٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
49
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي} من أذِن يأذَن. وإذا أمرت زدت همزة مكسورة وبعدها همزة هي فاء الفعل، ولا يجتمع همزتان؛ فأبدلت من الثانية ياء لكسرة ما قبلها فقلت إيذن. فإذا وصلت زالت العلة في الجمع بين همزتين، ثم همزت فقلت: «ومنهم من يقول ائذن لي». وروى وَرْشٌ عن نافع «وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اوذَنْ لِي» خفف الهمزة. قال النحاس: يقال إيذن لفلان ثم إيذن له، هجاء الأولىٰ والثانية واحد بألف وياء قبل الذال في الخط. فإن قلت: إيذن لفلان وأذنْ لغيره كان الثاني بغير ياء؛ وكذا الفاء. والفرق بين ثُمّ والواو أن ثم يوقف عليها وتنفصل، والواو والفاء لا يوقف عليهما ولا ينفصلان. قال محمد بن إسحاق: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للجدّ بن قيس أخي بني سلمة لما أراد الخروج إلى تبوك: حديث : «يا جدّ، هل لك في جِلاد بني الأصفر تتخذ منهم سراري ووُصَفاء» فقال الجدّ: قد عرف قومي أني مغرم بالنساء، وإني أخشىٰ إن رأيت بني الأصفر ألا أصبر عنهن، فلا تَفْتِنّي وأذن لي في القعود وأعينك بمالي؛ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «قد أذنت لك» تفسير : فنزلت هذه الآية. أي لا تفتنّي بصباحة وجوههم، ولم يكن به علة إلا النفاق. قال المهدويّ: والأصفر رجل من الحبشة كانت له بنات لم يكن في وقتهن أجمل منهن، وكان ببلاد الروم. وقيل: سُمُّوا بذلك لأن الحبشة غلبت على الروم، وولدت لهم بنات فأخذن من بياض الروم وسواد الحبشة، فكنّ صُفراً لُعْساً. قال ابن عطية: في قول ابن إسحاق فتور. وأسند الطبريّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اغزوا تغنموا بنات الأصفر»تفسير : فقال له الجد: إيذن لنا ولا تفتنّا بالنساء. وهذا منزع غير الأوّل، وهو أشبه بالنفاق والمُحادّة. ولما نزلت قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لبني سلمة ـ وكان الجدّ بن قيس منهم: حديث : «من سيدكم يا بني سلمة»؟ قالوا: جدّ بن قيس، غير أنه بخيل جبان. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «وأيّ داء أدوىٰ من البخل بل سيدكم الفتىٰ الأبيض بشر بن البراء بن مَعْرُور»تفسير : . فقال حسان بن ثابت الأنصاريّ فيه:شعر : وسُوّد بشر بن البراء لجوده وحقّ لبشر بن البرا أن يُسَوَّدَا إذا ما أتاه الوفد أذهب ماله وقال خذوه إنني عائد غداً تفسير : {أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} أي في الإثم والمعصية وقعوا. وهي النفاق والتخلف عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} أي مسيرهم إلى النار. فهي تحدق بهم. قوله تعالىٰ: {وَإِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} شرط ومجازاة؛ وكذا {وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ} عطف عليه. والحسنة: الغنيمة والظفر. والمصيبة الانهزام. ومعنىٰ قولهم: «أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ» أي احتطنا لأنفسنا، وأخذنا بالحزم فلم نخرج إلى القتال. «وَيَتَولَّوْا» أي عن الإيمان. {وَّهُمْ فَرِحُونَ} أي معجبون بذلك.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: ومن المنافقين من يقول لك: يا محمد {ٱئْذَن لِّي} في القعود، {وَلاَ تَفْتِنِّى} بالخروج معك بسبب الجواري من نساء الروم. قال الله تعالى: {أَلا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} أي: قد سقطوا في الفتنة بقولهم هذا؛ كما قال محمد بن إسحاق عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن قتادة وغيرهم قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه للجد بن قيس أخي بني سلمة: «حديث : هل لك يا جد العام في جلاد بني الأصفر؟» تفسير : فقال: يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجباً بالنساء مني، وإني أخشي إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهن. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «حديث : قد أذنت لك» تفسير : ففي الجد بن قيس نزلت هذه: {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّى} الآية، أي: إن كان إنما يخشى من نساء بني الأصفر، وليس ذلك به، فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والرغبة بنفسه عن نفسه أعظم. وهكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وغير واحد: أنها نزلت في الجد بن قيس، وقد كان الجد بن قيس هذا من أشراف بني سلمة. وفي الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: «حديث : من سيدكم يا بني سلمة؟» تفسير : قالوا: الجد بن قيس على أنا نبخله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : وأي داء أدوأ من البخل! ولكن سيدكم الفتى الجعد الأبيض بشر بن البراء بن معرور» تفسير : وقوله تعالى: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَـٰفِرِينَ} أي: لا محيد لهم عنها، ولا محيص ولا مهرب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لّي } في التخلف {وَلاَ تَفْتِنّى } وهو الجدّ بن قيس قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (حديث : هل لك في جلاد بني الأصفر؟)تفسير : فقال: إني مغرم بالنساء، وأخشى إن رَأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهنّ فأُفتتن. قال تعالى: {أَلا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ } بالتخلُّف، وقرىء «سقط» {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَٰفِرِينَ } لا محيص لهم عنها.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي} يعني في التأخر عن الجهاد. {وَلاَ تَفْتِنِّي} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا تكسبني الإثم بالعصيان في المخالفة، قاله الحسن وقتادة وأبو عبيدة والزجاج. والثاني: لا تصرفني عن شغلي، قاله ابن بحر. والثالث: أنها نزلت في الجد بن قيس قال: ائذن لي ولا تفتني ببنات بني الأصفر فإني مشتهر بالنساء، قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد. {أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} فيها وجهان: أحدهما: في عذاب جهنم لقوله تعالى: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} والثاني: في محنة النفاق وفتنة الشقاق.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلا تَفتِنِّى} لا تكسبني الإثم بمخالفتي في القعود، أو لا تصرفني عن شغلي، أو نزلت في الجد بن قيس قال: {ائْذَن لِّى وَلا تَفْتِنِّى} ببنات الأصفر فإني مستهتر بالنساء. {فِي الْفِتْنَةِ} جهنم، أو محبة النفاق والشقاق.
النسفي
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لّي وَلاَ تَفْتِنّي} ولا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت، أولا تلقني في الهلكة فإني إذا خرجت معك هلك مالي وعيالي. وقيل: قال الجد بن قيس المنافق: قد علمت الأنصار إني مستهتر بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر ـ يعني نساء الروم ـ ولكني أعينك بمالي فاتركني {أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ } يعني أن الفتنة هي التي سقطوا فيها وهي فتنة التخلف {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَـٰفِرِينَ } الآن لأن أسباب الإحاطة معهم أو هي تحيط بهم يوم القيامة {إِن تُصِبْكَ } في بعض الغزوات {حَسَنَةٌ } ظفر وغنيمة {تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ } نكبة وشدة في بعضها نحو ما جرى يوم أحد {يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا } الذي نحن متسمون به من الحذ والتيقط والعمل بالحزم {مِن قَبْلُ } من قبل ما وقع {وَيَتَوَلَّواْ } عن مقام التحدث بذلك إلى أهاليهم {وَّهُمْ فَرِحُونَ } مسرورون {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا } أي قضى من خير أو شر {هُوَ مَوْلَـٰنَا } أي الذي يتولانا ونتولاه {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } وحق المؤمنين أن لا يتوكلوا على غير الله {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا } تنتظرون بنا {إِلا إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ } وهما النصرة والشهادة {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ } إحدى السوءيين إما {أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ } وهو قارعة من السماء كما نزلت على عاد وثمود {أَوْ } بعذاب {بِأَيْدِينَا } وهو القتل على الكفر {فَتَرَبَّصُواْ } بنا ما ذكرنا {إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ } ما هو عاقبتكم {قُلْ أَنفِقُواْ } في وجوه البر {طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } طائعين أو مكرهين نصب على الحال. {كَرْهاً } حمزة وعلي وهو أمر في معنى الخبر ومعناه {لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ } أنفقتم طوعاً أو كرهاً ونحوه {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } [التوبة: 80] وقوله شعر : أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت تفسير : أي لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، ولا نلومك أسأت إلينا أو أحسنت، وقد جاز عكسه في قولك «رحم الله زيداً»، ومعنى عدم القبول أنه عليه السلام يردها عليهم ولا يقبلها أو لا يثيبها الله. وقوله {طَوْعاً } أي من غير إلزام من الله ورسوله و {كَرْهاً } أي ملزمين، وسمي الإلزام إكراهاً لأنهم منافقون فكان إلزامهم الإنفاق شاقاً عليهم كالإكراه {إِنَّكُمْ } تعليل لرد إنفاقهم {كُنتُمْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ } متمردين عاتين. {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَـٰتُهُمْ } وبالياء: حمزة وعلي {إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ } أنهم فاعل «منع» وهم و {أَن تُقْبَلَ } مفعولاه أي وما منعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم {بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ } جمع كسلان {وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَـٰرِهُونَ } لأنهم لا يريدون بهما وجه الله تعالى، وصفهم بالطوع في قوله {طَوْعاً } وسلبه عنهم ههنا لأن المراد بطوعهم أنهم يبذلونه من غير إلزام من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من رؤسائهم، وما طوعهم ذلك إلا عن كراهة واضطرار لا عن رغبة واختبار. {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } الإعجاب بالشيء أن تسر به سرور راضٍ به متعجب من حسنه، والمعنى فلا تستحسن ما أوتوا من زينة الدنيا فإن الله إنما أعطاهم ما أعطاهم ليعذبهم بالمصائب فيها، أو بالإنفاق منه في أبواب الخير وهم كارهون له، أو بنهب أموالهم وسبي أولادهم، أو بجمعها وحفظها وحبها والبخل بها والخوف عليها وكل هذا عذاب {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ } وتخرج أرواحهم، وأصل الزهوق الخروج بصعوبة، ودلت الآية على بطلان القول بالأصلح لأنه أخبر أن إعطاء الأموال والأولاد لهم للتعذيب والأماتة على الكفر وعلى إرادة الله تعالى المعاصي، لأن إرادة العذاب بإرادة ما يعذب عليه، وكذا إرادة الإماتة على الكفر {وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ } لمن جملة المسلمين {وَمَا هُم مّنكُمْ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ } يخافون القتل وما يفعل بالمشركين فيتظاهرون بالإسلام تقية {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً } مكاناً يلجئون إليه متحصنين من رأس جبل أو قلعة أو جزيرة {أَوْ مَغَـٰرَاتٍ } أو غيراناً {أَوْ مُدَّخَلاً } أو نفقاً يندسون فيه وهو مفتعل من الدخول {لَّوَلَّوَاْ إِلَيْهِ } لأقبلوا نحوه {وَهُمْ يَجْمَحُونَ } يسرعون إسراعاً لا يردهم شيء من الفرس الجموح {وَمِنْهُمُ } ومن المنافقين {مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَـٰتِ } يعيبك في قسمة الصدقات ويطعن عليك {فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ } «إذا» للمفاجأة أي وإن لم يعطوا منها فاجئوا السخط، وصفهم بأن رضاهم وسخطهم لأنفسهم لا للدين وما فيه صلاح أهله، لأنه عليه السلام استعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفير الغنائم عليهم فضجر المنافقون منه. {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا ءَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى ٱللَّهِ رٰغِبُونَ } جواب «لو» محذوف تقديره: ولو أنهم رضوا لكان خيراً لهم، والمعنى ولو أنهم رضوا ما أصابهم به الرسول من الغنيمة وطابت به نفوسهم وإن قل نصيبهم وقالوا: كفانا فضل الله وصنعه، وحسبنا ما قسم لنا سيرزقنا غنيمة أخرى فيؤتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما آتانا اليوم إنا إلى الله في أن يغنمنا ويخولنا فضله لراغبون. ثم بين مواضعها التي توضع فيها فقال: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَاء وَٱلْمَسَـٰكِينِ } قصر جنس الصدقات على الأصناف المعدودة أي هي مختصة بهم لا تتجاوز إلى غيرهم كأنه قيل: إنما هي لهم لا لغيرهم كقولك «إنما الخلافة لقريش» تريد لا تتعداهم ولا تكون لغيرهم، فيحتمل أن تصرف إلى الأصناف كلها، وأن تصرف إلى بعضها كما هو مذهبنا، وعن حذيفة وابن عباس وغيرهما من الصحابة والتابعين أنهم قالوا: في أي صنف منها وضعتها أجزأك. وعند الشافعي رحمه الله: لا بد من صرفها إلى الأصناف وهو المروي عن عكرمة. ثم الفقير الذي لا يسأل لأن عنده ما يكفيه للحال والمسكين الذي يسأل لأنه لا يجد شيئاً فهو أضعف حالاً منه، وعند الشافعي رحمه الله على العكس {وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا } هم السعادة الذين يقبضونها {وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ } على الإسلام أشراف من العرب، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتألفهم على أن يسلموا وقوم منهم أسلموا فيعطيهم تقريراً لهم على الإسلام {وَفِي ٱلرِّقَابِ } هم المكاتبون يعانون منها {وَٱلْغَـٰرِمِينَ } الذين ركبتهم الديون {وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } فقراء الغزاة أو الحجيج المنقطع بهم {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } المسافر المنقطع عن ماله، وعدل عن اللام إلى «في» في الأربعة الأخيرة للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره، لأن «في» للوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات ويجعلوا مظنة لها. وتكرير «في» في قوله {وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } فيه فضل وترجيح لهذين على الرقاب والغارمين. وإنما وقعت هذه الآية في تضاعيف ذكر المنافقين ليدل بكون هذه الأصناف مصارف الصدقات حاصة دون غيرهم على أنهم ليسوا منهم، حسماً لأطماعهم وإشعاراً بأنهم بعداء عنها وعن مصارفها، فما لهم وما لها، وما سلطهم على التكلم فيها ولمز قاسمها! وسهم المؤلفة قلوبهم سقط بإجماع الصحابة في صدر خلافة أبي بكر رضي الله عنه لأن الله أعز الإسلام وأغنى عنهم، والحكم متى ثبت معقولاً لمعنى خاص يرتفع وينتهي بذهاب ذلك المعنى {فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ } في معنى المصدر المؤكد لأن قوله {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَاءِ } معناه فرض الله الصدقات لهم {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بالمصلحة {حَكِيمٌ } في القسمة. {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ } الأذن الرجل الذي يصدق كل ما يسمع ويقبل قول كل أحد، سمي بالجارحة التي هي آلة السماع كأن جملته أذن سامعة، وإيذاؤهم له هو قولهم فيه {هُوَ أُذُنٌ } قصدوا به المذمة وأنه من أهل سلامة القلوب والعزة، ففسره الله تعالى بما هو مدح له وثناء عليه فقال {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ } كقولك «رجل صدق» تريد الجودة والصلاح كأنه قيل: نعم هو أذن ولكن نعم الأذن، ويجوز أن يريد هو أذن في الخير والحق وفيما يجب سماعه وقبوله وليس بأذن في غير ذلك. ثم فسر كونه أذن خير بأنه {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ } أي يصدق بالله لما قام عنده من الأدلة {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } ويقبل من المؤمنين الخلص من المهاجرين والأنصار، وعدي فعل الإيمان بالباء إلى الله، لأنه قصد به التصديق بالله الذي هو ضد الكفر به، وإلى المؤمنين باللام لأنه قصد السماع من المؤمنين وأن يسلم لهم ما يقولونه ويصدقه لكونهم صادقين عنده، ألا ترى إلى قوله {أية : وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا } تفسير : [يوسف: 17] كيف ينبو عن الباء {وَرَحْمَةٌ } بالعطف على {أذن } {وَرَحْمَةٌ }: حمزة عطف على {خَيْرٍ } أي هو أذن خير وأذن رحمة لا يسمع غيرها ولا يقبله {لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ } أي وهو رحمة الذين آمنوا منكم أي أظهروا الإيمان أيها المنافقون حيث يقبل إيمانكم الظاهر ولا يكشف أسراركم ولا يفعل بكم ما يفعل بالمشركين، أو هو رحمة للمؤمنين حيث استنقذهم من الكفر إلى الإيمان ويشفع لهم في الآخرة بإيمانهم في الدنيا {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الدارين.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} نزلت في الجد بن قيس وكان من المنافقين وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تجهز إلى غزوة تبوك قال للجد بن قيس: يا أبا وهب هل لك في جلاد بني الأصفر يعني الروم تتخذ منهم سراري ووصفاء. فقال الجد: يا رسول الله لقد عرف قومي أني رجل مغرم بحب النساء وإني أخشى إن رأيت بنات بني الأصفر أن لا أصبر عنهن ائذن لي في القعود ولا تفتني بهن وأعينك بمالي قال ابن عباس: حديث : اعتل الجد بن قيس ولم تكن له علة إلا النفاق فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:"قد أذنت لك"تفسير : فأنزل الله عز وجل فيه ومنهم يعني ومن المنافقين من يقول ائذن لي يعني في التخلف والقعود في المدينة ولا تفتني يعني ببنات بني الأصفر وهم الروم {ألا في الفتنة سقطوا} يعني أنهم وقعوا في الفتنة العظيمة وهي النفاق ومخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود عنه {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} يعني يوم القيامة تحيط بهم وتجمعهم فيها. قوله سبحانه وتعالى: {إن تصبك حسنة تسؤهم} يعني إن تصبك يا محمد حسنة من نصر وغنيمة تحزن المنافقين {وإن تصبك مصيبة} يعني من هزيمة أو شدة {يقولوا} يعني المنافقين {قد أخذنا أمرنا} يعني أخذنا أمرنا بالجد والحزم في القعود عن الغزو {من قبل} يعني من قبل هذه المصيبة {ويتولوا وهم فرحون} يعني مسرورين لما نالك من المعصية وسلامتهم منها {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} يعني قل يا محمد لهؤلاء الذين يفرحون بما يصيبك من المصائب والمكروه لن يصيبنا إلا ما قدره الله لنا وعلينا وكتبه في اللوح المحفوظ لأن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة من خير وشر فلا يقدر أحد أن يدفع عن نفسه مكروهاً نزل به أو يجلب لنفسه نفعاً أراده لم يقدر له {هو مولانا} يعني أن الله سبحانه وتعالى هو ناصرنا وحافظنا وهو أولى بنا من أنفسنا في الموت والحياة {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} يعني في جميع أمورهم {قل هل تربصون بنا} يعني: قل يا محمد لهؤلاء المنافقين هل تنتظرون بنا أيها المنافقون {إلا إحدى الحسنيين} يعني إما النصر والغنيمة وإما الشهادة والمغفرة وذلك أن المسلم إذا ذهب إلى الغزو والجهاد في سبيل الله إما أن يغلب عدوه فيفوز بالنصر والغنيمة والأجر العظيم في الآخرة وإما أن يقتل في سبيل الله فتحصل له الشهادة وهي الغاية القصوى ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : تكفل الله وفي رواية تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة"تفسير : أخرجاه في الصحيحين. وقوله سبحانه وتعالى: {ونحن نتربص بكم} يعني ونحن ننتظر بكم إحدى السوأيين {أن يصيبكم الله بعذاب من عنده} يعني فيهلككم كما أهلك من كان قبلكم من الأمم الخالية {أو بأيدينا} يعني أو يصيبكم بأيدي المؤمنين بأن يظفرنا بكم ويظهرنا عليكم {فتربصوا إنا معكم متربصون} قال الحسن: فتربصوا مواعيد الشيطان إنا متربصون مواعيد الله من إظهار دينه واستئصال من خالفه.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي} الآية. {مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي} كقوله: "يَا صالحُ ائتنا" من أنه يجوزُ تحقيقُ الهمزة، وإبدالها واواً، لضمة ما قبلها، وإن كانت منفصلةً من كلمةٍ أخرى. وهذه الهمزةُ هي فاءُ الكلمة، وقد كان قبلها همزة وصلٍ سقطت درجاً. قال أبو جعفرٍ "إذا دخلت "الواو" و "الفاء" على "ائذن" فهجاؤها: ألف وذال ونون، بغير ياء. أو "ثم" فالهجاءُ: ألفٌ وياءٌ وذالٌ ونونٌ. والفرق: أنَّ "ثُمَّ" يوقف عليها وينفصل، بخلافهما". قال شهابُ الدِّين "يعني إذا دخلت واوُ العطف، أو فاؤه، على هذه اللفظة اشتدَّ اتصالهما بها، فلم يُعْتَدَّ بهمزة الوصل المحذوفة دَرْجاً، فلم يُرْسَمْ لها صورةٌ، فتكتب "فأذَنْ"، و "أذَنْ" فهذه الألف هي صورة الهمزة، التي هي فاء الكلمة". وإذا دخلت عليها "ثم" كُتِبَتْ كذا: ثم ائتُوا، فاعتدُّوا بهمزة الوصل فرسموا لها صورة. قال شهابُ الدين: وكأنَّ هذا الحُكْمَ الذي ذكره مع "ثم" يختصُّ بهذه اللَّفظة، وإلاَّ فغيرها مما فاؤه همزةٌ، تسقط صورة همزة وصله خطّاً، فيكتب الأمرُ من الإتيان مع "ثم" هكذا: "ثُمَّ أتُوا"، وكان القياس على "ثُم ائْذَنْ" "ثم ائْتُوا"، وفيه نظرٌ، وقرأ عيسى بن عمر، وابن السَّميفع، وإسماعيل المكي، فيما روى عنه ابن مجاهد "ولا تُفْتِنِّي" بضم حرف المضارعة، من "أفتنه" رباعياً. قال أبُو حاتم "هي لغة تميمٍ" وقيل: أفتنه: أدخله فيها، وقد جمع الشاعر بين اللغتين، فقال: [الطويل] شعر : 2791- لَئِنْ فَتَنَتْني لَهْيَ بالأمْسِ أفْتَنَتْ سَعِيداً فأمْسَى قَدْ قَلاَ كُلَّ مُسْلِمِ تفسير : ومتعلق "الإذن": القعودُ، أي: ائذن لي في القعود والتخلف عن الغزو، ولا تَفْتِنِّي بخروجي معك. أي: لا تهلكني بخروجي معك، فإنَّ الزمانَ شديد الحرّ، ولا طاقة لي به. وقيل: لا تفتنِّي؛ لأنِّي إذا خرجت معك هلك مالي وعيالي، وقيل: حديث : نزلت في جد بن قيس المنافق وذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا تجهَّز لغزو تبوك، قال له: "يا أبا وهب، هل لك في جلاد بني الأصفر؟ يعني: الروم - تتخذ منهم سراري ووصفاء" فقال جدُّ: يا رسول الله، لقد عرف قومي أني رجل مغرمٌ بالنِّساءِ، وإنِّي أخشى إن رأيت بنات الأصفر ألاَّ أصبر عنهنَّ، ائذن لي في القعود، ولا تفتنِّي بهنّ، وأعينكم بمالي. قال ابن عباسٍ: "اعتلَّ جدُّ بن قيس، ولم تكن علته إلا النفاق، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "قد أذنت لك"، فأنزل الله عز وجل: {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي} الآية. تفسير : قوله: {أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} أي: في الشّرك والإثم وقعوا بنفاقهم، وخلافهم أمر الله ورسوله. وفي مصحف أبي "سَقَطَ" لأنَّ لفظة "مِنْ" موحد اللفظ، مجموع المعنى، وفيه تنبيه على أنَّ مَنْ عصى الله لغرض، فإنَّهُ تعالى يبطل عليه ذلك الغرض؛ لأنَّ القوم لمَّا اختاروا القعود لئلا يقعوا في الفتنة، بيَّن اللهُ تعالى أنهم واقعون ساقطون في عينِ الفتنة - ثم قال {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} مطبقة عليهم. قوله: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ} نصر وغنيمة "تَسُؤهُمْ" تُحزنهم، يعني المنافقين {وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ} نكبة وشدة ومكروه، يفرحوا، و {يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ} أي: حذرنا، "ويتَولَّوا" يدبروا عن مقام التحدث بذلك إلى أهليهم {وَّهُمْ فَرِحُونَ} مسرورون. ونقل عن ابن عبَّاسٍ "أنَّ الحسنة في يوم بدرٍ، والمصيبة في يوم أحدٍ، فإن ثبت أنَّ المراد هذا بخبر وجب المصير إليه، وإلاَّ فالواجب حمله على كل حسنة، وعلى كل مصيبة". قوله: {قُل لَّن يُصِيبَنَآ} قال عمر بن شقيق: سمعت "أعين" قاضي الرَّيِّ يقرأ "لن يُصيبنَّا" بتشديد النون. قال أبُو حاتمٍ: ولا يجوزُ ذلك؛ لأنَّ النُّونَ لا تدخلُ مع "لَنْ"، ولو كانت لطلحة بن مصرف، لجاز، لأنها مع "هل"، قال الله تعالى {أية : هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ}تفسير : [الحج:15]. يعني أبو حاتم: أنَّ المضارع يجوز توكيده بعد أداة الاستفهام، وابن مصرف يقرأ "هَلْ" بدل "لَنْ"، وهي قراءة ابن مسعود. وقد اعتذر عن هذه القراءة بأنَّها حملت "لن" على "لم" و "لا" النافيتين، و "لم" و "لا" يجوز توكيد الفعل المنفيِّ بعدهما. أمَّا "لا" فقد تقدم تحقيق الكلام عليها في الأنفال. وأما "لم" فقد سمع ذلك فيها؛ وأنشدوا: [الرجز] شعر : 2792- يَحْسَبُهُ الجَاهِلُ مَا لَمْ يَعْلمَا شَيْخاً عَلَى كُرسيِّهِ مُعَمَّمَا تفسير : أراد: "يَعْلمَنْ" فأبدل الخفيفة ألفاً بعد فتحة، كالتنوين. وقرأ القاضي أيضاً، وطلحة "هَلْ يُصَيِّبنا" بتشديد الياء. قال الزمخشريُّ: ووجهه أن يكون "يُفَيْعِل" لا "يُفَعِّل" لأنَّهُ من ذوات الواو، كقولهم: الصَّواب، وصَابَ يَصوبُ، ومَصَاوب، في جمع "مصيبة" فحقُّ "يُفَعِّل" منه "يُصَوِّب"، ألا ترى إلى قولهم: صوَّب رأيه، إلاَّ أن يكون لغة من يقول: صَابَ السَّهْمُ يصيبُ؛ كقوله: [المنسرح] شعر : 2793-............................. أسْهُمِيَ الصَّائِبَاتُ والصُّيُبُ تفسير : يعني: أن أصله "يُصَوْيب" فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياءً، وأدغم فيها. وهذا كما تقدم في "تَحَيَّزَ" أنَّ أصله "تَحَيْوزَ"، وأمَّا إذا أخذناه من لغة من يقول: صَاب السَّهم يصيب، فهو من ذوات الياء فوزنه على هذه اللغة "فَعَّل". فصل المعنى: قل لهم يا محمد {لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا} أي: علينا، وقدره في اللوح المحفوظ، أو يكون المعنى "لنْ يُصيبنَا إلاَّ ما كَتَبَ اللهُ لَنَا" أي: في عاقبة أمرنا من الظفر بالعدو، والاستيلاء عليهم. وقال الزجاج: المعنى: إذا صرنا مغلوبين، صرنا مستحقين للأجر العظيم، والثَّواب الكثير، وإن صرنا غالبين، صرنا مستحقين للثواب في الآخرة وفزنا بالمال الكثير، والثناء الجميل في الدنيا والصحيح الأول. ثم قال: "هُوَ مَوْلاَنَا" ناصرنا، وحافظنا. قال الكلبي "هو أوْلَى بنا من أنفسنا، في الحياة والموت". {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} وهذا كالتنبيه على أن حال المنافقين بالضد من ذلك، وأنهم لا يتوكلون إلا على الأسباب الدنيوية الفانية. فصل {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ} الآية. هذا الجواب الثاني عن فرح المنافقين بمصائب المؤمنين، أي: "هَلْ تَربَّصُونَ"، أي: تنتظرون، "بنا" أيها المنافقون، {إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ} إمَّا النصر والغنيمة، فيحصل لنا الفوز بالأموال في الدنيا والنصر، والفوز بالثواب العظيم في الآخرة، وإمَّا الشهادة، فيحصل لنا الثواب العظيم في الآخرة. قوله: {إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ} مفعول "تربَّص"، فهو استثناء مفرغ. وقرأ ابن محيصنٍ: "إلاَّ ٱحْدَى" بوصل ألف "إحدى"؛ إجراءً لهمزة القطع مجرى همزة الوصل؛ فهو كقول الشاعر: [الرجز] شعر : 2794- إنْ لَمْ أقَاتِلْ فالبسُونِي بُرقَعَا تفسير : وقول الآخر: [الكامل] شعر : 2795- يَا بَا المُغيرةَ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ فرَّجْتهُ بالمكْرِ مِنِّي والدَّهَا تفسير : قوله: {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ} إحدى السوأتين إمَّا {أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ} فيهلككم كما أهلك تلك الأمم الخالية، {أَوْ بِأَيْدِينَا} أي: بأيدي المؤمنين، إن أظهرتم ما في قلوبكم من النفاق، فيقع بكم القتلِ والنَّهب مع الخزي والذلّ، ومفعول: التربص "أَن يُصِيبَكُمُ" ثم قال: "فَتَرَبَّصُوۤاْ" أي: إحدى الحالتين الشريفتين "إِنَّا معكم مُّتربصونَ" أي: مواعيد الله من إظهار دينه، واستئصال من خالفه، فقوله: "فَتَرَبَّصُوۤاْ" وإن كان صيغة أمر، إلاَّ أنَّ المراد منه: التهديد، كقوله: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ}تفسير : [الدخان:49]. قوله تعالى: {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْها} الآية. "طوعاً، أو كرهاً" مصدران في موضع الحال، أي: طائعين، أو كارهين. وقرأ الأخوان "كُرهاً" بالضَّمِّ، وقد تقدم تحقيقُ ذلك في النساء. وقال أبُو حيان هنا: "قرأ الأعمش وابن وثاب "كُرهاً" بضم الكاف". وهذا يُوهم أنَّها لم تُقْرأ في السبعة. قال الزمخشري: هو أمرٌ في معنى الخبر، كقوله: {أية : فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً}تفسير : [مريم:75]، ومعناه لن يُتقبَّل منكم؛ أنفقتم طوعاً أو كرهاً، ونحوه قوله تعالى: {أية : ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ}تفسير : [التوبة:80]؛ وقول كثير عزة: [الطويل] شعر : 2796- أسيئي بِنَا أو أحْسِنِي لا ملُومَة ............................... تفسير : أي: لن يغفر اللهُ، استغفرت لهم، أو لم تستغفر. ولا نلومُكِ أحسنتِ إلينا، أم أسَأتِ؛ وفي معناه قول القائل: [الطويل] شعر : 2797- أخُوكَ الذي إنْ قُمْتَ بالسَّيفِ عَامِداً لِتضْربَهُ لَمْ يَسْتغشَّكَ في الوُدِّ تفسير : وقال ابن عطيَّة "هذا أمرٌ في ضمنه جزاءٌ، والتقدير: إنْ تنفقوا لن يُتقبَّل منكم. وأمَّا إذا عَرِي الأمرُ من الجواب فليس يصحبه تضمُّنُ الشَّرط" قال أبُو حيَّان "ويقَدْح في هذا التَّخريجِ، أنَّ الأمر إذا كان فيه معنى الشرط، كان الجواب كجواب الشرط. فعلى هذا يقتضي أن يكون التركيب: "فلن يتقبل" بالفاء، لأنَّ "لَنْ" لا تقعُ جواباً للشَّرط إلاَّ بالفاء فكذلك ما ضُمِّنَ معناه؛ ألا ترى جزمه الجواب، في قوله: اقصد زيداً يُحْسِنْ إليكَ". قال شهابُ الدِّينِ "إنَّما أراد أبو محمد تفسير المعنى، وإلا فلا يجهلُ مثل هذه الواضحات، وأيضاً فلا يلزمُ أن يعطى الأمر التقديري حكم الشَّيء الظاهر من كل وجه". وقوله: "إنَّكمُ" وما بعده جارٍ مجرى التعليل. وقوله: {لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ} يحتملُ أن يكون المراد أن الرسُول - عليه الصلاة والسلام - لا يتقبل تلك الأموال منهم، ويحتملُ أن يكون المراد أنها لا تصير مقبولة عند الله تعالى. قيل: نزلت في جد بن قيس حين استأذن في القعود، وقال: أعينكم بمالي، والمرادُ بالفسق هنا: الكفر، لقوله بعده {أية : وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ}تفسير : [التوبة:54].
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال "حديث : لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى غزوة تبوك قال لجد بن قيس: ما تقول في مجاهدة بني الأصفر؟ فقال: إني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن أفتتن فائذن لي ولا تفتني، فأنزل الله {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} الآية ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لجد بن قيس: يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر؟ قال جد: أتأذن لي يا رسول الله؟ فإني رجل أحب النساء، وإني أخشى إن أنا رأيت نساء بني الأصفر أن افتتن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معرض عنه: قد أذنت لك. فأنزل الله {ومنهم من يقول ائذن لي...} الآية ". تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اغزوا تغنموا بنات بني الأصفر. فقال ناس من المنافقين: إنه ليفتنكم بالنساء. فأنزل الله {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عائشة {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} قال: نزلت في الجد بن قيس، قال: يا محمد ائذن لي ولا تفتني بنساء بني الأصفر. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اغزوا تبوك تغنموا بنات الأصفر نساء الروم. فقالوا: ائذن لنا ولا تفتنا بالنساء ". تفسير : وأخرج ابن اسحق وابن المنذر والبيهقي في الدلائل من طريقه عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبدالله بن أبي بكر بن حزم "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما كان يخرج في وجه من مغازيه إلا أظهر أنه يريد غيره، غير أنه في غزوة تبوك قال: "أيها الناس إني أريد الروم فاعلمهم، وذلك في زمان البأس وشدة من الحر وجدب البلاد، وحين طابت الثمار والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص عنها، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في جهازه إذ قال للجد بن قيس: يا جد هل لك في بنات بني الأصفر؟ قال: يا رسول الله لقد علم قومي أنه ليس أحد أشد عجباً بالنساء مني، وإني أخاف إن رأيت نساء بني الأصفر أن يفتنني فَأْذن لي يا رسول الله. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قد أذنت. فأنزل الله {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا} يقول: ما وقع فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورغبته بنفسه عن نفسه أعظم مما يخاف من فتنة نساء بني الأصفر {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} يقول: من ورائه. وقال رجل من المنافقين {لا تنفروا في الحر} فأنزل الله {قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون} [التوبة: 81] قال: ثم إن رسول الله جدَّ في سفره وأمر الناس بالجهاز، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق عثمان رضي عنه في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد أعظم منها وحمل على مائتي بعير ". تفسير : وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة وموسى بن عقبة قالا "حديث : ثم إن رسول الله تجهز غازياً يريد الشام فأذن في الناس بالخروج وأمرهم به، وكان ذلك في حر شديد ليالي الخريف والناس في نخيلهم خارفون، فأبطأ عنه ناس كثير وقالوا: الروم لا طاقة بهم. فخرج أهل الحسب وتخلف المنافقون، وحدثوا أنفسهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرجع إليهم أبداً، فاعتلوا وثبطوا من أطاعهم وتخلف عنه رجال من المسلمين بأمر كان لهم فيه عذر، منهم السقيم والمعسر، وجاء ستة نفر كلهم معسر يستحملونه لا يحبون التخلف عنه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أجد ما أحملكم عليه. فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً أن لا يجدوا ما ينفقون، منهم من بني سلمة، عمر بن غنمة، ومن بني مازن ابن النجار أبو ليلى عبد الرحمن بن كعب، ومن بني حارث علية بن زيد ومن بني عمرو بن عوف بن سالم بن عمير، وهرم بن عبدالله، وهم يدعون بني البكاء، وعبدالله بن عمر، ورجل من بني مزينة، فهؤلاء الذين بكوا واطلع الله عز وجل أنهم يحبون الجهاد، وأنه الجد من أنفسهم، فعذرهم في القرآن فقال {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله} [التوبة: 91] الآية والآيتين بعدها. وأتاه الجد بن قيس السلمي وهو في المسجد معه نفر فقال: يا رسول الله ائذن لي في القعود فإني ذو ضيعة وعلة فيها عذر لي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تجهز فإنك موسر لعلك ان تحقب بعض بنات بني الأصفر. فقال: يا رسول الله ائذن لي ولا تفتني. فنزلت {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} وخمس آيات معها يتبع بعضها بعضاً، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه، كان فيمن تخلف عنه غنمة بن وديعة من بني عمرو بن عوف، فقيل: ما خلفك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت مسلم؟ فقال: الخوض واللعب. فأنزل الله عز وجل فيه وفيمن تخلف من المنافقين {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب} [التوبة: 65] ثلاث آيات متتابعات ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال: حديث : لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغزو تبوك قال "نغزو الروم إن شاء الله ونصيب بنات بني الأصفر - كان يذكر من حسنهن ليرغب المسلمون في الجهاد - فقام رجل من المنافقين فقال: يا رسول الله قد علمت حبي للنساء فائذن لي ولا تخرجني، فنزلت الآية ". تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ولا تفتني} قال: لا تخرجني {ألا في الفتنة سقطوا} يعني في الحرج. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {ولا تفتني} قال: لا تؤثمني {ألا في الفتنة} قال: ألا في الإِثم سقطوا.
ابو السعود
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لّي} في القعود {وَلاَ تَفْتِنّى} أي لا توقِعْني في الفتنة وهي المعصيةُ والإثمُ يريد إني متخلِّفٌ لا محالة أذِنتَ أو لم تأذَنْ فائذن لي حتى لا أقعَ في المعصية بالمخالفة أو لا تُلقِني في الهلكة فإني إن خرجتُ معك هلَك مالي وعيالي لعدم مَنْ يقوم بمصالحهم. وقيل: قال الجدُّ بنُ قيس: قد علمت الأنصارُ أني مشتهرٌ بالنساء فلا تفتنّي ببنات الأصفر، يعنى نساءَ الروم ولكن أُعينُك بمالي فاترُكني، وقرىء ولا تُفْتِنِّي من أفْتنَه بمعنى فتنه {أَلا فِى ٱلْفِتْنَةِ} أي في عينها ونفسها وأكملِ أفرادِها الغنيِّ عن الوصف بالكمال الحقيقِ باختصاص اسمِ الجنسِ به {سَقَطُواْ} لا في شيء مُغايرٍ لها فضلاً عن أن يكون مهرَباً ومخلَصاً عنها وذلك بما فعلوا من العزيمة على التخلف والجراءةِ على الاستئذان بهذه الطريقة الشنيعةِ ومن القعود بالإذن المبنيِّ عليه وعلى الاعتذارات الكاذبةِ وقرىء بإفراد الفعلِ محافظةً على لفظ (مَن) وفي تصدير الجملةِ بحرف التنبـيه مع تقديم الظرفِ إيذانٌ بأنهم وقعوا فيها وهم يحسَبون أنها مَنْجى من الفتنة زعماً منهم أن الفتنةَ إنما هي التخلفُ بغير إذن، وفي التعبـير عن الافتتان بالسقوط في الفتنة تنزيلٌ لها منزلةَ المَهواة المُهلِكةِ المُفصحةِ عن تردّيهم في دَركات الرَّدى أسفلَ سافلين. وقوله عز وجل: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَـٰفِرِينَ} وعيدٌ لهم على ما فعلوا معطوفٌ على الجملة السابقة داخلٌ تحت التنبـيهِ أي جامعةٌ لهم يوم القيامة من كل جانب، وإيثارُ الجملةِ الاسميةِ للدِلالة على الثبات والاستمرارِ أو محيطةٌ بهم الآن تنزيلاً لشيء سيقع عن قريب منزلَة الواقعِ أو وضعاً لأسباب الشيءِ موضعَه فإن مباديءَ إحاطةِ النارِ بهم من الكفر والمعاصي محيطةٌ بهم الآن من جميع الجوانبِ ومن جملتها ما فرّوا منه وما سقطوا فيه من الفتنة، وقيل: تلك المبادىء المتشكلةُ بصور الأعمالِ والأخلاق هي النارُ بعينها ولكن لا يظهر ذلك في هذه النشأةِ وإنما يظهر عند تشكُّلِها بصورها الحقيقيةِ في النشأة الآخرة، والمرادُ بالكافرين إما المنافقون ـ وإيثارُ وضعِ المُظهَر موضعَ المضمرِ للتسجيل عليهم بالكفر والإشعارِ بأنه معظمُ أسبابِ الإحاطة المذكورة ـ وإما جميعُ الكافرين الشاملين للمنافقين شمولاً أولياً. {إِن تُصِبْكَ} في بعض مغازيك {حَسَنَةٌ} من الظَفَر والغنيمة {تَسُؤْهُمْ} تلك الحسنةُ أي تورِثُهم مساءةً لفرط حسَدِهم وعداوتهم لك {وَإِن تُصِبْكَ} في بعضها {مُّصِيبَةٌ} من نوع شدة {يَقُولُواْ} متبجّحين بما صنعوا حامدين لآرائهم {قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا} أي تلافَيْنا ما يُهمّنا من الأمر، يعنون به الاعتزالَ عن المسلمين والقعودَ عن الحرب والمداراةَ مع الكفرة وغيرَ ذلك من أمور الكفر والنفاقِ قولاً وفعلاً {مِن قَبْلُ} أي من قبلِ إصابةِ المصيبة في وقت تدارُكِه، يشيرون بذلك إلى أن المعاملةَ المذكورةَ إنما تروّج عند الكفرةِ بوقوعها حالَ قوةِ الإسلامِ لا بعد إصابةِ المصيبة {وَيَتَوَلَّواْ} عن مجلس الاجتماعِ والتحدثِ إلى أهاليهم أو يُعرِضوا عن النبـي صلى الله عليه وسلم {وَّهُمْ فَرِحُونَ} بما صنعوا من أخذ الأمرِ وبما أصابه عليه الصلاة والسلام، والجملة حالٌ من الضمير في (يقولوا) و(يتولوا) لا في الأخير فقط، لمقارنة الفرَحِ لهما معاً، وإيثارُ الجملةِ الاسمية للدِلالة على دوام السرورِ، وإسنادُ المَساءة إلى الحسنة والمَسرَّة إلى أنفسهم دون المصيبة بأن يقال: وإن تُصِبْك مصيبةٌ تَسْرُرْهم للإيذان باختلاف حاليهم حالتي عروضِ المَساءة والمسرةِ بأنهم في الأولى مضطرون وفي الثانية مختارون.
القشيري
تفسير : أبرزوا قبيحَ فِعالِهم في مَعْرِض التخرج، وراموا أَنْ يُلَبِّسُوا على الرسول - صلى الله وسلم وعلى آله - وعلى المسلمين خبث سيرتهم وسريرتهم، فَبَيَّنَ الله أَنَّ الذين (...) بزعمهم سقطوا فيه بفعلهم، وكذلك المتجلِّدُ بما يهواه متطوح في وادي بلواه، وسَيَلْقَى في الآخرة من الهَوَان ما يَغْنِي عن الحاجة إلى البرهان.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومنهم} اى من المنافقين {من يقول} لك يا محمد {ائذن لى} فى القعود عن غزوة تبوك {ولا تفتنى} من فتنه يفتنه اوقعه فى الفتنة كفتنته وافتتنه يلزم ويتعدى كما قال فى تاج المصادر الفتون والفتن [دوفتنه افكندن وفتنه شدن] والمعنى لا توقعنى فى الفتنة وهى المعصية والاثم يريد انى متخلف لا محالة اذنت او لم تأذن فأذن لى حتى لا اقع فى المعصية بالمخالفة او لا تلقنى فى الهلكة فأنى ان خرجت معك هلك مالى وعيالى لعدم من يقوم بمصالحهم {ألا} [بدانكه] {فى الفتنة} اى فى عينها ونفسها واكمل افرادها {سقطوا} لا فى شيء مغاير لها وهى فتنة التخلف ومخالفة الرسول وظهور النفاق. يعنى انهم وقعوا فيما زعموا انهم محترزون عنه فالفتنة هى التى سقطوا فيها لا ما احترزوا عنه من كونهم مأمورين بالخروج الى غزوة تبوك {وان جهنم لمحيطة بالكافرين} معطوف على الجملة السابقة داخل تحت التنبيه اى جامعة للمنافقين وغيرهم من الكفار يوم القيامة من كل جانب اى انهم يدخلون جهنم لا محالة لان الشيء اذا كان محيطا بالانسان فلانه لا يفوته كما فى الحدادى او جامعة لهم الآن لاحاطة اسبابها من الكفر والمعاصى وقيل تلك المبادى المتشكلة بصور الاعمال والاخلاق هى النار بعينها ولكن لا يظهر ذلك فى هذه النشأة وانما يظهر عند تشكلها بصورها الحقيقة فى النشأة الآخرة وقس عليها الاعمال والاخلاق المرضية ألا ترى ان دم الشهيد يتشكل بصورة المسك فلا يفوح منه الا المسك كما ورد فى الشرع. وقال بعضهم هذه الآية نزلت فى جد بن قيس من المنافقين دعاه النبى عليه السلام الى الخروج الى العدو وحرضه على الجهاد "حديث : فقال له يا جد بن قيس هل لك فى جلاد بنى الاصفر" تفسير : يعنى طوال القدّ منهم فان الجلاد من النخل هى الكبار الصلاب "حديث : تتخذ منهم سرارى ووصفاء" تفسير : فقال جد ائذن لى فى القعود ولا تفتنى بذكر نساء الروم فانه قد علمت الانصار انى رجل مولع بالنساء اى مفرط فى التعلق بهن فاخشى ان ظفرت ببنات الاصفر ان لا اصبر عنهن فاواقعهن قبل القسمة فاقع فى الفتنة والاثم فلما سمع النبى عليه السلام قوله اعرض عنه وقال "حديث : اذنت لك" تفسير : ولم يقبل الله تعالى عذر جد وبين انه وقع فى الفتنة بمخالفة النبى عليه السلام والمراد ببنى الاصفر الروم وهم جيل من ولد روم بن عيصو بن اسحق بن ابراهيم عليهم السلام والوجه فى تسمية الروم ببنى الاصفر ان ملوك الروم انقضوا فى الزمان الاول فبقيت منهم امرأة فتنافسوا فى الملك حتى وقع بينهم شر عظيم فاتفقوا على ان يملكوا اول من اشرف عليهم فجلسوا مجلسا لذلك وأقبل رجل من اليمن معه عبد له حبشى يريد الروم فابق العبد فاشرف عليهم فقالوا انظروا فى أى شيء وقعتم فزوجوه تلك المراة فولدت غلاما فسموه الاصفر فخاصمهم المولى فقال صدق انا عبده فارضوه فلذلك قيل للروم بنوا الاصفر لصفرة لون هذا الولد لكونه مولدا بين الحبشى والمرأة البيضاء. وفى الروض قيل لهم بنوا الاصفر لان عيصو بن اسحق كان به صفرة وهو جدهم وقيل ان الروم بن عيصو هو الاصفر وهو ابوهم وامه نسمة بنت اسماعيل عليه السلام وليس كل الروم من ولد بنى الاصفر فان الروم الاول فيما زعموا من ولد بن يونان بن يافث بن نوح عليهم السلام انتهى. وقيل قيل لهم بنوا الاصفر لان جدهم روم بن عيصو ابن اسحق بن ابراهيم تزوج بنت ملك الحبشة فجاء لون ولده بين البياض والسواد فقيل له الاصفر وقيل لاولاده بنوا الاصفر. وقيل لان جيشا من الحبشة غلب على ناحيتهم فى وقت فوطئ نساءهم فولدت اولادا صفراء بين سواد الحبشة وبياض الروم -حكى- عن بعض العارفين انه رأى النبى عليه السلام فى المنام فقال يا رسول الله انى اريد ان اتوجه الى الروم فقال عليه السلام الروم لا يدخله المعصوم فاختلج فى صدره ان فى الروم العلماء والصلحاء والاولياء اكثر من يحصى ثم تتبع فوجد ان المراد من المعصوم الانبياء واما هؤلاء فيسمون المحفوظين الكل من انوار المشارق وثبت فى الصحيح انه "حديث : لا يبقى مسلم وقت قيام الساعة" تفسير : لكن يكون الروم وهم قوم معروف اكثر الكفرة فى ذلك الوقت كما كانوا اليوم اكثرهم. ثم ان القعود عن الغزو من بخل الرجل وهو من اذم الصفات. قال ابراهيم بن ادهم اياك والبخل قبل وما البخل قال اما البخل عند اهل الدنيا فهو ان يكون الرجل شحيحا بماله واما الذى عند اهل الآخرة فهو الذى يبخل بنفسه عن الله تعالى ألا وان العبد اذا جاد بنفسه لله تعالى اورث قلبه الهدى والتقى واعطاه السكينة والوقار والعلم الراجح والعقل الكامل. فعلى العاقل الجود بماله ونفسه فى الجهاد الاصغر والاكبر حتى ينال الرضى من الله تعالى والجود من امدح الصفات -وحكى- عن ابى جهيم بن حذيفة قال انطلقت يوم تبوك اطلب عمى ومعى ماء اردت ان اسقيه ان كان به رمق فرأيته ومسحت وجهه فقلت له اسقيك الماء فاشار برأسه نعم فاذا رجل يقول آه من العطش فاوحى براسه ان اذهب اليه فاذا هو هشام بن العاص فقلت اسقيك قال نعم فلما دنوت منه سمعت صوتا يقول آه من العطش فاشار الى ان اذهب به اليه فذهبت فاذا هو ميت فرجعت بالماء الى هشام فاذا هو ميت فرجعت الى عمى فاذا هو ميت كذا فى خالصة الحقائق: قال الحافظ الشيرازى قدس سره شعر : فداى دوست نكرديم عمرو مال دريغ كه كار عشق زمااين قدر نمى آيد تفسير : قال السعدى قدس سره شعر : اكر كنج قارون بجنك آورى نماند مكر آنجه بخشى برى
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ومنهم من يقولُ ائذن لي} في القعود، {ولا تفتنِّي}؛ ولا توقعني في الفتنة، أي: في العصيان والمخالفة، بأ تأذن لي، وفيه إشعار بأنه لا محالة متخلف، أََذِنَ أو لم يأذن، أو في الفتنة؛ بسبب ضياع المال والعيال؛ إذ لا كافل لهم بعدي، أو في الفتنة بنساء الروم، كما قال الجَدُّ بنُ قَيْس: قد علمت الأنصار أني مُولع بالنساء، فلا تفتني ببنات بني الأصفر، ولكني أُعينك بمال، واتركني. قال تعالى: {أَلاَ في الفتنةِ سقطُوا} أي: إن الفتنة التي سقطوا فيها، وهي فتنة الكفر والنفاق، لا ما احترزوا عنه، {وإنَّ جهنم لمحيطة بالكافرين}، أي: دائرة بهم يوم القيامة، أو الآن؛ لأن إحاطة أسبابها بهم كوجودها، ومن أعظم أسبابها: بغضك وانتظارهم الدوائر بك. {إن تُصبْك حسنة}؛ كنصر أو غنيمة في بعض غزواتك، {تسؤوهم}؛ لفرط حسدهم وبغضهم، {وإن تُصبك} في بعضها {مصيبة}؛ ككسر أو شدةٍ كيوم أحد، {يقولوا قد أخذنا أمْرَنا من قبلُ} أي: يتبجحوا بتخلفهم أو انصرافهم، واستحمدوا رأيهم في ذلك، {ويتولوا} عن متحدِّثِهم ومجْمعهم، أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، {وهم فَرحُون} مسرورون بما صنعوا من التخلف عن الجهاد. الإشارة: ومن ضعفاء اليقين من يستأذن المشايخ في البقاء مع الأسباب وفتنة الأموال، ويقول: لا تفتني بالأمر بالتجريد، فإني لا أقدر عليه، ويرضى بالسقوط في فتنة الأسباب والشواغل، فإن ضم إلى ذلك الإنكار على أهل التجريد، بحيث إذا رأى منهم نكبة أو كسرة من أجل التجريد، والخروج عن عوائد الناس وما هم عليه، فرح، وإذا رأى منهم نصراً وعزاً انقبض، ففيه خصلة من النفاق، والعياذ بالله. ثم رد عليهم، بقوله: {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا}.
الطوسي
تفسير : قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد: نزلت هذه الآية في ألحد بن قيس، وذلك ان النبي صلى الله عليه وآله لما دعا الناس إلى الخروج إلى غزوة تبوك لقتال الروم جاءه ألحد ابن قيس، فقال: يا رسول الله إني رجل مستهتر بالنساء فلا تفتني ببنات الاصفر، قال الفراء: سمي الروم أصفر، لأن حبشياً غلب على ناحية الروم، وكان له بنات قد أخذن من بياض الروم وسواد الحبشة فكنّ صفراً لعساً، فنزلت هذه الآية فيه. وقال الحسن وقتادة وأبو عبيدة وأبو علي والزجاج: معنى ولا تفتني ولا تؤثمني بالعصيان في المخالفة التي توجب الفرقة، فتضمنت الآية ان من جملة المنافقين من استأذن النبي صلى الله عليه وآله في التأخر عن الخروج، والاذن رفع التبعة في الفعل، وهو والاباحة بمعنى، وقال له {لا تفتني} اي لا تؤثمني بأن تكلفني المشقة في ذلك فأهم بالعصيان أو لا تفتني ببنات أصفر على ما حكيناه، فقال الله تعالى {ألا في الفتنة سقطوا} أي وقعوا في الكفر والمعصية بهذا القول وبهذا الفعل. والسقوط الوقوع إلى جهة السفل ووقوع الفعل حدوثه وسقوطه أيضاً. وقوله {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} اخبار منه تعالى أن جهنم مطيفة بما فيها من جميع جهاتها بالكافرين. والاحاطة والاطافة والاحداق نظائر في اللغة. ولا يدل ذلك على انها لا تحيط بغير الكفار من الفساق الا ترى أنها تحيط بالزبانية والمتولين للعقاب، فلا تعلق للخوارج بذلك.
الجنابذي
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي} حكاية لقول بعضهم توهيناً وذمّاً له {وَلاَ تَفْتِنِّي} لا توقعنى فى الفساد والافتتان بنساء الرّوم كما روى انّه (ص) رغّب بعضاً فى الجهاد فى غزوة تبوك فقال: يا رسول الله والله انّ قومى يعلمون انّه ليس فيهم اشدّ عجباً بالنّساء منّى واخاف ان خرجت معك ان لا اصبر اذا رأيت بنات الرّوم فلا تفتنّى، او فلا تفتنّى بضياع المال والعيال، او فلا تفتنّى بالامر بالخروج وتخلّفى عنك ومخالفتى لامرك، او فلا تفتنّى بضياع البدن بالحركة فى الحرّ {أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} يعنى انّ رغبتهم عن الخروج وعن امتثال أمرك ومصاحبتك هى فتنة عظيمةٌ لنفوسهم تهلكهم عن الحياة الانسانيّة الابديّة وقد وقعوا فيها ولا يمكنهم الخروج عنها، ولذلك اتى باداة الاستفتاح وقدّم المجرور واستعمل السّقوط {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} حال عن فاعل سقطوا او عطف على جملة فى الفتنة سقطوا، ولمّا كان هذا الحكم من شأنه ان ينكر فى بادى النّظر اتى بالمؤكّدات الثّلاثة ووضع المظهر موضع المضمر اشارة الى علّة الحكمين وابداءً لّذمٍ آخر لهم، اعلم، انّ عالم الطّبع واقع بين العالمين الملكوت العليا والملكوت السّفلى، والانسان الّذى هو خلاصة عالم الطّبع ايضاً واقع بين هاتين الملكوتين ولهما التّصرّف فى هذا العالم وفى بنى آدم، لكن تصرّف الملكوت العليا فى الخيرات والوجودات والجذب الى عالم الخيرات ومعدن النّور، وتصرّف الملكوت السّفلى فى الشّرور والاعدام والجذب الى عالم الظّلمة ومعدن الشّرور، والملكوت العليا عالم نورانىّ لا ظلمة فيها والملكوت السّفلى عالم ظلمانىّ لا نور فيها؛ والحاكم فى الاولى هو الله وفى الثّانية هو الشّيطان ومن هنا وهم الثّنويّة حيث انسلخ مرتاضوهم عن الطّبع واغشيته واتّصلوا بالمجرّدات فشاهدوا العالمين، فقال من لم يشاهد حكومة الملكوت العليا على السّفلى: انّهما قديمان حاكمان على العالم، وقال من شاهد ايجاد العليا للسّفلى: انّ السّفلى حادثة لكن لها التّصرّف والحكومة بالاستقلال على العالم، وقال من شاهد انّ فى كلّ من العالمين حاكماً وله الحكومة على عالمه وعلى عالم الطّبع، انّ للعالم آلهين: يزدان واهريمن، وقال بعض: انّ كلاً قديمٌ، وقال بعض: انّ اهريمن مخلوق حادث والملكوت السّفلى دار الشّياطين وسجن اهل الشّقاء وفيها النّار والجحيم وكلّ ما ورد فى الشّريعة من عذاب الاشقياء والكافرين ومن الحيّات والعقارب والزّقّوم والحميم، والانسان الواقع بين العالمين اذا توجّه الى تلك الملكوت باتّباع الشّياطين واختيار النّفس وشهواتها، ما لم يتمكّن فى هذا الاتّباع كان على شفير جهنّم وشفا جرف هذا الوادى، واذا تمكّن فى هذا الاتّباع بحيث لم يبق له حالة رادعة صار داخلاً فى هذا العالم وواقعاً فى مقام يحيط به لهب جهنّم وكان جهنّم محيطة به باعتبار جمراتها ولهباتها كما قال تعالى: وانّ جهنّم لمحيطة بالكافرين.
اطفيش
تفسير : {ومنهمْ مَن يقُولُ ائْذنْ لى} فى القعود عن الغزوة هذه الياء هى فاء الكلمة، وهى الهمزة فى أذن أبدلت ياء لسكونها بعد كسرة همزة الوصل، وإذا وصل الكلام بالياء ولم يوقف عليه سكنت حيا ولو لم نضبط بالإسكان فى مصاحف المغاربة، فإنهم تركوها على حالها بحين الابتداء لهمزة الوصل، وفى مصاحف المشارقة همزة ساكنة بعد همزة الوصل بزوال القلب بزوال كسرة همزة الوصل بالوصل. {ولا تَفْتنِّى} بعدم الإذن، فإنى تخلفت عنك بغير إذنك، وقعت فى الفتنة وهى الإثم بمخالفتك، وهذا منه، لعنه الله، إشعار بأنه متخلف ولو لم يأذن له، كأنه قال: لا تصعب على حتى أحتاج إلى مواقعة معصيتك، وهذا تأويل حسن واقف مع اللفظ. وقيل: لا تفتنى بنساء الروم، وبه تظاهرت الروايات، عن الجد ابن قيس، لعنه الله، أنه قائل ذلك، وشذ من قال إنه عبد الله بن أبىّ، "حديث : وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرض الناس على غزو الروم، وقال للجد بن قيس: "هل لك العام فى جلاد بنى الأصفر؟" فقال له وللناس: "اغزوا تغنموا الأصفر" فقال له الجد بن قيس: إيذن لى فى التخلف ولا تفتنى بذكر بنات الأصفر، فقد علم قومى أنى لا أتمالك عن النساء إذا رأيتهن"، تفسير : وقيل: "حديث : قال له: "هل لك فى جلاد بنى الأصفر - يعنى الروم تتخذ منهم سرارى ووصائف؟" فقال: لقد عرف قومىتفسير : ، وروى حديث : قد عرفت الأنصار أنى مولع بالنساء، ولا أصبر عن بنات الأصفر إن رأيتهن، فلا تفتنى بهن ". تفسير : قال ابن عباس: قال: لكنى أعينك بمالى فاتركنى، قال العباس: لم تكن له علة إلا النفاق، وأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قد أذنت لك، وقيل: الفتنة ضياع ماله وعياله، يزعم أنه كافل لهم بعده إن خرج، والأصفر هو الروم بن عيص بن إسحاق، كان أصفر اللون، وذكر النقاش، والمهدوى: أن الأصفر حبشى ووقع ببلاد الروم، فتزوج وأنسل بنات لهن جمال، وهذا ضعيف، وقرأ عيسى بن عمرو بضم التاء الأولى وهى لغة تميم يقولون أفتنه بفتنة. {ألاَ فى الفِتْنةِ سَقَطُوا} أى انتبهوا أيها الناس، وحققوا أنهم وقعوا وقوعا متمكنا فى الفتنة الكاملة بتخلفهم، وظهور إنفاقهم، وفساد ما بينكم وبينهم، وفى مصحف أبى سقط بفتح الطاء وإسقاط الواو إرجاعا للضمير إلى القائل، وقال جار الله: مراعاة للفظ من، وأن المعنى على الجماعة وإنما يصح هذا لو كان القائل متعددا بخلاف قراءة الواو فإنها إخبار عن المتخلفين بلا عذر جميعا، اللهم إلا إن قال قائل: إن ذلك كالجماعة إذ كان رئيسا يتبعه قومه فى التخلف. {وإنَّ جَهنَّم لمحيطَةٌ} يوم القيامة أو من الآن فإنهم فى أسبابها، فكأنهم فيها {بالكَافِرِينَ} المنافقين والمشركين لا يشذ عنها واحد.
اطفيش
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِى} فى التخلف عن الخروج {وَلاَ تَفْتِنِّى} لعدم الإِذن لى فإِنى إِن لم تأْذن لى وتخلفت كنت مفاتنا لك بالتخلف، أَو لا تكلفنى بالخروج فى هذه الشدة، أَو أَراد فتنة الدين للنبى صلى الله عليه وسلم وهو معصية الله بمخالفتك، لأَنهم قد يراعون أَمر الله فى بعض الأَحيان، أو ذلك من لسانه لا من قلبه، وفى قوله تلويح بأَنه قاعد أُذن له أَو لم يأْذن، إِلا أَنه أَحب أَن يكون قعوده بإِذن، أَو الفتنة ضياع المال والعيال، إِذ لا كافل لهما بعدى، أَو الفتنة ببنات الروم فتنة المعصية أَو فتنة القلب بأَن يزنى بهن قبل القسمة، وإِسناد الفتنة فى ذلك كله إِلى النبى صلى الله عليه وسلم لعلاقة السببية، أَى لا تكن سببا لوقوعى فى الفتنة بعدم الإِذن، والمراد فى ذلك كله الجد بن قيس، وروى أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: حديث : يا أَبا وهيب هل لك فى حلاوة بنى الأَصفر أَو فى جلاد بنى الأَصفر، أَى جهادهم يعنى الروم، تتخذون منهم سرايا بيضاً لعسا لم تر مثلهنتفسير : ، فقال: ائْذن لى فى القعود ولا تفتنى ببنات الأَصفر، قد علمت الأَنصار أَنى رجل مفرط بالتعلق بالنساءِ فأَخشى أَن أَفتن ببنات الأَصفر بالزنا بهن قبل القسمة. أَو خرج عن محل الكلام، فقال إِنهن يفتننى عن الكسب والجهاد، فإِن هذا قبل الخروج والقسمة لا يتم اعتذار، أَو الأَصفر رجل من الحبشة ملك الروم، فولد له بنات لعس واللعساءُ التى شفتها إِلى السواد، وذلك ملاحة، أَو وقع جيش من الحبشة على نساءِ الروم فولدن أَولاداً صفراً بين البياض والسواد، ويقال بنو الأَصفر ملوك الروم أَولاد أَصفر ابن روم بن عيص بن إِسحاق، ورد الله عليه قوله {أَلاَ فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} فتنة الدين أَو مفاتنة الرسول سواءٌ أَراد الجد النساءَ أَو غيرهن مما مر، أَو فتنة التخلف أَو إِظهار النفاق، ذكر الفتنة فقابله الله بذكرها سواءً كانت التى أَراد أَم غيرها، والله عالم بمراده، وأَلا تنبيه وتأْكيد لكونه وقع فى الفتنة التى فر منها، مما مرجعه إِلى الدين أَو فى الفتنة الكاملة وهى ما مرجعه إِلى الدين وأَلـ للكمال ومراده غيرها أَوعد الله عز وجل عليه ما وعده فتنة كلا فتنة بالنسبة إِلى فتنة الدين إِذ أَراد هو غيرها، والتقديم للحصر وضمير الجمع له ولأَتباعه أَو للمنافقين مطلقا ذكرهم لذكر واحد منهم، وعلى هذا فالفتنة فتنة الدين بأَى وجه كانت مثل أَن يقال سقطوا بالتخلف {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيَطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} بالكافرين المصرين لا محيد لأَحدهم عنها. والعطف على سقطوا عطف اسمية على فعلية، فينسحب على المعطوفة ما جرى على المعطوف عليها من التنبيه والتأْكيد، ففى المعطوفة تأْكيد بأِلا وبأَل واللام والجملة الاسمية مع ذكر الإِحاطة ففيها ما ليس فى قولك لهم {جهنم} ولا سيما أَن قلنا محيطة بهم من الآن لا حائطة أَسبابها بهم فإِنه آكد من أَن يقال محيطة يوم القيامة، فيجوز أَن يراد بجهنم أَسبابها وملزوماتها تسمية باسم المسبب اللازم باسم السبب الملزوم فيكون اسم الفاعل للحال، كما قيل هو حقيقة. وإن أُريد أَن جهنم ستحيط بهم. فهو للاستقبال، وإِن قيل أَحاطت بهم بنفسها لتحقق الوقوع فهو للحال، وكذا ما قيل إِن أَعمالهم فى الدنيا نار جهنم نفسها ويوم القيامة تظهر صورة هذه النار، وهو وجه فى قوله تعالى "أية : يأْكلون فى بطونهم ناراً"تفسير : [النساء: 10] والكافرون على العموم فيدخل هؤلاء بالحجة هى وجود الكفر فيهم، أَو المراد هؤلاءِ ذكرهم باسم الكفر تشنيعاً عليهم فى دعواهم الإِسلام وللفاصلة.
الالوسي
تفسير : {وَمنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ٱئْذَن لِّي} في القعود عن الجهاد {وَلاَ تَفْتِنِّي} أي لا توقعني في الفتنة بنساء الروم. أخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «حديث : لما أراد النبـي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى غزوة تبوك قال لجد بن قيس: يا جد بن قيس ما تقول في مجاهدة بني الأصفر؟ فقال: يا رسول الله إني امرأ صاحب نساء ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن فائذن لي ولا تفتني فنزلت»تفسير : ، وروي نحوه عن عائشة وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، أو لا توقعني في المعصية والإثم بمخالفة أمرك في الخروج إلى الجهاد، وروي هذا عن الحسن وقتادة واختاره الجبائي، وفي الكلام على هذا إشعار بأنه لا محالة متخلف أذن له صلى الله عليه وسلم أو لم يأذن. وفسر بعضهم الفتنة بالضرر أي لا توقعني في ذلك فاني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي لعدم من يقوم بمصالحهم، وقال أبو مسلم: أي لا تعذبني بتكليف الخروج في شدة الحر، وقرىء {وَلاَ تَفْتِنّي} من أفتنه بمعنى فتنة. {أَلا فِى ٱلْفِتْنَةِ} أي في نفسها وعينها وأكمل أفرادها الغني عن الوصف بالكمال الحقيق باختصاص اسم الجنس به {سَقَطُواْ} لا في شيء مغاير لها فضلاً عن أن يكون مهرباً ومخلصاً عنها، وذلك بما فعلوا من العزيمة على التخلف والجراءة على هذا الاستئذان والقعود بالإذن المبني عليه وعلى الاعتذارات الكاذبة، وفي / مصحف أبـي {سقطَ} بالإفراد مراعاة للفظ {مِنْ} ولا يخفى ما في تصدير الجملة بأداة التنبيه من التحقيق، وفي التعبير عن الافتتان بالسقوط في الفتنة تنزيل لها منزلة المهواة المهلكة المفصحة عن ترديهم في دركات الردى أسفل سافلين، وتقديم الجار والمجرور لا يخفى وجهه. {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَـٰفِرِينَ} وعيد لهم على ما فعلوا وهو عطف على الجملة السابقة داخل تحت التنبيه، أي جامعة لهم من كل جانب لا محالة وذلك يوم القيامة، فالمجاز في اسم الفاعل حيث استعمل في الاستقبال بناء على أنه حقيقة في الحال، ويحتمل أن يكون المراد أنها حيطة بهم الآن بأن يراد من جهنم أسبابها من الكفر والفتنة التي سقطوا فيها ونحو ذلك مجازاً. وقد يجعل الكلام تمثيلاً بأن تشبه حالهم في إحاطة الأسباب بحالهم عند إحاطة النار، وكون الأعمال التي هم فيها هي النار بعينها لكنها ظهرت بصورة الأعمال في هذه النشأة وتظهر بالصورة النارية في النشأة الأخرى كما قيل نظيره في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } تفسير : [النساء: 10] منزع صوفي، والمراد بالكافرين إما المنافقون المبحوث عنهم، وإيثار وضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بالكفر والإشعار بأنه معظم أسباب الإحاطة المذكورة وإما جميع الكافرين ويدخل هؤلاء دخولاً أولياً.
ابن عاشور
تفسير : نزلت في بعض المنافقين استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في التخلّف عن تبوك ولم يُبدوا عذراً يمنعهم من الغزو، ولكنّهم صرّحوا بأنّ الخروج إلى الغزو يفتنهم لمحبّة أموالهم وأهليهم، ففضح الله أمرهم بأنّهم منافقون: لأن ضمير الجمع المجرور عائد إلى {أية : الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر}تفسير : [التوبة: 45]، وقيل: قال جماعة منهم: ائذن لنا لأنّا قاعدون أذنت لنا أم لم تأذَنْ فأذَنْ لنا لئلا نقع في المعصية. وهذا من أكبر الوقاحة لأنّ الإذن في هذه الحالة كَلا إذنٍ، ولعلّهم قالوا ذلك لعلمهم برفق النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: إنّ الجِدّ بن قيس قال: يا رسول الله لقد علم الناس أنّي مُسْتَهْتَر بالنساء فإنّي إذا رأيت نساء بني الأصفر افتتنت بهنّ فأذَنْ لي في التخلّف ولا تفتنّي وأنا أعينك بمالي، فأذن لهم. ولعلّ كلَّ ذلك كان. والإتيان بأداة الاستفتاح في جملة {ألا في الفتنة سقطوا} للتنبيه على ما بعدها من عجيب حالهم إذ عاملهم الله بنقيض مقصودهم فهم احترزوا عن فتنة فوقعوا في الفتنة. فالتعريف في الفتنة ليس تعريف العهد إذ لا معهود هنا، ولكنّه تعريف الجنس المؤذن بكمال المعرّف في جنسه، أي في الفتنة العظيمة سقطوا، فأيُّ وجه فرض في المراد من الفتنة حين قال قائلهم {ولا تفتنى} كان ما وقَع فيه أشدَّ ممّا تفصَّى منه، فإن أراد فتنة الدين فهو واقع في أعظم الفتنة بالشرك والنفاق، وإن أراد فتنة سوء السمعة بالتخلّف فقد وقع في أعظم بافتضاح أمر نفاقهم، وإنْ أراد فتنة النكد بفراق الأهل والمال فقد وقع في أعظم نكد بكونه ملعوناً مبغوضاً للناس. وتقدّم بيان {الفتنة} قريباً. والسقوط مستعمل مجازاً في الكَون فجأة على وجه الاستعارة: شُبّه ذلك الكون بالسقوط في عدم التهيّؤ له وفي المفاجأة باعتبار أنّهم حصلوا في الفتنة في حال أمنهم من الوقوع فيها، فهم كالساقط في هُوّة على حينِ ظَنّ أنّه ماش في طريق سهل ومن كلام العرب «على الخبير سقطتَ». وتقديم المجرور على عامله، للاهتمام به لأنّه المقصود من الجملة. وهذه الجملة تسير مَسرى المثَل. وجملة {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} معترضة والواو اعتراضية، أي وقعوا في الفتنة المفضية إلى الكفر. والكفر يستحقّ جهنّم. وإحاطة جهنّم مراد منها عدم إفلاتهم منها، فالإحاطة كناية عن عدم الإفلات. والمراد بالكافرين: جميع الكافرين فيشمل المتحدّث عنهم لثبوت كفرهم بقوله: {أية : إنما يستئذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر}تفسير : [التوبة: 45]. ووجه العدول عن الإتيان بضميرهم إلى الإتيان بالاسم الظاهر في قوله: {لمحيطة بالكافرين} إثبات إحاطة جهنّم بهم بطريق شبيه بالاستدلال، لأنّ شمول الاسم الكلي لبعض جزئياته أشهر أنواع الاستدلال.
الواحدي
تفسير : {ومنهم مَنْ يقول ائذن لي} نزلت في جدِّ بن قيس المنافق، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لك في جلاد بني الأصفر، تتخذ منه سراري وُصفاءَ، فقال: ائذن لي يا رسول الله في القعود عنك وأُعينك بمالي {ولا تفتني} ببنات [بني] الأصفر، فإني مُسْتَهترٌ بالنِّساء، إني أخشى إن رأيتهنَّ ألا أصبر عنهنَّ، فقال الله تعالى: {ألا في الفتنة سقطوا} أَيْ: في الشِّرك وقعوا بنفاقهم وخلافهم أمرك {وإنَّ جهنم لمحيطة بالكافرين} لمحدقةٌ بمَنْ كفر جامعةٌ لهم. {إن تصبك حسنة} نصرٌ وغنيمةٌ {تسؤهم وإن تصبك مصيبة} من قتلٍ وهزيمةٍ {يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل} قد أخذنا حذرنا، وعملنا بالحزم [حين تخلَّفنا] {ويتولوا} وينصرفوا {وهم فرحون} معجبون بذلك، وبما نالك من السُّوء. {قُلْ لن يصيبنا} خيرٌ ولا شرٌّ {إلاَّ} وهو مقدَّرٌ مكتوبٌ علينا. {هو مولانا} ناصرنا {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} وإليه فليفوِّض المؤمنون أمورهم على الرِّضا بتدبيره.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ومنهم: أي من المنافقين وهو الجد بن قيس. إئذن لي: أي في التخلف عن الجهاد. ولا تفتني: أي لا توقعني في الفتنة بدعوى أنه إذا رأى نساء الروم لا يملك نفسه. حسنة تسؤهم: الحسنة كل ما يحسن من نصر وغنيمة وعافية ومعنى تسؤهم أي يكربون لها ويحزنون. قد أخذنا أمرنا من قبل: أي احتطنا للأمر ولذا لم نخرج معهم. إحدى الحسنيين: الأولى الظفر بالعدو والانتصار عليه والثانية الشهادة المورثة للجنة. فتربصوا: أي انتظروا فإنا معكم من المنتظرين. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن المنافقين المتخلفين عن غزوة تبوك فيقول تعالى {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي} أي في التخلف عن الجهاد، {وَلاَ تَفْتِنِّي} بإلزامك لي بالخروج أي لا توقعني في الفتنة، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: هل لك في بلاد بني الأصفر؟ فقال إني مغرم بالنساء وأخشى إن رأيت نساء بني الأصفر (وهم الروم) لا أصبر عنهن فأفتن، والقائل هذا هو الجد بن قيس أحد زعماء المنافقين في المدينة فقال تعالى دعاء عليه ورداً لباطله: {أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} وأي فتنة أعظم من الشرك والنفاق؟ {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} به وبأمثاله من أهل الكفر والنفاق، هذا ما دلت عليه الآية الأولى أما الآية الثانية [50] فقد تضمنت الكشف عما يقوله المنافقون في أنفسهم أنه إن تصب الرسول والمؤمنين حسنة من نصر أو غنيمة وكل حال حسنة يسؤهم ذلك أي يكربهم ويحزنهم، وإن تصبهم سيئة من هزيمة أو قتل وموت يقولوا فيما بينهم {قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا} أي احتطنا للأمر فلم نخرج معهم {وَيَتَوَلَّواْ} راجعين إلى بيوتهم وأهليهم {وَّهُمْ فَرِحُونَ}. هذا ما تضمنته الآية التي هي قوله تعالى {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ} أما الآيتان الثالثة والرابعة [51 - 52] فقد علم الله سبحانه وتعالى رسوله ما يقوله إغاظة لأولئك المنافقين وإخباراً لهم بما يسؤهم فقال {قُل لَّن يُصِيبَنَآ} أي من حسنة أو سيئة إلا ما كتب الله لنا وما يكتبه ربنا لنا لن يكون إلا خيراً لأنه مولانا {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} ونحن مؤمنون وعلى ربنا متوكلون، وقال له: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ} أي هل تنتظرون بنا إلا إحدى الحسنيين: النصر والظهور على أهل الشرك والكفر والنفاق أو الاستشهاد في سبيل الله، ثم النعيم المقيم في جوار رب العالمين وعليه {فَتَرَبَّصُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ}، وسوف لا نشاهد إلا ما يسرنا ويسوءكم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- فضيحة الجد بن قيس وتسجيل اللعنة عليه وتبشيره بجهنم. 2- بيان فرح المنافقين والكافرين بما يسوء المسلمين، وبيان استيائهم لما يفرح المسلمين وهي علامة النفاق البارزة في كل منافق. 3- وجوب التوكل على الله وعدم الاهتمام بأقوال المنافقين. 4- بيان أن المؤمنين بين خيارين في جهادهم: النصر أو الشهادة. 5- مشروعية القول الذي يغيط العدو ويحزنه.
القطان
تفسير : هذه الآيات سيقت لبيان اقوالٍ قالها المنافقون، بعضُها قِيلتْ جهراً، وبعضها أكنُّوه في انفسهم. {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ}. من المنافقين أُناس يستأذنونك في التخلّف عن القتال حتى لا يفتَتِنوا بنساء الروم. روي عن مجاهد وابن عباس حديث : انها نزلت في الجدّ بن قيس من بين سَلِمة، وكان من أشراف بين سلمة، فقد قال للرسول الكريم: أئذنْ لي يا رسولَ الله في القعود، فإن أخشى على نفسي إنْ أنا رأيتُ نساء بني الأصفر (يعني الروم)، أن أفتتنِ. فقال الرسول وهو معرِضٌ عنه: قد أذنتُ لك . تفسير : {أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ}. فليْعلموا أنهم بمقالتهم هذه قَد سَقطوا وأوقعوا أنفسَهم في معصية الله. {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ}. وان نار جهنم لمحيطةٌ بهم في اليوم الآخر. روى يعقوب بن سفيان في تاريخه وابو الشيخ في الأمثال: حديث : ان رسول الله قال لبني سَلِمة من الانصار: من سيِّدُكم يا بني سلمة؟ قالوا: الجدّ بن قيس، على بخلٍ فيه. فقال رسول الله: وأيُّ داءٍ أدْوَأُ من البُخل؟ ولكن سيّدكم الفتى الجَعْدُ الأبيض، بِشرُ بن البُراء ابن معرور.تفسير : وفي الفائق في غريب الحديث للزمخشري: حديث : بلى سيدكم عمرو بن الجموح تفسير : والجعد الكريم الجواد. واذا قيل جعد اليدين وجهد البنان فمعناه: البخيل اللئيم. ثم بين الله تعالى عداوةَ المنافقين، زيادةً في تشهيرِ مساوئهم بقوله: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ}. ان هؤلاء المنافقين لا يريدون لك أيها الرسول ولأصحابك الا المكارِه، فيتألّمون إذا نالكم خيرٌ من نصرٍ أو غنيمة. {وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ}. ويفرحون إذا أصابكم مكروه من جِراح او قتل او هزيمة، ويقولون شامتين: قد أخذْنا حِذْرَنا بالقعود، إذ تخلّفنا عن القتال ولم نُلقِ بأيدينا الى الهلاك. ثم ينصرفون مسرورين. روى ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال: جَعل المنافقون الذين تخلّفوا في المدينة عن غزوة تبوك يُشيعون أخبارَ السُّوء عن النبي وأصحابه، ويقولون إنهم جَهِدوا في سفرهم وهلكوا، فتبيَّنَ بعد ذلك كِذْبُهم وسلامةُ النبيّ واصحابه فساءهم ذلك، فأنزل الله تعالى: {إِن تُصِبْك...} الآية. ثم أرشد الله تعالى الى جوبهم بُبطلان ما بَنَوْا عليه مسرَّتَهم بقوله: {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا}. قل ايها الرسول لأولئك المنافقين الذين فرِحوا بمُصابِك وساءتْهُم نعموُ الله عليك: لن ينالَنا في دنيانا من الخير او الشرّ إلى ما قدّره الله علينا، فنحن راضون بقضائه. {هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}. هو ناصُرنا ومتولِّي أُمورِنا، ونحن نلجأُ إليه ونتوكل عليه، وعليه وحده يعتمد المؤمنون الصادقون. فالمسلم الصادق يبذل جهده ويظلّ متوكلا على الله. {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ}. إن أمْرَ المؤمنِ كلّه خيرٌ، سواء نالَ النصرَ او الشهادة، أما الكافر فأمْرُه كله شَرّ، سواء أصابه عذابُ الله المباشر او على أيدي المؤمنين. قل لهم أيها الرسول: لن ينالنا الا أحدُ أمرين، وكلاهما خير، إما النصرُ والغنيمة في الدنيا، وإما الشهادة في سبيل الله والجنةُ في الآخرة. ونحن نتربَّص بكم ان يُوقع الله بكم عذاباً من عندِه يُهلككم به، او يعذبكم بالذلَّة على أيدِينا فانتظِروا أَمْرَ الله، ونحنُ معكم منتظِرون.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِٱلْكَافِرِينَ} (49) - وَمِنَ المُنَافِقِينَ مَنْ يَقُولُ لَكَ (وَهُوَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ المُنَافِقِينَ): ائْذَنْ لِي فِي القُعُودِ وَالتَّخَلُّفِ عَنِ الجِهَادِ، لأَنَّنِي إِذَا خَرَجْتُ مَعَكَ، أَخَافُ عَلَى نَفْسِي أَنْ أَفْتَتِنَ بِنِسَاءِ الرُّومِ (بَنِي الأَصْفَرِ)، إِذَا رَأَيْتُهُنَّ. وَيَقُولُ تَعَالَى: لَقَدْ سَقَطَ هَؤُلاَءِ فِي فِتْنَةٍ أَعْظَمَ بِاعْتِذَارِهِمْ بِمَعَاذِيرَ كَاذِبَةٍ، وَبِسَبَبِ تَخَلُّفِهِمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ، وَبِالرَّغْبَةِ بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ. وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ أَنَّ جَهَنَّمَ مُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ، وَيُكَذِّبُونَ رَسُولَهُ، وَهِيَ جَامِعَةٌ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهَا، وَلاَ مَحِيصَ وَلاَ مَهْرَبَ، وَكَفَى بِهَا نَكَالاً وَوَبَالاً. ائْذَنْ لِي - أَيْ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهَادِ. لا تَفْتِنِّي - لاَ تُوقِعْنِي فِي الإِثْمِ بِمُخَالَفَةِ أَمْرِكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هؤلاء هم الذين استأذنوا رسول الله في عدم الخروج للجهاد، ومنهم من قال هذه العبارة: لا تفتني بعدم إعطاء الإذن، ولكن ما موضوع الفتنة؟ هل هو عذاب، أم سوء، أم شرك وكفر - والعياذ بالله -؟ إن كل ذلك - وغيره - تجوز فيه الفتنة. والقول: {ٱئْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي} ظاهره أنه أمر، ولكنه هنا ليس أمراً؛ لأن الأمر إذا جاء من الأدنى للأعلى فلا يقال إنه أمر، بل هو دعاء أو رجاء، وإن جاء من المساوى يقال: "مساو له"، أما إن جاء من الأعلى إلى الأدنى؛ فهذا هو ما يقال له أمر، وكلها طلب للفعل. وكان الجد بن قيس - وهو من الأنصار - قد جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ائذن لي ولا تفتني؛ لأن رسول الله إن لم يأذن له فسيقع في فتنة مخالفة أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن هذا الأنصاري لم يكن له جَلَدٌ على الحرب وشدائدها. وقيل: إنه كان على وَلَع بحب النساء وسمع عن جمال بنات الروم، وخشي أن يُفتنَ بِهنَّ، خصوصاً أن المعركة ستدور على أرض الروم. ومن المتوقع أن يحصل المقاتلون على سبايا من بنات الروم. وقوله تعالى: {ٱئْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي} أوقعه في الفتنة فعلاً؛ لذاك جاء قول الحق: {أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ}. وكان هذا الأنصاري سميناً، وشكا من عدم قدرته على السفر الطويل والحر، فجاء الرد: إن كنتم من الحر والبرد تفرُّون فالنار أحقُّ بالفرار منها؛ ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ}. وفي آية أخرى قال سبحانه: {أية : قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} تفسير : إذن: فجحيم النار أشد قسوة وحرارة من نار القتال، وحر الدنيا مهما اشتد أهون بكثير من نار الآخرة وهي تحيط بالكافرين. ويقول الحق بعد ذلك: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱئْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي} معناهُ وَلاَ تَأْثِمني {أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} معناهُ فِي الإِثمِ وَقَعوا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ومن هؤلاء المنافقين من يستأذن في التخلف، ويعتذر بعذر آخر عجيب، فيقول: { ائْذَنْ لِي } في التخلف { وَلا تَفْتِنِّي } في الخروج، فإني إذا خرجت، فرأيت نساء بين الأصفر لا أصبر عنهن، كما قال ذلك "الجد بن قيس". ومقصوده -قبحه اللّه- الرياء والنفاق بأن مقصودي مقصود حسن، فإن في خروجي فتنة وتعرضا للشر، وفي عدم خروجي عافية وكفا عن الشر. قال اللّه تعالى مبينا كذب هذا القول: { أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا } فإنه على تقدير صدق هذا القائل في قصده، [فإن] في التخلف مفسدة كبرى وفتنة عظمى محققة، وهي معصية اللّه ومعصية رسوله، والتجرؤ على الإثم الكبير، والوزر العظيم، وأما الخروج فمفسدة قليلة بالنسبة للتخلف، وهي متوهمة، مع أن هذا القائل قصده التخلف لا غير، ولهذا توعدهم اللّه بقوله: { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ } ليس لهم عنها مفر ولا مناص، ولا فكاك، ولا خلاص.
همام الصنعاني
تفسير : 1090- عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {ٱئْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي}: [الآية: 49]، قال: إن رجلاً قال النبي صلى الله عليه وسلم: ائذن لي ولا تفتني. فإنِّي أخاف على نفسي الفتنة: إنَّ بنات الأصفر صباح الوجوه. وإني أخشى الفتنة على نفسي. فقال الله تعالى: {أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} قال معمر: بلغني أنه جدُّ بن قيس.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):