Verse. 1292 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

لَوْ يَجِدُوْنَ مَلْجَاً اَوْ مَغٰرٰتٍ اَوْ مُدَّخَلًا لَّوَلَّوْا اِلَيْہِ وَہُمْ يَجْمَحُوْنَ۝۵۷
Law yajidoona maljaan aw magharatin aw muddakhalan lawallaw ilayhi wahum yajmahoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لو يجدون ملجأً» يلجأون إليه «أو مغارات» سراديب «أو مُدَّخَلا» موضعاً يدخلونه «لَوَلَّوْا إليه وهم يجمحون» يسرعون في دخوله والانصراف عنكم إسراعا لا يرده شيء كالفرس الجموح.

57

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً} كذا الوقف عليه. وفي الخط بألفَين: الأُولى همزة، والثانية عوض من التنوين؛ وكذا (رأيت) جزءاً. والملجأ الحصن؛ عن قتادة وغيره. ابن عباس: الحرز؛ وهما سواء. يُقال: لجأت إليه لجأ (بالتحريك) وملجأ والتجأت إليه بمعنًى. والموضع أيضاً لَجأً وَمَلْجأً. والتّلجِئة الإكراه. وألجأته إلى الشيء اضطررته إليه. وألجأت أمري إلى الله أسندته. وعمرو بن لجَأ التميميّ الشاعر؛ عن الجوهريّ. {أَوْ مَغَارَاتٍ} جمع مَغارة؛ من غارَ يَغير. قال الأخفش: ويجوز أن يكون من أغار يُغير؛ كما قال الشاعر:شعر : الحمد للَّه مُمسانا ومُصْبَحَنَا تفسير : قال ٱبن عباس: المغارات الغِيران والسراديب، وهي المواضع التي يستتر فيها؛ ومنه غار الماء وغارت العين. {أَوْ مُدَّخَلاً} مفتعل من الدخول؛ أي مسلكاً نختفي بالدخول فيه، وأعاده لاختلاف اللفظ. قال النحاس: الأصل فيه مدتخل. قلبت التاء دالاً؛ لأن الدال مجهورة والتاء مهموسة وهما من مخرج واحد. وقيل: الأصل فيه مُتَدَخّل على مُتَفَعّل؛ كما في قراءة أبيّ: «أو مُتَدَخَّلاً» ومعناه دخول بعد دخول، أي قوماً يدخلون معهم. المهدَويّ: متدخّلاً من تدخّل مثل تفعّل إذا تكلّف الدخول. وعن أُبَيّ أيضاً: مُنْدَخلاً من اندخَل، وهو شاذ، لأن ثلاثيه غير متعدّ عند سيبويه وأصحابه. وقرأ الحسن وٱبن أبي إسحاق وابن مُحَيْصِن: «أو مَدْخلاً» بفتح الميم وإسكان الدال. قال الزجاج: ويقرأ «أو مُدْخلاً» بضم الميم وإسكان الدال. الأول من دخل يدخل. والثاني من أدخل يدخل. كذا المصدر والمكان والزمان كما أنشد سيبويه:شعر : مُغَارَ ٱبنِ همّامٍ على حَيّ خَثْعَمَا تفسير : ورُوي عن قتادة وعيسى والأعمش «أو مدّخّلا» بتشديد الدال والخاء. والجمهور بتشديد الدال وحدها؛ أي مكاناً يدخلون فيه أنفسهم. فهذه ست قراءات. {لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ} أي لرجعوا إليه. {وَهُمْ يَجْمَحُونَ} أي يسرعون، لا يردّ وجوهَهم شيء. من جمح الفرس إذا لم يرده اللجام. قال الشاعر:شعر : سَبُوحاً جَمُوحاً وإحضارها كَمَعْمعة السَّعَف الموُقَدِ تفسير : والمعنى: لو وجدوا شيئاً من هذه الأشياء المذكورة لولّوْا إليه مسرعين هرباً من المسلمين.

البيضاوي

تفسير : {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأَ} حصناً يلجؤون إليه {أَوْ مَغَـٰرَاتٍ } غيراناً. {أَوْ مُدْخَلاً } نفقاً ينجحرون فيه مفتعل من الدخول وقرأ يعقوب {مُّدْخَلاً} من مدخل. وقرىء {مُّدْخَلاً} أي مكاناً يدخلون فيه أنفسهم و «متدخلاً» و «مندخلاً» من تدخل واندخل {لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ } لأقبلوا نحوه. {وَهُمْ * يَجْمَحُون} يسرعون إسراعاً لا يردهم شيء كالفرس الجموح. وقرىء «يجمزون» ومنه الجمازة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً } يلجؤون إليه {أَوْ مَغَٰرَاتٍ } سراديب {أَوْ مُدَّخَلاً } موضعاً يدخلونه {لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ } يُسرعون في دخوله والانصراف عنكم إسراعا لا يردّه شيء كالفرس الجموح.

ابن عطية

تفسير : " الملجأ" من لجأ يلجأ إذا أوى واعتصم، وقرأ جمهور الناس " أو مَغارات " بفتح الميم، وقرأ سعيد بن عبد الرحمن بن عوف " أو مُغارات " بضم الميم وهي الغيران في أعراض الجبال ففتح الميم من غار الشيء إذا دخل كما تقول غارت العين إذا دخلت في الحجاج، وضم الميم من أغار الشيء غيره إذا أدخله، فهذا وجه من اشتقاق اللفظة، وقيل إن العرب تقول: غار الرجل وأغار بمعنى واحد أي دخل، قال الزجّاج: إذا دخل الغور فيحتمل أن تكون اللفظة أيضاً من هذا. قال القاضي أبو محمد : ويصح في قراءة ضم الميم أن تكون من قولهم حبل مُغار أي مفتول ثم يستعار ذلك في الأمر المحكم المبروم، فيجيء التأويل على هذا: لو يجدون عصرة أو أموراً مرتبطة مشددة تعصمهم منكم أو مدخلاً لولوا إليه، وقرأ جمهور الناس " أو مُدخلاً " أصله مفتعل وهو بناء تأكيد ومبالغة ومعناه السرب والنفق في الأرض، وبما ذكرناه في الملجأ والمغارات، " والمُدخل " فسر ابن عباس رضي الله عنه، وقال الزجّاج " المُدخل " معناه قوماً يدخلونهم في جملتهم وقرأ مسلمة بن محارب والحسن وابن أبي إسحاق وابن محيصن وابن كثير بخلاف عنه " أو مَدخلاً " فهذا من دخل وقرأ قتادة وعيسى بن عمر والأعمش " أو مدّخّلاً" بتشديدهما وقرأ أبي بن كعب " مندخلاً " قال أبو الفتح هذا كقول الشاعر [الكميت]: [البسيط] شعر : ولا يدي في حميت السمن تندخل تفسير : قال القاضي أبو محمد : وقال أبو حاتم: قراءة أبي بن كعب " متدخلاً " بتاء مفتوحة، وروي عن الأعمش وعيسى " مُدخلاً " بضم الميم فهو من أدخل، وقرأ الناس {لولوا} وقرأ جد أبي عبيدة بن قرمل "لوالوا" من الموالاة، وأنكرها سعيد بن مسلم وقال: أظن لوالوا بمعنى للجؤوا، وقرأ جمهور الناس، " يجمحون " معناه يسرعون مصممين غير منثنين، ومنه قول مهلهل: [ البسيط ] شعر : لقد جمحت جماحاً في دمائهم حتى رأيت ذوي أحسابهم خمدوا تفسير : وقرأ أنس بن مالك " يجمزون " ومعناه يهربون، ومنه قولهم في حديث الرجم: فلما إذ لقته الحجارة جمزة، وقوله تعالى: {ومنهم من يلمزك} الآية، الضمير في قوله {ومنهم } عائد على المنافقين، وأسند الطبري إلى أبي سعيد الخدري أنه قال: جاء ابن ذي الخويصرة التميمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسماً فقال: اعدل يا محمد الحديث المشهور بطوله، وفيه قال أبو سعيد: فنزلت في ذلك {ومنهم من يلمزك في الصدقات }، وروى داود بن أبي عاصم أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بصدقة فقسمها ووراءه رجل من الأنصار فقال: ما هذا بالعدل فنزلت الآية. قال القاضي أبو محمد : وهذه نزعة منافق، وكذلك روي من غير ما طريق أن الآية نزلت بسبب كلام المنافقين إذ لم يعطوا بحسب شطط آمالهم، و {يلمزك } معناه يعيبك ويأخذ منك في الغيبة ومنه قول الشاعر: [ البسيط ] شعر : إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة وأن أغيب فأنت الهامز اللمزة تفسير : ومنه قول رؤبة: [الرجز] شعر : في ظل عصري باطلي ولمزي تفسير : والهمز أيضاً في نحو ذلك ومنه قوله تعالى {أية : ويل لكل همزة لمزة } تفسير : [الهمزة:1] وقيل لبعض العرب: أتهمز الفأرة فقال: إنها تهمزها الهرة قال أبو علي: فجعل الأكل همزاً، وهذه استعارة كما استعار حسان بن ثابت الغرث في قوله: [الطويل] شعر : وتصبح غرثى من لحوم الغوافل تفسير : تركيباً على استعارة الأكل في الغيبة. قال القاضي أبو محمد : ولم يجعل الأعرابي الهمز الأكل، وإنما أراد ضربها إياها بالناب والظفر، وقرأ جمهور الناس " يلمِزك " بكسر الميم، وقرأ ابن كثير فيما روى عنه حماد بن سلمة " يلمُزك " بضم الميم، وهي قراءة أهل مكة وقراءة الحسن وأبي رجاء وغيرهم، وقرأ الأعمش " يُلمّزك"، وروى أيضاً حماد بن سلمة عن ابن كثير " يلامزك"، وهي مفاعلة من واحد لأنه فعل لم يقع من النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله } الآية، وصف للحال التي ينبغي أن يكون عليها المستقيمون، يقول تعالى: ولو أن هؤلاء المنافقين رضوا قسمة الله الرزق لهم وما أعطاهم على يدي رسوله ورجوا أنفسهم فضل الله ورسوله وأقروا بالرغبة إلى الله لكان خيراً لهم وأفضل مما هم فيه، وحذف الجواب من الآية لدلالة ظاهر الكلام عليه، وذلك من فصيح الكلام وإيجازه.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَلْجَئاً} حرزاً "ع"، أو حصناً، أو موضعاً حزناً من الجبل، أو مهرباً. {مَغَارَاتٍ} غارات في الجبال "ع"، أو مدخل يستر من دخله. {مُدَّخَلاً} سرباً في الأرض، أو المدخل الضيق الذي يدخل فيه بشدة. {لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ} هرباً من القتال، وخذلاناً للمؤمنين. {يَجْمَحُونَ} يهربون، أو يسرعون.

ابو السعود

تفسير : {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأَ} استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمون ما سبق من أنهم ليسوا من المسلمين وأن التجاءَهم إلى الانتماء إليهم إنما هو للتقية اضطراراً حتى إنهم لو وجدوا غيرَ ذلك ملجأ أي مكاناً حصيناً يلجأون إليه من رأس جبل أو قلعةٍ أو جزيرة، وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ في الشرط وإن كان المعنىٰ على المُضِيّ لإفادة استمرارِ عدمِ الوجدانِ فإن المضارعَ المنفيَّ الواقعَ موقعَ الماضي ليس نصاً في إفادة انتفاءِ استمرارِ الفعلِ كما هو الظاهرُ بل قد يفيد استمرارَ انتفائِه أيضاً حسبما يقتضيه المقامُ فإن معنى قولِك: لو تحسن إليّ لشكرتك أن انتفاءَ الشكر بسبب استمرارِ انتفِاء الإحسانِ لا أنه بسبب انتفاءِ استمرارِ الإحسانِ فإن الشكرَ يتوقف على وجود الإحسانِ لا على استمرارِه كما حقق في موضعه {أَوْ مَغَـٰرَاتٍ} أي غِيراناً وكهوفاً يُخفون فيها أنفسهَم وقرىء بضم الميم من أغار الرجلُ إذا دخل الغَور وقيل: هو متعد من غار إذا دخل الغور أي أمكنة يغيرون فيها أشخاصهم وأهليهم يجوز أن يكون من أغار الثعلب إذا أسرع بمعنى مهارب ومفار {أَوْ مُدَّخَلاً} أي نفقاً يندسّون فيه وينجحرون وهو مفتعلٌ من الدخول وقرىء مَدخْلاً من الدخول ومُدْخلاً من الإدخال، أي مكاناً يُدخِلون فيه أنفسَهم وقرىء مُتدخَّلاً ومنْدخَلاً من التدخل والاندخال {لَوَلَّوُاْ} أي لصرفوا وجوهَهم وأقبلوا، وقرىء لوالَوْا أي لالتجأوا {إِلَيْهِ} أي إلى أحد ما ذكر {وَهُمْ يَجْمَحُونَ} أي يُسرعون بحيث لا يردُّهم شيء من الفرس الجَموحِ وهو الذي لا يثنيه اللجام، وفيه إشعارٌ بكمال عتوِّهم وطُغيانِهم وقرىء يجمزون بمعنى يجمحون ويشتدون ومنه الجمازة. {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ} بكسر الميم وقرىء بضمها أي يَعيبُك سراً وقرىء يُلمِّزك ويلامزُك مبالغة {فِي ٱلصَّدَقَـٰتِ} أي في شأنها وقسمتها {فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا} بـيانٌ لفسادِ لمزِهم وأنه لا منشأ له سوى حرصِهم على حطام الدنيا أي إن أُعطوا منها قدرَ ما يريدون {رَضُواْ} بما وقع من القسمة واستحسنوها {وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا} ذلك المقدارَ {إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} أي يفاجِئون بالسُخط، وإذا نائبٌ منابَ فاءِ الجزاء. قيل: نزلت الآية في أبـي الجوّاظِ المنافقِ حيث قال: ألا تَروْن إلى صاحبكم، يقسِم صدقاتِكم في رعاة الغنم ويزعُم أنه يعدل. وقيل: في ابن ذي الخُويصِرَةِ واسمُه حُرقوصُ بنُ زهير التميمي رأسُ الخوارج كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسمُ غنائمَ حُنينٍ فاستعطف قلوبَ أهلِ مكةَ بتوفير الغنائم عليهم فقال: اعدِلْ يا رسول الله فقال عليه الصلاة السلام: «حديث : ويلك إن لم أعدِلْ فمن يعدِلُ؟»تفسير : وقيل: هم المؤلفةُ قلوبُهم والأولُ هو الأظهر {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} أي ما أعطاهم الرسولُ صلى الله عليه وسلم من الصدقات طيِّبـي النفوسِ به وإن قلَّ، وذكرُ الله عز وجل للتعظيم والتنبـيه على أن ما فعله الرسولُ صلى الله عليه وسلم كان بأمره سبحانه {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ} أي كفانا فضلُه وصنعُه بنا وما قسمه لنا {سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} بعد هذا حسبما نرجو ونؤمّل {إِنَّا إِلَى ٱللَّهِ رٰغِبُونَ} في أن يُخوِّلنا فضلَه، والآيةُ بأسرها في حيز الشرطِ، والجوابُ محذوفٌ بناء على ظهوره أي لكان خيراً لهم.

القشيري

تفسير : إن المماذِق في الخُلَّة ينسلُّ عن سِلْكِها بأضعف خلَّة، وإنْ وَجَدَ مهرباً آوَى إليه، ويأمل أن ينال فرصةً ما يتعللُ بها عند ذلك.

اسماعيل حقي

تفسير : {لو يجدون} [اكربيابيد] وايثار صيغة الاستقبال فى الشرط وان كان المعنى على المضى لافادة استمرار عدم الوجدان {ملجأ} اى مكانا حصينا يلجأون اليه من رأس جبل او قلعة او جزيرة مفعل من لجأ اليه يلجأ اى انضم اليه ليتحصن به {أو مغارات} هى الكهوف الكائنة فى الجبال الرفيعة اى غيرانا وكهوفا يخفون فيها انفسهم جمع مغارة وهى مفعلة اسم للموضع الذى يغور فيه الانسان اى يغيب ويستتر {أو مدخلا} هو السرب الكائن تحت الارض كالبئر اى نفقا يندسون فيه وينحجرون او قوما يمكنهم الدخول فيما بينهم يحفطونكم منكم كا فى الحدادى وهو مفتعل من الدخول اصله مدتخل قال ابن الشيخ عطف المغارات والمدخل على الملجأ من قبيل عطف الخاص على العام لتحقيق عجزهم عن الظفر بما يتحصنون فيه فان الملجأ هو المهرب الذى يلتجئ اليه الانسان ويتحصن به من أى نوع كان {لولوا} اى لصرفوا وجوههم واقبلوا {إليه} اى الى احد ما ذكر {وهم يجمحون} اى يسرعون اسراعا لا يردهم شيء كالفرس الجموح لئلا يجتمعون معكم ويبتعدوا عنكم والجموح النفور باسراع يقال فرس جموح اذا لم يرده لجام. والمعنى انهم وان كانوا يحلفون لكم انهم منكم الا انهم كاذبون فى ذلك وانما يحلفون خوفا من القتل لتعذر خروجهم من بلاهم ولو استطاعوا ترك دورهم واموالهم والالتجاء الى بعض الحصون او الغيران التى فى الجبال او السروب الى تحت الارض لفعلوه تسترا عنكم واستكراها لرؤيتكم ولقائكم وفيه بيان لكمال عتوهم وطغيانهم واشارة الى ان المنافق يصعب عليه صحبة المخلص فان الجنس الى الجنس يميل لا الى خلافه: قال السعدى فى كتاب الكلستان [طوطى رابازاغى همقفس كردند از قبح مشاهده او مجاهده برده مى كفت اين جه طلعت مكروهست وهيأت ممقوت ومنظر ملعون وشمائل ناموزون ياغراب البين يا ليت بينى وبينك بعد المشرقين شعر : على الصباح بروى توهركه برخيزد صباح روز سلامت برومسا باشد بداخترى جوتو در صحبت توبايستى ولى جنانكه تودر جهان كجاباشد تفسير : عجبترانكه غراب هم از محاورت طوطى بجان آمده بود لا حول كنان از كردش كيتى همى ناليد ودستهاى تعا بن يكديكر همى ماليد وفيكفت اين جه بخت نكونست وطالع دون وايام بوقلمون لايق قدر من آنستى كه بازاغى در ديوار باغى حرامان همى رفتمى شعر : بارسارا بس اين قدر زندان كه بود هم طويله رندان تفسير : تاجه كنه كرده ام روز كارم بعقويت آن در سلك صحبت جنين ابلهى خود رأى وناجنس ويافه دراى بجنين بند بلا كرده است شعر : كس نيايد بباى ديوارى كه بران صورتت نكار كنند كرترادر بهشت باشد جاى ديكران دوزخ اختيار كنند تفسير : اين مثل براى ان آوردم تابدانى كه صد جندانكه دانارا زنادان نفرتست نادانرا اودانا وحشتست] قيل اضيق السجون معاشرة الاضداد. وقال الاصمعى دخلت على الخليل وهو جالس على الحصير الصغير فاشار الى بالجلوس فقلت اضيق عليك فقال مه ان الدنيا باسرها لا تسع متباغضين وان شبرا بشبر يسع المتحابين. قال بعضهم الصديق الموافق خير من الشقيق المخالف. فعلى العاقل ان يراعى جانب الآفاق والانفس بقدر الامكان يجتهد فى اصلاح الظاهر والباطن فى كل زمان ويجانب الاعداء وان ادعوا انهم من جملة الاخوان ومن الاعداء النفس وصفاتها وهى تدعى انها على سيرة الروح والقلب والسر وسجيتها وليست كذلك لان منشأ هذه عالم الامر والارواح ومنشأ تلك عالم الحلق والاشباح فلا بد من اصلاحها وازالة اخلاقها الرديئة لتكون لائقة بصحبة الروح ويحصل بسببها انواع الذوق والفتوح

الطوسي

تفسير : قرأ يعقوب {أو مدخلا} بفتح الميم وتخفيف الدال وسكونها. وقرأ شاذ {مدخلا} بضم الميم وسكون الدال. اخبر الله تعالى عن هؤلاء المنافقين انهم لو وجدوا ملجأ. ومعناه لو ادركوا مطلوبهم، يقال: وجدت الضالة وجداناً ووجدت على الرجل وجداً وموجدة. والملجأ الموضع الذي يتحصن فيه ومثله المعقل والموئل، والمعتصم والمنتصر. وقال ابن عباس: معناه ها هنا حرزا. وقال مجاهد: أي حصناً، ومثله يستعمل في الناصر والمساعد. وقوله {أو مغارات} اي لو وجدوا مغارات، وهي جمع مغارة وهي المدخل الساتر من دخل فيه. وقال ابن عباس: معناه المغارات والغيران والغار الثقب الواسع في الجبل، ومنه غارت العين من الماء إذا غابت في الارض، وغارت عينه إذا دخلت في رأسه. والمدخل المسلك الذي يتدسس بالدخول فيه وهو مفتعل من الدخول كالمّتلج من الولوج. وأصله متدخل. وقال ابن عباس وأبو جعفر عليه السلام والفراء: المدّخل الاسراب في الارض. وقوله {لولوا إليه وهم يجمحون} فالجماح مضي الماء مسرعاً على وجهه لا يرده شيء عنه. وقال الزجاج: فرس جموع، وهو الذي إذا حمل لم يرده اللجام. وقيل: هو المشي بين المشيين قال مهلهل: شعر : لقد جمحت جماحاً في دمائهم حتى رأيت ذوي أجسامهم جمدوا تفسير : وقال الزجاج: معنى (مدخلاً) اي لو وجدوا قوماً يدخلون في جملتهم أو قوماً يدخلونهم في جملتهم يعتصمون بهم لفعلوا.

الجنابذي

تفسير : {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً} حصناً يتحصّنون فيه او سلطاناً يتقوّون به وهو جواب سؤالٍ اقتضاه تكذيبهم {أَوْ مَغَارَاتٍ} فى الجبال {أَوْ مُدَّخَلاً} اسراباً فى الارض {لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ} وأعرضوا عنكم وما انتحلوا صورة الاسلام {وَهُمْ يَجْمَحُونَ} يسرعون اليه.

اطفيش

تفسير : {لَوْ يَجِدُونَ ملجأ} موضعا يلجئون إليه كحصن منيع، ورأس جبل أو قلعة أو جزيرة {أوْ مغَاراتٍ} جمع مغارة وهى اسم لمكان الغور، أى الدخول والخفاء، ومنه الغار فى الجبل، وغار الماء دخل الأرض، فإن شئت فقل: المغارات الغيران. وقرأ سعيد بن عبد الرحمن بن عوف بضم الميم اسما لمكان الإغارة، أى إدخال الشىء وإخفاؤه، تقول: أغرت الشىء أى أخفيته وأدخلته، فالمراد أمكنة يدخلون فيها أنفسهم، ويخفون فيها، وقيل: غار وأغار بمعنى واحد، أى دخل وخفى، ويجوز أن يكون من أغار الثعلب إذا أسرع، فالمراد مهارب ومغار قوم، أو من أغار حبلا أى شدد فتله، فالمراد أمور مرتبطة تعصمهم. {أوْ مدْخَلا} مفتعل من دخول، وهو اسم مكان، أصله مدْتخلا بإسكان الدال وفتح التاء، قلبت التاء دالا وأدغمت فيها الدال، والمراد السرب فى الأرض، وهذا الوزن هنا تأكيد أو مبالغة، وعن الزجاج: المراد قوم يدخلون فى جملتهم، وقرأ أبىّ متدخلا بفتح التاء وتشديد الخاء ومو متفعل، ورواه أبو حاتم، وقيل: قرأ أبى مندخلا بنون ساكنة وتخفيف الخاء وهو منفعل، وقرأ قتادة وعيسى بن عمر والأعمش مدخلا بتشديد الدال والخاء، وهو متفعل أصله متدخل بفتح التاء والدال والخاء المشددة، سكنت التاء وأبدلت دالا، وأدغمت فى الدال، وقرأ مسلم بن محارب، والحسن، وابن أبى إسحاق، وابن محيصن، وابن كثير بخلاف عنه مدخلا بفتح الميم والخاء وإسكان الدال اسم مكان من دخل، وفى رواية عن الأعمش، وعيسى بن عمرو بضم الميم وإسكان الدال من أدخل. {لَوَلَّوا إليهِ} لرجعوا إليه، وقرأ جد أبى عبيدة بن قرمل: لؤالوا بالهمزة بمعنى لنجو {وهُم يجْمَحونَ} يسرعون كالفرس الجموح إذا حمل، لا يرده لجام ولا غيره، وقرأ أنس بن مالك يجمزون بالزاى من الجمز وهو ضرب من السير فوق العتق.

اطفيش

تفسير : {لَوْ يَجِدُونَ} لو كانوا يجدون، فالمضارع للتجدد أَى يتولون إِلى الملجإِ أَو المغارة أَو المدخل كلما وجدوه، ويجوز أَن يكون المعنى أَن امتناع توليهم إِلى ذلك سبب استمرار وجدانهم ذلك. {مَلْجَأً} موضع لجإِ أَى هروب إِليه وتحصن به وانحياز إِليه كرأس جبل وقرية فى الجبل أَو جزيرة أَو سلطان، ويجوز أَن يكون زمانا أَو مصدراً وما تقدم أَولى {أَوْ مَغَارَاتٍ} جمع مغارة أَى موضع غور أَى استتار، وكل ساتر مغارة فى السهل أَو الجبل، وقيل المغارة السرب فى الأَرض والغار فى الجبل، وأَصل مغارة مغورة بإٍسكان الغين نقلت إِليها فتحة الواو وقلبت أَلفاً {أَوْ مُدَّخَلاً} موضع إِدخال بشد الدال فيهما والأَصل متدخل بوزن مفتعل قلبت التاءُ دالاً وأَدغمت فى الدال، والمراد منفذ فِى جوف الأَرض يدخلون فيه كجحر اليربوع، ويجوز أَن يراد ما يشمل البناءَ الذى يستتر فيه ولا يحتاجون إِلى الخروج وعطف مغارات ومدخلا على ملجإ عطف خاص على عام ولا يصح ما قيل أَن الملجأَ رأْس جبل أَو قلعة أَو جزيرة. {لَوَلَّوْا إِلَيْهِ} يتحصنون فيه ويظهرون شركهم فيقاتلونكم متى وجدوا. ويتحصنون فيه بعد القتال أَو يظهرون بشركهن بلا قتال ولا تصلون إِليهم، أَو لولوا إِليه لئلا يروكم لشدة بغضهم لكم، حتى لا يستطيعوا النظر إليكم {وَهُمْ يَجْمَحُونَ} يسرعون، شبه سرعتهم بإِسراع الفرس فى نفاره واستعار له الجموح واشتق بجمع منه أَو شببهم بالأَفراس النافرة فرمز لذلك بإِثبات ما يوصف به الفرس وهو الجموح.

الالوسي

تفسير : {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً} أي حصناً يلجأون إليه كما قال قتادة {أَوْ مَغَـٰرَاتٍ} أي غيران يخفون فيها أنفسهم وهو جمع مغارة بمعنى الغار، ومنهم من فرق بينهما بأن الغار في الجبل والمغارة في الأرض. وقرىء {مغارات} بضم الميم من أغار الرجل إذا دخل الغور، وقيل: هو تعدية غار الشيء وأغرته أنا أي أمكنة يغيرون فيها أشخاصهم، ويجوز أن تكون من أغار الثعلب إذا أسرع بمعنى مهارب / ومغار {أَوْ مُدَّخَلاً} أي نفقاً كنفق اليربوع ينجحرون فيه، وهو مفتعل من الدخول فأدغم بعد قلب تائه دالاً. وقرأ يعقوب وسهل {مدخلا} بفتح الميم اسم مكان من دخل الثلاثي وهي قراءة ابن أبـي اسحاق والحسن، وقرأ سلمة بن محارب {مدخلا} بضم الميم وفتح الخاء من أدخل المزيد أي مكاناً يدخلون فيه أنفسهم أو يدخلهم الخوف فيه، وقرأ أبـي بن كعب {متدخلاً} اسم مكان من تدخل تفعل من الدخول، وقرىء {مندخلاً} من اندخل، وقد ورد في شعر الكميتشعر : ولا يدي في حميت السمن تندخل تفسير : وأنكر أبو حاتم هذه القراءة وقال: إنما هي بالتاء بناء على إنكار هذه اللغة وليس بذاك {لَوَلَّوُاْ} أي لصرفوا وجوههم وأقبلوا. وقرىء {لوألوا} أي لالتجأوا {ٰ إِلَيْهِ} أي إلى أحد ما ذكر {وَهُمْ يَجْمَحُونَ} أي يسرعون في الذهاب إليه بحيث لا يردهم شيء كالفرس الجموح وهو النفور الذي لا يرده لجام، وروى الأعمش عن أنس بن مالك أنه قرأ {يجمزون} بالزاي وهو بمعنى يجمحون ويشتدون، ومنه الجمازة الناقة الشديدة العدو، وأنكر بعضهم كون ما ذكر قراءة وزعم أنه تفسير وهو مردود. والجملة الشرطية استئناف مقرر لمضمون ما سبق من أنهم ليسوا من المسلمين وأن التجاءهم إلى الانتماء إليهم إنما هو للتقية اضطراراً، وإيثار صيغة الاستقبال في الشرط وإن كان المعنى على المضي لإفادة استمرار عدم الوجدان حسبما يقتضيه المقام، ونظير ذلك ـ لو تحسن إلي لشكرتك ـ نعم كثيراً ما يكون المضارع المنفي الواقع موقع الماضي لإفادة انتفاء استمرار الفعل لكن ذلك غير مراد هٰهنا.

ابن عاشور

تفسير : بيان لجملة: {أية : ولكنهم قوم يفرقون}تفسير : [التوبة: 56]. والمَلجأ: مكان اللَّجإ، وهو الإيواء والاعتصام. والمغارات: جمع مغارة، وهي الغار المتّسع الذي يستطيع الإنسان الولوج فيه، ولذلك اشتقّ لها المفعل: الدالّ على مكان الفعل، من غَارَ الشيء إذا دخل في الأرض. والمُدَّخَل مُفْتَعَل اسم مكان للإدّخال الذي هو افتعال من الدخول. قلبت تاء الافتعال دالاً لوقوعها بعد الدال، كما أبدلت في ادَّان، وبذلك قرأه الجمهور. وقرأ يعقوب وحده {أو مدخلاً} ــــ بفتح الميم وسكون الدال ــــ اسم مكان من دخل. ومعنى {لولوا إليه} لانصرفوا إلى أحد المذكورات وأصل ولَّى أعرض ولمّا كان الإعراض يقتضي جهتين: جهة يُنصرف عنها، وجهة يُنصرف إليها، كانت تعديته بأحد الحرفين تعيّن المراد. والجموح: حقيقته النفور، واستعمل هنا تمثيلاً للسرعة مع الخوف. والمعنى: أنهم لخوفهم من الخروج إلى الغزو لو وجدوا مكاناً ممّا يختفي فيه المختفي فلا يشعر به الناس لقصدوه مسرعين خشية أن يعزم عليهم الخروج إلى الغزو.

د. أسعد حومد

تفسير : {مَغَارَاتٍ} (57) - إِنَّ هَؤُلاَءِ الْمُنَافِقِينَ يَكْرَهُونَ الْقِتَالَ مَعَكُمْ، وَيُبْغِضُونَ مُعَاشَرَتَهُمْ إِيَّاكُمْ، وَلَكِنَّهُمْ يَخَافُونَ مِنْ أَنْ يَظْهَرَ لَكُمْ نِفَاقُهُمْ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ الْفِرَارَ مِنْكُمْ، وَالْعَيْشَ فِي مَكَانٍ يَعْتَصِمُونَ فِيهِ مِنِ انْتِقَامِكُمْ مِنْهُمْ، فَلَوِ اسْتَطَاعُوا السُّكْنَى فِي الْحُصُونِ وَالْقِلاَعِ، أَوْ فِي كُهُوفِ الْجِبَالِ وَمَغَارَاتِهَا، أَوْ فِي أَنْفَاقِ الأَرْضِ وَأَسْرَابِهَا، لَوَلَّوْا إِلَيْهَا مُسْرِعِينَ، كَالْفَرَسِ الْجَمُوحِ لاَ يَرُدُّهُمْ شَيْءٌ. وَهُمْ قَدْ أَقَامُوا بَيْنَ أَظْهُرِ المُسْلِمِينَ، مَعَ كُفْرِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ وَعَدَاوَتِهِمْ لَهُمْ، لأَِنَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى تَرْكِ عَشِيرَتِهِمْ، وَدُورِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ، فَصَانَعُوا الْمُسْلِمِينَ بِالنِّفَاقِ، وَادِّعَاءِ الإِسْلاَمِ. مَلْجأً - حِصْناً أَوْ مَعْقلاً يَلْجَؤُونَ إِلَيْهِ. مَغَارَاتٍ - غِيرَاناً فِي الجِبَالِ يَخْتَفُونَ فِيهَا. مُدَّخَلاً - سِرْباً فِي الأَرْضِ يَنْحَجِرُونَ فِيهِ. يَجْمَحُونَ - يُسْرِعُونَ فِي الدُّخُولِ إِليهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والملجأ: هو ما نلجأ إليه ليحمينا من الأذى مثل الحصون، وكذلك المغارة وهي الكهف في الجبل. والمدَّخَل: هو شيء يشبه النفق تحت الأرض تدخل فيه بمشقة والتواء، إذن: فهناك ثلاثة ملاجئ يفِرُّون إليها إنْ وُجدوا في المعركة؛ لأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. وهم يتمنَّوْن الذهاب إلى مكان بعيد؛ ليسبُّوا الإسلام على ما هم فيه من مشقة القتال، وهم لا يستطيعون أن يفعلوا ذلك أمام المسلمين؛ لذلك تجدهم في حالة بحث عن مكان لا يسمعهم فيه أحد. {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَٰرَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} فالكلام إذن عن المنافقين الذين ذكر الحق أوصافهم، وعهودهم التي نقضوها، وحَلِفهم كذباً، وما يعيشه كل منهم من تناقض مَلَكاته، ذلك التناقض الذي يورثه الشقاء؛ لأن كل واحد منهم يُظْهِرُ غير ما يبطن ويخاف من انكشاف أمره. فيظل مضطرباً لأن ما بداخله يتناقض مع واقع حياته. إن هذه الحالة هي عكس حالة المؤمن الذي يعيش حياة منسجمة؛ لأن ما في قلبه هو ما يحكيه لسانه، فضلاً عن انسجامه بالإيمان مع الكون الذي يعيش فيه، وكذلك فحالة المنافق تختلف عن حالة الكفر، فالكافر قد أعلن الكفر الذي في قلبه بلسانه. أما المنافق فله قلب يكفر ولسان ينطق كذباً بالإيمان. ولذلك فهو في تعب مستمر من أن ينكشف أمره، أو يعرف المؤمنون ما في قلبه؛ لأنه يُكِنّ الحقد لمنهج الله وإن كان يعلن الحب ظاهراً. والإنسان إذا اضطر أن يمدح من يعاديه وأن يتظاهر له بالحب، فإن هذا السلوك يمثل ثقلاً نفسياً رهيباً يحمله على ظهره، وهكذا نرى أن المنافقين يُتعِبون أنفسهم قبل أن يُتعبوا المجتمع، تماماً كالرجل البخيل الذي يتظاهر بأنه كريم، وكلما أنفق قرشاً ليؤكد هذا التظاهر فإن هذا القرش يذبحه في نفسه ويسبب له آلاماً رهيبة. وحتى يرتاح الإنسان مع الدنيا لا بد أن يرتاح مع نفسه أولاً ويتوافق مع نفسه. ومن هنا نجد المنافقين حين يريدون أن يُنفِّثوا عما في صدورهم، فهم يَختَلُّون ببعضهم بعضاً بعيداً عن أعين وآذان المسلمين؛ ليُظهروا ما في نفوسهم من حقد وغِلّ وكراهية لهذا الدين، ويبحثون عن ملجأ يكونون آمنين فيه، أو مغارة في الجبل بعيداً عن الناس حتى لا يسمعهم أحد، أو مُدَّخلاً وهو المكان الضيق الذي لا تستطيع أن تدخل فيه إلا بصعوبة. هم إذن يبحثون عن مكان يغيبون فيه عن سَمْع المؤمنين وأنظارهم لِيُخرِجوا الكراهية المحبوسة في صدورهم، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَٰرَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} و {وَلَّوْاْ} أي: انطلقوا إليه وقد شغلهم الإسراع للذهاب إلى المكان عن أي شيء آخر، {وَهُمْ يَجْمَحُونَ} والجماح هو أن تفقد السيطرة على الفرس الذي تركبه، فلا تقدر على كَبْح جماحه أو التحكم فيه، فينطلق بسرعة، وحين يقال هذا عن الإنسان فهو يعني الانطلاق بسرعة إلى المكان الذي يقصد إليه ولا يستطيع أحدٌ منعه، وإنْ تعرض له أحد دفعه بعيداً لينطلق في طريقه بسرعة. والآية هنا تعطينا صورة دقيقة لحالة المنافقين في أي معركة. فبمجرد بَدْءِ القتال تجدهم لا يتجهون إلى الحرب، ولا إلى منازلة العدو، ولا يطلبون الاستشهاد، ولكنهم في هذه اللحظة التي يبدأ فيها القتال يبحثون عن مكان آمن يهربون إليه، أو مغارة يختبئون فيها، أو مُدَّخل في الأرض ينحشرون فيه بصعوبة ليحميهم من القتال. فإذا انتهت المعركة خرجوا لينضموا إلى صفوف المسلمين، ذلك أنهم لا يؤمنون. فكيف يقاتلون في سبيل دين لا يؤمنون به؟ ولذلك كنت تجدهم في المدينة إذا نودي للجهاد فهم أول من يحاول الهروب ويذهبون للقاء النبي صلى الله عليه وسلم طالبين التخلف عن المعركة، ويقول الواحد منهم: {أية : ٱئْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي...} تفسير : [التوبة: 49]. وفي الصدقة يحاولون التشكيك في توزيع الصدقة وكيف يتم؛ فيقول الحق سبحانه وتعالى عنهم: {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} فالمَلْجَأُ: الهَربُ، والجَوزُ فِي الجَبلِ. والمَغاراتُ: السِّربُ في الأَرضِ. والمُدْخَلُ: فَيقالُ هو الموتُ. ويَجْمَحونَ: معناهُ يَطمَحونَ: وهو الإِسراعُ.