Verse. 1282 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

لَوْ خَرَجُوْا فِيْكُمْ مَّا زَادُوْكُمْ اِلَّا خَبَالًا وَّلَا۟اَوْضَعُوْا خِلٰلَكُمْ يَبْغُوْنَكُمُ الْفِتْنَۃَ۝۰ۚ وَفِيْكُمْ سَمّٰعُوْنَ لَہُمْ۝۰ۭ وَاللہُ عَلِيْمٌۢ بِالظّٰلِـمِيْنَ۝۴۷
Law kharajoo feekum ma zadookum illa khabalan walaawdaAAoo khilalakum yabghoonakumu alfitnata wafeekum sammaAAoona lahum waAllahu AAaleemun bialththalimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا» فسادا بتخذيل المؤمنين «ولأوضعوا خلالكم» أي أسرعوا بينكم بالمشي بالنميمة «يبغونكم» يطلبون لكم «الفتنة» بإلقاء العداوة «وفيكم سماعون لهم» ما يقولون سماع قبول «والله عليم بالظالمين».

47

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى بين في هذه الآية أنواع المفاسد الحاصلة من خروجهم وهي ثلاثة: الأول: قوله: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الخبال والشر والفساد في كل شيء، ومنه يسمى العته بالخبل، والمعتوه بالمخبول، وللمفسرين عبارات قال الكلبي: إلا شراً، وقال يمان: إلا مكراً، وقيل: إلا غياً، وقال الضحاك: إلا غدراً، وقيل: الخبال الاضطراب في الرأي، وذلك بتزيين أمر لقوم وتقبيحه لقوم أخرين، ليختلفوا وتفترق كلمتهم. المسألة الثانية: قال بعض النحويين قوله: {إِلاَّ خَبَالاً } من الاستثناء المنقطع وهو أن لا يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، كقولك: ما زادوكم خيراً إلا خبالاً، وههنا المستثنى منه غير مذكور وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من الأعم والعام هو الشيء، فكان الاستثناء متصلاً، والتقدير: ما زادوكم شيئاً إلا خبالاً. المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: إنه تعالى بين في الآية الأولى أنه كره انبعاثهم، وبين في هذه الآية أنه إنما كره ذلك الانبعاث لكونه مشتملاً على هذا الخبال والشر والفتنة، وذلك يدل على أنه تعالى يكره الشر والفتنة والفساد على الإطلاق، ولا يرضى إلا بالخير، ولا يريد إلا الطاعة. النوع الثاني: من المفاسد الناشئة من خروجهم قوله تعالى: {ولأَوْضَعُواْ خِلَـٰلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ } وفي الإيضاح قولان نقلهما الواحدي. القول الأول: وهو قول أكثر أهل اللغة، أن الإيضاع حمل البعير على العدو، ولا يجوز أن يقال: أوضع الرجل إذا سار بنفسه سيراً حثيثاً. يقال: وضع البعير إذا عدا وأوضعه الراكب إذا حمله عليه. قال الفراء: العرب تقول: وضعت الناقة، وأوضع الراكب، وربما قالوا للراكب وضع. والقول الثاني: وهو قول الأخفش وأبي عبيد أنه يجوز أن يقال: أوضع الرجل إذا سار بنفسه سيراً حثيثاً من غير أن يراد أنه وضع ناقته، روى أبو عبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاض من عرفة وعليه السكينة وأوضع في وادي محسر وقال لبيد: شعر : أرانا موضعين لحكم غيب ونسخو بالطعام وبالشراب تفسير : أراد مسرعين، ولا يجوز أن يكون يريد موضعين الإبل لأنه لم يرد السير في الطريق، وقال عمر بن أبي ربيعة: شعر : تبالهن بالعدوان لما عرفنني وقلن امرؤ باغ أكل وأوضعا تفسير : قال الواحدي: والآية تشهد لقول الأخفش وأبي عبيد. واعلم أن على القولين: فالمراد من الآية السعي بين المسلمين بالتضريب والنمائم، فإن اعتبرنا القول الأول كان المعنى: ولأوضعوا ركائبهم بينكم، والمراد الإسراع بالنمائم، لأن الراكب أسرع من الماشي، وإن اعتبرنا القول الثاني كان المراد أنهم يسرعون في هذا التضريب. المسألة الرابعة: نقل صاحب «الكشاف» عن ابن الزبير أنه قرأ {ولأوقصوا} من وقصت الناقة وقصا إذا أسرعت وأوقصتها، وقرىء ولأرفضوا. فإن قيل: كيف كتب في المصحف {وَلأَوْضَعُواْ} بزيادة الألف؟ أجاب صاحب «الكشاف» بأن الفتحة كانت ألفاً قبل الخط العربي والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن وقد بقي في ذلك الألف أثر في الطباع، فكتبوا صورة الهمزة ألفاً وفتحتها ألفاً أخرى ونحوه {أَولا أذبحنه}. المسألة الخامسة: قوله: {خِلَـٰلَكُمْ } أي فيما بينكم، ومنه قوله: { أية : وَفَجَّرْنَا خِلَـٰلَهُمَا نَهَراً } تفسير : [الكهف: 33] وقوله: { أية : فَجَاسُواْ خِلَـٰلَ ٱلدّيَارِ } تفسير : [الإسراء: 5] وأصله من الخلل، وهو الفرجة بين الشيئين وجمعه خلال، ومنه قوله: { أية : فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ } تفسير : [النور: 43] وقرىء من {خلله} وهي مخارج مصب القطر، وقال الأصمعي: تخللت القوم إذا دخلت بين خللهم وخلالهم. ويقال: جلسنا خلال بيوت الحي وخلال دورهم أي جلسنا بين البيوت ووسط الدور. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {ولأَوْضَعُواْ خِلَـٰلَكُمْ } أي بالنميمة والإفساد وقوله: {يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ } أي يبغون لكم، وقال الأصمعي: ابغني كذا أي اطلبه لي، ومعنى ابغني وابغ لي، سواء، وإذا قال ابغني، فمعناه: أعني على ما بغيته، ومعنى {ٱلْفِتْنَةَ } ههنا افتراق الكلمة وظهور التشويش. واعلم أن حاصل الكلام هو أنهم لو خرجوا فيهم ما زادوهم إلا خبالاً، والخبال هو الإفساد الذي يوجب اختلاف الرأي وهو من أعظم الأمور التي يجب الاحتراز عنها في الحروب لأن عند حصول الاختلاف في الرأي يحصل الانهزام والانكسار على أسهل الوجوه. ثم بين تعالى أنهم لا يقتصرون على ذلك بل يمشون بين الأكابر بالنميمة فيكون الإفساد أكثر، وهو المراد بقوله: {وَلأَوْضَعُواْ خِلَـٰلَكُمْ }. فأما قوله: {وَفِيكُمْ سَمَّـٰعُونَ لَهُمْ } ففيه قولان: الأول: المراد: فيكم عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم، وهذا قول مجاهد وابن زيد. والثاني: قال قتادة: فيكم من يسمع كلامهم ويقبل قولهم، فإذا ألقوا إليهم أنواعاً من الكلمات الموجبة لضعف القلب قبلوها وفتروا بسببها عن القيام بأمر الجهاد كما ينبغي. فإن قيل: كيف يجوز ذلك على المؤمنين مع قوة دينهم ونيتهم في الجهاد؟ قلنا: لا يمتنع فيمن قرب عهده بالإسلام أن يؤثر قول المنافقين فيهم ولا يمتنع كون بعض الناس مجبولين على الجبن والفشل وضعف القلب، فيؤثر قولهم فيهم، ولا يمتنع أن يكون بعض المسلمين من أقارب رؤساء المنافقين فينظرون إليهم بعين الإجلال والتعظيم، فلهذا السبب يؤثر قول هؤلاء الأكابر من المنافقين فيهم، ولا يمتنع أيضاً أن يقال: المنافقون على قسمين: منهم من يقتصر على النفاق ولا يسعى في الأرض بالفساد، ثم إن الفريق الثاني من المنافقين يحملونهم على السعي بالفساد بسبب إلقاء الشبهات والأراجيف إليهم. ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ } الذين ظلموا أنفسهم بسبب كفرهم ونفاقهم، وظلموا غيرهم بسبب أنهم سعوا في إلقاء غيرهم في وجوه الآفات والمخالفات، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} هو تسلية للمؤمنين في تخلف المنافقين عنهم. والخبال: الفساد والنميمة وإيقاع الاختلاف والأراجيف. وهذا استثناء منقطع؛ أي ما زادوكم قوة ولكن طلبوا الخبال، وقيل: المعنىٰ لا يزيدونكم فيما يترددون فيه من الرأي إلا خبالاً؛ فلا يكون الاستثناء منقطعاً. قوله تعالىٰ: {ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ} المعنىٰ لأسرعوا فيما بينكم بالإفساد. والإيضاع، سرعة السير. وقال الراجز:شعر : يا ليتني فيها جَذَعْ أَخُبُّ فيها وَأَضَعْ تفسير : يقال: وَضع البعيرُ إذا عدا، يضع وضعاً ووضوعاً إذا أسرع السير. وأوضعته حملته على العَدْوِ. وقيل: الإيضاع سير مثلُ الخَبَب. والخلل الفرجة بين الشيئين؛ والجمع الخلال، أي الفُرَج التي تكون بين الصفوف. أي لأوضعوا خلالكم بالنميمة وإفساد ذات البين. {يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ} مفعول ثانٍ. والمعنىٰ يطلبون لكم الفتنة؛ أي الإفساد والتحريض. ويقال: أبغيته كذا أعنته على طلبه. وبَغَيته كذا طلبته له. وقيل: الفتنة هنا الشرك. {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} أي عيون لهم ينقلون إليهم الأخبار منكم. قتادة: وفيكم من يقبل منهم قولهم ويطيعهم. النحاس: القول الأوّل أولىٰ؛ لأنه الأغلب من معنييه أن معنىٰ سَمّاع يسمع الكلام: ومثله: {أية : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ}تفسير : [المائدة: 42]. والقول الثاني ـ لا يكاد يقال فيه إلا سامع؛ مثل قائل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً } فساداً بتخذيل المؤمنين {وَلأَوْضَعُواْ خِلَٰلَكُمْ } أي أسرعوا بينكم بالمشي بالنميمة،{يَبْغُونَكُمُ } يطلبون لكم {ٱلْفِتْنَةَ } بإلقاء العداوة {وَفِيكُمْ سَمَّٰعُونَ لَهُمْ } ما يقولون سماع قبول {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّٰلِمينَ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {خَبَالاً} فساداً "ع"، أو اضطراباً استثناء منقطع، لأن المسلمين لم يكونوا في خبال فيزدادوا منه. {وَلأَوْضَعُواْ} الإيضاع: سرعة السير، والخِلال: الفُرج، المعنى ولأسرعوا في اختلالكم، أو لأوقعوا الخلف بينكم. {الْفِتْنَةَ} الكفر، أو اختلاف الكلمة وتفريق الجماعة. {سَمَّاعُونَ} مطيعون، أو عيون منكم ينقلون أخباركم إليهم، أو "عيون منهم ينقلون أخباركم إلى المشركين ".

ابو السعود

تفسير : {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم} بـيانٌ لسر كراهتِه تعالى لانبعاثهم أي لو خرجوا مخالطين لكم {مَّا زَادُوكُمْ} أي ما أورثوكم شيئاً من الأشياء {إِلاَّ خَبَالاً} أي فساداً وشراً فالاستثناءُ مفرَّغٌ متصلٌ وقيل: منقطعٌ وليس بذلك {ولأَوْضَعُواْ خِلَـٰلَكُمْ} أي ولسعَوْا فيما بـينكم بالنمائم والتضريبِ وإفسادِ ذاتِ البـين من وضَع البعيرُ وضعاً إذا أسرع وأوضعتُه أنا أي حملتُه على الإسراع والمعنى لأوضعوا ركائبَهم بـينكم، والمرادُ به المبالغة في الإسراع بالنمائم لأن الراكبَ أسرعُ من الماشي وقرىء ولأوقصوا من وقصت الناقةُ أسرعتْ وأوقصتُها أنا وقرىء ولأوفضوا أي أسرعوا {يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ} يحاولون أن يفتنوكم بإيقاع الخلافِ فيما بـينكم وإلقاءِ الرعبِ في قلوبكم وإفسادِ نياتِكم، والجملةُ حالٌ من ضمير أوضعوا أو استئنافٌ {وَفِيكُمْ سَمَّـٰعُونَ لَهُمْ} أي نمّامون يسمعون حديثَكم لأجل نقلِه إليهم أو فيكم قومٌ ضَعَفةٌ يسمعون للمنافقين أي يُطيعونهم، والجملةُ حالٌ من مفعول يبغونكم أو من فاعله لاشتمالها على ضميريهما، أو مستأنَفةٌ، ولعلهم لم يكونوا في كمية العددِ وكيفية الفسادِ بحيث يُخِل مكانُهم فيما بـين المؤمنين بأمر الجهادِ إخلالاً عظيماً، ولم يكن فسادُ خروجِهم معادلاً لمنفعته، ولذلك لم تقتضِ الحكمةُ عدمَ خروجِهم فخرجوا مع المؤمنين، ولكن حيث كان انضمامُ المنافقين القاعدين إليهم مستتبِعاً لخلل كليٍّ كرِه الله انبعاثَهم فلم يتسنَّ اجتماعُهم فاندفع فسادُهم. ووجهُ العتابِ على الأذن في قعودهم مع تقرُّره لا محالة وتضمُّنِ خروجِهم لهذه المفاسد أنهم لو قعدوا بغير إذنٍ منه عليه الصلاة والسلام لظهر نفاقُهم فيما بـين المسلمين من أول الأمرِ ولم يقدِروا على مخالطتهم والسعي فيما بـينهم بالأراجيف ولم يتسنَّ لهم التمتعُ بالعيش إلى أن يظهرَ حالُهم بقوارعِ الآيات النازلة {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ} علماً محيطاً بضمائرهم وظواهرِهم وما فعلوا فيما مضى وما يتأتّىٰ منهم فيما سيأتي، ووضعُ المظهَرِ موضِعَ المضمرِ للتسجيل عليهم بالظلم والتشديد في الوعيد والإشعارِ بترتّبه على الظلم ولعله شاملٌ للفريقين السّماعين والقاعدين. {لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ} تشتيتَ شملِك وتفريقَ أصحابِك منك {مِن قَبْلُ} أي يومَ أحُدٍ حين انصرف عبدُ اللَّه بنُ أُبـيِّ بنِ سَلولٍ المنافقُ بمن معه وقد تخلف بمن معه عن تبوكَ أيضاً بعدما خرج مع النبـي صلى الله عليه وسلم إلى ذي جُدّة، أسفلَ من ثنية الوداع، وعن ابن جريج رضي الله عنه وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الثنية ليلةَ العقبةِ وهم اثنا عشر رجلاً من المنافقين ليفتِكوا به عليه الصلاة والسلام فردّهم الله تعالى خاسئين {وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ} تقليبُ الأمر تصريفُه من وجه إلى وجه وترديدُه لأجل التدبـير والاجتهادِ في المكر والحيلة، يقال للرجل المتصرِّف في وجوه الحِيَل: حُوَّلٌ وقُلّبٌ، أي اجتهدوا ودبروا لك الحِيلَ والمكايدَ ودّوروا الآراءَ في إبطال أمرِك، وقرىء بالتخفيف {حَتَّىٰ جَاء ٱلْحَقُّ} أي النصرُ والتأيـيدُ الإلٰهي {وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ} غلب دينُه وعلا شرعُه {وَهُمْ كَـٰرِهُونَ} والحالُ أنهم كارهون لذلك أي على رغم منهم والآيتان لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن تخلف المتخلفين وبـيانُ ما ثبّطهم الله تعالى لأجله وهتَك أستارَهم وكشف أسرارَهم، وإزاحةِ أعذارِهم تداركاً لما عسى يفوت بالمبادرة إلى الإذن وإيذاناً بأن ما فات بها ليس مما لا يمكن تلافيه تهويناً للخطب.

القشيري

تفسير : أخبر عن سابق علمه بهم، وذكر ما علم أنه لا يكون أَنْ لو كان كيف يكون، فقال: ولو ساعدوكم في الخروج لكان ما يلحقكم من سوء سيرتهم في الفتنة بينكم، والنميمة فيكم، والسعي فيما يسوؤكم أكثر مما نالكم بتخلُّفِهم من نقصان عددكم. ومَنْ ضررُه أكثرُ من نفعِه فَعَدَمَهُ خيرٌ مِنْ وجودِه، ومَنْ لا يحصل منه شيء غيرُ شرورهِ فتخَلُّفُه أَنْفَعُ مِنْ حضوره.

الطوسي

تفسير : بين الله تعالى في هذه الآية الوجوه في كراهية انبعاثهم ووجه الحكمة في تثبيطهم عن ذلك وهو ما علم من ان في خروجهم مفسدة للمؤمنين، لأنه قال {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً} قال الفراء: لو قال ما زادكم يريد خروجهم لكان جائزاً، وهذا من سعة العربية. والخبال الفساد، والخبال الموت، والخبال الاضطراب في الرأي بتزيين أمر لقوم وتقبيحه لاخرين ليختلفوا وتفترق كلمتهم. وقوله {ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة} والايضاع الاسراع في السير بطرح العلق قال الشاعر: شعر : أرانا موضعين لأمر غيب ونسحر بالطعام وبالشراب تفسير : وقال آخر: شعر : يــا ليتنــي فيهـا جـــذع أخـــب فيـهــا وأضــع تفسير : وربما قالوا للراكب: وضع بغير الف، ومنه وضعت الناقة تضع وضعاً، وأوضعتها إيضاعاً. ومعنى الايضاع ها هنا إسراعهم في الدخول بينهم للتضريب بنقل الكلام على وجه التخويف. قال الحسن: معناه مشوا بينكم بالنميمة، لافساد ذات بينكم. وقوله {وفيكم سماعون لهم} قيل في معناه قولان: احدهما - قال قتادة وابن اسحاق: فيكم القابلون منهم عند سماع قولهم، وقوله {إلا خبالاً} استثناء منقطع وتقديره ما زادوكم قوة ولكن طلبوا لكم الخبال ويحتمل أن يكون المعنى إنهم على خبال في الرأي فيعقده حتى يصير خبالا فعلى هذا يكون الاستثناء متصلا. الثاني - قال مجاهد وابن زيد: لهم عيون منهم ينقلون أخباركم إلى المشركين. وقوله {يبغونكم الفتنة} معناه يطلبون لكم المحنة باختلاف الكلمة والفرقة. قال الحسن: يبغونكم أن تكونوا مشركين. وأصل الفتنة إخراج خبث الذهب بالنار، تقول: بغيتك كذا بمعني بغيت لك ومثله جلبتك وجلبت لك و {خلالكم} أي بينكم مشتق من التخلل، وهي الفرج تكون بين القوم في الصفوف وغيرها، ومنه قول النبي صلى الله عليه وآلهحديث : تراصوا في الصفوف لا يتخللكم اولاد الخذف . تفسير : وقوله: {والله عليم بالظالمين} معناه - ها هنا - عالم بمن يستأذن النبي صلى الله عليه وآله في التأخر شكاً في الاسلام ونفاقاً، وعالماً بمن سمع حديث المؤمن وينقله إلى المنافقن فان هؤلاء ظالمون انفسهم وباخسون لها حظها من الثواب.

الجنابذي

تفسير : {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} مستأنف جواباً لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ولم كره الله انبعاثهم؟ - فقال: لانّهم لو خرجوا ما زادوا على ما انتم عليه الاّ فساداً بالتّجبين والنّميمة والهرب من الزّحف حتّى يتقوّى قلوب اعداءكم بهربهم {ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ} وضع البعير او وضع اسرع فى السّير، واوضعه حمله على السّرعة فعلى الاوّل فالمعنى انّهم لو خرجوا فيكم أسرعوا خلالكم بالافساد والنّميمة والتّخويف او أسرعوا بالهرب، وعلى الثّانى لو خرجوا فيكم حملوا ركائبهم على السّرعة بالافساد والنّميمة والتّخويف خلالكم او حملوا امثالهم على السّرعة فى الفرار {يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ} حال من فاعل اوضعوا او مستأنف لتكرار الذّمّ الّذى هو مطلوب فى المقام {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} عطف على يبغونكم او حال من فاعله او مفعوله والمعنى انّ فيكم سمّاعين لاقوالهم الفاسدة المفسدة او سمّاعين لاقوالكم لان ينقلوها اليهم {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} وضع الظّاهر موضع ضمير السمّاعين اشارة الى صفة ذمّ لهم ووعيداً لهم، او موضع ضمير المتقاعدين اشعاراً بذمٍّ آخر لهم ووعيداً لهم، واشارة الى انّ كراهته تعالى لانبعاثهم ليس جزافاً وبلا سبب انّما هو بسبب ظلمهم، فيكون استدراكاً لوهم متوهّم يتوهّم انّ كراهته تعالى انبعاثهم يكون نحو اجبارٍ لهم على القعود، كما انّ قوله لكن كره الله انبعاثهم كان استداركاً لما يتوهّم من استقلالهم فى افعالهم فليسوا مستقلّين فى الفعال ولا مجبورين فيها.

الهواري

تفسير : ثم قال للمؤمنين { لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ} أي: مشوا بينكم بالنميمة والكذب. { يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ} أي: يبغون [أَنْ تَكُونُوا مُشْرِكِين و] أن يظهر عليكم المشركون، وظهور الشرك فتنة. { وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} أي للمشركين، يعني المنافقين؛ إنهم عيون للمشركين عليكم، يسمعون أخباركم فيرسلون بها إلى المشركين، في تفسير الحسن. { وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} أي من المشركين والمنافقين جميعاً، وهو ظلم فوق ظلم وظلم دون ظلم. قوله: { لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ} أي الشرك { مِن قَبْلُ} أي من قبل أن تهاجروا {وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ} وهو قوله عزّ وجلّ (أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ) تفسير : [الأنفال:30] وقوله: (أية : أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ) تفسير : [الزخرف:79]، وهو اجتماع المشركين في دار الندوة يتشاورون في أمر النبي. وقد فسَّرنا ذلك في سورة الأنفال. وقال الحسن: {لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ}: أي القتل قبل أن تقدم المدينة، يعني المنافقين. قال: {حَتَّى جَاءَ الحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ} أي دين الله { وَهُمْ كَارِهُونَ} أي لظهوره. {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي} يا محمد أُقِم في أهلي { وَلاَ تَفْتِنِّي} أي بالنساء فافتتن بهن. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : اغزوا تبوك تغنموا من بنات الأصفر تفسير : ، أي بنات الروم، فقال المنافقون: إيذن لنا ولا تفتنا بالنساء فنفتتن. قال بعضهم: هو عبد الله بن أبي السلولي. قال الله: {أَلاَ فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا} أي في الهلكة، وهو الكفر، سقطوا، أي وقعوا. { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} جميعاً، من كافر مشرك، أو كافر منافق. كقوله: (أية : إِنَّ اللهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) تفسير : [النساء:140]. وكقوله: (أية : وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً) تفسير : [الإِسراء:8] أي: سجنا. وكقوله: (أية : إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) تفسير : [الكهف:29] أي: سورها.

اطفيش

تفسير : {لَوْ خَرجُوا فِيكُم} فى جملتكم أو معكم حال من الواو {ما زادُوكُم إلاَّ خَبالاً} أى فسادا وشراكا إيقاع الجبن، وتهويل الأمر، وأصل الخبال مرض يؤثر فى العقل كالجنون، والاستثناء متصل، أى ما زادوكم شيئا إلا الخبال، والخبال من جنس الشىء لا منفصل، لأن الاستثناء المنفصل لا يكون مفرغا كذا حفظنا فى كتب النحو وهو الصحيح، ثم رأيت القاضى ذكره أخذا من كلام جار الله. وقال بعض: إنه منفصل أى ما زادكم خيرا أو قوة ولا شدة، لكن خبالا، وذكر بعضهم أن فى تلك الغزوة منافقين كثيرين، ولهم خبال، ولو خرج الباقون ازدادوا خبالا، والاستثناء أيضا متصل، لأن الشىء المقدر على أنه لا منافق فيهم فى تلك الغزوة كالمقدر، على أن فيهم منافقين عام اللغط، وقرأ ابن أبى عبلة ما زادكم بإسقاط الواو وفتح الدال، أى ما زادكم خروجهم. {ولأوْضَعُوا} أسرعوا ركائبهم بالنميمة والهزيمة، والأحاديث الكاذبة، وحذف المفعول لأن الغرض الإخبار بإيقاع نحو النميمة بسرعة، لا كونها بركائب، واللام هى الواقعة فى جواب لو، وإنما وقعت هنا لأنه معطوف على جوابها، ولم يقرن جوابها لأن الأفصح أن لا يقرن بها إذا تصدر بما النافية، ويوجد فى المصاحف لا أوضعوا بزيادة ألف مع اللام قبل الهمزة، ووجهها أن الفتحة كانت قبل الخط العربى تكتب ألفا، والخط العربى اخترع قريبا من نزول القرآن، وقد بقى من ذلك الألف أثر فى الطباع، فكتبوا صورة الهمزة ألفا وفتحها ألفا أخرى ونحوه: أو لأذبحنه. قال جار الله: قلت: لا نسلم أنه مخترع قريبا من نزول القرآن قبل ذلك، لخشونة هجاء الأولين، قال الزجاج: إنما وقعوا فى ذلك، لأن الفتحة بالعبرانية، وكثير أمر الألسن تكتب ألفا، ويمكن أن يمطل حركة اللام فتحدث ألف. قال أبو بكر بن عبد الغنى: المشتهر باللبيب فى شرح عقيدة الشاطبية، قال أبو داود: رسموا "لا إلى الله تحشرون" فى آل عمران، "ولا إلى الجحيم فى الصافات" "ولا أوضعوا" فى التوبة، "ولا أذبحنه" فى النمل بالألف إلا عطاء بن يسار فإنه لم يكتب الألف فى التوبة، فعلى قول أصحاب المصاحف: أن المزيد هو المنفصل عن اللام، والهمزة هى المتصلة باللام، فقيل: هى صورة لفتحة الهمزة من حيث إن الفتحة مأخوذة منها وإن الإعراب قد يكون بهما، وقيل: إنها نفس الحركة لا صورة لها، ولم تكن العرب تشكل ولا تنقط، وكانوا يصورون الفتحة ألفا، والكسرة ياء، والضمة واوا إذا أرادوا البيان، ويفرقون بزيادة حروف كواو عمرو جرا ورفعا، فارقة بينه وبين عمرو، واو أولى الفارقة بينه وبين ألى، وياء أيدى الفارقة بين القوة وأيدى الأبدان، والألف فى مائة فرقا بينها وبين مئة، وبقيت أشياء لم تغير عن تلك القاعدة. وقيل: الألف دليل على إشباع فتحة الهمزة وتعطيلها فى اللفظ لخفاء الهمزة، وبعد مخرجها فرقا بين ما يحقق من الحركات وما يختلس، وليس ذلك مولدا للحرف، بل إتمام صورة الحركة، وقيل: الألف تقوية للهمزة وبيان لها لخفائها، والحرف الذى تقوى به قد يتقدم وقد يتأخر، وعلى قول الفراء، وأحمد بن يحيى وغيرهما من النحاة: أن الزائد المتصلة باللام، والمنفصل همزة فزيادتها دلالة على إشباع فتحة اللام أعنى تخفيفها، وتقوية للهمزة وتأكيد لبيانها، وخصت الألف لأن الهمزة المبدوء بها تصور ألفا بأى حركة، وبعد أى حركة وقعت. انتهى بتصرف. {خِلاَلكُم} ظرف مكان، أى بينكم، وقال الزجاج: معناه فيما يخل بينكم، ولا يصح هذا فى: {أية : فجاسوا خلال الديار} تفسير : ولكنه فسر الواقع، وقرأ مجاهد: ولأوفضوا أى أسرعوا رواه النقاش، وحكى عن الزبير أنه قرأ: ولأوقصوا يقال أوقص البعير أسرع فى مشيه. {يبْغُونكُم الفِتْنةَ} مفعول ثان ليبغى لتضمين معنى ما يتعدى لاثنين، أى يلبسونكم الفتنة من ألبسه ثوبا إلباسا، أى يجعلونكم لابسين، أو بدل اشتمال من الكاف، والرابط أل عوضا عن الضمير، أو الضمير محذوف أى الفتنة لكم أو بينكم أو فيكم، والفتنة إيقاع الخلاف فيما بين المسلمين وفساد نياتهم فى غزوهم، والرعب فى قلوبهم، يقولون: لقد جمعوا كذا وكذا وكذا، ويستهزئون، وطلب العيب والشر وقيل: يبغونكم ظهور الشرك، والشرك فتنة، والجملة حال من واو أوضعوا. {وفَيكُم سمَّاعُون لَهم} أى ضعفة يسمعون للمشركين ويطيعونهم، وقال الجمهور: للمنافقين أو فريق يسمعون كلامكم لهم، أى يسمعون لينفوه إليهم، وهؤلاء منافقون، ومعنى كونهم فى المسلمين كونهم مختلطين بهم، وقيل: مؤمنون ضعف إيمانهم ينقادون للرؤساء المشركين أو لأقاربهم ذوى القوة من المشركين، وقيل: الهاء للمنافقين، والسماعون مؤمنون ضعف إيمانهم، كذلك والقول بأنهم يسمعون الكلام لينقلوه رجحه الطبرى، وقال النقاش يضعفه بناء المبالغة. {واللهُ عَليمٌ بالظَّالمينَ} تهديد للسماعين بأنه يعلم ضمائرهم فيجازيهم عليها، وفيه تلويح بأنكم لا تعلمونهم، وقيل الظالمون المشركون، إن قلت: إذا كان عدم خروجهم مصلحة للمؤمنين، وخروجهم مفسدة، فلم عاتب الله سبحانه نبيه فى الإذن لهم فى القعود؟ قلت: عاتبه لأنه أذن لهم قبل أن يتبين صادقهم من كاذبهم، ولم يأذن لهم نظرا للمصلحة، لأنه لم يعلمها حينئذ، أو لأنه أذن لهم قبل أن يوحى إليه فى أمرهم بالقعود، ولأنه لو قعدوا بغير إذنه كان ذلك أقطع لعذرهم، ولا يقال: كيف ألهم الله المنافقين عدم الخروج وهو قبيح، لأنا نقول كما مر، إنه يلقيه فى قلوبهم إلقاء مرتبا على أعمالهم لا جبرا، وفيه مصلحة حسنة، وهى ارتياح المؤمنين من خيالهم والإيضاح بينهم.

اطفيش

تفسير : {لَوْ خَرَجُوا} إِلى الجهاد {فِيكُمْ} أَىْ معكم أَو حال من الواو {مَا زَادُوكُمْ} شيئا من الأَشياء {إِلاَّ خَبَالاً} أَى إِلا شيئا هو خبال ولا يلزم من زيادة أَنه قد كان فيهم خبل من قبل ثم زيد خبل آخر، فإِنه لا خبال فى الخارج، ولا يلزم من الزيادة أَن يكون على شىءٍ من جنسه، وقيل إِن فيهم بعضا، فالزيادة على ظاهرها ويدل له ما روى أَنه قل عنهم الماءُ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءَت سحابة فأَمطرت فقيل لرجل: ويحك أَسلم أَلاَ ترى؟ فقال: ما ذاك إِلا سحابة مرت فأَمطرت، ولا يصح ما قيل إِن التقدير ما زادوكم خيرا إِلا خبالا، لأَن الاستثناءَ المنقطع لا يكون فى التفريغ، إِذن لا دليل عليه إِلا أَن يقال لما كان المقام مقام طمع المؤمنين أَن يفعل هؤلاءِ خيرا كفى ذلك دليلا، والخبال الفساد بتخذيل المؤمنين وتجبينهم وتعظيم أَمر الروم والتردد فى الرأْى وتزيين أَمر لفريق وتقبيحه لآخرين ليختلفوا {وَلأَوْضَعُوا} بلام أَلف بعدها أَلف {خِلاَلَكُمْ} أَسرعوا وأَصله للإِبل ونحوها من الركائب، ويستعمل لازما يقال أوضعت دابة زيد أى أَسرعت وأَوضعتها أَسرعتها، وعلى التعدية يقدر أَوضعوا النمائم واستعير لهم شبه سرعتهم بسرعة الإِبل، أَو شبه شدة انتقال قلوبهم فى الشرور بسرعة نحو الإِبل وكأَنه قيل أَسرعوا بإِبلهم، ويستعمل أَيضا متعديا أَى أَسرعوا إِبلهم فى عمل، وخلالكم بينكم، وهو ظرف مكان جمع لخلل وهو الفرجة، ويجوز أَن يكون الكلام استعارة بالكناية وإِثبات الإِيضاع تخيلية، والأَولى أَن يكون استعارة تمثيلية، شبه فسادهم وسرعتهم فيه من النميمة ونحوها بسير الإِبل وسرعتها، والجامع مطلق الإٍسراع وعدم التحرز عن عاقبة {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} أَى يطلبون لكم الفتنة فحذف الجار، والأَخفش يقيس ذلك، أَو ضمن معنى التصيير أَى يطلبون أَن يكون أَمركم الفتنة أَى يصيرون أَمركم الفتنة أَى يصيرونكم ذوى فتنة، والفتنة هنا الشرك وصحح أَنها اختلاف الكلمة، وقيل الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، اجتمع اثنا عشر رجلا فوقفوا على الثنية ليقتلوه فخيبهم الله تعالى، والجملة حال من واو أوضعوا {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ} كلامكم {لَهُمْ} أَى لأَجلهم ينقلون أَخباركم أَيها المسلمون إِلى المنافقين، أَو هم يسمعون كلامكم لهم، يعنى لنفعهم فاللام متعلق بسماع أَو بمحذوف نعت لسماعون باعتبار نيابة سماعون عن رجل، سماعون ثابتون لهم كأَنهم منهم فينقلون ويجوز أَن يكون السمع بمعنى القبول، أَى رجال يقبلون كلام المنافقين، مطيعين لهم لشبهات يلقونها إِليهم مع أَنهم كبراءُ، واللام فى هذا للتقوية والجملة حال من واو يبغونكم أو كافة. {وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} أَى بهم وبأَحوالهم، وهم السماعون، عبر عنهم بالظاهر ليصفهم بالظلم أو مطلق الظالمين، فيدخل هؤلاءِ السماعون بالأُولى فهو يجازيهم على ظلمهم.

الالوسي

تفسير : {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم} بيان لكراهة الله تعالى انبعاثهم أي لو خرجوا مخالطين لكم {مَّا زَادُوكُمْ} شيئاً من الأشياء {إِلاَّ خَبَالاً} أي شراً وفساداً. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عجزاً وجبناً. وعن الضحاك غدراً ومكراً، وأصل الخبال كما قال الخازن: اضطراب ومرض يؤثر في العقل كالجنون، وفي «مجمع البيان» أنه ((الاضطراب في الرأي))، والاستثناء مفرغ متصل والمستثنى منه ما علمت / ولا يستلزم أن يكون لهم خبال حتى لو خرجوا زادوه لأن الزيادة باعتبار أعم العام الذي وقع منه الاستثناء. وقال بعضهم: توهماً منه لزوم ما ذكر هو مفرغ منقطع والتقدير ما زادوكم قوة وخيراً لكن شراً وخبالاً، واعترض بأن المنقطع لا يكون مفرغاً وفيه بحث لأنه مانه منه إذا دلت القرينة عليه كما إذا قيل: ما أنيسك في البادية فقلت: ما لي بها إلا اليعافير أي ما لي بها أنيس إلا ذلك، وأنت تعلم أن في وجود القرينة هٰهنا مقالاً. وقال أبو حيان: ((إنه كان في تلك الغزوة منافقون [كثيرو] لهم [لا شك] خبال فلو خرج هؤلاء أيضاً واجتمعوا بهم زاد الخبال)) فلا فساد في ذلك الاستلزام لو ترتب. {ولأَوْضَعُواْ خِلَـٰلَكُمْ} الإيضاع سير الإبل يقال: أوضعت الناقة تضع إذا أسرعت وأوضعتها أنا إذا حملتها على الإسراع، والخلال جمع خلل وهو الفرجة استعمل ظرفاً بمعنى بين ومفعول الإيضاع مقدر أي النمائم بقرينة السياق، وفي الكلام استعارة مكنية حيث شبهت النمائم بالركائب في جريانها وانتقالها وأثبت لها الإيضاع على سبيل التخييل، والمعنى ولسعوا بينكم بالنميمة وإفساد ذات البين. وقال العلامة الطيبي: فيه استعارة تبعية حيث شبه سرعة إفسادهم ذات البين بالنمائم بسرعة سير الراكب ثم استعير لها الإيضاع وهو للإبل والأصل ولأوضعوا ركائب نمائمهم خلالكم ثم حذف النمائم وأقيم المضاف إليه مقامه فقيل لأوضعوا ركائبهم ثم حذفت الركائب. ومنع الأخفش في كتاب الغايات أن يقال: أوضعت الركائب ووضع البعير بمعنى أسرع وإنما يستعمل ذلك بدون قيد، وجوز ذلك غيره واستدل له بقوله:شعر : فلم أر سعدى بعد يوم لقيتها غداة بها أجمالها صاح توضع تفسير : وقرىء {ولأرقصوا} من رقصت الناقة إذا أسرعت وأرقصتها ومنه قوله:شعر : يا عام لو قدرت عليك رماحنا والراقصات إلى منى فالغبغب تفسير : وقرىء {لأوفضوا} والمراد لأسرعوا أيضاً يقال: أوفض واستوفض إذا استعجل وأسرع والوفض العجلة، وكتب قوله تعالى: {لأوضعوا} في الامام بألفين الثانية منهما هي فتحة الهمزة والفتحة ترسم لها ألف كما ذكره الداني، وفي «الكشاف» ((كانت الفتحة تكتب ألفا قبل الخط العربـي اخترع قريباً من نزول القرآن وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفاً وفتحتها ألفاً أخرى ومثل ذلك {أية : أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ} تفسير : [النمل: 21])). {يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ} أي يطلبون أن يفتنوكم بإيقاع الخلاف فيما بينكم وتهويل أمر العدو عليكم وإلقاء الرعب في قلوبكم وهذا هو المروي عن الضحاك وعن الحسن أن الفتنة بمعنى الشرك أي يريدون أن تكونوا مشركين، والجملة في موضع الحال من ضمير أوضعوا أي باغين لكم الفتنة، ويجوز أن تكون استئنافاً {وَفِيكُمْ سَمَّـٰعُونَ لَهُمْ} أي نمامون يسمعون حديثكم لأجل نقله إليهم كما روي عن مجاهد وابن زيد أو فيكم أناس من المسلمين ضعفة يسمعون قولهم ويطيعونهم كما روي عن قتادة وابن اسحق وجماعة. واللام على التفسير الأول للتعليل وعلى الثاني للتقوية كما في قوله تعالى: {أية : فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } تفسير : [البروج: 16]، والجملة حال من مفعول {يَبْغُونَكُمُ} أو من فاعله لاشتمالها على ضميرهما أو مستأنفة. قال بعض المحققين: ولعل هؤلاء لم يكونوا في كمية العدد وكيفية الفساد بحيث يخل مكانهم فيما بين المؤمنين بأمر الجهاد إخلالاً عظيماً ولم يكن فساد خروجهم معادلاً لمنفعته ولذلك لم تقتض الحكمة عدم خروجهم فخرجوا مع المؤمنين، ولكن حيث كان انضمام المنافقين القاعدين إليهم مستتبعاً لخلل كلي كره الله تعالى انبعاثهم فلم / يتسن اجتماعهم فاندفع فسادهم انتهى، والاحتياج إليه على التفسير الأول أظهر منه على التفسير الثاني لأن الظاهر عليه أن القوم لم يكونوا منافقين، ووجه العتاب على الإذن في قعودهم مع ما قص الله تعالى فيهم أنهم لو قعدوا بغير إذن منه عليه الصلاة والسلام لظهر نفاقهم فيما بين المسلمين من أول الأمر ولم يقدروا على مخالطتهم والسعي فيما بينهم بالأراجيف ولم يتسن لهم التمتع بالعيش إلى أن يظهر حالهم بقوارع الآيات النازلة. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ} علماً محيطاً بظواهرهم وبواطنهم وأفعالهم الماضية والمستقبلة فيجازيهم على ذلك، ووضع المظهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالظلم والتشديد في الوعيد والإشعار بترتبه على الظلم، ويجوز أن يراد بالظالمين الجنس ويدخل المذكورون دخولاً أولياً، والمراد منهم إما القاعدون أو هم والسماعون.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بياني لجملة {أية : كره الله انبعاثهم فثبطهم}تفسير : [التوبة: 46] لبيان الحكمة من كراهية الله انبعاثَهم، وهي إرادة الله سلامة المسلمين من أضرار وجود هؤلاء بينهم، لأنّهم كانوا يضمرون المكر للمسلمين فيخرجون مرغمين، ولا فائدة في جيش يغزو بدون اعتقاد أنّه على الحقّ، وتعدية فعل (الخروج) بفي شائعة في الخروج مع الجيش. والزيادة: التوفير. وحذف مفعول {زادوكم} لدلالة الخروج عليه، أي ما زادوكم قوة أو شيئاً ممّا تفيد زيادته في الغزو نصراً على العدوّ، ثم استُثني من المفعول المحذوف الخبالُ على طريقة التهكّم بتأكيد الشيء بما يشبه ضده فإنّ الخبال في الحرب بعض من عدم الزيادة في قوة الجيش، بل هو أشدّ عدماً للزيادة، ولكنّه ادّعي أنّه من نوع الزيادة في فوائد الحرب، وأنّه يجب استثناؤه من ذلك النفي، على طريقة التهكّم. والخبال: الفساد، وتفكّك الشيء الملتحم الملتئم، فأطلق هنا على اضطراب الجيش واختلال نظامه. وحقيقة {أوضعوا} أسرعوا سير الرِّكاب. يقال: وضع البعيرُ وضعاً، إذا أسرع ويقال: أوضعتُ بعيري، أي سيّرته سيراً سريعاً. وهذا الفعل مختصّ بسير الإبل فلذلك يُنزَّل فعل أوضع منزلة القاصر لأنّ مفعوله معلوم من مادّة فعله. وهو هنا تمثيل لحالة المنافقين حين يبذلون جهدهم لإيقاع التخاذل والخوف بين رجال الجيش، وإلقاء الأخبار الكاذبة عن قوّة العدوّ، بحال من يُجهد بعيره بالسير لإبلاغ خبر مهمّ أو إيصال تجارة لسوق، وقريب من هذا التمثيل قوله تعالى: {أية : فجاسوا خلال الديار}تفسير : [الإسراء: 5] وقوله: {أية : وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان}تفسير : [المائدة: 62]. وأصله قولهم: يسعى لكذا، إلاّ أنّه لمّا شاع إطلاق السعي في الحرص على الشيء خفيت ملاحظة تمثيل الحالة عند إطلاقه لكثرة الاستعمال فلذلك اختير هنا ذكر الإيضاع لعزّة هذا المعنى، ولما فيه من الصلاحية لتفكيك الهيئة بأن يُشبه الفاتنون بالرَّكب، ووسائلُ الفتنة بالرواحل. وفي ذكر {خلالكم} ما يصلح لتشبيه استقرائهم الجماعات والأفراد بتغلغل الرواحل في خلال الطرق والشعاب. والخلال: جمع خَلَل بالتحريك. وهو الفرجة بين شيئين واستعير هنا لمعنى بينَكم تشبيهاً لجماعات الجيش بالأجزاء المتفرّقة. وكتب كلمة {ولاَ أوضعوا} في المصحف ــــ بألف بعد همزة أوضعوا ــــ التي في اللام ألف بحيث وقع بعد اللام ألفان فأشبهت اللامُ ألف لا النافية لفعل {أوضعوا} ولا ينطق بالألف الثانية في القراءة فلا يقع التباس في ألفاظ الآية. قال الزجاج: وإنّما وقعوا في ذلك لأنّ الفتحة في العبرانية وكثير من الألسنة تكتب ألفاً. وتبعه الزمخشري، وقال ابن عطية: «يحتمل أن تُمطل حركة اللام فتحدث ألف بين اللام والهمزة التي من أوضع، وقيل: ذلك لخشونة هجاء الأوّلين»، يعني لعدم تهذيب الرسم عند الأقدمين من العرب. قال الزمخشري: ومثلَ ذلك كتبوا {أية : لااذبحنّه} تفسير : في سورة النمل (21) قلت: و كتبوا {أية : لأعذّبنه}تفسير : [النمل: 21] بلام ألف لا غير وهي بلصق كلمة {أية : أوْ لأذبحنّه}تفسير : [النمل: 21]، ولا في نحو {أية : وإذاً لاتّخذوك خليلاً}تفسير : [الإسراء: 73] فلا أراهم كتبوا ألفاً بعد اللام ألف فيما كتبوها فيه إلاّ لمقصد، ولعلّهم أرادوا التنبيه على أنّ الهمزة مفتوحة وعلى أنّها همزة قطع. وجملة {يبغونكم الفتنة} في موضع الحال من ضمير {أية : ولو أرادوا الخروج}تفسير : [التوبة: 46] العائد على الذين لا يؤمنون بالله في قوله تعالى: {أية : إنما يستئذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر}تفسير : [التوبة: 45] المرادِ بهم المنافقون كما تقدّم. وبغى يتعدّى إلى مفعول واحد لأنّه بمعنى طلب، وتقدّم في قوله تعالى: {أية : أفغير دين الله يبغون} تفسير : في سورة آل عمران (83). وعدّي {يبغونكم} إلى ضمير المخاطبين هنا على طريقة نزع الخافض، وأصله يبغون لكم الفتنة. وهو استعمال شائع في فعل بغي بمعنى طلب. والفتنة: اختلال الأمور وفساد الرأي، وتقدّمت في قوله: {أية : وحسبوا أن لا تكون فتنة} تفسير : في سورة المائدة (71). وقوله: {وفيكم سماعون لهم} أي في جماعة المسلمين، أي من بين المسلمين {سماعون لهم} فيجوز أن يكون هؤلاء السماعون مسلمين يصدقون ما يسمعونه من المنافقين. ويجوز أن يكون السماعون منافقين مبثوثين بين المسلمين. وهذه الجملة اعتراض للتنبيه على أنّ بغيهم الفتنةَ أشدّ خطراً على المسلمين لأنّ في المسلمين فريقاً تنطلي عليهم حيلهم، وهؤلاء هم سذج المسلمين الذين يعجبون من أخبارهم ويتأثّرون ولا يبلُغون إلى تمييز التمويهات والمكائد عن الصدق والحقّ. وجاء {سمّاعون} بصيغة المبالغة للدلالة على أنّ استماعهم تامّ وهو الاستماع الذي يقارنه اعتقاد ما يُسمع كقوله: {أية : سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين}تفسير : [المائدة: 41] وعن الحسن، ومجاهد، وابن زيد: معنى {سماعون لهم}، أي جواسيس يستمعون الأخبار وينقلونها إليهم، وقال قتادة وجهور المفسّرين: معناه وفيكم من يقبل منهم قولهم ويطيعهم، قال النحاس الاغلب أن معنى سماع يسمع الكلام ومثله {أية : سماعون للكذب}تفسير : [المائدة: 41]. وأمّا من يَقبل ما يسمعه فلا يكاد يقال فيه إلاّ سَامع مثل قائِل. وجيء بحرف (في) من قوله: {وفيكم سماعون لهم} الدالّ على الظرفية دون حرف (من) فلم يقل ومنكم سمّاعون لهم أو ومنهم سماعون، لئلا يتوهّم تخصيص السماعين بجماعة من أحد الفريقين دون الآخر لأنّ المقصود أنّ السماعين لهم فريقان فريق من المؤمنين وفريق من المنافقين أنفسهم مبثوثون بين المؤمنين لإلقاء الأراجيف والفتنة وهم الأكثر فكان اجتلاب حرف (في) إيفاء بحقّ هذا الإيجاز البديع ولأنّ ذلك هو الملائم لمحملي لفظ {سمّاعون} فقد حصلت به فائدتان. وجملة {والله عليم بالظالمين} تذييل قصد منه إعلام المسلمين بأنّ الله يعلم أحوال المنافقين الظالمين ليكونوا منهم على حذر، وليتوسّموا فيهم ما وسمهم القرآن به، وليعلموا أنّ الاستماع لهم هو ضرب من الظلم. والظلم هنا الكفر والشرك {أية : إن الشرك لظلم عظيم}تفسير : [لقمان: 13].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لو خرجوا فيكم: أي مندسين بين رجالكم. إلا خبالاً: الفساد في الرأي والتدبير. ولأوضعوا خلالكم: أي لأسرعوا بينكم بالنميمة والتحريش والإِثارة لإِبقائكم في الفتنة. وفيكم سماعون لهم: أي بينكم من يكثر السماع لهم والتأثر بأقوالهم المثيرة الفاسدة. من قبل: أي عند مجيئك المدينة مهاجراً. وقلّبوا لك الأمور: بالكيد والمكر والاتصال باليهود والمشركين والتعاون معهم. وظهر أمر الله: بأن فتحت مكة ودخل الناس في دين الله أفواجاً. وهم كارهون: أي لمجيء الحق وظهور أمر الله بانتصار دينه. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في فضح نوايا المنافقين وكشف الستار عنهم فقال تعالى {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم} أيها الرسول والمؤمنون أي إلى غزوة تبوك {مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} أي ضرراً وفساداً وبلبلة لأفكار المؤمنين بما ينفثونه من سموم القول للتخذيل والتفشيل، {ولأَوْضَعُواْ} أي أسرعوا ركائبهم {خِلاَلَكُمْ} أي بين صفوفكم بكلمات التخذيل والتثبيط {يَبْغُونَكُمُ} بذلك {ٱلْفِتْنَةَ} وهي تفريق جمعكم وإثارة العداوة بينكم بما يحسنه المنافقون في كل زمان ومكان من خبيث القول وفاسده وقوله تعالى {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} أي وبينكم أيها المؤمنون ضعاف الإِيمان يسمعون منكم وينقلون لهم أخبار أسراركم كما أن منكم من يسمع لهم ويطيعهم ولذا وغيره كره الله انبعاثهم وثبطهم فقعدوا مع القاعدين من النساء والأطفال والعجز والمرضى، وقوله تعالى {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} الذين يعملون على إبطال دينه وهزيمة أوليائه. فلذا صرفهم عن الخروج معكم إلى قتال أعدائكم من الروم والعرب المتنصرة بالشام. وقوله تعالى في الآية الثانية [48] {لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ} بل من يوم هاجرت إلى المدينة ووجد بها الإِسلام وهم يثيرون الفتن بين أصحابك للإِيقاع بهم، وفي أحد رجع ابن أبي بثلث الجيش وهم بنو سلمة وبنو حارثة بالرجوع عن القتال لولا أن الله سلم {وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ} وصرفوها في وجوه شتى بقصد القضاء على دعوتك فظاهروا المشركين واليهود في مواطن كثيرة وكان هذا دأبهم {حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ} بفتح مكة {وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ} بدخول أكثر العرب في دين الله {وَهُمْ كَارِهُونَ} لذلك بل أسفون حزنون، ولذا فلا تأسفوا على عدم خروجهم معكم، ولا تحفلوا به أو تهتموا له، فإن الله رحمة بكم ونصراً لكم صرفهم عن الخروج معكم فاحمدوا الله وأثنوا عليه بما هو أهله، ولله الحمد والمنة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجود منافقين في صفوف المؤمنين خطر عليهم وضرر كبير لهم فلذا ينبغي إن لا يُشركوا في أمر، وأن لا يعول عليهم في مهمة. 2- وجوب الأخذ بالحيطة في الأمور ذات البال والأثر على حياة الإِسلام والمسلمين. 3- المنافق يسوءه عزة الإِسلام والمسلمين ويحزن لذلك. 4- تدبير الله تعالى لأوليائه خير تدبير فلذا وجب الرضا بقضاء الله وقره والتسليم به.

د. أسعد حومد

تفسير : {خِلاَلَكُمْ} {سَمَّاعُونَ} {بِٱلظَّالِمِينَ} (47) - يُبَيّنُ اللهُ تَعَالَى فِيِ هَذِهِ الآيَةِ أَسْبَابَ كَرَاهِيَتِهِ لِخُرُوجِ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ إِلَى الجِهَادِ مَعَ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، فَيَقُولُ: لَوْ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ لَزَادُوهُمُ اضْطِرَاباً وَضَعْفاً (خَبَالاً) لأَِنَّهُمْ جُبَنَاءُ مَخْذُولُونَ، وَلأَخَذُوا بِالسَّعْيِ بَيْنَكُمْ فِي الدَّسِّ وَالنَّمِيمَةِ وَإِثَارَةِ الْفِتْنَةِ، وَيُوجَدُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ مَنْ يَتَأَثَّرُ بِهِمْ، وَيَسْتَمِعُ إِلى قَوْلِهِمْ، مِنْ ضِعَافِ الإِيْمَانِ، وَضِعَافِ الْعَزَائِمِ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى وُقُوعِ الشَّرِّ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ. وَاللهُ يَعْلَمُ الظَّالِمِينَ، وَمَا يُبَيِّتُونَهُ لِلمُؤْمِنِينَ لَوْ خَرَجُوا مَعَهُمْ إِلَى الغَزَاةِ. خَبَالاً - شَرّاً وَفَسَاداً، أَوْ عَجْزاً وَضَعْفاً. لأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ - لأَسْرَعُوا بَيْنَكُمْ بِالدَّسِّ وَالوَقِيعَةِ وَالنَّمِيمَةِ لإِفْسَادِ مَا بَيْنَ المُسْلِمِينَ مِنْ رَوَابِطِ الأُخُوَّةِ. يَبْغُونَكُمْ الفِتْنَة - يَطْلَبُونَ لَكُمْ مَا تُفْتَنُونَ بِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والخبال مرض عقلي ينشأ معه اختلال موازين الفكر، فتقول: فلان مخبول، أي: أنه يحكم في القضايا بدون عقل، إذن فقوله تعالى: {مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} أي: أنهم لن يكونوا إلا مصدراً لبلبلة الأفكار لو خرجوا معكم للقتال، فلا تستطيعون اتخاذ القرار السليم. فكأنهم عين عليكم، وضدكم وليسوا معكم، وقد يكونون من عوامل الهزيمة التي لم يُرِدْهَا الله لكم، وليسوا من عوامل النصر، فكأن عدم خروجهم هو دفع لشَر، كان سيقع لو أنهم خرجوا معكم. وشاء الحق عدم خروجهم حفاظاً على قوة المؤمنين وقدرتهم على الجهاد. وقوله تعالى: {ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ} أي: أنهم كانوا سيُحْدثون فُرْقة بين صفوف المؤمنين ويُفرِّقونهم، وسيتغلغلون بينهم للإفسَاد؛ لأن الخلال هو الفُرْجة بين الشيئين أو الشخصين، فيدخل واحد منهم بين فريق من المؤمنين فيفسد، وآخر يفسد فريقاً آخر، وهكذا يمشون خلال المؤمنين ليفرقوا بينهم. ولكن التساؤل: هل كانوا سيخرجون معهم أو فيهم؟ هم كانوا سيدخلون في الفُرج بين المؤمنين ليبلبلوا أفكارهم. ونقول: إن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض، وعندما تسمع كلمة "فيكُم" اعلم أنها تغلغل ظرف ومظروف؛ ولذلك قال الحق سبحانه وتعالَى في موضع آخر من القرآن ما يوضح لنا الظرف والمظروف، قال الحق: {أية : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} تفسير : [طه: 71]. هل كان فرعون سيصلب السحرة في داخل الجذوع أم على الجذوع؟ وإن كان أهل اللغة قد قالوا: إن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض. فإننا لا نرضى هذا الجواب؛ لأننا إن رضيناه في أساليب البشر، لا يمكن أن نقبله في أساليب كلام الله؛ لأن هناك معنى "في" الظرفية؛ ومعنى آخر في استخدام حرف "على". ولو قال الحق سبحانه وتعالى: "لأصلبنكم على جذوع النخل"، فإن لها معنى أن يكون الصَّلْب على الجذع؛ أي: أنه صَلْبٌ عادي، ولكن قوله تعالى: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} معناه: أن عملية الصَّلْب ستتم بقوة بحيث تدخل أجزاء من جسم المصلوب في المصلوب فيه، أي: أن جنود فرعون كانوا سَيَدقُّون على أجساد السحرة حتى تدخل في جذوع النخل، وتصبح هذه الأجساد وجذوع النخل وكأنها قطعة واحدة، هذه صورة لقسوة الصلب وقوته. لكن إذا قلنا: على جذوع النخل لكان المعنى أخفَّ، ولكان الصَّلْب أقل قسوة، فكأن القرآن الكريم قد استعمل ما يعطينا دقة المعنى. بحيث إذا تغيَّر حرف اختل المعنى. ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول في موضع آخر من القرآن الكريم: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [آل عمران: 113]. أي: أن سرعتنا في العمل الصالح تنتهي بنا إلى المغفرة، إذن: فنحن قبل أن نسرع إلى الصالح من الأعمال لم نكن في المغفرة، وعندما نسارع نصل إليها. ثم نجد قول الحق سبحانه وتعالى أيضاً: {أية : إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} تفسير : [الأنبياء: 90]. ولم يقل: يسارعون إلى الخيرات؛ لأن عملهم الآن خير، وهم سيسارعون فيه؛ أي سيزيدونه؛ إذن: إنْ سارعتَ إلى شيء كأنه لم يكن في بالك، ولكنك ستسرع إليه، ولكن سارعتَ في الخير، فكأنك في الخير أولاً ثم تزيد في فعل الخير. وإذا تدبرنا قول الحق سبحانه: {ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ} نجد أن "أوضع" تعني: أسرع بدرجة بين الإبطاء والسرعة، فيقال: "أوضعت الدابة؛ أي مشتْ بخُطىً غير بطيئة وغير سريعة في نفس الوقت، ولو نظرتَ إلى حالة هؤلاء المنافقين لو خرجوا مع المؤمنين للقتال، لرأيتهم وهم يزينون لهم الفساد، ويعملون على أن تصاب عقول المقاتلين بالخبل، ولوجدتَ أن هذا الأمر يتطلب آخر البطء وأول السرعة في الحركة، كانوا يحتاجون إلى البطء؛ لأنهم كانوا سيهمسون في آذان المؤمنين بتزيين الباطل وهذا يقتضي بُطئاً، ثم ينتقل الواحد منهم إلى مؤمن ثان ليقوم معه بنفس العملية، ولا بد أن يسرع إلى التواجد بجانب المؤمن الآخر. إذن: فالحركة هنا تحتاج إلى البطء في الوسوسة؛ وسرعة في الانتقال من مؤمن لآخر. وهذا أدقُّ وصف ينطبق على ما كان سيحدث. ولكن ما هدف هؤلاء المنافقين من أن يضعوا الخبل في عقول المؤمنين؟ ويُفرِّقوهم جماعات؟ الهدف: أن ينالوا من وحدتهم وقوتهم، ويقول الحق سبحانه وتعالى: {يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ} أي: يطلبون لكم الفتنة؛ لأن الإنسان الشرير حين يرى خيراً يقوم به غيره، يجد الملكات الإيمانية في أعماقه تصيبه بنوع من احتقار النفس، فيحاول التقليل من شأن فاعل الخير بأن يسخر مما يفعله أو أن يستهزئ به، وهذا أوضح ما يكون في مجالس الخمر، حين يحس الجالسون في هذه المجالس بالذنب الشديد؛ إن وُجِدَ بينهم إنسان لا يشرب الخمر، فتجدهم يحاولون أن يُغْروه بكل طريقه؛ لكي يرتكب نفس الإثم، فإذا رفض أخذوا يُعيِّرونه ويستهزئون به، ويسخرون منه، ويدَّعُون أنه لم يبلغ مبلغ الرجال، وغير ذلك من أساليب السخرية. وأيضاً تجد الكذاب يحاول دفع الناس إلى الكذب، والسارق يغري الناس بالسرقة، والمرتشي يحاول نشر الرشوة بين جميع زملائه، فإذا وُجِدَ إنسان نزيه وسط هؤلاء الذين يرتكبون هذه الألوان من السلوك السيء؛ فهم يضطهدونه ويسخرون منه. والمثال: حين يقوم إنسان للصلاة بين عدد من تاركي الصلاة، تجدهم يحاولون السخرية منه، فهذا يقول له: خذني على جناحك، وهذا يقول له مستهزئاً: يجعلنا الله من بركاتك. ويُبيِّن لنا القرآن الكريم هذه القضية ليعطينا المناعة الإيمانية فيقول: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [المطففين: 29-36]. وهذه الآيات تعطينا صورة لما يحدث عندما يعمُّ الفساد في الأرض، فالذين سخروا من المؤمنين يضحكون ضحكات ستزول حَتْماً طال الوقت أو قَصُر يتبعها عذاب في الآخرة، أما أهل الإيمان فهم يخشون الله في الدنيا؛ فيثيبهم الله في الآخرة، ويضحكون ضحكة خالدة مستمرة. إذن: فقوله تعالى: {يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ} أي: إنهم من فَرْط حقدهم عليكم وعلى إيمانكم، يحاولون أن يفتنوكم في دينكم حتى تنزلوا إلى مستواهم، تماماً كأنماط السلوك التي بيَّناها من قبل. ثم يبيِّن الحق سبحانه وتعالى أن الصف الإيماني لن يكون في مَنَعة مما كان سيفعله هؤلاء المنافقون، فصحيح أنهم لم يخرجوا مع المؤمنين، ولكن هناك بين المؤمنين من كان يستمع لهم، ويقول الحق تبارك وتعالى: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} وسمعتُ لفلان، أي: سمعتْ أذني ما قاله، وسمعت من فلان، أي: لصالح شخص آخر، أي: من يستمع منهم أو من يستمع أخباركم فهو ينقلها إليهم. إذن: فاللام تأتي بالمعنيين، فمن المؤمنين من كان سيسمع لهؤلاء المنافقين مما يُحدث بلبلة في فكرهم، ومن هؤلاء المبلبلين للأفكار جواسيس لهم ينقلون إليهم أخبار المؤمنين ويعملون لحسابهم، وهناك من المؤمنين مَنْ سيسمع لهم أولاً، فإذا أصيبوا بالخبل بدأوا في نقل أخبار المؤمنين إليهم، وهكذا جاءت "اللام" فاصلة بين "سمعت له" أو "سمعت من غيره لصالحه" ويزيد الله سبحانه هذا الأمر إيضاحاً في قول الحق تبارك وتعالى: {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} تفسير : [النساء: 105]. فنجد السطحي التفكير يقول: إن هذا تحذير من مخاصمة الخائنين؛ خوفاً من ألاَّ يقدر عليهم، أو أن يزدادوا في إثمهم بسبب هذه الخصومة. ونقول: إنك لم تفهم المعنى، فالمعنى الواضح هو: لا تكُنْ لصالح الخائنين خصيماً، أي: لا تترافع عن الخائنين أو تدافع عنهم. وقوله تعالى {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} لأن الذي كان سيسمع، والذين سيسمع لصالحهم؛ كلاهما ظالم والله عليم بهم. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ..}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِلاَّ خَبَالاً} معناهُ فَسادٌ. تفسير : وقوله تعالى: {ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ} معناه أَسرَعُوا بينكُم. تفسير : وقوله تعالى: {سَمَّاعُونَ لَهُمْ} معناهُ مُطِيعونَ.

الجيلاني

تفسير : وإنما ثبتطهم سبحانه وكره نهوضهم، لأنه سحبانه علم منهم أنهم {لَوْ خَرَجُواْ} معكم، وكانوا {فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} فساداً بالغيبة والنميمة، وإيقاع الفتنة بينكم {ولأَوْضَعُواْ} أي: أسرعوا وأدخلوا ركائبهم {خِلاَلَكُمْ} ليتخللوا فيكم وليفرقوا جمعكم؛ حتى يشتغلوا بالنميمة، وإذ ازدحم العدو هزموكم بتفريق جمعكم وتشتيت شملكم، وبالجملة: إنما {يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ} أي: يطلبون إيقاع الفتنة بينكم بأي وجه كان {وَ} الحال أن {فِيكُمْ} وبينكم {سَمَّاعُونَ لَهُمْ} أي: ضعفة يسمعون قولهم ويقبلون نصحهم، ويرغبون إليهم ويطيعون أمرهم {وَٱللَّهُ} المطلع لأحوال عباده {عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} [التوبة: 47] الخارجين عن مقتضى أوامره سراً وعلانية. {لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ} أي: ليس هذا أول ابتغائهم وإيقاعهم، بل أوقعوا الفتنة {مِن قَبْلُ} وأرجفوا بهلاكك، وشتتوا شمل أصحابك {وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ} أي: النصر والتأييد الثابت عنده، المقرر دونه سبحانه من نصر دينك وإعلائه، ونسخ الأديان كلها {وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ} وإعلاء كلمته {وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 48] من خبث باطنهم ظهور دينك وارتفاع شأنك، وسمو برهانك. {وَمِنْهُمْ} أي: من المستأذنين المتخلفين {مَّن يَقُولُ} لك حين استأذنك بالعقود: {ٱئْذَن لِّي} إذ ليس لي قوة الخروج {وَلاَ تَفْتِنِّي} أي: لا توقعني في الفتنة بالخروج؛ إذ إني أخاف على نفسي من الفتنة والعصيان لو خرجت، قل لهم يا أكمل الرسل توبيخاً وتقريعاً: {أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} أي: وقعوا في فتنة التخلف وظهور النفاق والشقاق باستذانهم وقولهم هذا {وَ} استحقوا العذاب والنكال {إِنَّ جَهَنَّمَ} البعد والخذلان {لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} [التوبة: 49] في الدنيا والآخرة، ومن شدة شكيمتهم وغيظ قلوبهم معك يا أكمل الرسل.

همام الصنعاني

تفسير : 1089- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ}: [الآية: 47]، يقول: لأسرعوا، {خِلاَلَكُمْ} بينكم {يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ}: [الآية: 47]، بذلك.