Verse. 1287 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

قُلْ ہَلْ تَرَبَّصُوْنَ بِنَاۗ اِلَّاۗ اِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ۝۰ۭ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ اَنْ يُّصِيْبَكُمُ اللہُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِنْدِہٖۗ اَوْ بِاَيْدِيْنَا۝۰ۡۖ فَتَرَبَّصُوْۗا اِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُوْنَ۝۵۲
Qul hal tarabbasoona bina illa ihda alhusnayayni wanahnu natarabbasu bikum an yuseebakumu Allahu biAAathabin min AAindihi aw biaydeena fatarabbasoo inna maAAakum mutarabbisoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل هل تربصون» فيه حذف إحدى التاءين من الأصل أي تنتظرون أن يقع «بنا إلا إحدى» العاقبتين «الحسنيين» تثنية حسنى تأنيث أحسن: النصر أو الشهادة «ونحن نتربص» ننتظر «بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده» بقارعة من السماء «أو بأيدينا» بأن يؤذن لنا في قتالكم «فتربصوا» بنا ذلك «إنا معكم متربِّصون» عاقبتكم.

52

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن فرح المنافقين بمصائب المؤمنين، وذلك لأن المسلم إذا ذهب إلى الغزو، فإن صار مغلوباً مقتولاً فاز بالاسم الحسن في الدنيا والثواب العظيم الذي أعده الله للشهداء في الآخرة، وإن صار غالباً فاز في الدنيا بالمال الحلال والاسم الجميل، وهي الرجولية والشوكة والقوة، وفي الآخرة بالثواب العظيم. وأما المنافق إذا قعد في بيته فهو في الحال في بيته مذموماً منسوباً إلى الجبن والفشل وضعف القلب والقناعة بالأمور الخسيسة من الدنيا على وجه يشاركه فيها النسوان والصبيان والعاجزون من النساء، ثم يكونون أبداً خائفين على أنفسهم وأولادهم وأموالهم، وفي الآخرة إن ماتوا فقد انتقلوا إلى العذاب الدائم في القيامة، وإن أذن الله في قتلهم وقعوا في القتل والأسر والنهب، وانتقلوا من الدنيا إلى عذاب النار، فالمنافق لا يتربص بالمؤمن إلا إحدى الحالتين المذكورتين، وكل واحدة منهما في غاية الجلالة والرفعة والشرف، والمسلم يتربص بالمنافق إحدى الحالتين المذكورتين، أعني البقاء في الدنيا مع الخزي والذل والهوان، ثم الانتقال إلى عذاب القيامة والوقوع في القتل والنهب مع الخزي والذل، وكل واحدة من هاتين الحالتين في غاية الخساسة والدناءة، ثم قال تعالى للمنافقين: {فَتَرَبَّصُواْ } بنا إحدى الحالتين الشريفتين {إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبّصُونَ } وقوعكم في إحدى الحالتين الخسيستين النازلتين. قال الواحدي: يقال فلان يتربص بفلان الدوائر، وإذا كان ينتظر وقوع مكروه به، وهذا قد سبق الكلام فيه. وقال أهل المعاني: التربص، التمسك بما ينتظر به مجيء حينه، ولذلك قيل: فلان يتربص بالطعام إذا تمسك به إلى حين زيادة سعره، والحسنى تأنيث الأحسن. واختلفوا في تفسير قوله: {بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا } قيل: من عند الله. أي بعذاب ينزله الله عليهم في الدنيا، أو بأيدينا بأن يأذن لنا في قتلكم. وقيل: بعذاب من عند الله، يتناول عذاب الدنيا والآخرة، أو بأيدينا القتل. فإن قيل: إذا كانوا منافقين لا يحل قتلهم مع إظهارهم الإيمان، فكيف يقول تعالى ذلك؟ قلنا قال الحسن: المراد بأيدينا إن ظهر نفاقكم، لأن نفاقهم إذا ظهر كانوا كسائر المشركين في كونهم حرباً للمؤمنين، وقوله: {فَتَرَبَّصُواْ } وإن كان بصيغة الأمر، إلا أن المراد منه التهديد، كما في قوله: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ} والكوفيون يدغمون اللام في التاء. فأما لام المعرفة فلا يجوز إلا الإدغام؛ كما قال جل وعز: «التَّائِبُون» لكثرة لام المعرفة في كلامهم. ولا يجوز الإدغام في قوله: «قُلْ تَعَالَوْا» لأن «قل» معتل، فلم يجمعوا عليه علتين. والتربص الانتظار. يقال: تربص بالطعام أي انتظر به إلى حين الغلاء. والحسنىٰ تأنيث الأحسن. وواحد الحسنيين حسنىٰ، والجمع الحسنىٰ، ولا يجوز أن ينطق به إلا معرّفاً. لا يقال: رأيت امرأة حسنىٰ. والمراد بالحُسْنَيين الغنيمة والشهادة؛ عن ابن عباس ومجاهدٍ وغيرهما. واللفظ استفهام والمعنىٰ توبيخ. {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ} أي عقوبة تهلككم؛ كما أصاب الأمم الخالية من قبلكم. {أَوْ بِأَيْدِينَا} أي يؤذن لنا في قتالكم. {فَتَرَبَّصُوۤاْ} تهديد ووعيد. أي انتظروا مواعد الشيطان إنا منتظرون مواعد الله.

البيضاوي

تفسير : {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا} تنتظرون بنا. {إِلا إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ} إلا إحدى العاقبتين اللتين كل منهما حسنى العواقب: النصرة والشهادة. {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ} أيضاً إحدى السوأيين {أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ} بقارعة من السماء. {أَوْ بِأَيْدِينَا} أو بعذاب بأيدينا وهو القتل على الكفر. {فَتَرَبَّصُواْ} ما هو عاقبتنا {إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبّصُونَ} ما هو عاقبتكم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {قُلْ} لهم يا محمد {هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ} أي: تنتظرون بنا {إِلاَ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ} شهادة، أو ظفر بكم، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم، {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ} أي: ننتظر بكم {أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا} أي: ننتظر بكم هذا أو هذا، إما {أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا} بسبي أو بقتل {فَتَرَبَّصُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ} وقوله تعالى: {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} أي: مهما أنفقتم من نفقة، طائعين أو مكرهين {لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ} ثم أخبر تعالى عن سبب ذلك، وهو أنهم لا يتقبل منهم؛ لأنهم {كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ} أي: والأعمال إنما تصح بالإيمان، {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ} أي: ليس لهم قصد صحيح، ولا همة في العمل، {وَلاَ يُنفِقُونَ} نفقة {إِلاَّ وَهُمْ كَـٰرِهُونَ} وقد أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن الله لا يمل حتى تملوا، وأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً. فلهذا لا يقبل الله من هؤلاء نفقة ولا عملاً؛ لأنه إنما يتقبل من المتقين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ } فيه حذف إحدى التاءين من الأصل: أي تنتظرون أن يقع {بِنَآ إِلآ إِحْدَى } العاقبتين {ٱلْحُسْنَيَيْنِ } تثنية «حُسْنى» تأنيث «أحْسَنَ»: النصر أو الشهادة {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ } ننتظر {بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ } بقارعة من السماء {أَوْ بِأَيْدِينَا } بأن يؤذن لنا في قتالكم {فَتَرَبَّصُواْ } بنا ذلك {إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ } عاقبتكم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} يعني النصر أو الشهادة وكلاهما حسنة لأن في النصر ظهور الدين، وفي الشهادة الجنة. {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ} يحتمل وجهين: أحدهما: عذاب الاستئصال في الدنيا. والثاني: عقاب العصيان في الآخرة. {أَوْ بِأَيْدِينَا} يعني بقتل الكافر عند الظفر والمنافق مع الإذن فيه.

ابن عطية

تفسير : فالمعنى في هذه الآية الرد على المنافقين في معتقدهم في المؤمنين، وإزالة ظنهم أن المؤمنين تنزل بهم مصائب، والإعلام بأنها حسنى كيف تصرفت، و {تربصون} معناه تنتظرون و"الحسنيان " الشهادة والظفر وقرأ ابن محيصن: " إلا احدى الحسنيين" بوصل ألف {إحدى}. قال القاضي أبو محمد: وهذه لغة ليست بالقياس وهذا مثل قول الشاعر: [الكامل] شعر : يا أبا المغيرة رب أمر معضل تفسير : وقول الآخر: [الكامل] شعر : إن لم أقاتل فالبِسيني برقعا تفسير : وقوله {بعذاب من عنده }، يريد الموت بأخذات الأسف، ويحتمل أن يكون توعداً بعذاب الآخرة، وقوله {بأيدينا}، يريد القتل وقيل {بعذاب من عنده } يريد أنواع المصائب والقوارع وقوله: {فتربصوا إنَّا معكم متربصون} وعيد وتهديد، وقوله {قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً } سببها: أن الجد بن قيس حين قال {أية : ائذن لي ولا تفتني} تفسير : [التوبة:49] قال إني أعينك بمال فنزلت هذه الآية فيه وهي عامة بعده، والطوع والكره يعمان كل إنفاق، وقرأ ابن وثاب والأعمش " وكُرها" بضم الكاف. قال القاضي أبو محمد: ويتصل ها هنا ذكر أفعال الكافر إذا كانت براً كصلة القرابة وجبر الكسير وإغاثة المظلوم هل ينتفع بها أم لا، فاختصار القول في ذلك أن في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : إن ثواب الكافر على أفعاله البرة هو في الطعمة يطعمها" تفسير : ونحو ذلك، فهذا مقنع لا يحتاج معه إلى نظر وأما ينتفع بها في الآخرة فلا، دليل ذلك أن عائشة أم المؤمنين قالت للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله: أرأيت عبد الله بن جدعان أينفعه ما كان يطعم ويصنع من خير فقال: "حديث : لا إنه لم يقل يوماً، رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين" تفسير : ودليل آخر في قول عمر رضي الله عنه لابنه: ذاك العاصي بن وائل لا جزاه الله خيراً وكان هذا القول بعد موت العاصي، الحديث بطوله، ودليل ثالث في حديث حكيم بن حزام على أحد التأويلين: أعني في قول النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : أسلمت على ما سلف لك من خير تفسير : ، ولا حجة في أمر أبي طالب كونه في ضحضاح من نار لأن ذلك إنما هو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، وبأنه وجده في غمرة النار فأخرجه، ولو فرضنا أن ذلك بأعماله لم يحتج إلى شفاعة، وأما أفعال الكافر القبيحة فإنها تزيد في عذابه وبذلك هو تفاضلهم في عذاب جهنم، وقوله: {أنفقوا} أمر في ضمنه جزاء وهذا مستمر في كل أمر معه جواب فالتقدير: إن لم تنفقوا لم يتقبل منكم، وأما إذا عري الأمر من جواب فليس يصحبه تضمن الشرط.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْحُسْنَيَيْنِ} النصر والشهادة في النصر ظهور الدين وفي الشهادة الجنة.

البقاعي

تفسير : ولما تضمن ذلك أن سراءهم وضراءهم لهم خير من حيث إن الرضى بمر القضاء موجب لإقبال القاضي على المقضي عليه بالرأفة والرحمة، صرح بذلك في قوله: {قل هل تربصون} أي تنتظرون انتظاراً عظيماً {بنا إلا إحدى الحسنيين} أي وهي أن نصيب أعداءنا فنظفر ونغنم ونؤجر أو يصيبونا بقتل أو غيره فنؤجر، وكلا الأمرين حسن: أما السراء التي توافقوننا على حسنها فأمرها واضح، وأما الضراء فموجبة لرضى الله عنا ومثوبته لنا بالصبر عليها ورضانا بها إجلالاً له وتسليماً لأمره فهي حسنى كما نعلم لا سوأى كما تتوهمون {ونحن نتربص بكم} أي ننتظر إحدى السوأيين وهي {أن يصيبكم الله} أي الذي له جميع القدرة ونحن من حزبه {بعذاب من عنده} أي لا تسبب لنا فيه كما أهلك القرون الأولى بصائر للناس {أو بأيدينا} أي بسببنا من قتل أو نهب وأسر وضرب وغير ذلك لأن حذركم لا يمنعكم من الله، وكل ذلك مكروه عندكم. ولما تسبب عن هذا البيان ان السوء خاصة بحزب الشيطان، حسن أن يؤمروا تهكماً بهم بما أداهم إلى ذلك تخسيساً لشأنهم فقال: {فتربصوا} أي أنتم {إنا} أي نحن {معكم متربصون*} أي بكم، نفعل كما تفعلون، والقصد مختلف، والآية من الاحتباك: حذف أولاً الإصابة للدلالة عليها بما أثبت ثانياً، وثانياً إحدى السوأيين للدلالة عليها بإثبات الحسنيين أولاً. ولما كان جملة ما يصيبهم منهم من العذاب الإنفاق بتزكية ما طهر من أموالهم بالإعانة في سبيل الله خوفاً من اتهامهم بالنفاق في أقوالهم ليفتدوا أنفسهم به من السفر، قال: {قل أنفقوا} أي أوجدوا الإنفاق لكل ما يسمى إنفاقاً {طوعاً أو كرهاً} أي مظهرين الطواعية أو مظهرين الكراهية؛ ولما كان الإعراض عنهم إنما سببه كفرهم لا إنفاقهم، لم يربط الجواب بالفاء بل قال: {لن يتقبل منكم} أي يقع تقبل لشيء يأتي من قبلكم أصلاً من أحد له أن يتقبل كائناً من كان، ولذلك بناه للمفعول، لأن قلوبكم كارهة ليست لها نية صالحة في الإنفاق ولا في غيره، فانقسام إنفاقكم إلى طوع وكره إنما هو باعتبار الظاهر، وكأنه عبر بالتفعل إشارة إلى قبوله منهم ظاهراً؛ ولما كان غير مقبول باطناً على حال من الأحوال علل بقوله: {إنكم كنتم} أي جبلة وطبعاً {قوماً فاسقين*} أي عريقين في الفسق بالغين أنهى غاياته. ولما علل بالعراقة في الخروج عن الطاعة، بينه في قوله: {وما منعهم أن تقبل} أي باطناً، ولذا عبر بالمجرد، ولذا بناه للمفعول لأن النافع القبول في نفس الأمر لا كونه من معين {منهم نفقاتهم} أي وإن جلت {إلا أنهم كفروا بالله} أي الذي له جميع صفات الكمال من الجلال والجمال لفساد جبلاتهم وسوء غرائزهم. ولما كان قبول النفقات مهيئاً للطهارة التي تؤثرها الصلاة، كان السياق لعدم قبولها - ليتسبب عنه النهي عن الصلاة عليهم - أبلغ لأنه أدل على الخبث، فأكد كفرهم بزيادة الجار إشعاراً بأن الكفر بكل منهما على حياله مانع فقال: {وبرسوله} أي فسقهم بأنهم غير مؤمنين وهو السبب المانع بمفرده من القبول: ثم قدح في شاهدي ما يظهرون من الإيمان وهما الصلاة والزكاة وغيرهما من الإنفاق في الخيرات بما هو لازم للكفر ودال عليه فقال: {ولا يأتون الصلاة} أي المفروضة وغيرها {إلا وهم كسالى} أي في حال كسلهم، لا يأتونها قط بنشاط {ولا ينفقون} أي نفقة من واجب أو غيره {إلا وهم كارهون*} أي في حال الكراهة وإن ظهر لكم خلاف ذلك، وذلك كله لعدم النية الصالحة واعتقاد الآخرة، وهذا لا ينافي طوعاً لأن ذلك بحسب الفرض أو الظاهر وهذا بحسب الواقع.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين‏}‏ قال‏:‏ فتح أو شهادة‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إلا إحدى الحسنيين‏} ‏ قال‏:‏ إلا فتحاً أو قتلاً في سبيل الله‏. وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي من طريق سعد بن اسحق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن جده حديث : بينما النبي صلى الله عليه وسلم بالروحاء إذ هبط عليه أعرابي من سرب فقال‏:‏ من القوم وأين تريدون‏؟‏ قال‏:‏ قوم بدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال‏:‏ ما لي أراكم بذة هيئتكم قليلاً سلاحكم‏؟‏ قال‏:‏ ننتظر إحدى الحسنيين، إما أن نقتل فالجنة وإما أن نغلب فيجمعهما الله تعالى لنا الظفر والجنة‏.‏ قال‏:‏ أين نبيكم‏؟‏ قالوا‏:‏ ها هوذا‏.‏ فقال له‏:‏ يا نبي الله ليست لي مصلحة آخذ مصلحي ثم الحق‏؟‏ قال ‏"‏اذهب إلى أهلك فخذ مصلحتك فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وخرج الرجل إلى أهله حتى فرغ من حاجته ثم لحق بهم ببدر، فدخل في الصف معهم فاقتتل الناس فكان فيمن استشهد، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن انتصر فمر بين ظهراني الشهداء ومعه عمر رضي الله عنه، فقال‏: ها يا عمر إنك تحب الحديث، وإن للشهداء سادة وأشرافاً وملوكاً، وإن هذا يا عمر منهم"‏‏‏ . تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا‏} ‏ قال‏:‏ القتل بالسيوف‏.

القشيري

تفسير : بَيَّنَ اللهُ في هذه الآية الفَرْقَ بين المؤمنين وبين الكفار، فقال قُلْ للذين ينتظرون: أيها الكفار إن كان من شأن المؤمنين وقوعُ الدائرة عليهم في القتال، أَو أنَّ القَتْلَ ينالهُم فأيُّ واحدٍ من الأمْرَيْن ينالهم فهو لهم من الله نعمة؛ لأنَّا إنْ ظَفِرْنا بكم فَنَصْرٌ وغنيمة، وعِزٌّ للدِّين ورفعة، وإنْ قُتلْنَا فشهادةٌ ورحمة، ورضوانٌ من الله وزُلْفَى. وإنْ كان الذي يصيبنا في الدنيا هزيمة ونكبةٌ، فذلك مُوجِبٌ للأجْرِ والمثوبة، فإذاً لن يستقبِلَنا إلا ما هو حُسْنَى ونعمة. وأمَّا أنتم، فإنْ ظَفِرْنَا بكم فتعجيلُ لذُلِّكم ومحنة، وإن قُتِلتُم فعقوبةٌ من اللهِ وسخطة، وإن كانت اليد لكم في الحال فخذلانٌ من اللهِ، وسببُ عذابٍ وزيادةُ نقمة. ويقال: {هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ} أمَّا قيامُ بحقّ الله في الحال فنكون بوصف الرضاء وهو - في التحقيق - الجنَّةُ الكبرى، وإمَّا وصولٌ إلى الله تعالى في المآل بوصف الشهادة، ووجدان الزلفى في العقبى وهو الكرامة العظمى.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} للمنافقين {هل تربصون بنا} التربص التمكث مع انتظار مجيئ شيء خيرا كان او شرا والباء للتعدية واحدى التاءين محذوفة اذ الاصل تتربصون. والمعنى ما تنتظرون بنا {الا احدى الحسنيين} اى العاقبتين اللتين كل واحدة منهما من حسنى العواقب وهما النصر والشهادة وهذا نوع بيان لما ابهم فى الجواب الاول وكشف لحقيقة الحال باعلام ان ما يزعمونه مضرة للمسلمين من الشهادة انفع مما يعدونه منفعة من النصر والغنيمة. والمعنى فما تفرحون الا بما نلنا مما هو احسن العواقب وحرمانكم من ذلك فأين انتم من التيقظ والعمل بالحزم كما زعمتم وفى الحديث "حديث : يضمن الله لمن خرج فى سبيله لا يخرج الا ايمانا بالله وتصديقا برسوله ان يدخله الجنة او يرجعه الى منزله الذى خرج منه نائلا ما نال من اجر أو غنيمة" شعر : دولت اكر مدد دهددامنش آورم بكف كربكشد زهى طرب وربكشد زهى شرف تفسير : {ونحن نتربص بكم} احد السوأيين من العواقب {أن يصيبكم الله} [آنكه برساند خداى تعالى بشما] {بعذاب من عنده} كما اصاب من قبلكم من الامم المهلكة من الصيحة والرجفة والخسف وكون العذاب من عند الله عبارة عن عدم كونه بايدى العباد {أو} بعذاب {بأيدينا} وهو القتل بسبب الكفر {فتربصوا} الفاء فصيحة اى اذا كان الامر كذلك فتربصوا بنا ما هو عاقبتنا {إنا معكم متربصون} ما هو عاقبتكم فاذا لقى كل منا ومنكم ما يتربصه لا تشاهدون الا ما يسرنا ولا نشاهد الا ما يسوؤكم وفى الحديث "حديث : مثل المؤمن مثل السنبلة تحركها الريح فتقوم مرة وتقع اخرى ومثل الكافر مثل الارزة ولا تزال قائمة حتى تنقعر" تفسير : أى تنقطع يقال قعر الشجرة قلعها من اصلها فانقعرت. والأرزة شجر يشبه الصنوبر يكون بالشام وبلاد الارمن وقيل هو شجر الصنوبر: يعنى [مؤمن را عيش خوش نبود شادى باغم ونعمت باشدت ودرستى بايمارى وجنين بسيار بماند وكافرتن درست ودل خوش بود لكن بيك كرت بسراندر آيد وهلاك شود] وفى الحديث "حديث : من اهان لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة" تفسير : يعنى ان الولى وهو المؤمن المطيع ينصر الله تعالى فيكون الله ناصره فمن عادى من كان الله ناصره فقد بارز بمحاربة الله وكل كافر ومنافق فهو مهين الاولياء واهانتهم بذر محصوله الهلاك والاستئصال وفى المثنوى شعر : قصه عاد وثمود ازبهر جيست تابدانى كانبيارا ناز كيست اين نشان خسف وقذف وصاعقه شد بيان عز نفس ناطقه جمله حيوانرا بى انسان بكش جمله انسانرا بكش ازبهر هش هش جه باشد عقل كل هو شمند هوش جزئى هش بود امانزند تفسير : وقد ذم الله المنافقين بتغيير الحال وعدم مواطأة الحال بالمقال وفى الحديث "حديث : لا يستقيم ايمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه" تفسير : وفى الحديث "حديث : طوبى لمن طاب كسبه وصلحت سريرته وكرمت علانيته وعزل عن الناس شره" تفسير : وفى الحديث "حديث : من شر الناس ذو الوجهين الذى يأتى هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه آخر ومن كان ذا وجهين فى الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار" تفسير : كما فى ابكار الافكار

الطوسي

تفسير : روى ابن فليح والبزي إلا النقاش {هل تربصون} بتشديد التاء، وجهه أنه أراد تتربصون فادغم احد التاءين في الاخرى. امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهؤلاء المنافقين {هل تربصون بنا} والتربص التمسك بما ينتظر به مجيء حينه ولذلك قيل تربص بالطعام إذا تمسك به إلى حين زيادة سعره، وقوله {إلا إحدى الحسنيين} واحدى الشيئين واحدة منهما، واحد العشر واحد منها، واحدى النساء معناه واحدة منهن. والحسنيان عظيمان في الحسن من النعم ومعانيهما ها هنا إما الغلبة بنصر الله عز وجل والشهادة المودية إلى الجنة، في قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وغيرهم. و {هل} حرف من حروف الاستفهام والمراد ها هنا التقريع بالتربص المؤدي صاحبه إلى كل ما يكرهه من خيبته وفوز خصمه. وقوله {ونحن نتربص بكم} أي قل لهؤلاء: ونحن ايضاً نتوقع بكم ان يوقع بكم عذاباً {من عنده} يهلككم به {او بأيدينا} بأن ينصرنا عليكم فيقتلكم بأيدينا. وقوله {فتربصوا} صورته صورة الأمر والمراد به التهديد كما قال: {أية : اعملوا ما شئتم } {أية : واستفزز من استطعت } تفسير : وانما قلنا ذلك لأن تربص المنافقين بالمؤمنين تمسك بما يؤدي إلى الهلاك وذلك قبيح لا يريده الله ولا يأمر به. وقال الفراء: العرب تدغم لام هل وبل في التاء خاصة وهو كثير في كلامهم.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ} تسليةً لقومك وردعاً للمتخلّفين الفرحين {هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ} الظّفر والغنيمة او القتل والجنّة {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ} احدى السّوئتين {أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ} بالقتل والبلايا الشّديدة من دون واسطة بشرٍ {أَوْ بِأَيْدِينَا} بالقتل والاسر والتّعذيب بأيدينا {فَتَرَبَّصُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ} فى الخبر فى تفسير الاّ احدى الحسينين امّا موت فى طاعة الله او ادراك ظهور امام.

اطفيش

تفسير : {قُلْ هَل تربَّصُون} تنظرون {بِنَا} الأصل تتربصون، حذفت إحدى التائين والخطاب للمنافقين {إلا إحْدَى الحُسْنَييْنِ} تثنية الحسنى بالضم والقصر أى إلا إحدى العاقبتين الحسنيين، إحداهما النصر وتترتب عليه الغنيمة ونحوها، والأخرى الموت على الشهادة، وتترتب عليها المغفرة والثواب، وفى الحديث القدسى: "حديث : من خرج جهادا فى سبيلى وإيمانا بى وتصديقا برسلى فإما أن يموت فأدخله الجنة، وإما أن أرجعه إلى منزله نائلا ما نال من أجر أو غنيمة" تفسير : وأفضل الحسنيين الموت على الشهادة. وإن قلت: كيف يتربص المنافقون إن ينصر المؤمنون؟ قلت: سمى مراقبتهم بالمؤمنين على وجه الشر تربصا، وإذا كانت عاقبة مراقبتهم نصر المؤمنين فكأنهم كلما تربصوا بهم تم نصرهم، وهذا على طريق لام الصيرورة، أو سمى ذلك تربصا تغليبا لتربص الحسنى الأخرى وهى الموت، أو المراد بإحداهما خصوص الموت، أو مشاكله لقوله: {ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله} الخ هذا ما ظهر لى والحمد لله فى توجيه ذلك، ولم أر أحدا تكلم عليه، وقرأ ابن محيصن بوصل همزة إحدى، قيل: وهى لغة شاذة، قلت: لعل ابن محيصن لم يمكن صوته فى الهمزة بل اختلس وأسرع مع ما فيها من الخفاء فحسب السامع أنه وصلها. {بعَذابٍ مِنْ عِنْده} بقارعة من السماء كما جرى على عاد وثمود، أو خسف من الأرض، أو مصيبة من المصائب قيل، ويحتمل أن يكون توعدا بعذاب الآخرة. {أو بأيْدِينَا} أى أو يصيبكم بأيدينا، بأن نقتلكم ونأسركم، وهذا أولى من قول القاضى، أو بعذاب بأيدينا بسلامته من الحبس {فتربَّصُوا} عاقبتنا أمر تهديد {إنَّا معَكُم متربِّصُونَ} عاقبتكم، ولفظ مع لإشراك الكل فى التربص، ولو اختلف التربصان.

الالوسي

تفسير : {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا} لانقطاع حكم الأمر الأول بالثاني وإن كان أمراً لغائب، وأما على كلام الجماعة فالإعادة لإبراز كمال العناية بشأن المأمور به، والتربص الانتظار والتمهل وإحدى التاءين محذوفة، والباء للتعدية أي ما تنتظرون بها {إِلا إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ} أي إحدى العاقبتين اللتين / كل منهما أحسن من جميع العواقب غير الأخرى أو أحسن من جميع عواقب الكفرة أو كل منهما أحسن مما عداه من جهة، والمراد بهما النصرة والشهادة، والحاصل أن ما تنتظرونه لا يخلو من أحد هذين الأمرين وكل منهما عاقبته حسنى لا كما تزعمون من أن ما يصيبنا من القتل في الغزو سوء ولذلك سررتم به. وصح من حديث أبـي هريرة عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال:«حديث : تكفل الله تعالى لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة» تفسير : . {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ} إحدى السوأيين من العواقب إما {أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ} فيهلككم كما فعل بالأمم الخالية قبلكم، والظرف صفة {عَذَابِ} وكونه من عنده تعالى كناية عن كونه منه جل شأنه بلا مباشرة البشر، ويظهر ذلك المقابلة بقوله سبحانه: {أَوْ بِأَيْدِينَا} أي أو بعذاب كائن بأيدينا كالقتل بكونه على الكفر لأنه بدونه شهادة، وفيه إشارة إلى أنهم لا يقتلون حتى يظهروا الكفر ويصروا عليه لأنهم منافقون والمنافق لا يقتل ابتداء {فَتَرَبَّصُواْ} الفاء فصيحة أي إذا كان الأمر كذلك فتربصوا بنا ما هو عاقبتنا {إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ} ما هو عاقبتكم فإذا لقي كل منا ومنكم ما يتربصه لا نشاهد إلا ما يسؤوكم ولا تشاهدون إلا ما يسرنا، وما ذكرناه من مفعول التربص هو الظاهر، ولعله يرجع إليه ما روي عن الحسن أي فتربصوا مواعيد الشيطان إنا متربصون مواعد الله تعالى من إظهار دينه واستئصال من خالفه، والمراد من الأمر التهديد.

ابن عاشور

تفسير : تتنزّل هذه الجملة منزلة البيان لِما تضمّنته جملة {أية : قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} تفسير : [التوبة: 51] الآية، ولذلك لم تعطف عليها، والمبيّن هو إجمالُ {أية : ما كتب الله لنا هو مولانا}تفسير : [التوبة: 51] كما تقدّم. والمعنى لا تنتظرون من حالنا إلاّ حسنة عاجلة أو حسنة آجلة فأمّا نحن فننتظر من حالكم أن يعذبكم الله في الآخرة بعذاب النار، أو في الدنيا بعذاب على غير أيدينا من عذاب الله في الدنيا: كالجوع والخوف، أو بعذابٍ بأيدينا، وهو عذاب القتل، إذا أذن الله بحربكم، كما في قوله: {أية : لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينّك بهم}تفسير : [الأحزاب: 60] الآية. والاستفهام مستعمل في النفي بقرينة الاستثناء. ومعنى الكلام توبيخ لهم وتخطئة لتربّصهم لأنّهم يتربّصون بالمسلمين أن يقتلوا، ويغفلون عن احتمال أن ينصروا فكان المعنى: لا تتربّصون بنا إلا أن نقتل أو نغلِب وذلك إحدى الحسنين. والتربص: انتظار حصول شيء مرغوب حصوله، وأكثر استعماله. أن يكون انتظارَ حصول شيء لغير المنتظِر (بكسر الظاء) ولذلك كثرت تعدية فعل التربّص بالباء لأن المتربّص ينتظر شيئاً مصاحباً لآخرِ هو الذي لأجله الانتظار. وأمّا قوله: {أية : والمطلقات يتربّصن بأنفسهن ثلاثة قروء}تفسير : [البقرة: 228] فقد نزلت {أنفسهن} منزلة المغاير للمبالغة في وجوب التربّص، ولذلك قال في «الكشّاف»: «في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربّص وزيادة بعث». وقد تقدم ذلك هنالك، وأمّا قوله: {أية : للذين يؤلون من نسائهم تربّص أربعة أشهر}تفسير : [البقرة: 226] فهو على أصل الاستعمال لأنّه تربّص بأزواجهم. وجملة {ونحن نتربص بكم} معطوفة على جملة الاستفهام عَطف الخبر على الإنشاء: بل على خبر في صورة الإنشاء، فهي من مقول القول وليس فيها معنى الاستفهام. والمعنى: وجود البون بين الفريقين في عاقبة الحرب في حالي الغلبة والهزيمة. وجعلت جملة {ونحن نتربص} اسميةً فلم يقل ونتربّص بكم بخلاف الجملة المعطوف عليها: لإفادة تقوية التربّص، وكناية عن تقوية حصول المتربَّص لأن تقوية التربّص تفيد قوة الرجاء في حصول المتربَّص فتفيد قوّة حصوله وهو المكنّى عنه. وتفرّع على جملة {هل تربصون بنا} جملة {فتربصوا إنا معكم متربصون} لأنّه إذا كان تربّص كلّ من الفريقين مسفراً عن إحدى الحالتين المذكورتين كان فريق المؤمنين أرضى الفريقين بالمتَّربِّصين لأنّ فيهما نفعه وضرّ عدوّه. والأمر في قوله: {تربّصوا} للتحْضيض المجازي المفيد قلّة الإكتراث بتربّصهم كقول طَريف بن تميم العنبري:شعر : فتوسَّمُوني إنَّني أنَا ذلكُم شَاكِي سِلاحي في الحوادث مُعْلَم تفسير : وجملة {إنا معكم متربصون} تهديد للمخاطبين والمعية هنا: معية في التّربص، أو في زمانه، وفصلت هذه الجملة عن التي قبلها لأنّها كالعلّة للحضّ.

الواحدي

تفسير : {قل هل تربصون بنا} هل تنتظرون أن يقع بنا {إلاَّ إحدى الحسنين } الغنيمة أو الشَّهادة { ونحن نتربص} ننتظر {بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده} بقارعةٍ من السَّماء {أو بأيدينا} يأذن لنا في قتلكم فنقتلكم {فتربصوا إنا معكم متربصون} فانتظروا مواعيد الشَّيطان، إنَّا منتظرون مواعيد الله من إظهار دينه وهلاك مَنْ خالفه، ثمَّ ذكر في الآية الثَّانية والثَّالثة أنَّه لا يقبل منهم ما أنفقوا في الجهاد، لأنَّ منهم مَنْ قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اقعد وأُعينك بمالي، فأخبر الله تعالى أنَّه لا يقبل ذلك؛ فعلوه طائعين أو مكرهين، وبيَّن أنَّ المانع لقبول ذلك كفرهم بالله ورسوله، وكسلهم في الصَّلاة؛ لأنَّهم لا يرجون لها ثواباً، وكراهتهم الإِنفاق في سبيل الله؛ لأنَّهم يعدُّونه مغرماً.

د. أسعد حومد

تفسير : (52) - وَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: هَلْ تَتَرَبَّصُونَ بِنَا، وَتَنْتَظِرُونَ أَنْ يَقَعَ لَنَا، إِلاَّ وَاحِدَةٌ مِنِ اثْنَتَيْنِ: وَكِلْتَاهُمَا خَيْرٌ لَنَا وَفِيهِمَا حَسَنَةٌ: شَهَادَةٌ فِي سَبيلِ اللهِ أَوْ ظَفَرٌ. أَمَّا نَحْنُ فَإِنَّنَا نَنْتَظِرُ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ عَذَابُ اللهِ، أَوْ أَنْ يُسَلِّطَنَا عَلَيْكُمْ رَبُّكُمْ فَنُذِيقَكُمْ بَأْسَنَا. هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا - مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَا؟ الحُسْنَيَيْنِ - النَّصْرِ أَوِ الشَّهَادَةِ فِي سَبيلِ اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وسبحانه وتعالى بهذه الآية إنما يرد على من يحزن إن أصابت الحسنة المؤمنين، ويفرح إن أصابتهم مصيبة، فيأتي قول الحق سبحانه ليوضح: إن كل ما يصيب المؤمنين هو لصالحهم. ولذلك قال: {لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا} فلم يكتب سبحانه الأمور علينا، بل لنا، و "لنا" تفيد الملكية؛ إما: تأديباً وإما تكفيراً عن ذنوب، وإما اتجاهاً إلى الحق بعد زيغ الباطل، وكل ذلك لصالحنا. وجاء سبحانه بعد ذلك بالقول {فَتَرَبَّصُوۤاْ} أي: تمهلوا وانتظروا وترقبوا نهايتنا ونهايتكم. أما نهايتكم فاستدامة عذاب في الدنيا وفي الآخرة. وأسباب العذاب مجتمعة لكم في الدنيا، وأسباب الخير ممتنعة عنكم في الآخرة، ونتيجة تربصنا لكم أن نرى السوء يصيبكم، وتربصكم لنا يجعلكم ترون الخير وهو يسعى إلينا، إذن فنتيجة المقارنة ستكون في صالحنا نحن. وبعد أن بيَّن الله ذلك يطرأ على خاطر المؤمن سؤال: ألا يصدر من هؤلاء الأقوام فعل خير؟ وألا يأتي إليهم أدنى خير؟ ونحن نعلم أن الحق سبحانه يجزي دائماً على أدنى خير. ونقول: إن الحق شاء أن يبين لنا بحسم مسألة الخيانة العظمى وهي الكفر والعياذ بالله، وبيَّن أن كل كافر بالله لا يُقبل منه أي عمل طيب؛ لأن الكفر يُحبطُ أيَّ عمل، وإن كان لعملهم خير يفيد الناس، فالحق يجازيهم مادياً في الدنيا، ولكن ليس لهم في الآخرة إلا النار، ويقول: {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً..}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: قل للمنافقين الذين يتربصون بكم الدوائر: أي شيء تربصون بنا؟ فإنكم لا تربصون بنا إلا أمرا فيه غاية نفعنا، وهو إحدى الحسنيين، إما الظفر بالأعداء والنصر عليهم ونيل الثواب الأخروي والدنيوي. وإما الشهادة التي هي من أعلى درجات الخلق، وأرفع المنازل عند اللّه. وأما تربصنا بكم -يا معشر المنافقين- فنحن نتربص بكم، أن يصيبكم اللّه بعذاب من عنده، لا سبب لنا فيه، أو بأيدينا، بأن يسلطنا عليكم فنقتلكم. { فَتَرَبَّصُوا } بنا الخير { إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ } بكم الشر.