٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
56
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين كونهم مستجمعين لكل مضار الآخرة والدنيا، خائبين عن جميع منافع الآخرة والدنيا، عاد إلى ذكر قبائحهم وفضائحهم، وبين إقدامهم على الأيمان الكاذبة فقال: {وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ } أي المنافقون للمؤمنين إذا جالسوهم {إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ } أي على دينكم. ثم قال تعالى: {وَمَا هُم مّنكُمْ } أي ليسوا على دينكم {وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ } القتل، فأظهروا الإيمان وأسروا النفاق، وهو كقوله تعالى: { أية : وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مستهزؤون } تفسير : [البقرة: 14] والفرق الخوف، ومنه يقال: رجل فروق. وهو الشديد الخوف، ومنها: أنهم لو وجدوا مفراً يتحصنون فيه آمنين على أنفسهم منكم لفروا إليه ولفارقوكم، فلا تظنوا أن موافقتهم إياكم في الدار والمسكن عن القلب، فقوله: {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً} الملجأ: المكان الذي يتحصن فيه، ومثله اللجأ مقصوراً مهموزاً، وأصله من لجأ إلى كذا يلجأ لجأ بفتح اللام وسكون الجيم، ومثله التجأ والجأته إلى كذا، أي جعلته مضطراً إليه، وقوله: {أَوْ مَغَـٰرَاتٍ } هي جمع مغارة، وهي الموضع الذي يغور الإنسان فيه، أي يستتر. قال أبو عبيد: كل شيء جزت فيه فغبت فهو مغارة لك، ومنه غار الماء في الأرض وغارت العين. وقوله: {مُدْخَلاً } قال الزجاج: أصله مدتخل والتاء بعد الدال تبدل دالاً، لأن التاء مهموسة، والدال مهجورة، وهما من مخرج واحد وهو مفتعل من الدخول، كالمتلج من الولوج. ومعناه: المسلك الذي يستتر بالدخول فيه. قال الكلبي وابن زيد: نفقا كنفق اليربوع. والمعنى: أنهم لو جدوا مكاناً على أحد هذه الوجوه الثلاثة، مع أنها شر الأمكنة {لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ } أي رجعوا إليه. يقال: ولى بنفسه إذا انصرف وولى غيره إذا صرفه وقوله: {وَهُمْ يَجْمَحُونَ } أي يسرعون إسراعاً لا يرد وجوههم شيء، ومن هذا يقال: جمح الفرس وهو فرس جموح، وهو الذي إذا حمل لم يرده اللجام، والمراد من الآية أنهم من شدة تأذيهم من الرسول ومن المسلمين صاروا بهذه الحالة. واعلم أنه تعالى ذكر ثلاثة أشياء وهي: الملجأ، والمغارات، والمدخل، والأقرب أن يحمل كل واحد منها على غير ما يحمل الآخر عليه، فالملجأ يحتمل الحصون، والمغارات الكهوف في الجبال، والمدخل السرب تحت الأرض نحو الآبار. قال صاحب «الكشاف»: قرىء {مُّدْخَلاً } من دخل و {مُّدْخَلاً } من أدخل وهو مكان يدخلون فيه أنفسهم، وقرأ أبي بن كعب {متدخلاً} وقرأ {لَوْ ألو إِلَيْهِ } أي لالتجاؤا، وقرأ أنس {يجمزون} فسئل عنه فقال: يجمحون ويجمزون ويشتدون واحد.
البيضاوي
تفسير : {وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ } إنهم لمن جملة المسلمين. {وَمَا هُم مّنكُمْ } لكفر قلوبهم. {وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ } يخافون منكم أن تفعلوا بهم ما تفعلون بالمشركين فيظهرون الإِسلام تقية.
ابن كثير
تفسير : يخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن جزعهم وفزعهم وفرقهم وهلعهم أنهم {وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ} يميناً مؤكدة {وَمَا هُم مِّنكُمْ} أي: في نفس الأمر {وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} أي: فهو الذي حملهم على الحلف {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً} أي: حصناً يتحصنون به، وحرزاً يتحرزون به {أَوْ مَغَـٰرَاتٍ} وهي التي في الجبال {أَوْ مُدَّخَلاً} وهو السرب في الأرض والنفق، قال ذلك في الثلاثة ابن عباس ومجاهد وقتادة {لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} أي: يسرعون في ذهابهم عنكم؛ لأنهم إنما يخالطونكم كرهاً لا محبة، وودوا أنهم لا يخالطونكم، ولكن للضرورة أحكام، ولهذا لا يزالون في هم وحزن وغم؛ لأن الإسلام وأهله لا يزال في عز ونصر ورفعة، فلهذا كلما سر المسلمون ساءهم ذلك، فهم يودون أن لا يخالطوا المؤمنين، ولهذا قال: { لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَـٰرَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ } أي مؤمنون {وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ } يخافون أن تفعلوا بهم كالمشركين فيحلفون تقية.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ويحلفون بالله} يعني المنافقين {إنهم لمنكم} يعني على دينكم وملتكم {وما هم منكم} يعني أنهم كاذبون في أيمانهم {ولكنهم قوم يفرقون} يعني أنهم يخافون أن تظهروا على ما هم عليه من النفاق {لو يجدون ملجأ} يعني حرزاً وحصناً ومعقلاً يلجؤون إليه وقيل لو وجدوا مهرباً لهربوا إليه وقيل لو يجدون قوماً يأمنون عندهم على أنفسهم منكم لصاروا إليهم ولفارقوكم {أو مغارات} يعني غيراناً في الجبل جمع مغارة وهو الموضع الذي يغور فيه الإنسان أي يستتر {أو مدخلاً} يعني موضع دخول يدخلون فيه وهو السرب في الأرض كنفق اليربوع وقال الحسن: وجهاً يدخلونه على خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم {لولو إليه} والمعنى أنهم لو وجدوا مكاناً بهذه الصفة أو على أحد هذه الوجوه الثلاثة وهي شر الأمكنة وأضيقها لولوا إليه أي لرجعوا إليه وتحرزوا فيه {وهم يجمحون} يعني وهم يسرعون إلى ذلك المكان والمعنى أن المنافقين لشدة بغضهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لو قدروا أن يهربوا منكم إلى أحد هذه الأمكنة لصاروا إليه لشدة بغضهم إياكم. قوله سبحانه وتعالى: {ومنهم من يلمزك في الصدقات} نزلت في ذي الخويصرة التميمي واسمه حرقوص بن زهير وهو أصل الخوارج (ق) حديث : عن أبي سعيد الخدري قال: "بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم فيئاً فأتاه ذو الخويصرة رجل من بني تميم فقال يا رسول الله اعدل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ويلك من يعدل إذا لم أعدل"تفسير : وفي رواية: حديث : "قد خبت وخسرت إن لم أعدل" فقال عمر بن الخطاب: ائذن لي فيه فأضرب عنقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم"تفسير : زاد في رواية "حديث : يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين"تفسير : وفي رواية "حديث : من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية" تفسير : وقال الكلبي: قال رجل من المنافقين، يقال له أبو الجواظ لم تقسم بالسوية فنزلت هذه الآية، وقال قتادة: ذكر لنا حديث : أن رجلاً من أهل البادية حديث عهد بأعرابية أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم ذهباً وفضة فقال: يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل فما عدلت فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم "ويلك فمن ذا يعدل بعدي" تفسير : وقال ابن زيد قال المنافقون والله ما يعطيها محمد إلا من أحب ولا يؤثرها إلا من يهواه فأنزل الله سبحانه وتعالى ومنهم من يلمزك في الصدقات يعني ومن المنافقين من يعيبك في قسم الصدقات وفي تفريقها ويطعن عليك في أمرها يقال همزه ولمزه بمعنى واحد أي عابه {فإن أعطوا منها} يعني من الصدقات {رضوا} يعني رضوا عنك في قسمتها {وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} يعني وإن لم تعطهم منها عابوا عليك وسخطوا.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {ويحلفون بالله إنهم لمنكم...} الآية. قال: إنما يحلفون بالله تقية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {لو يجدون ملجأ...} الآية. قال: الملجأ الحرز في الجبال، والغارات الغيران في الجبال، والمدخل السرب. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {لو يجدون ملجأً أو مغارات أو مدخلاً} يقول: محرزاً لهم يفرون إليه منكم {لولوا إليه} قال: لفروا إليه منكم. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله {وهم يجمحون} قال: يسرعون.
القشيري
تفسير : التَّقَرُّبُ بالأَيْمانِ الفاجِرةِ لا يوجِبُ للقلوب إلا بُعْداً عن القُبول. ويقال إنَّ إظهارَ التلبيس لا (...) الأسرارَ بَرَدِّ السكون، ولا يَشْفِي البصائر بِرَدِّ الثقة واليقين.. فما لا يكون فلا يكون بحيلةٍ أبداً، وما هو كائنٌ سيكون.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويحلفون} اى المنافقون {بالله} يحتمل ان يتعلق بيحلفون ويحتمل ان يكون من كلامهم {انهم لمنكم} اى لمن جملة المسلمين {وما هم منكم} لكفر قلوبهم {ولكنهم قوم يفرقون} اي يخافون منكم ان تفعلوا بهم ما تفعلون بالمشركين فيظهرون الاسلام تقية ويؤكدونه بالايمان الفاجرة يقال فرق كفرح اى فزع والفرق بفتحتين الفزع
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الفَرَقُ: الخوف، و (مُدَّخلاً): أصله: متدخلاً، مفتعل من الدخول، قبلت التاء دالاً وأدغمت. يقول الحق جل جلاله: {ويحلفون} لكم {بالله إنهم لمنكم} أي: من جملة المسلمين، {وما هم منكم}؛ لكفر قلوبهم، {ولكنهم قوم يَفْرقُون}: يخافون منكم أن تفعلوا بهم ما تفعلون بالمشركين، فيظهرون الإسلام تقية وخوفاً {لو يجدون مَلْجأً} أي: حصناً يلتجئون إليه، {أو مَغَاراتٍ}؛ غيراناً، {أو مُدَّخلاً}؛ ثقباً أو جحراً يَنجَحِرُون فيه. وقرأ يعقوب: "مُدخِلاً"؛ بضم الميم وسكون الدال، أي: دخولاً، أو مكاناً يدخلون فيه، {لَوَلّوا إليه وهم يجمحون} أي: يُسرعون إسراعاً لا يردهم شيء كالفرس الجموح. الإشارة: قد يتطفل على القوم من ليس منهم، فيظهر الوفاق ويبطن النفاق، كحال أهل النفاق، فينبغي أن يستر ويُحلُم عليه، كما فعل عليه الصلاة والسلام ـ بالمنافقين، تلطف معهم في حياتهم، والله يتولى سرائرهم، بالله التوفيق. ثم شرع يتكلم في مساوئ المنافقين، فقال: {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ}.
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى عن هؤلاء المنافقين انهم يقسمون بالله انهم لمنكم يعني من المؤمنين وعلى دينهم الذي يدينون به. ثم قال الله تعالى مكذباً لهم {وما هم منكم} اي ليسوا مؤمنين مثلكم ولا مطيعين لله في اتباع دينه كما انتم كذلك، ولكنهم قوم يفرقون اخبار منه تعالى ان هؤلاء المنافقين يفرقون من اظهار الكفر لئلا يقتلوا والفرق انزعاج النفس بتوقع الضرر. وأصله من مفارقة الامن إلى حال الانزعاج.
الجنابذي
تفسير : {وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ} عطف بلحاظ المعنى فانّ المقصود من السّابق انّهم خارجون عن المسلمين غير متّصفين بصفاتهم وكأنّه قال حين قال: وما منعهم ان تقبل منهم نفقاتهم لم يكونوا على صفة المسلمين مقبولى النّفقات ويحلفون بالله {إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ} تكذيب لهم فى حلفهم {وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} يخافونكم على اموالهم وانفسهم.
اطفيش
تفسير : {ويحْلفُونَ باللهِ إنَّهم لمنْكُم} فى الإسلام {وما هُم منْكُم} لكفر قلوبهم {ولكنَّهم قومٌ يفْرقُون} يخافون على دمائهم وأموالهم وأولادهم، فأظهروا الإسلام تقية.
اطفيش
تفسير : {وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ} من جملتكم فى الإِيمان {وَمَا هُمْ مِنْكُمْ} بل من المشركين باطناً أَظهروا الإِيمان خوفاً منكم أَن تفعلوا بهم ما تفعلون بالمشركين ويؤكدونه بالأَيمان الكاذبة كما قال {وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} يخافون أَن تقتلوهم وتسبوهم وتغنموا أَموالكم كما تفعلون بسائر المشركين، والفرق بمعنى الخوف قيل مأُخوذ من المفارقة، لأَن الخائف فارق الأَمن.
الالوسي
تفسير : {وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ} أي في الدين والمراد أنهم يحلفون أنهم مؤمنون مثلكم {وَمَا هُم مّنكُمْ} في ذلك لكفر قلوبهم {وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} أي يخافون منكم أن تفعلوا بهم ما تفعلوا بالمشركين فيظهرون الإسلام تقية ويؤيدونه بالأيمان الفاجرة، وأصل الفرق انزعاج النفس بتوقع الضرر، قيل: وهو من مفارقة الأمن إلى حال الخوف.
ابن عاشور
تفسير : هذه الجملة معطوفة على ما قبلها من أخبار أهل النفاق. وضمائر الجمع عائدة إليهم، قصد منها إبطال ما يموّهون به على المسلمين من تأكيد كونهم مؤمنين بالقَسم على أنّهم من المؤمنين. فمعنى: {إنهم لمنكم} أي بعض من المخاطبين ولمّا كان المخاطبون مؤمنين، كانَ التبعيض على اعتبار اتّصافهم بالإيمان، بقرينة القَسَم لأنّهم توجّسوا شكّ المؤمنين في أنّهم مثلهم. والفَرَق: الخوف الشديد. واختيار صيغة المضارع في قوله: {ويحلفون} وقوله: {يفرقون} للدلالة على التجدّد وأنّ ذلك دأبهم. ومقتضى الاستدراك: أن يكون المستدرك أنّهم ليسوا منكم، أي كافرون، فحُذف المستدرك استغناء بأداة الإستدراك، وذُكر ما هو كالجواب عن ظاهر حالهم من الإيمان بأنّه تظاهر باطل وبأنّ الذي دعاهم إلى التظاهر بالإيمان في حال كفرهم: هم أنّهم يفرَقون من المؤمنين، فحصل إيجاز بديع في الكلام إذ استغني بالمذكور عن جملتين محذوفتين. وحذف متعلّق {يفرقون} لظهوره، أي يخافون من عداوة المسلمين لهم وقتالهم إياهم أو إخراجهم، كما قال تعالى: {أية : لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً}تفسير : [الأحزاب: 60، 61]. وقوله: {وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون} كلام موجه لصلاحيته لأن يكون معناه أيضاً وما هم منكم ولكنّهم قوم متّصفون بصفة الجُبن، والمؤمنون من صفتهم الشجاعة والعزّة، فالذين يفرقون لا يكونون من المؤمنين، وفي معنى هذا قوله تعالى: {أية : قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح}تفسير : [هود: 46] وقول مساور بن هند في ذمّ بني أسد:شعر : زَعَمتُم أنَّ إخوتكم قُريش لهم إلْفٌ وليس لكم إلاف أولئك أومِنُوا جُوعاً وخوفاً وقد جَاعَتْ بنو أسد وخافوا تفسير : فيكون توجيهاً بالثناء على المؤمنين، وربما كانت الآية المذكورة عقبها أوفق بهذا المعنى. وفي هذه الآية دلالة على أنّ اختلاف الخُلق مانع من المواصلة والموافقة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وما هم منكم: أي في باطن الأمر لأنهم كافرون ووجوههم وقلوبهم مع الكافرين. يفرقون: أي يخافون خوفاً شديداً منكم. ملجأ: أي مكاناً حصيناً يلجأون إليه. أو مغارات: جمع مغارة وهي الغار في الجبل. أو مدخلاً: أي سرباً في الأرض يستتر فيه الخائف الهارب. يجمحون: يسرعون سرعة تتعذر مقاومتها وإيقافها. يلمزك: أي يعيبك في شأن توزيعها ويطعن فيك. إذا هم يسخطون: أي غير راضين. حسبنا الله: أي كافينا الله كل ما يهمنا. إلى الله راغبون: إلى الله وحده راغبون أي طامعون راجون. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في هتك أستار المنافقين وإظهار عيوبهم وكشف عوراتهم ليتوب منهم من أكرمه الله بالتوبة فقال تعالى عنهم {وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ} أي من أهل ملتكم ودينكم، {وَمَا هُم مِّنكُمْ} أي في واقع الأمر إذ هم كفار منافقون {وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} أي يخافون منكم خوفاً شديداً فلذا يحلفون لكم إنهم منكم لتؤمنوهم على أرواحهم وأموالهم، ولبيان شدة فرقهم منكم وخوفهم من سيوفكم قال تعالى: {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً} أي حصناً {أَوْ مَغَارَاتٍ} أي غيراناً في جبال {أَوْ مُدَّخَلاً} أي سرباً في الأرض {لَّوَلَّوْاْ} أي أدبروا إليها {وَهُمْ يَجْمَحُونَ} أي مسرعين ليتمنعوا منكم. هذا ما دلت عليه الآية الأولى والثانية أما الآية الثالثة والرابعة [58- 59] فقد أخبر تعالى أن من المنافقين من يلمز الرسول صلى الله عليه وسلم أي يطعن فيه ويعيبه في شأن قسمة الصادقات وتوزيعها فيتهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه لا يعدل في القسمة فقال تعالى {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ} أي عن الرسول وقسمته {وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} هذا ما تضمنته الآية [58] وأما الآية الأخيرة [59] فقد أرشدهم الله تعالى إلى ما كان ينبغي أن يكونوا عليه فقال عز وجل {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ}، أي من الصدقات {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ} أي كافينا الله {سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} الواسع العظيم ورسوله بما يقسم علينا ويوزعه بيننا {إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ} وحده {رَاغِبُونَ} طامعون راجعون أي لكان خيراً لهم وأدْرَكَ لحاجتهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الأَيمان الكاذب شعار المنافقين وفي الحديث حديث : آية المنافق ثلاث: (إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أتمن خان ". تفسير : 2- الجبن والخور والضعف والخوف من لوازم الكفر والنفاق. 3- عيب الصالحين والطعن فيهم ظاهرة دالة على فساد قلوب ونيات من يفعل ذلك. 4- مظاهر الرحمة الإِلهية تتجلى في إرشاد المنافقين إلى أحسن ما يكونوا عليه ليكملوا ويسعدوا في الدارين. 5- لا كافي إلا الله، ووجوب انحصار الرغبة فيه تعالى وحده دون سواه.
د. أسعد حومد
تفسير : (56) - يَتَظَاهِرُ هَؤُلاَءِ الْمُنَافِقُونَ بِأَنَّهُمْ مِنْكُمْ، لِيَأْمَنُوا بَأْسَكَمُ، وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ كَذِباً أَنهُمْ مِنْكُمْ فِي الدِّينِ وَالْمِلَّةِ، وَهُمْ فِي الحَقِيقَةِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ، بَلْ هُمْ أَهْلُ شَكٍّ وَنِفَاقٍ، وَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَيَحْلِفُونَ لَكُمْ، خَوْفاً مِنْكُمْ وَفَرَقاً. قَوْمٌ يَفْرَقُونَ - أُنَاسٌ يَخَافُونَ مِنْكُمْ فَيُنَافِقُونَ تَقِيَّةً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لماذا أتى الله بهذه الآية بعد أن حذرنا من أن نُعجَبَ بأموال المنافقين وأولادهم؟ لأن هذه ليست نعمة لهم ولكنها نقمة عليهم، وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يشحننا ضد المنافقين وأن يجعلنا نحذر منهم كل الحذر، ويضرب لنا المثل باليمين، واليمين لا ينطق بها الإنسان عادة إلا بعد شبهة إنكار. فإذا جئت لإنسان بخبر وصدَّقه فأنت لا تضطر لأن تحلف له. ولكن إذا أنكره فأنت تحلف لتزيل شبهة الإنكار من نفسه، ولذلك فأنت حين تروي الخبر لأول مرة لا تحلف، فإن أنكره سامعك حلفْتَ. ولكن لماذا يحلف المنافقون دون سابق إنكار؟ إنهم يسمعون القرآن الذي ينزل من السماء مملوءاً بالغضب عليهم، وهم يشعرون في داخل صدورهم أن كل مسلم في قلبه شك من ناحية تصرفاتهم، فيبدأون كلامهم بالحلف حتى يُصدِّقهم المؤمنون، والمؤمنون قد متَّعهم الله بمناعة إيمانية، في صدورهم؛ فلا يصدقون ما يقوله المنافقون، حتى يأخذوا حِذْرهم ويكونوا بمنجاة مما يدبره هؤلاء المنافقون من أذى، ولذلك حذر سبحانه وتعالى المؤمنين من تصديق كلام المنافقين حتى ولو حلفوا. ولو لم يُعط الله المؤمنين هذه المناعة الإيمانية لصدَّقوا قول المنافقين بقداسة اليمين. وبماذا حلف المنافقون؟ لقد حلفوا بأنهم من المؤمنين والحقيقة أنهم في مظاهر التشريع يفعلون كما يفعل المؤمنون، ولكن قلوبهم ليس فيها يقين أو صدق. وما داموا على غير يقين وغير صدق، فلماذا يحلفون؟ نقول: إن هذا هو تناقض الذات، وأنت تجد المؤمن غيرَ متناقض مع نفسه؛ لأنه مؤمن بقلبه ومؤمن بذاته، ومؤمن بجوارحه، ولا توجد مَلَكَاتٌ تتناقض فيه، والكافر أيضاً غير متناقض مع نفسه؛ لأنه يعلن صراحة أنه لا يؤمن بالله ولا برسوله، فليس هناك تناقض بين ظاهره وباطنه، صحيح أن فيه ملكة واحدة، ولكنها فاسدة، ولكن ليس فيه تناقض بين ما يفعل ظاهراً وما في قلبه. أما المنافق فتتناقض ملكاته. فهو يقول بلسانه: "أنا مؤمن وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله". لكن قلبه يناقض ما يقوله، فلا يشهد بوحدانية الألوهية لله، ولا يصدق رسالة رسوله صلى الله عليه وسلم. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة "المنافقون": {أية : إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [المنافقون: 1]. كيف يقول الحق سبحانه وتعالى {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}، مع أنهم شهدوا بما شهد به الله، وهو أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله؟ نقول: إن الحق أراد أن يفضحهم، فهم قد شهدوا بألسنتهم فقط ولكن قلوبهم منكرة. وفضح الله ما في قلوبهم وأوضح أن ألسنتهم تكذب؛ لأنها لا تنقل صدق ما في قلوبهم. إذن: فالمنافق يعيش في تناقض مع نفسه، وهو شر من الكافر؛ لأن الكافر يعلن عداءه للدين فهو عدو ظاهر لك فتأخذ حِذرك منه. أما المنافق فهو يتظاهر بالإيمان، فتأمن له ويكون إيذاؤه أكبر، وقدرته على الغَدْرِ أشد. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ..} تفسير : [النساء: 145]. ونحن نعلم أن تناقض الذات هو الذي يتعب الدنيا كلها، ويبين لنا المتنبي هذه القضية، ويشرح كيف أنها أتعبُ شيء في الوجود، فيقول: شعر : وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيا علَى الحرِّ أنْ يَرَى عَدوّا له مَا مِنْ صَداقتِه بُدُّ تفسير : هذا هو تناقض الملكَاتِ حين تجد عدواً لك، وتحكم عليك الظروف أن تصادقه. وفي ذلك يقول شاعر آخر: شعر : عَلَى الذَّمِّ بِتْناَ مُجْمِعينَ وحالُنَا مِنَ الخوْفِ حَالُ المجْمِعين عَلىَ الحمْدِ تفسير : وشاعر ثالث يريد أن يصور التناقض في المجتمع الذي يجعل الناس يمجدون هذا وهم كارهون له، فيقول: شعر : كَفَانَا هَواناً مِنْ تناقُضِ ذَاتِنا متى تَصْدُق الأقوالُ بالألسُنِ الخُوَّفِ تفسير : إذن: فالمنافقون يحلفون بألسنتهم بأنهم من المؤمنين، وهم كذلك في ظاهر التشريع، ولكنهم ليسوا منكم في حقيقتهم، فهم في قلوبهم ليسوا منكم. ويكمل الحق سبحانه وتعالى الصورة بقوله: {وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} والفَرَق معناه: الخوف، أي أنهم في فزع دائم، ويخافون أن يُفتضَحَ أمرهم فيعزلهم مجتمع الإسلام ويحاربهم محاربته للكفار. ويُشرِّدهم ويأخذ أموالهم ويَسْبي نساءهم وأولادهم. إذن: فالخوف هو الذي جعلهم يحلفون كذباً وخوفاً من افتضاح أمرهم؛ ولذلك قال الحق لرسوله صلى الله عليه وسلم عنهم: {أية : وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ...} تفسير : [محمد: 30]. وفي هذا القول دعوة لفحص ما يقوله أهل النفاق، حتى وإنْ بَدا القول على ألسنتهم جميلاً. ثم يقول الحق جل وعلا: {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً..}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} من جملة نفاقهم: إنهم {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ} بالحلف الكاذب {إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ} أي: من جملتكم وزمرتكم يفرحون بفرحكم وسروركم، ويتغممون بحزنكم ومصيبتكم {وَ} الحال أنهم {مَا هُم مِّنكُمْ} لكفرهم وشركهم المركوز في قلوبهم {وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} [التوبة: 56] يخافون أن تفعلوا بهم فعلكم من المشركين، فاضطربوا إلى المداهنة والنفاق فأظهروا الإسلام؛ حفظاً لدمائهم وأموالهم، وهم مضطرون على إظهار الإيمان، ومن غاية تذللهم واضطرارهم. {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً} منيعاً من الحصون والقلاع {أَوْ مَغَارَاتٍ} في شعاب الجبال {أَوْ مُدَّخَلاً} جحراً يمكنه الإنجحار والاستتار فيه {لَّوَلَّوْاْ} وانصرفوا ألبتة {إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} [التوبة: 57] يسرعون، كالفرس الجموح {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ} يعينك وينصرك {فِي ٱلصَّدَقَاتِ} أي: قسمة الغنائم، ويتردد حولك حين القسمة طامعاً {فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا} بينهما أو شيئاً يعتد به {رَضُواْ} منك، وأثنوا عليك شكراً لإعطائك {وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا} لعدم استحقاقهم؛ وبسبب تخلفهم ونفاقهم {إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} [التوبة: 58] يفاجئون بالغيظ والسخط إظهاراً لما في قلوبهم من الأكنة. {وَلَوْ أَنَّهُمْ} كانوا مؤمنين كما ادعوا {رَضُوْاْ} في تقاسيم الغنائم وغيرها على {مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ} وأعطاهم من فضله؛ إذ هو الحكيم في قسمة أرزاق عباده على تفاوت درجاتهم {وَرَسُولُهُ} المستخلف له، الملهم من عنده {وَقَالُواْ} من كمال إخلاصهم وتفويضهم كسائر المؤمنين:{حَسْبُنَا ٱللَّهُ} المدبر الكافي لأمورنا يكفينا علمه بنا {سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ} المكفل لأرزاقنا {مِن فَضْلِهِ} وسعة لطفه وجوده ما يكيفنا {وَ} سيعطينا {وَرَسُولُهُ} النائب عنه بإذنه من الغنائم والصدقات ما يشبعنا ويغنينا {إِنَّآ} بعدما آمنا بالله، وتحققنا بتوحيده بإرشاد رسله {إِلَى ٱللَّهِ} الباقي بالبقاء الأزلي السرمدي لا إلى غيره من الأظلال والأموال والمزخرفات الفانية {رَاغِبُونَ} [التوبة: 59] ليرزقنا من فوائد رزقه المعنوي، وفوائد توحيده الذاتي؛ أي: هم لو رضوا كما رضي المؤمنون الموقنون، واعترفوا كما اعترفوا لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً وتقريراً في قلوبهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):