Verse. 1281 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

وَلَوْ اَرَادُوا الْخُرُوْجَ لَاَعَدُّوْا لَہٗ عُدَّۃً وَّلٰكِنْ كَرِہَ اللہُ انْۢبِعَاثَہُمْ فَثَبَّطَہُمْ وَقِيْلَ اقْعُدُوْا مَعَ الْقٰعِدِيْنَ۝۴۶
Walaw aradoo alkhurooja laaAAaddoo lahu AAuddatan walakin kariha Allahu inbiAAathahum fathabbatahum waqeela oqAAudoo maAAa alqaAAideena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولو أرادوا الخروج» معك «لأعدوا له عدة» أهبة من الآلة والزاد «ولكن كره الله انبعاثهم» أي لم يرد خروجهم «فثبطهم» كسَّلهم «وقيل» لهم «اقعدوا مع القاعدين» المرضى والنساء والصبيان، أي قدر الله تعالى ذلك.

46

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً} أي لو أرادوا الجهاد لتأهبوا أُهبة السفر. فتركُهم الاستعداد دليل على إرادتهم التخلف. {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ} أي خروجهم معك. {فَثَبَّطَهُمْ} أي حبسهم عنك وخذلهم. لأنهم قالوا: إن لم يؤذن لنا في الجلوس أفسدنا وحرّضنا على المؤمنين. ويدلّ على هذا أن بعده {أية : لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً}تفسير : [التوبة: 47]. {وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ} قيل: هو من قول بعضهم لبعض. وقيل: هو من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويكون هذا هو الإذن الذي تقدّم ذكره. قيل: قاله النبيّ صلى الله عليه وسلم غضباً، فأخذوا بظاهر لفظه وقالوا: قد أذن لنا. وقيل: هو عبارة عن الخذلان؛ أي أوقع الله في قلوبهم القعود. ومعنىٰ {مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ} أي مع أُولِي الضرر والعميان والزَّمْنَى والنسوان والصبيان.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ} أي: معك إلى الغزو {لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً} أي لكانوا تأهبوا له {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ} أي: أبغض أن يخرجوا معكم قدراً، {فَثَبَّطَهُمْ} أي: أخرهم، {وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ} أي: قدراً، ثم بين تعالى وجه كراهيته لخروجهم مع المؤمنين فقال: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} أي لأنهم جبناء مخذولون، {ولأَوْضَعُواْ خِلَـٰلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ} أي: ولأسرعوا السير والمشي بينكم بالنميمة والبغضاء والفتنة، {وَفِيكُمْ سَمَّـٰعُونَ لَهُمْ} أي مطيعون لهم، ومستحسنون لحديثهم وكلامهم، يستنصحونهم، وإن كانوا لا يعلمون حالهم، فيؤدي إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير. وقال مجاهد وزيد بن أسلم وابن جرير: {وَفِيكُمْ سَمَّـٰعُونَ لَهُمْ} أي: عيون، يسمعون لهم الأخبار، وينقلونها إليهم، وهذا لا يبقى له اختصاص بخروجهم معهم، بل هذا عام في جميع الأحوال. والمعنى الأول أظهر في المناسبة بالسياق، وإليه ذهب قتادة وغيره من المفسرين. وقال محمد بن إسحاق: كان الذين استأذنوا فيما بلغني من ذوي الشرف، منهم عبد الله بن أبي ابن سلول، والجد بن قيس، وكانوا أشرافاً في قومهم، فثبطهم الله لعلمه بهم أن يخرجوا معه فيفسدوا عليه جنده، وكان في جنده قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه؛ لشرفهم فيهم، فقال: {وَفِيكُمْ سَمَّـٰعُونَ لَهُمْ} ثم أخبر تعالى عن تمام علمه فقال: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ} فأخبر بأنه يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، ولهذا قال تعالى: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} فأخبر عن حالهم كيف يكون لو خرجوا، ومع هذا ما خرجوا كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} تفسير : [الأنعام: 28] وقال تعالى: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} تفسير : [الأنفال: 23] وقال تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَـٰرِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وَإِذاً لأَتَيْنَـٰهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَـٰهُمْ صِرَٰطاً مُّسْتَقِيماً } تفسير : [النساء: 66-68] والآيات في هذا كثيرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ } معك {لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً } أُهبة من الآلة والزاد {وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ } أي لم يرد خروجهم {فَثَبَّطَهُمْ } كسَّلهم {وَقِيلَ } لهم {ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَٰعِدِينَ } المرضى والنساء والصبيان، أي قدر الله تعالى ذلك.

ابن عبد السلام

تفسير : {عُدَّةً} صحة عزم ونشاط نفس، أو الزاد والراحلة ونفقة الحاضرين من الأهل. {كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ} لوقوع الفشل بتخاذلهم كابن أُبي، والجد بن قيس. {وَقِيلَ اقْعُدُواْ} قاله بعضهم لبعض، أو قاله الرسول صلى الله عليه وسلم غضباً عليهم لعلمه بذلك منهم. {الْقَاعِدِينَ} بغير عذر، أو بعذر كالنساء والصبيان.

الخازن

تفسير : {ولو أرادوا الخروج} يعني إلى الغزو معكم {لأعدوا له عدة} لتهيؤوا له بإعداد آلات السفر وآلات القتال من الكراع والسلاح {ولكن كره الله انبعاثهم} يعني خروجهم إلى الغزو معكم {فثبطهم} يعني منعهم وحبسهم عن الخروج معكم والمعنى أن الله سبحانه وتعالى كره خروج المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم فصرفهم عنه وهاهنا يتوجه سؤال وهو أن خروج المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم إما أن يكون فيه مصلحة أو مفسدة فإن كان فيه مصلحة فلم قال: ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم، وإن كان فيه مفسدة. فلم عاتب نبيه صلى الله عليه وسلم في أذنه لهم بالقعود والجواب عن السؤال أن خروجهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيه مفسدة عظيمة بدليل أنه تعالى أخبر عن تلك المفسدة بقوله تعالى لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً، بقي فلم عاتب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بقوله لم أذنت لهم فنقول إنه صلى الله عليه وسلم أذن لهم قبل تمام الفحص وإكمال التأمل والتدبر في حالهم فلهذا السبب قال الله تعالى: لم أذنت لهم؟ وقيل إنما عاتبه لأجل أنه أذن لهم قبل أن يوحي إليه في أمرهم بالقعود {وقيل اقعدوا مع القاعدين} معناه أنهم لما استأذنوه في القعود. قيل لهم: اقعدوا مع القاعدين وهم النساء والصبيان والمرضى وأهل الأعذار ثم اختلفوا في القائل من هو فقيل، قال بعضهم لبعض: اقعدوا مع القاعدين. وقيل: القائل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما قال ذلك لهم على سبيل الغضب لما استأذنوه في القعود فقال لهم اقعدوا مع القاعدين فاغتنموا ذلك وقعدوا وقيل إن القائل ذلك هو الله سبحانه وتعالى بأن ألقى في قلوبهم القعود لما كره انبعاثهم مع المسلمين إلى الجهاد ثم بيَّن سبحانه وتعالى ما في خروجهم من المفاسد فقال تعالى: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً} يعني لو خرج هؤلاء المنافقون معكم إلى الغزو ما زادوكم إلا فساداً وشراً وأصل الخبال اضطراب ومرض يؤثر في العقل كالجنون قال بعض النحاة: هذا من الاستثناء المنقطع والمعنى لو خرجوا فيكم ما زادوكم قوة لكن خبالاً والمراد به هنا الإفساد وإيقاع الجبن والفشل بين المؤمنين بتهويل الأمر وشدة السفر وكثرة العدوان وقوتهم {ولأوضعوا خلالكم} يعني ولأسرعوا فيكم وساروا بينكم بإلقاء النميمة والأحاديث الكاذبة فيكم {يبغونكم الفتنة} يعني يطلبون لكم ما تفتتنون به وذلك أنهم يقولون للمؤمنين لقد جمع لكم كذا وكذا ولا طاقة لكم بهم وإنكم ستهزمون منهم وسيظهرون عليكم ونحو ذلك من الأحاديث الكاذبة التي تجبن وقيل معناه يطلبون العيب والشر {وفيكم سماعون لهم} قال مجاهد: يعني وفيكم عيون لهم يؤدون إليهم أخباركم وما يسمعون منكم وهم الجواسيس. وقال قتادة: وفيكم مطيعون لهم يسمعون كلام المنافقين ويطيعونهم وذلك أنهم يلقون إليهم أنواعاً من الشبهات الموجبة لضعف القلب فيقبلونها منهم. فإن قلت: كيف يجوز أن يكون في المؤمنين المخلصين من يسمع ويطيع للمنافقين؟ قلت: يحتمل أن يكون بعض المؤمنين لهم أقارب من كبار المنافقين ورؤسائهم فإذا قالوا قولاً ربما أثر ذلك القول في قلوب ضعفة المؤمنين في بعض الأحوال {والله عليم بالظالمين} وهذا وعيد وتهديد للمنافقين الذين يلقون الفتن والشبهات بين المؤمنين وقوله سبحانه وتعالى: {لقد ابتغوا الفتنة من قبل} يعني لقد طلبوا صد أصحابك يا محمد عن الدين وردهم إلى الكفر وتخذيل الناس عنكم قيل هذا اليوم كما فعل عبد الله بن أبي بن سلول يوم أحد حين انصرف بأصحابه عنكم {وقلبوا لك الأمور} يعني وأجالوا فيك وفي أمرك وفي إبطال دينك الرأي وبالغوا في تخذيل الناس عنك وقصدهم تشتيت أمرك {حتى جاء الحق} يعني النصر والظفر {وظهر أمر الله وهم كارهون} يعني ذلك.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً}، أيْ: لو أرادوا الخروجَ بنيَّاتهم، لنظروا في ذلك وٱستعدُّوا له. وقوله: {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ }. * ص *: و{وَلَـٰكِن}: أصلها أَن تقع بَيْنَ نقيضَيْن أَو ضِدَّيْنِ، أَوْ خَلافَيْن، على خلاف فيه. انتهى. و{ٱنبِعَاثَهُمْ }: نفوذَهُمْ لهَذِهِ الغزوة، والتثبيطُ: التَّكْسِيلُ وكَسْر ٱلعَزْمِ. وقوله سبحانه: {وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ}، يحتمل أنْ يكون حكايةً عن اللَّه، أي: قال اللَّه في سابق قضائِهِ: ٱقْعُدُوا مع القاعدين، ويحتملُ أنْ يكون حكايةً عنهم، أي: كانَتْ هَذِهِ مقالَةَ بَعْضِهِمْ لبعضٍ، ويحتملُ أنْ يكون عبارةً عن إِذْنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لهم في القعود، أيْ: لما كره اللَّه خروجهم، يَسَّر أَنْ قلْتَ لهم: ٱقعدوا مع القاعدين، والقعودُ؛ هنا: عبارةٌ عن التخلُّفِ، وكراهيةُ اللَّهِ ٱنبعاثَهُمْ: رِفْقٌ بالمؤمنين. وقوله سبحانه: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} الخبالُ: الفسادُ في الأشياء المؤتَلِفة؛ كٱلمَوَدَّات، وبَعْضِ الأجرامِ، {لأَوْضَعُواْ} معناه: لأسرعوا السَّيْر، و{خِلَـٰلَكُمْ} معناه: فيما بينكم. قال * ص *: {خِلَـٰلَكُمْ } جمع خَلَلٍ، وهو الفُرْجَة بين الشيئين، وٱنتصَبَ على الظَّرف بـــ {لأَوْضَعُواْ}، و{يَبْغُونَكُمُ}: حالٌ، أي: باغين. انتهى. والإِيضاع: سُرْعَةُ السير، ووقَعْتُ {لأَوْضَعُواْ} بألف بَعْدَ «لا» في المصحف، وكذلك وقعتْ في قوله: { أية : أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ } تفسير : [النمل:21] {يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ}، أي: يطلبون لكم الفتْنَة، {وَفِيكُمْ سَمَّـٰعُونَ لَهُمْ}، قال مجاهد وغيره: معناه: جواسيسُ يسمعون الأخبار، ويَنْقُلُونها إِليهم، وقال الجمهور: معناه: وفيكم مُطِيعُونَ سامعون لهم. وقوله سبحانه: {لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ}، في هذه الآية تحقيرٌ لشأنهم، ومعنَى قوله: {مِن قَبْلُ }: ما كان من حالهم في أُحُدٍ وغيرها، ومعنى قوله: {وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ}: دبَّروها ظهراً لبطْنٍ، وسعوا بكُلِّ حيلةٍ {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي}، نزلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وأسند الطبريُّ أَنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قالَ: « حديث : اغْزُوا تَبُوكَ، تَغْنَمُوا بَنَاتِ الأصْفَرِ » تفسير : فقال الجَدُّ: ٱئْذَنْ لَنَا وَلاَ تَفْتِنَّا بالنِّسَاءِ، وقال ابن عبَّاس: إِن الجَدَّ قال: ولكنِّي أُعِينُكَ بِمَالِي. وقوله سبحانه: {أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ}، أي: في الذي أظْهَرُوا الفِرَارَ منه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ولكن كره الله انبعاثهم‏}‏ قال‏:‏ خروجهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏فثبطهم‏}‏ قال‏:‏ حبسهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله ‏ {‏لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا‏ً} ‏ قال‏:‏ هؤلاء المنافقون في غزوة تبوك، سأل الله عنها نبيه والمؤمنين فقال‏:‏ ما يحزنكم ‏ {‏لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا‏ً}‏ يقول‏:‏ جمع لكم وفعل وفعل يخذلونكم‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ولأوضعوا خلالكم‏} ‏ قال‏:‏ لأسرعوا بينكم‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ‏ {‏ولأوضعوا خلالكم‏} ‏ قال‏:‏ لارفضوا ‏ {‏يبغونكم الفتنة‏}‏ قال‏:‏ يبطئنكم عبدالله بن نبتل، وعبدالله بن أبي ابن سلول، ورفاعة بن تابوت، وأوس بن قيظي ‏{‏وفيكم سماعون لهم‏}‏ قال‏:‏ محدثون بأحاديثهم غير منافقين، هم عيون للمنافقين‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله ‏ {‏وفيكم سماعون لهم‏}‏ قال‏:‏ مبلغون‏. وأخرج ابن إسحق وابن المنذر عن الحسن البصري قال‏:‏ كان عبد الله بن أبي، وعبد الله بن نبتل، ورفاعة بن زيد بن تابوت، من عظماء المنافقين وكانوا ممن يكيد الإِسلام وأهله، وفيهم أنزل الله تعالى ‏{‏لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور‏} ‏ إلى آخر الآية‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ} [الآية: 46]. قال جعفر: طالب عباده بالحق ولم يجعلهم لذلك أهلاً، ثم لم يعذرهم، ولامهم على ذلك، ألا تراه يقول: وقالوا لا تنفروا فى الحر. قال ابن الفرحى: إنما هو نعت واحد كالماء الواحد يسقى به ألوان الشجر فتختلف ثمارها، لو سقى الورد بالبول ما وجد منه إلا ريح الورد، ولو سقى الحنظل بماء الورد، لما خرج إلا الحنظل وريحه إنما يلى اللطيفة التى جرى بها الخذلان والتوفيق. قوله تعالى: {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً} [الآية: 46]. قال جعفر: لو عرفوا الله لاستحيوا منه، ولخرجوا له عن أنفسهم وأزواجهم وأموالهم، بذلاً لأمر واحد من أوامره. قال بعضهم فى هذه الآية: لو طلبوا التوكل لسلكوا طريق الثقة بالله فإنها الطريق إليه.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً}. أي لو صدقوا في الطاعة لاستجابوا ببذل الوسع والطاقة، ولكن سَقِمَتْ إرادتُهم، فحصلت دون الخروج بَلادَتُهم، وكذلك قيل: شعر : لو صحَّ منكَ الهوى أُرْشِدْتَ للحِيَلِ تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ}. ألْزَمَهم الخروجَ من حيث التكليف، ولكن ثبَّتهم في بيوتهم بالخذلان؛ فبالإلزام.

البقلي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً} بين الله سبحانه ان ارادة العباد لا يقع الاّ بارادته حيث يقول ولكن كفر الله انبعاثهم نفى عنهم صدق الارادة ولو كانوا صادقين فى الارادة لاستجابوا بذل الوسع و الطاقة ولكن سقمت ارادتهم فحصلت دون الخروج بادارتهم كذلك لو صح منك الهوى ارشدت للحيل قال جعفر او عرفوا الله لاستجابوا منه ويخرجوا له عن انفسهم وازواجهم واموالهم بذلا لا من واحد من اوامره وقال بعضهم لو طلبوا التوكل لسلكوا سبيل الثقة بالله فانها الطريق اليه قوله تعالى: {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ} وصف اهل النفاق الذين لدغتهم افاعى القهر بنعت عدم التريانى من مفرح الوفاق دعاهم بلسان الامر الى العبودية واجرى شقاوتهم فى سابق احكامه الازلية كانوا مخاطبين بالعبودية غير مكاشفين بجمال الربوبية امتحنهم بالامر وردّهم عن ساحة الكبرياء بالحكم طالبهم بالاعمال ومنعهم عن الاحوال قال جعفر طالب عباده بالحق ولم يجعلهم لذلك اهلا ثم لم يعذرهم ولامهم على ذلك الا تراه يقول وقالوا لا تنفروا فى الحر قال ابن الفرجى انما هو نعت واحد كالماء الواحد يسقى به الوان الشجر فيختلف ثمارها ولو سقى الورد بالبول ما وجد منه الا ريح والورود لو سقى الحنظل بماء الورد لما خرج الا الحنظل وريحه انما هى اللطيفة التى جرى بها الخذلان والتوفيق.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولو ارادوا الخروج} يدل على ان بعضهم قالوا عند الاعتذار كنا نريد الخروج لكن لم نتهيأ له وقد قرب الرحيل بحيث لا يمكننا فكذبهم الله وقال لو ارادوا الخروج معك الى العدو فى غزوة تبوك {لأعدوا له} اى للخروج فى وقته {عدة} اى اهبة من الزاد والراحلة والسلاح وغير ذلك مما لا بد منه للسفر {ولكن كره الله انبعاثهم} ولكن ما ارادوه لما انه تعالى كره نهوضهم للخروج لما فيه من المفاسد الآتيه. والانبعاث [برانكيخته شدن] كما فى التاج فلكن للاستدراك من المقدم. وفى حواشى سعدى جلبى الظاهر ان لكن ههنا للتأكيد انتهى {فثبطهم} اى حبسهم بالجبن والكسل فتثبطوا عنه ولم يستعدوا له والتثبيط صرف الانسان عن الفعل الذى يهم بهم {وقيل اقعدوا مع القاعدين} الذين شأنهم القعود وملازمة البيوت وهم الزمنى والمرضى والعميان والنساء والصبيان ففيه ذم لهم وظاهره يخالف قوله تعالى {أية : انفروا خفافا وثقالا} تفسير : [التوبة: 41]. فلذا حملوه على التمثيل بان يشبه القاء الله تعالى فى قلوبهم كراهة الخروج بامر امر امرهم بالقعود ثم بين سر كراهته تعالى لانبعاثهم فقال {لو خرجوا فيكم} [درميان شما] اى مخالطين لكم {ما زادوكم} اى ما اورثوكم شيئاً من الاشياء {الا خبالا} اى فسادا وشرا كالتجبين وتهويل امر الكفار والسعى للمؤمنين بالنميمة وافساد ذات البين واغراء بعضهم على بعض وتحسين الامر لبعضهم وتقبيحه للبعض الآخر ليتخلفوا وتفترق كلمتهم فهو استثناء مفرغ من اعم العام الذى هو الشئ فلا يلزم ان يكون فى اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خبال وفساد ويزيد المنافقون ذلك الفساد بخروجهم فيما بينهم لان الزيادة المستثناة انما هى الزيادة بالنسبة الى اعم العام لا بالنسبة الى ما كان فيهم من القبائح والمنكرات. وفى البحر قد كان فى هذه الغزوة منافقون كثير ولهم لا شك خبال فلو خرج هؤلاء لالتأموا فزاد الخبال انتهى {ولأوضعوا خلالكم} اى لسعوا بينكم واسرعوا بالقاء ما يهيج العداوة او ما يؤدى الى الانهزام. ولا يضاع تهييج المركوب وحمله على الاسراع من قولهم وضع البعير وضعا اذا اسرع واوضعته انا اذا حملته على الاسراع. والمعنى لأوضعوا ركائبهم بينكم على حذف المفعول والمراد به المبالغة فى الاسراع بالنمائم لان الراكب اسرع من الماشى. والخلال جمع خلل وهو الفرجة بين الشيئين وهو بمعنى بينكم منصوب على انه ظرف اوضعوا {يبغونكم الفتنة} حال من فاعل اوضعوا اى حال كونهم باغين اى طالبين الفتنة لكم وهى افتراق الكلمة {وفيكم} [ودرميان شما] {سماعون لهم} اى نمامون يسمعون حديثكم لاجل نقله اليهم فاللام للتعليل او فيكم قوم ضعفة يسمعون للمنافقين اى يطيعونهم فاللام لتقوية العمل لكون العامل فرعا كقوله تعالى {أية : فعال لما يريد} تفسير : [البروج: 16]. {والله عليم بالظالمين} علما محيطا بضمائرهم وظواهرهم وما فعلوا فيما مضى وما يأتى منهم فيما سيأتى وهو شامل للفريقين السماعين والقاعدين

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ما زادوكم إلا خبالاً} قال بعضهم: هو استثناء منقطع، أي: ما زادوكم شيئاً، لكن خبالاً يُحدِثُونه في عسكركم بخروجهم. قال ذلك: لئلا يلزم أن الخبال واقع في عسكر المسلمين، لكن خروجهم يزيد فيه. وفيه نظر؛ لأن الاستثناء المفرغ لا يكون منقطعاً، ويمكن هنا أن يكون متصلاً؛ لأن غزوة تبوك خرج فيها كثير من المنافقين، فحصل الخبال، فلو خرج هؤلاء المستأذنون في التخلف، القاعدون، لزاد الخبالُ بهم. وقوله: (ولأوضعوا) أي: أسرعوا، والإيضاع: الإسراع، (وخلالكم): ظرف، أي: لأسرعوا بينكم بالمشي بالنميمة، وجملة: (يبغونكم): حال من فاعل "أوضعوا". يقول الحق جل جلاله: {ولو أرادوا}؛ أراد المنافقون {الخروجَ} إلى الغزو معكم، وكانت لهم نية في ذلك {لأعدُّوا له عُدَّةً} أي: لاستعدوا له أهبتَهُ قبل أوانه. فما فعلوا، {ولكن} تثبطوا؛ لأنه تعالى كره {انبعاثهم}، أي: نهوضهم للخروج، {فثبَّطهم} أي: حبسهم وكسر عزمهم، كسلاً وجبناً، {وقيلَ} لهم: {اقعدوا مع القاعدين} من النساء والصبيان وذوي الأعذار، وهو ذم لهم وتوبيخ. والقائل في الحقيقة هو الله تعالى، وهو عبارة عن قضائه عليهم بالقعود، وبناه للمجهول تعليماً للأدب. قال البيضاوي: هو تمثيل لإلقاء الله كراهة الخروج في قلوبهم، أو وسوسة الشيطان بالأمر بالقعود، أو حكاية قول بعضهم لبعض، أو إذن الرسول لهم. هـ. {لو خرجوا فيكم} ما زادكم خروجهم شيئاً {إلا خبالاً}؛ فساداً وشراً. والاستثناء من أعم الأحوال، فلا يلزم أن يكون الخبال موجوداً، وزاد بخروجهم، أو إذا وقع خبال بحضور بعضهم معكم ما زادكم هؤلاء القاعدون بخروجهم إلا خبالاً زائداً على ما وقع. {ولأوْضَعُوا} أي: لأسرعوا {خِلالَكُم} أي: فيما بينكم، فيسرعون في المشي بالنميمة والتخليط والهزيمة والتخذيل، {يبغونَكُم الفتنة} أي: حال كونهم طالبين لكم الفتنة، بإيقاع الخلل بينكم، قلوبكم ورأيُكم، فيذهب ريح نصركم، {وفيكم} قوم {سماعُون لهم}؛ فيقبلون قولهم، إما بحسن الظن بهم، أو لنفاق بهم، فيقع الخلل بسبب قبول قولهم، أو فيكم سماعون لأخباركم فينقلونه إلى غيركم، {والله عليم بالظالمين}؛ فيعلم ضمائرهم، وما ينشأ عنهم، وسيجازيهم على فعلهم. {لقد ابْتَغَوُا الفتنة} أي: تشتيت أمرك وتفْريق أصحابك {من قبلُ} أي: من قبل هذا الوقت، كرجوعهم عنك يوم أُحد، ليوقعوا الفشل في الناس، {وقلَّبوا لك الأمور} أي: دبروها من كل وجه، فدبروا الحيل، ودوروا الآراء في إبطال امرك، فأبطل الله سعيهم، {حتى جاء الحقُّ وظهر أمرُ الله} أي: علا دينه، {وهم كارهون} أي: على رغم أنفهم، والآيتان تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على تخلفهم، وبيان ما ثبطهم الله لأجله وكره انبعاثهم له، وهتك أستارهم، وكشف أسرارهم، وإزاحة اعتذارهم. انظر البيضاوي. الإشارة: الناس على ثلاثة أقسام: قسم أقامهم الحق تعالى لخدمة أنفسهم وحظوظهم؛ عدلاً. وقسم أقامهم الحق تعالى لخدمة معبودهم؛ فضلاً. وقسم اختصهم بالتوجه إلى محبوبهم؛ رحمة وفضلاً. فالأوّلون: أثقلهم بكثرة الشواغل والعلائق، ولو أرادوا الخروج منها لأعدوا له عدة بالتخفيف والزهد، ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم، وقيل: اقعدوا مع القاعدين، أقامهم لإصلاح عالم الحكمة، وأما أهل الخدمة: فرآهم لم يصلحوا لصريح معرفته، فشغلهم بخدمته، ولو أرادوا الخروج من سجن الخدمة إلى فضاء المعرفة لأعدوا له عدة؛ بصحبة أهل المعرفة الكاملة. وأما أهل التوجه إلى محبته وصريح معرفته فلم يشغلهم بشيء، ولم يتركهم مع شيء، بل اختصهم بمحبته، وقام لهم بوجود قسمته، {أية : يَختَصُ بِرحمَتِهِ مَن يَشَاءُ واللَّهُ ذُو الفَضل العَظيمِ} تفسير : [آل عمران: 74]. وكل قسم لو دخل مع من فوقه على ما هو عليه، لأفسده، وما زاده إلا خبالاً وشراً. والله تعالى أعلم. ولما دعا النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى غزوة تبوك، قال له الجَدُّ بنُ قَيْس ـ من كبار المنافقين ـ ائْذَنْ لي في القعود، ولا تفتني برؤية بنات بني الأصفر، فإني لا أصبر على النساء، فأنزل الله في شأنه: {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي}.

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى ان هؤلاء المنافقين لو ارادوا الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله نصرة له ورغبة في جهاد الكفار كما أراد المؤمنون ذلك لأعدوا للخروج عدة، وهو ما يتهيأ لهم معها الخروج، ولكن لم يكن لهم في ذلك نية وكان عزمهم على أن النبي صلى الله عليه وآله ان لم يأذن لهم في الاقامة فخرجوا، أفسدوا عليك وضربوا بين أصحابك، وأفسدوا قلوبهم، فكره الله خروجهم على هذا الوجه، لان ذلك كفر ومعصية. والله لا يكره الخروج الذي أمرهم به، وهو أن يخرجوا لنصرة نبيه وقتال عدوه والجهاد في سبيله كما خرج المؤمنون كذلك، فثبطهم الله عن الخروج الذي عزموا عليه ولم يثبطهم عن الخروج الذي أمرهم به، لأن الاول كفر. والثاني طاعة. وقوله {وقيل اقعدوا مع القاعدين} يحتمل شيئين: أحدهما - أن يكون القائلون لهم ذلك أصحابهم الذين نهوهم عن الخروج مع النبي نصرة له ورغبة في الجهاد. والثاني - ان يكون ذلك من قول النبي صلى الله عليه وآله لهم على وجه التهديد لا على وجه الاذن، ويجوز أن يكون إذنه لهم في القعود الذي عاتبه الله عليه. وأنه كان الأولى أن لا يأذن لهم فيه، ولا يجوز أن يكون ذلك من قول الله، لأنه لو كان كذلك لكان مباحاً لهم التأخر. اللهم إلا أن يكون ذلك على وجه التهديد، فيجوز أن يكون ذلك من قول الله. والعدة والاهبة والآلة نظائر. والانبعاث الانطلاق بسرعة في الأمر، ولذلك يقال: فلان لا ينبعث في الحاجة أي ليس له نفاذ فيها. والتثبط التوقف عن الامر بالتزهيد فيه ومثله التعقيل. وقوله {مع القاعدين} يعني مع النساء والصبيان والمرضى والزمنى، ومن ليس به حراك. وقال ابن اسحاق: كان الذين استأذنوه اشرافاً ورؤساء كعبد الله بن أبي بن ابي سلول والحد بن قيس. وزاد مجاهد رفاعة بن التابوت وأوس بن قبطي.

الجنابذي

تفسير : {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً} لامكن لهم تهيّة عدّته وما يحتاج اليه، او هيّؤا له اسبابه تهيّة، فعدّة امّا مفعول به او مفعول مطلق من غير لفظ الفعل وعلى التّقديرين يكون تكذيباً لنفيهم الاستطاعة عن انفسهم {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ} لمّا توهّم من اسناد الافعال السّابقة اليهم انّهم مستقلّون فى افعالهم استدرك ذلك الوهم بسببيّة كراهته تعالى للخروج وانّ عدم خروجهم وعدم ارادتهم له مسبّب عن كراهته تعالى له لا انّهم مستقلّون {فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ} لمّا كان هذا القول من الله حقيقة وكان قائله ومن ظهر على لسانه ظاهراً وباطناً متعدّداً مختلفاً ولم يكن لخصوصيّة الفاعل مدخليّة فى المقصود من ذمّهم اسقط الفاعل فانّ هذا القول قد قاله باطناً ملائكة الله والشّياطين، وظاهراً رسول الله (ص) حين اذن لهم فى القعود، واخوانهم من الانس حين خوّفوهم عن قتال الرّوم وبعد السّفر وشدّة القيظ.

الهواري

تفسير : قوله: { وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ} أي خروجهم، لما يعلم منهم أنهم عُيُون للمشركين على المؤمنين، ولِمَا يمشون بين المؤمنين بالنمائم والفساد. {فَثَبَّطَهُمْ} أي عن الخروج لما يعلم منهم من الفساد { وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ}.

اطفيش

تفسير : {ولَوْ أرادُوا الخُروجَ} معك إلى الغزو، ويكتب {ولو أرادوا} إلى {القاعدين} بالآبق والهارب والسارق فى قضارة ثوب كتان مقصورة أول الشهر، واسمه مع أمه حول ذلك، ويضرب فى وفق القوارة بمسمار حديد، حيث لا يرى، ويغطيها بتراب، يرجع. {لأعدُّوا} هيئوا {لَه} للخروج {عُدّةً} أهبة من آلات السفر والقتال، وقرىء بكسر العين كسدرة، وقرأ محمد بن عبد الملك بن مروان وابنه معاوية: عده، بضم العين وبهاء الإضمار دون تاء التأنيث، والهاء ضمير الخروج، فقال الفراء، الأصل عدته، حذفت التاء إذ أضيف، كما يجوز حذف تاء الفعلة بكسر فإسكان من واوى الفاء الذى من باب وعد، وتاء الأفعال والاستفعال بالكسر من معد العين كالإقامة والاستعاذة عند الإضافة، وضعفه أبو الفتح بأنه إنما حذف تاء التأنيث، وعوضها هاء الضمير. قلت: هذا مراد الفراء وكلامه قابل له، فكيف يرد به عليه، وقال أبو حاتم: جمع عدة كغُرفة وغُرف وبرة وبُر ودرة ودر، وقرأ عاصم فيما روى عنه إبان وزرَّر حبيش بكسر العين وهاء إضمار وهو أمام جمع عدة بالكسر ككلمة وكلم، بكسر الكاف وإسكان اللام فيهما، إما مفرد حذفت تاؤه، وإما بمعنى ما يعد كالذبح بكسر الذال بمعنى ما يذبح. {ولكن كَرِه اللهُ انْبِعاثَهم} خروجهم إلى الغزو، لأنهم يكونون عيونا على المؤمنين وينمُّون بينهم، والاستدراك راجع إلى النفى الذى دلت عليه لو الامتناعية، فإن الامتناع نفى كأنه قيل: ما أرادوا الخروج، ونفى إرادة الخروج نفى للخروج، فكأنه قيل: ما خرجوا، ولكن منعهم عن الخروج كما قال. {فثبَّطَهم} أى حبسهم بالجبن والكسل، فإن كراهة الله خروجهم تستلزم منعهم عنه إذ لا يغلب تعالى على ما يكره، وقال الصفاقصى: أصل لكن أن تقع بين نقيضين أو ضدين أو خلافين على خلاف فيه {وقِيلَ} أى قال الله عز وجل {اقْعُدوا} عن الخروج مع {القَاعدينَ} النساء والصبيان والزَّمْنى ونحوهم من المعذورين، ولا يخفى ما فى إلحاقهم بهؤلاء من الذم، وإن أريد بالقاعدين من قعد سواهم وليس معذورا أيضا ففيه ذم أيضا وتهديد، كأنه قيل: اقعدوا مع هؤلاء البطالين الذين لا يعرفون مصالحهم، ولا منفعة فيهم أولى لهم فأولى. ومعنى قول الله سبحانه: {اقعدوا} إلقاؤه محبة القعود فى قلوبهم إلقاء مترتبا على أعمالهم واعتقادهم، لا جبرا أو قضاءه عليهم فى الأزل بالقعود، وقيل: القائل لهم إبليس والعياذ بالله منه، والقول وسوسته، وقيل: قال بعضهم لبعض: اقعدوا، وقيل: المراد إذن رسول الله لهم بالقعود، قال بعضهم: أذن لهم غضبا فاغتنموه منه، والعطف على ثبَّط المسبب عن الكراهة، فالمعطوف أيضا مسبب كأنه قيل: لكراهته أو قضائه ألقى محبة القعود فيهم، أو أخذ لهم فأثرت فيهم وسوسة إبليس، أو أثر قول بعضهم لبعض، أو يسر قول الرسول لهم اقعدوا، ويجوز أيضا كون الواو للحال إذا فسر القول بالقضاء.

اطفيش

تفسير : {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ} معك إلى الجهاد {لأَعَدُّوا} هيئوا {لَهُ} للخروج {عُدَّة} وخرجوا، والعدة المئونة، أَى مئونة تليق به من سلاح ومركوب وزاد ونحو ذلك {وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ} هذا الاستدارك متعلق بقوله {لأَعَدُّوا} باعتبار إِثباته بإثبات إِرادة الخروج لو ثبتت، أَى لو أَرادوه وأَعدوها لخرجوا فى زعمهم، لكن لا يخرجون فى قضاءِ الله، وكراهة الله انبعاثهم سبب ولمزوم لعدم خروجهم أَو متعلق بقوله لو أَرادوا الخروج، أَى لكن ما أَرادوه، فعبر عن قوله لكن ما أَرادوا بقوله ولكن كره الله، لأَن كراهته سبب وملزوم لعدم إِرادتهم، أَو المعنى ما تركوا العدة بأَنفسهم تحقيقا بل لخذلان الله تعالى وكراهته، فلم تقع لكن بين متفقين فإِنها لا تقع بينهما، بل بين ضدين أَو نقيضين أَو مختلفين، والانبعاث انبعاث عن بعث النبى صلى الله عليه وسلم لهم، أَى ولكن كره الله توفيقهم إِلى المطاوعة {فَثَبَّطَهُمْ} حبسهم عن الخروج بالجبن والركون إِلى الراحة والتخويف من شدة قتال الروم، وذلك خذلان لا إِجبار، ويجوز أَن يكون محط الاستدراك هو قوله{فثبطهم} أَى لأَعدوا له عدة، ولكن ثبطهم عن الإِعداد بخذلانهم عن إِرادة الخروج، وذلك كما يفيد الخبر بتابعه نحو زيد رجل صالح، وأَيضا وكأَنه قيل ما خرجوا أَو ما أَعدوا لكن ثبطوا كما تقول: ما قام زيد لكن قعد، وما أَحسن زيد لكن أَسَاءَ، واتفاق ما بعد لكن وما قبلها جائز إِذا اختلفا نفيا وإِثباتا، وانتفاءُ إِرادة الخروج يستلزم انتفاءَ خروجهم وكراهة الله انبعاثهم تستلزم تثبطهم عن الخروج، وأَيضا أَنت خبير بأَن قضاءَ الله لا يرد، وقد قضى أَن لا يريدوا، فكراهته نفى لإِرادتهم ونائبة عنه، فكأَنه قيل: ولو أَرادوا الخروج لأَعدوا له عدة ولكن ما أَرادوا لأَن الله كره انبعاثهم، لما فيه من المفاسد، وإِنما عاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم على إِذنه فى التخلف لهم مع أَن خروجهم مفسدة، لأَنه مكلف بالظاهر ولا يدرى غيب مفسدتهم وهى الخبال والضياع بالنميمة وإِظهار العدو على الأَسرار، ولأَنه أَذن لهم بلا إِذن من الله عز وجل {وَقِيلَ} أَى قال بعضهم لبعض أَو قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أَو قال لهم الله بالخذلان، أَى قدر عدم الخروج أَو قال الشيطان {اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} من الصبيان والمجانين والبله والنساءِ والمرضى والهرمى، أَو ذلك قول من الله أمر توبيخ كقوله تعالى "أية : ومن شاءَ فليكفر"تفسير : [الكهف: 29] وقوله "أية : اعملوا ما شئْتم"تفسير : [فصلت: 40] ولا ضعف فى قولك أَراد الله عدم خروجهم فقضى على رسوله أَن يأْذن لهم، أَو سلط عليهم الشيطان فوسوس لهم، والقاعدون هم من جاز له القعود، وأَمَّا من لم يجز لهم فهم هؤلاءِ المنافقون الذين تخلفوا، وفى القاعدين نقص مع أَنه أُبيح لهم، ولكن لا مؤاخذة ولنقصهم ذم المنافقين المتخلفين بمعصيتهم.

الالوسي

تفسير : {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لاعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً} أي أهبة من الزاد والراحلة وسائر ما يحتاج إليه المسافر في السفر الذي يريده. وقرىء {عُدَّه} بضم العين وتشديد الدال والإضافة إلى ضمير الخروج، قال ابن جني: سمع محمد بن عبد الملك يقرأ بها، وخرجت على أن الأصل عدته إلا أن التاء سقطت كما في إقام الصلاة وهو سماعي وإلى هذا ذهب الفراء، والضمير على ما صرح به غير واحد عوض عن التاء المحذوفة، قيل: ولا تحذف بغير عوض وقد فعلوا مثل ذلك في عدة بالتخفيف بمعنى الوعد كما في قول زهير:شعر : إن الخليط أجدوا البين فانجردوا وأخلفوك عدى الأمر الذي وعدوا تفسير : وقرىء {عده} بكسر العين بإضافة وغيرها. {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ} أي خروجهم كما روي عن الضحاك أو نهوضهم للخروج كما قال غير واحد {فَثَبَّطَهُمْ} أي حبسهم وعوقهم عن ذلك. والاستدراك قيل عما يفهم من مقدم الشرطية فإن انتفاء إرادة الخروج يستلزم انتفاء خروجهم وكراهة الله تعالى انبعاثهم يستلزم تثبطهم عن الخروج فكأنه قيل: ما خرجوا لكن تثبطوا عن الخروج، فهو استدراك نفي الشيء بإثبات ضده كما يستدرك نفي الاحسان بإثبات الإساءة في قولك: ما أحسن إليَّ لكن أساء، والاتفاق في المعنى لا يمنع الوقوع بين طرفي لكن بعد تحقق الاختلاف نفياً وإثباتاً في اللفظ، وبحث فيه بعضهم بأن {لَكِنِ} تقع بين ضدين أو نقيضين أو مختلفين على قول ووقعت فيما نحن فيه بين متفقين على هذا التقرير فالظاهر أنها للتأكيد كما أثبتوا مجيئها لذلك وفيه نظر. واستظهر بعض المحققين كون الاستدراك من نفس المقدم على نهج ما في الأقيسة الاستثنائية، والمعنى لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن ما أرادوه لما أنه تعالى كره انبعاثهم [لما فيه] من المفاسد فحبسهم بالجبن والكسل فتثبطوا عنه ولم يستعدوا له. {وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ} تمثيل لخلق الله تعالى داعية القعود فيهم وإلقائه سبحانه كراهة الخروج في قلوبهم بالأمر بالقعود أو تمثيل لوسوسة الشيطان بذلك فليس هناك قول حقيقة، ونظير ذلك قوله سبحانه: {أية : فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَـٰهُمْ } تفسير : [البقرة: 243] أي أماتهم، ويجوز أن يكون حكاية قول بعضهم لبعض أو أذن الرسول صلى الله عليه وسلم لهم في القعود فالقول على حقيقته، والمراد بالقاعدين الذين شأنهم القعود والجثوم في البيوت كالنساء والصبيان والزمنى أو الرجال الذين يكون لهم عذر يمنعهم عن الخروج، وفيه على بعض الاحتمالات من الذم ما لا يخفى فتدبر.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : فهم في ريبهم يترددون}تفسير : [التوبة: 45] لأنّ معنى المعطوف عليها: أنّهم لم يريدوا الخروج إلى الغزو، وهذا استدلال على عدم إرادتهم الخروج إذ لو أرادوه لأعدّوا له عُدّته. وهذا تكذيب لزعمهم أنّهم تهيّأوا للغزو ثم عرضت لهم الأعذار فاستأذنوا في القعود لأنّ عدم إعدادهم العُدّة للجهاد دلّ على انتفاء إرادتهم الخروج إلى الغزو. والعُدّة بضم العين: ما يُحتاج إليه من الأشياء، كالسلاح للمحارب، والزاد للمسافر، مشتقّة من الإعداد وهو التهيئة. والخروج تقدّم آنفاً. والاستدراك في قوله: {ولكن كره الله انبعاثهم} استدراك على ما دلّ عليه شرط {لو} من فرض إرادتهم الخروج تأكيد الانتفاء وقوعه بإثبات ضدّه، وعبّر عن ضدّ الخروج بتثبيط الله إياهم لأنّه في السبب الإلهي ضدّ الخروج فعبّر به عن مسبّبه، واستعمال الاستدراك كذلك بعد {لو} استعمال معروف في كلامهم كقول أبَيّ بن سُلْمَى الضَّبِّي:شعر : فلو طار ذُو حافرٍ قَبْلَها لطارتْ ولكِنَّه لم يَطِرْ تفسير : وقول الغَطَمَّشِ الضبي:شعر : أخِلاَّيَ لو غَيْرُ الحِمام أصابكم عَتِبْتُ ولكن ما على الموت مَعْتَب تفسير : إلاَّ أنّ استدراك ضدّ الشرط في الآية كان بذكر ما يساوي الضدّ: وهو تثبيط الله إيّاهم، توفيراً لفائدة الاستدراك ببيان سبب الأمر المستدَرك، وجعل هذا السبب مفرّعاً على علّته: وهي أنّ الله كره انبعاثهم، فصيغ الاستدراك بذكر علّته اهتماماً بها، وتنبيهاً على أنّ عدم إرادتهم الخروج كان حرماناً من الله إيّاهم، وعناية بالمسلمين فجاء الكلام بنسج بديع وحصل التأكيد مع فوائد زائدة. وكراهة الله انبعاثهم مفسّرة في الآية بعدها بقوله: {أية : لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا}تفسير : [التوبة: 47]. والانبعاث: مطاوع بعثَه إذا أرسله. والتثبيط: إزالة العزم. وتثبيط الله إيّاهم: أن خلق فيهم الكسل وضعف العزيمة على الغزو. والقعود: مستعمل في ترك الغزو تشبيهاً للترك بالجلوس. والقول: الذي في {وقيل اقعدوا} قول أمر التكوين: أي كُوّن فيهم القعود عن الغزو. وزيادة قوله: {مع القاعدين} مذمّة لهم: لأنّ القاعدين هم الذين شأنهم القعود عن الغزو، وهم الضعفاء من صبيان ونساء كالعُمي والزمنى.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْقَاعِدِينَ} (46) - وَلَوُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ مَعَكَ إِلَى الْجِهَادِ، وَصَحَّتْ نِيَّتُهُمْ لِلْخُرُوجِ مَعَكَ، لَكَانُوا تَأَهَّبُوا لَهُ، وَأَعَدُّوا الحَرْبَ وَالسَّفَر، وَلَكِنَّ اللهَ كَرِهَ خُرُوجَهُم مَعَكَ، فَثَبَّطَهُمْ، وَثَنَى عَزَائِمَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَقِيلَ لَهُمْ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ مِنَ النِّسَاءِ وَالأَطْفَالِ وَالمَرْضَى وَالْعَجَزَةِ وَالشُّيُوخِ. انْبِعَاثَهُمْ - نُهُوضَهُمْ لِلْخُرُوجِ مَعَكَ. فَثَبَّطَهَمْ - فَحَبَسَهُمْ وَعَوَّقَهُمْ عَنِ الخُرُوجِ مَعَكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ففي ترددهم دلالة على أنهم لا يريدون الخروج للجهاد؛ ولو كانوا عازمين بالفعل على ذلك لأعدوا ما يلزمهم للحرب من الزاد الراحلة والسلاح، ولكنهم لم يفعلوا شيئاً من هذا قط؛ لأنهم افتقدوا النية الصادقة للجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. ولقائل أن يقول: ألم يكن من الجائز أن يعدوا كل شيء للقتال في آخر لحظة؟ نقول: لا، فالذاهب إلى القتال لا يمكن أن يستعد في آخر لحظة. بل لا بد أن يشغل نفسه بمقدمات الحرب من سلاح وزاد وراحلة وغير ذلك، ولو لم يشغل نفسه بهذه المسائل قبل الخروج بفترة وتأكد من صلاحية سلاحه للقتال؛ ووجود الطعام الذي سيحمله معه؛ وغير ذلك، لما استطاع أن يخرج مقاتلاً. فليست المسألة بنت اللحظة. بل كان عدم استعدادهم للقتال يُعَدُّ كشفاً للخميرة المبيَّتة في أعماقهم بألا يخرجوا، وسبحانه قد اطلع على نواياهم، وما تُخْفي صدورهم، وقد جازاهم بما أخفوا في أنفسهم. لذلك يقول: {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ} وسبحانه وتعالى لا يحتاج إلى أحد من خلقه، بل الخلق هم الذين في احتياج دائم إليه سبحانه؛ لذلك ثبط هؤلاء عن الخروج، وكره سبحانه خروجهم للقتال، و "ثبطهم" أي جعلهم في مكانهم، ولم يقبل منهم أن يعدوا العدة للقتال كراهية منه سبحانه أن يخرجوا بنشاط إلى القتال. والكره: عملية وجدانية. والتثبيط: عملية نزوعية. وأضرب هذا المثل دائماً - ولله المثل الأعلى - أنت ترى الوردة، فتدرك بعينيك جمالها، فإنْ مددتَ يدك إليها لتقطفها، هنا يتدخل الشرع ليقول لك: لا؛ لأن هذا نزوع إلى ما لا تملك. وإن أردت أن تحوز وردة مثلها، فإما أن تشتريها وإما أن تزرع مثلها، إذن: فالمشرع يتدخل - فقط - في الأعمال النزوعية. وكراهية الله لنزوعهم تجلَّتْ في تثبيطهم وخذلهم وردِّهم عن الفعل، وزيَّن لهم في نفوسهم ألا يخرجوا للقتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لحكمة أرادها الحق سبحانه، فوافقت ما أذن فيه رسول الله في التخلف، وهنا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى قال: {وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ} وإذا كان التثبيط من الله، فكأنه أوضح لهم: اقعدوا بإذن الله من الإرادة الإلهية. أو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لهم بالقعود والتخلف لمّا استشفَّ تراخيهم، أو أن الشياطين أوحتْ لهم بالقعود، فالحق هو القائل سبحانه: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً} تفسير : [الأنعام: 112]. وهكذا نجد أن كلمة: {قِيلَ} قد بُنيتْ لما يُسَمَّ فاعله لإمكان أن يتعدد القائلون، فالله بتثبيطه لهم كأنه قال لهم: اقعدوا، والرسول صلى الله عليه وسلم قال لهم: اقعدوا، والشياطين حينما زينوا لهم القعود؛ كأنهم قالوا لهم: اقعدوا. وقولهم بعضهم لبعض زيَّن لهم القعود، وهكذا أعطتنا كلمة واحدة عطاءات متعددة. وهل ينفي عطاءٌ عطاءً؟. لا، بل كلها عطاءات تتناسب مع الموقف. {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ} والمقصود بالقاعدين هنا: هم الذين لا يجب عليهم الجهاد من النساء والأطفال والعجائز. فكأنهم قد تخلوا بعدم خروجهم عن رجولتهم التي تفرض عليهم الجهاد. وهذه مسألة ما كان يصح أن يرتضوها لأنفسهم. وفي موقع آخر من نفس السورة قال الحق سبحانه: {أية : رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}تفسير : [التوبة: 87]. وقد كانت الرجولة تفترض فيهم أن يهبوا للقتال، لكنهم ارتضوا لأنفسهم، ضعف النساء والأطفال. ونجد الشاعر العربي عندما أراد أن يستنفر أفراد قبيلته الذين تكاسلوا عن القتال معه، فقال: شعر : وَمَا أدْرِي ولسْتُ إخَالُ أدْري أقوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِسَاءُ تفسير : والقوم تُطلَقُ على الرجال دون النساء. ثم يبين لنا الحق حكمة التثبيط، فإن كان قعودهم من جانب الخير، فتثبيط الله لهم حكمة، وإذن الرسول لهم بعدم الخروج حكمة. وإن كانت مسألة قعودهم من وسوسة الشياطين لهم أو وسوسة النفوس، فقد خدمت وسوسة الشياطين ووسوسة النفوس قضية الإيمان، وأعانوا على مراد الله، وهذا هو الغباء الكفرى، فزينت الوسوسة لهؤلاء المنافقين عدم الخروج للجهاد في سبيل الله؛ لأنهم لو خرجوا لحدث منهم ما قاله الحق سبحانه وتعالى فيهم: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً..}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى المنافقين وتباطؤهم عن الخروج للجهاد، ذكر هنا بعض أعمالهم القبيحة من الكيد، والمكر، وإِثارة الفتن بين المسلمين، والفرح بأذاهم. وذكر تعالى أنهم لو خرجوا مع المؤمنين ما زادوا الجيش إِلا ضعفاً واندحاراً بتفريق الجماعة وتشتيت الكلمة، وذكر كثيراً من مثالبهم وجرائمهم الشنيعة. اللغَة: {ٱنبِعَاثَهُمْ} الانبعاث: الانطلاق في الأمر {فَثَبَّطَهُمْ} التثبيط: رد الإِنسان عن الفعل الذي همَّ به {خَبَالاً} الخبال: الشر والفساد في كل شيء ومنه المخبول للمعتوه الذي فسد عقله {ولأَوْضَعُواْ} الإِيضاع: سرعة السير قال الراجز: شعر : يا ليتني فيها جذع أخبُّ فيها وأضع تفسير : يقال: وضع البعير إِذا أسرع السير، وأوضع الرجل إِذا سار بنفسه سيراً حثيثاً {يَجْمَحُونَ} جمح: نفر بإِسراع من قولهم فرس جموح أي لا يرده اللجام {يَلْمِزُكَ} اللمز: العيب يقال: لمزه إِذا عابه قال الجوهري: وأصله الإِشارة بالعين ونحوها ورجل لمّاز أي عيَّاب {ٱلْغَارِمِينَ} الغارم: المديون قال الزجاج: أصل الغرم لزوم ما يشق، والغرام العذاب اللازم الشاق وسمي العشق غراماً لكونه أمراً شاقاً ولازماً، وسمي الدين غراماً لكونه شاقاً على الإِنسان. سَبَبُ النّزول: حديث : لما أراد صلى الله عليه وسلم الخروج إِلى تبوك قال "للجد بن قيس" - وكان منافقاً - يا أبا وهب: هل لك في جلاد بني الأصفر - يعني الروم - تتخذ منهم سراري ووصفاء؟ فقال يا رسول الله: لقد عرف قومي أني مغرم بالنساء، وإِني أخشى إِن رأيت بني الأصفر ألا أصبر عنهن فلا تفتني وأذَنْ لي في القعود وأعينك بمالي، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: قد أذنت لك فأنزل الله {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي} تفسير : الآية. التفسِير: {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً} أي ولو أراد هؤلاء المنافقون الخروج معك للجهاد أو كانت لهم نية في الغزو لاستعدوا له بالسلاح والزاد، فتركهم الاستعداد دليل على إِرادتهم التخلف {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ} أي ولكن كره الله خروجهم معك {فَثَبَّطَهُمْ} أي كسر عزمهم وجعل في قلوبهم الكسل {وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ} أي اجلسوا مع المخلفين من النساء والصبيان وأهل الأعذار، وهو ذم لهم لإِيثارهم القعود على الخروج للجهاد، والآية تسلية له صلى الله عليه وسلم على عدم خروج المنافقين معه إِذ لا فائدة فيه ولا مصلحة بل فيه الأذى والمضرة ولهذا قال {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} أي لو خرجوا معكم ما زادوكم إِلا شراً وفساداً {ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ} أي أسرعوا بينكم بالمشي بالنميمة {يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ} أي يطلبون لكم الفتنة بإِلقاء العداوة بينكم {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} أي وفيكم ضعفاء قلوب يصغون إِلى قولهم ويطيعونهم {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} أي عالم بالمنافقين علماً محيطاً بضمائرهم وظواهرهم {لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ} أي طلبوا لك الشر بتشتيت شملك وتفريق صحبك عنك من قبل غزوة تبوك كما فعل ابن سلول حين انصرف بأصحابه يوم أحد {وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ} أي دبروا لك المكايد والحيل وأداروا الآراء في إِبطال دينك {حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ} أي حتى جاء نصر الله وظهر دينه وعلا على سائر الأديان {وَهُمْ كَارِهُونَ} أي والحال أنهم كارهون لذلك لنفاقهم {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي} أي ومن هؤلاء المنافقين من يقول لك يا محمد ائذن لي في القعود ولا تفتني بسبب الأمر بالخروج قال ابن عباس: نزلت في "الجد ابن قيس" حين دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم إِلى جلاد بني الأصفر، فقال يا رسول الله: ائذن لي في القعود عن الجهاد ولا تفتني بالنساء {أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} أي ألا إِنهم قد سقطوا في عين الفتنة فيما أرادوا الفرار منه، بل فيما هو أعظم وهي فتنة التخلف عن الجهاد وظهور كفرهم ونفاقهم قال أبو السعود: وفي التعبير عن الافتتان بالسقوط في الفتنة تنزيل لها منزلة المهواة المهلكة، المفصحة عن ترديهم في دركات الردى أسفل سافلين {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} أي لا مفر لهم منها لأنها محيطة بهم من كل جانب إِحاطة السوار بالمعصم، وفيه وعيد شديد {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} أي إِن تصبك في بعض الغزوات حسنة، سواء كانت ظفراً أو غنيمة، يسؤهم ذلك {وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ} أي وإِن تصبك مصيبة من نكبة وشدة، أو هزيمة ومكروه يفرحوا به ويقولوا: قد احتطنا لأنفسنا وأخذنا بالحذر والتيقظ فلم نخرج للقتال من قبل أن يحل بنا البلاء {وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ} أي وينصرفوا عن مجتمعهم وهم فرحون مسرورون {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا} أي لن يصيبنا خير ولا شر، ولا خوف ولا رجاء، ولا شدة ولا رخاء، إِلا وهو مقدر علينا مكتوب عند الله {هُوَ مَوْلاَنَا} أي ناصرنا وحافظنا {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي ليفوض المؤمنون أمورهم إِلى الله، ولا يعتمدوا على أحد سواه {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ} أي قل لهم هل تنتظرون بنا يا معشر المنافقين إِلا إِحدى العاقبتين الحميدتين: إِما النصر، وإِما الشهادة، وكل واحدة منهما شيء حسن!! {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا} أي ونحن ننتظر لكم أسوأ العاقبتين الوخيمتين: أن يهلككم الله بعذابٍ من عنده يستأصل به شأفتكم، أو يقتلكم بأيدينا {فَتَرَبَّصُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ} أي انتظروا ما يحل بنا ونحن ننتظر ما يحل بكم، وهو أمر يتضمن التهديد والوعيد {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ} أي قل لهم انفقوا يا معشر المنافقين طائعين أو مكرهين، فمهما أنفقتم الأموال فلن يتقبل الله منكم قال الطبري: وهو أمر معناه الخبر كقوله {أية : ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} تفسير : [التوبة: 80] والمعنى لن يُتقبل منكم سواء أنفقتم طوعاً أو كرهاً {إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ} تعليل لرد إِنفاقهم أي لأنكم كنتم عتاة متمردين خارجين عن طاعة الله، ثم أكد هذا المعنى بقوله {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ} أي وما منع من قبول النفقات منهم إِلا كفرهم بالله ورسوله {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ} أي ولا يأتون إِلى الصلاة إِلا وهم متثاقلون {وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} أي ولا ينفقون أموالهم إِلا بالإِكراه لأنهم يعدونها مغرماً قال في البحر: ذكر تعالى السبب المانع من قبول نفقاتهم وهو الكفر واتبعه بما هو مستلزم له وهو إِتيانهم الصلاة كسالى، وإِيتاء النفقة وهم كارهون، لأنهم لا يرجون بذلك ثواباً ولا يخافون عقاباً، وذكر من أعمال البر هذين العملين الجليلين وهما: الصلاة، والنفقة، لأن الصلاة أشرف الأعمال البدنية، والنفقة في سبيل الله أشرف الأعمال المالية {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي لا تستحسن أيها السامع ولا تفتتن بما أوتوا من زينة الدنيا، وبما أنعمنا عليهم من الأموال والأولاد، فظاهرها نعمة وباطنها نقمة، إِنما يريد الله بذلك استدراجهم ليعذبهم بها في الدنيا قال البيضاوي: وعذابهم بها بسبب ما يكابدون لجمعها وحفظها من المتاعب، وما يرون فيها من الشدائد والمصائب {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} أي ويموتوا كافرين مشتغلين بالتمتع بزينة الدنيا عن النظر في العاقبة فيشتد في الآخرة عذابهم {وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ} أي ويقسمون بالله لكم إِنهم لمؤمنون مثلكم، وما هم بمؤمنين لكفر قلوبهم {وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} أي ولكنهم يخافون منكم أن تقتلوهم كما تقتلون المشركين، فيظهرون الإِسلام تقية ويؤيدونه بالأَيمان الفاجرة {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً} أي حصناً يلجأون إِليه {أَوْ مَغَارَاتٍ} أي سراديب يختفون فيها {أَوْ مُدَّخَلاً} أي مكاناً يدخلون فيه ولو ضيقاً {لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} أي لأقبلوا إِليه يسرعون إِسراعاً كالفرس الجموح، والمراد من الآية تنبيه المؤمنين إلى أنَّ المنافقين لو قدروا على الهروب منهم ولو في شر الأمكنة وأخسها لفعلوا لشدة بغضهم لكم فلا تغتروا بأيمانهم الكاذبة أَنهم معكم ومنكم {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ} أي ومنهم من يعيبك يا محمد في قسمة الصدقات {فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ} أي فإِن أعطيتهم من تلك الصدقات استحسنوا فعلك {وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} أي وإِن لم تعطهم منها ما يرضيهم سخطوا عليك وعابوك قال المفسرون: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنائم حنين فجاء إِليه رجل من المنافقين يقال له "ذو الخويصرة" فقال: اعدل يا محمد فإِنك لم تعدل فقال صلى الله عليه وسلم: "ويلك إِن لم أعدل فمن يعدل؟"تفسير : ، الحديث {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} أي ولو أن هؤلاء الذين عابوك يا محمد رضوا بما أعطيتهم من الصدقات وقنعوا بتلك القسمة وإِن قلَّت قال أبو السعود: وذكرُ اللهِ عز وجل للتعظيم والتنبيه على أن ما فعله الرسول كان بأمره سبحانه {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ} أي كفانا فضل الله وإِنعامه علينا {سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} أي سيرزقنا الله صدقة أو غنيمة أخرى خيراً وأكثر مما آتانا {إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ} أي إِنا إِلى طاعة الله وإِفضاله وإِحسانه لراغبون، وجواب {لَوْ} محذوف تقديره لكان خيراً لهم قال الرازي: وترك الجواب في هذا المعرض أدل على التعظيم والتهويل وهو كقولك للرجل: لو جئتنا.. ثم لم تذكر الجواب أي لو فعلت ذلك لرأيت أمراً عظيماً، ثم ذكر تعالى مصرف الصدقات فقال {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ} قال الطبري: أي لا تنال الصدقات إِلا للفقراء والمساكين ومن سماهم الله جل ثناؤه والآية تقتضي حصر الصدقات وهي الزكاة في هذه الأصناف الثمانية فلا يجوز أن يعطى منها غيرهم، والفقير الذي له بُلْغة من العيش، والمسكين الذي لا شيء له قال يونس: سألت اعرابياً أفقير أنت؟ فقال: لا والله بل مسكين، وقيل: المسكين أحسن حالاً من الفقير، والمسألة خلافية {وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} أي الجباة الذين يجمعون الصدقات {وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} هم قوم من أشراف العرب أعطاهم صلى الله عليه وسلم ليتألف قلوبهم على الإِسلام، وروى الطبري عن صفوان بن أمية قال: لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وإِنه لأبغض الناس إِلي، فما زال يعطيني حتى إِنه لأحب الناس إِلي {وَفِي ٱلرِّقَابِ} أي وفي فك الرقاب لتخليصهم من الرق {وَٱلْغَارِمِينَ} أي المديونين الذين أثقلهم الدَين {وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي المجاهدين والمرابطين وما تحتاج إِليه الحرب من السلاح والعتاد {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} أي الغريب الذي انقطع في سفره {فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ} أي فرضها الله جل وعلا وحددها {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي عليم بمصالح العباد، حكيم لا يفعل إِلا ما تقتضيه الحكمة قال في التسهيل: وإِنما حصر مصرف الزكاة في تلك الأصناف ليقطع طمع المنافقين فيها فاتصلت هذه في المعنى بآية اللمز في الصدقات. البَلاَغَة: 1- {أَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً} بينهما جناس الاشتقاق وكذلك في قوله {ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ}. 2- {ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ} قال الطيبي: فيه استعارة تبعية حيث شبه سرعة إِفسادهم ذات البين بالنميمة بسرعة سير الراكب ثم استعير لها الإِيضاع وهو للإِبل، والأصل ولأوضعوا ركائب نمائمهم خلالكم. 3- {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} فيه استعارة حيث شبه وقوعهم في جهنم بإِحاطة العدو بالجند أو السوار بالمعصم، وإِيثار الجملة الإِسمية للدلالة على الثبات والاستمرار. 4- {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ..} الآية فيها من المحسنات البديعية ما يسمى بالمقابلة. 5- {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ} تقديم الجار والمجرور على الفعل لإِفادة القصر، وإِظهار الاسم الجليل مكان الاضمار لتربية الروعة والمهابة. 6- {طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} بينهما طباق وكذلك بين الرضا والسخط في قوله {رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ}. 7- {عَلِيمٌ حَكِيمٌ} صيغة فعيل للمبالغة أي عظيم العلم والحكمة. لطيفَة: قال الزمخشري في قوله تعالى {وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ} هذا ذم لهم وتعجيز وإِلحاق بالنساء والصبيان والزمنى الذين شأنهم القعود والجثوم في البيوت على حد قول القائل: شعر : دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإِنك أنت الطاعم الكاسي تفسير : تنبيه: قال ابن كثير: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة رمته العرب عن قوسٍ واحدة، وحاربته يهود المدينة ومنافقوها، فلما نصره الله يوم بدر وأعلى كلمته قال ابن أبي وأصحابه: هذا أمر قد توجه - يعني أقبل - فدخلوا في الإِسلام ظاهراً، ثم كلما أعز الله الإِسلام وأهله، أغاظهم ذلك وساءهم ولهذا قال تعالى {وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَثَبَّطَهُمْ} معناه حَبَسَهُمْ.

الأندلسي

تفسير : {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ} الآية، قال ابن عباس: عدة من الماء والزاد والراحلة، لأن سفرهم بعيد وفي زمان حر شديد. وفي تركهم العدة دليل على أنهم أرادوا التخلف. {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ} الآية، قال الزمخشري: فإِن قلت: كيف موقع حرف الاستدراك؟ قلت: لما كان قوله: ولو أرادوا الخروج، معطياً معنى نفي خروجهم واستعدادهم للغزو، قيل: ولكن كره الله انبعاثهم، كأنه قيل: ما خرجوا ولكنهم تثبطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم، كما تقول: ما أحسن إليّ زيد ولكن أساء إليّ. "انتهى". وليست الآية نظيرة هذه المثال لأن المثال واقع فيه لكن بين ضدين، والآية لكن واقع فيها بين متفقين من جهة المعنى. والانبعاث: الانطلاق والنهوض. قال ابن عباس: فثبطهم كسلهم وفتّر نيّاتهم. {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} الآية، لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عسكره على ثنية الوداع وضرب عبد الله بن أبيّ عسكره أسفل منها ولم يكن باقل العسكرين، فلما سار تخلف عنه عبد الله فيمن تخلف فنزلت. والخبال قال ابن عباس: الفساد ومراعاة إخماد الكلمة. وتقدم شرح الخبال في آل عمران. وهذا الاستثناء متصل وهو مفرغ إذ المفعول الثاني لزاد لم يذكر. وقد كان في هذه الغزوة منافقون كثير ولهم لا شك خبال، فلو خرج هؤلاء لتألبوا فزاد الخبال. {ولأَوْضَعُواْ} الإِيضاع: الاسراع قال الشاعر: شعر : أرانا موضعين لأمر غيب ونسحر بالطعام والشراب تفسير : ومفعول أوضعوا محذوف تقديره ولا وضعوا ركائبهم بينكم، لأن الراكب أسرع من الماشي. والخلال: جمع خلل وهو الفرجة بين الشيئين، وجلسنا خلال البيوت وخلال الدور أي بينها. ويبغون حال، أي باغين. والفتنة هي الكفر. {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} قال الزمخشري: أي نمامون يسمعون حديثكم فينقلونه إليهم، أو فيكم قوم يسمعون للمنافقين ويطيعونهم. "انتهى". فاللام في القول الأول: للتعليل، وفي الثاني: التقوية التعدية، كقوله تعالى: {أية : فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}تفسير : [هود: 107]. والقول الأول قاله سفيان بن عيينة والحسن ومجاهد وابن زيد قالوا: معناه جواسيس يستمعون الاخبار وينقلونها إليهم. ورجحة الطبري. والقول الثاني قول الجمهور قالوا: معناه وفيكم مطيعون سماعون. {لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ} الآية، تقدم ذكر السبب في نزول هذه الآية والتي قبلها من قصة رجوع عبد الله بن أبيّ بأصحابه في هذه الغزاة حقر شأنهم في هذه الآية، وأخبر أنهم قد يماسعوا على الإِسلام فأبطل الله سعيهم. قال ابن عباس: بَغَوْالك الغوائل. وقال ابن جريج: وقف اثنا عشر رجلاً من المنافقين على الثنية ليلة العقبة كي يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى من قبل، أي من قبل هذه الغزوة، وذلك ما كان من حالهم وقت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجوعهم عنه في أُحد وغيرها، وتقليب الأمور هو تدبيرها ظهر البطن والنظر في نواحيها وأقسامها والسعي بكل حيلة. {حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ} أي القرآن وشريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولفظة جاء مشعرة بأنه كان قد ذهب. {وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ} وصفه بالظهور لأنه كان كالمستور، أي غلب وعلا دين الله تعالى. {وَهُمْ كَارِهُونَ} أي لمجيء الحق وظهور دين الله. {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي} الآية، حديث : نزلت في الجد بن قيس ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر بالغزو إلى بلاد الروم حرّض الناس فقال للجد بن قيس المنافق: هل لك العام في جلاد بني الأصفر. وقال له وللناس: اغزوا تغنموا بنات الأصفر. فقال الجد: إئذن لي في التخلف ولا تفتني بذكر بنات الأصفر فقد علم قومي أني لا أتمالك عن النساء إذا رأيتهن تفسير : . ومعنى ولا تفتني بالنساء هذا قول ابن عباس، والفتنة التي سقطوا فيها هي فتنة التخلف وظهور كفرهم ونفاقهم. ولفظة سقطوا تنبىء عن تمكن وقوعهم فيها.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ} [التوبة: 46] أي: لو وجدوا في قلوبهم دواعي الخروج عن المراتب الحيوانية، {لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً} [التوبة: 46] وهي متابعة الأنبياء؛ لأنهم بعثوا لخروجهم من الظلمات الحيوانية إلى النور الربانية، {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ} [التوبة: 46] في الأزل، {ٱنبِعَاثَهُمْ} [التوبة: 46] أي: كره أن يوفقهم لداعية الطلب إظهاراً للقهر. {فَثَبَّطَهُمْ} [التوبة: 46] أي: حبسهم في سجن البشرية وأخلى لهم القعود فيه، {وَقِيلَ} [التوبة: 46] بأمر التكوين، {ٱقْعُدُواْ} [التوبة: 46] راضين بالحبس فرحين بما لديكم من التمتعات الحيوانية، {مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ} [التوبة: 46] في أسفل الطبيعة المستلذين بالشهوات النفسانية، {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} [التوبة: 47] يشير إلى أن قعود أهل الطبيعة في خير الشرية صلاح لأرباب القلوب وأصحاب السلوك؛ وذلك لأنهم لو خرجوا عن البشرية بالهوى والطبيعة لا عن نية صادقة وعزيمة صالحة فهي في صحبة الصادقين السالكين ما زادهم إلا تشويشاً وتفرقة بأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، وأفسدوا عليكم أمر الطلب، وأقعدوا عن السير والسلوك. {يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ} [التوبة: 47] يعني: التغيير والدعوة إلى الشهوات واللذات والميلان إلى الدنيا وزينتها وتعذر الوصول إلى المرام بالاستطعام، {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47] أي: من يسمع المنكرين من أحوالكم ما يزيد في إنكارهم عليكم، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} [التوبة: 47] الذين هم أرباب النفوس وإن الصلاح أن يكونوا في حبس البشرية قاعدين. ثم أخبر عن باغي الفتنة بقوله تعالى: {لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ} [التوبة: 48] إلى قوله: {أية : إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ}تفسير : [التوبة: 52]، {لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ} يشير إلى صفات النفس اتبعت فتنة شهوة المأكول والمشروب ومستلذات النفوس ومستحسنات الهوى من قبل، {وَقَلَّبُواْ لَكَ} [التوبة: 48] يا روح، {ٱلأُمُورَ} [التوبة: 48] وهي الأمور الروحانية، وحسن الاستعداد في طلب السعادات الأخروية، واستكمال الإنسانية إلى أوان البلوغ، {حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ} [التوبة: 48] وهو العقل القابل لأوامر الشرع، {وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ} [التوبة: 48] وهو أمر الدعوة إلى الحق، {وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 48] يعني: على كره من النفس وصفاتها. {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي} [التوبة: 49] وهو الهوى يستأذن الروح بأن يكون له مدخل في جميع مشارعه الدنيوية؛ لتكون مشوبة بالهوى بقوله: {وَلاَ تَفْتِنِّي} [التوبة: 49] يشير إلى أن الروح كلما يدعو الهوى إلى استعمال في المنازل الروحانية والمواهب فإن الهوى مركب المحبة يقول: لا تعتني بتلك المعارف ولا تقيدوني بتلك العوارف، وذلك منه اعتلال لدفع الصعود على العلويات؛ لأن طبعه الهبوط. {أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} [التوبة: 49] يعني: اعتلاله لدفع الصعود هو عين فتنة الهبوط، {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} [التوبة: 49] يعني: جهنم البعد والقطيعة من لوازم الكفار النفس وصفاتها، {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ} [التوبة: 50] يا روح من عواطف الحق وإحسانه، {تَسُؤْهُمْ} [التوبة: 50] تحزن النفس وصفاتها؛ لأن بها تظفر الروح عليها، {وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ} [التوبة: 50] من المواقع والقواطع عن السير. {يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ} [التوبة: 50] أي: أخذنا نصيباً من المواقع الحيوانية لما خلفنا في السير إلى المعالم الروحانية والمعارف الربانية، {وَيَتَوَلَّواْ} [التوبة: 50] الروح وأوصافه، {وَّهُمْ فَرِحُونَ} [التوبة: 50] بما لديهم من المراتع البهيمية.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى مبينا أن المتخلفين من المنافقين قد ظهر منهم من القرائن ما يبين أنهم ما قصدوا الخروج للجهاد بالكلية، وأن أعذارهم التي اعتذروها باطلة، فإن العذر هو المانع الذي يمنع إذا بذل العبد وسعه، وسعى في أسباب الخروج، ثم منعه مانع شرعي، فهذا الذي يعذر. { و } أما هؤلاء المنافقون فـ { لَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً } أي: لاستعدوا وعملوا ما يمكنهم من الأسباب، ولكن لما لم يعدوا له عدة، علم أنهم ما أرادوا الخروج. { وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ } معكم في الخروج للغزو { فَثَبَّطَهُمْ } قدرا وقضاء، وإن كان قد أمرهم وحثهم على الخروج، وجعلهم مقتدرين عليه، ولكن بحكمته ما أراد إعانتهم، بل خذلهم وثبطهم { وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ } من النساء والمعذورين. ثم ذكر الحكمة في ذلك فقال { لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا } أي: نقصا. { وَلأوْضَعُوا خِلالَكُمْ } أي: ولسعوا في الفتنة والشر بينكم، وفرقوا جماعتكم المجتمعين، { يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ } أي: هم حريصون على فتنتكم وإلقاء العداوة بينكم. { وَفِيكُمْ } أناس ضعفاء العقول { سَمَّاعُونَ لَهُمْ } أي: مستجيبون لدعوتهم يغترون بهم، فإذا كانوا هم حريصين على خذلانكم، وإلقاء الشر بينكم، وتثبيطكم عن أعدائكم، وفيكم من يقبل منهم ويستنصحهم. فما ظنك بالشر الحاصل من خروجهم مع المؤمنين، والنقص الكثير منهم، فللّه أتم الحكمة حيث ثبطهم ومنعهم من الخروج مع عباده المؤمنين رحمة بهم، ولطفا من أن يداخلهم ما لا ينفعهم، بل يضرهم. { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } فيعلم عباده كيف يحذرونهم، ويبين لهم من المفاسد الناشئة من مخالطتهم. ثم ذكر أنه قد سبق لهم سوابق في الشر فقال: { لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ } أي: حين هاجرتم إلى المدينة، بذلوا الجهد، { وَقَلَّبُوا لَكَ الأمُورَ } أي: أداروا الأفكار، وأعملوا الحيل في إبطال دعوتكم وخذلان دينكم، ولم يقصروا في ذلك، { حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ } فبطل كيدهم واضمحل باطلهم، فحقيق بمثل هؤلاء أن يحذر اللّه عباده المؤمنين منهم، وأن لا يبالي المؤمنين، بتخلفهم عنهم.