٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
58
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن المقصود من هذا شرح نوع آخر من قبائحهم وفضائحهم، وهو طعنهم في الرسول بسبب أخذ الصدقات من الأغنياء ويقولون: إنه يؤثر بها من يشاء من أقاربه وأهل مودته وينسبونه إلى أنه لا يراعي العدل، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يقسم مالاً إذ جاءه المقداد بن ذي الخويصرة التميمي، وهو حرقوص بن زهير، أصل الخوارج فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: « حديث : ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل » تفسير : فنزلت هذه الآية. قال الكلبي: قال رجل من المنافقين يقال له أبو الجواظ لرسول الله صلى الله عليه وسلم: تزعم أن الله أمرك أن تضع الصدقات في الفقراء والمساكين ولم تضعها في رعاء الشاء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « حديث : لا أبالك أما كان موسى راعياً أما كان داود راعياً » تفسير : فلما ذهب، قال عليه الصلاة والسلام: « حديث : احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون » تفسير : وروى أبو بكر الأصم رضي الله عنه في «تفسيره»: أنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أصحابه: « حديث : ما علمك بفلان » تفسير : فقال: مالي به علم إلا إنك تدنيه في المجلس وتجزل له العطاء، فقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : إنه منافق أداري عن نفاقه وأخاف أن يفسد على غيره » تفسير : فقال: لو أعطيت فلاناً بعض ما تعطيه، فقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : إنه مؤمن أكله إلى إيمانه، وأما هذا فمنافق أداريه خوف إفساده ». تفسير : المسألة الثانية: قوله: { يَلْمِزُكَ } قال الليث: اللمز كالهمز في الوجه. يقال: رجل لمزة يعيبك في وجهك، ورجل همزة يعيبك بالغيب. وقال الزجاج: يقال لمزت الرجل ألمزه بالكسر، وألمزه بضم الميم إذا عيبته، وكذلك همزته أهمزه همزاً. إذا عيبته، والهمزة اللمزة: الذي يغتاب الناس ويعيبهم، وهذا يدل على أن الزجاج لم يفرق بين الهمز واللمز. قال الأزهري: وأصل الهمز واللمز الدفع. يقال: همزته ولمزته إذا دفعته، وفرق أبو بكر الأصم بينهما، فقال: اللمز أن يشير إلى صاحبه بعيب جليسه، والهمز أن يكسر عينه على جليسه إلى صاحبه. إذا عرفت هذا فنقول: قال ابن عباس: يلمزك يغتابك. وقال قتادة: يطعن عليك. وقال الكلبي: يعيبك في أمر ما، ولا تفاوت بين هذه الروايات إلا في الألفاظ. قال أبو علي الفارسي: ههنا محذوف والتقدير: يعيبك في تفريق الصدقات. قال مولانا العلامة الداعي إلى الله: لفظ القرآن وهو قوله: {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَـٰتِ } لا يدل على أن ذلك اللمز كان لهذا السبب، إلا أن الروايات التي ذكرناها دلت أن سبب اللمز هو ذلك، ولولا هذه الروايات لكان يحتمل وجوهاً أخر سواها. فأحدها: أن يقولوا أخذ الزكوات مطلقاً غير جائز، لأن انتزاع كسب الإنسان من يده غير جائز. أقصى ما في الباب أن يقال: يأخذها ليصرفها إلى الفقراء إلا أن الجهال منهم كانوا يقولون إن الله تعالى أغنى الأغنياء، فوجب أن يكون هو المتكفل بمصالح عبيده الفقراء: فأما أن يأمرنا بذلك فهو غير معقول. فهذا هو الذي حكاه الله تعالى عن بعض اليهود، وهو أنهم قالوا: {إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } وثانيها: أن يقولوا هب أنك تأخذ الزكوات إلا أن الذي تأخذه كثير، فوجب أن تقنع بأقل من ذلك. وثالثها: أن يقولوا هب أنك تأخذ هذا الكثير إلا أنك تصرفه إلى غير مصرفه. وهذا هو الذي دلت الأخبار على أن القوم أرادوه. قال أهل المعاني: هذه الآية تدل على ركاكة أخلاق أولئك المنافقين ودناءة طباعهم، وذلك لأنه لشدة شرههم إلى أخذ الصدقات عابوا الرسول فنسبوه إلى الجور في القسمة، مع أنه كان أبعد خلق الله تعالى عن الميل إلى الدنيا. قال الضحاك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بينهم ما آتاه الله من قليل المال وكثيره، وكان المؤمنون يرضون بما أعطوا ويحمدون الله عليه. وأما المنافقون: فإن أعطوا كثيراً فرحوا وإن أعطوا قليلاً سخطوا، وذلك يدل على أن رضاهم وسخطهم لطلب النصيب لا لأجل الدين. وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفر الغنائم عليهم، فسخط المنافقون. وقوله: {إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ } كلمة {إِذَا } للمفاجأة، أي وإن لم يعطوا منها فاجؤا السخط. ثم قال: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ } الآية والمعنى: ولو أنهم رضوا بما أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنيمة وطابت نفوسهم وإن قل، وقالوا: كفانا ذلك وسيرزقنا الله غنيمة أخرى، فيعطينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما أعطانا اليوم، إنا إلى طاعة الله وإفضاله وإحسانه لراغبون. واعلم أن جواب «لو» محذوف، والتقدير: لكان خيراً لهم وأعود عليهم، وذلك لأنه غلب عليهم النفاق ولم يحضر الإيمان في قلوبهم، فيتوكلوا على الله حق توكله، وترك الجواب في هذا المعرض أدل على التعظيم والتهويل، وهو كقولك للرجل: لو جئتنا، ثم لا تذكر الجواب، أي لو فعلت ذلك لرأيت أمراً عظيماً. المسألة الثانية: الآية تدل على أن من طلب الدنيا آل أمره في الدين إلى النفاق. وأما من طلب الدنيا بقدر ما أذن الله فيه وكان غرضه من الدنيا أن يتوسل إلى مصالح الدين فهذا هو الطريق الحق، والأصل في هذا الباب أن يكون راضياً بقضاء الله، ألا ترى أنه قال: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى ٱللَّهِ رٰغِبُونَ } فذكر فيه مراتب أربعة: المرتبة الأولى: الرضا بما آتاهم الله ورسوله لعلمه بأنه تعالى حكيم منزه عن العبث والخطأ، وحكيم بمعنى أنه عليم بعواقب الأمور، وكل ما كان حكماً له وقضاء كان حقاً وصواباً ولااعتراض عليه. والمرتبة الثانية: أن يظهر آثار ذلك الرضا على لسانهم، وهو قوله: {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ } يعني أن غيرنا أخذوا المال ونحن لما رضينا بحكم الله وقضائه فقد فزنا بهذه المرتبة العظيمة في العبودية، فحسبنا الله. والمرتبة الثالثة: وهي أن الإنسان إذا لم يبلغ إلى تلك الدرجة العالية التي عندها يقول: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ } نزل منها إلى مرتبة أخرى وهي أن يقول: {سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ } إما في الدنيا إن اقتضاه التقدير، وإما في الآخرة وهي أولى وأفضل. والمرتبة الرابعة: أن يقول: {إِنَّا إِلَى ٱللَّهِ رٰغِبُونَ } فنحن لا نطلب من الإيمان والطاعة أخذ الأموال والفوز بالمناصب في الدنيا، وإنما المراد إما اكتساب سعادات الآخرة. وإما الاستغراق في العبودية على ما دل لفظ الآية عليه فإنه قال: {إِنَّا إِلَى ٱللَّهِ رٰغِبُونَ } ولم يقل: إنا إلى ثواب الله راغبون. ونقل أن عيسى عليه السلام مر بقوم يذكرون الله تعالى فقال: ما الذي يحملكم عليه؟ قالوا: الخوف من عقاب الله، فقال: أصبتم ثم مر على قوم آخرين يذكرون الله، فقال: ما الذي يحملكم عليه، فقالوا: الرغبة في الثواب، فقال: أصبتم، ثم مر على قوم ثالث مشتغلين بالذكر فسألهم فقالوا: لا نذكره للخوف من العقاب، ولا للرغبة في الثواب، بل لإظهار ذلة العبودية، وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته، وتشريف اللسان بالألفاظ الدالة على صفات قدسه وعزته. فقال: أنتم المحقون المحققون.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ} أي يطعن عليك؛ عن قَتادة. الحسن: يعيبك. وقال مجاهد: أي يَرُوزك ويسألك. النحاس: والقول عند أهل اللغة قول قتادة والحسن. يُقال: لَمَزه يلمِزه إذا عابه. واللّمْز في اللغة العيب في السر. قال الجوهريّ: اللمز العيب، وأصله الإشارة بالعين ونحوها، وقد لمزه يلمِزه ويلمُزه وقرىء بهما {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ}. ورجل لماز ولمُزَة أي عيّاب. ويقال أيضاً: لمزه يلمزه إذا دفعه وضربه. والهَمْز مثل اللمز. والهامز والهماز العيّاب، والهُمَزة مثله. يُقال: رجل هُمَزة وٱمرأة هُمَزة أيضاً. وهَمَزه أي دفعه وضربه. ثم قيل: اللمز في الوجه، والهمز بظَهْر الغَيْب. وصف الله قوماً من المنافقين بأنهم عابوا النبيّ صلى الله عليه وسلم في تفريق الصدقات، وزعموا أنهم فقراء ليعطيهم. قال أبو سعيد الخُدْريّ: حديث : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقسم مالاً إذ جاءه حُرْقُوص بن زهير أصلُ الخوارج، ويُقال له ذو الخُوَيِصرة التميميّ؛ فقال: إعدل يا رسول الله. فقال: «وَيْلَك ومَن يعدل إذا لم أعدل» فنزلت الآيةتفسير : . حديث صحيح أخرجه مسلم بمعناه. وعندها حديث : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله فأقتلَ هذا المنافق. فقال: «معاذ الله أن يتحدّث الناس أني أقتل أصحابي إنّ هذا وأصحابَه يقرأون القرآن لا يُجاوز حناجرهم يَمْرقون منه كما يَمْرُق السهم من الرّميّة».
البيضاوي
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ} يعيبك. وقرأ يعقوب {يَلْمِزُكَ } بالضم وابن كثير «يلامزك». {فِي ٱلصَّدَقَـٰتِ } في قسمها. {فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} قيل إنها نزلت في أبي الجواظ المنافق فقال؛ ألا ترون إلى صاحبكم إنما يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم ويزعم أنه يعدل. وقيل في ابن ذي الخويصرة رأس الخوارج، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنائم حنين فاستعطف قلوب أهل مكة بتوفير الغنائم عليهم فقال: اعدل يا رسول الله فقال: «حديث : ويلك إن لم أعدلْ فمن يعدل»تفسير : و {إِذَا} للمفاجأة نائب مناب الفاء الجزائية.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَمِنْهُمْ} أي: ومن المنافقين {مَّن يَلْمِزُكَ} أي: يعيب عليك {فِى} قسم {ٱلصَّدَقَـٰتِ} إذا فرقتها، ويتهمك في ذلك، وهم المتهمون المأبونون، وهم مع هذا لا ينكرون للدين، وإنما ينكرون لحظ أنفسهم، ولهذا {فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} أي: يغضبون لأنفسهم، قال ابن جريج: أخبرني داود بن أبي عاصم قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بصدقة قسمها هاهنا وههنا، حتى ذهبت، قال: ووراءه رجل من الأنصار، فقال: ما هذا بالعدل، فنزلت هذه الآية، وقال قتادة في قوله: {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَـٰتِ} يقول: ومنهم من يطعن عليك في الصدقات، وذكر لنا أن رجلاً من أهل البادية حديث عهد بأعرابية، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم ذهباً وفضة، فقال: يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل، ما عدلت، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ويلك فمن ذا الذي يعدل عليك بعدي؟» تفسير : ثم قال نبي الله: «حديث : احذروا هذا وأشباهه؛ فإن في أمتي أشباه هذا، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، فإذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم» تفسير : وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : والذي نفسي بيده ما أعطيكم شيئاً، ولا أمنعكموه، إنما أنا خازن»تفسير : وهذا الذي ذكره قتادة يشبه ما رواه الشيخان من حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي سعيد في قصة ذي الخويصرة، واسمه حرقوص، لما اعترض على النبي صلى الله عليه وسلم حين قسم غنائم حنين، فقال له: اعدل؛ فإنك لم تعدل، فقال: «حديث : لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل» تفسير : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رآه مقفياً: «حديث : إنه يخرج من ضِئْضِىء هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإنهم شر قتلى تحت أديم السماء» تفسير : وذكر بقية الحديث. ثم قال تعالى منبهاً لهم على ما هو خير لهم من ذلك فقال: { وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ ءَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ} فتضمنت هذه الآية الكريمة أدباً عظيماً وسراً شريفاً، حيث جعل الرضا بما آتاه الله ورسوله، والتوكل على الله وحده، وهو قوله: {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ}، وكذلك الرغبة إلى الله وحده في التوفيق لطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وامتثال أوامره وترك زواجره، وتصديق أخباره والاقتفاء بآثاره.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ } يعيبك {فِى } قَسْم {ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَآ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ }.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ } هذا ذكر نوع آخر قبائحهم، يقال: لمزه يلمزه: إذا عابه. قال الجوهري: اللمز: العيب، وأصله الإشارة بالعين ونحوها، وقد لمزه يلمزه ويلمزه، ورجل لماز، ولمزة: أي عياب. قال الزجاج: لمزت الرجل ألِمزه وأُلمزه، بكسر الميم وضمها: إذا عبته، وكذا همزته. ومعنى الآية: ومن المنافقين من يعيبك في الصدقات، أي في تفريقها وقسمتها. وروى عن مجاهد أنه قال: معنى {يَلْمِزُكَ }: يرزؤك ويسألك، والقول عند أهل اللغة هو الأوّل، كما قال النحاس. وقرىء "يلمزك" بضم الميم، و"يلمزك" بكسرها مع التشديد. وقرأ الجمهور بكسرها مخففة {فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا } أي: من الصدقات بقدر ما يريدون {رَضُواْ } بما وقع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعيبوه، وذلك لأنه لا مقصد لهم إلا حطام الدنيا، وليسوا من الدين في شيء {وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا } أي: من الصدقات ما يريدونه ويطلبونه {إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ } أي: وإن لم يعطوا فاجئوا السخط، وفائدة إذا الفجائية: أن الشرط مفاجىء للجزاء وهاجم عليه. وقد نابت إذا الفجائية مناب فاء الجزاء. {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } أي: ما فرضه الله لهم وما أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصدقات، وجوب "لو" محذوف: أي لكان خيراً لهم، فإن فيما أعطاهم الخير العاجل والآجل {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ } أي: قالوا هذه المقالة عند أن أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو لهم: أي كفانا الله، سيعطينا من فضله، ويعطينا رسوله بعد هذا ما نرجوه ونؤمله {إِنَّا إِلَى ٱللَّهِ رٰغِبُونَ } في أن يعطينا من فضله ما نرجوه. قوله: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَاء } لما لمز المنافقون رسول الله صلى الله عليه وسلم في قسمة الصدقات بيّن الله لهم مصرفها دفعاً لطعنهم، وقطعاً لشغبهم، و{إِنَّمَا } من صيغ القصر، وتعريف الصدقات للجنس: أي جنس هذه الصدقات مقصور على هذه الأصناف المذكورة لا يتجاوزها، بل هي لهم لا لغيرهم. وقد اختلف أهل العلم هل يجب تقسيط الصدقات على هذه الأصناف الثمانية، أو يجوز صرفها إلى البعض دون البعض على حسب ما يراه الإمام أو صاحب الصدقة؟ فذهب إلى الأوّل الشافعي وجماعة من أهل العلم، وذهب إلى الثاني: مالك وأبو حنيفة، وبه قال عمر، وحذيفة، وابن عباس، وأبو العالية، وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران. قال ابن جرير وهو قول عامة أهل العلم: احتج الأوّلون بما في الآية من القصر، وبحديث زياد بن الحرث الصدائي عند أبي داود والدارقطني قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فبايعته، فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له: "حديث : إن الله لم يرض بحكم نبيّ ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أصناف، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك"تفسير : . وأجاب الآخرون بأن ما في الآية من القصر إنما هو لبيان الصرف والمصرف، لا لوجوب استيعاب الأصناف، وبأن في إسناد الحديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي وهو ضعيف. ومما يؤيد ما ذهب إليه الآخرون قوله تعالى: {أية : إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } تفسير : [البقرة: 271] والصدقة تطلق على الواجبة كما تطلق على المندوبة. وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردّها في فقرائكم»تفسير : . وقد ادّعى مالك الإجماع على القبول الآخر. قال ابن عبد البرّ: يريد إجماع الصحابة، فإنه لا يعلم له مخالفاً منهم. قوله: {لِلْفُقَرَاء } قدمهم، لأنهم أحوج من البقية على المشهور لشدّة فاقتهم وحاجتهم. وقد اختلف أهل العلم في الفرق بين الفقير والمسكين على أقوال: فقال يعقوب بن السكيت، والقتيبي، ويونس ابن حبيب: إن الفقير أحسن حالاً من المسكين، قالوا: لأن الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه. والمسكين الذي لا شيء له، وذهب إلى هذا قوم من أهل الفقه منهم أبو حنيفة. وقال آخرون بالعكس، فجعلوا المسكين أحسن حالاً من الفقير، واحتجوا بقوله تعالى: {أية : أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَـٰكِينَ } تفسير : [الكهف: 79]. فأخبر أن لهم سفينة من سفن البحر. وربما ساوت جملة من المال، ويؤيده تعوّذ النبيّ صلى الله عليه وسلم من الفقر مع قوله: «حديث : اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً» تفسير : وإلى هذا ذهب الأصمعي وغيره من أهل اللغة. وحكاه الطحاوي عن الكوفيين، وهو أحد قولي الشافعي وأكثر أصحابه. وقال قوم: إن الفقير والمسكين سواء لا فرق بينهما وهو أحد قولي الشافعي، وإليه ذهب ابن القاسم وسائر أصحاب مالك، وبه قال أبو يوسف. وقال قوم: الفقير المحتاج المتعفف، والمسكين: السائل. قاله الأزهري، واختاره ابن شعبان، وهو مرويّ عن ابن عباس. وقد قيل غير هذه الأقوال مما لا يأتي الاستكثار منه بفائدة يعتدّ بها. والأولى في بيان ماهية المسكين: ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند البخاري ومسلم، وغيرهما، من حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس فتردّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان"تفسير : ، قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: "حديث : الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدّق عليه، ولا يسأل الناس شيئاً»تفسير : . قوله: {وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا } أي: السعاة والجباة الذين يبعثهم الإمام لتحصيل الزكاة، فإنهم يستحقون منها قسطاً. وقد اختلف في القدر الذي يأخذونه منها، فقيل: الثمن. روي ذلك عن مجاهد والشافعي. وقيل: على قدر أعمالهم من الأجرة، روي ذلك عن أبي حنيفة وأصحابه. وقيل: يعطون من بيت المال قدر أجرتهم. روي ذلك عن مالك، ولا وجه لهذا، فإن الله قد أخبر بأن لهم نصيباً من الصدقة فكيف يمنعون منها ويعطون من غيرها؟ واختلفوا هل يجوز أن يكون العامل هاشمياً أم لا؟ فمنعه قوم، وأجازه آخرون. قالوا: ويعطى من غير الصدقة. قوله: {وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ } هم قوم كانوا في صدر الإسلام، فقيل: هم الكفار الذين كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يتألفهم ليسلموا. وكانوا لا يدخلون في الإسلام بالقهر والسيف، بل بالعطاء. وقيل: هم قوم أسلموا في الظاهر ولم يحسن إسلامهم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتألفهم بالعطاء؛ وقيل: هم من أسلم من اليهود والنصارى، وقيل: هم قوم من عظماء المشركين لهم أتباع، أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليتألفوا أتباعهم على الإسلام. وقد أعطى النبيّ صلى الله عليه وسلم جماعة ممن أسلم ظاهراً كأبي سفيان بن حرب، والحرث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، أعطى كل واحد منهم مائة من الإبل تألفهم بذلك، وأعطى آخرين دونهم. وقد اختلف العلماء هل سهم المؤلفة قلوبهم باق بعد ظهور الإسلام أم لا؟ فقال عمر، والحسن، والشعبي: قد انقطع هذا الصنف بعزّة الإسلام وظهوره، وهذا مشهور من مذهب مالك وأصحاب الرأي: وقد ادّعى بعض الحنفية أن الصحابة أجمعت على ذلك. وقال جماعة من العلماء: سهمهم باق لأن الإمام ربما احتاج أن يتألف على الإسلام. وإنما قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين. قال يونس: سألت الزهري عنهم فقال: لا أعلم نسخ ذلك، وعلى القول الأول يرجع سهمهم لسائر الأصناف. قوله: {وَفِي ٱلرّقَابِ } أي في فك الرقاب بأن يشتري رقاباً ثم يعتقها. روي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وبه قال مالك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق وأبو عبيد. وقال الحسن البصري، ومقاتل ابن حيان، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير، والنخعي، والزهري، وابن زيد: إنهم المكاتبون يعانون من الصدقة على مال الكتابة، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي، ورواية عن مالك، والأولى حمل ما في الآية على القولين جميعاً لصدق الرقاب على شراء العبد وإعتاقه، وعلى إعانة المكاتب على مال الكتابة. قوله: {وَٱلْغَـٰرِمِينَ } هم: الذين ركبتهم الديون ولا وفاء عندهم بها، ولا خلاف في ذلك إلا من لزمه دين في سفاهة فإنه لا يعطى منها ولا من غيرها إلا أن يتوب. وقد أعان النبيّ صلى الله عليه وسلم من الصدقة من تحمل حمالة وأرشد إلى إعانته منها. قوله: {وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } هم الغزاة والمرابطون، يعطون من الصدقة ما ينفقون في غزوهم ومرابطتهم وإن كانوا أغنياء، وهذا قول أكثر العلماء. وقال ابن عمر: هم الحجاج والعمار، وروي عن أحمد وإسحاق أنهما جعلا الحج من سبيل الله. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يعطى الغازي إلا إذا كان فقيراً منقطعاً به. قوله: {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } هو: المسافر، والسبيل الطريق، ونسب إليها المسافر لملازمته إياها، والمراد الذي انقطعت به الأسباب في سفره عن بلده ومستقرّه، فإنه يعطى منها وإن كان غنياً في بلده، وإن وجد من يسلفه. وقال مالك: إذا وجد من يسلفه فلا يعطى. قوله: {فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ } مصدر مؤكد؛ لأن قوله: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَاء } معناه: فرض الله الصدقات لهم. والمعنى: أن كون الصدقات مقصورة على هذه الأصناف هو حكم لازم فرضه الله على عباده ونهاهم عن مجاوزته {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بأحوال عباده {حَكِيمٌ } في أفعاله؛ وقيل: إن {فريضة} منتصبة بفعل مقدّر، أي فرض الله ذلك فريضة. قال في الكشاف: فإن قلت: لم عدل عن اللام إلى «في» في الأربعة الآخرة؟ قلت: للإيذان بأنها أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره؛ وقيل: النكتة في العدول أن الأصناف الأربعة الأول يصرف المال إليهم حتى ينصرفوا به كما شاءوا، وفي الأربعة الأخيرة لا يصرف المال إليهم، بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا سهم الزكاة، كذا قيل. وقد أخرج البخاري، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسماً إذ جاءه ابن ذي الخويصرة التيمي فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: "حديث : ويحك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟"تفسير : فقال عمر بن الخطاب: ائذن لي فأضرب عنقه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» تفسير : الحديث حتى قال: وفيهم نزلت: {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَـٰتِ }. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله: {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ } قال: يرزؤك ويسألك. وأخرج ابن المنذر، عن قتادة قال: يطعن عليك. وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود قال: لما قسم النبيّ صلى الله عليه وسلم غنائم حنين، سمعت رجلاً يقول: إن هذه لقسمة ما أريد بها الله، فأتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم، وذكرت ذلك له، فقال: «حديث : رحمة الله على موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر»تفسير : ، ونزل {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَـٰتِ }. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس، قال: نسخت هذه الآية كل صدقة في القرآن {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَاء } الآية. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن حذيفة، في قوله: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَاء } الآية قال: إن شئت جعلتها في صنف واحد من الأصناف الثمانية التي سمى الله أو صنفين أو ثلاثة. وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي العالية، والحسن، وعطاء، وإبراهيم، وسعيد بن جبير، نحوه. وأخرج ابن المنذر، والنحاس، وأبو الشيخ، عن قتادة، قال: الفقير الذي به زمانة، والمسكين: المحتاج الذي ليس به زمانة. وأخرج ابن أبي شيبة، عن عمر، في قوله: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَاء } قال: هم زمني أهل الكتاب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا } قال: السعاة أصحاب الصدقة. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله: {وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ } قال: هم قوم كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسلموا، وكان يرضخ لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم من الصدقة فأصابوا منها خيراً قالوا: هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك عابوه وتركوه. وأخرج البخاري، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن أبي سعيد، قال: بعث عليّ بن أبي طالب من اليمن إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بذهيبة فيها تربتها، فقسمها بين أربعة من المؤلفة: الأقرع بن حابس الحنظلي وعلقمة بن علاثة العامري، وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الخيل الطائي؛ فقالت قريش والأنصار: يقسم بين صناديد أهل نجد ويدعنا؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما أتألفهم."تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الزهري أنه سئل عن المؤلفة قلوبهم قال: من أسلم من يهودي أو نصرانيّ، قلت: وإن كان موسراً؟ قال: وإن كان موسراً. وأخرج هؤلاء عن أبي جعفر قال: ليس اليوم مؤلفة قلوبهم. وأخرج هؤلاء أيضاً عن الشعبي مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل، في قوله: {وَفِي ٱلرّقَابِ } قال: هم المكاتبون. وأخرج ابن المنذر، عن النخعي، نحوه. وأخرج أيضاً عن عمر بن عبد الله قال: سهم الرقاب نصفان: نصف لكل مكاتب ممن يدّعي الإسلام، والنصف الآخر يشتري به رقاب ممن صلى وصام، وقدم إسلامه من ذكر وأنثى، يعتقون لله. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو عبيد، وابن المنذر، عن ابن عباس، أنه كان لا يرى بأساً أن يعطى الرجل من زكاته في الحج، وأن يعتق منها رقبة. وأخرج ابن أبي شيبة، عن الزهري، أنه سئل عن الغارمين قال: أصحاب الدين. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي جعفر، في قوله: {وَٱلْغَـٰرِمِينَ } قال: هو الذي يسأل في دم أو جائحه تصيبه {وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } قال: هم المجاهدون {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } قال: المنقطع به يعطى قدر ما يبلغه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: ابن السبيل هو الضيف الفقير الذي ينزل بالمسلمين. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود، وابن ماجه، وابن المنذر، وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تحلّ الصدقة لغنيّ إلا لخمسة: العامل عليها، أو الرجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدّق عليه فأهدى منها لغنيّ»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود، والترمذي، عن عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : لا تحلّ الصدقة لغنيّ ولا لذي مرة سوى»تفسير : . وأخرج أحمد، عن رجل من بني هلال، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود، والنسائي عن عبد الله بن عدي بن الجيار، قال: أخبرني رجلان أنهما أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وهو يقسم الصدقة فسألاه منها، فرفع فينا البصر وخفضه فرآنا جلدين، فقال: "حديث : إن شئتما أعطيتكما ولا حظّ فيها لغنيّ ولا لقويّ مكتسب".
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ...} الآية، فيه قولان: أحدهما: أنه ثعلبة بن حاطب كان يقول: إنما يعطي محمد من يشاء ويتكلم بالنفاق فإن أعطي رضي وإن منع سخط، فنزلت فيه الآية. الثاني: ما روى الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسماً إذ جاءه الخويصرة التميمي فقال: اعدْل يا رسول الله، فقال: حديث : وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلْ إِن لَّمْ أَعْدِلْ"؟ تفسير : فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه، فقال: حديث : دَعْهُ.تفسير : فأنزل الله تعالى {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} الآية. وفي معنى يلمزك ثلاثة أوجه: أحدها: يروزك ويسألك، قاله مجاهد. والثاني: يغتابك، قاله ابن قتيبة. والثالث: يعيبك، قال رؤبة: شعر : قاربت بين عَنَقي وحجزي في ظل عصري باطلي ولمزي
ابن عبد السلام
تفسير : {يَلْمِزُكَ} يغتابك، أو يعيبك، نزلت في ثعلبة بن حاطب كان يتكلم بالنفاق ويقول: إنما يعطي محمد من شاء فإن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، أو في حديث : ذي الخويصرة لما أتى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسماً فقال: اعدل ـ يا محمد ـ فقال: "ويلك فمن يعدل إن لم أعدل" فاستأذن عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ في ضرب عنقه، فقال: "دعه" " تفسير : فنزلت.
الثعالبي
تفسير : وقوله عز وجل: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ...} الآية: أَيْ: ومن المنافقين مَنْ يلمزك، أيْ: يعيبُكَ ويأخذ منك في الغَيْبة؛ ومنه قولُ الشاعر: [البسيط] شعر : إِذَا لَقِيتُكَ تُبْدِي لِي مُكَاشَرَة وَإِنْ أَغِيبُ فَأَنْتَ الهَامِزُ اللُّمَزَهْ تفسير : ومنه قوله سبحانه: { أية : وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ } تفسير : [الهمزة:1] وقوله سبحانه: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ...} الآية: المعنى: لو أن هؤلاء المنافقين رَضُوا قِسْمَةَ اللَّهِ الرزْقَ لهم، وما أعطاهم على يدِ رَسُولِهِ، وأقرُّوا بالرغْبَةِ إِلى اللَّهِ، لكان خَيْراً لهم، وحُذِفَ الجوابُ، لدلالة ظاهر الكَلاَمِ عليه، وذلك مِنْ فصيحَ الكلامِ وإِيجازه.
السيوطي
تفسير : أخرج البخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال "حديث : بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم قسماً إذ جاءه ذو الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول الله. فقال: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟! فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله ائذن لي فيه فاضرب عنقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نضيه فلا يرى فيه شيء، ثم ينظر في رصافه فلا يرى فيه شيء، ثم ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى يديه - أو قال ثدييه - مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة، تدردر يخرجون على حين فرقة من الناس قال: فنزلت فيهم {ومنهم من يلمزك في الصدقات...} الآية قال أبو سعيد: أشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علياً حين قتلهم وأنا معه جيء بالرجل على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ". تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {ومنهم من يلمزك في الصدقات} قال: يطعن عليك. وأخرج سنيد وابن جرير عن داود بن أبي عاصم قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بصدقة فقسمها ههنا وههنا حتى ذهبت، ورآه رجل من الأنصار فقال: ما هذا بالعدل؟ فنزلت هذه الآية. وأخرج أبو الشيخ عن إياد بن لقيط. أنه قرأ {وإن لم يعطوا منها إذا هم ساخطون} . وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: حديث : لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين سمعت رجلاً يقول: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال "رحمة الله على موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر" تفسير : ونزل {ومنهم من يلمزك في الصدقات} .
القشيري
تفسير : أولئك أصحاب الأطماع؛ يتملقون في الظاهر ما دامت الأرفاقُ واصلةً إليهم، فإنْ انقطَعَتْ انقلبوا كأن لم يكن بينكم وبينهم مودة. ويقال مَنْ كان رضاؤه بوجدان سبب، وسُخْطُه في عدم ما يوصِّله إلى نصيبه فهو ليس من أهل الولاء، إنما هو قائم بحظِّه، غيرُ صالحٍ للصحبة، وأمَّا المتحقِّقُ فكما قيل: شعر : فَسِرْتُ إليكَ في طلبِ المعالي وسَارَ سِوَايَ في طلب المعاشِ
اسماعيل حقي
تفسير : {ومنهم} اى من المنافقين {من يلمزك} ان يعيبك فان اللمز والهمز العيب واللامز كالهامز واللماز واللمزة كالهماز والهمزة بمعنى العياب وقيل اللامز هو من يعيبك فى وجهك والهامز من يعيبك بالغيب {فى الصدقات} اى فى شأن الزكاة ويطعن عليك فى قسمتها جمع صدقة من الصدق يسمى بها عطية يراد بها المثوبة لا التكرمة لان بها يظهر صدقه فى العبودية كما فى الكرامانى. والآية نزلت فى ابى الجواحظ المنافق حيث قال ألا ترون الى صاحبكم يقسم صدقاتكم فى رعاة الغنم ويزعم انه يعدل {فان اعطوا منها} بيان لفساد لمزهم وانه لا منشأ له سوى حرصهم على حطام الدنيا اى ان اعطوا من تلك الصدقات قدر ما يريدون {رضوا} بما اعطوه وما وقع من القسمة واستحسنوها {وان لم يعطوا منها} ذلك المقدار بل اقل مما طمعوا {اذا هم يسخطون} اى يفاجئون السخط دلت اذا الفجائية على انهم اذا لم يعطوا فاجأ سخطهم ولم يكن تأخره لما جبلوا عليه امن محبة الدنيا والشره فى تحصيلها. وفى التأويلات النجمية النفاق تزيين الظاهر باركان الاسلام وتعطيل الباطن عن انوار الايمان والقلب المعطل عن نور الايمان يكون مزينا بظلمة الكفر بحب الدنيا ولا يرضى الا بوجدان الدنيا ويسخط بفقدها: قال السعدى شعر : نكند دوست زينهار از دوست دل نهادم برآنجه خاطر اوست كر بلطفم بنزد خود خواند ور بقهرم براند او داند
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (لو): شرطية، و (أنهم): قال سيبويه: مبتدأ، والخبر محذوف: ولو رضاهم ثابت أو موجود... الخ. وقال غيره: فاعل بفعل محذوف؛ ولو ثبت رضاهم، وجواب (لو): محذوف، أي: ولو أنهم رضوا لكان خيراً لهم. يقول الحق جل جلاله: {ومنهم}؛ ومن المنافقين {من يلمزك} أي: يعيبك، ويعترض عليك {في} قسم {الصدقات}، {فإن أُعطوا منها رَضُوا} وفرحوا، {وإِنْ لمْ يُعْطُوا منها} شيئاً {إّذا هم يَسْخَطُون}. والآية نزلت في ابن أُبي؛ رأس المنافقين، قال: ألا تَرونَ إلى صاحِبِكُم إِنَّما يقْسِمُ صَدقَاتكُمْ في رُعَاةِ الغَنَم، ويَزْعُمُ أَنَّهُ يَعْدل. وقيل: في ذي الخُوَيْصِرةِ رأس الخَوَارِجِ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنائم حنين، فاستعطف قلوب أهل مكة، فآثرهم بالعطاء، فقال: اعْدِلَ يا رَسُول الله، فقال: "حديث : ويلَكَ،إنْ لَمْ أَعْدِلْ فمنْ يَعْدِل؟ ". تفسير : قال تعالى: {ولو أنهم رَضُوا ما أتاهم اللَّهُ ورسولُه} أي: بما أعطاهم الرسول من الغنيمة، وذَكَرَ الله؛ للتعظيم، وللتنبيه على أن ما فعله الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان بأمر الله ووحيه، فكأنه فعله هو. {وقالوا حسبنا الله} أي: كفانا فضلُه، {سيؤتينا اللَّهُ من فضله ورسولهُ} صدقة أو غنيمة أخرى، فيؤتينا أكثر مما أتانا، {إنا إلى الله راغِبُون} في أن يُغنينا من فضله وجوده. فلو فعلوا هذا لكان خيراً لهم من اعتراضهم عليك، الموجب لهم المقت والعذاب. الإشارة: لا يكون المؤمن كاملاً حتى يستوي عنده المنع والعطاء، والفقد والوجد، والفقر، والغنى والعز والذل. وأما إن كان في حالة العطاء والوجد يفرح، وفي حالة المنع والفقد يسخط، فلا فرق بينه وبين أهل النفاق، إلا من حيث التوسم بالإيمان، ولو أنه رضي بما قسم الله له، واكتفى بعلمه، ورغب الله في زيادته من فضله، لكان خيراً له وأسلم. والله تعالى أعلم وأحكم. ثم بيَّن مصرف الصدقات الواجبة؛ قطعاً لأطماع من لا يستحقها، فقال: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ}.
الطوسي
تفسير : قرأ يعقوب {يلمزك} بضم الميم. الباقون بكسرها، وهما لغتان، وهذه الآية فيها اخبار أن من جملة المنافقين الذين ذكرهم من يلمزك يا محمد صلى الله عليه وآله في الصدقات اي يعيبك. وفي قول الحسن. واللمز العيب على وجه المساترة، والهمز العيب - بكسر العين وغمزها - في قول الزجاج - تقول: لمزه يلمزه ويلمزه - بالكسر والضم - وهي صفتهم قال الشاعر: شعر : إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة وان تغيبت كنت الهامز اللمزه تفسير : وقال رؤبة: شعر : قالت بين عنقي وجمزي في ظل عصري باطلي ولمزي تفسير : وقال ابو عبيدة: يلزمك معناه يعيبك. وقال قتادة: معناه يطعن عليك. والهمز الغيبة. ومنه قوله {أية : هماز مشاء بنميم}. تفسير : وقيل لاعرابي: أتهمز الفأرة؟ قال: الهر يهمزها، فأوقع الهمز على الاكل، والهمز كاللمز، ومنه قوله { أية : أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً} تفسير : والصدقات جمع صدقة وهي العطية للفقير على وجه البر والصلة، والصدقة الواجبة في الأموال حرام على رسول الله وأهل بيته كأنهم جعلوا في تقدير الأغنياء، فأما البر على وجه التطوع فهو مباح لهم. وقوله {فإن أعطوا منها رضوا} يعني من الصدقات رضوا بذلك وحمدوك عليه {وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} يعني إذا لم يعطوا ما طلبوه من الصدقات سخطوا وغضبوا. والصدقة محرمة على من كان غنياً. واختلفوا في حد الغني، فقال قوم: هو من ملك نصاباً من المال. وقال آخرون: هو من كانت له مادة تكفيه، ملك النصاب أو لم يملك، والذي كان يلمز النبي صلى الله عليه وآله في الصدقات بلتعة بن حاطب، وكان يقول: إنما يعطي محمد الصدقات من يشاء فربما أعطاه النبي صلى الله عليه وآله فيرضى وربما منعه فسخط، فتلكم فيه، فنزلت الآية فيه.
الجنابذي
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ} يعيبك {فِي ٱلصَّدَقَاتِ} فى قسمتها وجمعها وحفظها للايصال الى مستحقّها {فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} لاتّباعهم لك فى الاغراض الفاسدة والاعراض الكاسدة لا لامر الدّين والآخرة، وقد ذكر شأن نزولها فى الاخبار وانّها نزلت حين لمز الاغنياء رسول الله (ص) فى تقسيم الصّدقات على الفقراء، وورد انّ اهل هذه الآية اكثر من ثلثى النّاس، والتّحقيق انّ كلّ من غلب حبّه للدّنيا على حبّه للآخرة فهو من اهل هذه الآية واغلب النّاس ليس لهم حبّ للآخرة وأغلب من كان له حبّ الآخرة حبّه للدّنيا غالب على حبّه للآخرة.
الأعقم
تفسير : {ومنهم من يلمزك في الصدقات} أي يعيبك في قسمة الصدقات ويطعن عليك، وقيل: هم المؤلفة قلوبهم، وقيل: "حديث : هو ابن ذوي الخويصرة وابن الجوارح، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقسم غنائم حنين، فقال أعدل يا رسول الله، فقال: "ويلك إذا لم أعدل فمن يعدل؟" فلما ذهب قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون يمرقون من الدين كما يمرق السهم، فيهم رجل أسود في إحدى يديه مثل ثدي المرأة، يخرجون على فترة من الناس، فإذا خرجوا فاقتلوهم"، فنزلت فيه هذه الآية"تفسير : ، قال أبو سعيد: أشهد أني سمعت هذا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأشهد أن علياً (عليه السلام) حين قتلهم وأنا معه جيء بذلك الرجل على النعت {فإن أعطوا منها رضوا} يعني إذا أعطوا منها الكثير رضوا {وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} أي يغضبون {إنَّما الصدقات للفقراء والمساكين} يعني الزكاة المفروضة للفقراء قيل: الفقير الذي ليس له بلغة من العيش، والمسكين الذي لا شيء له، وهو قول الهادي (عليه السلام) وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وهو قول أهل اللغة أيضاً، وقيل: المسكين من له شيء والفقير من لا شيء له وهو قول الشافعي واحتج بقوله تعالى: {أية : أما السفينة فكانت لمساكين} تفسير : [الكهف: 79] وأجيب عن ذلك بأنهم كانوا يعملون عليها، وقيل: المساكين يتفاصلون في المسكنة {والعاملين عليها} وهم السعاة الذين يقبضون واجبات الصدقة، واختلف في قدر ما يعطون قيل: لهم سهم وهو الثمن، وقيل: يعطون على قدر عمالتهم وبه قال أبو حنيفة والهادي (عليه السلام)، وقيل: يعطون على ما يراه الإِمام {والمؤلفة قلوبهم} أشراف من العرب كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يستألفهم على أن يسلموا فيرضخ لهم شيئاً حين كان في الاسلام قلة، ثم اختلفوا في هذا السهم بعده قيل: كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم سقط من بعده لأن الله تعالى قد أعزَّ الدين، عن الحسن وعمر وعثمان وهو قول أبو حنيفة، وقال الشافعي: بل هو ثابت في كل زمان وهو مروي عن أبي علي وأبي جعفر، وقال الهادي (عليه السلام): لا يجوز دفعها على الفساق يعني الزكاة، وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز، وقال الهادي (عليه السلام): أمر الزكوات كلها إلى الإِمام ويضمر إذا أخرجها بنفسه إلى الفقراء والله أعلم {وفي الرقاب} وهم المكاتبون فيعطون منها {والغارمين} الذين ركبتهم الديون ولا يملكون بعدها ما يبلغ النصاب {وفي سبيل الله} فقراء الغزاة والحجيج المنقطع بهم {وابن السبيل} المسافر المنقطع عن ماله فهو فقير {فريضة من الله} مقدرة واجبة قدرها الله تعالى وحتمها {والله عليم} بحاجة خلقه {حكيم} بما فرض عليهم من ذلك.
الهواري
تفسير : قوله: { وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} [أي: يعيبك ويطعُن عليك]. قال مجاهد: يَرُوزُكَ. {فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يوماً يقسم ذهباً وفضة، إذ جاء رجل من المنافقين، قال بعضهم: ناتىء الجبين، مشرف الحاجبين، غائر العينين، فقال: يا محمد، إن كان أمرك الله أن تعدل فما عدلت هذا اليوم. فقال: حديث : ويلك فمن يعدل عليك بعدي. ثم قال: احذروا هذا وأشباهه، فإن في أمتى أشباه هذا؛ قوم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية تفسير : ذكروا أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: إن رجلاً أتى النبي وهو يقسم ذهباً وفضة، فقال: يا محمد، إن كان الله أمرك أن تعدل، فما عدلت اليوم. فقال له النبي: حديث : لقد شقيت، إن لم أعدل فمن يعدل تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : والذي نفسي بيده، ما أعطيكم شيئاً ولا أمنعكموه؛ إنما أنا خازن أضع حيث أمرت
اطفيش
تفسير : {ومنْهُم مَنْ يَلمزُك} يعيبك ويطعن عليك، وقرأ أهل مكة والحسن وأبو رحى وغيرهم بضم الميم، ورواه حماد بن سلمة، عن ابن كثير، وقرأ الأعمش بضم الياء وفتح اللام وكسر الميم المشددة، وروى حماد أيضا عن ابن كثير يلازمك، وهو مفاعلة للمبالغة لا لوقوع الفعل من جانبين، لأن اللمز وقع من جانبهم فقط. {فى الصَّدَّقاتِ} أى فى قسمها، زعم الخازن وصاحب القاموس وغيرهما أنها نزلت فى ذى الخويصرة التميمى، وهو رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدى المرأة، وروى مثل البضعة، واسمه حرقوص بن زهير، وكذلك فى صحيحى البخارى ومسلم، وفى موضع من البخارى: عبد الله بن ذى الخويصرة، فقيل: روايتان، وقيل: هو عبد الله الخويصرة، وزيادة الابن. "حديث : وهم زعموا أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم الصدقة ذهبا أو فضة، وقيل: غنائم حنين، واستعطف قلوب أهل مكة بتوفير العطى، فقال: يا رسول الله اعدل، فقال صلى الله عليه وسلم: "ويحك من يعدل إن لم أعدل؟!" وهو من المنافقين"تفسير : ، وفى رواية قال له: "حديث : "قد خبت وخسرت إن لم أعدل" فقال عمر: إيذن لى أضرب عنقه، فقال له: "دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، أو صيامه إلى صيامهم يقرءون القرآن ولا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين، أو قال من الإسلام روايتان، كما تمرق السهم من الرمية"" تفسير : وذلك غلط أو عمل فاحش أوصلهم إليه الغلق فى ذم أهل الصواب، الذين هم الأباضية، حتى كذبوا وخرجوا الآية والحديث فيه وفى أصحابه، وإنما حرقوص صحابى مرضى شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة. "حديث : قالت عائشة رضى الله عنها: أشهد أن محمدا رسول الله فى بيتى، وقال: "يا عائشة أول من يدخل من هذا الباب من أهل الجنة" فقلت فى نفسى: أبو بكر، عمر، فلان، فلان، فبينما أنا كذلك إذا أقبل حرقوص ابن زهير، وقد توضأ، وإن لحيته تتقطر ماء، ثم قال ذلك فى اليوم الثانى والثالث، ودخل فيهما حرقوص ". "حديث : وقد قال أبو موسى الأشعرى: والله الذى نفسى بيده، لو اجتمع أهل المشرق والمغرب على الرمح الذى طعن به حرقوص لدخلوا به النار جميعا، وإنما قائل ذلك أبو الجواظ المنافق قال: ألا ترون إلى صاحبكم إنما يقسم صدقاتكم فى رعاة الغنم، ويزعم أنه يقعد! فقال صلى الله عليه وسلم: "لا أبا لك أما كان موسى راعيا، أما كان داود راعيا" ولما ذهب قال: "احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون"" تفسير : وعليه الكلبى. وروى أنه قال له: لم يقسم بالسوية، "حديث : وقال قتادة: إن قائل ذلك بدوى حديث عهد أتاه يقسم ذهبا أو فضة، فقال: يا محمد لأن كان الله أمرك أن تعدل فما عدلت هذا اليوم، فقال له: "ويحك فمن يعدل عليك بعدى" ثم قال: "احذروا هذا وأشباهه فإن فى أمتى أشباهه قوم يقرءون القرآن ولا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" وكان عابس الجبين، مشرف الحاجبين، غائر العينين ". تفسير : وفى رواية قال: "حديث : لقد شقيت إن لم أعدل" تفسير : وقيل قائل ذلك من الأنصار، وقال ابن زيد: قال المنافقون: والله ما يعطيها محمد إلا من أحب، ولا يؤثر إلا هواه، قيل: هم المؤلفة قلوبهم، إذ لم يعطوا بحسب آمالهم. {فإنْ أعْطُوا مِنْها} كما يحبون {رَضُوا} عنك {وإنْ لَم يعْطَوا منْها} فربط أصل أو لم يعطوا ما يأملون {إذا هُم يسْخَطُون} إذا للمفاجأة نابت فى الربط عن الفاء، وأفادت سرعة السخط عقب عدم الإعطاء.
اطفيش
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِى الصَّدَقَاتِ} يعيبك فى قسمها وهى الغنائم والزكوات وقيل اللمز فى الوجه والغمز فى الغيب، وقيل بالعكس وهو أَظهر والواضح ترادفهما {فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا} عنك وأَثنوا عليك. {وَإِنْ لَمْ يُعْطُوا مِنْهَا} أَو أُعطُوا دون ما يرضيهم {إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} عليك ويذمونك لحرصهم على الدنيا، قيل نزلت فى أَبى الجواظ المنافق إِذ قال: أَلاَ ترون إِلى صاحبكم إِنما يقسم صدقاتكم فى رعاة الغنم، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا أَبا لك أَما كان موسى راعيا، أَما كان داود راعياً"تفسير : ولما ذهب قال احذورا هذا وأَصحابه فإِنهم منافقون، رواه الكلبى، وروى أَنه قال: لم تقسم بالسوية، وقال قتادة، قائل ذلك بدوى حديث عهد أَتاه يقسم ذهباً أَو فضة فقال يا محمد: لئِن كان الله أَمرك أَن تعدل فما عدلت هذا اليوم. فقال صلى الله عليه وسلم "حديث : ويحك فمن يعدل بعدى؟"تفسير : ثم قال: احذورا هذا وأَشباهه فإِن فى أُمتى أَشباهه قوما يقرءُون القرآن ولا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. وكان يابس الحاجبين مشرف الحاجبين غائر العينين، وذلك فى غنيمة هوازن أَو الصدقات، وهو أَنسب بذكر الصدقات بعد وهنا، وبذكر الصدقات فى كلام أَبى الجواظ. وروى أَنه قال: لقد شقيت إِن لم أَعدل، وقيل: قائل ذلك من الأَنصار، وقال ابن زيد: هم بعض المنافقين يقولون: والله ما يعطى محمد إِلا من أَحب ولا يؤْثر إِلا هواه، وقيل هم المؤلفة قلوبهم إِذا لم يعطوا آمالهم، وأَما حرقوص ابن زهير فمرضى شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة. قالت عائشة رضى الله عنها: أَشهد أَن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيتى. وقال: يا عائشة أَول من يدخل من هذا الباب من أَهل الجنة. قلت فى نفسى أَبو بكر، عمر، فلان، فلان، فبينما أَنا كذلك إِذ أَقبل حرقوص بن زهير، وقد توضأَ وإِن لحيته تقطر ماءَ، ثم قال ذلك فى اليوم الثانى والثالث ودخل حرقوص فيهما، وقال أَبو موسى الأَشعرى: والذى نفسى بيده لو اجتمع أهل المشرق والمغرب على الرمح الذى طعن به حرقوص لدخلوا به النار، وذلك فى أَهل النهروان. وهو الذى دفن دانيال عليه السلام، سأَل الله أَن يدفنه رجل من أَهل الجنة، فلم يزل فى تابوت فى أَيدى ضلال أَهل الكتاب يستسقون به إِذا أَمسك عنهم المطر، حتى فتح أَبو موسى الأَشعرى السوس أَو سومن الشرق، فوجده فى تابوت فكتب إِلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فكتب إِلى أَبى موسى أَن مُرْ من يدفنه ولا يشعر به أَحد، فبعث أَبو موسى حرقوصا ليدفنه فوجد فى التابوت حلة فكساها عمر حرقوصا.
الالوسي
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمُزُكَ فِي ٱلصَّدَقَـٰتِ} أي يعيبك في شأنها. وقرأ يعقوب {يلمزك} بضم الميم وهي قراءة الحسن والأعرج، وقرأ ابن كثير {يلامزك} هو من الملامزة بمعنى اللمز، والمشهور أنه مطلق العيب كالهمز، ومنهم من فرق بينهما بأن اللمز في الوجه والهمز في الغيب وهو المحكي عن الليث وقد عكس أيضاً وأصل معناه الدفع {فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا} بيان لفساد لمزهم وأنه لا منشأ له إلا حرصهم على حطام الدنيا أي إن أعطيتهم من تلك الصدقات قدر ما يريدون {رَضُواْ} بما وقع في القسمة واستحسنوا علك {وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا} ذلك المقدار {إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} أي يفاجئون السخط، و {إِذَا} نابت مناب فاء الجزاء وشرط لنيابتها عنه كون الجزاء جملة اسمية، ووجه نيابتها دلالتها على التعقيب كالفاء، وغاير سبحانه بين جوابـي الجملتين إشارة إلى أن سخطهم ثابت لا يزول ولا يفنى بخلاف رضاهم. وقرأ أياد بن لقيط {إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} وحديث : الآية نزلت في ذي الخويصرة واسمه حرقوص بن زهير التميمي جاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنائم هوازن يوم حنين فقال: يا رسول الله اعدل فقال عليه الصلاة والسلام: "ومن يعدل إذا لم أعدل" فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ائذن لي أضرب عنقه فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: "دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" تفسير : الحديث. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: لما قسم النبـي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين سمعت رجلاً يقول: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله تعالى فأتيت النبـي عليه الصلاة والسلام فذكرت ذلك له فقال: حديث : رحمة الله تعالى على موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر تفسير : ونزلت الآية. / وأخرج ابن جرير وغيره عن داود بن أبـي عاصم قال: «أوتي النبـي صلى الله عليه وسلم بصدقة فقسمها هٰهنا وهٰهنا حتى ذهبت ووراءه رجل من الأنصار فقال: ما هذا بالعدل فنزلت»، وعن الكلبـي أنها نزلت في أبـي الجواظ المنافق قال: ألا ترون إلى صاحبكم إنما يقسم صدقاتكم في رعاء الغنم ويزعم أنه يعدل. وتعقب هذا ولي الدين العراقي بأنه ليس في شيء من «كتب الحديث»، وأنت تعلم أن أصح الروايات الأولى إلا أن كون سبب النزول قسمته صلى الله عليه وسلم للصدقة على الوجه الذي فعله أوفق بالآية من كون ذلك قسمته للغنية فتأمل.
ابن عاشور
تفسير : عرف المنافقون بالشحّ كما قال الله تعالى: {أية : أشحة عليكم}تفسير : [الأحزاب: 19] ــــ وقال ــــ {أية : أشحة على الخير}تفسير : [الأحزاب: 19] ومن شحّهم أنّهم يودّون أنّ الصدقات توزع عليهم فإذا رأوها تُوزّع على غيرهم طعنوا في إعطائها بمطاعن يُلقونها في أحاديثهم، ويظهرون أنّهم يغارون على مستحقّيها، ويشمئزّون من صرفها في غير أهلها، وإنّما يرومون بذلك أن تقصر عليهم. روي أنّ أبا الجَوَّاظ، من المنافقين، طَعَن في أن أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من أموالِ الصدقات بعضَ ضعفاء الأعراب رعاء الغنم، إعانة لهم، وتأليفاً لقلوبهم، فقال: ما هذا بالعدل أن يضع صدقاتكم في رعاء الغنم، وقد أمر أن يقسمها في الفقراء والمساكين، وقد روي أنّه شافه بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. وعن أبي سعيد الخدري: أنّها نزلت في ذي الخويصرة التميمي الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم اعدل، وكان ذلك في قسمة ذهب جاء من اليمن سنة تسع، فلعل السبب تكرّر، وقد كان ذو الخويصرة من المنافقين من الأعراب. واللّمز القدح والتعييب، مضارعه من باب يضرب، وبه قرأ الجمهور، ومن باب ينصرُ، وبه قرأ يعقوب وحده. وأدخلت {في} على الصدقات، وإنّما اللمز في توزيعها لا في ذواتها: لأنّ الاستعمال يدلّ على المراد، فهذا من إسناد الحكم إلى الأعيان والمراد أحوالها. ثم إنّ قوله: {فإن أعطوا منها رضوا} يحتمل: أنّ المراد ظاهر الضمير أن يعود على المذكور، أي إن أعطي اللامزون، أي إنّ الطاعنين يطمعون أن يأخذوا من أموال الصدقات بوجه هدية وإعانة، فيكون ذلك من بلوغهم الغاية في الحرص والطمع، ويحتمل أنّ الضمير راجع إلى ما رجع إليه ضمير {منهم} أي: فإن أعطي المنافقون رضي اللاَّمزون، وإن أعطي غيرهم سخطوا، فالمعنى أنّهم يرومون أن لا تقسم الصدقات إلاّ على فقرائهم ولذلك كره أبو الجَواظ أن يعطى الأعراب من الصدقات. ولم يُذكر متعلّق {رضوا}، لأنّ المراد صاروا راضين، أي عنك. ودلّت {إذا} الفجائية على أنّ سخطهم أمر يفاجىء العاقل حين يشهده لأنّه يكون في غير مظنّة سخط، وشأن الأمور المفاجئة أن تكون غريبة في بابها.
الواحدي
تفسير : {ومنهم} ومن المنافقين {مَن يَلْمِزُكَ} يعيبك ويطعن عليك {في} أمر {الصدقات} يقول: إنَّما يعطيها محمَّد مَنْ أحبَّ، فإنْ أكثرت لهم من ذلك فرحوا، وإنْ أعطيتهم قليلاً سخطوا، ثمَّ ذكر في الآية الثَّانية أنَّهم لو رضوا بذلك وتوكَّلوا على الله لكان خيراً لهم، وهو قوله: {ولو أنَّهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} ثمَّ بيَّن لمن الصَّدقات، فقال: {إنما الصدقات للفقراء} وهم المُتعفِّفون عن السُّؤال {والمساكين} الذين يسألون ويطوفون على النَّاس {والعاملين عليها} السُّعاة لجباية الصَّدَقة {والمؤلفة قلوبهم} كانوا قوماً من أشراف العرب استألفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليردُّوا عنه قومهم ويُعينوه على عدوِّه {وفي الرقاب} المكاتبين {والغارمين} أهل الدِّيْن {وفي سبيل الله} الغزاة والمرابطون {وابن السبيل} المنقطع في سفره {فريضة من الله} افترضها الله على الأغنياء في أموالهم. {ومنهم الذين يؤذون النبيَّ} بنقل حديثه وعيبه {ويقولون هو أذنٌ} أنَّهم قالوا فيما بينهم: نقول ما شئنا، ثمَّ نأتيه فَنَحْلِفُ له فيصدِّقنا؛ لأنَّه أُذنٌ [والأُذن: الذي يسمع كلَّ ما يُقال له]، فقال الله تعالى {قل أذن خير لكم} أَيْ: مستمعُ خيرٍ وصلاح، لا مستمع شرٍّ وفسادٍ، ثمَّ أَكَّد هذا وبيَّنه فقال: {يؤمن بالله} أَيْ: يسمع ما ينزله الله عليه، فيصدِّق به {ويؤمن للمؤمنين} ويصدِّق المؤمنين فيما يخبرونه، لا الكافرين {ورحمة للذين آمنوا منكم} أَيْ: وهو رحمةٌ؛ لأنَّه كان سبب إيمانهم. {يحلفون بالله لكم ليرضوكم} يحلف هؤلاء المنافقون فيما بلغكم عنهم من أذى الرَّسول والطَّعن عليه أنَّهم ما أتوا ذلك؛ ليرضوكم بيمينهم {والله ورسوله أحقُّ أن يرضوه} فيؤمنوا بهما ويصدِّقوهما إن كانوا على ما يظهرون.
القطان
تفسير : يلمزك: يعيبك ويطعن بك في وجهك. حسبنا الله: يكفينا الله. الى الله راغبون: محبّون ضارعون. {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ}. لا يزال الحديث في مساوئ المنافقين. فبعض هؤلاء المنافقين يعيبك أيها الرسول، ويطعن عليك في قِسمة الصدَقات والغنائم. اذ يزعمون أنك تُحابي فيها.. تؤتي من تشاء من الأقارب، واهلِ المودّة، ولا تراعي العدْل، فإن أعطيتَهُم ما يرغبون رضوا عن عملِك وإلا فإنهم يَسْخَطون ويغضبون. روى البخاري ومسلم عن ابي سعيد الخدري قال: حديث : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يَقْسِم مالاً إذ جاءه حرقوص بن زهير ذو الخُويصِرةَ التميميّ، فقال: اعدِلْ يا رسول الله فقال: ويلَك، ومن يعدِل اذا لم أعدِلْ!؟ فقال: عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله أضرِب عنقه، فقال رسول الله: دعه... تفسير : الحديث. وهناك عدة روايات تدل على ان اشخاصاً من المنافقين قالوا ذلك لأنّهم لم يأخذوا من الصدقات، فنزلت فيهم هذه الآية. ثم يبين الله تعالى ما هو الألْيَقُ بالانسان، وهو الرضا بِقِسمة الله ورسوله، والقناعةُ والاكتفاء بالله، والرجاء في فضله، فقال: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ}. ولو ان هؤلاء المنافقين الذين عابوك في قِسمة الصدَقات، رضوا بما قَسَمَ اللهُ لهم، وهو ما اعطاهم رسول الله، وطابت نفوسهم به - وان قَلَّ - وقالوا: كفنا حُكم الله، وسيرزقُنا من فضله، لأن فضلَه لا ينقطع، ورسولُه لا يبخَس أحداً وإنّا إلى طاعة الله وإحسانه راغبون، لو فعلوا ذلك - لكان خيراً لهم من الطمع. والخلاصة: انهم لو رضوا من الله بنِعمته، ومن الرسول بقِسمته، لكان في ذلك الخير كل الخير لهم. قراءات: قرا يعقوب: "يلمزك" بضم الياء وقرأ ابن كثير: "يلامزك".
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلصَّدَقَاتِ} (58) - وَمِنَ الْمُنَافِقِينَ مَنْ يَعِيبُ عَلَيْكَ فِي قِسْمَةِ الصَّدَقَاتِ وَالْمَغَانِمِ، إِذْ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تُحَابِي فِيهَا، وَتُؤْتِي مَنْ تَشَاءُ مِنَ الأَقَارِبِ وَأَهْلِ الْمَوَدَّةِ، وَلاَ تُرَاعِي الْعَدْلَ فِي ذَلِكَ. وَهُمْ لاَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ سُخْطاً لِلدِّينِ، وَلاَ غَيْرَةً عَلَى مَصْلَحَةِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُونَهُ سَعياً وَرَاءَ مَنْفَعَتِهِم الْخَاصَّةِ، فَإِذَا أُعْطُوْا مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ، وَلَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ، رَضُوا القِسْمَةَ، وَاسْتَحْسَنُوهَا، وَأَثْنُوا عَلَى فِعْلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا مَا يُرْضِيهِمْ، سَخِطُوا، وَلَوْ كَانُوا غَيْرَ مُسْتَحِقِّينَ لِلْعَطَاءِ. يَلْمِزُكَ - يَعِيبُكَ وَيَطْعَنُ عَلَيْكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وإذا جلسوا مع بعضهم البعض تجدهم يحاولون النَّيْل من رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرض إيذائه ولمزه، ويقول الله سبحانه وتعالى عنهم: {أية : وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [التوبة: 61]. هذه بعض صفات المنافقين التي يفضحهم الله بها بكشفها للمؤمنين. وقد جاء الحق سبحانه لنا بمزيد من الكشف لقبائحهم وفضائحهم. فقال فيهم: {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} [التوبة: 58]. كلنا أيضاً نقرأ قول الله سبحانه: {أية : ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} تفسير : [الهمزة: 1]. فما هي الهُمَزة وما هي اللُّمَزة؟ "الهمزة": هو من يعيب في الآخرين عيباً خفياً ويسخر منهم خفية، ويكون ذلك بإشارة من عينه أو بأي حركة من جوارحه، ومثال هذا: حين تكون هناك مجموعة من الناس جالسين، ويحاول أحدهم النَّيْل من أحد الحضور خفية، فيغمز بطرف عينه لإنسان آخر، أو يكون باللسان هَمْساً في أذن إنسان أو بأي طريقة أخرى، المهم أن يُشَار إلى العيب بطريقة خفية لا يلحظها معظم الحاضرين. أما اللُّمَزة العيَّابون في غيرهم في حضورهم. فهناك القوي الذي يكشف العيوبَ بشجاعة وصراحة وهو اللَّماز، أما الضعيف فهو يعيب خفية وهو الهمَّاز. واللمزة تطلق على من يعيب كثيراً في الناس. وهمزة لمزة، من صيغة المبالغة "فُعَلَة" وتدل على كثرة فعل الشيء. فتقول "فلان أكَلة" - بضمة على الألف - أي: يأكل كثيراً. وفلان ضُحَكة - بضمة على الضاد - أي: كثير الضحك. إذن: فاللّمزة هي كثرة العيب في الغير، وهي تدل على ضعف من يقول بها، ولو لم يكن ضعيفاً لقال ما يريد بصراحة. والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ} واللمز كما عرفنا هو البحث عن العيب، وهو هنا مظروف في شيء هو الصدقات. وكان بعض من المنافقين يغتابون تشريع الصدقة، وكانوا يعيبون أن يتعب الغني ويشقى في الحصول على المال ثم يأخذ الفقير المال بلا تعب، فهل يعيبون التشريع نفسه؟ أم يعيبون كمية الصدقات المفروضة عليهم ويرونها كثيرة؟ أم يعيبون حثَّ الله للناس على الصدقة؟ أم يعيبون الطريقة التي يتم بها صرف الصدقة للفقراء، وأن بعضهم يُعطَى كثيراً وبعضهم يُعْطى قليلاً؟ لقد كانوا يعيبون في كل هذه الأمور أو بعضها. إذن: فاللمز إما أن يكون في التشريع، وإما أن يكون في كمية الصدقات أو في طريقة الصرف، والحادثة التي وقعت ونزلت فيها هذه الآية الكريمة كانت في مصارف الصدقة، فقد قام حرقوص بن زهير، وهو رأس الخوارج، وهو ابن ذي الخويصرة، وقال: اعدل يا محمد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك! ومَنْ يعدل إنْ لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أعدل. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله إئذن لي فيه أضرب عنقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : دعه، فإنه له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم. يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم. يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. يُنظَر إلى نَصْله فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنْظر إلى نَضيِّه وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظر في قُذَذِه فلا يوجد فيه شيء. سبق الفرْثَ والدم. آيتُهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة. أو مثل البضعة تَدرْدَرُ، يخرجون على حين فُرْقة من الناس " تفسير : قال أبو سعيد الخدري: فأشهد أنِّي سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتلهم وأنا معه. فأمر بذلك الرجل - أي الرجل الأسود - فالتُمس فوُجد فأتِي به، حتى نظرتُ إليه على نَعْتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعت. ويقول الحق سبحانه موضحاً حال هؤلاء {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} أي: أن هؤلاء الناس إن أعْطوا من الصدقة كانوا راضين مهلِّلين، وإن لم يُعْطَوْا منها ملأ قلوبهم السخط، وبدأوا باللَّمْز. إذن: فالكمية المعطاة لهم من الصدقة كانت هي أساس اللمز. ومثل هذا قد حدث في غزوة حنين. فقد وزع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم على قريش وأهل مكة، ولم يُعْطِ الأنصار شيئاً. فلما لم يُدخل صلى الله عليه وسلم الأنصار في هذه القسمة، استاء بعضهم من ذلك، فجمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم: "حديث : ألا ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير، وترجعون أنتم برسول الله؟ المحيا محياكم والممات مماتكم، ولو سلك الناس شِعْباً وسلك الأنصار شِعْباً لسلكتُ شِعْبَ الأنصار" تفسير : وهنا بكى الأنصار، وعرفوا أنهم سيعودون بما هو أكبر كثيراً من الغنائم؛ سيعودون بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد يعطي رسول الله صلى الله عليه حَديثَ عَهْدٍ بالإسلام شيئاً من الصدقة ليربطه بهذا الدين، وقد يعطى لتأليف القلوب، وقد يعطي لفقير تأبى عزة نفسه أن يعترف أمام الناس بحاجته. ولذلك كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ملاحظة في توزيع الصدقات والغنائم، قد لا يلحظها أحد. وكان الواجب على المسلمين أن يقبلوا عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن سلوكه هو الحكم، ولا بد أن نقبله. ففي الحديبية مثلاً حيث حدث عهد بين رسول الله صلى الله عليه وبين كفار قريش بألا يتعرض أحد منهم للآخر مدة عشرة أعوام، هذا الصلح أثار غضب عدد من المؤمنين وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنرضى بالدنية في ديننا؟ أي: كيف نعطيهم هذه العهود وهي مجحفة بالنسبة لنا؟ حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انفعل وأراد أن يقسو في الكلام وقال لرسول الله عليه الصلاة والسلام: ألستَ على حق يا رسول الله؟ فقال له أبو بكر: الزم غرزك يا عمر - أي اعرف مكانك - إنه رسول الله. وبعد أن مرت فترة من الزمن وعرف المسلمون الحكمة من صلح الحديبية، وما أتاحه هذا الصلح للإسلام من انتشار وقوة أدت إلى فتح مكة، قال أبو بكر رضي الله عنه: ما كان نصر في الإسلام أعظم من نصر الحديبية. ولكن المسلمين في هذا الوقت لم يُحِطْ فكرهم بما بين محمد وربه؛ لأن العباد دائماً يعجَلُون، والله لا يعجل عجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد. وقد أراد الحق سبحانه وتعالى أن يُهدِّئ نفوس المؤمنين، وقبل أن يصلوا إلى المدينة عائدين بعد صلح الحديبية، نزل قوله تعالى: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} تفسير : [الفتح: 25]. وهكذا أطلع الله المؤمنين على عِلَّة قبول صلح الحديبية وعدم القتال مع المشركين في هذا الوقت وذلك المكان، فقد كان هناك مؤمنون في مكة يكتمون إيمانهم ويعيشون في مجتمع المشركين الذين يمكنهم البطش بهؤلاء المسلمين لو علموا بوجودهم. كما أن المسلمين القادمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفون هؤلاء المؤمنين، فإذا قامت المعركة فقد يقتل المسلم مسلماً، لأن الذين قدموا من المدينة لو دخلوا مع أهل مكة في قتال فقد يقتلون بعضاً من إخوانهم في الإيمان الموجودين في مكة، فهم لا يعرفونهم. ولو كان المؤمنون في ناحية والكفار في ناحية لَعذَّب الحقُّ الكفار بأيدي المؤمنين عذاباً أليماً. إذن: فقد علم رسول الله من ربه سراً ولم يُعْلِنْه إلا لوقته، رغم تعجُّل من كانوا معه صلى الله عليه وسلم. ومثل هذا يحدث في حياتنا، قد نجد مؤمناً يدعو الله ولا تجاب دعوته, وعلى هذا المؤمن ألا يحزن، بل عليه أن يعلم أنه قد يكون في عدم الإجابة خير لا يعلمه. وأن من رحمة الله أنه لم يُجِبْ هذه الدعوة، مثلما تحمي ابنك الشاب من أن يحمل سلاحاً؛ خوفاً من أن يتهور في أي مشاجرة ويقتل أحداً، رغم أن السلاح معه حماية له، ولكنه أسلوب حماية قد يحمل الضرر، وقد يؤدي إلى عواقب وخيمة. وحين تدعو الله ولا يجيب دعاءك، فَثِقْ أنه سبحانه يحميك من نفسك؛ لأنك لا تعلم والله سبحانه وتعالى يعلَم. فقد تدعو بشيء تحسبُه خيراً والله سبحانه يعلم أنه شر. إذن: فعدم إجابة هذه الدعوة هو عين الإجابة لها. الحق سبحانه وتعالى يقول: {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} والسخط هو: عدم الرضا في القلب، ثم يتعدى ذلك إلى اللسان، مثلما قال حرقوص بن زهير لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اعدل يا محمد. أي: أنه سخط بقلبه أولاً، ثم أساء بلسانه ثانياً. وساعة يعرض الحق سبحانه لنا الداء في المجتمع الإيماني فهو جل وعلا يعطي الدواء الذي يحمي المجتمع من هذا الداء، وهؤلاء الناس كانوا يعيبون تشريع الصدقة، رغم أنهم إنْ أعطوا منها رضوا، وإن لم يُعطوا سخطوا، إذن: فموازينهم مُختلة، وليست موازين حق ثابت، بل هي موازين هوى النفس، لكن موازين الحق لا تتبع ولا تتوقف على هوى النفس، بل هي موازين ثابتة يعدل فيها الإنسان حتى مع ألدِّ أعدائه. ولكن هؤلاء الناس تختلف انفعالاتهم باختلاف مصلحتهم، إذا أَخَذُوا رضُوا، وإذا مُنِعُوا سخِطوا؛ لأن ميزانهم هو المصلحة الخاصة البعيدة عن كل عدل. وهنا يأتي الحق سبحانه وتعالى بالعلاج فيقول جل جلاله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ} [الآية: 58]. يقول: يتهمك يسأَلك ويروزك. أنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح في قوله: {وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} [الآية: 60] قال: كانوا ناساً يتأَلفهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالعطية عيينة بن بدر ومن كان معه.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ} معناه يُعِيبُكَ ويَقعُ فِيكَ، ويَطعُنُ عَلَيكَ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ومن هؤلاء المنافقين من يعيبك في قسمة الصدقات، وينتقد عليك فيها، وليس انتقادهم فيها وعيبهم لقصد صحيح، ولا لرأي رجيح، وإنما مقصودهم أن يعطوا منها. { فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ } وهذه حالة لا تنبغي للعبد أن يكون رضاه وغضبه، تابعا لهوى نفسه الدنيوي وغرضه الفاسد، بل الذي ينبغي أن يكون هواه تبعا لمرضاة ربه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ". تفسير : وقال هنا: { وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ } أي: أعطاهم من قليل وكثير. { وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ } أي: كافينا اللّه، فنرضى بما قسمه لنا، وليؤملوا فضله وإحسانه إليهم بأن يقولوا: { سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ } أي: متضرعون في جلب منافعنا، ودفع مضارنا، لسلموا من النفاق ولهدوا إلى الإيمان والأحوال العالية، ثم بين تعالى كيفية قسمة الصدقات الواجبة فقال: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ ...}.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ} [58] 240- أنا محمد بن عبد الأعلى، نا محمد - يعني ابن ثور، عن مَعمر، عن الزُّهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي سعيد قال: حديث : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسما، إذ جاء ابن أبي الخُوَيْصرة التَّميمي، فقال/ اعْدِل يا رسول الله قال: "ويحك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟" فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي، فأضرب عنقه، قال: "دعه، فإن له أصحابا يَحْقِرُ أحدكم صلاتَه مع صلاتِه، وصيامَه مع صيامِه، يَمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمية، فينظر في قُذّذه، فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نَضبه، فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر في رِصافه، فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نَضله، فلا يوجد فيه شيء، سبق الفَرثَ والدَّم، آيَتُهم رجل أسود في إحدى يده - أو إحدى يديه - مثل ثَدي المرأة، أو مثل البَضْعة تدَرْدَرُ، يخرجون على حين فترة من الناس". قال: فنزلت فيهم {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ} قال أبو سعيد: أشهد إني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن عليا حين قتلهم جيء بالرجل على النَّعت الذي نعَتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم .
همام الصنعاني
تفسير : 1091- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ}: [الآية: 58]، قال: يَطْعَنُ عليْكَ. 1092- عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي سعيد الخدري، قال: حديث : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسماً إذْ جاءه ابن ذي الخويصرة التميمي، فقال: اعدل يا رسول الله! فقال: ويلك ومن يعدل إذا لم اعدل؟ قال عمر: يا رسول الله! ائذن لي فيه، فأضرب عنقه، فقال: دَعْهُ، فإنَّ له أصحاباً يحتقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدِّينِ كما يمرق السهم من الرمية ينظر في قُذَذِهِ فلا يُوجد شيء، ثم ينظر في نضّيه فلا يوجد في شيء، ثم ينظر في رِصافة فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسْوَد، إحدى يديه أو قال عَلَى إحدى يديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، يخرجون عَلى حين فَترة من الناس. تفسير : قال: فنزلت: {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ}: [الآية: 58]، قال أبو سعيد: أشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشْهَدُ أنَّ علياً حتى قتلهم وأنا معه جيء بالرجل على النَّعْت الذي نَعَت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):