٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
44
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: قوله: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ } أي بعد غزوة تبوك، وقال الباقون: هذا لا يجوز، لأن ما قبل هذه الآية وما بعدها وردت في قصة تبوك، والمقصود من هذا الكلام تمييز المؤمنين عن المنافقين، فإن المؤمنين متى أمروا بالخروج إلى الجهاد تبادروا إليه ولم يتوقفوا، والمنافقون يتوقفون ويتبلدون ويأتون بالعلل والأعذار. وهذا المقصود حاصل سواء عبر عنه بلفظ المستقبل أو الماضي، والمقصود أنه تعالى جعل علامة النفاق في ذلك لوقت الاستئذان، والله أعلم. المسألة الثانية: قوله: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ أَن يُجَـٰهِدُواْ } فيه محذوف، والتقدير: في أن يجاهدوا. إلا أنه حسن الحذف لظهوره، ثم ههنا قولان: القول الأول: إجراء هذا الكلام على ظاهره من غير إضمار آخر، وعلى هذا التقدير فالمعنى أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا، وكان الأكابر من المهاجرين والأنصار يقولون لا نستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد، فإن ربنا ندبنا إليه مرة بعد أخرى، فأي فائدة في الاستئذان؟ وكانوا بحيث لو أمرهم الرسول بالقعود لشق عليهم ذلك، ألا ترى أن علي بن أبي طالب لما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يبقى في المدينة شق عليه ذلك ولم يرض إلى أن قال له الرسول: «حديث : أنت مني بمنزلة هرون من موسى».تفسير : القول الثاني: أنه لا بد ههنا من إضمار آخر، قالوا لأن ترك استئذان الإمام في الجهاد غير جائز، وهؤلاء ذمهم الله في ترك هذا الاستئذان، فثبت أنه لا بد من الإضمار، والتقدير: لا يستأذنك هؤلاء في أن لا يجاهدوا، إلا أنه حذف حرف النفي، ونظير قوله: { أية : يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } تفسير : [النساء: 176] والذي دل على هذا المحذوف أن ما قبل الآية وما بعدها يدل على أن حصول هذا الذم إنما كان على الاستئذان في القعود، والله أعلم. ثم قال تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: بين أن هذا الانتقال لا يصدر إلا عند عدم الإيمان بالله واليوم الآخر ثم لما كان عدم الإيمان قد يكون بسبب الشك فيه، وقد يكون بسبب الجزم والقطع بعدمه، بين تعالى أن عدم إيمان هؤلاء إنما كان بسبب الشك والريب، وهذا يدل على أن الشاك المرتاب غير مؤمن بالله. وههنا سؤالان: السؤال الأول: أن العلم إذا كان استدلالياً كان وقوع الشك في الدليل يوجب وقوع الشك في المدلول، ووقع الشك في مقدمة واحدة من مقدمات الدليل يكفي في حصول الشك في صحة الدليل، فهذا يقتضي أن الرجل المؤمن إذا وقع له سؤال وإشكال في مقدمة من مقدمات دليله أن يصير شاكاً في المدلول، وهذا يقتضي أن يخرج المؤمن عن إيمانه في كل لحظة، بسبب أنه خطر بباله سؤال وإشكال، ومعلوم أن ذلك باطل، فثبت أن بناء الإيمان ليس على الدليل بل على التقليد. فصارت هذه الآية دالة على أن الأصل في الإيمان هو التقليد من هذا الوجه. والجواب: أن المسلم وإن عرض له الشك في صحة بعض مقدمات دليل واحد إلا أن سائر الدلائل سليمة عنده من الطعن، فلهذا السبب بقي إيمانه دائماً مستمراً. السؤال الثاني: أليس أن أصحابكم يقولون: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، وذلك يقتضي حصول الشك؟ والجواب: أنا استقصينا في تحقيق هذه المسألة في سورة الأنفال، في تفسير قوله: { أية : أُوْلـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً } تفسير : [الأنفال: 74]. المسألة الثانية: قالت الكرامية: الإيمان هو مجرد الإقرار مع أنه تعالى شهد عليهم في هذه الآية بأنهم ليسوا مؤمنين. المسألة الثالثة: قوله: {وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ } يدل على أن محل الريب هو القلب فقط، ومتى كان محل الريب هو القلب كان محل المعرفة، والإيمان أيضاً هو القلب، لأن محل أحد الضدين يجب أن يكون هو محلاً للضد الآخر، ولهذا السبب قال تعالى: { أية : أُوْلَـئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلإيمَـٰنَ } تفسير : [المجادلة: 22] وإذا كان محل المعرفة والكفر القلب، كان المثاب والمعاقب في الحقيقة هو القلب والبواقي تكون تبعاً له. المسألة الرابعة: قوله: {فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ } معناه أن الشاك المرتاب يبقى متردداً بين النفي والإثبات، غير حاكم بأحد القسمين ولا جازم بأحد النقيضين. وتقريره: أن الاعتقاد إما أن يكون جازماً أو لا يكون، فالجازم إن كان غير مطابق فهو الجهل وإن كان مطابقاً، فإن كان غير يقين فهو العلم، وإلا فهو اعتقاد المقلد. وإن كان غير جازم، فإن كان أحد الطرفين راجحاً فالراجح هو الظن والمرجوح هو الوهم. وإن اعتدل الطرفان فهو الريب والشك، وحينئذ يبقى الإنسان متردداً بين الطرفين. ثم قال تعالى: {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً } قرىء {عدته} وقرىء أيضاً {عِدَّةَ } بكسر العين بغير إضافة وبإضافة، قال ابن عباس: يريد من الزاد والماء والراحلة، لأن سفرهم بعيد وفي زمان شديد، وتركهم العدة دليل على أنهم أرادوا التخلف. وقال آخرون: هذا إشارة إلى أنهم كانوا مياسير قادرين على تحصيل الأهبة والعدة. ثم قال تعالى: {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الانبعاث: الانطلاق في الأمر، يقال بعثت البعير فانبعث وبعثته لأمر كذا فانبعث، وبعثه لأمر كذا أي نفذه فيه، والتثبيط رد الإنسان على الفعل الذي هم به، والمعنى: أنه تعالى كره خروجهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم فصرفهم عنه. فإن قيل: إن خروجهم مع الرسول إما أن يقال إنه كان مفسدة وإما أن يقال إنه كان مصلحة. فإن قلنا: إنه كان مفسدة، فلم عاتب الرسول في إذنه إياهم في القعود؟ وإن قلنا: إنه كان مصلحة، فلم قال إنه تعالى كره انبعاثهم وخروجهم؟ والجواب الصحيح: أن خروجهم مع الرسول ما كان مصلحة، بدليل أنه تعالى صرح بعد هذه الآية وشرح تلك المفاسد وهو قوله: { أية : لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً } تفسير : [التوبة: 47] بقي أن يقال فلما كان الأصوب الأصلح أن لا يخرجوا، فلم عاتب الرسول في الإذن؟ فنقول: قد حكينا عن أبي مسلم أنه قال: ليس في قوله { أية : لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } تفسير : [التوبة:43] أنه عليه الصلاة والسلام كان قد أذن لهم في القعود، بل يحتمل أن يقال إنهم استأذنوه في الخروج معه فأذن لهم، وعلى هذا التقدير فإنه يسقط السؤال، قال أبو مسلم والدليل على صحة ما قلنا إن هذه الآية دلت على أن خروجهم معه كان مفسدة، فوجب حمل ذلك العتاب على أنه عليه الصلاة والسلام أذن لهم في الخروج معه، وتأكد ذلك بسائر الآيات، منها قوله تعالى: { أية : فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا } تفسير : [التوبة: 83] ومنها قوله تعالى: { أية : سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ } تفسير : [الفتح: 15] إلى قوله: { أية : قُل لَّن تَتَّبِعُونَا } تفسير : [الفتح: 15] فهذا دفع هذا السؤال على طريقة أبي مسلم. والوجه الثاني: من الجواب أن نسلم أن العتاب في قوله: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } إنما توجه لأنه عليه الصلاة والسلام أذن لهم في القعود، فنقول: ذلك العتاب ما كان لأجل أن ذلك القعود كان مفسدة، بل لأجل أن إذنه عليه الصلاة والسلام بذلك القعود كان مفسدة وبيانه من وجوه: الأول: أنه عليه الصلاة والسلام أذن قبل إتمام التفحص وإكمال التأمل والتدبر، ولهذا السبب قال تعالى: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } والثاني: أن بتقدير أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يأذن لهم في القعود؛ فهم كانوا يقعدون من تلقاء أنفسهم، وكان يصير ذلك القعود علامة على نفاقهم، وإذا ظهر نفاقهم احترز المسلمون منهم ولم يغتروا بقولهم، فلما أذن الرسول في القعود بقي نفاقهم مخفياً وفاتت تلك المصالح. والثالث: أنهم لما استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب عليهم وقال: {ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ } على سبيل الزجر كما حكاه الله في آخر هذه الآية وهو قوله: {وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ } ثم إنهم اغتنموا هذه اللفظة وقالوا: قد أذن لنا فقال تعالى: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } أي لم ذكرت عندهم هذا اللفظ الذي أمكنهم أن يتوسلوا به إلى تحصيل غرضهم؟ الرابع: أن الذين يقولون الاجتهاد غير جائز على الأنبياء عليهم السلام قالوا: إنه إنما أذن بمقتضى الاجتهاد، وذلك غير جائز، لأنهم لما تمكنوا من الوحي وكان الإقدام على الاجتهاد مع التمكن من الوحي جارياً مجرى الإقدام على الاجتهاد مع حصول النص، فكما أن هذا غير جائز فكذا ذاك. المسألة الثانية: قالت المعتزلة البصرية: الآية دالة على أنه تعالى كما هو موصوف بصفة المريدية هو موصوف بصفة الكارهية، بدليل قوله تعالى: {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ } قال أصحابنا: معنى {كَرِهَ ٱللَّهُ } أراد عدم ذلك الشيء. قال البصرية: العدم لا يصلح أن يكون متعلقاً، وذلك لأن الإرادة عبارة عن صفة تقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر، والعدم نفي محض، وأيضاً فالعدم المستمر لا تعلق للإرادة بالعدم به، لأن تحصيل الحاصل محال، وجعل العدم عدماً محال، فثبت أن تعلق الإرادة بالعدم محال، فامتنع القول بأن المراد من الكراهة إرادة العدم. أجاب أصحابنا: بأنا نفسر الكراهة في حق الله بإرادة ضد ذلك الشيء، فهو تعالى أراد منهم السكون، فوقع التعبير عن هذه الإرادة بكونه تعالى كارهاً لخروجهم مع الرسول. المسألة الثالثة: احتج أصحابنا في مسألة القضاء والقدر بقوله تعالى: {فَثَبَّطَهُمْ } أي فكسلهم وضعف رغبتهم في الانبعاث، وحاصل الكلام فيه لا يتم إلا إذا صرحنا بالحق، وهو أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي إليه، فإذا صارت الداعية فاترة مرجوحة امتنع صدور الفعل عنه، ثم إن صيرورة تلك الداعية جازمة أو فاترة، إن كانت من العبد لزم التسلسل، وإن كانت من الله؛ فحينئذ لزم المقصود. لأن تقوية الداعية ليست إلا من الله، ومتى حصلت تلك التقوية لزم حصول الفعل، وحينئذ يصح قولنا في مسألة القضاء والقدر. ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: {وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المقصود منه التنبيه على ذمهم وإلحاقهم بالنساء والصبيان والعاجزين الذين شأنهم القعود في البيوت، وهم القاعدون والخالفون والخوالف على ما ذكره في قوله: { أية : رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوٰلِفِ } تفسير : [التوبة:87، 93]. المسألة الثانية: اختلفوا في أن هذا القول ممن كان؟ فيحتمل أن يكون القائل بذلك هو الشيطان على سبيل الوسوسة، ويحتمل أن يكون بعضهم قال ذلك لبعض لما أرادوا الاجتماع على التخلف، لأن من يتولى الفساد يحب التكثر بأشكاله، ويحتمل أن يكون القائل هو الرسول صلى الله عليه وسلم لما أذن لهم في التخلف فعاتبه الله، ويحتمل أن يكون القائل هو الله سبحانه لأنه قد كره خروجهم للإفساد، وكان المراد إذا كنتم مفسدين فقد كره الله انبعاثكم على هذا الوجه فأمركم بالقعود عن هذا الخروج المخصوص.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي في القعود ولا في الخروج، بل إذا أمرت بشيء ابتدروه؛ فكان الاستئذان في ذلك الوقت من علامات النفاق لغير عذر؛ ولذلك قال: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ}. روىٰ أبو داود عن ابن عباس قال: «لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ» نسختها التي في «النور» «إنَّما الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمنُوْا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ـ إلى قوله ـ غَفُورٌ رَحِيمٌ» {أَن يُجَاهِدُواْ} في موضع نصب بإضمار في؛ عن الزجاج. وقيل: التقدير كراهية أن يجاهدوا؛ كقوله: {أية : يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ}تفسير : [النساء: 176]. {وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ} شكّتْ في الدِّين. {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} أي في شكهم يذهبون ويرجعون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لا يَسْتئْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الأَخِرِ} في التخلُّف عن {أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ }.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} الآية. أي: لا يستأذنوك في التخلف {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ}. قوله: "أَن يُجَاهِدُواْ" فيه وجهان: أظهرهما: أنَّهُ متعلقُ "الاستئذان"، أي: لا يستأذنوك في الجهادِ، بل يمضُون فيه غير مترددين. والثاني: أن متعلق "الاستئذان" محذوف و "أن يُجاهدُوا" مفعولٌ من أجله، تقديره: لا يستأذنك المؤمنون في الخروج والقعود كراهة أن يجاهدوا، بل إذا أمرتُهم بشيءٍ بادروا إليه. وقال بعضهم: لا بدّ في الكلام من إضمار آخر؛ لأنَّ ترك استئذان الإمام في الجهادِ غير جائز، فلا بدَّ من إضمار، والتقديرُ: لا يستأذنك هؤلاء في أن لا يجاهدوا، إلاَّ أنَّه حذف حرف النفي كقوله: {أية : يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ}تفسير : [النساء:176] ويدلُّ على هذا المحذوف أنَّ ما قبل الآية، وما بعدها يدل على أن هذا الذم إنَّما كان على الاستئذان في القعود. قوله تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} الآية. بيَّن أنَّ هذا الاستئذان لا يصدر إلاَّ عند عدم الإيمان باللهِ واليوم الآخر، ولمَّا كان عدم الإيمان قد يكون بسبب الشَّك فيه، وقد يكون بسبب القطع والجزم بعدمه، بيَّن تعالى أنَّ عدم إيمان هؤلاء، إنَّما كان بسبب الشك والريب، فدلَّ على أنَّ الشَّاك المرتاب غير مؤمن بالله وقد تقدَّم الكلام على هذه المسألة في سورة الأنفال عند قوله: {أية : أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً}تفسير : [الأنفال:4] ثم قال: {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} أي: متحيرين. قوله: {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً}. قرأ العامة "عُدَّة" بضمِّ العين وتاء التأنيث، وهي الزَّادُ والراحلةُ، وجميعُ ما يحتاج إليه المسافرُ. وقرأ محمد بنُ عبد الملك بن مروان، وابنه معاوية "عُدَّهُ" كذلك، إلاَّ أنَّهُ جعل مكان تاء التأنيث هاء ضمير غائب، يعود على "الخُرُوجِ". واختلف في تخريجها، فقيل: أصلها كقراءة الجمهور بتاء التأنيث، ولكنهم يحذفونها للإضافةِ، كالتَّنوين، وجعل الفراء من ذلك قوله تعالى: {أية : وَإِقَامَ ٱلصَّلاَة}تفسير : [الأنبياء:73]. ومنه قول زهير: [البسيط] شعر : 2785- إنَّ الخليطَ أجَدُّوا البَيْنَ فانْجَرَدُوا وأخْلَفُوكَ عِدَ الأمْرِ الذي وعَدُوا تفسير : يريد: عدة الأمْرِ. وقال صاحبُ اللَّوامح "لمَّا أضاف جعل الكناية نائبةً عن التاء، فأسقطها، وذلك لأن العُدَّ بغير تاء، ولا تقديرها، هو "البئرُ الذي يخرج في الوجه". وقال أبو حاتم: "هو جمع "عُدَّة"، كـ: "بُرّ" جمع "بُرّة"، و "دُرّ" جمع "دُرَّة" والوجهُ فيه "عُدَد" ولكن لا يوافق خطَّ المصحف". وقرأ زر بن حبيش، وعاصم في رواية أبان "عِدَّهُ" بكسر العين، مضافة إلى هاء الكناية. قال ابن عطيَّة: هو عِنْدِي اسمٌ لما يُمَدُّ، كـ "الذَّبْح"، و "القِتْل". وقُرىء أيضاً "عِدَّة" بكسر العين، وتاء التأنيث، والمرادُ: عدة من الزَّاد والسلاح، مشتقاً من "العَدَدِ". قوله: {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ}. الاستدراكُ هنا يحتاجُ إلى تأمُّلٍ، فلذلك قال الزمخشريُّ: فإن قلت: كيف موقعُ حرفِ الاستدراك؟ قلتُ: لمَّا كان قوله: {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ} معطياً معنى نفي خروجهم واستعدادهم للغزو. قيل: {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ} كأنه قيل: ما خرجوا، ولكن تَثَبَّطُوا عن الخروج لكراهةِ انبعاثهم،:ـ كـ "ما أحْسَنَ زَيْدٌ إليَّ ولكن أساءَ إليَّ". انتهى. يعني أنَّ ظاهرَ الآية يقتضي أنَّ ما بعد "لكن" موافقٌ لما قبلها، وقد تقرَّر فيها أنَّها لا تقع إلاَّ بين ضدين، أو نقيضين، أو خلافين، على خلاف في هذا الأخير، فلذلك احتاج إلى الجواب المذكور. قال أبُو حيان "وليست الآيةُ نظير هذا المثالِ - يعني: ما أحْسَنَ زيدٌ إليَّ، ولكن أساء -، لأنَّ المثال واقعٌ فيه "لكن" بين ضِدَّيْن، والآيةُ واقعٌ فيها "لكن" بين متفقين من جهة المعنى". قال شهابُ الدِّين "مُرادُهم بالنقيضين: النفيُ والإثبات لفظاً، وإن كانا يتلاقيان في المعنى ولا يُعَدُّ ذلك اتفاقاً". والانبعاثُ: الانطلاقُ، يقال: بعثتُ البعير فانبعث، وبعثته لكذا فانبعث، أي: نفذ فيه والتَّثْبِيطُ: التَّعْويق، يقالُ: ثَبَّطْتُ زيداً، أي: عُقْتُه عمَّا يريده، من قولهم: ناقة ثَبِطَة أي: بطيئة السير، والمراد بقوله: "اقْعُدُوا": التَّخْلية، وهو كنايةٌ عن تباطئهم، وأنَّهم تشبهوا بالنساء، والصبيان، والزَّمْنَى، وذوي الأعذار، وليس المرادُ قعوداً؛ كقوله: [البسيط] شعر : 2786- دَعِ المكَارِمَ لا تَقْصِدْ لبُغْيتهَا واقْعُدْ فإنَّكَ أنْتَ الطَّاعِمُ الكَاسِي تفسير : والمعنى: أنَّه تعالى كره خروجهم مع الرَّسُولِ - عليه الصلاة والسلام -، فصرفهم عنه. فإن قيل: خروجهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم إمَّا أن يقال إنَّه كان مفسدة، وإمَّا أن يقال إنه مصلحة، فإن كان مفسدة، فلمَ عاتبَ الرسول في إذنه لهم بالقعود؟ وإن كان مصلحة فَلِمَ قال تعالى: إنه كره انبعاثهم وخروجهم؟ والجوابُ: أنَّ خروجهم مع الرَّسولِ ما كان مصلحة؛ لأنَّه تعالى صرَّح بعد هذه الآية بذكر المفاسد بقوله: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً}، بقي أن يقال: فلمَّا كان الأصلح أن لا يخرجوا، فلِمَ عاتب الرسول في الإذن؟ فنقولُ: قد حكينا عن أبي مسلم أنه قال: ليس في قوله: {أية : لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}تفسير : [التوبة:43] أنه عليه الصلاة والسلام، قد أذن لهم بالقُعُود، بل يحتمل أن يقال: إنهم استأذنوه في الخروج معه، فأذن لهم، وعلى هذا يسقط السؤال. قال أبو مسلم "ويدلُّ على صحَّة ما قلنا أنَّ هذه الآية دلَّت على أنَّ خُروجَهُمْ معه كان مفسدةً؛ فوجب حمل ذلك العتاب على أنه عليه الصلاة والسلام أذن لهم في الخروج معه" ويؤكد ذلك قوله تعالى: {أية : فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً}تفسير : [التوبة:83] وقوله تعالى: {أية : سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ}تفسير : [الفتح:15] فاندفع السُّؤال على طريق أبي مسلم. والجوابُ على طريقة غيره، وهو أن نسلم أنَّ العتاب في قوله: {أية : لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}تفسير : [التوبة:43] يوجب أنَّهُ عليه الصلاة والسلام أذن لهم في القعود، فنقولُ: ذلك العتابُ ما كان لأجل أن ذلك القعود كان مفسدة، بل لأجل أنَّ إذنه عليه الصَّلاة والسَّلام بذلك القعود مفسدة، وبيانه من وجوه: الأول: أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام أذن قبل إتمام التفحص وإكمال التأمل، ولهذا قال تعالى {أية : لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ}تفسير : [التوبة:43]. والثاني: أن التقدير أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يأذن لهم في القعود، فهم كانوا يقعدون من تلقاء أنفسهم وكان يصير ذلك القعود علامة على نفاقهم، وإذا ظهر نفاقهم احترز المسلمون منهم، ولم يغتَرُّوا بقولهم، فلمَّا أذن الرَّسولُ في ذلك القعود بقي نفاقهم مخفياً، وفاتت تلك المصالح. والثالث: أنَّهم لمَّا استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب عليهم وقال:{ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ} ثم إنَّهم اغتنموا هذه اللفظة وقالوا: قد أذن لنا، فقال تعالى: {أية : لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}تفسير : [التوبة:43] أي: لم ذكرت عندهم هذا اللفظ الذي أمكنهم أن يتوسلوا به إلى غرضهم. الرابع: أن الذين يقولون إن الاجتهاد غير جائز على الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام، قالوا: إنه إنَّما أذن بمجرد الاجتهاد وذلك غير جائز؛ لأنهم لمَّا تمكنوا من الوَحْيِ، وكان الإقدامُ على الاجتهاد مع التَّمكن من الوحي جارياً مجرى الإقدام على الاجتهاد مع حضور النَّص، فلمَّا كان هذا غير جائز فكذا ذاك. ثم قال تعالى: {وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ}. واختلفوا في تأويل هذا القول، فقيل: هو الشيطان على طريق الوسوسة، وقيل: قاله بعضهم لبعضٍ. وقيل: قاله الرسُول - عليه الصلاة والسلام -، لمَّا أذن لهم في التخلف، فعاتبه الله. وقيل: القائل هو الله تعالى؛ لأنه كره خروجهم؛ لأجل الإفساد، فأمرهم بالقعود عن هذا الخروج المخصوص. ثُمَّ بيَّن ذلك بقوله {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} أي: في جيشكم، وفي جمعكم. وقيل: "فِي" بمعنى "مع" أي: معكم. قوله: "إِلاَّ خَبَالاً" جَوَّزُوا فيه أن يكون استثناء متصلاً، وهو مفرَّغٌ؛ لأنَّ زاد يتعدى لاثنين. قال الزمخشري المُسْتَثنى منه غيرُ مذكورٍ، فالاستثناءُ من أعمِّ العام، الذي هو الشيء فكان استثناء متصلاً، فإنَّ "الخبال" بعض أعمِّ العام، كأنه قيل: "ما زادوكم شيئاً إلا خبالاً" وجوَّزُوا فيه أن يكون منقطعاً، والمعنى: ما زادوكم قوةً ولا شدةً، ولكنْ خبالاً. وهذا يجيءُ على قول من قال: إنَّه لم يكن في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبال، كذا قال أبو حيان. وفيه نظرٌ؛ لأنه إذا لم يكن في العسكر خبال أصلاً، فكيف يُسْتثنى شيءٌ لم يكن ولم يتوهَّمْ وجوده؟. وتقدم تفسير "الخبال" في آل عمران. قال الكلبيُّ: إلاَّ شراً وقال يمان: إلاَّ مكراً، وقيل: إلاَّ غيّاً، وقال الضحاك: إلاَّ غَدْراً. وقرأ ابن أبي عبلة: "ما زادكُمْ إلاَّ خَبَالاً"، أي: ما زادكم خروجهم. قوله: {ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ}. الإيضاعُ: الإسراعُ، يقال: أوضع البعيرُ، أي: أسرعَ في سيرهِ؛ قال امرؤ القيس: [الوافر] شعر : 2787- أرَانَا مُوضِعينَ لأمْرِ غَيْبٍ ونُسْحَرُ بالطَّعامِ وبالشَّرابِ تفسير : وقال آخر: [منهوك الرجز] شعر : 2788- يَا لَيْتنِي فيهَا جَذَعْ أخُبُّ فيها وأضَعْ تفسير : ومفعول: "أوْضَعُوا" محذوف، أي: أوضعوا ركائبهم؛ لأنَّ الراكبَ أسرعُ من الماشي. قال الواحديُّ "قال أكثر أهل اللُّغةِ: إن الإيضاع حمل البعير على العدو، ولا يجوزُ أن يقال: أوضع الرَّجلُ إذا سار بنفسه سَيْراً حثيثاً. يقال: وضع البعيرُ: إذا عدا، وأوضعه الراكب: إذا حمله عليه". وقال الفرَّاءُ: "العرب تقول: وضعتْ النَّاقةُ، وأوضع الراكبُ، وربَّما قالوا للرَّاكب: وضَعَ". وقال الأخفشُ وأبو عبيد: يجوزُ أن يقال: أوضع الرَّجُلُ: إذا سار بنفسه سيراً حثيثاً من غير أن يراد وضع ناقته. روى أبو عبيد أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم "أفاض من عرفة وعليه السَّكينة وأوضعَ في وادي مُحَسِّر". قال الواحديُّ "والآية تشهد لقول الأخفشِ وأبي عبيد" والمراد من الآية: السَّعي بينهم بالعداوة والنميمة. و "الخِلال" جمع "خَلَل"، وهو الفُرْجَةُ بين الشيئين. ومنه قوله: {أية : فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ}تفسير : [النور:43]، وقرىء "مِنْ خلله" وهي مخارج صب القطر. ويستعار في المعاني فيقال: في هذا الأمْر خلل. وقرأ مجاهدٌ، ومحمد بن زيدٍ "ولأوْفَضُوا"، وهو الإسراع أيضاً؛ من قوله تعالى: {أية : إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ}تفسير : [المعارج:43]. وقرأ ابنُ الزبير "ولأرْفَضُوا" بالفراء والفاء والضاد المعجمة، من: رفض، أي: أسرع أيضاً؛ قال حسَّان: [الكامل] شعر : 2789- بِزُجَاجةٍ رفَضَتْ بِمَا فِي جَوْفِهَا رَفَضَ القَلُوصِ بِراكبٍ مُسْتعْجِلِ تفسير : وقال: [الكامل] شعر : 2790-.............................. والرَّافِضَاتِ إلى مِنى فالغَبْغَبِ تفسير : يقال: رَفَضَ في مشيه رفْضاً، ورَفَضاناً. فإن قيل: كتب في المصحفِ "ولاَ أوْضَعُوا" بزيادة ألف. أجاب الزمخشريُّ "أنَّ الفتحة كانت تُكْتَب ألفاً قبل الخطِّ العربي، والخطُّ العربي اخترع قريباً من نزول القرآن، وقد بقى من ذلك الألف أثرٌ في الطباع، فكتبوا صورة الهمزة ألفاً، وفتحتها ألفاً أخرى، ونحوه {أية : أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ}تفسير : [النمل:21]. يعني: في زيادة الألف بعد "لا" وهذا لا يجوزُ القراءةُ به ومن قرأ به متعمداً بكفّر". قوله: "يَبْغُونكُم" في محلِّ نصبٍ على الحالِ، من فاعل "أوْضَعُوا" أي: لأَسْرعُوا فيما بينكم، حال كونهم باغين، أي: طالبين الفتنة لكم، ومعنى الفتنة: افتراقُ الكلمة. قوله: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} هذه الجملةُ يجوز أن تكون حالاً من مفعول "يَبْغُونكُمْ" أو من فاعله، وجاز ذلك؛ لأنَّ في الجملة ضميريهما. ويجوزُ أن تكون مستأنفةً، والمعنى: أنَّ فيكم من يسمع لهم، ويُصْغِي لقولهم. فإن قيل: كيف يجوزُ ذلك على المؤمنين مع قوة دينهم؟ فالجوابُ: لا يمتنع لمنْ قرب عهده بالإسلام أن يؤثر قول المنافقين فيهم، أو يكون بعضهم مجبولاً على الجبن والفشل؛ فيؤثر قولهم فيهم، أو يكون بعض المسلمين من أقارب رؤساءِ المنافقين فينظرون إليهم بعين الإجلال والتَّعظيم؛ فلهذا الأسباب يؤثر قول المنافقين فيهم ويجوز أن يكون المراد: وفيكم جواسيس منهم، يسمعون لهم الأخبار منكم، فاللاَّمُ على الأوَّلِ للتقوية لكون العامل فرعاً، وفي الثاني للتعليل، أي: لأجلهم. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم ونفاقهم، وظلموا غيرهم بسبب أنهم سعوا في إلقاء غيرهم في وجوه الآفات. فصل {لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ}. أي: طلبُوا صد أصحابك عن الدِّين وردهم إلى الكُفْرِ، وتخذيل النَّاس عنكَ قبل هذا اليوم، كفِعْلِ عبد الله بن أبيّ يوم أحد حين انصرف عنك بأصحابه. وقال ابنُ جريج: هو أنَّ اثني عشر رجلاً من المنافقين، وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة، ليفتكوا بالنبي صلى الله عليه وسلم. قوله: {وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ}. قرأ مسلمة بن محارب "وقلبُوا" مخففاً. والمرادُ بتقليب الأمر: تصريفه وترديده، لأجل التدبر والتأمل فيه، أي: اجتهدوا في الحيلةِ والكيدِ لك يقال للرجل المتصرف في وجوه الحيل: فلان حُوَّلٌ قلبٌ، أي: يتقلب في وجوه الحيل. ثم قال تعالى: {حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ} أي: النصرُ والظفرُ. وقيل: القرآن. {وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ} دين الله. {وَهُمْ كَارِهُونَ} حالٌ، والرَّابط الواو؛ أي: كارهون لمجيء الحق ولظهور أمر الله.
البقاعي
تفسير : ولما فاته صلى الله عليه وسلم معرفتهم بهذا الطريق، شرع العالم بما في الضمائر يصفهم له بما يعوض عن ذلك، فقال على طريق الجواب للسؤال: {لا يستئذنك} أي يطلب إذنك بغاية الرغبة فيه {الذين يؤمنون بالله} أي يجددون الإيمان كل وقت حقاً من أنفسهم بالملك الذي له صفات الكمال {واليوم الآخر} أي الذي يكون فيه الجزاء بالثواب والعقاب {أن} أي في أن {يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم} بل يبادرون إلى الجهاد عند إشارتك إليه وبعثك عموماً عليه فضلاً عن أن يستأذنوك في التخلف عنه، فإن الخلص من المهاجرين والأنصار كانوا يقولون: لا نستأذنه صلى الله عليه وسلم أبداً في الجهاد فإن ربنا ندبنا إليه مرة بعد مرة فأيّ فائدة في الاستئذان! ولنجاهدن معه بأموالنا وأنفسنا، وكانوا بحيث لو أمرهم صلى الله عليه وسلم بالعقود شق عليهم كما وقع لعلي رضي الله عنه في غزوة تبوك حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:" حديث : ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى"تفسير : ! ولما كان التقدير: فمن اتصف بذلك فاعلم أنه متق بأخبار الله، عطف عليه قوله: {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {عليم بالمتقين*} أي الذين يخافون الله كلهم. ولما أخبر بالمتقين، عرف بغيرهم على وجه الحصر تأكيداً لتحقيق صفة العلم بما أخبر به سبحانه، فصار الاستئذان منفياً عن المؤمنين مرتين، فثبت للمنافقين على أبلغ وجه {إنما يستئذنك} أي في مثل ذلك فكيف بالاستئذان في التخلف! {الذين لا يؤمنون} أي يتجدد لهم إيمان {بالله} أي الملك الأعلى الذي له نهاية العظمة إيماناً مستجمعاً للشرائط {واليوم الآخر} لأنهم لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً وإن ادعوا ولما كانت [هذه] صفة المصارحين بالكفر، بين أن المراد المنافقون بقوله: {وارتابت قلوبهم} أي تابعت الوساوس وتعمدت المشي معها حتى تخلقت بالشك؛ ولما كان الشاك لا يزال يتجاذبه حسن الفطرة وسوء الوسوسة، قال: {فهم} أي فتسبب عن ذلك أنهم {في ريبهم يترددون*} أي بين النفي والإثبات دأب المتحير لا يجزمون بشيء منهما وإن صدقوا أن الله موجود فإن المشركين يصدقون بذلك ولكنه لا ينفعهم للإخلال بشرطه، وليس استئذانهم في أن يجاهدوا لإرادة الجهاد بل توطئة لأن يقولوا إذا أمرتهم به: إنه لا عدة لنا في هذا الوقت فائذن لنا في التخلف حتى نستعد! وقد كذبوا، ما ذلك بهم، إنما بهم أنهم لا يريدون الخروج معك {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له} أي قبل حلوله {عدة} أي قوة واهبة من المتاع والسلاح والكراع بحيث يكونون متصفين بما قدمت إليهم من التحريض على نحو ما وقع الأمر به في الأنفال فيكونون كالحاضرين في صلب الحرب الواقفين في الصف قد استعدوا لها بجميع عدتها {ولكن} لم يريدوا ذلك قط فلم يعدوا له عدة، فملا أمرت به شرعوا يعتلون بعدم العدة وما ذاك بهم، إنما مانعم كراهتهم للخروج وذلك بسبب أن {كره الله} أي ذو الجلال والإكرام بأن فعل فعل الكاره فلم يرد {انبعاثهم} أي سيرهم معك مطاوعة لأمرهم بذلك لما علم من عدم صلاحيتهم له {فثبطهم} أي حبسهم عنه حبساً عظيماً بما شغلهم بما بما حبب إليهم من الشهوات وكره إليهم من ارتكاب المشقات بسبب أنهم لا يرجون ثواباً ولا يخشون غير السيف عقاباً، قصروا هممهم الدنية على الصفات البهيمية، فلما استولت عليهم الشهوات وملكتهم الأنفس الدنيات نودوا من قبلها: إلى أين تخرجون؟ {وقيل} أي لهم لما أسرعوا الإقبال إليها {اقعدوا} أي عن جندي لا تصحبوهم، وفي قوله -: {مع القاعدين*} أي الذين شانهم ذلك كالمرضى والزمنى والصبيان والنساء - من التبكيت ما لا يعلم مقداره إلا أولو الهمم العلية والأنفس الأبية، وعبر بالمجهول إشارة إلى أنهم يطيعون الأمر بالقعود حقيقة ومجازاً كائناً من كان كما انهم يعصون الأمر بالنفر كائناً من كان لأن أنفسهم قابلة للدنايا غير صالحة للمزايا بوجه. ولما كان كأنه قيل: ما له ثبطهم وقد كنا قاصدين سفراً بعيداً وعدواً كثيراً شديداً فنحن محتاجون إلى الإسعاد ولو بتكثير السواد! قيل: و {لو } أي فعل ذلك بهم لأنهم لو {خرجوا فيكم} أي وإن كانوا قليلاً معمورين بجماعاتكم {ما زادوكم} أي بخروجهم شيئاً من الأشياء {إلا خبالاً} أي ما أتوكم بشيء زائد على ما عندكم من الأشياء غير الخبال، والاستثناء مفرغ والمستثنى منه - المقدر الثابت لهم الاتصاف به - هو الشيء، وذلك لا يقتضي اتصاف أحد منهم بالخبال قبل خروج المنافقين، والخبال: الفساد، وهو ينظر على الخداع والأخد على غرة {ولأوضعوا} أي أوقعوا الإيضاع، حذف المفعول إشارة إلى أن مرادهم الإيضاع نفسه لا بقيد دابة، وعبر بالإيضاع لأنه للراكب وهو أسرع من الماشي {خلالكم} أي لأسرعوا في السير ذهاباً وإياباً بينكم في تتبع عوراتكم وانتظار زلاتكم ليجدوا منها مدخلاً إلى الفساد بالنميمة وغيرها إن لم يجدوها، والإيضاع في السير يكون برفق ويكون بإسراع، والمراد به هنا الإسراع، ومادة وضع بجميع تراكيبها تدور على الحركة، وتارة تكون إلى علو وتارة إلى سفول، ويلزم ذلك السكونُ والمحلُ القابل لذلك، وعلى ذلك يتمشى العضو والعوض، وعَوض الذي هو بمعنى الدهر، وضوع الريح والتصويت بالبكاء، والضعة لشجرة في البادية، والوضع للطرح في مكان والسير اللين والسريع؛ والخلال جمع الخلل وهو الفرجة {يبغونكم} أي حال كونهم يريدون لكم {الفتنة} أي بتشتيت الشمل وتفريق الأصحاب وتقدم عند {أية : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة}تفسير : [الأنفال: 39] أنها الخلطة المميلة المحلية، أي يريدون لكم الشيء الذي يصيبكم فغير حالتكم إلى ما يسوءكم فيسرهم {وفيكم} أي والحال أنه فيكم {سماعون لهم} أي في غاية القبول لكلامهم لضعف معارفهم وآرائهم. وربما كان سماعهم منهم مؤدياً إلى مطلوبهم {والله} أي الذي أخبركم بهذا من حالهم وله الإحاطة بكل شيء {عليم} بهم، فثقوا بأخبارهم. هكذا كان الأصل وإنما قال: {بالظالمين*} إشارة إلى الوصف الذي أوجب لهم الشقاء بمنعهم عن موطن الخير، وتعميماً للحكم بالعلم بهم وبمن سمع لهم ظالم، والحاصل أنه شبه سعيهم فيهم بالفساد بمن يوضع بعيره في أرض فيها أجرام شاخصة متقاربة، فهو في غاية الالتفات إلى معرفة ما فيها من الفرج والتأمل لذلك حذراً من أن يصيبه شيء من تلك الأجرام فيسقيه كأس الحمام، فلا شغل لهم إلا بغية فسادكم بعدم وصولكم إلى شيء من مرادكم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر} الآيتين. قال: هذا تفسير للمنافقين حين استأذنوا في القعود عن الجهاد بغير عذر، وعذر الله المؤمنين فقال {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم}. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله...} الآيتين. قال: نسختها الآية التي في سورة النور {أية : إنما المؤمنون الذي آمنوا بالله ورسوله} تفسير : [النور: 62] إلى {أية : إن الله غفور رحيم} تفسير : [النور: 62] فجعل الله النبي صلى الله عليه وسلم بأعلى النظرين في ذلك، من غزا غزا في فضيلة ومن قعد قعد في غير حرج إن شاء الله.
ابو السعود
تفسير : {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} تنبـيهٌ على أنه كان ينبغي أن يُستدل باستئذانهم على حالهم ولا يُؤذَنَ لهم أي ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في {أَن يُجَـٰهِدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} وإن الخُلَّصَ منهم يبادرون إليه من غير توقفٍ على الإذن فضلاً عن أن يستأذنوك في التخلف، وحيث استأذنك هؤلاء في التخلف كان ذلك مَئِنّةً للتأني في أمرهم بل دليلاً على نفاقهم، وقيل: المستأذَنُ فيه محذوفٌ ومعنى قوله تعالى: {أَن يُجَـٰهِدُواْ} كراهةَ أن يجاهدوا ثم قيل: المحذوفُ هو التخلّفُ والمعنى لا يستأذنك المؤمنون في التخلف كراهةَ الجهاد، فيتوجّه النفيُ إلى القيد وبه يمتاز المؤمنُ من المنافق، وهو وإن كان في نفسه أمراً خفياً لا يوقف عليه بادىءَ الأمرِ لكن عامةَ أحوالِهم لما كانت مُنبئةً عن ذلك جُعل أمراً ظاهراً مقرراً وقيل: هو الجهادُ أي لا يستأذنك المؤمنون في الجهاد كراهةَ أن يجاهدوا بناءً على أن الاستئذان في الجهاد ربما يكون لكراهته ولا يخفى أن الاستئذان في الشيء لكراهته مما لا يقع بل لا يُعقل ولو سَلِم وقوعُه، فالاستئذانُ لعلة الكراهة مما لا يمتاز بحسب الظاهرِ من الاستئذان لعلة الرغبةِ ولو سلِم فالذي نُفيَ عن المؤمنين يجب أن يثبُتَ للمنافقين وظاهرٌ أنهم لم يستأذِنوا في الجهاد لكراهتهم له بل إنما استأذنوا في التخلف {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ} شهادةٌ لهم بالانتظام في سلك المتقين وعِدَةٌ لهم بأجزل الثوابِ وتقريرٌ لمضمون ما سبق، كأنه قيل: والله عليم بأنهم كذلك وإشعارٌ بأن ما صدر عنهم معلَّلٌ بالتقوى.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ} [الآية: 44]. قال الواسطى رحمة الله عليه كيف يستأذن من هو مأذون له الإذن التام، إن قام قام بإذن وإن قعد قعد بإذن، فجريان الحركات منه تظهر سوابق المأذون له فيه.
القشيري
تفسير : المخلصُ في عقده غيرُ مُؤثِرٍ شيئاً على أمره، ولا يدَّخر مستطاعاً في استفراغ وُسْعِه، وبَذْلِ جُهْدِه، ومقاساة كَدِّه، واستعمال جِدِّه.
البقلي
تفسير : قوله تعالى: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} وصف الله الولاية والنبوة انهما شقايقان وما وقع الامر من الغيب الا والولى والنبى يقبلانه بالايقان والعرفان وكيف يكون الولى مخالف للنبى وهو مخاطب به الالهام بمتابعته قال الواسطى كيف يستأذن من هو مأذون له الاذن التمام وان قام قام بذن وان قعد قعد باذن فجريان الحركات منه يظهر سوابق الماذون له فيه.
اسماعيل حقي
تفسير : {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر} فى {ان يجاهدوا باموالهم وانفسهم} وان الخلص منهم يبادرون اليه من غير توقف على الاذن فضلا عن ان يستاذنوك فى التخلف وحيث استاذنك هؤلاء فى التخلف كان مظنة للتانى فى امرهم بل دليلا على نفاقهم وعلة عدم الاستئذان الايمان كما ان علة الاستئذان عدم الايمان بناء على قاعدة ان تعليق الحكم بالوصف يشعر بعلية الوصف له {والله عليم بالمتقين} شهادة لهم بالانتظام فى زمرة المتقين وعدة لهم باجزال الثواب واشعار بان ما صدر عنهم معلل بالتقوى
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى نبيه بعلامة المنافقين والكاذبين بأن بين أنه لا يستأذن احد النبي صلى الله عليه وآله في التأخر عنه والخروج معه إلى جهاد أعدائه ولا يسأله الاذن في التأخر القوم الذين يؤمنون بالله ويصدقون به ويقرون بوحدانيته ويعترفون باليوم الاخر. والاستئذان طلب الاذن من الآذن. ومعنى قوله {أن يجاهدوا} فيه حذف وتقديره لأن لا يجاهدوا بحذف (لا) لأن ذمهم قد دل عليه - هذا قول ابي علي الجبائي - وقال الحسن: تقديره كراهية أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم. وقال الزجاج: هو في موضع نصب، لان تقديره في أن يجاهدوا، فلما حذف حرف الجر انتصب، وعند سيبويه وغيره هو في موضع الجر. وقوله {والله عليم بالمتقين} اخبار منه تعالى بانه يعلم من يتقي معصية الله ويخاف عقابه، ومن لا يتقيه. قال ابن عباس هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوه في القعود عن الجهاد وعذر للمؤمنين، فقال: لم يذهبوا حتى يستأذنوه. والمعنى انه لم يخرجهم من صفة المتقين إلا انه علم أنهم ليسوا منهم. فان قيل أي الجهادين أفضل: أجهاد السيف أم جهاد العلم؟ قيل: هذا بحسب الحاجة اليه والمصلحة فيه، وكذلك الجهاد بالمال والجهاد بالنفس. وإنما يقع التفاضل مع استواء الأحوال الا بمقدار الخصلة الزائدة من خصال الفضل. وأجاز الرماني الجهاد مع الفساق إذا عاونوا على حق في قتال الكفار لأنهم يطيعون في ذلك الفعل كما هم مطيعون في الصلاة والصيام وغير ذلك من شريعة الاسلام. والظاهر من مذهب أصحابنا أنه لا يجوز ذلك إلا ما كان على وجه الدفع عن النفس وعن بيضة الاسلام.
الجنابذي
تفسير : {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ} عن ان يجاهدوا، او كراهة ان يجاهدوا، او فى ان يجاهدوا فضلاً عن ان يسأذنوك فى التّخلّف عن ان يجاهدوا {بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ} وضع الظّاهر موضع المضمر اشعاراً بانّ المؤمنين هم المتّقون وهو وعد لهم بانّ عملهم لا يعزب عنه.
اطفيش
تفسير : {لا يسْتَأذِنُك} نفى للاستمرار أو استمرار للنفى {الَّذينَ يؤمنُونَ بالله واليَوْم الآخِرِ} فى {أن يُجاهِدُوا بأموالهم وأنفُسِهِم} الاستئذان إرادة جهاد، والاستئذان إرادة تخلف عن الجهاد، بل عادتهم أنهم يمضون فيه بإذنى، أمر أو تلويح به بما استطاعوا، أو لا يستأذنونك فى التخلف كراهة أن يجاهدوا أو لا يستأذنونك كراهة أن يجاهدوا، بل إذا استأذنوك فلعذر، والأول هو قول سيبويه وهو أصح، بل كان المخلص من المهاجرين والأنصار يقولون: ألا نستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدا، ولنجاهدن معه بأموالنا وأنفسنا. {واللهُ عليمٌ بالمتَّقينَ} شهادة لهم بالتقوى، ووعد بالثواب الجزيل من حيث إن مقتضى علمه يعمل هو الثواب أو العقاب، ويتضمن تغييرا للمنافقين وطعنا عليهم، والمراد بالاتقاء اتقاء المخالفة بأمر الله.
اطفيش
تفسير : {لاَ يَسْـتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} فى ترك الجهاد أَو بذكر الجهاد طمعا فى أَن ترخص لهم فى تركه، وإِنما ذلك حال المنافق أَو من له عذر. والنفى متوجه للاستئْذان والكراهة معا أو للكراهة، بل يستأْذنك المؤمن المخلص لعذر صحيح أَى تحقق إِيمانهم بالله واليوم الآخر. {أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} بل يتبعونك ويجاهدون بأَموالهم وأَنفسهم ويكرهون التخلف ولو أَبحته لهم، لخلوص إِيمانهم ورجاءِ الثواب وخوف العقاب، وذلك شأْنهم فهلا ارتبت فيمن استأْذنك وتمهلت فى شأْنهم، ومن شأْن المؤمن أن يسارع فى الخير. قال أَبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه فى سبيل الله، يطير على متنه كلما سمع هيعة أَو فزعا طار على متنه، يبتغى القتل أَو الموتتفسير : ، أَى فى مواطن يعلم أَن الموت فيها شريف كالموت فى الغزو، ولو بلا قتل كمرض وجوع وعطش، وبقى الاستئذان نفى لسببه وملزومه وهما حب التخلف، ويجوز أَن يقدر كراهة أَن يجاهدوا، أَكُب على التأليف، إِذ لم أَجد لنا ابناً غازيا يوما ولا ما به أَغزو، ولو كنت فى زمان الأَمير يوسف بن تاشفين لكنت أَطوع له من سائر أَعوانه إِن شاءَ الله، ولعل الله يجعل لى ثوابا لقصدى {وَاللهُ عَلِيمُ بِالْمَتَّقِينَ} أَراد المتقين مطلقا فيدخل هؤلاءِ الذين لا يستأْذنونك أَولا أَو هم المراد، وشهد لهم بالتقوى ووعد لهم الثواب فمقتضى الظاهر والله يحبهم، فوضع الظاهر موضع المضمر، ليمدحهم بالتقوى. وللفاصله وفى أَخبار الملوك بالإِحسان عدة لجزاءِ المحسنين.
الالوسي
تفسير : {لا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} تنبيه على أنه ينبغي أن يستدل عليه الصلاة والسلام باستئذانهم على حالهم ولا يأذن لهم أي ليس من شأن المؤمنين وعادتهم أن يستأذنوك في {أَن يُجَـٰهِدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} / فإن الخلص منهم يبادرون إليه من غير توقف على الإذن فضلاً عن أن يستأذنوك في التخلف عنه، أخرج مسلم عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من خير معاش الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعاً طار على متنه يبتغي القتل أو الموت مظانه» تفسير : ونفي العادة مستفاد من نفي الفعل المستقبل الدال على الاستمرار نحو فلان يقري الضيف ويحمي الحريم، فالكلام محمول على نفي الاستمرار، ولو حمل على استمرار النفي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فيكون المعنى عادتهم عدم الاستئذان لم يبعد، ومثل هذا قول الحماسي:شعر : لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا تفسير : قيل: وهذا الأدب يجب أن يقتفي مطلقاً فلا يليق بالمرء أن يستأذن أخاه في أن يسدي إليه معروفاً ولا بالمضيف أن يستأذن ضيفه في أن يقدم إليه طعاماً فإن الاستئذان في مثل هذه المواطن أمارة التكلف والتكره، ولقد بلغ من كرم الخليل صلوات الله تعالى وسلامه عليه وأدبه مع ضيوفه أنه لا يتعاطى شيئاً من أسباب التهيىء للضيافة بمرأى منهم فلذلك مدحه الله تعالى على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام بهذه الخلة الجميلة والآداب الجليلة فقال سبحانه: {أية : فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ } تفسير : [الذريات: 26] أي ذهب على خفاء منهم كيلا يشعروا به، وجوز أن يكون متعلق الاستئذان محذوفاً و {أَن يُجَـٰهِدُواْ} بتقدير كراهة أن يجاهدوا، والمحذوف قيل: التخلف عليه، والمعنى لا يستأذنك المؤمنون في التخلف كراهة الجهاد، والنفي متوجه للاستئذان والكراهة معا، وقال بعض: إنه متوجه إلى القيد وبه يمتاز المؤمن من المنافق وهو وإن كان في نفسه أمراً خفياً لا يوقف عليه بادىء الأمر لكن عامة أحوالهم لما كانت منبئة عن ذلك جعل أمراً ظاهراً مقرراً. وقيل: الجهاد أي لا يستأذنك المؤمنون في الجهاد كراهة أن يجاهدوا، وتعقب بأنه مبني على أن الاستئذان في الجهاد بما يكون لكراهة، ولا يخفى أن الاستئذان في الشيء لكراهته مما لا يقع بل لا يعقل، ولو سلم وقوعه فالاستئذان لعلة الكراهة مما لا يمتاز بحسب الظاهر من الاستئذان لعلة الرغبة، لو سلم فالذي نفي عن المؤمنين يجب أن يثبت للمنافقين وظاهر أنهم لم يستأذنوا في الجهاد لكراهتهم له بل إنما استأذنوا في التخلف فتدبر. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ} شهادة لهم بالتقوى لوضع المظهر فيه موضع المضمر أو إرادة جنس المتقين ودخولهم فيه دخولاً أولياً وعدة لهم بالثواب الجزيل، فإن قولنا: أحسنت إليَّ فأنا أعلم بالمحسن وعد بأجزل الثواب وأسأت إليَّ فأنا أعلم بالمسيء وعيد بأشد العقاب، قيل: وفي ذلك تقرير لمضمون ما سبق كأنه قيل: والله عليم بأنهم كذلك وإشعار بأن ما صدر عنهم معلل بالتقوى.
ابن عاشور
تفسير : هذه الجملة واقعة موقع البيان لجملة {أية : حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين}تفسير : [التوبة: 43]. وموقع التعليل لجملة {أية : لم أذنت لهم}تفسير : [التوبة: 43] أو هي استئناف بياني لما تثيره جملة {أية : حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين}تفسير : [التوبة: 43] والاعتبارات متقاربة ومآلها واحد. والمعنى: إنّ شأن المؤمنين الذين استنفروا أن لا يستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في التخلّف عن الجهاد، فأمّا أهل الأعذار: كالعُمي، فهم لا يستنفرهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمّا الذين تخلّفوا من المؤمنين فقد تخلّفوا ولم يستأذنوا في التخلّف، لأنّهم كانوا على نية اللحاق بالجيش بعد خروجه. والاستئذان: طلب الإذن، أي في إباحة عمل وترك ضدّه، لأنّ شأن الإباحة أن تقتضي التخيير بين أحد أمرين متضادّين. والاستئذان يُعدّى بــــ (في). فقوله: {أن يجاهدوا} في محلّ جرّ بــــ (في) المحذوفة، وحذف الجارّ مع {أنْ} مطّرد شائع. ولمّا كان الاستئذان يستلزم شيئين متضادّين، كما قلنا، جازَ أن يقال: استأذنتُ في كذا واستأذنت في ترك كذا. وإنّما يُذكر غالباً مع فعل الاستئذان الأمر الذي يَرغَب المستأذنُ الإذنَ فيه دون ضدّه وإن كان ذكر كليهما صحيحاً. ولمّا كانَ شأن المؤمنين الرغبة في الجهاد كان المذكور مع استئذان المؤمنين، في الآية أن يجاهدوا دون أن لا يجاهدوا، إذ لا يليق بالمؤمنين الاستئذان في ترك الجهاد، فإذا انتفى أن يستأذنوا في أن يجاهدوا ثبت أنّهم يجاهدون دون استئذان، وهذا من لطائف بلاغة هذه الآية التي لم يعرّج عليها المفسّرون وتكلّفوا في إقامة نظم الآية. وجملة {والله عليم بالمتقين} معترضة لفائدة التنبيه على أنّ الله مطّلع على أسرار المؤمنين إذ هم المراد بالمتّقين كما تقدّم في قوله في سورة البقرة (2، 3) {أية : هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب}.
الواحدي
تفسير : {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر} في القعود والتَّخلُّف عن الجهاد كراهة {أن يجاهدوا} في سبيل الله {بأموالهم وأنفسهم} الآية. {إنما يستأذنك} في التَّخلُّف {الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم} شكُّوا في دينهم {فهم في ريبهم يترددون} في شكِّهم يتمادون. {ولو أرادوا الخروج لأعدُّوا له عدَّة} من الزَّاد والمركوب، لأنَّهم كانوا مياسير {ولكن كره الله انبعاثهم} لم يرد خروجهم معك {فثبطهم} فخذلهم وكسَّلهم {وقيل اقعدوا} وحياً إلى قلوبهم. يعني: إنَّ الله ألهمهم أسباب الخذلان {مع القاعدين} الزَّمنى وأولي الضَّرر، ثمَّ بّيَّنَ لِمَ كره خروجهم فقال: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلاَّ خبالاً} يقول: لو خرجوا لأفسدوا عليكم أمركم {ولأوضعوا خلالكم} لأسرعوا بالنَّميمة في إفساد ذاتِ بينكم {يبغونكم الفتنة} يُثبِّطونكم ويفرِّقون كلمتكم حتى تنازعوا فتفتتنوا {وفيكم سماعون لهم} مَنْ يسمع كلامهم ويطيعهم، ولو صحبهم هؤلاء المنافقون أفسدوهم عليكم {والله عليم بالظالمين} المنافقين. {لقد ابتغوا الفتنة من قبل} طلبوا لك الشَّرَّ والعنتَ قبل تبوك، وهو أنَّ جماعةً منهم أرادوا الفتك به ليلة العقبة {وقلَّبوا لك الأمور} اجتهدوا في الحيلة عليك، والكيد بك {حتى جاء الحق} الآية. أَيْ: حتى أخزاهم الله بإظهار الحقِّ، وإعزاز الدِّين على كُرهٍ منهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: لا يستأذنك: أي لا يطلبون منك إذناً بالتخلف عن الجهاد. وارتابت قلوبهم: أي شكت في صحة ما تدعو إليه من الدين الحق. في ريبهم: أي في شكهم. يترددون: حيارى لا يثبتون على شيء. لأعدّوا له عدّة: لهيأوا له ما يلزم من سلاح وزاد ومركوب. انبعاثهم: أي خروجهم معكم. فثبطهم: ألقي في نفوسهم الرغبة في التخلف وحببه إليهم فكسلوا ولم يخرجوا. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن غزوة تبوك وأحوال المأمورين بالنفير فيها فبعد أن عاتب الله تعالى رسوله في إذنه للمتخلفين أخبره أنه لا يستأذنه المؤمنون الصادقون في أن يتخلفوا عن الجهاد بأموالهم وأنفسهم وإنما يستأذنه {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ} في الإِيمان بالله ورسوله ووعده ووعيده، فهم حيارى مترددون لا يدرون أين يتجهون وهي حالة المزعزع العقيدة كسائر المنافقين، وأخبره تعالى أنهم كاذبون في اعتذاراتهم إذ لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدته أي احضروا له أهبته من سلاح وزاد وراحلة ولكنهم كانوا عازمين على عدم الخروج بحال من الأحوال، ولو لم تأذن لهم بالتخلف لتخلفوا مخالفين قصدك متحدين أمرك. وهذا عائد إلى أن الله تعالى كره خروجهم لما فيه من الضرر والخطر فثبطهم بما ألقى في قلوبهم من الفشل وفي أجسامهم من الكسل كأنما قيل لهم اقعدوا مع القاعدين. هذا ما دلت عليه الآية [44] {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ} وقوله تعالى في ختام الآية الأولى [44] {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ} فيه تقرير لعلمه تعالى بأحوال ونفوس عباده فما أخبر به هو الحق والواقع، فالمؤمنون الصادقون لا يطلبون التخلف عن الجهاد لإِيمانهم وتقواهم، والمنافقون هم الذين يطلبون التخلف لشكهم وفجورهم والله أعلم بهم، ولا ينبئك مثل خبير. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- فضيلة الإِيمان والتقوى إذ صاحبهما لا يمكنه أن يتخلف عن الجهاد بالنفس والمال. 2- خطر الشك في العقيدة وأنه سبب الحيرة والتردد، وصاحبه لا يقدر على أن يجاهد بمال ولا نفس. 3- سوابق الشر تحول بين صاحبها وبين فعل الخير.
القطان
تفسير : العدة: الأهبة والاستعداد. انبعاثهم: خروجهم. فثبطهم: أوهن عزمهم وعوّقهم. الخبال: الاضطراب في الرأي. لأوضعوا خلالكم: لاسرعوا بينكم. يبغونكم الفتنة: يريدن لكم التشكيك في الدين والتخويف من الاعداء. وقلبوا لك الامور: دبروا لك المكايد من كل وجه. كانت هذه الآيات أول ما نزلَ من القرآن في التفرقة بين المنافقين والمؤمنين في القتال، وقد رويَ عن ابن عباس انه قال: لم يكنْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين حتى نزلت سورة براءة. والمراد انه لم يكن يعرفهم كلَّهم ويعرف شئونَهم بهذا التفصيل حتى نزلت، ولذلك كان من أسمائها "الفاضحة"، لأنها فَضَحت احوال المنافقين. لا يتسأذنك الّذين يؤمنون باللهِ واليوم الآخر أن يجاهِدوا بأموالهم وأنفسِهم في سبيل الله، فالمؤمنُ الصادقُ الإيمان يجيب داعيَ الله ورسولهِ حالا، ولا يستأذن في الجهاد، لأن صِدق إيمان هؤلاء يحّبب إليهم الجهاد في سبيل الله، كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ} تفسير : [الحجرات:15]. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ}. والله يعلم صدق نيات المؤمنين المتقين. {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ}. انا يستأذنك في التخلّف عن الجهاد من غير عذرٍ أولئك الذين لا يؤمنون إيمانا صادقا بالله ولا بالحسابِ في اليوم الآخر، فهؤلاء قد ارتابت قلوبُهم فهم يعيشون في حَيرةٍ من أمرهم، ويعتذرون بالمعاذير الكاذبة هرباً من القيام بالواجب. {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ}. لو صدقتْ نيّة المنافقين في الخروج مع الرسول للجهاد، لأخذوا أهبةَ الحرب واستعدوا لها، وقد كانوا مستطيعين ذلك، لكنّ الله كَرِةَ خروجَهم، لِعلْمه أنهم لو خَرجوا معكُم لكانوا عليكم لا لكم، فعوَّقهم الله عن الخروج بما امتلأت به قلوبهم من النفاق، وقيلَ لهم اقعُدوا مع القاعدين، من الاطفال والعجزة. هذا مكانكم اللائق بكم، لما لكم من الهمم الساقطة، والقلوب المرتابة. {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ}. بعد ان بين الله ان استئذانهم في التخلف عن القتال انما كان سَتراً لنفاقهم، زاد في البيان هنا بيان المفاسد التي كانت تنجم من خروجهم، وهي افساد النظام والاضطراب في الرأي، وتفريق الكلمة بالسعي بين المسلمين بالنميمة، وبخاصة ان هناك اناساً من ضعفاء الايمان يسمعون لهم ما يقولون، ويقبلون قولهم. ولو خرجوا معكم الى الجهاد ما زادوكم قوة ومنعة بل اضطراباً في الرأي وضعفا في القتال، ولاسرعوا في الدخول فيما بينكم ليُشيعوا الفتنة فيكم، ويفرقوا كلمتكم وتثبيط هممكم، وفيكم ناس بسطاءمن ضعفاء الايمان ممن يجهلون خبث نياتهم، ويمكن ان يُخدَعوا بكلامهم، والله عليم بهؤلاء المنافقين الذين يظلمون انفسهم بما اضمروه من الفساد. {لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ }. ولقد سبق ان سعى هؤلاء المنافقون بالفتنة فيما بينكم، ودبروا لك - ايها الرسول - المكايد من كل الوجوه، فأحبط الله تدبيرهم، وحقق لك النصر المبين، وظهر أمرالله، فاظهر دينه على الرغم منهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَسْتَأْذِنُكَ} {ٱلآخِرِ} {يُجَاهِدُواْ} {بِأَمْوَالِهِمْ} (44) - لاَ يَسْتَأْذِنُكَ، فِي القُعُودِ عَنِ الجِهَادِ، أَحَدٌ يٌؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، لأِنَّهُمْ يَرَوْنَ الجِهَادَ قُرْبَةً إِلَى اللهِ، وَإِذَا نَدَبَهُمُ النَّبِيُّ إِلَيْهِ بَادَرُوا مُمْتَثِلِينَ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَنْ هُمُ الْمُتَّقُونَ الذِينَ يَخْشَوْنَ اللهَ، وَيَطْلُبُونَ مَرْضَاتِهِ، وَيُعِدُّونَ لِلْجِهَادِ عُدَّتَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ويلفتنا سبحانه: أن الذين طلبوا ذلك الإذن بالقعود فضحوا أنفسهم، فقد استأذنوا بعد مجيء الأمر من الله {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً}، وكل مؤمن بالله واليوم الآخر - في تلك الظروف - لا يمكن أن يتخلف عن الجهاد في سبيل الله. والمؤمن الحق لن يقدم الأعذار ليتخلف، حتى وإن كانت عنده أعذار حقيقية، بل سيحاول إخفاءها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج معه مجاهداً بل إنه يسرع إلى الجهاد، حتى ولو كان الله قد أعطاه رخصة بعدم الجهاد. وهذه الآية - إذن - تحمل التوبيخ للذين استأذنوا، بل وتحمل أكثر من ذلك، فالمؤمن إذا دُعِيَ للجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبأمر من الله لا يكون تفكيره كالشخص العادي؛ لأن الإنسان في الأمور العادية إذا طُلِبَ منه شيء أدار عقله وفكره؛ هل يفعله أو لا يفعله؟ ولكن المؤمن إذا دُعِي للجهاد في سبيل الله، ومع رسول الله، وبأمر من الله؛ لا يدور في عقله الجواب، ولا تأتي كلمة "لا" على خاطره أبداً، بل ينطلق في طريقه إلى الجهاد. وكيف يكون الأمر بالخروج إلى القتال صادراً من الله، ثم يتحجج هؤلاء بالاستئذان بعدم الخروج؟ إذن: فمجرد الاستئذان دليل على اهتزاز الإيمان في قلوبهم؛ لأن الواحد منهم في هذه الحالة قد أدار المسألة في عقله، يخرج للجهاد أو لا يخرج، ثم اتخذ قراراً بالتخلف. والغريب أن هؤلاء استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدم الخروج، مع أن أمر الجهاد صادر من الله سبحانه وتعالى، ولم تكن المسألة تحتاج إلى أن يأذن لهم الرسول بالتخلف. إلا أنهم كانوا يبحثون عن عذر يحتمون به. والمثال من حياتنا اليومية أننا نجد أولاد البلد يسخرون من البخيل الذي لا يكرم ضيفه ويدَّعي أنه سيكرمه، فتجده ينادي ابنه ويقول له أمام الضيف: انزل إلى السوق وابحث لنا عن خروف نذبحه للضيف ولا تتأخر فنحن منتظرون عودتك.. وما إن يقول الضيف أدباً منه: لا. تجد البخيل يصرف ابنه. ويتخذ من رفض الضيف أدباً منه: لا. تجد البخيل يصرف ابنه. ويتخذ من رفض الضيف حجة لعدم إكرامه، وكأنه يريد ذلك، ولكن الواقع يقول: إنه لا يريده من أول الأمر. ونعلم جميعاً أن الإنسان لا يستأذن في إكرام ضيوفه. والمثال: هو إبراهيم عليه السلام عندما جاءته الملائكة في هيئة رجال، وأراد أن يكرمهم فلم يستأذنهم في أن يذبح لهم عجلاً، بل جاء به إليهم مذبوحاً ومشوياً، هذا سلوك مَنْ أراد إكرام الضيف بذبيحة فعلاً، أما مَنْ يريد أن يبحث عن العذر، فهو يتخذ أساليب مختلفة يتظاهر فيها بالتنفيذ، بينما هو في حقيقته لا يريد أن يفعل، مثلما يقال لضيف: أتشرب القهوة أم أنت لا تحبها؟ أو يقال له: هل تريد تناول العشاء أم تحب أن تنام خفيفاً؟ أو يقال: هل تحب أن تنام عندنا أن تنام في الفندق، وهو أكثر راحةً لك؟ وما دام هناك من سأل الرسول: أأخرج معك للقتال أم أقعد، فهذا السؤال يدل على التردد، والإيمان يفترض يقيناً ثابتاً؛ لأن التردد يعني الشك، وهو الذهاب والرجوع على التوالي، وهو يعني أن صاحب السؤال متردد؛ لأن طرفي الحكم عنده سواء. إذن: فالمؤمنون بالله لا يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دُعوا إلى الجهاد؛ لأن مجرد الاستئذان في الخروج إلى الجهاد لا يليق بمؤمن. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ} أي: أن الله يعلم ما في صدورهم من تقوى، فهم إنْ خدعوا الناس، فلن يستطيعوا خداع الله؛ لأنه مُطَّلع على ما تُخفي الصدور.
الجيلاني
تفسير : {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي: ليس من عادة المؤمنين الاستئذان منك إلى الخروج نحو القتال مطلقاً، بل هم منتظرون دائماً، متهيئون دائماً أسبابهم، مترصدون إلى {أَن يُجَاهِدُواْ} في سبيل الله {بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} وينتهزون الفرصة بالمسابقة حين أمروا، فيكف أن يتأذنوا بالقعود وعدم الخروج، والمعذرون متألمون متحسرون بكون في زاوية الحرمان، محزنون ملهوفون متأسفون؛ لذلك وعد لهم سبحانه من فضله درجة عظيمة {وَٱللَّهُ} المطلع لضمائر عباده {عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ} [التوبة: 44] الذين يحفظون نفوسهم من مخالفة أمر الله وأمر رسوله بلا عذرٍ شرعي. بل: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ} بالقعود والتخلف {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} وتوحيده {وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} المعدّ لجزاء الأعمال {وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ} لعدم اطمئنانها ورسوخها بالإيمان والتوحيد {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ} المركوز في جبلتهم {يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة: 45] يتحيرون؛ ويتذبذبون لا إلى هؤلاء وإلى هؤلاء. {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ} وقصدوا الوفاق مع المؤمنين كما أظهروا {لأَعَدُّواْ} وهيأوا {لَهُ عُدَّةً} أهبة وأسباباً {وَلَـٰكِن} لخبث باطنهم وانهماكهم في الضلال {كَرِهَ ٱللَّهُ} المطلع على قساوة قلوبهم {ٱنبِعَاثَهُمْ} أي: اهتزازهم وتحركهم نحو القتال {فَثَبَّطَهُمْ} لذلك وحبسهم، وأقعدهم في مكانهم بإلقاء الرعب والكسل في قلوبهم {وَ} كأنه {قِيلَ} لإسماعهم تضليلاً لهم وتغريراً: {ٱقْعُدُواْ} أيها المنهمكون في الغفلة {مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ} [التوبة: 46] من النساء والصبيان، والمرضى والزمناء.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):