Verse. 1283 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَۃَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوْا لَكَ الْاُمُوْرَ حَتّٰي جَاۗءَ الْحَقُّ وَظَہَرَ اَمْرُ اللہِ وَہُمْ كٰرِہُوْنَ۝۴۸
Laqadi ibtaghawoo alfitnata min qablu waqallaboo laka alomoora hatta jaa alhaqqu wathahara amru Allahi wahum karihoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لقد ابتغوا» لك «الفتنة من قبل» أول ما قدمت المدينة «وقلَّبوا لك الأمور» أي أحالوا الفكر في كيدك وإبطال دينك «حتى جاء الحق» النصر «وظهر» عَزَّ «أمر الله» دينه «وهم كارهون» له فدخلوا فيه ظاهرا.

48

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المذكور في هذه الآية نوع آخر من مكر المنافقين وخبث باطنهم فقال: {لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ } أي من قبل واقعة تبوك. قال ابن جريج: هو أن اثني عشر رجلاً من المنافقين وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقيل المراد ما فعله عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عن النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، وقيل: طلبوا صد أصحابك عن الدين وردهم إلى الكفر وتخذيل الناس عنك، ومعنى الفتنة هو الاختلاف الموجب للفرقة بعد الألفة، وهو الذي طلبه المنافقون للمسلمين وسلمهم الله منه، وقوله: {وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ } تقليب الأمر تصريفه وترديده لأجل التدبر والتأمل فيه، يعني اجتهدوا في الحيلة عليك والكيد بك. يقال: في الرجل المتصرف في وجوه الحيل فلان حول قلب، أي يتقلب في وجوه الحيل. ثم قال تعالى: {حَتَّىٰ جَاء ٱلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَهُمْ كَـٰرِهُونَ } والمعنى: أن هؤلاء المنافقين كانوا مواظبين على وجه الكيد والمكر وإثارة الفتنة وتنفير الناس عن قبول الدين حتى جاء الحق الذي كان في حكم المذاهب، والمراد منه القرآن ودعوة محمد، وظهر أمر الله الذي كان كالمستور والمراد بأمر الله الأسباب التي أظهرها الله تعالى وجعلها مؤثرة في قوة شرع محمد عليه الصلاة والسلام، وهم لها كارهون أي وهم لمجيء هذا الحق وظهور أمر الله كارهون، وفيه تنبيه على أنه لا أثر لمكرهم وكيدهم ومبالغتهم في إثارة الشر، فإنهم منذ كانوا في طلب هذا المكر والكيد، والله تعالى رده في نحرهم وقلب مرادهم وأتى بضد مقصودهم، فلما كان الأمر كذلك في الماضي، فهذا يكون في المستقبل. ثم قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لّي وَلاَ تَفْتِنّى } يريد ائذن لي في القعود ولاتفتني بسبب الأمر بالخروج، وذكروا فيه وجوها: الأول: لا تفتني أي لا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي، فإنك إن منعتني من القعود وقعدت بغير إذنك وقعت في الإثم، وعلى هذا التقدير فيحتمل أن يكونوا ذكروه على سبيل السخرية، وإن يكونوا أيضاً ذكروه على سبيل الجد، وإن كان ذلك المنافق منافقاً كان يغلب على ظنه كون محمد عليه السلام صادقاً، وإن كان غير قاطع بذلك. والثاني: لا تفتني أي لا تلقني في الهلاك فإن الزمان زمان شدة الحر ولا طاقة لي بها. والثالث: لا تفتني فإني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي. والرابع: قال الجد بن قيس: قد علمت الأنصار أني مغرم بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر، يعني نساء الروم، ولكني أعينك بمال فاتركني، وقرىء {وَلاَ تَفْتِنّى } من أفتنه {أَلا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ } والمعنى أنهم يحترزون عن الوقوع في الفتنة، وهم في الحال ما وقعوا إلا في الفتنة، فإن أعظم أنواع الفتنة الكفر بالله ورسوله، والتمرد عن قبول التكليف. وأيضاً فهم يبقون خالفين عن المسلمين، خائفين من أن يفضحهم الله، وينزل آيات في شرح نفاقهم وفي مصحف أبي {سُقِطَ } لأن لفظ من موحد اللفظ مجموع المعنى. قال أهل المعاني: وفيه تنبيه على أن من عصى الله لغرض ما، فإنه تعالى يبطل عليه ذلك الغرض، ألا ترى أن القوم إنما اختاروا القعود لئلا يقعوا في الفتنة، فالله تعالى بين أنهم في عين الفتنة واقعون ساقطون. ثم قال تعالى: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَـٰفِرِينَ } قيل: إنها تحيط بهم يوم القيامة. وقيل إن أسباب تلك الإحاطة حاصلة في الحال، فكأنهم في وسطها. وقال الحكماء الإسلاميون: إنهم كانوا محرومين من نور معرفة الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وما كانوا يعتقدون لأنفسهم كمالاً وسعادة سوى الدنيا وما فيها من المال والجاه، ثم إنهم اشتهروا بين الناس بالنفاق والطعن في الدين. وقصد الرسول بكل سوء، وكانوا يشاهدون أن دولة الإسلام أبداً في الترقي والاستعلاء والتزايد، وكانوا في أشد الخوف على أنفسهم، وأولادهم وأموالهم والحاصل أنهم كانوا محرومين عن كل السعادات الروحانية، فكانوا في أشد الخوف، بسبب الأحوال العاجلة، والخوف الشديد مع الجهل الشديد، أعظم أنواع العقوبات الروحانية، فعبر الله تعالى عن تلك الأحوال بقوله: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَـٰفِرِينَ }.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ} أي لقد طلبوا الإفساد والخبال من قبل أن يظهر أمرهم، وينزل الوَحْيُ بما أسّروه وبما سيفعلونه. وقال ابن جريج: أراد اثني عشر رجلاً من المنافقين، وقفوا على ثَنِية الوداع ليلة العقبة ليفتِكوا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم. {وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ} أي صرفوها وأجالوا الرأي في إبطال ما جئت به. {حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ} أي دينه {وَهُمْ كَارِهُونَ}.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى محرضاً لنبيه عليه السلام على المنافقين: {لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ} أي: لقد أعملوا فكرهم، وأجالوا آراءهم في كيدك وكيد أصحابك وخذلان دينك وإخماده مدة طويلة، وذلك أول مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، رمته العرب عن قوس واحدة، وحاربته يهود المدينة ومنافقوها، فلما نصره الله يوم بدر، وأعلى كلمته، قال عبد الله بن أبي وأصحابه: هذا أمر قد توجه، فدخلوا في الإسلام ظاهراً، ثم كلما أعز الله الإسلام وأهله غاظهم ذلك وساءهم، ولهذا قال تعالى: {حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَهُمْ كَـٰرِهُونَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ } لك {ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ } أوّل ما قدمت المدينة {وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ } أي أجالوا الفكر في كيدك وإِبطال دينك {حَتَّىٰ جَآء ٱلْحَقُّ } النصر {وَظَهَرَ } عَزَّ {أَمْرُ ٱللَّهِ } دينه {وَهُمْ كَٰرِهُونَ } له فدخلوا فيه ظاهراً.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل{لَقَدْ ابْتَغَؤا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ} يعين إيقاع الخلاف وتفريق الكلمة. {وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ} يحتمل أربعة أوجه: أحدها: معاونتهم في الظاهر وممالأة المشركين في الباطن. والثاني: قولهم بأفواههم ما ليس في قلوبهم. والثالث: توقع الدوائر وانتظار الفرص. والرابع: حلفهم بالله لو استطعنا لخرجنا معكم. {حَتَّى جَآءَ الْحَقُّ} يعني النصر. {وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ} يعني الدين. {وَهُمْ كَارِهُونَ} يعني النصر وظهور الدين.

ابن عطية

تفسير : في هذه الآية تحقير شأنهم، وذلك أنه أخبر أنهم قد لما سعوا على الإسلام فأبطل الله سعيهم، ومعنى قوله: {من قبل} ما كان من حالهم من وقت هجرة رسول الله صلى الله عليه سلم ورجوعهم عنه في أحد وغيرها، ومعنى {وقلبوا لك الأمور} دبروها ظهراً لبطن ونظروا في نواحيها وأقسامها وسعوا بكل حيلة، وقرأ مسلمة بن محارب " وقلَبوا لك" بالتخفيف في اللام، و {أمر الله} الإسلام ودعوته، وقوله تعالى {ومنهم من يقول ائذن لي} نزلت في الجد بن قيس، حديث : وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما أمر بالغزو إلى بلاد الروم حرض الناس فقال للجد بن قيس هل لك العام في جلاد بني الأصفر، وقال له وللناس: اغزوا تغنموا بنات الأصفرتفسير : ، فقال له الجد بن قيس: ائذن لي في التخلف ولا تفتني بذكر بنات الأصفر، فقد علم قومي أني لا أتمالك عن النساء إذا رأيتهن، ذكر ابن إسحاق ونحو هذا من القول الذي فيه فتور كثير وتخلف في الاعتذار، وأسند الطبري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : اغزوا تبوك تغنموا بنات الأصفرتفسير : ، فقال الجد ائذن ولا تفتنا بالنساء، وهذا منزع الأول إذا نظر، وهو أشبه بالنفاق والمحادة، وقال ابن عباس إن الجد قال: ولكني أعينك بمالي، وتأول بعض الناس قوله {ولا تفتني } أي لا تصعب علي حتى أحتاج إلى مواقعة معصيتك ومخالفتك، فسهل أنت عليّ ودعني غير مجلح، وهذا تأويل حسن واقف مع اللفظ، لكن تظاهر ما روي من ذكر بنات الأصفر، وذلك معترض في هذا التأويل، وقرأ عيسى بن عمر" ولا تُفتني " بضم التاء الأولى قال أبو حاتم هي لغة بني تميم، والأصفر هو الروم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهما السلام وكان أصفر اللون فيقال للروم بنو الأصفر، ومن ذلك قول أبي سفيان: أمر أمر ابن أبي كبشة أنه يخافه ملك بني الأصفر، ومنه قول الشاعر [عدي بن زيد العبادي]: [ الخفيف] شعر : وبنو الأصفر الكرام ملوك الر وم لم يبق منهمُ مذكور تفسير : وذكر النقاش والمهدوي أن الأصفر رجل من الحبشة وقع ببلاد الروم فتزوج وأنسل بنات لهن جمال وهذا ضعيف، وقوله: {ألا في الفتنة سقطوا} أي في الذي أظهروا الفرار منه بما تبين لك وللمؤمنين من نفاقهم وصح عندكم من كفرهم وفسد مما بينكم وبينهم، و{سقطوا } عبارة منبئة عن تمكن وقوعهم ومنه على الخبير سقطت، ثم قال {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين }، وهذا توعد شديد لهم أي هي مآلهم ومصيرهم كيف ما تقلبوا في الدنيا فإليها يرجعون فهي محيطة بهذا الوجه، وقوله تعالى: {إن تصبك حسنة} الآية، أخبر تعالى عن معتقدهم وما هم عليه، و" الحسنة" هنا بحسب الغزوة هي الغنيمة والظفر، و" المصيبة " الهزم والخيبة، واللفظ عام بعد ذلك في كل محبوب ومكروه، ومعنى قوله: {قد أخذنا أمرنا من قبل }، أي حزمنا نحن في تخلفنا ونظرنا لأنفسنا، وقوله تعالى {قل لن يصيبنا} الآية، أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن يرد على المنافقين ويفسد عليهم فرحهم بأن يعلمهم أن الشيء الذي يعتقدونه مصيبة ليس كما اعتقدوه، بل الجميع مما قد كتبه الله عز وجل للمؤمنين، فإما أن يكون ظفراً وسروراً في الدنيا وإما أن يكون ذخراً للآخرة، وقرأ طلحة بن مصرف " قل هل يصيبنا "، ذكره أبو حاتم، وعند ابن جني وقرأ طلحة بن مصرف وأعين قاضي الري " قل لن يصيِّبنا " بشد الياء التي بعد الصاد وكسرها كذا ذكر أبو الفتح وشرح ذلك وهو وهم، والله أعلم. قال أبو حاتم: قال عمرو بن شفيق سمعت أعين قاضي الري يقرأ " قل لن يصيبنا " النون مشددة، قال أبو حاتم: ولا يجوز ذلك لأن النون لا تدخل مع لن، ولو كانت لطلحة بن مصرف لجازت لأنها مع " هل "، قال الله عز وجل {أية : هل يذهبن كيده ما يغيظ } تفسير : [ الحج: 15] وقوله: {كتب الله} يحتمل أن يريد ما قضى وقدر. ويحتمل أن يريد ما كتب الله لنا في قرآننا علينا من أنّا إما أن نظفر بعدونا وإما أن نستشهد فندخل الجنة. قال القاضي أبو محمد : وهذا الاحتمال يرجع إلى الأول وقد ذكرهما الزجّاج، وقوله: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون}، معناه مع سعيهم وجدهم إذ لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا قول أكثر العلماء وهو الصحيح، والذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، مدة عمره ومنه مظاهرته بين درعين، وتخبط الناس في معنى التوكل في الرزق فالأشهر والأصح أن الرجل الذي يمكنه التحرف الحلال المحض الذي لا تدخله كراهية ينبغي له أن يمتثل منه ما يصونه ويحمله كالاحتطاب ونحوه، وقد قرن الله تعالى الرزق بالتسبب، ومنه {أية : وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليكم رطباً جنياً} تفسير : [مريم: 25] ومنه حديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم في الطير: "تغدو خماصاً" تفسير : الحديث. ومنه قوله: "حديث : قيدها وتوكل" تفسير : وذهب بعض الناس إلى أن الرجل القوي الجلد إذا بلغ من التوكل إلى أن يدخل غاراً أو بيتاً يجهل أمره فيه ويبقى في ذكر الله متوكلاً يقول إن كان بقي لي رزق فسيأتي الله به وإن كان رزقي قد تم مت إذ ذلك حسن بالغ عند قوم، وحدثني أبي رضي الله عنه أنه كان في الحرم رجل ملازم، يخرج من جيبه المرة بعد المرة بطاقته ينظر فيها ثم يصرفها ويبقى على حاله حتى مات في ذلك الموضع، فقرأت البطاقة فإذا فيها مكتوب {أية : واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } تفسير : [الطور:48]. قال القاضي أبو محمد: وهذه الطريقة لا يراها جل أهل العلم بل ينبغي أن يسعى الرجل لقدر القوت سعياً جميلاً لا يواقع فيه شبهة، فإن تعذر عليه جميع ذلك وخرج إلى حد الاضطرار فحيئذ إن تسامح في السؤال وأكل الميتة وما أمكنه من ذلك فهو له مباح، وإن صبر وتحتسب نفسه كان في أعلى رتبة عند قوم، ومن الناس من يرى أن فرضاً عليه إبقاء رمقه وأما من يختار الإلقاء باليد - والسعي ممكن - فما كان هذا قط من خلق الرسول ولا الصحابة ولا العلماء، والله سبحانه الموفق للصواب، ومن حجج من يقول بالتوكل حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله "حديث : يدخل الجنة سبعون ألفاً من أمتي بلا حساب وهم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطببون وعلى ربهم يتوكلون " تفسير : ، وفي هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لعكاشة بن محصن أن يكون منهم، فقيل ذلك لأنه عرف منه أنه معد لذلك، وقال للآخر سبقك بها عكاشة ورُدّت الدعوة، فقيل: ذلك لأنه كان منافقاً، وقيل بل عرف منه أنه لا يصح لهذه الدرجة من التوكل.

ابن عبد السلام

تفسير : {ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ} الاختلاف وتفريق الكلمة. {وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ} بمعاونتهم ظاهراً وممالأة المشركين باطناً، أو قالوا بأفواههم ما ليس في قلوبهم، أو توقعوا الدوائر وانتظروا الفرص، أو حلفهم لو استطعنا لخرجنا. {جَآءَ الْحَقُّ} النصر {وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ} دينه {وَهُمْ كَارِهُونَ} لهما.

البقاعي

تفسير : ولما أخبر سبحانه بذلك، وحث على قبول أخبارهم بما وصف به ذاته الأقدس من إحاطة العلم، شرع يقيم الدليل على ما قال بتذكيرهم بأشياء تقدمت مشاهدتها منهم، فقال معللاً لما أخبر به: {لقد ابتغوا} أي طلبوا طلباً عظيماً كلهم لكم {الفتنة} أي لتشتيتكم {من قبل} أي قبل هذه الغزوة في يوم أحد بكسر قلوب العسكر بالرجوع عنه حتى كاد بعضهم أن يفشل وفي المريسيع بما قال ابن أبيّ {أية : ليخرجن الأعز منها الأذل}تفسير : [المنافقون: 8] وفي غزوة الخندق بما وقع منهم من التكذيب في أخذ كنوز كسرى وقيصر والإرجاف بكم في نقض بني قريظة وغير ذلك كما صنعوا قبله في غزوة قينقاع والنضير في قصدهم تقوية كل منهم عليكم وفي غير ذلك من أيام الله التي عكس فيها قصودهم وأنعس جدودهم {وقلبوا} أي تقليباً كثيراً {لك الأمور} أي التي لك فيها أذى ظهراً لبطن بإحالة الآراء وتدبير المكايد والحيل لعلهم يجدون فرصة في نقض أمرك ينتهزونها أو ثغرة في حالة يوسعونها، وامتد بهم الحال في هذا المحال {حتى جاء الحق} أي الثابت الذي لا مراء في مزاولته مما تقدم به وعده سبحانه من إظهار الدين وقمع المفسدين {وظهر أمر الله} أي المتصف بجميع صفات الكمال من الجلال والجمال حتى لا مطمع لهم في ستره {وهم كارهون*} أي لجميع ذلك فلم يبق لهم مطمع في محاولة بمواجهة ولا مخاتلة فصار همهم الآن الاعتزال والمبالغة في إخفاء الأحوال وستر الأفعال والأقوال. ولما أجملهم في هذا الحكم، وكان قد أشار إلى أن منهم من كان قد استأذن في الخروج توطئة للاعتذار عنه، شرع يفصلهم، وبدأ المفصلين بمن صرح بالاستئذان في القعود فقال عاطفاً على "لقد ابتغوا": {ومنهم من يقول} أي في جبلته تجديد هذا القول من غير احتشام {ائذن لي} أي في التخلف عنك {ولا تفتني} أي تكن سبباً في فتنتى بالحزم بالأمر بالنفر فأفتتن إما بأن أتخلف فأكون مصارحاً بالمعصية أو أسافر فأميل إلى نساء بني الأصفر فأرتد عن الدين فأنه لا صبر لي عن النساء، وقائل ذلك هو الجد ابن قيس، كان من الأنصار منافقاً. ولما أظهروا أنهم قصدوا البعد من شيء فإذا هم قد ارتكبوا فيه، انتهزت فرصة الإخبار بذلك على أبلغ وجه بإدخال ناف على ناف لتحصيل الثبوت الأكيد بإقرار المسؤول فقيل: {ألا في الفتنة سقطوا} أي بما قالوا وفعلوا، فصارت ظرفاً لهم فوضعوا أنفسهم بذلك في جهنم، وفي التعبير بالسقوط دلالة على انتشابهم في أشراك الفتنة انتشاباً سريعاً بقوة فصار يعسر خلاصهم معه {وإن جهنم لمحيطة} أي بسبب إحاطة الفتنة - التي أسقطوا أنفسهم فيها - بهم، وإنما قال: {بالكافرين*} تعميماً وتنبيهاً على الوصف الذي حملهم على ذلك. ولما كان كأنه قيل: ما الفتنة التي سقطوا فيها فأحاطت بهم جهنم بسببها؟ قيل: {إن} أي هي كونهم أن، ويجوز أن يكون علة لإحاطة جهنم بهم، وكأنهم - لأجل أنهم من الأوس والخزرج فالأنصار أقاربهم - خصوا النبي صلى الله عليه وسلم بالعدواة وشديد الحنق، وكذا ايضاً كان لا يسوءهم ويسرهم من الحسنة والسيئة إلا ما له وقع - بما أذن به التعبير بالإصابة دون المس - لا ما دونه، حفظاً لقلوب أقاربهم ورعياً لأسرار نسائهم، فقال إشارة إلى ذلك: {تصبك} أي بتقدير الله ذلك {حسنة} أي بنصر أو غيره {تسؤهم} أي لما في قلوبهم من الضغن والمرض {وإن تصبك مصيبة} أي نكبة وإن صغرت كما وقع يوم أحد {يقولوا} أي سروراً وتبجحاً بحسن آرائهم {قد أخذنا أمرنا} أي عصينا الذي أمرنا ولم نسلم قيادنا لأحد فنكون كالأعمه، لأن الأمر الحادثة وضد النهي، ومنه الأمير، رجل إمرّ وإمرة - بتشديد الميم المفتوحة مع كسر الهمزة وتفتح: ضعف الرأي، يوافق كل أحد على ما يريد من أمره كله، وهو الأعمه وزناً ومعنى {من قبل} أي قبل أن تكون هذه المصيبة، فلم نكن مؤتمرين بأمر فيصيبنا فلم يكن ما أصاب من تبعه، فكان أمرهم - لو كانوا مطيعين - كان شيئاً متحققاً بيد الآمر، فلما عصوه كانوا كأنهم قد أخذوه منه. ولما كان قولهم هذه بعيداً عن الاستقامة، فكان جديراً بأن لا يقال، وإن قيل كان حقيقاً بأن يستقال بالمباراة إلى الرجوع عنه والاستغفار منه، أشار تعالى إلى تماديهم فيه فقال: {ويتولوا} أي عن مقامهم هذا الذي قالوا فيه ذلك وإن طال إلى أهاليهم {وهم فرحون*} أي لمصيبتكم لكفرهم ولخلاصهم منها. ولما كان قولهم هذا متضمناً لتوهم القدرة على الاحتراس من القدر، قال تعالى معلماً بجوابهم مخاطباً للرأس لعلو المقام: {قل} أي إنا نحن لا نقول مقالتكم لمعرفتنا بأنا لا نملك ضراً ولا نفعاً، بل نقول: {لن يصيبنا} أي من الخير والشر {إلا ما كتب} أي قدر {الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً، ولما كان قضاء الله كله خيراً للمؤمن إن أصابته سراء شكر وإن أصابته ضراء صبر، عبر باللام فقال: {لنا} أي لا يقدر على رده عنا إلا هو سبحانه {هو} أي وحده {مولانا} أي القريب منا الذي يلي جميع أمورنا، لا قريب منا سواه، فلو أراد لدفع عنا كل مصيبة لأنه أقرب إلينا منها، لا تصل إلينا بدون علمه وهو قادر، فنحن نعلم أن له في ذلك لطيف سريرة تتضاءل دونها ثواقب الأفكار وتخسأ عن الإحاطة بتحقيقها نوافذ الأبصار فنحن لا نتهمه في قضائه لأنا قد توكلنا عليه وفوضنا أمورنا إليه، والموكل لا يتهم الوكيل {وعلى الله} أي الملك الأعلى لا غيره {فليتوكل المؤمنون*} أي كلهم توكلاً عظيماً جازماً لا معدل عنه، فالفيصل بين المؤمن والكافر هو إسلام النفس إليه وحده بلا اعتراض عليه يقلبها كيف يشاء ويحكم فيها بما يريد.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ} [الآية: 48]. قال السوسى: حملوك على طلب الدنيا والركون إليها، حتى ظهر الحق سرك من الركون إلى شىء سواه وظهر أمر الله، قال: فتح لك من خزائن الأرض وعرضها عليك، فأبيت أن تسكن إليها أو تقبل منها، وهم كارهون ما أنتم عليه من الإعراض عما أقبلوا عليه.

القشيري

تفسير : إنَّهم وإِنْ أظهروا وِفاقَكم فقد استبطنوا نِفاقكم؛ أعلنوا أنهم يؤازرونكم ولكن راموا بكيْدِهم تشويشَ أموركم، حتى كَشَفَ اللهُ عوراتِهم، وفَضَحَهم، حتى تَحَذَّرْتم منهم بما تحققتم من أسرارهم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى: {لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ} وصف المنافقين بأن من غاية حسدهم وقلة معرفتهم باصطفائية اهلا الولاية يطلبون ان تمنعهم عن الله وعن طريقه فاذا ارادوا ما كشف الله للانبياء والاولياء يجدون فى ظلمات كفرهم وحسدهم قال السوسى حملوك على طلب الدنيا والركون اليها حتى ظهر الحق سرك من الركون الى شيء سواه وظهر امر الله قال فتح لك من خزاين الارض وعرفها عليك وابيت ان تسكن اليها وتقبل منها وهم كارهون ما انت عليه من الاعراض عما اقبلوا عليه.

اسماعيل حقي

تفسير : {لقد ابتغوا} اى طلب هؤلاء المنافقون {الفتنة} تشتيت شملك وتفريق اصحابك عنك {من قبل} اى قبل غزوة تبوك يعنى يوم احد فان ابيا انصرف يوم احد مع ثلاثمائة من اصحابه وبقى النبى عليه السلام مع سبعمائة من خلص المؤمنين وقد تخلف بمن معه عن تبوك ايضا بعد ما خرج النبى عليه السلام الى ذى جدة اسفل من ثنية الوداع وكذا ابتغوا الفتنة فى حرب الخندق حيث قالوا يا اهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا وفى ليلة العقبة ايضا حيث القوا شيئاً بين قوائم ناقة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالليل حتى تنفر وتلقى النبى عليه السلام عن ظهرها وايضا وقف اثنا عشر رجلا من المنافقين على تثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا به عليه السلام فاخبره الله بذلك وسلمه منهم والفتك ان يأتى الرجل صاحبه وهو غار غافل حتى يشد عليه فيقتله {وقلبوا لك الامور} تقليب الامر تصريفه من وجه الى وجه وترديده لاجل التدبير والاجتهاد فى المكر والحيلة يقال للرجل المتصرف فى وجوه الحيل حول قلب اى اجتهدوا ودبروا لك الحيل والمكايد ورددوا الآراء فى ابطال امرك {حتى جاء الحق} اى النصر والتأييد الالهى {وظهر أمر الله} غلب دينه وعلا شرفه {وهم كارهون} والحال انهم كارهون لذلك اى على رغم منهم. وقال الكاشفى {وايشان ناخواها نند نصرت ودولت ترا اماجون خداى تعالى مى خواهد كراهت ايشانرا اثرى نيست] شعر : جون ترا اندر حريم قرب خودره داده شاه ازنفير برده دار وطعن دربان غم مخور تفسير : انظر الى ما فى هذه الآيات من تقبيح حال المنافقين وتسلية رسول الله والمؤمنين وبيان كون العاقبة للمتقين ولن يزال الناس مختلطا مخلصهم بمنافقهم من ذلك الوقت الى هذا الحين لكن من كان له نية صادقة صالحة يختار فراق اهل الهوى والرياء اجمعين لان صحبة غير الجنس لا تزيد الا تشويشا وتفرقة فى باب الدين وكسلا فى عزيمة اهل اليقين فاجهد ان لا ترى الاضداد ولا تجاورهم فكيف ان تعاشرهم وتخالطهم يا مسكين: وفى المثنوى شعر : جون ببندى توسر كوزه تهى درميان حوض وباجوئى نهى[1] تاقيامت او فرو نايد ببست كه دلش خاليست دروى بادهست ميل بادش جون سوى بالابود ظرف خودرا هم سوى بالا كشد باز آن جانهاكه جنس انيباست سوى ايشان كش كشان جون سايه هاست جان هامان جاذب قبطى شده جان موسى جاذب سبطى شده[2] معده خركه كشد در اجتذاب معده آدم جذوب كندم آب تفسير : ثم فى قوله تعالى {أية : ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم} تفسير : [التوبة: 47] ذم للنمام والنميمة وهى كشف ما يكره كشفه يقال ان ثلث عذاب القبر النميمة. قال عبد الله بن المبارك ولد الزنى لا يكتم الحديث. قال الامام الغزالى اشار به الى ان كل من لم يكتم الحديث ومشى بالنميمة دل على انه ولد الزنى وفى حديث المعراج "حديث : قلت لمالك ارنى جهنم فقال لا تطيق على ذلك فقلت مثل سم الخياط فقال انظر فنظرت فرأيت قوما على صورة القردة قال هم القتاتون" تفسير : اى النمامون وفرق بعضهم بين القتات والنمام بان النمام هو الذى يتحدث مع القوم والقتات هو الذى يتسمع على القوم وهم لا يعلمون ثم ينم كذا فى شرح المصابيح -روى- ان الحسن البصرى جاء اليه رجل بالنميمة وقال ان فلانا وقع فيك فقال له الحسن متى قال قال اليوم قال اين رأيته قال فى منزله قال ما كنت تصنع فى منزله قال كانت له ضيافة قال ماذا أكلت فى منزله قال كيت وكيت حتى عدد ثمانية الوان من الطعام فقال الحسن يا هذا قد وسع بطنك ثمانية الوان من الطعام وما وسع حديثا واحدا قم من عندى يا فاسق. وفيه اشارة الى ان النمام ينبغى ان يبغض ولا يوثق بصداقته -وذكر- ان حكيما من الحكماء زاره بعض اخوانه وأخبره بخبر عن غيره فقال له الحكيم قد ابطأت فى الزيارة واتيتنى بثلاث جنايات بغضت الىّ اخى وشغلت قلبى الفارغ واتهمت نفسك الامينة كذا فى الروضة والاحياء وهذا عادة الاخوان خصوصا فى هذا الزمان سامحهم الله الملك الديان. فعلى العاقل حفظ اللسان وحفظ الجوارح من مساوى الكلام وانواع الآثام فان السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسئولا

الطوسي

تفسير : اقسم الله تعالى أن هؤلاء المنافقين {ابتغوا} أي طلبوا إفساد ذات بينكم وافترق كلمتكم في يوم أحد حتى انصرف عبد الله بن أبي بأصحابه وخذل النبي صلى الله عليه وآله وكان هو وجماعة من المنافقين يبغون للاسلام الغوائل قبل هذا، فسلم الله المؤمنين من فتنتهم وصرفها عنهم. وقوله {وقلبوا لك الأمور} فالتقليب هو تصريف الشيء بجعل أسفله أعلاه مرة بعد أخرى، فهؤلاء صرفوا القول في المعنى للحيلة والمكيدة وقوله {حتى جاء الحق} أي حتى اتى الحق {وظهر أمر الله وهم كارهون} أي في حال كراهتهم لذلك، فهي جملة موضع الحال. والظهور خروج الشيء إلى حيث يقع عليه الادراك وقد يظهر المعنى للنفس إذا حصل العلم به.

الجنابذي

تفسير : {لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ} قبل تلك الغزوة فى غزوة احدٍ وغيرها من الغزوات من تجبين اصحابك وتدبير الفرار وتسليمك الى اعدائك {وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ} امور الغزو بان دبّروا خلاف ما امرت ودبّرت {حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ} فى كلّ ما دبّروا وهو تأييدك ونصرتك على وفق ما أمرت ودبّرت {وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ} اعلم، انّ الحقّ المضاف هو المشيّة الّتى هى الحقّ المخلوق به وكلّ حقٍّ حقّ بالاتّصال به وكلّ باطلٍ باطل بالانصراف عنه، وانّ امر الله هو عالم المجرّدات الّذى ليس فيه الا امر الله لضعف الاثنينيّة بحيث لايتصوّر هناك امرٌ وآمرٌ ومأمورٌ وايتمارٌ، وكلّ من كان من افراد البشر متّصلاً بهذا العالم متّحداً به فهو ايضاً امر الله وكلّ ما صدر منه من هذه الحيثيّة فهو ايضاً امر الله، ولمّا كان خليفة الله نبيّاً كان ام وليّاً ذا وجهين، وجهٍ الى الله وبه يأخذ من الله، ووجهٍ الى الخلق وبه يوصل ما يأخذ من الله الى الخلق؛ ويعبّر عن وجهه الى الله بالحقّ والوحدة والولاية، وعن وجهه الى الخلق بالامر والكثرة والخلق والنّبوّة والرّسالة، والولاية بمعنى تدبير الخلق من جهة الباطن والخلافة بمعنى تدبيرهم من جهة الظّاهر فالولاية بالمعنى الاوّل روح الولاية بالمعنى الثّانى، وكذا روح النّبوّة والرّسالة والخلافة فالفرق بين الحقّ والامر كالفرق بين المطلق والمقيّد والرّوح والجسد والولاية والنّبوّة، فالحقّ هو الولاية فى العالم الكبير ومظهرها الاتمّ علىّ (ع) والامر النّبوّة ومظهرها الاتمّ محمّد (ص) والنّبوّة عالم يغلب عليها الولاية والاتّصال بالوحدة لم يظهر غلبتها فى العالم الكبير، فمجيء الحقّ يعنى غلبة الولاية على النّبوّة سبب لغلبة النّبوّة على الكثرات ولذا قدّم مجيء الحقّ، كما انّ اعانة علىّ (ع) ومجيئه فى الغزوات كان سبباً لغلبة محمّد (ص)، فالمعنى حتّى جاء الولاية وغلب الوحدة وظهر النّبوّة وغلبت {وَهُمْ} اى المقلّبون {كَارِهُونَ} توهين لهم وتسلية للرّسول (ص) والمؤمنين على تخلّفهم.

الأعقم

تفسير : {لقد ابتغوا الفتنة} أي العنت وتفريق أصحابك عنك كما فعل عبد الله بن أبي يوم أُحُد حين انصرف بمن معه، وقوله: {من قبل} يعني من قبل غزوة تبوك، وقيل: يوم الأحزاب، وقيل: طلبوا الأضرار بك حالاً بعد حال {وقلبوا لك الأمور}، قيل: طلبوا لك الحيلة من كل وجه ليبطلوا دينك ولم يقدروا عليه {حتى جاء الحق}، قيل: النصر والظفر الذي وعد الله به {وظهر أمر الله}، قيل: دينه وهو الاسلام {وهم كارهون} يعني هؤلاء المنافقون كرهوا ظهور الاسلام {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} الآية نزلت في جد بن قيس، وروي: أنه قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تفتني بنات الأصفر يعني نساء الروم ولكني أعينك بما لي واتركني {ألا في الفتنة سقطوا} أي الفتنة التي سقطوا فيها هي فتنة التخلف {ان تصبك} في بعض الغزوات {حسنة} ظفر وغنيمة {تسؤهم وإن تصبك مصيبة} قتل وهزيمة ونكاية شديدة نحو ما جرى يوم أُحُد {يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل} يعني قد أخذنا حذرنا والعمل بالحزم من قبل ما وقع {ويتولوا} عن مقام التحدث بذلك والاجتماع له في أهاليهم {وهم فرحون} {قل} يا محمد {لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} من الثواب والحسنة، وقيل: ما كتب الله لنا في اللوح المحفوظ وعلمه {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} وحق المؤمنين ألا يتوكلون إلا على الله تعالى {قل هل تربصون بنا} أي هل تنتظرون بنا أيها المنافقون {إلا إحدى الحسنيين} إما النصر والغنيمة مع الأجر وإما القتل والشهادة المؤدية إلى الجنة وهو الفوز العظيم وهذا قول ابن عباس {ونحن نتربص بكم} أي ننتظر {أن يصيبكم الله بعذاب من عنده}، قيل: بالموت {أو بأيدينا} أي بالقتل {فتربَّصوا إنَّا معكم متربصون} أي انتظروا لنا انا منتظرون لكم، يعني لما تقدم ذكره أما القتل وفيه الشهادة، وأما الأجر وفيه الظفر والغنيمة، وقيل: تربصون مواعيد الشيطان وهو إبطال دينه ونحن نتربص مواعيد الله من إظهار دينه والنصر لنا {قل انفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم} نزلت في جد بن قيس، حين استأذن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في القعود عن الجهاد، وقال: هذا ما لي أعينك به عن جماعة المفسرين {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ورسوله ولا يأتون الصلاة إلاَّ وهم كسالى} أي متثاقلين يعني لم يؤدوا الصلاة كما أمروا بل أدَّوها نفاقاً وفي بعض الأخبار أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كره للمؤمنين أن يقول كسلت ولكن ثقلت كأنه ذهب إلى هذه الآية، قوله تعالى: {إنما يريد الله ليعذِّبهم بها في الحياة الدنيا}، قيل: بالمصائب، وقيل: بالسبي وغنيمة الأموال، وقيل: بالدنيا هذا بالمنافقين والعذاب بها عندما يلقون الملائكة في وقت البشارة بالعذاب، وقيل: بأمرهم بإخراج الحقوق منها فهو تعذيبهم، ثم أظهر تعالى سراً من أسرار القوم فقال: {ويحلفون بالله} يعني المنافقين {إنهم لمنكم} في الايمان والطاعة {وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون} يخافون القتل وما يفعل بالمشركين فيظهرون تقية {لو يجدون ملجأ} مكاناً يلجأون إليه متحصنين فيه من رأس جبل أو قلعة أو جزيرة {أو مغارات}، قيل: غيراناً، وقيل: موضعاً يغيبون فيه {أو مدَّخلاً} أو نفقاً يندسون فيه، وقيل: موضع دخول يأوون فيه {لولّوا إليه وهم يجمحون} يسرعون إسراعاً لا يحد همهم شيء.

اطفيش

تفسير : {لَقَدِ ابْتَغوُا} بكسر الواو وقرىء بضمها {الفِتْنةَ} ما يوهن الإسلام ويقوى الشرك، كتشتيت أمرك، وتفريق أصحابك وما يهلك أصحابك، وقد فسر بعضهم الفتنة بالشرك. {مِنْ قَبْلُ} أى قبل حالهم هذه، وهى حال غزو تبوك، وذلك أن عبد الله بن أبى انصرف يوم أحد ومن معه، كما تخلفوا عن تبوك بعد خروجهم إلى ذى حدة أسفل من ثنية الوداع، وعن ابن جريج: وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الثنية ليلة العقبة أيلة، وهم اثنا عشر رجلا ليفتكوا به، وهذا على أن الواو للمشركين، كما فسر بعضهم ابتغاء الفتنة بإجماعهم فى دار الندوة ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، فمعنى من قبل أى من قبل الهجرة، وما كان قبل الهجرة فهو أيضا قبل غزوة تبوك. {وقَلَّبُوا لكَ الأمُور} بحثوا جهدهم فيما يهلكك أو يبطل دينك من مكيدة وحيلة، كمن يقلب شيئا ظهرا لبطن لشدة الفحص عن حاله، وعن الحسن: قلب المنافقون لك الأمور فى قتلك قبل أن تقدم المدينة، وقرأ مسلم ومحارب بتخفيف اللام. {حتَّى جاءَ الحق} النصر والظفر {وظَهَر أمْر اللهِ} علا دينه {وهُم كارِهُون} لظهوره، وإنما صح بعد ظهور أمره غاية لتقليب الأمور، ومجىء الحق، وهما قد مضيا لأن ذلك إخبار عن غاية ومعنى كلاهما مضى كأنه قيل: ما زالوا يقلبون لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله، ويجوز، والله أعلم، أن يكون ذلك تلويحا لأن تقليبهم الأمور كان سببا لظهور الأمر ومجىء الحق، فهم ساعون فى هلاك أنفسهم كما قال الشاعر: شعر : وإن لم يكن عونا من الله للفتى فأول ما يجنى عليه اجتهاده

اطفيش

تفسير : {لَقَدِ ابْتَغُوا الْفِتْنَةَ} افتراق أَمركم أَو كلمتكم وخذلانكم لتضعفوا فيغلبو كم {مِنْ قَبْلُ} يوم أُحد كما انصرف ابن أُبى لعنه الله يوم أُحد من ثنية الوداع بأَصحابه، وهم ثلثمائة وبقى من المسلمين من هو مخلص وهم سبعمائة، وقيل رجع بهم قبل الثنية. ـ لعنه الله ـ من ذى حدة، وكما قالوا يوم الخندق يا أَهل يثرب ولا مقام لكم فارجعوا. وكما وقف له اثنا عشر رجلاً على ثنية الوداع ليلة العقبة، ليفتكوا به صلى الله عليه وسلم، كذلك قيل من ذى جدة، والصواب من ذى جدر وهو موضع قريب من المدينة، وكذا قيل انصرف لعنه الله فى هذه الغزوة قريبا من ثنية الوداع {وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ} رددوا فكرهم لأَجل مضرتك ومضرة دينك وأَصحابك كمن يقلب شيئاً ظهراً لبطن وبطناً لظهر، ليظهر له ما يظهر. {حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ} النصر {وَظَهَرَ أَمرُ اللهِ} عزه، وعز دينه وأَهله أَو قضاؤه الأَزلى وقدره {وَهُمْ كَارِهُونَ} لذلك فأَظهروا الدخول فيه أَكثر مما أَظهروه قبل وماتوا على نفاقهم إِلا من شاءَ الله، وإِنما صح التغيى بحتى لتأْويل ابتغوا وقلبوا بالبقاءِ على ابتغاءِ الفتنة والتقليب، أَو لتقدير استمروا على ذلك، وسلى الله بالآيتين نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على تخلف المنافقين، فإِنه ضاق صدره بتخلفهم ولو أَذن لهم بلا طيب من نفسه، وبين له أَنه ثبطهم لفسادهم وهتك أَستارهم وأَنه لا عذر لهم.

الالوسي

تفسير : {لَقَد ابْتَغُوُا الْفتْنَةَ} تشتيت شملك وتفرق أصحابك {مِن قَبْلُ} أي من قبل هذه الغزوة، وذلك كما روي عن الحسن يوم أحد حين انصرف عبد الله بن أبـي بن سلول بأصحابه المنافقين، وقد تخلف بهم عن هذه الغزوة أيضاً بعد أن خرج مع النبـي صلى الله عليه وسلم إلى قريب من ثنية الوداع، وروي عن سعيد بن جبير وابن جريج أن المراد بالفتنة الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، وذلك أنه اجتمع اثنا عشر رجلاً من المنافقين ووقفوا على الثنية ليفتكوا به عليه الصلاة والسلام فردهم الله تعالى خاسئين {وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ} أي المكايد تقليبها مجاز عن تدبيرها أو الآراء وهو مجاز عن تفتيشها، أي دبروا لك المكايد والحيل أو دوروا الآراء في إبطال أمرك. وقرىء {وقلبوا} بالتخفيف {حَتَّىٰ جَاءَ ٱلْحَقُّ} أي النصر والظفر الذي وعده الله تعالى {وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ} أي غلب دينه وعلا شرعه سبحانه {وَهُمْ كَـٰرِهُونَ} أي في حال كراهتهم لذلك أي على رغم منهم، والإتيان كما قالوا لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن تخلف المتخلفين وبيان ما ثبطهم الله تعالى لأجله وهتك أستارهم وإزاحة أعذارهم تداركاً لما عسى يفوت بالمبادرة إلى الإذن وإيذاناً بأن ما فات بها ليس مما لا يمكن تلافيه تهويناً للخطب.

ابن عاشور

تفسير : الجملة تعليل لقوله: {أية : يبغونكم الفتنة}تفسير : [التوبة: 47] لأنّها دليل بأنّ ذلك ديدن لهم من قبل، إذ ابتغوا الفتنة للمسلمين وذلك يومَ أحد إذ انخزل عبد الله بن أبي ابنُ سلول ومن معه من المنافقين بعد أن وصلوا إلى أحد، وكانوا ثُلث الجيش قصدوا إلقاء الخوف في نفوس المسلمين حين يرون انخزال بعض جيشهم وقال ابن جريج: الذين ابتغوا الفتنة اثنا عشر رجلاً من المنافقين، وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتِكوا بالنبي صلى الله عليه وسلم. و{قلّبوا} بتشديد اللام مضاعف قلب المخفف، والمضاعفة للدلالة على قوة الفعل. فيجوز أن يكون من قلَب الشيء إذا تأمل باطنه وظاهره ليطّلع على دقائق صفاته فتكون المبالغة راجعة إلى الكمّ أي كثرة التقليب، أي ترددوا آراءهم وأعملوا المكائد والحيل للإضرار بالنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين. ويجوز أن يكون {قلبّوا} من قلب بمعنى فتّش وبحث، استعير التقليب للبحث والتفتيش لمشابهة التفتيش للتقليب في الإحاطة بحال الشيء كقوله تعالى: {أية : فأصبح يقلب كفيه}تفسير : [الكهف: 42] فيكون المعنى، أنّهم بحثوا وتجسَّسوا للاطّلاع على شأن المسلمين وإخبار العدوّ به. واللام في قوله: {لك} على هذين الوجهين لام العلّة، أي لأجلك وهو مجمل يبيّنهُ قوله: {أية : لقد ابتغوا الفتنة من قبل}تفسير : [التوبة: 48]. فالمعنى اتّبعوا فتنة تظهر منك، أي في أحوالك وفي أحوال المسلمين. ويجوز أن يكون {قلبوا} مبالغة في قَلَب الأمر إذا أخفى ما كان ظاهراً منه وأبدَى ما كان خفيّاً، كقولهم: قَلب له ظهر المِجَن. وتعديته باللام في قوله {لك} ظاهرة. و{الأمور} جمع أمر، وهو اسم مبهم مثل شيء كما في قول الموصلي:شعر : ولكن مقاديرٌ جرتْ وأمور تفسير : والألف واللام فيه للجنس، أي أموراً تعرفون بعضها ولا تعرفون بعضاً. و{حتى} غاية لتقليبهم الأمور. ومجِيء الحقّ حصوله واستقراره والمراد بذلك زوال ضعف المسلمين وانكشاف أمر المنافقين. والمراد بظهور أمر الله نصر المسلمين بفتح مكة ودخول الناس في الدين أفواجاً وذلك يكرهه المنافقون. الظهور والغلبة والنصر. و{أمر الله} دينه، أي فلمّا جاء الحقّ وظهر أمر الله علموا أنّ فتنتهم لا تضرّ المسلمين، فلذلك لم يروا فائدة في الخروج معهم إلى غزوة تبوك فاعتذروا عن الخروج من أول الأمر.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 48- وقد سبق أن سعى هؤلاء المنافقون بالفتنة فيما بينكم، ودبروا لك - أيها الرسول - المكايد، فأحبط الله تدبيرهم، وحقق نصرك، وأظهر دينه على الرغم منهم. 49- وبعض المنافقين كان يقول للرسول: ائذن لى فى القعود عن الجهاد، ولا توقعنى فى شدة وضيق. إنهم بهذا الموقف قد أوقعوا أنفسهم فى معصية الله، وإن نار جهنم لمحيطة بهم فى اليوم الآخر. 50- هؤلاء المنافقون لا يريدون بك - أيها الرسول - وبأصحابك إلا المكاره، فيتألمون إذا نالكم خير من نصر أو غنيمة، ويفرحون إذا أصابكم شر من جراح أو قتل، ويقولون حينئذ شامتين: قد أخذنا حذرنا بالقعود عن الخروج للجهاد، وينصرفون مسرورين. 51- قل لهم أيها الرسول: لن ينالنا فى دنيانا من الخير أو الشر إلا ما قدره الله علينا، فنحن راضون بقضاء الله، لا نغتر بالخير نناله، ولا نجزع بالشر يصيبنا، فإن الله وحده المتولى لجميع أمورنا، وعليه - وحده - يعتمد المؤمنون الصادقون. 52- قل لهم - أيها الرسول - ليس لكم أن تتوقعوا شيئاً ينالنا إلا إحدى العاقبتين الحميدتين، إما النصر والغنيمة فى الدنيا، وإما الاستشهاد فى سبيل الله والجنة فى الآخرة، ونحن ننتظر لكم أن يوقع الله بكم عذاباً من عنده يهلككم به، أو يعذبكم بالذلة على أيدينا، فانتظروا أمر الله، ونحن معكم منتظرون أمره. 53- قل - أيها الرسول - للمنافقين، الذين يريدون أن يستروا نفاقهم بإنفاق المال فى الجهاد وغيره: أنفقوا ما شئتم طائعين أو مكرهين، فلن يتقبل الله عملكم الذى أحبطه نفاقكم، إنكم دائماً متمردون على دين الله، خارجون على أمره.

د. أسعد حومد

تفسير : {كَارِهُونَ} (48) - يُحَرِّضُ اللهُ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم عَلَى هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ فَيَقُولُ لَهُ: لَقَدْ أَعْمَلُوا رَأَيَهُمْ فِي الكَيْدِ لَكَ، وَلأَصَحَابِكَ وَلِدِينِكَ، مُدَّةً طَوِيلَةً، فِي بَدْءِ مَقْدَمِكَ إِلَى المَدِينَةِ، وَتَأَلَّبَ عَلَيْكَ أَهْلُ الشِّرْكِ، وَالمُنَافِقُونَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَيَهُودُ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا نَصَرَكَ اللهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَعْلَى كَلِمَةَ الإِسْلاَمِ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ لِجَمَاعَتِهِ: هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ. فَدَخَلُوا فِي الإِسْلاَمِ ظَاهِراً، وَكَانُوا كُلَّمَا زَادَ اللهُ الإِسْلاَمَ عِزَّةً، زَادَهُمْ ذَلِكَ غَيْظاً وَحَنْقاً. وَقَدِ ابْتَغَى هَؤُلاَءِ الْمُنَافِقُونَ إِثَارَةَ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَفْرِيقَ شَمْلِهِمْ مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الغَزْوَةِ، فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، حِينَ اعْتَزَلَهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ بِثُلُثِ الجَيْشِ، وَصَارَ يَقُولُ: أَطَاعَ النَّبِيُّ الْوِلْدَان وَمَنْ لاَ رَأَيَ لَهُ، فَعَلاَمَ نَقْتُلُ أَنْفُسَنَا؟ قَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ - دَبَّرُوا لَكَ المَكَايِدَ وَالحِيَلَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والحق سبحانه وتعالى يريد أن يُذكِّر المؤمنين بالوقائع السابقة التي ارتكبها المنافقون والكفار تجاه الإسلام والمسلمين من: مؤامرات على الإسلام، ومحاولات للإيقاع بين المسلمين؛ والتآمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ} له صلى الله عليه وسلم دليل على تلك الوقائع السابقة. أما قوله تعالى {وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ}. فالتقليب: هو جعل أسفل الشيء عاليه، وعاليه أسفله؛ حتى لا يستتر منه شيء. وهذا مظهر نراه في السوق؛ عندما تذهب عند الفاكهي وتجد ما هو موجود في أعلى الفاكهة مُنْتقىً بعناية، فإذا اشتريتَ منه ملأ لك الكيس من الصنف الرديء الذي أخفاه أسفل القفص. وهكذا يأتي لك بالأسفل أو بالشيء الرديء المكشوف عورته. والذي لا يمكن أن تشتريه لو رأيته ويضعه لك. وهكذا يفعل المنافقون حين يُقلِّبون الأمر على الوجوه المختلفة حتى يصادفوا ما يعطيهم أكبر الشر للمؤمنين دون أن يصابوا هم بشيء. والمثال الواضح: عندما تآمرت قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءوا من كل قبيلة بشاب ليضربوه ضربة رجل واحد ليضيع دمه بين القبائل. لكن الحق سبحانه يأتي إلى كل هذه الفتن ويجعلها لصالح المؤمنين، ولذلك يقول جل جلاله: {حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ} فالتآمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحاولة قتله جعل الأمور تؤدي إلى هجرته صلى الله عليه وسلم من مكة وخروجه منها مما جعله الله سبحانه وتعالى سبباً في إظهار الحق وانتشار الإسلام؛ لأن الله لا يرسل رسولاً ثم يخذله، فما دام قد أرسل رسولاً فلا بد أن ينصره، فأريحوا أنفسكم، ولا تبغوا الفتنة؛ لأن السابق من الفتن انقلب عليكم وأدَّى إلى خير كثير للمؤمنين. وفي هذا يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-173]. وقوله تعالى: {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} وهو قضية كونية عقدية، فإذا رأيتَ قوماً مؤمنين التحموا بقتال قَوم كافرين وانهزموا، فاعلم أنهم ليسوا من جنود الله حقّا، وأن شرطاً من شروط الجندية لله قد اختل. ولذلك علينا أن نحاسب أنفسنا أولاً. فمثلاً في غزوة أُحد، عندما طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرماة ألا يتركوا أماكنهم فخالفوه، هنا اختل شرط من شروط الجندية لله وهو طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فماذا كان يحدث للإسلام لو أن هؤلاء الرماة خالفوا رسول الله وانتصروا؟ لو حدث ذلك لَهانَتْ أوامر الرسول عليه الصلاة والسلام على المؤمنين. ويوم حنين، حين اعتقد المؤمنون أنهم سينتصرون بكثرتهم وليس بإيمانهم، وكانت النتيجة أن أصيبوا بهزيمة قاسية أول المعركة؛ لتكون لهم درساً إيمانياً. ولذلك إذا رأيت إيماناً انهزم أمام كفر، فاعلم أن شرطاً من شروط الجندية الإيمانية قد اختل. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 146-147]. إذن: فأول شيء فعله هؤلاء المقاتلون؛ أنهم عرفوا أن الذنوب يمكن أن تأتي إليهم بالهزيمة، فاستغفروا الله وتابوا إليه وحاربوا فنصرهم الله، وإذا حدث لهم ولم ينتصر المؤمنون؛ فمعنى هذا أن هناك خللاً في إيمانهم؛ لأن الله لا يترك قضية قرآنية لتأتي حادثة كونية فتكذبها. يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي}.