Verse. 1285 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

اِنْ تُصِبْكَ حَسَـنَۃٌ تَسُؤْہُمْ۝۰ۚ وَاِنْ تُصِبْكَ مُصِيْبَۃٌ يَّقُوْلُوْا قَدْ اَخَذْنَاۗ اَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَّہُمْ فَرِحُوْنَ۝۵۰
In tusibka hasanatun tasuhum wain tusibka museebatun yaqooloo qad akhathna amrana min qablu wayatawallaw wahum farihoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن تصبك حسنة» كنصر وغنيمة «تسؤهم وإن تصبك مصيبة» شدة «يقولوا قد أخذنا أمرنا» بالحزم حين تخلفنا «من قبل» قبل هذه المعصية «ويتولَّوا وهم فرحون» بما أصابك.

50

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا نوع آخر من كيد المنافقين ومن خبث بواطنهم، والمعنى: إن تصبك في بعض الغزوات حسنة سواء كان ظفراً، أو كان غنيمة، أو كان انقياداً لبعض ملوك الأطراف، يسؤهم ذلك، وإن تصبك مصيبة من نكبة وشدة ومصيبة ومكروه يفرحوا به، ويقولوا قد أخذنا أمرنا الذي نحن مشهورون به، وهو الحذر والتيقظ والعمل بالحزم، من قبل أي قبل ما وقع وتولوا عن مقام التحدث بذلك، والاجتماع له إلى أهاليهم، وهم فرحون مسرورون، ونقل عن ابن عباس أن الحسنة في يوم بدر، والمصيبة في يوم أحد، فإن ثبت بخبر أن هذا هو المراد وجب المصير إليه، وإلا فالواجب حمله على كل حسنة، وعلى كل مصيبة، إذ المعلوم من حال المنافقين أنهم في كل حسنة وعند كل مصيبة بالوصف الذي ذكره الله ههنا. ثم قال تعالى: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا } وفيه أقوال: القول الأول: أن المعنى أنه لن يصيبنا خير ولا شر، ولا خوف ولا رجاء، ولا شدة ولا رخاء، إلا وهو مقدرعلينا مكتوب عند الله، وكونه مكتوباً عند الله يدل على كونه معلوماً عند الله مقضياً به عند الله، فإن ما سواه ممكن، والممكن لا يترجح إلا بترجيح الواجب، والممكنات بأسرها منتهية إلى قضائه وقدره. واعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية في أن قضاء الله شامل لكل المحدثات وأن تغير الشيء عما قضى الله به محال، وتقرير هذا الكلام من وجوه: أحدها: أن الموجود إما واجب وإما ممكن، والممكن يمتنع أن يترجح أحد طرفيه على الآخر لنفسه، فوجب انتهاؤه إلى ترجيح الواجب لذاته، وما سواه فواجب بإيجاده وتأثيره وتكوينه. ولهذا المعنى قال النبي عليه السلام: «حديث : جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة» تفسير : وثانيها: أن الله تعالى لما كتب جميع الأحوال في اللوح المحفوظ فقد علمها وحكم بها، فلو وقع الأمر بخلافها لزم انقلاب العلم جهلاً والحكم الصدق كذباً، وكل ذلك محال، وقد أطنبنا في شرح هذه المناظرة في تفسير قوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [البقرة: 6]. فإن قيل: إنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام تسلية للرسول في فرحهم بحزنه ومكارهه فأي تعلق لهذا المذهب بذلك؟ قلنا: السبب فيه قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من علم سر الله في القدر هانت عليه المصائب » تفسير : فإنه إذا علم الإنسان أن الذي وقع امتنع أن لا يقع، زالت المنازعة عن النفس وحصل الرضا به. القول الثاني: في تفسير هذه الآية أن يكون المعنى {لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا } أي في عاقبة أمرنا من الظفر بالعدو والاستيلاء عليهم، والمقصود أن يظهر للمنافقين أن أحوال الرسول والمسلمين وإن كانت مختلفة في السرور والغم، إلا أن في العاقبة الدولة لهم والفتح والنصر والظفر من جانبهم، فيكون ذلك اغتياظاً للمنافقين ورداً عليهم في ذلك الفرح. والقول الثالث: قال الزجاج: المعنى إذا صرنا مغلوبين صرنا مستحقين للأجر العظيم، والثواب الكثير، وإن صرنا غالبين، صرنا مستحقين للثواب في الآخرة، وفزنا بالمال الكثير والثناء الجميل في الدنيا، وإذا كان الأمر كذلك، صارت تلك المصائب والمحزنات في جنب هذا الفوز بهذه الدرجات العالية متحملة، وهذه الأقوال وإن كانت حسنة، إلا أن الحق الصحيح هو الأول. ثم قال تعالى: {هُوَ مَوْلَـٰنَا } والمراد به ما يقوله أصحابنا أنه سبحانه يحسن منه التصرف في العالم كيف شاء، وأراد لأجل أنه مالك لهم وخالق لهم، ولأنه لا اعتراض عليه في شيء من أفعاله، فهذا الكلام ينطبق على ما تقدم، ولذا قلنا إنه تعالى وإن أوصل إلى بعض عبيده أنواعاً من المصائب فإنه يجب الرضا بها لأنه تعالى مولاهم وهم عبيده، فحسن منه تعالى تلك التصرفات، بمجرد كونه مولى لهم، ولا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله. ثم قال تعالى: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } معناه أنه وإن لم يجب عليه لأحد من العبيد شيء من الأشياء ولا أمر من الأمور إلا أنه مع هذا عظيم الرحمة كثير الفضل والإحسان، فوجب أن لا يتوكل المؤمن في الأصل إلا عليه، وأن يقطع طمعه إلا من فضله ورحمته، لأن قوله: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } يفيد الحصر، وهذا كالتنبيه على أن حال المنافقين بالضد من ذلك وأنهم لا يتوكلون إلا على الأسباب الدنيوية واللذات العاجلة الفانية.

البيضاوي

تفسير : {إِن تُصِبْكَ} في بعض غزواتك. {حَسَنَةٌ} ظفر وغنيمة. {تَسُؤْهُمْ} لفرط حسدهم. {وَإِن تُصِبْكَ} في بعضها. {مُّصِيبَةٍ} كسر أو شدة كما أصاب يوم أحد. {يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ} تبجحوا بانصرافهم واستحمدوا رأيهم في التخلف. {وَيَتَوَلَّواْ} عن متحدثهم بذلك ومجتمعهم له، أو عن الرسول صلى الله عليه وسلم. {وَّهُمْ فَرِحُونَ} مسرورون.

ابن كثير

تفسير : يعلم تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بعداوة هؤلاء له؛ لأنه مهما أصابه من حسنة، أي: فتح وظفر على الأعداء؛ مما يسره ويسر أصحابه، ساءهم ذلك، {وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ} أي: قد احترزنا من متابعته من قبل هذا، {وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ} فأرشد الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جوابهم في عداوتهم هذه التامة فقال: {قُلْ} أي: لهم {لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا} أي: نحن تحت مشيئته وقدره {هُوَ مَوْلَـٰنَا} أي: سيدنا وملجؤنا {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي: ونحن متوكلون عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ } كنصر وغنيمة {تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ } شدّة {يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا } بالحزم حين تخلفنا {مِن قَبْلُ } قبل هذه المصيبة {وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ } بما أصابك.

الشوكاني

.تفسير : قوله: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ } أيّ: حسنة كانت بأيّ سبب اتفق، كما يفيده وقوعها في حيز الشرط، وكذلك القول في المصيبة، وتدخل الحسنة والمصيبة الكائنة في القتال كما يفيده السياق دخولاً أوّلياً، فمن جملة ما تصدق عليه الحسنة: الغنيمة والظفر. ومن جملة ما تصدق عليه المصيبة: الخيبة والانهزام، وهذا ذكر نوع آخر من خبث ضمائر المنافقين وسوء أفعالهم، والإخبار بعظيم عدوانهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، فإن المساءة بالحسنة، والفرح بالمصيبة من أعظم ما يدلّ على أنهم في العداوة قد بلغوا إلى الغاية، ومعنى {تَوَلَّوْاْ }: رجعوا إلى أهلهم عن مقامات الاجتماع، ومواطن التحدّث حال كونهم فرحين بالمصيبة التي أصابت المؤمنين، ومعنى قولهم: {قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ } أي: احتطنا لأنفسنا، وأخذنا بالحزم، فلم نخرج إلى القتال كما خرج المؤمنون حتى نالهم ما نالهم من المصيبة. ثم لما قالوا هذا القول أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يجيب عليهم بقوله: {لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا } أي: في اللوح المحفوظ، أو في كتابه المنزّل علينا، وفائدة هذا الجواب أن الإنسان إذا علم أن ما قدّره الله كائن، وأن كل ما ناله من خير أو شرّ إنما هو بقدر الله وقضائه، هانت عليه المصائب، ولم يجد مرارة شماتة الأعداء وتشفي الحسدة {هُوَ مَوْلَـٰنَا } أي: ناصرنا وجاعل العاقبة لنا، ومظهر دينه على جميع الأديان، والتوكل على الله تفويض الأمور إليه؛ والمعنى: أن من حق المؤمنين أن يجعلوا توكلهم مختصاً بالله سبحانه، لا يتوكلون على غيره. وقرأ طلحة بن مصرف "يصيبنا" بتشديد الياء. وقرأ أعين قاضي الري «يصيبنا» بنون مشدّدة. وهو لحن لان الخبر لا يؤكد. وردّ بمثل قوله تعالى: {أية : هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ } تفسير : [الحج: 15]. وقال الزجاج: معناه لا يصيبنا إلا ما اختصنا الله من النصرة عليكم أو الشهادة. وعلى هذا القول يكون قوله: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ } تكريراً لغرض التأكيد، والأوّل: أولى حتى يكون كل واحد من الجوابين اللذين أمر الله سبحانه رسوله بأن يجيب عليهم بهما مفيداً لفائدة غير فائدة الآخر، والتأسيس خير من التأكيد. ومعنى: {هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ }: هل تنتظرون بنا إلا إحدى الخصلتين الحسنيين: إما النصرة أو الشهادة، وكلاهما مما يحسن لدينا، والحسنى: تأنيث الأحسن، ومعنى الاستفهام: التقريع والتوبيخ {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ } إحدى المساءتين لكم: إما {أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ } أي: قارعة نازلة من السماء، فيسحتكم بعذابه، {أَوْ } بعذاب لكم {بِأَيْدِينَا } أي: بإظهار الله لنا عليكم بالقتل والأسر والنهب والسبي. والفاء في {فتربصوا} فصيحة، والأمر للتهديد كما في قوله: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ }تفسير : [الدخان: 49] أي تربصوا بنا ما ذكرنا من عاقبتنا فنحن معكم متربصون ما هو عاقبتكم، فستنظرون عند ذلك ما يسرّنا ويسوؤكم. وقرأ البزي وابن فليح «هل تربصون» بإظهار اللام وتشديد التاء. وقرأ الكوفيون بإدغام اللام في التاء. وقرأ الباقون بإظهار اللام وتخفيف التاء. قوله: {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ } هذا الأمر معناه الشرط والجزاء، لأن الله سبحانه لا يأمرهم بما لا يتقبله منهم. والتقدير: إن أنفقتم طائعين أو مكرهين فلن يتقبل منكم؛ وقيل: هو أمر في معنى الخبر: أي أنفقتم طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم، فهو كقوله: {أية : ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } تفسير : [التوبة: 80] وفيه الإشعار بتساوي الأمرين في عدم القبول، وانتصاب طوعاً أو كرهاً على الحال، فهما مصدران في موقع المشتقين: أي أنفقوا طائعين من غير أمر من الله ورسوله، أو مكرهين بأمر منهما. وسمي الأمر منهما إكراهاً لأنهم منافقون لا يأتمرون بالأمر. فكانوا بأمرهم الذي لا يأتمرون به كالمكرهين على الإنفاق، أو طائعين من غير إكراه من رؤسائكم أو مكرهين منهم، وجملة {إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ } تعليل لعدم قبول إنفاقهم، والفسق: التمرّد والعتوّ، وقد سبق بيانه لغة وشرعاً. ثم بين سبحانه السبب المانع من قبول نفقاتهم فقال: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَـٰتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ } أي: كفرهم بالله وبرسوله جعل المانع من القبول ثلاثة أمور: الأوّل: الكفر، الثاني: أنهم لا يصلون في حال من الأحوال إلا في حال الكسل والتثاقل؛ لأنهم لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً، فصلاتهم ليست إلا رياء للناس وتظهراً بالإسلام الذي يبطنون خلافه، والثالث: أنهم لا ينفقون أموالهم إلا وهم كارهون، ولا ينفقونها طوعاً لأنهم يعدّون إنفاقها وضعا لها في مضيعة لعدم إيمانهم بما وعد الله ورسوله. قوله: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ } الإعجاب بالشيء: أن يسرّ به سروراً راض به متعجب من حسنه، قيل: مع نوع من الافتخار، واعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه. والمعنى: لا تستحسن ما معهم من الأموال والأولاد: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} بما يحصل معهم من الغمّ والحزن عند أن يغنمها المسلمون، ويأخذوها قسراً من أيديهم مع كونها زينة حياتهم وقرّة أعينهم، وكذا في الآخرة يعذبهم بعذاب النار بسبب عدم الشكر لربهم الذي أعطاهم ذلك، وترك ما يجب عليهم من الزكاة فيها، والتصدق بما يحق التصدق به. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة لأنهم منافقون، فهم ينفقون كارهين، فيعذبون بما ينفقون. قوله: {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ } الزهوق: الخروج بصعوبة، والمعنى: أن الله يريد أن تزهق أنفسهم وتخرج أرواحهم حال كفرهم لعدم قبولهم لما جاءت به الأنبياء وأرسلت به الرسل، وتصميمهم على الكفر وتماديهم في الضلالة. ثم ذكر الله سبحانه نوعاً آخر من قبائح المنافقين، فقال: {وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ } أي: من جملتكم في دين الإسلام، والانقياد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكتاب الله سبحانه: {وَمَا هُم مّنكُمْ } في ذلك إلا بمجرّد ظواهرهم دون بواطنهم {وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ } أي: يخافون أن ينزل بهم ما نزل بالمشركين من القتل والسبي، فيظهرون لكم الإسلام تقية منهم لا عن حقيقة {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأَ } يلتجئون إليه ويحفظون نفوسهم فيه منكم من حصن أو غيره {أَوْ مَغَـٰرَاتٍ } جمع مغارة من غار يغير. قال الأخفش: ويجوز أن يكون من أغار يغير، والمغارات: الغيران والسراديب، وهي: المواضع التي يستتر فيها، ومنه غار الماء وغارت العين؛ والمعنى: لو وجدوا أمكنة يغيبون فيها أشخاصهم هرباً منكم {أَوْ مُدَّخَلاً } من الدخول: أي مكاناً يدخلون فيه من الأمكنة التي ليست مغارات. قال النحاس: الأصل فيه متدخل قلبت التاء دالاً، وقيل أصله: مدتخل. وقرأ أبيّ: «متدخلاً» وروى عنه أنه قرا «مندخلا» بالنون. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق، وابن محيصن «أو مدخلاً» بفتح الميم وإسكان الدال. قال الزجاج: ويقرأ «أو مدخلاً» بضم الميم وإسكان الدال. وقرأ الباقون بتشديد الدال مع ضم الميم {لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ } أي: لالتجئوا إليه وأدخلوا أنفسهم فيه والحال أنـهم {يَجْمَحُون} أي يسرعون إسراعاً لا يردّهم شيء، من جمح الفرس: إذا لم يردّه اللجام، ومنه قول الشاعر:شعر : سبوح جموح وإحضارها كمعمعة السعف الموقد تفسير : والمعنى: لو وجدوا شيئاً من هذه الأشياء المذكورة لولوا إليه مسرعين هرباً من المسلمين. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن جابر بن عبد الله، قال: جعل المنافقون الذين تخلفوا بالمدينة يخبرون عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار السوء يقولون: إن محمداً وأصحابه قد جهدوا في سفرهم وهلكوا، فبلغهم تكذيب حديثهم وعافية النبيّ وأصحابه، فساءهم ذلك فأنزل الله {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ } الآية. وأخرج سنيد، وابن جرير، عن ابن عباس {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ } يقول: إن يصبك في سفرك هذه الغزوة - تبوك - حسنة تسؤهم قال: الجد وأصحابه، يعني: الجد بن قيس. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا } قال: إلا ما قضى الله لنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: {هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ } قال: فتح أو شهادة. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، في قوله: {أَوْ بِأَيْدِينَا } قال: القتل بالسيوف. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، قال: قال الجد بن قيس: إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن ولكن أعينك بمالي، قال: ففيه نزلت {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } الآية. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوٰلُهُمْ } قال: هذه من تقاديم الكلام، يقول: لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، قال: إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله: {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ } قال: تزهق أنفسهم في الحياة الدنيا {وَهُمْ كَـٰفِرُونَ } قال: هذه آية فيها تقديم وتأخير. وأخرج أبو حاتم، وأبو الشيخ عن الضحاك، في قوله: {فَلاَ تُعْجِبْكَ } يقول: لا يغرنك {وَتَزْهَقَ } قال: تخرج أنفسهم، قال في الدنيا وهم كافرون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأَ } الآية قال: الملجأ: الحرز في الجبال، والمغارات: الغيران، والمدّخل: السرب. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ {وَهُمْ يَجْمَحُونَ } قال: يسرعون.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} يعني بالحسنة النصر. {وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ} أي أخذنا حذرنا فسلمنا. {وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ} أي بمصيبتك وسلامتهم. قال الكلبي: عنى بالحسنة النصر يوم بدر، وبالمصيبة النكبة يوم أحد. قوله عز وجل {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} فيه وجهان: أحدهما: إلا ما كتب الله لنا في اللوح المحفوظ أنه يصيبنا من خير أو شر، لا أن ذلك بأفعالنا فنذمّ أو نحمد، وهو معنى قول الحسن. والثاني: إلا ما كتب الله لنا في عاقبة أمرنا أنه ينصرنا ويعز دينه بنا. {هُوَ مَوْلاَنَا} فيه وجهان: أحدهما: مالكنا. والثاني: حافظنا وناصرنا. {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} أي على معونته وتدبيره.

ابن عبد السلام

تفسير : {حَسَنَةٌ} نصر، أو النصر ببدر، والمصيبة: النكبة يوم أُحد {أَمْرَنَا} حِذرنا وسَلمنا {فَرِحُونَ} بمصيبتك وسلامتهم.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {هل تربِّصون} بإظهار اللام وتشديد التاء: البزي وابن فليح، وقرأه حمزة وعلي وهشام مدغماً حتى لا يجتمع ساكنان. الباقون: بإظهار اللام وتخفيف التاء {أن تقبل} بالياء التحتانية: حمزة وعلي وخلف. الباقون: بالفوقانية {مدخلاً} بضم الميم وسكون الدال: سهل ويعقوب. الباقون: بالدال المشددة المتفوحة. {يلمزك} بضم الميم: سهل ويعقوب. الآخرون: بكسرها سوى عباس فإنه مخير. الوقوف: {تسؤهم} ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف {فرحون} ه {لنا} ج للابتداء لفظاً مع الاتحاد معنى {هو مولانا} ط لابتداء إخبار من الله أو الحكاية عنهم. {المؤمنون} ه {الحسنيين} ط للاستئناف بعد تمام الاستفهام {بأيدينا} ط والوصل أصح لأن الفاء جواب {نتربص}{متربصون} ه {منكم} ط. {فاسقين} ه {كارهون} ه {ولا أولادهم} ط {كافرون} ه {لمنكم} ط {يفرقون} ه {يجمحون} ه {في الصدقات} ط للشرط مع الفاء {يسخطون} ه {ورسوله} لا إلى قوله {راغبون} لأن الكل يتعلق بـ"لو" وجواب "لو" بعد التمام محذوف أي لكان خيراً لهم. التفسير: هذا نوع آخر من خبث ضمائر المنافقين. عن ابن عباس: الحسنة في قوم بدر والمصيبة في يوم أحد. والأولى حمله على العموم إذ معلوم من حال المنافقين أنهم كانوا في كل حسنة وعند كل مصيبة بالوصف الذي ذكر الله تعالى. ومعنى {أخذنا أمرنا} أي أمرنا الذي نحن موسومون به من التيقظ والتحرر وحسن الرأي والتدبير. و {من قبل} أي من قبل ما وقع {وتولوا} أي عن مقام التحدث بذلك إلى أهاليهم أو أعرضوا عن الرسول {وهم فرحون} مسرورون ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقول في جوابهم {لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} قيل: أي في اللوح المحفوظ من خير أو شر أو خوف أو رجاء أو شدة أو رخاء. وفائدته أنه إذا علم الإنسان أن الذي وقع امتنع أن لا يقع - لأن خلاف معلوم الله ومقدوره محال - زالت عنه منازعة النفس وهانت عليه المصائب. وقيل: أي في عاقبة أمرنا من الظفر بالعدوّ وإظهار دين الله على كل الأديان فيكون المقصود أن أحوال المسلمين وإن كانت مختلفة في الغم والسرور والمحنة إلا أن العاقبة والدولة تكون لهم والظفر يقع في جانبهم فلا معنى لفرح المنافقين في الحال. وقال الزجاج: معناه لن يصيبنا إلا ما اختصنا الله به من النصرة عليكم أو الشهادة، وعلى هذا القول يقع ما في الآية الثانية كالمكرر {هو مولانا} لا يتولى أمورنا إلا هو يفعل بنا ما يريد من أسباب التهاني والتعازي، لا اعتراض لأحد عليه. {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} فيه تنبيه على أن المؤمن يجب أن لا يعلق الرجاء إلا برب الأرباب فإنهم يتعلقون بالوسائط والأسباب. ثم أمره بجواب ثانٍ فقال {قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين} التربص التمسك بما ينتظر به مجيء حينه ومنه تربص بالطعام إذا تمسك به إلى حين زيادة سعره. والحسنى تأنيث الأحسن وهي صفة الحالة أو الخصلة أو العاقبة يعني النصرة أو الشهادة. وفي الأولى إحراز الغنيمة والظفر بالأعداء، وفي الثانية إبقاء الذكر والفوز بنعيم الآخرة. {ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده} قارعة مثل قارعة عاد وثمود وقيل: عذاب الله يشمل عذاب الدارين {أو بأيدينا} يعني القتل بأن يظهر نفاقكم ويأمر بقتلكم كالكافر الحربي {فتربصوا} أمر للتهديد نحو{أية : ذق أنك أنت العزيز الكريم}تفسير : [الدخان: 49] ثم ذكر أنهم إن أتوا بشيء من صورة البر لم يكن له قدر عند الله ولا ينتفعون به في الآخرة، والغرض أن أسباب الذل والهوان مجتمعة عليهم في الدنيا والأخرى. عن ابن عباس نزلت في الجد بن قيس حين قال النبي صلى الله عليه وسلم ائذن لي في القعود وهذا مالي أعينك به. ولا يبعد أن يكون السبب خاصاً والحكم عاماً. و {أنفقوا} لفظه أمر ومعناه خبر كقوله فيما يجيء{أية : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم}تفسير : [التوبة: 80] ومعناه أنفقوا وانظروا هل يتقبل منكم واستغفر لهم، أو لا تستغفر لهم وانظر هل ترى اختلافاً بين حال الاستغفار وتركه؟ ومثله قول كثير لعزة: شعر : أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة تفسير : كأنه يقول: امتحني لطف محلك عندي وعامليني بالإساءة والإحسان وانظري هل تجدين مني تفاوتاً في الحالين. وإنما يجوز إقامة الخبر والطلب أحدهما مقام الآخر إذا دل الكلام عليه فيعدل عن الأصل لإفادة المبالغة. وانتصب {طوعاً أو كرهاً} على الحال ومعناه طائعين من غير إلزام من الله ورسوله أو ملزمين من جهتهما. وسمي الإلزام كراهاً لأنهم منافقون فكان إلزام الله إياهم الإنفاق شاقاً عليهم كالإكراه. ويحتمل أن يراد طائعين من غير إكراه من رؤسائكم أو ملزمين من جهتهم، وذلك أن رؤساء أهل النفاق كانوا يحملونهم على الإنفاق إذا رأوا فيه مصلحة. ومعنى {لن يتقبل منكم} أن الرسول لا يقبله منكم، أو أنه لا يقع قبولاً عند الله. ثم علل عدم القبول بقوله {إنكم كنتم قوماً فاسقين} قال الجبائي: فيه دليل على أن الفسق يحبط الطاعات. وأجيب بأن الفسق ههنا بمعنى الكفر ولا يلزم منه كون الفسق المطلق كذلك. وإنما قلنا إن الفسق بمعنى الكفر لقوله سبحانه {وما منعهم أن تقبل منهم} الآية علل منع القبول بأمور ثلاثة: أولها: الكفر بالله وبرسوله. وثانيها {ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى} قال المفسرون: معناه أنه إن كان في جماعة صلى وإن كان وحده لم يصل، وفيه أنه يصلي للناس لا لله، وفيه أنه غير معتقد للصلاة ووجوبها فلهذا لزم منه الكفر. وثالثها: {ولا ينفقون إلا وهم كارهون} وذلك أنهم لا ينفقون رغبة في ثواب الله وإنما ينفقون لأجل المصالح الدنيوية، فهم في حكم الكارهين وإن أنفقوا مختارين يعدون الإنفاق مغرماً ومنعه مغنماً خلاف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : أدوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم"تفسير : . قيل: الكفر بالله سبب مستقل في منع القبول فكيف ضم إليه الأمرين الآخرين؟ والجواب أنها أمارات ويجوز توارد الأمارت المتعددة على شيء واحد. بوجه آخر أطلق كفرهم أولاً ثم قيده بعدم اعتقادهم وجوب الصلاة والزكاة، وبعبارة أخرى حكم عليهم بالكفر مطلقاً ثم خص من أنواع كفرهم هذين تفظيعاً لشأن تارك الصلاة والزكاة. قال في الكشاف: وقرأت في بعض الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره للمؤمن أن يقول كسلت كأنه ذهب إلى هذه الآية. وأن الكسل من صفات المنافقين. قال بعض العلماء: وجه الجمع بين قوله{أية : فَمَنْ يعمل مثقال ذرة خيراً يره}تفسير : [الزلزلة: 7] وبين مضمون هذه الآية وهو أن شيئاً من أعمال البر لا يكون مقبولاً عند الله مع الكفر، هو أن يصرف ذلك إلى تأثيره في تخفيف العقاب. ولقائل أن يقول: لو لم يكن مقبولاً بوجه لم يكن له في التخفيف أيضاً أثر. وقيل: في الآية دلالة على أن الصلاة لازمة للكفار وإلا لم يكن الإتيان بها على وجه الكسل مانعاً من تقبل طاعاتهم كما أن قيامهم وقعودهم وسائر تصرفاتهم على وجه الكسل ليس مانعاً من التقبل بالإنفاق. ثم لما قطع رجاء المنافقين عن منافع الآخرة أراد أن يبّين أن ما يظنونه من منافع الدنيا فهو أيضاً في الحقيقة سبب لتعذيبهم وبلائهم وتشديد المحنة عليهم فقال مخاطباً للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد {فلا تعجبك} الآية. ونظيره{أية : ولا تمدّن عينيك}تفسير : [طه: 131] وإنما قال {فلا تعجبك} بالفاء لأن ما قبله مستقبل يصلح للشرط أي إن يكن فيهم ما ذكرنا من الإتيان بالصلاة على وجه الكسل وغير ذلك فهذا جزاؤه، وهذ بخلاف ما سيجيء في الآية الآخرى من هذه السورة. والإعجاب سرور المرء بالشيء مع نوع من الافتخار واعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه، وأنه من البعيد في حكم الله أن يزيل ذلك الشيء عنه ويحصله لغيره كقوله{أية : ما أظن أن تبيد هذه أبداً}تفسير : [الكهف: 35] ولا شك أن هذه خصلة مذمومة من جهة استغراق النفس في ذلك الشيء وانقطاعها عن الله، ومن جهة استبعاد إزالته في قدرة الله، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه" تفسير : والمقصود من الآية زجر الناس عن الانصباب إلى الدنيا والمنع من التهالك في حبها، فإن المسكن الأصلي هو الآخرة لا الأولى. وقوله {إنما يريد الله ليعذبهم} إعرابه كما مر في قوله{أية : يريد الله ليبين لكم}تفسير : [النساء: 26] قال مجاهد والسدي وقتادة: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة كأنهم نظروا إلى أن المال والولد لا يكونان عذاباً بل هما من نعم الله تعالى على عباده، وأورد عليه أنهما لا يكونان عذاباً في الآخرة أيضاً. فإن تكلفوا وقالوا: أراد بذلك أنهما سبب العذاب فقد استغنوا عن التقديم والتأخير لأنهما قد يكونان سبباً للعذاب في الدنيا أيضاً. وبوجه أخر، المال والولد وكذا الإعجاب بهما يكونان. في الدنيا لا محالة، فأي فائدة في ذكرها؟ واعلم أن الأموال والأولاد قد يكونان سبباً للتعذيب في الدنيا والآخرة، وذلك أن كل ما كان حبه للشيء أشد كان خوفه عن فواته أكثر وحزنه على فواته أعظم. فصاحب المال أبداً إما في خوف فوات المال وإما في حزن فواته وإما في تعب حفظه وتثميره. ثم إن الدنيا حلوة خضرة فإذا كثر ماله انصب بكليته إليه ويفضي إلى طغيانه وقساوة قلبه إلى أن ينسى حب الله وذكر الآخرة. ثم إنه إن بقي عليه ذلك إلى آخر عمره فعند الموت يعظم أسفه على مفارقته وكان كمن ينتقل من بستان ونعيم إلى سجن وجحيم وعند الحشر يكون حلاله حساباً وحرامه عذاباً فثبت أن حصول المال سبب لعذاب الدارين. إلا من يتصرف فيه بالحق ومثله يكون نادراً، وكذا الكلام في الولد. وهذا المعنى وإن كان عاماً للكل إلا أن المنافقين لهم وجوه اختصاص بالتعذيب. وذلك أن الرجل إذا كان مؤمناً بالله واليوم الآخر علم أنه إنما خلق للآخرة لا للدنيا فيفتر حبه للأمور الدنيوية بخلاف المنافق الذي اعتقد أن لا سعادة إلا هذه الخيرات العاجلة. وأيضاً إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكلفهم إنفاق الأموال وبعث الأولاد إلى الغزو والجهاد، وكانوا لا يعتقدون في ذلك فائدة أخروية، وكانوا في أشق تكليف، وكانوا مبغضين للنبي صلى الله عليه وسلم مع أنهم كانوا مضطرين إلى بذل المال وبعث الأولاد إلى خدمته، وكانا خائفين من افتضاحهم وإظهار نفاقهم وتعريض أولادهم وأموالهم للنهب والسبي، وكثير منهم كان لهم أولاد أتقياء مخلصون كحنظلة بن أبي عامر غسلته الملائكة، وكعبد الله بن عبد الله بن أبيّ شهد بدراً وكان عند الله بمكان، وهم خلق كثير كانوا يزيفون طريق آبائهم في النفاق ويقدحون فيهم، والابن إذا صار هكذا تأذى الأب بسببه ولأجل هذه المعاني ذكر بعض العلماء أن التقدير: يريد الله أن يزيد في أموالهم ليعذبهم. أما قوله {وتزهق أنفسهم} أي تخرج {وهم كافرون} فقد قالت الأشاعرة: فيه دليل على أنه تعالى أراد منهم الكفر. وأورد الجبائي عليه أن المريض إذا قال للطبيب أريد أن تدخل علي في حالة مرضي لم يلزم منه كونه مريداً لمرض نفسه، والجواب أن أمثال هذه موكولة إلى قرائن الحال ففي قول المريض لا ريب أن المطلوب هو دخول الطبيب، وكون الدخول واقعاً في تلك الحالة من ضرورات كونه مريضاً وهو طبيبه. وفي الآية ليس المراد زهوق الروح فقط لأن المسلم والمنافق في ذلك سيان، فالمراد وقوع الزهوق في حالة الكفر فيكون الكفر منهم مراداً بالضرورة. وقال في الكشاف: المراد الاستدراج بالنعم كقوله{أية : إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً}تفسير : [آل عمران: 178] كأنه قيل: ويريد أن يديم عليهم نعمه إلى أن يموتوا وهم كافرون مشغولون بالتمتع عن النظر للعاقبة. ومن قبائح أفعال المنافقين ما حكى الله سبحانه عنهم في قوله {ويحلفون بالله أنهم لمنكم} أي على دينكم. ثم قال {وما هم منكم} أي ليسوا على دينكم. {ولكنهم قوم يفرقون} يخافون القتل فيظهرون الإيمان تقية. ثم أكد نفاقهم بقوله {لو يجدون ملجأً} مفراً فيتحصنون فيه آمنين على أنفسهم منكم لفروا إليه ولفارقوكم. فلا تظنوا أن موافقتهم إياكم في الدار والمسكن من صميم القلب. والمغارات جمع مغارة وهو الموضع الذي يغور الإنسان فيه أي يستتر. والمدخل بالتشديد مفتعل من الدخول أدغمت التاء في الدال لقرب مخرجيهما. والتداخل "تفعل" من الإدخال ومعناه المسلك الذي يتحفظ بالدخول فيه. قال الكلبي وابن زيد: نفق كنفق اليربوع. والمراد أنهم لو وجدوا مكاناً على أحد هذه الوجوه مع أنها شر الأمكنة {لولوا إليه} يقال: ولي إليه بنفسه إذا انصرف وولي غيره إذا صرفه {وهم يجمحون} أي يسرعون إسراعاً لا يرد وجوهم شيء. ومنه الفرس الجموح لا يرده اللجام. والحاصل أنهم من شدة تأذيهم وتنفرهم من الرسول والمسلمين صاروا بهذه الحالة. قال بعض العلماء: إنه تعالى ذكر ثلاثة أشياء والأقرب حملها على المعاني المتغايرة، فالملجأ الحصون، والمغارات الكهوف في الجبال، والمدخل السرب تحت الأرض كالآبار والله تعالى أعلم. ومن جملة قبائحهم قوله {ومنهم من يلمزك} الآية. قال الزجاج: لمزت الرجل ألمزه وألمزه بكسر الميم وضمها إذا عبته. وفرق الليث فقال: اللمز العيب في الحضور، والهمز العيب في الغيبة، واعلم أن العيب في الصدقات يحتمل وجوهاً: الأول: في أخذها بأن يقال انتزاع كسب الإنسان من يده غير معقول لأن الله هو المتكفل بمصالح عبيده إن شاء أفقرهم وإن شاء أغناهم. الثاني: أن يقال: هي أنك تأخذ الزكوات إلا أن ما تأخذه كثير فوجب أن تقنع بأقل من ذلك. الثالث: هب أنك تأخذ هذا الكثير إلا أنك تصرفه إلى غير مصرفه فيكون العيب قد وقع في قسمة الصدقات وفي تفريقها وهذا هو الذي دلت الأخبار على أنهم أرادوه. عن أبي سعيد الخدري حديث : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنائم حنين قال له ابن ذي الخويصرة رأس الخوارج: أعدل يا رسول الله. فقال: ويلك ومن يعدل إذ لم أعدل تفسير : فنزلت. وعن الكلبي هو أبو الجواظ قال: ألا ترون إلى صاحبكم إنما يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم وهو يزعم أنه يعدل. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : لا أبا لك أما كان موسى راعياً. أما كان داود راعياً فلما ذهب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقونتفسير : . وقيل: هم المؤلفة قلوبهم. ثم بيّن أن عيبهم ذلك وسخطهم لأجل نصيب نفسهم لا للدين فقال {فإن أعطوا منها رضوا} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفير الغنائم عليهم فضجر المنافقون. ومعنى {إذا هم يسخطون} فهم يسخطون. وفائدته أن يعلم أن الشرط مفاجىء للجزاء ومتهجم عليه. ثم أرشدهم إلى ما صلاحهم في نفس الأمر فقال {ولو أنهم رضوا} الآية ورتبه على أربع مراتب: الأولى: الرضا بما آتاهم الله ورسوله لعلمهم بأنه تعالى حكيم يعلم عواقب الأمور، فكل ما كان حكماً له وقضاء منه كان حقاً وصواباً ولا اعتراض عليه. الثانية: أن يظهر أثر ذلك الرضا على لسانهم وهو قولهم {حسبنا الله} كفانا فضله وصنعه، لغيرنا المال ولنا الرضا والتسليم وذكر الحبيب. الثالثة: أن نزل من هذه المرتبة العالية كان واثقاً بأن الله لا يهمله وسيعوضه من فضله في غنيمة أخرى. الرابعة الرغبة إلى الله بأنه المقصد الحقيقي والمقصود الأصلي من الإيمان والطاعة والمال والمنال. يروى أن عيسى عليه الصلاة والسلام مر بقوم يذكرون الله فقال: ما الذي يحملكم عليه؟ قالوا: الخوف من عقاب الله. فقال: أصبتم. ومر على قوم آخرين يذكرون الله فقال: ما الذي حملكم عليه؟ فقال: الرغبة في الثواب. فقال: أصبتم. ومر على قوم ثالث مشتغلين بالذكر فسأهلم فقالوا: لا نذكره للخوف من العقاب ولا للرغبة في الثواب بل لإظهار ذلة العبودية وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته وتشريف اللسان بذكره. فقال: أنتم المحقون. التأويل: {أن تصبك} يا روح {حسنة} من عواطف الحق تحزن النفس وصفاتها فبها تظفر الروح عليها {وإن تصبك مصيبة} من الموانع والقواطع أخذنا نصيبنا من المراتع الحيوانية لما خالفناه في السير في العالم الروحاني. {قل} يا روح {لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} لا علينا فإن الفترات والوقفات للتربية لا للرد. وانظر وقل {هل تربصون بنا} أيتها النفس وصفاتها {إلا إحدى الحسنيين} الإحسان والعواطف الربانية والوقفة والفترة الموجبة لحسن التربية {بعذاب من عنده} هو الابتلاء بالمصائب من الخوف والجوع وغيرهما {أو بأيدينا} بالمنع من المخالفات وبكثرة الرياضيات والمجاهدات {طوعاً} أو رياء {وكرهاً} أي نفاقاً {لن يتقبل منكم} لأن أعمال اللسان وغيره من الجوارح من غير عمل القلب ليست بمقبولة وإن كان عمل القلب بدون الجوارح مقبولاً لقوله صلى الله عليه وسلم"حديث : نية المؤمن أبلغ من عمله"تفسير : وباقي الآيات إشارات إلى أن من أمارات النفاق عدم الرضا بقسمة الخلاق وحال المخلص بالعكس.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ...} الآية: الحسنَةُ هنا بحسب الغَزْوَة: هي الغنيمةُ والظفرُ، والمصيبةُ: الهزيمة والخيبةُ، واللفظ عامٌّ بعد ذلك في كلِّ محبوب ومكروه، ومعنى قوله: {قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ}، أَيْ: قد أخذنا بالحَزْمِ في تخلُّفنا وَنَظَرْنَا لأنفسنا، ثم أمر تعالَى نبيَّه، فقال: قل لهم يا محمَّد: {لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا}، وهو إِما ظفراً وسروراً عاجلاً، وإما أن نستشهد فَنَدْخُلَ الجنة، وباقي الآية بيِّن. وقوله سبحانه: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ}، أي: قل للمنافقين، و{ٱلْحُسْنَيَيْنِ}: الظَّفَرُ، والشَّهادة. وقوله: {أَوْ بِأَيْدِينَا}، يريد: القَتْلَ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبدالله قال‏:‏ جعل المنافقون الذين تخلفوا بالمدينة يخبرون عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار السوء يقولون‏:‏ إن محمداً وأصحابه قد جهدوا في سفرهم وهلكوا، فبلغهم تكذيب حديثهم وعافية النبي وأصحابه، فساءهم ذلك، فأنزل الله تعالى ‏{‏إن تصبك حسنة تسؤهم‏} ‏ الآية‏. وأخرج سنيد وابن جرير عن ابن عباس ‏ {‏إن تصبك حسنة تسؤهم‏} ‏ يقول‏:‏ إن تصبك في سفرك هذا لغزوة تبوك {‏حسنة تسؤهم‏}‏ قال‏:‏ الجد وأصحابه‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ‏ {‏إن تصبك حسنة تسؤهم‏}‏ قال‏:‏ العافية والرخاء والغنيمة ‏ {‏وإن تصبك مصيبة‏} ‏ قال‏:‏ البلاء والشدة ‏ {‏يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل‏} ‏ قد حذرنا‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏{‏إن تصبك حسنة تسؤهم‏} ‏ قال‏:‏ ان أظفرك الله وردك سالماً ساءهم ذلك ‏ {‏وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا‏}‏ في القعود من قبل أن تصيبهم‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إن تصبك حسنة تسؤهم‏} ‏ قال‏:‏ إن كان فتح للمسلمين كبر ذلك عليهم وساءهم‏.

القشيري

تفسير : هكذا صفة الحسود، يتصاعد أنينُ قلبه عند شهود الحسنى، ولا يَسُرُّ قلبَه غيرُ حلولِ البلوى، ولا دواءَ لجروح الحسود؛ فإنه لا يرضى بغير زوال النعمة ولذا قالوا: شعر : كلُّ العداوةِ قد تُرْجَى إماتَتُها إلا عداوةَ مَنْ عاداك من حَسَدِ تفسير : وإنَ اللهَ تعالى عَجَّلَ عقوبةَ الحاسد، وذلك: حزنُ قلبِه بسلامة محسوده؛ فالنعمة للمحسود نقد والوحشة للحاسد نقد.

اسماعيل حقي

تفسير : {إن تصبك} فة بعض غزواتك {حسنة} ظفر وغنيمة كيوم بدر {تسؤهم} تلك الحسنة اى تورثهم يعنى المنافقين مساءة وحزنا لفرط حسدهم وعداوتهم لك {وان تصبك} فى بعضها {مصيبة} جراحة وشدة كيوم احد او قتل وهزيمة على ان يكون المراد بالخطاب المؤمنين كما يدل عليه ما بعد الآية من ايراد ضمائر المتكلم مع الغير والا فمن قال ان النبى عليه السلام هزم فى بعض غزواته يستتاب فان تاب فيها ونعمت والا قتل لانه نقص ولا يجوز ذلك عليه خاصة اذ هو على بصيرة من امره ويقين من عصمته كما فى هدية المهديين نقلا عن القاضى عبد الله بن المرابط {يقولوا قد اخذنا امرنا} [احتياط كارخودرا] {من قبل} اى من قبل اصابة المصيبة: يعنى [دور انديشى كرديم وبدين حرب نرفتيم] }ويتولوا} اى يدبروا عن مجلس الاجتماع والتحدث الى اهاليهم {وهم فرحون} بما صنعوا من الاعتزال عن المسلمين والقعود عن الحرب والجملة حال من الضمير فى يقولوا او يتولوا لا من الا خير فقط لمقارنة الفرح لهما معا

الطوسي

تفسير : هذا خطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله بأن هؤلاء المنافقين الذين ذكرهم متى نال النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين حسنة أي نعمة من الله تعالى وظفر باعدائهم وغنيمة ينالونها ساءهم ذلك وأحزنهم، وإن تصبهم مصيبة أي آفة في النفس او الأهل او المال - وأصلها الصوب - وهو الجري إلى الشيء، يقال: صاب يصوب صوباً، ومنه صوّب الاناء إذا ميله للجري، والصواب اصابة الحق {يقولوا} يعني هؤلاء المنافقين {قد أخذنا أمرنا من قبل} ومعناه قد حذرنا واحترزنا، في قول مجاهد وغيره، ومعناه، اخذنا امرنا من مواضع الهلكة فسلمنا مما وقعوا فيه {ويتولوا} اي يعرضوا {وهم فرحون} يعني فرحين بتأخرهم وسلامتهم مما نال المؤمنين من المصيبة. والاصابة وقوع الشيء بما قصد به.

الجنابذي

تفسير : {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ} غنيمة وغلبة فى تلك الغزوة {تَسُؤْهُمْ} استينافٌ فى موضع التّعليل يعنى انّهم احاط بهم الحسد الّذى هو من آثار السّجّين واشتعال نار الجحيم واحاطته دليل احاطة جهنّم بهم {وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ} قتل او جرح او انهزام {يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ} اى الامر الّذى هو لائقٌ بنا وبجودة رأينا من التّخلّف عمّا فيه الهلاك والاغترار بما لا حقيقة له من نصرة الله وملائكته {وَيَتَوَلَّواْ} عنك وعن المؤمنين {وَّهُمْ فَرِحُونَ} بما أصابك لاقتضاء الحسد ذلك.

الهواري

تفسير : ثم قال: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ} يعني النصر فتظهر بها على المشركين { تَسُؤْهُمْ} أي تلك الحسنة { وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ} أي نكبة من المشركين { يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ} أي [أخذنا الوثيقة] في مخالفة محمد والتخلف عنه. { وَيَتَوَلَّوا} إلى منازلهم { وَّهُمْ فَرِحُونَ} أي بالذي دخل على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من النكبة. وقال مجاهد: {قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا} أي: أخذنا حذرنا من قبل. قال الله للنبي عليه السلام: { قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا} أي إلا ما قضى الله لنا {هُوَ مَوْلَٰنَا} أي هو ولينا {وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ}. قوله: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا} أي هل تنتظرون بنا، يعني المنافقين { إِلاَّ إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ} قال الحسن: أن نظهر على المشركين فنقتلهم ونغنمهم، أو نقتل فندخل الجنة { وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ} فيهلككم به {أَوْ بِأَيْدِينَا} أي تظهروا نفاقكم فنقتلكم عليه؛ فإنا إنما كففنا عن قتلكم بكفكم عن إظهار نفاقكم. وهو كقوله:{لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ} وكل هؤلاء المنافقون، وهو كلام مثنى{لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} يا محمد {أية : ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً. سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ) تفسير : [الأحزاب:60-62] أي: كذلك سنّة الله في منافقي كل أمة خلت من قبلك، القتل إن لم ينتهوا عن نفاقهم. وكذلك سنّته في منافقي أمتك، إن هم لم ينتهوا عن إظهار نفاقهم. فكفوا عن إظهار نفاقهم. فبالكف عن إظهار نفاقهم كفَّ النبي عن قتالهم. قال: {فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ}. وقال مجاهد: {هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ} أي القتل في سبيل الله أو الظهور على أعداء الله.

اطفيش

تفسير : {إنْ تُصْبكَ حَسنةٌ} ما يستحسن طبعا كظفر وغنيمة {تَسُؤهُم} يحزنهم تلك الحسنة لشدة حسدهم {وإنْ تُصْبكَ مُصيبةٌ} كشدة وهزيمة كما جرى يوم بدر. {يقُولُوا قَدْ أخذْنَا أمْرَنا} حذرنا بالتخلف عنهم {مِنْ قَبلُ} أى قبل هذه المصيبة {ويتَولَّوْا} إلى منازلهم عنه صلى الله عليه وسلم، أو عن متحدثهم {وهُم فَرِحُونَ} بسلامتهم وبإصابتك.

اطفيش

تفسير : {إِنْ تُصِبْكَ} يا محمد فى الغزو أَو غيره {حَسَنَةٌ} ما يستحسن بالطبع كالظفر والغنيمة ودخول الناس فى الإِسلام والهدايا. وكون الكلام فى الغزو لا يمنع التعيم فى الحسنة والسيئة {تَسُؤْهُمْ} بالحزن لشدة بغضهم وحسدهم {وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ} فعلة مصيبة هذا هو الأَصل ثم استعملت لفظة مصيبة اسما غير وصف وفى الشر دون الخير، وذلك كالقتل والشدة يوم أُحد وكل ما يكره، ولو مرضاً أو شتما وذلك فى نفس الأَمر، وأَما الآية فالمصيبة فى الغزو لقوله تعالى {يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَولَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ} جملة هم فرحون حال من واو يتولوا وكفى، لا منها ومن واو يقولوا إِذ لا يعمل فى الحال عاملان وكذا غيرها، وقابل الحسنة بالمصيبة ولم يقابلها بالسيئة كما فى آل عمران، وإِن تصبكم سيئة يفرحوا بها لأَن {ما} هنا للنبى صلى الله عليه وسلم وما أَصابه من سوءٍ هو مصيبة يثاب عليها و {ما} فى آل عمران للمؤمنين، وهم قد تصيبهم سيئة لذنبهم، ومعنى أَخذهم أَسرهم من قبل هو حذرهم كالتخلف يوم أَحد قبل المصيبة، وإذا سمعوا أَن سلطانه أوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبوا إِليه أَو أَرسلوا إِليه: نحن معك تحرزا وأَخذاً الحذر، وتوليهم ذهابهم عن موضع اجتماعهم وتحدثهم، ويضعف أَن يفسر بالتولى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأَنه لم يجر ذكر لاجتماعهم معه حين أُصيب، وحذف من الأَول ياليتنا كنا معه فنفوز فوزاً عظيماً، لأَن المقام بيان لقسوتهم، وحذف من الثانى ذكر شماتتهم بما أَصابهم من ضر ومشقة، وذلك احتباك، ولما جعل المنافقون المتخلفون يخبرون أَخبار السوء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأَصحابه بأَنهم لقوا مشقة السفر وهلكوا، كذبهم الله تعالى بقوله: {قُلْ} يا محمد لهم ردًّا لفرحهم بمصيبتك {لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا} فى اللوح المحفوظ أَن يصيبنا، أَو ما كتب قضى أَو ما خص لنا من خير الدنيا والآخرة مثل النصر والشهادة ومن سوءِ الدنيا ونثاب عليه، والياءُ عن واو مكسورة نقل كسرها الصاد فقلبت ياءً من الصواب، بمعنى وقوع الشىءِ فيما قصد به، أَو من الصوب وهو النزول. قال كعب الأَحبار سبع آيات فى كتاب الله تعالى إِذا قرأتهن لا أُبالى ولو انطبقت السماوات على الأَرض لنجوت {قل لن يصيبنا... إِلى المؤمنون} و "أية : وإِن يمسسك الله بضر...} تفسير : [يونس: 107] إلى {أية : الرحيم"تفسير : [يونس: 107] و "أية : وما من دابة فى الأَرض...} تفسير : [هود: 6] إلى {أية : مبين"تفسير : [هود: 6] و "أية : إِنى توكلت على الله...} تفسير : [هود: 56] إِلى {أية : مستقيم" تفسير : [هود: 56] و "أية : وكأَين من دابة...} تفسير : [العنكبوت: 60] إِلى قوله {أية : السميع العليم" تفسير : [العنكبوت: 60] و "أية : ما يفتح الله للناس...} تفسير : [فاطر: 2] إلى قوله {أية : الحكيم"تفسير : [فاطر: 2] و "أية : لئن سأَلتهم من خلق السماوات والأَرض...} تفسير : [الزمر: 38] إِلى {أية : المتوكلون"تفسير : [الزمر: 38] {هُوَ مَوْلاَنَا} متولى أَمرنا بالنصر ومصالحنا كلها، وأَن الكافرين لا مولى لهم. {وَعَلَى اللهِ} لا على غيره {فَلْيَتَوَكَّلِ} الفاء للتأْكيد والربط فلا تمنع تعلق ما قبلها فيما بعدها وعبارة بعض أَنها للاستجابة ولا يظهر ذلك وإذا كانت للتأْكيد والربط لم يجتمع عاطفان (الواو والفاء) ويجوز تعليقه بمحذوف عطف عليه بالفاء، أَى وعلى الله توكلنا فليتوكل عليه سائر المؤمنين، وقيل الفاءُ فى جواب شرط وإِنما قدم معمول ما بعد الفاءِ عليها ليبقى شىءٌ قبلها أَى وَإِذا كان الأَمر كذلك، فليتوكل المؤمنون على الله عز وجل {المُؤْمِنُونَ} إِذ لا يليق بإِيمانهم أَن يتوكلوا على غيره، ثم إِن كان قوله {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} من مقول القول فإِظهار اسم الجلالة للتلذذ والتعزز وإِلا فالمقام للإِظهار. ثم بعد ما رد فرحهم بما يسوءه صلى الله عليه وسلم بقوله {قل لن يصيبنا} إِلخ، رده أَيضاً بقوله: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ} تتربصون أَى تنتظرون، وأَيضاً فى هذا بيان لقوله تعالى: {قل لن يصيبنا إِلا ما كتب الله لنا} والتربص يقع فى الخير كما يقع فى الشر، والأَصل تتربصون حذفت إِحدى التاءَين {بِنَا} يقال انتظر به ولا يلزم أَن يقدر هل تربصون أَن يقع بنا، بل لو قدر لكان مفعولا به ليتربص، ولكان التفريغ فى الإِثبات لأَن النفى بهل حينئذ تسلط على قوله: أَن يقع بنا {إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} الخصلتين أَو الفعلتين أَو العاقبتين الحسنيين، وقد تغلبت الاسمية على العاقبة وهما النصر والشهادة، قال أَبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : تكفل الله تعالى لمن جاهد فى سبيله لا يخرجه من بيته إِلا الجهاد فى سبيله وتصديق كلمته، أَن يدخله الجنة أو يرجعه إِلى مسكنه الذى خرج منه مع ما نال من أَجر وغنيمة"تفسير : ، أى أو مع ما نال من أَجر، ولا يلزم أَن يقال النصرة بالتاء لأَنه يقال النصر فعلة حسنة، ولا يقال الكرم خصلة حسنة، وكذا فعلة وتربص الكافرين يتحقق فى الشهادة من حيث إِنها قتل لا من حيث إِنها شهادة. وأَما فى النصر للمؤمنين فلا تربص لهم فيه إِلا باعتبار المال، كلام الصيرورة، وذلك بالنظر إِلى ما فى نفس الأَمر لأَنهم لا يحبون النصرة للمؤمنين، ولا ينتظرون، فأَطلق التربص فيهما تغليباً أو استعمالا للكلمة فى المجاز والحقيقة، والحسنى تأْنيث الأَحسن وهما للتفضيل، فكلاهما أَحسن معا من غيرهما وليس المراد أَن إِحداهما أَحسن من الأُخرى، اللهم إِلا أَن يقال كل أَحسن من الأُخرى من وجه، فاعتبار أَن النصر قتل لأَعداءِ الله عز وجل وإِذلال لهم، وإِقامة للدين فى الحين وما بعد الحين يكون أَفضل، وباعتبار أَن الشهادة إِفضاءٌ إِلى الحبيب سبحانه تكون أَفضل، وعنه صلى الله عليه وسلم: حديث : يضمن الله عز وجل لمن خرج فى سبيله لا يخرج إِلا إِيماناً بالله وتصديقاً لرسوله أَن يدخله الجنة أَو يرجعه إِلى منزله الذى خرج منه نائلا ما نال من أَجر أَو غنيمةتفسير : ، فإِحدى الحسنيين: المغفرة أَو الجنة، والأُخرى الأَجر أَو الغنيمة، على منع الخلو لا على منع الجمع، ولا مانع من اَن يكون قوله تعالى: {قل هل تربصون بنا} إِلخ تهكما بهم بأَن ما تنال هو ما تحبون لنا وهو إِحدى الحسنيين، جعلهم كأَنهم يحبون الخير للمسلمين. {وَنَحْنُ} معشر المؤمنين {نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ} داهية كصاعقة ثمود وريح عاد وخسف قارون وغيره، وقوله نحن للحصر فيما زعم أَهل المعانى أَو للتأْكيد، إِذ لم يقل ونتربص، ولذلك غيره عن أَسلوب قوله "تربصون" {أَوْ بِأَيْدِينَا} بَأن يأْذن لنا فى قتالكم لأَنه صلى الله عليه وسلم لا يقاتل المنافقين لأَنهم لم يظهروا الشرك والعناد ولو فعلوا لقاتلهم. وإِنما يقاتلهم بالحجة لا بالسيف، قال عز وجل: جاهد الكفار، أَى بالسيف، والمنافقين أَى بالحجة، ولم يقل أَن يصيبكم بإِحدى السوءَيين كما قال إِحدى الحسنيين لأَن المقام لبيان ما يصيبهم وإِرهابهم به والعطف على بعذاب أَو على من عنده، وهو نعت عذاب أَى ثابت من عنده، أَو بأَيدينا أَى أَو ثابت بأَيدينا {فَتَرَبَّصُوا} بنا ما تربصون، أَو ما هو عاقبتنا. أَو مواعد الله تعالى لنا، بمعنى أَنها العاقبة، ولو لم تكن فى حسبان الكفار، والعطف عطف إِنشاء على إِخبار أَو الفاءُ فى جواب شرط، أَى إِذا كان الأَمر كذلك فتربصوا والأَمر للتهديد. {إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ} ما يقع بكم أَو ما عاقتكم أَو مواعد الشيطان من المهالك، أَو تربصوا مواعد الشيطان، إِنا معكم متربصون مواعد الله عز وجل، وحذف متعلق التربصين للعلم به مما مر ويحتمل العموم، وعلى كل حال إِذا وقع ما يتربص فزنا وخبتم وشاهدنا ما يسرنا أَو شاهدتم ما يسوءكم إِن عذبتم بعذاب من عند الله أَو بأَيدينا، ونزل فى الجد ابن قيس، إِذ قال: لا أَخرج معك لأَنى لا أَصبر عن النساءِ، ولكن أُعِينُكَ بمالى، وفى غيره ممن على رأيه أَو فى المنافقين مطلقا قوله تعالى: {قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ} قل يا محمد لهم أَنفقوا أَموالكم طائعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى أَمره لكم بالإِنفاق أَو لله تعالى فى أَمره به أَو كارهين أَو ذوى طوع أَو كره أَو إِنفاق طوع أَو كره. لن يتقبل الله إِنفاقكم فى طاعة الله على رغمكم أَو برضاكم، لا يثيبكم عليه أَو لن يأْخذه عنكم رسوله، كما يقويه قصة ثعلبة لأَنكم كنتم خارجين عن الطاعة بالعناد، ونائب يتقبل عائد إِلى الإِنفاق المعلوم من قوله أَنفقوا أَو إِلى المال المعلوم منه، ومعنى الطوع عدم الإِلزام والقهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا الرغبة فى الطاعة لقوله تعالى{ولا ينفقون إِلا وهم كارهون}، أَى كارهون بقلوبهم ولا بأَس بإِبقاء الطوع على رضا النفس أَو طاعة الله، لأَن الأَمر تهديد لا يقبل عنهم ولا على تقدير قصد وجه الله، وفى قوله عز وجل {لن يتقبل منكم} استعارة تمثيلية شبهت حالهم فى النفقة وعدم قبلوها بوجه من الوجوه بحال من يؤمر ليجربه فيظهر له عدم جدواه، وإِنما لا يقبل أَن أَنفقوا لأَنهم لم يقصدوا به وجه الله عز وجل، وإِنما علل عدم القبول بالفسق مع أَنه علله بقوله: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} لأَنَّ هذا أَعم من الأَول، وأَراد بقوله فاسقين ما ذكره هنا فهذا تفسير له، وحاصل الكلام الإِخبار أَى سواءٌ إِنفاقكم طوعا وإِنفاقكم كرها فىعدم قبوله فإِنهم إِذا أَنفقوا طوعاً إِنما ينفقون رياءً أَو لغرض من الدنيا، شبه النسبة الخبرية بالنسبة الإِنشائية فى اللزوم ثم استعير للنسبة الخبرية لفظ الأَمر، وقلنا الأَمر فى معنى الخبر كقوله لن يتقبل، وفائدة التعبير عن الخبر بالأَمر التأْكيد والمبالغة فى تساوى الأَمرين وكأَنه قيل أَنفقوا على أَى حال أَردتم، ثم انظروا هل يتقبل منكم. شبه الهيئة المنتزعة من إِنفاقهم طوعا أَو كرها وعدم قبوله لانتفاءِ شرطه بحال من أُمروا بالإِنفاق لا لطلب الفعل منهم، بل ليمتحنوا فينفقوا أَيتقبل منهم أَو لا، والجامع عدم الفائدة مع الاشتغال بأَفضل القربى، وفاعل منع أَنهم كفروا أَى وما منعهم من أَن يتقبل نفقاتهم إِلا كفرهم بالله إِلخ، أَو فاعله ضمير يعود إِلى الله، أَى وما منعهم الله فيقدر إِلا لأَنهم، ويجوز أن لا يقدر من على تعدية منع لمفعولين ثانيهما غير صريح أَو على بدل الاشتمال من الهاءِ، والكسل التثاقل وإِنما ينفقون كرها لا طوعاً لأَنهم مشركون بالباطن، لا يرجون ثواباً ولا عقاباً لكفرهم بالبعث والمراد كارهون للإِنفاق لأَنهم يعدونه خسارة وأَنه لا ثواب عليه لأَنهم منكرون للبعث، أَو شاكون فيه وإِنما علل منع القبول بالعناد والكفر بالله ورسوله، والكسل عن الصلاة وكراهة الإِنفاق مع أَنه إِذا منع بواحد من ذلك لم يبق ما يمنع بالآخر لأَنا والأَشعرية نقول هذه أَسباب غير موجبة لثواب ولعقاب، فلا يضر اجتماعها ولا واجب على الله، لا كما قال المعتزلة بأَن العلل مؤثرة وأَنه يجب على الله الأَصلح، وأَن الكفر لكونه كفراً يؤثر فى الحكم.

الالوسي

تفسير : {إِن تُصِبْكَ} في بعض مغازيك {حَسَنَةٌ} من الظفر والغنيمة {تَسُؤْهُمْ} تلك الحسنة أي تورثهم مساءة وحزناً لفرط حسدهم - لعنهم الله تعالى - وعداوتهم {وَإِن تُصِبْكَ} في بعضها {مُصِيبَةٌ} كانكسار جيش وشدة {يَقُولُواْ} متبجحين بما صنعوا حامدين لآرائهم {قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا} أي تلافينا ما يهمنا من الأمير يعنون به التخلف والقعود عن الحرب والمداراة مع الكفرة وغير ذلك من أمور الكفر والنفاق قولاً وفعلاً {مِن قَبْلُ} أي من قبل إصابة المصيبة حيث ينفع التدارك، يشيرون بذلك إلى أن نحو ما صنعوه إنما يروج عند الكفرة بوقوعه حال قوة الإسلام لا بعد إصابة المصيبة {وَيَتَوَلَّواْ} أي وينصرفوا عن متحدثهم ومحل اجتماعهم إلى أهليهم وخاصتهم أو يتفرقوا وينصرفوا عنك يا رسول الله {وَّهُمْ فَرِحُونَ} بما صنعوا وبما أصابك من السيئة. والجملة في موضع الحال من الضمير في {يَقُولُواْ} و {وَيَتَوَلَّواْ} فإن الفرح مقارن للأمرين معاً، وإيثار الجملة الإسمية للدلالة على دوام السرور، وإنما لم يؤت بالشرطية الثانية على طرز الأولى بأن يقال: وإن تصبك مصيبة تسرهم بل أقيم ما يدل على ذلك مقامه مبالغة في فرط سرورهم مع الإيذان بأنهم في معزل عن إدراك سوء صنيعهم لاقتضاء المقام ذلك، وقيل: إن إسناد المساءة إلى الحسنة والمسرة إلى أنفسهم للإيذان باختلاف حالهم حالتي عروض المساءة والمسرة بأنهم في الأولى مضطرون وفي الثانية مختارون، وقوبل هنا الحسنة بالمصيبة ولم تقابل بالسيئة كما قال سبحانه في سورة آل عمران: [120] {أية : وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا } تفسير : لأن الخطاب هنا للنبـي صلى الله عليه وسلم وهو هناك للمؤمنين وفرق بين المخاطبين فإن الشدة لا تزيده صلى الله عليه وسلم إلا ثواباً فإنه المعصوم في جميع أحواله عليه الصلاة والسلام، وتقييد الإصابة في بعض الغزوات لدلالة السياق عليه، وليس المراد به بعضاً معيناً هو هذه الغزوة التي استأذنوا في التخلف عنها وهو ظاهر. نعم سبب النزول يوهم ذلك، فقد أخرج ابن أبـي حاتم عن جابر بن عبد الله قال: جعل المنافقون الذين تخلفوا في المدينة يخبرون عن النبـي صلى الله عليه وسلم / أخبار السوء يقولون: إن محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد جهدوا في سفرهم وهلكوا فبلغهم تكذيب حديثهم وعافية النبـي عليه الصلاة والسلام وأصحابه فأنزل الله تعالى الآية فتأمل.

ابن عاشور

تفسير : تتنزل هذه الجملة منزلة البيان لجملة {أية : إنما يستئذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون}تفسير : [التوبة: 45]، وما بين الجملتين استدلال على كذبهم في ما اعتذروا به وأظهروا الاستيذان لأجله، وبُيِّن هنا أن تردّدهم هو أنّهم يخشون ظهور أمر المسلمين، فلذلك لا يصارحونهم بالإعراض ويودّون خيبة المؤمنين، فلذلك لا يحبّون الخروج معهم. والحسنة: الحَادثة التي تحسُن لمن حلَّت به واعترتْه. والمراد بها هنا النصر والغنيمة. والمصيبة مشتقّة من أصاب بمعنى حَلَّ ونال وصادف، وخصت المصيبة في اللغة بالحادثة التي تعتري الإنسان فتسُوءه وتُحزنه. ولذلك عبّر عنها بالسيئة في قوله تعالى، في سورة آل عمران (120): {أية : إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها}تفسير : . والمراد بها الهزيمة في الموضعين، وقد تقدّم ذلك في قوله تعالى: {أية : ثم بَدّلْنا مكان السّيئة الحسنة} تفسير : في سورة الأعراف (95). وقولهم: {قد أخذنا أمرنا من قبلُ} ابتهاج منهم بمصادفة أعمالهم ما فيه سلامتهم فيزعمون أنّ يقظَتهم وحزمهم قد صادفا المحَز، إذ احتاطوا له قبل الوقوع في الضرّ. والأخذُ حقيقته التناول، وهو هنا مستعار للاستعداد والتلافي. والأمر الحال المهمّ صاحبه، أي: قد استعددنا لما يهمّنا فلم نقع في المصِيبة. والتولّي حقيقته الرجوع، وتقدم في قوله تعالى: {أية : وإذا تولى سعى في الأرض} تفسير : في سورة البقرة (205). وهو هنا تمثيل لحالهم في تخلّصهم من المصيبة، التي قد كانت تحل بهم لو خرجوا مع المسلمين، بحال من أشرفوا على خطر ثم سلموا منه ورجعوا فارحين مسرورين بسلامتهم وبإصابة أعدائهم.

د. أسعد حومد

تفسير : (50) - وَهَؤُلاَءِ تَسُوؤُهُمْ أَيَّةُ حَسَنَةٍ أَوْ نَصْرٍ أَوْ فَتْحٍ يُصِيبُهُ الرَّسُولُ وَالمُسْلِمُونَ، وَإِذَا أَصَابَتِ الرَُّسولَ وَالمُؤْمِنِينَ مُصِيبَةٌ، أَوْ شِدَّةٌ، يَقُولُونَ قَدِ احْتَطْنَا لأَِمْرِنَا، وَأَخَذْنَا حِذْرَنَا إِذْ تَخَلَّفْنَا عَنِ الْقِتَالِ، وَلَمْ نُلْقِ بَأَيْدِينَا إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَيَنْقَلِبُونَ إِلَى أَهْلِهِمْ فَرِحِينَ بِمَا اجْتَنَبُوهُ مِنَ المَصَائِبِ، وَبِالشَّمَاتَةِ بِالنَّبِيَِّ وَالْمُسْلِمِينَ.

الثعلبي

تفسير : {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ} نصر وغنيمة {تَسُؤْهُمْ} [يعني] بهم المنافقين {وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا} عُذرنا وأخذنا الجزم في القعود وترك الغزو {مِن قَبْلُ} من قبل هذه المصيبة. {قُل} لهم يا محمد {لَّن يُصِيبَنَآ} وفي مصحف عبد الله: قل هل يصيبنا، وبه قرأ طلحة ابن مصرف {إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا} في اللوح المحفوظ، ثم قضاه علينا {هُوَ مَوْلاَنَا} وليّنا وناصرنا وحافظنا، وقال الكلبي: هو أولى بنا من أنفسنا في الموت والحياة {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ} تنتظرون {بِنَآ} أيها المنافقون {إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ} أما النصر والفتح مع الأجر الكبير، وأمّا القتل والشهادة وفيه الفوز الكبير. أخبرنا أبو القاسم الحبيبي قال: حدّثنا جعفر بن محمد العدل، حدّثنا أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم العبدي، حدّثنا أبو بكر أُمية بن بسطام، أخبرنا يزيد بن بزيع عن بكر بن القاسم عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : يضمن الله لمن خرج في سبيله ألاّ يخرج إيماناً بالله وتصديقاً برسوله أن (يرزقه) الشهادة، أو يردّه إلى أهله مغفوراً له مع ما نال من أجر وغنيمة . تفسير : {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ} إحدى الحسنيين {أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ} فيهلكهم الله كما أهلك الامم الخالية. قال ابن عباس: يعني الصواعق، قال ابن جريج يعني الموت [والعقوبة] بالقتل بأيدينا كما أصاب الامم الخالية من قبلنا {فَتَرَبَّصُوۤاْ} هلاكنا {إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ} وقال الحسن: فتربصوا مواعيد الشيطان إنّا معكم متربّصون مواعيد الله من إظهار دينه واستئصال من خالفه، وكان الشيطان يمنّي لهم بموت النبي (صلى الله عليه وسلم). {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} نزلت في منجد بن قيس حين أستاذن النبي صلى الله عليه وسلم في القعود عن الغزوة، وقال: هذا مالي اُعينك به، وظاهر الآية أمر معناه خبر وجزاء تقديره: إن أنفقتم طوعاً أو كرهاً فليس بمقبول منكم كقول الله عز وجل: {أية : وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ}تفسير : الآية [آل عمران: 159] [النساء: 64] [النور: 62]. قال الشاعر: شعر : أسيئي بنا أو أحسني لا ملامة لدينا ولا مقلية إن تفلت تفسير : {إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ} منافقين {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ} قرأ نافع وعاصم ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي: (أن يقبل) بالياء لنعتهم الفعل، الباقون بالتاء {نَفَقَاتُهُمْ} صدقاتهم {إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ} الاولى في موضع نصب، و«أن» الثانية في محل رفع تقديره: ومامنعهم قبول نفقاتهم إلاّ كفرهم {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ} مستاؤون لأنهم لا يرجون بأدائها ثواباً، ولايخافون بتركها عقاباً {وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} لأنهم يتخذونها مغرماً ومنعها مغنماً. {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ} لأن العبد إذا كان من الله تعالى في استدراج [..........] {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} قال مجاهد وقتادة والسدّي: في الآية تقديم وتأخير تقديرها: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وقال الحسن: إنما يريد الله أن يعذبهم في الحياة الدنيا بالزكاة والنفقة في سبيل الله، وقال ابن زيد: بالمصائب فيها، وقيل التعب في جمعه، والوجل في حفظه وحبه. {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ} أي تخرج وتذهب أنفسهم على الكفر: يقال: زهقت الخيول أي خرجت عن الحلبة، وزهق السهم إذا خرج عن الهدف، وزهق الباطل أي اضمحل، قال المبرّد: وفيه لغتان: زَهَق يزهِق وزهيق يزهق. {وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ} على دينكم {وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} يخافون {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً} يعني حرزاً وحصناً ومعقلاً، وقال عطاء مهرباً، وقال ابن كيسان: قوماً يأمنون فيهم {أَوْ مَغَارَاتٍ} غيراناً في الجبال، وقال عطاء: سرادب، وقال الاخفش: كلّ ما غرتَ فيه فغبت فهو مغارة، وهي مفعلة من غار الرجل في الشيء يغور فيه إذا دخل، ومنه غار الماء وغارت العين إذا دخلت في الحدقة، ومنه غور تهامة، والغور: ما انخفض من الأرض، وقرأ عبد الرحمن بن عوف مُغارات بضم الميم جعله مفعلاً من أغار يُغير إذا أسرع ومعناه موضع فرارا، قال الشاعر: شعر : فعدّ طلابها وتعدّ عنها بحرف قد تغير إذ تبوع تفسير : {أَوْ مُدَّخَلاً} موضع دخول، وهو مفتعل من تدخّل يتدخّل متدخّل، وقال مجاهد: مدّخلا: محرزاً. قتادة: سرداباً، وقال الكلبي وابن زيد: نفقاً كنفق اليربوع، وقال الضحاك: مأوىً يأوون إليه، وقال الحسن: وجهاً يدخلونه على خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن كيسان: دخلا من مدخلا لاينالهم منكم مايخافون [منه] وقرأ الحسن: أو مدخلاً، مفتوحة الميم خفيفة الدال من دخل يدخل، وقرأ مسلمة بن محارب مُدخلاً بضم الميم وتخفيف الدال من دخل يدخل، وقرأه أُبيّ مندخلا، منفعل من اندخل. كما قال: شعر : فلا يدي في حميت السكن تندخل تفسير : وقرأ الأعرج بتشديد الدال والخاء [............] جعله متّفعلا ثم أدغم التاء في الدال كالمزمّل والمدّثر {لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ} لأدبروا إليه هرباً منكم، وفي حرف أُبي: لولّوا وجوههم إليه، وقرأ الأعمش والعقيلي: لوالوا إليه بالألف من الموالاة أي تابعوا وسارعوا. وروى معاوية بن نوفل عن أبيه عن جده وكانت له صحبة لولوا إليه بتخفيف اللام لأنها من التولية يقال: ولي إليه بنفسه إذا انصرف ولولوّا إليه من المولي {وَهُمْ يَجْمَحُونَ} يسرعون في الفرار [لا يردهم شيء]. قال الشاعر أبان بن ثعلب: شعر : سبوحاً جموحاً وإحضارها كمعمعة السعف الموقد تفسير : وقيل: إن الجماح مشي بين مشيين وهو مثل [الصماح]. قال مهلهل: شعر : لقد جمحت جماحاً في دمائهمُ حتى رأيت ذوي أحسابهم خمدوا تفسير : وقرأ الأعمش: وهم يجمزون أي يسرعون ويشدّون {وَمِنْهُمْ} يعني من المنافقين {مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ}. الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري، قال: حديث : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسماً قال ابن عباس كانت غنائم هوازن يوم حنين جاء ابن ذي الخريصر التميمي وهو حرقوص بن زهير اصل الخوارج فقال: اعدل يارسول الله، فقال: ويلك ومن يعدل أن لم أعدل. فقال عمر: يارسول الله ائذن لي فأضرب عنقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم دعه فأن له أصحاباً يحتقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر فلا يوجد فيه شيء، وقد سبق الفرث والدم، أشبههم برجل أسود في إحدى يديه، أو قال: أحدى ثدييه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على فترة من الناس، وفي غير هذا الحديث: وإذا خرجوا فاقتلوهم ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا اخرجوا فاقتلوهم. تفسير : فنزل، {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ} أي يعيبك في أمرها،ويطعن عليك فيها يقال: همزة لمزة. قال الشاعر: شعر : إذا لقيتُك عن شحط تكاشرني وإنْ تغيبتُ كنتَ الهامز اللمزة تفسير : وقال مجاهد: يهمزك: يطعنك، وقال عطاء: يغتابك، وقال الحسن والأعرج وأبو رجاء وسلام ويعقوب: يلمزُك بضم الميم، وروى عوف بن كثير يلمِزك بكسر الميم خفيفة {فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} وقرأ [إياد بن لقيط]: ساخطون. قال ابن زيد: هؤلاء المنافقون قالوا: والله لا يعطيها محمد إلا من أحب ولا يؤثر بها إلاّ هواه. {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ} إلى قوله {رَاغِبُونَ} في أن يوسع علينا من فضله فيغنينا عن الصدقة وغيرها من أموال الناس، وقال ابن عباس: راغبون إليه فيما يعطينا من الثواب، ويصرف عنا من العقاب.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وما يزال الحديث عن المنافقين، فبعد أن بيَّن الحق سبحانه وتعالى كيف حاول المنافقون الهروب من الحرب لأسباب وأعذار مختلقة، أراد سبحانه وتعالى أن يزيد الصورة توضيحاً في إظهار الكراهية التي تخفيها قلوب المنافقين بالنسبة للمؤمنين. وهنا يقول سبحانه: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ} والمقصود بالحسنة هنا هي: الانتصار في الحرب، والنصر في الحرب هو من وجهة نظر المنافقين ينحصر في حصول المؤمنين على الغنائم، وهذه مسألة تسوء المنافقين وتحزنهم؛ لأن الهمّ الأول للمنافقين هو الدنيا، وهم يريدون الحصول على أكبر نصيب منها. وبما أنهم لم يخرجوا للجهاد والتمسوا الأعذار غير الصحيحة للهروب من الحرب؛ لذلك فهم يحزنون إذا انتصر المؤمنون؛ لأنهم حينئذ لن يكون لهم حق في الغنائم. وفي هذه الحالة يقولون: يا ليتنا كنا معهم؛ إذن لأصبْنَا الغنائم وأخذنا منها. أما إذا كانت الدائرة قد دارت على المسلمين وهُزِموا في الحرب؛ فهذه سيئة بالنسبة لكل مؤمن، ولكن المنافقين يعتبرون الهزيمة لأهل الإيمان حسنة، وسيقولون لأنفسهم: لقد كنا أكثر رجاحةً في الفكر واحتطْنا للأمر، ولم نخرج معهم ولذلك نجونا مما أصابهم. والمصيبة في الحرب تكون في: الأرواح، والرجال والمال، والعتاد بالإضافة إلى مرارة الهزيمة. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ} وكأنهم قد احتاطوا قبل أن يبدأ القتال فلم يخرجوا، وهم كمنافقين يمكن أن يفرحوا ؟إنْ أصابت المسلمين كارثة أو مصيبة، وهي هنا الهزيمة في الحرب. وسيقولون: {قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ} أي: قاموا بالاحتياط فلم يخرجوا للقتال، بينما لم يحتَطْ محمد وصَحْبُه وجيشه. ثم يديرون ظهورهم ليُخْفُوا فرحتهم. وحين يقول الحق: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} يوضح لنا أن أي نصر للإيمان يحزن المنافقين في نفوسهم، ويصير هذا القول قرآناً يُتلى ويُتعبد به ويسمعونه بآذانهم، بالله لو لم تُحزنهم الحسنة التي ينالها المنافقين في نفوسهم، ويصير هذا القول قرآناً يُتلى ويُتعبد به ويسمعونه بآذانهم، بالله لو لم تُحزنهم الحسنة التي ينالها المؤمنون، ألم يكن ذلك دافعاً لأن يقولوا: نحن لم نفرح ولم نحزن؟ بالله حين يفاجئهم القرآن بالكشف عن خبايا نفوسهم بالقرآن؛ ألم يكن ذلك داعياً لهدايتهم؟ لقد عرف محمد صلى الله عليه وسلم الغيب الذي في قلوبهم وفضح ضمائرهم وسرائرهم بعد أن أطلعه الحق على ذلك. ومع هذا أضمروا النفاق في قلوبهم وانتظروا مَسَاءةً تَحل بمحمد صلى الله عليه وسلم وصحبه. ويرد الحق سبحانه وتعالى عليهم: {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ ...}.

الأندلسي

تفسير : {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} قال ابن عباس: الحسنة يوم بدر، والمصيبة يوم أحد. وينبغي أن يحمل قوله على التمثيل، واللفظ عام في كل محبوب ومكروه. وسياق الجمل يقتضي أن يكون ذلك في الغزو، ولذلك قالوا: الحسنة: الظفر والغنيمة، والمصيبة: الخيبة والهزيمة، مثل ما جرى في غزوة أحد، ومعنى أمرنا الذي نحن متسمون به من الحذر والتيقظ والعمل بالجزم في التخلف عن الغزو من قبل ما وقع من المصيبة. {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ} الآية، أي ما تنتظرون بنا إلا إحدى العاقبتين كل واحدة منهما هي الحسنى من العواقب اما النصرة واما الشهادة، فالنصرة مآلها إلى الغلبة والاستيلاء، والشهادة مآلها إلى الجنة. {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} قرىء: بضم الكاف ويعني في سبيل الله ووجوه البر، وهو أمر معناه التهديد والتوبيخ، انفقوا قال ابن عطية: أنفقوا أمر في ضمنه جزاء وهذا مستمر في كل أمر معه جزاء، والتقدير ان تنفقوا لن يتقبل منكم، وأما إذا عري الأمر من الجواب فليس يصحبه تضمن الشرط. "انتهى". ويقدح في هذا التخريج أن الأمر إذا كان فيه معنى الشرط كان الجواب كجواب الشرط فعلى هذا يقتضي أن يكون التركيب، فلن يتقبل بالفاء لأن لن لا تقع جواباً للشرط إلا بالفاء فكذلك ما ضمّن معناه. وانتصب طوعاً أو كرهاً على الحال، والطوع أن يكون من غير إلزام الله ورسوله. والكره إلزام ذلك، وسمي الإِلزام إكراهاً لأنهم منافقون فصار الإِلزام شاقاً عليهم كالإِكراه. وعلل انتفاء التقبل بالفسق، والمراد به هنا الكفر، ويدل عليه قوله في الآية بعدها. {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ} الآية، وذكر السبب الذي هو بمفرده مانع من قبول نفقاتهم وهو الكفر، واتبعه بما هو ناشىء عن الكفر ومستلزم له وهو دليل عليه وذلك إتيان الصلاة وهم كسالى، وإيتاء النفقة وهم كارهون، والكسل في الصلاة، وترك النشاط إليها، وأخذها بالإِقبال من ثمرات الكفر فإِيقاعها عندهم لا يرجون به ثواباً ولا يخافون بالتفريط فيها عقاباً، وكذلك الإِنفاق للأموال لا يخرجون ذلك إلا وهم لا يرجون به ثواباً. {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ} لما قطع رجاء المنافقين عن جميع منافع الآخرة بين أن الأشياء التي يظنونها من باب منافع الدنيا جعلها تعالى أسباباً لتعذيبهم بها في الدنيا، أي فلا تعجبك أيها السامع بمعنى لا تستحسن ولا تفتتن بما أوتوا من زينة الدنيا، وفي هذا تحقير لشأن المنافقين. والضمير في "بها" عائد على الأموال. واللام في "ليعذبهم" لام كي. ومفعول يريد محذوف تقديره يريد كسبهم الأموال والأولاد لأجل تعذيبهم. {وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ} أي لمن جملة المسلمين. واكذبهم بقوله: {وَمَا هُم مِّنكُمْ}. ومعنى يفرقون: يخافون القتل، وما يفعل بالمشركين، فيتظاهرون بالإِسلام تقية وهم يبطنون النفاق. {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً} لما ذكر تعالى فرق المنافقين من المؤمنين أخبر بما هم عليه معهم مما يوجبه الفرق وهو أنهم لو أمكنهم الهرب منهم لهربوا ولكن صحبتهم لهم صحبة اضطرار لا اختيار، والملجأ: الحرز. والمغارات جمع مغارة وهي الغار تجمع على غير أن يبنى من غار يغور إذا دخل بدأ أولاً بالأَعم وهو الملجأ إذ يطلق على كل ما يلجأ إليه الإِنسان، ثم ثنى بالمغارات وهي الغيران في الجبال، ثم أتى ثالثاً بالمداخل وهو النفقُ باطن الأرض. و{لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ} أي إلى واحد من الثلاث. {وَهُمْ يَجْمَحُونَ} أي يسرعون إسراعاً لا يردهم شىء. {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ} اللامز هو حرقوص بن زهير التميمي وهو ابن ذي الخويصرة رأس الخوارج. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنائم حنين فقال: اعدلّ يا رسول الله. الحديث. وقيل: غيره. والمعنى من يعيبك في قسم الصدقات. والضمير في {وَمِنْهُمْ} للمنافقين. والكاف لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الترديد بين الشرطين يدل على دناءة طباعهم ونجاسة أخلاقهم وان لمزهم الرسول عليه السلام إنما هو لشرههم في تحصيل الدنيا ومحبة المال، وان رضاهم وسخطهم إنما متعلقة العطاء. والظاهر حصول مطلق الاعطاء أو نفيه، وما أحسن مجيء جواب هذين الشرطين لأن الأول لا يلزم أن يقارنه ولا أن يتعقبه بل قد يجوز أن يتأخر نحو: ان اسلمت دخلت الجنة، فإِنما يقتضي مطلق الترتيب، وأما جواب الشرط الثاني فجاء بإِذا الفجائية وانه إذا لم يعطوا فاجأ سخطهم. ولم يمكن تأخره لما جلبوا عليه من محبة الدنيا والشره في تحصيلها. ومفعول رضوا محذوف، أي رضوا ما أعطوه، وليس المعنى رضوا عن الرسول لأنهم منافقون، ولأن رضاهم وسخطهم لم يكن لأجل الدين بل لأجل الدنيا. وجاءت إذا الفجائية رابطة لجواب الجزاء بجملة الشرط ولا نحفظه جاءت إذا جواباً للشرط إلا وحرف الشرط انْ، وكذلك في قوله: {أية : إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} تفسير : [الروم: 36]، وسائر أدوات الشرط كانت أسماء كَمَنْ وَمَا ومَهْما. أو ظرف زمان كمتى وأيان، أو مكان كحيثُمَا، لا نعلمه جاء جواب شىء منها بإِذا الفجائية على كثرة مطالعتي لدواوين العرب. {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ} الآية، هذا وصف لحال المستقيمين في دينهم، أي رضوا قسمة الله ورسوله وقالوا: كفانا فضل الله ورسوله. وعلقوا آمالهم بما سيؤتيه الله إياهم. وكانت رغبتهم إلى الله تعالى لا إلى غيره. وجواب لو محذوف تقديره لكان خيراً لهم في دينهم ودنياهم.

الجيلاني

تفسير : {إِن تُصِبْكَ} في بعض أسفارك وغزواتك {حَسَنَةٌ} ظفرة وغنيمة {تَسُؤْهُمْ} وتزيد غيظهم ونفاقهم {وَإِن تُصِبْكَ} في بعضها {مُصِيبَةٌ} كسر وهزيمة {يَقُولُواْ} تصحيحاً وتحسيناً لرأيهم الفاسد: {قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا} وأصبنا فيه {مِن قَبْلُ} أي: حين تخلفنا {وَيَتَوَلَّواْ} عن مجمعهم الذي يتشامتون فيه بالمؤمنين تبجحاً {وَّهُمْ} في رجوعهم وتفرقهم {فَرِحُونَ} [التوبة: 50] مسرورون. {قُل} يا أكمل الرسل للمتشامتين المنافقين على مقتضى كشفك وشهودك بربك: {لَّن يُصِيبَنَآ} من الحوادث {إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ} المقدر للآجال والأرزاق، وجميع الأفعال والأحوال، والحوادث الجارية في عالم الغيب والشهادة {لَنَا} وخصصنا بها في حضرة علمه؛ إذ {هُوَ} بذاته {مَوْلاَنَا} ومولي جميع أمورنا يصنع بنا على مقتضى ما ثبت في حضرة علمه بلا تبديل ولا تغيير {وَ} ما لنا إلا الرضا بما جرى علينا وسيجري من القضاء؛ لذلك {عَلَى ٱللَّهِ} لا على غيره من الأسباب والوسائل؛ إذ مرجع الكل إليه، كما أن مبدأه منه أولاً بالذات {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51] بتوحيد الذات، وسريان سر الوحدة على صفائح المكونات. {قُلْ} لهم أيضاً: {هَلْ تَرَبَّصُونَ} أي: تترقبون وتنتظرون {بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ} أي: العاقبتين الحميدتين اللتين كل منهما محض خير، إمَّا النصرة وإمَّا الشهادة إذ وعدنا الله من فضله بهما {وَنَحْنُ} أيضاً {نَتَرَبَّصُ بِكُمْ} على مقتضى وحي الله وإلهامه {أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ} نازل {مِّنْ عِندِهِ} بلا دخل منا وصنع من كسف أو خسف وزلزلة وغيرها {أَوْ بِأَيْدِينَا} من القتل والأسر، والإجلاء والإذلال {فَتَرَبَّصُوۤاْ} وانتظروا لما وُعد لنا {إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ} [التوبة: 52] أيضاً لما أوعدتم به؛ حتى ننظر كيف يجري حكم الله ومشيئته؟

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى مبينا أن المنافقين هم الأعداء حقا، المبغضون للدين صرفا: { إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ } كنصر وإدالة على العدو { تَسُؤْهُمْ } أي: تحزنهم وتغمهم. { وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ } كإدالة العدو عليك { يَقُولُوا } متبجحين بسلامتهم من الحضور معك. { قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ } أي: قد حذرنا وعملنا بما ينجينا من الوقوع في مثل هذه المصيبة. { وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ } فيفرحون بمصيبتك، وبعدم مشاركتهم إياك فيها. قال تعالى رادا عليهم في ذلك { قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا } أي: قدره وأجراه في اللوح المحفوظ. { هُوَ مَوْلانَا } أي: متولي أمورنا الدينية والدنيوية، فعلينا الرضا بأقداره وليس في أيدينا من الأمر شيء. { وَعَلَى اللَّهِ } وحده { فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } أي: يعتمدوا عليه في جلب مصالحهم ودفع المضار عنهم، ويثقوا به في تحصيل مطلوبهم، فلا خاب من توكل عليه، وأما من توكل على غيره، فإنه مخذول غير مدرك لما أمل.