٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
54
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: دل صريح هذه الآية على أنه لا تأثير للفسق من حيث إنه فسق في هذا المنع، وذلك صريح في بطلان قول المعتزلة على ما لخصناه وبيناه. المسألة الثانية: ظاهر اللفظ يدل على أن منع القبول بمجموع الأمور الثلاثة، وهي الكفر بالله ورسوله، وعدم الإتيان بالصلاة إلا على وجه الكسل، والإنفاق على سبيل الكراهية. ولقائل أن يقول: الكفر بالله سبب مستقل في المنع من القبول، وعند حصول السبب المستقل لا يبقى لغيره أثر، فكيف يمكن إسناد هذا الحكم إلى السببين الباقيين؟ وجوابه: أن هذا الإشكال إنما يتوجه على قول المعتزلة، حيث قالوا: إن الكفر لكونه كفراً يؤثر في هذا الحكم، أما عندنا فإن شيئاً من الأفعال لا يوجب ثواباً ولا عقاباً البتة، وإنما هي معرفات واجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد محال، بل نقول: إن هذا من أقوى الدلائل اليقينية على أن هذه الأفعال غير مؤثرة في هذه الأحكام لوجوه عائدة إليها، والدليل عليه أنه تعالى بين أنه حصلت هذه الأمور الثلاثة في حقهم، فلو كان كل واحد منها موجباً تاماً لهذا الحكم، لزم أن يجتمع على الأثر الواحد أسباب مستقلة، وذلك محال، لأن المعلول يستغنى بكل واحد منها عن كل واحد منها، فيلزم افتقاره إليها بأسرها حال استغنائه عنها بأسرها، وذلك محال، فثبت أن القول بكون هذه الأفعال مؤثرة في هذه الأحكام يفضي إلى هذا المحال، فكان القول به باطلاً. المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على أن شيئاً من أعمال البر لا يكون مقبولاً عند الله مع الكفر بالله. فإن قيل: فكيف الجمع بينه وبين قوله: { أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } تفسير : [الزلزلة:7] قلنا: وجب أن يصرف ذلك إلى تأثيره في تخفيف العقاب، ودلت الآية على أن الصلاة لازمة للكافر، ولولا ذلك لما ذمهم الله تعالى على فعلهاعلى وجه الكسل. فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال الموجب للذم ليس هو ترك الصلاة؟ بل الموجب للذم هو الإتيان بها على وجه الكسل جارياً مجرى سائر تصرفاتها من قيام وقعود، وكما لا يكون قعودهم على وجه الكسل مانعاً من تقبل طاعتهم، فكذلك كان يجب في صلاتهم لو لم تجب عليهم. المسألة الرابعة: مضى تفسير الكسالى في سورة النساء. قال صاحب «الكشاف»: {كُسَالَىٰ } بالضم والفتح جمع الكسلان: نحو سكارى وحيارى في سكران وحيران. قال المفسرون: هذا الكسل معناه أنه إن كان في جماعة صلى، وإن كان وحده لم يصل. قال المصنف: إن هذا المعنى إنما أثر في منع قبول الطاعات، لأن هذا المعنى يدل على أنه لا يصلي طاعة لأمر الله وإنما يصلي خوفاً من مذمة الناس، وهذا القدر لا يدل على الكفر. أما لما ذكره الله تعالى بعد أن وصفهم بالكفر، دل على أن الكسل إنما كان لأنهم يعتقدون أنه غير واجب، وذلك يوجب الكفر. أما قوله: {وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَـٰرِهُونَ } فالمعنى: أنهم لا ينفقون لغرض الطاعة، بل رعاية للمصلحة الظاهرة، وذلك أنهم كانوا يعدون الإنفاق مغرماً وضيعة بينهم، وهذا يوجب أن تكون النفس طيبة عند أداء الزكاة والإنفاق في سبيل الله، لأن الله تعالى ذم المنافقين بكراهتهم الإنفاق، وهذا معنى قوله عليه السلام: « حديث : أدوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم » تفسير : فإن أداها وهو كاره لذلك كان من علامات الكفر والنفاق. قال المصنف رضي الله عنه: حاصل هذه المباحث يدل على أن روح الطاعات الإتيان بها لغرض العبودية والانقياد في الطاعة، فإن لم يؤت بها لهذا الغرض، فلا فائدة فيه، بل ربما صارت وبالاً على صاحبها. المسألة الخامسة: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَـٰتُهُمْ } قرأ حمزة والكسائي {أن يَقْبَلُ } بالياء والباقون بالتاء على التأنيث. وجه الأولين: أن النفقات في معنى الإنفاق، كقوله: {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ } ووجه من قرأ بالتأنيث أن الفعل مسند إلى مؤنث. قال صاحب «الكشاف»: قرىء {نَفَقَـٰتُهُمْ } و {نَفَقَـتُهُمْ } على الجمع والتوحيد. وقرأ السلمي {أن يقبل منهم نفقاتهم} على إسناد الفعل إلى الله عز وجل.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأُولى ـ قوله تعالىٰ: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ} «أنْ» الأولى في موضع نصب، والثانية في موضع رفع. والمعنى: وما منعهم من أن تقبل منهم نفقاتهم إلاَّ كفرهم وقرأ الكوفيون «أن يُقبل مِنهم» بالياء؛ لأن النفقات والإنفاق واحد. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ} قال ابن عباس: إن كان في جماعة صلّىٰ وإن انفرد لم يصلّ، وهو الذي لا يرجو على الصَّلاة ثواباً ولا يخشى في تركها عقاباً. فالنفاق يورث الكسل في العبادة لا محالة. وقد تقدّم في «النساء» القول في هذا كله. وقد ذكرنا هناك حديث العلاء مُوعَبا. والحمد لله. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} لأنهم يعدونها مَغْرماً ومنعها مَغْنماً. وإذا كان الأمر كذلك فهي غير متقبَّلة ولا مثاب عليها حسب ما تقدّم.
البيضاوي
تفسير : {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَـٰتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ} أي وما منعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم. وقرأ حمزة والكسائي «أن يقبل» بالياء لأن تأنيث النفقات غير حقيقي. وقرىء «يقبل» على أن الفعل لله. {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ} متثاقلين. {وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَـٰرِهُونَ} لأنهم لا يرجون بهما ثواباً ولا يخافون على تركهما عقاباً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ } بالياء والتاء {مِنْهُمْ نَفَقَٰتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ } فاعل و «أن تقبل» مفعول {كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ } متثاقلون {وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَٰرِهُونَ } النفقة لأنهم يعدونها مغرماً.
ابن عطية
تفسير : يحتمل أن يكون معنى الآية: وما منعهم الله من أن تقبل إلا لأجل أنهم كفروا، فـ {أن} الأولى على هذا في موضع خفض نصبها الفعل حين زال الخافض، و"أن" الثانية، في موضع نصب مفعول من أجله، ويحتمل أن يكون التقدير: وما منعهم الله قبول نفقاتهم إلا لأجل كفرهم، فالأولى على هذا في موضع نصب، ويحتمل أن يكون المعنى: وما منعهم الله قبول نفقاتهم إلا كفرهم، فالثانية في موضع رفع فاعلة، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم: "أن تقبل منهم نفقاتهم " وقرأ حمزة والكسائي ونافع فيما روي عنه: " أن يقبل منهم نفقاتهم "بالياء وقرأ الأعرج بخلاف عنه: "أن تقبل منهم نفقتهم " بالتاء من فوق وإفراد النفقة، وقرأ الأعمش، "أن يقبل منهم صدقاتهم"، وقرأت فرقة: " أن نقبل منهم نفقتهم " بالنون ونصب النفقة، و {كسالى } جمع كسلان، وكسلان إذا كانت مؤنثته كسلى لا ينصرف بوجه وإن كانت مؤنثته كسلانة فهو ينصرف في النكرة ثم أخبر عنهم تعالى أنهم " لا ينفقون دومة إلا على كراهية" إذ لا يقصدون بها وجه الله ولا محبة المؤمنين، فلم يبق إلا فقد المال وهو من مكارههم لا محالة، وقوله تعالى: {فلا تعجبك أموالهم} الآية، حقر هذا اللفظ شأن المنافقين وعلل إعطاء الله لهم الأموال والأولاد بإرادته تعذيبهم بها، واختلف في وجه التعذيب فقال قتادة: في الكلام تقديم وتأخير، فالمعنى "فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة "، وقال الحسن: الوجه في التعذيب أنه بما ألزمهم فيها من أداء الزكاة والنفقة في سبيل الله. قال القاضي أبو محمد : فالضمير في قوله {بها} عائد في هذا القول على " الأموال" فقط، وقال ابن زيد وغيره: " التعذيب " هو بمصائب الدنيا ورزاياها هي لهم عذاب إذ لا يؤجرون عليها، وهذا القول وإن كان يستغرق قول الحسن فإن قول الحسن يتقوى تخصيصه بأن تعذيبهم بإلزام الشريعة أعظم من تعذيبهم بسائر الرزايا وذلك لاقتران الذلة والغلبة بأوامر الشريعة لهم قوله: {وتزهق انفسهم}، يحتمل أن يريد ويموتون على الكفر، ويحتمل أن يريد " وتزهق أنفسهم " من شدة التعذيب الذي ينالهم، وقوله {وهم كافرون} جملة في موضع الحال على التأويل الأول، وليس يلزم ذلك على التأويل الثاني، وقوله {ويحلفون} الآية، أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم يحلفون أنهم من المؤمنين في الدين والشريعة ثم أخبر تعالى عنهم على الجملة لا على التعيين أنهم ليسوا من المؤمنين، وإنما هم يفزعون منهم فيظهرون الإيمان وهو يبطنون النفاق، و"الفرق "، الخوف، والفروقة الجبان وفي المثل وفرق خير من حبين.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ} الآية. "أنْ تُقْبَلَ" فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعول ثانٍ، لـ "مَنَعَ" إمَّا على تقدير إسقاطِ حرف الجر، أي: من أن يقبل، وإمَّا لوصول الفعل إليه بنفسه؛ لأنَّك تقول: منعتُ زيداً حقَّه ومن حقه. والثاني: أنَّهُ بدلٌ من "هم" في: "مَنَعَهُمْ"، قاله أبو البقاءِ، كأنَّهُ يريد: بدل الاشتمال، ولا حاجة إليه. وفي فاعل "مَنَعَ" وجهان: أظهرهما: أنَّهُ {إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ} أي: ما منعهم قبول نفقتهم إلاَّ كفرهم. والثاني: أنَّهُ ضمير الله تعالى: أي وما منعهم الله، ويكون "إِلاَّ أَنَّهُمْ" منصوباً على إسقاط حرف الجر، أي: لأنَّهم كفروا. وقرأ الأخوان "أن يُقْبَلَ" بالياءِ من تحت. والباقون بالتَّاء من فوق. وهما واضحتان، لأنَّ التأنيث مجازي. وقرأ زيد بن علي كالأخوين إلاَّ أنَّه أفرد النفقة. وقرأ الأعرج "تُقبل" بالتاء من فوق، "نَفَقَتهُم" بالإفراد. وقرأ السُّلمي "يَقْبل" مبنياً للفاعل، وهو الله تعالى. وقرىء "نَقْبل" بنون العظمة، "نفقتهم" بالإفراد. فصل ظاهر اللفظ يدل على أنَّ منع القبول معلل بمجموع الأمور الثلاثة، وهي الكفر بالله ورسوله، وإتيان الصَّلاة وهم كسالى، والإنفاق على سبيل الكراهية. ولقائل أن يقول: الكفر بالله سبب مستقل في المنع من القبولِ، فلا يبقى لغيره أثر، فكيف يمكن إسناد الحكم إلى السببين الباقيين؟. وجوابه: أنَّ هذا الإشكالِ إنما يتوجَّهُ على قول المعتزلةِ، حيث قالوا: إنَّ الكفر لكونه كفراً يؤثر في هذا الحكم، أما عند أهْلِ السُّنَّةِ: فإنَّ شيئاً من الأفعال لا يوجب ثواباً ولا عقاباً وإنَّما هي معرفات، واجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد جائز. فصل دلَّت الآية على أنَّ شيئاً من أعمال البر لا يقبل مع الكفر بالله تعالى. فإن قيل: كيف الجمع بينه وبين قوله: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ}تفسير : [الزلزلة:7]؟ فالجوابُ: أن يصرف ذلك إلى تأثيره في تخفيف العقابِ، ودلت الآية على أنَّ الصلاة تجب على الكافر، لأنه تعالى ذمَّ الكافر على فعل الصَّلاة على وجه الكسل. قال الزمخشريُّ "كُسَالَى" بالضمِّ والفتح جمع: "كَسْلان" نحو "سَكَارى". قال المفسِّرون: معنى هذا الكسل، أنَّهُ إن كان في جماعة صلَّى، وإن كان وحده لم يصلِّ. وقوله: {وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} أي: لا ينفقون لغرض الطاعة بل رعاية للمصلحة الظاهرة. قوله تعالى: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ} الآية. لمَّا قطع في الآية الأولى رجاء المنافقين عن جميع منافع الآخرة، بيَّن ههنا أنَّ الأشياء التي يظنونها من منافع الدنيا؛ فإنه تعالى جعلها أسباباً لتعذيبهم في الدُّنيا. والإعجاب: هو السرور بالشَّيء من نوع الافتخار به، ومع اعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه. قوله {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلقٌ بـ "تُعْجِبْكَ"، ويكون قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ} جملة اعتراض، والتقدير: فلا تعجبك في الحياةِ، ويجوز أن يكون الجارُّ حالاً من "أمْوالُهُمْ" وإلى هذا نحا ابنُ عبَّاسٍ، ومجاهد، وقتادة، والسدي وابن قتيبة، قالوا في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، والمعنى: فلا تعجبك أموالهم، ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنَّما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. قال أبو حيان: "إلاَّ أنَّ تقييد الإعجاب المنهيَّ عنه الذي يكون ناشئاً عن أموالهم وأولادهم من المعلوم أنَّه لا يكون إلاَّ في الحياة الدُّنيا، فيبقى ذلك كأنَّهُ زيادة تأكيد بخلاف التَّعذيب، فإنَّه قد يكون في الدنيا، كما يكون في الآخرة، ومع أنَّ التقديم والتأخير يخصُّه أصحابنا بالضرورة". قال شهابُ الدين: "كيف يقال - مع نصِّ من قدَّمتُ ذكرهم - أصحابنا يخصُّون ذلك بالضَّرورة؟ على أنه ليس من التقديم الذي يكون في الضرورة في شيءٍ، إنَّما هو اعتراض، والاعتراض لا يقال فيه تقديم وتأخير، بالاصطلاح الذي يخصُّ بالضرورة. وتسميتهم - أعني: ابن عباس، ومن معه رضي الله عنهم - إنَّما يريدون به الاعتراض المشار إليه، لا ما يخصه أهل الصناعة بالضرورة". والثاني: أنَّ "فِي الحياةِ" متعلقٌ بالتعذيب، والمراد بالتعذيب الدنيويِّ: مصائبُ الدُّنيا ورزاياها أو ما لزمهم من التكاليف الشَّاقة، فإنَّهم لا يرجون عليها ثواباً، قاله ابنُ زيد: أو ما فُرِض عليهم من الزكوات، قاله الحسنُ. وعلى هذا فالضميرُ في "بها" يعود على الأموال فقط، وعلى الأول يعود على "الأولاد، والأموال". فإن قيل: أيُّ تعذيب في المال والولد وهما من جملة النّعم؟. فالجوابُ: على القول الأول بالتقديم والتأخير، فالسؤالُ زائل. وعلى الثاني المصائب الواقعة في المالد والولد. وقيل: بل لا بدَّ من تقدير حذف، بأن يقال: أراد بالتعذيب بها من حيث كانت سبباً للعذاب، أمَّا في الدُّنيا، فإن من أحب شيئاً كان تألمه على فراقه شديداً، وأيضاً يحتاج في تحصيلها إلى تعب شديد، ومشاقّ عظيمة، ثم في حفظها كذلك، وأمَّا في الآخرة فالأموال حلالها حساب، وحرامها عذابٌ. فإن قيل: هذا المعنى حاصل للكلِّ، فما فائدة تخصيص المنافقين؟. فالجوابُ: أن المنافق لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر فلا ينفق ماله في سبيل الله لأنَّهُ يراه ضياعاً لا يرجو ثوابه، وأما المؤمن فينفق ماله طيبة بها نفسه، يرجو الثواب في الآخرة والمنافق لا يجاهدُ في سبيل الله خوفاً من أن يقتل، والمؤمن يُجَاهدُ، يرجو ثواب الآخرة ثم قال: {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} أي: تخرجُ أنفسهم وهم كارهون. أي: يموتون على الكفر. قوله: {وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ} على دينكم {وَمَا هُم مِّنكُمْ} أي: ليسوا على دينكم {وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} يخافون أن يظهروا ما هم عليه فيقتلوا. قوله: {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَارَاتٍ}. "المَلْجَأ": الحِصْن. وقال عطاءٌ: المَهْرب وقيل: الحِرْز وهو "مَفْعَل"، مِنْ: لَجَأ إليه، يلجأ، أي: انحاز. يقال: ألجَأتُهُ إلى كذا أي: اضطررته إليه فالتَجَأ. و "الملجأ" يصلحُ للمصدر، والزمان، والمكان. والظَّاهرُ منها - هنا: المكان. و "المغارات" جمع "مغارة"، وهي الموضع الذي يغور الإنسان فيه، أي: يستقر. وقال أبُو عبيدٍ: كل شيءٍ جزتَ فيه فغبتَ فهو مغارة لك، ومنه: غار الماء في الأرض، وغارت العين. وهي مفعلة، مِنْ: غَارَ يغُورُ، فهي كالغَارِ في المعنى. وقيل: المغارة: السِّرْب، كنفق اليربوع. والغار: النَّقْبُ في الجبل. والجمهورُ على فتح ميم "مغارات". وقرأ عبدُ الرحمن بن عوف "مُغارات" بالضم، وهو من: أغار، و "أغار" يكون لازماً، تقول العربُ: "أغار" بمعنى "غار" أي: دخل. ويكون متعدّياً، تقول العرب: أغرت زيداً، أي: أدخلته في الغار، فعلى هذا يكون من "أغار" المتعدِّي، والمفعول محذوف، أي: أماكنُ يغيرون فيها أنفسهم، أي: يُغَيِّبُونها. و "المُدَّخل": "مُفْتَعَل" مِنَ: الدخول، وهو بناء مبالغة في هذا المعنى، والأصل: "مُدْتَخل" فأدغمت "الدال" في "تاء" الافتعال كـ: "ادَّانَ" من "الدَّين". وقرأ قتادة، وعيسى بن عمر، والأعمش "مُدَّخَّلاً" بتشديد الدال والخاء معاً. وتوجيهها أن الأصل "مُتدَخَّلاً"، من: تدخَّل" بالتَّضعيف، فلمَّا أدغمت التاء في الدال صار اللفظ "مُدخَّلاً" نحو "مُدَّيَّن" من "تَديَّن". وقرأ الحسنُ أيضاً، ومسلمةُ بن محاربٍ، وابن أبي إسحاق، وابن محيصن، وابن كثير، في رواية "مَدْخَلاً" بفتح الميم وسكون الدال وفتح الخاء خفيفة، مِنْ "دخل". وقرأ الحسنُ في رواية محبوب كذلك، إلاَّ أنه ضمَّ الميم، جعله من "أدخل". وهذا من أبدع النَّظم، ذكر أولاً الأمر الأعم، وهو "الملجأ" من أي نوع كان، ثم ذكر الغيران التي يُخْتفى فيها في أعلى الأماكن، وهي الجبالُ، ثم ذكر الأماكن التي يختفى فيها في الأماكن السافلة، وهي السُّروب، وهي التي عبَّر عنها بـ "المُدَّخل". وقال الزجاج: يصحُّ أن تكون "المغارات" من قولهم: "حَبل مُغار" أي: محكم الفتل، ثم يستعار ذلك في الأمر المحكم المبرم فيجيء التأويل على هذا: لو يجدون نصرة، أو أموراً مشددة مرتبطة تعصمهم منكم وجعل "المُدَّخَل" أيضاً قوماً يدخلون في جملتهم. وقرأ أبي "مُنْدَخَلاً" بالنون بد الميم، من "انْدخَلَ"؛ قال: [البسيط] شعر : 2798-...................... ولا يَدِي في حَميتِ السَّمْنِ تَنْدخِلُ تفسير : وأنكر أبو حاتم هذه القراءة عنه، وقال: إنَّما هي بالتاء، وهو معذورٌ، لأنَّ "انفعل" قاصر لا يتعدى، فكيف يبنى منه اسم مفعول؟ وقرأ الأشهب العقيلي "لوالَوْا"، أي: لتتابعوا وأسرعوا وكذلك رواها ابن أبي عبيدة بن معاوية بن نوفل، عن أبيه، عن جده وكانت له صحبة من الموالاة. وهذا مما جاء فيه "فعَّل"، و "فاعل" بمعنى، نحو: ضَعَّفْتُه، وضَاعَفْتُه. قال سعيد بن مسلم: أظنها "لَوألُوا" بهمزة مفتوحة بعد الواو، من "وأل"، أي: التجأ وهذه القراءةُ نقلها الزمخشري عن أبيّ، وفسَّرها بما تقدم من الالتجاء. و"الجُموح" النُّفُور بإسراع؛ ومنه: فرس جمُوحٌ، إذا لم يرُدَّهُ لِجَامٌ؛ قال: [المتقارب] شعر : 2799- سَبُوحاً جَمُوحاً وإحْضَارُهَا كَمَعْمَعَةِ السَّعَفِ المُوقَدِ تفسير : وقال آخر: [البسيط] شعر : 2800- وقد جَمَحْتُ جِمَاحاً في دِمَائِهِمُ حتَّى رأيتُ ذوي أحْسابِهِمْ جَهَزُوا تفسير : وقرأ أنس بن مالك، والأعمش: يَجْمِزُون. قال ابن عطية يُهرولُونَ في مَشيهمْ وقيل: يَجْمِزُونَ، ويَجْمَحُونَ، ويشتدُّون بمعنى". وفي الحديث: حديث : فلمَّا أذْلقَتهُ الحجارةُ جَمَزَتفسير : . وقال رؤبة: [الرجز] شعر : 2801- إمَّا تَرَيْنِي اليومَ أمَّ حَمْزِ قَاربْتُ بين عَنقي وجمْزِي تفسير : ومنه "يَعْدُو الجَمَزَى" وهو أن يجمع رجليه معاً، ويهمز بنفسه، هذا أصله في اللغة وقوله: "إليهِ" عاد الضميرُ على "الملجأ" أو على "المُدَّخل"، لأنَّ العطف بـ "أوْ"، ويجوز أن يعود على "المغارات" لتأويلها بمذكر. ومعنى الآية: أنهم لو يجدون مخلصاً منكم أو مهرباً لفارقوكم. قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ} الآية. قرأ العامة "يَلْمِزُكَ" بكسر الميم، من: لَمَزه يَلْمِزه، أي. عابه، وأصله: الإشارة بالعين ونحوها. قال الأزهري أصله: الدفع، لَمَزتُهُ دفعته وقال الليث هو الغمز في الوجه ومنه: هُمزةٌ لُمَزَة. أي: كثيرُ هذين الفعلين. وقال أبو بكر الأصم "اللَّمز: أن يشير إلى صاحبه بعيب جليسه. والهمز: أن يكسر عينه على جليسه إلى صاحبه". وقرأ يعقوب، وحماد بن سلمة عن ابن كثير، والحسن، وأبو رجاء، ورويت عن أبي عمرو بضمها، وهما لغتان في المضارع. وقرأ الأعمش "يُلْمِزُكَ" مِنْ "الْمَز" رباعياً. وروى حماد بن سلمة "يُلامِزُكَ" على المفاعلة من واحدٍ، كـ: سافرَ، وعاقب. هذا شرح نوع آخر من طباعهم وأفعالهم، وهو طعنهم في الرسول بسبب أخذ الصدقات، ونزلت في ذي الخويصرة التميمي، واسمه: حرقوص بن زهير، أصل الخوارج. حديث : قال أبو سعيد الخدري بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم مالاً إذ جاءه ذو الخويصرة التميمي، وقال: يا رسول الله اعدل، فقال:ويلك من يعدل إذا لم أعدل؟تفسير : . فنزلت هذه الآية. وقال الكلبي: حديث : قال رجل من المنافقين ويقال له: أبو الجواظ لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتزعم بأن الله أمرك بأن تضع صدقات في الفقراء والمساكين، فلم تضعها في رعاة الشاء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:لا أبا لك، فإنما كان موسى راعياً وإنما كان داود راعياً، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلما ذهب قال عليه السلام: "احذروا هذا وأصحابه، فإنهم منافقون" . تفسير : وروى أبو بكر الأصم في تفسيره حديث : أنه عليه السلام قال لرجل من أصحابه: "ما علمك بفلان؟" قال ما لي به علم إلا أنك تدينه في المجلس وتجزل له العطاء، فقال عليه السلام: إنه منافق أداريه عن نفاقه، وأخاف أن يفسد عليّ غيره، فقال: لو أعطيت فلاناً بعض ما تعطيه؟ فقال عليه السلام: إنه مؤمن أكلهُ إلى إيمانه، وإنما هذا منافق أداريه خوف إفساده. تفسير : قال ابن عباس "يلمزك": يغتابك، وقال قتادة: يطعن عليك، وقال الكلبي: يعيبك في أمرٍ ما، قال أبو علي الفارسي: هنا محذوف والتقدير: يعيبك في تفريق الصدقات فإن أعطوا كثيراً فرحوا، وإن أعطوا قليلاً فإذا هم يسخطون. وقد تقدم الكلام على "إذا" الفجائية، والعامل فيها. قال أبو البقاء: "يسخطون" لأنه قال: إنها ظرف مكان، وفيه نظر تقدم نظيره. قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ}. الظاهر أنَّ جواب "لَوْ" محذوفٌ، تقديره: لكان خيراً لهم. وقيل: جوابها "وقالوا"، والو مزيدةٌ، وهذا مذهبُ الكوفيين. والمعنى {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} أي: قنعوا بما قسم لهم "وقالُوا حَسبُنَا الله" كافينا الله {سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} ما نحتاج إليه {إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ} هاتانِ الجملتان كالشَّرح لقولهم: "حَسبُنَا اللهُ"، فلذلك لم يتعاطفا، لأنَّهُمَا كالشَّيء الواحد، فشدَّه الاتصال منعت العطف.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ} [الآية: 54]. قال محمد بن الفضل: من لم يعرف الأمر، قام إلى الأمر على جد الكسل، من عرف الأمر قام إليه على جد الاستفتاح والاسترواح. سمعت جدى يقول: التهاون بالأمر من قلة المعرفة بالأمر. قال حمدون: القائمون بالأوامر على ثلاث مقامات، واحد يقوم إليه على العادة وقيامه إليه قيام كسل، وآخر يقوم إليه قيام طلب ثواب، وقيامه إليه قيام طمع، وآخر يقوم إليه قيام مشاهدة، فهو القائم بالله لأمره، لا قائم بالأمر لله.
القشيري
تفسير : فقدوا الإخلاص في أموالهم فعدموا الاختصاص في أحوالهم، وحُرِموا الخلاصَ في عاجلهم وفي مآلهم. قوله: {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ}: مَنْ أَطَاعَ من حيث العادة - مِنْ غَيْرِ أن تحملَه عليها لوعةُ الإرادة - لم يَجِدْ لطاعته راحةً وزيادة. ويقال مَنْ لاَحظَ الخَلْقَ في الجهر من أعماله، ورَكَنَ إلى الكسلِ في السِّرِّ من أحواله فقد وُسِمَ بالخذلان، وخُتِمَ بالحرمان، وهذه هي أمارة الفرقة والقطيعة، قال تعالى: {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 54].
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ} وصف الله الجاهلين بجلاله المحجوبين عن مشاهدة جماله الذين لم يذوقوا من عبودية خالقهم طعم وصاله ولو كانوا اهل الذوق من مناجات الله فى الصللوة وادراك قرة العيون منها لكان حالهم كحال ما اخبر صلى الله عليه وسلم عن المصلى الصّادق بقوله له المصلى يناجى ربه وما اخبر عن حال نفسه عليه السّلام جعلت قرّة عينى فى الصلوة ولكن خص الله هذه المراتب الشريف بالخاشعين فى جبروته والمتواضعين فى الملكوت بقوله وانها لكبيرة الا على الخاشعين ووصفه اياهم بقوله الذين هم فى صلواتهم خاشعون قال محمد بن الفضل من لم يعرف الامر قام الى الامر على حد الكسل ومن عرف الامر قام اليه على حد الاستغناء واسترواح.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما منعهم ان تقبل منهم نفقاتهم الا انهم كفروا بالله وبرسوله} استثناء من اعم الاشياء اى ما منعهم من قبول نفقاتهم منهم شيء من الاشياء الا كفرهم فالمستثنى المفرغ مرفوع المحل على انه فاعل منع. وقوله ان تقبل مفعوله الثانى بنزع الخافض او بنفسه فانه يقال منعت الشيء ومنعت فلانا حقه ومنعته من حقه. وقال ابو البقاء ان تقبل فى موضع نصب بدلا من المفعول فى منعهم {ولا ياتون الصلوة} [ونمى آيند بنماز جماعت] وهو معطوف على كفروا {إلا وهم كسالى} اى لا يأتونها فى حال من الاحوال الا حال كونهم متثاقلين. قال الكاشفى [مكر ايشان كاهلانند بنماز مى آيند بكسالت وكراهت نه بصدق وارادت] والكسالى جمع كسلان كما يقال سكارى وسكران. قال البغوى كيف ذكر الكسل فى الصلاة ولا صلاة لهم اصلا قيل الذم واقع على الكفر الذى يبعث على الكسل فان الكفر مكسل والايمان منشط {ولا ينفقون الا وهم كارهون} قال ابن الشيخ الرغبة والنشاط فى اداء العبادات متفرعة على رجاء الثواب بها وخوف العقاب على تركها المتفرعين على الايمان بما جاء به النبى عليه السلام من عند الله والمنافق لا يؤمن بذلك فلا يرجو ثواب الآخرة ولا يخاف عقابها فيكون كسلان فى اتيان الصلاة وكارها للانفاق لزعمه انهما اتعاب للبدن وتضييع للمال بلا فائدة وفيه ذم الكسل قيل ما دام كسله خاب امله: قال ابو بكر الخوارزمى شعر : لا تصحب الكسلان فى حالاته كم صالح بفساد آخر يفسد عدوى البليد الى الجليد سريعة والجمر يوضع فى الرماد فيخمد تفسير : :وفى المثنوى شعر : كرهزاران طالبند ويك ملول از رسالت بازمى ماند رسول كى رسانند آن امانت را بتو تانباشى بيششان راكع دوتو
الطوسي
تفسير : قرأ اهل الكوفة الا عاصما {أن يقبل} بالياء. الباقون بالتاء. وجه قراءة من قرأ بالياء ان التأنيث ليس بحقيقي فجاز أن يذكر كقوله {أية : فمن جاء موعظة} تفسير : ومن قرأ بالتاء فعلى ظاهر التأنيث. والمنع أمر يضاد الفعل وينافيه. والمعنى ها هنا أن هؤلاء المنافقين منعوا انفسهم ان يفعل بهم قبول نفقاتهم، كما يقول القائل: منعته بري وعطائي. وقوله {أن تقبل} في موضع نصب، وتقديره وما منعهم من أن تقبل وحذف (من). وقوله {إلا أنهم كفروا بالله ورسوله} انهم في موضع رفع والعامل في اعراب انهم يحتمل احد امرين: احدهما - ما منعهم من ذلك إلا كفرهم. والثاني - أن يكون تقديره ما منعهم الله منه إلا لأنهم كفروا بالله. وعندنا ان الكافر لا يقع منه الانفاق على وجه يكون طاعة، لأنه لو أوقعها على ذلك الوجه لاستحق الثواب. والاحباط باطل، فكان يؤدي إلى ان يكون مستحقاً للثواب. وذلك خلاف الاجماع وعند من خالفنا من المعتزلة وغيرهم يصح ذلك، غير انه ينحبط بكفره فأما الصلاة فلا يصح أن تقع منهم على وجه تكون طاعة بلا خلاف، لأن الصلاة طريقها الشرع فمن لا يعترف بالشرع لا يصح أن يوقعها طاعة، وليس كذلك الانفاق، لأن العقل دال على حسنه غير انهم وإن علموا ذلك لا يقع منهم كذلك على ما بيناه. وقوله {ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى} اي يقومون اليها على وجه الكسل وذلك ذم لهم بانهم يصلون الصلاة على غير الوجه الذي امروا به، من النفاق الذي يبعث على الكسل عنها دون الايمان الذي يبعث على النشاط لها. وقوله {ولا ينفقون إلا وهم كارهون} اخبار منه تعالى بأنهم لا ينفقون ما ينفقونه لكونه طاعة بل ينفقونه كارهين لذلك وذلك يقوي ما قلناه.
الجنابذي
تفسير : {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ} عطف باعتبار المقصود، فانّ المقصود من امره (ص) اظهار عدم قبول نفقاتهم فكأنّه تعالى قال لا يقبل منهم نفقاتهم الّتى انفقوها طوعاً او كرهاً وما منعهم ان تقبل نفقاتهم (الى الآخر) يعنى انّ كفرهم بالله منعهم من قبول نفقاتهم فانّ الاعمال كلّها قبولها بالايمان بالله {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ} القالبيّة اظهاراً لاحكام الاسلام {إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ} لعدم نشاطهم بالاعمال الاخرويّة لكفرهم {وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ} الخطاب للنّبىّ (ص) والمعنى على، ايّاك اعنى واسمعى يا جارة، او الخطاب عامّ لكلّ من يتأتّى منه الخطاب {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} فى موضع تعليلٍ للنّهى {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} الزّهوق والخروج بصعوبة، اعلم، انّ النّفوس البشريّة لمّا كانت سفليّة ترى الخير فى الجهات الدّنيويّة وان لا خير سواها وهى محصورة فيما اقتضته قوّتاها الشّهويّة والغضبيّة، وما اقتضته الشّهويّة امّا محبوب لها من غير شعور منها بغاية له او محبوب لها لغيره، والاوّل كالاولاد فانّ النّفوس مفطورة على محبّتهم غير شاعرة بغاية لتلك المحبّة، والثّانى كالاموال فانّها محبوبة لغايات عديدة هى محبوبة لها بذاتها، كالمأكول والمشروب والملبوس والمسكون والمنكوحة والمركوب والحشمة والخدم والجاه والعرض وجذب القلوب والصّيت والثّناء وغير ذلك، وقد يصير كثرة المال محبوبة لذاتها اذا غلب الحرص وأعمى صاحبه حتّى انّه يقتّر فى ما اقتضته الشّهويّة حفظاً للمال وحبّاً له، كما انّه قد يصير الاولاد محبوبة لغيرها، وما اقتضته الغضبيّة هو التّبسّط فى البلاد والتّسلّط على العباد وارادة الانتقام وسهولته وانقياد الخلق وطاعتهم وسياسة من خرج منهم من الطّاعة ويتولّد من هذه المذكورات جملة الرّذائل ويختفى بسببها جملة الخصائل ويتوسّل اليها كلّها بكثرة المال والاعوان واقوى الاعوان الاولاد، وامّا الشّيطنة فانّها فى مقتضياتها خادمة للشّهويّة والغضبيّة بوجهٍ فمن رأته صاحب كثرة الاموال والاولاد حسبته صاحب خيرات كثيرة واعجبتها كثرة امواله واولاده وتمنّت ان تكون لها هذه، ولم تدرأنّها شاغلة له عن العلوّ والتّوجّه الى الله متعبةٌ له فى جمعها وحفظها مولمة له بخوف تلفها وحين تلفها؛ ولذلك اقتصر على ذكر الاولاد والاموال ونهى نبيّه (ص) تعريضاً بامّته عن الاعجاب بها كصاحب النّفوس السّفليّة معلّلاً بعذاب الدّنيا والخروج الى الآخرة مع الكفر الموجب لعذاب الآخرة.
اطفيش
تفسير : {ومَا مَنَعهم أن تُقْبل مِنْهم نَفَقاتُهم} أى ما منعهم من قبول، أو تعدى منع لاثنين، أو القبول بدل اشتمال، وقرأ حمزة والكسائى: أن يقبل بالتحتية لجواز تذكير فعل المؤنث الظاهر المجازى التأنيث وللفصل، وهو رواية عن نافع، ولم تصح عنه، وقرأ الأعرج فى رواية عنه: أن تقبل منهم نفقتهم بالمثناة والإفراد، وقرأت فرقة بالنون والبناء للفاعل، ونصب النفقة بالإفراد، وقرأ السلمى بالتحتية والبناء للفاعل وهو الله أو النبى صلى الله عليه وسلم، ونصب النفقات بالكسرة جمعا، وقرأ الأعمش: أن تقبل منهم صدقاتهم بالمثناة الفوقية والبناء للمفعول. {إلا أنَّهم كَفرُوا باللهِ وبرسُولِهِ} المصدر من خبر إن فاعل منع، ولك أن تجعل الفاعل ضمير الله سبحانه وتعالى، أو رسوله صلى الله عليه وسلم، وتقدر اللام بعد إلا، أى إلا بأنهم كفروا بالله وبرسوله، وفى صحيح مسلم، عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن ثواب الكافر على أفعاله البرة هو فى الطعمة يطعمها ونحو ذلك ولا تنفعه فى الآخرة وأما أفعاله القبيحة فتزيد فى عذابه ". تفسير : {ولا يأتُونَ الصَّلاةَ إلاَّ وهُم كُسَالى} جمع كسلان، أى متثاقلون لا يرجون بها ثوابا، ولا يخافون بتركها عقابا، وفى كتبنا الفقهية لا يوصف المسلم بالكسل، ويؤيده ما رواه جار الله عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنه كره أن يقال لمؤمن كسلت" تفسير : والعطف على خبر إن. {ولا ينْفِقُون إلاَّ وهُم كارِهُونَ} إذ لا يرجون بالإنفاق ثوابا، ولا يخافون بتركه عقابا، بل يعدونه مغرما وتركه مغنما.
الالوسي
تفسير : {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَـٰتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ} وقد يراد به ما هو الكامل وهو الكفر ويكون هذا منه تعالى بياناً وتقريراً لذلك، والاستثناء من أعم الأشياء أي ما منعهم أن تقبل نفقاتهم شيء من الأشياء إلا كفرهم، ومنه يتعدى إلى مفعولين بنفسه وقد يتعدى إلى الثاني بحرف الجر وهو ـ من ـ أو ـ عن ـ، وإذا عدي بحرف صح أن يقال: منعه من حقه ومنع حقه منه لأنه يكون بمعنى الحيلولة بينهما والحماية، ولا قلب فيه كما يتوهم، وجاز فيما نحن فيه أن يكون متعدياً للثاني بنفسه وأن يقدر حرف وحذف حرف الجر مع إن وأن مقيس مطرد. وجوز أبو البقاء أن يكون {أَن تُقْبَلَ} بدل اشتمال من ـ هم ـ في {مَنَعَهُمْ} وهو خلاف الظاهر، وفاعل منع ما في حيز الاستثناء، وجوز أن يكون ضمير الله تعالى (وأنهم كفروا) بتقدير لأنهم كفروا. وقرأ حمزة والكسائي {يقبل} بالتحتانية لأنه تأنيث النفقات غير حقيقي مع كونه مفصولاً عن الفعل بالجار والمجرور. وقرىء {نفقتهم} على التوحيد. وقرأ السلمي {أن يقبل منهم نفقاتهم} ببناء {يقبل} للفاعل ونصب النفقات؛ والفاعل إما ضمير الله تعالى أو ضمير الرسول عليه الصلاة والسلام بناء على أن القبول بمعنى الأخذ. {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ} المفروضة في حال من الأحوال {إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ} أي إلا حال كونهم متثاقلين {وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَـٰرِهُونَ} الإنفاق لأنهم لا يرجون بهما ثواباً ولا يخافون على تركهما عقاباً، وهاتان الجملتان داخلتان في حيز التعليل. واستشكل بأن الكفر سبب مستقل لعدم القبول فما وجه التعليل بمجموع الأمور الثلاثة وعند حصول السبب المستقل لا يبقى لغيره أثر. وأجاب الإمام بأنه ((إنما يتوجه على المعتزلة القائلين بأن الكفر لكونه كفراً يؤثر في هذا الحكم وأما على أهل السنة فلا لأنهم يقولون: هذه الأسباب معرفات غير موجبة للثواب ولا للعقاب واجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد محال، والقول بأنه إنما جيء بهما لمجرد الذم وليستا داخلتين في حيز التعليل وإن كان يندفع به الإشكال على رأي المعتزلة خلاف الظاهر كما لا يخفى)). {فَإن قِيلَ} الكراهية خلاف الطواعية وقد جعل هؤلاء المنافقون فيما تقدم طائعين ووصفوا هٰهنا بأنهم لا ينفقون إلا وهم كارهون وظاهر ذلك المنافاة. أجيب بأن المراد بطوعهم أنهم يبذلون من غير إلزام من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أنهم يبذلون رغبة فلا منافاة. وقال بعض المحققين في ذلك: إن قوله سبحانه: {أية : أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } تفسير : [التوبة: 53] لا يدل على أنهم ينفقون طائعين بل غايته أنه ردد حالهم بين الأمرين وكون الترديد ينافي القطع محل نظر، كما إذا قلت: إن أحسنت أو أسأت لا أزورك مع أنه لا يحسن قطعاً، ويكون الترديد لتوسع الدائرة وهو متسع الدائرة.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ} تفسير : [التوبة: 53] لأنّ هذا بيان للتعليل لعدم قبول نفقاتهم بزيادة ذكر سببين آخريْن مانعين من قبول أعمالهم هما من آثار الكفر والفسوق. وهما: أنّهم لا يأتون الصلاة إلاّ وهم كسالى، وأنّهم لا ينفقون إلاّ وهم كارهون. والكفر وإن كان وحده كافياً في عدم القبول، إلاّ أنْ ذكر هذين السببين إشارة إلى تمكّن الكفر من قلوبهم وإلى مذمّتهم بالنفاق الدالّ على الجبن والتردّد. فذكر الكفر بيان لذكر الفسوق، وذكر التكاسل عن الصلاة لإظهار أنّهم متهاونون بأعظم عبادة فكيف يكون إنفاقهم عن إخلاص ورغبة. وذكر الكراهية في الإنفاق لإظهار عدم الإخلاص في هذه الخصلة المتحدّث عنها. وقرأ حمزة والكسائي: {أن يُقبل منهم} ــــ بالمثناة التحتية ــــ لأنّ جمع غير المؤنّث الحقيقي يجوز فيه التذكير وضدّه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 54- وما منع الله من قبول نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ورسوله، والكفر يحبط الأعمال، وإلا أنهم لا يؤدون الصلاة على الوجه الذى أمروا أن يؤدوها عليه، فهم يؤدونها غير مقبلين عليها ستراً لنفاقهم، ولا ينفقون شيئاً إلا وهم كارهون لهذا الإنفاق فى سرائرهم. 55- ولا يروقك - أيها السامع - ويأخذ بقلبك، ما ترى من المنافقين فيه من مال وبنين، فإن الله ما أعطاهم هذا إلا ليكابدوا فى سبيله المتاعب والمشقات، لحفظه فى الحياة الدنيا، دون أن يؤجروا على ذلك، ويدركهم الموت وهم كافرون، فيعذبون بسببها فى الآخرة. 56- ويقسم هؤلاء المنافقون كذباً لكم - يا جماعة المؤمنين - أنهم مؤمنون مثلكم، والحقيقة أنهم ليسوا مؤمنين بالله، ولكنهم قوم من شأنهم الضعف والخوف، وإن ذلك يدفعهم إلى النفاق والخوف الدائم، فهم يؤكدونه بالأيْمان الفاجرة. 57- وهم يضيقون بكم، ويكرهون معاشرتكم، ولو يجدون حصناً أو سراديب فى الجبال أو جحوراً فى الأرض يدخلون فيها، لانصرفوا إليها مسرعين. 58- وبعض هؤلاء المنافقين يعيبك - أيها الرسول - ويطعن عليك فى قسمة الصدقات والغنائم، إذ لا هم لهم إلا حطام الدنيا، فإن أعطيتهم ما يرغبون منها رضوا عن عملك، وإن لم تعطهم تعجلوا بالسخط عليك.
د. أسعد حومد
تفسير : {نَفَقَاتُهُمْ} {ٱلصَّلاَةَ} {كَارِهُونَ} (54) - وَيُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ سَبَبَ عَدَمِ تَقَبُّلِهِ نَفَقَاتِهِمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلاَ يُؤَدُّونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى لاَ حَمَاسَةَ لَهُمْ فِي أَدَائِهَا، وَلاَ يُنْفِقُونَ نَفَقَةً فِي مَصَالِحِ الْجِهَادِ وَغَيْرِهَا إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ. وَبِمَا أَنَّ الأَعْمَالَ لاَ تَصِحُّ إِلاَّ بِالإِيمَانِ، وَبِمَا أَنَّ هَؤُلاَءِ لاَ إِيمَانَ لَهُمْ، لِذَلِكَ لَنْ يَقْبَلَ اللهُ مِنْهُمْ نَفَقَةً وَلاَ عَمَلاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذن: فالفسق نوعان: فسق عام، وفسق خاص. وقد يقول البعض: إنك إن ارتكبت معصية فصلاتك وزكاتك وكل عباداتك لا تنفعك. ونقول: لا فما دامت القمة سليمة؛ إيماناً بالله وإيماناً بالرسول عليه الصلاة والسلام وتصديقاً بالمنهج، فلكل عمل عبادي ثوابه، ولكل ذنب عقابه؛ لأن الحق سبحانه مطلق العدالة والرحمة، ولا يمكن أن يضع كل الشرور في ميزان الإنسان. فمن كان عنده خصلة من خير فسوف يأخذ جائزتها وثوابها، ومن كان عنده خصلة من شر فسوف ينال عقابها. وقوله الحق هنا {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ}، هذا القول الكريم هو حيثية للحكم بعدم قبول نفقاتهم، وفي هذا تحديد لعموم الفسق وهو الكفر، لا في خصوص الفسق، وحدد الحق ثلاثة أشياء منعت التقبل منهم: الكفر بالله ورسوله وهو كفر القمة، ثم قيامهم إلى الصلاة وهم كسالى، ثم الإنفاق بكراهية. ونفعهم المنع على أنه رَدُّ الفعل إلى ما ينقض العمل أو ينافيه؛ كأن يريد إنسان القيام فتُقعده، أي أنك رددت إرادة القيام إلى القعود، وهو ما ينافيه، أو أن يحاول إنسان ضرب آخر فتمنع يده، فتكون بذلك قد منعت غيره من أن يعتدى عليه. إذن فالمنع مرة يأتي للفاعل ومرة للمفعول. فأنت حين تمنع زيداً من الضرب تكون قد منعت الفاعل، وحين تمنع عنه الضرب تكون قد منعت المفعول، وكل فلسفة الحياة قائمة على المنع، الذي يوجزه الفعل ورد الفعل، تجد ذلك في الإنسان وفي الزمان وفي المكان. وإذا بحثت هذه المسألة في الإنسان تجد أن حياته تقوم على التنفس والطعام والشراب، والتنفس هو الأمر الذي لا يصبر الإنسان على التوقف عنه، فإن لم تأخذ الشهيق انتهت حياتك، وإن كتمت الزفير انتهت حياتك. وإذا منعت الهواء من الدخول إلى الرئتين يموت الإنسان، وإذا منعت خروج الهواء من الرئتين يموت الإنسان أيضاً. وحركة العالم كله مبنية على الفعل وما يناقضه. فإذا حاول إنسان أن يضرب شخصاً آخر وأمسكتَ يده، وقلت له: سيأتي أبناؤه أو إخوته أو عائلته ويضربونك، حينئذ يمتنع عن الفعل خوفاً من رد الفعل. والعالم كله لا يمكن أن يعيش في سلام إلا إذا كان هناك خوف من رد الفعل؛ القوي يواجه قوياً، والكل خائف من رَدِّ فعل اعتدائه على الآخر. ولكن إذا واجه قوي ضعيفاً، تجد القوي يفتك بالضعيف. وهكذا العالم كله، فالكون إما ساكن وإما متحرك. وتجد الكون المتحرك فيه قوى متوازية تعيش في سلام خوفاً من رد الفعل. وكذلك تجد العالم الساكن؛ فالعمارة الشاهقة تستمد ثباتها وسكونها من أن الهواء لا يأتي من جهة واحدة، ولكن من جهات متعددة تجعل الضغط متوازناً على كل أجناب العمارة، ولكن لو فرَّغْتَ الهواء من ناحية وجعلته يهب من ناحية أخرى لتحطمت العمارة، تماماً كما تُفزِّغُ الهواء من إناء مغلق فيتحطم. وقول الحق سبحانه وتعالى: {إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ} لا يعني أن ألسنتهم لم تنطق بالشهادة، لا، فقد شهد المنافقون قولاً، ولكن هناك فرق بين قولة اللسان وتصديق الجنان؛ فالإيمان محله القلب، والمنافقون جمعوا بين لسان يشهد وقلب ينكر، فأعطاهم الرسول حق شهادة اللسان، فلم يتعرض لهم ولم يأسرهم ولم يقتلهم، وأعطاهم نفس الحقوق المادية المساوية لحقوق المؤمنين، وكل ذلك احتراماً لكلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" التي نطقوا بها؛ ولأن باطنهم قبيح، فالحق سبحانه يجازيهم بمثل ما في باطنهم، ويعاقبهم، فلا يأخذون ثواباً على ما يفعلونه ظاهراً وينكرونه باطناً. وهكذا كان التعامل معهم منطقياً ومناسباً. فما داموا قد أعطوا ظاهراً، فقد أعطاهم الله حقوقاً ظاهرة؛ ولأنهم لم يعطوا باطناً طيباً، فلم يُعْطِهم الله غيباً من ثوابه وغيباً من جنته وعاقبهم بناره. ونأتي إلى السبب الثاني في قوله تعالى: {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلٰوةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ} والكسل: هو التراخي في أداء المهمة. إذن فهم يصلون رياءً، فإن كانوا مع المؤمنين ونُودي للصلاة قاموا متثاقلين. وإن كانوا حيث لا يراهم المؤمنون فهم لا يؤدون الصلاة. إذن فسلوكهم مليء بالازدواج والتناقض. والسبب الثالث: {وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} والنفقة هي بذل ما عندك من فضل ما أعطاه الله لك؛ سواء أكان ذلك مالاً أم علماً أم جاهاً أم قوة، وهذا ما يحقق التوازن في المجتمع؛ لأن كل مجتمع به أعراض كثيرة، تجد القوي والضعيف، الغني والفقير، العالم والجاهل، الصحيح والمريض. ولو أن كل إنسان تحرك في حياته على قدر حاجته فقط لهلك الضعفاء والمرضى والعاجزون والفقراء. ولكن لابد أن يعمل كل إنسان على قدر طاقته، وليس على قدر حاجته، ولابد أن يأخذ من ناتج عمله على قدر حاجته ومن يعول، فأنت تأخذ حاجتك من ثمرة طاقتك، ثم تفيء على غيرك بفضل الله عليك، خصوصاً على هؤلاء الذين لا يقدرون على الحركة في الحياة، فالصحيح يعطي المريض من قوته ما يعينه على الحياة. والغني يعطي الفقير من ماله ما يعينه على الحياة. والقادر على الحركة يعطي من لا يقدر عليها، هذا هو المجتمع المتكافل. ومثل هذا السلوك هو لصالح الجميع؛ لأن الغني اليوم قد يكون فقيراً غداً، والقوي اليوم قد يكون ضعيفاً غداً، فلو أحس الإنسان بأنه يعيش في مجتمع متكافل فهو لن يخشى الأحداث والأغيار. وهذا هو التأمين الصحيح للقادر والغني ويشعر فيه كل إنسان بالتضامن والتكافل، فلا ينشغل الفقير خوفاً من الأحداث المتغيرة، وإن مات فلن يجوع عياله، وإن افتقر الغني فسوف يجد المساندة، وإن مرض الصحيح فسوف يجد العلاج. إذن: فالنفقة أمر ضروري لسلامة المجتمع، ونجد أن السوق توصف بأنها نافقة، وهي التي يتم فيها بيع كل السلع وشراؤها. فمن أراد أن يبيع باع، ومن أراد أن يشتري اشترى، إذن فالحركة فيها متكافئة. وأنت حين تذهب إلى السوق لتبيع أو تشتري، فإما أن تأخذ مالاً نقدياً مقابل ما بِعْتَ، وإما أن تدفع مالاً ثمناً لما اشتريت. وقديماً كان الإنسان يبادل السلعة بسلعة أخرى. وبعد اختراع النقود أصبح الإنسان يشتري السلع بثمن، ومن ينفق ماله ويقدمه عند الله، فالحق سبحانه يأتي له بكل خير. وقد أراد الحق سبحانه للمنافقين العذاب الباطني في الدنيا، والعذاب الواقع أمام الكل في الآخرة، وبيَّن لهم أن إنفاقهم طَوْعاً أو كَرْهاً لن يأتي لهم بالخير. ولكن من ينظر إلى المنافقين قد يجد أنهم يستمتعون بالمال والولد. ولا يلتفت الإنسان الناظر إليهم إلى أن المال والولد هما أدوات عذابه. وقد يقول إنسان: إن الله قد قال: {أية : ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا..} تفسير : [الكهف: 46]. ونقول لمن يقول ذلك: أكمل الآية: {أية : وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} تفسير : [الكهف: 46]. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ..} تفسير : [التغابن: 15]. والله يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي طي هذا الخطاب خطابٌ لجميع المسلمين، وهنا يقول الحق سبحانه: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ ..}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):