Verse. 1288 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

قُلْ اَنْفِقُوْا طَوْعًا اَوْ كَرْہًا لَّنْ يُّتَقَبَّلَ مِنْكُمْ۝۰ۭ اِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فٰسِقِيْنَ۝۵۳
Qul anfiqoo tawAAan aw karhan lan yutaqabbala minkum innakum kuntum qawman fasiqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل أنفقوا» في طاعة الله «طوعا أو كرها لن يتقبل منكم» ما أنفقتموه «إنكم كننتم قوما فاسقين» والأمر هنا بمعنى الخبر.

53

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن عاقبة هؤلاء المنافقين هي العذاب في الدنيا وفي الآخرة، بين أنهم وإن أتوا بشيء من أعمال البر فإنهم لا ينتفعون به في الآخرة، والمقصود بيان أن أسباب العذاب في الدنيا والآخرة مجتمعة في حقهم، وأن أسباب الراحة والخير زائلة عنهم في الدنيا وفي الآخرة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي {كَرْهاً } بضم الكاف ههنا، وفي النساء والأحقاف، وقرأ عاصم وابن عامر في الأحقاف بالضم من المشقة، وفي النساء والتوبة بالفتح من الإكراه والباقون بفتح الكاف في جميع ذلك. فقيل: هما لغتان. وقيل: بالضم المشقة وبالفتح ما أكرهت عليه. المسألة الثانية: قال ابن عباس: نزلت في الجد بن قيس حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم ائذن لي في القعود وهذا ما لي أعينك به. واعلم أن السبب وإن كان خاصاً إلا أن الحكم عام، فقوله: {أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } وإن كان لفظه لفظ أمر، إلا أن معناه معنى الشرط والجزاء. والمعنى: سواء أنفقتم طائعين أو مكرهين فلن يقبل ذلك منكم. واعلم أن الخبر والأمر يتقاربان، فيحسن إقامة كل واحد منهما مقام الآخر. أما إقامة الأمر مقام الخبر، فكما ههنا، وكما في قوله: { أية : ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } تفسير : [التوبة: 80] وفي قوله: { أية : قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً } تفسير : [مريم: 75] وأما إقامة الخبر مقام الأمر، فكقوله: { أية : وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ } تفسير : [البقرة: 233] { أية : والمطلقات يتربصن بأنفسهن } تفسير : [البقرة: 228] وقال كثير: شعر : أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت تفسير : وقوله: { طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } يريد طائعين أو كارهين. وفيه وجهان: الأول: طائعين من غير إلزام من الله ورسوله أو مكرهين من قبل الله ورسوله، وسمى الإلزام إكراهاً لأنهم منافقون، فكان إلزام الله إياهم الإنفاق شاقاً عليهم كالإكراه، والثاني: أن يكون التقدير: طائعين من غير إكراه من رؤسائكم، لأن رؤساء أهل النفاق كانوا يحملون الاتباع على الإنفاق لما يرون من المصلحة فيه أو مكرهين من جهتهم. ثم قال تعالى: {لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ } يحتمل أن يكون المراد أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يتقبل تلك الأموال منهم، ويحتمل أن يكون المراد أنها لا تصير مقبولة عند الله. ثم قال تعالى: {إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ } وهذا إشارة إلى أن عدم القبول معلل بكونهم فاسقين. قال الجبائي: دلت الآية على أن الفسق يحبط الطاعات، لأنه تعالى بين أن نفقتهم لا تقبل البتة، وعلل ذلك بكونهم فاسقين، ومعنى التقبل هو الثواب والمدح، وإذا لم يتقبل ذلك كان معناه أنه لا ثواب ولا مدح، فلما علل ذلك بالفسق دل على أن الفسق يؤثر في إزالة هذا المعنى، ثم إن الجبائي أكد ذلك بدليلهم المشهور في هذه المسألة، وهو أن الفسق يوجب الذم والعقاب الدائمين، والطاعة توجب المدح والثواب الدائمين، والجمع بينهما محال. فكان الجمع بين حصول استحقاقهما محالاً. واعلم أنه كان الواجب عليه أن لا يذكر هذا الاستدلال بعد ما أزال الله هذه الشبهة على أبلغ الوجوه، وهو قوله: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَـٰتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ } فبين تعالى بصريح هذا اللفظ أنه لا مؤثر في منع قبول هذه الأعمال إلا الكفر، وعند هذا يصير هذا الكلام من أوضح الدلائل على أن الفسق لا يحبط الطاعات، لأنه تعالى لما قال: {إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ } فكأنه سأل سائل وقال: هذا الحكم معلل بعموم كون تلك الأعمال فسقاً، أو بخصوص كون تلك الأعمال موصوفة بذلك الفسق؟ فبين تعالى به ما أزال هذه الشبهة، وهو أن عدم القبول غير معلل بعموم كونه فسقاً، بل بخصوص وصفه وهو كون ذلك الفسق كفراً. فثبت أن هذا الاستدلال باطل.

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأُولى ـ قال ابن عباس: نزلت في الجدّ بن قيس إذ قال ائذن لي في القعود وهذا مالي أعِيُنك به. ولفظ {أَنفِقُواْ} أمرٌ، ومعناه الشرط والجزاء. وهكذا تستعمل العرب في مثل هذا، تأتي بأو؛ كما قال الشاعر:شعر : أسيئي بنا أو أحْسني لا ملومةٌ لدينا ولا مَقْلِيّةٌ إن تَقَلّتِ تفسير : والمعنى إن أسأتِ أو أحسنتِ فنحن على ما تعرفين. ومعنى الآية: إن أنفقتم طائعين أو مكرهين فلن يقبل منكم. ثم بيّن جل وعزّ لم لا يقبل منهم فقال: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ} فكان في هذا أدلّ دليل وهي: الثانية ـ على أن أفعال الكافر إذا كانت برّاً كصلة القرابة وجبر الكسير وإغاثة الملهوف لا يثاب عليها ولا ينتفع بها في الآخرة؛ بَيْدَ أنه يُطْعَم بها في الدنيا. دليلُه ما رواه مسلم حديث : عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله، ابن جُدعان كان في الجاهلية يصِل الرحِم ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: «لا ينفعه، إنه لم يقل يوماً رَبِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين»تفسير : . وروي عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يُعْطَى بها في الدنيا وُيجْزَىٰ بها في الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لِلَّه بها في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزي بها»تفسير : . وهذا نصٌّ. ثم قيل: هل بحكم هذا الوعد الصَّادق لا بدّ أن يطعم الكافر ويعطى بحسناته في الدنيا، أو ذلك مقيّد بمشيئة الله المذكورة في قوله: {أية : عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ} تفسير : [الإسراء: 18] وهذا هو الصحيح من القولين، والله أعلم. وتسمية ما يصدر عن الكافر حسنة إنما هو بحسب ظنّ الكافر، وإلاَّ فلا يصح منه قُرْبة، لعدم شرطها المصحِّح لها وهو الإيمان. أو سُمّيت حسنة لأنها تشبه صورة حسنة المؤمن ظاهراً. قولان أيضاً. الثالثة ـ فإن قيل: فقد روى مسلم حديث : عن حكيم بن حِزام أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيْ رسولَ الله، أرأيت أُموراً كنتُ أتحنّث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلةِ رحِم أفيها أجر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير»تفسير : . قلنا قوله: «حديث : أسلمت على ما أسلفت من خير» تفسير : مخالف ظاهره للأُصول، لأن الكافر لا يصح منه التقرّب لله تعالىٰ فيكون مثاباً على طاعته؛ لأن من شرط المتقرِّب أن يكون عارفاً بالمتقرَّب إليه، فإذا عدم الشرط انتفى صحة المشروط. فكان المعنى في الحديث: إنك ٱكتسبت طباعاً جميلة في الجاهلية أكسبتك عادة جميلة في الإسلام. وذلك أن حكيماً رضي الله عنه عاش مائة وعشرين سنة؛ ستّين في الإسلام وستّين في الجاهلية، فأعتق في الجاهلية مائة رقبة وحمل على مائة بعير؟ وكذلك فعل في الإسلام. وهذا واضح. وقد قيل: لا يبعد في كرم الله أن يثيبه على فعله ذلك بالإسلام، كما يسقط عنه ما ارتكبه في حال كفره من الآثام. وإنما لا يثاب من لم يسلم ولا تاب، ومات كافراً. وهذا ظاهر الحديث. وهو الصحيح إن شاء الله. وليس عدم شرط الإيمان في عدم ثواب ما يفعله من الخير ثم أسلم ومات مسلماً بشرط عقليّ لا يتبدّل، والله أكرم من أن يضيع عمله إذا حسن إسلامه. وقد تأوّل الحربي الحديث على هذا المعنى فقال: «حديث : أسلمتَ على ما أسلفتَ»تفسير : ؛ أي ما تقدّم لك من خير عملته فذلك لك. كما تقول: أسلمت على ألف درهم؛ أي على أن أحرَزَها لنفسه. والله أعلم. الرابعة ـ فإن قيل: فقد روى مسلم حديث : عن العباس قال: قلت يا رسول الله (إن) أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك؟ قال: «نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضَحْضاح»تفسير : . قيل له: لا يبعد أن يخفف عن الكافر بعض العذاب بما عمل من الخير، لكن مع انضمام شفاعة، كما جاء في أبي طالب. فأما غيره فقد أخبر التنزيل بقوله: {أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ}تفسير : [المدثر: 48]. وقال مخبراً عن الكافرين: {أية : فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ}تفسير : [الشعراء: 101]. وقد روى مسلم عن أبي سعيد الخُدرِيّ حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذُكر عنده عمه أبو طالب فقال: «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيُجعل في ضَحْضَاح من النار يبلغ كعبيه يَغلِي منه دماغه»تفسير : . من حديث العباس رضي الله عنه:«حديث : ولولا أنا لكان في الدّرك الأسفل من النار».تفسير : قوله تعالىٰ: {إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ} أي كافرين.

البيضاوي

تفسير : {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ} أمر في معنى الخبر، أي لن يتقبل منكم نفقاتكم أنفقتم طوعاً أو كرهاً. وفائدته المبالغة في تساوي الانفاقين في عدم القبول كأنهم أمروا بأن يمتحنوا فينفقوا وينظروا هل يتقبل منهـم. وهو جواب قول جد بن قيس وأعينك بمالي. ونفي التقبل يحتمل أمرين أن لا يؤخذ منهم وأن لا يثابوا عليه وقوله: {إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ} تعليل له على سبيل الاستئناف وما بعده بيان وتقرير له.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ أَنفِقُواْ } في طاعة الله {طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ } ما أنفقتموه {إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَٰسِقِينَ } والأمر هنا بمعنى الخبر.

الخازن

تفسير : {قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً} نزلت في الجد بن قيس المنافق وذلك أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود عنه وقال أنا أعطيكم مالي فأنزل الله عز وجل رداً عليه قل أي قل يا محمد لهذا المنافق وأمثاله في النفاق أنفقوا طوعاً أو كرهاً يعني أنفقوا طائعين من قبل أنفسكم أو مكرهين بالإنفاق بإلزام الله ورسوله إياكم بالإنفاق {لن يتقبل منكم} لأن هذا الإنفاق إنما وقع لغير الله وهذه الآية وإن كانت خاصة في إنفاق المنافقين فهي عامة في حق كل من أنفق ماله لغير وجه الله بل أنفقه رياء وسمعة فإنه لا يقبل منه ثم علل بسبب منع القبول بقوله {إنكم} أي لأنكم {كنتم قوماً فاسقين} والمراد بالفسق هنا الكفر ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله} أي المانع من قبول نفقاتهم هو كفرهم بالله وبرسوله {ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى} جمع كسلان يعني متثاقلين في الإتيان إلى الصلاة وذلك لأنهم لا يرجون على فعلها ثواباً ولا يخافون على تركها عقاباً فلذلك ذمهم مع فعلها {ولا ينفقون إلا وهم كارهون} لأنهم كانوا يعتقدون الإنفاق في سبيل الله مغرماً ومنع ذلك الإنفاق مغنماً {فلا تعجبك} يا محمد {أموالهم ولا أولادهم} هذا الخطاب وإن كان مختصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم إلا أن المراد به جميع المؤمنين والمعنى فلا تعجبوا بأموال المنافقين وأولادهم والإعجاب السرور بالشيء مع نوع من الافتخار به مع الاعتقاد أنه ليس لغيره مثله وهذا يدل على استغراق النفس بذلك الشيء ويكون سبب انقطاعه عن الله عز وجل فينبغي للإنسان أن لا يعجب بشيء من أمور الدنيا ولذاتها فإن العبد إذا كان من الله عز وجل في استدراج كثر ماله وولده فيكثر إعجابه بماله وولده فيبطر ويكفر نعم الله عليه ولهذا قال سبحانه وتعالى: {إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا} فإن قلت كيف يكون المال والولد عذاباً في الدنيا وفيهما اللذة والسرور في الدنيا. قلت: قال مجاهد وقتادة: في الآية تقديم وتأخير وتقديرها فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وقيل: إن سبب كون المال والولد عذاباً في الدنيا هو ما يحصل من المتاعب والمشاق في تحصيلهما فإذا حصلا ازداد التعب وتحمل المشاق في حفظهما ويزداد الحزن والغم بسب المصائب الواقعة فيهما، فعلى هذا القول، لا حاجة إلى التقديم والتأخير في نظم الآية وأورد على هذا القول بأن هذا التعذيب حاصل لكل أحد من بني آدم مؤمنهم وكافرهم فما فائدة تخصيص المنافقين بهذا التعذيب في الدنيا وأجيب عن هذا الإيراد بأن المنافقين مخصوصون بزيادة من هذا العذاب وهو أن المؤمن قد علم أنه مخلوق للآخرة وإنه يثاب بالمصائب الحاصلة له في الدنيا فلم يكن المال والولد في حقه عذاباً في الدنيا وأما المنافق فإنه لا يعتقد كون الآخرة له وإنه ليس فيها ثواب فبقي ما يحصل له في الدنيا من التعب والشدة والغم والحزن على المال والولد عذاباً عليه في الدنيا فثبت بهذا الاعتبار أن المال والولد عذاب على المنافقين في الدنيا دون المؤمنين. وقيل: إن تعذيبهم بهما في الدنيا أخذ الزكاة منهم والنفقة في سبيل الله غير مثابين على ذلك وربما قتل الولد في الغزو فلا يثاب الوالد المنافق على قتل ولده وذهاب ماله. وقيل: يعذبهم بالتعب في جمعه وحفظه والكره في إنفاقه والحسرة على تخليفه عند من لا يحمده ثم يقدم في الآخرة على ملك لا يعذره {وتزهق أنفسهم} يعني وتخرج أنفسهم {وهم كافرون} والمعنى أنهم يموتون على الكفر فتكون عاقبتهم بعد عذاب الدنيا عذاب الآخرة.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} الآية: سَبَبُها أَنَّ الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ حين قال: ٱئْذنْ لي ولا تفتنِّي، قال: إِني أعينك بمالي، فنزلَتْ هذه الآية فيه، وهي عامَّة بعده. وقوله عزَّ وجلَّ: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَـٰتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ }. وفي «صحيح مسلم» عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: « حديث : إِنَّ ثَوَابَ الكَافِرِ عَلَى أَفْعَالِهِ البَرَّةِ هُوَ في الطُّعْمَةِ يَطْعَمُهَا » تفسير : وَنَحْوَ ذلك، وهذا مَقْنَعٌ لا يحتاج معه إِلى نَظَرٍ، وأما أَنْ ينتفع بها في الآخرة فلا، و{كُسَالَىٰ }: جمع كَسْلاَن.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال الجد بن قيس‏:‏ إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى افتتن ولكن أعينك بمالي‏.‏ قال‏:‏ ففيه نزلت ‏ {‏قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم‏} ‏ قال‏:‏ لقوله أعينك بمالي‏.

ابو السعود

تفسير : {قُلْ أَنفِقُواْ} أموالَكم في سبـيل الله {طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} مصدران وقعا موقعَ الفاعل أي طائعين أو كارهين وهو أمرٌ في معنى الخبر كقوله تعالى: {أية : ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ }تفسير : [التوبة: 80] والمعنى أنفقتم طوعاً أو كرهاً {لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ} ونظمُ الكلامِ في سلك الأمرِ للمبالغة في بـيان تساوي الأمرين في عدم القَبولِ كأنهم أُمروا بأن يمتحنوا الحال فينفقوا على الحالين فينظروا هل يُتقبّل منهم فيشاهدوا عدمَ القبولِ وهو جوابُ قولِ جدِّ بنِ قيس: ولكن أُعينك بمالي، ونفيُ التقبُّلِ يحتمل أن يكون بمعنى عدم الأخذِ منهم وأن يكون بمعنى عدمِ الإثابةِ عليه وقوله عز وجل: {إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ} أي عانين متمرّدين تعليلٌ لرد إنقاقِهم {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ} وقرىء بالتحتانية {نَفَقَـٰتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ} استثناءٌ من أعم الأشياءِ أي ما منعهم قَبولَ نفقاتِهم منهم شيءٌ من الأشياء إلا كفرُهم، وقرىء يَقبَلَ على البناء للفاعل وهو الله تعالى {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ} أي لا يأتونها في حال من الأحوال إلا حالَ كونهم متثاقلين {وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَـٰرِهُونَ} لأنهم لا يرجون بهما ثواباً ولا يخافون على تركهما عقاباً فقوله تعالى: {طَوْعاً} أي رغبة من غير إلزامٍ من جهته عليه الصلاة والسلام أو هو فرْضيٌّ لتوسيع الدائرة. {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ} فإن ذلك استدراجٌ لهم ووبالٌ عليهم حسبما ينبىء عنه قولُه عز وجل: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ} بما يكابدون لجمعها وحفظِها من المتاعب وما يقاسون فيها من الشدائد والمصائب {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ} فيموتوا كافرين مشتغلين بالتمتع عن النظر في العاقبة فيكون ذلك لهم نقمةً لا نعمةً وأصلُ الزهوقِ الخروجُ بصعوبة {وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ} في الدين والإسلام {وَمَا هُم مّنكُمْ} في ذلك {وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} يخافون أن يُفعلَ بهم ما يفعل بالمشركين فيظهرون الإسلام تقيةً ويؤيدونه بالأيمان الفاجرة.

القشيري

تفسير : المردودُ لا يقبلُ منه توصُّل، ولا يُغَيَّر حُكمُ شقاوته بتكثير التكلُّف والتعمل. ويقال تقُرُّبُ العدوِّ يوجِبُ زيادةَ المقت له، وتحبُّبُ الحبيب يقتضي زيادةَ العطف عليه، قال تعالى: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}تفسير : [الفرقان: 70].

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} جوابا لجد بن قيس من المنافقين وهو قد استأذن فى النخلف عن غزوة تبوك وقال اعينك بمالى {انفقوا} ايها المنافقون اموالكم فى سبيل الله حال كونكم {طوعا} اى طائعين من قبل انفسكم {او كرها} او كارهين مخافة القتل كما فى الحدادى. وقال فى الارشاد {طوعا} اى من غير الزام من جهته عليه السلام ولا رغبة من جهتكم او هو فرضى لتوسيع الدائرة انتهى. فلا يخالفه قوله {أية : ولا ينفقون الا وهم كارهون} تفسير : [التوبة: 54] كما سيأتى {لن يتقبل منكم} يحتمل ان يكون المراد منه انه عليه السلام لا يقبله منهم بل يرد عليهم ما يبذلونه او انه تعالى لا يقبله منهم ولا يثيبهم عليه قوله انفقوا امر فى معنى الخبر اى انفقتم وذلك لان قوله لن يتقبل منكم يأبى عن حمله على معناه الظاهر اذ لا وجه لان يؤمر بشيء ثم يخبر بانه عبث لا يجدى نفعا بوجه ما -روى- انه لما اعتذر من الخروج لامه ولده عبد الله عنه وقال له والله لا يمنعك الا النفاق وسينزل الله فيك قرآنا فاخذ نعله وضرب به وجه ولده فلما نزلت الآية قال له ألم اقل لك فقال له اسكت يالكع فوالله لانت اشد علىّ من محمد ثم علل رد انفاقهم بقوله {انكم كنتم قوما فاسقين} اى كافرين فالمراد بالفسق. ما هو الكامل منه لا الذى هو دون الكفر كما قال الكاشفى [بدرستى كه شماهستيد كروهى بيرون رفتكان ازدائره اسلام ونفقه كافر قبول نيست] فالتعليل هما بالفسق وفيما بعده بالكفر حيث قال ألا انهم كفروا بالله واحد -روى- انه تاب من النفاق وحسنت توبته ومات فى خلافه عثمان رضى الله عنه

ابن عجيبة

تفسير : {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ} ثم ذكر سبب إبطال عملهم وصدقاتهم، فقال: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} قلت: (أن تُقبل): بدل من ضمير (منعهم)، أو على حذف الجار، و (إلا أنهم كفروا): فاعل، أي: وما منع قبول نفقاتهم، أو من قبول نفقاتهم، إلا كفرهم بالله وبرسوله، ويحتمل أن يكون الفاعل ضميراً يعود على الله تعالى و (إنهم) مفعول من أجله. يقول الحق جل جلاله: {وما منعهم}؛ وما منع المنافقين من قبول نفقاتهم وأعمالهم {إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله}؛ إلا كُفرهم بالله وبرسوله، أو: ما منعهم الله من قبول نفقاتهم إلا لأجل كفرهم بالله وبرسوله، وكونه {لا يأتُونَ الصلاةَ إلا وهم كُسَالى}؛ متثاقلين، {ولا ينفقون إلا وهم كَارِهُون} أي: لا يُعطون المال إلا في حال كراهيتهم للإعطاء؛ لأنهم لا يرجون ثواباً ولا يخافون بتركها عقاباً، فهم يعطون ذلك رياء ونفاقاً. الإشارة: لا يتقبل الله إلا عمل المخلصين، إما إخلاص العوام؛ لقصد الثواب وخوف العقاب، أو إخلاص الخواص؛ لإظهار العبودية وإجلال الربوبية، وعلامة الإخلاص: وجود النشاط والخفة حال المباشرة للعمل، أو قبلها والغيبة عنه بعد الوقوع، والله تعالى أعلم. ثم نهى عن الإغترار بحال المنافقين، فقال: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ}.

الطوسي

تفسير : أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهؤلاء المنافقين {انفقوا} وصورته صورة الامر وفيه ضرب من التهديد وهو مثل قوله {أية : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} تفسير : وانما هو بيان عن توسعة التمكين من الطاعة والمعصية، وقال قوم: معناه الخبر الذي تدخل (إن) فيه للجزاء كما قال كثير: شعر : اسيئي بنا او احسني لا ملومة لدينا ولا مقلية ان تقلت تفسير : كأنه قال: إن أحسنت أو أسأت لم تلامي، وإنما حسن ان يأتي بصيغة الأمر على معنى الخبر بتوسعة التمكين لأنه بمنزلة الأمر في طلب فعل ما يتمكن الذي قد عرفه المخاطب، كأنه قيل اعمل بحسب ما يوجبه الحق فيما مكنت من الامرين. ووجه آخر أن كل واحد من الضربين كالمأمور به في انه لا يعود وبال العائد الاعلى المأمور. وقوله {طوعاً} فالطوع الانقياد بارادة لمن عمل عليها. والكره فعل الشيء بكراهة حمل عليها. وقوله {لن يتقبل منكم} معناه لا يجب لكم به الثواب على ذلك مثل تقبل الهدية ووجوب المكافاة وتقبل التوبة وايجاب الثواب عليها، ومثله في كل طاعة. وقوله {إنكم كنتم قوماً فاسقين} اخبار منه تعالى وخطاب لهؤلاء المنافقين بأنهم كانوا فاسقين متمردين عن طاعة الله، فلذلك لم يقبل نفقاتهم وإنما كانوا ينفقون أموالهم في سبيل الله المرياء ودفعاً عن انفسهم.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} تزييف لاعمالهم القالبيّة كما انّ سابقه تزييف لخواطرهم القلبيّة النّاشئة عن رذائلهم النّفسيّة والمقصود التّهكّم بهم والتّسوية من الانفاق بالطّوع والانفاق بالاكراه وليس الامر على حقيقته {لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ} استيناف فى موضع التّعليل {إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ} تعليل لعدم القبول.

الهواري

تفسير : {قُلْ أَنفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} مما فرض عليهم من النفقة في الجهاد. { لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ}. أي فسق النفاق لأنه فسق دون فسق الشرك، لأنكم ليست لكم حسبة ولا نية. قال: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ} أي: خالفوا الله ورسوله وإن أقروا بهما. { وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى} يراءون الناس بها، ولا يذكرون الله إلا قليلاً، أي: بتوحيدهم إياه، وإقرارهم به وبنبيّه؛ وهو كقوله: (أية : بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً) تفسير : [النساء:155] يعني بالقليل إقرارهم وتوحيدهم: وكقوله: (أية : فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ) تفسير : [البقرة:88]. يعني بهذا كله إقرارهم وتوحيدهم، فهو قليل إذ لم يستكملوا جميع فرائض الإِيمان، فيكمل لهم الإِيمان. قال: {وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} أي: الإِنفاق في سبيل الله وما فرض الله عليهم. وفي هذه الآي كلها حجّة على أهل الفراق أَن لو كان المنافقون مشركين لم يفرض عليهم الجهاد الذي لم يقِرّوا به ولا نفقة.

اطفيش

تفسير : {قُلْ أنفقُوا طَوْعاً أو كَرْهاً} أى إنفاق طوع أو كره، أو طائعين أو كارهين، أو ذوى طوع أو كره، أو سماهم طوعا أو كرها على طريقة العرب فى المبالغة، وضم ابن وثاب، والأعمش الكاف، وذلك تهديد أيضا، أو بمعنى الخبر، ومعنى إنفاقهم كرها أن ينفقوا مع كراهة أنفسهم، ولم يكن ثم حبس أو ضرب أو قتل إجبارا على الإنفاق، وكان رؤساؤهم يحملونهم على الإنفاق لمصلحة يرونها، وذلك تسوية بين الإنفاق طوعا أى برضا نفس، والإنفاق بكرهها إذ لم يقع إيمانا واحتسابا فى عدم القبول كما قال. {لَنْ يُتقبَّلَ منْكُم} أى لن يتقبله الله، أو لن يقبضه منكم رسوله صلى الله عليه وسلم، كأنه قيل: أنفقوا طوعا أو كرها، وانظروا هل يتفاوت الإنفاق قبولا وعدما أو لا يتفاوتان، وعلل عدم القبول بقوله: {إنَّكُم كنتُم قوماً فاسِقينَ} كافرين، وذلك كإنفاق الجد بن قيس ونحوه ممن تخلف بلا عذر، أو خرج فى نفاق وكفر، وقد قيل: نزلت لقول الجد بن قيس: أعينك بمالى.

الالوسي

تفسير : {قُلْ أَنْفقُواْ} أموالكم في مصالح الغزاة {طَوْعاً أوْ كَرْهاً} أي طائعين أو كارهين، فهما مصدران وقعا موقع الحال وصيغة {أَنفَقُواْ } وإن كانت للأمر إلا أن المراد به الخبر، وكثيراً ما يستعمل الأمر بمعنى الخبر كعكسه، ومنه قول كثير عزة:شعر : أسيئى بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية ان تقلت تفسير : وهو كما قال الفراء والزجاج في معنى الشرط أي إن أنفقتم على أي حال فـ {لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ }. وأخرج الكلام مخرج الأمر للمبالغة في تساوي الأمرين في عدم القبول، كأنهم أمروا أن يجربوا فينفقوا في الحالين فينظروا هل يتقبل منهم فيشاهدوا عدم القبول، وفيه كما قال بعض المحققين: استعارة تمثيلية شبهت حالهم في النفقة وعدم قبولها بوجه من الوجوه بحال من يؤمر بفعل ليجربه فيظهر له عدم جدواه، فلا يتوهم أنه إذا أمر بالإنفاق كيف لا يقبل. والآية نزلت كما أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حديث : جواباً عما في قول الجد بن قيس حين قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل لك في جلاد بني الأصفر؟ إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن لكن أعينك بمالي"تفسير : ، ونفي التقبل يحتمل أن يكون بمعنى عدم الأخذ منهم، ويحتمل أن يكون بمعنى عدم الإثابة عليه، وكل من المعنيين واقع في الاستعمال، فقبول الناس له أخذه وقبول الله تعالى ثوابه عليه ويجوز الجمع بينهما، وقوله سبحانه: {إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ} تعليل لرد إنفاقهم، والمراد بالفسق العتو التمرد فلا يقال: كيف علل مع الكفر بالفسق الذي هو دونه وكيف صح ذلك مع التصريح بتعليله بالكفر في قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَـٰتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ...}.

ابن عاشور

تفسير : ابتداء كلام هو جواب عن قول بعض المستأذنين منهم في التخلّف «وأنا أعينك بمالي». روي أنّ قائل ذلك هو الجدّ بن قيس، أحد بني سَلِمة، الذي نزل فيه قوله تعالى: {أية : ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني}تفسير : [التوبة: 49] كما تقدّم، وكان منافقا. وكأنّهم قالوا ذلك مع شدّة شُحِّهم لأنّهم ظنّوا أنّ ذلك يرضي النبي صلى الله عليه وسلم عن قعودهم عن الجهاد. وقوله: {طوعاً أو كرهاً} أي بمال تبذلونه عوضاً عن الغزو، أو بمال تنفقونه طوعاً مع خروجكم إلى الغزو، فقوله: {طوعاً} إدماج لتعميم أحوال الإنفاق في عدم القبول فإنّهم لا ينفقون إلاّ كرهاً لقوله تعالى بعد هذا: {أية : ولا ينفقون إلا وهم كارهون}تفسير : [التوبة: 54]. والأمر في {أنفقوا} للتسوية أي: أنفقوا أو لا تنفقوا، كما دلّت عليه {أوْ} في قوله {طوعاً أو كرهاً} وهو في معنى الخبر الشرطيّ لأنّه في قوة أن يقال: لن يتقبّل منكم إن أنفقتم طوعاً أو أنفقتم كَرهاً، ألا ترى أنّه قد يَجيء بعد أمثاله الشرطُ في معناه كقوله تعالى: {أية : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم}تفسير : [التوبة: 80]. والكَره أشدّ الإلزام، وبينه وبين الطوع مراتب تعلم إرادتها بالأوْلى، وانتصب {طوعاً أو كرهاً} على النيابة عن المفعول المطلق بتقدير: إنفاقَ طَوع أو إنفاقَ كَره. ونائت فاعل يتقبّل: هو {منكم} أي لا يتقبّل منكم شيء وليس المقدّرُ الإنفاقَ المأخوذَ من {أنفقوا} بل المقصود العموم. وجملة {إنكم كنتم قوماً فاسقين} في موضع العلّة لنفي التقبّل، ولذلك وقعت فيها (إنَّ) المفيدة لِمعنى فاء التعليل، لأنّ الكافر لا يتقبّل منه عمل البرّ. والمراد بالفاسقين: الكافرون، ولذلك أعقب بقوله: {أية : وما منعهم أن تُقبل منهم نفقاتهم إلاّ أنّهم كفروا بالله وبرسوله}تفسير : [التوبة: 54]. وإنّما اختير وصف الفاسقين دون الكافرين لأنّهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، فكانوا كالمائِلين عن الإسلام إلى الكفر. والمقصود من هذا تأييسهم من الانتفاع بما بذلوه من أموالهم، فلعلّهم كانوا يحسبون أنّ الإنفاق في الغزو ينفعهم على تقدير صدق دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا من شكّهم في أمر الدين، فتوهّموا أنّهم يعملون أعمالاً تنفع المسلمين يجدونها عند الحشر على فرض ظهور صدق الرسول. ويَبقون على دينهم فلا يتعرّضون للمهالك في الغزو ولا للمشاق، وهذا من سوء نظر أهل الضلالة كما حكى الله تعالى عن بعضهم: {أية : أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولداً}تفسير : [مريم: 77] إذْ حسب أنّه يحشر يوم البعث بحالته التي كان فيها في الحياة إذا صَدَق إخبار الرسول بالبعث.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: طوعاً أو كرهاً: أي وأنتم طائعون أو أنتم مكرهون على الانفاق. إنكم كنتم قوماً فاسقين: الجملة علة لعدم قبول نفقاتهم. كسالى: متثاقلون لعدم إيمانهم في الباطن بفائدة الصلاة. فلا تعجبك أموالهم: أي لا تستحسنوا أيها المسلمون ما عند المنافقين من مال وولد. وتزهق أنفسهم: أي تفيض وتخرج من أجسامهم. معنى الآيات: ما زال السياق في تعليم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم كيف يرد على المنافقين فقال له قل لهم أيها الرسول {أَنفِقُواْ} حال كونكم طائعين أو مكرهين {لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ}، أي أخبرهم أن ما ينفقونه في هذا الخروج إلى تبوك وفي غيره سواء أنفقوه باختيارهم أو كانوا مكرهين عليه لن يتقبله الله منهم لأنهم كانوا قوماً فاسقين بكفرهم بالله وبرسوله وخروجهم عن طاعتهما هذا ما دلت عليه الآية الأولى [53] أما الآية الثانية [54] فقد أخبر تعالى عن الأسباب الرئيسية التي حالت دون قبول نفقاتهم وهي أولاً الكفر بالله وبرسوله، وثانياً إتيانهم الصلاة وهم كسالى كارهون، وثالثاً كراهيتهم الشديدة لما ينفقونه قال تعالى {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} هذا ما تضمنته الآية الثانية أما الآية الثالثة [55] فإن الله تعالى ينهى رسوله والمؤمنين عن أن تعجبهم أموالهم وأولادهم مهما بلغت في الكثرة والحسن فيقول {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ} أي لا تستحسنوها ولا تخبروهم بذلك. وبين تعالى لرسوله علة إعطائهم ذلك وتكثيره لهم فقال {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ} ووجه تعذيبهم بها في الحياة الدنيا أن ما ينفقونه من المال في الزكاة والجهاد يشعرون معه بألم لا نظير له لأنه إنفاق يعتبرونه ضدهم وليس في صالحهم، إذ لا يريدون نصر الإِسلام ولا ظهوره، وأما أولادهم فالتعذيب بهم هو أنهم يشاهدونهم يدخلون في الإِسلام ويعملون به ولا يستطيعون أن يردوهم عن ذلك، أي ألَمٌ نفسي أكبر من أن يكفر ولد الرجل بدينه ويدين بآخر من شروطه أن يبغض الكافر به ولو كان أباً أو أماً أو أخاً أو أختاً أو أقرب قريب؟ وزيادة على هذا يموتون وهم كافرون فينتقلون من عذاب إلى عذاب أشد، وبهذا سلى الرب تعالى رسوله والمؤمنين بيان علة ما أعطى المنافقين من مال وولد ليعذبهم بذلك لا ليسعدهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير مبدأ أن الرياء مبطلة للعمل كالشرك محبط للعمل. 2- إطلاق الفسق على الكفر فكل كافر فاسق على الإِطلاق. 3- حرمة التكاسل في الصلاة وأن ذلك من صفات المنافقين. 4- وجوب رضا النفس بما ينفق العبد في سبيل الله زكاة أو غيرها. 5- كراهية استحسان المسلم لِمَا عند أهل الفسق والنفاق من مال ومتاع.

القطان

تفسير : طوعا: بارادتهم. كرها: من غير ارادتهم. تزهق انفهسم: تخرج بصعوبة. يَفرقون: يخافون بشدة. ملجأ: مكان يتحصنون به. مغارات: جمع مغارة، معروفة. مدخلا: سربا في الارض يدخله الانسان بشدة. يجمحون: يسرعون اسراعا لا يردهم شيء. يقال جمع الرجل: ركب هواه فلا يرده شيء. {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ}. بعد ان بيّن الله تعالى أعذار المنافقين الكاذبة، وتعللاتِهم الباطلةَ في التخلُّفِ عن الجهاد، وما يجول في نفوسِهم من كراهتهم للرسول اصحابه، وأنهم يتربَّصون بهم الدوائر- بيَّن هنا أنّ بعضَ هؤلاء المتربِّصين من المنافقين قد عَرَضَ ماله، وهو يعتذر عنه الجهاد، فردَّ الله عليهم مناورتهم، وكلّف رسوله ان يعلن ان إنفاقَهم غيرُ مقبولٍ عند الله. قل ايها الرسول للمنافقين: أنفِقوا ما شِئتُم طائعينَ او مُكْرَهين فلن يتقبل الله عملَكم الذي أحبطَهُ نفاقُكم، لأنكم قومٌ فاسقون خارِجون من دائرة الايمان. {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِه}. وما منع اللهَ من قبول نفقاتِهم إلا كُفرهم بالله، وكفرهم برسوله وما جاء به من الهدى. {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ}. ولا يصلُّون إلا رياءً وتِقِيَّة، لا إيماناً بوجُوبها. فهم يؤدّونها غير مُقْلِلين عليها، سَتْراً لِنفاقهم، ويؤدونها متثاقلين كسالى لا تنشرح لها نفوسُهم ولا تنشَط لها أبدانهم، ولا يُنفقون أموالهم في مصالح الجهاد وغيره إلا وهم كارهون لذلك. هذه صورة المنافقين في كل آن، خوفٌ ومداراة، وقلبٌ منحرف، وضمير مدخول، {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} "سورة الفتح". قراءات: قرأ حمزة والكسائي "وما منعهم ان يقبل منهم نفقاتهم" بالياء. {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}. فلا تعجبْك ايها الرسول اموالُهم ولا أولادهم وما هم فيه من نِعم وخيرات، فان الله تعالى جعلَ هذه الاموالَ حسراتٍ عليهم، لأنهم لا ينتفِعوا بها في الحياة الدنيا، ولن يؤْجَروا عليها في الآخرة. اما الأولاد فإنهم اعتنقوا الاسلامَ وأخلَصوا له، فكان ذلك أشدَّ حسرةً على آبائهم، ولا شيء أشدُّ على الوالد من ان يكون ولده على غير دينه. وكان عبد الله بن عبد الله ابن أُبَيّ من اكبر المسلمين المتحمسين للاسلام، وقد عرض على الرسول الكريم ان يَقتُلَ أباه، فلم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا معنى: انما يريدُ الله ليعذِّبَهم بها في الحياةِ الدنيا. {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ}. وتخرج أرواحُهم بصعوبة وشدة حين يموتون على الكفر فيعذّبهم اللهُ بكفرِهم في الآخرة كما عذّبَهم بأموالِهم وأولادهم في الدنيا. وبعد ان بين الله حالة المنافقين وفضحَهم بأنهم يُظهرون غير ما يضمرون، ذكر هنا غلوَّهم في النفاق، فقال: {وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ}. يُقسم هؤلاء المنافقون كَذِباً بأنهم مؤمنون مثلكم وأنهم منكم، والحقيقة أنهم ليسوا مؤمنين بالله، وليسوا منكم، لكنّهم قومٌ يخافونكم، مما يدفعهم الى النفاق. لقد ملأ الرعب قلوبهم، فلا يدرون ماذا يفعلون، واين يتوجهون او يختبئون؟ وهذا ما تعبر عنهم الآية الكريمة الآتية: {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ}. وانهم لشدة كرههم للقتال معكم، ولبغضهم معاشرتكم، ولشدة جبنهم وخوفهم من ظهور نفاقهم لكم - يتمنون الفرار منكم والعيش في اي مكان يعتصمون به، فهم متطلعون أبداً الى مخبأ يجمعهم، ويأمنون فيه، وليكن حصناً او مغارة او سردابا ضيقا. انهم مذعورون يطاردهم الفزغ الداخلي والجبن الروحي، ولذلك يحلفون بالله إنهم منكم، ليتقوا انكشاف طويتهم، ولكن الله لا يخفى عليه شيء.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَاسِقِينَ} (53) - وَقُلْ لِهَؤُلاَءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَسْتُرُوا نِفَاقَهُمْ بِإِنْفَاقِ الْمَالِ فِي الجِهَادِ وَغَيْرِهِ: مَهْمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَة طَائِعِينَ أَوْ مُكْرَهِينَ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْكُمْ ذَلِكَ، لأَِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ مُتَشَكِّكِينَ خَارِجِينَ عَنِ الإِيمَانِ، وَاللهُ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الأَعْمَالَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلِصِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إذن: فشرط تقبُّل الله لأي عمل إنما يأتي بعد الإيمان بالله، أما أن تعمل وليس في بالك الله، فخذ أجرك ممن كان في بالك وأنت تعمل. لذلك ضرب الله مثلاً بأعمال الذين كفروا في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [النور: 39]. ويعطينا الله سبحانه مثلاً آخر في قوله تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ} تفسير : [إبراهيم: 18]. ويقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} تفسير : [الشورى: 20]. وهذا ما يشرح لنا ما استغلق على بعض العلماء فهمه في قول الحق: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 7-8]. فقد تساءل بعض من العلماء: أيجزي الحق سبحانه هؤلاء الكفار في الآخرة أم في الدنيا؟ وقد استغلق عليهم الأمر لأن الآية عامة. ونقول: إن الحق يعطي في الدنيا الجزاء لمن عمل للدنيا، ويعطي في الآخرة لمن عمل للدنيا والآخرة وفي قلبه الله. ولذلك فالذين يحسنون اتخاذ الأسباب المخلوقة لله بمنح الربوبية ينجحون في حياتهم. والذين يتقدمون دنيوياً في زراعة الأرض وانتقاء البذور والعناية بها يعطيهم الله جزاء عملهم في الدنيا، ولا يبخس منه شيئاً؛ ولكن الحق سبحانه يقول أيضاً: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23]. هذا القول يوضح عطاء الآخرة، ولذلك فالخير الذي يعمله غير المؤمن لا يُجزى عليه في الآخرة؛ لأنه عَمِلَ وليس في باله الله، فكيف ينتظر جزاءه ممن لم يؤمن به؟ إن الله سبحانه يجزي مَنْ آمن به وعمل من أجله. ولكن من كفر بالله حبط كل عمله. وهذا أمر طبيعي؛ لأنك ما دُمْتَ قد عملت الخير وليس في بالك الله، فلا تنتظر جزاءً منه. إن عملتَ للإنسانية أعطتْك الإنسانية، وإن عملتَ للمجتمع أعطاك المجتمع وصنعوا لك التماثيل وأطلقوا اسمك على الميادين والشوارع، وأقيمت باسمك المؤسسات، وتحقق لك الخلود في الدنيا، وهذا هو جزاؤك. ولكن إن كنت مؤمناً بالله، راجياً ثوابه تجيء يوم القيامة لتجد يد الله ممدودة لك بالخير الذي قدمته. والحق سبحانه وتعالى يقول هنا: {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} والطَّوْع: هو الفعل الذي تُقبل عليه بإرادتك دون أن تكون مكرهاً، فكيف لا تجازى على خير فعلته بإرادتك؟ ولا بد لنا أن نفرق بين "طوع" و "طائع"، وكذلك نفرق بين هذا وبين الفعل الذي تقوم به حين يحملك غيرك ويُكرهك أن تفعله. والأفعال كلها إما أن تكون بالطواعية وبالإرادة، وإما أن تكون بالإكراه. ولو كان الحق قد قال: أنفقوا، طاعة لما قال: {لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ}؛ لأن الطاعة معناها انصياع عابد لإرادة معبود، ولكن قوله هنا: {طَوْعاً} يكشف أن ما ينفقونه هو أمر اختياري من عندهم. وكانت أحوال المنافقين كذلك، فمنهم من قدم أولاده للجهاد، ومنهم من قدم بعضاً من ماله، وكانوا يفعلون ذلك طائعين لأنفسهم ويستترون بمثل هذه الأفعال حتى لا يفتضح نفاقهم، وكان الواحد منهم يتقدم إلى الصف الأول من صفوف الصلاة في المسجد، ويفعل ذلك طوْعَ إرادته، خوفاً من افتضاح نفاقه لا طاعة لله، فطاعة الله هي طاعة عابد لمعبود، أما مثل تلك الأفعال حين تنبع من طوع النفس فهي للمظهر وليست للعبادة. {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} هل هذا أمر بالإنفاق؟ أو هل الله يريد منهم أن ينفقوا فعلاً، خاصة أنه سبحانه لن يتقبل منهم؟ لا ليس هذا أمراً بالإنفاق بل هو تهديد ووعيد. مثلما تقول لإنسان: اصبر، فذلك ليس أمراً بالصبر ولكن تهديد بمعنى: اصبر فَستَرى مني هولاً كثيراً. وهذا مثل قوله تعالى: {أية : فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ..} تفسير : [الطور: 16]. وقوله تعالى: {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ..} تفسير : [فصلت: 40]. أي: أنكم إن صبرتم أو لم تصبروا فإن ذلك لن يغير شيئاً من الجزاء الذي سوف تلاقونه، فالأمر سواء. ولو كان قوله تعالى: {ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} أمراً؛ لكان كل من عمل معصية داخلاً في الطاعة؛ لأن الله أمره أن يفعل ما يشاء. ولكن هذا أمر تهديدي، أي: افعلوا ما شئتم فأنتم عائدون إلى الله وسيحاسبكم على ما عملتموه. ولن تستطيعوا الفرار من الله سبحانه. وقوله تعالى: {أَنفِقُواْ} هو - إذن - أمر تهديدي؛ لأنه لن يجديكم أن تنفقوا طوعاً أو كرهاً. وكلمة {كَرْهاً} وردت في القرآن الكريم في أكثر من سورة، فهي في سورة آل عمران، وفي سورة النساء، وفي سورة التوبة، وفي سورة الأحقاف، وفي سورة الرعد، وفي سورة فصلت، قد ذكرت {كَرْهاً} بفتح الكاف وقرأها بعضهم بضم الكاف. وقال البعض: إن "كَرْهاً" بفتح الكاف و "كُرْهاً" بضم الكاف بمعنى واحد. نقول لهم: لا، إن المعنى ليس واحداً، فمثلاً قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً...} تفسير : [الأحقاف: 15]. فالكُره هنا ليس للحمل ولا للوضع، ولكن للمشقة التي تعانيها الحامل أثناء حملها وعند الولادة. فلم يكرهها أحد على هذا الحمل. ولكن البعض يقول: إن الحمل يحدث وليس للمرأة علاج في أن تحمل ولا أن تضع، فلا توجد امرأة تقول لنفسها: "سوف أحمل الليلة"؛ لأن الحمل يحدث دون أن تَعيَ هي حدوثه، فالحمل يحدث باللقاء بين الرجل والمرأة. والمرأة لا تستطيع أن تختار ساعة الحمل ولا أن تختار ساعة الولادة، ولا تستطيع أن تقول: سألد اليوم أو لن ألد اليوم. فكل هذا يحدث إكراهاً بغير اختيار منها. ولذلك نقول لمن يقولون أن "كَرْهاً" بفتح الكاف و "كُرْهاً" بضم الكاف بمعنى واحد: لا؛ لأن "الكُرْه" بضم الكاف هو ما لا يريده الإنسان لأن فيه مشقة، و "الكَره" بفتح الكاف هو ما فيه إكراه من الغير. إذن فـ "كَرْهاً" بفتح الكاف تختلف في معناها عن "كُرْهًا" بضم الكاف. الحق سبحانه وتعالى يقول: {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ} أي: لن يقبل الله منكم ما تنفقونه. ولكن ما الفرق؟ لقد كان المنافقون يدفعون الزكاة ويقبلها الرسول منهم ولم يرفضها أدباً منه صلى الله عليه وسلم، فكل عمل يؤدى ثم يذهب إلى الرقيب الأعلى وهو الحق سبحانه وتعالى. ولكن حدث أن واحداً من هؤلاء هو ثعلبة طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بالغنى، فلما دعا له ورزقه الله الرزق الوفير بَخِل عن الزكاة، وحاول أن يتهرب من دفعها؛ فنزل القول الكريم: {أية : وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ * فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} تفسير : [التوبة: 75-77]. وعندما نزلت هذه الآيات جاء ثعلبة ليدفع الزكاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها منه. وعندما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ثعلبة إلى أبي بكر رضي الله عنه فلم يقبل منه الزكاة. وبعد أبي بكر جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلم يقبلها منه. ومات ثعلبة في عهد عثمان. هذا هو عدم القبول. ولكن هناك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من دفع الزكاة من المنافقين وقُبلَتْ منه، ولكن الله لم يتقبلها منه. إذن: فكل عمل قد يُقبل من فاعله، ولكن الله سبحانه وتعالى قد يتقبله أو قد لا يتقبله. إذن فالآية معناها: أن الله لن يتقبل من هؤلاء المنافقين إنفاقهم في الخير ولو تقبله البشر. ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى السبب في ذلك فيقول: {إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ} وكما قلنا: إن كلمة الفاسق مأخوذة من "فسقت الرُّطَبَة" أي انفصلت القشرة عن الثمرة. وقشرة البلح مخلوقة لتحفظ الثمر. وعلمنا أن المعاني في التكليف الشرعي قد أُخذت من الأمور الحسّية؛ ولهذا تجد أن الدين سياج يمنع الإنسان من أن يخرج على حدود الله ويحفظه من المعصية، والإنسان حين ينفصل عن الدين إنما يصبح كالثمرة التي انفصلت عن سياجها. فالذي يشرب الخمر أو يرتكب الجرائم أو الزنا يُعاقب على معصيته، أما إن كان الإنسان منافقاً بعيداً عن الإيمان بالله فطاعته لا تقبل. وهَبْ أن الإنسان مؤمن بالله ولكنه ضعيف أمام معصية ما، هنا نقول: لا شيء يجور على شيء، إن له ثوابَ إيمانه وعليه عقاب معصيته. إذن: فالفسق في هذه الآية الكريمة ليس هو الخروج عن مطلق الطاعة. ولكنه فسق من نوع خاص؛ لأن هناك فسقاً محدوداً وهو أن يخرج الإنسان عن مجرد تكليف. ولكن الفسق الكبير هو أن يكفر الإنسان بالله. ولذلك جاءت الآية الكريمة التالية: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ..}.

الجيلاني

تفسير : {قُلْ} للمنافقين المتخلفين الذين يريدون إعاتنك بالمال بدل الخروج إلى الجهاد: لن ينفعكم إنفاقكم عند الله سواء {أَنفِقُواْ طَوْعاً} طائعين {أَوْ كَرْهاً} كارهين {لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ} لأن الإنفاق إنما يقبل من المؤمنين الصالحين المخلصين {إِنَّكُمْ} بسبب كفرهم ونفاقكم مع الله ورسوله {كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ} [التوبة: 53] لا يقبل منكم الصدقات مطلقاً؛ لعدم مقارنتها بالإيمان. {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ} أي: ليس عدم قبول نفاقهم وصدقاتهم عند الله {إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ} المتوحد بذاته، وأشركوا له ما هو من مصنوعاته {وَبِرَسُولِهِ} بتكذيبه، وعدم إطاعته وإنقياده {وَ} علامة كفرهم ونفاقهم: إنهم {لاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ} الفاصلة الفارقة بين الكفر والإيمان {إِلاَّ} يأتونها مداهنةً {وَهُمْ كُسَالَىٰ} مبطئون مؤخرون بلا انبعاث قلبي وداعية شوقية {وَ} أيضاً {لاَ يُنفِقُونَ} ما ينفقون {إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 54] كراهة قلبية؛ لأنهم لا يتوقعون ترتيب الثواب عليها؛ لعدم إيمانهم بيوم الجزاء والثواب والعقاب. ومتى تحقق كفرهم ونفاقهم {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ} أي: كثرتها وتفاخرهم بها؛ لأنها من أسباب العذاب والنكال عليهم {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ} المنتقم منهم {لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} بجمعها وحفظها ونمائها، وارتكاب المحن والشدائد في تحصيلها {وَ} من كثرة محبتهم لها وحرصهم عليها {تَزْهَقَ} وتزول {أَنفُسُهُمْ} وقت حلول الأجل {وَهُمْ كَٰفِرُونَ} [التوبة: 55] محجوبون عن توحيد الله والإيمان.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى مبينا بطلان نفقات المنافقين، وذاكرا السبب في ذلك { قُلْ } لهم { أَنْفِقُوا طَوْعًا } من أنفسكم { أَوْ كَرْهًا } على ذلك، بغير اختياركم. { لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ } شيء من أعمالكم { إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ } خارجين عن طاعة اللّه، ثم بين صفة فسقهم وأعمالهم، فقال: { وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ } والأعمال كلها شرط قبولها الإيمان، فهؤلاء لا إيمان لهم ولا عمل صالح، حتى إن الصلاة التي هي أفضل أعمال البدن، إذا قاموا إليها قاموا كسالى، قال: { وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى } أي: متثاقلون، لا يكادون يفعلونها من ثقلها عليهم. { وَلا يُنْفِقُونَ إِلا وَهُمْ كَارِهُونَ } من غير انشراح صدر وثبات نفس، ففي هذا غاية الذم لمن فعل مثل فعلهم، وأنه ينبغي للعبد أن لا يأتي الصلاة إلا وهو نشيط البدن والقلب إليها، ولا ينفق إلا وهو منشرح الصدر ثابت القلب، يرجو ذخرها وثوابها من اللّه وحده، ولا يتشبه بالمنافقين.