Verse. 1280 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

اِنَّمَا يَسْـتَاْذِنُكَ الَّذِيْنَ لَا يُؤْمِنُوْنَ بِاللہِ وَالْيَوْمِ الْاٰخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوْبُہُمْ فَہُمْ فِيْ رَيْبِہِمْ يَتَرَدَّدُوْنَ۝۴۵
Innama yastathinuka allatheena la yuminoona biAllahi waalyawmi alakhiri wairtabat quloobuhum fahum fee raybihim yataraddadoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنما يستأذنك» في التخلُّف «الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت» شكت «قلوبهم» في الدين «فهم في ريبهم يترددون» يتحيرون.

45

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ } في التخلَّف {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱرْتَابَتْ } شَّكت {قُلُوبُهُمْ } في الدين {فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ } يتحيرون.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية تنص على أن المسأذنين إنما هم مخلصون للنفاق، {وارتابت قلوبهم} معناه شكّت، والريب نحو الشك، {يترددون} أي يتحيرون لا يتجه لهم هدى، ومن هذه الآية نزع أهل الكلام في حد الشك أنه تردد بين أمرين، والصواب في حده أنه توقف بين أمرين، والتردد في الآية إنما هو في ريب هؤلاء المنافقين إذ كانوا تخطر لهم صحة أمر النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً، وأنه غير صحيح أحياناً، ولم يكونوا شاكين طالبين للحق لأنه كان يتضح لهم لو طلبوه، بل كانوا مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كالشاة الحائرة بين الغنمين، وأيضاً فبين الشك والريب فرق ما، وحقيقة الريب إنما هو الأمر يستريب به الناظر فيخلط عليه عقيدته فربما أدى إلى شك وحيرة وربما أدى إلى علم ما في النازلة التي هو فيها، ألا ترى أن قول الهذلي: شعر : كأني أريته بريب تفسير : لا يتجه أن يفسر بشك قال الطبري: وكان جماعة من أهل العلم يرون أن هاتين الآيتين منسوختان بالآية التي ذكرنا في سورة النور، وأسند عن الحسن وعكرمة أنهما قالا في قول {أية : لا يستأذنك الذين يؤمنون} تفسير : [التوبة:44] إلى قوله {فهم في ريبهم يترددون} نسختها الآية التي في النور، {أية : إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله} تفسير : [الآية :62] إلى {أية : إن الله غفور رحيم} تفسير : [النور:62]. قال القاضي أبو محمد: وهذا غلط وقد تقدم ذكره، وقوله تعالى {ولو أرادوا الخروج} الآية، حجة على المنافقين، أي ولو أرادوا الخروج بنياتهم لنظروا في ذلك واستعدوا له قبل كونه، و" العدة" ما يعد للأمر ويروى له من الأشياء، وقرأ جمهور الناس "عُدة" بضم العين وتاء تأنيث، وقرأ محمد بن عبد الملك بن مروان وابنه معاوية بن محمد "عُدة " بضم العين وهاء إضمار يريد"عدته" فحذفت تاء التأنيث لما أضاف، كما قال" وأقام الصلاة" يريد إقامة الصلاة، هذا قول الفراء، وضعفه أبو الفتح، وقال إنما خذف تاء التأنيث وجعل هاء الضمير عوضاً منها، وقال أبو حاتم: هو جمع عدة على عد، كبرة وكبر ودرة ودر، والوجه فيه عدد ولكن لا يوافق خط المصحف، وقرأ عاصم فيما روى عنه أبان وزر بن حبيش "عِده" بكسر العين وهاء إضمار وهو عندي اسم لما يعد كالريح والقتل لأن العدو سمي قتلاً إذ حقه أن يقتل هذا في معتقد العرب حين سمته، {انبعاثهم} نفوذهم لهذه الغزوة، و" التثبيط " التكسيل وكسر العزم، وقوله {وقيل }، يحتمل أن يكون حكاية عن الله تعالى أي قال الله في سابق قضائه {اقعدوا مع القاعدين}، ويحتمل أن يكون حكاية عنهم أي كانت هذه مقالة بعضهم لبعض إما لفظاً وإماً معنى، فحكي في هذه الألفاظ التي تقتضي لهم مذمة إذ القاعدون النساء والأطفال، ويحتمل أن يكون عبارة عن إذن محمد صلى الله عليه وسلم عبارة عن التخلف والتراخي كما هو في قول الشاعر: شعر : واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي تفسير : وليس للهيئة في هذا كله مدخل، وكراهية الله انبعاثهم رفق بالمؤمنين وقوله تعالى: {لو خرجوا فيكم } الآية، خبر بأنهم لو خرجوا لكان خروجهم مضرة، وقولهم {إلا خبالاً } استثناء من غير الأول، وهذا قول من قدر أنه لم يكن في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبال، فيزيد المنافقون فيه، فكأن المعنى ما زادوكم قوة ولا شدة لكن خبالاً، ويحتمل أن يكون استثناء غير منقطع وذلك أن عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، في غزوة تبوك كان فيه منافقون كثير ولهم لا محالة خبال، فلو خرج هؤلاء لالتأموا مع الخارجين فزاد الخبال، والخبال الفساد في الأشياء المؤتلفة الملتحمة كالمودات وبعض الأجرام، ومنه قول الشاعر: [الكامل] شعر : يا بني لبينى لستما بيدِ إلاّ يداً مخبولة العضدِ تفسير : وقرأ ابن أبي عبلة " ما زادكم " بغير واو، وقرأ جمهور الناس {لأوضعوا} ومعناه لأسرعوا السير، و {خلالكم} معناه فيما بينكم من هنا إلى هنا يسد الموضع الخلة بين الرجلين، والإيضاع سرعة السير، وقال الزجّاج {خلالكم} معناه فيما يخل بكم. قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف، وماذا يقول في قوله: {أية : فجاسوا خلال الديار } تفسير : [الاسراء:5] وقرأ مجاهد فيما حكى النقاش عنه، " ولأوفضوا " وهو أيضاً بمعنى الإسراع ومنه قوله تعالى: {أية : إلى نصب يوفضون} تفسير : [المعارج:43]، وحكي عن الزبير أنه قرأ " ولأرفضوا " قال أبو الفتح: هذه من رفض البعير إذا أسرع في مشيه رقصاً ورقصاناً، ومنه قول حسان بن ثابت: [الكامل] شعر : رقص القلوص براكب مستعجل تفسير : ووقعت " ولا أوضعوا" بألف بعد"لا" في المصحف، وكذلك وقعت في قوله {أية : أو لأذبحنه} تفسير : [النمل: 21]، قيل وذلك لخشونة هجاء الأولين قال الزجّاج: إنما وقعوا في ذلك لأن الفتحة في العبرانية وكثير من الألسنة تكتب ألفاً. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن تمطل حركة اللام فيحدث بين اللام والهمزة التي من أوضع، وقوله: {يبغونكم الفتنة} أي يطلبون لكم الفتنة، وقوله {وفيكم سماعون} قال سفيان بن عيينة والحسن ومجاهد وابن زيد معناه جواسيس يستمعون الأخبار وينقلونها إليهم، ورجحه الطبري، قال النقاش: بناء المبالغة يضعف هذا القول، وقال جمهور المفسرين معناه وفيكم مطيعون سامعون لهم، وقوله {والله عليم بالظالمين} توعد لهم ولمن كان من المؤمنين على هذه الصفة.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ} أي في التخلف مطلقاً على الأول أو لكراهة الجهادِ على الثاني {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} تخصيصُ الإيمان بهما في الموضعين للإيذان بأن الباعثَ على الجهاد ببذل النفسِ والمالِ إنما هو الإيمانُ بهما إذ به يتسنى للمؤمنين استبدالُ الحياةِ الأبدية والنعيمِ المقيمِ الخالدِ بالحياة الفانية والمتاعِ الكاسد {وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ} عطفٌ على الصلة، وإيثارُ صيغةِ الماضي للدِلالة على تحقق الريب وتقرُّره {فَهُمُ} حالَ كونهم {فِى رَيْبِهِمْ} وشكِّهم المستقرِّ في قلوبهم {يَتَرَدَّدُونَ} أي يتحيرون فإن الترددَ ديدنُ المتحيَّرِ كما أن الثباتَ ديدنُ المستبصِر، والتعبـيرُ عنه به مما لا يخفى حسنُ موقعِه {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ} يدل على أن بعضَهم قالوا عند الاعتذارِ: كنا نريد الخروجَ لكن لم نتهيأ له، وقد قرُب الرحيلُ بحيث لا يمكننا الاستعدادُ، فقيل تكذيباً لهم: لو أرادوه {لأَعَدُّواْ لَهُ} أي للخروج في وقته {عِدَّةَ} أي أُهبةً من العَتاد والراحلة والسلاح وغيرِ ذلك مما لا بد منه للسفر، وقرىء عُدَّه بحذف التاءِ، والإضافةِ إلى ضمير الخروج كما فعل بالعِدَة مَنْ قال: شعر : [إنَّ الخليط أجَدُّوا البينَ فانجردوا] وأخلفوك عِدَ الأمرِ الذي وعَدوا تفسير : أي عِدتَه وقرىء عِدّةً بكسر العين وعِدَّهُ بالإضافة {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ} أي نهوضَهم للخروج. قيل: هو استدراك عما يُفهم من مقدم الشرطيةِ فإن انتفاءَ إرادتِهم للخروج يستلزم انتفاءَ خروجِهم، وكراهةَ الله تعالى انبعاثَهم تستلزم تثبـيطَهم عن الخروج، فكأنه قيل: ما خرجوا ولكن تثبَّطوا والاتفاق في المعنى لا يمنع الوقوعَ بـين طرَفي لكنْ بعد تحققِ الاختلافِ نفياً وإثباتاً في اللفظ كقولك: ما أحسن إلى زيد ولكنْ أساء والأظهرُ أن يكون استدراكاً من نفس المقدم عن نهج ما في الأقيسة الاستثنائيةِ والمعنى لو أرادوا الخروجَ لأعدوا له عُدةً ولكن ما أرادوه لِما أنه تعالى كره انبعاثَهم لما فيه من المفاسد التي ستَبِـين {فَثَبَّطَهُمْ} أي حبسهم بالجُبن والكسلِ فثبطوا عنه ولم يستدعوا له {وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ} تمثيلٌ لإلقاء الله تعالى كراهةَ الخروجِ في قلوبهم أو لوسوسة الشيطانِ بالأمر بالقعود أو هو حكايةُ قولِ بعضِهم لبعض أي هو إذنُ الرسول صلى الله عليه وسلم لهم في القعود، والمرادُ بالقاعدين إما المعذورون أو غيرُهم، وأياً ما كان فغيرُ خالٍ عن الذم.

القشيري

تفسير : مَنْ رام عن عهدة الإلزام خروجاً انتهز للتأخير والتخلُّف فرصةً لِعَدمِ إيمانه وتصديقه، ولاستمكان الريبة في قلبه وسِرِّه. أولئك الذين يتقلبون في ريبهم، ويترددون في شكِّهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {انما يستأذنك} فى التخلف {الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر} قال فى التبيان كان الاستئذان فى ذلك الوقت علامة النفاق قيل كانوا تسعة وثلاثين رجلا {وارتابت قلوبهم} عطف على الصلة والماضى للدلالة على تحقيق الريب والريب شك مع اضطراب القلب ودل على ان الشاك المرتاب غير مؤمن {فهم} حال كونهم {فى ريبهم} وشكهم المستقر فى قلوبهم {يترددون} اى يتحيرون فان التردد [ديدن المتحير] كما ان الثبات [ديدن المستبصر]

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الاية بانه إنما يستأذن النبي صلى الله عليه وآله في التأخر عن الجهاد والقعود عن القتال معه القوم {الذين لا يؤمنون بالله} اي لا يصدقون بالله ولا يعترفون به {واليوم الآخر} يعني بالبعث والنشور {وارتابت قلوبهم} يعني اضطربت وشكت. والارتياب هو الاضطراب في الاعتقاد بالتقدم مرة والتأخر اخرى. والريبة شك معه تهمة: رابني ريباً وريبة وارتاب ارتياباً، واستراب استرابة. وقوله {فهم في ريبهم يترددون} معناه فهم في شكهم يذهبون ويرجعون والتردد هو التصرف بالذهاب والرجوع مرات متقاربة، مثل المتحير، ردّه ردّاً وردّده ترديداً، وتردّد تردداً وارتدّ ارتداداً، وراده مرادة، وترادّ القوم ترداداً، واسترده استرداداً. وقوله {في ريبهم يترددون} يدل على بطلان قول من يقول: إن المعارف ضرورة، لأنه تعالى أخبر أنهم في شكهم يترددون، صفة الشاك المتحير في دينه الذي ليس على بصيرة من أمره. وقيل في معنى اليوم الاخر قولان: احدهما - انه آخر يوم من أيام الدنيا والمؤذن بالكرة الأخيرة. الثاني - وهو الاقوى - انه يوم الجزاء والحساب وهو يوم القيامة وهو الاظهر من مفهوم هذه اللفظة.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ} فى تصديقهم بنبوّتك {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} يتحيّرون ويقفون عن السّير الى الله، ولذا قال مولانا ومن به رجاؤنا فى عاجلنا وآجلنا امير المؤمنين (ع): من تردّد فى الرّيب سبقه الاوّلون وادركه الآخرون ووطئته سنابك الشّياطين.

اطفيش

تفسير : {إنَّما يسْتَأذِنكَ} فى التخلف {الَّذينَ لا يؤمِنُون باللهِ واليومِ الآخِرِ} خص الإيمان بالله واليوم الآخر فى الآيتين فى الذكر، إشعارا لأن الباعث على الجهاد الإيمان بهما، والكافّ عنه عدم الإيمان بهما {وارْتَابَتْ} شكت قلوبهم فى أمر الإيمان، تارة يتخيل لهم صحة أمر النبى صلى الله عليه وسلم، وتارة يتخيل أنه غير صحيح، والعطف على لا يؤمنون، وقيل كانوا موقنين، ولكن شكوا أن لا يعذبهم الله بالتخلف عنه وهو ضعيف لقوله سبحانه وتعالى: {لا يؤمنون بالله واليوم الآخر} اللهم إلا أن يقال: شكهم فى ذلك ناقض لإيمانهم، أو أراد نفى الإيمان الكامل {فَهم فى رَيْبِهم يتردَّدُونَ} يتحيرون.

اطفيش

تفسير : {إِنَّمَا يَسْـتَأْذِنُكَ} فى ترك الجهاد بلا عذر {الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ} شكت {قُلُوبُهُمْ} عطفت هذه الجملة على جملة الصلة، لم يؤمنوا تحقيقا، فلم يرجوا ثوابا ولا خافوا عقابا، ولم يقل وترتاب بصيغة المضارع لأَن الريبة ماضية فى قلوبهم راسخة سابقة وعدم الإِيمان مترتب عليها، فكان بصيغة المضارع، وربما أَفاد التجدد بأَن يتخيل لهم أَن الإِيمان حق ثم ينفونه ويتخيل لهم ثم ينفونه، وهكذا، وأَما من له عذر من المؤمنين فمعذور فى طلب التخلف، فقيل: ككعب بن مالك وهلال بن أُمية ومرارة بن الربيع من المخلصين، وعدم الاستئذان علة مستمرة فى المخلصين إلا لعذر صحيح، ثم إِنه إذا جاز فإِنما يقال أَستأْذن فى ترك الخروج لا فى الخروج، لأَن الخير لا يستأْذن فيه، كما لا تستأْذن أَخاك فى أَن تسدى إِليه معروفا، وكمالا تقول للضيف: هل أُقدم لك الطعام، أَو هل اُقدم لك الشراب أَو هل أعلف دابتك، كما راغ الخليل أَى ذهب خفية فجاءَ بعجل حنيذ، فإِن الاستئذان فى نحو ذلك يفهم التكلف والكراهة، وقد يسوغ الاستئذان لداع، فيتبين له وجه الاستئذان إِذا كان يخاف على فساد الطعام بنحو صومه أَو شغل قلبه. {فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} يتحيرون، والتردد الذهاب والمجىء، فهذا استعارة تمثيلية أَو مجاز عن التحير بعلاقة السببية، فعادة المتحير التردد، وفى ريبهم حال من واو يترددون لا متعلق بيترددون، وقدم للفاصلة والحصر، وروى أَن ذلك فى تسعة وثلاثين رجلا من المنافقين، وزعم بعض أَن قوله تعالى: "أية : لا يستأْذنك"تفسير : [التوبة: 44] إلخ منسوخ بقوله تعالى فى سورة النور "أية : إِنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله" تفسير : [النور: 62] إِلى غفور رحيم، فخير الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم، من غزا فله الثواب ومن قعد فلا حرج عليه.

الالوسي

تفسير : {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ} أي في التخلف {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} تخصيص الإيمان بهما في الموضعين للإيذان بأن الباعث على الجهاد والمانع عنه الإيمان بهما وعدم الإيمان بهما فمن آمن بهما قاتل في سبيل دينه وتوحيده وهان عليه القتل فيه لما يرجوه في اليوم الآخر من النعيم المقيم ومن لم يؤمن بمعزل عن ذلك، على أن الإيمان بهما مستلزم للإيمان بسائر ما يجب الإيمان به {وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ} عطف على الصلة، وإيثار صيغة الماضي للدلالة على تحقق الريب وتقرره {فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ} وشكهم المستمر في قلوبهم {يَتَرَدَّدُونَ} أي يتحيرون، وأصل معنى التردد الذهاب والمجيء وأريد به هنا التحير مجازاً أو كناية لأن المتحير لا يقر في مكان. والآية نزلت كما / روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في المنافقين حين استأذنوا في القعود عن الجهاد بغير عذر وكانوا على ما في بعض الروايات تسعة وثلاثين رجلاً. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وغيرهما عنه أن قوله تعالى: {أية : لاَ يَسْتَأْذِنُكَ } تفسير : [التوبة: 44] الخ نسخته الآية التي في النور [62] {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}تفسير : إلى {أية : إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : فجعل الله النبـي صلى الله عليه وسلم بأعلى النظرين في ذلك من غزا غزا في فضيلة ومن قعد قعد في غير حرج إن شاء.

ابن عاشور

تفسير : الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً نشأ عن تبرئة المؤمنين من أن يستأذنوا في الجهاد: ببيان الذين شأنهم الاستئذان في هذا الشأن، وأنّهم الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر في باطن أمرهم لأنّ انتفاء إيمانهم ينفي رجاءهم في ثواب الجهاد، فلذلك لا يُعرضون أنفسهم له. وأفادت {إنما} القصر. ولمّا كان القصر يفيد مُفاد خبرين بإثبات شيء ونفي ضدّه كانت صيغة القصر هنا دالّة باعتبار أحدِ مُفَادَيها على تأكيد جملة {أية : لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر}تفسير : [التوبة: 44] وقد كانت مغنية عن الجملة المؤكّدة لولا أنّ المراد من تقديم تلك الجملة التنويه بفضيلة المؤمنين، فالكلام إطناب لقصد التنويه، والتنويه من مقامات الإطناب. وحُذف متعلِّق {يستأذنك} هنا لظهوره ممّا قبله ممّا يؤذِن به فعل الاستئذان في قوله: {أية : لا يستئذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا}تفسير : [التوبة: 44] والتقدير: إنّما يستأذنك الذين لا يؤمنون في أن لا يجاهدوا، ولذلك حذف متعلّق يستأذنك هنا. والسامع البليغ يقدر لكلّ كلام ما يناسب إرادة المتكلّم البليغ، وكلّ على منواله ينسج. وعَطف {وارتابت قلوبهم} على الصلة وهي {لا يؤمنون بالله واليوم الآخر} يدل على أنّ المراد بالارتياب الإرتياب في ظهور أمر النبي صلى الله عليه وسلم فلأجل ذلك الارتياب كانوا ذوي وجهين معه فأظهروا الإسلام لئلا يفوتهم ما يحصل للمسلمين من العز والنفع، على تقدير ظهور أمر الإسلام، وأبطنوا الكفر حفاظاً على دينهم الفاسد وعلى صلتهم بأهل ملّتهم، كما قال الله تعالى فيهم: {أية : الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين}تفسير : [النساء: 141]. ولعلّ أعظم ارتيابهم كان في عاقبة غزوة تبوك لأنّهم لكفرهم ما كانوا يقدّرون أنّ المسلمين يغلبون الروم، هذا هو الوجه في تفسير قوله: {وارتابت قلوبهم} كما آذن به قوله: {فهم في ريبهم يترددون}. وجيء في قوله: {لا يؤمنون} بصيغة المضارع للدلالة على تجدّد نفي إيمانهم، وفي {وارتابت قلوبهم} بصيغة الماضي للدلالة على قدم ذلك الارتياب ورسوخه فلذلك كان أثره استمرار انتفاء إيمانهم، ولما كان الارتياب ملازماً لانتفاء الإيمان كان في الكلام شبه الاحتباك إذ يَصير بمنزلة أن يقال: الذين لم يؤمنوا ولا يؤمنون وارتابت وترتاب قلوبهم. وفرّع قوله: {فهم في ريبهم يترددون} على {وارتابت قلوبهم} تفريع المسبب على السبب: لأنّ الارتياب هو الشكّ في الأمر بسبب التردّد في تحصيله، فلتردّدهم لم يصارحوا النبي صلى الله عليه وسلم بالعصيان لاستنفاره، ولم يمتثلوا له فسلكوا مسلكاً يصلح للأمرين، وهو مسلك الاستئذان في القعود، فالاستئذان مسبّب على التردّد، والتّردد مسبّب على الارتياب وقد دلّ هذا على أنّ المقصود من صلة الموصول في قوله: {الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر}. هو قوله: {وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون}. لأنّه المنتج لانحصار الاستئذان فيهم. و{في ريبهم} ظرف مستقِرّ، خبر عن ضمير الجماعة، والظرفية مجازية مفيدة إحاطة الريب بهم، أي تمكّنه من نفوسهم، وليس قوله: {في ريبهم} متعلّقاً بــــ {يترددون}. والتردّد حقيقته ذهابٌ ورجوع متكرر إلى محلّ واحد، وهو هنا تمثيل لحال المتحيّر بين الفعل وعدمه بحال الماشي والراجعِ. وقريب منه قولهم: يُقدّم رِجْلاً ويؤخر أخرى. والمعنى: أنّهم لم يعزموا على الخروج إلى الغزو. وفي هذه الآية تصريح للمنافقين بأنّهم كافرون، وأنّ الله أطْلع رسوله ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ والمؤمنين على كفرهم، لأنّ أمر استئذانهم في التخلّف قد عرفه الناس.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَسْتَأْذِنُكَ} {ٱلآخِرِ} (45) - وَلَكِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فِي الْقُعُودِ عَنِ الْجِهَادِ، وَلاَ عُذْرَ لَهُمْ، هُمُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ، وَلاَ يَرْجُونَ ثَوَابَ اللهِ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَإِنْفَاقِهِم الْمَالَ فِيمَا فَرَضَهُ عَلَيْهِمُ الإِسْلاَمُ، وَقَدْ شَكَّتْ قُلُوبُهُمْ فِي صِحَّةِ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ، فَهُمْ يَتَحَيَّرُونَ، وَيَتَرَدَّدُونَ مُتَشَكِّكِينَ. يَتَرَدَّدُونَ - يَتَحَيَّرُونَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ثم يُنزِل الله حكمه في هؤلاء فيقول: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} وهكذا أصدر الله حكمه فيمن أقدموا على الاستئذان، فما دام الإنسان قد تردد بين أن يخرج للجهاد أو لا يخرج، فهذا يكشف عن اهتزاز إيمانه، وهذا الاهتزاز يعني وجود شك في نفسه، فيما أعد الله له في الآخرة؛ لأنه إذا كان واثقاً في داخله يقيناً أنه سيدخل الجنة بلا حساب إنْ استشهد، ما تردد ثانية واحدة، ولا أدار الأمر في رأسه هل يذهب أو لا يذهب؟ فما دامت الجنة هي الغاية، فأيُّ طريق مُوصل إليها يكون هو الطريق الذي يتبعه مَنْ في قلبه يقين الإيمان، وكلما كان الطريق أقصر كان ذلك أدعى إلى فرح الإنسان المؤمن؛ لأنه يريد أن ينتقل من شقاء الدنيا إلى نعيم الآخرة، وحتى لو كان يحيا في نعيم في الدنيا، فهو يعرف أنه نعيم زائل وهو لا يريد هذا النعيم الزائل، بل يريد النعيم الباقي الذي لا يزول. والتردد والاستئذان هنا معناهما: أن الشك قد دخل في قلب الإنسان، ومعنى الشك - كما نعلم - هو وجود أمرين متساويين في نفسك لا يرجح أحدهما حتى تتبعه. والنسب الكلامية والقضايا العقلية تدور بين أشياء متعددة، فأنت حين تجزم بحكم فلا بد أن يكون له واقع يؤيده؛ لأنك إن جزمتَ بشيء لا واقع له فهذا جهل، والجهل - كما نعلم - أن تعتقد أن شيئاً ما هو حقيقة، وهو غير ذلك ولا واقع له. فإذا أنت على سبيل المثال قلت: إن الأرض مبسوطة، ثم جاءوا لك بصورة الأرض كروية وأصررت على أنها مبسوطة، فهذا جهل وإصرار عليه. وفرق بين الجاهل والأمي، فالأمي الذي لم يكن يعرف أن الأرض كروية، ثم علم حقيقة العلم وصدقها فهو متى عرف الواقع صدقه وآمن به. ولكن الجاهل يؤمن بما يخالف الواقع. فإن جئت له بالحقيقة أخذ يجادل فيها مُصراً على رأيه. ولذلك نجد مصيبة الدنيا كلها ليست من الأميين، ولكن من الجهلة لأن الأمي يحتاج إلى مجهود فكري واحد، أن تنقل له المعلومة فيصدقها، أما الجاهل فإقناعه يقتضي مجهودين: الجهد الأول: أن تخرج ما في عقله من معلومات خاطئة، وأوهام ليست موجودة في الواقع، والجهد الثاني: أن تقنعه بالحقيقة. وإذا كان هناك واقع في الحياة تستطيع أن تدلل عليه فهذا هو العلم. فإن لم تستطع التدليل عليه فهذا هو التلقين، والمثال: أننا حين نُلقن الطفل الصغير أن الله أحد، وهو لم يبلغ السن التي تستطيع عقلياً أن تدلل له فيها على ذلك. ولكنك قلت له: إن الله أحد، وجزم بها الطفل، وهذه حقيقة واقعة، ولكنه لا يستطيع أن يدلل عليها. وهو في هذه الحالة يُقلد أباه أو أمه أو مَنْ لقنه هذا الكلام حتى ينضج عقله ويستطيع أن يدلل على ما اعتقده في صغره بالتلقين. إذن: فالعلم يقتضي أن تؤمن بقضية واقعية عليها دليل، ولكن إن كنت لم تصل إلى مرحلة الجزم؛ تكون في ذهنك نسبتان؛ وليست نسبة واحدة. فإن لم ترجح نسبة على الأخرى، فهذا هو الشك. وإن ظننتَ أنت أن إحداهما راجحة فهذا هو الظن، فإن أخذت بالنسبة غير الراجحة فهذا هو الوهم. الحق سبحانه وتعالى يقول: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} ولو استقر في قلوبهم الإيمان اليقيني بالله واليوم الآخر، وأن مَردَّهم إلى الله سبحانه وتعالى، وأنهم سوف يحاسبون على ما قدموا، واعتبروا أن تضحيتهم بالمال والنفس عمل قليل بالنسبة للجزاء الكبير الذي ينتظرهم في الآخرة، لو كان الأمر كذلك لما استأذنوا، ولكن ما دام الشك قد دخل قلوبهم فمعنى هذا أن هناك ريبة في أمر ملاقات الله في اليوم الآخر. وهل هذا الأمر حقيقة يقينية؟ ولأنهم يرتابون في هذه المسألة فهل يضحون بأموالهم وأنفسهم من أجل لا شيء، ولذلك يقول عنهم الحق سبحانه وتعالى: {وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ}. إذن: فالارتياب محله القلب، والعلم أيضاً محله القلب، ويمر كل من الارتياب والعلم على العقل؛ لأن العقل هو الذي يُصفِّي مثل تلك المسائل بعد أن يستقبل المحسَّات ويناقش المقدمات والنتائج، فإن صفَّى العقل هذه الأمور واستقر على الإيمان، هنا يصبح الإيمان قضية يقينية ثابتة مستقرة في القلب، ولا تطفو مرة أخرى إلى العقل لتُناقَش من جديد، ولذلك سمَّوْها عقيدة، أي عقدت الشيء حتى يستقر في مكانه ولا يتزحزح. إن الطفل - مثلاً - إنْ قرَّب يده إلى شيء مشتعل فأحس بلسعة النار. هنا يعرف أن النار محرقة ولا يحاول تكرار نفس التجربة، ولا يناقشها في عقله ليقول: لن تلسعني النار في هذه المرة، بل تستقر في ذهنه المسألة، وتنتقل من قضية حسية إلى قضية عقدية لا تخضع للتجربة من جديد ولا يحتاج فيها إلى دليل. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ}، وفي آية أخرى يقول سبحانه: {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ} والقلب هو محل القضايا التي انتهت من مرحلة التفكير العقلي، وصارت قضايا ثابتة لا يبحثها العقل من جديد. وقوله هنا: {وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ} معناه: أن الإيمان عندهم لم يصل إلى المرتبة التي لا يطفو فيها مرة أخرى للتفكير العقلي.. أيؤمن أو لا؟، أي: لم يصل إلى مرتبة اليقين، بل ما زال في مرحلة الشك الذي يعيد القضايا من القلب إلى العقل لمناقشتها من جديد، ولذلك يصفهم الحق سبحانه وصفاً دقيقاً فيقول: {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} أي: أن الإيمان عندهم يتردد بين العقل والقلب، فينزل إلى القلب ثم يطفو إلى العقل ليُناقَشَ من جديد، ثم ينزل إلى القلب مرة أخرى، وهكذا يتردد الأمر بين العقل والقلب، ولا يستقر في مكان، وهم بذلك على غير يقين من الآخرة، وما أعدَّ الله لهم فيها من جزاء. ويشكُّون في لقاء الله في اليوم الآخر. ويدور كل ذلك في نفوسهم، ولكنه لا يصل إلى مرتبة اليقين. ويريد الله سبحانه وتعالى أن يوضح لنا الصورة أكثر فيقول: {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ..}.