Verse. 1290 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

فَلَا تُعْجِبْكَ اَمْوَالُہُمْ وَلَاۗ اَوْلَادُہُمْ۝۰ۭ اِنَّمَا يُرِيْدُ اللہُ لِيُعَذِّبَہُمْ بِہَا فِي الْحَيٰوۃِ الدُّنْيَا وَتَزْہَقَ اَنْفُسُہُمْ وَہُمْ كٰفِرُوْنَ۝۵۵
Fala tuAAjibka amwaluhum wala awladuhum innama yureedu Allahu liyuAAaththibahum biha fee alhayati alddunya watazhaqa anfusuhum wahum kafiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلا تعجبْك أموالهم ولا أولادهم» أي لا تستحسن نعمنا عليهم فهي استدراج «إنَّمَا يريد الله ليعذبهم» أي أن يعذبهم «بها في الحياة الدنيا» بما يلقون في جمعها من المشقة وفيها من المصائب «وتزهَق» تخرج «أنفسهم وهم كافرون» فيعذبهم في الآخرة أشد العذاب.

55

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما قطع في الآية الأولى رجاء المنافقين عن جميع منافع الآخرة، بين أن الأشياء التي يظنونها من باب المنافع في الدنيا، فإنه تعالى جعلها أسباب تعظيمهم في الدنيا، وأسباب اجتماع المحن والآفات عليهم، ومن تأمل في هذه الآيات عرف أنها مرتبة على أحسن الوجوه، فإنه تعالى لما بين قبائح أفعالهم وفضائح أعمالهم، بين مالهم في الآخرة من العذاب الشديد ومالهم في الدنيا من وجوه المحنة والبلية، ثم بين بعد ذلك أن ما يفعلونه من أعمال البر لا ينتفعون به يوم القيامة البتة. ثم بين في هذه الآية أن ما يظنون أنه من منافع الدنيا فهو في الحقيقة سببب لعذابهم وبلائهم وتشديد المحنة عليهم، وعند هذا يظهر أن النفاق جالب لجميع الآفات في الدين والدنيا، ومبطل لجميع الخيرات في الدين والدنيا، وإذا وقف الإنسان على هذا الترتيب عرف أنه لا يمكن ترتيب الكلام على وجه أحسن من هذا. ومن الله التوفيق. وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذا الخطاب، وإن كان في الظاهر مختصاً بالرسول عليه السلام، إلا أن المراد منه كل المؤمنين، أي لا ينبغي أن تعجبوا بأموال هؤلاء المنافقين والكافرين، ولا بأولادهم ولا بسائر نعم الله عليهم، ونظيره قوله تعالى: { أية : وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } تفسير : [طه: 131] الآية. المسألة الثانية: الإعجاب: السرور بالشيء مع نوع الافتخار به، ومع اعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه، وهذه الحالة تدل على استغراق النفس في ذلك الشيء وانقطاعها عن الله، فإنه لا يبعد في حكم الله أن يزيل ذلك الشيء عن ذلك الإنسان ويجعله لغيره، والإنسان متى كان متذكراً لهذا المعنى زال إعجابه بالشيء، ولذلك قال عليه السلام: « حديث : ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه » تفسير : وكان عليه السلام يقول: « حديث : هلك المكثرون » تفسير : وقال عليه السلام: « حديث : مالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت » تفسير : وذكر عبيد بن عمير، ورفعه إلى الرسول عليه السلام: « حديث : من كثر ماله اشتد حسابه، ومن كثر بيعه كثرت شياطينه، ومن ازداد من السلطان قرباً، ازداد من الله بعداً » تفسير : والأخبار المناسبة لهذا الباب كثيرة، والمقصود منها الزجر عن الارتكان إلى الدنيا، والمنع من التهالك في حبها والافتخار بها. قال بعض المحققين: الموجودات بحسب القسمة العقلية على أربعة أقسام: الأول: الذي يكون أزلياً أبدياً، وهو الله جل جلاله والثاني: الذي لا يكون أزلياً ولا أبدياً وهو الدنيا. والثالث: الذي يكون أزلياً ولا يكون أبدياً وهذا محال الوجود، لأنه ثبت بالدليل أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه. والرابع: الذي يكون أبدياً ولا يكون أزلياً وهو الآخرة وجميع المكلفين، فإن الآخرة لها أول، لكن لا آخر لها، وكذلك المكلف سواء كان مطيعاً أو كان عاصياً فلحياته أول، ولا آخر لها. وإذا ثبت هذا ثبت أن المناسبة الحاصلة بين الإنسان المكلف وبين الآخرة أشد من المناسبة بنيه وبين الدنيا، ويظهر من هذا أنه خلق للآخرة لا للدنيا، فينبغي أن لا يشتد عجبه بالدنيا، وأن لا يميل قلبه إليها فإن المسكن الأصلي له هو الآخرة لا الدنيا. أما قوله: {إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا} ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال النحويون: في الآية محذوف، كأنه قيل: إنما يريد الله أن يملي لهم فيها ليعذبهم، ويجوز أيضاً أن يكون هذا اللام بمعنى «أن» كقوله: { أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ } تفسير : [النساء: 26] أي أن يبين لكم. المسألة الثانية: قال مجاهد والسدي وقتادة: في الآية تقديم وتأخير. والتقدير: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وقال القاضي: وههنا سؤالان: الأول: وهو أن يقال: المال والولد لا يكونان عذاباً، بل هما من جملة النعم التي من الله بها على عباده، فعند هذا التزم هؤلاء التقديم والتأخير، إلا أن هذ الالتزام لا يدفع هذا السؤال. لأنه يقال: بعد هذا التقديم والتأخير، فكيف يكون المال والولد عذاباً؟ فلا بد لهم من تقدير حذف في الكلام بأن يقولوا أراد التعذيب بها من حيث كانت سبباً للعذاب، وإذا قالوا ذلك فقد استغنوا عن التقديم والتأخير، لأنه يصح أن يقال يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا من حيث كانت سبباً للعذاب، وأيضاً فلو أنه قال: {فَلاَ تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا} لم يكن لهذه الزيادة كثير فائدة، لأن من المعلوم أن الإعجاب بالمال والولد لا يكون إلا في الدنيا، وليس كذلك حال العذاب، فإنها قد تكون في الدنيا كما تكون في الآخرة، فثبت أن القول بهذا التقديم والتأخير ليس بشيء. المسألة الثالثة: الأموال والأولاد يحتمل أن تكون سبباً للعذاب في الدنيا، ويحتمل أن تكون سبباً للعذاب في الآخرة. أما كونها سبباً للعذاب في الدنيا فمن وجوه: الأول: أن كل من كان حبه للشيء أشد وأقوى، كان حزنه وتألم قلبه على فواته أعظم وأصعب، وكان خوفه على فواته أشد وأصعب، فالذين حصلت لهم الأموال الكثيرة والأولاد إن كانت تلك الأشياء باقية عندهم كانوا في ألم الخوف الشديد من فواتها، وإن فاتت وهلكت كانوا في ألم الحزن الشديد بسبب فواتها. فثبت أنه بحصول موجبات السعادات الجسمانية لا ينفك عن تلك القلب إما بسبب خوف فواتها وإما بسبب الحزن من وقوع فواتها. والثاني: أن هذه يحتاج في اكتسابها وتحصيلها إلى تعب شديد ومشقة عظيمة، ثم عند حصولها يحتاج إلى متاعب أشد وأشق وأصعب وأعظم في حفظها، فكان حفظ المال بعد حصوله أصعب من اكتسابه، فالمشغوف بالمال والولد أبداً يكون في تعب الحفظ والصون عن الهلاك، ثم إنه لا ينتفع إلا بالقليل من تلك الأموال، فالتعب كثير والنفع قليل. والثالث: أن الإنسان إذا عظم حبه لهذه الأموال والأولاد، فإما أن تبقى عليه هذه الأموال والأولاد إلى آخر عمره، أولا تبقى، بل تهلك وتبطل. فإن كان الأول، فعند الموت يعظم حزنه وتشتد حسرته، لأن مفارقة المحبوب شديدة، وترك المحبوب أشد وأشق، وإن كان الثاني وهو أن هذه الأشياء تهلك وتبطل حال حياة الإنسان عظم أسفه عليها، واشتد تألم قلبه بسببها، فثبت أن حصول الأموال والأولاد سبب لحصول العذاب في الدنيا. الرابع: أن الدنيا حلوة خضرة والحواس مائلة إليها، فإذا كثرت وتوالت استغرقت فيها وانصرفت النفس بكليتها إليها، فيصير ذلك سبباً لحرمانه عن ذكر الله، ثم إنه يحصل في قلبه نوع قسوة وقوة وقهر، وكلما كان المال والجاه أكثر. كانت تلك القسوة أقوى، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّءاهُ ٱسْتَغْنَىٰ } تفسير : [العلق: 6، 7] فظهر أن كثرة الأموال والأولاد سبب قوي في زوال حب الله وحب الآخرة عن القلب وفي حصول حب الدنيا وشهواتها في القلب، فعند الموت كان الإنسان ينتقل من البستان إلى السجن ومن مجالسة الأقرباء والأحباء إلى موضع الكربة والغربة، فيعظم تألمه وتقوى حسرته، ثم عند الحشر حلالها حساب، وحرامها عقاب. فثبت أن كثرة الأموال والأولاد سبب لحصول العذاب في الدنيا والآخرة. فإن قيل: هذا المعنى حاصل للكل، فما الفائدة في تخصيص هؤلاء المنافقين بهذا العذاب؟ قلنا: المنافقون مخصوصون بزيادات في هذا الباب: أحدها: أن الرجل إذا آمن بالله واليوم الآخر علم أنه خلق للآخرة لا للدنيا، فبهذا العلم يفتر حبه للدنيا، وأما المنافق لما اعتقد أنه لا سعادة إلا في هذه الخيرات العاجلة عظمت رغبته فيها، واشتد حبه لها، وكانت الآلام الحاصلة بسبب فواتها أكثر في حقه، وتقوى عند قرب الموت وظهور علاماته، فهذا النوع من العذاب حاصل لهم في الدنيا بسبب حب الأموال والأولاد. وثانيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكلفهم إنفاق تلك الأموال في وجوه الخيرات، ويكلفهم إرسال أموالهم وأولادهم إلى الجهاد والغزو، وذلك يوجب تعريض أولادهم للقتل، والقوم كانوا يعتقدون أن محمداً ليس بصادق في كونه رسولاً من عند الله وكانوا يعتقدون أن إنفاق تلك الأموال تضييع لها من غير فائدة، وأن تعريض أولادهم للقتل التزام لهذا المكروه الشديد من غير فائدة، ولا شك أن هذا أشق على القلب جداً، فهذه الزيادة من التعذيب، كانت حاصلة للمنافقين. وثالثها: أنهم كانوا يبغضون محمداً عليه الصلاة والسلام بقلوبهم، ثم كانوا يحتاجون إلى بذل أموالهم وأولادهم ونفوسهم في خدمته، ولا شك أن هذه الحالة شاقة شديدة. ورابعها: أنهم كانوا خائفين من أن يفتضحوا ويظهر نفاقهم وكفرهم ظهوراً تاماً، فيصيرون أمثال سائر أهل الحرب من الكفار، وحينئذ يتعرض الرسول لهم بالقتل، وسبي الأولاد ونهب الأموال، وكلما نزلت آية خافوا من ظهور الفضيحة، وكلما دعاهم الرسول خافوا من أنه ربما وقف على وجه من وجوه مكرهم وخبثهم وكل ذلك مما يوجب تألم القلب ومزيد العذاب. وخامسها: أن كثيراً من المنافقين كان لهم أولاد أتقياء، كحنظلة بن أبي عامر غسلته الملائكة، وعبد الله بن عبد الله بن أبي، شهد بدراً وكان من الله بمكان، وهم خلق كثير مبرؤن عن النفاق وهم كانوا لا يرتضون طريقة آبائهم في النفاق، ويقدحون فيهم، ويعترضون عليهم، والابن إذا صار هكذا عظم تأذى الأب به واستيحاشه منه، فصار حصول تلك الأولاد سبباً لعذابهم. وسادسها: أن فقراء الصحابة وضعافهم كانوا يذهبون في خدمة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الغزوات، ثم يرجعون مع الاسم الشريف والثناء العظيم والفوز بالغنائم. وهؤلاء المنافقون مع الأموال الكثيرة والأولاد الأقوياء، كانوا يبقون في زوايا بيوتهم أشباه الزمنى والضعفاء من الناس، ثم إن الخلق ينظرون إليهم بعين المقت والازدراء والسمة بالنفاق، وكأن كثرة الأموال والأولاد صارت سبباً لحصول هذه الأحوال، فثبت بهذه الوجوه أن كثرة أموالهم وأولادهم صارت سبباً لمزيد العذاب في الدنيا في حقهم. المسألة الرابعة: احتج أصحابنا في إثبات أن كل ما دخل في الوجود فهو مراد الله تعالى بقوله: {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ } قالوا: لأن معنى الآية أن الله تعالى أراد إزهاق أنفسهم مع الكفر ومن أراد ذلك فقد أراد الكفر. أجاب الجبائي فقال: معنى الآية أنه تعالى أراد إزهاق أنفسهم حال ما كانوا كافرين، وهذا لا يقتضي كونه تعالى مريداً للكفر، ألا ترى أن المريض قد يقول للطبيب: أريد أن تدخل علي في وقت مرضي، فهذه الإرادة لا توجب كونه مريداً لمرض نفسه، وقد يقول للطبيب: أريد أن تطيب جراحتي، وهذا لا يقتضي أن يكون مريداً لحصول تلك الجراحة، وقد يقول السلطان لعسكره: اقتلوا البغاة، حال إقدامهم على الحرب، وهذا لا يدل على كونه مريداً لذلك الحرب، فكذا ههنا. والجواب: أن الذي قاله تمويه عجيب، وذلك لأن جميع الأمثلة التي ذكرها حاصلها يرجع إلى حرف واحد، وهو أنه يريد إزالة ذلك الشيء، فإذا قال المريض للطبيب: أريد أن تدخل علي في وقت مرضي، كان معناه: أريد أن تسعى في إزالة مرضي، وإذا قال له: أريد أن تطيب جراحتي كان معناه: أريد أن تزيل عني هذه الجراحة، وإذا قال السلطان: اقتلوا البغاة حال إقدامهم على الحرب، كان معناه: طلب إزالة تلك المحاربة وإبطالها وإعدامها، فثبت أن المراد والمطلوب في كل هذه الأمثلة إعدام ذلك الشيء وإزالته فيمتنع أن يكون وجوده مراداً بخلاف هذه الآية، وذلك لأن إزهاق نفس الكافر ليس عبارة عن إزالة كفره، وليس أيضاً مستلزماً لتلك الإزالة، بل هما أمران متناسبان، ولا منافاة بينهما البتة، فلما ذكر الله في هذه الآية أنه أراد إزهاق أنفسهم حال كونهم كافرين، وجب أن يكون مريداً لكونهم كافرين حال حصول ذلك الإزهاق، كما أنه لو قال: أريد ألقى أن فلاناً حال كونه في الدار، فإنه يقتضي أن يكون قد أراد كونه في الدار، وتمام التحقيق في هذا التقدير: أن الإزهاق في حال الكفر يمتنع حصوله إلا حال حصول الكفر، ومريد الشيء مريد لما هو من ضروراته، فلما أراد الله الإزهاق حال الكفر، وثبت أن من أراد شيئاً فقد أراد جميع ما هو من ضروراته، لزم كونه تعالى مريداً لذلك الكفر، فثبت أن الأمثلة التي أوردها الجبائي محض التمويه.

القرطبي

تفسير : أي لا تستحسن ما أعطيناهم ولا تَمِل إليه فإنه استدراج. {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا} قال الحسن: المعنى بإخراج الزكاة والإنفاق في سبيل الله. وهذا اختيار الطبريّ. وقال ابن عباس وقتادة: في الكلام تقديم وتأخير؛ والمعنى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وهذا قول أكثر أهل العربية؛ ذكره النحاس. وقيل: يعذبهم بالتعب في الجمع. وعلى هذا التأويل وقول الحسن لا تقديم فيه ولا تأخير، وهو حسنٌ. وقيل: المعنى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الدنيا لأنهم منافقون، فهم ينفقون كارهين فيعذّبون بما ينفقون. {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} نصٌّ في أن الله يريد أن يموتوا كافرين؛ سبق بذلك القضاء. {وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ} بيّن أن من أخلاق المنافقين الحلفَ بأنهم مؤمنون. نظيره{أية : إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ}تفسير : [المنافقون: 1] الآية. والفَرَق الخوف؛ أي يخافون أن يظهروا ما هم عليه فيُقتلوا.

البيضاوي

تفسير : {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ } فإن ذلك استدراج ووبال لهم كما قال. {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } بسبب ما يكابدون لجمعها وحفظها من المتاعب وما يرون فيها من الشدائد والمصائب. {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ } فيموتوا كافرين مشتغلين بالتمتع عن النظر في العاقبة فيكون ذلك استدراجاً لهم. وأصل الزهوق الخروج بصعوبة.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ} كما قال تعالى: {أية : وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَٰجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} تفسير : [طه: 131] وقال {أية : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ } تفسير : [المؤمنون: 55-56] وقوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} قال الحسن البصري: بزكاتها والنفقة منها في سبيل الله، وقال قتادة: هذا من المقدم والمؤخر، تقديره: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. واختار ابن جرير قول الحسن، وهو القول القوي الحسن، وقوله: {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ} أي: ويريد أن يميتهم حين يميتهم على الكفر؛ ليكون ذلك أنكى لهم وأشد لعذابهم. عياذاً بالله من ذلك، وهذا يكون من باب الاستدراج لهم فيما هم فيه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوٰلُهُمْ وَلآ أَوْلَٰدُهُمْ } أي لا تستحسن نعمنا عليهم فهي استدراج {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ } أي أن يعذّبهم {بِهَا فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } بما يلقون في جمعها من المشقة وفيها من المصائب {وَتَزْهَقَ } تخرج {أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ } فيعذبهم في الآخرة أشدّ العذاب.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُم وَلآ أَوْلاَدُهُمْ...} فيه خمسة أقاويل: أحدها: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، قاله ابن عباس وقتادة ويكون فيه تقديم وتأخير. والثاني: إنما يريد الله ليعذبهم بما فرضه من الزكاة في أموالهم، يعني المنافقين. وهذا قول الحسن. والثالث: ليعذبهم بمصائبهم في أموالهم أولادهم، قاله ابن زيد. والرابع: ليعذبهم ببني أولادهم وغنيمة أموالهم، يعني المشركين، قاله بعض المتأخرين. والخامس: يعذبهم بجمعها وحفظها وحبها والبخل بها والحزن عليها، وكل هذا عذاب. {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهمْ} أي تهلك بشدة، من قوله تعالى {أية : وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} تفسير : [الإٍسراء: 81]. قوله عز وجل {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ...} الآية، أما الملجأ ففيه أربعة أوجه: أحدها: أنه الحرز، قاله ابن عباس. والثاني: الحصن، قاله قتادة. والثالث: الموضع الحريز من الجبل، قاله الطبري. والرابع: المهرب، قاله السدي. ومعاني هذه كلها متقاربة. وأما المغارات ففيها وجهان: أحدهما: أنها الغيران في الجبال، قاله ابن عباس. والثاني: المدخل الساتر لمن دخل فيه، قاله علي بن عيسى. وأما المدَّخل ففيه وجهان: أحدهما: أنه السرب في الأرض، قاله الطبري. والثاني: أنه المدخل الضيق الذي يدخل فيه بشدة. {لَوَلَّوْا إِلَيْهِ} يعني هرباً من القتال وخذلاناً للمؤمنين. {وَهُمْ يَجْمَحُونَ} أي يسرعون، قال مهلهل: شعر : لقد جمحت جماحاً في دمائهم حتى رأيت ذوي أحسابهم خمدوا

ابن عبد السلام

تفسير : {أَمْوَالُهُمْ وَلآ أَوْلادُهُمْ} في الحياة الدنيا {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا} في الآخرة، فيه تقديم وتأخير "ع"، أو يعذبهم بالزكاة فيها، أو بمصائبهم فيهما، أو بسبي الأبناء وغنيمة الأموال، يعني المشركين، أو يعذبهم بجمعها وحفظها والبخل بها والحزن عليها. {وَتَزْهَقَ} تهلك، {أية : وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ}تفسير : [الإسراء: 81].

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا...} الآية: حقَّر في الآية شأْنَ المنافقين، وعلَّل إِعطاء اللَّه لهم الأَمْوَالَ والأولاد؛ بإِرادته تعذيبهم بها في الحياةِ الدنيا، وفي الآخرة. قال ابنُ زَيْد وغيره: تعذيبُهم بها في الدُّنْيَا هو بمصائبها ورزايَاهَا، هِيَ لهم عذابٌ؛ إذ لا يُؤْجَرُونَ عليها، ومِنْ ذلك قَهْرُ الشَّرعِ لهم على أداء الزكاةِ والحقوقِ والواجبات. قال الفَخْرُ: أمَّا كون كثرة الأموال والأولادِ سَبَباً للعذاب في الدنيَا، فحاصَلٌ من وجوه: مِنْهَا: أن كلَّما كان حُبُّ الإِنسان للشيء أَشَدَّ وأقوَى، كان حزنُهُ وتألُّم قلبِهِ علَى فراقه أعظَمَ وأصعَبَ، ثم عند الموتِ يَعْظُمُ حزنه، وتشتدُّ حسرته، لمفارقته المحبوبَ، فالمشغوفُ بحبِّ المال والولدِ لا يزالُ في تَعَبٍ، فيحتاج في ٱكتسابِ الأموالِ وتحصيلها إِلى تعبٍ شديدٍ ومشقَّة عظيمةٍ، ثم عند حصولِهَا يحتاجُ إِلى متاعِبَ أَشدَّ وأصعَبَ في حفظها وصونِها؛ لأن حفظ المَالِ بَعْد حصوله أصْعَبُ من ٱكتسابه، ثم إِنه لا ينتفع، إِلاَّ بالقليلِ مِنْ تلك الأموال، فالتعبُ كثيرٌ، والنفعُ قليلٌ، ثم قالَ: وٱعلم أنَّ الدنْيَا حلوةٌ خَضِرةٌ، والحواسُّ الخمسُ مائلةٌ إِليها، فإِذا كَثُرت وتوالَتْ ٱستغرقَتْ فيها، وٱنصرَفَ الإِنسان بكلِّيته إِليها، فيصير ذلك سبباً لحرمانه من ذكْرِ اللَّهِ، ثم إِنه يحْصُلُ في قلبه نَوْعُ قسوةٍ وقوةٍ وقهْرٍ، وكلَّما كان المال والجاهُ أَكثر، كَانَتْ تلك القسوةُ أَقوَى، وإِلى ذلك الإِشارةُ بقوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰ } تفسير : [العلق:6،7] فظهر أن كثرة الأموال والأولاد سَبَبٌ قويٌّ في زوال حُبِّ اللَّه تعالى وحبِّ الآخرة مِنَ القَلْبِ، وفي حصول الدنْيَا وشهواتِهَا في القَلْبِ وعنْدَ الموت؛ كأَنَّ الإِنسان ينتقلُ من ٱلبسْتان إلى السِّجْن، ومِنْ مجالسة الأقرباءِ والأحبَّة إِلَى موضعِ الغُرْبَة والكُرْبة، فيعظُمُ تألمُّه، ويقوَى حزنه، ثم عند الحَشْر: حَلاَلُهَا حسابٌ، وحرامُها عِقَابٌ، فثبت أن كثرة الأمْوَالِ والأولادِ سَبَبٌ لحصولِ العَذَاب في الدُّنْيا والآخرة. انتهى. ثم أخبر سبحانه؛ أنهم ليسوا مِنَ المؤمنين، وإِنما هم يَفزَعُونَ مِنْهم، والفَرَقُ: الخوف. وقوله سبحانه: {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً}: الملجأ مِنْ لَجَأَ يَلْجَأُ، إِذا أَوَى وَٱعْتَصَمَ، وقرأ الجمهور: «أَوْ مَغَارَاتٍ» - بفتح الميم -، وهي الغيران في أعراض الجبالِ، {أَوْ مُدَّخَلاً}، معناه: السَّرَبُ والنَّفَقُ في الأرض، وهو تفسير ابن عبَّاس في هذه الألفاظ، وقرأ جمهور الناس: «يَجْمَحُونَ»: ومعناه يُسْرِعُون. قال الفَخْر: قوله: {وَهُمْ يَجْمَحُونَ } أي: يسرعون إِسراعاً لا يرد وجوههم شَيْء، ومِنْ هذا يقال: جَمَعَ الفَرَسُ، وفَرَسٌ جَمُوحٌ، وهو الذي إِذا حَمَلَ، لم يردَّه اللجَامُ، انتهى.

البقاعي

تفسير : ولما انتفى عن أموالهم النفع الأخروي الذي هو النفع، تسبب عن ذلك الزهد فيها الموجب لعدم الالتفات إليها وعدم اعتقاد أن فيها بركة ودلالة على خير، فقال - مبيناً ما فيها من الفساد الذي يظن أنه صلاح: {فلا} - بفاء السبب، فالسياق ابلغ من سياق الآتية بعد النهي عن الصلاة عليهم {تعجبك أموالهم} أي وإن أنفقوها في سبيلي وجهزوا بها الغزاة. فإن ذلك عن غير إخلاص منهم ولا حسن نية ولا جميل طوية، وإنما هو لما أذلهم من عزة الإسلام وأخافهم من سطوة الانتقام فهو من جملة العذاب، وعطف عليها الأولاد لمشاركتها لها في الملاذ والقوة والاستعمال في الجهاد، فقال مؤكداً للنفي بإعادة النافي: {ولا أولادهم} فكأنه قيل: فماذا يراد بإعطائهم ذلك؟ ولو منعوها وأعطيها المخلصون لكان قوة للدين، فقال: {إنما يريد الله} أي يوقع الإرادة لهم بها الملك الذي له الإحاطة بجميع الحكمة كما أن له الإحاطة بتمام القدرة، وأبلغ في الحصر بإدخال اللام في قوله: {ليعذبهم} أي لأجل أن يعذبهم {بها في الحياة} أي وإن كان يتراءى أنها لذيذة، لأن ذلك من شأن الحياة فإنما هي لهم موت في الحقيقة {الدنيا} أي تارة بجمعها وتربيتها وتارة ببذلها كرهاً في سبيل الله أو في تزكيتها وتارة بغيرذلك {وتزهق} أي وإنما يريد بتمكينهم منا لأجل أن يخرج وقت الموت بغاية الصعوبة {أنفسهم} أي بسببها {وهم} أي والحال أنهم {كافرون*} أي عريقون في الكفر، وهكذا كل من أراد استدراجه سبحانه فإنه في الغالب يكثر أموالهم وأولادهم لنحو هذا لأنهم إذ رأوا زيادتهم بها على بعض المخلصين ظنوا أن ذلك إنما هو لكرامتهم وحسن حالتهم فيستمرون عليها حتى يموتوا فهو سبحانه لم يرد بها منحتهم بل فتنتهم ومحنتهم، وأما الدين فإن القادر يقويه بغير ذلك فيكون أظهر لدليله وأوضح لسبيله؛ فالحاصل أنه ظهر لهم أنهم أكرموا بها وخفي عنهم أنها سبب لعذابهم في الحياة باتكالهم عليها، وفي الممات بصعوبته عليهم المشار إليه بالزهوق، وفي الآخرة بسبب موتهم على حال الكفر باستدراجهم بها، وأما المؤمن فلا يموت حتى يرى من الثواب ما يسليه عن كل شيء فيشتاق إلى لقاء الله وتخرج نفسه وهو في غاية المحبة لخروجها لأن البدن عائق له عما يرى. ولما وضح بهذه الأمور منابذتهم للمؤمنين وخروجهم من ربقة الدين المصحح لوصفهم بالفسق، أوضح لبساً آخر من أحوالهم يقيمونه بالأيمان الكاذبه فقال: {ويحلفون} أي طلبوا لكم الفتنة والحال انهم يجددون الأيمان {بالله} أي على ما له من تمام العظمة {إنهم} أي المنافقين {لمنكم} أي أيها المؤمنون على اعتقادكم باطناً كما هم ظاهراً {وما} أي والحال أنهم ما {هم} صادقين في حلفهم أنهم {منكم ولكنهم قوم} أي مع أن لهم قوة وقياماً فيما يحاولونه {يفرقون*} أي يخافون منكم على دمائهم خوفاً عظمياً يفرق همومهم فهو الملجىء لهم إلى الحلف كذباً على التظاهر بالإسلام، فكأنه قيل: فما لهم يقيمون بيننا والمبغض لا يعاشر من يبغضه؟ فقيل: لأنهم لا يجدون ما يحميهم منكم {لو يجدون ملجئاً} أي شيئاً يلجؤون إليه من حصن أو جبل أو قوم يمنعونهم منكم {أو مغارات} في الجبال تسعهم، جمع مغارة - مفعلة من غار في الشيء - إذا دخل فيه، والغور: ما انخفض من الأرض. ولما كانت الغيران - وهي النقوب في الجبال - واسعة والوصول إليها سهلاً، قال: {أو مدخلاً} أي مكاناً يدخلونه يغاية العسر والصعوبة لضيقه أو لمانع في طريقه أو قوماً يداخلونهم وإن كانوا يكرهونهم - بما أرشد إليه التشديد: {لولوا إليه} أي لاشتدوا في التوجه إليه متولين مرتدين عنكم على أعقابهم {وهم يجمحون*} أي حالهم حال الدابة التي كانت مسرعة في طواعية راكبها فإذا هي قد نكصت على عقبها ثم أخذت في غير قصده بغاية الإسراع ونهاية الرغبة والداعية لا يردها بئر تقع فيه ولا مهلكة ولا شيء. ولما قرر حال من يتخلف عن الجهاد، وربما بذل ماله فيه افتداء لسفره، شرع في ذكر من يشاركه في الإنفاق والنفاق ويخالفه فقال: {ومنهم من يلمزك} أي يعيبك عند مشاكليه على طريق الملازمة في ستر وخفاء أو تظاهر وقلة حياء {في الصدقات} أي اللاتي تؤتيها لأتباعك، ولما أخبر عن اللمز، أخبر أنه لحظ نفسه لا للدين فقال: {فإن أعطوا منها رضوا} أي عنك {وإن لم يعطوا منها} فاجؤوا السخط الذي يتجدد في كل لحظة ولم يتخلفوا عنه أصلاً، وعبر عن ذلك بقوله: {إذا هم يسخطون*} فوافقوا الأولين في جعل الدنيا همهم، وخالفوهم في أن أولئك أنفقوا ليتمتعوا بالتخلف وهؤلاء طلبوا ليتنعموا بنفس المال الذي يأخذونه؛ قيل: إنها نزلت في ذي الخويصرة لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم غنائم حنين: اعدل يامحمد! فإني لم أرك تعدل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟"تفسير : وسيأتي حديثة. ولما أخبر تعالى عن حالهم السيىء الدنيء الذي لا يجديهم في الدنيا ويهلكهم في الأخرى، نبههم على ما هو الأصلح لهم من الحال الشريف السني فقال: {ولو أنهم} أي المنافقين {رضوا ما آتاهم الله} أي المنعم بجميع النعم لأن له جميع الكمال {ورسوله} الذي عظمته من عظمته قل ذلك المؤتي أو كثر طال زمنه أو قصر {وقالوا} أي مع الرضى {حسبنا الله} أي كافينا لأن له جميع العظمة فهو الغني المطلق. ولما كانت الكفاية تارة تكون بالتنجيز العاجل وتارة بالوثوق بالوعد الآجل، بين أن الثاني هو المراد لأنه أدل على الإيمان فقال: {سيؤتينا الله} أي الملك الأعظم بوعد لا خلف فيه واعتقدوا أن لا حق لأحد فقالوا: {من فضله ورسوله} أي الذي لا يخالف أمره، على ما قدر لنا في الأزل؛ ثم عللوا ذلك بقولهم: {إنا إلى الله} أي المستجمع لصفات الكمال وحده {راغبون*} أي عريقون في الرغبة، فلذلك نكتفي بما يأتي من قبله كائناً ما كان، أي لكان ذلك خيراً لهم لأنه لا ينالهم إلا ما قسم سبحانه لهم شاؤوا أو أبوا.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها‏} ‏ في الآخرة‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله ‏{‏إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا‏}‏ قال‏:‏ بالمصائب فيهم، هي لهم عذاب وللمؤمنين أجر‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم‏}‏ قال‏:‏ هذه من مقاديم الكلام يقول‏:‏ لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏{‏وتزهق أنفسهم وهم كافرون‏} ‏ قال‏:‏ تزهق أنفسهم في الحياة الدنيا ‏ {‏وهم كافرون‏}‏ قال‏:‏ هذه آية فيها تقديم وتأخير‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله ‏{‏فلا تعجبك‏} ‏ يقول‏:‏ لا يغررك ‏ {‏وتزهق‏} ‏ قال‏:‏ تخرج أنفسهم من الدنيا ‏{‏وهم كافرون‏}‏‏ .

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [الآية: 55]. قال بعضهم: فلا تعجبك ما يتزينون به من صنوف الأموال والعبيد والخدم ويستكثرون به من الأولاد، إنما يريد الله ليعذبهم بها فى الحياة الدنيا، يعذبهم لجمعها ويعذبهم لحفظها ويعذبهم بحبها ويعذبهم بالبخل بها والحزن عليها والخصومة فيها، كل هذا عذاب إلى أن يوردهم عذاب النار. قال الواسطى فى قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} أى بنعمتى أن كانوا من أهل طاعتى، وغيرهم كافرون جاحدون، ومن استقطعته النعمة عن المنعم فهو جاحد.

القشيري

تفسير : بَيَّنَ أن ما حسبوه نعمة واعْتَدُّوه من الله مِنَّةٌ فهو - في التحقيق - مِحْنَةٌ، وسببُ شقاءٍ وفُرْقة، وإنما دَسَّ التقديرُ لهم سُمومَ الصَّابِ، فيما استلذوه من الشرابِ؛ {أية : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ}تفسير : [المؤمنون: 55-56].

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ} ان الله سبحانه حذر المؤمنون بما خاطب نبيه عليه السلام عما مع اهل الدنيا من الاموال والزينة ان يستحسنواها فيحتجبونها عن عمل الاخرة ورويتها اذ ان الناظر الى الدنيا بنعت استحسانها من حيث الشهوة والنفس والهوى يسقط فى الساعة عن مشاهدة ملك الملكوت وانوار الجبروت وبيّن سبحانه ان اموال الدنيا سبب احتجابهم عن الله وايصال العذاب اليهم لان الدّنيا اذا كثرت لم يخل من الحرام والشبهات ومن باشر الحرام واكل الشبهات صار معذبا بحجاب الباطن وعميه عن مكاشفة الاخرة وعذاب الظاهر بالغرامة فى الدنيا والعذاب فى الاخرة قال عليه السلام حلالها === وحرامها عذاب قال بعضهم لا تعجبك ما يتزينون بها من صنوف الاموال والعبيد والخدم ويستكثرون بها من اولاه انما يريد الله ليعذبهم بها فى الحيوة الدنيا قال يعذبهم لجمعها ويعذبهم قحفظها ويعذبها ويعذبهم بالبخل بها والحزن عليها والخصومة فيها كل هذا عذاب الى ان يوردهم عذاب النار.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلا تعجبك} الاعجاب استحسان على وجه التعجب من حسنه. قال الكاشفى [بس بايدكه ترابشكفت نيارد خطاب بآن حضرتست ومراد امت اند مؤمنانرا ميفرمايد كه متعجب نكردانند شمارا] {أموالهم} اى اموال المنافقين {ولا اولادهم} فان ذلك وبال عليهم واستدراج لهم كما قال {انما يريد الله ليعذبهم بها فى الحيَٰوة الدنيا} ضمير بها راجع الى الاموال دون الاولاد. والمعنى ليعذبهم بالتعب فى جمعها والوجل فى حفظها والكره فى انفاقها ويجوز ان يرجع اليهما معا بناء على ان الاولاد ايضا اسباب للتعذيب الدنيوى من حيث انهم ان عاشوا يبتلى اصولهم بمتاعب تربيتهم وتحصيل اسباب معاشهم من المآكل والمشارب والملابس وان ماتوا يبتلى اصولهم بحسرة فراقهم فان من احب شيئاً كان تألمه على فراقه شديدا. يقول الفقيران قلت ان المؤمن والكافر يشتركان فى هذا التعب والحسرة فما معنى تخصيص الكافر اى المنافق قلت نعم الا ان المؤمن اخف حالا لايمانه وامله ثواب الآخرة وصبره على الشدائد فيكون التعذيب بتربية الاولاد وحسرة فراقهم كلا تعذيب بالنسبة اليه {وتزهق} اصل الزهوق خروج الشيء بصعوبة {انفسهم وهم كافرون} اى فيموتوا كافرين مشتغلين بالتمتع عن النظر فى العاقبة فيكون ذلك لهم نقمة لا نعمة [نه مال ايشانرا دست كيرد ونه فرزند بفرياد رسد] وفى ارادة الله زهوق انفسهم على الكفر لينالوا وباله اشارة الى جواز الرضى بكفر الغير وموته عليه اذا كان شريرا مؤذيا ينتقم الله منه من غير استحسان واستجازة كما قال الفقهاء اذادعا على ظالم اماتك الله على الكفر او قال سلب الله عنك الايمان او دعا عليه بالفارسية [خداجان توبكافرى بستاند] فهذا لا يكون كفرا اذا كان لا يستحسنه ولا يستجيزه ولكن تمنى ان يسلب الله الايمان منه حتى ينتقم الله منه على ظلمه وايذائه الخلق. واعلم ان الطاعة فى العبودية بثلاثة انواع بالمال والبدن والقلب والبدن والقلب اما بالمال فهو الانفاق فى سبيل الله وفى الحديث "حديث : من جهز غازيا ولو بسلك ابرة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ومن جهز غازيا ولو بدرهم اعطاه الله سبعين درجة فى الجنة من الدر والياقوت" حديث : وعن ابى هريرة رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اتى بفرس يجعل كل خطوة منه اقصى بصره فسار ومعه جبريل فأتى على قوم يزرعون فى يوم ويحصدون فى يوم كلما حصدوا عاد كما كان فقال "يا جبرائيل من هؤلاء" قال هؤلاء المجاهدون فى سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعفتفسير : وما انفقتم من شيء فهو يخلفه واما البدن فهو القيام بالاوامر والنواهى والسنن والآداب المستحسنة المستحبة واما بالقلب فهو الايمان والصدق والاخلاص فى النية فالطاعة بالمال والبدن لا تقبل عند اعواز طاعة القلب كطاعة المنافقين وطاعة القلب عند اعواز الطاعة بالمال والبدن مقبولة لقوله عليه السلام "حديث : نية المؤمن ابلغ من عمله " .تفسير : فالقربة لا تقبل الا على حقيقة الايمان وهو شرط اقامة الطاعات المالية والبدنية وفى الحديث "حديث : ان اعطاء هذا المال فتنة وامساكه فتنة" تفسير : وذلك لان انفاقه على طريق الرياء او بالمنة والاذى فتنة وكذا امساكه اذ فى الامساك ملامة وذلالة بل ضلالة وفى الحديث "حديث : ان لكل امة فتنة وان فتنة امتى المال" تفسير : [حقيقت فتنه آنست كه هرجيزى كه آن مرورا از دين ورشد مشغول دارد آنراكه از توفيق محرومست وآنراكه موافقيست اكر بادشاه دنيا شود آن بادشاهى اورا ازدين مشغول ندارد]: وفى المثنوى شعر : جيست دنيا از خدا غافل بدن نى قماش ونقره وميزان وزن مال راكز بهر دين باشى حمول نعم مال صالح خواندش رسول آب در كشتى هلاك كشتى است آب اندر زير كشتى بستى است جونكه مال وملك را ازدل براند زان سليمان خويش جز مسكين نخواند تفسير : [ومعاويه زنى را برسيدكه على را ديده كفت بلى كفت جه كونه مردى بود على كفت لم يبطره الملك ولم تعجبه النعمة وعمر بن الخطاب رضى الله عنه كويدكه هركه مال اورا نفريبد هيج جادويى وديوى اورا نفريبد ومردى بيغمبررا صلى الله عليه وسلم كفت مرا جاره بياموز كه ديومر انفريبد كفت دوستى مال دردل مدار وبا هيج زن نا محرم خالى مباش] كذا فى شرح الشهاب شعر : مكن تكيه برملك وجاء وحشم كه بيش ازتو بودست وبعد ازتوهم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {فلا تُعْجِبُكَ}، أيها الناظر إلى المنافقين، كثرةُ {أموالهم ولا أولادهم}؛ فإن ذلك استدراج ووبال لهم {إنما يريد اللَّهُ ليُعذِّبَهم بها في الحياة الدنيا}؛ بسبب ما يكابدون في جمعها وحفظها من المتاعب، وما يرون فيها من الأمراض والمصائب، أو ما ألزموا به من أداء زكاتها، مع كونهم لا يرجون خَلَفها {وتَزْهقَ أنفُسُهم وهم كافرون}؛ فلا يستوفون التمتع بها في الدنيا؛ لقصر مدتها، ولا يجدون ثواب ما أعطوا منها؛ لعدم إيمانهم. وأصل الزهوق: الخروج بصعوبة، لصعوبة خروج أرواحهم، والعياذ بالله. الإشارة: ينبغي لمريد الآخرة ألا يستحسن شيئاً من الدنيا، التي هي مدْرجة الاغترار، بل ينبغي له أن ينظر إليها وإلى إهلها بعين الغض والاحتقار،حتى ترتفع همته إلى دار القرار، وينبغي لمريد الحق ـ تعالى ـ ألا يحقر شيئاً من مصنوعاته، ولا يصغر شيئاً من تجلياته، إذ ما في الوجود إلا تجليات العلي الكبير، إما من مظاهر اسمه الحكيم، أو اسمه القدير، فيعطي الحكمة حقها والقدرة حقها، ويتلون مع كل واحدة بلونها، وبالله التوفيق. ثم ذكر وصف نفاق المنافقين، فقال: {وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ}.

الطوسي

تفسير : هذا نهي للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به المؤمنون والمعنى: لا يروق ناظركم ايها المؤمنون ظاهر حسنها يعني اموال المنافقين والكفار واولادهم تستحسنونه بالطبع البشري. وانما قلنا ذلك. لأن النبي صلى الله عليه وآله مع زهده لا يجوز ان يعجب بها اعجاب مشته لها. وقوله {إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا} وقيل في معنى ذلك وجوه: احدها - قال ابن عباس وقتادة والفراء: ان فيه التقديم والتأخير والتقدير فلا تعجبك اموالهم ولا اولادهم في الحياة الدنيا انما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، فيكون الظرف على هذا متعلقاً بأموالهم وأولادهم، ومثله قوله تعالى {أية : فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون} تفسير : وتقديره فالقه اليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم الثاني - قال ابن زيد: معناه انما يريد الله ليعذبهم بحفظها والمصائب فيها مع حرمان النفقة بها. والثالث - قال الجبائي: تقديره انما يريد الله ليعذبهم في الحياة الدنيا عند تمكن المؤمنين من اخذها وغنمها فيتحسرون عليها ويكون ذلك جزاء على كفرهم نعم الله تعالى بها. والرابع - قال البلخي والزجاج: ان معناه فلا تعجبك اموالهم، فانها وبال عليهم، لأن الله يعذبهم بها اي بما يكلفهم من انفاقها في الوجوه التي امرهم بها فتزهق انفسهم لشدة ذلك عليهم لانفاقهم، وهم مع هذا كله كافرون وعاقبتهم النار فيكون قوله {وهم كافرون} اخباراً عن سوء احوالهم وقلة نفع المال والولد لهم ولا يكون عطفاً على ما مضى. والخامس - أن يكون المعنى أن مفارقتها وتركها والخروج عنها بالموت صعب عليهم شديد، لأنهم يفارقون النعم ولا يدرون إلى ماذا يصيرون بعد الموت فيكون حينئذ عذاباً عليهم. بمعنى ان مفارقتها غم وعذاب. ومعنى {وتزهق أنفسهم} اي تهلك وتذهب بالموت يقال: زهق بضاعة فلان اي ذهبت اجمع. السادس - قال الحسن: اخبر الله تعالى عن عاقبتهم انهم يموتون على النفاق. وقال: ليعذبهم بزكاتها وانفاقها في سبيل الله، وهو قول البلخي ايضاً والزجاج مع اعتقادهم ان ذلك ليس بقربة، فيكون ذلك عذاباً أليماً. واللام في قوله {ليعذبهم} يحتمل ان يكون بمعنى (أن) والتقدير إنما يريد الله أن يعذبهم. والزهق الخروج بصعوبة. وأصله الهلاك، ومنه قوله {أية : قل جاء الحق وزهق الباطل } تفسير : وكل هالك زاهق، زهق يزهق زهوقاً. والزاهق من الدواب السمين الشديد السمن، لأنه هالك يثقل بدنه في السير والكر والفر. وزهق فلان بين ايدي القوم إذا زهق سابقاً لهم حتى يهلك منهم. والاعجاب السرور بما يعجب منه تقول: اعجبني حديثه اي سرني بظرف حديثه. وليس في الآية ما يدل على ان الله تعالى اراد الكفر على ما يقوله المجبرة، لأن قوله {وهم كافرون} في موضع الحال كقولك اريد ان تذمه وهو كافر واريد ان تضربه وهو عاص وأنت لا تريد كفره ولا عصيانه بل تريد ذمه في حال كفره وعصيانه، وتقديره الاية إنما يريد الله عذابهم وازهاق انفسهم اي اهلاكها في حال كونهم كافرين، كما يقول القائل للطبيب: اختلف الي كل يوم وأنا مريض، وهو لا يريد المرض، ويقول لغلامه: اختلف الي وأنا محبوس، ولا يريد حبس نفسه.

الهواري

تفسير : قوله: { فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} قال الحسن: ليعذّبهم بالزكاة في الحياة الدنيا. وفي تفسير عمرو عن الحسن: يعني أنهم ينفقون أموالهم، ويُشخِصون أبدانهم، ويقتلون أحباءهم وأهل مودتهم من المشركين مع أعدائهم من المؤمنين، لأنه يسرّون لهم العداوة. وهو كقوله: {قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ} من العداوة والبغضاء {أية : أَكْبَرُ) تفسير : [آل عمران:118] أي أعظم من الذي بدا من أفواههم. وقال الكلبي: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} يقول: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. فيها تقديم وتأخير. وهذا من خفي القرآن. قوله: { وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ} أي تموت أنفسهم { وَهُمْ كَافِرُونَ} أي كفر النّفاق. قوله: { وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ} فيما أظهروا لكم من الإِقرار بدينكم، والادعاء لملّتكم { وَمَا هُم مِّنكُمْ} إذ لم يعملوا بأعمالكم ويوفوا بوفائكم { وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} أي يخافون على دمائهم إن هم أظهروا نفاقهم وباينوا به. { لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً} يلجأون إليه، أي حصوناً يدخلونها { أَوْ مَغَارَاتٍ} أي: غيراناً { أَوْ مُدَّخَلاً} أي: بيوتاً. وقال الكلبي: الملجأ: الحرز، والمغارات: الغيران في الجبل، والمدخل: السرب في الأرض. قال: { لَّوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} أي: وهم يسرعون الانطلاق إليه، يعني المنافقين. وقال مجاهد: لو يجدون محرزاً لولوا إليه أي: لفروا إليه منكم.

اطفيش

تفسير : {فَلا تُعْجبكَ} الفاء للسببية، والخطاب للنبى، والمراد أمته، لأنه لا تعجبه زهرة الدنيا، أو للإنسان أموالهم وأولادهم، أى لا تعجبك، لأن فيها حقوقا لم يؤدها، ولو أنفقوا منها لا يطهرها إذ لم ينفقوا لله، وأولادهم ربوا بذلك المال، ويكونون على طريقتهم، وعلل أيضا بعد ذلك تعليلا مستأنفا لقوله: {إنَّما يُريدُ اللهُ ليعذِّبهُم بها فى الحَياة الدُّنْيا} فهى استدراج لهم، ووبال عليهم، فلا يحسن لأحد أن تعجبه زينة الدنيا لعلها استدراج إلى بطر وكفر وهلاك، ولأن النظر إلى من فوقه فى أمر الدنيا سبب للانهماك فى جمعها من حل وغيره، ولعدم الرضا بالقسم، واللام صلة التأكيد، وأضمرت أن بعدها جوازا كما بعد لام التعليل، والمصدر مفعول يريد، ويدل ذلك إسقاط اللام بعد، وإظهار إن فى نظيرها. وبيان تعذيبهم بها فى الدنيا أنهم يكابدون أموراً عظاما فى شأن أولادهم، وفى حفظ المال وجمعه، وهذا ولو كان يحصل أيضا للمؤمن، لكنه قد علم أنه مثاب على ما يصيبه، أو ممحوة به خطاياه، بل هو يعنى بالمال والولد أمر الآخرة، وقيل: تعذيبهم بها أخذ الزكاة منها، والنفقة غير مثابين عليها، وقتل الولد فى الغزو فلا يثاب والده، وقيل: الرزايا فيهما مطلقا، وقيل: تعذيب بالمال تعب فى جمعه وحفظه، وكره إنفاقه والحسرة على تخلفه عند من لا يحمده. وعن بعضهم الضمير فى بها للأموال، وقال قتادة، والكلبى: إن التعذيب فى الآخرة، وعلى هذه ففى الحياة لا يتعلق بيعذب، بل بتعجب أو بمحذوف حال من الأموال والأولاد. {وتَزْهَقَ} تزحزح بصعوبة {أنفُسُهم} أرواحهم {وهُم كافِرُونَ} أشغلتهم عن النظر فى أمر الآخرة، حتى ماتوا على الكفر، فما لهم بعد ذلك إلا العقاب، وهذا استدراج فظيع، والجملة حال، وزعم بعضهم أنه يجوز أن تكون المراد وتزهق أنفسهم من شدة التعذيب الذى ينالهم، فلا يلزم كون الجملة حالا.

اطفيش

تفسير : {فَلاَ تُعْجِبْكَ} يا محمد أَو يا من يصلح، على حد لا تشرك بالله {أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ} الفاء تفريع وسببية، نهاه عن الإِعجاب بأَموالهم وأَنفسهم وعن أَن يفتن بها لفسقهم وخصالهم القبيحة المذكورة، فإِنهم لم يرادوا فيها بخير وإِنما هى استدراج، ونهى المطلق نهى لأُمته صلى الله عليه وسلم، والإِعجاب بالشىء استحسانك إِياه سواءٌ أَكان لك أَو لغيرك، سواءٌ مع الافتخار به أَو دون الافتخار به، وسواءٌ خصصت به أَم كان مثله لغيرك، أَيضاً فلا تهم خلافاً لم خصه بما إِذا افتخرت به أَو خصصت أَنت مثلا به، فإِنه يقال مطلقاً أَعجبنى الشىءُ، وهو معنى عرفى فى اللغة لا كما قيل أَن أَصل التعجب حيرة للجهل بسبب الشىءِ، وإِذا صح فقد خرج عن ذلك الأَصل خروجاً شائعاً، واللفظ نهى للأَموال والأَولاد عن أَن تعجبه، وهو من نهى الغائب والإِسناد إِلى السبب، والمراد لا تكترث بها فضلا عن أَن تعجبك كقولك: لا أرينك هنا: أَى لا تكن هنا فضلا عن أَن أَراك؛ وبين الاستدراج بقوله {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ} مفعوله محذوف أَى يريد الله أَن يعطيهم الأَموال والأَولاد، واللام للتعليل فى قوله تعالى {لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ويجوز جعل مصدر يعذب مفعولا به ليريد على أن اللام صلة، أَما تعذيبهم بالأَولاد فلاشتغال قلوبهم والاجتهاد فيما يسرهم ويليق بهم، وفى إِزاحة ما يسؤوهم والحمية عليهم من كل وجه وجمع المال لهم ولجزعهم بموت الأَولاد فى القتال، إذ لا يرجون لقاءَهم بالبعث لإِنكارهم البعث، ولا يرجون لهم ولا لأَنفسهم على موتهم وعلى المصيبة بخلاف المؤمن، فإِنه يرجوا ثواب ذلك، والشهادة لولده، وأَما تعذيبهم بالأَموال فلاشتغالهم بجمعها والمحافظة عليها واهتمامهم وتعبهم فيها وما يلاقون من الشدائد فيها، والمؤمن ولو كان يحصل له ذلك كله بالأَولاد والأَموال لكن لا يرغب فيها لذاتها، بل ليتوصل بها للآخرة وإِن ذلك فيها تاب وله الثواب على ما يصيبه مما يكره وتخرج نفسه غير كافر، ومن تعذيبهم بالأَموال والأَولاد خوفهم من سببها لو أَظهروا شركهن وإِعطاءَ ما لهم فى الزكاة ونفقات الجهاد، بدون أَن يعتقدوا لها ثوابا ولهم مزيد حب فى الأَموال والأَولاد وأُمور الدنيا، وبدأبها يكون لهم مزيد حزن وشدة ضيق، وما أَصدق قول بعض: شعر : ومن سره أَن لا يرى ما يسوءُه فلا يتخذ شيئاً يخاف له فقدا تفسير : وفى متعلق بيعذب لقربه لا بتعجب لبعده والفصل {وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ} أًرواحهم تخرج بصعوبة {وَهُمْ كَافِرُونَ} فيعذبون بعذاب الآخرة لكفرهم وعدم الاستعداد للآخرة كما عذبوا فى الدنيا.

الالوسي

تفسير : {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ} أي لا يروقك شيء من ذلك فإنه استدراج لهم ووبال عليهم حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} والخطاب يحتمل أن يكون للنبـي صلى الله عليه وسلم وأن يكون لكل من يصلح له على حد ما قيل في نحو قوله تعالى: {أية : لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ } تفسير : [لقمان: 13] ومفعول الإرادة قيل: التعذيب واللام زائدة وقيل: محذوف واللام تعليلية، أي يريد إعطاءهم لتعذيبهم، وتعذيبهم بالأموال والأولاد في الدنيا لما أنهم يكابدون بجمعها وحفظها المتاعب ويقاسون فيها الشدائد والمصائب وليس عندهم من الاعتقاد بثواب الله تعالى ما يهون عليهم ما يجدونه، وقيل: تعذيبهم في الدنيا بالأموال لأخذ الزكاة منهم والنفقة في سبيل الله / تعالى مع عدم اعتقادهم الثواب على ذلك، وتعذيبهم فيها بالأولاد أنهم قد يقتلون في الغزو فيجزعون لذلك أشد الجزع حيث لا يعتقدون شهادتهم وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون وأن الاجتماع بهم قريب ولا كذلك المؤمنون فيما ذكر، وقيل: تعذيبهم بالأموال بأن تكون غنيمة للمسلمين وبالأولاد بأن يكونوا سبباً لهم إذا أظهروا الكفر وتمكنوا منهم. وأخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة أن في الآية تقديماً وتأخيراً أي لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ} أي يموتون وأصل الزهوق الخروج بصعوبة {وَهُمْ كَـٰفِرُونَ} في موضع الحال أي حال كونهم كافرين، والفعل عطف على ما قبله داخل معه في حيز الإرادة. واستدل بتعليق الموت على الكفر بإرادته تعالى على أن كفر الكافر بإرادته سبحانه وفي ذلك رد على المعتزلة. وأجاب الزمخشري بأن المراد إنما هو إمهالهم ((وإدامة النعم عليهم إلى أن يموتوا على الكفر مشتغلين بما هم فيه عن النظر في العاقبة))، والإمهال والإدامة المذكورة مما يصح أن يكون مراداً له تعالى. واعترضه الطيبـي بأن ذلك لا يجديه شيئاً لأن سبب السبب سبب في الحقيقة، وحاصله أن ما يؤدي إلى القبح ويكون سبباً له حكمه حكمه في القبح وهو في حيز المنع، وأجاب الجبائي بأن معنى الآية أن الله تعالى أراد زهوق أنفسهم في حال الكفر وهو لا يقتضي كونه سبحانه مريداً للكفر فإن المريض يريد المعالجة في وقت المرض ولا يريد المرض والسلطان يقول لعسكره: اقتلوا البغاة حال هجومهم ولا يريد هجومهم. ورده الإمام بأنه ((لا معنى لما ذكر من المثال إلا إرادة إزالة المرض وطلب إزالة هجوم البغاة وإذا كان المراد إعدام الشيء امتنع أن يكون وجوده مراداً بخلاف أرادة زهوق نفس الكافر فإنها ليست عبارة عن إرادة إزالة الكفر فلما أراد الله تعالى زهوق أنفسهم حال كونهم كافرين وجب أن يكون مريداً لكفرهم، وكيف لا يكون كذلك والزهوق حال الكفر يمتنع حصوله إلا حال حصول الكفر، وإرادة الشيء تقتضي إرادة ما هو من ضرورياته فيلزم كونه تعالى مريداً للكفر)). وفيه أن الظاهر أن إرادة المعالجة شيء غير إرادة إزالة المرض وكذا إرادة القتل غير إرادة إزالة الهجوم ولهذا يعلل إحدى الإرادتين بالأخرى فكيف تكون نفسها، وأما أن كون إرادة ضروريات الشيء من لوازم إرادته فغير مسلم؛ فكم من ضروري لشيء لا يخطر بالبال عند إرادته فضلاً عما ادعاه، فالاستدلال بالآية على ما ذكر غير تام.

ابن عاشور

تفسير : تفريع على مذمّة حالهم في أموالهم، وأن وفرة أموالهم لا توجب لهم طُمَأنِينَة بال، بإعلام المسلمين أنّ ما يرون بعض هؤلاء المنافقين فيه من متاع الحياة الدنيا لا ينبغي أن يكون محلّ إعجاب المؤمنين، وأن يحسبوا المنافقين قد نالوا شيئاً من الحظّ العاجل ببيان أنّ ذلك سبب في عذابهم في الدنيا. فالخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والمراد تعليم الأمّة. ومعنى هذه الآية: أنّ الله كشف سرّاً من أسرار نفوس المنافقين بأنّه خلق في نفوسهم شحّاً وحرصاً على المال وفتنة بتوفيره والإشفاق من ضياعه، فجعلهم بسبب ذلك في عناء وعذاب من جرّاء أموالهم، فهم في كَبَد من جمعها. وفي خوف عليها من النقصان، وفي ألم من إنفاق ما يلجئهم الحال إلى إنفاقه منها، فقد أراد الله تعذيبهم في الدنيا بما الشأن أن يكون سبب نعيم وراحة، وتمّ مراده. وهذا من أشدّ العقوبات الدنيوية وهذا شأن البخلاء وأهل الشحّ مطلقاً، إلاّ أنّ المؤمنين منهم لهم مسلاة عن الرزايا بما يرجون من الثواب على الإنفاق أو على الصبر. ثم يجوز أن يكون هذا الخلق قد جبلهم الله عليه من وقت وجودهم فيكون ذلك من جملة بواعث كفرهم ونفاقهم، إذ الخلق السيّء يدعو بعضه بعضاً، فإنّ الكفر خُلق سيّء فلا عجب أن تنساق إليه نفس البخيل الشحيح، والنفاق يبعث عليه الخلقُ السيّء من الجُبن والبخل، ليتقّي صاحبه المخاطر، وكذلك الشأن في أولادهم إذ كانوا في فتنة من الخوف على إيمان بعض أولادهم، وعلى خلاف بينهم وبين بعض أولادهم الموفّقين إلى الإسلام: مثل حنظلة: ابن أبي عامر الملقّبِ غَسيلَ الملائكة، وعبد الله بنِ عبدِ الله بنِ أُبي فكان ذلك من تعذيب أبويهما. ولكون ذكر الأولاد كالتكملة هنا لزيادة بيان عدم انتفاعهم بكلّ ما هو مظنّة أن ينتفع به الناس، عُطف الأولاد بإعادة حرف النفي بَعْد العاطف، إيماء إلى أنّ ذكرهم كالتكملة والاستطراد. واللام في {ليعذّبهم} للتعليل: تعلّقت بفعل الإرادة للدلالة على أنّ المراد حكمة وعلّة فتغني عن مفعول الإرادة، وأصل فعل الإرادة أن يعدَّى بنفسه كقوله تعالى: {أية : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}تفسير : [البقرة: 185] ويعدّى غالباً باللام كما في هذه الآية وقوله تعالى: {أية : يريد الله ليبين لكم} تفسير : في سورة النساء (26) وقول كُثيّرِ:شعر : أريدُ لأنْسَى حُبَّها فكأنما تَمَثَّلُ لِي ليلَى بكلّ مكان تفسير : وربما عَدَّوه باللام وكَي مبالغةً في التعليل كقول قيس بن عُبادة:شعر : أردتُ لكيما يعلمَ الناس أنّها سراويلُ قيس والوفُود شهود تفسير : وهذه اللام كثير وقوعها بعد مادة الإرادة ومادة الأمر. وبعضُ القرّاء سمّاها (لام أنْ) بفتح الهمزة وتقدم عند قوله تعالى: {أية : يريد الله ليبين لكم }تفسير : في سورة النساء (26). فقوله: {في الحياة الدنيا} متعلّق بــــ {يعذبهم} ومحاولة التقديم والتأخير تعسّف وعطف {وتزهق} على {ليعذبهم} باعتبار كونه أراده الله لهم عندما رزقهم الأموال والأولاد فيعلم منه: أنّه أراد موتهم على الكفر، فيستغرق التعذيبُ بأموالهم وأولادهم حياتَهم كلّها، لأنّهم لو آمنوا في جزء من آخر حياتهم لحصل لهم في ذلك الزمن انتفاع ما بأموالهم ولو مع الشحّ. وجملة: {وهم كافرون} في موضع الحال من الضمير المضاف إليه لأنّه إذا زهقت النفس في حال الكفر فقد مات كافراً. والإعجاب استحسان مشوب باستغراب وسرور من المرئي قال تعالى: {أية : ولو أعجبك كثرة الخبيث}تفسير : [المائدة: 100] أي استحسنت مرأى وفرة عدده. و(الزهوق) الخروج بشدّة وضيق، وقد شاع ذكره في خروج الروح من الجسد، وسيأتي مثل هذه الآية في هذه السورة.

الواحدي

تفسير : {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم} لا تستحسن ما أنعمنا عليهم من الأموال الكثيرة والأولاد {إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا} يعني: بالمصائب فيها، فهي لهم عذابٌ، وللمؤمن أجر {وتزهق أنفسهم} وتخرج أرواحهم {وهم} على الكفر. {ويحلفون بالله إنهم لمنكم} أَيْ: إنَّهم مؤمنون، وليسوا مؤمنين {ولكنهم قوم يفرقون} يخافون فيحلفون تقيَّةً لكم. {لو يجدون ملجأً} مهرباً {أو مغارات} سراديب {أو مدخلاً} وجهاً يدخلونه {لوَلَّوا إليه} لرجعوا إليه {وهم يجمحون} يُسرعون إسراعاً لا يردُّ وجوهَهم شيءٌ، أَيْ: لو أمكنهم الفرار من بين المسلمين بأيِّ وجهٍ كان لَفَرُّوا، ولم يُقيموا بينهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَمْوَالُهُمْ} {أَوْلاَدُهُمْ} {ٱلْحَيَاةِ} {كَافِرُونَ} (55) - فَلاَ يُعْجِبْكَ مَا تَرَاهُمْ فِيهِ مِنْ وَفْرَةِ الْمَالِ، وَكَثْرَةِ الأَوْلاَدِ، وَرِفْهِ الْحَيَاةِ، فَإِنَّ اللهَ إِنمَا يُرِيدُ أنْ يُعَذِّبَهُمْ فِيمَا أَعْطَاهُمْ بِمَا يَنَالُهُمْ بِسَبَبِهَا مِنَ التَّنْغِيصِ وَالْحَسْرَةِ، وَذَلِكَ بِالْكَدِّ وَالْعَنَاءِ فِي جَمْعِهَا، وَاكْتِسَابِهَا، ثُمَّ بِإِجْبَارِهِمْ عَلَى دَفْعِ الزَّكَاةِ مِنْهَا، وَالإِنْفَاقِ فِي الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُوجِبُهُ الإِسْلاَمُ عَلَيْهِمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، ثُمَّ يُمِيتُهُمْ عَلَى الكُفْرِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَشَدَّ نَكَالاً لَهُمْ، وَآلَمَ عَذَاباً فِي الدَّارِ الآخِرَةِ، فَتَكُونُ الأَمْوَالُ وَالأَوْلاَدُ اسْتِدْرَاجاً لَهُمْ. تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ - تَخْرُجَ أَرْوَاحهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وإياكم أن تروا واحداً من هؤلاء ممن رزقهم الله المال والولد ثم تقولون: كيف يكون عذابهم في الدنيا وهم يملكون المال والولد؟ ومثل هذا التعجب يعني استحسان المال والولد، والظن أن فيهما الخير كله، لكنك إن نظرت بعمق إلى المال والولد وكل حطام الدنيا فستجده لا يستحق الإعجاب، وإياك أن تغتر بشيء يمكن أن يتركك، ويمكن أن يكون سبباً في عذابك، فالمال والولد قد يجعلان الإنسان ملتفتاً إلى النعمة ويلهيانه عن المنعم. وإن لم يلتفت الإنسان إلى المنعم لا يذكره. وإن لم يذكر الله أهمل منهجه. والمال والولد في الحياة الدنيا قد يكونان سببين في أن يخاف الإنسان ترك الدنيا. فإن لم يكن لك إيمان بما عند الله في الآخرة، فقد تخاف أن يتركك المال أو الولد. والذي لا يؤمن باليوم الآخر؛ فالدنيا هي كل زمنه؛ وإن فاتها كان ذلك مصيبة له، وإن فاتته كان ذلك مصيبة عليه. وإن آمن الإنسان بالله واليوم الآخر لقال: لئن فاتتني الدنيا فلي عند الله خير منها. ويريد الحق سبحانه أن يمنع عن المؤمنين به فتنة النعمة التي تُلْهِي عن المنعم، فيقول سبحانه: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ} والآية الكريمة تدلُّنا على أن للمال وحده إعجاباً، وللأولاد وحدهم إعجاباً، فمن عنده مال معجب بما عنده. ومن ليس عنده مال وعنده أولاد معجب بهم أيضاً. فإذا اجتمع الاثنان معاً يكون الإعجاب أكبر وأشمل. والحق سبحانه وتعالى يريدنا أن نفهم أن اجتماع المال والولد يجب ألا يثير الإعجاب في نفوسنا، بل إن سياق الآية يحذرنا من أن نعجب بمن عنده المال وحده، أو بمن عنده الأولاد وحدهم، لذلك كرر الحق سبحانه وتعالى كلمة: {لا} فقال: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ}. وأفهمنا الحق سبحانه وتعالى أنه إذا أمد الكافر أو المنافق بالمال والولد؛ فلذلك ليس رفعة من شأنه، وإنما ليعذبه بهما في الدنيا والآخرة. فقال: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا}، واللام هنا في "لِيُعَذِّبَهُمْ" هي لام تدخل على الفعل واسمها "لام العاقبة". وهي تعني أننا ربما نقوم بالفعل لهدف معين، ولكن قد تكون عاقبته شيئاً آخر تماماً غير الذي قصدناه، بل ربما تكون عكس الذي قصدناه. وعندما نقرأ القرآن نجد قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً...} تفسير : [القصص: 8]. هل التقط آل فرعون موسى عليه السلام ليكون لهم عدواً؟ أم ليكون قرة عين لهم؟ هم قد التقطوه ليكون قرة عين لهم، ولكن الذي حدث كان عكس ما قصدوه ساعةَ قيامهم بفعل الالتقاط، فبدلاً من أن يصبح موسى قرة عين، أصبح عدواً لفرعون، بل كان سبباً في زوال مُلْكه، إذن هذه هي لام العاقبة. والله سبحانه وتعالى أعطى لبعض الكفار أموالاً وأولاداً، وهذا في ظاهره رفعة في الدنيا، ولكنهم بدلاً من أن يستخدموا هذه النعمة في التقرب إلى الله ألهتهم عن الإيمان بالله، ووصل بهم الأمر إلى أن يدخلهم الحق في العذاب. ولم يُرِد الحق العذاب لهم، ولكنهم بحركتهم وفتنتهم بالمال والولد استحقوا أن يدخلوا في العذاب. والعمل غير الشرعي في تنمية المال أو إرضاء الأولاد هو الذي أوصلهم إلى العذاب. {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} وأول ألوان العذاب: أن تلهيهم تلك النعم عن المنعم. وتبعدهم عن منهج الله فيصيرون في عداء مع المؤمنين بمنهج الله، ويخافون إعلان هذا العداء؛ لذلك حينما كان يرسل الرسول صلى الله عليه وسلم في طلب واحد من المنافقين أو اليهود كانوا يرتعدون ويتساءلون: هل اكتشف الرسول أمرنا أم كشف الله له بعض خبايانا؟ وكانوا في خوف أن يفتضح أمرهم، فيعاملهم معاملة المشركين ويشردهم. وثانياً: كانوا يخافون من أن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم في حرب؛ لأنهم ما داموا قد أعلنوا الإيمان فهم مطالبون ببذل المال، وأن يذهب أولادهم الذين بلغوا سن القتال مع جيش المسلمين، وكانوا يقولون بينهم وبين أنفسهم: ما لنا نبذل المال ونضحي بالأولاد في سبيل ما لا نؤمن به. وهم بمشاعرهم تلك يختلفون عن مشاعر المؤمنين الذين يُلبُّون نداء رسول الله طمعاً في الجنة أو النصر. وهذا لون من ألوان العذاب. وهناك لون آخر من العذاب: عندما يخرج هؤلاء المنافقون إلى إحدى الغزوات، فهم يخافون على أنفسهم من القتل أو الأذى بالأسر أو سبي النساء، فيكونون في عذاب نفسي طوال الرحلة إلى الغزوة وفي أثناء الحرب. ولون ثالث من ألوان العذاب: أن عابد المال يجمع المال من حرام ومن حلال، لا يهمه من أين جاء المال؟ ولكن يهمه أن يأتي، والذي يكسب حلالاً يكون واضح الحركة في الحياة، والذي يكسب حراماً هو لص يخاف أن ينكشف أمام الناس، ويعيش في عذاب أليم دائم من أن يأتي يوم يكشف الله ستره فيعرف الناس أنه ارتشى، أو أنه اختلس، أو أنه زَوّرَ وَزيَّف. أو أنه فعل شيئاً يُحقّره في أعين الناس أو يُعرِّضه للعقوبة؛ كأن يكون قد تاجر في المخدرات أو في الأعراض. أو في غير ذلك، وخوفه من انكشاف أمره يجعله يعيش في عذاب دائم وصراع مستمر. وإذا أردنا أن نعرف الفرق بين الحلال والحرام نضرب هذا المثل: أنت إن أعجبك شيء في بيت جارك، وطلبته منه وأعطاك إياه، فأنت لا تخشى أن يعرف الناس ما حدث. ولكن إذا أعجبك شيء في بيت جارك وأردت أن تسرقه، فأنت لا تأتي في النهار ولا أمام الناس، بل تأتي ليلاً وتحرص على ألا يراك أحد. ولا تدخل من باب الشقة، بل تظل تدور وتخطط لتجد منفذاً تدخل منه دون أن يراك أحد. وتضع خطة للسرقة. وتدخل المنزل على أطراف أصابعك وأنت ترتعد. فإذا شعرت وأنت تنفذ الخطة بصوت أقدام تنزعج وتجري لتختبئ وتأخذ الشيء وتكون حريصاً على إخفائه وإن رآه أحد عندك انزعجت، وكل هذا عذاب يمر به كل من يجمع المال الحرام، إذن فجمع المال الحرام عذاب. وكل من يربي أولاده من مال حرام لا يبارك الله لهم فيهم، فإما أن ينشأ الواحد منهم عذاباً لأبيه في تربيته فيرسب في الامتحانات. ويُتلف المال في الإنفاق بلا وعي. فكلما أعطيته أكثر احتاج إلى المزيد من المال أكثر. ومثل هذا الابن لا يطيع أباه. ويكون العذاب الأكبر حينما ينشأ أحد أبناء هذا الإنسان ويكون الابن مؤمناً إيماناً صادقاً بالله، فيرفض أن يأكل أو يلبس من مال أبيه، أو أن يناقشه من أين جاء بهذا المال ويسمع منه ما يكره، ويتمرد دائماً عليه. وفي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبو عامر عدواً لله ورسوله. وكان ابنه حنظلة مؤمناً، وكلما رأى أبو عامر ابنه كان قلبه يغلي بالغيظ، وعندما نودي للقتال، وسمع حنظلة نداء الجهاد بعد أن فرغ من الاستمتاع مع زوجته فلم يصبر إلى أن يغتسل من الجنابة، بل سارع إلى الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واستشهد في المعركة, ولكن كيف عرف الصحابة قصة حنظلة، مع أن هذه المسألة تكون سراً بين الرجل وزوجته لا يعرفه أحد؟ لقد عرف المؤمنون بخبر حنظلة حين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإشراقات الله أن الملائكة تنزل من السماء وتُغسِّل حنظلة. ولما كان الشهيد لا يُغسل، فقد عرف الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذا ليس غُسْلاً من الشهادة، وإنما هو غُسْل حتى لا يُقْبِلَ الشهيد على الله وهو جُنُب، رأى الرسول صلى الله عليه وسلم ما حدث لحنظلة، وعندما عاد إلى المدينة بعث إلى زوجة حنظلة وسألها: ماذا حدث ساعة ساعة خروج حنظلة إلى المعركة؟ فقالت إنه عندما سمع نداء القتال، خرج بدون غُسْل. وتأمل كيف نزلت الملائكة لتغسل شهيداً هو ابن عدو لله ورسوله. وكيف يكون هذا غَيْظاً في قلب الأب. وقصة أخرى: سيدنا عبد الله بن عبد الله بن أبيّ؛ والده عبد الله بن أبيّ كان زعيم المنافقين في المدينة، وهو الذي انسحب يوم أحد ومعه ثلث المقاتلين من المعركة. ويسمع عبد الله أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يطلبون منه الإذن بقتل والده ابن أبيّ، انظروا إلى الإيمان. فها هو الابن يذهب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويقول له: يا رسول الله إن كنتَ آمراً بقتل أبي فأمرني أنا بقتله؛ حتى لا ألقى قاتله من المسلمين وفي قلبي غِلٌّ عليه. وعندما يسمع الأب أن ابنه يطلب أن يكون هو قاتله، أليس هذا عذاباً في قلبه؟ وهكذا نرى أن الأموال والأولاد الذين كان من المفروض أن يكونوا نعمة يصبحون نقمة، أليس هذا عذاباً في الدنيا؟ ولكن غير المؤمنين لا يلتفتون إلى واهب النعمة، ولا إلى الجزاء الذي ينتظرهم في الآخرة، ولا ينتبهون إلى حكمة الخلق التي تؤكد أن الإنسان خليفة الله في الأرض، وأن الله قد أعدَّ الأرض بكل ما فيها من إمكانات ومن خيرات لتكون في خدمة هذا الخليفة، أي: أنه أقبل على عالم كامل من كل شيء؛ معداً له إعداداً فوق قدراته وطاقاته. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في حديث قدسي: "حديث : خلقتُ الأشياء من أجلك، وخلقتُك من أجلي، فلا تشتغل بما هو لك عما أنت له "تفسير : . أي: لا تشتغل بالنعمة عن المنعم، تماماً كما يدخل الإنسان إلى وليمة كبيرة، فيجد المائدة مُعدَّة بكل ألوان الطعام، وصاحب المائدة واقف فلا يحييه ولا يسلم عيه ويذهب مباشرة إلى الطعام، فيُحسُّ الناس أن هذا الإنسان جاحد بكرم الضيافة. بينما نجد رجلاً آخر يدخل فيسلم على صاحب الوليمة ويشكره على كرمه ويشيد به، الأول: انشغل بالنعمة، والثاني: لم يُنْسه انشغاله بالنعمة أن يشكر مَنْ أعدها له. ومثال آخر: إن الصحة هي من أثمن النعم. أما المرض فإنه أقسى ما يمكن أن يصاب به الإنسان؛ لأن الصحة هي التي تجعل الإنسان يتمتع بنعم الحياة، أما المرض فيحرمه هذه النعمة. ولذلك فعندما يمرض الإنسان يعوضه الله بأنه بدلاً من أن يكون في معيّة النعمة، يكون في معيّة المنعم وهو الله سبحانه. ولذلك يقول في حديث قدسي: "حديث : عبدي فلان مرض فلم تَعُدْني. فيقول له: يا رب وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول له: أما علمْتَ أنك لو عُدته لوجدتني عنده " تفسير : قولوا لي بالله: أيضيق أي مريض عندما يعرف أن الصحة كانت نعمة من الله وفارقته، ولكن المرض جعله مع المنعم، وهو الله سبحانه وتعالى؟ لا، بل إن ذلك يخفف عنه وطأة المرض، ويجعله يشعر أن الأنْسَ بالله يخفف عنه الآلام. لكنك للأسف تجد الإنسان غير منطقي مع نفسه، فالعالم خُلق من أجل الإنسان. والإنسان خُلق ليعبد الله. ولكنك تجده لا يلتفت لما خُلق من أجله، بل يلتفت للأشياء التي خُلقت له. وقد كان من المنطقي أن ينشغل بما خُلق من أجله. وإذا أخذنا مثلاً منطق الإنسان مع الزمن، نجد أن الزمن إما أن يكون حاضراً أو ماضياً أو مستقبلاً. فإذا أردنا أن نذهب إلى ما لا نهاية نقول: إن الزمن حاضر وأزلي وأبدي. والأزلي: هو القديم بلا بداية. والأبد: هو المستقبل بلا نهاية. والحاضر: هو ما نعيش فيه. والوجود الذي تراه أمامك خلقه الحق سبحانه واجبُ الوجود وبكلمة "كن" جاء كل "ممكن الوجود"؛ لأن كل وجود يحتاج إلى مُوجد هو وجود ممكن، وسيأتي له عدم. أما الوجود غير المحتاج إلى موجد فهو وجود لا ينتهي. أي: أن واجب الوجود هو وجود الله وحده سبحانه وتعالى. ولذلك فهو وجود أزلي قديم بلا نهاية، وأبد باقٍ بلا نهاية. وبذلك فهو يخرج عن الزمن. نأتي بعد ذلك إلى المخلوقات الممكنة، أي التي لها مُوجدٌ، وهي كل ما في الكون ما عدا الله سبحانه وتعالى، ومنها هذه الدنيا التي يعبدها بعض الناس من دون الله، هذه الدنيا ليس لها أزل ولا أبد، فالدنيا لم توجد إلا عندما خلق الله السماوات والأرض، أي ليس لها وجود بلا نهاية. ولكن كان وجودها ببداية. إذن فهي ليست أزلاً، وهي ليست أبداً لأنها تنتهي بيوم القيامة. ولذلك لا يجتمع في قلب المؤمن حب الله وحب الدنيا؛ لأن الله أزل وأبد، والدنيا لا أزل ولا أبد، بل عمر الدنيا بالنسبة للإنسان هي بمقدار عمره فيها. وقبل ميلاده لا علاقة له بها، وبعد الموت لا علاقة له بها. وحتى إذا أخذنا الدنيا في عمومها فإن لها بداية ونهاية، فكيف يمكن أن يجتمع في قلب المؤمن حب من لا بداية له ولا نهاية، وحب من له بداية ونهاية؟ لا يجتمعان. ولذلك قال شيخنا الزمخشري رضي الله عنه: ما دام هذا الكون فيه وجود، يكون الوجود: إما واجباً، وإما ممكناً. والوجود الواجب لله وحده. والوجود الممكن هو كل ما عدا الله، ولا يوجد أزل ولا أبد إلا للحق سبحانه وتعالى. فإذا قلنا: إن هناك وجوداً فيه أزل وليس فيه أبد، نقول: إن هذا ممتنع عقلاً؛ لأن الذي لا تكون له بداية لا تكون له نهاية. أي: يكون دائم الوجود. إذن: فيبقى أن يكون الوجود له أبد وليس له أزل، أي: له بداية وليس له نهاية. ونقول: إن هذا يجتمع في اثنتين؛ الآخرة والإنسان؛ الإنسان له بداية وهي تاريخ خَلْقه، وليس له نهاية؛ لأنه بعد أن يموت يُبعَثُ مرة أخرى، إما أن يخلد في النعيم، وإما أن يُعذَّبَ قليلاً، ويدخل الجنة وإمّا يخلد - والعياذ بالله - في النار. وكذلك الآخرة لم يأت زمنها بعد. إذن فهي لم تبدأ بعد، ولكنها متى بدأت فليس لها نهاية؛ لأن هناك حياة أبدية في الجنة أو في النار. إذن: فالإنسان والآخرة اشتركا في شيء واحد، ولا بد أن يربط الإنسان نفسه بالآخرة؛ فالذي يأخذ الدنيا إنما أخذ شيئاً له بداية ونهاية، ولكن الذي يطبق منهج الله ويعبده عن حب واختيار أخذ مَنْ لا بداية له ولا نهاية له. والذي عمل للآخرة، عمل لما لا نهاية له أو للذي سيخلد فيه، وتكون فيه حياته الحقيقية. ولذلك حين نقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 64]. نعرف أن الحياة الحقيقية هي في الآخرة وليست الدنيا؛ لأن الغايات في أي شيء يجب أن تكون متساوية، فمثلاً: إذا أردنا أن نصنع كُرْسياً. فالغرض من الكرسي أن نجلس عليه. إذن: فكل الكراسي مهما اختلَفت أشكالها وألوانها لها غاية واحدة وهي أن نجلس عليها. والإنسان غايته لابد أن تكون متساوية. وما دُمْنَا أفراداً لجنس واحد فلا بد أن تكون لنا غاية واحدة: ما هي؟ أهي الصحة؟ بعضنا مريض. أهي القدرة؟ بعضنا عاجز. أهي طول العمر؟ بعضنا عمره في الدنيا ساعات. وإذا استعرضنا كل ما في الدنيا فلا نجد شيئاً نتفق فيه إلا الموت، وفيما عدا ذلك فنحن نختلف. إذن فلا بد أن نلتفت في حياتنا الدنيا من أول يوم إلى أننا سوف نموت ونلقى الله، وعلينا أن نعد العدة لذلك، وكلنا سائرون إلى هذه النهاية. والحق سبحانه وتعالى يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} لم يقف عز وجل عند هذا الحد، بل قال سبحانه: {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} و {تَزْهَقَ} أي تخرج بصعوبة، لماذا؟ لأن عابد الدنيا عمل من أجلها فقط. ولم يعمل شيئاً من أجل الآخرة، فعندما يأتي له الموت، يجد أنه لم يقدم شيئاً لآخرته، وأن ما ينتظره هو العذاب، ولذلك يكره أن يترك نعيم الدنيا إلى عذاب الآخرة. أما صاحب الأعمال الطيبة عندما يأتي له الموت فهو يستبشر؛ لأن الذي ينتظره خير يفوق كل الذي سيتركه. كمثل إنسان يعيش في كوخ صغير ثم ينتقل إلى قصر فاخر، ألا يكون سعيداً؟ وكذلك المؤمن عندما يأتيه الموت يصبح كالذي ينتقل من كوخ صغير إلى قصر فاخر. أما صاحب الدنيا فمثل الذي يؤخذ من قصر إلى نار محرقة، ولذلك فهو يكره ساعة الموت. والمؤمن يفرح حين ينتقل من الدنيا الفانية إلى الحياة الخالدة الباقية، ومن النعمة إلى المنعم، ومن الحياة بالأسباب إلى الحياة مع المسبِّب، فنحن في الدنيا لا بد أن نأخذ بالأسباب لنصنع ما نريد، والمثال: أنك إنْ أردت أن تأكل فلا بد من أن تطهو الطعام أو أن يُعدّه لك غيرك، وإنْ أردتَ أن تلبس فلا بد لك ممن يصنع لك القماش ويحيك الثوب. ووراء كل نتيجة توجد سلسلة طويلة من الأسباب. فهناك الذي يزرع، والذي يحصد، والذي ينقل إلى المطحن أو إلى المصنع، والذي يطحن الدقيق أو ينسج القماش، أما في الآخرة فلا توجد أسباب، بل بمجرد أن يخطر الشيء على بالك تجده أمامك، أليست هذه حياةَ نعيمٍ؟ إذن: فالذي تنفرج أساريره ساعة الموت هو المؤمن، والذي ينقبض وجهه ويتشنج عندما يأتيه مَلَكُ الموت هو الكافر والعاصي؛ لأنه سينتقل من نعيم حتى ولو كان نسبيا إلى عذاب رهيب. وقد قيل للإمام علي رضي الله عنه: يا إمام، أريد أن أعرف نفسي أأنا من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة؟ فقال الإمام عليّ: الله أرحم من أن يجعل جواب هذا السؤال عندي وجعل جواب السؤال عندك أنت، إن كنت تحب من يدخل عليك وهو يريد أن يأخذ منك أكثر مما تحب من يدخل عليك وهو يريد أن يعطيك هدية تكون من أهل الآخرة. أي: إذا دخل عليك إنسان يطلب صدقة أو مالاً فاستقبلته بترحاب وتحية وتعطيه وأنت مسرور تكون من أهل الآخرة؛ لأنك تعرف أنه أخذ منك في الفانية ما يحمله لك أجراً في الآخرة التي تعمل من أجلها، ولذلك تحبه. أما إن كنت تحب من جاء يعطيك هدية أكثر ممن جاء يسألك تكون من أهل الدنيا؛ لأنه معطي الهدية يزيدك في دنياك. وما دُمْتَ تفرح بذلك أكثر من فرحك بالذي يزيد آخرتك فأنت من أهل الدنيا. ويقال: إن فلاناً أحسن الله خاتمته لأنهم دخلوا عليه لحظة الموت فوجدوا وجهه أبيض وملامحه سمحة مستريحة. نقول: إن هذا صحيح، فهذه لحظة لا يكذب الإنسان فيها على نفسه. ونحن نعلم أن الإنسان حين يشتد عليه المرض فهو يتشبث بالأمل في أن ينال الشفاء على يد طبيب بارع. لكن الأمر يختلف ساعة الاحتضار حين يعلم الإنسان أن الموت يتخلله وأنه ميت لا محالة، مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ} تفسير : [الواقعة: 83]. ويرى ما كان محجوباً عنه في الدنيا. حينئذ يستعرض أعماله. فإنْ رأى شريط الحياة حُلْواً منيراً، ابتسم وانفرجتْ أساريره فيُقبَضُ على هذا الوضع. أما من امتلأت حياته بالسوء والمعاصي فوجهه يسوَدّ وتنقبض أساريره فيُقبض على هذا الوضع. وهذا ما نسميه الخاتمة، فلحظة الاحتضار فيها يقين بالموت، تماماً كساعة الامتحان حيث تجد التلميذ الخائب مصفر الوجه مرتعداً ومتشنجاً، أما التلميذ المجتهد فيكون مُبتسماً مُنْفرجَ الأسارير. وفي ساعة الاحتضار يخلو الذهن من أي شيء إلا صحيفة عمله، فهي التي تبقى في بؤرة شعوره، وبؤرة الشعور هي المكان الذي إن استقر فيه شيء فإنه لا يُنسَى أبداً. فإذا عرف طالب قبل الامتحان بفترة قصيرة، أن هناك سؤالاً سيأتي في جزء معين من الكتاب وأمسك هذا الجزء وقرأه مرة واحدة تجد أنه وهو يقرؤه لا يفكر في شيء آخر غيره، ومجرد قراءته مرة تجعله يجيب الإجابة المتميزة؛ لأن بؤرة الشعور مثل آلة التصوير، تأخذ صورة ما ترى مرة واحدة. إذن: فساعة الالتقاط هذه حيث لا شيء يشغل الذهن، تجد أن الشعور لا يتسع إلا لخاطر واحد، فلا يأتي خاطر إليها إلا إذا تزحزح الخاطر الأول عنها. ولذلك إذا سمعتَ شيئاً وحفظتَهُ من أول مرة، فهذا دليل على أن بؤرة شعورك كانت خالية ومستعدة ساعة التقاط هذا الشيء. كذلك عند الموت ساعة الاحتضار لا يجد الميت في بؤرة شعوره خاطراً آخر يناقض أو يزاحم أمر الآخرة، فإن كانت حياته خيِّرة أشرق وجهه وانفرجت أساريره، وإن كانت حياته سيئة انقبضت أساريره واسودَّ وجهه والعياذ بالله. وقوله تعالى: {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} يعطينا معنيين: المعنى الأول: أن النعمة تظل معهم تلهيهم عن الله حتى تأتي ساعة الموت. والمعنى الثاني: أن ساعة الموت تكون شاقة وصعبة على الكافر والمنافق؛ لأنه يترك الأموال والأولاد ويذهب إلى العذاب. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ} معناهُ تخرُجُ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ} [التوبة: 55] يعني: أصحاب النفوس المتمردة، {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا} [التوبة: 55] بتلك الأموال والأولاد، {فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} [التوبة: 55] أي: في مدة العمر يعذبهم بها أن يشغلهم بها ويلهيهم عن ذكر الله وطاعته ومحبته وطلبه بذكرها ومحبتها وطلبها، كما قال تعالى: {أية : لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [المنافقون: 9]، وقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ} يدل على أن الله تعالى يريد الكفر للكافرين، وألاَّ يرضى الكفر كما قال تعالى: {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ} [التوبة: 55] والكافر كافران: كافر يجحد المنعم، وكافر يجحد النعمة. {وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ} [التوبة: 56] يعني: النفس وصفاتها مع الروح والقلب والسر عند استيلائهم عليها والظفر بها، {وَمَا هُم مِّنكُمْ} [التوبة: 56] في أصل الخلقة والجبلة يعني: على سجيتكم وسيرتكم، {إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ} [التوبة: 56] لأن منشأكم عالم الأمر والأرواح ومنشأهم عالم الخلق والأشباح. {وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} [التوبة: 56] من سطوات قهركم عند غلبات الأنوار الروحانية، فإن النفس وصفاتها لما انعكست عليها أنواع الفيض الرباني عن مرآة القلب انكسرت ظلمة طبيعتها وانخمدت نار شهواتها، فتفزع من فنائها وهلاكها بالكلية، فتلتجئ إلى الروح والقلب والسر وتخدعهم بالحلف كما خدع إبليس آدم وحواء بالحلف كقوله تعالى: {أية : وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ}تفسير : [الأعراف: 21] {أية : فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ}تفسير : [الأعراف: 22]، فتريد النفس أن تدلي الروح والقلب بغرور، {إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ} يعني: في الطاعة، {لَوْ يَجِدُونَ}[التوبة: 57] يعني: النفس وصفاتها، {مَلْجَئاً} [التوبة: 57] أي: مهرباً ومفرّاً، {أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً} [التوبة: 57] يتخلصون بها عن استيلاء الروح وصفاتها، {لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} [التوبة: 57] عن الانقياد والعبودية. ثم أخبر عن الرضا بالعطاء والرضا بما قضى المولى بقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ} [التوبة: 58] الآيتان تشير الأولى إلى النفاق وأهله بأن رضا المنافق وسخطه في إعطاء الدنيا ومتاعها وفي المنع عنها؛ لأن النفاق تزيين الظاهر بأركان الإسلام، وتعطيل الباطن عن أنوار الإيمان، والقلب العطل عن نور الإيمان يكون مزيناً له بظلمة الكفر وحب الدنيا، فلا يرضى إلا بوجدان الدنيا ويسخط بفقدها. {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 59] يشير إلى أن الرضا بالقضاء من أمارات الإيمان وتزيين القلب بنوره، فلما حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم شاهدوا بنور الإيمان شواهد الحق، {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ} [التوبة: 59] فإن الله كافٍ لعبده، ومن وجد الله فقد ما دونه؛ لأن فقدان الله في وجدان ما سواه، ووجدانه في فقدان ما سواه، ومن وجده يرضى به ويقول: {سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 59] من الوحي والبيان والدلائل والبرهان، {إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة: 59] لا إلى الدنيا والعقبى وما فيها غير المولى.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: فلا تعجبك أموال هؤلاء المنافقين ولا أولادهم، فإنه لا غبطة فيها، وأول بركاتها عليهم أن قدموها على مراضى ربهم، وعصوا اللّه لأجلها { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } والمراد بالعذاب هنا، ما ينالهم من المشقة في تحصيلها، والسعي الشديد في ذلك، وهم القلب فيها، وتعب البدن. فلو قابلت لذاتهم فيها بمشقاتهم، لم يكن لها نسبة إليها، فهي -لما ألهتهم عن اللّه وذكره- صارت وبالا عليهم حتى في الدنيا. ومن وبالها العظيم الخطر، أن قلوبهم تتعلق بها، وإرادتهم لا تتعداها، فتكون منتهى مطلوبهم وغاية مرغوبهم ولا يبقى في قلوبهم للآخرة نصيب، فيوجب ذلك أن ينتقلوا من الدنيا { وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ } فأي عقوبة أعظم من هذه العقوبة الموجبة للشقاء الدائم والحسرة الملازمة. { وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ } قصدهم في حلفهم هذا أنهم { قَوْمٌ يَفْرَقُونَ } أي: يخافون الدوائر، وليس في قلوبهم شجاعة تحملهم على أن يبينوا أحوالهم. فيخافون إن أظهروا حالهم منكم، ويخافون أن تتبرأوا منهم، فيتخطفهم الأعداء من كل جانب. وأما حال قوي القلب ثابت الجنان، فإنه يحمله ذلك على بيان حاله، حسنة كانت أو سيئة، ولكن المنافقين خلع عليهم خلعة الجبن، وحلوا بحلية الكذب. ثم ذكر شدة جبنهم فقال: { لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً } يلجأون إليه عندما تنزل بهم الشدائد، { أَوْ مَغَارَاتٍ } يدخلونها فيستقرون فيها { أَوْ مُدَّخَلا } أي: محلا يدخلونه فيتحصنون فيه { لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ } أي: يسرعون ويهرعون، فليس لهم ملكة، يقتدرون بها على الثبات.