Verse. 1286 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

قُلْ لَّنْ يُّصِيْبَنَاۗ اِلَّا مَا كَتَبَ اللہُ لَنَا۝۰ۚ ہُوَ مَوْلٰىنَا۝۰ۚ وَعَلَي اللہِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُوْنَ۝۵۱
Qul lan yuseebana illa ma kataba Allahu lana huwa mawlana waAAala Allahi falyatawakkali almuminoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» لهم «لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا» إصابته «هو مولانا» ناصرنا ومتولي أمورنا «وعلى الله فيتوكل المؤمنون».

51

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا} قيل: في اللوح المحفوظ. وقيل: ما أخبرنا به في كتابه من أنا إمّا أن نظفر فيكون الظفر حسنىٰ لنا، وإما أن نقتل فتكون الشهادة أعظم حسنىٰ لنا. والمعنىٰ كل شيء بقضاء وقدر. وقد تقدّم في «الأعراف» أن العلم والقدر والكتاب سواء. {هُوَ مَوْلاَنَا} أي ناصرنا. والتوكل تفويض الأمر إليه. وقراءة الجمهور «يصِيبَنا» نصب بلن. وحكى أبو عبيدة أن من العرب من يجزم بها. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف «هل يصيبنا». وحكي عن أَعْيَن قاضي الرّيّ أنه قرأ «قل لن يصِيبنّا» بنون مشدّدة. وهذا لحن؛ لا يؤكد بالنون ما كان خبراً، ولو كان هذا في قراءة طلحة لجاز. قال الله تعالىٰ: {أية : هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ}تفسير : [الحج: 15].

البيضاوي

تفسير : {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا} إلا ما اختصنا بإثباته وإيجابه من النصرة، أو الشهادة أو ما كتب لأجلنا في اللوح المحفوظ لا يتغير بموافقتكم ولا بمخالفتكم. وقرىء «هل يصيبنا» و «هل يصيبنا» وهو من فيعل لا من فعل لأنه من بنات الواو لقولهم صاب السهم يصوب واشتقاقه من الصواب لأنه وقوع الشيء فيما قصد به. وقيل من الصواب. {هُوَ مَوْلَـٰنَا} ناصرنا ومتولي أمورنا. {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} لأن حقهم أن لا يتوكلوا على غيره.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } لهم {لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا } إصابته {هُوَ مَوْلَٰنَا } ناصرنا ومتولّي أمورنا {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} في اللوح المحفوظ من خير، أو شر، وليس ذلك بأفعالنا فنذم أو نحمد، أو ما كتب لنا في نصرنا في العاقبة وإعزاز الدين بنا. {مَوْلانَا} مالكنا وحافظنا وناصرنا. {وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} في معونته وتدبيره.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو الشيخ عن السدي ‏ {‏قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا‏} ‏ قال‏:‏ إلا ما قضى الله لنا. وأخرج ابن أبي حاتم عن مسلم بن يسار رضي الله عنه قال‏:‏ الكلام في القدر واديان عريضان يهلك الناس فيهما لا يدرك عرضهما، فاعمل عمل رجل يعلم أنه لا ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل رجل يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له‏. وأخرج أبو الشيخ عن مطرف رضي الله عنه قال‏:‏ ليس لأحد أن يصعد فوق بيت فيلقي نفسه ثم يقول‏:‏ قدر لي‏.‏ ولكن نتقي ونحذر، فإن أصابنا شيء علمنا أنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. وأخرج أحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإِيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ‏"‏‏.

ابو السعود

تفسير : {قُلْ} بـياناً لبطلان ما بنَوْا عليه مسرتَهم من الاعتقاد {لَّن يُصِيبَنَا} أبداً وقرىء هل يصيبنا وهل يصيِّبُنا من فيعل لا من فعل لأنه واويٌّ، يقال: صاب السهمُ يصوب واشتقاقُه من الصواب {إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا} أي أثبته لمصلحتنا الدنيويةِ أو الأخروية من النُّصرة عليكم أو الشهادة المؤديةِ إلى النعيم الدائم {هُوَ مَوْلَـٰنَا} ناصرُنا ومتولِّي أمورِنا {وَعَلَى ٱللَّهِ} وحده {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} التوكلُ تفويضُ الأمر إلى الله والرضا بما فعله وإن كان ذلك بعد ترتيب المبادي العادية، والفاءُ للدلالة على السببـية والأصل ليتوكلِ المؤمنون على الله، قدّم الظرفُ على الفعل لإفادة القصْرِ ثم أُدخل الفاءُ للدَلالة على استيجابه تعالى للتوكل عليه كما في قوله تعالى: {أية : وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ }تفسير : [البقرة: 4] والجملةُ إن كانت من تمام الكلامِ المأمورِ به فإظهارُ الاسمِ الجليلِ في مقام الإضمارِ لإظهار التبرُّكِ والتلذذِ به وإن كانت مَسوقةً من قِبله تعالى أمراً للمؤمنين بالتوكل إثرَ أمرِه عليه الصلاة والسلام بما ذكر فالأمرُ ظاهرٌ وكذا إعادةُ الأمر في قوله وجل: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا} لانقطاع حُكم الأمرِ الأولِ بالثاني وإن كان أمرَ الغائب وأما على الوجه الأولِ فهي لإبراز كمالِ العنايةِ بشأن المأمورِ به والإشعارِ بما بـينه وبـين ما أُمر به أولاً من الفرق في السياقِ، والتربُّصُ التمكّثُ مع انتظار مجيءِ شيءٍ خيراً كان أو شراً، والباءُ للتعدية وإحدى التاءين محذوفةٌ أي ما تنتظرون بنا {إِلا إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ} أي العاقبتين اللتين كلُّ واحدةٍ منهما هي حُسنى العواقبِ وهما النصرُ والشهادةُ وهذا نوعُ بـيانٍ لما أُبهم في الجواب الأول وكشفٌ لحقيقة الحالِ بإعلام أن ما يزعُمونه مضرَّةً للمسلمين من الشهادة أنفعُ مما يعُدّونه منفعةً من النصر والغنيمة {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ} أحدى السوأَيَـيْن من العواقب إما {أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ} كما أصاب مَن قبلكم من الأمم المهلَكة والظرفُ صفةُ عذاب، ولذلك حُذف عاملُه وجوباً {أَوْ} بعذاب {بِأَيْدِينَا} وهو القتلُ على الكفر {فَتَرَبَّصُواْ} الفاءُ فصيحةٌ أي إذا كان الأمر كذلك فتربصوا بنا ما هو عاقبتُنا {إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبّصُونَ} ما هو عاقبتُكم فإذا لقِيَ كلٌّ منا ومنكم ما يتربصه لا تشاهدون إلا ما يُسرنا ولا نشاهد إلا ما يسوءُكم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا} [الآية: 51]. قال بعضهم: العارف بالله من سكن إلى ما يبدو له فى الوقت بعد الوقت من تصاريف القضاء ومجارى القدرة، ولا يسخط لوارد من ذلك عليه. قال بعضهم: التفويض هو الاعتماد على الله، والعلم بأن ما سبق من قضائه، قيل: لا بد أنه مصيبك فإن الخلق مجبورون ليس لهم اختيار، قال الله تعالى: {لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا}.

القشيري

تفسير : المؤمن لا تلحقُه شماتةُ عدوِّه لأنه ليس يرى إلا مُرادَ وليِّه، فهو يتحقق أنَّ ما ينالُه مرادُ مولاه فيسقطُ عن قلبِه ما يهواه، ويستقبله بروح رضاه فَيَعْذُبُ عنده ما كان يَصْعُبُ مِنْ بلواه، وفي معناه أنشدوا: شعر : إنْ كان سَرَّكُمُ ما قال حاسدُنا فما لِجُرْحٍ - إذا أَرْضَاكُم - أَلمُ تفسير : ويقال شَهودُ جريانِ التقدير يخفف على العبد تَعَبَ كلِّ عسير. قوله {هُوَ مَوْلاَنَا}: تعريفٌ للعبد أن له - سبحانه - أن يفعل ما يريد، لأنه تصرفُ مالكِ الأعيانِ في مُلْكِه، فهو يُبْدِي ويُجْرِي ما يريد بحقِّ حُكْمِه. ثم قال: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}: وأولُ التوكلِ الثقةُ بوعده، ثم الرضا باختياره، ثم نسيانُ أمورِك بما يغْلِبُ على قلبك من أذكاره. ويقال التوكل سكونُ السِّرِّ عند حلول الأمر ونهاية التفويض، وفيها يتساوى الحلوُ والمرُّ، والنعمةُ والمحنةُ.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا} ما كتب الانبياء والاولياء فى الازل الا سعادة الولاية وشرف النبوة وحقيقة الوصاية ولطائف علوم المشاهدة وما كتب من البليات لهم فتلك زيادة احوالهم لان الله تعالى جعل قلوبهم بنور رضاه فيقبلون كلا منه سبابق الرضا والاصطفائية فيزيد فى حالهم شرف القربة من كل مكروه ومحبوب وهم فى ذلك بنصرة الله محفوظون وعليه بفضله متوكلون وعما يبدوا منه بفضله عنا راضون بقوله {هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} قال بعضهم العارف بالله من سكن الى ما يبدو له فى الوقت بعد الوقت من تصاريف القضاء ومجارى القجرة ولا يسخط وارد من ذلك.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} بيانا لبطلان ما بنوا عليه مسرتهم من الاعتقاد {لن يصيبنا} ابدا {الا ما كتب الله} فى اللوح المحفوظ {لنا} اللام للتعليل اى لاجلنا من خير وشر وشدة ورخاء لا يتغير بموافقتكم ومخالفتكم وامور العباد لا تجرى الا على تدبير قد احكم وابرم {هو مولينا} ناصرنا ومتولى امورنا {وعلى الله} وحده وهو تمام الكلام المأمور به ويجوز ان يكون ابتداء كلام من الله تعالى {فليتوكل المؤمنون} التوكل تفويض الامر الى الله تعالى والرضى بما فعله وان كان ذلك بعد ترتيب المبادى العالية والمعنى ان حق العبد ان يتوكل على مولاه ويبتغى رضوانه ويعتقد انه لن يصيبه شيء من الاشياء الا ما قدر له شعر : بيرما كفت خطا برقلم صنع نرفت آفرين برنظر باك خطا بوشش باد تفسير : وفى الحديث "حديث : ان العبد لا يبلغ حقيقة الايمان حتى يعلم ان ما اصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه "

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {قل} لهم يا محمد: {لن يصيبنا} من حسنة أو مصيبة، {إلا ما كتبَ اللهُ لنا} في اللوح الحفوظ، لا يتغير بموافقتكم ولا بمخالفتكم، {هو مولانا}؛ متولي أمرنا وناصرنا، {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} أي: وإليه فليفوض المؤمنون أمورهم؛ رضاَ بتدبيره؛ لأن مقتضى الإيمان ألا يتوكل إلا على الله؛ إذ لا فاعل سواه، {قل} لهم: {هل تربّصُون} أي: تنتظرون {بنا إحدى الحُسنيين} أي: إلا إحدى العاقبتين اللتين كل منهما حسنى: إما النصر وإما الشهادة، {ونحنُ نتربصُ بكم} أيضاً إحدى العاقبتين السُوأتين: إما {أن يصيبَكم اللَّهُ بعذابٍ من عنده} بقارعة من السماء، {أو بأيدينا} أي: أو بعذاب بأيدينا، وهو القتل على الكفر، {فتربصُوا} ما هو عاقبتنا، {إنا معكم مُتَربِّصون} ما هو عاقبتكم. الإشارة: ثلاثة أمور توجب للعبد الراحة من التعب، والسكون إلى رب الأرباب، وتذهب عنه حرارة التدبير والاختبار، وظلمة الأكدار والأغيار: أحدها: تحقيق العلم بسبقية القضاء والقدر، حتى يتحقق بأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، قال تعالى: {قل لن يصينا إلا ما كتب الله لنا}، {وَإن يمْسسْك اللَّهُ بضُرِّ فَلا كَاشِفَ له إلاَّ هُوَ}، وليتأمل قول الشاعر: شعر : مَا لا َيُقَدِّرُ لا يَكُون بِحيلَةٍ أَبَداً، وَمَا هُو كَائِنٌ سَيَكُونُ سَيَكُونُ مَا هُوَ كَائِنٌ في وَقْتِهِ وأخُو الجَهالَةِ مُتْعَبٌ مَخْزُون تفسير : وقد ورد عن سيدنا علي ـ كرم الله وجهه ـ أنه قال: سبع آيات: من قرأها أو حملها معه؛ لو انطبقت السماء على الأرض؛ لجعل الله له فرجاً ومخرجاً من أمره، فذكر هذه الآية: {قل لن يصيبنا}، وآية في سورة يونس:{أية : وَإِن يَمسَسْك اللَّهُ بِضُرٍ...}تفسير : [يونس: 107] الآية، وآيتان في سورة هود: {أية : وَما مِن دآبَّةٍ...}تفسير : [هود: 6]، الآية، {أية : إنّي تَوَكَّلتُ عَلَى اللهِ رَبَي وَرَبّكُم...}تفسير : [هود: 56]، الآية، وقوله تعالى: {أية : وكأَيَّن مّنِ دَآبَّةٍ لاَّ تَحمِلُ رِزقُها اللَّهُ يرزُقُها وَإِيَّاكمُ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ}تفسير : [العنكبوت: 60]، {أية : مَّا يَفتَحِ اللَّهُ للِنَّاسِ مِن رَّحمَةٍ فَلاَ مُمسكَ لَهَا وَمَا يَمسِك فَلاَ مُرسِلَ لَهُ مِن بَعدِهِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكيمُ}تفسير : [فاطر: 2]، و{أية : ولَئن سَأَلتَهُم}تفسير : ... في الزمر إلى قوله {أية : عَلَيهِ يَتَوكَّلُ المُتَوَكِلُون}تفسير : [الزمر: 38]، ونظمها بعضهم فقال: شعر : عليك بقل وإن، وما، إني، في هود وكأين، مَا يفتحْ، ولئن؛ مكملا تفسير : وإنما أشار رضي الله عنه إلى معنى الآيات لا إلى لفظها؛ لأنها كلها تدل على النظر لسابق القدر، والتوكل على الواحد القهار. الأمر الثاني: تحقق العبد برأفته ـ تعالى ـ ورحمته، وأنه لا يفعل به إلا ما هو في غاية الكمال في حقه، إن كان جمالاً فيقتضي منه الشكر، وإن كان جلالاً فيقتضي منه الصبر، وفيه غاية التقريب والتطهير وطي المسافة بينك وبين الحبيب. وفي الحكم: "خير أوقاتك وقت تشهد فيه وجودَ فاقتك، وتُرَدُ فيه إلى وجود ذلتك، إن أردت بسط المواهب عليك، فصحح الفقر والفاقة لديك، الفاقة أعياد المريدين". إلى غير ذلك من كلامه في هذا المعنى. الأمر الثالث: تحققه بخالص التوحيد؛ فإذا علم أن الفاعل هو الله ولا فاعل سواه؛ رضي بفعل حبيبه، كيفما كان، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه: شعر : أَحِبَّاي أَنْتُمْ أَحسَنَ الدَّهر أم أسا فكونوا كما شِئتُمْ أَنا ذلك الخِلّ تفسير : وكما قال صاحب العينية: شعر : تَلَذُّ لِيَ الآلام إذْ كُنْتَ مُسقِمي وإن تَخْتَبِرني فَهْي عِنْدي صَنَائِعُ تَحَكَّم بِمَا تَهْواهُ فِيّّ فإنَّني فَقيرٌ لسُلطان المَحَبَّةِ طَائِعُ تفسير : فهذه الأمور الثلاثة، إذا تفكر فيها العبد دام حبوره وسروره، وسهلت عليه شؤونه وأموره. وقوله تعالى: {قل هل تربصون بنا...} الآية، مثله يقول أهل النسبة لأهل الإنكار: هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، إما حسن الختام بالموت على غاية الإسلام، يموت المرء على ما عاش عليه، وإما الظفر بمعرفة الملك العلام على غاية الكمال والتمام، ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعقوبة من عنده؛ بسبب إذايتكم، أو بدعوة من عندنا إذا أَذِنَ لنا. وبالله التوفيق. ثم ذكر سبب إبطال عملهم وصدقاتهم، فقال: {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً}.

الطوسي

تفسير : امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهؤلاء المنافقين الذين يفرحون بمصيبات المؤمنين وسلامتهم منها {لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} وقيل في معناه قولان: احدهما - ان كل ما يصيبنا من خير أو شر فهو مما كتبه الله في اللوح المحفوظ من أمرنا، وليس على ما تظنون وتتوهمون من اهمالنا من غير أن نرجع في أمرنا إلى تدبير ربنا، هذا قول الحسن. الثاني - قال الجبائي والزجاج: يحتمل أن يكون معناه لن يصيبنا في عاقبة أمرنا إلا ما كتب الله لنا في القرآن من النصر الذي وعدنا. وقال البلخي: يجوز ان يكون {كتب} بمعنى علم ويجوز ان يكون بمعنى حكم، والأولان أقوى. فان قيل: ما الفائدة في كتب ما يكون من افعال العباد قبل كونها؟ قلنا في ذلك مصلحة للملائكة ما يقابلون به فيجدونه متفقاً في الصحة، مع ان تصور كثرته اهول في النفس وأملأ للصدر. وقوله: {هو مولانا} يحتمل معنيين: احدهما - انه مالكنا ونحن عبيده. والثاني - فان الله يتولى حياطتنا ودفع الضرر عنا. وقوله {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} امر منه تعالى للمؤمنين ان يتوكلوا عليه تعالى دون غيره. والتوكل تفويض الامر إلى الله والرضا بتدبيره والثقة بحسن اختياره. كما قال {أية : ومن يتوكل على الله فهو حسبه} تفسير : وحرف الجر الذي في معنى الظرف متعلق بالامر في قوله {فليتوكل} وتقديره فليتوكل على الله المؤمنون وانما جاز تقديمه لانه لا يلبس، ولا يجوز تقديمه على حرف الجزاء لانه يلبس بالجزاء في الجواب.

الجنابذي

تفسير : {قُل} لقومك تسلية لهم حين المصيبة عن المصيبة وعن شماتة القاعدين او قل للمتخلّفين ردّاً لهم فى فرحهم باصابة المصيبة وفى قولهم قد اخذنا أمرنا {لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا} وما كتب الاّ ما فيه صلاحنا {هُوَ مَوْلاَنَا} استيناف فى موضع التّعليل {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} عطف على قل فهو من كلام الحقّ او على ما بعده فهو مقول القول، والفاء امّا على تقدير امّا او توهّمه، او زائدة، او عاطفة على محذوف حذف واقيم معمول ما بعده مقامه اصلاحاً للّفظ ومثله فى تقديم معمول ما بعد الفاء عليها لاصلاح اللّفظ قولك وامّا على الله فليتوكّلوا او الاصل ليتذكّر المؤمنون فليتوكّلوا على الله وبعد حذف المعطوف عليه واقامة معمول ما بعد الفاء مقامه اظهر فاعل المعطوف لعدم تقدّم ذكر المرجع.

اطفيش

تفسير : {قلْ} يا محمد {لَنْ يُصيبَنَا إلا مَا كَتَب اللهُ} فى اللوح المفحوظ أو ما قضاه {لَنَا} من محبوب أو مكروه لا يتغير بموافقتكم أو مخالفتكم، فاللام للاستحقاق أو للتعليل، وقيل: إلا ما كتب الله لنا من النصر والظفر فى الدنيا، والثواب فى الآخرة على ما أصابنا فى خلال ذلك من مكروه، وقرأ ابن مسعود رضى الله عنه: قل هل يصيبنا، بهل والرفع وإسكان الياء الثانية، وقرأ طلحة بن مصرف، وأعين قاضى الرى كذلك لكن شدد الياء مكسورة وفتح الصاد، وهو يفعل بضم الياء وفتح الياء وإسكان الياء، وكسر العين، الأصل يصوى بنا بضم الياء وفتح الصاد وإسكان الياء وكسر الواو، وأبدلت ياء وأدغمت فيها الياء لا يفعل بضم الياء وفتح الفاء وكسر العين مشددة وإلا قال: يصوبنا، لأن العين واو لقولهم صاب السهم يصوب أى وقع فيما قصد به، واشتقاقه من الصواب، يقال: صوب رأيه تصويبا، وفى جمع مصيبة مصاوب أو من الصوب وهو الانحدار إلا أن يكون من صاب السهم يصيب وهو لغة. وعن عمرو بن شقيق سمعت أعين قاضى الرى يقرأ: لن يصيبنا بتشديد النون على التوكيد بالنون الخفيفة مدغمة فى نون الضمير، قال أبو حاتم: ولا يجوز ذلك، لأن النون لا تدخل مع لن {هُو مَوْلانَا} متولى أمرنا بالحفظ والنصر ومالكنا أحياء وموتى. {وعَلَى الله} لا غيره مع السعى بالجوارح، وزعم قوم أنه يجوز للإنسان أن يدخل غارا يعبد فيه ولا يعلم به أحد، فإن كان له رزق أتاه وإلا مات، وإن هذا أعلى درجة توكل وهو خطأ فاحش، ولا حجة له فى حديث: "حديث : يدخل الجنة سبعون ألفا من أمتى بلا حساب، لا يرقون ولا يسترقون، ولا يكتوون ولا يتطيبون، وعلى ربهم يتوكلون" تفسير : {فَلْيتَوكل المؤمنُونَ} فى أمورهم، والفاء صلة للتوكيد فلا تمنع من تعلق ما قبلها بما بعدها.

الالوسي

تفسير : {قُلْ} تبكيتاً لهم {لَّن يُصِيبَنَآ} أبدا {إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا} أي ما اختصنا بإثباته وإيجابه من المصلحة الدنيوية أو الأخروية كالنصرة أو الشهادة المؤدية للنعيم الدائم، فالكتب بمعنى التقدير، واللام للاختصاص، وجوز أن يكون المراد بالكتب الخط في اللوح واللام للتعليل والأجل، أي لن يصيبنا إلا ما خط الله تعالى لأجلنا في اللوح ولا يتغير بموافقتكم ومخالفتكم، فتدل الآية على أن الحوادث كلها بقضاء الله تعالى وروي هذا عن الحسن. وادعى بعضهم أنه غير مناسب للمقام وأن قوله تعالى: {هُوَ مَوْلاَنَا} أي ناصرنا ومتولي أمورنا يعين الأول لأنه يبين أن معنى اللام الاختصاص ويخصص الموصول بالنصر والشهادة أي لن يصيبنا إلا ذلك دون الخذلان والشقاوة كما هو مصير حالكم لأنا مؤمنون وأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم، وقد يقال: هو تعليل لما يستفاد من القول السابق من الرضا أي لن يصيبنا إلا ما كتب من خير أو شر فلا يضرنا ما أنتم عليه ونحن بما فعل الله تعالى راضون لأنه سبحانه مالكنا ونحن عبيده. وقرأ ابن مسعود {هل يصيبنا} وطلحة {هل يصيبنا} بتشديد الياء من صيب الذي وزنه فيعل لا فعل بالتضعيف لأن قياسه صوب لأنه من الواوي فلا وجه لقلبها ياء بخلاف ما إذا كان صيوب على وزن فيعل لأنه إذا اجتمعت الواو والياء والأول منهما ساكن قلبت الواو ياءاً وهو قياس مطرد، وجوز الزمخشري كونه من التفعيل على لغة من قال صاب يصيب، ومنه قول الكميت:شعر : واستبى الكاعب العقيلة إذ أسهمي الصائبات والصيب تفسير : {وَعَلَى ٱللَّهِ} وحده {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} بأن يفوضوا الأمر إليه سبحانه، ولا ينافي ذلك التشبث بالأسباب العادية إذا لم يعتمد عليها، وظاهر كلام جمع أن الجملة من تمام الكلام المأمور به، وتقديم المعمول لإفادة التخصيص كما أشرنا إليه، وإظهار الاسم الجليل في مقام الإضمار لإظهار التبرك والاستلذاذ به. ووضع المؤمنين موضع ضمير المتكلم ليؤذن بأن شأن المؤمنين اختصاص التوكل بالله تعالى، وجيء بالفاء الجزائية لتشعر بالترتب أي إذا كان لن يصيبنا إلا ما كتب الله أي خصنا الله سبحانه به من النصر أو الشهادة وأنه متولي أمرنا فلنفعل ما هو حقنا من اختصاصه جل شأنه بالتوكل، قال الطيبـي: وكأنه قوبل قول المنافقين {أية : قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا } تفسير : [التوبة: 50] بهذه الفاصلة، والمعنى دأب المؤمنين أن لا يتكلوا على حزمهم وتيقظ أنفسهم كما أن دأب المنافقين ذلك بل أن يتكلوا على الله تعالى وحده ويفوضوا أمورهم إليه، ولا يبعد تفرع الكلام على قوله سبحانه: {هُوَ مَوْلَـٰنَا} كما لا يخفى، ويجوز أن تكون هذه الجملة مسوقة من قبله تعالى أمراً للمؤمنين بالتوكل إثر أمره صلى الله عليه وسلم بما ذكر، وأمر وضع الظاهر موضع الضمير في الموضعين حينئذ ظاهر وكذا إعادة الأمر في قوله تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا}.

ابن عاشور

تفسير : تلقين جواب لقولهم: {أية : قد أخذنا أمرنا من قبل}تفسير : [التوبة: 50] المنبىء عن فرحهم بما ينال المسلمين من مصيبة بإثبات عدم اكتراث المسلمين بالمصيبة وانتفاء حزنهم عليها لأنهم يعلمون أن ما أصابهم ما كان إلاّ بتقدير الله لمصلحة المسلمين في ذلك، فهو نفع محض كما تدلّ عليه تعدية فعل {كتب} باللام المؤذنة بأنّه كتب ذلك لنفعهم وموقع هذا الجواب هو أن العدوّ يفرح بمصاب عدوّه لأنّه ينكد عدوّه ويُحزنه، فإذا علموا أنّ النبي لا يحزَن لما أصابه زال فرحهم. وفيه تعليم للمسلمين التخلق بهذا الخلق: وهو أن لا يحزنوا لما يصيبهم لئلا يهنو وتذهب قوتهم، كما قال تعالى: {أية : ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله}تفسير : [آل عمران: 139، 140]. وأن يرضوا بما قدر الله لهم ويرجوا رضى ربّهم لأنهم واثقون بأنّ الله يريد نصر دينه. وجملة {هو مولانا} في موضع الحال من اسم الجلالة، أو معترضة أي لا يصيبنا إلا ما قدره الله لنا، ولنا الرجاء بأنّه لا يكتب لنا إلا ما فيه خيرنا العَاجل أو الآجل، لأن المولى لا يرضى لمولاه الخزي. وجملة {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} يجوز أن تكون معطوفة على جملة {قل} فهي من كلام الله تعالى خبراً في معنى الأمر، أي قل ذلك ولا تتوكّلوا إلا على الله دون نصرة هؤلاء، أي اعتمدوا على فضله عليكم. ويجوز أن تكون معطوفة على جملة {لن يصيبنا} أي قل ذلك لهم، وقل لهم إن المؤمنين لا يتوكّلون إلا على الله، أي يؤمنون بأنّه مؤيّدهم، وليس تأييدهم بإعانتكم، وتفصيل هذا الإجمال في الجملة التي بعدها. والفاء الداخلة على {فليتوكل المؤمنون} فاء تدلّ على محذوف مفرّع عليه اقتضاه تقديم المعمول، أي على الله فليتوكّل المؤمنون.

د. أسعد حومد

تفسير : {مَوْلاَنَا} (51) - قُلْ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لِهَؤُلاَءِ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا يُصِيبُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ المَصَائِبِ، وَتَسُوؤُهُم النِّعْمَةُ الَّتِي تُصْيبُ الْمُسْلِمِينَ: نَحْنُ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَمَا قَدّرَهُ لَنَا سَيَأْتِينَا، وَلَيْسَ لَهُ مَانِعٌ وَلاَ دَافِعٌ. وَنَحْنُ مُتَوَكّلُونَ عَلَى اللهِ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَلاَ نَيْأسُ عِنْدَ الشِّدَّةِ، وَلاَ نَبْطَرُ عِنْدَ النِّعْمَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا} الحديث هنا عما يصيب الإنسان أو ما يحدث له، فإن حدث للإنسان شيء يأتي منه خير، يكون بالنسبة له حسنة؛ وإن أتى منه شر يكون من وجهة نظره سيئة، إذن فالإصابة هي التقاء هدف بغاية، إذا تحقق الهدف وجاء بخير فهو حسنة، وإن جاء بِشَرٍّ فهو سيئة. والمصائب نوعان: مصيبة للنفس فيها غريم، ومصيبة ليس فيها غريم، فإن اعتدى عليّ واحد بالضرب مثلاً يصبح غريمي، وتتولد في قلبي حفيظة عليه، وغيظ منه، وأرغب في أن أرد عليه وأثأر لنفسي منه، ولكن إن مرضت مثلاً فمن هو غريمي في المرض؟ لا أحد. إذن: فالمصائب نوعان؛ نوع لي فيه غريم، ونوع لا يوجد لي غريم فيه؛ النوع الأول الذي يكون لي فيه غريم يمتلئ قلبي عليه بالحقد، ويُرغِّبنا الحق سبحانه وتعالى في عدم الحقد والعفو عن مثل هذا الغريم، فيقول: {أية : وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 134] وهنا ثلاث مراحل: الأولى كظم الغيظ، والثانية هي العفو، والثالثة هي أن تحسن؛ فترتقي إلى مقام من يحبهم الله وهم المحسنون. وكذلك يقول الحق: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43]. أي: من صبر على ما أصابه، وغفر لغريمه وعدوه، فالصبر والمغفرة من الأمور التي تحتاج إلى عزم وقوة حتى يطوّع الإنسان نفسه على العفو وعدم الانتقام. أما المصائب التي ليس للإنسان فيها غريم فهي لا تحتاج إلى ذلك الجهد من النفس، وإنما تحتاج إلى صبر فقط، إذ لا حيلة للإنسان فيها. ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول في هذا اللون من المصائب: {أية : وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [لقمان: 17]. لأن العزم المطلوب هنا أقل، ولذلك لم تستخدم "لام التوكيد" التي جاءت في قوله تعالى: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43]. ولا بد أن نلتفت إلى قول الحق سبحانه عن المشاعر البشرية حين قال: {أية : وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 134]. هذه الآية الكريمة تمثل مراحل ما يحدث في النفس، فالمطلوب أولاً أن يكظم الإنسان غيظه، أي أن الغيظ موجود في القلب، ويتجدد كلما رأى الإنسان غريمه أمامه، ويحتاج هذا من الإنسان أن يكظم غيظه كلما رآه، ثم يرتقي المؤمن في انفعاله الإيماني، فيأتي العفو، وهذه مرحلة ثانية وهي أن يُخرجَ الغيظ من قلبه، ويحل بدلاً منه العفو. ثم تأتي المرحلة الثالثة: {أية : وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 134]. أي: أن هذا إحسان يحبه الله ويجزي عليه، وهو أن تحسن لمن أساء إليك، فتنال حب الله، وهذا من كمال الإيمان؛ لأن العبيد كلهم عيال الله، واضرب لنفسك المثل - ولله المثل الأعلى - هَبْ أنك دخلت البيت، ووجدت أحد أولادك قد ضرب الثاني، فمع من يكون قلبك وأنت رب البيت؟ لا بد أن يكون قلبك مع المضروب، لذلك تُربِّتُ على كتفه وتصالحه، وقد تعطيه مالاً أو تشتري له شيئاً لترضيه، أي أنك تحسن إليه. وما دمنا كلنا عيال الله، فإن اجترأ عبد على عبد فظلمه فالله يقف في صف المظلوم. إذن فمن أساء إليك إنما يجعل الله إلى جانبك. أفلا يستحق في هذه الحالة أن ترد له هذه التحية بالإحسان إليه؟ إن الولد الظالم يرى أخاه المظلوم وقد انتفع بعطف أبيه، وقد يحصل الابن المظلوم على شيء يريده، والظالم في هذه الحالة إنما يحلم أن يكون هو الذي حدث عليه الاعتداء ليحصل على بعض من الخير. والحق هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يوصينا حين تأتي المصائب أن نرد على الكافرين ونقول: {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا} وهكذا تُرَدُّ المسائل كلها إلى حكمة خالق الكون ومُدبِّر أمره؛ فقد يحدث لي شيء أكرهه؛ ولكنه في حقيقة الأمر يكون لصالحي، فإن ضربني أبي لأنني أهمل مذاكرتي، أيكون ذلك عقاباً لي أم لصالحي؟ إن أنت نظرت إلى المستقبل والنجاح الذي سوف تحققه في الحياة إن ذاكرت، فهذا العقاب لصالحك وليس ضدك، وكذلك لا بد أن نأخذ أحداث الله في كونه بالنسبة للمؤمنين، فإن هُزموا في معركة، فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتهم إلى الخير في دينهم؛ وإلى أنهم لا بد أن يعرفوا أن النصر له أسباب وهم لم يأخذوا بها؛ فلهذا انهزموا. ولله المثل الأعلى، فنحن نجد الأستاذ - وهو يأخذ الكراسات من التلاميذ ليصحح لهم أخطاءهم - يعاقب المخطئ منهم، وفي هذا تربية للتلاميذ. إذن: إن رأيتم مصيبة قد نزلت بنا وظننتم أنها تسيئنا فاعلموا أننا نثق فيمن أجراها، وأنه أجراها لحكمة تأديبية لنا، وأن كل شيء مكتوب لنا لا علينا، الذي كتبه وهو الحق سبحانه وتعالى هو القائل: {أية : لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ ...} تفسير : [المجادلة: 21]. إذن: فنحن نعلم بإيماننا أن كل ما يصيبنا من الله هو الخير، وأن هناك أحداثاً تتم للتأديب والتهذيب والتربية، لنسير على المنهج الصحيح فلا نخرج عنه، فالإنسان لا يربي إلا من يحب، أما من لا يحب فهو لا يهتم بتربيته، فما بالنا بحب الخالق لنا؟ إن الأب إن دخل البيت ووجد في فنائه عدداً من الأولاد يلعبون الورق؛ وبينهم ابنه، فهو ينفعل على الابن، ولكن إن دخل البيت ووجد أولاد الجيران يلعبون الورق فقد لا يلتفت إليهم، فإذا أصابت المسلمين ما يعتبره المنافقون والكافرون مصيبة يفرحون بها، فهذا من غبائهم؛ لأن كل ما كتبه الله هو لصالح المؤمنين به، إما أدباً وإما ثواباً وإما ارتقاءً في الحياة، ولذلك فهو خير، ومن هنا كانت الآية الكريمة {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا} وما كتب الله للمؤمنين إنما هو في صالحهم. ثم يزيد الحق سبحانه وتعالى المعنى تأكيداً؛ فيقول سبحانه: {هُوَ مَوْلاَنَا} وما دام الحق سبحانه وتعالى هو الذي يتولى أمور المؤمنين وهو ناصرهم، فالمولى الأعلى لا يسيء إلى مَنْ والاه، ثم يأتي الإيضاح كاملاً في قوله تعالى: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}؛ لأن الله الذي آمنتَ به هو إله قادر حكيم، فإذا جرتْ عليك أمور فابحثها؛ إن كانت من فعل نفسك، هنا عليك أن تلوم نفسك، أما إن كانت من مجريات الله عليك، فلا بد أن تفهم أنها تحدث لحكمة. والحق سبحانه وتعالى قد يعطي الكافر مقومات حياته، ولكنه يعطي المؤمن مقومات حياته المادية والقيمية معاً. وبهذا المفهوم نعرف أنه إن أصابنا شيء نكرهه، فليس معنى ذلك أن الله تخلى عنا، ولكنه يريد أن يؤدبنا أو يلفتنا لأمر ما، فإنه لو لم يؤدبنا أو يلفتنا لكان قد تخلى عنا حقاً. والحق سبحانه وتعالى حين يخطئ المؤمن تجده سبحانه يلفته إلى خطئه، وفي هذه الحالة يعرف المؤمن أن الله لم يتركه؛ لذلك لا يقولن أحد: إن الله تخلى عنا، فهذا ضعف في الإيمان وبالتالي فإنه ضعف في التوكل. ولكن قل: إن الله حين يؤدبك فهو لا يتخلى عنك، فساعة تأتي المصيبة اعلم أنه لا يزال مولاك. وما دام مولاك يحاسبك على أي خطأ ويصوِّبه لك، فثِقْ به سبحانه وتوكل عليه. وعلى سبيل المثال: لنفترض أن إنساناً اتكل عليك في أمر من الأمور، ثم أخطأتَ أنت في هذا الأمر، لا بد أن يأتي لينبهك إلى ما أخطأت فيه ويقترح عليك وسيلة لإصلاح الخطأ، وفي هذه الحالة ستجد نفسك ممتلئة بالثقة في هذا الإنسان، فما بالنا بالله سبحانه وتعالى حين نتوكل عليه ويُصوِّب لنا كل أمر؟ ولكن إياكم أن تنقلوا التوكل من القلوب إلى الجوارح. ولذلك يقال: الجوارح تعمل والقلوب تتوكل. فأنت تحرث الأرض وتضع فيها البذور وترويها، وهذا من عمل الجوارح لا بد أن تؤديه، وبعد ذلك تتوكل على الله وتأمل في محصول وفير ينبته الزرع، فلا تأتي آفة أو ظاهرة جوية مثل مطر غزير أو ريح شديدة؛ فتضيع كل ما عملته، وبعد إتقانك لعملك يأتي دعاؤك لله سبحانه وتعالى أن يحفظ لك ناتج عملك. أما الذين لا يعملون بجوارحهم ويعلنون أنهم متوكلون على الله، فنقول لهم: أنتم كاذبون؛ لأن التوكل ليس من عمل الجوارح بل من عمل القلوب، فالجوارح تعمل والقلوب تتوكل. لكن على مَنْ نتوكل؟ إنك حين تتوكل على الحي الذي لا يموت، فلن يضيع عملك، أما إن اتكلت على إنسان مثلك حتى وإن كان ذا قوة، فقد تنقلب قوته ضعفاً، وقد يُكْرِهُك أو يُذِلُّكَ، وقد تصيبه كارثة فيموت. ويُبلِّغ الحق سبحانه رسوله أن يرد على الذين يفرحون في مصائب المسلمين ليكشف لهم أن فرحهم بالمصيبة هو فرح أغبياء. فيأتي قوله الحق: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا} معناهُ قَضى لَنَا.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {قُل} [التوبة: 51] يا روح، {لَّن يُصِيبَنَآ} [التوبة: 51] من الموانع، {إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا} [التوبة: 51] لتربية ما يصيبنا من الفترات والوقفات لا علينا من الرد والطرد، {هُوَ مَوْلاَنَا} [التوبة: 51] ولينا ومربينا ومؤدبنا يفعل بنا ما هو صلاح ديننا ولإصلاح حالنا. {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51] فليثقوا بحسن عاطفته، وليكل أمر تربيتها إلى القلوب والأرواح المؤمنة، {قُلْ} [التوبة: 52] يا روح، {هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ} [التوبة: 52] أيتها النفس وصفاتها بنا، {إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ} [التوبة: 52] الإحسان والعواطف الروحانية والوقفة والغيرة الموجبة لحسن التربية والتأديب والتجربة، {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ} [التوبة: 52] لأنه {أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ} [التوبة: 52] من الابتلاء والمصيبات. {أَوْ بِأَيْدِينَا} [التوبة: 52] استيلاء وغلبة لنستعملكم من الطاعات والعبادات، ونمنعكم من المخالفات ومتابعة الهوى وطلب الدنيا وإصغاء لشهواتنا، {فَتَرَبَّصُوۤاْ} [التوبة: 52] لنا، {إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ} [التوبة: 52] للظفر بكم. ثم أخبر عن إنفاق بقوله تعالى: {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} [التوبة: 53] إلى قوله: {أية : لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ}تفسير : [التوبة: 57] يشير إلى أن الطاعة في العبودية بثلاثة أنواع: بالمال، والبدن والقلب، أمَّا بالمال: فهو الإنفاق في سبيل الله، وأمَّا بالبدن فهو القيام بالأوامر والنواهي والسنن والآداب المستحسنة المستحبة، وأمَّا بالقلب فهو الإيمان والصدق والإخلاص في النية، وأن الطاعة بالمال والبدن مقبولة لقوله تعالى صلى الله عليه وسلم: "حديث : نية المؤمن أبلغ من عمله ".تفسير : وفي الآية الأولى إشارة أخرى: قل يا روح النفس وصفاتها اتقوا أي: اتركوا ما هو مشتهياتكم ومستلذاتكم من المال والجاه والنعم من المأكولات والمشروبات والمنكوح والملبوس، {طَوْعاً} أي: رضاء {أَوْ كَرْهاً} أي: نفاقاً، {لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ} [التوبة:53] هذه الرياضة والمجاهدة، {إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ} [التوبة: 53] خارجين عن الإخلاص والإيمان، {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 54].