على الإذن فيه، فضلاً عن أن يستأذنوا في التخلف عنه، {والله عليم بالمتقين}؛ فيثيبهم ويقربهم، وهي شهادة لهم بالتقوى وَعِدَةً لهم بثوابه. {إنما يستأذنكَ} في التخلف {الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر}، وخصص ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر؛ إشعاراً بأن الباعث على الجهاد والوازع عنه: الإيمان وعدم الإيمان بهما، {وارتابت قلوبهم} أي: شكَّت في الإيمان والبعث، {فهم في ريبهم يترددُون}: يتحيرون. ونزلت الآية في عبد الله بن أُبيّ والجَدُّ بن قيْس، وأمثالهما من المنافقين. الإشارة: لا ينبغي للعارفين بالله؛ الداعين إلى الله، أن يأذنوا لمن استأذنهم في التخلف عن الجهاد الأكبر، ويرخصون له في البقاء مع النفس والهوى، وجمع حطام الدنيا، شفقةُ ورحمةً؛ لأن الشفقة في هذا المعنى لا تليق بأهل التربية، فقد قالوا: الشفقة والرطوبة لا تليق بشيوخ التربية، بل لا يليق بهم إلا الأمر بما تموت به النفوس، وتحيا به الأرواح، وإن كان فيه حتفُهم. وقد قالوا أيضاً: إذا كان الشيخ يحرش على المريد، ويقدمه للمهالك في نفسه أو ماله أو جاهه، فهو دليل على أنه يحبه وينصحه، وإذا كان يرخص له في أمورنفسه، ويأمره بالمقام معها، فهو غير ناصح له. وأما الإذن في التجريد وعدمه: فإن رآه أهلاً له؛ لنفوذ عزمه، فيجب عليه أن يأمره به، وإن رآه لا يليق به؛ لعوارض قامت به؛ منعه منه، حتى ينظر ما يفعل الله به، وسأل رجلٌ القطبَ ابنَ مشيش، فقال له: يا سيدي؛ استأذنك في مجاهدة نفسي؟ فقال له: {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين إنما يستئذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون}. ثم ذكر سبب تخلفهم، وهو عدم الإرادة، فقال: {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ}.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب فيه بعض العتاب للنبي صلى الله عليه وآله في إذنه من استأذنه في التأخر فأذن له، فأخبر الله بأنه كان الأولى ان لا تأذن لهم وتلزمهم الخروج معك حتى اذا لم يخرجوا ظهر نفاقهم؛ لأنه متى أذن لهم ثم تأخروا لم يعلم بالنفاق كان تأخرهم أم بغيره. وكان الذين استأذنوه منافقين. وحقيقة العفو الصفح عن الذنب، ومثله الغفران، وهو ترك المؤاخذة على الاجرام. وقد كان يجوز أن يعفو الله عن جميع المعاصي كفراً كان او غيره، غير أنه أخبر أنه لا يعفو عن عقاب الكفر، لاجماع الامة على ذلك، وما عداه من الفسق باق على ما كان عليه من الجواز. وانما قال {عفا الله عنك} على غير لفظ المتكلم لأنه أفخم من الكناية لأن هذا الاسم من اسماء التعظيم كما أن قولك إن رأي الامير افخم من قولك إني رأيت. وقال ابو على الجبائي: في الآية دلالة على ان النبي صلى الله عليه وآله كان وقع منه ذنب في هذا الاذن. قال: لأنه لا يجوز أن يقال لم فعلت ما جعلت لك فعله؟ كما لا يجوز أن يقول لم فعلت ما أمرتك بفعله. وهذا الذي ذكره غير صحيح، لأن قوله {عفا الله عنك} إنما هي كلمة عتاب له صلى الله عليه وآله لم فعل ما كان الأولى به أن لا يفعله، لأنه وان كان له فعله من حيث لم يكن محظوراً فان الأولى ان لا يفعله، كما يقول القائل لغيره إذا رآه يعاتب أخاً له: لم عاتبته وكلمته بما يشق عليه؟ وان كان له معاتبته وكلامه بما يثقل عليه. وكيف يكون ذلك معصية وقد قال الله في موضع آخر: {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم} وإنما اراد الله أنه كان ينبغي أن ينتظر تاكيد الوحي فيه. ومن قال هذا ناسخ لذلك فعليه الدلالة. وقوله {لم أذنت} فالاذن رفع التبعة، عاتب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله لم أذن لقوم من المتأخرين عن الخروج معه إلى تبوك وإن كان له اذنهم لكن كان الاولى ان لا يأذن {حتى يتبين لك} حتى يظهر لك {الذين صدقوا} في قولهم لو استطعنا لخرجنا معكم؛ لأنه كان فيهم من اعتل بالمرض والعجز وعدم الحمولة {وتعلم الكاذبين} منهم في هذا القول.
الجنابذي
تفسير : {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} اى لمطلق المستأذنين فى القعود {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ} فى الاعتذار وهذا فى الحقيقة عتاب وتوبيخ للمستأذنين بغير عذرٍ على طريقة: ايّاك اعنى واسمعى يا جارة، وهذا من ألطف طرق مخاطبة ذوى الحظر يعاتبون مقرّبيهم ويريدون غيرهم تعريضاً واسقاطاً لذلك الغير عن شأنيّة المخاطبة والمشافهة وبدء قبل التّوبيخ والمعاتبة بالعفو تلطّفاً به.
الهواري
تفسير : قوله: { عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الكَاذِبِينَ} كان المنافقون يأتون النبي عليه السلام فيعتلون بالمرض وبأشياء أكذبهم الله فيها فقال: {وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}. ثم قال للنبي عليه السلام: {عَفَا اللهُ عَنكَ} والعفو من الله لا يكون إلا بعد ذنب، {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}، أي للمنافقين، {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا}، أي: من له عذر، {وَتَعْلَمَ الكَاذِبِينَ} أي: من لا عذر له. ثم قال: { لاَ يَسْتَئْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} أي يتقون الله { وَالْيَوْمِ الأَخِرِ} أي ويتقون اليوم الآخر { أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} كراهية للجهاد، فيتخلفوا عنك ولا عذر لهم. {وَاللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ} والتقوى اسم للأعمال الصالحة. { إِنَّمَا يَسْتَئْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ} أي لا يتقون الله. { وَالْيَوْمِ الأَخِرِ} أي ولا يتقون اليوم الآخر. كقوله: (أية : وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ) تفسير : [البقرة: 281]، كراهية للجهاد. قوله: { وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ} أي وشكت قلوبهم في أن لا يعذبهم الله بالتخلف عن الجهاد بعد إقرارهم بالله وبالنبي. { فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ} أي في شكهم { يَتَرَدَّدُونَ} أي: متحيِّرون. ولم يكن ارتيابهم شكاً في الله ولا في نبيه ولا في شيء مما جاء به، بل كانوا موقنين بذلك كله، وإنما كان لارتيابهم وشكهم في أن لا يعذبهم الله بتخلفهم عن نبي الله بعد إقرارهم وتوحيدهم. قال مجاهد: قال أناس من المنافقين: استأذنوا رسول الله، فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا. وقال بعضهم: نزلت هذه الآية: {عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} فيما اعتذروا به إليك، وهم المؤمنون، وتعلم الكاذبين فيما اعتذروا به إليك وهم المنافقون. ثم أنزل الله بعد ذلك الرخصة للمؤمنين خاصة دون المنافقين:{فَإِذَا اسْتَئْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ} قال في سورة النور: (أية : إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَئْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَئْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَئْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) تفسير : [النور:62].
اطفيش
تفسير : {عَفَا اللهُ عَنْك} كناية عن أنه فعل ما ينبغى أن لا يفعله وهو الإذن لهم فى القعود، كما بينه بقوله: {لِمَ أذِنْتَ لَهم} وهذا عتاب وزجر عن المعاودة بعد العفو، وذلك عتاب على ترك الأولى لا ذنب، وذلك من اللطف والإكرام بمكان، بدأ بالعفو قبل ذكر ما عنه العفو، وقال عمرو بن ميمون الأودى: صدع رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه فى قضيتين دون أن يؤمر فيهما بشىء: هذه وأمر أسارى بدر فى الفداء، فعاتبه الله فيهما. وليس العتاب بعد حصول العفو مستحيلا، بل مستعمل كثير، وفائدته تأكيد الزجر والتوقيف على عين لا عن العفو، كما يعاتب السعيد يوم القيامة، وقد بشر فى قبره أو عند موته بالجنة، ذلك هو الذى ظهر لى. قال الشيخ هود رحمه الله، وجار الله، والقاضى ما حاصله: إن العفو كناية عن أنه لم يصب فى الإذن، وأن العفو إنما يكون عن ذنب، وهو من روادف ذلك، ولا بأس بذلك، لأن المراد أن إذنه ولو كان غير ذنب لكنه كالذنب فى حقه صلى الله عليه وسلم، بل جوز بعضهم الصغائر فى حق الأنبياء، وقال السعد: أجاز الكثيرون الصغائر على الأنبياء سهوا منهم عليهم السلام، ولكن فى عبارة جار الله خشونة، إذ قال: أخطأت وبئس ما فعلت، وما كان يحسن له أن يعبر بذلك، وقد راعى الله سبحانه وتعالى مخافته ووقاره بتقديم العفو، وذكر الإذن المنبىء عن علو المرتبة، وقوة التصرف، وأراد الكلام فى صورة الاستفهام، وإن كان القصد إلى الإنكار. وقيل: قوله: {عفا الله عنك} استفتاح كلام بخير، كما تقول: أعزك الله، وأصلحك الله ما فعلت فى أمرى، ولا ذنب هناك، أو فيه ترك الأولى، وفى حديث: "حديث : عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق" تفسير : مع أنه لم تلزم صدقة فيهما قط، بل قال القشيرى: إنما يقول: إن العفو ولا يكون إلا عن ذنب، ولم يعرف كلام العرب، وإن معنى: {عفا الله عنك} لم يلزمك ذنب، كما يقال: لا بأس عليك. وقيل: المعنى عافاك الله، وقيل: أدام لك العفو كيف يكون إذنه ذنبا، مع أن ذلك من جنس ما يتعلق إلى اجتهاده فى الحروب ومصالح الدنيا، قيل: ومع أن الله سبحانه وتعالى قد قال له: {أية : فأذن لمن شئت منهم} تفسير : قلت: بل قال هذا فى المؤمنين، وآية هذه السورة فى المنافقين. {حتَّى يتبيَّنَ} متعلق بمحذوف، أى هلا توقفت حتى يتبين، ويجوز أن يكون المراد الزجر عن معاودة مثل ذلك فيقدر لا تأذن لهم {لَكَ الَّذينَ صدقُوا} فى اعتذار {وتَعْلم الكَاذِبينَ} فيه، والفريقان منافقون، وقيل: مختلطون، والصادقون مؤمنون وهو ضعيف، بل يجوز ألا يكون فيهم صادق فى اعتذاره أصلا، ولكن أتى الله بذلك الكلام تتميما للعتاب، كأنه قال: لم أذنت لهم قبل تبين الصادق لو كان فيهم والكاذب، وقيل: الذين صدقوا فى أنهم لو لم تأذن لهم لخرجوا معك، والكاذبين لأنهم لا يعرجون ولو لم تأذن لهم، وفى كتاب الناسخ والمنسوخ إن قوله سبحانه وتعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} منسوخ بقوله: {أية : فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم} تفسير : بل قيل: إن الآيات الثلاث إلى {يترددون} منسوخات به، وهو إلى ما يتأتى على قول قتادة: أن آية النور نزلت بعد هذه، ورد بأن آية النور نزلت سنة أربع من الهجرة فى غزوة الخندق، فى استئذان بعض المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل: هو عمر.
الالوسي
تفسير : {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} أي لأي سبب أذنت لهؤلاء الحالفين المتخلفين في التخلف حين استأذنوا فيه معتذرين بعدم الاستطاعة، وهذا عتاب لطيف من اللطيف الخبير سبحانه لحبيبه صلى الله عليه وسلم على ترك الأولى وهو التوقف عن الإذن إلى انجلاء الأمر وانكشاف الحال المشار إليه بقوله سبحانه: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} أي فيما أخبروا به عند الاعتذار من عدم الاستطاعة {وَتَعْلَمَ ٱلْكَـٰذِبِينَ} أي في ذلك. فحق سواء كانت بمعنى اللام أو إلى متعلقة بما يدل عليه {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} كؤنه قيل: لم سارعت إلى الإذن لهم ولم تتوقف حتى ينجلي الأمر كما هو قضية الحزم اللائق بشأنك الرفيع يا سيد أولي العزم. ولا يجوز أن تتعلق بالمذكور نفسه مطلقاً لاستلزامه أن يكون إذنه عليه الصلاة والسلام لهم معللاً أو مغيا بالتبين / والعلم ويكون توجه الاستفهام إليه من تلك الحيثية وهو بين الفساد، وكلتا اللامين متعلقة بالإذن وهما مختلفتان معنى فإن الأولى للتعليل والثانية للتبليغ والضمير المجرور لجميع من أشير إليه. وتوجيه الإنكار إلى الإذن باعتبار شموله للكل لا باعتبار تعلقه بكل فرد فرد لتحقق عدم استطاعة البعض على ما ينبىء عنه ما في حيز {حَتَّىٰ } والتعبير عن الفريق الأول بالموصول الذي صلته فعل دال على الحدوث وعن الفريق الثاني باسم الفاعل المفيد للدوام للإيدان بأن ما ظهر من الأولين صدق حادث في أمر خاص غير مصحح لنظمهم في سلك الصادقين وأن ما صدر من الآخرين وإن كان كذباً حادثاً متعلقاً بأمر خاص لكنه جار على عادتهم المستمرة ناشىء عن رسوخهم في الكذب، والتعبير عن ظهور الصدق بالتبين وعما يتعلق بالكذب بالعلم لما اشتهر من أن مدلول الخبر هو الصدق والكذب احتمال عقلي وإسناد العلم له صلى الله عليه وسلم دون المعلومين بأن يبنى الفعل للمفعول مع إسناد التبين للأولين لما أن المقصود هٰهنا علمه عليه الصلاة والسلام بهم ومؤاخذتهم بموجبه بخلاف الأولين حيث لا مؤاخذة عليهم؛ وإسناد التبين إليهم وتعليف العلم بالآخرين من أن مدار الإسناد والتعلق أولا وبالذات هو وصف الصدق والكذب كما أشير إليه لما أن القصد هو العلم بكلا الفريقين باعتبار اتصافهما بوصفيهما المذكورين ومعاملتهما بحسب استحقاقهما لا العلم بالوصفين بذاتيهما أو باعتبار قيامهما بموصوفيهما قاله شيخ الإسلام ولا يخفى حسنه. وفي تصدير الخطاب بما صدر به تعظيم لقدر النبـي صلى الله عليه وسلم وتوقير له وتوقير لحرمته عليه الصلاة والسلام، وكثيراً ما يصدر الخطاب بنحو ما ذكر لتعظيم المخاطب فيقال: عفا الله تعالى عنك ما صنعت في أمري؟ ورضي الله سبحانه عنك ما جوابك عن كلامي؟ والغرض التعظيم، ومن ذلك قول علي بن الجهم يخاطب المتوكل وقد أمر بنفيه:شعر : عفا الله عنك ألا حرمة تجود بفضلك يا ابن العلا ألم تر عبداً عدا طوره ومولى عفا ورشدا هدى أقلني أقالك من لم يزل يقيك ويصرف عنك الردى تفسير : ومما ينظم في هذا السلك ما روي من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لقد عجبت من يوسف عليه السلام وكرمه وصبره والله تعالى يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني» تفسير : . وأخرج ابن المنذر وغيره عن عون بن عبد الله قال: سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا بدأ بالعفو قبل المعاتبة. وقال السجاوندي: إن فيه تعليم تعظيم النبـي صلوات الله سبحانه عليه وسلامه ولولا تصدير العفو في العتاب لما قام بصولة الخطاب. وعن سفيان بن عيينة أنه قال: انظروا إلى هذا اللطف بدأ بالعفو قبل ذكر المعفو. ولقد أخطأ وأساء الأدب وبئسما فعل فيما قال وكتب صاحب «الكشاف» كشف الله تعالى عنه ستره ولا أذن له ليذكر عذره حيث زعم أن الكلام ((كناية عن الجناية وأن معناه أخطأت وبئسما فعلت)). وفي «الانتصاف» ((ليس له أن يفسر هذه الآية بهذا التفسير وهو بين أحد الأمرين إما أن لا يكون هو المراد أو يكون ولكن قد أجلَّ الله تعالى نبيه الكريم عن مخاطبته (بذلك ولطف به في الكناية عنه أفلا يتأدب بآداب الله) خصوصاً في حق المصطفى صلى الله عليه وسلم، فعلى التقديرين هو ذاهل عما يجب من حقه عليه الصلاة والسلام)). ويا سبحان الله من أين أخذ عامله الله تعالى بعدله ما عبر عنه ببئسما، والعفو لو سلم مستلزم للخطأ فهو / غير مستلزم لكونه من القبح واستتباع اللائمة بحيث يصحح هذه المرتبة من المشافهة بالسوء ويسوغ إنشاء الاستقباح بكلمة بئسما المنبئة عن بلوغ القبح إلى رتبة يتعجب منها، واعتذر عنه صاحب «الكشف» حيث قال: أراد أن الأصل ذلك وأبدل بالعفو تعظيماً لشأنه صلى الله عليه وسلم وتنبيهاً على لطف مكانه ولذلك قدم العفو على ذكر ما يوجب الجناية، وليس تفسيره هذا بناءاً على أن العدول إلى عفا الله لا للتعظيم حتى يخطأ. وأما المستعمل لمجرد التعظيم فهو إذا كان دعاء لا خبراً، على أن الدعاء قد يستعمل للتعريض بالاستقصاء كقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : رحم الله تعالى أخي لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد» تفسير : وتحقيقه أنه لا يخلو عن حقارة بشأن المخاطب أو الغائب حسب اختلاف الصيغة، وأما التعظيم أو التعريض فقد وقد انتهى، ولا يخفى ما فيه فهو اعتذار غير مقبول عند ذوي العقول، وكم لهذه السقطة في «الكشاف» نظائر، ولذلك امتنع من إقرائه بعض الأكابر كالإمام السبكي عليه الرحمة، وليت العلامة البيضاوي لم يتابعه في شيء من ذلك. هذا واستدل بالآية من زعم صدور الذنب منه عليه الصلاة والسلام، وذلك من وجهين: الأول: أن العفو يستدعي سابقة الذنب. الثاني: أن الاستفهام الإنكاري بقوله سبحانه: {لِمَ أَذِنتَ} يدل على أن ذلك الإذن كان معصية، والمحققون على أنها خارجة مخرج العتاب كما علمت على ترك الأولى والأكمل قالوا: لا يخفى أنه لم يكن كما في خروجهم مصلحة للدين أو منفعة للمسلمين بل كان فيه فساد وخبال حسبما نطق به قوله تعالى: {أية : لَوْ خَرَجُواْ } تفسير : [التوبة: 47] الخ، وقد كرهه سبحانه وتعالى كما يفصح عنه قوله جل وعلا: {أية : وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ } تفسير : [التوبة: 46] الآية، نعم كان الأولى تأخير الإذن حتى يظهر كذبهم ويفتضحوا على رؤوس الأشهاد، ولا يتمكنوا من التمتع بالعيش على الأمن والدعة ولا يتسنى لهم الابتهاج فيما بينهم بأنهم غروه صلى الله عليه وسلم وأرضوه بالأكاذيب على أنهم لم يهنأ لهم عيش ولا قرت لهم عين إذ لم يكونوا على أمن واطمئنان بل كانوا على خوف من ظهور أمرهم وقد كان. ومن الناس من ضعف الاستدلال بالآية على ما ذكر بأنا لو نسلم أن {عَفَا ٱللَّهُ} يستدعي سابقة الذنب والسند ما أشرنا إليه فيما مر سلمنا لكن لا نسلم أن قوله سبحانه: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} مقول على سبيل الإنكار عليه عليه الصلاة والسلام لأنه لا يخلو إما أن يكون صدر منه صلى الله عليه وسلم ذنب في هذه الواقعة أو لم يصدر وعلى التقديرين يمتنع أن يكون ما ذكر إنكاراً، أما على الأول فلأنه إذا لم يصدر عنه ذنب فكيف يتأتى الإنكار عليه، وأما على الثاني فلأن صدر الآية يدل على حصول العفو وبعد حصوله يستحيل توجه الإنكار فافهم. واستدل بها جمع على أن له صلى الله عليه وسلم اجتهاداً وأنه قد يناله منه أجر واحد والوجه فيه ظاهر، وما فعله صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة أحد أمرين فعلهما ولم يؤمر بفعلهما كما أخرج ابن جرير وغيره عن عمرو بن ميمون، ثانيهما أخذه صلى الله عليه وسلم الفداء من الأسارى وقد تقدم. وادعى بعضهم الحصر في هذين الأمرين، واعترض بأنه غير صحيح فإن لهما ثالثا وهو المذكور في سورة التحريم وغير ذلك كالمذكور في سورة عبس، وأجيب بأنه يمكن تقييد الأمرين بما يتعلق بأمر الجهاد والله تعالى ولي الرشاد.
ابن عاشور
تفسير : استأذن فريق من المنافقين النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخلّفوا عن الغزوة، منهم عبد الله بنُ أبَيْ ابن سَلُول، والجِدّ بن قَيس، ورفاعة بن التابوت، وكانوا تسعة وثلاثين واعتذروا بأعذار كاذبة وأذن النبي صلى الله عليه وسلم لمن استأذنه حملا للناس على الصدق، إذ كان ظاهر حالهم الإيمان، وعلماً بأنّ المعتذرين إذا ألجئوا إلى الخروج لا يغنون شيئاً، كما قال تعالى: {أية : لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً}تفسير : [التوبة: 47] فعاتب الله نبيئه صلى الله عليه وسلم في أنْ أذن لهم، لأنّه لو لم يأذن لهم لقعدوا، فيكون ذلك دليلاً للنبيء صلى الله عليه وسلم على نفاقهم وكذبهم في دعوى الإيمان، كما قال الله تعالى: {أية : ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم}تفسير : [محمد: 30]. والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً لأنّه غرض أنف. وافتتاح العتاب بالإعلام بالعفو إكرام عظيم، ولطافة شريفة، فأخبره بالعفو قبل أن يباشره بالعِتاب. وفي هذا الافتتاح كناية عن خفّة موجِب العتاب لأنّه بمنزلة أن يقال: ما كان ينبغي، وتسمية الصفح عن ذلك عَفْواً ناظر إلى مغزى قول أهل الحقيقة: حسنات الأبرار سيّئاتُ المقرَّبين. وألقي إليه العتاب بصيغة الاستفهام عن العلّة إيماء إلى أنّه ما أذن لهم إلاّ لسبب تَأوَّلَه ورجَا منه الصلاح على الجلمة بحيث يُسْأل عن مثله في استعمال السؤال من سائل يطلب العلم وهذا من صيغ التلطّف في الإنكار أو اللوم، بأن يظهر المنكِر نفسه كالسائِل عن العلّة التي خفيت عليه، ثم أعقبه بأنّ ترك الإذن كان أجدر بتبيين حالهم، وهو غرض آخر لم يتعلّق به قصد النبي صلى الله عليه وسلم وحذف متعلِّق {أذنت} لظهوره من السياق، أي لم أذنت لهم في القعود والتخلف. و{حتَّى} غاية لفعل {أذنت} لأنّه لما وقع في حيز الاستفهام الإنكاري كان في حكم المنفي فالمعنى: لا مقتضيَ للإذن لهم إلى أن يتبيّن الصادق من الكاذب. وفي زيادة {لك} بعد قوله: {يتبين} زيادة ملاطفة بأنّ العتاب ما كان إلاّ عن تفريط في شيء يعود نفعه إليه، والمراد بالذين صدقوا: الصادقون في إيمانهم، وبالكافرين الكاذبين فيما أظهروه من الإيمان، وهم المنافقون. فالمراد بالذين صدقوا المؤمنون.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 43- لقد عفا الله عنك - أيها الرسول - فى إذنك لهؤلاء المنافقين فى التخلف عن الجهاد، قبل أن تتبيَّن أمرهم، وتعلم الصادق من أعذارهم إن كان، كما تعرف الكاذبين منهم فى ادعائهم الإيمان وفى انتحال الأعذار غير الصادقة. 44- ليس من شأن المؤمنين حقاً بالله، وحسابه فى اليوم الآخر، أن يستأذنوك فى الجهاد بالمال والنفس، أو فى التخلف عنك، لأن صدق إيمانهم يحبب إليهم الجهاد فى سبيل الله. والله يعلم صدق نِيَّات المؤمنين. 45- إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون إيماناً صادقاً بالله وحسابه فى اليوم الآخر، فإن قلوبهم دائماً فى شك وريبة، وهم يعيشون فى حيرة، وسينالون جزاء ذلك. 46- ولو صدقت نيَّة هؤلاء المنافقين فى الخروج مع الرسول للجهاد، لأخذوا أهبة الحرب واستعدوا لها، ولكن الله كره خروجهم لعلمه أنهم لو خرجوا معكم لكانوا عليكم لا لكم، فعوّقهم عن الخروج بما امتلأت به قلوبهم من النفاق، وقال قائلهم: اقعدوا مع القاعدين من أصحاب المعاذير. 47- ولو خرجوا معكم إلى الجهاد ما زادوكم بخروجهم قوة، ولكن يُشيعون الاضطراب أو يُسرعون إلى الفتنة، ويشيعونها فيما بينكم، وفيكم مَنْ يجهل خُبث نيَّاتهم، ويمكن أن يُخْدَع بكلامهم، أو لضعفه يسمع دعوتهم إلى الفتنة، والله عليم بهؤلاء المنافقين الذين يظلمون أنفسهم بما أضمروه من الفساد.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكَاذِبِينَ} (43) - لَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْكَ، يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ، فِيمَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُكَ مِنَ الإِذْنِ لَهُمْ بِالْقُعُودِ، حِينَ اسْتَأَذَنُوكَ، فَهَلاَّ تَرَيَّثْتَ فِي الإِذْنِ لَهُمْ، وَتَوَقَّفْتَ عَنْهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ أَمْرُهُمْ، وَيَنْجَلِيَ وَضْعُهُمْ، فَتَعْرِفَ الصَّادِقِينَ مِنْهُمْ وَالْكَاذِبِينَ فِي اعْتِذَارِهِمْ، فَتُعَامِلَ كُلاًّ بِمَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَامَلَ بِهِ؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكلمة {عَفَا} تدل على أن هناك أثراً قد مُحي؛ تماماً كما يمشي إنسان في الرمال؛ فتُحْدِث أقدامه أثراً، ثم تأتي الريح فتملأ مناطق هذا الأثر بالرمال وتزيله. وهي تُطلق في الدين على محو الله سبحانه وتعالى لذنوب عباده فلا يعاقبهم عليها. وما دام الإنسان قد استغفر من ذنبه وقال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، فلا يجب أن يحرجه أحد بعد ذلك، ولا أن يعايره أحد، فقد استغفر عند من يملك الملك كله، وهو وحده سبحانه الذي يملك العفو والمغفرة، فلا يُدْخِلنَّ أحدكم نفسه في هذه المسألة، ولا يجب أن يحرج إنسان مذنباً ما دام قد استغفر مَنْ يملك العفو، ومن يسمع مستغفراً عليه أن يقول: عفا الله عنك. ولا أحد يعرف إن كان الله قد عفا عنه أم لا، فَلْتُعِنْهُ بالدعاء له، ومن يعاير مذنباً نقول له: تأدب؛ لأنه لم يرتكب الذنب عندك، ولكنه ارتكبه عند ربه، وإذا كان من يستغفر من ذنبه لا يُحرج به بين الناس، فما بالنا بعفو الله سبحانه القادر وحده على العفو. وهنا يقدم الحق سبحانه العفو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أذن لهم بالقعود عن القتال، ثم يأتي القرآن من بعد ذلك ليؤكد أن ما فعله رسول الله بالإذن لهم بالقعود كان صواباً، فيقول في موضع آخر من نفس السورة: {أية : لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} تفسير : [التوبة: 47]. إذن: فلو أنهم خرجوا لكانوا سبباً في الهزيمة، لا من أسباب النصر. وصوَّبَ الحق عمل الرسول، وهو صلى الله عليه وسلم له العصمة. وهنا نحن أمام عفو من الله، على الرغم من عدم وجود ذنب يُعفى عنه، وهنا أيضاً إذن من الرسول لهم بالقعود، ونزل القرآن ليؤكد صوابه. وهناك من فهم قول الحق: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} على أنها استفهام استنكاري، وكأن الحق يقول: كيف أذِنْتَ لهم بالعفو؟ إذن: فرسول الله بين أمرين: بين عفو لا يُذْكَرُ بعده ذنب، واستفهام يفيد عند البعض الإنكار. ونقول: إن الحق سبحانه وتعالى أيَّد رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} تفسير : [التوبة: 47]. فكأن الرسول قد هُدِيَ إلى الأمر بفطرته الإيمانية، وقد أشار القرآن إلى ذلك؛ ليوضح لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم وفطرته سليمة، وكان عليه أن يقدم البيان العقلي للناس؛ لأنه الأسوة حتى لا يأتي من بعده واحد من عامة الناس ليفتي في مسألة دينية ويقول: أنا رأيت بفطرتي كذا، بل لا بد أن يتبين الإنسان ما جاء في القرآن والسنة قبل أن يفتي في أمر من أمور الدين. وعلى سبيل المثال: اختلف الأمر بين المسلمين في مسألة الفداء لأسرى بدر ونزل القول الحق: {أية : لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}تفسير : [الأنفال: 68]. وأيَّد الله حكم رسوله وأبقاه. إذن فرسول الله صلى الله عليه وسلم هُدِي إلى الأمر بفطرته الإيمانية، ولكن هذا الحق لا يباح لغير معصوم. وقد أباح الحق سبحانه الاستئذان في قوله: {أية : فَإِذَا ٱسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ} تفسير : [النور: 62]. والحق سبحانه وتعالى يقول هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ} وهكذا يتبين لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أذن لهم بالمقدمات والبحث والفطرة، ورأى أن الإذن لهؤلاء المتخلفين هو أمر يوافق مراد الحق سبحانه؛ لأنهم لو خرجوا مع جيش المسلمين ما زادوهم إلا خبالاًً، لعدم توافر النية الصادقة في الجهاد؛ لذلك ثبطهم الله، وأضعف عزيمتهم حتى لا يخرجوا. والعفو هنا جاء في شكلية الموضوع، حيث كان يجب التبيُّن قبل الإذن، فيقول الحق سبحانه: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ} أي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو لم يأذن لهم لكانوا قد انكشفوا، ولكن إذنه لهم أعطاهم ستاراً يسترون به نفاقهم، فهم قد عقدوا النية على ألا يخرجوا، ولو فعلوا ذلك لافتُضِحَ أمرهم للمسلمين جميعاً، فشاء الرسول صلى الله عليه وسلم أن يسترهم. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ} [الآية: 43]. وذلك أَنه قال ناس: استأْذِنوا الرسول، فإِن أَذن لكم فاقعدوا، وإِن لم يأْذن لكم فانفروا قال مجاهد في قوله: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} [الآية: 43]. إِلى قوله:{أية : مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ}تفسير : [الآية: 91]. ما بينهما في المنافقين. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ} [الآية: 47] يعني: لا رفضّوا. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ} [الآية: 47]. يعني: يبطئونكم. يعني: عبد الله بن نبتل، ورفاعة بن تابوت، وعبد الله بن أُبيّ بن سلول، وأَوس ابن قيظي. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [الآية: 47]. يعني: محدثين بأَحاديثكم عيون غير منافقين. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد قال: لما قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اغزوا معي تبوكاً، تغنموا بنات الأًَصفر، نساءََ الروم. قالوا: ائذن لنا ولا تفْتنَّا بالنساءِ. يقول الله: {أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} [الآية: 49]. أنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ} [الآية: 50] يعني: حذرنا. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ} [الآية: 52]. يعني: القتل في / 30و / سبيل الله، أَو الظهور على أَعداءِ الله. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً} [الآية: 57]: محرزاً لهم يأْوون إِليه منكم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: { عَفَا اللَّهُ عَنْكَ } أي: سامحك وغفر لك ما أجريت. { لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ } في التخلف { حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ } بأن تمتحنهم، ليتبين لك الصادق من الكاذب، فتعذر من يستحق العذر ممن لا يستحق ذلك. ثم أخبر أن المؤمنين باللّه واليوم الآخر، لا يستأذنون في ترك الجهاد بأموالهم وأنفسهم، لأن ما معهم من الرغبة في الخير والإيمان، يحملهم على الجهاد من غير أن يحثهم عليه حاث، فضلا عن كونهم يستأذنون في تركه من غير عذر. { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ } فيجازيهم على ما قاموا به من تقواه، ومن علمه بالمتقين، أنه أخبر، أن من علاماتهم، أنهم لا يستأذنون في ترك الجهاد. { إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ } أي: ليس لهم إيمان تام، ولا يقين صادق، فلذلك قلَّتْ رغبتهم في الخير، وجبنوا عن القتال، واحتاجوا أن يستأذنوا في ترك القتال. { فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ } أي: لا يزالون في الشك والحيرة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):