٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
59
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ} جواب «لو» محذوف، التقدير لكان خيراً لهم.
البيضاوي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} ما أعطاهم الرسول من الغنيمة أو الصدقة، وذكر الله للتعظيم وللتنبيه على أن ما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام كان بأمره. {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ } كفانا فضله {سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } صدقة أو غنيمة أخرى. {وَرَسُولُهُ } فيؤتينا أكثر مما آتانا. {إِنَّا إِلَى ٱللَّهِ رٰغِبُونَ } في أن يغنينا من فضله، والآية بأسرها في حيز الشرط، والجواب محذوف تقديره {خَيْراً لَّهُمْ}. ثم بين مصارف الصدقات تصويباً وتحقيقاً لما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَاء وَٱلْمَسَـٰكِينِ } أي الزكوات لهؤلاء المعدودين دون غيرهم، وهو دليل على أن المراد باللمز لمزهم في قسم الزكوات دون الغنائم. والفقير من لا مال له ولا كسب يقع موقعاً من حاجته من الفقار كأنه أصيب فقاره. والمسكين من له مال أو كسب لا يكفيه من السكون كأن العجز أسكنه، ويدل عليه قوله تعالى:{أية : أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَـٰكِين} تفسير : [الكهف: 79] وأنه صلى الله عليه وسلم كان يسأل المسكنة ويتعوذ من الفقر. وقيل بالعكس لقوله تعالى: {أية : مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ }تفسير : [البلد: 16] {وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا } الساعين في تحصيلها وجمعها. {وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ } قوم أسلموا ونيتهم ضعيفة فيه فيستأنف قلوبهم أو أشراف قد يترتب بإعطائهم ومراعاتهم إسلام نظرائهم، وقد أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس لذلك. وقيل أشراف يستألفون على أن يسلموا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطيهم والأصح أنه كان يعطيهم من خمس الخمس الذي كان خاص ماله وقد عد منهم من يؤلف قلبه بشيء منها على قتال الكفار ومانعي الزكاة. وقيل كان سهم المؤلفة لتكثير سواد الإسلام فلما أعزه الله وأكثر أهله سقط. {وَفِي ٱلرّقَابِ } وللصرف في فك الرقاب بأن يعاون المكاتب بشيء منها على أداء النجوم. وقيل بأن تبتاع الرقاب فتعتق وبه قال مالك وأحمد أو بأن يفدي الأسارى. والعدول عن اللام إلى {فِى } للدلالة على أن الاستحقاق للجهة لا للرقاب. وقيل للايذان بأنهم أحق بها. {وَٱلْغَـٰرِمِينَ } والمديونين لأنفسهم في غير معصية ومن غير إسراف إذا لم يكن لهم وفاء، أو لإِصلاح ذات البين وإن كانوا أغنياء لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغازٍ في سبيل الله أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين للغني أو لعامل عليها» تفسير : {وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } وللصرف في الجهاد بالإِنفاق على المتطوعة وابتياع الكراع والسلاح. وقيل وفي بناء القناطر والمصانع. {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } المسافر المنقطع عن ماله. {فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ } مصدر لما دل عليه الآية الكريمة أي فرض لهم الله الصدقات فريضة، أو حال من الضمير المستكن في {لِلْفُقَرَاء }. وقرىء بالرفع على تلك {فَرِيضَةً }. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } يضع الأشياء في مواضعها، وظاهر الآية يقتضي تخصيص استحقاق الزكاة بالأصناف الثمانية ووجوب الصرف إلى كل صنف وجد منهم ومراعاة التسوية بينهم قضية للاشتراك وإليه ذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه، وعن عمر وحذيفة وابن عباس وغيرهم من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين جواز صرفها إلى صنف واحد وبه قال الأئمة الثلاثة واختاره بعض أصحابنا، وبه كان يفتي شيخي ووالدي رحمهما الله تعالى على أن الآية بيان أن الصدقة لا تخرج منهم لا إيجاب قسمها عليهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ ءاتَٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } من الغنائم ونحوها {وَقَالُواْ حَسْبُنَا } كافينا {ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ } من غنيمة أخرى ما يكفينا {إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رٰغِبُونَ } أن يغنينا، وجواب «لو» لكان خيراً لهم.
الخازن
تفسير : {ولو أنهم رضوا} يعني ولو أن المنافقين الذين عابوا عليك رضوا بما قسم الله لهم وقنعوا {ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله} أي كافينا الله {سيؤتينا الله من فضله ورسوله} يعني إليه {إنا إلى الله راغبون} يعني في أن يوسع علينا من فضله فيغنينا عن الصدقة وعن غيرها من أموال الناس وجواب لو محذوف تقديره لكان خيراً لهم وأعود عليهم. قوله عز وجل: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} الآية اعلم أن المنافقين لما لمزو رسول الله صلى الله عليه وسلم وعابوه في قسم الصدقات بيَّن الله عز وجل في هذه الآية إن المستحقين للصدقات هؤلاء الأصناف الثمانية ومصرفها إليهم ولا تعلن لرسول الله صلى الله عليه وسلم منها بشيء ولم يأخذ لنفسه منها شيئاً فلم يلمزونه ويعيبون عليه فلا مطعن لهم فيه بسبب قسم الصدقات. حديث : عن زياد بن الحرث الصدائي قال "أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته فأتاه رجل فقال أعطني من الصدقة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك"تفسير : أخرجه أبو داود. (فصل في بيان حكم هذه الآية وفيه مسائل) المسألة الأولى: في بيان وجه الحكمة في إيجاب الزكاة على الأغنياء وصرفها إلى المحتاجين من الناس وذلك من وجوه، الوجه الأول أن المال محبوب بالطبع وسببه أن القدرة صفة من صفات الكمال محبوبة لذاتها والمال سبب لتحصيل تلك القدرة فكان المال محبوباً بالطبع فإذا استغرق القلب في حب المال اشتغل به عن حب الله عز وجل وعن الاشتغال بالطاعات المقربة إلى الله عز وجل فاقتضت الحكمة الإلهية إيجاب الزكاة في ذلك المال الذي هو سبب البعد عن الله فيصير سبباً للقرب من الله عز وجل بإخراج الزكاة منه. الوجه الثاني: إن كثرة المال توجب قسوة القلب وحب الدنيا والميل إلى شهواتها ولذاتها فأوجب الله سبحانه وتعالى الزكاة ليقل ذلك المال الذي هو سبب لقساوة القلب. الوجه الثالث سبب وجوب الزكاة امتحان العبد المؤمن لأن التكاليف البدنية غير شاقة على العبد وإخراج المال مشق على النفس فأوجب الله عز وجل الزكاة على العباد ليمتحن بإخراج الزكاة أصحاب الأموال لتميز بذلك المطيع المخرج لها طيبة بها نفسه من العاصي المانع لها. الوجه الرابع أن المال مال الله والأغنياء خزان الله والفقراء عيال الله فأمر الله سبحانه وتعالى خزانه الذين هم أغنياء بدفع طائفة من ماله إلى عياله فيثيب العبد المؤمن المطيع المسارع إلى امتثال المشفق على عياله ويعاقب العبد العاصي المانع لعياله من ماله (ق). عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : إن الخازن المسلم الأمين الذي ينفذ وربما قال يعطي ما أمر به فيعطيه كاملاً موفراً طيبة به نفسه فيدفعه إلى الذي أمر له به أحد المتصدقين"تفسير : . الوجه الخامس أن الفقراء ربما تعلقت قلوبهم بالأموال التي بأيدي الأغنياء فأوجب الله عز وجل نصيباً للفقراء في ذلك المال تطييباً لقلوبهم. الوجه السادس أن المال الفاضل عن حاجة الإنسان الأصلية إذا أمسك بقي معطلاً عن المقصود الذي لأجله خلق المال فأمر بدفع الزكاة إلى الفقراء حتى لا يصير ذلك المال معطلاً بالكلية. المسألة الثانية: الآية تدل على أنه لا حق لأحد في الصدقات إلا هؤلاء الأصناف الثمانية وذلك مجمع عليه لأن كلمتي إنما تفيدان الحصر وذلك لأنها مركبة من إن وما فكلمة إن للإثبات وكلمة ما للنفي فعند اجتماعهما يفيدان الحكم المذكور وصرفه عما عداه فدل ذلك على أن الصدقات لا تصرف إلا إلى الأصناف الثمانية. المسألة الثالثة: في بيان الأصناف الثمانية فالصنف الأول للفقراء والثاني للمساكين وهم المحتاجون الذين لا يفي خرجهم بدخلهم ثم اختلف العلماء في الفرق بين الفقير والمسكين فقال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة والزهري: الفقير الذي لا يسأل والمسكين السائل وقال ابن عمر: ليس بفقير من جمع الدرهم إلى الدرهم والتمر إلى التمرة ولكن الفقير من أنقى نفسه وثيابه ولا يقدر على الشيء يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف. وقال قتادة: الفقير المحتاج الزمن والمسكين الصحيح المحتاج وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: الفقير من لا مال له ولا حرفة تقع منه موقعاً زمناً كان أو غير زمن والمسكين من له مال أو حرفة ولكن لا تقع منه موقعاً لكفايته سائلاً كان أو غير سائل فالمكسين عنده أحسن حالاً من الفقير. وقال أبو حنيفة، وأصحاب الرأي: الفقير أحسن حالاً من المسكين ومن الناس من قال لا فرق بين الفقير والمسكين حجة الشافعي ومن وافقه أن الله سبحانه وتعالى حكم بصرف الصدقات إلى هؤلاء الأصناف الثمانية دفعاً لحاجتهم وتحصيلاً لمصلحتهم فبدأ بالفقر وإنما يبدأ بالأهم فالأهم فلو لم تكن حاجتهم أشد من حاجة المساكين لما بدأ بهم وأصل الفقير المكسور الفقار قال لبيد: شعر : لما رأى لبد النسور تطايرت رفع القوادم كالفقير الأعزل تفسير : قال ابن الأعرابي: الفقير في هذا البيت المكسور الفقار فثبت بهذا أن الفقير إنما سمي فقيراً لزمانته وحاجته الشديدة وتمنعه الزمانة من التقلب في الكسب ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من الفقر وقال "حديث : اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة"تفسير : رواه الترمذي من حديث أنس فلو كان المسكين أسوأ حالاً من الفقير لما تعوذ من الفقر وسأل المسكنة فثبت بهذا أن المسكين أحسن حالاً من الفقير ولأن الله سبحانه وتعالى قال أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأثبت لهم ملكاً مع اسم المسكنة لأن السفينة من سفن البحر تساوي دنانير كثيرة ولأن الغنى والفقر ضدان والمسكنة قسم ثالث بينهما فثبت بهذا أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين وحجة أبي حنيفة ومن وافقه على أن المسكين أسوأ حالاً من الفقير قوله أو مسكيناً ذا متربة وصف المسكين بكونه ذا متربة وهو الذي لصق جلده بالتراب وهذا يدل على غاية الضر والشدة ولأن الله تعالى جعل الكفارات للمساكين فلو لم يكن المسكين أشد حاجة من غيره لما جعلها له واحتج أيضاً بقول الراعي: شعر : أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سبد تفسير : واحتج أيضاً بقول الأصمعي وأبي عمرو بن العلاء أن الفقير الذي له ما يأكل والمسكين الذي لا شيء له وكذا قال القتيبي: الفقير الذي له البلغة من العيش والمسكين الذي لا شيء له وقيل: الفقير الذي له المسكن والخادم والمسكين الذي لا ملك له وقيل: إن كل محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه وإن كان غنياً عن غيره قال الله سبحانه وتعالى: أنتم الفقراء إلى الله فأثبت لهم اسم الفقر مع وجدان المال والجواب عن هذه الحجج أما قوله أو مسكيناً ذا متربة فهو حجة لمذهب الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه لأنه قيد المسكين المذكور هنا بكونه ذا متربة فدل على أنه قد يوجد مسكين لا بهذه الصفة وإلا لم يبق لهذا القيد فائدة والجواب عن جعل الكفارات للمسكين أنه هو الفقير الذي لصق جلده بالتراب من شدة المسكنة والجواب عن الاستدلال ببيت الراعي إنه ذكر الفقير وجده فكل فقير أفرد بالاسم جاز إطلاق المسكين عليه فسقط الاستدلال به وأما الروايات المذكورة فهي معارضة بما تقدم من الروايات عن ابن عباس وغيره من المفسرين. وبالجملة أن الفقر والمسكنة عبارتان عن شدة الحاجة وضعف الحال فالفقير هو الذي كسرت الحاجة فقار ظهره والمسكين هو الذي ضعفت نفسه وسكنت عن الحركة في طلب القوت. عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي"تفسير : أخرجه النسائي وأبو داود وله في رواية أخرى "حديث : ولا لذي مرة قوي" حديث : عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال "أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم وهو في حجة الوداع وهو يقسم الصدقات فسألاه منها فرفع فينا النظر وخفضه فرآنا جلدين فقال إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب"تفسير : أخرجه أبو داود والنسائي وأخرجه الشافعي ولفظه "حديث : أن رجلين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن الصدقة فقال: إن شئتما أعطيتكما ولاحظ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب"تفسير : واختلف العلماء في حد الغنى الذي يمنع من أخذ الصدقة فقال الأكثرون حده أن يكون عنده ما يكفيه وعياله سنة وهو قول مالك والشافعي. وقال أصحاب الرأي: حده أن يملك مائتي درهم. وقال قوم: من ملك خمسين درهماً أو قيمتها لا تحل له الصدقة لما روي عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجه خموش أو خدوش أو كدوح قيل يا رسول الله وما يغنيه قال: خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب"تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وهذا قول الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق. وقالوا: لا يجوز أن يعطى الرجل أكثر من خمسين درهماً من الزكاة وقيل: أربعين درهماً لما روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف"تفسير : أخرجه أبو داود وكانت الأوقية في ذلك الزمان أربعين درهماً الصنف الثالث قوله سبحانه وتعالى: {والعاملين عليها} وهم السعاة الذين يتولون جباية الصدقات وقبضها من أهلها ووضعها في جهتها فيعطون من مال الصدقات بقدر أجور أعمالهم سواء كانوا فقراء أو أغنياء وهذا قول ابن عمر وبه. قال الشافعي وقال مجاهد والضحاك: يعطون الثمن من الصدقات. وظاهر اللفظ مع مجاهد إلا أن الشافعي يقول: هو وأجرة عمل تقدر بقدر العمل والصحيح أن الهاشمي والمطلبي لا يجوز أن يكون عاملاً على الصدقات لما روي عن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً من بني مخزوم على الصدقة فأراد أبو رافع أن يتبعه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا تحل لنا الصدقة وأن مولى القوم منهم"تفسير : أخرجه الترمذي والنسائي الصنف الرابع قوله تعالى: {والمؤلفة قلوبهم} وهم قسمان: قسم مسلمون وقسم كفار فأما قسم المسلمين فقسمان القسم الأول هم قوم من أشراف العرب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم من الصدقات يتألفهم بذلك كما أعطى عيينة بن حصن والأقرع بن حابس والعباس ابن مرداس السلمي فهؤلاء أسلموا وكانت نيتهم ضعيفة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم لتقوى رغبتهم في الإسلام وقوم أسلموا وكانت نيتهم قوية في الإسلام وهم أشراف قومهم مثل عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم تألفاً لقومهم وترغيباً لأمثالهم في الإسلام فيجوز للإمام أن يعطي أمثال هؤلاء من خمس خمس الغنيمة والفيء من سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطيهم من ذلك ومن الصدقات أيضاً. القسم الثاني من مؤلفة المسلمين هم قوم من المسلمين يكونون بإزاء قوم كفار في موضع لا تبلغهم جيوش المسلمين إلا بكلفة كبيرة ومؤنة عظيمة وهؤلاء الذين بإزائهم من المسلمين لا يجاهدونهم لضعف نيتهم أو لضعف حالهم فيجوز للإمام أن يعطيهم من سهم الغزاة من مال الصدقة وقيل من سهم المؤلفة قلوبهم ومن هؤلاء قوم بإزاء جماعة من مانعي الزكاة فيأخذون منهم الزكاة ويحملونها إلى الإمام فيعطيهم الإمام من سهم المؤلفة من الصدقات وقيل من سهم سبيل الله. روي أن عدي بن حاتم جاء أبا بكر بثلثمائة من الإبل من صدقات قومه فأعطاه أبو بكر منها ثلاثين بعيراً وأما مؤلفة الكفار فهم قوم يخشى شرهم أو يرجى إسلامهم فيجوز للإمام أن يعطي من يخاف شره أو يرجو إسلامه فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم من خمس الخمس كما أعطى صفوان بن أمية لما كان يرى من ميله إلى الإسلام أما اليوم فقد أعز الله الإسلام وله الحمد على ذلك وأغناه عن أن يتألف عليه أحد من المشركين فلا يعطى مشرك تألفاً بحال وقد قال بهذا كثير من أهل العلم ورأوا أن المؤلفة منقطعة وسهمهم ساقط يروى ذلك عن ابن عمر وعكرمة وهو قول الشعبي وبه قال مالك والثوري وأصحاب الرأي وإسحاق بن راهويه. وقال قوم: سهمهم ثابت لم يسقط. يروى ذلك عن الحسن وهو قول الزهري وأبي جعفر محمد بن علي وأبي ثور وقال أحمد يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك الصنف الخامس قوله سبحانه وتعالى: {وفي الرقاب} قال الزجاج: فيه حذف تقديره وفي فك الرقاب وفي تفسير الرقاب أقوال الأول أن سهم الرقاب موضوع في المكاتبين فيدفع إليهم ليعتقوا به وهذا مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه وهو قول أكثر الفقهاء منهم سعيد بن جبير والنخعي والزهري والليث بن سعد ويدل عليه أيضاً قوله تعالى وآتوهم من مال الله الذي آتاكم، القول الثاني وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق أن سهم الرقاب موضوع لعتق الرقاب فيشترى به عبيد ويعتقون ويدل عليه ما روي عن ابن عباس أنه قال لا بأس أن يعتق الرجل من الزكاة القول الثالث وهو قول أبي حنيفة وأصحابه أنه لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة لكن يعطي منها في عتق رقبة ويعان بها مكاتب لأن قوله في الرقاب يقتضي التبعيض. القول الرابع وهو قول الزهري أن سهم الرقاب نصفان نصف للمكاتبين ونصف يشترى به عبيد ممن صلوا وصاموا وقدم إسلامهم فيعقتوا من الزكاة. قال أصحابنا: الأحوط في سهم الرقاب أن يدفع إلى السيد بإذن المكاتب ويدل عليه أنه سبحانه وتعالى أثبت الصدقات للأصناف الأربعة المتقدمة بلام الملك فقال: إنما الصدقات للفقراء. وقال: في الصنف الخامس وفي الرقاب فلا بد لهذا الفرق من فائدة وهي أن الأصناف الأربعة المتقدم ذكرها يدفع إليهم نصيبهم من الصدقات فيصرفون ذلك فيما شاؤوا وأما الرقاب فيوضع نصيبهم في تخليص رقابهم من الرق ولا يدفع إليهم ولا يمكنون من التصرف فيه وكذا القول في الغارمين فيصرف نصيبهم في قضاء ديونهم وفي الغزاة يصرف نصيبهم فيما يحتاجون إليه في الغزو وكذا ابن السبيل فيصرف إليه ما يحتاج إليه في سفره إلى بلوغ غرضه الصنف السادس قوله سبحانه وتعالى: {والغارمين} أصل الغرم في اللغة لزوم ما يشق عليه النفس وسمى الدين غرماً لكونه شاقاً على الإنسان والمراد بالغارمين هنا المديونون وهم قسمان أدانوا لأنفسهم في غير معصية فيعطون من مال الصدقات بقدر ديونهم إذا لم يكن لهم مال يفي بديونهم فإن كان عندهم وفاء فلا يعطون وقسم أدانوا في المعروف وإصلاح ذات البين فيعطون من مال الصدقات ما يقضون به دينهم وإن كانوا أغنياء لما روي عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم أو لرجل أسير إعانة أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين للغني"تفسير : أخرجه أبو داود مرسلاً لأن عطاء بن يسار لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم ورواه معمر عن زيد ابن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم متصلاً بمعناه أما من كان دينه في معصية فلا يعطى من الصدقات شيئاً الصنف السابع قوله تعالى: {وفي سبيل الله} يعني وفي النفقة في سبيل الله وأراد به الغزاة فلهم سهم من مال الصدقات فيعطون إذا أرادوا الخروج إلى الغزو ما يستعينون به على أمر الجهاد من النفقة والكسوة والسلاح فيعطون ذلك وإن كانوا أغنياء لما تقدم من حديث عطاء وأبي سعيد الخدري ولا يعطى من سهم الله لمن أراد الحج عند أكثر أهل العلم وقال قوم يجوز أن يصرف سهم سبيل الله إلى الحج يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول الحسن وإليه ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وقال بعضهم: إن اللفظ عام فلا يجوز قصره على الغزاة فقط ولهذا أجاز بعض الفقهاء صرف سهم سبيل الله إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الجسور والحصون وعمارة المساجد وغير ذلك قال لأن قوله وفي سبيل الله عام في الكل فلا يختص بصنف دون غيره والقول الأول هو الصحيح لإجماع الجمهور عليه. الصنف الثامن قوله سبحانه وتعالى: {وابن السبيل} يعني المسافر من بلد إلى بلد والسبيل الطريق سمي المسافر ابن السبيل لملازمته الطريق قال الشاعر: شعر : أنا ابن الحرب ربتني وليداً إلى أن شبت واكتهلت لداتي تفسير : فكل مريد سفراً مباحاً ولم يكن له ما يقطع به مسافة سفره يعطى من الصدقات ما يكفيه لمؤنة سفره سواء كان له مال في البلد الذي يقصده أو لم يكن له مال، وقال قتادة: ابن السبيل هو الضيف وقال فقهاء العراق: ابن السبيل هو الحاج المنقطع. وقوله تعالى: {فريضة من الله} يعني أن هذه الأحكام التي ذكرها في الآية فريضة واجبة من الله وقيل فرض الله هذه الأشياء فريضة {والله عليم} يعني بمصالح عباده {حكيم} يعني فيما فرض لهم لا يدخل في تدبيره وحكمه نقض ولا خلل. المسألة الرابعة: في أحكام متفرقة تتعلق بالزكاة اتفق العلماء على أن المراد بقوله إنما الصدقات للفقراء هي الزكاة المفروضة بدليل قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة واختلفوا في كيفية قسمتها وفي جواز صرفها كلها إلى بعض الأصناف دون بعض فذهب جماعة من الفقهاء إلى أنه لا يجوز صرفها كلها إلى بعض الأصناف مع وجود الباقين وهو قول عكرمة وإليه ذهب الشافعي قال: يجب أن يقسم زكاة ماله على الموجودين من الأصناف الستة الذين سماهم ثمانية أقسام قسمة على السواء لأن سهم المؤلفة ساقط وسهم العامل ساقط إذا قسم زكاته بنفسه ثم حصة كل صنف من الأصناف الستة لا يجوز أن تصرف إلى أقل من ثلاثة منهم إن وجد منه ثلاثة أو أكثر فلو فاوت بين أولئك الثلاثة جاز فإن لم يجد من بعض الأصناف إلا واحداً دفع حصة ذلك الصنف إليه ما لم يخرج من حد الاستحقاق فإن انتهت حاجته وفضل شيء رده إلى الباقين وذهب جماعة من العلماء إلى أنه لو صرف الكل إلى صنف واحد من هذه الأصناف أو إلى شخص واحد منهم جاز لأن الله سبحانه وتعالى إنما سمى هذه الأصناف الثمانية إعلاماً منه أن الصدقة لا تخرج عن هذه الثمانية إلا إيجاباً منه لقسمتها بينهم جميعاً وهذا قول عمر وابن عباس وبه قال سعيد بن جبير وعطاء وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي وأحمد بن حنبل. قال أحمد بن حنبل: يجوز أن يضعها في صنف واحد وتفريقها أولى. وقال إبراهيم النخعي: إن كان المال كثيراً يحتمل الإجزاء قسمه على الأصناف وإن كان قليلاً وضعه في صنف واحد. وقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم ويقدم الأولى فالأولى من أهل الخلة والحاجة فإن رأى الخلة في الفقراء في عام قدمهم وإن رآها في صنف آخر في عام حولها إليهم وكل من دفع إليه شيئاً من الصدقة لا يزيد على قدر الاستحقاق فلا يزيد الفقير على قدر غناه وهو ما يحتاج إليه فإن حصل أدنى اسم الغني فلا يعطي بعده شيئاً وإن كان محترفاً لكنه لا يجد آلة حرفته فيعطي قدر ما يحصل به آلة حرفته فالاعتبار عند الإمام الشافعي رضي الله عنه ما يدفع الحاجة من غير حد. وقال أحمد بن حنبل: لا يعطي الفقير أكثر من خمسين درهماً وقال أبو حنيفة: أكره أن يعطى رجل واحد من الزكاة مائتي درهم فإن أعطيته أجزأ فإن أعطى من يظنه فقيراً فبان أنه غني فهل يجزئ فيه قولان ولا يجوز أن يعطي صدقته لمن تلزمه نفقته وبه قال مالك والثوري وأحمد وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يعطى والداً وإن علا ولا ولداً وإن سفل ولا زوجة ويعطي من عداهم وتحرم الصدقة على ذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب فلا يدفع إليهم من الزكاة شيء قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إنا آل بيت لا تحل لنا الصدقة"تفسير : وقال أبو حنيفة تحرم على بني هاشم ولا تحرم على بني المطلب دليلنا قوله صلى الله عليه وسلم"حديث : إنا وبنو المطلب شيء واحد لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام"تفسير : وتحرم الصدقة على موالي بني هاشم وبني المطلب لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : مولى القوم منهم"تفسير : وقال مالك لا تحرم واختلفوا في نقل الصدقة من بلد إلى بلد آخر مع وجود المستحقين في بلد المال فكرهه أكثر أهل العلم لتعلق قلوب فقراء ذلك البلد بذلك المال ولقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ "حديث : وأعلمهم أن الله سبحانه وتعالى افترض عليهم صدقة من أغنيائهم وترد على فقرائهم"تفسير : الحديث بطوله في الصحيحين واتفقوا على أنه إذا نقل المال إلى بلد آخر وأداه إلى فقراء ذلك البلد سقط عنه الفرض إلا ما حكى عن عمر بن عبد العزيز فإنه رد صدقة حملت من خراسان إلى الشام فردها إلى مكانها من خراسان والله أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} [الآية: 59]. قال إبراهيم بن أدهم: من رضى بالمقادير لم يغتم. سمعت أبا عمرو بن حمدان يقول: سمعت الهيثم بن خلف يقول: سمعت محمد ابن على بن شقيق يقول: سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول: سمعت الفضيل رحمة الله عليه يقول: الراضى لا يتمنى فوق منزلته. قال أبو جعفر: الرضا هو سكون السر مع مجارى المقدورات، وقال: الرضا تلقى البلاء بالقبول على حد الطرف والفرح.
القشيري
تفسير : لو وقفوا مع الله بِسِرِّ الرضا لأَتَتْهُم فنونُ العطاء وتحقيقات المنى، ولحفظوا مع الله - عند الوجدان - مالهم من الأدب، من غير معاناة تَعبٍ، ولا مُقاساة نَصَبٍ.. ولكنهم عَرَّجُوا في أوطانِ الطمعِ فوقعوا في الذُّلِّ والحَرب.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} وصف الله قوما ليسوا من اهل مقام الرضا لانهم كانوا محرومين عن معرفة الله ورسوله ومعرفة حقائق الدين ولو كانوا من اهل المعرفة لرضوا فيهما ابتلاهم الله فان الرضا مقرون بالمعرفة ونعت الراضى للنشاط بما استقبله من الله ويستلد باشر قلبه عن البلاغ كانه يحتمل البلاء برؤية المبلى ويسكن فى جريان المقادير عليه بما يرد على قلبه من روح انوار القدر والراضى موصوف بصفة الرضا من الله والمتصف بصفاته يرضى برضى الله فى امتحانه ورضى الله مقدس عن التغيير بوارد الحدثان وبين الله سبحانه ان الراضى عن الله فالله خلقه عن كل فوت وحيوته عن كل موت بقوله {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ} من كان هو حسبه فاجره مشاهدة حسيبه قال الله {سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} اى من قربه ومشاهدته {وَرَسُولُهُ} يظهر لنا من فوائد الغيب المكشوفة له ويودينا بما استأثره الله من حقائق الادب {إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ} بنعت الشوق الى جماله الا الى غيره من العرش الى الثرى علم الله تعالى ادب الرضا والسوال فى هذه الاية الصادقين والعارفين والمريدين قال ابراهيم بن ادهم رضى بالمقادير لم لعتم وقال فضيل الراضى لا يتمنى فوق منزلته ثم ان الله تعالى لما درس علم الحرمان فى افواه المدعين بمقام الايمان والمعرفة الذين طلبوا من النبى صلى الله عليه وسلم ما خص الله به الروحانيين ==== على اعناق اهل الدنيا الذين يجمعونها من سهم الزكاة ذكرانه استأثره لاهل المراقبات والمشاهدات وغيرهم من اهل المقامات بقوله {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} ان الله سبحانه قسم هذه الجوايز من فضله ولطفَه على اهل معرفته رحمة منه عليهم بعلمه انهم غائبون فى اودية فردانيته المستغرقون فى بحار وحدانيته والهون من حبه هائمون من شوقة لا يطيقون ان يشتغلوا بما لا بد لهم من كثيرات حريقات ليأخذوا كلهم على قدر مراتبهم من سهام ما رزقهم الله حلالاً طيباً مما اوجبه على طلاب الدنيا وحذر اهل الدنيا عن عذاب الاليم اذ يقصرون فى اعطاء الزكوة الى هؤلاء السادة يطيب نفوسهم ونشاط قلوبهم وبين عدد اهلها وقسمهم بثمانية اقسام وجعل اولهم الفقراء وحسم اطماع غيرهم عن هذه السهام وقال انما الصدقات للفقراء ومن بعدهم من اصناف الثمانية ودليل الخطاب ان هذه لهم لا لغيرهم ابدا بالفقراء وهم المتجردون بقلوبهم وابدانهم عن الكونين والعالمين المنعوتون بنعت التنزيه حيث وقعوا فى قدس القدم فاتصفوا بقدسه وتنزهوا بتنزيهه وانفردوا بفردانيته يفتقرون الى وصال الابد والمساكين هم الذين سكنوا فى حجال الانس بنور القدس حاضرين فى العبودية بنفوسهم غائبين فى انوار الربوبيّة بقلوبهم لذلك اختار المسكنة سيد فرسان العالمين محمد صلى الله عليه وسلم بقوله اللهم احينى مسكيناً وامتنى مسكينا واحشرنى فى زمرة المساكين وانشد شعر : مساكين اهل الارض ساقت قلوبهم فهم انفس عاشوا بغير قلوب تفسير : والعاملون اهل التمكين من العارفين واهل الاستقامت من الموحدين الذين وقعوا فى نور البقاء فاورثهم البسط والانبساط فياخذون منه ويعطون له وهم خزاين خزاين جوده المشفقون على اوليائه قلوبهم معلقة بالله لا بغيره من العرش الى الترى والمؤلفة قلوبهم المريدون الذين سلكوا طريق محبته برقة قلوبهم وصفاء نياتهم وبذلوا مهجتهم فى عساكر ميادين شوقه ومحبته وعشقه وهم عند الاقوياء ضعفاء الاحوال تحفهم الله هذه التحفة فى مواساة حظوظهم واستجلاب نشاط نفوسهم فى طاعات مولاهم وحاشا انهم بذلوا انفسهم لنيل ثواب او الروية مقام او تطلع حال بل فناء لله عما سوى الله كما انشد بعضهم شعر : من لم يكن بك فانيا عن حظه وعن الهوى والانس بالاحباب اويتمته صبابت جمعت له ما كان مفترقاً من الاسباب فلانه بين المراتب واقف لمنال حظ او لحسن مآب تفسير : وفى الرقاب هم الذين رهنت قلوبهم بلذة محبة الله وبقيت نفوسهم فى المجاهدة فى طريق الله لم يبلغوا بالكليّة الى شهود كشف مشاهدة الله فتارة يغريهم سلبات القهر وتارة يفنيهم انوار اللطف فلحظة هم فى الحج بحار الارادات ولحظة هم فى سواحل بحر القربة ما اشد حيرتهم فى فقر الولاية وما اعظم رغبتهم فى فقر المحبة لا يصلون الى الحقيقة ما دام عليهم بقية المجاهدة قال عليه السّلام المكاتب عبد ما بقى عليه درهم وانشد فى ذلك شعر : تمنى على الزمان محالا ان ترى مقلتاى طلعة حرّ تفسير : والغارمون هم الذين ما قضوا حقوق معارفهم فى العبودية وما ادركوا فى ايقانهم حقائق الربوبية وهم بقوا ابدا فى تلك الغرامة لان الفقدان بلا نهاية والموحدان بلا نهاية ومن نودى ما فات عنه فى الفقدان من بذل الوجود بنعت الصبر ومن يؤدى حقوق الوجدان بنعت الشكر هذا قبل المعرفة عزيم لا يقضى دينه وفى سبيل الله هم المحاربون مع نفوسهم بالمجاهدات والمرابطون قلوبهم فى شهود الغيب لكشف المشاهدات وابن السبيل هم المسافرون بقلوبهم فى بوادى الازل ومسافرون بأرواحهم فى فقار الابد وبعقولهم فى طرق الايات وبنفوسهم فى طلب اهل الولايات {فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ} واجبّة منه على اهل زمام الايمان يواسوا بهذه القسمة اهل الايقان والعرفان {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} عليم بأحوال هؤلاء المقربين فى غيبتهم عن الدنيا حكيم حيث اوجب مواساتهم على اهل الاخرة والعقبى قال بعضهم الفقراء ثلاثة فقيلا لا يسأل ولا يتعرض وان اعطى لا يقبل فذاك كالروحانيين وفقير لا يسأل ولا يتعرض وان اعطى قبل مقدار حاجته فذاك لا حساب عليه وفقير يسأل مقدار قوته وان استغنى كف فذلك فى حظيرة القدس وقال ابراهيم الخواض نعت الفقير السكون عند العدم والايثار والبذل عن الوجود والمسكين من يرى عليه اثر العدم وقال الاستاد الفقير الصادق عندهم من الاسماء تظله ولا ارض تُقَلِّه ولا سمةً فى اوان العبودية يتناوله ولا معلوم بشغله فهو عبد بالله لله يرد الى التمييز وفى غير هذا الوقت مصطلم عن شواهده واقف بربه منشعب عن حملته وقال الاستاد ابن السبيل عند القوم اذا تغرب العبد عن مألوفات اوطانه فهو فى قرى الحق فالجوع طعامه والخلوة مجلسه والمحبة شرابه والانس سوره والحق تعالى مشهوده وسقاهم ربهم شرابا طهورا لقوم وعدا فى الجنة والاخرين نقد فى الوقت وهو شراب المحاب وغذا شراب الثواب وانشد شعر : ومقعد قوم مشى من شرابنا واعمى سقيناه ثلثاً فابصرا والغرس لم ينطلق ثلثين حجة ادرنا عليه الكأس يوماً فاخبراه
اسماعيل حقي
تفسير : {ولو أنهم رضوا ما آتيهم الله ورسوله} اى ما اعطاهم الرسول من الصدقات طيبى النفوس به وان قل وذكر الله تعالى للتعظيم والتنبيه على ان ما فعله الرسول عليه السلام كان بامره سبحانه فلا اعتراض عليه لكون المأمور به موافقا للحكمة والصواب {وقالوا حسبنا الله} اى كفانا فضله وصنعه بنا وما قسمه لنا فان جميع ما اصابنا انما هو تفضل منه سواء كان لكسبنا مدخل فيه او لم يكن {سيؤتينا الله من فضله} صدقة اخرى {ورسوله} فيعطينا منها اكثر مما اعطانا اليوم {انا الى الله راغبون} ان يغنينا من فضله والاية باسرها فى حيز الشرط والجواب محذوف بناء على ظهوره ولتذهب فيه النفس كل مذهب ممكن اى لكان خيرا لهم [زيراكه رضا بقسمت سبب بهجت است وجزع دران موجب محنت. سلمى از ابراهيم ادهم نقل ميكندكه هركه بمقادير خرسند شدازغم وملال بازرست] شعر : رضا بداده بده وزجبين كره بكشا كه برمن وتو در اختيار نكشادست تفسير : ودرين معنى فرموده است شعر : بشنواين نكته كه خودرا زغم آزاده كنى خون خورى كر طلب روزئ ننهاده كنى تفسير : يقال اذا كان القدر حقا كان السخط حمقا. ولما قدم سعد بن ابى وقاص رضى الله عنه مكة بعدما كف بصره قيل له انت مجاب الدعوة لم لا تسأل رد بصرك فقال قضاء الله تعالى احب الى من بصرى. قيل لحكيم ما السبب فى قبض الكف عند الولادة وفتحه عند الموت فانشد شعر : ومقبوض كف المرء عند ولادة دليل على الحرص المركب فى الحى ومبسوط كف المرء عند وفاته يقول انظروا انى خرجت بلا شيء تفسير : -حكى- ان نباشا تاب على يد ابى يزيد البسطامى قدس سره فسأله ابو يزيد عن حاله فقال نبشت عن الف فلم ار وجوههم الى القبله الا رجلين فقال ابو يزيد مساكين اولئك نهمة الرزق حولت وجوههم عن القبلة. فعلى العاقل التوكل على الله والاعتماد بوعده فان الله كاف لعبده ومن وجد الله فقد ما دونه لان فقدان الله فى وجدان ما سواه ووجدانه فى فقدان ما سواه ومن وجده يرضى به ويقول سيؤتينا الله من فضله ما نحتاج اليه فى كمال الدين ونظام الدنيا انا الى الله راغبون لا الى الدنيا والعقبى وما فيهما غير المولى -روى- ان عيسى عليه السلام مر بقوم يذكرون الله تعالى فقال لهم ما الذى حملكم عليه قالوا الرغبة فى ثواب الله فقال اصبتم ومر على قوم آخرين يذكرون الله تعالى فقال لهم ما الذى حملكم عليه قالوا الخوف من عقاب الله تعالى فقال اصبتم ومر على قوم ثالث مشتغلين بذكر الله فسألهم عن سببه فقالوا لا نذكره للخوف من العقاب ولا للرغبة فى الثواب بل لاظهار ذلة العبودية وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته وتشريف اللسان بالالفاظ الدالة على صفات قدسه وعزته فقال أنتم المتحققون وفى هذا المعنى: قال الحافظ شعر : بدرم روضه جنت بدو كندم بفروخت نا خلف باشم اكر من بجوى نفروشم
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى في هذه الآية ان هؤلاء المنافقين الذين طلبوا منك الصدقات وعابوك بها لو رضوا بما اعطاهم الله ورسوله {وقالوا} مع ذلك {حسبنا الله} اي كفانا الله وانه سيعطينا الله من فضله وانعامه ويعطينا رسوله مثل ذلك وقالوا {إنا إلى الله راغبون} والجواب محذوف والتقدير لكان خيراً لهم وأعود عليهم وحذف الجواب في مثل هذا ابلغ لأنه لتأكيد الخبر به استغني عن ذكره.
الجنابذي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ} من الغنى والفقر والاولاد والعقم والعزّة والذّلّة والصّحّة والسّقم والامن والخوف وغير ذلك ممّا ليس بيد العبد، او المراد ما آتاهم الله من الصّدقات والغنائم على يد رسوله (ص) فانّ الكلام فيها فيكون ذكر الله اشارة الى انّ اعطاء محمّد (ص) اعطاء الله وانّه لا يفعل من عند نفسه وهو تعظيم لشأنه (ص) {وَرَسُولُهُ} من الغنائم والصّدقات فانّ الرّضا بقضاء الله اذا قضى ما لا يلائم يهوّن امره واذا قضى ما يلائم يورث الشّكر ويجلب المزيد، والرّضا بما أعطاه الرّسول (ص) قليلاً كان او كثيراً يورث المحبّة له والتّوجّه اليه والاتّباع له وفى الكلّ خير الدّنيا والآخرة وعدم الرّضا يورث اضدادها {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ} منقطعين من الكلّ اليه متوكّلين عليه راجين من فضله {سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ} فى موضع التّعليل.
الهواري
تفسير : قوله: { وَلَو أَنَّهُمْ رَضُوا مَا ءَاتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ} أي ما أعطاهم الله ورسوله {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} وهي تقرأ على وجه آخر بالنصب: سيوتينا الله ورسوله، أي: ويؤتي رسوله {إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ}. وفيها إضمار. أي: لكان خيراً لهم من النفاق الذي كفروا به. قوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. فالفقير: الذي به زمانة، أي عاهة في بعض جسده، وهو محتاج. والمسكين: الذي ليست به زمانة وهو محتاج. والعاملون عليها، أي على الصدقات الذين يسعون في جمعها. والمؤلفة قلوبُهم: قوم كانوا يتألفهم النبي صلى الله عليه وسلم ليُسلِموا؛ منهم أبو سفيان ابن حرب، وعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، والحارث بن هشام، وصفوان بن أمية ابن خلف، وسهيل بن عمرو، والأقرع بن حابس، أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين؛ أعطى أبا سفيان ورهطاً معه مائة مائة من الإِبل، وأعطى الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن خمسين خمسين من الإِبل. وفي الرقاب، يعني المكاتَبين، والغارمون: قوم عليهم دين [أو غرم] من غير فساد. وفي سبيل الله؛ يُحمل من ليس له حملان ويعطى منها. وابن السبيل: الضيف والمسافر إذا قُطع به وليس له شيء جعل الله له فيها نصيباً. قال بعضهم: ويُحمل في سبيل الله من الصدقة، ويعطى إذا كان لا شيء له، ثم يكون له سهم مع المسلمين. ذكروا أن علياً وابن عباس قالا: إنما هو عَلَم جعله الله، ففي أي صنف منهم جعلتها أجزأك. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن المسكين ليس بالطواف الذي ترده الأكلة والأكلتان، والتمرة والتمرتان، ولكن الذي لا يجد ما يغنيه ولا يسأل الناس إلحافاً تفسير : ذكروا عن الحسن قال: ليس للعاملين عليها ولا للمؤلفة قلوبهم اليوم شيء، إلا ما جعل الإِمام للعاملين عليها. وكان يقول: ليست بسهام تقرع، ولكن على ما يرى الإِمام، فربما كان بنو السبيل قليلاً والفقراء كثيراً. وربما كان الفقراء كثيراً والمساكين كثيراً. وكذلك المكاتَبون والغارِمون. وإنما هو على ما يرى الإِمام من كثرتهم وقلّتهم وفقرهم. قال: {وَفِي سَبِيلِ اللهِ} إذا لم يسعهم الفيء رُضِخَ لهم من الصدقة. {وَابْنِ السَّبِيلِ}: الرجل المنقطع به في الأرض، فإنه يُرضخ له من الصدقة، وإن كان في أرضه ذا مال كثير، ولا يكون ذلك ديناً عليه. ذكر بعض السلف قال: إن حقاً على الناس إذا جاءهم المصدّق أن يرحِّبُوا به، وأن يُطعموه من طعامهم، فإن أخذ الصدقة على وجهها فسبيلٌ ذلك، وإن تعدّى لم يضرّ إلا نفسه، وسُيخلِف الله عليهم. ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : المتعدي في الصدقة كمانعها تفسير : ذكروا أن عقبة بن عامر الجهني قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعياً، فاستأذنته أن نأكل من الصدقة فأذن لنا. ذكروا عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا ساعياً فأمره أن يأخذ الصدقة من أغنيائنا فيجعلها في فقرائنا؛ وكنت غلاماً فأعطاني منها قلوصاً. ذكروا أن أول مكاتب كوتب في الإِسلام أبو مؤمل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أعينوا أبا مؤمل تفسير : . فأعطي حتى فضل منه فضلة من مكاتبته، فسأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : أنفقتها في سبيل الله . تفسير : ذكروا أن مكاتباً قام إلى أبي موسى الأشعري فقال: إني رجل مكاتب، فَحُثَّ عليَّ الناسَ. قال: فَحَثَّ أبو موسى عليه الناس. فألقى إليه من الدراهم والثياب حتى قال، حسبي. فانطلق إلى منزله فوجد معه فضلة ثلاثمائة درهم. فسأل عن ذلك أبا موسى الأشعري، فأمره أن يجعلها في مثله من الناس. ذكروا أن مكاتباً كان في عهد علي تُصُدِّقَ عليه، ففضل عن مكاتبته فضل، فأمره علي أن يجعله في المكاتَبين. قال: وكذلك الغارمون الذين لزمهم دين من غير فساد، يجمع لهم من الصدقة ويأخذون منها كفاف ديونهم. فإن أعطوا أكثر من ذلك حتى تفضل في أيديهم منه فضلة ردوا تلك الفضلة على مثلهم في مثل حالهم. وسئل بعض السلف عن الرجل العالم الفقيه الذي قد اتخذه المسلمون سلفاً وإماماً، فاستقل بأمور المسلمين والنظر في حوائجهم، وهو فقير، هل ينظر المسلمون له نظراً يُغْنونه عن المسألة، ويفضِّلونه على من سواه ممن لم يحتمل من أمور المسلمين ما احتمل؟ فقال نعم. وهل ينبغي للمسلمين إلا هذا؟ وهل يجوز لهم أن يحتاج فيهم مثل هذا؟ وقد كان عمر بن الخطاب يفضل أهل الفضل في الإِسلام، ويخصُّهم من الصدقة والفيء بما لا يخص به غيرهم لما يحتملون من أمور المسلمين، ويشغلون أنفسهم بحوائج المسلمين عن حوائجهم. فأهل أن يُفضّلوا، وأهل أن يُشرَّفوا، وأهل أن ينظر لهم المسلمون بما يسعهم ويقوتهم ويقوت عيالهم. قوله: {فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ} أي: لهؤلاء الذين سمّى في هذه الآية. وذلك في جميع الزكاة، في الذهب والفضة والماشية والثمار والحبوب والزروع. {وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} عليم بخلقه، حكيم في أمره.
اطفيش
تفسير : {ولَوْ أنَّهم رَضُوا} لو حصل رضاهم {ما آتاهم الله ورسوله} ما أعطياهم من الصدقة أو الغنيمة، وإعطاء الله تقديره وتيسيره وخلقه إعطاء الرسول، وإعطاء الرسول مناولته، وقيل: المراد ما أعطاهم رسول الله، وذكر الله للتعظيم أو التنبيه، على أن ما فعله الرسول كان بأمره. {وقالُوا حَسْبُنا اللهُ} كفانا بما أعطانا وإن قلّ {سَيُؤتينَا اللهُ مِنْ فَضْله} من غنيمة أو صدقة يتفضل بها علينا {ورَسُولُه} ما نحتاج إليه وأكثر، وقرأ بنصب رسول عطفا على نا {إنَّا إلَى اللهِ راغِبُونَ} فى أن يوسع علينا، وجوابه محذوف بدلالة ظاهر الكلام عليه، وذلك من فصيح الكلام وإيجازه، أى لكان خيراً لهم، ثم بين مصارف الصدقة تصويبا لفعل رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: {إنَّما الصَّدقاتُ ...}.
اطفيش
تفسير : {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ} من الغنيمة وغيرها والمعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأْخذون من يده، ولكن ذكر الله نفسه لتعظيم رسوله والتنبيه على أَن الإِعطاءَ جرى على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقضاء الله وأَمره، فما فعله حق لا ريبة فيه ولا اعتراض عليه. {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ} كافينا الله فى أُمورنا كلها كما دل عليه عدم ذكر ما فيه الكفاية، ودخل العطاءُ بالأَولى{سَيُؤْتِيناَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} من غنيمة أُخرى أَو صدقة أُخرى أَو ما شاءَ الله عز وجل {إِنَّا إِلى اللهِ رَاغِبُونَ} فى أَن يعطينا ما يكفينا، أَو يقينا عن أَموال الناس، وإِنا راغبون فى أَن نكون من أَولياءِ الله وأَهل السعادة لا فى المال، مر عيسى عليه السلام بقوم يذكرون الله. قال: ما الباعث لكم؟ قالوا: الخوف من عقابه. قال: أَصبتم، ومر بقوم مشتغلين بالذكر فسأَلهم فقالوا: لا للجنة ولا للنار، بل لإِظهار عبوديتنا وعزة الربوبية وتشريد القلب بمعرفته واللسان بذكره وذكر صفاته، فقال: أَنتم المحقون، وجواب لو محذوف، أَى لكان خيراً لهم، وحذفه يذهب السامع فيه كل مذهب ممكن، كأَنه لا يحاط بمضمونه، ورد الله عليهم سخطهم فى أَمر الزكاة، وصوب فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأَنهم ليسوا أَهْلاً وإِنما هى لإِصلاح الدين وأَهله وإِنما أَهلها من فى قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ} الزكوات {لِلْفُقَرَاءِ} ما الصدقات ثابتات أو مصروفات إِلا للفقراء، والقصر قصر موصوف على صفة قصر إِفراد لأَن هؤلاءِ المنافقين يشركون أَنفسهم فى الزكاة، فأَفردها الله عز وجل عنهم إِلى الثمانية، ويجوز صرفها فيهم أَو فى بعضهم ولو إِنساناً واحداً، وإِن قل المال صرف فى نوع واحد أَو فى فرد واحد وما فوق ذلك بحسب الصلاح، ويقدم الأَهم فالأَهم، وقيل: لا بد من صرفها فيهم كلهم فى ثلاثة فصاعداً من كل، ويدل للأَول أَنه صلى الله عليه وسلم أَتاه مال من الصدقة فجعله فى المؤلفة قلوبهم، وأَتاه مال آخر فجعله فى الغرماء، وكان الحرف لاماً فى الأَربعة الأُولى لمجرد الاختصاص لأَنهم يأْخذون تملكاً وفى الأَربعة الأُخْرى فى للإِيذان بأَنهم أَرسخ فى الاحتياج ولأَن ما يأْخذونه للصرف فى غيرهم لا لمطلق التملك، حتى قال بعض إِنه يعطى السيد لا المكاتب، ولعله قول من قال إِنه عبد صالح يقضى، وفى أَبى داود عن زياد بن الحارث الصدائى أَتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته، فأَتاه رجل فقال: أَعطنى من الصدقة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إِن الله تعالى لم يرض بحكم شىءٍ ولا غيره فى الصدقة حتى حكم هو فيها، فجزأَها ثمانية أَجزاءٍ فإِن كنت من تلك الأَجزاءِ أَعطيتك حقك"تفسير : {وَالْمَسَاكِينِ} أَما الفقير فمن ليس له شىء يصرفه فيما يحتاج إِليه، كأَنه كسرت فقار ظهره فى الشدة والكرب ولم يكسب مالاً كما لا يكسبه من كسرت فقاره، والمسكين من له مال أَو كسب لا يكفيه، ومع ذلك كأَنه ساكن لا يتحرك للعجز، أَو السكون معنوى، ويدل لذلك قوله: "أَما السفينة" إِلخ، سماهم مساكين مع أَن لهم سفينة وأَنه صلى الله عليه وسلم يسأَل المسكنة فى قوله: "حديث : اللهم أَحينى مسكينا وأَمتنى مسكينا واحشرنى فى زمرة المساكين"تفسير : أَى من قل ماله وتواضع لله عز وجل، وأَنه يتعوذ من الفقر فى قوله: "حديث : اللهم إِنى أَعوذ بك من الفقر".تفسير : وقوله حديث : كاد الفقر يكون كفراًتفسير : ، فكيف يتعوذ من الفقر ويسأَل ما دونه، فهو أَشد حالا من المسكين، ويقال: قيل لهم مساكين ترحماً، وقيل بالعكس المسكين من ليس له شىءٌ إِلى آخر ما مر، والفقير من له مال إِلخ، لقوله تعالى: "أية : أو مسكيناً ذا متربة"تفسير : [البلد: 16] أَى كملتصق بالتراب من شدة الحاجة، قيل أَو ستر جسده فى التراب لعدم ما يلبسه، وأُجيب لهذا القول بأَن السفينة بالعارية أَو بالأُجرة لا بالملك، ومن فى يده شىءٌ نسب إِليه ولو لم يملكه، وكونها ملكا لهم يوجب أَنهم أَغنياء، ومن له النصاب غنى لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أُمرت أَن آخذ الزكاة من أَغنيائهم"تفسير : وقد يقال بكثرتهم، أَو بقلة ثمنها فليسوا بأَغنياءَ. ولو ملكوها، وأَيضا هى آلة ولا زكاة فى الآلة ولو عظمت قيمتها ما لم يجعلها للبيع، كما لا زكاة فى ديار تكرى عظم كراؤها، وإِنما يزكى الكراء، وإِذا صرنا إِلى الاشتقاق فإِنه يقال فقرت له أَى فرضت له قطعة من المال، وأُجيب عن الاستعاذة من الفقر أَن المراد به فقر النفس، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِنما الغنى غنى النفس"تفسير : . وقيل: هما سواءٌ، فكأَنه قيل إِنما الصدقة لمن اتصف بالفقر والمسكنة فإِن أَوصى لزيد والفقراءِ والمساكين، فلزيد النصف ولهما النصف، وعلى القولين الأَولين فله الثلث ولهما الثلثان، ويقال: لا تحل الزكاة لمن يحل له السؤَال، وهو من له خمسون درهما، فقد عده صلى الله عليه وسلم غنياً كما فى حديث ابن مسعود، أَو من له أَربعون درهما كما فى حديث أَبى سعيد أَنه غنى، ويجمع بينهما بأَن المراد التمثيل لما يكفى، والأَكثرون على أَن لا يعطاهه من له ما يكفيه وعياله سنة، وقيل لا يعطاها من له مائتا درهم. قال ابن مسعود: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسأَلته فى وجهه خموش أَو خدوش أَو كدوح قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟. قال: خمسون درهما أو قيمتها من الذهب" تفسير : وعن أَبى سعيد الخدرى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سأَل وله قيمة أُوقية فقد أَلحف"تفسير : {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} من يجمعونها من أَصحاب الأَموال ومن يقسمها ومن يكتبها ومن يحرزها ومن يحسب ومن يحشر من يستحقها ومن يسعى فيها بوجه سواء دخل القرى أَو البدو أَو رصد أَصحاب الأَموال على الطرق وعداه بعلى لتضمين معنى القائمين عليها بأَخذها من ذوى الأَموال ويعطونها ولو كانوا أَغنياءَ بقدر تعبهم، وإِن استغرقها عناؤهم، قيل: أخذوا النصف أَو أَقل، ولا يستعمل فيها مشرك ولا خائن ولا عبد ولا هاشمى، وقيل: يجوز لهاشمى ويأْخذ من غير الزكاة عناءَه وأُجيز منها على كراهة، والصحيح أَن الهاشمى أَو المطلبى لا يكون عاملا على الصدقات لما روى عن أَبى رافع أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا من بنى مخزوم على الصدقة فأَراد أَبو رافع أَن يتبعه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تحل لنا الصدقة وإِن مولى القوم منهم"تفسير : {وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} الذين أُريد تأْليف قلوبهم إِلى الإِسلام ضعف إِيمانهم فيعطون ولو أَغنياءَ ليقوى، أَو أَشركوا فيعطون ليسلموا، قيل: أَو أَسْلموا أَو قوى إِسلامهم فيعطون ولو كانوا أَغنياءَ ليسلم نظراؤهم. قلت: هذا جائز لكن لا يصدق عليهم أَنهم مؤلفة قلوبهم. قيل: ومن أَسلم وكان يذب عن الإِسلام فى أَطراف بلاد الإِسلام، يعطون ولو أَغنياءَ. قلت: هذا جائِز لكن لا يصدق عليهم أَنهم مؤلفة قلوبهم وأَشراف يترقب إِسلامهم فيعطون ليسلموا فيسلم نظراؤهم أَو أَتباعهم، وقوم من منعوا الزكاة لا يقدرون بلا مال على قتال من منعها وفى ذهاب الجيش إِليهم مؤنة، فيعطون ليقاتلوهم حتى يعطوها ويعطى المشركون ليقاتلوا المشركين، وقد أَعطى صلى الله عليه وسلم صفوان بن أُمية لما رأَى فيه من الميل إِلى الإِسلام، وقد عد من المؤلفة، ومن يؤلف قلبه بشىءٍ على قتل الكفار، وأَعطى عيينة والأَقرع والعباس بن مرداس. ولا يعطى كفار يخافون شرهم لو أَعطوا لانكفوا، وقيل لا يعطى بعده صلى الله عليه وسلم كافر ليسلم أَو يذب عن الإِسلام، وقيل: فيمن ضعف إِسلامه ومن يؤلف ليسلم نظراؤه وهو شريف فى قومه لا يعطون، وقيل: يعطون من سهم المصالح. وقيل: يعطى من يميل إِلى الإِسلام أَو يخاف شره من خمس الخمس من الغنيمة، وقيل فيمن يجاهد من يليه من الكفار أَو من مانعى الزكاة يعطى من خمس الخمس، قيل أَو من سهم المؤلفة وقيل من سهم الغزاة. وقيل: بطل سهم المؤلفة قلوبهم لما قوى الإِسلام، كما روى عن عمر أَنه أَبطل كتابة الصديق إِليه بإِعطاءِ الأَقرع والعباس بن مرداس وقال: قوى الإِسلام، اثبتوا على الإِسلام أَو تقتلوا، ورجع إِلى قوله الصديق، فأَولا كان إِعزاز الإِسلام بتأليفهم وفى الوقت إِعزازه بمنعهم إِظهاراً لاستغناءِ الإِسلام عنهم، ولم يبطل الإِرمال بعد زوال خوف أَن يظن المشركون الضعف بالمؤمنين لأَنه صلى الله عليه وسلم أَبقاه، وقيل: بطل فانظر وفاءَ الضمانة. {وَفَى الرِّقَابِ} أَى ومصروفة فى الرقاب، وبهذا يترجح أَن يقدر مصروفة فى قوله للفقراءِ فيناسب ما هنا لكن لا مانع أَن يقدر هنا ثابتة كما هنالك، لأَن الرقاب وما بعدها محل لها فهى ثابتة فى محلها. هذه الأِربعة، ومعنى كونها فى الرقاب أَن يعطى منها المكاتبون ويفدى الأَسرى ويشترى بها عبيد ليسلموا ويعينوا المسلمين فى القتال، أعتقوا أو لم يعتقوا أو يشترى عبيد موحدون فيعتقوا. وقال أَبو حنيفة وأصحابه: لا يعتق بها رقبة كاملة، بل يعطى فى بعضها، ولا فى مكاتب، بل يعان ويعطى المكاتب لا لسيده فيؤدى لسيده لأنه حر من حينه على الصحيح، وقيل هو عبد ما لم يقض، وعن ابن عباس: لا بأْس أَن يعتق الرجل من الزكاة، وقال أصحاب الشافعى: الأَحوط أَن تعطى سيده، وكانت الأربعة الأُولى باللام والأُخرى بفى لأَن الأَولين استحقوها لذواتهم الموصوفة والآخرين استحقوها لجهة حاجتهم، فالرقبة لتقضى دين الكتابة أَو لتحصيل عقد الكتابة، والغارم ليقضى ما عليه، وابن السبيل ليصل بها أَهله أَو للإِعلام بأَنهم أَحق فهى راسخة فيهم {وَالْغَارِمِينَ} الذين عليهم ديون لأَنفسهم فى غير معصية ولا إِسراف إِذا لم يكن لهم وفاءٌ من مال أَو لإِصلاح بين الناسن ولو كانوا أَغنياءَ، قال بعضهم أَو لمعصية أَو إِسراف إِن تابوا نصوحا، به قال النووى، ووجه المنع أَنه متهم فى إِظهارها ويبحث بأَنه قد لا يراب ولا يعطى هذا أَكثر مما عليه، وقيل: يعطى مالا يكون به غنياً، وقيل: إِن ملك نصابا زائداً عن دينه لم يعط ويقدم الغريم على الفقير، وفى الحديث"حديث : لا تحل الصدقة لغنى إلا لغازٍ فى سبيل الله أو لغارم أَو لرجل اشتراها بماله، أَو رجل صارت إِليه مما حلت له بالصدقة أَو الهدية أَو القرض أَو بالإِرث أَو الهبة أَو مثل ذلك أَو لعامل لأَنها له أجرة"تفسير : ، وقيل المراد بغنى الغازى صحة بدنه، والواضح جوازها لغازٍ له مال لدخلوه فى سبيل الله، وتعطى المرأَة الزكاة ولو كان زوجها غنيا، إِذا كان عليها دين إِذ لا تدرك عليه قضاءَه وتبيع من حليها وتبقى قليلا تتزين به لزوجها وإِن لم يف ما باعت بالدين، أَخذت زكاة لتقضيه وهى داخلة فى الغارمين، ويعطيها زوجها زكاة ماله، إِذا كان عليها دين ولا مال لها {وَفِى سَبِيل اللهِ} الجهاد ولو لغنى يعطى منها زاداً أَو مركباً وسلاحاً وما يحتاج إِليه، ولو كان له مال كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصدقة تحل للغازى الغنى"تفسير : ، وأَعاد فى تعظيمها للجهاد، وقيل سبيل الله شامل لإصلاح الطرق وبناءِ القناطر ومواضع الماءِ كالسكة، والأَولى تفسيره بالسعى فى طاعة الله تعالى، وسبل الخير، ولا بد أَن يكون فقيراً فذكره تخصيص بعد تعميم للمزية {وَابْنِ السَّبِيلِ} المتقطع عن ماله بسفره فى حج أَو عمرة أَو طلب علم أَو غير ذلك من أَنواع الطاعات، أَو فى المباح، قيل أَو فى المعصية، إِن تاب نصوحا، ولو كان ابن السبيلِ غنيا فى بلده، ومثله من هو فى بلده وله ديون لم يحل أَجلها أَو حل أَجلها لكن على مفلس أَو على منكر ولا بيان له، أَو على من لا يقدر ولا تحل له حتى يحلف منكره، وكذا لو كانت له بينة غير عادلة وأَنكر، وأُجيزت للمرأَة إِن كان لها على زوجها ولم يقدر أَن يعطيها إِلا بعد الارتفاع إِلى القاضى، فتأْخذ ولا ترفعه سواءٌ مهرها أَو غيره، وذكر بعض أَن من له دين أَن يأْخذ ما يوصله إِلى حلول أَجله فقط، إِن كان يصل إِلى أَخذه بعد حلوله. وقيل: من له دين لا يأْْخذها إِن كان يصل إِلى أَخذه إِذا حل. {فَرِيضَةً مِنَ اللهِ} فرضها الله فريضة وهى بمعنى المصدر أَو منصوب بمعنى إِنما الصدقات إِلخ، لأَن معناه فرض الله الصدقات لهؤلاءِ أَو حال من المستتر فى للفقراءِ {وَاللهُ عَلِيمٌ} بالصواب والمصالح وكل شىءٍ {حَكِيمٌ} فى صنعه لا يجور ولا يسفه، يضع الزكاة فى مواضعها، واتبعوا ما وضعه للزكاة من محالها فلا تصرف فى غير ما ذكر من محالها، والمذهب أَنه لا يجب صرفها فى الثمانية كلها بل فى الموجود منهم، ولا تخبأْ لغائب مخصوص، ويجوز تفضيل بعض على بعض والعامل قد عمل فله أُجرته إِن غاب بعد عمله و "أَل" للحقيقة، فلا يجب إِعطاءُ ثلاثةٍ من كل صنف كما لا يجب استغراق كل صنف وإِنما أَوجبت الآية أَن لا تخرج عن الأَصناف الثمانية لا أَن تعم أَو تستغرق، والنظر إِلى الإِمام فى ذلك، ولا تعطى لبنى هاشم ولا لبنى المطلب، وأَما بنو عبد المطلب فمن بنى هاشم، والمطلب هاشم أَخوان إِن تعطلت الغنائم أُعطى من الزكاة محتاجو بنى هاشم وبنو المطلب.
الالوسي
تفسير : {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} أي ما أعطاهم الرسول صلى الله عليه وسلم من الصدقات طيبـي النفوس به وان قل ـ فما ـ وإن كانت من صيغ العموم إلا أن ما قبل وما بعد قرينة على التخصيص، وبعض أبقاها على العموم أي ما أعطاهم من الصدقة أو الغنيمة قيل لأنه الأنسب، وذكر الله عز وجل للتعظيم وللتنبيه على أن ما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام كان بأمره سبحانه {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ} أي كفانا فضله وما قسمه لنا كما يقتضيه المعنى {سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} بعد هذا حسبما نرجو ونأمل {إِنَّا إِلَى ٱللَّهِ رٰغِبُونَ} في أن يخولنا فضله جل شأنه، والآية بأسرها في حيز الشرط والجواب محذوف بناء على ظهوره أي لكان خيراً لهم وأعود عليهم، وقيل: إن جواب الشرط {قَالُواْ} والواو زائدة وليس بذلك، ثم إنه سبحانه لما ذكر المنافقين وطعنهم وسخطهم بين أن فعله عليه الصلاة والسلام لإصلاح الدين وأهله لا لأغراض نفسانية كأغراضهم فقال جل وعلا: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ}.
ابن عاشور
تفسير : جملة معطوفة على جملة: {أية : ومنهم من يلمزك في الصدقات}تفسير : [التوبة: 58] باعتبار ما تفرّع عليها من قوله: {أية : فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يُعطوا منها إذا هم يسخطون}تفسير : [التوبة: 58] عطفاً ينبىء عن الحالة المحمودة، بعد ذكر الحالة المذمومة. وجواب {لو} محذوف دلّ عليه المعطوف عليه، وتقديره: لكان ذلك خيراً لهم. والإيتاء: الإعطاء، وحقيقته إعطاء الذوات ويطلق مجازاً على تعيين المواهب كما في {أية : وآتاه الله الملك والحكمة}تفسير : [البقرة: 251] وفي {أية : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء}تفسير : [المائدة: 54]. وقوله: {ما آتاهم الله} من هذا القبيل، أي ما عيّنه لهم، أي لِجماعتهم من الصدقات بنوطها بأوصاف تحقّقت فيهم كقوله: {أية : إنما الصدقات للفقراء}تفسير : [التوبة: 60] الآية. وإيتاء الرسول صلى الله عليه وسلم إعطاؤه المال لمن يرى أن يعطيه ممّا جعل الله له التصرّف فيه، مثل النفَل في المغانم، والسلَب، والجوائز، والصلات، ونحو ذلك، ومنه إعطاؤه من جعل الله لهم الحقّ في الصدقات. ويجوز أن يكون إيتاء الله عين إيتاء الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ وإنّما ذكر إيتاء الله للإشارة إلى أنّ ما عينه لهم الرسول صلى الله عليه وسلم هو ما عيّنه الله لهم، كما في قوله: {سيؤتينا الله من فضله ورسوله} أي ما أوحى الله به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم وقوله: {أية : قل الأنفال لله والرسول}تفسير : [الأنفال: 1]. وحسب: اسم بمعنى الكافي، والكفاية تستعمل بمعنى الاجتزاء، وتستعمل بمعنى ولي مهمّ المكفي، كما في قوله تعالى: {وقالوا حسبنا الله} وهي هنا من المعنى الأول. ورضي إذا تعدّى إلى المفعول دلّ على اختيارِ المرضيّ، وإذا عدّي بالباء دلّ على أنّه صار راضياً بسبب ما دخلت عليه الباء، كقوله: {أية : أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة}تفسير : [التوبة: 38]. وإذا عدّي بــــ (عن) فمعناه أنّه تجاوز عن تقصيره أو عن ذنبه {أية : فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين}تفسير : [التوبة: 96]. فالقول هنا مراد به الكلام مع الاعتقاد، فهو كناية عن اللازم مع جواز إرادة الملزوم، فإذا أضمروا ذلك في أنفسهم فذلك من الحالة الممدوحة ولكن لمّا وقع هذا الكلام في مقابلة حكاية اللَّمز في الصدقات، واللَّمز يكون بالكلام دلالة على الكراهية، جعل ما يدلّ على الرضا من الكلام كناية عن الرضى. وجملة {سيؤتينا الله من فضله ورسوله} بيان لجملة {حسبنا الله} لأنّ كفاية المهمّ تقتضي تعهّد المكفي بالعوائد ودفع الحاجة، والإيتاءُ فيه بمعنى إعطاء الذوات. والفضل زيادة الخير والمنافع {أية : إن الله لذو فضل على الناس}تفسير : [غافر: 61] والفضل هنا المعطَى: من إطلاق المصدر وإرادة المفعول، بقرينة من التبعيضية، ولو جعلت {من} ابتدائية لصحّت إرادة معنى المصدر. وجملة {إنا إلى الله راغبون} تعليل. أي لأنّنا راغبون فضله. وتقديم المجرور لإفادة القصر، أي إلى الله راغبون لا إلى غيره، والكلام على حذف مضاف، تقديره: إنّا راغبون إلى ما عيّنه الله لنا لا نطلب إعطاء ما ليس من حقّنا. والرغبة الطلب بتأدب.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 59- ولو أن هؤلاء المنافقين، الذين عابوك فى قسم الصدقات والغنائم، رضوا بما قسم الله لهم، وهو ما أعطاهم رسوله، وطابت نفوسهم به - وإن قل - وقالوا: كفانا حكم الله، وسيرزقنا الله من فضله، ويعطينا رسوله أكثر مما أعطانا فى هذه المرة، وإنا إلى طاعة الله وأفضاله وإحسانه لراغبون، لو أنهم فعلوا ذلك لكان خيراً لهم. 60- لا تُصرف الزكاة المفروضة إلا للذين لا يجدون ما يكفيهم، والمرضى الذين لا يستطيعون كسباً ولا مال لهم، والذين يجمعونها ويعملون فيها، والذين تؤلف قلوبهم، لأنهم يرجى منهم الإسلام والانتفاع بهم فى خدمته ونصرته، والذين يدعون إلى الإسلام ويبشرون به، وفى عتق رقاب الأرقاء والأسرى من ربقة العبودية وذل الأسر، وفى قضاء الديون عن المدينين العاجزين عن الأداء، إذا لم تكن ناشئة عن إثم أو ظلم أو سفه، وفى إمداد الغزاة بما يعينهم على الجهاد فى سبيل الله، وما يتصل بذلك من طريق الخير ووجوه البر، وفى عون المسافرين إذا انقطعت أسباب اتصالهم بأموالهم وأهليهم. شرع الله ذلك فريضة منه لمصلحة عباده، والله سبحانه عليم بمصالح خلقه، حكيم فيما يشرع.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَاهُمُ} {رَاغِبُونَ} (59) - وَيُعَلِّمُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ أَدَبَ الإِيمَانِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُمْ لَوْ رَضُوا بِمَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَقَنِعُوا بِذَلِكَ، وَفَرِحُوا بِهِ، وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَكِيلاً، وَرَازِقاً فِي كُلِّ حَالٍ، وَسَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ لاَ يَبْخَسُ أَحَداً مِنَّا شَيْئاً يَسْتَحِقُّهُ فِي شَرْعِ اللهِ، وَإِنَّا رَاغِبُونَ إِلَى اللهِ الْعَلِيِّ الْقَدِيرِ، لَكَانَ ذَلِكَ خَيْراً لَهُمْ مِنَ الطَّمَعِ وَلَمْزِ الرَّسُولِ وَهَمْزِهِ. حَسْبُنا اللهُ - كَافِينا فَضْلُ اللهِ وَقِسْمَتُه.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كيف يقول الحق سبحانه وتعالى: {مَآ آتَاهُمُ} مع أنهم لم يأخذوا شيئاً، بل إنهم قد سخطوا؛ لأنهم لم يأخذوا شيئاً. نقول: إن الله يريد أن يلفتهم إلى أن له عطاء في المنح وعطاء في المنع. فعطاء الحق سبحانه لمن أخذ، وحرمان الحق سبحانه للبعض، كل ذلك فيه عطاء من الحق جل وعلا، ولكن الناس لا يلتفتون إلى ذلك. ورسول الله صلى الله عليه وسلم حين منع الغنائم عن الأنصار في حنين أخذوا المعية مع رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، وهذا أكبر وأسْمَى من الغنائم، وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المحيا محياكم، والممات مماتكم. لو سلك الناس شِعْباً وسلك الأنصار شِعْباً لَسلكْتُ شِعْب الأنصار ". تفسير : وبذلك أخذوا ما هو أكبر وأهم وأعظم من الغنائم. إذن فقد يكون في المنع إيتاء. الحق سبحانه وتعالى يقول: {مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} وهو عز وجل المشرِّع، والرسول عليه الصلاة والسلام هو المبلِّغ والمنفِّذ، فإذا ما رَضُوا بقسمة الله، فالرِّضاء عمل قلبي كان عليهم أن يترجموه بكلام نزوعي هو: {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ} فكأن الرضا عمل القلب، والتعبير عن الرضا عمل اللسان، وما داموا قد احتسبوا الأمر عند الله، فالله هو الذي يرعى، وفي عطائه خير وفي منعه خير. ولذلك نجد الطيبين من الناس إن غُلِبُوا على أمرهم يقولون: إن لنا رباً، أي: إياك أن تفهم أنك حينَ منعتني أو أخذت حقي بأن اعتديت عليّ ستمضي بهذا الفعل دون عقاب؛ لأن لي رباً يغار عليّ، وسبحانه سيعوِّضني أكثر مما أخذت، ويجعل ما أخذته مني قَسْراً؛ نقمة عليك. ولذلك فأهم ما يجب أن يحرص عليه المؤمن ليس هو الصلة بالنعمة ولكن الصلة بالمنعم. وفي أن الله هو القادر على أن يعوِّض أي شيء يفوت. ويوضح لنا سبحانه الصورة أكثر فيقول: {سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} أي سيعوضنا عنها بخير منها. وعطاء الله دائماً فضل؛ لأنه يعطي الإنسان قبل أن يكون قادراً على عبادته، حتى وهو في بطن أمه لا يقدر على شيء، فإذا كنت في الدنيا قد فكرت بالعقل الذي خلقه لك الله، وعملت بالطاقة التي خلقها لك الله، وفي الأرض التي خلقها الله، فإنك في بطن أمك لم تكن قادراً على أي شيء. وحين تخرج وتنمو وتكبر فأنت تحيا في كون مليء بنعم الله، لم تخلق فيه شيئاً، ولم تُوجد فيه خيراً. وإنما جئت إلى الكون وهو كامل النعم، فلا أنت أوجدت الأرض ولا صنعتَ الشمس، بل إن نعمة واحدة من نعم الله، وهي المطر؛ إن توقفت هلك كل من في الأرض. ونلمس أثر ذلك حين تأتي مواسم الجفاف في أي منطقة من العالم، ونرى كيف يهلك كل شيء؛ الزرع والإنسان والحيوان. والحق سبحانه وتعالى قد خلقنا في عالم أغيار، فالقادر اليوم قد يصبح غير قادر غداً، والصحيح اليوم قد يصبح مريضاً معلولاً غداً، والقوي يضعف، حتى نعرف أن ما نملكه من قدرة وقوة ليست أموراً ذاتية فينا، ولكنها منحة من الله؛ يأخذها وقتما يشاء، ونرى القوى الذي كان يفتك بيده ويؤذي بها غيره ويُذِلُّ الناس بها. نراه وقد أصيبت يده، فلا تصل إليها الأوامر من المخ فتُشَل. إذن: فقدرة أي إنسان ليست ذاتية فيه، بل هي من فضل الله سبحانه وتعالى، وكل شيء في الكون هو من فضل الله. والحق سبحانه وتعالى يقول: {سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ} ويقال: رغب في كذا أي أراده، ويقال: رغب عن كذا، أي ترك هذا الأمر. ويقال: رغب إلى كذا أي سار في الطريق نحوه. وهنا قال الحق: {إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ} وما دُمْنا إلى الله راغبين، كان يجب ألا نعزل عطاء الدنيا عن عطاء الآخرة، فالدنيا ليست كل شيء عندك؛ ما دُمْت راغباً إلى الله الذي سيعطيك نعيماً لا حدود له في الآخرة. ولذلك فرغبتنا في الله كان يجب ألا تجعلنا نسخط على نعيم فاتنا في الدنيا؛ لأن هناك نعيماً بلا حدود ينتظرنا في الآخرة. وأراد الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك أن يبين مصارف الصدقة حتى يعرف هؤلاء الراغبون في متاع الدنيا هذه المصارف ويتعرفوا إلى حقيقة الأمر، وليتبينوا هل هم يستحقون الصدقة أم لا، فقال جل جلاله: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ ....}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):