٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
60
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن المنافقين لما لمزوا الرسول صلى الله عليه وسلم في الصدقات، بين لهم أن مصرف الصدقات هؤلاء، ولا تعلق لي بها، ولا آخذ لنفسي نصيباً منها، فلم يبق لهم طعن في الرسول بسبب أخذ الصدقات. وههنا مقامات: المقام الأول: بيان الحكمة في أخذ القليل من أموال الأغنياء، وصرفها إلى المحتاجين من الناس. والمقام الثاني: بيان حال هؤلاء الأصناف الثمانية المذكورين في هذه الآية. أما المقام الأول: فنقول: الحكمة في إيجاب الزكاة أمور، بعضها مصالح عائدة إلى معطى الزكاة. وبعضها عائدة إلى آخذ الزكاة. أما القسم الأول: فهو أمور: الأول: أن المال محبوب بالطبع، والسبب فيه أن القدرة صفة من صفات الكمال محبوبة لذاتها، ولعينها لا لغيرها لأنه لا يمكن أن يقال: إن كل شيء فهو محبوب لمعنى آخر وإلا لزم، إما التسلسل وإما الدور، وهما محالان، فوجب الانتهاء في الأشياء المحبوبة إلى ما يكون محبوباً لذاته. والكمال محبوب لذاته، والنقصان مكروه لذاته فلما كانت القدرة صفة كمال، وصفة الكمال محبوبة لذاتها، كانت القدرة محبوبة لذاتها. والمال سبب لحصول تلك القدرة، ولكمالها في حق البشر فكان أقوى أسباب القدرة في حق البشر هو المال، والذي يتوقف عليه المحبوب فهو محبوب، فكان المال محبوباً، فهذا هو السبب في كونه محبوباً إلا أن الاستغراق في حبه يذهل النفس عن حب الله وعن التأهب للآخرة فاقتضت حكمة الشرع تكليف مالك المال بإخراج طائفة منه من يده، ليصير ذلك الإخراج كسراً من شدة الميل إلى المال، ومنعاً من انصراف النفس بالكلية إليها وتنبيهاً لها على أن سعادة الإنسان لا تحصل عند الاشتغال بطلب المال وإنما تحصل بإنفاق المال في طلب مرضاة الله تعالى فإيجاب الزكاة علاج صالح متعين لإزالة مرض حب الدنيا عن القلب، فالله سبحانه أوجب الزكاة لهذه الحكمة. وهو المراد من قوله: { أية : خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } تفسير : [التوبة: 103] أي تطهرهم وتزكيهم عن الاستغراق في طلب الدنيا. والوجه الثاني: وهو أن كثرة المال، توجب شدة القوة وكمال القدرة، وتزايد المال يوجب تزايد القدرة، وتزايد القدرة يوجب تزايد الالتذاذ بتلك القدرة، وتزايد تلك اللذات، يدعو الإنسان إلى أن يسعى في تحصيل المال الذي صار سبباً لحصول هذه اللذات المتزايدة، وبهذا الطريق تصير المسألة مسألة الدور، لأنه إذا بالغ في السعي ازداد المال وذلك يوجب ازدياد القدرة، وهو يوجب ازدياد اللذة وهو يحمل الإنسان على أن يزيد في طلب المال، ولما صارت المسألة مسألة الدور، لم يظهر لها مقطع ولا آخر، فأثبت الشرع لها مقطعاً وآخراً وهو أنه أوجب على صاحبه صرف طائفة من تلك الأموال إلى الإنفاق في طلب مرضاة الله تعالى ليصرف النفس عن ذلك الطريق الظلماني الذي لا آخر له ويتوجه إلى عالم عبودية الله وطلب رضوانه. والوجه الثالث: أن كثرة المال سبب لحصول الطغيان والقسوة في القلب، وسببه ما ذكرنا من أن كثرة المال سبب لحصول القدرة، والقدرة محبوبة لذاتها، والعاشق إذا وصل لمعشوقه استغرق فيه، فالإنسان يصير غرقاً في طلب المال، فإن عرض له مانع يمنعه عن طلبه استعان بماله وقدرته على دفع ذلك المانع، وهذا هو المراد بالطغيان، وإليه الإشارة بقوله سبحانه وتعالى: { أية : إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّءاهُ ٱسْتَغْنَىٰ } تفسير : [العلق: 6، 7] فإيجاب الزكاة يقلل الطغيان ويرد القلب إلى طلب رضوان الرحمن. والوجه الرابع: أن النفس الناطقة لها قوتان، نظرية وعملية، فالقوة النظرية كمالها في التعظيم لأمر الله، والقوة العملية كمالها في الشفقة على خلق الله، فأوجب الله الزكاة ليحصل لجوهر الروح هذا الكمال وهو اتصافه بكونه محسناً إلى الخلق ساعياً في إيصال الخيرات إليهم دافعاً للآفات عنهم، ولهذا السر قال عليه الصلاة والسلام: « حديث : تخلقوا بأخلاق الله » تفسير : . والوجه الخامس: أن الخلق إذا علموا في الإنسان كونه ساعياً في إيصال الخيرات إليهم، وفي دفع الآفات عنهم أحبوه بالطبع ومالت نفوسهم إليه لا محالة، على ما قاله عليه الصلاة والسلام: « حديث : جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها » تفسير : فالفقراء إذا علموا أن الرجل الغني يصرف إليهم طائفة من ماله، وأنه كلما كان ماله أكثر كان الذي يصرفه إليهم من ذلك المال أكثر، أمدوه بالدعاء والهمة، وللقلوب آثار وللأرواح حرارة فصارت تلك الدعوات سبباً لبقاء ذلك الإنسان في الخير والخصب، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { أية : وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الرعد: 17] وبقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : حصنوا أموالكم بالزكاة » تفسير : . والوجه السادس: أن الاستغناء عن الشيء أعظم من الاستغناء بالشيء، فإن الاستغناء بالشيء يوجب الاحتياج إليه، إلا أنه يتوسل به إلى الاستغناء عن غيره، فأما الاستغناء عن الشيء فهو الغنى التام، ولذلك فإن الاستغناء عن الشيء صفة الحق، والاستغناء بالشيء صفة الخلق، فالله سبحانه لما أعطى بعض عبيده أموالاً كثيرة فقد رزقه نصيباً وافراً من باب الاستغناء بالشيء. فإذا أمره بالزكاة كان المقصود أن ينقله من درجة الاستغناء بالشيء، إلى المقام الذي هو أعلى منه، وأشرف منه وهو الاستغناء عن الشيء. والوجه السابع: أن المال سمي مالاً لكثرة ميل كل أحد إليه، فهو غاد ورائح، وهو سريع الزوال مشرف على التفرق، فما دام يبقى في يده كان كالمشرف على الهلاك والتفرق. فإذا أنفقه الإنسان في وجوه البر والخير والمصالح بقي بقاء لا يمكن زواله، فإنه يوجب المدح الدائم في الدنيا والثواب الدائم في الآخرة، وسمعت واحداً يقول: الإنسان لا يقدر أن يذهب بذهبه إلى القبر، فقلت بل يمكنه ذلك فإنه إذا أنفقه في طلب الرضوان الأكبر فقد ذهب به إلى القبر وإلى القيامة. والوجه الثامن: وهو أن بذل المال تشبه بالملائكة والأنبياء، وإمساكه تشبه بالبخلاء المذمومين، فكان البذل أولى. والوجه التاسع: أن إفاضة الخير والرحمة من صفات الحق سبحانه وتعالى، والسعي في تحصيل هذه الصفة بقدر القدرة تخلق بأخلاق الله، وذلك منتهى كمالات الإنسانية. والوجه العاشر: أن الإنسان ليس له إلا ثلاثة أشياء: الروح والبدن والمال. فإذا أمر بالإيمان فقد صار جوهر الروح مستغرقاً في هذا التكليف. ولما أمر بالصلاة فقد صار اللسان مستغرقاً بالذكر والقراءة، والبدن مستغرقاً في تلك الأعمال، بقي المال؛ فلو لم يصر المال مصروفاً إلى أوجه البر والخير لزم أن يكون شح الإنسان بماله فوق شحه بروحه وبدنه، وذلك جهل، لأن مراتب السعادات ثلاثة: أولها: السعادات الروحانية. وثانيها: السعادات البدنية وهي المرتبة الوسطى. وثالثها: السعادات الخارجية وهي المال والجاه. فهذه المراتب تجري مجرى خادم السعادات النفسانية، فإذا صار الروح مبذولاً في مقام العبودية، ثم حصل الشح ببذل المال لزم جعل الخادم في مرتبة أعلى من المخدوم الأصلي، وذلك جهل. فثبت أنه يجب على العاقل أيضاً بذل المال في طلب مرضاة الله تعالى. والوجه الحادي عشر: أن العلماء قالوا: شكر النعمة عبارة عن صرفها إلى طلب مرضاة المنعم، والزكاة شكر النعمة، فوجب القول بوجوبها لما ثبت أن شكر المنعم واجب. والوجه الثاني عشر: أن إيجاب الزكاة يوجب حصول الإلف بالمودة بين المسلمين، وزوال الحقد والحسد عنهم، وكل ذلك من المهمات، فهذه وجوه معتبرة في بيان الحكمة الناشئة من إيجاب الزكاة العائدة إلى معطي الزكاة، فأما المصالح العائدة من إيجاب الزكاة إلى من يأخذ الزكاة فهي كثيرة، الأول: أن الله تعالى خلق الأموال، وليس المطلوب منها أعيانها وذواتها. فإن الذهب والفضة لا يمكن الانتفاع بهما في أعيانهما إلا في الأمر القليل، بل المقصود من خلقهما أن يتوسل بهما إلى تحصيل المنافع ودفع المفاسد، فالإنسان إذا حصل له من المال بقدر حاجته كان هو أولى بإمساكه لأنه يشاركه سائر المحتاجين في صفة الحاجة، وهو ممتاز عنهم بكونه ساعياً في تحصيل ذلك المال، فكان اختصاصه بذلك المال أولى من اختصاص غيره، وأما إذا فضل المال على قدر الحاجة، وحضر إنسان آخر محتاج، فههنا حصل سببان كل واحد منهما يوجب تملك ذلك المال. أما في حق المالك، فهو أنه سعى في اكتسابه وتحصيله، وأيضاً شدة تعلق قلبه به، فإن ذلك التعلق أيضاً نوع من أنواع الحاجة. وأما في حق الفقير، فاحتياجه إلى ذلك المال يوجب تعلقه به، فلما وجد هذان السببان المتدافعان اقتضت الحكمة الإلهية رعاية كل واحد من هذين السببين بقدر الإمكان. فيقال حصل للمالك حق الاكتساب وحق تعلق قلبه به، وحصل للفقير حق الاحتياج، فرجحنا جانب المالك، وأبقينا عليه الكثير وصرفنا إلى الفقير يسيراً منه توفيقاً بين الدلائل بقدر الإمكان. الثاني: أن المال الفاضل عن الحاجات الأصلية إذا أمسكه الإنسان في بيته بقي معطلاً عن المقصود الذي لأجله خلق المال، وذلك سعي في المنع من ظهور حكمة الله تعالى، وهو غير جائز، فأمر الله بصرف طائفة منه إلى الفقير حتى لا تصير تلك الحكمة معطلة بالكلية. الثالث: أن الفقراء عيال الله لقوله تعالى: { أية : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا } تفسير : [هود: 6] والأغنياء خزان الله لأن الأموال التي في أيديهم أموال الله، ولولا أن الله تعالى ألقاها في أيديهم وإلا لما ملكوا منها حبة، فكم من عاقل ذكي يسعى أشد السعي، ولا يملك ملء بطنه طعاماً، وكم من أبله جلف تأتيه الدنيا عفواً صفواً. إذا ثبت هذا فليس بمستبعد أن يقول الملك لخازنه: اصرف طائفة مما في تلك الخزانة إلى المحتاجين من عبيدي. الوجه الرابع: أن يقال: المال بالكلية في يد الغني مع أنه غير محتاج إليه، وإهمال جانب الفقير العاجز عن الكسب بالكلية؛ لا يليق بحكمة الحكيم الرحيم، فوجب أن يجب على الغني صرف طائفة من ذلك المال إلى الفقير. الوجه الخامس: أن الشرع لما أبقى في يد المالك أكثر ذلك المال وصرف إلى الفقير منه جزأ قليلاً، تمكن المالك من جبر ذلك النقصان بسبب أن يتجر بما بقي في يده من ذلك المال ويربح ويزول ذلك النقصان. أما الفقير ليس له شيء أصلاً، فلو لم يصرف إليه طائفة من أموال الأغنياء لبقي معطلاً وليس له ما يجبره، فكان ذلك أولى. الوجه السادس: أن الأغنياء لو لم يقوموا بإصلاح مهمات الفقراء فربما حملهم شدة الحاجة ومضرة المسكنة على الالتحاق بأعداء المسلمين، أو على الإقدام على الأفعال المنكرة كالسرقة وغيرها فكان إيجاب الزكاة يفيد هذه الفائدة فوجب القول بوجوبها. الوجه السابع: قال عليه الصلاة والسلام: « حديث : الإيمان نصفان، نصف صبر ونصف شكر » تفسير : والمال محبوب بالطبع، فوجدانه يوجب الشكر وفقدانه يوجب الصبر، وكأنه قيل: أيها الغني أعطيتك المال فشكرت فصرت من الشاكرين، فأخرج من يدك نصيباً منه حتى تصبر على فقدان ذلك المقدار فتصير بسببه من الصابرين، وأيها الفقير ما أعطيتك الأموال الكثيرة فصبرت فصرت من الصابرين، ولكني أوجب على الغني أن يصرف إليك طائفة من ذلك المال حتى إذا دخل ذلك المقدار في ملكك شكرتني، فصرت من الشاكرين، فكان إيجاب الزكاة سبباً في جعل جميع المكلفين موصوفين بصفة الصبر والشكر معاً. الوجه الثامن: كأنه سبحانه يقول للفقير إن كنت قد منعتك الأموال الكثيرة، ولكني جعلت نفسي مديوناً من قبلك، وإن كنت قد أعطيت الغني أموالاً كثيرة لكني كلفته أن يعدوا خلفك، وأن يتضرع إليك حتى تأخذ ذلك القدر منه، فتكون كالمنعم عليه بأن خلصته من النار. فإن قال الغني: قد أنعمت عليك بهذا الدينار، فقل أيها الفقير بل أنا المنعم عليك حيث خلصتك في الدنيا من الذم والعار، وفي الآخرة من عذاب النار، فهذه جملة من الوجوه في حكمة إيجاب الزكاة بعضها يقينية، وبعضها إقناعية، والعالم بأسرار حكم الله وحكمته ليس إلا الله، والله أعلم. المقام الثاني: في تفسير هذه الآية وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَاء } الآية تدل على أنه لا حق في الصدقات لأحد إلا لهذه الأصناف الثمانية، وذلك مجمع عليه، وأيضاً فلفظة {إِنَّمَا } تفيد الحصر ويدل عليه وجوه: الأول: أن كلمة {إِنَّمَا } مركبة من «إن» و «ما» وكلمة إن للإثبات وكلمة ما للنفي، فعند اجتماعهما وجب بقاؤهما على هذا المفهوم، فوجب أن يفيدا ثبوت المذكور، وعدم ما يغايره. الثاني: أن ابن عباس تمسك في نفي ربا الفضل بقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إنما الربا في النسيئة» تفسير : ولولا أن هذا اللفظ يفيد الحصر، وإلا لما كان الأمر كذلك، وأيضاً تمسك بعض الصحابة في أن الإكسال لا يوجب الاغتسال بقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إنما الماء من الماء» تفسير : ولولا أن هذه الكلمة تفيد الحصر وإلا لما كان كذلك. وقال تعالى: { أية : إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } تفسير : [النساء: 171] والمقصود بيان نفي الإلهية للغير والثالث: الشعر. قال الأعشى:شعر : ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر تفسير : وقال الفرزدق: شعر : أنا الذائد الحامي الذمار وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي تفسير : فثبت بهذه الوجوه أن كلمة {إِنَّمَا } للحصر، ومما يدل على أن الصدقات لا تصرف إلا لهذه الأصناف الثمانية أنه عليه الصلاة والسلام قال لرجل: « حديث : إن كنت من الأصناف الثمانية فلك فيها حق وإلا فهو صداع في الرأس، وداء في البطن » تفسير : وقال: « حديث : لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي » تفسير : . المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم يلمزون الرسول عليه السلام في أخذ الصدقات، بين تعالى أنه إنما يأخذها لهؤلاء الأصناف الثمانية، ولا يأخذها لنفسه ولا لأقاربه ومتصليه، وقد بينا أن أخذ القليل من مال الغني ليصرف إلى الفقير في دفع حاجته هو الحكمة المعينة، والمصلحة اللازمة، وإذا كان الأمر كذلك كان همز المنافقين ولمزهم عين السفه والجهالة. فكان عليه الصلاة والسلام يقول: « حديث : ما أوتيكم شيئاً ولا أمنعكم، إنما أنا خازن أضع حيث أمرت » تفسير : . المسألة الثالثة: مذهب أبي حنيفة رحمه الله: أنه يجوز صرف الصدقة إلى بعض هؤلاء الأصناف فقط، وهو قول عمر وحذيفة وابن عباس وسعيد بن جبير وأبي العالية والنخعي، وعن سعيد بن جبير لو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقراء متعففين فحبوتهم بها كان أحب إلي، وقال الشافعي رحمه الله: لا بد من صرفها إلى الأصناف الثمانية، وهو قول عكرمة والزهري وعمر ابن عبد العزيز: واحتج بأنه تعالى ذكر هذه القسمة في نص الكتاب. ثم أكدها بقوله: {فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ } قال: ولا بد في كل صنف من ثلاثة، لأن أقل الجمع ثلاثة، فإن دفع سهم الفقراء إلى فقيرين ضمن نصيب الثالث وهو ثلث سهم الفقراء. قال: ولا بد من التسوية في أنصباء هذه الأصناف الثمانية، مثل أنك إن وجدت خمسة أصناف ولزمك أن تتصدق بعشرة دراهم، جعلت العشرة خمسة أسهم كل سهم درهمان، ولا يجوز التفاضل. ثم يلزمك أن تدفع إلى كل صنف درهمين وأقل عددهم ثلاثة، ولا يلزمك التسوية بينهم، فلك أن تعطي فقيراً درهماً وفقيراً خمسة أسداس درهم وفقيراً سدس درهم، هذه صفة قسمة الصدقات على مذهب الشافعي رحمه الله. قال المصنف الداعي إلى الله رضي الله عنه: الآية لا دلالة فيها على قول الشافعي رحمه الله، لأنه تعالى جعل جملة الصدقات لهؤلاء الأصناف الثمانية، وذلك لا يقتضي في صدقة زيد بعينه أن تكون لجملة هؤلاء الثمانية. والدليل عليه العقل والنقل. أما النقل: فقوله تعالى: { أية : وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ } تفسير : [الأنفال: 41] الآية، فأثبت خمس الغنيمة لهؤلاء الطوائف الخمس، ثم لم يقل أحد إن كل شيء يغنم بعينه فإنه يحب تفرقته على هذه الطوائف، بل اتفقوا على أن المراد إثبات مجموع الغنيمة لهؤلاء الأصناف، فإما أن يكون كل جزء من أجزاء الغنيمة موزعاً على كل هؤلاء فلا، فكذا ههنا مجموع الصدقات تكون لمجموع هذه الأصناف الثمانية. فإما أن يقال: إن صدقة زيد بعينها يجب توزيعها على هذه الأصناف الثمانية، فاللفظ لا يدل عليه ألبتة. وأما العقل: فهو أن الحكم الثابت في مجموع لا يوجب ثبوته في كل جزء من أجزاء ذلك المجموع، ولا يلزم أن لا يبقى فرق بين الكل وبين الجزء. فثبت بما ذكرنا أن لفظ الآية لا دلالة فيه على ما ذكره، والذي يدل على صحة قولنا وجوه: الأول: أن الرجل الذي لا يملك إلا عشرين ديناراً لما وجب عليه إخراج نصف دينار، فلو كلفناه أن نجعله على أربعة وعشرين قسماً لصار كل واحد من تلك الأقسام حقيراً صغيراً غير منتفع به في مهم معتبر. الثاني: أن هذا التوقيف لو كان معتبراً لكان أولى الناس برعايته أكابر الصحابة، ولو كان الأمر كذلك لوصل هذا الخبر إلى عمر بن الخطاب وإلى ابن عباس وحذيفة وسائر الأكابر، ولو كان كذلك لما خالفوا فيه، وحيث خالفوا فيه علمنا أنه غير معتبر. الثالث: وهو أن الشافعي رحمه الله له اختلاف رأي في جواز نقل الصدقات أما لم يقل أحد بوجوب نقل الصدقات، فالإنسان إذا كان في بعض القرى ولا يكون هناك مكاتب ولا مجاهد غاز ولا عامل ولا أحد من المؤلفة، ولا يمر به أحد من الغرباء، واتفق أنه لم يحضر في تلك القرية من كان مديوناً فكيف تكليفه؟ فإن قلنا: وجب عليه أن يسافر بما وجب عليه من الزكاة إلى بلد يجد هذه الأصناف فيه، فذاك قول لم يقل به أحد! وإذا أسقطنا عنه ذلك فحينئذ يصح قولنا فهذا ما نقوله في هذا الباب، والله أعلم. المسألة الرابعة: في تعريف الأصناف الثمانية، فالأول والثاني هم الفقراء والمساكين، ولا شك أنهم هم المحتاجون الذي لا يفي خرجهم بدخلهم. ثم اختلفوا فقال بعضهم: الذي يكون أشد حاجة هو الفقير؛ وهو قول الشافعي رحمه الله وأصحابه. وقال آخرون: الذي أشد حاجة هو المسكين، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله، ومن الناس من قال: لا فرق بين الفقراء والمساكين، والله تعالى وصفهم بهذين الوصفين، والمقصود شيء واحد وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، واختيار أبي علي الجبائي، وفائدته تظهر في هذه المسألة، وهو أنه لو أوصى لفلان وللفقراء والمساكين، فالذين قالوا: الفقراء غير المساكين قالوا لفلان الثلث، والذين قالوا: الفقراء هم المساكين قالوا لفلان النصف. وقال الجبائي: إنه تعالى ذكرهم باسمين لتوكيد أمرهم في الصدقات لأنهم هم الأصول في الأصناف الثمانية. وأيضاً الفائدة فيه أن يصرف إليهم من الصدقات سهمان لا كسائرهم. واعلم أن فائدة هذا الاختلاف لا تظهر في تفرقة الصدقات وإنما تظهر في الوصايا، وهو أن رجلاً لو قال: أوصيت للفقراء بمائتين وللمساكين بخمسين، وجب دفع المائتين عند الشافعي رحمه الله من كان أشد حاجة، وعند أبي حنيفة رحمه الله إلى من كان أقل حاجة، وحجة الشافعي رحمه الله وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى إنما أثبت الصدقات لهؤلاء الأصناف دفعاً لحاجتهم وتحصيلاً لمصلحتهم، وهذا يدل عى أن الذي وقع الابتداء بذكره يكون أشد حاجة، لأن الظاهر وجوب تقديم الأهم على المهم ألا ترى أنه يقال: أبو بكر وعمر ومن فضل عثمان على علي عليه السلام قال في ذكرهما عثمان وعلي، ومن فضل علياً على عثمان يقول علي وعثمان، وأنشد عمر قول الشاعر: شعر : كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً تفسير : فقال هلا قدم الإسلام على الشيب؟ فلما وقع الابتداء بذكر الفقراء وجب أن تكون حاجتهم أشد من حاجة المساكين. الوجه الثاني: قال أحمد بن عبيد الفقير أسوأ حالاً من المسكين، لأن الفقير أصله في اللغة المفقور الذي نزعت فقرة من فقار ظهره، فصرف عن مفقور إلى فقير كما قيل: مطبوخ وطبيخ، ومجروح وجريح، فثبت أن الفقير إنما سمي فقيراً لزمانته مع حاجته الشديدة وتمنعه الزمانة من التقلب في الكسب ومعلوم أنه لا حال في الإقلال والبؤس آكد من هذه الحال وأنشدوا للبيد: شعر : لما رأى لبد النسور تطايرت رفع القوادم كالفقير الأعزل تفسير : قال ابن الأعرابي في هذا البيت الفقير المكسور الفقار، يضرب مثلاً لكل ضعيف لا يتقلب في الأمور، ومما يدل على إشعار لفظ الفقير بالشدة العظيمة قوله تعالى: { أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ *تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ } تفسير : [القيامة: 24، 25] جعل لفظ الفاقرة كناية عن أعظم أنواع الشر والدواهي. الوجه الثالث: ما روي أنه عليه الصلاة والسلام، كان يتعوذ من الفقر، وقال: « حديث : كاد الفقر أن يكون كفراً »تفسير : ثم قال: « حديث : اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين » تفسير : فلو كان المسكين أسوأ حالاً من الفقير لتناقض الحديثان، لأنه تعوذ من الفقر، ثم سأل حالاً أسوأ منه، أما إذا قلنا الفقر أشد من المسكنة فلا تناقض ألبتة. الوجه الرابع: أن كونه مسكيناً، لا ينافي كونه مالكاً للمال بدليل قوله تعالى: { أية : أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَـٰكِينَ } تفسير : [الكهف: 79] فوصف بالمسكنة من له سفينة من سفن البحر تساوي جملة من الدنانير، ولم نجد في كتاب الله ما يدل على أن الإنسان سمي فقيراً مع أنه يملك شيئاً. فإن قالوا: الدليل عليه قوله تعالى: { أية : وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَاء } تفسير : [محمد: 38] فوصف الكل بالفقر مع أنهم يملكون أشياء. قلنا: هذا بالضد أولى لأنه تعالى وصفهم بكونهم فقراء بالنسبة إلى الله تعالى، فإن أحداً سوى الله تعالى لا يملك ألبتة شيئاً بالنسبة إلى الله فصح قولنا. الوجه الخامس: قوله تعالى: { أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } تفسير : [البلد: 14 ـ 16] والمراد منه المسكين ذي المتربة الفقير الذي قد ألصق بالتراب من شدة الفقر، فتقييد المسكين بهذا القيد يدل على أنه قد يحصل مسكين خال عن وصف كونه {ذَا مَتْرَبَةٍ } وإنما يكون كذلك بتقدير أن يملك شيئاً، فهذا يدل على أن كونه مسكيناً لا ينافي كونه مالكاً لبعض الأشياء. الوجه السادس: قال ابن عباس رضي الله عنهما، الفقير هو المحتاج الذي لا يجد شيئاً، قال: وهم أهل الصفة، صفة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا نحو أربعمائة رجل لا منزل لهم، فمن كان من المسلمين عنده فضل أتاهم به إذا أمسوا، والمساكين هم الطوافون الذين يسألون الناس. وجه الاستدلال: أن شدة فقر أهل الصفة معلومة بالتواتر، فلما فسر ابن عباس الفقراء بهم وفسر المساكين بالطوافين، ثم ثبت أن أحوال المحتاج الذي لا يسأل أحداً شيئاً أشد من أحوال من يحتاج، ثم يسأل الناس ويطوف عليهم، ظهر أن الفقير يجب أن يكون أسوأ حالاً من المسكين. الوجه السابع: أن المسكنة لفظ مأخوذ من السكون، فالفقير إذا سأل الناس وتضرع إليهم وعلم أنه متى تضرع إليهم أعطوه شيئاً فقد سكن قلبه، وزال عنه الخوف والقلق، ويحتمل أنه سمي بهذا الاسم؛ لأنه إذا أجيب بالرد ومنع سكن ولم يضطرب وأعاد السؤال، فلهذا السبب جعل التمسكن كناية عن السؤال والتضرع عند الغير، ويقال: تمسكن الرجل إذا لان وتواضع، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام للمصلي: «حديث : تأن وتمسكن»تفسير : يريد تواضع وتخشع، فدل هذا على أن المسكين هو السائل. إذا ثبت هذا فنقول: إنه تعالى قال في آية أخرى: { أية : وَفِى أَمْوٰلِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّائِلِ وَٱلْمَحْرُومِ } تفسير : [الذاريات: 19] فلما ثبت بما ذكرنا ههنا أن المسكين هو السائل، وجب أن يكون المحروم هو الفقير، ولا شك أن المحروم مبالغة في تقرير أمر الحرمان، فثبت أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين. الوجه الثامن: أنه عليه الصلاة والسلام قال: « حديث : أحيني مسكيناً » تفسير : الحديث، والظاهر أنه تعالى أجاب دعاءه فأماته مسكيناً، وهو عليه الصلاة والسلام حين توفي كان يملك أشياء كثيرة فدل هذا على أن كونه مسكيناً لا ينافي كونه مالكاً لبعض الأشياء، أما الفقير فإنه يدل على الحاجة الشديدة لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : كاد الفقر أن يكون كفراً» تفسير : فثبت بهذا أن الفقر أشد حالاً من المسكنة. الوجه التاسع: أن الناس اتفقوا على أن الفقر والغنى ضدان، كما أن السواد والبياض ضدان ولم يقل أحد إن الغنى والمسكنة ضدان بل قالوا: الترفع والتمسكن ضدان؛ فمن كان منقاداً لكل أحد خائفاً منهم متحملاً لشرهم ساكتاً عن جوابهم متضرعاً إليهم. قالوا: إن فلاناً يظهر الذل والمسكنة، وقالوا: إنه مسكين عاجز، وأما الفقير فجعلوه عبارة عن ضد الغنى، وعلى هذا فقد يصفون الرجل الغني بكونه مسكيناً، إذا كان يظهر من نفسه الخضوع والطاعة وترك المعارضة، وقد يصفون الرجل الفقير بكونه مترفعاً عن التواضع والمسكنة، فثبت أن الفقر عبارة عن عدم المال والمسكنة عبارة عن إظهار التواضع، والأول ينافي حصول المال، والثاني لا ينافي حصوله. الوجه العاشر: قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ في الزكاة: « حديث : خذها من أغنيائهم، وردها على فقرائهم » تفسير : ولو كانت الحاجة في المساكين أشد، لوجب أن يقول: وردها على مساكينهم، لأن ذكر الأهم أولى، فهذه الوجوه التي ذكرناها تدل على أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين، واحتج القائلون بأن المسكين أسوأ حالاً من الفقير بوجوه: الأول: احتجوا بقوله تعالى: { أية : أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } تفسير : [البلد: 16] وصف المسكين بكونه ذا متربة، وذلك يدل على نهاية الضر والشدة، وأيضاً أنه تعالى جعل الكفارات من الأطعمة له، ولا فاقة أعظم من الحاجة إلى إزالة الجوع. الثاني: احتجوا بقول الراعي: شعر : أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سَبَدُ تفسير : سماه فقيراً وله حلوبة. الثالث: قالوا المسكين هو الذي يسكن حيث يحضر لأجل أنه ليس له بيت يسكن فيه وذلك يدل على نهاية الضر والبؤس. الرابع: نقلوا عن الأصمعي وعن أبي عمرو بن العلاء أنهما قالا: الفقير الذي له ما يأكل. والمسكين الذي لا شيء له، وقال يونس: الفقير قد يكون له بعض ما يكفيه والمسكين هو الذي لا شيء له، وقلت لأعرابي أفقير أنت؟ قال: لا والله بل مسكين. والجواب: عن تمسكهم بالآية أنا بينا أن هذه الآية حجة لنا، فإنه لما قيد المسكين المذكور ههنا بكونه ذا متربة دل ذلك على أنه قد يوجد مسكين لا بهذه الصفة وإلا لم يبق لهذا القيد فائدة قوله: أنه صرف الطعام الواجب في الكفارات إليه، قلنا: نعم إنه أوجب صرفه إلى المسكين المقيد بقيد كونه ذا متربة، وهذا لا يدل على أنه أوجب الصرف إلى مطلق المسكين. والجواب عن استدلالهم ببيت الراعي أنه ذكر أن هذا الذي هو الآن موصوف بكونه فقيراً فقد كانت له حلوبه ثم السيد لم يترك له شيئاً، فلم لا يجوز أن يقال كانت له حلوبة ثم لما لم يترك له شيء وصف بكونه فقيراً؟ والجواب عن قولهم: المسكين هو الذي يسكن حيث يحضر لأجل أنه ليس له بيت. قلنا: بل المسكين هو الطواف على الناس الذي يكثر إقدامه على السؤال، وسمي مسكيناً إما لسكونه عندما ينتهرونه ويردونه، وإما لسكون قلبه بسبب علمه أن الناس لا يضيعونه مع كثرة سؤاله إياهم، وأما الروايات التي ذكروها عن أبي عمرو ويونس فهذا معارض بقول الشافعي وابن الأنباري رحمهما الله، وأيضاً نقل القفال في «تفسيره» عن جابر بن عبد الله أنه قال: الفقراء فقراء المهاجرين، والمساكين الذين لم يهاجروا، وعن الحسن الفقير الجالس في بيته، والمسكين الذي يسعى وعن مجاهد الفقير الذي لا يسأل، والمسكين الذي يسأل، وعن الزهري الفقراء هم المتعففون الذين لا يخرجون، والمساكين الذين يسألون، قال مولانا الداعي إلى الله: هذه الأقوال كلها متوافقة على أن الفقير لا يسأل، والمسكين يسأل، ومن سأل وجد، فكان المسكين أسهل وأقل حاجة. الصنف الثالث: قوله تعالى: {وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا } وهم السعاة لجباية الصدقة، وهؤلاء يعطون من الصدقات بقدر أجور أعمالهم، وهو قول الشافعي رحمه الله، وقول عبد الله بن عمر وابن زيد، وقال مجاهد والضحاك: يعطون الثمن من الصدقات، وظاهر اللفظ مع مجاهد إلا أن الشافعي رحمه الله يقول هذا أجرة العمل فيتقدر بقدر العمل، والصحيح أن مولى الهاشمي والمطلبي لا يجوز أن يكون عاملاً على الصدقات ليناله منها، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبى أن يبعث أبا رافع عاملاً على الصدقات، وقال: أما علمت أن مولى القوم منهم. وإنما قال: {وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا } لأن كلمة على تفيد الولاية كما يقال فلان على بلد كذا إذا كان والياً عليه. الصنف الرابع: قوله تعالى: {وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ } قال ابن عباس: هم قوم أشراف من الأحياء أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وكانوا خمسة عشر رجلاً، أبو سفيان، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وحويطب بن عبد العزى، وسهل بن عمرو من بني عامر، والحرث بن هشام، وسهيل بن عمرو الجهني، وأبو السنابل، وحكيم بن حزام. ومالك بن عوف، وصفوان بن أمية، وعبد الرحمن بن يربوع، والجد بن قيس، وعمرو بن مرداس. والعلاء بن الحرث أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل رجل منهم مائة من الإبل ورغبهم في الإسلام، إلا عبد الرحمن بن يربوع أعطاه خمسين من الإبل وأعطى حكيم بن حزام سبعين من الإبل، فقال: يا رسول الله ما كنت أرى أن أحداً من الناس أحق بعطائك مني فزاده عشرة، ثم سأله فزاده عشرة، وهكذا حتى بلغ مائة، ثم قال حكيم: يا رسول الله أعطيتك الأولى التي رغبت عنها خير أم هذه التي قنعت بها؟ فقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : بل التي رغبت عنها » تفسير : فقال: والله لا آخذ غيرها: فقيل مات حكيم وهو أكثر قريش مالاً وشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك العطايا لكن ألفهم بذلك. قال المصنف رحمه الله: هذه العطايا إنما كانت يوم حنين ولا تعلق لها بالصدقات، ولا أدري لأي سبب ذكر ابن عباس رضي الله عنهما هذه القصة في تفسير هذه الآية، ولعل المراد بيان أنه لا يمتنع في الجملة صرف الأموال إلى المؤلفة، فأما أن يجعل ذلك تفسيراً لصرف الزكاة إليهم فلا يليق بابن عباس، ونقل القفال أن أبا بكر رضي الله عنه أعطى عدي بن حاتم لما جاءه بصدقاته وصدقات قومه أيام الردة، وقال المقصود أن يستعين الإمام بهم على استخراج الصدقات من الملاك. قال الواحدي: إن الله تعالى أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين، فإن رأى الإمام أن يؤلف قلوب قوم لبعض المصالح التي يعود نفعها على المسلمين إذا كانوا مسلمين جاز إذ لا يجوز صرف شيء من زكوات الأموال إلى المشركين، فأما المؤلفة من المشركين فإنما يعطون من مال الفيء لا من الصدقات وأقول إن قول الواحدي إن الله أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين بناء على أنه ربما يوهم أنه عليه الصلاة والسلام دفع قسماً من الزكاة إليهم لكنا بينا أن هذا لم يحصل ألبتة، وأيضاً فليس في الآية ما يدل على كون المؤلفة مشركين بل قال: {وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ } وهذا عام في المسلم وغيره، والصحيح أن هذا الحكم غير منسوخ وأن للإمام أن يتألف قوماً على هذا الوصف ويدفع إليهم سهم المؤلفة لأنه [لا] دليل على نسخه ألبتة. الصنف الخامس: قوله: {وَفِي ٱلرِّقَابِ } قال الزجاج: وفيه محذوف، والتقدير: وفي فك الرقاب وقد مضى الاستقصاء في تفسيره في سورة البقرة في قوله: { أية : وَٱلسَّائِلِينَ وَفِي ٱلرّقَابِ } تفسير : [البقرة: 177] ثم في تفسير الرقاب أقوال: القول الأول: إن سهم الرقاب موضوع في المكاتبين ليعتقوا به، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله، والليث بن سعد، واحتجوا بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قوله: {وَفِي ٱلرِّقَابِ } يريد المكاتب وتأكد هذا بقوله تعالى: { أية : وآتوهم من مال الله الذى آتاكم } تفسير : [النور: 33]. والقول الثاني: وهو مذهب مالك وأحمد وإسحق أنه موضوع لعتق الرقاب يشتري به عبيد فيعتقون. والقول الثالث: قول أبي حنيفة وأصحابه وقول سعيد بن جبير والنخعي، أنه لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة ولكنه يعطي منها في رقبة ويعان بها مكاتب لأن قوله: {وَفِي ٱلرِّقَابِ } يقتضي أن يكون له فيه مدخل وذلك ينافي كونه تاماً فيه. والقول الرابع: قول الزهري: قال سهم الرقاب نصفان، نصف للمكاتبين من المسلمين، ونصف يشتري به رقاب ممن صلوا وصاموا، وقدم إسلامهم فيعتقون من الزكاة، قال أصحابنا: والاحتياط في سهم الرقاب دفعه إلى السيد بإذن المكاتب، والدليل عليه أنه تعالى أثبت الصدقات للأصناف الأربعة الذين تقدم ذكرهم بلام التمليك وهو قوله: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَاء } ولما ذكر الرقاب أبدل حرف اللام بحرف في فقال: {وَفِي ٱلرِّقَابِ } فلا بد لهذا الفرق من فائدة، وتلك الفائدة هي أن تلك الأصناف الأربعة المتقدمة يدفع إليهم نصيبهم من الصدقات حتى يتصرفوا فيها كما شاؤوا وأما {فِى ٱلرِّقَابِ } فيوضع نصيبهم في تخليص رقبتهم عن الرق، ولا يدفع إليهم ولا يمكنوا من التصرف في ذلك النصيب كيف شاؤوا، بل يوضع في الرقاب بأن يؤدي عنهم، وكذا القول في الغارمين يصرف المال في قضاء ديونهم، وفي الغزاة يصرف المال إلى إعداد ما يحتاجون إليه في الغزو وابن السبيل كذلك. والحاصل: أن في الأصناف الأربعة الأول، يصرف المال إليهم حتى يتصرفوا فيه كما شاؤوا، وفي الأربعة الأخيرة لا يصرف المال إليهم، بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا سهم الزكاة. الصنف السادس: قوله تعالى: {وَٱلْغَـٰرِمِينَ } قال الزجاج: أصل الغرم في اللغة لزوم ما يشق والغرام العذاب اللازم، وسمي العشق غراماً لكونه أمراً شاقاً ولازماً، ومنه: فلان مغرم بالنساء إذا كان مولعاً بهن، وسمي الدين غراماً لكونه شاقاً على الإنسان ولازماً له، فالمراد بالغارمين المديونون، ونقول: الدين إن حصل بسبب معصية لا يدخل في الآية، لأن المقصود من صرف المال المذكور في الآية الإعانة، والمعصية لا تستوجب الإعانة، وإن حصل لا بسبب معصية فهو قسمان: دين حصل بسبب نفقات ضرورية أو في مصلحة، ودين حصل بسبب حمالات وإصلاح ذات بين، والكل داخل في الآية، وروى الأصم في «تفسيره» أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قضى بالغرة في الجنين، قال العاقلة: لا نملك الغرة يا رسول الله قال لحمد بن مالك بن النابغة: « حديث : أعنهم بغرة من صدقاتهم » تفسير : وكان حمد على الصدقة يومئذ. الصنف السابع: قوله تعالى: {وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } قال المفسرون: يعني الغزاة. قال الشافعي رحمه الله: يجوز له أن يأخذ من مال الزكاة وإن كان غنياً وهو مذهب مالك وإسحق وأبي عبيد. وقال أبو حنيفة وصاحباه رحمهم الله: لا يعطى الغازي إلا إذا كان محتاجاً. واعلم أن ظاهر اللفظ في قوله: {وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } لا يوجب القصر على كل الغزاة، فلهذا المعنى نقل القفال في «تفسيره» عن بعض الفقهاء أنهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الحصون وعمارة المساجد، لأن قوله: {وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } عام في الكل. والصنف الثامن: ابن السبيل قال الشافعي رحمه الله: ابن السبيل المستحق للصدقة وهو الذي يريد السفر في غير معصية فيعجز عن بلوغ سفره إلا بمعونة. قال الأصحاب: ومن أنشأ السفر من بلده لحاجة، جاز أن يدفع إليه سهم ابن السبيل، فهذا هو الكلام في شرح هذه الأصناف الثمانية. المسألة الخامسة: في أحكام هذه الأقسام. الحكم الأول اتفقوا على أن قوله: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ } دخل فيه الزكاة الواجبة، لأن الزكاة الواجبة مسماة بالصدقة، قال تعالى: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً } تفسير : [التوبة: 103] وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : ليس فيما دون خمسة ذود وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» تفسير : واختلفوا في أنه هل تدخل فيها الصدقة المندوبة فمنهم من قال: تدخل فيها لأن لفظ الصدقة مختص بالمندوبة فإذا أدخلنا فيه الزكاة الواجبة فلا أقل من أن تدخل فيه أيضاً الصدقة المندوبة وتكون الفائدة أن مصارف جميع الصدقات ليس إلا هؤلاء، والأقرب أن المراد من لفظ الصدقات ههنا هو الزكوات الواجبة ويدل عليه وجوه: الأول: أنه تعالى أثبت هذه الصدقات بلام التمليك للأصناف الثمانية، والصدقة المملوكة لهم ليست إلا الزكاة الواجبة، الثاني: أن ظاهر هذه الآية يدل على أن مصرف الصدقات ليس إلا لهؤلاء الثمانية، وهذا الحصر إنما يصح لو حملنا هذه الصدقات على الزكوات الواجبة، أما لو أدخلنا فيها المندوبات لم يصح هذا الحصر، لأن الصدقات المندوبة يجوز صرفها إلى بناء المساجد، والرباطات، والمدارس، وتكفين الموتى وتجهيزهم وسائر الوجوه. الثالث: أن قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَاءِ } إنما يحسن ذكره لوكان قد سبق بيان تلك الصدقات وأقسامها حتى ينصرف هذا الكلام إليه، والصدقات التي سبق بيانها وتفصيلها هي الصدقات الواجبة فوجب انصراف هذا الكلام إليها. الحكم الثاني دلت هذه الآية على أن هذه الزكاة يتولى أخذها وتفرقتها الإمام ومن يلي من قبله، والدليل عليه أن الله تعالى جعل للعاملين سهماً فيها، وذلك يدل على أنه لا بد في أداء هذه الزكوات من عامل والعامل هو الذي نصبه الإمام لأخذ الزكوات، فدل هذا النص على أن الإمام هو الذي يأخذ هذه الزكوات، وتأكد هذا النص بقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً } فالقول بأن المالك يجوز له إخراج زكاة الأموال الباطنة بنفسه إنما يعرف بدليل آخر، ويمكن أن يتمسك في إثباته بقوله تعالى: { أية : وَفِى أَمْوٰلِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّائِلِ وَٱلْمَحْرُومِ } تفسير : [الذاريات:19] فإذا كان ذلك الحق حقاً للسائل والمحروم وجب أن يجوز له دفعه إليه ابتداء. الحكم الثالث نص القرآن يدل على أن العامل له في مال الزكاة حق، واختلفوا في أن الإمام هل له فيه حق؟ فمنهم من أثبته قال: لأن العامل إنما قدر على ذلك العمل بتقويته وإمارته، فالعامل في الحقيقة هو الإمام، ومنهم من منعه وقال: الآية دلت على حصر مال الزكاة في هؤلاء الثمانية، والإمام خارج عنهم فلا يصرف هذا المال إليه. الحكم الرابع اختلفوا في هذا العامل إذا كان غنياً هل يأخذ النصيب؟ قال الحسن: لا يأخذ إلا مع الحاجة وقال الباقون: يأخذ وإن كان غنياً لأنه يأخذه أجرة على العمل، ثم اختلفوا فقال بعضهم: للعامل في مال الزكاة الثمن، لأن الله تعالى قسم الزكاة على ثمانية أصناف فوجب أن يحصل له الثمن، كما أن من أوصى بمال لثمانية أنفس حصل لكل واحد منهم ثمنه، وقال الأكثرون: بل حقه بقدر مؤنته عند الجباية والجمع. الحكم الخامس اتفقوا على أن مال الزكاة لا يخرج عن هذه الثمانية واختلفوا أنه هل يجوز وضعه في بعض الأصناف فقط؟ وقد سبق ذكر دلائل هاتين المسألتين، إلا أنا إذا قلنا يجوز وضعه في بعض الأصناف فقط فهذا إنما يجوز في غير العامل، وأما وضعه بالكلية في العالم فذلك غير جائز بالاتفاق. الحكم السادس أن العامل والمؤلفة مفقودان في هذا الزمان، ففيه الأصناف الستة والأولى صرف الزكاة إلى هذه الأصناف الستة على ما يقوله الشافعي، لأنه الغاية في الاحتياط، أما إن لم يفعل ذلك أجزأه على ما بيناه. الحكم السابع عموم قوله: {لِلْفُقَرَاءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ } يتناول الكافر والمسلم إلا أن الأخبار دلت على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى الفقراء والمساكين وغيرهم إلا إذا كانوا مسلمين. واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الأصناف الثمانية وشرح أحوالهم. قال: {فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ } قال الزجاج: {فَرِيضَةً } منصوب على التوكيد، لأن قوله: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ } لهؤلاء جار مجرى قوله: فرض الله الصدقات لهؤلاء فريضة، وذلك كالزجر عن مخالفة هذا الظاهر، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : إن الله تعالى لم يرض بقسمة الزكاة أن يتولاها ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى تولى قسمتها بنفسه » تفسير : والمقصود من هذه التأكيدات تحريم إخراج الزكاة عن هذه الأصناف. ثم قال: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } أي أعلم بمقادير المصالح {حَكِيمٌ } لا يشرع إلا ما هو الأصوب الأصلح، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاثون مسألة: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ} خص الله سبحانه بعض الناس بالأموال دون بعض نعمة منه عليهم، وجعل شكر ذلك منهم إخراجَ سهم يؤدّونه إلى من لا مال له، نيابة عنه سبحانه فيما ضمِنه بقوله: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} تفسير : [هود: 6]. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {لِلْفُقَرَآءِ} تبيِين لمصارف الصدقات والمحلّ؛ حتى لا تخرج عنهم. ثم الإختيار إلى مَن يقسم؛ هذا قول مالك وأبي حنيفة وأصحابهما. كما يُقال: السّرج للدابة والباب للدار. وقال الشافعيّ: اللام لام التمليك؛ كقولك: المال لزيد وعمرو وبكر، فلا بدّ من التسوية بين المذكورين. قال الشافعيّ وأصحابه: وهذا كما لو أوْصَى لأصناف معينين أو لقوم معيّنين. واحتجوا بلفظه «إنما» وأنها تقتضي الحصر في وقوف الصدقات على الثمانية الأصناف، وعَضَدُوا هذا بحديث حديث : زياد بن الحارث الصُّدّائيّ قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبعث إلى قومي جيشاً فقلت: يا رسول الله، ٱحبس جيشك فأنَا لك بإسلامهم وطاعتهم، وكتبتُ إلى قومي فجاء إسلامهم وطاعتهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أخا صُداء المطاعُ في قومه». قال: قلت بل مَنّ الله عليهم وهداهم؛ قال: ثم جاءه رجل يسأله عن الصدقات، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يرض في الصدقات بحكم نبيّ ولا غيره حتى جزّأها ثمانية أجزاء فإن كنت من أهل تلك الأجزاء أعطيتك»تفسير : رواه أبو داود والدَّارَقُطْنِيّ. واللفظ للدارقطني. وحكي عن زين العابدين أنه قال: إنه تعالىٰ علّم قدر ما يدفع من الزكاة وما تقع به الكفاية لهذه الأصناف، وجعله حقاً لجميعهم، فمن منعهم ذلك فهو الظالم لهم رزقهم. وتمسك علماؤنا بقوله تعالىٰ: {أية : إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}تفسير : [البقرة: 271]. والصدقة متى أطلقت في القرآن فهي صدقة الفرض. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أُمِرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردّها على فقرائكم»تفسير : . وهذا نص في ذكر أحد الأصناف الثمانية قرآنا وسنة؛ وهو قول عمر بن الخطاب وعليّ وٱبن عباس وحُذيفة. وقال به من التابعين جماعة. قالوا: جائز أن يدفعها إلى الأصناف الثمانية، وإلى أي صنف منها دفعتَ جاز. روى المِنْهال بن عمرو عن زِرّ بن حُبيش عن حُذيفة في قوله: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ} قال: إنما ذكر الله هذه الصدقات لتُعرف، وأيّ صنف منها أعطيتَ أجزأك. وروى سعيد بن جُبير عن ٱبن عباس {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ} قال: في أيها وضعت أجزأ عنك. وهو قول الحسن وإِبراهيم وغيرهما. قال الكِيَا الطبريّ: حتى ٱدعى مالك الإجماع على ذلك. قلت: يريد إجماع الصحابة؛ فإنه لا يُعلم لهم مخالف منهم على ما قال أبو عمر، والله أعلم. ٱبن العربيّ: والذي جعلناه فَيْصلا بيننا وبينهم أن الأُمة ٱتفقت على أنه لو أُعطي كلُّ صنف حظّه لم يجب تعميمه، فكذلك تعميم الأصناف مثله. والله أعلم. الثالثة ـ وٱختلف علماء اللغة وأهل الفقه في الفرق بين الفقير والمسكين على تسعة أقوال؛ فذهب يعقوب بن السِّكِّيت والقُتَبِي ويونس بن حبيب إلى أن الفقير أحسن حالاً من المسكين. قالوا: الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه، والمسكين الذي لا شيء له؛ واحتجّوا بقول الراعي: شعر : أما الفقير الذي كانت حَلُوبَتُه وَفْقَ العِيَال فلم يُترك له سَبَدُ تفسير : وذهب إلى هذا قوم من أهل اللغة والحديث منهم أبو حنيفة والقاضي عبد الوهاب، والوفق من الموافقة بين الشيئين كالالتحام؛ يُقال: حلوبته وفق عياله أي لها لبن قدر كفايتهم لا فضل فيه؛ عن الجوهري. وقال آخرون بالعكس؛ فجعلوا المسكين أحسنَ حالاً من الفقير. واحتجو بقوله تعالىٰ: {أية : أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ}تفسير : [الكهف: 79]. فأخبر أن لهم سفينة من سفن البحر. وربما ساوت جملةً من المال. وعَضَدوه بما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تعوّذ من الفقرِ. وروي عنه أنه قال: «حديث : اللَّهُمَّ أحْيِنِي مسكيناً وأمتني مسكيناً»تفسير : . فلو كان المسكين أسوأ حالاً من الفقير لتناقض الخبران؛ إذ يستحيل أن يتعوّذ من الفقر ثم يسأل ما هو أسوأ حالاً منه، وقد استجاب الله دعاءه وقبَضَه وله مال مما أفاء الله عليه، ولكن لم يكن معه تمام الكفاية؛ ولذلك رَهَن دِرعه. قالوا: وأما بيت الرّاعي فلا حجة فيه؛ لأنه إنما ذكر أن الفقير كانت له حَلُوبة في حال. قالوا: والفقير معناه في كلام العرب المفقور الذي نُزعت فِقرُه من ظهره من شدّة الفقر فلا حال أشدّ من هذه. وقد أخبر الله عنهم بقوله {أية : لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [البقرة: 273]. وٱستشهدوا بقول الشاعر:شعر : لما رأى لُبَدُ النُّسورِ تطايرت رفعَ القوادمَ كالفقير الأَعْزلِ تفسير : أي لم يطق الطيران فصار بمنزلة من ٱنقطع صلبه ولصق بالأرض. ذهب إلى هذا الأصمعيّ وغيره، وحكاه الطحاوِيّ عن الكوفيين. وهو أحد قولي الشافعيّ وأكثر أصحابه. وللشافعيّ قول آخر: أن الفقير والمسكين سواء، لا فرق بينهما في المعنى وإن ٱفترقا في الاسم؛ وهو القول الثالث. وإلى هذا ذهب ابن القاسم وسائر أصحاب مالك، وبه قال أبو يوسف. قلت: ظاهر اللفظ يدل على أن المسكين غير الفقير، وأنهما صنفان، إلاَّ أن أحد الصّنفين أشدّ حاجة من الآخر؛ فمن هذا الوجه يقرب قول من جعلهما صنفاً واحداً، والله أعلم. ولا حجة في قول من احتج بقوله تعالىٰ: {أية : أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ}تفسير : [الكهف: 79]. لأنه يحتمل أن تكون مستأجرة لهم؛ كما يُقال: هذه دار فلان إذا كان ساكنَها وإن كانت لغيره. وقد قال تعالىٰ في وصف أهل النار: {أية : وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ}تفسير : [الحج: 21] فأضافها إليهم. وقال تعالىٰ: {أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ} تفسير : [النساء: 5]. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : من باع عبداً وله مال»تفسير : وهو كثير جداً يُضاف الشيء إليه وليس له. ومنه قولهم: باب الدار. وجُلّ الدابة، وسرج الفرس، وشبهه. ويجوز أن يُسمّوا مساكين على جهة الرحمة والاستعطاف؛ كما يُقال لمن ٱمتُحن بِنكبة أو دفع إلى بلية مسكين. وفي الحديث: «حديث : مساكين أهل النار»تفسير : وقال الشاعر:شعر : مساكين أهل الحب حتى قبورهم عليها تراب الذل بين المقابر تفسير : وأمّا ما تأوّلوه من قوله عليه السَّلام: «حديث : اللهم أحيِنِي مسكيناً»تفسير : الحديث. رواه أنس، فليس كذلك؛ وإنما المعنى هٰهنا: التواضع لله الذي لا جبروت فيه ولا نخوة، ولا كبر ولا بطر، ولا تكبّر ولا أشر. ولقد أحسن أبو العتاهية حيث قال:شعر : إذا أردت شريف القوم كلّهم فانظر إلى ملِك في زِي مسكين ذاك الذي عظُمت في اللَّه رغبته وذاك يصلح للدنيا وللدين تفسير : وليس بالسائل، لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد كره السؤال ونهى عنه، حديث : وقال في ٱمرأة سوداء أبت أن تزول له عن الطريق: «دَعُوها فإنها جَبّارة»تفسير : . وأما قوله تعالىٰ: {لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ} فلا يمتنع أن يكون لهم شيء. والله أعلم. وما ذهب إليه أصحاب مالك والشافعيّ في أنهما سواء حسن. ويقرب منه ما قاله مالك في كتاب ابن سُحْنون، قال: الفقير المحتاج المتعفف، والمسكين السائل؛ وروي عن ابن عباس وقاله الزُّهْرِي، واختاره ابن شعبان وهو القول الرابع. وقول خامس ـ قال محمد بن مسلمة: الفقير الذي له المسكن والخادم إلى من هو أسفل من ذلك. والمسكين الذي لا مال له. قلت: وهذا القول عكس ما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو، وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك ٱمرأة تأوي إليها؟ قال نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال نعم. قال: فأنت من الأغنياء. قال: فإن لي خادماً قال: فأنت من الملوك. وقول سادس ـ روي عن ابن عباس قال: الفقراء من المهاجرين، والمساكين من الأعراب الذين لم يهاجروا؛ وقاله الضحاك. وقول سابع ـ وهو أن المسكين الذي يخشع ويستكنّ وإن لم يسأل. والفقير الذي يتحمل ويقبل الشيء سرّاً ولا يخشع؛ قاله عبيد الله بن الحسن. وقول ثامن قاله مجاهد وعِكْرمة والزُّهرِيّ ـ المساكين الطوّافون، والفقراء فقراء المسلمين. وقول تاسع قاله عكرمة أيضاً ـ أن الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين فقراء أهل الكتاب. وسيأتي. الرابعة ـ وهي فائدة الخلاف في الفقراء والمساكين، هل هما صنف واحد أو أكثر تظهر فيمن أوصى بثلث ماله لفلان وللفقراء والمساكين؛ فمن قال هما صنف واحد قال: يكون لفلان نصف الثلث وللفقراء والمساكين نصفُ الثلث الثاني. ومن قال هما صنفان يقسم الثلث بينهم أثلاثاً. الخامسة ـ وقد اختلف العلماء في حدّ الفقر الذي يجوز معه الأخذ ـ بعد إجماع أكثر من يحفظ عنه من أهل العلم ـ أن من له داراً وخادماً لا يستغني عنهما أن له أن يأخذ من الزكاة، وللمعطِي أن يعطيه. وكان مالك يقول: إن لم يكن في ثمن الدار والخادم فضلة عما يحتاج إليه منهما جاز له الأخذ وإلا لم يجز؛ ذكره ابن المنذر. وبقول مالك قال النَّخَعِي والثوريّ. وقال أبو حنيفة: من معه عشرون ديناراً أو مائتا درهم فلا يأخذ من الزكاة. فاعتبر النصاب لقوله عليه السلام: «حديث : أُمِرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردّها في فقرائكم»تفسير : . وهذا واضح، ورواه المغيرة عن مالك. وقال الثوريّ وأحمد وإسحاق وغيرهم: لا يأخذ مَن له خمسون درهماً أو قدرها من الذهب، ولا يعطَى منها أكثر من خمسين درهماً إلا أن يكون غارماً؛ قاله أحمد وإسحاق. وحجة هذا القول ما رواه الدَّارَقُطْنِيّ عن عبد الله بن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تحلّ الصدقة لرجل له خمسون درهماً»تفسير : . في إسناده عبد الرحمن بن إسحاق ضعيف، وعنه بكر بن خنيس ضعيف أيضاً. ورواه حكيم بن جبير عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحوه، وقال: خمسون درهماً. وحكيم بن جبير ضعيف تركه شعبة وغيره؛ قاله الدَّارَقُطْنِيّ رحمه الله. وقال أبو عمر: هذا الحديث يدور على حكيم بن جبير وهو متروك. وعن عليّ وعبد الله قالا: لا تحلّ الصدقة لمن له خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب؛ ذكره الدَّارَقُطْنِي وقال الحسن البصريّ: لا يأخذ مَن له أربعون درهماً. ورواه الواقِديّ عن مالك. وحجة هذا القول ما رواه الدَّارَقُطْنِيّ حديث : عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «من سأل الناس وهو غَنِيّ جاء يوم القيامة وفي وجهه كدوح وخدوش». فقيل: يا رسول الله وما غناؤه؟ قال:«أربعون درهماً»تفسير : . وفي حديث مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يَسار عن رجل من بني أسد فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من سأل منكم وله أوقِية أو عدلها فقد سأل إلحافاً والأوقية أربعون درهماً»تفسير : . والمشهور عن مالك ما رواه ابن القاسم عنه أنه سئل: هل يعطَى من الزكاة مَن له أربعون درهماً؟ قال نعم. قال أبو عمر: يحتمل أن يكون الأوّل قوِيّاً على الاكتساب حَسن التصرف. والثاني ضعيفاً عن الاكتساب، أو من له عيال. والله أعلم. وقال الشافعيّ وأبو ثَوْر. من كان قوِياً على الكسب والتحرّف مع قوّة البدن وحسن التصرف حتى يغنيه ذلك عن الناس فالصدقة عليه حرام. وٱحتج بحديث النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تحلّ الصدقة لغنيّ ولا لذي مِرّة سَوِيّ»تفسير : رواه عبد الله بن عمر، وأخرجه أبو داود والترمذِيّ والدَّارَقُطْنِيّ. وروى جابر قال: حديث : جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة فركبه الناس؛ فقال: «إنها لا تصلح لغنِيّ ولا لصحيح ولا لعامل»تفسير : أخرجه الدّارقطنيّ. وروى أبو داود حديث : عن عبيد الله بن عَدِيّ بن الخيار قال: أخبرني رجلان أنهما أتيا النبيّ صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو يَقسم الصدقة فسألاه منها، فرفع فينا النظر وخفضه، فرآنا جَلْدَين فقال: «إن شئتما أعطيتكما ولا حظّ فيها لغنيّ ولا لقوِيّ مكتسب»تفسير : . ولأنه قد صار غنيّاً بكسبه كغِنى غيره بماله فصار كل واحد منهما غنيّاً عن المسألة. وقاله ابن خُوَيْزِمَنْدَاد، وحكاه عن المذهب. وهذا لا ينبغي أن يعوّل عليه؛ فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يعطيها الفقراء ووقوفها على الزَّمِن باطل. قال أبو عيسى الترمذِيّ في جامعه: إذا كان الرجل قوياً محتاجاً ولم يكن عنده شيء فتُصدِّق عليه أجزأ عن المتصدّق عند أهل العلم. ووجه الحديث عند بعض أهل العلم على المسألة. وقال الكِيَا الطبريّ: والظاهر يقتضي جواز ذلك؛ لأنه فقير مع قوّته وصحةِ بدنه. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. وقال عبيد الله بن الحسن: من لا يكون له ما يكفيه ويقيمه سَنةً فإنه يعطي الزكاة. وحجته ما رواه ابن شهاب عن مالك بن أوس بن الحَدَثان عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدّخر مما أفاء الله عليه قوت سنة، ثم يجعل ما سوى ذلك في الكُراع والسلاح مع قوله تعالى: {أية : وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ} تفسير : [الضحى: 8]. وقال بعض أهل العلم: لكل واحد أن يأخذ من الصدقة فيما لا بدّ له منه. وقال قوم: من عنده عشاء ليلة فهو غنِى؛ وروي عن عليّ. واحتجوا بحديث عليّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : «من سأل مسألة عن ظَهر غِنىً ٱستكثر بها من رَضْف جهنم» قالوا: يا رسول الله، وما ظهر الغني؟ قال: «عشاء ليلة»تفسير : . أخرجه الدَّارَقُطْنِي وقال: في إسناده عمرو بن خالد وهو متروك. وأخرجه أبو داود عن سهل بن الحَنْظَلية عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفيه: «حديث : من سأل وعنده ما يُغنيه فإنما يستكثر من النار»تفسير : . وقال النُّفَيْلي في موضع آخر «حديث : من جمر جهنم»تفسير : . فقالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ وقال النُّفَيْلي في موضع آخر؛ وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة؟ قال: «حديث : قدر ما يغدّيه ويعشّيه»تفسير : . وقال النّفيلي في موضع آخر: «حديث : أن يكون له شبع يوم وليلة أو ليلة ويوم».تفسير : قلت: فهذا ما جاء في بيان الفقر الذي يجوز معه الأخذ. ومطلق لفظ الفقراء لا يقتضي الإختصاص بالمسلمين دون أهل الذمة، ولكن تظاهرت الأخبار في أن الصدقات تؤخذ من أغنياء المسلمين فتُرد في فقرائهم. وقال عكرمة: الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين فقراء أهل الكتاب. وقال أبو بكر العبسي: رأى عمر بن الخطاب ذِمّيّاً مكفوفاً مطروحاً على باب المدينة فقال له عمر: مالَك؟ قال: استكروني في هذه الجزية، حتى إذا كُفّ بصري تركوني وليس لي أحد يعود عليّ بشيء. فقال عمر: ما أُنصِفتَ إذاً؛ فأمر له بقُوته وما يصلحه. ثم قال: هذا من الذين قال الله تعالى فيهم: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ} الآية. وهم زَمْنَى أهل الكتاب. ولما قال تعالى: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ} الآية، وقابل الجملة بالجملة وهي جملة الصدقة بجملة المصرف بيّن النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال لمعاذ حين أرسله إلى اليمن: «حديث : أخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ في فقرائهم»تفسير : . فٱختص أهل كل بلد بزكاة بلده. وروى أبو داود: أن زياداً أو بعض الأمراء بعث عمران بن حُصين على الصدقة، فلما رجع قال لعمران: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتنيٰ أخذناها من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى الدَّارَقُطْنِي والترمذِيّ عن عَوْن بن أبي جُحيفة عن أبيه قال: قدم علينا مصدّق النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا فكنت غلاماً يتيماً فأعطاني منها قَلُوصاً. قال الترمذِيّ: وفي الباب عن ابن عباس حديث ٱبن أبي جحيفة حديث حسن. السادسة ـ وقد اختلفت العلماء في نقل الزكاة عن موضعها على ثلاثة أقوال: لا تنقل؛ قاله سُحْنون وٱبن القاسم، وهو الصحيح لما ذكرناه. قال ابن القاسم أيضاً: وإن نُقل بعضها لضرورة رأيته صواباً. ورُوي عن سُحْنون أنه قال: ولو بلغ الإمام أن ببعض البلاد حاجة شديدة جاز له نقل بعض الصدقة المستحقة لغيره إليه؛ فإن الحاجة إذا نزلت وجب تقديمها على من ليس بمحتاج. «حديث : والمسلم أخو المسلم لا يُسْلِمه ولا يَظْلمه»تفسير : . والقول الثاني: تنقل. وقاله مالك أيضاً. وحجة هذا القول ما رُوي أن معاذاً قال لأهل اليمن: ايتوني بخَمِيس أو لَبِيس آخذه منكم مكان الذرة والشعير في الصدقة فإنه أيسر عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة. أخرجه الدَّارَقُطْنيّ وغيره. والخميس لفظ مشترك، وهو هنا الثوب طوله خمس أذرع. ويقال: سُمّيَ بذلك لأن أوّل من عمِله الْخمسُ مَلِك من ملوك اليمن؛ ذكره ابن فارس في المُجْمَل والجوهريّ أيضاً. وفي هذا الحديث دليلان: أحدهما ـ ما ذكرناه من نقل الزكاة من اليمن إلى المدينة؛ فيتولّى النبيّ صلى الله عليه وسلم قسمتها. ويَعْضُد هذا قوله تعالى: «إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ» ولم يفصّل بين فقير بلد وفقير آخر. والله أعلم. الثاني ـ أخذ القيمة في الزكاة. وقد اختلفت الرواية عن مالك في إخراج القِيَم في الزكاة؛ فأجاز ذلك مرّةَ ومنع منه أُخرى، فوجهُ الجواز ـ وهو قول أبي حنيفة ـ هذا الحديث. وثبت في صحيح البخارِيّ من حديث أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من بلغت عنده من الإبل صدقة الجَذَعة وليست عنده جذعة وعنده حِقّة فإنه تؤخذ منه وما ٱستيسرتا من شاتين أو عشرين درهماً»تفسير : . الحديث. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أُغنوهم عن سؤال هذا اليوم»تفسير : يعني يوم الفِطْر. وإنما أراد أن يُغنوا بما يسدّ حاجتهم، فأيّ شيء سدّ حاجتهم جاز. وقد قال تعالى: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} تفسير : [التوبة: 103] ولم يخص شيئاً من شيء. ولا يُدفع عند أبي حنيفة سُكْنَى دار بدل الزكاة؛ مثل أن يجب عليه خمسة دراهم فأسكن فيها فقيراً شهراً فإنه لا يجوز. قال: لأن السكنى ليس بمال. ووجه قوله: «لا تجزي القِيَم» ـ وهو ظاهر المذهب ـ فلأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : في خَمْسٍ من الإبل شاةٌ وفي أربعين شاةً شاةٌ»تفسير : فنص على الشاة، فإذا لم يأت بها لم يأت بمأمور به، وإذا لم يأت بالمأمور به فالأمر باقٍ عليه. القول الثالث ـ وهو أن سهم الفقراء والمساكين يقسم في الموضع، وسائر السهام تنقل باجتهاد الإمام. والقول الأوّل أصح. والله أعلم. السابعة ـ وهل المعتبر مكان المال وقت تمام الحول فتفرّق الصدقة فيه، أو مكان المالك إذ هو المخاطب؛ قولان. واختار الثاني أبو عبد الله محمد بن خُوَيْزِمَنْدَاد في أحكامه قال: لأن الإنسان هو المخاطب بإخراجها فصار المال تبعاً له؛ فيجب أن يكون الحكم فيه بحيث المخاطب. كابن السبيل فإنه يكون غنِيّاً في بلده فقيراً في بلد آخر؛ فيكون الحكم له حيث هو. مسألة ـ وٱختلفت الرواية عن مالك فيمن أعطى فقيراً مسلماً فٱنكشف في ثاني حال أنه أعطى عبداً أو كافراً أو غنيّاً؛ فقال مرة: تجزيه ومرّة لا تجزيه. وجه الجواز ـ وهو الأصح ـ ما رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال رجل لأتصدّقنّ الليلة بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية فأصبحوا يتحدّثون تُصدِّق الليلة على زانية قال اللَّهُم لك الحمد على زانية لأتصدّقنّ بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غنيّ فأصبحوا يتحدّثون تُصدِّق على غنِيّ قال اللّهُم لك الحمد على غنيّ لأتصدّقنّ بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدّثون تُصدّق على سارق فقال اللّهُم لك الحمد على زانية وعلى غنيّ وعلى سارق فأُتِي فقيل له أمّا صدقتك فقد قُبلت أما الزانية فلعلّها تستعِفّ بها عن زناها ولعلّ الغنِيّ يعتبر فينفق مما أعطاه الله ولعل السارق يستعِف بها عن سرقته»تفسير : . وروي حديث : أن رجلاً أخرج زكاة ماله فأعطاها أباه، فلما أصبح علم بذلك؛ فسأل النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال له: «قد كُتب لك أجر زكاتك وأجر صلة الرحم فلك أجران»تفسير : . ومن جهة المعنى أنه سوّغ له الاجتهاد في المعطى. فإذا اجتهد وأعطى من يظنه من أهلها فقد أتى بالواجب عليه. ووجه قوله: لا يَجْزِي. أنه لم يضعها في مستحقّها؛ فأشبه العمد، ولأن العمد والخطأ في ضمان الأموال واحد فوجب أن يضمن ما أتلف على المساكين حتى يُوصِله إليهم. الثامنة ـ فإن أخرج الزكاة عند محلّها فهلكت من غير تفريط لم يضمن؛ لأنه وكيل للفقراء. فإن أخرجها بعد ذلك بمدة فهلكت ضمِن؛ لتأخيرها عن محلها فتعلّقت بذمته فلذلك ضمن. والله أعلم. التاسعة ـ وإذا كان الإمام يعدل في الأخذ والصرف لم يَسُغ للمالك أن يتولّى الصرف بنفسه في الناضّ ولا في غيره. وقد قيل: إن زكاة الناضّ على أربابه. وقال ابن الماجِشون: ذلك إذا كان الصرف للفقراء والمساكين خاصة؛ فإن احتيج إلى صرفها لغيرهما من الأصناف فلا يفرّق عليهم إلا الإمام. وفروع هذا الباب كثيرة، هذه أُمّهاتها. العاشرة ـ قوله تعالى: {وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} يعني السُّعاة والجُبَاة الذين يبعثهم الإمام لتحصيل الزكاة بالتوكيل على ذلك. روى البخاريّ عن أبي حُميد الساعديّ قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأسْد على صدقات بني سُليم يُدْعَى ابن اللتّبْيِة، فلما جاء حاسبه. وٱختلف العلماء في المقدار الذي يأخذونه على ثلاثة أقوال: قال مجاهد والشافِعيّ: هو الثُّمن. ابن عمر ومالك: يُعطوْن قدر عملهم من الأُجرة؛ وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. قالوا: لأنه عطّل نفسه لمصلحة الفقراء، فكانت كفايته وكفاية أعوانه في مالهم؛ كالمرأة لما عطّلت نفسها لحقّ الزوج كانت نفقتها ونفقة أتباعها من خادم أو خادمين على زوجها. ولا تقدّر بالثّمن، بل تعتبر الكفايةُ ثُمْنا كان أو أكثر؛ كرزق القاضي. ولا تعتبر كفاية الأعوان في زماننا لأنه إسراف محض. القول الثالث ـ يُعطون من بيت المال. قال ابن العربيّ: وهذا قول صحيح عن مالك بن أنس من رواية ابن أبي أُوَيس وداود بن سعيد بن زنبوعة، وهو ضعيف دليلاً؛ فإن الله سبحانه قد أخبر بسهمهم فيها نصّاً فكيف يخلفون عنه استقراء وسَبْراً. والصحيح الاجتهاد في قدر الأُجرة؛ لأن البيان في تعديد الأصناف إنما كان للمحل لا للمستحقّ، على ما تقدّم. وٱختلفوا في العامل إذا كان هاشميّاً؛ فمنعه أبو حنيفة لقوله عليه السلام: «حديث : إن الصدقة لا تحلّ لآل محمد إنما هي أوساخ الناس»تفسير : . وهذه صدقة من وجه؛ لأنها جزء من الصدقة فتُلحق بالصدقة من كل وجه كرامة وتنزيهاً لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غُسالة الناس. وأجاز عمله مالك والشافِعيّ، ويُعطى أجر عُمالته؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث عليّ بن أبي طالب مصدّقاً، وبعثه عاملاً إلى اليمن على الزكاة، ووَلّى جماعةً من بني هاشم وولىّ الخلفاء بعده كذلك. ولأنه أَجِير على عمل مباح فوجب أن يستوي فيه الهاشميّ وغيره اعتباراً بسائر الصناعات. قالت الحنفية: حديث عليّ ليس فيه أنه فرض له من الصدقة، فإن فرض له من غيرها جاز. وروي عن مالك. الحادية عشرة ـ ودلّ قوله تعالى: {وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} على أن كل ما كان من فروض الكفايات كالساعي والكاتب والقَسّام والعاشِر وغيرهم فالقائم به يجوز له أخذ الأُجرة عليه. ومن ذلك الإمامة؛ فإن الصلاة وإن كانت متوجَّهة على جميع الخلق فإن تقدّم بعضهم بهم من فروض الكفايات، فلا جَرَم يجوز أخذ الأُجرة عليها. وهذا أصل الباب، وإليه أشار النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة»تفسير : قاله ابن العربيّ. الثانية عشرة ـ قوله تعالى: {وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} لا ذكر للمؤلفة قلوبهم في التنزيل في غير قَسْم الصدقات؛ وهم قوم كانوا في صدر الإسلام ممن يظهر الإسلام، يتألّفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف يقينهم. قال الزهريّ: المؤلّفة من أسلم مِن يهوديّ أو نصرانِيّ وإن كان غنيّاً. وقال بعض المتأخرين: ٱختلف في صفتهم؛ فقيل: هم صِنف من الكفار يعطون ليتألفوا على الإسلام، وكانوا لا يُسلمون بالقهر والسيف، ولكن يسلمون بالعطاء والإحسان. وقيل: هم قوم أسلموا في الظاهر ولم تستيقن قلوبهم، فيُعطَوْن ليتمكن الإسلام في صدورهم. وقيل: هم قوم من عظماء المشركين لهم أتباع يُعطون ليتألفوا أتباعهم على الإسلام. قال: وهذه الأقوال متقاربة، والقصد بجميعها الإعطاءُ لمن لا يتمكن إسلامه حقيقةً إلا بالعطاء؛ فكأنه ضربٌ من الجهاد. والمشركون ثلاثة أصناف: صِنف يرجع بإقامة البرهان. وصنف بالقهر. وصنف بالإحسان. والإمام الناظر للمسلمين يستعمل مع كل صِنف ما يراه سبباً لنجاته وتخليصه من الكفر. وفي صحيح مسلم من حديث أنس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أعني للأنصار ـ: «حديث : فإني أُعطِي رجالاً حدِيثي عَهْدٍ بكفر أتألّفهم»تفسير : الحديث. قال ابن إسحاق: أعطاهم يتألّفهم ويتألف بهم قومهم. وكانوا أشرافاً؛ فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير، وأعطى ابنه مائة بعير، وأعطى حَكيم بن حِزام مائة بعير، وأعطى الحارث بن هشام مائة بعير، وأعطى سُهيل بن عمرو مائة بعير، وأعطى حُوَيطب بن عبد العُزَّى مائة بعير، وأعطى صفوان بن أُمية مائة بعير. وكذلك أعطى مالك بن عوف والعلاء بن جارية. قال: فهؤلاء أصحاب المِئين. وأعطى رجالاً من قريش دون المائة منهم مخرمة بن نوفل الزهريّ، وعمير بن وَهْب الجُمَحِيّ، وهشام بن عمرو العامريّ. قال ابن إسحاق: فهؤلاء لا أعرف ما أعطاهم. وأعطى سعيد بن يَرْبُوع خمسين بعيراً، وأعطى عباس بن مِرداس السُّلَمِيّ أبَاعِرَ قليلة فسخِطها. فقال في ذلك:شعر : كانت نِهاباً تَلافَيْتُهَا بكَرِّي على المُهْرِ في الأجْرَع وإيقاظِيَ القومَ أن يرقدوا إذا هَجَع الناس لم أهجع فأصبَح نَهْبِي ونَهْب العُبَيْـ ـدِ بين عُيَيْنة والأَقْرَع وقد كنتُ في الحرب ذاتُدْرَإٍ فلم أعْطَ شيئاً ولم أمْنع إلاّ أفائلَ أُعطِيتُهَا عديدَ قوائِمه الأربع وما كان حِصنٌ ولا حابِسٌ يفوقان مِرْداسَ في المَجْمع وما كنتُ دون ٱمرىء منهما ومن تَضع اليومَ لا يُرْفَع تفسير : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اذهبوا فٱقطعوا عني لسانه»تفسير : . فأعطَوْه حتى رَضِيَ؛ فكان ذلك قَطْع لسانه. قال أبو عمر: وقد ذُكر في المؤلفة قلوبهم النُّضير بن الحارث بن علقمة بن كَلَدة، أخو النضر بن الحارث المقتول ببدر صَبْراً. وذكر آخرون أنه فيمن هاجر إلى الحبشة؛ فإن كان منهم فمحال أن يكون من المؤلفة قلوبهم؛ ومن هاجر إلى أرض الحبشة فهو من المهاجرين الأوّلين ممن رسخ الإيمان في قلبه وقاتل دونه، وليس ممن يؤلّف عليه. قال أبو عمر: واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن عوف بن سعد بن يربوع النّصريّ على من أسلم من قومه من قبائل قيس، وأمره بمغاورة ثقيف ففعل وضيّق عليهم، وحسُن إسلامه وإسلام المؤلّفة قلوبهم، حاشا عُيينة بن حِصن فلم يزل مَغْموزاً عليه. وسائر المؤلفة متفاضلون، منهم الخَيّر الفاضل المجتمَع على فضله، كالحارث بن هشام، وحكِيم بن حِزام، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، ومنهم دون هؤلاء. وقد فضل الله النبيين وسائر عباده المؤمنين بعضهم على بعض وهو أعلم بهم. قال مالك: بلغني أنّ حكيم بن حِزام أخرج ما كان أعطاه النبيّ صلى الله عليه وسلم في المؤلفة قلوبهم فتصدّق به بعد ذلك. قلت: حكيم بن حزام وحُويطِب بن عبد العُزّى عاش كل واحد منهما مائة وعشرين سنة، ستين في الإسلام وستين في الجاهلية. وسمعت الإمام شيخنا الحافظ أبا محمد عبد العظيم يقول: شخصان من الصحابة عاشا في الجاهلية ستين سنة وفي الإسلام ستين سنة، وماتا بالمدينة سنة أربع وخمسين؛ أحدهما حكيم بن حزام، وكان مولده في جوف الكعبة قبل عام الفِيل بثلاث عشرة سنة. والثاني حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصارِيّ. وذكر هذا أيضاً أبو عمر وعثمان الشَّهْرُزُوريّ في كتاب معرفة أنواع علم الحديث له، ولم يذكرا غيرهما. وحُويطب ذكره أبو الفرج الجَوْزِيّ في كتاب الوفا في شرف المصطفى. وذكره أبو عمر في كتاب الصحابة أنه أدرك الإسلام وهو ابن ستين سنة، ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة. وذكر أيضاً حَمْنن بن عوف أخو عبد الرحمن بن عوف، أنه عاش في الإسلام ستين سنة وفي الجاهلية ستين سنة. وقد عُدّ في المؤلفة قلوبهم معاوية وأبوه أبو سفيان بن حرب. أما معاوية فبعيد أن يكون منهم؛ فكيف يكون منهم وقد ائتمنه النبيّ صلى الله عليه وسلم على وَحْي الله وقراءته وخَلَطه بنفسه. وأما حاله في أيام أبي بكر فأشهر من هذا وأظهر. وأما أبوه فلا كلام فيه أنه كان منهم. وفي عددهم اختلاف، وبالجملة فكلهم مؤمن ولم يكن فيهم كافر على ما تقدّم، والله أعلم وأحكم. الثالثة عشرة ـ واختلف العلماء في بقائهم؛ فقال عمر والحسن والشعبيّ وغيرهم: انقطع هذا الصِّنف بعز الإسلام وظهوره. وهذا مشهور من مذهب مالك وأصحاب الرأي. قال بعض علماء الحنفية: لما أعز الله الإسلام وأهله وقطع دابر الكافرين ـ لعنهم الله ـ اجتمعت الصحابة رضوان الله عنهم أجمعين في خلافة أبي بكر رضي الله عنه على سقوط سهمهم. وقال جماعة من العلماء: هم باقون؛ لأن الإمام ربما احتاج أن يستألف على الإسلام. وإنما قطعهم عمر لما رأىٰ من إعزاز الدَّين. قال يونس سألت الزُّهْرِيّ عنهم فقال: لا أعلم نسخاً في ذلك. قال أبو جعفر النحاس: فعلى هذا الحُكم فيهم ثابت، فإن كان أحد يحتاج إلى تألّفه ويخاف أن تلحق المسلمين منه آفة، أو يرجىٰ أن يحسن إسلامه بعدُ دُفع إليه. قال القاضي عبد الوهاب: إن ٱحتيج إليهم في بعض الأوقات أعطوا من الصدقة. وقال القاضي ابن العربيّ: الذي عندي أنه إن قوِي الإسلام زالوا، وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم؛ فإن في الصحيح: «حديث : بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ».تفسير : الرابعة عشر ـ فإذا فرّعنا على أنه لا يُردّ إليهم سهمهم فإنه يرجع إلى سائر الأصناف أو ما يراه الإمام. وقال الزهرِيّ: يُعطَى نصفُ سهمهم لعُمّار المساجد. وهذا مما يدلك على أن الأصناف الثمانية محلّ لا مستحقون تسويةً، ولو كانوا مستحقين لسقط سهمهم بسقوطهم ولم يرجع إلى غيرهم، كما لو أوصىٰ لقوم معينين فمات أحدهم لم يرجع نصيبه إلى من بقي منهم. والله أعلم. الخامسة عشرة ـ قوله تعالىٰ: {وَفِي ٱلرِّقَابِ} أي في فَكّ الرقاب؛ قاله ابن عباس وابن عمر؛ وهو مذهب مالك وغيره. فيجوز للإمام أن يشتري رِقاباً من مال الصدقة يعتقها عن المسلمين؛ ويكون ولاؤهم لجماعة المسلمين. وإن اشتراهم صاحب الزكاة وأعتقهم جاز. هذا تحصيل مذهب مالك؛ وروي عن ابن عباس والحسن، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو عبيد. وقال أبو ثَوْر: لا يبتاع منها صاحب الزكاة نَسمَة يعتقها بجرّ ولاء. وهو قول الشافعيّ وأصحاب الرأي ورواية عن مالك. والصحيح الأوّل؛ لأن الله عز وجل قال: «وفي الرِّقَابِ» فإذا كان للرقاب سهم من الصدقات كان له أن يشتري رقبة فيعتقها. ولا خلاف بين أهل العلم أن للرجل أن يشتري الفرس فيحمل عليه في سبيل الله. فإذا كان له أن يشتري فرساً بالكمال من الزكاة جاز أن يشتري رقبة بالكمال؛ لا فرق بين ذلك. والله أعلم. السادسة عشرة ـ قوله تعالىٰ: {وَفِي ٱلرِّقَابِ} الأصل في الولاء؛ قال مالك: هي الرقبة تعتق وولاؤها للمسلمين، وكذلك إن أعتقها الإمام. وقد نهىٰ النبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وعن هبته. وقال عليه السلام: «حديث : الولاء لُحْمَةٌ كَلُحْمة النسب لا يباع ولا يوهب»تفسير : . وقال عليه السلام: «حديث : الولاء لمن أعتق»تفسير : . ولا ترث النساء من الولاء شيئاً؛ لقوله عليه السلام: «حديث : لا ترث النساء من الولاء شيئاً إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن»تفسير : . وقد ورّث النبيّ صلى الله عليه وسلم ٱبنة حمزة من مولًى لها النصف ولابنته النصف. فإذا ترك المعتِق أولاداً ذكوراً وإناثاً فالولاء للذكور من ولده دون الإناث. وهو إجماع الصحابة رضي الله عنهم. والولاء إنما يورث بالتعصيب المحض، والنساءُ لا تعصيب فيهن فلم يرثن من الولاء شيئاً. فافهم تصِب. السابعة عشرة ـ وٱختلف هل يُعان منها المكاتب؛ فقيل لا. روي ذلك عن مالك؛ لأن الله عز وجل لما ذكر الرقبة دلّ على أنه أراد العتق الكامل، وأما المكاتب فإنما هو داخل في كلمة الغارمين بما عليه من دين الكتابة، فلا يدخل في الرّقاب. والله أعلم. وقد روي عن مالك من رواية المدنيين وزيادٍ عنه: أنه يُعان منها المكاتب في آخر كتابته بما يعتق. وعلى هذا جمهور العلماء في تأويل قول الله تعالىٰ: {وَفِي ٱلرِّقَابِ}. وبه قال ابن وهب والشافعيّ واللّيث والنَّخَعِيّ وغيرهم. وحكى عليّ بن موسىٰ القُمِّيّ الحنفيّ في أحكامه: أنهم أجمعوا على أن المكاتب مراد. واختلفوا في عتق الرقاب؛ قال الكِيا الطبريّ: «وذكر وجهاً بيّنه في منع ذلك فقال: إن العتق إبطال مِلك وليس بتمليك، وما يدفع إلى المكاتب تَمليك، ومن حق الصدقة ألا تجزي إلا إذا جرىٰ فيها التمليك. وقوّىٰ ذلك بأنه لو دفع من الزكاة عن الغارم في دينه بغير أمره لم يجزه من حيث لم يملك فلأن لا يجزي ذلك في العتق أوْلىٰ. وذكر أن في العتق جرّ الولاء إلى نفسه وذلك لا يحصل في دفعه للمكاتب. وذكر أن ثمن العبد إذا دفعه إلى العبد لم يملكه العبد، وإن دفعه إلى سيده فقد ملّكه العتق. وإن دفعه بعد الشراء والعتق فهو قاضٍ ديناً، وذلك لا يجزي في الزكاة». قلت: قد ورد حديث ينصّ على معنىٰ ما ذكرنا من جواز عتق الرقبة وإعانة المكاتب معاً، أخرجه الدّارقُطْنِيّ عن البَرَاء قال: حديث : جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: دُلَّني على عمل يقرّبني من الجنة ويباعدني من النار. قال: «لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة أعتق النسمة وفك الرقبة». فقال: يا رسول الله، أو ليستا واحداً؟ قال: «لا، عِتق النسمة أن تنفرد بعتقها وفكّ الرقبة أن تُعين في ثمنها»تفسير : وذكر الحديث. الثامنة عشرة ـ وٱختلفوا في فكّ الأسارىٰ منها؛ فقال أَصْبَغ: لا يجوز. وهو قول ابن القاسم. وقال ابن حبيب: يجوز؛ لأنها رقبة مُلِكت بملك الرِّق فهي تخرج من رِقّ إلى عتق، وكان ذلك أحقّ وأوْلى من فكاك الرقاب الذي بأيدينا؛ لأنه إذا كان فكّ المسلم عن رقِ المسلم عبادةً وجائزاً من الصدقة، فأحْرَىٰ وأوْلىٰ أن يكون ذلك في فكّ المسلم عن رق الكافر وذُلّه. التاسعة عشرة ـ قوله تعالىٰ: {وَٱلْغَارِمِينَ} هم الذين ركبهم الدِّين ولا وفاء عندهم به، ولا خلاف فيه. اللَّهُمّ إلا من ٱدّان في سفاهة فإنه لا يعطى منها ولا من غيرها إلا أن يتوب. ويُعْطَى منها من له مال وعليه دين محيط به ما يقضي به دينه، فإن لم يكن له مال وعليه دين فهو فقير وغارم فَيُعطى بالوصفين. روىٰ مسلم عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: حديث : أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ٱبتاعها فكثر دينه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تصدقوا عليه». فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه: «خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك».تفسير : الموفية عشرين ـ ويجوز للمتحمِّل في صلاح وبرٍّ أن يُعطى من الصدقة ما يؤدّي ما تحمّل به إذا وجب عليه وإن كان غنياً، إذا كان ذلك يُجْحف بماله كالغريم. وهو قول الشافعيّ وأصحابه وأحمد بن حنبل وغيرهم. وٱحتج من ذهب هذا المذهب بحديثحديث : قَبِيصة بن مُخارِق قال: تحملت حمّالة فأتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم أسأله فيها فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقةُ فنأمر لك بها ـ ثم قال ـ يا قَبيصةُ إن المسألة لا تحلّ إلا لأحد ثلاثةٍ رجل تحمّل حَمَالة فحلّت له المسألة حتى يصيبها ثم يُمسِك ورجل أصابته جائحة ٱجتاحت ماله فحلّت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش ـ أو قال سِداداً من عيش ـ ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوِي الحِجَا من قومه لقد أصابت فلاناً فاقةٌ فحلّت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش ـ أو قال سداداً من عيش ـ فما سواهنّ من المسألة يا قَبيصةُ سُحْتاً يأكلها صاحبها سُحْتاً»تفسير : . فقوله: «حديث : ثم يُمسك» تفسير : دليل على أنه غنيّ؛ لأن الفقير ليس عليه أن يمسك. والله أعلم. وروي عنه عليه السلام أنه قال: «حديث : إن المسألة لا تحلّ إلا لأحد ثلاثةٍ ذوي فقر مُدْقِع أو لذي غُرْم مُفظِع أو لذي دم مُوجِع»تفسير : . وروي عنه عليه السلام: «حديث : لا تحلّ الصدقة لغنيّ إلا لخمسة» تفسير : الحديث. وسيأتي. الحادية والعشرون ـ واختلفوا، هل يُقضى منها دينُ الميت أم لا؛ فقال أبو حنيفة: لا يؤدَّى من الصدقة دين ميتٍ. وهو قول ابن الموّاز. قال أبوحنيفة: ولا يعطى منها مَن عليه كفارة ونحو ذلك من حقوق الله تعالىٰ، وإنما الغارم من عليه دين يُسجن فيه. وقال علماؤنا وغيرهم: يُقضى منها دين الميت لأنه من الغارمين؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا أوْلىٰ بكل مؤمن من نفسه من ترك مالاً فلأهله ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإليّ وعليّ».تفسير : الثانية والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} وهم الغزاة وموضع الرباط، يُعطون ما ينفقون في غزوهم كانوا أغنياء أو فقراء. وهذا قول أكثر العلماء، وهو تحصيل مذهب مالك رحمه الله. وقال ابن عمر: الحجاج والعُمّار. ويُؤثر عن أحمد وإسحاق رحمهما الله أنهما قالا: سبيل الله الحج. وفي البخاريّ: ويذكر عن أبي لاسٍ: حملنا النبيّ صلى الله عليه وسلم على إبل الصدقة للحج، ويذكر عن ابن عباس: يُعتِق من زكاة ماله ويُعطِي في الحج. خرّج أبو محمد عبد الغني الحافظ حدّثنا محمد بن محمّد الخياش حدّثنا أبو غسان مالك بن يحيىٰ حدّثنا يزيد بن هارون أخبرنا مهدي بن ميمون عن محمد بن أبي يعقوب عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم ويُكْنَىٰ أبا الحكم قال: كنت جالساً مع عبد الله بن عمر فأتته امرأة فقالت له: يا أبا عبد الرحمن، إن زوجي أوصىٰ بماله في سبيل الله. قال ابن عمر: فهو كما قال في سبيل الله. فقلت له: ما زدتها فيما سألت عنه إلا غَمَّاً. قال: فما تأمرني يا بن أبي نُعْم، آمرها أن تدفعه إلى هؤلاء الجيوش الذين يخرجون فيفسدون في الأرض ويقطعون السبيل! قال: قلت فما تأمرها. قال آمرها أن تدفعه إلى قوم صالحين، إلى حجاج بيت الله الحرام. أولئك وفد الرحمن. أولئك وفد الرحمن. أولئك وفد الرحمن، ليسوا كوفد الشيطان؛ ثلاثاً يقولها. قلت: يا أبا عبد الرحمن، وما وفد الشيطان؟ قال: قوم يدخلون على هؤلاء الأمراء فَيُنِمُّون إليهم الحديث، ويسعون في المسلمين بالكذب؛ فيجازَوْن الجوائز ويعطْون عليه العطايا. وقال محمد بن عبد الحكم: ويعطي من الصدقة في الكُراع والسلاح وما يحتاج إليه من ٱلات الحرب، وكف العدوّ عن الحَوْزة؛ لأنه كلَّه من سبيل الغزو ومنفعته. وقد أعطى النبيّ صلى الله عليه وسلم مائة ناقةٍ في نازلة سهل بن أبي حَثْمة إطفاءً للثّائرة. قلت: أخرج هذا الحديث أبو داود عن بشير بن يسار، أن رجلاً من الأنصار يقال له سهل بن أبي حَثْمة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وداه مائة من إبل الصدقة، يعني دية الأنصاريّ الذي قُتل بخَيْبَر، وقال عيسىٰ بن دِينار: تَحِل الصدقة لغاز في سبيل الله، قد احتاج في غزوته وغاب عنه غَناؤه ووَفرُه. قال: ولا تحلّ لمن كان معه ماله من الغزاة، إنما تحلّ لمن كان ماله غائباً عنه منهم. وهذا مذهب الشافعيّ وأحمد وإسحاق وجمهور أهل العلم. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يُعْطَىٰ الغازِي إلا إذا كان فقيراً منقطعاً به. وهذه زيادة على النص، والزيادة عنده على النص نسخ، والنسخ لا يكون إلا بقرآن أو خبر متواتر، وذلك معدوم هنا، بل في صحيح السّنة خلاف ذلك من قوله عليه السلام: «حديث : لا تحل الصدقة لغنِيّ إلا لخمسة لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم أو لرجل اشتراها بماله أو لرجل له جار مسكين فتصدّق على المسكين فأهدىٰ المسكين للغني»تفسير : . رواه مالك مرسلاً عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار. ورفعه معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخُدْري عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. فكان هذا الحديث مفسِّراً لمعنىٰ الآية، وأنه يجوز لبعض الأغنياء أخذها، ومفسِّراً لقوله عليه السلام: «حديث : لا تحلّ الصدقة لغنيّ ولا لذي مِرّة سَوِيّ»تفسير : لأن قوله هذا مجمل ليس على عمومه بدليل الخمسة الأغنياء المذكورين. وكان ابن القاسم يقول: لا يجوز لغني أن يأخذ من الصدقة ما يستعين به على الجهاد وينفقه في سبيل الله، وإنما يجوز ذلك لفقير. قال: وكذلك الغارم لا يجوز له أن يأخذ من الصدقة ما يقي به ماله ويؤدّي منها دينه وهو عنها غنيّ. قال: وإذا احتاج الغازي في غزوته وهو غنيّ له مال غاب عنه لم يأخذ من الصدقة شيئاً ويستقرض، فإذا بلغ بلده أدّىٰ ذلك من ماله. هذا كله ذكره ٱبن حبيب عن ٱبن القاسم، وزعم أن ابن نافع وغيره خالفوه في ذلك. وروى أبو زيد وغيره عن ابن القاسم أنه قال: يُعَطى من الزكاة الغازي وإن كان معه في غزاته ما يكفيه من ماله وهو غنيّ في بلده. وهذا هو الصحيح؛ لظاهر الحديث: «حديث : لا تحلّ الصدقة لغني إلا لخمسة»تفسير : . وروى ابن وهب عن مالك أنه يعطى منها الغزاة ومواضع الرّباط فقراء كانوا أو أغنياء. الثالثة والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} السبيل الطريق، ونُسب المسافر إليها لملازمته إياها ومروره عليها؛ كما قال الشاعر:شعر : إن تسألوني عن الهوىٰ فأنا الهَوَىٰ وٱبن الهَوَىٰ وأخو الهَوَىٰ وأبوهُ تفسير : والمراد الذي انقطعت به الأسباب في سفره عن بلده ومستقره وماله؛ فإنه يُعْطَى منها وإن كان غنياً في بلده، ولا يلزمه أن يشغل ذمّته بالسّلف. وقال مالك في كتاب ابن سُحنون: إذا وجد من يسلفه فلا يعطَى. والأول أصح؛ فإنه لا يلزمه أن يدخل تحت مِنَّة أحد وقد وجد مِنَّة الله تعالىٰ. فإن كان له ما يغنيه ففي جواز الأخذ له لكونه ابن السبيل روايتان: المشهور أنه لا يعطى؛ فإن أخذ فلا يلزمه ردّه إذا صار إلى بلده ولا إخراجه. الرابعة والعشرون ـ فإن جاء وٱدّعىٰ وصفاً من الأوصاف، هل يقبل قوله أم لا ويقال له أثبت ما تقول. فأما الدّين فلا بدّ أن يثبته، وأما سائر الصفات فظاهر الحال يشهد له ويُكتفى به فيها. والدليل على ذلك حديثان صحيحان أخرجهما أهل الصحيح، وهو ظاهر القرآن. روىٰ مسلم عن جرير عن أبيه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حُفاةٌ عُراةٌ مُجْتَابي النِّمار أو العَبَاء متقلّدي السيوف، عامتُهم من مُضَرَ بل كلهم من مُضَر، فتمعّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأىٰ بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج فأمر بلالاً فأذّن وأقام فصلىٰ، ثم خطب فقال: {أية : أَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} تفسير : [النساء:1] الآية ـ إلى قوله ـ {أية : رَقِيباً}تفسير : [النساء: 1] والآية التي في الحشر {أية : وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} تفسير : [الحشر: 18] تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره ـ حتى قال ـ ولو بشق تمرة. قال: فجاء رجل. من الأنصار بُصّرة كادت كفُّه تَعْجِز عنها بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كَوْمَين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مُذْهبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من سَنّ في الإسلام سُنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن يُنقص من أجورهم شيء ومن سَنّ في الإسلام سُنّة سيئة كان عليه وِزْرها ووِزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء»تفسير : . فاكتفىٰ صلى الله عليه وسلم بظاهر حالهم وحَثّ على الصدقة، ولم يطلب منهم بيّنة، ولا استقصىٰ هل عندهم مال أم لا. ومثله حديث أبْرص وأقرع وأعمىٰ أخرجه مسلم وغيره. وهذا لفظه: عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن ثلاثة في بني إسرائيل أبْرص وأقرع وأعمىٰ فأراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم مَلَكاً فأتىٰ الأبرص فقال أي شيء أحبُّ إليك فقال لون حَسَن وجِلد حَسَن ويذهب عني الذي قد قَذِرنِي الناسُ قال فمسحه فذهب عنه قذره وأعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً قال فأيّ المال أحبُّ إليك قال الإبل ـ أو قال البقر، شك إسحاق، إلا أن الأبرص أو الأقرع قال أحدهما الإبل وقال الآخر البقر ـ قال فأعطي ناقة عُشَراء قال بارك الله لك فيها قال فأتىٰ الأقرعَ فقال أي شيء أحب إليك قال شعر حَسَن ويذهب عني هذا الذي قد قَذِرَني الناسُ قال فمسحه فذهب عنه قال فأعْطيَ شعر اً حسناً قال فأيّ المال أحبُّ إليك قال البقر فأعِطي بقرة حاملاً قال بارك الله لك فيها قال فأتىٰ الأعمىٰ فقال أيّ شيء أحبُّ إليك قال أن يَرُدّ الله إليّ بصري فأُبِصر به الناسَ قال فمسحه فردّ الله إليه بصره قال فأيّ المال أحبُّ إليك قال الغنم فأعطي شاة والداً فأُنِتج هذان وولد هذا قال فكان لهذا وادٍ من الإبل ولهذا وادٍ من البقر ولهذا وادٍ من الغنم قال ثم إنه أتىٰ الأبرصَ في صورته وهيئته فقال رجل مسكين قد انقطعت بي الحِبال في سفري فلا بلاغَ لي اليوم إلا بالله وبك أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيراً أتبلّغ عليه في سفري فقال له الحقوق كثيرة فقال له كأني أعرفك ألم تكن أبرصَ يَقْذَرُكَ الناسُ فقيراً فأعطاك الله فقال إنما وَرِثتُ هذا المال كابِراً عن كابر فقال إن كنتَ كاذباً فصيّرك الله إلى ما كنت فقال وأتىٰ الأقرعَ في صورته فقال له مثلَ ما قال لهذا وردّ عليه مثلَ ما ردّ على هذا فقال إن كنتَ كاذباً فصيّرك الله إلى ما كنت قال وأتىٰ الأعمىٰ في صورته وهيئته فقال رجل مسكين وابن سبيل انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لِيَ اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي ردّ عليك بصرَك شاةً أتبلّغ بها في سفري فقال قد كنتُ أعمىٰ فردّ الله إليّ بصري فخذ ما شئتَ ودَعْ ما شئت فوالله لا أجْهَدُك اليومَ شيئاً أخذته لله فقال أمْسِك مالك فإما ابتُليتم فقد رُضيَ عنك وسُخِط على صاحبِيك»تفسير : . وفي هذا أدلّ دليل على أن من ٱدّعىٰ زيادةً على فقره من عيال أو غيره لا يكشف عنه خلافاً لمن قال يُكشف عنه إن قدر؛ فإنّ في الحديث «حديث : فقال رجل مسكين وابنُ سبيل أسألك شاة»تفسير : ، ولم يكلفه إثبات السفر. فأما المكاتب فإنه يكلَّف إثبات الكتابة لأن الرّق هو الأصل حتى تثبت الحرّية. الخامسة والعشرون ـ ولا يجوز أن يُعطِيَ من الزكاة من تلزمه نفقته وهم الوالدان والولد والزوجة. وإن أعطىٰ الإمامُ صدقة الرجل لولده ووالده وزوجته جاز. وأما أن يتناول ذلك هو بنفسه فلا؛ لأنه يسقط بها عن نفسه فرضاً. قال أبو حنيفة: ولا يعطي منها ولد ابنه ولا ولد ابنته، ولا يعطي منها مكاتبة ولا مدبَّره ولا أمّ ولده ولا عبداً أعتق نصفه؛ لأنه مأمور بالإيتاء والإخراج إلى الله تعالىٰ بواسطة كَفّ الفقير، ومنافع الأملاك مشتركة بينه وبين هؤلاء؛ ولهذا لا تقبل شهادة بعضهم لبعض. قال: والمكاتب عبد ما بَقي عليه درهم وربما يعجز فيصير الكسب له. ومعتق البعض عند أبي حنيفة بمنزلة المكاتب. وعند صاحبيه أبي يوسف ومحمد بمنزلة حُرّ عليه دين فيجوز أداؤها إليه. السادسة والعشرون ـ فإن أعطاها لمن لا تلزمه نفقتهم فقد اختلف فيه، فمنهم من جوزه ومنهم من كَرِهه. قال مالك: خوف المحمدة. وحكى مُطَرِّف أنه قال: رأيت مالكاً يعطي زكاته لأقاربه. وقال الواقِديّ قال مالك: أفضل من وضعت فيه زكاتك قرابتُك الذين لا تَعُول. حديث : وقد قال صلى الله عليه وسلم لزوجة عبد الله بن مسعود: «لك أجران أجر القرابة وأجر الصدقة»تفسير : . واختلفوا في إعطاء المرأة زكاتها لزوجها، فذُكر عن ابن حبيب أنه كان يستعين بالنفقة عليها بما تعطيه. وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وخالفه صاحباه فقالا: يجوز. وهو الأصح لما ثبت: حديث : أن زينب امرأة عبد الله أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أريد أن أتصدق على زوجي أيجزيني؟ فقال عليه السلام: «نعم لك أجران أجر الصدقة وأجر القرابة»تفسير : . والصدقة المطلقة هي الزكاة، ولأنه لا نفقة للزوج عليها؛ فكان بمنزلة الأجنبي. ٱعتلّ أبو حنيفة فقال: منافع الأملاك بينهما مشتركة، حتى لا تقبل شهادة أحدهما لصاحبه. والحديث محمول على التطوّع. وذهب الشافعيّ وأبو ثور وأشْهَب إلى إجازة ذلك، إذا لم يصرفه إليها فيما يلزمه لها، وإنما يصرف ما يأخذه منها في نفقته وكسوته على نفسه وينفق عليها من ماله. السابعة والعشرون ـ وٱختلفوا أيضاً في قدر المُعْطَى؛ فالغارم يُعْطَي قدر دَيْنه، والفقير والمسكين يعطيان كفايتهما وكفاية عيالهما. وفي جواز إعطاء النصاب أو أقلّ منه خلافٌ ينبني على الخلاف المتقدم في حدّ الفقر الذي يجوز معه الأخذ. وروى عليّ بن زياد وابن نافع: ليس في ذلك حدّ، وإنما هو على اجتهاد الوالي. وقد تقِلّ المساكين وتكثر الصدقة فيعطي الفقير قوت سَنة. وروى المُغِيرة: يعطَى دون النصاب ولا يبلغه. وقال بعض المتأخرين: إن كان في البلد زكاتان نقد وحَرْث أخذ ما يبلّغه إلى الأُخرىٰ. قال ابن العربيّ: الذي أراه أن يعطى نصاباً، وإن كان في البلد زكاتان أو أكثر؛ فإن الغرض إغناء الفقير حتى يصير غنياً. فإذا أخذ ذلك فإن حضرت الزكاة الأُخرىٰ وعنده ما يكفيه أخذها غيره. قلت: هذا مذهب أصحاب الرأي في إعطاء النصاب. وقد كره ذلك أبو حنيفة مع الجواز، وأجازه أبو يوسف؛ قال: لأن بعضه لحاجته مشغول للحال، فكان الفاضل عن حاجته للحال دون المائتين، وإذا أعطاه أكثر من مائتي درهم جملةً كان الفاضل عن حاجته للحال قدر المائتين فلا يجوز. ومن متأخريّ الحنفية من قال: هذا إذا لم يكن له عيال ولم يكن عليه دين، فإن كان عليه دين فلا بأس أن يعطيَه مائتي درهم أو أكثر، مقدار ما لو قضى به دينه يبقىٰ له دون المائتين. وإن كان مُعِيلاً لا بأس بأن يعطيَه مقدار ما لو وَزّع على عياله أصاب كلّ واحد منهم دون المائتين؛ لأن التصدّق عليه في المعنىٰ تصدّق عليه وعلى عياله. وهذا قول حسن. الثامنة والعشرون ـ ٱعلم أن قوله تعالىٰ: {لِلْفُقَرَآءِ} مطلقٌ ليس فيه شرط وتقييد، بل فيه دلالة على جواز الصرف إلى جملة الفقراء كانوا من بني هاشم أو غيرهم؛ إلاَّ أن السنة وردت باعتبار شروط: منها ألا يكونوا من بني هاشم وألا يكونوا ممن تلزم المتصدّق نفقته. وهذا لا خلاف فيه. وشرط ثالث ألاَّ يكون قوِيّاً على الاكتساب؛ لأنه عليه السَّلام قال: «حديث : لا تحل الصدقة لغنيّ ولا لذي مِرّة سَوِي»تفسير : . وقد تقدّم القول فيه. ولا خلاف بين علماء المسلمين أن الصدقة المفروضة لا تحلّ للنبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا لبني هاشم ولا لمواليهم. وقد روي عن أبي يوسف جواز صرف صدقة الهاشميّ للهاشميّ؛ حكاه الكيا الطبريّ. وشذ بعض أهل العلم فقال: إن موالى بني هاشم لا يحرم عليهم شيء من الصدقات. وهذا خلاف الثابت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فإنه قال لأبي رافع مولاه: «حديث : وإن مَوْلَى القوم منهم».تفسير : التاسعة والعشرون ـ واختلفوا في جواز صدقة التطوّع لبني هاشم؛ فالذي عليه جمهور أهل العلم ـ وهو الصحيح ـ أن صدقة التطوّع لا بأس بها لبني هاشم ومواليهم؛ لأن عليّاً والعباس وفاطمة رضوان الله عليهم تصدّقوا وأوقفوا أوقافاً على جماعة من بني هاشم، وصدقاتُهم الموقوفة معروفة مشهورة. وقال ابن الماجِشون ومُطَرِّف وأَصْبَغ وابن حبيب: لا يعطى بنو هاشم من الصدقة المفروضة ولا من التطوّع. وقال ابن القاسم: يعطى بنو هاشم من صدّقة التطوّع. قال ابن القاسم: والحديث الذي جاء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تحل الصدقة لآل محمد»تفسير : إنما ذلك في الزكاة لا في التطوّع. وٱختار هذا القول ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد، وبه قال أبو يوسف ومحمد. قال ابن القاسم: ويُعْطَى مواليهم من الصدقتين. وقال مالك في الواضحة: لا يعطى لآل محمد من التطوّع. قال ابن القاسم: ـ قيل له يعني مالكاً ـ فمواليهم؟ قال: لا أدري ما الموالي. فاحتججت عليه بقوله عليه السَّلام: «حديث : مَوْلى القوم منهم»تفسير : . فقال قد قال: «حديث : ابن أخت القوم منهم»تفسير : . قال أصْبَغَ: وذلك في البرّ والحُرْمة. الموفية ثلاثين ـ قوله تعالىٰ: {فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ} بالنصب على المصدر عند سيبويه. أي فرض الله الصدقات فريضةً. ويجوز الرفع على القطع في قول الكسائي؛ أي هن فريضة. قال الزجاج: ولا أعلم أنه قرىء به. قلت: قرأ بها إبراهيم بن أبي عَبْلة، جعلها خبراً، كما تقول: إنما زيد خارج.
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي صلى الله عليه وسلم ولمزهم إياه في قسم الصدقات، بين تعالى أنه هو الذي قسمها وبين حكمها، وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمها إلى أحد غيره، فجزأها لهؤلاء المذكورين؛ كما رواه الإمام أبو داود في سننه من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وفيه ضعف، عن زياد بن نعيم عن زياد بن الحارث الصدائي رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فبايعته، فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له: «حديث : إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أصناف، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك» تفسير : وقد اختلف العلماء في هذه الأصناف الثمانية، هل يجب استيعاب الدفع لها، أو إلى ما أمكن منها؟ على قولين (أحدهما) أنه يجب ذلك، وهو قول الشافعي وجماعة. (والثاني) أنه لا يجب استيعابها، بل يجوز الدفع إلى واحد منها، ويعطى جميع الصدقة مع وجود الباقين، وهو قول مالك وجماعة من السلف والخلف، منهم عمر وحذيفة وابن عباس وأبو العالية وسعيد بن جبير وميمون بن مهران، قال ابن جرير: وهو قول جماعة عامة من أهل العلم، وعلى هذا فإنما ذكرت الأصناف ههنا لبيان المصرف، لا لوجوب استيعاب الإعطاء. ولوجوه الحجاج والمآخذ مكان غير هذا، والله أعلم، وإنما قدم الفقراء ههنا على البقية؛ لأنهم أحوج من غيرهم على المشهور، ولشدة فاقتهم وحاجتهم، وعند أبي حنيفة أن المسكين أسوأ حالاً من الفقير، وهو كما قال أحمد. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، أنبأنا ابن عون عن محمد قال: قال عمر رضي الله عنه: الفقير ليس بالذي لا مال له، ولكن الفقير الأخلق الكسب. قال ابن علية: الأخلق المحارَفُ عندنا، والجمهور على خلافه، وروي عن ابن عباس ومجاهد والحسن البصري وابن زيد. واختار ابن جرير وغير واحد أن الفقير هو المتعفف الذي لا يسأل الناس شيئاً، والمسكين هو الذي يسأل ويطوف ويتبع الناس. وقال قتادة: الفقير من به زمانة، والمسكين الصحيح الجسم. وقال الثوري عن منصور عن إبراهيم: هم فقراء المهاجرين، قال سفيان الثوري: يعني: ولا يعطى الأعراب منها شيئاً وكذا روي عن سعيد بن جبير وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى. وقال عكرمة: لا تقولوا لفقراء المسلمين مساكين، إنما المساكين أهل الكتاب. ولنذكر أحاديث تتعلق بكل من الأصناف الثمانية. فأما الفقراء، فعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي» تفسير : رواه أحمد وأبو داود والترمذي، ولأحمد أيضاً والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة مثله وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار: أن رجلين أخبراه: أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر، فرآهما جلدين، فقال: «حديث : إن شئتما أعطيتكما، ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» تفسير : رواه أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد قوي. وقال ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل: أبو بكر العبسي قال: قرأ عمر رضي الله عنه: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ} قال: هم أهل الكتاب، روى عنه عمر بن نافع سمعت أبي يقول ذلك (قلت) {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ}: وهذا قول غريب جداً بتقدير صحة الإسناد؛ فإن أبا بكر هذا، وإن لم ينص أبو حاتم على جهالته، لكنه في حكم المجهول وأما المساكين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس، فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان» تفسير : قالوا: فمن المسكين يا رسول الله؟ قال: «حديث : الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئاً» تفسير : رواه الشيخان. وأما العاملون عليها، فهم الجباة والسعاة، يستحقون منه قسطاً على ذلك، ولا يجوز أن يكونوا من أقرباء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تحرم عليهم الصدقة؛ لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث: أنه انطلق هو والفضل بن العباس يسألان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستعملهما على الصدقة فقال: «حديث : إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس»تفسير : وأما المؤلفة قلوبهم فأقسام؛ منهم من يعطى ليسلم، كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم صفوان بن أمية من غنائم حنين، وقد كان شهدها مشركاً، قال: فلم يزل يعطيني حتى صار أحب الناس إلي بعد أن كان أبغض الناس إلي، كما قال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، أنبأنا ابن المبارك، عن يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، وإنه لأبغض الناس إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي، ورواه مسلم والترمذي من حديث يونس عن الزهري به، ومنهم من يعطى ليحسن إسلامه ويثبت قلبه؛ كما أعطى يوم حنين أيضاً جماعة من صناديد الطلقاء وأشرافهم مائة من الإبل، مائة من الأبل، وقال: «حديث : إني لأعطي الرجل، وغيره أحب إلي منه؛ خشية أن يكبه الله على وجهه في نار جهنم»تفسير : . وفي الصحيحين عن أبي سعيد: أن علياً بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهبية في تربتها من اليمن، فقسمها بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس، وعيينة بن بدر، وعلقمة بن علاثة، وزيد الخير، وقال: «حديث : أتألفهم» تفسير : ومنهم من يعطى لما يرجى من إسلام نظرائه، ومنهم من يعطى ليجبي الصدقات ممن يليه، أو ليدفع عن حوزة المسلمين الضرر من أطراف البلاد، ومحل تفصيل هذا في كتب الفروع، والله أعلم. وهل تعطى المؤلفة على الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيه خلاف، فروي عن عمر وعامر والشعبي وجماعة: أنهم لا يعطون بعده؛ لأن الله قد أعز الإسلام وأهله، ومكن لهم في البلاد، وأذل لهم رقاب العباد، وقال آخرون: بل يعطون؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قد أعطاهم بعد فتح مكة وكسر هوازن، وهذا أمر قد يحتاج إليه، فيصرف إليهم. وأما الرقاب فروي عن الحسن البصري ومقاتل بن حيان وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير والنخعي والزهري وابن زيد: أنهم المكاتبون، وروي عن أبي موسى الأشعري نحوه، وهو قول الشافعي والليث رضي الله عنهما. وقال ابن عباس والحسن: لا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة، وهو مذهب أحمد ومالك وإسحاق، أي: إن الرقاب أعم من أن يعطي المكاتب، أو يشتري رقبة فيعتقها استقلالاً، وقد ورد في ثواب الإعتاق وفك الرقبة أحاديث كثيرة، وأن الله يعتق بكل عضو منها عضواً من معتقها حتى الفرج بالفرج، وما ذاك إلا لأن الجزاء من جنس العمل {أية : وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الصافات: 39] وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ثلاثة حق على الله عونهم: الغازي في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف» تفسير : رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا أبا داود، وفي المسند عن البراء بن عازب قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله دلني على عمل يقربني من الجنة، ويباعدني من النار؟ فقال: «حديث : أعتق النسمة، وفك الرقبة» تفسير : فقال: يا رسول الله أو ليسا واحداً؟ قال: «حديث : لا، عتق النسمة أن تفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها»تفسير : وأما الغارمون، فهم أقسام، فمنهم: من تحمل حمالة أو ضمن ديناً، فلزمه فأجحف بماله، أو غرم في أداء دينه، أو في معصية ثم تاب، فهؤلاء يدفع إليهم، والأصل في هذا الباب حديث قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال: «حديث : أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» تفسير : قال: ثم قال: «حديث : يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش - أو قال: سداداً من عيش - ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قرابة قومه، فيقولون: لقد أصابت فلاناً فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش - أو قال، سداداً من عيش - فما سواهن من المسألة سحت، يأكلها صاحبها سحتاً» تفسير : رواه مسلم، وعن أبي سعيد قال: أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : تصدقوا عليه» تفسير : فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لغرمائه: «حديث : خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك» تفسير : رواه مسلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، أنبأنا صدقة بن موسى عن أبي عمران الجوني عن قيس بن يزيد عن قاضي المصرين عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يدعو الله بصاحب الدين يوم القيامة حتى يوقف بين يديه، فيقول: يا بن آدم فيم أخذت هذا الدين، وفيم ضيعت حقوق الناس؟ فيقول: يا رب إنك تعلم أني أخذته، فلم آكل ولم أشرب ولم أضيع، ولكن أتى على يدي إما حرق وإما سرق وإما وضيعة. فيقول الله: صدق عبدي، أنا أحق من قضى عنك اليوم، فيدعو الله بشيء، فيضعه في كفة ميزانه، فترجح حسناته على سيئاته، فيدخل الجنة بفضل الله ورحمته»تفسير : وأما في سبيل الله، فمنهم الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان، وعند الإمام أحمد والحسن وإسحاق: والحج من سبيل الله للحديث؛ وكذلك ابن السبيل، وهوالمسافر المجتاز في بلد ليس معه شيء يستعين به على سفره، فيعطى من الصدقات ما يكفيه إلى بلده، وإن كان له مال، وهكذا الحكم فيمن أراد إنشاء سفر من بلده، وليس معه شيء، فيعطى من مال الزكاة كفايته في ذهابه وإيابه. والدليل على ذلك الآية، وما رواه الإمام أبو داود وابن ماجه من حديث معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: العامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه منها، فأهدى لغني» تفسير : وقد رواه السفيانان عن زيد بن أسلم عن عطاء مرسلاً، ولأبي داود عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا تحل الصدقة لغني، إلا في سبيل الله، وابن السبيل، أو جار فقير فيهدي لك أو يدعوك» تفسير : وقوله: {فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ} أي: حكماً مقدراً بتقدير الله وفرضه وقسمه {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: عليم بظواهر الأمور وبواطنها وبمصالح عباده {حَكِيمٌ} فيما يقوله ويفعله ويشرعه ويحكم به، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ } الزكوات مصروفة {لِلْفُقَرَآء } الذين لا يجدون ما يقع موقعاً من كفايتهم {وَٱلْمَسَٰكِين } الذين لا يجدون ما يكفيهم {وَٱلْعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا } أي الصدقات من جابٍ وقاسم وكاتب وحاشر {وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ } ليسلموا أو يثبت إسلامهم أو يُسلم نظراؤهم أو يذبوا عن المسلمين أقسام والأول والأخير لا يعطيان اليوم عند الشافعي رضي الله تعالى عنه لعزّ الإِسلام، بخلاف الآخرين فيعطيان على الأصح {وَفِى } فك {ٱلرِّقَابِ } أي المكاتبين {وَٱلْغَٰرِمِينَ } أهل الدين إن استدانوا لغير معصية، أو تابوا وليس لهم وفاء أو لإِصلاح ذات البين ولو أغنياء {وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي القائمين بالجهاد ممن لا فيء لهم ولو أغنياء {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } المنقطع في سفره {فَرِيضَةً } نصب بفعله المقدر {مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بخلقه {حَكِيمٌ } في صنعه فلا يجوز صرفها لغير هؤلاء، ولا منعَ صنف منهم إذا وجد فيقسمها الإِمام عليهم على السواء وله تفضيل بعض آحاد الصنف على بعض، وأفادت «اللام» وجوب استغراق أفراده لكن لا يجب على صاحب المال إذا قسم لعسره، بل يكفي إعطاء ثلاثة من كل صنف ولا يكفي دونها كما أفادته صيغة الجمع وبينت السنة أن شرط المعطَى منها الإسلام وأن لا يكون هاشميا ولا مُطَّلِبِيّاً.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرآءِ وَالْمَسَاكِينِ} اختلف أهل العلم فيها على ستة أقاويل: أحدها: أن الفقير المحتاج المتعفف عن المسألة. والمسكين: المحتاج السائل، قاله ابن عباس والحسن وجابر وابن زيد والزهري ومجاهد وزيد. والثاني: أن الفقير هو ذو الزمانة من أهل الحاجة، والمسكين: هو الصحيح الجسم منهم، قاله قتادة. والثالث: أن الفقراء هم المهاجرون، والمساكين: غير المهاجرين، قاله الضحاك بن مزاحم وإبراهيم. والرابع: أن الفقير من المسلمين، والمسكين: من أهل الكتاب، قاله عكرمة. والخامس: أن الفقير الذي لا شيء له لأن الحاجة قد كسرت فقاره، والمسكين الذي له ما لا يكفيه لكن يسكن إليه، قاله الشافعي. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ليس المسكين الذي لا مال له ولكن المسكين الأخلق الكسب. قال ابن عليّة: الأخلق المحارف عندنا وقال الشاعر: شعر : لما رأى لُبَدُ النُّسور تطايرت رفع القوادم كالفقير الأعزل تفسير : والسادس: أن الفقير الذي له ما لا يكفيه، والمسكين: الذي ليس له شيء يسكن إليه قاله أبو حنيفة. ثم قال {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} وهم السعاة المختصون بجبايتها وتفريقها قال الشاعر: شعر : إن السُّعاة عصوك حين بعثتهم لم يفعلوا مما أمرت فتيلا تفسير : وليس الإمام من العاملين عليها ولا والي الإقليم. وفي قدر نصيبهم منها قولان: أحدهما: الثمن، لأنهم أحد الأصناف الثمانية، قال مجاهد والضحاك. والثاني: قدر أجور أمثالهم، قاله عبد الله بن عمر. {وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} وهم قوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتألفهم بالعطية، وهم صنفان: مسلمون ومشركون. فأما المسلمون فصنفان: صنف كانت نياتهم في الإسلام ضعيفة فتألفهم تقوية لنياتهم، كعقبة بن زيد وأبي سفيان بن حرب والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس. وصنف آخر منهم كانت نياتهم في الإسلام حسنة فأعطوا تألفاً لعشائرهم من المشركين مثل عدي بن حاتم. ويعطي كِلا الصنفين من سهم المؤلفة قلوبهم. وأما المشركون فصنفان: صنف يقصدون المسلمين بالأذى فيتألفهم دفعاً لأذاهم مثل عامر بن الطفيل، وصنف كان لهم ميل إلى الإسلام تألفهم بالعطية ليؤمنوا مثل صفوان بن أمية. وفي تألفهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسهم المسمى لهم من الصدقات قولان: أحدهما: يعطونه ويتألفون به، قاله الحسن وطائفة. والثاني: يمنعون منه ولا يعطونه لإعزاز الله دينه عن تألفهم، قاله جابر، وكلا القولين محكي عن الشافعي. وقد روى حسان بن عطية قال: قال عمر رضي الله عنه وأتاه عيينة بن حصن يطلب من سهم المؤلفة قلوبهم فقال قد أغنى الله عنك وعن ضربائك {أية : وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} تفسير : (الكهف: 29) أي ليس اليوم مؤلفة. {وَفِي الرِّقابِ} فيهم قولان: أحدهما: أنهم المكاتبون، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه والشافعي. والثاني: أنهم عبيد يُشترون بهذا السهم قاله ابن عباس ومالك. {وَاْلْغَارِمِينَ} وهم الذين عليهم الدين يلزمهم غرمه، فإن ادّانوا في مصالح أنفسهم لم يعطوا إلا مع الفقر، وإن ادّانوا في المصالح العامة أعطوا مع الغنى والفقر. واختلف فيمن ادّان في معصية على ثلاثة أقاويل: أحدها لا يعطى لئلا يعان على معصية. والثاني: يعطى لأن الغرم قد وجب، والمعصية قد انقضت. والثالث: يعطى التائب منها ولا يعطى إن أصر عليها. {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} هم الغزاة المجاهدون في سبيل الله يعطون سهمهم من الزكاة مع الغنى والفقر. {وَابْنِ السَّبِيلِ} فيه قولان: أحدهما: هو المسافر لا يجد نفقة سفره، يعطى منها وإن كان غنياً في بلده، وهو قول الجمهور. والثاني: أنه الضيف،حكاه ابن الأنباري.
ابن عطية
تفسير : {إنما} في هذه الآية حاصرة تقتضي وقوف {الصدقات } على الثمانية الأصناف، وإنما اختلف في صورة القسمة فقال مالك وغيره: ذلك على قدر اجتهاد الإمام وبحسب أهل الحاجة، وقال الشافعي: هي ثمانية أقسام على ثمانية أصناف لا يخل بواحد منها إلا أن {المؤلفة } انقطعوا. قال القاضي أبو محمد : ويقول صاحب هذا القول: إنه لا يجزىء المتصدق والقاسم من كل صنف أقل من ثلاثة، وأما الفقير والمسكين فقال الأصمعي وغيره: الفقير أبلغ فاقه وقال غيرهم: المسكين أبلغ فاقه. قال القاضي أبو محمد : ولا طريق إلى هذا الاختلاف ولا إلى الترجيح إلا النظر النظر في شواهد القرآن والنظر في كلام العرب وأشعارها، فمن حجة الأولين قول الله عز وجل {أية : أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} تفسير : [الكهف:79] واعترض هذا الشاهد بوجوه منها، أن يكون سماهم " مساكين" بالإضافة إلى الغاصب وإن كانوا أغنياء على جهة الشفقة كما تقول في جماعة تظلم مساكين لا حيلة لهم وربما كانوا مياسير ومنها: أنه قرىء " لمسّاكين " بشد السين بمعنى: دباغين يعملون المسوك قاله النقاش وغيره ومنها: أن تكون إضافتها إليهم ليست بإضافة ملك بل كانوا عاملين بها فهي كما تقول: سرج الفرس، ومن حجة الآخرين قول الراعي: [البسيط ] شعر : أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سبد تفسير : وقد اعترض هذا الشاهد بأنه إنما سماه فقيراً بعد أن صار لا حلوبة له، وإنما ذكر الحلوبة بأنها كانت، وهذا اعتراض يرده معنى القصيدة ومقصد الشاعر بأنه إنما يصف سعاية أتت على مال الحي بأجمعه، فقال أما الفقير فاستؤصل ماله فكيف بالغني مع هذه الحال، وذهب من يقول إن المسكين أبلغ فاقه إلى أنه مشتق من السكون، وأن الفقير مشتق من فقار الظهر كأنه أصيب فقارة فيه لا محالة حركة، وذهب من يقول إن الفقير أبلغ فاقه: إلى أنه مشتق من فقرت البئر إذا نزعت جميع ما فيها، وأن المسكين من السكن. قال القاضي أبو محمد : ومع هذا الاختلاف فإنهما صنفان يعمهما الإقلال والفاقه، فينبغي أن يبحث على الوجه الذي من أجله جعلهما الله اثنين، والمعنى فيهما واحد، وقد اضطرب الناس في هذا، فقال الضحاك بن مزاحم: {الفقراء} هم من المهاجرين {والمساكين} من لم يهاجر، وقال النخعي نحوه، قال سفيان: يعني لا يعطى فقراء الأعراب منها شيئاً. قال القاضي أبو محمد : " والمسكين السائل " يعطى في المدينة وغيرها، وهذا القول هو حكاية الحال وقت نزول الآية، وأما منذ زالت الهجرة فاستوى الناس، وتعطى الزكاة لكل متصف بفقر، وقال عكرمة: {الفقراء } من المسلمين، {والمساكين} من أهل الذمة، ولا تقولوا لفقراء المسلمين مساكين، وقال الشافعي في كتاب ابن المنذر " الفقير" من لا مال له ولا حرفة سائلاً كان أو متعففاً " والمسكين الذي له حرفة أو مال ولكن لا يغنيه ذلك سائلاً كان أو غير سائل، وقال قتادة بن دعامة: الفقير الزمن المحتاج، والمسكين الصحيح المحتاج، وقال ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري وابن زيد وجابر بن زيد ومحمد بن مسلمة: "المساكين" الذين يسعون ويسألون، و"الفقراء" هم الذين يتصاونون، وهذا القول الأخير إذا لخص وحرر أحسن ما يقال في هذا، وتحريره: أن الفقير هو الذي لا مال له إلا أنه لم يذل ولا بذل وجهه، وذلك إما لتعفف مفرط وإما لبلغة تكون له كالحلوبة وما أشبهها، والمسكين هو الذي يقترن بفقره تذلل وخضوع وسؤال، فهذه هي المسكنة، فعلى هذا كل مسكين فقير وليس كل فقير مسكيناً، ويقوي هذا أن الله تعالى قد وصف بني إسرائيل بالمسكنة وقرنها بالذلة مع غناهم، وإذا تأملت ما قلناه بان أنهما صنفان موجودان في المسلمين، ويقوي هذا قوله تعالى: {أية : للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} تفسير : [البقرة:273] وقيل لأعرابي:أفقير أنت فقال: إني والله مسكين، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : وليس المسكين بهذا الطوّاف الذي ترده اللقمة واللقمتان، ولكن المسكين هو الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه تفسير : ، اقرأوا إن شئتم {أية : لا يسألون الناس إلحافاً } تفسير : [البقرة:273]، فدل هذا الحديث على أن المسكين في اللغة هو الطواف، وجرى تنبيه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث على المتصاون مجرى تقديم {الفقراء } في الآية لمعنى الاهتمام إذ هم بحيث إن لم يتهمم بهم هلكوا، والمسكين يلح ويذكر بنفسه، وأما العامل فهو الرجل الذي يستنيبه الإمام في السعي على الناس وجمع صدقاتهم، وكل من يصرف من عون لا يستغنى عنه فهو من {العاملين } لأنه يحشر الناس على السعي، وقال الضحاك: للعاملين ثمن ما عملوا على قسمة القرآن، وقال الجمهور: لهم قدر تعبهم ومؤنتهم قاله مالك والشافعي في كتاب ابن المنذر، فإن تجاوز ذلك ثمن الصدقة فاختلف، فقيل يتم لهم ذلك من سائر الأنصباء وقيل، بل يتم لهم ذلك من خمس الغنيمة، واختلف إذا عمل في الصدقات هاشمي فقيل: يعطى منها عمالته وقيل: بل يعطاها الخمس، ولا يجوز للعامل قبول الهدية والمصانعة ممن يسعى عليه وذلك إن فعله رد في بيت المال كنا فعل النيبي صلى الله عليه وسلم بابن اللتبية حتى استعمله على الصدقة فقال، هذا لكم وهذا ما أهدي لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : هلا قعدت في بيت أبيك وأمك حتى تعلم ما يهدى إليك " تفسير : وأخذ الجميع منه. قال القاضي أبو محمد : وتأمل عمالة الساعي هل يأخذها قبل العمل أو بعده، وهل هي إجازة أو هي جعل وهل العمل معلوم أو هو يتتبع وإنما يعرف قدره بعد الفراغ، وأما {المؤلفة قلوبهم } فكانوا صنفين، مسلمين وكافرين مساترين، قال يحيى بن أبي كثير، كان منهم أبو سفيان بن حرب بن أمية والحارث بن هشام وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعيينة والأقرع ومالك بن عوف والعباس بن مرداس والعلاء بن جارية الثقفي. قال القاضي أبو محمد : وأكثر هؤلاء من الطلقاء الذين ظاهر أمرهم يوم الفتح الكفر، ثم بقوا مظهرين الإسلام حتى وثقه الاستئلاف في أكثرهم واستئلافهم إنما كان لتجلب إلى الإسلام منفعة أو تدفع عنه مضرة، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه والحسن والشعبي وجماعة من أهل العلم: انقطع هذا الصنف بعزة الإسلام وظهوره، وهذا مشهور مذهب مالك رحمه الله، قال عبد الوهاب: إن احتيج إليهم في بعض الأوقات أعطوا من الصدقة. قال القاضي أبو محمد: وقول عمر عندي إنما هو لمعنيين، فإنه قال لأبي سفيان حين أراد أخذ عطائه القديم: إنما تأخذ كرجل من المسلمين فإن الله قد أغنى عنك وعن ضربائك، يريد في الاستئلاف، وأما أن ينكر عمر الاستئلاف جملة وفي ثغور الإسلام فبعيد، وقال كثير من أهل العلم: {المؤلفة قلوبهم} موجودون إلى يوم القيامة. قال القاضي أبو محمد: وإذا تأملت الثغور وجد فيها الحاجة إلى الاستئلاف، وقال الزهري: {المؤلفة} من أسلم من يهودي أو نصراني وإن كان غنياً. قال القاضي أبو محمد: يريد لتبسط نفسه ويحبب دين الإسلام إليه، وأما {الرقاب} فقال ابن عباس والحسن ومالك وغيره: هو ابتداء العتق وعون المكاتب بما يأتي على حريته، واختلف هل يعان بها المكاتب في أثناء نجومه بالمنع والإباحة، واختلف على القول بإباحة ذلك إن عجز فقيل يرد ذلك من عند السيد، وقيل يمضي لأنه كان يوم دفعه بوجه مترتب، وقال الشافعي: معنى {وفي الرقاب } في المكاتبين ولا يبتدأ منها عتق عبد، وقاله الليث وإبراهيم النخعي وابن جبير، وذلك أن هذه الأصناف إنما تعطى لمنفعة المسلمين أو لحاجة في أنفسها، والعبد ليس له واحدة من هاتين العلتين، والمكاتب قد صار من ذوي الحاجة وقال الزهري: سهم الرقاب نصفان، نصف للمكاتبين ونصف يعتق منه رقاب مسلمون ممن صلى، قال ابن حبيب: ويفدى منه أسارى المسلمين ومنع ذلك غيره، وأما " الغارم فهو الرجل يركبه دين في غير معصية ولا سفه، قال العلماء: فهذا يؤدى عنه وإن كانت له عروض تقيم رمقه وتكفي عياله، وكذلك الرجل يتحمل بحمالة في ديارات أو إصلاح بين القبائل ونحو هذا، وهو أحد الخمسة الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث : ولا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لعامل عليها أو غاز في سبيل الله أو رجل تحمل بحمالة أو من أهديت له أو من اشتراها بماله ". تفسير : قال القاضي أبو محمد : وقد سقط {المؤلفة } من هذا الحديث، ولا يؤدى من الصدقة دين ميت ولا يعطى منها من عليه كفارة ونحو ذلك من حقوق الله، وإنما " الغارم" من عليه دين يسجن فيه، وقد قيل في مذهبنا وغيره: يؤدى دين الميت من الصدقات قاله أبو ثور، وأما {في سبيل الله} فهو المجاهد يجوز أن يأخذ من الصدقة لينفقها في غزوه وإن كان غنياً قال ابن حبيب: ولا يعطى منها الحاج إلا أن يكون فقيراً فيعطى لفقره، وقال ابن عباس وابن عمر وأحمد وإسحاق: يعطى منها الحاج وإن كان غنياً، والحج سبيل الله، ولا يعطى منها في بناء مسجد ولا قنطرة ولا شراء مصحف ونحو هذا، وأما {ابن السبيل } فهو الرجل في السفر والغربة يعدم فإنه يعطى من الزكاة وإن كان غنياً في بلده، وسمي المسافر ابن السبيل لملازمته السبيل كما يقال للطائر: ابن ماء لملازمته له ومنه عندي قولهم: ابن جلا وقد قيل فيه غير هذا ومنه قولهم: بنو الحرب وبنو المجد ولا يعطى بنو هاشم من الصدقة المفروضة، قال ابن الماجشون ومطرف وأصبغ وابن حبيب: ولا من التطوع ولا يعطى مواليهم لأن مولى القوم منهم، قال ابن القاسم: يعطى بنو هاشم من صدقة التطوع ويعطى مواليهم من الصدقتين، ومن سأل من الصدقة وقال إنه فقير، فقالت فرقة يعطى دون أن يكلف بينة على فقره بخلاف حقوق الآدميين يدعي معها الفقر فإنه يكلف البينة لأنها حقوق الناس يؤخذ لها بالأحوط، وأيضاً فالناس إذا تعلقت بهم حقوق آدمي محمولون على الغني حتى يثبت العدم ويظهر ذلك من قوله تعالى {أية : وإن كان ذو عسرة } تفسير : [ البقرة: 280] أي ان وقع فيعطي هذا أن الأصل الغنى فإن وقع ذو عسرة فنظرة، وقالت فرقة: الرجل الصحيح الذي لا يعلم فقره لا يعطى إلا أن يعلم فقره، وأما إن ادعى أنه غارم أو مكاتب أو ابن سبيل أو في سبيل الله أو نحو ذلك مما لم يعلم منه فلا يعطى إلا ببينة قولاً واحداً، وقد قيل في الغارم: تباع عروضه وجميع ما يملك ثم يعطى بالفقر، ويعطى الرجل قرابته الفقراء وهم أحق من غيرهم فإن كان قريبه غائباً في موضع تقصر إليه الصلاة فجاره الفقير أولى، وإن كان في غيبة لا تقصر إليه الصلاة فقيل هو أولى من الجار الفقير، وقيل الجار أولى ويعطى الرجل قرابته الذين لا تلزمه نفقتهم، وتعطى المرأة زوجها، وقال بعض الناس ما لم ينفق عليها، ويعطي الرجل زوجته إذا كانت من الغارمين، واختلف في ولاء الذي يعتق من الصدقة، فقال مالك: ولاؤه لجماعة المسلمين وقال أبو عبيد: ولاؤه للمعتق وقال عبيد الله بن الحسن: يجعل ماله في بيت الصدقات، وقال الحسن وأحمد وإسحاق: ويعتق من ماله رقاب، وإذا كان لرجل على معسر دين فقيل يتركه له ويقطع ذلك من صدقته وقيل لا يجوز ذلك جملة، وقيل إن كان ممن لو رفعه للحاكم أمكن أن يؤديه جاز ذلك وإلا لم يجز لأنه قد توي وأما السبيل: فهو الذي قدمنا ذكره يعطى الرجل الغازي وإن كان غنياً، وقال أصحاب الرأي لا يعطى الغازي في سبيل الله إلا أن يكون منقطعاً به، قال ابن المنذر؟ وهذا خلاف ظاهر القرآن وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما القرآن فقوله {وفي سبيل الله} ، وأما الحديث فقوله "حديث : إلا لخمسة لعامل عليها أو غاز في سبيل الله" تفسير : ، وأما صورة التفريق فقال مالك وغيره: على قدر الحاجة ونظر الإمام يضعها في أي صنف رأى وكذلك المتصدق، وقاله حذيفة بن اليمان وسعيد بن جبير وإبراهيم وأبو العالية، قال الطبري: وقال بعض المتأخرين: إذا قسم المتصدق قسم في ستة أصناف لأنه ليس ثم عامل ولأن المؤلفة قد انقطعوا فإن قسم الإمام ففي سبعة أصناف، قال الشافعي وعكرمة والزهري: هي ثمانية أقسام لثمانية أصناف لا يخل بواحد منها واحتج الشافعي بقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأله: "حديث : إن الله تعالى لم يرض في الصدقات بقسم نبي ولا غيره حتى قسمها بنفسه فجعلها ثمانية أقسام لثمانية أصناف فإن كنت واحداً منها أعطيتك ". تفسير : قال القاضي أبو محمد : والحديث في مصنف أبي داود، وقال أبو ثور: إذا قسمها الإمام لم يخل بصنف منها وإن أعطى الرجل صدقته صنفاً دون صنف أجزأه ذلك وقال النخعي: إذا كان المال كثيراً قسم على الأصناف كلها وإذا كان قليلاً أعطاه صنفاً واحداً. وقالت فرقة من العلماء: من له خمسون درهماً فلا يعطى من الزكاة، وقال الحسن وأبو عبيد، لا يعطى من له أوقية وهي أربعون درهماً، قال الحسن: وهو غني وقال الشافعي: قد يكون الرجل الذي لا قدر له غنياً بالدرهم مع سعيه وتحيله، وقد يكون الرجل له القدر والعيال ضعيف النفس والحيلة فلا تغنيه آلاف، وقال أبو حنيفة: لا يأخذ الصدقة من له مائتا درهم ومن كان له أقل فلا بأس أن يأخذ، قال سفيان الثوري: لا يدفع إلى أحد من الزكاة أكثر من خمسين درهماً، إلا أن يكون غارماً وقال أصحاب الرأي، إن أعطي ألفاً وهو محتاج أجزأ ذلك، وقال أبو ثور: يعطى من الصدقة حتى يغنى ويزول عنه اسم المسكنة ولا بأس أن يعطى الفقير الألف وأكثر من ذلك، وقال ابن المنذر: أجمع أكثر من يحفظ عنه من أهل العلم أن من له دار وخادم لا يستغني عنهما أن يأخذ من الزكاة وللمعطي أن يعطيه، وقال مالك: إن لم يكن في ثمن الدار والخادم فضلة على ما يحتاج إليه منهما جاز له الأخذ وإلا لم يجزه، وأما الرجل يعطي الآخر وهو يظنه فقيراً فإذا هو غني، فإنه إن كان بفور ذلك أخذها منه فإن فاتت نظر، فإن كان الآخذ غنياً وأخذها مع علمه بأنها لا تحل له ضمنها على كل وجه، وإن كان لم يغر بل اعتقد أنها تجوز له، أو لم يتحقق مقصد المعطي نظر، فقال الحسن وأبو عبيدة: تجزيه، وقال الثوري وغيره: لا تجزيه، وأهل بلد الصدقة أحق بها إلا أن تفضل فتنقل إلى غيرها بحسب نظر الإمام، قال ابن حبيب في الواضحة: أما {المؤلفة } فانقطع سهمهم، وأما سبيل الله فلا بأس أن يعطى الإمام الغزاة إذا قل الفيء في بيت المال. قال القاضي أبو محمد : وهذا الشرط فيه نظر، قال ابن حبيب: وينبغي للإمام أن يأمر السعاة بتفريقها بالمواضع التي جبيت فيها ولا يحمل منه شيء إلى الإمام إلا أن يرى ذلك لحاجة أو فاقة نزلت بقوم، قال مالك: ومن له مزرعة أو شيء في ثمنه إذا باعه ما يغنيه لم يجز له أخذ الصدقة، وهذه جملة من فقه الآية كافية على شرطنا في الإيجاز والله الموفق برحمته، وقال تعالى: {فريضة من الله } أي موجبة محدودة وهو مأخوذ من الفرض في الشيء بمعنى الحز والقطع ثبوت ذلك ودوامه، شبه ما يفرض من الأحكام، ونصب {فريضة} على المصدر، ثم وصف نفسه تعالى بصفتين مناسبتين لحكم هذه الآية لأنه صدر عن علم منه بخلقه وحكمة منه في القسمة بينهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ} الفقير المحتاج العفيف عن السؤال، والمسكين المحتاج السائل "ع"، أو الفقير المحتاج الزَّمِن، والمسكين المحتاج الصحيح، أو الفقراء هم المهاجرون، والمساكين غير المهاجرين، أو الفقراء من المسلمين والمساكين من أهل الكتاب، أو الفقير الذي لاشيء له لانكسار فقاره بالحاجة والمسكين له ما لا يكفيه لكن يسكن إليه، أو الفقير له ما لا يكفيه والمسكين لا شيء له يسكن إليه. {وَالْعَامِلِينَ} السعاة لهم ثُمْنها، أو أجر مثلهم. {وَالْمُؤَلَّفَةِ} كفار ومسلمون، فالمسلمون منهم ضعيف النية في الإسلام فيتألف تقوية لنيته كعيينة بن بدر والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس، ومنهم من حسن إسلامه لكنه يعطى تألفاً لعشيرته من المشركين كعدي بن حاتم، والمشركون منهم من يقصد أذى المسلمين فيتألف بالعطاء دفعاً لأذاه كعامر بن الطفيل، ومنهم من يميل إلى الإسلام فيتألف بالعطاء ليؤمن كصفوان بن أمية، فهذه أربعة أصناف، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعطي هؤلاء، وبعد هل يعطون؟ فيه قولان: لأن الله ـ تعالى ـ قد أعز الدين {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} تفسير : [الكهف: 29]. {الرِّقَابِ} المكاتبون، أو عبيد يشترون ويعتقون. {وَالْغَارِمِينَ} من لزمه غرم ديْن. {سَبِيلِ اللَّهِ} الغزاة الفقراء والأغنياء. {وَابْنِ السَّبِيلِ} المسافر لا يجد نفقة سفره وإن كان غنياً في بلده، قاله جمهور، أو الضيف.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {أذن خير} كلاهما بالرفع والتنوين: الأعشى والمفضل. الباقون: بالإضافة. {ورحمة} بالجر: حمزة الآخرون: بالرفع {ألم تعلموا} بتاء الخطاب: جبلة عن المفضل الباقون: بياء الغيبة {إن نعف} {نعذب} كلاهما بالنون ونصب {طائفة} عاصم غير المفضل. الباقون: على البناء للمفعول بياء الغيبة في الأول، وبتاء التأنيث في التالي. الوقوف: {وابن السبيل} ط أي فرض الله {فريضة من الله} ط {حكيم} ه {هو أذن} ط {آمنوا منكم} ط {أليم} ه {ليرضوكم} ط لاحتمال الواو الحال أو الاستئناف. {مؤمنين} ه {خالداً فيها} ط {العظيم} ه {بما في قلوبهم} ط {استهزؤا} ط لاحتمال الهمزة في "إن" للتعليل {يحذرون} ه {ونلعب} ط {تستهزؤون} ه {بعد إيمانكم} ط {مجرمين} ه {من بعض} ط كيلا تصير الجملة صفة لبعض المنافقين وهي صفة لكلهم {أيديهم} ط {فنسيهم} ط {الفاسقون} ه {فيها} ط {حسبهم} ط لاختلاف النظم مع اتحاد المقصود في إتمام الجزاء {ولعنهم الله} ج لذلك {مقيم} ه لا بناء على تعلق الكاف {وأولاداً} ط {خاضوا} ط {والآخرة} ج {الخاسرون} ه. التفسير: إن المنافقين لما لمزوا الرسول صلى الله عليه وسلم في قسمة الصدقات بيَّن لهم الله سبحانه مصرفها كيلا يبقى لهم طعن إذا وجدوا فعله موافقاً لحكم الله فقال {إنما الصدقات} الآية. وفي تصدير الكلام بإنما دلالة على أنه لا حق لأحد في الصدقات إلا لهؤلاء، ويؤيده ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل: حديث : إن كنت من الأصناف الثمانية فلك فيها حق. وإلا فهو صداع في الرأس وداء في البطنتفسير : . ولنتكلم في تعريف هؤلا الأصناف. فالأول والثاني: الفقراء والمساكين. ولا شك أن كلاً من الصنفين محتاجون لا يفي دخلهم بخرجهم إنما الكلام في أنهما متساوياً الدلالة أو أحدهما أسوأ حالاً. فعن أبي يوسف ومحمد والجبائي أنهما واحد حتى لو أوصى لزيد وللفقراء والمساكين بمال كان لزيد النصف لا الثلث. قال الجبائي: إنه تعالى ذكرهما باسمين ليؤكد أمرهم في الصدقات. والفائدة فيه أن أصرف إليهم من الصدقات سهمان لا كسائرهم. وعند الشافعي الفقير أسوأ حالاً لأنه تعالى أثبت الصدقات لهؤلاء الأصناف دفعاً لحاجاتهم فالذي وقع الابتداء بذكره يكون أشد حاجة لأن الظاهر تقديم الأهم على المهم، ومما يدل على إشعار الفقر بالشدّة العظيمة قوله تعالى{أية : تظن أن يفعل بها فاقرة}تفسير : [القيامة: 25] جعل الفاقرة كناية عن أعظم أنواع الشر والدواهي. وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من الفقر، وقد سأل المسكنة في قوله"حديث : اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين" تفسير : فكأنه سأل توسط الحال، ولهذا لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك أشياء معلومة مع أنه تعالى أجاب دعاءه ظاهراً فأماته مسكيناً. وتقييده تعالى المسكين بقوله{أية : ذا متربة}تفسير : [البلد: 16] يدل على أن المسكين قد لا يكون كذلك، وقال تعالى{أية : أما السفينة فكانت لمساكين}تفسير : [الكهف: 79] وكان ابن عباس يفسر الفقير بأنه الذي لا يجد شيئاً كأهل الصفة، والمسكين بأنه الطوَّاف الذي يسأل الناس. والغالب أنه يحصل له منهم شيء وقريب منه قول من قال سمي مسكيناً لأنه الدائم السكون إلى الناس. ولما كان المسكين هو السائل لما قلنا فالمحرم في قوله سبحانه{أية : وفي أموالهم حق للسائل والمحروم}تفسير : [الذاريات: 19] هو الفقير صاحب الحرمان. واتفق الناس على أن الفقير ضد الغني ولم يقل أحد أن الغنى والمسكنة ضدان فلعل الترفع هو ضد التمسكن. وقال أبو حنيفة: المسكين أسوأ حالاً لقوله تعالى{أية : أو مسكيناً ذا متربة} تفسير : [البلد: 16] وقد تقدم الكلام عليه ولأنه تعالى جعل الكفارات من الأطعمة ولا فاقة أعظم من الجوع ونقل الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أن الفقير الذي له ما يأكل والمسكين هو الذي لا شيء له، وقال يونس: قلت لأعرابي، أفقير أنت؟ قال: لا والله بل مسكين. وقيل: سمي مسكيناً لأنه يسكن حيث يحضر لأجل أنه لا بيت له ولا منزل. وأجيب بأنه تعالى جعل الكفارة للمسكين ذي المتربة وهو الفقير بعينه وإنما النزاع في المسكين المطلق والروايات معارضة بأمثالها والله أعلم. الصنف الثالث: العاملون على الصدقات وهم السعاة الجباة للصدقة. قال ابن عمر وابن الزبير والشافعي: يعطى هؤلاء أجور أمثالهم لأنها أجرة للعمل. وقال مجاهد والضحاك: يعطون الثمن من الصدقات لأنهم صنف من الثمانية، والصحيح أن الهاشمي والمطلبي لا يجوز أن يكون عاملاً على الصدقات لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبى أن يبعث أبا رافع عاملاً على الصدقات وقال: أما علمت أن مولى القوم منهم. وفائدة التعدية بعلى التسليط والولاية. يقال: فلان على بلدة كذا إذا كان والياً عليها. واختلفوا في أن الإمام هل له حق لأنه هو العامل في الحقيقة أو لا حق له لخروجه عن الأصناف؟ والجمهور على أن العامل يأخذ نصيبه وإن كان غنياً لأن ذلك أجرة عمله. وعن الحسن أنه لا يأخذ إلا مع الحاجة. الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم. عن ابن عباس هم قوم أشراف من الأحياء أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وكانوا خمسة عشر رجلاً منهم أبو سفيان والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن أعطى كل رجل منهم مائة من الإبل. قال العلماء: لعل مراد ابن عباس إنه لا يمتنع في الجملة صرف الأموال إلى المؤلفة وإلا فلم يكن ما أعطاهم من الصدقات. ويروى أن أبا بكر الصديق أعطى عدي بن حاتم لما جاءه بصدقاته وصدقات قومه أيام الردة. والذي استقر عليه رأى الأئمة أن المؤلفة ثلاثة أقسام: ضعيف النية في الإسلام، وشريف بإعطائه يتوقع سلام نظرائه، والمتألف على جهاد من يليهم من الكفار ومانعي الزكاة حيث يكون ذلك أهون للإمام من بعث جيش يعطى كل واحد ما رأى الإمام باجتهاده، هذا كله إذا كانوا مسلمين، فأما الكفار الذين يميلون إلى الإسلام فيرغبون فيه بإعطاء مال، والذين يخاف شرهم فيتألفون لدفع الشر بمال فلا يعطون شيئاً من الزكاة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم من خمس الخمس والآن لا يعطون أصلاً لقوة الإسلام والاستغناء عن تألفهم ولأنه ليس في الآية دلالة على أن المؤلفة يجوز أن يكونوا من الكفار فلا ينبغي أن يقال إن حكم الآية منسوخ، الصنف الخامس قوله وفي الرقاب. قال الزجاج: تقديره وفي فك الرقاب، وللأئمة في تفسيره أقوال؛ فعن ابن عباس أنهم المكاتبون وهو مذهب الشافعي قال: إذا عجزوا عن أداء النجوم بأن يكون لهم شيء أو لا يفي ما في أيديهم بنجومهم صرف إليهم أو إلى سيدهم بإذنهم ما يعينهم على العتق. وقال مالك وأحمد وإسحاق: المراد أنه يشتري به عبيد فيعتقون. وعن أبي حنيفة وأصحابه. وهو قول سعيد بن جبير والنخعي، أنه لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة ولكن يعطى منها في رقبة ويعان بها مكاتب لأن قوله {وفي الرقاب} يقتضي أن يكون له فيه مدخل وذلك ينافي كونه تاماً فيه. وقال الزهري: سهم الرقاب نصفه للمكاتبين المسلمين ونصفه يشتري به رقاب ممن صلوا وصاموا وقدم إسلامهم فيعتقون. قال المفسرون: إنما عدل عن اللام إلى "في" لأن الأصناف الأربعة الأول يصرف المال إليهم حتى يتصرفوا فيه كما شاؤا، وفي الأربعة الأخيرة لا يصرف المال إليهم بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا سهم الزكاة. ففي الرقاب يوضع نصيبهم في تخليص رقابهم عن الرق أو الأسر ولا يدفع إليهم، وفي الغارمين يصرف المال إلى قضاء ديونهم، وفي الغزاة يصرف المال إلى إعداد ما يحتاج إليه في الغزو، وفي ابن السبيل كذلك يصرف إلى ما يبلغه المقصد. وقال في الكشاف: إنما عدل للإيذان بأنهم أرسخ في استحاق التصديق عليهم ممن سبق لأن "في" للوعاء فنبه به على أنهم أحقاء بأن يجعلوا مصباً للصدقات. وتكرير "في" في قوله {وفي سبيل الله وابن السبيل} فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين الصنف السادس الغارمون قال الزجاج: أصل الغرم لزوم ما يستحق وسمي العشق غراماً لكونه أمراً شاقاً لازماً. وفلان مغرم بالنساء، وسمي الدين غرماً لأنه شاق لازم. فالغارمون المديونون والدين إن حصل بسبب معصية لم يدخل في الآية لأن المعصية لا تستوجب الإعانة وإن حصل لا بالمعصية فهو مقصود الآية سواء حصل بسبب نفقات ضرورية أو لإصلاح ذات البين. وإن كان متمولاً أو للضمان إن أعسر هو والأصيل وكل داخل في الآية. روى الأصم في تفسيره أنه صلى الله عليه وسلم لمّا قضى بالغرة في جنين قالت العاقلة: لا نملك الغرة يا رسول الله، فقال لحمد ابن مالك: أعنهم بغرة من صدقاتهم، وكان حمد على الصدقة يومئذ. وإنما يعطى الغارم قدر دينه إن لم يقدر على شيء وإن قدر على بعض أعطى الباقي. الصنف السابع قوله {في سبيل الله} يعني الغزاة. قال الشافعي: يجوز له أن يأخذ من مال الصدقات وإن كان غنياً وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق وأبي عبيد. وقال أبو حنيفة: لا يعطى الغازي إلا إذا كان محتاجاً وظاهر لفظ الآية لا يوجب القصر على الغزاة فلهذا نقل القفال عن بعض الفقهاء أنهم أجازوا صرف الصدقة إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الحصون وعمارة المساجد لأن كلها في سبيل الله. الصنف الثامن ابن السبيل وهو المسافر لا لأجل معصية، يعطى ما يبلغه المقصد أو موضع ماله إن كان له في الطريق مال. قال الشافعي: ويدخل في المسافر الشاخص من وطنه أو من بلد كان مقيماً به منشئاً للسفر والغريب المجتاز ببلدنا والله أعلم. ولنذكر طرفاً من أحكام هذه الأصناف: الحكم الأول: اتفقوا على دخول الزكاة الواجبة في قوله {إنما الصدقات} لقوله في موضع آخر{أية : خذ من أموالهم صدقة}تفسير : [التوبة: 103] ولقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"تفسير : واختلفوا في الصدقة المندوبة فمنهم من قال تدخل، والفائدة أن تعلم أن مصارف جميع الصدقات ليست إلا هؤلاء الأصناف، والأقرب اختصاص الآية بالواجبة لدخول لام التمليك في الأصناف، والصدقة المملوكة لهم ليست إلا الزكاة ولأن الآية تدل على الحصر في الأصناف الثمانية والصدقة المندوبة يجوز صرفها إلى وجوه أخر كالمساجد والمدارس وتجهيز الموتى، ولأن الصدقات تنصرف إلى معهود سابق وهو الصدقات الواجبة في قوله {ومنهم من يلمزك في الصدقات}. الحكم الثاني: في الآية دلالة على أن الزكاة إنما يتولى أخذها الإمام أو نائبه لأنه تعالى جعل للعاملين سهماً منها. والعامل هو الذي نصبه الإمام لأخذ الزكوات ويتأكد هذا النص بقوله {خذ من أموالهم صدقة} فالقول بأن المالك يجوز له إخراج زكاة الأموال الباطنة بنفسه إنما يعرف بدليل آخر كقوله{أية : وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم} تفسير : [الذاريات: 19] وإذا كان حقاً لهما وجب أن يجوز دفعه إليهما ابتداء، وإذا كان الإمام جائراً فالتفريق بنفسه أفضل. الحكم الثالث: مذهب أبي حنيفة أنه يجوز صرف الصدقة إلى بعض هؤلاء الأصناف وهو قول عمر وحذيفة وابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء وأبي العالية والنخعي، لأنه تعالى جعل جملة الصدقات لهؤلاء الثمانية فلا يلزم أن يكون كل جزء من أجزائها كصدقة زيد مثلاً موزعاً على كل واحد منهم، ولأن الرجل الذي لا يملك إلا عشرين ديناراً فأخرج نصف دينار لو كلفناه أن يقسمه على أربعة وعشرين لدفع كل ثلاثة منها إلى ثلاثة من كل صنف صار كل قسم حقيراً صغيراً غير منتفع به في مهم معتبر. وعن سعيد بن جبير لو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقراء متعففين فجبرتهم بها كان أحب إلي. وقال الشافعي: لا بد من صرفها، إلى الأصناف الثمانية وهو قول عكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز. واحتجوا عليه بأن الله تعالى ذكر هذه القسمة في نص الكتاب ثم أكدها بقوله {فريضة من الله} وهو في معنى المصدر المؤكد لأن قوله {إنما الصدقات للفقراء} في قوة قوله فرض الله الصدقات لهم، وهذا كالزجر عن مخالفة من الآية. وعن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله تبارك وتعالى لم يرض بقسمة ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى تولى قسمتها بنفسه"تفسير : . ثم ختم الآية بقوله {والله عليم} أي بتقدير الأنصباء والمصالح {حكيم} لا يفعل إلا ما هو الأصوب والأصلح وكل هذه المؤكدات دليل على وجوب الاحتياط في صرف الزكاة، ومن ههنا قال الشافعي: لا بد في كل صنف من ثلاثة لأنه تعالى ذكر أكثر الأصناف بلفظ الجمع وأقل الجمع ثلاثة، فإن دفع نصيب الفقراء إلى اثنين غرم للثالث أقل متمول على الأقيس لا الثلث، لأن التفضيل في أفراد الصنف جائز للمالك لأن العدد من كل صنف غير محصور فيصعب اعتبار التسوية بخلاف التسوية بين الأصناف لأنهم محصورون فتسهل التسوية بينهم. الحكم الرابع: العامل والمؤلفة قلوبهم مفقودان في زماننا فبقي أن تصرف الزكاة إلى الأصناف الستة الباقية كما لو فقد بعض الأصناف في بلد فإنه يصرف إلى الباقين، ولا يؤمر بالنقل إلى بلد وجدوا فيه جميعاً والأحوط رعاية التسوية بينهم على ما يقوله الشافعي، أما إذا لم يفعل ذلك فإنها مجزئه عند سائر الأئمة. أما الحكمة في إيجاب الزكاة فهو أن المال محبوب بالطبع لأن القدرة من صفات الكمال والمال سبب. لحصول القدرة على المشتهيات والمآرب لكن الاستغراق في حبه يذهل النفس عن حب الله وعن التأهب للآخرة فاقتضت الحكمة الإلهية تكليف مالك المال إخراج طائفة منه كسراً للنفس ومنعاً من انصبابها بالكلية إليه. فإيجاب الزكاة علاج صالح لإزالة مرض حب الدنيا عن القلب وهو المراد من قوله {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} أي عن دنس الاستغراق في حب المال. وأيضاً إن كثرة الأموال توجب القوة والقدرة والشدة، وتزايد تلك اللذات يدعو الإنسان إلى تحصيل الأموال المتزايدة فتصير المسألة دورية لا مقطع لها ولا آخر فأثبت الشرع لها مقطعاً وآخراً وهو صرف طائفة من المال في طلب مرضاة الله ليصرف النفس عن ذلك الطريق الظلماني الذي لا آخر له ويفضي في الأغلب إلى الطغيان وقساوة القلب. وأيضاً النفس الناطقة لها قوتان: نظرية وكمالها في التعظيم لأمر الله، وعملية وكمالها في الشفقة على خلق الله فأوجب الله الزكاة ليتصف جوهر الروح بهذا الكمال ويصير بسبب ذلك محسناً إلى الخلق، وإذا أحسن إليهم أمدوه بالدعاء والهمة. وأيضاً المال سمي مالاً لكثرة ميل كل أحد إليه وهو غاد ورائح سريع الزوال مشرف على التلف والبوار، فإذا أنفقه لوجه الله بقي بقاء لا يمكن زواله. وفي إنفاق المال تشبه بالمجردات والمفارقات وليس الغنى إلا عن الشيء لا به لأن الاستغناء عن الشيء صفة الحق والاستغناء بالشيء صفة المخلوقين العاجزين، ففي الأمر بالزكاة نقل للإنسان من درجة أدنى إلى درجة أعلى. وأيضاً للإنسان روح وبدن ومال فإذا بذلك الروح في الاستغراق في بحار معرفة الله، وبذل البدن في العبودية لله والصلاة له فكيف يليق به أن لا يبذل المال في ابتغاء مرضاته؟! وأيضاً إذا فضل المال عن قدر الحاجة وحضر إنسان آخر محتاج فههنا حصل سببان كل واحد منهما يوجب تملك ذلك المال، أما في حق المالك فهو أنه سعى اكتسابه وتحصيله وتعلق قلبه به، وأما في حق الفقير فلاحتياجه الموجب للتعلق به فلما وجد هذان السببان المتدافعان اقتضت حكمة الشارع رعاية كل منهما بقدر الإمكان. ورجح جانب المالك لأن له حق الاكتساب وحق التعلق فأبقى عليه الكثير وأمر بصرف جزء يسير إلى الفقير توفيقاً بين الأمرين وجمعاً بين المصلحتين مع رعاية المال عن التعطيل فلا معطل في الوجود. وأيضاً الأغنياء خزان الله لأن المال مال الله وهم عبيده ولولا أنه ألقاها في أيديهم لما ملكوا منها حبة، فكم من عاقل لا يملك ملء بطنه، وكم من غافل تأتيه الدنيا عفواً صفواً. وليس بمستبعد أن يقول الملك لخزّانه اصرفوا طائفة من مال خزانتي إلى المحتاجين من عبيدي. وأيضاً إن الأغنياء لو لم يلزموا بإصلاح مهمات الفقراء فربما حملتهم شدة الحاجة على تحصيل المال من وجوه منكرة كالسرقة ونحوها أو على الالتحاق بأعداء المسلمين. وقال صلى الله عليه وسلم"حديث : الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر"تفسير : وكأن تعالى يقول للغني أعطيتك المال فشكرت فصرت من الشاكرين فأخرج من يدك نصيباً منه حتى تصبر على فقدان المال فتصير من الصابرين، ويقول للفقير ما أعطيتك الأموال الكثيرة فصبرت فصرت من الصابرين ولكني أوجبت على الغني أن يصرف إليك طائفة من المال لتشكرني فتكون من الشاكرين. وأيضاً أراد الله سبحانه أن يكون الغني منعماً على الفقير بما يؤديه إليه ويكون الفقير منعماً على الغني بما قبله منه ليحصل الخلاص في الدنيا من الذم والعار وفي الآخرة من عذاب النار. ثم حكى نوعاً من فضائح المنافقين وهو أنهم كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه الطعن والذم {هو أذن} عن ابن عباس كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون ما لا ينبغي فقال بعضهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فنحلف له. فقال الجلاس بن سويد، نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول فإنما محمد أذن سامعة فنزلت الآية. وقال محمد بن إسحاق بن يسار وغيره: نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل بن الحرث وكان رجلاً أحمر العينين أسفع الخدين مشوه الخلقة وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم"حديث : من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحرث"تفسير : وكان ينم حديث النبي صل الله عليه وسلم إلى المنافقين فقيل له: لا تفعل فقال: إنما محمد أذن من حدثه شيئاً صدقه نقول ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له فيصدّقنا. وقال السدي: اجتمع ناس من المنافقين فيهم جلاس بن سويد بن الصامت ووديعة بن ثابت فأرادوا أن يقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم وعندهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس، فحقروه فتكلموا وقالوا إن كان ما يقوله محمد حقاً لنحن شر من الحمير فغضب الغلام وقال: والله إن ما يقول محمد حق وإنكم لشر من الحمير، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فدعاهم فسألهم فحلفوا أن عامراً كاذب وحلف عامر أنهم كذبة. وقال: اللهم لا تفرق بيننا حتى يتبين صدق الصادق من كذب الكاذب فنزلت الآيتان. قال علماء اللغة: الأذن الرجل الذي يصدق بكل ما يسمع ويقبل قول كل أحد سمي بالجارحة التي هي آلة السماع كأنه جملته أذن سامعة ومثله قولهم للربيئة عين. وفسر إيذاءهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم يقولون له أذن وذلك أنهم قصدوا به المذمة وأنه ليس ذا ذكاء ولا بعيد غور بل هو سليم القلب سريع الاغترار بكل ما يسمع. ويجوز أن يراد بالإيذاء أنواع أخر سوى هذا القول أي يؤذونه بالغيبة والنميمة وسائر أنواع الأذية ويقولون في وجه الاعتذار عن ذلك هو أذن يقبل كل ما يسمع، فنحن نأتيه فنعتذر إليه فيسمع عذرنا فيرضى، ثم إنه سبحانه أجاب عن قولهم فقال {قل أذن خير لكم} بالإضافة كقولهم: رجل صدق يريدون الجودة والصلاح. ومجوز الإضافة هو الملابسة كأنه قيل: نعم هو أذن ولكن نعم الأذن إذ أريد هو أذن في الخير والحق وفيما يجب سماعه وقبوله وليس بإذن في غير ذلك ويؤيده قراءة حمزة {رحمة} بالجر عطفاً عليه عطف الخاص على العام أي هو أذن خير ورحمة لا يسمع ولا يقبل غيرهما. ثم بين كونه أذن خير بأنه {يؤمن بالله} أي يقرّ به ويعترف بوحدانيته لما قام عنده من الأدلة {ويؤمن للمؤمنين} يسلم لهم قولهم لوثوقه بقولهم وعلمه بإخلاصهم لا لكونه من أهل الغرة والبله {و} هو {رحمة للذين آمنوا منكم} باللسان دون الجنان لأنه يجري أمركم على الظاهر ولا يبالغ في التفتيش عن بواطنكم فإن الله هو الذي يتولى السرائر ولهذا ختم الآية بقوله {والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم} وأما من قرأ {أذن خير} بالرفع فيهما فعلى أن الإذن خبر مبتدأ محذوف و{خير} كذلك أي هو أذن هو خير. والمعنى هو أذن موصوف بالخيرية في حقكم لأنه يقبل معاذيركم ويتغافل عن جهالاتكم فتحفظ بذلك دماؤكم وأموالكم. وقيل: التقدير قل أذن واعية سامعة للحق خير لكم من هذا الطعن الفاسد. ثم ذكر بعده ما يدل على فساد هذا الطعن وهو قوله {يؤمن بالله} إلى آخره. ووجه ثالث ذكره صاحب النظم واستحسنه الواحدي وهو أن قوله {أذن} وإن كان رافعاً في الظاهر لكنه نصب في الحقيقة على الحال وتأويله: قل هو أذنا خير لكم. ذكر أن من قبائح المنافقين إقدامهم على الأيمان الكاذبة فقال {يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه} أي كان من الواجب أن يرضوا الله تعالى بالإخلاص والتوبة لا بإظهار ما يستسرون خلافه. وإنما لم يقل يرضوهما تعظيماً لله بالإفراد بالذكر، أو المراد والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، أو وقع الاكتفاء بذكر الله لأن رضا الله ورضا رسوله شيء واحد كما يقال إحسان زيد وإجماله بعثني ومعني {إن كانوا مؤمنين} أي بزعمهم. ثم وبخهم بقوله {ألم يعلموا} وذلك أنه يقال ذلك لمن تتولع في تعليمه مدة ثم لم يظهر عليه أثر العلم والرشد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم طال مكثه فيهم وكثر تحذيره عن المعصية وترغيبه في الطاعة. والضمير في قوله {أنه} للشأن وفائدته مزيد التعظيم والتهويل. والمحادة المخالفة لأن كلاً منهما في حد غير حد صاحبه كالمشاقة لأن كلاً منهما في شق آخر. وقال أبو مسلم: هي من الحديد حديد السلاح. ثم ذكر في الجزاء قوله {فإن له} بالفتح أي فحق أن له {نار جهنم} وقيل "أن" مكرر للتأكيد والتقدير فله نار جهنم. وقيل "فإن" معطوف على "أنه" وجواب من محذوف وهو يهلك. قال الزجاج: يجوز كسر "أن" على الاستئناف بعد الفاء ولكن القراءة بالفتح. ونقل الكعبي في تفسيره أنه قرىء بالكسر. قال السدي: قال بعض المنافقين: والله لوددت إني قدمت فجلدت مائة جلدة ولا ينزل فينا شيء فيفضحنا فأنزل الله تعالى {يحذر المنافقين} وقال مجاهد: كانوا يقولون القوم بينهم ثم يقولون عسى الله أن لا يفشى علينا سرنا فنزلت. والضمير في {عليهم} و{تنبئهم} للمؤمنين وفي {قلوبهم} للمنافقين، ويجوز أن تكون الضمائر كلها للمنافقين لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم وكأنها تخبر عما في بواطنهم وتذيع عليهم أسرارهم. قيل: المنافق كافر فكيف يحذر نزول الوحي لأنه غير قائل به؟ وأجيب بأنهم عرفوا ذلك بالتجربة أو كفرهم كان كفر عناد أو كانوا شاكين في صحة نبوته والشاك في أمر خائف من وقوعه، أو هذا الخبر في معنى الأمر أي ليحذر المنافقون: عن أبي مسلم أنهم أظهروا هذا الحذر على سبيل الاستهزاء ولهذا أجابهم الله بقوله {استهزؤا} وهو أمر تهديد {إن الله مخرج ما تحذرون} مظهر ما تحذرونه من نفاقكم أو محصل إنزال السورة لأن الشيء إذا حصل بعد عدم فكأن فاعله أخرجه من العدم إلى الوجود. قوله {ولئن سألتهم} الآية. عن ابن عمر أن رجلاً من المنافقين في غزوة تبوك. ما رأيت مثل هؤلاء الفراء أرغب بطوناً أي أوسع ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء يعني رسول الله وأصحابه. فقال واحد من المؤمنين: كذبت وأنت منافق. ثم ذهب ليخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد القرآن قد سبقه فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا كنا نلعب ونتحدث بحديث الركب نقطع به عنا الطريق قال ابن عمر: رأيت عبد الله بن أبيّ يشتد قدام رسول الله صلى الله عليه وسلم والحجارة تنكبه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن؟ ما يلتفت إليه ولا يزيد عليه. وقال الحسن وقتادة: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات. فأطلع الله عز وجل نبيه على ذلك فقال: احبسوا عليّ الركب فأتاهم فقال: قلتم كذا وكذا فقالوا: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب. قال الواحدي: أصل الخوض الدخول في مائع مثل الماء والطين ثم كثر حتى أطلق على كل دخول فيه تلويث وأذى أي كنا نخوض في الباطل كما يخوض الركب لقطع الطريق. ثم أمر نبيه بأن يقول في جوابهم {أبا لله} أي بتكاليفه أو بأسمائه أو بقدرته حيث استبعدتم إعانته النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على فتح قصور الشام {وآياته} يعني القرآن {ورسوله كنتم تستهزؤن} لم يعبأ باعتذارهم فجعلوا كأنهم معترفون بوقوع الاستهزاء منهم فأوقع الإنكار على الاستهزاء بالله بأن أولى الاستفهام الذي يفيد التقرير المستهزأ به ولم يقل "أتستهزؤن بالله". ثم قال: {لا تعتذروا} نقل الواحدي عن أئمة اللغة أن معنى الاعتذار محو أثر الذنب أو قطعه من قولهم: اعتذر المنزل إذا درس. واعتذرت المياه إذا انقطعت، ومنه عذرة الجارية لأنها تعذر أي تقطع. والعذر سبب لقطع اللوم، نهاهم الله عن الاعتذار بالخوض واللعب لأن الشيء الذي يوجب الكفر لا يصلح للعذر. ثم بين ذلك بقوله {قد كفرتم} أي صريحاً {بعد إيمانكم} أي بعد الإيمان الذي أظهرتموه. وفيه أن الاستهزاء بالدين كيف كان كفر بالله صريح لأن العمدة الكبرى في الإيمان هو التعظيم لأمر الله ولشرائعه. {إن نعف عن طائفة منكم} ذكر المفسرون أنهم كانوا ثلاثة، استهزأ اثنان وضحك الثالث، ولما كان ذنب الضاحك أخف لأنه لم يوافق القوم في الكفر فلا جرم عفا الله عنه. وفيه إشارة إلى أنه من خاض في عمل باطل فعليه أن يجتهد في التقليل ويحذر من الانهماك فإنه يرجى له ببركة ذلك القليل أن يعفو الله عنه الكل. قال الزجاج: الطائفة في اللغة الجماعة لأنها المقدار الذي يمكنه أن يطيف بالشي، ثم يجوز أن يسمى الواحد بالطائفة قال تعالى{أية : وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} تفسير : [النور: 2] وأقله الواحد. وروى الفراء بإسناده عن ابن عباس أنه قال: الطائفة الواحد فما فوقه. ووجه بأن من اختار مذهباً فإنه ينصره ويذب عنه من كل الجوانب فلا يبعد أن يسمى طائفة بهذا السبب والتاء للمبالغة. وقال ابن الأنباري: العرب قد توقع لفظ الجمع على الواحد وقال تعالى{أية : الذين قال لهم الناس}تفسير : [آل عمران: 173] يعني نعيم بن مسعود. ثم علل كونه معذباً للطائفة الثانية {بأنهم كانوا مجرمين} أي مصّرين مستمرّين على الجرم، ويجوز أن يكون سبب العفو عن الطائفة الأولى إحداثهم التوبة وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق، ويجوز أن يراد بالعذاب العذاب العاجل. ومن قرأ {أن يعف} على البناء للمفعول والتذكير فلأنه مستند إلى الظرف كما تقول: سير بالدابة دون سيرت. وقرىء بالتأنيث ذهاباً إلى المعنى كأنه قيل: إن ترحم طائفة. ثم ذكر جملة أحوال المنافقين. وأن إناثهم في ذلك كذكورهم فقال {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} أي في صفة النفاق وأريد به نفي أن يكونوا من المؤمنين وتكذيبهم في قولهم {إنهم لمنكم} وتقرير قوله {وما هم منكم} ثم فصل ذلك المجمل ببيان مضادة حالهم الحال المؤمنين فقال {يأمرون بالمنكر} وهو كل قبيح عقلاً أو شرعاً وأعظم ذلك تكذيب الله ورسوله. {وينهون عن المعروف} وهو كل حسن عقلاً أو شرعاً وأعظم ذلك الإخلاص في الإيمان {ويقبضون أيديهم} عن كل خير أو عن كل واجب كصدقة أو زكاة أو اتفاق في سبيل الله، وهذا أولى ليتوجه الذم بتركه. وقبض الأيدي كناية عن الشح والبخل كبسطها في الكرم والسخاء {نسوا الله} أغفلوا أمره وتركوا ذكره وذلك أن النسيان الحقيقي لا يتوجه عليه الذم {فنسيهم} جازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه ورحمته وهذا على سبيل المزاوجة والطباق. وإنما جعل النسيان عبارة عن ترك الذكر لأن من نسي شيئاً لم يذكره فدل بذكر الملزوم على اللازم، ثم قال {إن المنافقين هم الفاسقون} وفيه دليل على أنهم هم الكاملون في الفسق وأن على المسلم أن يتحرز عما يكسبه هذا الاسم. ثم بين مآل حال أهل النفاق والكفر فقال {وعد الله} الآية ومعنى {خالدين فيها} مقدرين الخلود فيها قاله في الكشاف ويحتمل أن يراد مستأهلين للخلود {هي حسبهم} كافيهم في الجزاء والإيلام ومع ذلك فقد لعنهم الله ليكون العذب مقروناً بالإهانة والطرد {ولهم عذاب مقيم} نوع آخر من العذاب الدائم سوى عذاب النار، أو عذاب عاجل لا ينفكون عنه من تعب النفاق والخوف من افتضاحهم. ثم شبه المنافقين بالكفار الذين كانوا قبلهم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف وقبض الأيدي عن الخيرات فقال ملتفتاً من الغيبة إلى الخطاب {كالذين من قبلكم} أي أنتم مثل الذين أو فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم. فعلى الأول محل الكاف رفع وعلى الثاني نصب. ثم وصف أولئك الكفار بأنهم كانوا أشد قوة أي جسامة من هؤلاء المنافقين {وأكثر أموالاً وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم} وهو ما خلق للإنسان أي قدر له من خير كما قيل له قسم لأنه قسم ونصيب لأنه نصب أي أثبت. {فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} قيل: ما الفائدة في ذكر الاستمتاع بالخلاق في حق الأولين مرة ثم ذكره في حق المنافقين ثانياً ثم تكريره في حق الأوّلين ثالثاً؟ وأجيب بأنه تعالى ذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا وحرمانهم عن سعادة الآخرة بسبب استغراقهم في تلك الحظوظ، فلما قرر تعالى هذا الذم عاد فشبه حال المنافقين بحالهم فيكون ذلك نهاية في المبالغة. قال جار الله: نظيره أن تقول لبعض الظلمة أنت مثل فرعون كان يقتل بغير جرم ويعذب وأنت تفعل مثل فعله. وأما قوله {وخضتم كالذي خاضوا} فمعطوف على ما قبله مستند إليه مستغن بإسناده إليه عن تلك التقدمة. ومعنى "كالذي" كالخوض الذي خاضوه أو كالفوج الذي خاضوا. وقيل: أصله كالذين فحذف النون. ثم بين أن أولئك الكفار لم يحصل لهم إلا حبوط الأعمال أما في الدنيا فبسبب الفقر والانتقال من العز إلى الذل ومن القوة إلى الضعف، وأما في الآخرة فلأنهم هلكوا وبادوا وانتقلوا إلى العقاب الدائم وخسران الدارين. فهؤلاء المنافقون المشاركون لهم في هذه الأعمال والفضائح مع ضعف بنيتهم وقلة عددهم وعددهم أولى بخزي الدارين وخسار الأمرين. التأويل: {إنما الصدقات} وهي صدقات مواهب الله كما قال الله صلى الله عليه وسلم"حديث : ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا لله فيها صدقة على من يشاء من عباده الفقراء وهم الأغنياء بالله الذين فنوا عنهم وبقوا به"تفسير : {والمساكين} الذين لهم بقية أوصاف الوجود ألقوا سفينة القلب في بحر الطلب وقد خرقها خضر المحبة{أية : وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً}تفسير : [الكهف: 73] {والعاملين عليها} وهم أرباب الأعمال كما كان الفقراء والمساكين أرباب الأحوال {والمؤلفة قلوبهم} الذين تتألف قلوبهم بذكر الله {وفي الرقاب} الذين يريدون أن يتخلصوا عن رق الموجودات تحر لعبودية موجدها. والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم. {والغارمين} الذين استقرضوا من مراتب المكونات أوصافها وطبائعها وخواصها وهم محبوسون في سجن الوجود فهم معاونون بتلك الصدقات للخلاص عن حبس الوجود {وفي سبيل الله} المجاهدين الجهاد الأكبر مع كفار النفوس والهوى والشيطان والدنيا {وابن السبيل} المسافرون عن أوصاف الطبيعة وعالم البشرية، السائرون إلى الله على أقدام الشريعة والطريقة {فريضة من الله} أوجبها على ذمة كرمه كما قال"حديث : ألا من طلبني وجدني"تفسير : {والله عليم} بطالبيه {حكيم} في معاونتهم بعد الطلب كقوله"حديث : من تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً"تفسير : {ويقولن هو أذن} رأوا محامده بنظر المذمة والعيب {قل أذن خير لكم} أي سامعيته خير لكم لأن له مقام السامعية يسمع ما يوحى إليه {يؤمن بالله} عياناً {ويؤمن للمؤمنين} لأن فوائد إيمانه تعود إليهم كما تعود إلى نفسه {ورحمة للذين آمنوا} لأنهم يهتدون بهداه {والذين يؤذون رسول الله} بأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم {يحذر المنافقون} والحذر لا يغني عن القدر {أن نعف عن طائفة} إظهاراً للفضل والرأفة {نعذب طائفة} إظهار للقهر والعزة ولكن إظهار اللطف بلا سبب. وإظهار القهر لا يكون إلا بسبب أنهم كانوا مجرمين و {بعضهم من بعض} لأن أرواحهم كانت في صف واحد في الأزل فمعاملاتهم من نتائج خصوصيات أرواحهم {نسوا الله} ولو ذكروه قبل الإتيان بالمعاصي لم يفعلوا ما فعلوا، ولو ذكروه بعد الإتيان لاستغفروا فغفر لهم {هي حسبهم} لأنها نصيبهم في الأزل {كانوا أشد منكم قوة} بالاستعداد الفطري وضيعوها في الاستمتاع العاجل فخسروا رأس المال ولم يربحوا.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَاءِ...} الآية: {إِنَّمَا } في هذه الآيةِ حاصرةٌ تقتضي وقوفَ الصَدقاتِ على الثمانيةِ الأصناف، وإِنما أُخْتُلِفَ في صُورَة القِسْمَةِ، ومَذْهَب مالكٍ وغيره؛ أَنَّ ذَلِكَ عَلى قَدْر ٱلاجتهاد، وبحسب الحاجة، وأما الفقيرُ والمِسْكين، فقال ابن عبَّاس والحسن ومجاهدٌ والزُّهْرِيُّ وابن زَيْد وغيرهم: المَسَاكِينُ: الذين يَسْعَوْنَ وَيَسْأَلُونَ، والفقراء: الذين يتصَاوَنُون، وهذا القولُ أحسنُ ما قيل في هذا، وتحريره أن الفقيرَ هو الذي لا مَالَ له إِلا أنه لم يذلَّ نفسه، ولا يذلُّ وجهه؛ وذلك إِما لتعفُّفٍ مُفْرِطٍ، وإِما لِبُلغَةٍ تكون له، كالحَلُوبة وما أشبهها، والمسكينُ هو الذي يقترن بفقره تذلُّل وخضوعٌ وسؤالٌ، فهذه هي المَسْكَنَة؛ ويقوِّي هذا أن اللَّه سبحانه قد وَصَف بني إِسرائيل بالمَسْكَنة، وقَرَنها بالذِّلَّة مع غناهم، وإِذا تأمَّلت ما قلناه، بَانَ أنهما صِنْفان موجُودَان في المسلمين. * ت *: وقد أكْثر الناس في الفَرْق بين الفَقِير والمِسْكِين، وأوْلَى ما يعوَّل عليه ما ثَبَتَ في ذلك عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقد رَوَى مالكٌ، عن أبي الزِّنَادِ عن الأعرج عن أبي هريرة؛ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « حديث : لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، إِنَّمَا المِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلاَ يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ »تفسير : ، انتهى. وأوَّل أبو عمر في «التمهيد» هذا الحديثَ، فقال: كأنه أراد - واللَّه أعلم - ليس المسكينُ على تمامِ المَسْكَنة، وعلى الحقيقة إِلا الذي لا يَسْأَلُ النَّاس. انتهى. وأَمَّا العاملون: فهم جُبَاتها يستنيبهم الإِمامُ في السعْي على الناس، وجَمْعِ صَدَقَاتهم، قال الجُمْهور: لَهُمْ قَدْر تعبهم ومؤنتهم، وأما {ٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ}، فكانوا مُسْلِمين وكافرينَ مستَتِرِينَ مُظْهرين للإِسلام؛ حتى وثَّقه ٱلاستئلافُ في أكثرهم، وٱستئلافهم إِنما كان لِتُجْلَبَ إلى الإِسلام مَنْفَعة، أو تُدْفَعَ عنه مَضَرَّة، والصحيحُ بَقَاءُ حكمهم؛ إِن ٱحتيجَ إِليهم، وأَما {ٱلرِّقَابِ }، فمذْهَبُ مالك وغيره هو ٱبتداءُ عِتْق مؤْمِن، وأما الغَارِمُ: فهو الرجُلُ يرْكَبه دَيْن في غير مَعْصِيَة ولا سَفَه، كذا قال العلماء، وأما {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}، فهو الغازِي، وإِن كانَ مَلِيًّا ببَلَده، وأمَّا {ٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ }، فهو المسافِرُ، وإِن كان غنيًّا ببلده، وسمي المُسَافِرِ ابْنَ السبيلِ لملازمته السبيلِ. ومَنِ ٱدَّعَى الفقْر صُدِّق إِلاَّ لريبة؛ فيكلَّف حينئذٍ البيِّنة، وأمَّا إِن ٱدعَى أنه غارمٌ أو ٱبْنُ السبيل أو غازٍ، ونحو ذلك مما لا يُعْلَم إِلا منه، فلا يعطَى إِلا ببينة، وأهلُ بلد الصَّدقة أَحقُّ بها إِلا أن تَفْضُل فضلةٌ، فتنقل إِلى غيرهم. قال ابنُ حَبِيب: وينبغي للإِمام أن يأمِر السُّعَاة بتَفْريقها في المواضِعِ التي جُبِيَتْ فيها، ولا يحمل منها شيْءٌ إِلى الإِمام، وفي الحديثِ: «حديث : تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ»تفسير : . وقوله سبحانه: {فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ }: أي: موجبةً محدودةً.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ} الآية. اعلم أنَّ المنافقين لمَّا لمزوا الرسول عليه الصلاة والسلام في الصدقات، بيَّن لهم أنَّ مصرف الزكاة هؤلاء، ولا تعلق لي بها، ولا آخذ لنفسي نصيباً منها. وقد ذكر العلماء في الحكمة في وجوب الزكاة أموراً: منها: قالوا: شكر النِّعمة عبارة عن صرفها إلى طلب مرضاة المنعم، والزكاة شكر النعمة. فوجب القولُ بوجوبها؛ لأنَّ شكر المنعم واجب. ومنها: أنَّ إيجاب الزكاة توجب حصول الألفة بالمودَّة، وزوال الحقد والحسد بين المسلمين فهذه وجوهٌ معتبرةٌ في الحكمة الناشئة لوجوب الزَّكاة. ومنها: أنَّ الفاضل عن الحاجات الأصلية إذا أمسكه الإنسان عطَّله عن المقصود الذي لأجله خلق المالُ، وذلك سعي في المنع من ظهور حكمة الله تعالى، وهو غير جائز، فأمر الله بصرف طائفة منه إلى الفقير حتَّى لا تتعطل تلك الحكمة. ومنها: أنَّ الفقراء عيالُ الله، لقوله تعالى {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا}تفسير : [هود:6] والأغنياء خزان الله؛ لأنَّ الأموال التي في أيديهم لله تعالى، ولولا أن الله ألقاها في أيديهم، لما ملكوا منها حبة واحدة. ومنها: أنَّ المال بالكليَّة في يد الغني مع أنَّه غير محتاج إليه، وإهمال جانب الفقير العاجز عن الكسب بالكليَّة، لا يليقُ بحكمة الرحيم؛ فوجب أن يجب على الغنيّ صرف طائفة من ذلك المال إلى الفقير. ومنها: أنَّ الأغنياء لو لم يقوموا بمهمات الفقراء ربّما حملهم شدة الحاجة ومضرة المسكنة على الالتحاق بأعداء المسلمين، أو على الإقدامِ على الأفعال المنكرة كالسرقة وغيرها؛ فإيجاب الزكاة يفيد هذه الفائدة؛ فوجب القول بوجوبها وقيل غير ذلك. فصل كلمة "إنَّما" للحصر، فدلَّت على أنه لا حق في الصدقات لأحد إلاَّ لهذه الأصناف الثمانية وذلك مجمع عليه، ويدلُّ على أنَّ كلمة "إنَّما" للحصر؛ لأنها مركبة من "إن" و "ما"، و "إن" للإثبات و "ما" للنفي، واجتماعهما يوجب بقاءهما على ذلك المفهوم، وكذلك تمسَّك ابنُ عبَّاسٍ في نفي ربا الفضل بقوله عليه الصلاة والسلام "حديث : إنَّما الرِّبَا في النَّسيئَةِ"تفسير : ، وتمسك بعض الصحابة في أن الإكسال لا يوجب الاغتسال بقوله عليه الصلاة والسلام "حديث : إنما الماءُ من الماءِ"تفسير : ، ولولا إفادتها الحصر، لما كان كذلك، وقال تعالى {أية : إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ}تفسير : [النساء:171] فدلَّت على نفي إلهية الغير؛ وقال الأعشى: [السريع] شعر : 2802- ولسْتَ بالأكْثَرِ منهُم حَصًى وإنَّما العِزَّةُ لِلكَاثِرِ تفسير : وقال الفرزدق: [الطويل] شعر : 2803- أنَا الذَّائدُ الحَامِي الذِّمارَ وإنَّما يدافعُ عنْ أحسابهِمْ أنَا أوْ مِثْلِي تفسير : فدلَّت هذه الوجوه على أنَّ كلمة "إنَّما" للحصر. وروى زياد بن الحارث الصُّدائي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته فأتاه رجل فقال أعطني من الصَّدقة فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنَّ اللهَ لَمْ يرضَ بحُكْم نبي، ولا غيره في الصَّدقاتِ حتَّى حكم فيها فجَزَّأها ثمانيةَ أجزاء، فإنْ كنتَ من تلكَ الأجزاءِ أعطيتُك حقَّك ". تفسير : فصل مذهب أبي حنيفة: أنه يجوز صرف الصَّدقة إلى بعض الأصناف، وهو قول عمر وحذيفة، وابن عباسٍ، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والنخعي. قال سعيدُ بن جبير: لو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقرأ متعففين فحبوتهم بها كان أحب إليَّ وقال الشافعي لا بُدَّ من صرفها إلى الأصناف الثمانية وهو قول عكرمة، والزهري وعمر بن عبد العزيز واحتج بظاهر الآية. قال ولا بدَّ في كلِّ صنف من ثلاثة، فإن دفع سهم الفقراء إلى فقيرين ضمن نصيب الثالث، وهو ثلث سهم الفقراءِ قال: ولا بد من التسوية في أنصباء هذه الأصناف الثمانية، مثاله لو وجد خمسة أصناف، ولزمه أن يتصدَّق بعشرة دراهم؛ لزمه أن يجعل العشرة خمسة أسهم. واختلفوا في صفة الفقير والمسكين، فقال ابن عباسٍ، والحسنُ، ومجاهدٌ، وعكرمةُ والزهريُّ: الفقير: الذي لا يسأل، والمسكين: السَّائل. قال ابن عمر: ليس بفقير من جمع الدرهم إلى الدرهم والتمرة إلى التمرة، ولكن الفقير من أنقى نفسه وثيابه ولا يقدر على شيء: {أية : يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ}تفسير : [البقرة:273]. وقال قتادة: الفقير: المحتاج الزَّمِنُ، والمسكين: الصحيح المحتاج. وروي عن عكرمة الفقراء من المسلمين، والمساكين من أهل الكتاب. وقال الشافعي الفقير من لا مال ولا حرفةَ تقع منه موقعاً زمناً كان أو غير زمن، والمسكين من له مال أو حرفة لا تغنيه سائلاً كان أو غير سائل. واستدل بقوله: {أية : أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ}تفسير : [الكهف:79] فأثبت لهم ملكاً، وكان عليه الصلاة والسلام يتعوذ من الفقر، وقال: كاد الفقرُ أن يكون كُفْراً. وكان يقول: اللَّهُمَّ أحْيِني مِسْكيناً وأمِتْنِي مسْكِيناً، فكيف كان يتعوذ من الفقر، ويسأل ما هو دونه وهذا تناقض؟ وقال أصحاب الرأي: الفقيرُ أحسن حالاً من المسكين. وقيل: الفقير من له المسكن والخادم والمسكين من لا ملك له، وقالوا كل محتاج إلى شيء فهو فقير إليه، وإن كان غنياً عن غيره قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ}تفسير : [فاطر:15]، والمسكين المحتاج إلى كلِّ شيءٍ ألا ترى كيف حضَّ على طعامه، وجعل طعام الكفارة له، ولا فاقة أشد من الحاجة إلى سد الجوعة. وقال إبراهيمُ النخعيُّ: الفقراء هم المهاجرون، والمسكين من لم يهاجر، وقيل: لا فرق بين الفقراء والمساكين فالله تعالى وصفهم بهذين الوصفين، والمقصود شيءٌ واحد، وهو قول أبي يوسف ومحمد. وفائدة الخلاف تظهر في مسألة: وهي أنَّه لو أوصى لفلان وللفقراء والمساكين، فالذين قالوا: الفقراء غير المساكين، قالوا: لفلان الثلث، والذين قالوا: الفقراء هم المساكين قالوا لفلان النصف. واختلفوا في حدِّ الغني الذي يمنع أخذ الصَّدقة، فقال الأكثرون: حده أن يكون عنده ما يكفيه وعياله سنة، وهو قول مالك، والشافعي. وقال أصحاب الرأي: حدُّه أن يملك مائتي درهم. وقيل: من ملك خمسين درهماً، لا يحلُّ له أخذ الصدقة. روي أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: حديث : مَنْ سَألَ النَّاسَ ولهُ ما يُغْنِيه جاء يوم القيامةِ ومسْألتُهُ في وجهه خُموش أو خُدُوش. قيل: وما يُغنيهِ؟ قال: "خَمْسُونَ دِرْهماً أو قيمتها من الذَّهب"تفسير : ، وهو قول الثوري، وابن المباركِ، وأحمد وإسحاق وقالوا: لا يجوزُ أن يعطى الرجل من الزكاة أكثر من خمسين، وقيل: أربعون درهماً لقول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : مَنْ سَأل ولهُ أوقيةٌ أو عَدْلُهَا فقدْ سَألَ إلْحَافاً ". تفسير : قوله: {وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} وهم السُّعاةُ لجباية الصدقة، يعطون بقدر أجور أمثالهم. وقال مجاهدٌ والضحاكُ: يعطون الثمن، ولا يجوزُ أن يكُون العاملُ على الصدقة هاشمياً ولا مطلبياً؛ لأنَّ الرسول - عليه الصلاة والسلام - أبَى أن يبعث أبا رافع عاملاً على الصَّدقاتِ وقال: أما علمت أن مولى القومِ منهم. قوله: {وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} قال ابنُ عباسٍ: هم أشراف من الأحياء أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، وكانوا خمسة عشر رجلاً: أبُو سفيانَ، والأقرعُ بنُ حابسٍ، وعيينةُ بن حصنٍ، وحويطبُ بنُ عبد العزى، وسهلُ بنُ عمرو من بني عامر، والحارثُ بنُ هشام، وسهيلُ بن عمرو الجهنيُّ، وأبُو السنابل، وحكيم بن حزامٍ، ومالكُ بن عوف وصفوانُ ابنُ أمية، وعبد الرحمن بنُ يربوع، والجدُّ بنُ قيس، وعمرو بنُ مرداس، والعلاءُ بنُ الحرث، حديث : أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلَّ رجل منهم مائة من الإبل ورغبهم في الإسلام، إلاَّ عبد الرحمن بن يربوع أعطاه خمسين من الإبل، وأعطى حكيم بن حزام سبعين من الإبل، فقال: يا رسول الله ما كنت أرى أنَّ أحداً من النَّاس أحق بعطائك مني فزاده عشرة، وهكذا حتى بلغ مائة، ثم قال حكيمٌ: يا رسول الله، أعطيتك الأولى التي رغبت عنها خير أم هذه التي قنعت بها؟ فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: بل التي رغبت عنها، فقال: والله لا آخذ غيرهافقيل: مات حكيم وهو أكثر قريش مالاً، وشقَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك العطايا، لكن ألفهم بذلك. تفسير : قال ابنُ الخطيبِ: وهذه العطايا إنَّما كانت يوم حنين، ولا تعلق لها بالصدقات، ولا أدري لأي سبب ذكر ابنُ عبَّاسٍ هذه القصة في تفسير هذه الآية وإنَّما ذكر ابنُ عباسٍ ذلك بياناً للمؤلَّفة من هم، فذكر ذلك مثالاً. واعلم أنَّ المؤلفة قسمان، مسلمون وكفار، فأمَّا المسلمون فيعطون لأجل قوَّة إيمانهم أو معونتهم على أخْذِ الزَّكاة ممَّن امتنع عن دفعها، أو ترغيباً لأمثالهم في الإسلام وأما الكُفَّار؛ فيعطون ترغيباً لهم في الإسلام، أو خشية من شرهم، كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم صفوان بن أمية لمَّا رأى من ميله في الإسلام. قال الواحديُّ إنَّ الله تعالى أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين، فإن رأى الإمامُ في ذلك مصلحة يعود نفعها على المسلمين إذا كانوا مسلمين جاز، ويعطون من الفيء لا من الزَّكاة. وقال جماعةٌ من أهل العلم: إنَّ المؤلفة منقطعة، وسهمهم ساقط، روي ذلك عن عمر وهو قول الشعبي، وبه قال مالكٌ، والثوريُّ، وأصحاب الرأي وإسحاق بن راهويه وقال قومٌ: سهمهم ثابت مروي ذلك عن الحسنِ، وهو قول الزهري، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي ثور، وقال أحمدُ: يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك. قوله: وفِي الرقابِ قال الزجاجُ فيه محذوف، والتقديرُ: "وفي فك الرقاب" وقد تقدم الكلامُ في تفسير "الرقاب" في قوله: {أية : وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ}تفسير : [البقرة:177]. ثمَّ في تفسير "الرقاب" أقوال: أحدها: أنَّهم المكاتبون ليعتقوا من الزكاة، وقال مالكٌ وغيره: إنه لعتق الرقاب يشترى به عبيد فيعتقون. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة ولكن يعطى منها في رقبة ويعان بها مكاتب؛ لأن قوله: {وَفِي ٱلرِّقَابِ} يقتضي أن يكون له فيه مدخل، وذلك يُنَافِي كونه تاماً فيه، وقال الزهريُّ: سهم الرقاب نصفان، نصف للمكاتبين المسلمين، ونصفٌ يشترى به رقاب ممَّن صلوا وصاموا. قال بعض العلماء: والاحتياط في سهم الرقاب دفعه إلى السَّيد بإذن المكاتب؛ لأنَّه تعالى أثبت الصدقات للأصناف الأربعة المتقدم ذكرهم بلام التمليك بقوله: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ} ولمَّا ذكر "الرقاب" أبدل حرف اللام بحرف "في" فقال: "وفِي الرِّقابِ" فلا بدَّ لهذا الفرق من فائدة، وهي أنَّ الأصنافَ الأربعة يدفع إليهم نَصِيبُهُمْ. وأما الباقون فيصرف نصيبهم في المصالح المتعلقةِ بهم لا إليهم. قال الزمخشري: "فإن قلت: لِمَ عدل عن اللاَّمِ إلى "فِي" في الأربعة الأخيرة؟ قلت: للإيذان بأنَّهم أرسخُ في استحقاقِ التصدُّق عليهم ممَّن سبق ذكرهُ؛ لأنَّ "في" للوعاء، فنبَّه على أنهم أحقاءُ بأن توضع فيهم الصدقات وجعله مظِنَّة لها ومصَبّاً". ثم قال: "وتكرير "في" في قوله: {وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين". قوله: والغَارمينَ قال الزجاجُ: أصل الغرم في اللغةِ: لزوم ما يشق، والغرام العذاب اللاَّزم، وسمي العشق غراماً، لكونه شاقاً على الإنسان ولازماً له، ومنه: فلان مغرم بالنِّساءِ إذا كان مولعاً بهنَّ، وسمي الدَّين غراماً، لكونه شاقاً، والمرادُ بالغارمين المديونون، فالدَّيْنُ إن حصل بسبب معصيةٍ لا يدخلُ في الآية؛ لأنَّ المقصود من صرف المال إليه الإعانة، والمعصية لا تستوجب الإعانة، وإن حصل لا بسبب معصية فهو قسمان: دينٌ حصل بسبب نفقات ضرورية أو في مصلحة، ودين بسبب حمالات وإصلاح ذات بين، والكل داخل في الآية. روى الأصمُّ في تفسيره حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا قضى بالغرة في الجنين قالت العاقلة: لا نملك الغرَّة يا رسول الله، فقال لحمل بن مالك بن النَّابغة أعنهم بغرة من صدقاتهم تفسير : وكان حمل على الصدقة يومئذ. قوله: {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} قال المفسِّرون: يعني الغزاة، قال أكثرُ العلماء: يجوز له أن يأخذ من الزَّكاة وإن كان غنياً. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يعطى الغازي إلاَّ مع الحاجة. ونقل القفالُ في تفسيره عن بعض العلماء أنَّهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى، وبناء الحصون، وعمارة المساجد؛ لأن قوله: {وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} عام في الكل وقال أكثر أهل العلم: لا يعطى منه شيء في الحج. وقال قومٌ: يجوزُ أن يصرف سهم في سبيل الله إلى الحج، يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول الحسن، وأحمد، وإسحاق. قوله: {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} وهو كل من يريدُ سفراً مباحاً ولم يكن له ما يقطعُ به المسافة يعطى له قدر ما يقطع به تلك المسافة، وإن كان ذا يسار في بلده. وقال قتادةُ: ابن السبيل: هو الضعيف وقال فقهاءُ العراقِ: ابن السبيل: الحاج المنقطع. واعلم أنَّ مال الزَّكاة لا يخرج عن هذه الثمانية. واختلفوا هل يجوزُ وضعه في بعض الأصناف؟ إذا قلنا يجوز وضعه في بعض الأصناف، فإنَّما يجوز في غير العامل، فأمَّا وضعه بالكليَّةِ في العامل فلا يجوز بالاتفاق. فإن قيل: ما الحكمةُ في أنه تعالى ذكر الأصناف الستة وهم: الفقراء، والمساكين، والعاملون والمؤلفة، والرقاب، والغارمون، بصيغة الجمع، وذكر الصنفين الآخرين، وهما: في سبيل الله وابن السبيل بصيغة الإفراد؟ فالجوابُ: أنَّ المراد بهما الجنس هو جمع حقيقة، ولا يقال: هلاَّ ذكر الأصناف الستَّة بصيغة الإفراد ويكون المراد الجنس كهذين؛ لأنا نقول: لو أفرد في الجميع، فلا يخلو إمَّا أن يفردهم معرفين بالألف واللام للعهد؛ فينصرف بين السَّامع إلى صرف الزَّكاة إلى معهودٍ سابق معين وليس هو المقصود من الآية بالإجماع، وإن أفردهم منكرين، فهم منه أنَّ الزَّكاة لا يجوز دفعها إلى فقير واحد، أو مسكين واحد، وكذلك سائرها، ولا يجوزُ دفعها لاثنين فما زاد، وهو خلاف الإجماع فصل والسَّبيل: الطريقُ، ونسب المسافر إليها لملازمته إيَّاها، ومروره عليها قال بعضُ العلماءِ: إذا كان المسافر غنيّاً في بلده، ووجد من يسلفه فلا يعطى وهو الصحيح. ولا يلزمه أن يدخل تحت مِنَّة أحد إذا وجد منة تعالى. فصل إذا جاء وادَّعى وصفاً من الأوصاف الثمانية، هل يقبل قوله أو يقال: أثبت ما تقولُ؟ أمَّا الدَّينُ فلا بدّ أن يثبته، وأمَّا البقية فظاهرُ الحال يَكْفِي. قوله: "فَرِيضَةً" في نصبها وجهان: أحدهما: أنَّها مصدرٌ على المعنى لأنَّ معنى {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ} في قوة: فرض الله ذلك. والثاني: أنَّها حالٌ من الفقراء، قاله الكرماني، وأبُو البقاءِ. يعنيان من الضمير المستكن في الجار، لوقوعه خبراً، أي: إنَّما الصدقاتُ كائنة لهم حال كونها فريضة، أي: مفروضة. ويجوزُ أن يكون فريضةً حينئذٍ بمعنى مفعولة، وإنَّما دخلت التاء، لجريانها مجرى الأسماء، كـ "النَّطيحة". ويجوزُ أن يكون مصدراً واقعاً موقع الحال، ونُقل عن سيبويه أنَّ "فريضةً" منصوبٌ بفعلها مقدراً، أي: فرض الله ذلك فريضةً. ونقل عن الفرَّاء أنَّها منصوبة على القطع. ثم قال: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بمقادير المصالح {حَكِيمٌ} لا يشرع إلاَّ ما هو الأصوب والأصلح. فصل وهذه الآية المراد بها فريضة الزكاة، فأمَّا صدقة التطوع فيجوزُ دفعها إلى هؤلاء وإلى غيرهم، من بني هاشم ومواليهم، ومن لا يجوز لهم أخذ الزكاة الواجبة، يجوزُ له الأخذ إذا كان غارماً أو مؤلفاً، أو عاملاً. قوله تعالى: {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ} الآية. وهذا نوع آخر من طعن المنافقين، وهو أنَّهُم كانُوا يقولون في رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه أذن. نزلت في جماعة من المنافقين، كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضُهم لا تفعلوا فإنَّا نخافُ أن يبلغه ما نقولُ، فيقع بنا فقال الجلاس بنُ سويد: نقول ما شئنا، ثم نأتيه ونُنْكر ما قلنا، ونحلف فيصدِّقنا بما نقول، إنَّما محمدٌ أذنٌ، أي سامعة، يقال: فلان "أذنٌ وأذنٌ" على وزن "فُعُل"، إذا كان يسمع كل ما قيل ويقبله. وأصله من "أذن" له "أذَناً" إذا استمع، وقال محمد بن إسحاق بن يسار: حديث : نزلت في رجل من المنافقين يقال له: نبتل بن الحارث، وكان رجُلاً أزلم، ثائر الشعر، أحمر العينين، أسفع الخدين، مشوَّه الخلقة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث. تفسير : وكان ينمّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين، فقيل له: لا تفعل فقال: إنَّما محمد أذن، فمن حدَّثه شيئاً صدَّقه؛ فنقول ما شئنا، ثُمَّ نأتيه فنحلف له، فيصدقنا، فنزلت الآية. قال الأصمُّ أظهر الله عن المنافقين وجوه كفرهم التي كانوا يسرونها، لتكون حجة للرسول، ولينزجروا، فقال: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ}تفسير : [التوبة:58] {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ}[التوبة:61] {أية : وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ}تفسير : [التوبة:75] إلى غير ذلك من الإخبار عن الغيوب، وكل ذلك دليل على كونه نبياً حقاً من عند الله. ومعنى "أذنٌ" أي: أنَّه ليس له ذكاء ولا بعد غور، بل هو سليمُ القلبِ، سريع الاغترار بكل ما يسمع. قوله: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ} "أذُنُ" خبر مبتدأ محذوف، أي: قل هو أذُنُ خيرٍ والجمهور على جَر خَيْرٍ بالإضافة، وقرأ الحسنُ، ومجاهدٌ، زيد بن علي وأبو بكر عن عاصم "أذُنٌ" بالتنوين، "خَيْرٌ" بالرفع، وفيها وجهان: أحدهما: أنَّها وصف "أذُن". والثاني: أن يكون خبراً بعد خبر، و "خير" يجوزُ أن يكون وصفاً، من غير تفضيل، أي: أذُنٌ ذُو خير لكم، ويجوزُ أن يكون للتفضيل - على بابها - أي: أكثر خيراً لكم. وجوَّز صاحب اللوامح أن يكون "أذُن" مبتدأ، و "خَيْر" خبرها، وجاز الابتداءُ هنا بالنكرة؛ لأنَّها موصوفةٌ تقديراً، أي: أذُنٌ لا يؤاخذكم من أذُنٍ يؤاخذكم، ويقال: رجَلٌ أذنٌ، أي: يسمع كل ما يقال، وفيه تأويلان: أحدهما: أنَّهُ سُمِّي بالجارحة؛ لأنَّها آلة السماع، وهي معظم ما يقصد منه؛ كقولهم للربيئة: عَيْنٌ. وقيل: المرادُ بـ "الأذُن" هنا الجارحة، وحينئذٍ يكونُ على حذفِ مضاف أي: ذُو أذن. والثاني: أنَّ الأذن وصفٌ على "فُعُل"، كـ "أنُف" و "شُلُل" يقال: أذِنَ يَأذَن، فهو أذُن؛ قال: [الطويل] شعر : 2804- وَقَدْ صِرْت أذْناً لِلوُشَاةِ سَمِيعَةً يَنالُونَ مِنْ عِرْضي ولوْ شِئْت ما نَالُوا تفسير : ومعنى قراءة عاصم: إن كان تقولون إنَّهُ أذُنٌ، فأذن خير لكم، يقبل منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم. ومعنى قراءة الجرِّ: أي: هو أذُنُ خير، لا أذُنُ شر وقرأ نافع "أذْن" ساكنة الذَّال في كلِّ القرآن، والباقون بالضَّم وهما لغتان مثل: عنق وظفر. ثم بيَّن كونه "أذُنُ خَيْرٍ" بقوله: {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ} فجعل تعالى هذه الثلاثة كالموجبة لكونه عليه الصلاة والسلام "أذُنُ خَيْرٍ"، أمَّا قوله {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} فلأنَّ كلَّ من آمن بالله كان خائفاً من الله، والخائف من الله لا يؤذي بالباطل. ويُؤمِنُ للمؤمنينَ أي: يسلمُ للمؤمنين قولهم، إذا توافقُوا على قولٍ واحدٍ وهذا بيان كونه سليم القلب. فإن قيل: لِمَ عدي الإيمان باللهِ بالباءِ، وإلى المؤمنين باللاَّم؟. فالجواب: أنَّ المراد بالإيمان بالله، المراد منه: التَّصديق الذي هو نقيض الكفر فعدي بالباء والإيمان المعدَّى إلى المؤمنين، معناه: الاستماع منهم والتسليم لقولهم فعدي باللاَّم، كقوله: {أية : وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا}تفسير : [يوسف:17] وقوله {أية : فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ}تفسير : [يونس:83] وقوله: {أية : أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ}تفسير : [الشعراء:111] وقوله {أية : آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ}تفسير : [طه:71]. وقال ابن قتيبة "هما زائدتان، والمعنى: يصدِّق الله، ويصدِّق المؤمنين" وهذا مردود؛ ويدلُّ على عدم الزيادةِ تغايرُ الحرف الزَّائد، فلو لم يُقصدْ معنًى مستقلٌ، لما غاير بين الحرفين. وقال المبرد: هي متعلقةٌ بمصدرٍ مقدّر من الفعل، كأنَّه قال: وإيمانه للمؤمنين وقيل: يقال: آمنتُ لك، بمعنى: صدَّقتكَ، ومنه {أية : وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا}تفسير : [يوسف:17]. قال شهابُ الدِّينِ وعندي أنَّ هذه اللاَّم في ضمنها "ما"، والمعنى: ويصدِّق للمؤمنين بما يُخبرونه به وقال أبُو البقاءِ: واللاَّم في للمؤمنين زائدةٌ، دخلت لتفرِّق بين "يُؤمن بمعنى: يُصدِّق، وبين "يؤمن" بمعنى: يثبت الإيمان وقوله: {وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ} فهذا أيضاً يوجبُ الخير به؛ لأنَّه يجري منكم على الظَّاهرِ، ولا يبالغ في التفتيش على بواطنكم، ولا يهتكُ أستاركم، فدلَّت هذه الأوصاف الثلاثة على وجوب كونه "أذُن خَيْرٍ" وقرأ الجمهورُ "ورَحْمَةٌ" رفعاً نسقاً على "أذُنُ" أي: وهو رحمة للذين آمنوا. وقال بعضهم: هو عطفٌ على "يُؤمن"، لأنَّ "يُؤمن" في محل رفع صفة لـ: "أذُن"، تقديره: أذُن يؤمن ورحمة. وقرأ حمزة والأعمش "ورحمةٍ" بالجر نسقاً على "خيرٍ" المخفوض بإضافة "أذُنُ" إليه، والجملةُ على هذه القراءة معترضةٌ بين المتعاطفين، تقديره: أذُنُ خيرٍ ورحمةٍ. وقرأ ابنُ أبي عبلة: "ورَحْمَةٌ" نصباً على أنَّه مفعول من أجله، والمعلل محذوف، أي: يأذن لكم رحمةً بكم، فحذف لدلالة قوله: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ}. فإن قيل: كل رحمة خير، فأي فائدة في ذكر الرحمة عقيب ذِكْر الخير؟ [فالجواب: إنَّ أشرف أقسام الخير هو الرحمة، فجاز ذكر الرحمة عقيب ذكر الخير] كقوله: {أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ}تفسير : [البقرة:98]. ولمَّا بيَّن كونه سبباً للخير والرحمة، بيَّن أنَّ كلَّ من آذاه استوجب العذاب الأليم لأنَّه يسعى في إيصال الخير والرحمة إليهم وهو يقابلون إحسانه بالإساءة، وخيره بالشَّر؛ فلذلك استوجبوا العذاب الأليم. قوله تعالى: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} الآية. وهذا نوع آخر من قبائح أفعال المنافقين، وهو إقدامهم على الأيمان الكاذبة، قال قتادةُ والسديُّ: اجتمع ناس من المنافقين، فيهم الجلاس بنُ سويدٍ، ووديعة بنُ ثابت فوقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن كان ما يقول محمد حقّاً فنحن شرٌّ من الحمير، وكان عندهم غلام من الأنصار، يقال له: عامر بن قيس، فحقَّروه، وقالوا هذه المقالة، فغضب الغلامُ وقال: والله إنَّ ما يقول محمد حق، وأنتم شرٌّ من الحمير ثم أتَى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فدعاهم، فسألهم؛ فحلفوا أنَّ عامراً كذَّاب وحلف عامر أنهم كذبة، فصدقهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم فجعل عامر يدعو ويقول اللَّهُمَّ صدق الصَّادق وكذب الكاذب، فأنزل اللهُ هذه الآية. وقال مقاتلٌ والكلبيُّ: نزلت في رهطٍ من المنافقين، تخلَّفُوا عن غزوة تبوك فلمَّا رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوهُ يعتذرون ويحلفون، فأنزل الله تعالى هذه الآية. قوله: {وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ}. إنَّما أفرد الضمير، وإن كان الأصلُ في العطف بـ "الواو" المطابقة، لوجوهٍ: أحدها: أنَّ رضا الله ورسوله شيءٌ واحد، {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ}تفسير : [النساء:80]، {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ}تفسير : [الفتح:10]؛ فلذلك جعل الضميرين ضميراً واحداً، تنبيهاً على ذلك. الثاني: أنَّ الضمير عائدٌ على المثنى بلفظِ الواحد بتأويل المذكور؛ كقول رؤبة: [الرجز] شعر : 2805- فِيهَا خُطُوطٌ من سوادٍ وبلق كأنَّهُ في الجِلْدِ توليعُ البَهَقْ تفسير : أي: كأن ذلك المذكور، وقد تقدم بيان هذا في أوائل البقرةِ. الثالث: قال المبرد: في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: واللهُ أحقُّ أن يرضوه ورسوله وهذا على رأي من يدَّعي الحذف من الثاني. الرابع - وهو مذهب سيبويه -: أنَّه حذف خبر الأوَّل، وأبقى خبر الثَّاني، وهو أحسنُ من عكسه، وهو قول المبرِّدِ؛ لأن فيه عدم الفصل بين المبتدأ أو خبره بالإخبار بالشيء عن الأقرب إليه؛ وأيضاً فهو متعين في قول الشَّاعر: [المنسرح] شعر : 2806- نَحْنُ بِمَا عندنَا وأنتَ بِما عِندكَ رَاضٍ والرَّأيُ مُختَلِفُ تفسير : أي: نحن راضون، حذف "راضُون"، لدلالةِ خبر الثاني عليه. قال ابنُ عطية: "مذهبُ سيبويه أنَّهُما جملتان، حذفت الأولى، لدلالة الثانية عليها". قال أبُو حيان: "إن كان الضمير في "أنَّهُمَا" عائداً على كلِّ واحدةٍ من الجملتين، فكيف يقول "حُذفت الأولى" والأولى لم تحذف، إنما حذفَ خبرها؟ وإن كان عائداً على الخبر وهو {أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} فلا يكونُ جملة إلاَّ باعتقاد أن يكون "أن يُرضُوهُ" مبتدأ وخبره "أحَقُّ" مقدماً عليه، ولا يتعيَّنُ هذا القول؛ إذْ يجوزُ أن يكون الخبرُ مفرداً بأن يكون التقدير: أحقُّ بأنْ تُرضُوه". قال شهابُ الدِّين: إنما أراد ابنُ عطية التقدير الأول، وهو المشهورُ عند المعربين يجعلون "أحقُّ" خبراً مقدَّماً، و "أن يُرْضوهُ" مبتدأ مؤخراً، والله ورسوله إرضاؤه أحقُّ. ولقد تقدم تحرير هذا في قوله: {أية : فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ}تفسير : [التوبة:13]. قوله {إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} شرطٌ جوابه محذوف أو متقدم. فصل قال القرطبيُّ "تضمَّنتْ هذه الآية قبول يمين الحالف، وإن لم يلزم المحلوف له الرضا، واليمين حق للمدَّعي، وأن يكون اليمينُ بالله عزَّ وجلَّ حسبُ. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ حَلفَ فليَحْلفْ باللهِ أو ليَصْمتْ، ومَنْ حُلفَ لَهُ فليُصدِّق ". تفسير : قوله: {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية. والمقصود من هذه الآية: شرح أحوال المنافقين الذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك. قرأ الجمهور "يَعْلمُوا" بياء الغيبة، رَدّاً على المنافقين، وقرأ الحسنُ، والأعرجُ "تَعْلَمُوا" بتاء الخطاب، فقيل: هو التفاتٌ من الغيبة إلى الخطابِ إن كان المرادُ المنافقين. وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأتى بصيغةِ الجمع تعظيماً؛ كقوله: [الطويل] شعر : 2807 - فإنْ شِئْتُ حرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ ............................. تفسير : وقيل: الخطابُ للمؤمنين. وبهذه التقادير الثلاثة يختلف معنى الاستفهام، فعلى الأول يكون الاستفهام للتقريع والتوبيخ، كقول الإنسان لمن حاول تعليمه مدة وبالغ في التعليم فلم يتعلم، يقال له ألمْ تتعلَّم؟ وإنما حسن ذلك؛ لأنَّهُ طال مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، وكثر تحذيره من معصية الله، والترغيب في طاعة الله. وعلى الثاني يكون للتعجب من حالهم، وعلى الثالث يكون للتقرير. والعلم هنا: يحتمل أن يكون على بابه، فتسدَّ "أن" مسدَّ مفعولين عند سيبويه، ومسدَّ أحدهما والآخرُ محذوفٌ عند الأخفش. وأن يكون بمعنى العرفان، فتسدَّ "أنَّ" مسدَّ مفعوله. و "مَنْ" شرطيَّة، و "فأنَّ لهُ نار" جوابها. وفتحت "أنَّ" بعد الفاءِ، لما تقدَّم في الأنعام. والجملةُ الشرطيةُ في محلِّ رفعِ خبر "أنَّ" الأولى وهذا تخريجٌ واضحٌ. وقد عدل عن هذا التخريج جماعة إلى وجوهٍ أخر، فقال الزمخشريُّ "ويجوزُ أن يكون "فأنَّ لَهُ" معطوفاً "أنَّه" على أنَّ جواب "مَنْ" محذوفٌ، تقديره: ألم يعلموا أنَّه من يُحادد الله ورسوله يهلكْ، فأنَّ لهُ نَار جَهَنَّمَ" وقال الجرمي والمبرد: "أنَّ" الثانية مكررةٌ للتَّوكيد، كأن التقدير: فلهُ نارُ جهنم، وكُرِّرت "أنَّ" توكيداً، وشبَّهه أبو البقاء بقوله تعالى: {أية : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ}تفسير : [النحل:119] ثم قال: {أية : إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا}تفسير : [النحل:119]، قال: والفاءُ على هذا جوابُ الشرط. وردَّ أبو حيان على الزمخشري قوله: بأنَّهم نصُّوا على أنَّه إذا حذف جوابُ الشَّرطِ، لزمَ أن يكون فعلُ الشرط ماضياً، أو مضارعاً مقروناً بـ "لَمْ"، والجوابُ على قوله محذوفٌ وفعل الشَّرطِ مضارعٌ غير مقترنٍ بـ "لَمْ" وأيضاً فإنَّا نجدُ الكلامَ تامّاً بدون هذا الذي قدَّره. ونُقل عن سيبويه أنَّه قال: الثانيةُ بدلٌ من الأولى. وهذا لا يصحُّ عن سيبويه، فإنَّه ضعيفٌ، أو ممتنع، وقد ضعفه أبو البقاءِ بوجهين: أحدهما: أنَّ الفاء تمانعُ من ذلك والحكمُ بزيادتها ضعيفٌ. والثاني: أنَّ جعلها بدلاً يوجب سقوط جواب "مَنْ" من الكلام. وقال ابنُ عطية "وهذا يُعترضُ بأنَّ الشَّيء لا يبدل منه حتى يستوفى، والأولى في هذا الموضع لم يأتِ خبرها بعد، إذ لم يأتِ جوابُ الشَّرط، وتلك الجملةُ هي الخبرُ، وأيضاً فإنَّ الفاء تُمانعُ البدل، فهي معنى آخر غير البدل فيقلقُ البدل". وقال بعضهم: فتحت على تقدير اللام، أي: فلأنَّ لهُ نار جهنم. وهذه كلُّها تكلُّفاتٌ، لا يحتاج إليها. فالأولى ما تقدم ذكره، وهو أن يكون "أنَّ لهُ نارَ جهنَّمَ" في محل رفع بالابتداء والخبر محذوفٌ، وينبغي أن يقدِّرَهُ متقدماً عليها، كما فعل الزمخشريُّ، وغيرُه، أي: فحقٌّ أنَّ لهُ نار جهنَّم. وقدَّرهُ غيره متأخراً، أي: فأنَّ له نار جهنَّمَ واجبٌ، كذا قدَّره الأخفش وردُّوه عليه بأنَّها لا يبتدأ بها. وهذا لا يلزمه، فإنَّه يجيز الابتداء بـ "أنَّ" المفتوحةِ من غير تقديم خبره. وغيره لا يجيز الابتداء بها إلاَّ بشرطِ تقدُّم "أمَّا"، نحو: أمَّا أنك ذاهبٌ فعندي، أو بشرط تقدُّم الخبر، نحو: عندي أنَّك منطلق. وقيل: "فأنَّ لهُ" خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: فالواجبُ أنَّ لهُ، وهذه الجملةُ التي بعد الفاء مع الفاءِ في محلِّ جزم، جواباً للشَّرط. وقرأ أبو عمرو فيما رواه أبو عبيدة، والحسن، وابن أبي عبلة: "فإنَّ" بالكسر وهي قراءةٌ حسنةٌ قوية، تقدَّم أنَّهُ قرأ بها بعضُ السبعة في الأنعام، وتقدَّم هناك توجيهها. والمحادّة: المخالفةُ، والمعاندةُ، ومجاوزةُ الحدِّ، والمعاداة. قيل: مشتقةٌ من الحد وهو حدُّ السِّلاح الذي يحاربُ به من الحديد. وقيل: من الحد الذي هو الجهةُ كأنه في حدِّ غير حدِّ صاحبه كقولهم: شاقَّه، أي: كان في شقٍّ غير شقِّ صاحبه وعاداه، أي: كان في عدوة غير عدوته. قال ابن عباس: معناه: يخالف الله وقيل: يحارب الله، وقيل: يعاند الله، وقيل: يعادي الله. واختار بعضهم قراءة الكسر، بأنَّها لا تحوج إلى إضمار، ولم يُرْوَ قوله: [الوافر] شعر : 2808- فَمَنْ يَكُ سَائِلاً عَنِّي فإنِّي وجِرْوةَ لا تُعارُ ولا تُبَاعْ تفسير : إلاَّ بالكسرِ. وهذا غيرُ لازمٍ، فإنَّه جاء على أحد الجائزين، و "خَالِداً" نصبٌ على الحال. قال الزجاج: "ويجوز كسر "أنّ" على الاستئناف بعد الفاءِ". وجهنم: من أسماء النار وحكى أهل اللغة عن العربِ: أنَّ البئر البعيدة القعر تسمى الجهنام، فيجوزُ أن تكون مأخوذة من هذا اللفظ، ومعنى بعد قعرها أنَّه لا آخر لعذابها، وتقدم معنى الخلود، والخزي: قد يكون بمعنى النَّدم، وبمعنى الاستحياء، والمراد به ههنا: النَّدم، لقوله: {أية : وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ}تفسير : [يونس:54]. قوله تعالى: {يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ} الآية. قال قتادة "هذه السُّورة كانت تُسمَّى الفاضحة، والحافرة، والمبعثرة، والمثيرة، أثارت مخازيهم ومثالبهم" قال ابن عباسٍ: "أنزل اللهُ تعالى ذكر سبعين رجلاً من المنافقين بأسمائهم، وأسماء آبائهم، ثم نسخ ذكر الأسماء رحمة على المؤمنين، لئلاَّ يُعيّر بعضهم بعضاً؛ لأن أولادهم كانوا مؤمنين". وقال الجبائيُّ: حديث : اجتمع اثنا عشر رجلاً من المنافقين على النِّفاقِ، وأخبر جبريل الرسول بأسمائهم، فقال عليه الصلاة والسلام: "إنَّ أناساً اجتمعُوا على كَيْت وكَيْت، فليقُومُوا وليعتَرِفُوا وليسْتغفِرُوا ربَّهم حتَّى أشفع لهُمْ" فلم يقوموا، فقال عليه الصلاة والسلام بعد ذلك "قُمْ يا فلانُ ويا فلانُ" حتى أتى عليهم ثم قالوا: نعترف ونستغفر فقال: "الآن أنَا كُنْتُ في أوَّل الأمْرِ أطيب نَفْساً بالشَّفَاعةِ، والله كانَ أسْرعَ في الإجابةِ، اخرُجُوا عنِّي" فلم يزلْ يقول حتى خرجوا بالكليَّةِ. تفسير : وقال الأصمُّ: حديث : إنَّ عند رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك وقف له على العقبة اثنا عشر رجلاً ليفتكوا به؛ فأخبره جبريل، وكانوا متلثمين في ليلة مظلمة، وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم، فأمر حذيفة بذلك فضربها حتى نحاهم ثم قال: "مَنْ عرفت من القوْمِ"؟ فقال: لم أعرف منهم أحداً، فذكر النبيُّ عليه الصلاة والسلام أسماءهم وعدهم له، وقال: "إنَّ جبريل أخبرني بذلك" فقال حذيفة: ألا تَبْعَثُ إليه فتقتلهم، فقال: "أكره أن تقول العرب قاتل أصحابه حتَّى إذا ظفر صار يقتلهم، بل يَكْفِينَاهُمُ اللهُ بالدبيلة" . تفسير : فإن قيل: الكافرُ منافق، فكيف يحذرُ نزول الوحي على الرسول - عليه الصلاة والسلام -؟ فالجوابُ، من وجوه: أحدها: قال أبُو مسلم: "هذا حذر أظهرهُ المنافقون استهزاء حين رأوا الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - يذكر كلَّ شيء ويدعي أنَّهُ عن الوحي، وكان المنافقُون يكذبون بذلك فيما بينهم، فأخبر الله رسوله بذلك، وأمره أن يعلمهم أنَّه يظهر سرهم الذي حذروا ظهره، ويدلُّ على ذلك قوله: استَهْزئُوا". وثانيها: أنَّ القوم وإن كانوا كافرين بدين الرسول إلا أنَّهم شاهدوا أنَّ الرسول - عليه الصلاة والسلام - كان يخبرهم بما يفسرونه، فلهذه التجربة وقع الحذر والخوف في قلوبهم. وثالثها: قال الأصمُّ: إنَّهم كانوا يعرفون كونه رسولاً حقاً من عند الله، إلاَّ أنَّ كفرهم كان حسداً وعناداً. ورابعها: معنى الحذر الأمر بالحذر، أي: ليحذر المنافقون ذلك. وخامسها: أنَّهم كانُوا شاكين في صحَّة نبوته، والشَّاك خائف، فلهذا خافوا أن ينزل عليه في أمرهم ما يفضحهم. قوله: "أَن تُنَزَّلَ" مفعولٌ به، ناصبه "يَحْذَرُ"، فإنَّ "يَحْذَرُ" متعدٍّ بنفسه كقوله تعالى: {أية : وَيُحَذِّرْكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ}تفسير : [آل عمران:28]، لولا أنه متعدِّ في الأصل لواحدٍ، لما اكتسب بالتضعيف مفعولاً ثانياً؛ ويدلُّ عليه أيضاً ما أنشده سيبويه: [الكامل] شعر : 2809- حَذِرٌ أمُوراً لا تَضِيرُ وآمِنٌ مَا لَيْسَ مُنْجِيَهُ مِنَ الأقْدَارِ تفسير : وفي البيت كلامٌ، قيل: إنه مصنوع. وقال المبردُ: إنَّ "حَذِر" لا يتعدَّى، قال: لأنَّهُ من هيئات النفس، كـ "فَزِع". وهذا غير لازم. فإنَّ لنا من هيئات النفس ما هو متعدٍّ كـ: "خاف"، وخشي، فإنَّ "تُنَزَّل" عند المبرد على إسقاط الخافض أي: مِنْ أن تُنَزَّل. وقوله: "تُنَبِّئُهُمْ" في موضع الرفع صفةً لـ "سورة". قال الزمخشريُّ "الضميرُ في قوله "عليهم" و "تنبّئهم" للمؤمنين، و "في قُلُوبهمْ" للمنافقين، ويجوزُ أيضاً أن تكون الضمائرُ كلها للمنافقين؛ لأنَّ السُّورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم، ومعنى "تُنبِّئُهم بما في قلوبهم" أنَّ السورة كأنَّها تقول لهم في قلوبكم كيت وكيت، يعني أنَّها تذيع أسرارهم إذاعة ظاهرة فكأنَّها تخبرهم بها". ثم قال: {قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ} هذا أمر تهديد، {إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ}. قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} الآية. قال الكلبي، ومقاتل، وقتادةُ: حديث : إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يسير في غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة نفر من المنافقين، اثنان يستهزئان بالقرآن والرسول، والآخر يضحك. قيل: كانوا يقولون: إنَّ محمداً يزعم أنه يغلب الروم، ويفتح مدائنهم، هيهات هيهات ما أبعده عن ذلك. وقيل: كانوا يقولون: إنَّ محمداً يزعمُ أنَّهُ نزل في أصحابنا المقيمين بالمدينة قرآن، وإنما هو قوله وكلامه، فأطلع اللهُ نبيهُ صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال: "احبسُوا الرَّكبَ عليَّ" فدعاهُم وقال لهُم: "قُلْتُم كذا وكذا" فقالوا: إنَّما كُنَّا نتحدثُ ونخوض في الكلامِ، كما يفعلُ الرَّكبُ لقطع الطريق بالحديث واللعب. تفسير : قال ابن عمر: حديث : رأيتُ عبد الله بن أبيّ يشتد قدام النبي صلى الله عليه وسلم والحجارة تنكيه، وهو يقولُ: "إنَّما كُنَّا نخوضُ ونلعبُ". ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "أباللهِ وآياتهِ ورسولهِ كُنتُم تَسْتهزِئُونَ". ولا يلتفتُ إليه. تفسير : وقال أبُو مسلم: قوله: {يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم} [التوبة:64] إنَّ القوم أظهروا هذا الخبر استهزاء، فبيَّن تعالى في هذه الآية أنَّهُ إذا قيل لهم: لِمَ فعلتُم ذلك؟ قالوا: لم نقل ذلك إلاَّ لأجل أنا كنا نخوض ونلعب. فصل في بيان أصل الخوض قال الواحديُّ: أصل الخوض الدخول في مائع مثل الماء والطين، ثم كثر حتى صار اسماً لكل دخول فيه تلويث وأذى، والمعنى: إنَّما كُنَّا نخوضُ في الباطل من الكلام كما يخوض الركب لقطع الطريق، فأجابهم الرسولُ بقوله: "أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون". قوله: "... أباللهِ..." متعلقٌ بقوله: "تَستهْزئُونَ". و "تَسْتهْزِئُونَ" خبرُ "كان" وفيه دليلٌ على تقديم خبر "كان" عليها؛ لأنَّ تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل، وقد تقدَّم معمول الخبر على "كان" فليَجُزْ تقديمه بطريق الأولى. وفيه بحث، وذلك أنَّ ابن مالك قدح في هذا الدَّليل، بقوله تعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ}تفسير : [الضحى:9، 10] قال: فـ "اليتيم"، والسائل قد تقدما على "لا" الناهية، والعاملُ فيهما ما بعدهما ولا يجوز تقديم ما بعد "لا" الناهية عليها، لكونه مجزوماً بها، فقد تقدَّم المعمولُ، حيث لا يتقدَّم للعامل ذكر، ذكر ذلك عند استدلالهم على جواز تقديم خبر "ليس" بقوله {أية : أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ}تفسير : [هود:8]. فصل فرق بين قولك: أتستهزىء بالله، وبين قولك: أبالله تستهزىء، فالأوَّلُ يقتضي الإنكار على عمل الاستهزاء، والثاني يقتضي الإنكار على إيقاع الاستهزاء في الله، كأنه يقول: هَبْ أنك تقدم على الاستهزاء إلا أنه كيف أقدمت على إيقاع الاستهزاء في الله كقوله تعالى: {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ}تفسير : [الصافات:47] والمقصود: ليس نفي الغول، بل نفي أن يكون خمر الجنَّة محلاًّ للغول. ومعنى الاستهزاء بالله: هو الاستهزاء بتكاليفِ الله، والاستهزاء بذكر الله، فإنَّ أسماء الله قد يستهزىء بها الكافرُ، كما أنَّ المؤمن يعظمها. والمرادُ بالاستهزء بـ "آيَاتِهِ" هو القرآن، وسائر ما يدلُّ على الدين، والرسول معلوم. قوله: {لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ}. نقل الواحديُّ عن أهل اللغة في لفظ الاعتذار قولين، الأول: أنَّه عبارة عن محو أثر الذنب، وأصله من: تعذرت المنازل، أي: دَرَسَتْ، وامَّحت آثارها؛ قال ابن أحمر: [البسيط] شعر : 2810- قَدْ كُنتَ تَعْرفُ آياتٍ فقدْ جَعَلتْ أطْلالُ إلفِكَ بالوَعْسَاءِ تَعْتَذِرُ تفسير : فالمعتذر يزاولُ محو ذَنْبِهِ. والثاني: قال ابنُ الأعرابي: أصله من العذر، وهو القطع، ومنه العُذْرة؛ لأنَّها تقطع بالافتراغ. ويقولون: اعتذرت المياه، أي: انقطعت، فكأنَّ المعتذر يحاولُ قطع الذمّ عنه. قوله: {قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} يدلُّ على أنَّ الاستهزاء بالدِّين كيف كان كفراً؛ لأنه استخفاف بالدين، والعمدة في الإيمان تعظيم الله تعالى، ويدل على أنَّ القول الذي صدر منهم كان كفراً في الحقيقة. فإن قيل: كيف قال {كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} وهم لم يكونوا مؤمنين؟ فالجواب: قال الحسنُ: أظهرتم الكفر بعد ما أظهرتم الإيمان. فصل قال ابنُ العربي: "لا يخلو ما قالوا من أن يكون جداً، أو هزلاً، وهو كيفما كان كفراً فإنَّ القول بالكفر كفر بلا خلاف بين الأئمة، قال تعالى: {أية : أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ}تفسير : [البقرة:67]. فصل اختلفوا في الهزل في سائر الأحكام كالبيع والنكاح والطلاق، قيل: يلزم وقيل: لا يلزم، وقيل: يفرق بين البيع وغيره. فيلزمُ في النكاح والطلاق، ولا يلزم في البيع وحكى ابنُ المنذر الإجماع في أن جدَّ الطلاق وهزله سواء. وروى أبو داود والترمذي والدارقطني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاثٌ جِدُّهُنَّ جد وهزلهُنَّ جِدّ، النِّكاحُ والطلاقُ والرَّجْعَةُ"تفسير : . قال الترمذيُّ "حديث حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم". قال القرطبي: "وفي الموطأ عن سعيد بن المسيِّب قال ثلاث ليس فيهن لعب النكاح والطلاق والعتق". قوله: "... إن نَعْفُ" قرأ عاصم "نَعْفُ" بنون العظمة، "نعذِّب" كذلك، "طَائفَة" نصباً على المفعول به، وهي قراءة أبي عبد الرحمن السُّلمي، وزيد بن علي. وقرأ الباقون "يُعْفَ" في الموضعين بالياء من تحت مبنياً للمفعول، ورفع "طَائفةٌ"، على قيامها مقام الفاعل والقائمُ مقام الفاعل في الفعل الأوَّلِ الجارُّ بعده. وقرأ الجحدريُّ "إن يَعْفُ" بالياء من تحت فيهما، مبنياً للفاعل، وهو ضميرُ الله تعالى، ونصب "طائفة" على المفعول به. وقرأ مجاهدٌ "تُعْف" بالتاء من فوق فيهما، مبنياً للمفعول، ورفع "طائفة"، لقيامها مقام الفاعل. وفي القائم مقام الفاعل في الفعل الأوَّل وجهان: أحدهما: أنَّهُ ضمير الذنوب، أي: إن تُعْفَ هذه الذنوب. والثاني: أنَّه الجارُّ، وإنَّما أنِّث الفعل حملاً على المعنى. قال الزمخشريُّ "الوجه التذكير؛ لأنَّ المسند إليه الظرفُ، كما تقول: سِيرَ بالدَّابة، ولا تقول: سِيرت بالدَّابة، ولكنه ذهب إلى المعنى، كأنه قيل: إن تُرْحَمْ طائفة فأنَّث لذلك، وهو غريبٌ". فصل قال مجاهدٌ: وابن إسحاق: الذي عُفِيَ عنه رجل واحد، وهو مخاشن بنُ حمير الأشجعي، يقال هو الذي كان يضحكُ ولا يخوض، وكان يمشي مجانباً لهم، وينكر بعض ما يسمع فلمَّا نزلت هذه الآية تاب من نفاقه، وقال: اللَّهُمَّ إني لا أزال أسمعُ آية تَقْرَعُني بها تقشعر الجلودُ، وتجب منها القلوبُ، اللهم اجعل وفاتي قتلاً في سبيلك، لا يقولُ أحدٌ: أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة ولم يعرف أحد من المسلمين مصرعه. فصل ثبت بالروايات أنَّ الطائفتين كانوا ثلاثة؛ فوجب أن تكون إحدى الطَّائفتين إنساناً واحداً. قال الزجاجُ: والطَّائفة في اللغةِ أصلها الجماعة؛ لأنَّها المقدار الذي يمكنها أن تطيف بالشيء ثم يجوز أن يسمى الواحد بالطائفة، قال تعالى {أية : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [النور:2]. وأقله الواحد، وروى الفراء بإسناده عن ابن عباس أنه قال: الطائفة الواحد فما فوقه، وقال تعالى: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا}تفسير : [الحجر:9]. قال ابن الأنباري: العرب توقع لفظ الجمع على الواحد، فتقولُ: خرج فلانٌ إلى مكَّة على الجمال، وقال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ}تفسير : [آل عمران:173] يعني: نعيم بن مسعود، ثم إنه تعالى علَّل تعذيبه لهم: {بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ}
البقاعي
تفسير : ولما أخبر عن لمزهم في الصدقات وقرر ما هو خير لهم إرشاداً إلى النجاة، علل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وبين أنه لا يفعل غيره لأنه الحق الذي لا يجوز في شرعه الأكمل غيره لمزوا أو تركوا زهدوا أو رغبوا فقال معبراً بأداة القصر على ما ذكر: {إنما الصدقات} أي هذا الجنس بجميع ما صدق من أفراده، والظاهر أنه قدم الأهم فالأهم، فلذا قال الشافعي: إن الفقير أشدهم حاجة لكونه ابتدأ به، فقال: {للفقراء} أي الذين لا شيء لهم أو لهم شيء يقع موقعاً من كفايتهم {والمساكين} أي الذين لا كفاية لهم بدليل{أية : أما السفينة}تفسير : [الكهف: 79] وأما{أية : مسكيناً ذا متربة} تفسير : [البلد: 16] فتقييده دل على أن المطلق بخلافه {والعاملين عليها} أي المؤتمنين في السعاية والولاية على جمعها {والمؤلفة قلوبهم} أي ليسلموا أو يسلم بسببهم غيرهم أو يثبتوا على إسلامهم؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: حديث : بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشيء فقسمه بين أربعة وقال: أتألفهم، فقال رجل: ما عدلت! فقال: يخرج من ضئضىء هذا قوم يمرقون من الدين. وفي رواية: فاستأذنه رجل في ضرب عنقه فقال: لا، دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم - الحديث. ولئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عادتفسير : . ولا يقال: إن العلة مقتضية لقتلهم لا للكف عنهم فإن عمله بالمقام الخضري - كما تقدم - أنه ما من كرامة لنبي إلا وله صلى الله عليه وسلم مثلها أو أعلى منها بنفسه أو بأحد من أمته. ولما فرغ من هذه الأصناف الأربعة الذين يعطون الصدقة في أيديهم يتصرفون فيها كيف شاؤوا، كما دل عليه التعبير باللام، ذكر الذين يعطون الصدقة لقضاء ما بهم كما دل عليه التعبير بـ "في" فقال: {وفي الرقاب} أي والمكاتبين بسبب فك رقابهم من الرق {والغارمين} أي الذين استدانوا في غير معصية، يصرف ما يعطونه إلى قضاء ديونهم فقط {وفي} أي والمجاهدين في {سبيل الله} أي الذي له الأمر كله بالنفقة والحمل والإعانة بالسلاح وغير ذلك، ونقل القفال عن بعض الفقهاء أنه عمم السبيل فأجاز صرفه إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وعمارة المساجد ونحوها {وابن السبيل} وهو المسافر المنقطع عن بلده، يعطى ما يوصله إليه، ففيه إشارة إلى أن رسولنا صلى الله عليه وسلم لم يفعل ما أدى إلى لمزهم له بسببه إلا بأمر حقاً، فإنا قد عينّا له أهل الصدقات فهو لا يعدل عنهم لشيء من الأشياء لأنه واقف عند ما يرضينا، فإن كانوا منهم أعطاهم وإلا منعهم رضي من رضي وسخط من سخط، وقد فرض ذلك، أو ثابتة للفقراء حال كونها {فريضة} كائنة {من الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً لعلمه بأن في ذلك أعظم صلاح، وهذا كالزجر عن مخالفة الظاهر {والله} أي الذي له جميع صفات الكمال {عليم} أي بالغ العلم بما يصلح الدين والدنيا ويؤلف بين قلوب المؤمنين {حكيم*} أي فهو يجعل أفعاله من الإحكام بحيث لا يقدر غيره على نقضها؛ قال أبو حيان: "إنما" إن كانت وضعت للحصر فالحصر مستفاد من لفظها، وإن كانت لم توضع للحصر فالحصر مستفاد من الأوصاف إذ مناط الحكم بالوصف يقتضي التعليل به، والتعليل بالشيء يقتضي الاقتصار عليه. وحكمة الزكاة من جهة المالك أن المال محبوب لأنه يحصل المحبوب والتمادي في حبه يوجب الإعراض عن الله المعطي له، فكان من الحكمة تذكير المالك له بالمالك الحقيقي في أنه أوجب عليه إخراج طائفة منه ليكف منه انصباب النفس بالكلية إليه ويطهر النفس عن محبتها له ويطهره عن محض الإنفاق في الشهوات، ومن جهة الآخذ أنه لما اجتمعت حاجته إليه وحاجة - المالك - ولو احتمالاً- كان هناك سببان للتسلط على المال: أحدهما اكتساب المالك له، والثاني احتياج الآخذ إليه، فروعي السببان بقدر الإمكان، ورجح المالك بإبقاء الكثير، وصرف إلى الآخذ اليسير. وأجرى الشافعي الآية على ظاهرها فقال: إن أخرجها ذو المال سقط سهم العامل مع سهم المؤلفة وصرف إلى الستة الأصناف، وإن قسم الإمام فعلى سبعة، ويجب أن يعطى من كل صنف ثلاثة أنفس، ومن لم يوجد من الأصناف رد نصيبه على الباقين ويستوي بين الأصناف لا بين آحاد الصنف. وقال أبو حنيفة: يجوز صرف الكل لواحد من الأصناف لأن الآية أوجبت أن لا تخرج الصدقة عنهم، لا أن تكون في جميع الأصناف - وهو قول عمر بن الخطاب وحذيفة وابن عباس رضي الله عنهم وسعيد بن جبير وعطاء وأبي العالية وميمون بن مهران. ولما بين الصنفين السالفين، وختم أمرهما بصفتي العلم والحكمة، أتبعهما بصنف آخر يؤذي بما يجعله نقصاً في صفات الرسول صلى الله عليه وسلم فليزم الطعن في علم مرسله وحكمته فقال: {ومنهم الذين يؤذون النبي} أي الذي أعلى الله مقداره، فهو ينبئه بما يريد سبحانه من خفايا الأسرار؛ ولما أخبر بمطلق الأذى الشامل للقول والفعل، عطف عليه قوله: {ويقولون هو} أي من فرط سماعه لما يقال له {أذن} ومرادهم أنه يصدق كل ما يسمع ويقبل قول كل أحد - كما سمي الجاسوس عيناً؛ قال أبو حيان: كان خذام بن خالد وعبيد بن هلال والجلاس بن سويد في آخرين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه فيوقع بنا، فقال الجلاس: بل نقول ما شئنا فإن محمداً أذن سامعة، ثم نأتيه فيصدقنا، فنزلت، وقيل غير ذلك. رجل أذن - إذا كان يسمع مقال كل أحد، يستوي فيه الواحد والجمع - انتهى. ومرادهم أنه صلى الله عليه وسلم لا يعرف مكر من يمكر به وخداع من يخادعه وكذبوا، هو أعرف الناس بذلك،ولكنه يعرض عند المصالح، لا يليق بمحاسن الدين غيرها، بينها تعالى بقوله: {قل أذن خير} ثم بين أن نفع ذلك عائد إليهم بقوله: {لكم} ثم فسر ذلك بقوله: {يؤمن} أي يوقع الإيمان للملائكة الذين يأتونه عن الله من التكذيب بأن يصدقهم معترفاً {بالله} أي بسبب ما يخبرونه عنه به حق الإيمان لما له من كمال العلم بما له سبحانه من صفات الجلال والإكرام؛ وحاصله أن فعل الإيمان ضمن فعل التصديق ثم حذف وانتزعت منه حال أقيمت مقامه ثم حذفت وأتى بصلة تدل عليها كما قالوا في قوله تعالى{ أية : ولتكبروا الله على ما هداكم} تفسير : [البقرة: 185] أن التقدير: حامدين على ما هداكم، فالتقدير هنا: يؤمن مصدقاً بالله، فهدذا حقيقته وهو يثمر محبة المؤمنين وولايتهم، ولذا أتبعه قوله: {ويؤمن للمؤمنين} أي الراسخين، يوقع الإيمان لهم من التكذيب بأن يصدقهم في كل ما يخبرونه به مما يحتمل التصديق، وذلك لأجل مصالحهم والتأليف بينهم مع ما ثبت من صدقهم، فإنه لو حملهم على عقله ومبلغ علمه يحبه الكاذب وعاقب الخائن بمجرد علمه وتفرسه، لقصرت عن ذلك غالب الأفهام وتاهت بسببه أكثر الأوهام، فنفرت القلوب ووقع من الأغلب الاتهام. ولما كان التصديق بوجود الإله على ما له من صفات الكمال المقتضي للأمر والنهي عدي بالباء، وهنا كان التصديق إنما هو للإخبار بأيّ شيء كان عدي باللام وأشير - بقصر الفعل وهو متعد - إلى مبالغة في التصديق بحيث كأنه لا تصديق غيره. ولما بين سبحانه أن تصديقه ظاهراً وباطناً إنما هو للراسخين في الإيمان، بين أن تصديقه لغيرهم إنما هو الظاهر فقال: {ورحمة} أي وهو رحمة {للذين آمنوا} أي أظهروا الإيمان بألسنتهم {منكم} فهو - والله أعلم - إشارة إلى المنافقين ومن في حكمهم ممن جزم لسانه وقلبه مزلزل، أي أن إظهار تصديقهم قبولاً لما ظهر منهم وستر قبائح أسرارهم سبب للكف عن دمائهم، وإظهار المؤمنين لمقتهم ربما كان ذلك سبباً لصدق إيمانهم بما يرون من محاسن الإيمان بتمادي الزمان، ولا يستبعد كون التعبير بالماضي إشارة إلى المنافقين لا سيما بعد التعبير باسم الفاعل، فقد قال الإمام أبو الحسن الحرالي في كتابه المفتاح ما نصه: الباب الرابع في رتب البيان عن تطور الإنسان بترقيه في درج الإيمان وترديه في درك الكفران: اعلم أن الله محيط بكل شيء خلقاً وأمراً أولاً وآخراً ظاهراً وباطناً وهو حمده، وله علو في ظهور أمره وكبير خلقه، واحتجاب في مقابل ذلك من خلقه وأمره بما أبداه من حكمته وأسباب هداه وفتنته، وذلك العلو هو إلهيته، والاحتجاب هو ملكه، وبينهما إقامة كل خلق لما خلق له وتأييد كل أمر من الأمرين لما أقيم له، وذلك هو ربانيته ولكل فتق من خلفه وأمره رتق سابق. ولكل تفاوت سواء، وذلك هو رحمانيته، ولكل أقرب في مدد الحجاب اختصاص وذلك هو رحيميته، ولكل أبعد في مدد الحجاب بطش منه شديد في رده إلى القرب وتلك هي نقمته، ولكل من تنزلاته العلية ظاهراً وباطناً أمر خاص، ولكل أمر خلق، يرد بيان القرآن لكل خلق بحسب كنه ذاته واختصاص رتبة قربه ومحل بعده، وأن الله سبحانه جعل آدم وذرأه خليفة له في جميع أمره وتفصيله، وأنزل القرآن بناء على جملة ذلك، فأردأ الأحوال لهذا المستخلف المحل الذي سمي فيه بالإنسان، وهو حيث أنس بنفسه وغيره ونسي عهد ربه، فيرد لذلك بناؤه بالذم في القرآن{أية : قتل الإنسان ما أكفره} تفسير : [عبس: 17] {أية : إن الإنسان لربه لكنود} تفسير : [العاديات: 6] ثم المحل الذي تداركه فيه تنبه لسماع الزجر من ربه، وهو له بمنزلة سن الميّز لابن سبع، ولا يقع إلا عن اجتماع وتراء، وذلك هو السن المسمون فيه بالناس لنوسهم، أي ترددهم بين سماع الزجر من ربهم وغلبة أهوائهم عليهم، فيرد لذلك بناؤهم بذم أكثرهم في القرآن{أية : ولكن أكثر الناس لا يعلمون } تفسير : [الأعراف: 187] - {ولا يشكرون} ثم المحل الذي يتحقق لهم قبول وسماع وإيمان لغائب الأمر والخلق، لكنهم يتزلزلون عنه كثيراً عند كل عارضة نيل خادعة رفعة، وهو لهم بمنزلة سن المحتلم الذي قد ذاق طعم بدو النطفة من باطنه الناجم العقل للنظر في حقائق المحسوسات، وذلك هو السن الذي يسعون فيه {الذين آمنوا} وهو أول سن التلقي، فلذلك جميع آداب القرآن وتعليمه إنما مورده أهل هذا السن، كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: إذا سمعت الله عز وجل يقول {يا أيها الذين آمنوا} فأعرها سمعك فإنه خير يأمر به أو شر ينهي عنه، وكما أن ما يخص البالغ العاقل من الخطاب لا يدخل فيه الصبي المميز، وما يخص المميز لا يدخل فيه البالغ، كذلك خطاب {الذين آمنوا} لم يصل إليه الناس بعد، وخطاب الناس قد جاوزه {الذين آمنوا} لأنهم قد انزجروا بما قبلت قلوبهم عما ينزجر عنه الناس، وقد ائتمروا بما يأتمر به الناس؛ وهذه الأسنان الخالية عند أولي البصائر، وخاص خطابها أشد ظهوراً من أسنان الأبدان عند أصحاب الأبصار، وعدم التبصرة بهذه المراتب في الأحوال والبيان هي أقفال القلوب المانعة من تدبر القرآن، وكذلك ما فوق سن "الذين آمنوا" من سن {الذين يؤمنون} وهم في أول حد القرب منزلة بلوغ الأشد، وسن {الذين آمنوا} و {الناس} في مدد حد البعد ولذلك يخاطبون بحرف "يا" المرسلة إلى حد البعد: {أية : يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله} تفسير : [الصف: 10] وفوق ذلك سن المؤمنين وأدنى قرباً، ولذلك لم يرد في القرآن في خطابهم {يا} البعد، وهذا السن بمنزلة الاكتهال وسن الشيب، وتمام سنهم {المؤمنون حقاً} وكذلك إلى سن {المحسنين} إلى غيب سن {الموقنين} إلى ما وراء ذلك، فإن أسنان الجسم أرابيع، وأسنان القلب أسابيع، يعرفها من تطور فيها، ويجهلها من نبت سن قلبه على الجهل وتطور سن جسمه إلى الهرم "يهرم ابن آدم ويشيب منه اثنتان: الحرص والأمل" فالحرص فقره ولو ملك الدنيا، والأمل همه وتعبه، فمن لم يتحقق أسنان القلب وتفاوت خطابها لم ينفتح له الباب إلى فهم القرآن، ومن لم يتضح له تنزلات الخطاب لم يبن له خطاب الله من خطاب الرحمن من خطاب الملك الديان - انتهى. ولما بين ما لمن صدقه باطناً أو ظاهراً من الرحمة، بين ما على من كذبه فآذاه من النقمة فقال: {والذين يؤذون} أي هؤلاء ومن غيرهم {رسول الله} أي الذي أظهر - وهو الملك الأعلى - شرفه وعظمته بالجمع بين الوصفين وأعلاه بإضافته إليه، وزاد في رفعته بالتبير باسمه الأعظم الجامع، وهو واسطة بين الحق والخلق في إصلاح أحوالهم فإنما يستحق منهم الشكر والإكرام لا الأذى والإيلام. ولما كان أذاهم مؤلماً جعل جزاءهم من جنسه فقال: {لهم عذاب أليم * } ثم علل ذلك باستهانتهم بالله ورسوله، وأخبر أنهم يخشون على دمائهم فيصلحون ظواهرهم حفظاً لها بالأيمان الكاذبة فقال: {يحلفون بالله} أي الذي له تمام العظمة {لكم} أي أنهم ما آذوا النبي صلى الله عليه وسلم خصوصاً ولا أولادكم بالمخالفة عموماً؛ وبين غاية مرادهم بقوله: {ليرضوكم}. ولما كان الرسول عليه الصلاة والسلام ليس بأذن بالمعنى الذي أرادوه، بين أنه لم يكن راضياً بإيمانهم لعدم وقوع صدقتهم في قلبه ولكنه أظهر تصديقهم لما تقدم من الإصلاح فقال: {والله} أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه {ورسوله} أي الذي هو أعلى خلقه، وبلغ النهاية في تعظيمه بتوحيد الضمير الدال على وحدة الراضي لأن كل ما يرضي أحدهما يرضي الآخر فقال: {أحق أن} أي بأن {يرضوه} ولما كان مناط الإرضاء الطاعة ومدار الطاعة الإيمان، قال معبراً بالوصف لأنه مجزأه: {إن كانوا مؤمنين*} أي فهم يعلمون أنه أحق بالإرضاء فيجتهدون فيه، وذلك إشارة إلى أنهم إن جددوا إرضاءه كل وقت كان دليلاً على إيمانهم، وإن خالفوه كان قاطعاً على كفرانهم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر قال "حديث : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله وهو يقسم قسماً، فأعرض عنه وجعل يقسم قال: أتعطي رعاء الشاء؟ والله ما عدلت. فقال: ويحك...! من يعدل إذا أنا لم أعدل؟ فأنزل الله هذه الآية {إنما الصدقات للفقراء...} الآية ". تفسير : وأخرج أبو داود والبغوي في معجمه والطبراني والدارقطني وضعفه عن زياد بن الحارث الصدائي قال: حديث : قال رجل "يا رسول الله أعطني من الصدقة. فقال: إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم هو فيها، فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك" . تفسير : وأخرج ابن سعد عن زياد بن الحرث الصدائي قال: بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء قوم يشكون عاملهم، ثم قالوا: يا رسول الله آخذنا بشيء كان بيننا وبينه في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا خير للمؤمن في الإِمارة، ثم قام رجل فقال: يا رسول الله أعطني من الصدقة. فقال: إن الله لم يكِل قسمها إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى أجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت جزأ منها أعطيتك وإن كنت غنياً عنها فإنما هي صداع في الرأس وداء في البطن ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور والطبراني وابن مردويه عن موسى بن يزيد الكندي قال: كان ابن مسعود يقرىء رجلاً، فقرأ {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} مرسلة، فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: وكيف أقرأكها؟ قال: أقرأنيها {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} فمدها. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نسخت هذه الآية كل صدقة في القرآن قوله {أية : وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل} تفسير : [الإِسراء: 26] وقوله {أية : إن تبدوا الصدقات} تفسير : [البقرة: 271] وقوله {أية : وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} تفسير : [الذاريات: 19]. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إنما الصدقات للفقراء والمساكين...} الآية. قال: إنما هذا شيء أعلمه الله إياه لهم، فأيما أعطيت صنفاً منها أجزاك. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ عن حذيفة في قوله {إنما الصدقات للفقراء...} الآية. قال: إن شئت جعلتها في صنف واحد من الأصناف الثمانية الذين سمى الله أو صنفين أو ثلاثة. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي العالية قال: لا بأس أن تجعلها في صنف واحد مما قال الله. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن الحسن وعطاء وإبراهيم وسعيد بن جبير. مثله. وأخرج ابن المنذر والنحاس عن ابن عباس قال: الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين الطوّافون. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وأبو الشيخ عن قتادة قال: الفقير الذي به زمانة، والمسكين المحتاج الذي ليس به زمانة. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب. أنه مرَّ برجل من أهل الكتاب مطروح على باب فقال: استكدوني وأخذوا مني الجزية حتى كف بصري، فليس أحد يعود عليَّ بشيء. فقال عمر: ما أنصفنا إذاً، ثم قال: هذا من الذين قال الله {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} ثم أمر له أن يرزق ويجري عليه. وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر في قوله {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} قال: هم زَمْنى أهل الكتاب. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: لا يعطي المشركون من الزكاة ولا من شيء من الكفارات. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: ليس بفقير من جمع الدرهم إلى الدرهم ولا التمرة إلى التمرة، إنما الفقير من انقى ثوبه ونفسه لا يقدر على غنى {أية : يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} تفسير : [البقرة: 273]. وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر بن زيد قال: الفقراء المتعففون، والمساكين الذين يسألون. وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري. أنه سئل عن هذه الآية فقال: الفقراء الذين في بيوتهم ولا يسألون، والمساكين الذي يخرجون فيسألون. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الفقير، الرجل يكون فقيراً وهو بين ظهري قومه وعشريته وذوي قرابته وليس له مال، والمسكين الذي لا عشيرة له ولا قرابة ولا رحم وليس له مال. وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك في الآية قال: الفقراء الذين هاجروا، والمساكين الذين لم يهاجروا. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال: يعطي من الزكاة من له الدار والخادم والفرس. وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم رضي الله عنه قال: كانوا لا يمنعون الزكاة من له البيت والخادم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {والعاملين عليها} قال: السعاة أصحاب الصدقة. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه قال: يعطي كل عامل بقدر عمله. وأخرج ابن أبي شيبة عن رافع بن خديج رضي الله عنه "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: العامل على الصدقة بالحق كالغازي حتى يرجع إلى بيته ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {والمؤلفة قلوبهم} قال: هم قوم كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسلموا، وكان يرضخ لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم من الصدقة فأصابوا منها خيراً قالوا: هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك، عابوه وتركوه. وأخرج البخاري وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال "حديث : بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه من اليمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة فيها تربتها، فقسمها بين أربعة من المؤلفة: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعلقمة بن علاثة العامري، وعينية بن بدر الفزاري، وزيد الخيل الطائي. فقالت قريش والأنصار: أيقسم بين صناديد أهل نجد ويدعنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما أتالفهم ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن يحيى بن أبي كثير رضي الله عنه قال "المؤلفة قلوبهم: من بني هاشم أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ومن بني أمية أبو سفيان بن حرب، ومن بني مخزوم الحارث بن هشام وعبد الرحمن بن يربوع، ومن بني أسد حكيم بن حزام، ومن بني عامر سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزي، ومن بني جمح صفوان بن أمية، ومن بني سهم عدي بن قيس، ومن ثقيف العلاء بن حارثة أو حارثة، ومن بني فزارة عينية بن حصن، ومن بني تميم الأقرع بن حابس، ومن بني نصر مالك بن عوف، ومن بني سليم العباس بن مرداس. أعطى النبي صلى الله عليه وسلم كل رجل منهم مائة ناقة مائة ناقة إلا عبد الرحمن بن يربوع وحويطب بن عبد العزى، فإنه أعطى كل واحد منهما خمسين". وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: المؤلفة قلوبهم الذين يدخلون في الإِسلام إلى يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك قال: المؤلفة قلوبهم قوم من وجوه العرب، يقدمون عليه فينفق عليهم منها ما داموا حتى يسلموا أو يرجعوا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن جبير قال: ليس اليوم مؤلفة قلوبهم. وأخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي رضي الله عنه قال: ليست اليوم مؤلفة قلوبهم، إنما كان رجال يتألفهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أن كان أبو بكر رضي الله عنه قطع الرشا في الإِسلام. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيدة السلماني قال: جاء عينية بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبي بكر فقالا: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ان عندنا أرضاً سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيت أن تعطيناها لعلنا نحرثها ونزرعها ولعل الله أن ينفع بها. فاقطعهما إياها وكتب لهما بذلك كتاباً واشهد لهما، فانطلقا إلى عمر ليشهداه على ما فيه، فلما قرآ على عمر ما في الكتاب تناوله من أيديهما فتفل فيه فمجاه، فتذمرا وقالا له مقالة سيئة، فقال عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتألفهما والإِسلام يومئذ قليل، وإن الله قد أعز الإِسلام فاذهبا فاجهد جهدكما لا أرعى الله عليكما إن أرعيتما. وأخرج ابن سعد عن أبي وائل. أنه قيل له: ما أصنع بنصيب المؤلفة؟ قال: زده على الآخرين. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله {وفي الرقاب} قال: هم المكاتبون. وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال: لا يعتق من الزكاة رقبة تامة ويعطى في رقبة، ولا بأس بأن يعين به مكاتباً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمر بن عبد العزيز قال: سهم الرقاب نصفان، نصف لكل مكاتب ممن يدَّعي الإِسلام، والنصف الباقي يشتري به رقاب ممن صلى وصام وقدم إسلامه من ذكر أو أنثى يعتقون لله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس. أنه كان لا يرى بأساً أن يعطي الرجل من زكاته في الحج، وأن يعتق منها رقبة. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أعتق من زكاة مالك. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن الحسن: أنه كان لا يرى بأساً أن يشتري الرجل من زكاة ماله نسمة فيعتقها. وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال: يعان فيها الرقبة ولا يعتق منها. وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: لا تعتق من زكاة مالك فإنه يجر الولاء. قال أبو عبيد: قول ابن عباس أعلى ما جاءنا في هذا الباب، وهو أولى بالاتباع وأعلم بالتأويل، وقد وافقه عليه كثير من أهل العلم. وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري. أنه سئل عن الغارمين. قال: أصحاب الدين، وابن السبيل وإن كان غنياً. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {والغارمين} قال: من احترق بيته، وذهب السيل بماله، وادّان على عياله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي جعفر في قوله {والغارمين} قال: المستدينين في غير فساد {وابن السبيل} قال: المجتاز من أرض إلى أرض. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله {والغارمين} قال: هو الذي يسأل في دم أو جائحة تصيبه {وفي سبيل الله} قال: هم المجاهدون {وابن السبيل} قال: المنقطع به يعطي قدر ما يبلغه. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله {وفي سبيل الله} قال: الغازي في سبيل الله {وابن السبيل} قال: المسافر. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ابن السبيل هو قال: الغازي في سبيل الله {وابن السبيل} قال: المسافر. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ابن السبيل هو الضيف الفقير الذي ينزل بالمسلمين. وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك في رجل سافر وهو غني، فنفد ما معه في سفره فاحتاج قال: يعطى من الصدقة في سفره لأنه ابن سبيل. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وفي سبيل الله} قال: حمل الرجل في سبيل الله من الصدقة {وابن السبيل} قال: هو الضيف والمسافر إذا قطع به وليس له شيء {فريضة من الله والله عليم حكيم} قال: ثمانية أسهم فرضهن الله وأعلمهن. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن ماجه وابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه فأهدى منها الغني ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه والنحاس في ناسخه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خموشاً أو كدوحاً. قالوا: يا رسول الله وماذا يغنيه؟ قال: خمسون درهماً، أو قيمتها من الذهب ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن عبدالله بن عمر. أنه سئل عن مال الصدقة فقال: شر مال، إنما هو مال الكسحان والعرجان والعميان وكل منقطع به. قيل: فإن للعاملين عليها حقاً، وللمجاهدين في سبيل الله. قال: أما العاملون فلهم بقدر عمالتهم، وأما المجاهدون في سبيل الله فقوم أحل لهم أن الصدقة لا تحل لغني، ولا لذي مرة سوى. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة في ثمانية أسهم. ففرض في الذهب، والورق، والإِبل، والبقر، والغنم، والزرع، والكرم، والنخل، ثم توضع في ثمانية أسهم. في أهل هذه الآية {إنما الصدقات للفقراء...} الآية كلها". وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : خففوا على المسلمين في خرصكم فإن فيه العرايا، وفيه الوصايا، فأما العرايا فالنخلة والثلاث والأربع وأقل من ذلك وأكثر، يمنحها الرجل أخاه ثمرتها فيأكلها هو وعياله، وأما الوصايا فثمانية أسهم {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} إلى قوله {والله عليم حكيم} . تفسير : وأخرج أحمد عن رجل من بني هلال قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : لا تحل الصدقة لغني، ولا ذي مرة سوى ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوى ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي عن عبيدالله بن عدي بن الخيار قال: حديث : أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها. فرفع فينا البصر وخفضه فرآنا جلدين، فقال: إن شئتما أعطيتكما ولا حظَّ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب ".
ابو السعود
تفسير : {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ} شروعٌ في تحقيق حقِّيةِ ما صنعه الرسولُ صلى الله عليه وسلم من القسمة ببـيان المصارفِ وردٌّ لمقالة القالةِ في ذلك وحسمٌ لأطماعهم الفارغة المبنيةِ على زعمهم الفاسدِ ببـيان أنهم بمعزل من الاستحقاق، أي جنسُ الصدقات المشتملةِ على الأنواع المختلفة {لِلْفُقَرَاء وَٱلْمَسَـٰكِينِ} أي مخصوصةٌ بهؤلاء الأصنافِ الثمانيةِ الآتية لا تتجاوزهم إلى غيرهم، كأنه قيل: إنما هي لهم لا لغيرهم فما للذين لا علاقةَ بـينها وبـينهم يقولون فيها ما يقولون وما سوّغ لهم أن يتكلموا فيها وفي قاسمها؟ والفقيرُ من له أدنى شيءٍ والمسكينُ من لا شيء له هو المرويُّ عن أبـي حنيفة رضي الله عنه وقد قيل: على العكس ولكل منهما وجهٌ يدل عليه {وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا} الساعين في جمعها وتحصليها {وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} هم أصنافٌ فمنهم أشرافٌ من العرب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستألفهم ليُسلموا فيرضَخ لهم ومنهم قومٌ أسلموا ونيّاتُهم ضعيفةٌ فيؤلّف قلوبَهم بإجزال العطاء كعيـينةَ بنِ حصن، والأقرعِ بن حابس، والعباسِ بن مرداس، ومنهم من يُترقَّب بإعطائهم إسلامُ نظرائِهم، ولعل الصنفَ الأولَ كان يعطيهم الرسولُ صلى الله عليه وسلم من خُمس الخُمسِ الذي هو خالصُ مالَه، وقد عد منهم من يؤلَّف قلبُه بشيء منها على قتال الكفار وما نعي الزكاة وقد سقط سهمُ هؤلاء بالإجماع لما أن ذلك كان لتكثير سوادِ الإسلامِ فلما أعزّه الله عز وعلا وأعلى كلمتَه استُغنيَ عن ذلك {وَفِي ٱلرّقَابِ} أي وللصَّرف في فك الرقاب بأن يُعانَ المكاتَبون بشيء منها على أداء نجومِهم، وقيل: بأن يُفدَى الأُسارى وقيل: بأن يُبتاع منها الرقابُ فتُعتق، وأياً ما كان فالعدولُ عن اللام لعدم ذكرِهم بعنوان مصحّحٍ للمالكية والاختصاص كالذين من قبلهم أو للإيذان بعدم قرارِ ملكِهم فيما أعطوا كما في الوجهين الأولين أو بعدم ثبوتِه رأساً كما في الوجه الأخير أو للإشعار برسوخهم في استحقاق الصدقةِ لما أن (في) للظرفية المنبئةِ عن إحاطتهم بها وكونِهم محلَّها ومركزَها. {وَٱلْغَـٰرِمِينَ} أي الذين تداينوا لأنفسهم في غير معصيةٍ إذا لم يكن لهم نصابٌ فاضلٌ عن ديونهم وكذلك عند الشافعيِّ رضي الله عنه غُرمٍ لإصلاح ذاتِ البـين وإطفاءِ الثائرة بـين القبـيلتين وإن كانوا أغنياء {وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي فقراءِ الغزاةِ والحجيج والمنقطَعِ بهم {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} أي المسافر المنقطِع عن ماله، وتكريرُ الظرف في الأخيرين للإيذان بزيادة فضلِهما في الاستحقاق أو لما ذكر من إيرادهما بعنوان غيرِ مصحَّحٍ للمالكية والاختصاص فهذه مصارفُ الصدقاتِ، فللمتصدق أن يدفع صدقتَه إلى كل واحدٍ منهم وأن يقتصرَ على صنف منهم لأن اللام لبـيان أنهم مصارفُ لا تخرُج عنهم لا لإثبات الاستحقاق، وقد روي ذلك عن عمرَ وابنِ عباس وحذيفةَ رضي الله عنهم وعند الشافعيِّ لا يجوز إلا أن يُصرَف إلى ثلاثة من تلك الأصناف {فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ} مصدرٌ مؤكدٌ لما دل عليه صدْرُ الآية أي فرَضَ لهم الصدقاتِ فريضةً. ونُقل عن سيبويه أنه منصوبٌ بفعله مقدراً أي فرَض الله ذلك فريضةً أو حالٌ من الضمير المستكنّ في قوله: للفقراء، أي إنما الصدقاتُ كائنةٌ لهم حالَ كونها فريضةً أي مفروضة {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بأحوال الناسِ ومراتبِ استحقاقِهم {حَكِيمٌ} لا يفعلُ إلا ما تقتضيه الحِكمةُ من الأمور الحسنةِ التي من جملتها سَوْقُ الحقوقِ إلى مستحقّيها.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ} [الآية: 60]. قال سهل ابن عبد الله وقد سئل عن الفقر والمسكنة فقال: الفقر عز والمسكنة ذل. قال بعضهم: الفقراء ثلاثة: فقير لا يسأل ولا يتعرض وإن أعطى لم يقبل فذاك كالروحانيين. وفقير لا يسأل ولا يتعرض وإن أعطى قبل مقدار حاجته فذاك لا حساب عليه. وفقير يسأل مقدار قوته فإن استغنى كف فذاك فى حظيرة القدس. قال إبراهيم الخواص: نعت الفقير السكون عند العدم، والإيثار والبذل عند الوجود، والمسكين من يرى عليه أثر العدم. قال بعضهم: صدق الفقير أخذه بالصدقة ممن يعطيه لا ممن يصل إليه على يده والحق هو المعطى على الحقيقة، لأنه جعلها لهم فمن قبله من الحق، فهو الصادق فى فقره بعلو همته، ومن قبله من الوسائط فهو من الترسم مع دناءة همته.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي ٱلرِّقَابِ}. تكلَّم الفقهاءُ في صفةِ الفقيرِ، والفرقِ بينه وبين المسكين لما احتاجوا إليه في قسمة الزكاة المفروضة.. فأبو حنيفة رحمة الله عليه - يقول: المسكينُ الذي لا شيء له. والفقيرُ الذي له بُلْغَةٌ من العيش. ويقول الشافعي رحمة الله عليه: الفقير الذي لا شيء له، والمسكين الذي له بُلْغَةٌ من العيش - أي بالعكس. وأهل المعرفة اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال بالأول، ومنهم من قال بالقول الثاني، واختلافهم ليس كاختلاف الفقهاء؛ وذلك لأن كلَّ واحدٍ منهم أشار إلى ما هو حاله ووقته ووجوده وشربه ومقامه. فَمِنْ أهل المعرفة مَنْ رأى أَنَّ أَخْذَ الزكاةِ المفروضة أَوْلى، قالوا إلى الله تعالى جعل ذلك مِلْكا للفقير، فهو أَحَلُّ له مما يُتَطَوَّعُ به عليه. ومنهم من قال: الزكاة المفروضة مستحقة لأقوام، ورأوا الإيثار على الإخوان أوْلى من أن يزاحموا أرباب السهمان - مع احتياجهم أخذ الزكاة - وقالوا: نحن آثرنا الفَقْرَ اختياراً.. فَلِمَ نأخذ الزكاة المفروضة؟ ثم على مقتضى أصولهم في الجملة - لا في أخذ الزكاة - للفقر مراتب: أوَّلُها الحاجةُ ثم الفقرُ ثم المسكنةُ؛ فذو الحاجة مَنْ يرضى بدنياه وتسدُّ الدنيا فقرَه، والفقير مَنْ يكتفي بعقباه وتجبُرُ الجنة فقرُه. والمسكين مَنْ لا يرضى بغير مولاه؛ لا إلى الدنيا يلتفت، ولا بالآخرة يشتغل، ولا بغير مولاه يكتفي؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اللهم أحيني مسكيناً وأمتني سكيناً، واحشرني في زمرة المساكين"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم"حديث : أعوذ بك من الفقر"تفسير : لأن عليه بقية؛ فهو ببقيته محجوبٌ عن ربِّه. ويحسن أن يقال إن الفقر الذي استعاذ منه ألا يكون له منه شيء، والمسكنة المطلوبة أن تكون له بُلْغَةٌ ليتفرَّغَ بوجود تلك البلغة إلى العبادة؛ لأنه إذا لم تكن له بلغة شَغَلَه فَقْرُه عن أداء حقِّه، ولذلك استعاذ منه. وقوم سَمَتْ هِمَمهُم عن هذا الاعتبار - وهذا أَوْلى بأصولهم - فالفقير الصادق عندهم مَنْ لا سماءَ تُظِله ولا أرضَ تُقِلُّه ولا معلومَ يشغله، فهو عبدٌ بالله لله، يردُّه إلى التمييز في أوان العبودية، وفي غير هذا الوقت فهو مُصطَلَم عن شواهده، واقِفٌ بربِّه، مُنْشَقٌّ عن جملته. ويقال الفَقِيرُ من كُسِرَتْ فقاره - هذا في العربية. والفقير - عندهم - مَنْ سَقَطَ اختياره، وتعطلت عنه دياره، واندرست - لاستيلاء مَنْ اصْطَلمَه - آثارُه، فكأنه لم تبقَ منه إلا أخبارُه، وأنشدوا: شعر : أَمَّا الرسومُ فَخَبَّرتْ أنهم رحلوا قريباً تفسير : ويقال المسكين هو الذي أسكنه حالُه بباب مقصوده، لا يبرح عن سُدَّتِه، فهو مُعْتَكِفٌ بقلبه، ولا يغفل لحظةً عن ربِّه. وأمَّا {وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} فعلى لسان العلم: مَنْ يتولى جمع الزكاة على شرائطها المعلومة. وعلى لسان الإشارة: أَوْلَى الناس بالتصاون عن أخذ الزكاة مَنْ صَدَقَ في أعماله لله، فإنهم لا يرجون على أعمالهم عِوَضاً، ولا يتطلبون في مقابلة أحوالهم عَرَضا، وأنشدوا: شعر : وما أنا بالباغي على الحب رِشْوَةٌ قبيحٌ هوىً يُرجَى عليه ثواب تفسير : وأمّا المؤلَّفة قلوبهم - على لسان العلم - فمَنْ يُسْتَمَالُ قلبه بنوع إرفاقٍ معه، ليتوفَّر في الدين نشاطُه؛ فلهم من الزكاة سهمٌ استعطافاً لهم، وبيان ذلك مشهورٌ في مسائل الفقه. وحاشا أن يكون في القوم مَنْ يكون حضورُه بسبب طَمَع أو لنَيْل ثوابٍ أو لرؤية مقام أو لاطلاع حال.. فذلك في صفة العوام، فأما الخواص فكما قالوا: شعر : من لم يكن بك فانياً عن حظه وعن الهوى والإنْسِ والأحباب أو تيمته صبابة جمعت له ما كان مفترقاً من الأسباب فلأنَّ بين المراتب واقفٌ لِمَنَالِ حظٍّ أو الحُسْنِ مآبِ تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَفِي ٱلرِّقَابِ}. وهم على لسان العلم: المكاتَبُون، وشرحه في مسائل الفقه معلوم. وهؤلاء لا يتحررون ولهم تعريج على سبب، أو لهم في الدنيا والعقبى أرب، فهم لا يستفزُّهم طلب، فَمَنْ كان به بقية من هذه الجملة فهو عبدٌ لم يتحرر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله: "حديث : المكاتَبُ عَبْدٌ ما بقي عليه درهم" تفسير : وأنشد بعضهم: شعر : أتمنى على الزمان مُحَالاً أَنْ ترى مقلتاي طَلْعَةَ حُرِّ تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱلْغَارِمِينَ}. وهم على لسان العلم: مَنْ عليهم دَيْنٌ في غير معصية. وهؤلاء القوم لا يقضى عنهم ما لزمهم امتلاك الحق، ولهذا قيل المعرفة غريم لا يُقْضَى دَيْنُه. قوله جلّ ذكره: {وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}. وعلى لسان العلم: مَنْ سلك سبيلَ الله وَجبَ له في الزكاة سهمٌ على ما جاء بيانُه في مسائل الفقه. وفي هذه الطريقة: مَنْ سلك سبيلَ الله تتوجَّبُ عليه المطالبات؛ فيبذل أولاً مالَه ثم جاهَه ثم نَفْسه ثم روحَه.. وهذه أول قَدَمٍ في الطريق. قوله جلّ ذكره: {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ}. وهو على لسان العلم: مَنْ وقع في الغُربة، وفارَقَ وطَنه على أوصاف مخصوصة. وعند القوم: إذا تَغَرَّبَ العَبدُ عن مألوفات أوطانه فهو في قِرَى الحقِّ؛ فالجوعُ طعامُه، والخلوةُ مجلسُه، والمحبةُ شرابُه، والأُنْسُ شهوده، والحقُّ - تعالى - مشهودُه. قال تعالى: {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً}تفسير : [الإنسان: 21]: لقوم وَعْدٌ في الجنة، ولآخرين نَقْدٌ في الوقت؛ اليوم شرابُ المحابِّ وغداً شراب الثواب، وفي معناه أنشدوا: شعر : وَمُقعدِ قومٍ قد مشى من شرابنا وأعمى سقيناه ثلاثاً فأَبْصَرَا وأخرسَ لم ينطِقْ ثلاثين حِجَّةً أَدِرْنا عليه الكأسَ يوماً فأخبرا
اسماعيل حقي
تفسير : {انما الصدقات} اى جنس الزكوات المشتملة على الانواع المختلفة من النقدين وغيرهما سميت الزكاة صدقة لدلالتها على صدق العبد فى العبودية كما فى الكافى. وذكر فى الازاهير ان تركيبها يدل على قوة فى الشيء قولا وفعلا وسمى بها ما يتصدق به لان بقوته يرد البلاء وقيل لان اول عامل بعثه صلى الله عليه وسلم لجمع الزكاة رجل من بنى صدق بكسر الدال وهم قوم من كندة والنسبة اليهم صدقى بالفتح فاشتقت الصدقة من اسمهم {للفقراء والمساكين} اى مخوصة بهؤلاء الاصناف الثمانية الآتية لا تتجاوزهم الى غيرهم من المنافقين والفقير من له شيء دون نصاب والمسكين من لا شيء له وهو المروى عن ابى حنيفة وقيل بالعكس وفائدة الخلاف تظهر فى الوصية او المسكين {والعاملين عليها} الساعى فى جمعها وتحصيلها فيعطى العامل مما فى يده من مال الزكاة بقدر عمله فقيرا كان او غنيا او هاشميا فلو ضاع ذلك المال لم يعط شيئاً وكذا لو اعطى المالك بنفسه زكاته الى الامام لا يستحق العامل شيئاً وفى التبيين لو استغرقت كفاية الزكاة لا يزاد على النصف لان التنصيف عين الانصاف {والمؤلفة قلوبهم} وهم طائفة مخصوصة من العرب لهم قوة واتباع كثيرة منهم مسلم ومنهم كافر قد اعطوا من الصدقة تقريرا على الاسلام او تحريضا عليه او خوفا من شرهم {وفى الرقاب} اى وللصرف فى فك الرقاب اى فى تخليصها من الرق بان يعان المكاتبون بشيء منها على اداء بدل كتابتهم لا للرقاب فان المكاتب لا يستحق المال ولا يملكه بل يملكه مولاه وكذا مال المديون يملكه الدائن فالعدول عن اللام للدلالة على ان استحقاق الاربعة الاخيرة ليس لذواتهم اى لكونهم مكاتبا ومديونا ومجاهدا ومسافرا حتى يتصرفوا فى الصدقة كيف شاؤا كالاربعة الاول بل لجهة استحقاقهم كفك الرقبة من الرق وتخليص الذمة من مطالبة من له الحق والاحتياج الى ما يتمكن به من الجهاد وقطع المسافة ووجه الدلالة ان فى قد تستعمل لبيان السبب كما يقال عذب فلان فى سرقة لقمة اى بسببها والمراد مكاتب غيره ولو غنيا فيعطى ما عجز عنه فيؤدى الى عنقه. والرقاب جمع رقبة وهى يعبر بها عن الجملة وتجعل اسما للمملوكة {والغارمين} اى الذين تدينوا لانفسهم فى غير معصية اذا لم يكن لهم نصاب فاضل عن ديونهم والغارم والغريم وان كان يطلق كل واحد منهما على من له الدين الا ان المراد بالغارم فى الآية الذى عليه الدين وان المديون قسمان. الاول من ادّان لنفسه فى غير معصية فيعطى له من الزكاة ما يفى بدينه بشرط ان لا يكون له من المال ما يفى بدينه وان كان له ذلك فلا يعطى. والثانى من اد ان فى المعروف واصلاح ذات البين فانه يعطى من مال الزكاة ما يقضى به دينه وان كان غنيا واما من ادّ ان فى معصية او فساد فانه لا يعطى له شيء منها. وعن مجاهد ان الغارم من احترق بيته او ذهب السيل بماله او ادّ ان على عياله {وفى سبيل الله} اى فقراء الغزاة عند ابى يوسف وهم الذين عجزروا عن اللحوق بحيش الاسلام لفقرهم اى لهلاك النفقة او الدابة او غيرهما فتحل لهم الصدقة وان كانوا كاسبين اذ الكسب يقعدهم عن الجهاد فى سبيل الله. وسبيل وان عم كل طاعة الا انه خص بالغزو اذا اطلق وعند محمد هو الحجيج المنقطع بهم {وابن السبيل} اى المسافر الكثير السير المنقطع عن ماله سمى به لملازمة الطريق فكل من يريد سفرا مباحا ولم يكن له ما يقطع به المسافة يعطى من الصدقة قدر ما يقطع به تلك المسافة سواء كان له فى البلد المنتقل اليه مال او لم يكن وهو متناول للمقيم الذى له مال فى غير وطنه فينبغى ان يكون بمنزلة ابن السبيل وللدائن الذى مديونه مقر لكنه معسر فهو كابن السبيل كما فى المحيط {فريضة من الله} مصدر لما دل عليه صدر الآية لان قوله تعالى {إنما الصدقات للفقراء} فى قوة ان يقال فرض الله لهم الصدقات فريضة. قال الكاشفى [حق سبحانه وتعالى براى اين جماعت فرض كرده است زكاترا فريضه فرض كردنى من الله ثابت از نزديك خداى تعالى] {والله عليم} باحوال الناس ومراتب استحقاقهم {حكيم} لا يفعل الا ما تقتضيه الحكمة من الامور الحسنة التى من جملتها سوق الحقوق الى مستحقيها شعر : حق تعالى جون درقسمت كشاد هركسى را هرجه مى بايست داد نيست واقع اندران قسمت غلط بنده راخواهى رضا خواهى سخط تفسير : واعلم ان سهم المؤلفة قلوبهم ساقط باجماع الصحابة لما ان ذلك كان لتكثير سواد الاسلام فلما اعزه الله واعلى كلمته استغنى عن ذلك كما قال عمر رضى الله عنه فى زمن خلافة ابى بكر رضى الله عنه الاسلام اعز من ان يرشى عليه فان ثبتم على الاسلام بغير رشوة فبها والا فبيننا وبينكم السيف فبقيت المصارف السبعة على حالها فللمتصدق ان يدفع صدقته الى كل واحد منهم وان يقتصر على صنف منهم بل لو صرف الى شخص واحد منهم جاز فان اللام فى للفقراء لبيان انهم مصارف لا يخرج عنهم كما يقال الخلافة لبنى العباس وميراث فلان لقرابته اى ليست الخلافة لغيرهم لا أنها بينهم بالسوية فاللام لام الاختصاص لا التمليك لعدم جواز التمليك للمجهول. قال مشايخنا من اراد ان يتصدق بدرهم يبتغى فقيرا واحدا ويعطيه ولا يشترى به فلوسا ويفرقها على المساكين كما فى المحيط وكذلك الافضل فى الفطر ان يؤدى صدقة نفسه وعياله الى واحد كما فعله ابن مسعود كما فى التمرتاشى وكره دفع نصاب او اكثر الى فقير غير مديون اما اذا كان مديونا او صاحب عيال او اذا فرق عليهم لم يخص كلا منهم نصاب فلا يكره كما فى الاشباه. وقوله كره اى جاز مع الكراهة اما الجواز فلان الاداء يلاقى الفقر لان الزكاة انما تتم بالتمليك وحالة التمليك المدفوع اليه فقير وانما يصير غنيا بعد تمام التمليك فيتأخر الغنى عن التمليك ضرورة فيجوز واما الكراهة فلان الانتفاع به صادف حال الغنى ولو صادف حال الفقر لكان اكمل وندب دفع ما يغنى عن السؤال يومه لقوله عليه السلام "حديث : اغنوهم عن المسألة" تفسير : والسؤال ذل فكان فيه صيانة المسلم عن الوقوع فيه ولا يسأل من له قوت يومه لان فى السؤال ذلا ولا يحل للمسلم ان يذل نفسه بغير الاحتياج نكد والنكدى. حرام ثم اعلم ان الاوصاف التى عبر بها عن الاوصاف المذكورة وان كانت تعم المسلم والكافر الا ان الاحاديث خصتها بالمسلم منهم. وقال ابو حفص لا يصرف الى من لا يصلى الا احيانا. والتصدق على الفقير العالم أفضل من الجاهل. وصدقة التطوع يجوز صرفها الى المذكورين وغيرهم من المسلم والذمى والى بناء المساجد والقناطر وتكفين الميت وقضاء دينه ونحوها لعدم اشتراط التمليك فى التطوع وان اريد صرف الفرض الى هذه الوجوه صرف الى الفقير ثم يؤمر بالصرف اليها فيثاب المزكى والفقير ولو قضى دين حى اى من مال الزكاة وان كان بأمره جاز كأنه تصدق على المديون فيكون القابض كالوكيل له فى قبض الصدقة وان كان بغير امره يكون متبرعا فلا يجوز من زكاة ماله ولا تصرف الزكاة الى مجنون وصبى غير مراهق الا اذا قبض لهما من يجوز له قبضها كالال والوصى وغيرهما وتصرف الى مراهق يعقل الاخذ كما فى المحيط. قال فى مجمع الفتاوى جملة ما فى بيت المال اربعة اقسام الاول الصدقات وما ينضم اليها تصرف الى ما قال الله تعالى {انما الصدقات للفقراء والمساكين} الآية. والثانى الغنائم تصرف الى اليتامى والمساكين وابن السبيل. والثالث الجزية والخراج تصرف الى ما فيه صلاح دار الاسلام والمسلمين نحو سد الثغور والمقاتلة وعطياتهم وسلاحهم وكراعهم ويصرف الى امن الطريق والى اصلاح القناطر وكرى الانهار والى ارزاق الولاة والقضاة والائمة والمؤذنين والقراء والمحتسبين والمفتين والمعلمين. والرابع ما اخذ من تركة الميت اذا مات بلا وارث او الباقى من فرض الزوج او الزوجة اذا لم يترك سواه يصرف الى نفقة المرضى وادويتهم وعلاجهم ان كانوا فقراء والى نفقة من هو عاجز عن الكسب انتهى. والاشارة انما الصدقات اى صدقات الله كما قال عليه السلام "حديث : ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة الا لله فيها صدقة يتصدق بها على من يشاء من عباده " .تفسير : والفقراء هم الاغنياء بالله الفانون عن غيره الباقون به وهذا حقيقة قوله عليه الصلاة والسلام "حديث : الفقراء الصبر هم جلساء الله يوم القيامة" تفسير : وهو سر ما قال الواسطى الفقير لا يحتاج الى الله وذلك لأنه غنى به والغنى بالشئ لا يحتاج اليه والمساكين وهم الذى لهم بقية اوصاف الوجود لهم سفينة القلب فى بحر الطلب وقد خرقها خضر المحبة وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا {والعاملين عليها} وهم ارباب الاعمال كما كان الفقراء والمساكين اصحاب الاحوال {والمؤلفة قلوبهم} وهم الذين تتألف قلوبهم بذكر الله الى الله المتقربون اليه بالتباعد عما سواه {وفى الرقاب} وهم المكاتبون قلوبهم عن رق الموجودات تحريا لعبودية موجدها والمكاتب عبد ما بقى عليه درهم {والغارمين} وهم الذين استقرضوا من مراتب المكونات اوصافها وطبائعها وخواصها وهم محبوسون فى سجن الوجود بقروضهم وانهم فى استخلاص ذممهم عن القروض بردها فهم معاونون بتلك الصدقات للخلاص من حبس الوجود {وفى سبيل الله} وهم الغزاة المجاهدون فى الجهاد الاكبر وهو الجهاد مع كفار النفوس والهوى والشيطان والدنيا {وابن السبيل} وهم المسافرون عن اوطان الطبيعة والبشرية السائرون الى الله على اقدام الشريعة والطريقة بسفارة الانبياء والاولياء {فريضة من الله} اى هذا السير والجهاد ورد القرض والحرية عن رق الموجودات وتألف القلوب الى الله واستعمال آمال الشريعة والتمسكن والافتقار الى الله طلبا للاستغناء به امر واجب على العباد من الله وهذه الصدقات من المواهب الربانية والالطاف الالهية للطالبين الصداقين امر اوجبه الله تعالى فى ذمة كرمه لهم كما قال تعالى "حديث : ألا من طلبنى وجدنى" تفسير : {والله عليم} بطالبيه {حكيم} فيما يعاونهم على الطلب للوجدان كما قال تعالى "حديث : من تقرب الى شبرا تقربت اليه ذراعا " .تفسير : كذا فى التأويلات النجمية. فعلى السالك الفناء عن اوصاف الموجودات والحرية عن رق الكائنات وعرض الافتقار الى هذه النفحات والصدقات
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {إِنما} تدفع {الصدقاتُ} الواجبة ـ أي: الزكاة ـ لهؤلاء الثمانية، وهذا يُرَجَّحُ أن لَمْزهم كان في قسم الزكاة لا في الغنائم، واختصاص دفع الزكاة بهؤلاء الثمانية مجمع عليه، واختلف: هل يجب تعميمهم؟ فقال مالك: ذلك إلى الإمام، إن شاء عمم وإن شاء خصص، وإن لم يلها الإمام؛ فصاحب المال مخير، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وأفتى به بعض الشافعية، وقال الشافعي: يجب أن تقسم على هذه الأصناف بالسواء، إن وجدت. أولها: الفقير: وهو من لا شيء له، وثانيها: المسكين: وهو من له شيء لا يكفيه. فالفقير أحوج، وهو مشتق من فقار الظهر، كأنه أصيب فقاره، والمسكين من السكون، كأن العجز أسكنه. ويدل على هذا قوله تعالى: {أية : أمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَت لِمَسَاكِينَ}تفسير : [الكهف: 79]. فسماهم مساكين مع ملكهم السفينة، وأنه صلى الله عليه وسلم سأل المسكنة؛ وقيل بالعكس، لقوله تعالى: {أية : أًو مِسكيناً ذَا مَتربَةٍ}تفسير : [البلد: 16] وقيل: هما سواء. {والعاملينَ عليها} أي: الساعين في تحصيلها وجمعها، ويدخل فيهم الحاشر والكاتب والمفرق، ولا بأس أن يعلف خيلهم منها، ويضافون منها بلا سَرف. {والمؤلفة قلوبهم} قال مالك: هم كفار ظهر ميلهم للإسلام، فيعطوا ترغيباً في الإسلام. وقيل قوم أسلموا ونيتهم ضعيفة، فيعطوا ليتمكن الإسلام في قلبهم، وحكمُهم باق، وقيل: أشراف يُترقب بإعطائهم إسلام نظائرهم. {وفي الرقاب} أي: في فك الرقاب، يشترون ويعتقون، {والغَارِمينَ}، أي: مَنْ عليهم دَيْن، فيعطى ليقضي دينه، ويشرط أن يكون استدانة في غير فساد ولا سرف، وليس له ما يبيع في قضائه. {وفي سبيل الله } يعني: الجهاد، فيعطى منها المجاهدون وإن كانوا أغنياء، ويشتري منها آلة الحرب، ولا يبنى منها سور ولا مركب. {وابن السبيل} وهو الغريب المحتاج لما يوصله لبلده، ولم يجد مسلفاً، إن كان مليَّاَ ببلده، وإلا أعطي مطلقاً. فرض الله ذلك {فريضة من الله} أي: حقاً محدوداً عند الله. قال ابن جزي: ونصبه على المصدر ـ يعني: لفعل محذوف كما تقدم ـ فإن قيل: لِمَ ذكر مصرف الزكاة في تضاعيف ذكر المنافقين؟ فالجواب: أنه خص مصرف الزكاة في تلك الأصناف؛ ليقطع طمع المنافقين فيها، فاتصلت هذه الآية في المعنى بقوله: {ومنهم من يلمزك في الصدقات...} هـ. {والله عليمٌ حكيم}؛ يضع الأشياء في مواضعها. الإشارة: إنما النفحات والمواهب للفقراء والمساكين، الذين افتقروا من السِّوى، وسكنوا في حضرة شهود المولى. وفي الحكم. " ورود الفاقات أعياد المريدين، ربما وجدت من المزيد في الفاقة ما لا تجده في الصوم والصلاة، الفاقات بسُطُ المواهب. إن أردت بسط المواهب عليك فصحح الفقر والفاقة لديك. {إنما الصدقات للفقراء والمساكين}. وقال الهروي: الفقر صفة مهجورة، وهو ألذُّ ما يناله العارف، لكونها تدخله على الله، وتجلسه بين يدي الله، وهو أعم المقامات حكماً؛ لقطع العوائق، والتجرد من العلائق، واشتغال القلب بالله. وقيل: الفقير الصادق لا يملِك ولا يُملَك. وقال الشبلي: الفقير لا يستغني بشيء دون الله. وقال الشيخ ابن سبعين رضي الله عنه: الفقير هو الذي لا يحصره الكون. هـ. يعني: لخروج فكرته عن دائرة الأكوان، وقال القشيري: الفقير الصادق عندهم: مَنْ لا سماء تُظِله، ولا أرضَ تُقِلُّه، ولا سهم يتناوله، ولا معلومَ يشغِله، فهو عبد الله بالله.هـ. وقال السهروردي في عوارفه: الفقر أساس التصوف، وبه قوامه، ويلزم من وجود التصوف وجود الفقر؛ لأن التصوف اسم جامع لمعاني الفقر والزهد، مع زيادة أحوال لا بد منها للصوفي، وإن كان فقيراً زاهداً. وقال بعضهم: نهاية الفقر بداية التصوف؛ لأن التصوف اسم جامع لكل خلق سني، والخروج من كل خلق دنيء، لكنهم اتفقوا ألاًّ دخول على الله إلا من باب الفقر، ومن لم يتحقق بالفقر لم يتحقق بشيء مما أشار إليه القوم. وقال أبو إسحاق الهروي أيضاً: من أراد ان يبلغ الشرفَ كل الشرف؛ فليخترْ سبعاً على سبع، فإن الصالحين اختاروا حتى بَلَغُوا سنام الخير. واختاروا الفقر على الغنى، والجوع على الشبع؛ والدُّون على المرتفع، والذلَّ على العز، والتواضع على الكبر، والحزن على الفرح، والموت على الحياة. هـ. وقال بعضهم: إن الفقير الصادق ليحترز من الغنى؛ حذراً أن يدخله؛ فيفسد عليه فقره، كما يحترز الغنى من الفقر؛ حذراً أن يفسد عليه غناه. قال بعض الصالحين: كان لي مال، فرأيت فقيراً في الحرم جالساً منذ أيام، ولا يأكل ولا يشرب وعليه أطمار رثة، فقلت: أُعنيه بهذا المال؛ فألقيته في حجره، وقلت: استعن بهذا على دنياك، فنفض بها في الحصباء، وقال لي: اشتريتُ هذه الجلسة مع ربي بما ملكت، وأنت تفسدها عليَّ؟ ثم انصرف وتركني ألقُطها. فوالله ما رأيت أعز منه لَمَّا بَدَّدَها، ولا أذل مني لما كنت ألقطها. هـ. وكان بعضهم إذا أصبح عنده شيء؛ اصبح حزيناً، وإذا لم يصبح عنده شيء؛ أصبح فرحاً مسروراً، فقيل له: إنما الناس بعكس هذا، فقال: إني إذا لم يصبح عندي شيء فلي برسول الله صلى الله عليه وسلم أُسوة، وإذا أصبح لي شيء لم يكن لي برسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة. هـ. وجمهور الصوفية: يفضلون الفقير الصابر على الغني الشاكر، ويُفضلون الفقر في الجملة على الغني؛ لأنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ اختاره، وما كان ليختار المفضول. وشذ منهم يحيى بن معاذ الواعظ وأحمد بن عطاء. قال القشيري: كان ابن عطاء يُفضل الغنى على الفقر، فدعا عليه الجنيد فأصيب عقله ثلاثين سنة، فلما رجع إليه عقله قال: إنما أصابني ما أصابني بدعاء الجنيد. وتكلم يحيى بن معاذ، ففضل الغنى على الفقر، فأعطاه بعض الأغنياء ثلاثين ألف درهم، فدعا بعض المشايخ عليه، فقال: لا بارك الله له فيها، فخرج عليه اللص فنهبه إياها. هـ. وحكي عن أبي يزيد البسطامي: أنه قال: أًسري بروحي، فرأيت كأني واقف بين يدي الله، فسمعت قائلاً يقول: يا أبا يزيد، إن أردت القرب منا فأتنا بما ليس عندنا، فقلت: يا مولاي وأي شيء ليس عندك، ولك خزائن السماوات والأرض؟ فسمعت: يا أبا يزيد، ليس عندي ذل ولا فقر فمن أتاني بهما بلّغته. هـ. وقال في الإحياء: الفقر المستعاذ منه: فقر المضطر، والمسؤول هو: الاعتراف بالمسكنة والذلة والافتقار إلى الله عز وجل. هـ. قلت: والأحسن أن المستعاذ منه هو: فقر القلوب من اليقين، فيسكنها الجزع والهلع، والفقر المسؤول هو: التخفيف من الشواغل والعلائق، والله تعالى أعلم. وقد تكلم القشيري هنا على أخذ الزكاة وتركها، فقال: من أهل المعرفة من رأى أنَّ أَخذَ الزكاة المفروضة أَولى، قالوا: لأن الله ـ سبحانه ـ جعل ذلك مِلكاً للفقير، فهو أحل له من المتطوع به. ومنهم من قال: الزكاة المفروضة لأقوام مستحقة، ورأوا الإيثار على الإخوان أولى، فلم يزاحموا أرباب السهمان، وتحرجوا من أخذ الزكاة، ومنهم من قال: إن ذلك وسخ الأموال، وهو لأصحاب الضرورات. وقالوا: نحن آثرنا الفَقْرَ اختياراً... فلم يأخذوا الزكاة المفروضة. ه. وقوله تعالى: (والعاملين عليها): هم المستعدون للمواهب بالتفرغ والتجريد، و (المؤلفة قلوبهم) على حضرة محبوبهم، والجادُّون في فك الرقاب من الجهل والغفلة؛ وهم أهل التذكير، الداعون إلى الله، (والغارمين) أي: الدافعون أموالهم ومهجهم في رضى محبوبهم، فافتقروا فاستحقوا حظهم من المواهب والأسرار، و(في سبيل الله) أي: المجاهدون أنفسهم في مرضاة الله. (وابن السبيل): السائحين في طلب معرفة الله. والله تعالى أعلم. ثم ذكر نوعاً آخر من مساوئ المنافقين، فقال: {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ}.
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى في هذه الآية انه ليست الصدقات التي هي زكاة الاموال إلا للفقراء والمساكين ومن ذكرهم في الآية. واختلفوا في الفرق بين الفقير والمسكين، فقال ابن عباس والحسن وجابر وابن زيد والزهري ومجاهد: الفقير المتعفف الذي لا يسأل، والمسكين الذي يسأل، ذهبوا إلى أنه مشتق من المسكنة بالمسألة. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال "حديث : ليس المسكين الذي ترده الاكلة والاكلتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد غنى فيغنيه ولا يسأل الناس إلحافاً" تفسير : وقال قتادة: الفقير ذو الزمانة من اهل الحاجة. والمسكين من كان صحيحاً محتاجاً. وقال قوم: هما بمعنى واحد إلا انه ذكر بالصفتين لتأكيد امره قال الشاعر: شعر : انا الفقير كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سبد تفسير : ويسمى المحتاج فقيراً تشبيهاً بأن الحاجة كأنها قد كسرت فقار ظهره يقال: فقر الرجل فقراً وأفقره الله افقاراً وافتقر افتقارا، وتفاقر تفاقراً. وسمي المسكين بذلك تشبيهاً بأن الحاجة كأنها سكنته عن حال اهل السعة والثروة. قال الله تعالى { أية : أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر } تفسير : فمن قال: المسكين أحسن حالاً احتج بهذه الآية. ومن قال هما سواء قال: السفينة كانت مشتركة بين جماعة لكل واحد منهم الشيء اليسير. وقوله {والعاملين عليها} يعني سعاة الزكاة وجباتها، وهو قول الزهري وابن زيد وغيرهم. وقوله {والمؤلفة قلوبهم} معناه أقوام أشراف كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وآله فكان يتألفهم على الاسلام ويستعين بهم على قتال غيرهم ويعطيهم سهماً من الزكاة. وهل هو ثابت في جميع الاحوال ام في وقت دون وقت؟ فقال الحسن والشعبي: ان هذا كان خاصاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله. وروى جابر عن ابي جعفر محمد بن علي عليهما السلام ذلك. واختار الجبائي انه ثابت في كل عصر الا ان من شرطه ان يكون هناك امام عدل يتألفهم على ذلك. وقوله {وفي الرقاب} يعني المكاتبين واجاز اصحابنا ان يشترى به عبد مؤمن إذا كان في شدة ويعتق من مال الزكاة، ويكون ولاؤه لأرباب الزكاة، وهو قول ابن عباس وجعفر بن مبشر. وقوله {والغارمين} قال مجاهد وقتادة والزهري وجميع المفسرين، وهو قول ابي جعفر عليه السلام انهم الذين ركبتهم الديون في غير معصية ولا إسراف فتقضى عنهم ديونهم، و {في سبيل الله} يعني الجهاد بلا خلاف. ويدخل فيه عند أصحابنا جميع مصالح المسلمين، وهو قول ابن عمر وعطاء. وبه قال البلخي، فانه قال: تبنى به المساجد والقناطر وغير ذلك، وهو قول جعفر بن مبشر. و {ابن السبيل} وهو المسافر المنقطع به فانه يعطى من الزكاة وان كان غنياً في بلده من غير ان يكون ديناً عليه، وهو قول مجاهد وقتادة قال الشاعر: شعر : انا ابن الحرب ربتني وليداً إلى ان شبت واكتهلت لداتي تفسير : وقال بعضهم: جعل الله الزكاة لامرين: احدهما - سدّ خلة. والآخر - تقوية ومعونة لعز الاسلام. واستدل بذلك على ان المؤلفة قلوبهم في كل زمان. واختلفوا في مقدار ما يعطى الجابي للصدقة، فقال مجاهد والضحاك: يعطى الثمن بلا زيادة. وقال عبد الله بن عمر بن العاص والحسن وابن زيد: هو على قدر عمالته، وهو المروي في اخبارنا. وقال ابن عباس وحذيفة وعمر بن الخطاب وعطاء وابراهيم وسعيد بن جبير، وهو قول ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام ان لقاسم الزكاة ان يضعها في اي الاصناف شاء. وكان بعض المتأخرين لا يضعها الا في سبعة أصناف لأن المؤلفة قد انقرضوا. وان قسمها الانسان عن نفسه، ففي ستة لأنه بطل سهم العامل، وزعم انه لا يجزي في كل صنف أقل من ثلاثة. وعندنا ان سهم المؤلفة والسعاة وسهم الجهاد قد سقط اليوم، ويقسم في الخمسة الباقية كما يشاء رب المال وان وضعها في فرقة منهم جاز. وقوله {فريضة من الله} نصب على المصدر اي فرض ذلك فريضة وكان يجوز الرفع على الابتداء ولم يقرأ به، ومعناه ان ما فرضه الله وقدره واجب عليكم. وقوله {والله عليم حكيم} معناه عالم بمصالحكم حكيم فيما يوجبه عليكم من اخراج الصدقات وغير ذلك.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ} المسكين كما مضى اسوء حالاً من الفقير وهما اذا اجتمعا افترقا واذا افترقا اجتمعا، والفقر من لايقدر بالفعل او بالقوّة على قوت سنته {وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} اجرة لعملهم {وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} فانّهم معدّون لحفظ ثغور المسلمين او مستمالون لاستماع آيات القرآن واحكام المسلمين حتّى يعرفوا انّ محمّداً (ص) رسول الله {وَفِي ٱلرِّقَابِ} العبيد تحت الشّدّة او المكاتب العاجز عن اداء مال الكتابة او ما يلزم المسلمين من الكفّارات ولم يقدروا على ادائها {وَٱلْغَارِمِينَ} الّذين لم يستدينوا فى ما لم يأذن به الله {وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} الجهاد او هو والحجّ او كلّ سبيل خير {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} المسافر فى سفر مباح لا يقدر بالفعل ولا بالقوّة ولو بالاستدانة على مؤنة سفره الى وطنه {فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ} فرض الله فريضة {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بموارد الصّدقات {حَكِيمٌ} فى تسنينها وتخصيص مواردها.
اطفيش
تفسير : {إنَّما الصَّدقاتُ} إلخ وفى ذلك حسم لأطماع المنافقين عنها، وإشعار بأنه لا كلام لهم فيها، وأنها ليست مما يهاود فيها، بل تولى الله قسمها، وهذه الآية تقوى أن المراد فى الصدقات فى قوله: {أية : ومنهم من يلمزك فى الصدقات} تفسير : الزكوات، وقد حصرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الثمانية أخذا من الحصر فى الآية بإنما، "حديث : قال زياد بن الحارث: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته، فأتاه رجل فقال: أعطنى من الصدقة، فقال: "إن الله تعالى لم يرض بحكم نبى ولا غيره فى الصدقات حتى حكم فيها" فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك"" تفسير : وليس المراد بالحصر إيجاب قسمها عليهم جميعا عندى، بل بيان أنها لا تخرج عنهم، فلو قسمها الإمام أو غيره بأمره، أو إذا لم يكن على بعضهم، أو صرفها فى واحد، أو أعطاها شخصا واحدا لجاز وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد وغيرهم، وذلك بالنظر والمصلحة، وبه قال ابن عباس: وحذيفة فى رواية عنهما من وغيرهما من الصحابة، وابن جبير، ويقدم الأحوج فالأحوج، ولكن لا بد للعامل من أجرة إلا إن تركها. وقال الشافعى: تصرف للأصناف الثمانية كلها، إلا إن لم يوجد منهم صنف، وبه قال عمر، وحذيفة، وابن عباس فى رواية عنهما، وعكرمة، والزهرى ثم قيل: يسوى بينهم، ثم قيل: وليس كذلك عندى، إذ قد يكون العامل ما تعنى إلا يسيرا، وقد يتعنى كثيرا، ويكون أشد فقرا فيأخذ من الجهتين، وكذا الباقون قد يتفاوتون فى الحاجة. وقال النخعى: إذا كثر المال قسم بينهم جميعا، وإلا أعطاه صنفا واحدا، ويقسم سهم الصنف بين ثلاثة منه فأكثر، وأجيز لشخص واحد، وإنما يعطى الإنسان بقدر ما يدفع عن نفسه الحاجة كالدَّيْن، وما كوتب به، وما يشترى به ما لا بد له منه كمسكن، ولا بأس بالزيادة على ذلك ما لم يبلغ فيها النصاب، هذا ما عندى. وقال أحمد: لا يعطى أكثر من الخمسين درهما، على أن الغنى من له خمسون درهما، وأبو حنيفة لا تتم له مائتا درهم، لأن من له المائتان غنى، وإذا تمتا جاز، وقال الحسن: لا يعطى أكثر من أربعين، على أن ملكها غنى، وإن عدم المحترف القوى آلة الحرفة أعطى قدر ما يحصلها. ويفضل فى الزكاة العالم المشتغل بأمر المسلمين، ويعطى نفقته وكسوته ومؤنة عياله، ومن أعطاها إنسانا وتبين أنه غنى ردها منه، وإن تعمد فلا يحكم له بالرد ويعيدها، وقيل: إذا لم يتعمد وتبين غناه بفور ذلك أخذها منه، وإلا فإن غره ضمنها، وإن عقد جوازها له أو لم يتحقق مقصد المعطى، فإن انتفع بها ضمن وإن تلفت ولم ينتفع بها لم يضمن، وفى جزائها عن المعطى قولان وبالإجزاء يقول الحسن. وللإمام أو نائبه تفريقها فى فقراء من أخذت منه بالنظر والمصلحة ولا يجوز لغير الإمام ونائبه أن يخرج زكاته من بلده، وإن فعل ووصلت أصحابها أجزأت قيل: اتفاقا، وقد ردها عمر بن عبد العزيز إلى خرسان من الشام، إذ وجهت إليه. ولا تحل لبنى هاشم والمطلب، وقال أبو حنيفة: تحل لبنى المطلب، ولا تحرم على موالى بنى هاشم والمطلب عند مالك، وقيل: تحرم بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مولى القوم منهم" تفسير : والظاهر أنه لا دليل فيه إذ لا يوصله كونه منهم إلى تحريم الزكاة عنه، إذ ليس منهم بالنسب، ثم رأيت حديثا نصا فى أنه لا تحل له، أخرجه الترمذى والنسائى، وهو: أنه استعمل صلى الله عليه وسلم عاملا على الصدقات من بنى مخزوم، فأراد أبو رافع أن يتبعه فقال: لا تحل لنا الصدقة، وإن موالى القوم منهم، قال ابن القاسم صاحب مالك: يعطى بنو هاشم من صدقة التطوع ومواليهم منها، ومن صدقة الفرض، ولا يعطى صاحب المال زكاته من تلزمه نفقته، وقال أبو حنيفة لا يعطيها أباه وإن علا، ولا ابنه وإن سفل، ولا زوجته، ويعطى من عداهم. وإنما شرعت الزكاة والله أعلم تأليفا بين صاحب المال والمحتاج، وإعانة على العبادة، ورحمة للمحتاج، ولأن حب المال يشغل عن الله، ويبعد عنه، فشرعت فيه، ليتقرب بها إليها، وليقل المال الذى هو سبب لقسوة القلب، وحب الدنيا، ولامتحان العبد، لأن التكاليف البدنية أقل مشقة على العبد، ولأن المال مال الله، والأغنياء خزان الله، والفقراء عيال الله، فليصرفوا على عياله من خزائنه، وإلا عوقبوا، ولتطيب نفس المحتاج إذ ربما تعلقت نفسه بما فى يد غنى، ولأن الفاضل عن الحاجة من المال يبقى متعطلا، فشرعت لئلا يتعطل المال بالكلية. {للفُقرَاء} من لا مال لهم ولا كسب، يقع موقعا من حاجتهم كأن فقارهم مكسورة بالحاجة. {والمسَاكِينِ} من لهم مال أو كسب لا يكفيهم، كأن العجز أسكنهم فما يتحركون قاله الشافعى، والأصمعى، واستدلا بقوله تعالى: {أية : أما السفينة فكانت لمساكين} تفسير : والسفينة تسوى دنانير كثيرة، وبأنه صلى الله عليه وسلم يسأل المسكنة ويتعوذ من الفقر، روى أنس قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم أحينى مسكينا، وأمتنى مسكينا واحشرنى فى زمرة المساكين ". تفسير : وبالابتداء فى الآية للفقراء، مع أن القصد بها دفع الحاجة، فيفهم أنه بدأ بهم، ولأنهم أشد حاجة، لأن الابتداء بالأهم أولى، وقد يجاب بأنه سماهم فى الآية الأولى مساكين بالإضافة إلى الغاصب، وإن كانوا أغنياء، أو على طريق العرب فى الشقة تقول فى جماعة مظلومة: هم مساكين لا حيلة لهم، ولو كانوا أغنياء، وكما ورد: يا ابن آدم يا مسكين أو إضافتها إليهم لملابستهم لها بالعمل لا لملكهم إياها. قال النقاش: وقد قرأ لمساكين بتشديد السين بمعنى دباغين يصلحون المسوك وأن الابتداء بالأهم غير متعين، ولو كان أولى فبالاحتمال يرفع الاستدلال، ولم يظهر لى جواب عن الحديث، بل هو كالنص فى قول الشافعى وهو الصحيح. وقال أبو حنيفة، وأصحاب الرأى: المسكين أشد من الفقير لقوله عز وجل: {أية : أو مسكينا ذا متربة} تفسير : أى لاصق الجلد بالتراب لغاية الشدة، وأنه ساكن لا حركة به، بخلاف من كسرت فقار ضهره فقد يتحرك، ولجعل الله سبحانه الكفارة للمساكين، أو لقول الراعى: شعر : أما الفقير الذى كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سبد تفسير : ويجاب بأن الشدة إنما أفادها النعت وهو ذا متربة، ولولا التقييد به لم تستفد من الكلام، فدل على أنه قد يوجد مسكين بدون هذه الصفة، وكان المستدل يرى أن هذا النعت بيان لما دلّ عليه لفظ مسكين لا قيد، وأن المسكين أبدا كذلك، وبأن الفقير إذا ذكر وحده يجوز إطلاق اسم المسكين عليه، وبأنه إنما سماه فقيرا بعد أن صار لا حلوبة له، وإنما ذكر الحلوبة بأنها كانت كذا قيل، ويرده معنى القصيدة، ومقصد الشاعر، فإنه إنما يصف سعاية أتت على حال الحى بأجمعهم، فقال: أما الفقير فاستوصل ماله فكيف بالغنى مع هذه الحال. وقال الحسن ومجاهد، وعكرمة، والزهرى: الفقير من لا يسأل، والمسكين من يسأل، وهو قول ابن عباس، وابن زيد، وجابر بن زيد، ومحمد ابن مسلمة، ووجهه عندى أن المسكين قد ذل وخضع، وبذل وجهه وسأل كما ينبىء بذلك ظهور المسكنة عليه، بخلاف الفقير، فلم يفعل التعفف، المفرط، أو البلغة، وقد وصف الله سبحانه بنى إسرائيل بالمسكنة، وقرنها بالبذل، ووصف الفقراء بأنهم لا يستطيعون ضربا فى الأرض، وأن الجاهل يحسبهم أغنياء من التعفف، وفى الحديث: "حديث : ليس المسكين بهذا الطواف الذى ترده اللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذى لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه اقرءوا إن شئتم: {لا يسألون الناس إلحافا}" تفسير : أى إن المسكين هو الطواف فى لغتكم هو المسكين، وأنا أنبهكم على المسكين الذى له شأن، وهو من لا يسأل إلحافا، وهذا كما يقول: ليس الفقير من لا مال له، إنما الفقير من لا حسنة له. وقيل: الفقير المحتاج الزمن، والمسكين المحتاج الصحيح، وزعم عكرمة فيما قيل عنه: أن الفقراء من المسلمين، والمساكين من أهل الذمة، ولعل هذا إذا جمعا ذكر الفريقان، وأن ذكر الفقراء فقط، أو المساكين عم، وقيل: الفقير من هاجر، والمسكين من لم يهاجر، ونسب للضحاك والنخعى، وقيل: الفقير الذى له المسكن والخادم، والمسكين لا ملك له، ومن ادعى الفقر أو المسكنة أعطى، وقيل: لا يُعطى إلا ببيان ولا تجبى لغائب إن جاوز فرسخين، وإن كان قريبا ولم يجاوزهما، فالحاضر الأجنبى أولى، وقيل: هو أولى، وقيل: هما. {والعَامِلينَ عَليْها} الساعين فى تحصيلها أو جمعها فيعطون، ولو كانوا أغنياء بقدر عنائهم عندنا وعند الشافعى، وهو قول ابن عمر وهو الصحيح، وله الأكل والركوب، وقال مجاهد، والضحاك، يعطون الثمن، والجمهور على الأول، وهذا مذهب مالك، فإن كان عناؤهم أكثر من الثمن تمم لهم من الأنصباء، وقيل: من خمس الغنيمة، ولا يجوز المهاشمى أو المطَّلبى أن يكون عاملا على الصدقات على الراجح عندهم، لحديث أبى رافع المذكور، وإن عمل أعطى أجرته منها، وقيل: من الخمس، وما يعطى للعامل هدية فهو لبيت المال إذا كان قد أعطى له لكونه عاملا. {والمؤلَّفةِ قُلُوبُهم} سواء قد كانوا أسلموا وضعفت نيتهم كالأقرع بن حابس، أو كانوا كفارا يخاف منهم إعانة العدو، أو القطع على المؤمنين، أو يرجو منهم إعانة المؤمنين، أو يرجو منهم الإسلام، ولا سيما إن كانوا أشرافا يسلم الكثير بإسلامهم، أو كفارا كان فى قربهم مؤمنون، ولا تصلهم جنود الإسلام، وقيل إنما يعطى غير النوع الأول من الغنيمة من خمس الخمس، وهو سهم سبيل الله، ويجوز أن يعطى من الزكاة للأشراف المؤمنين الأغنياء ترغيبا لأقوامهم وأمثالهم فى الإسلام، كما يعطون من الغنيمة. ويعطى منها، وقيل من الزكاة: من يأخذ الزكاة من قومه للإمام، وقد كرهوا. جاء عدى بن حاتم بثلاثمائة بعير من صدقة قومه، فأعطاه أبو بكر ثلاثين منها، قيل: وكان صلى الله عليه وسلم يعطى قوما كفارا ليقاتل الكفار ومانع الزكاة، والصحيح أن منهم المؤلفة قلوبهم باق إلى يوم القيامة إذا خيف منهم لضعف الإسلام. وزعم بعض أنه ساقط من حين عزّ الإسلام لمنع عمر سهمهم، وإذا تأملت وجدت أن عمر لا ينكر التوليف جملة، وفى ثغور الإسلام على الإطلاق، بل تعليله بكون الإسلام قد ينزل بدل على رجوع سهمهم إذا لم ينزل، وفسر الزهرى المؤلفة بمن أسلم من يهودى أو نصرانى ليحب الإسلام. {وفى الرِّقابِ} عطف على قوله: {للفقراء} وقدر بعض تصرف فى فك الرقاب من الرق، على أن المكاتب عبد ما لم يخلص، ويقدر عندنا فى فك الرقاب مما عليها، أو على أن المراد بقوله: {وفى الرقاب} العتق والولاء لصاحبه، وقيل: لجماعة المسلمين، فيرجع لبيت المال، وعند الولاء لصاحب المكاتب، وأما المعتق من الزكاة فعلى تقدير جواز ذلك فولاؤه لبيت المال، وعدل عن اللام إلى فى، إيذانا بأن الرقاب والغارم والسبيل، وابنه أحق بالصدقة وأرسخ، فهم ظرف لها، وموضع ومنصب لما فى ذلك من فك المكاتب مما عليه والأسر والدين وجمع السبيل بين العبادة والفقر والغربة عن الأهل والمال. وقيل: عدل إلى اللام إيذانا بأن الاستحقاق للجملة لا للرقاب، والمراد، والله أعلم، فك المكاتب مما كاتب عليه، سواء كاتب على نجوم أو دفعة، لكن إن كانت على نجوم لا يعطى له إلا للنجم الحاضر، وان أعطى للكل جاز، والمكاتب حر عندنا، ولو لم يؤد شيئا فما يعطى فى يده فيعطيه لمن كاتبه، وما فضل يعطيه لمكاتب مثله، كما قال، صلى الله عليه وسلم، لأول مكاتب وهو أبو مؤمل، وقال غيرنا: فهو عبد ما لم يتخلص مما كوتب عليه كله، فسهمه يعطى لسيده، وأن هذا هو فائدة العدول إلى فى والمعنى فى تخليص الرقاب من الرق، ولا يمكنون من التصرف فى سهمهم، وكذا قيل فى الغارم، يعطى بمراقبة ومحاسبة فى قضاء دينه، وكذا الغازى وابن السبيل إنما يصرف إليها ما يحتاجان إليه. وقال مالك، وأحمد: الرقاب للعبيد يشترون ويعتقون، لرواية عن ابن عباس: لا بأس أن يعتق الرجل من الزكاة، وقال أبو حنيفة: لا يعتق بها رقبة كاملة، لكن يعطى منها فى عتقها، ويعان بها مكاتب، وقال الزهرى: نصف للمكاتبين ونصف ليشترى به عبيدا قدم إسلامهم فيعتقون، وعن مالك: يعتق العبد ويعان المكاتب، والواضح ما ذهبنا إليه، والشافعى: أن المراد إعطاء المكاتب، لأن هذه الأصناف إنما تعطى لمنفعة المسلمين، أو لحاجة فى أنفسها، والعبد ليست له علة من هاتين، ويدل له أيضا: {أية : وآتوهم من مال الله الذى آتاكم} تفسير : لكنه عبد عند الشافعى ما لم يتخلص، ويعجبنى قول ابن حبيب من المالكية بأنه فدى الأسارى من سهم الرقاب ومنعه غيره. {والغَارِمِينَ} المدينين بلا إسراف، ولا فساد، ولا معصية، ولم يكن لهم وفاء، ولا صلاح، سوى أن كانوا لأنفسهم أو لإصلاح ذات البين، قلت: بل يعطى منها من دانوا بصلاح ذات البين ولو كانوا أغنياء لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تحل الصدقة لغنى إلا لخمسة: لغاز فى سبيل الله، أو لغارم، أو رجل اشتراها بماله، أو رجل له جار مسكين فتصدق على المسكين، فأهدى المسكين للغنى، أو لعامل عليها" تفسير : وأراد بالغارم من دان لإصلاح ذات البين، وقيل لا تعطى لمن دان لنفسه، وهو قول ضعيف، وقيل: الغريم تباع عروضه وجميع ما يملك، ثم يعطى بالفقر ولا يعطى منها من عليه دين الله ككفارة وحج وزكاة ليؤديه، وقيل: تعطى وإنما الغارم من عليه دين يسجن فيه، واختلفوا فى دين الميت هل يؤدى منها؟. {وفى سَبيلِ اللهِ} كالإنفاق على الغازى، وشراء السلاح والدواب، وقيل: لا يعطى منها الغازى إلا إن كان ضعيفا، وأجاز بعضهم الصرف من سهم السبيل فى بناء القناطر والمصانع، بل فسر بعضهم السبيل هذا، والذى أقول به: إن المراد أن يعطى منها الغازى نفقة وكسوة وحمولة وسلاحا، ويبنى منها ما ذكر، ويصرف منها على كل ما يعين على القتال، كبناء الحصون للقتال، ولا يعطى منها الحاج إلا إن كان فقيرا. وزعموا عن ابن عباس، وابن عمر: أنه يعطى منها ولو كان غنيا، والحج سبيل الله، ولا يعطى منها فى بناء مسجد، أو شراء مصحف، ونحو ذلك، وقيل: إن اللفظ عام فيجوز صرفها فى وجوه الأجر كلها كشراء مصحف، وكتاب، وتكفين ميت، وعمارة المسجد، والجمهور على غير هذا. {وابْنِ السَّبيلِ} المسافر فى مباح أو طاعة إذا انقطع به أعطى، ولو كن غنيا فى بلده، وقيل: هو من أراد سفرا مباحا، أو فى طاعة ولم يجد ما يقطع به، ولو كان له مال فى البلد الذى يقصده، وقال قتادة: ابن السبيل الضعيف، وقال أهل العراق: الحاج المنقطع، وإضافة مذكور للسبيل لملابسته للسبيل، ومن ادعى أنه غارم، أو مكاتب، أو ابن سبيل، أو فى سبيل الله، أو نحو ذلك لم يعط إلا ببينة، وإن فضل عن هؤلاء ردوه فى مثلهم. {فَريضَةً مِنَ اللهِ} مصدر مؤكد لمعنى الجملة، لأن معنى {إنما الصدقات للفقراء} إلى آخره إيجابها لمن ذكر، وقرىء بالرفع على أنه صفة خبر لمحذوف، أى تلك فريضة، ويجوز لى قراءة النصب كونه صفة حالا من ضمير الاستقرار فى قوله: {للفقراء} {واللهُ عَليمٌ حَكيمٌ} يضع الأشياء مواضعها.
الالوسي
تفسير : {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ} الخ يعني أن الذي ينبغي أن يقسم مال الله عليه من اتصف بإحدى هذه الصفات دون غيره إذ القصد الصلاح والمنافقون ليس فيهم سوى الفساد فلا يستحقونه وفي ذلك حسم لأطماعهم الفارغة ورد لمقالتهم الباطلة، والمراد من الصدقات الزكوات فيخرج غيرها من التطوع، والفقير على ما روي عن الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه من له أدنى شيء وهو ما دون النصاب أو قدر نصاب غير نام وهو مستغرق في الحاجة، والمسكين من لا شيء له فيحتاج للمسألة لقوته وما يواري بدنه ويحل له ذلك بخلاف الأول حيث لا تحل له المسألة فإنها لا تحل لمن يملك قوت يومه بعد ستر بدنه، وعند بعضهم لا تحل لمن كان كسوباً أو يملك خمسين درهماً. فقد أخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من سألنا وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب» تفسير : وإلى هذا ذهب الثوري وابن المبارك وأحمد واسحاق، وقيل: من ملك أربعين درهماً حرم عليه السؤال لما أخرج أبو داود عن أبـي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف» تفسير : وكان الأوقية في ذلك الزمان أربعين درهماً. ويجوز صرف الزكاة لمن لا تحل له المسألة بعد كونه فقيراً، ولا يخرجه عن الفقر ملك نصب كثيرة غير نامية إذا كانت مستغرقة للحاجة، ولذا قالوا: يجوز للعالم وإن كانت له كتب تساوي نصباً كثيرة إذا كان محتاجاً إليها للتدريس ونحوه أخذ الزكاة بخلاف العامي وعلى هذا جميع آلات المحترفين. وعلى ما نقل عن الإمام يكون المسكين أسوأ حالاً من الفقير، واستدل بقوله تعالى: {أية : أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } تفسير : [البلد: 16] أي / ألصق جلده بالتراب في حفرة استتر بها مكان الإزار وألصق بطنه به لفرط الجوع فإنه يدل على غاية الضرر والشدة ولم يوصف الفقير بذلك، وبأن الأصمعي وأبا عمرو بن العلاء وغيرهما من أهل اللغة فسروا المسكين بمن لا شيء له، والفقير بمن له بلغة من العيش. وأجيب بأن تمام الاستدلال بالآية موقوف على أن الصفة كاشفة وهو خلاف الظاهر، وأن النقل عن بعض أهل اللغة معارض بالنقل عن البعض الآخر. وقال الشافعي عليه الرحمة: الفقير من لا مال له ولا كسب يقع موقعاً من حاجته، والمسكين من له مال أو كسب لا يكفيه، فالفقير عنده أسوأ حالاً من المسكين، واستدل له بقوله تعالى: {أية : أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَـٰكِينَ } تفسير : [الكهف: 79] فأثبت للمسكين سفينة، وبما رواه الترمذي عن أنس وابن ماجه والحاكم عن أبـي سعيد قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين» تفسير : مع ما رواه أبو داود عن أبـي بكرة أنه عليه الصلاة والسلام كان يدعو بقوله: «حديث : اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر» تفسير : وخبر «الفقر فخري» كذب لا أصل له. وبأن الله تعالى قدم الفقير في الآية ولو لم تكن حاجته أشد لما بدأ به، وبأن الفقير بمعنى المفقور أي مكسور الفقار أي عظام الصلب فكان أسوأ. وأجيب عن الأول بأن السفينة لم تكن ملكاً لهم بل هم أجراء فيها أو كانت عارية معهم أو قيل لهم مساكين ترحماً كما في الحديث «حديث : مساكين أهل النار» تفسير : وقوله:شعر : مساكين أهل الحب حتى قبورهم عليها تراب الذل بين المقابر تفسير : وهذا أولى، وعن الثاني بأن الفقر المتعوذ منه ليس إلا فقر النفس لما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يسأل العفاف والغنى والمراد به غنى النفس لا كثرة الدنيا، وعن الثالث بأن التقديم لا دليل فيه إذ له اعتبارات كثيرة في كلامهم، وعن الرابع بأنا لا نسلم أن الفقير مأخوذ من الفقار لجواز كونه من فقرت له فقرة من مالي إذا قطعتها فيكون له شيء، وأياً ما كان فهما صنفان، وقال الجبائي: إنهما صنف واحد والعطف للاختلاف في المفهوم، وروي ذلك عن محمد وأبـي يوسف، وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أوصى بثلث ماله مثلا لفلان وللفقراء والمساكين فمن قال: إنهما صنف واحد جعل لفلان النصف ومن قال: إنهما صنفان جعل له الثلث من ذلك. {وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا} وهم الذين يبعثهم الإمام لجبايتها، وفي «البحر» أن العامل يشمل العاشر والساعي. والأول من نصبه الإمام على الطريق ليأخذ الصدقات من التجار المارين بأموالهم عليه. والثاني هو الذي يسعى في القبائل ليأخذ صدقة المواشي في أماكنها، ويعطي العامل ما يكفيه وأعوانه بالوسط مدة ذهابهم وإيابهم ما دام المال باقياً إلا إذا استغرقت كفايته الزكاة فلا يزاد على النصف لأن التنصيف عين الإنصاف. وعن الشافعي أنه يعطى الثمن لأن القسمة تقتضيه وفيه نظر، وقيد بالوسط لا يجوز أن يتبع شهوته في المأكل والمشرب والملبس لكونه إسرافاً محضاً، وعلى الإمام أن يبعث من يرضى بالوسط من غير إسراف ولا تقتير، وببقاء المال لأنه لو أخذ الصدقة وضاعت من يده بطلت عمالته ولا يعطى من بين المال شيئاً وما يأخذه صدقة، ومن هنا قالوا: لا تحل العمالة لهاشمي لشرفه، وإنما حلت للغني مع حرمة الصدقة عليه لأنه فرغ نفسه لهذا العمل فيحتاج إلى الكفاية، والغنى لا يمنع من تناولها عند الحاجة كابن السبيل كذا في «البدائع»، والتحقيق أن في ذلك شبهاً بالأجرة وشبهاً بالصدقة، فبالاعتبار الأول حلت للغني ولذا لا يعطى لو أداها صاحب المال إلى الإمام، وبالاعتبار الثاني لا تحل للهاشمي. وفي «النهاية» رجل من بني هاشم استعمل على الصدقة فأجري له منها / رزق فإنه لا ينبغي له أن يأخذ من ذلك، وإن عمل فيها ورزق من غيرها فلا بأس به، وهو يفيد صحة توليته وأن أخذه منها مكروه لا حرام، وصرح في «الغاية» بعدم صحة كون العامل هاشمياً أو عبداً أو كافراً، ومنه يعلم حرمة تولية اليهود على بعض الأعمال وقد تقدمت نبذة من الكلام على ذلك. {وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} وهم كانوا ثلاثة أصناف. صنف كان يؤلفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلموا. وصنف أسلموا لكن على ضعف كعيينة بن حصن والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس السلمي فكان عليه الصلاة والسلام يعطيهم لتقوى نيتهم في الإسلام. وصنف كانوا يعطون لدفع شرهم عن المؤمنين، وعد منهم من يؤلف قلبه بإعطاء شيء من الصدقات على قتال الكفار ومانعي الزكاة. وفي «الهداية» ((أن هذا الصنف من الأصناف الثمانية قد سقط وانعقد إجماع الصحابة على ذلك في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه. روي أن عيينة والأقرع جاءا يطلبان أرضاً من أبـي بكر فكتب بذلك خطاً فمزقه عمر رضي الله تعالى عنه وقال: هذا شيء يعطيكموه رسول الله صلى الله عليه وسلم تأليفاً لكم فأما اليوم فقد أعز الله تعالى الإسلام وأغنى عنكم فإن ثبتم على الإسلام وإلا فبيننا وبينكم السيف. فرجعوا إلى أبـي بكر فقالوا: أنت الخليفة أم عمر؟ بذلت لنا الخط ومزقه عمر، فقال رضي الله تعالى عنه: هو إن شاء ووافقه، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع احتمال أن فيه مفسدة كارتداد بعض منهم وإثارة ثائرة)). ((واختلف كلام القوم في وجه سقوطه بعد النبـي صلى الله عليه وسلم بعد ثبوته بالكتاب إلى حين وفاته ـ بأبـي هو وأمي عليه الصلاة والسلام ـ فمنهم من ارتكب جواز نسخ ما ثبت بالكتاب بالإجماع بناء على أن الإجماع حجة قطعية كالكتاب وليس بصحيح من المذهب؛ ومنهم من قال: هو من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علته كانتهاء جواز الصوم بانتهاء وقته وهو النهار. ورد بأن الحكم في البقاء لا يحتاج إلى علة كما في الرمل والاضطباع في الطواف فانتهاؤها [قد] لا يستلزم انتهاءه وفيه بحث. وقال علاء الدين عبد العزيز: والأحسن أن يقال: هذا تقرير لما كان في زمن النبـي صلى الله عليه وسلم من حيث المعنى، وذلك أن المقصود بالدفع إليهم كان إعزاز الإسلام لضعفه في ذلك الوقت لغلبة أهل الكفر وكان الإعزاز بالدفع، ولما تبدلت الحال بغلبة أهل الإسلام صار الإعزاز في المنع، وكان الإعطاء في ذلك الزمان والمنع في هذا الزمان بمنزلة الآلة لإعزاز الدين والإعزاز هو المقصود وهو باق على حاله فلم يكن ذلك نسخاً، كالمتيمم وجب عليه استعمال التراب للتطهير لأنه آلة متعينة لحصول التطهير عند عدم الماء فإذا تبدلت حاله فوجد الماء سقط الأول ووجب استعمال الماء لأنه صار متعيناً لحصول المقصود ولا يكون هذا نسخاً للأول فكذا هذا وهو نظير إيجاب الدية على العاقلة فإنها كانت واجبة على العشيرة في زمن النبـي صلى الله عليه وسلم، وبعده على أهل الديوان لأن الإيجاب على العاقلة بسبب النصرة والاستنصار في زمنه صلى الله عليه وسلم كان بالعشيرة وبعده عليه الصلاة والسلام بأهل الديوان، فإيجابها عليهم لم يكن نسخاً بل كان تقريراً للمعنى الذي وجبت الدية لأجله وهو الاستنصار))ا هـ. واستحسنه في «النهاية». وتعقبه ابن الهمام ((بأن هذا لا ينفي النسخ لأن إباحة الدفع إليهم حكم شرعي كان ثابتاً وقد ارتفع))، وقال بعض المحققين: إن ذلك نسخ ولا يقال: نسخ الكتاب بالإجماع لا يجوز على الصحيح لأن الناسخ دليل الإجماع لا هو بناء على أنه لا إجماع إلا عن مستند فإن ظهر وإلا وجب الحكم بأنه ثابت، على أن الآية التي أشار إليها عمر رضي الله تعالى عنه وهي قوله سبحانه: {أية : وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } تفسير : [الكهف: 29] يصلح لذلك وفيه نظر، فإنه إنما يتم لو ثبت نزول هذه الآية بعد هذه ولم يثبت، وقال قوم: لم يسقط سهم هذا الصنف، وهو قول الزهري وأبـي جعفر / محمد بن علي وأبـي ثور، وروي ذلك عن الحسن، وقال أحمد: يعطون أن احتاج المسلمون إلى ذلك. وقال البعض: إن المؤلفة قلوبهم مسلمون وكفار والساقط سهم الكفار فقط. وصحح أنه عليه الصلاة والسلام كان يعطيهم من خمس الخمس الذي كان خاص ماله صلى الله عليه وسلم. {وَفِي ٱلرِّقَابِ} أي للصرف في فك الرقاب بأن يعان المكاتبون بشيء منها على أداء نجومهم، وقيل: بأن يبتاع منها الرقاب فتعتق، وقيل: بأن يفدي الأسارى، وإلى الأول ذهب النخعي والليث والزهري والشافعي، وهو المروي عن سعيد بن جبير وعليه أكثر الفقهاء، وإلى الثاني ذهب مالك وأحمد وإسحق، وعزاه الطيبي إلى الحسن، وفي «تفسير الطبري» أن الأول هو المنقول عنه. {وَٱلْغَـٰرِمِينَ} أي الذين عليهم دين، والدفع إليهم كما في «الظهيرية» أولى من الدفع إلى الفقير وقيدوا الدين بكونه في غير معصية كالخمر والإسراف فيما لا يعنيه، لكن قال النووي في «المنهاج» قلت: والأصح أن من استدان للمعصية يعطى إذا تاب وصححه في «الروضة»، والمانع مطلقاً قال: إنه قد يظهر التوبة للأخذ، واشترط أن لا يكون لهم ما يوفون به دينهم فاضلاً عن حوائجهم ومن يعولونه، وإلا فمجرد الوفاء لا يمنع من الاستحقاق، وهو أحد قولين عند الشافعية وهو الأظهر. وقيل: لا يشترط لعموم الآية. وأطلق القدوري. وصاحب «الكنز» من أصحابنا المديون في باب المصرف، وقيده في «الكافي» بأن لا يملك نصاباً فضلاً عن دينه ووذكر في «البحر» أنه المراد بالغارم في الآية إذ هو في اللغة من عليه دين ولا يجد قضاء كما ذكره العتبـي. واعتذر عن عدم التقييد بأن الفقر شرط في الأصناف كلها إلا العامل وابن السبيل إذا كان له في وطنه مال فهو بمنزلة الفقير، وهل يشترط حلول الدين أولا قولان للشافعية. ويعطى عندهم من استدان لإصلاح ذات البين كأن يخاف فتنة بين قبيلتين تنازعتا في قتيل لم يظهر قاتله أو ظهر فأعطي الدية تسكيناً للفتنة، ويعطى مع الغنى مطلقاً، وقيل: إن كان غنياً بنقد لا يعطى. {وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ}. أريد بذلك عند أبـي يوسف منقطعو الغزاة، وعند محمد منقطعو الحجيج. وقيل: المراد طلبة العلم واقتصر عليه في «الفتاوى الظهيرية»، وفسره في «البدائع» ((بجميع القرب فيدخل فيه كل من سعى في طاعة الله تعالى وسبل الخيرات)). قال في «البحر»: ولا يخفى أن قيد الفقر لا بد منه على الوجوه كلها فحينئد لا تظهر ثمرته في الزكاة وإنما تظهر في الوصايا والأوقاف انتهى. وفي «النهاية» فإن قيل: إن قوله سبحانه {وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} مكرر سواء أريد منقطع الغزاة أو غيره لأنه إما أن يكون له في وطنه مال أم لا فإن كان فهو ابن السبيل وإن لم يكن فهو فقير، فمن أين يكون العدد سبعة على ما يقول الأصحاب أو ثمانية على ما يقول غيرهم. وأجيب بأنه فقير إلا أنه ازداد فيه شيء آخر سوى الفقر وهو الانقطاع في عبادة الله تعالى من جهاد أو حج فلذا غاير الفقير المطلق فإن المقيد يغاير المطلق لا محالة، ويظهر أثر التغاير في حكم آخر أيضاً وهو زيادة التحريض والترغيب في رعاية جانبه وإذا كان كذلك لم تنقص المصارف عن سبعة وفيه تأمل انتهى، ولا يخفي وجهه. وذكر بعضهم أن التحقيق ما ذكره الجصاص في «الأحكام» أن من كان غنياً في بلده بداره وخدمه وفرسه وله فضل دراهم حتى لا تحل له الصدقة فإذا عزم على سفر جهاد احتاج لعدة وسلاح لم يكن محتاجاً له في إقامته فيجوز أن يعطى من الصدقة وإن كان غنياً في مصره وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الصدقة تحل للغازي الغني» تفسير : فافهم / ولا تغفل. {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} وهو المسافر المنقطع عن ماله، والاستقراض له خير من قبول الصدقة على ما في «الظهيرية». وفي «فتح القدير» ((أنه لا يحل له أن يأخذ أكثر من حاجته، وألحق به كل من هو غائب عن ماله وان كان في بلده)). وفي «المحيط» وإن كان تاجراً له دين على الناس لا يقدر على أخذه ولا يجد شيئاً يحل له أخذ الزكاة لأنه فقير يداً كابن السبيل. وفي «الخانية» تفصيل في هذا المقام قال: والذي له دين مؤجل على إنسان إذا احتاج إلى النفقة يجوز له أن يأخذ من الزكاة قدر كفايته إلى حلول الأجل، وإن كان الدين غير مؤجل فإن كان من عليه الدين معسراً يجوز له أن يأخذ الزكاة في أصح الأقاويل لأنه بمنزلة ابن السبيل، وإن كان المديون موسراً معترفاً لا يحل له أخذ الزكاة وكذا إذا كان جاحداً وله عليه بينة عادلة، وإن لم تكن عادلة لا يحل له الأخذ أيضاً ما لم يرفع الأمر إلى القاضي فيحلفه فإذا حلفه يحل له الأخذ بعد ذلك ا هـ، والمراد من الدين ما يبلغ نصاباً كما لا يخفي. وفي «فتح القدير» ولو دفع إلى فقيرة لها مهر دين على زوجها يبلغ نصاباً وهو موسر بحيث لو طلبت أعطاها لا يجوز، وإن كان بحيث لا يعطى لو طلبت جاز ا هـ. وهو مقيد لعموم ما في «الخانية»، والمراد من المهر ما تعورف تعجيله لأن ما تعورف تأجيله فهو دين مؤجل لا يمنع أخذ الزكاة، ويكون في الأول عدم إعطائه بمنزلة إعساره، ويفرق بينه وبين سائر الديون بأن رفع الزوج للقاضي مما لا ينبغي للمرأة بخلاف غيره، لكن في «البزازية» دفع الزكاة إلى أخته وهي تحت زوج إن كان مهرها المعجل أقل من النصاب أو أكثر لكن الزوج معسر له أن يدفع إليها الزكاة وإن كان موسراً والمعجل قدر النصاب لا يجوز عندهما وبه يفتى للاحتياط، وعند الإمام يجوز مطلقاً. هذا، والعدول عن اللام إلى {فِي} في الأربعة الأخيرة على ما قال الزمخشري للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق الصدقة ممن سبق ذكره لما أن {فِي} للظرفية المنبئة عن إحاطتهم بها وكونهم محلها ومركزها وعليه فاللام لمجرد الاختصاص، وفي «الانتصاف» ((أن ثم سرا آخر هو أظهر وأقرب وذلك أن الأصناف [الأربعة] الأوائل ملاك لما عساه أن يدفع إليهم وإنما يأخذونه تملكاً فكان دخول اللام لائقاً بهم، وأما الأربعة الأواخر فلا يملكون لما يصرف نحوهم بل ولا يصرف إليهم ولكن يصرف في مصالح تتعلق بهم، فالمال الذي يصرف في الرقاب إنما يتناوله السادة المكاتبون أو البائعون فليس نصيبهم مصروفاً إلى أيديهم حتى يعبر عن ذلك باللام المشعرة بملكهم لما يصرف نحوهم وإنما هم محال لهذا الصرف ولمصالحه المتعلقة به، وكذلك الغارمون إنما يصرف نصيبهم لأرباب ديونهم تخليصاً لذممهم لا لهم، وأما في سبيل الله فواضح فيه ذلك، وأما ابن السبيل فكأنه كان مندرجاً في سبيل الله، وإنما أفرد بالذكر تنبيهاً على خصوصيته مع أنه مجرد من الحرفين جميعاً. وعطفه على المجرور باللام ممكن ولكن عطفه على القريب [منه] أقرب))، وما أشار إليه من أن المكاتب لا يملك وإنما يملك المكاتب هو الذي أشار إليه بعض أصحابنا. ففي «المحيط» قالوا: إنه لا يجوز إعطاء الزكاة لمكاتب هاشمي لأن الملك يقع للمولى من وجه والشبهة ملحقة بالحقيقة في حقهم وفي «البدائع» ما هو ظاهر في أن الملك يقع للمكاتب وحينئذ فبقية الأربعة بالطريق الأولى. والمشهور أن اللام للملك عند الشافعية وهو الذي يقتضيه مذهبهم حيث قالوا: لا بد من صرف الزكاة إلى جميع الأصناف إذا وجدت ولا تصرف إلى صنف مثلاً ولا إلى أقل من ثلاثة من كل صنف بل إلى ثلاثة أو أكثر إذا وجد ذلك، وعندنا يجوز للمالك أن يدفع الزكاة إلى كل واحد منهم وله أن يقتصر على صنف واحد / لأن المراد بالآية بيان الأصناف التي يجوز الدفع إليهم لا تعيين الدفع لهم، ويدل له قوله تعالى: {أية : وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } تفسير : [البقرة: 271] وأنه صلى الله عليه وسلم أتاه مال من الصدقة فجعله في صنف واحد وهو المؤلفة قلوبهم ثم أتاه مال آخر فجعله في الغارمين فدل ذلك على أنه يجوز الاقتصار على صنف واحد، ودليل جواز الاقتصار على شخص واحد منه أن الجمع المعرف بأل مجاز عن الجنس، فلو حلف لا يتزوج النساء ولا يشتري العبيد يحنث بالواحد؛ فالمعنى في الآية أن جنس الصدقة لجنس الفقير، فيجوز الصرف إلى واحد لأن الاستغراق ليس بمستقيم، إذ يصير المعنى إن كل صدقة لكل فقير وهو ظاهر الفساد، وليس هناك معهود ليرتكب العهد، ولا يرد ـ خالعني على ما في يدي من الدراهم ولا شيء في يدها ـ فإنه يلزمها ثلاثة، ولو حلف لا يكلمه الأيام أو الشهور فإنه يقع على العشرة عند الإمام وعلى الأسبوع والسنة عند الإمامين لأنه أمكن العهد فلا يحمل على الجنس. فالحاصل أن حمل الجمع على الجنس مجاز وعلى العهد أو الاستغراق حقيقة، ولا مساغ للخلف إلا عند تعذر الأصل، وعلى هذا ينصف الموصى به لزيد والفقراء كالوصية لزيد وفقير. وما ذهبنا إليه هو المروي عن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم، وبه قال سعيد بن جبير وعطاء وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل ومالك عليهم الرحمة. وذكر ابن المنير ((أن جده أبا العباس أحمد بن فارس كان يستنبط من تغاير الحرفين المذكورين (دليلاً) على أن الغرض بيان المصرف واللام لذلك [لام الملك] فيقول: متعلق الجار الواقع خبراً عن الصدقات محذوفاً فإما أن يكون التقدير إنما الصدقات مصروفة للفقراء كما يقول مالك (ومن معه) أو مملوكة للفقراء كما يقول الشافعي لكن الأول متعين لأنه تقدير يكتفى به في الحرفين جميعاً ويصح تعلق اللام به وفي معاً فيصح أن يقال: هذا الشيء مصروف في كذا ولكذا بخلاف تقدير مملوكة فإنه إنما يلتئم مع اللام وعند الانتهاء إلى (في) يحتاج إلى تقدير مصروفة ليلتئم بها فتقديره من الأول عام التعلق شامل الصحة متعين)) اهـ. وبالجملة لا يخفى قوة منزع الأئمة الثلاثة في الأخذ. ولذا اختار بعض الشافعية ما ذهبوا إليه، وكان والد العلامة البيضاوي عمر بن محمد ـ وهو مفتي الشافعية في عصره ـ يفتى به. {فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ} مصدر مؤكد لمقدر مأخوذ من معنى الكلام أي فرض لهم الصدقات فريضة، ونقل عن سيبويه أنه منصوب بفعله مقدراً أي فرض الله تعالى ذلك فريضة، واختار أبو البقاء كونه حالاً من الضمير المستكن في قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ} أي إنما الصدقات كائنة لهم حال كونها فريضة أي مفروضة، قيل: ودخلته التاء لإلحاقه بالأسماء كنطيحة {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بأحوال الناس ومراتب استحقاقهم {حَكِيمٌ} لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة من الأمور الحسنة التي من جملتها سوق الحقوق إلى مستحقيها.
ابن عاشور
تفسير : هذه الآية اعتراض بين جملة: {أية : ومنهم من يلمزك في الصدقات}تفسير : [التوبة: 58] وجملة {أية : ومنهم الذين يؤذون النبي}تفسير : [التوبة: 61] الآية. وهو استطراد نشأ عن ذكر اللمز في الصدقات أدمج فيه تبيين مصارف الصدقات. والمقصود من أداة الحصر: أن ليس شيء من الصدقات بمستحقّ للذين لَمَزوا في الصدقات، وحَصْر الصدقات في كونها مستحقّة للأصناف المذكورة في هذه الآية، فهو قصر إضافي أي الصدقات لهؤلاء لا لكم. وأمّا انحصارها في الأصناف الثمانية دون صنف آخر فيستفاد من الاقتصار عليها في مقام البيان إذ لا تكون صيغة القصر مستعملة للحقيقي والإضافي معاً إلاّ على طريقة استعمال المشترك في معنييه. والفقير صفة مشبّهة أي المتّصف بالفقر وهو عدم امتلاك ما به كفاية لوازم الإنسان في عيشه، وضدّه الغني. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما} تفسير : في سورة النساء (135). والمسكين ذو المسكنة، وهي المذلّة التي تحصل بسبب الفقر، ولا شكّ أنّ ذكر أحدهما يغني عن ذكر الآخر، وإنّما النظر فيما إذا جُمع ذكرهما في كلام واحد؛ فقيل: هو من قبيل التأكيد، ونسب إلى أبي يوسف ومحمد بن الحسن وأبي علي الجبائي، وقيل: يراد بكلّ من الكلمتين معنى غير المراد من الأخرى، واختلف في تفسير ذلك على أقوال كثيرة: الأوضح منها أن يكون المراد بالفقير المحتاج احتياجاً لا يبلغ بصاحبه إلى الضراعة والمذلّة. والمسكين المحتاج احتياجاً يُلجئه إلى الضراعة والمذلّة، ونسب هذا إلى مالك، وأبي حنيفة، وابن عباس، والزهري، وابن السكّيت، ويونسَ بن حبيب؛ فالمسكين أشدّ حاجة لأنّ الضراعة تكون عند ضعف الصبر عن تحمّل ألم الخصاصة، والأكثرُ إنمّا يكون ذلك من شدّة الحاجة على نفس المحتاج. وقد تقدّم الكلام عليهما عند قوله تعالى: {أية : وبذي القربى واليتامى والمساكين} تفسير : في سورة النساء (36). و{العاملين عليها} معناه العاملون لأجلها، أي لأجل الصدقات فحرف (على) للتعليل كما في قوله: {أية : ولتكبروا الله على ما هداكم}تفسير : [البقرة: 185] أي لأجل هدايته إيّاكم. ومعنى العمل السعي والخدمة وهؤلاء هم الساعون على الأحياء لجمع زكاة الماشية واختيار حرف (على) في هذا المقام لما يشعر به أصل معناه من التمكّن، أي العاملين لأجلها عملاً قوياً لأنّ السعاة يتجشّمون مشقّةً وعملاً عظيماً، ولعلّ الإشعار بذلك لقصد الإيمان إلى أنّ علّة استحقاقهم مركّبة من أمرين: كون عملهم لفائدة الصدقة، وكونه شاقّاً، ويجوز أن تكون (على) دالَّة على الاستعلاء المجازي، وهو استعلاء التصرف كما يقال: هو عامل على المدينة، أي العاملين للنبيء أو للخليفة على الصدقات أي متمكّنين من العمل فيها. وممّن كان على الصدقة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حَمَل بن مالك بن النابغة الهذلي كان على صدقات هُذيل. {والمؤلفة قلوبهم} هم الذين تؤلّف، أي تُؤنَّس نفوسهم للإسلام من الذين دخلوا في الإسلام بحدثان عهدٍ، أو من الذين يرغَّبون في الدخول في الإسلام، لأنّهم قاربوا أن يُسلموا. والتأليف: إيجاد الألفة وهي التأنّس. فالقلوب بمعنى النفوس. وإطلاق القلب على ما به إدراك الاعتقاد شائع في العربية. وللمؤلّفة قلوبهم أحوال: فمنهم من كان حديثَ عهد بالإسلام، وعرف ضعف حينئذٍ في إسلامه، مثل: أبي سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، من مسلمة الفتح؛ ومنهم من هم كفار أشدّاء، مثل: عامر بن الطفيل، ومنهم من هم كفار، وظهر منهم ميل إلى الإسلام، مثل: صفوان بن أمية. فمثل هؤلاء أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم من أموال الصدقات وغيرها يتألفهم على الإسلام، وقد بلغ عدد من عدّهم ابن العربي في «الأحكام» من المؤلفة قلوبهم: تسعة وثلاثين رجلاً، قال ابن العربي: وعدّ منهم أبُو إسحاق يعني القاضي إسماعيل بن إسحاق معاويةَ بن أبي سفيان، ولم يكن منهم وكيف يكون ذلك، وقد ائتمنه النبي صلى الله عليه وسلم على وحي الله وقرآنه وخلطه بنفسه. و{الرقاب} العبيد جمع رقَبة وتطلق على العبد. قال تعالى: {أية : فتحرير رقبة مؤمنة}تفسير : [النساء: 92]. و{في} للظرفية المجازية وهي مغنية عن تقدير «فكّ الرقاب» لأنّ الظرفية جَعلت الرقاب كأنّها وُضعت الأموالُ في جماعتها، ولم يجرّ باللاّم لئلا يتوهّم أنّ الرقاب تدفع إليهم أموال الصدقات، ولكن تُبذل تلك الأموال في عتق الرقاب بشراء أو إعانة على نجوم كتابة، أو فداءِ أسرى مسلمين، لأنّ الأسرى عبيد لمن أسَّروهم، وقد مضى في سورة البقرة (177) قوله: {أية : والسائلين وفي الرقاب} تفسير : و{الغارمين} المدينون الذين ضاقت أموالهم عن أداء ما عليهم من الديون، بحيث يُرْزأ دائنوهم شيئاً من أموالهم، أو يُرْزأ المدينون ما بقي لهم من مَال لإقامة أود الحياة، فيكون من صرف أموالٍ من الصدقات في ذلك رحمةٌ للدائن والمدين. و{سبيل الله} الجهاد، أي يصرف من أموال الصدقات ما تقام به وسائل الجهاد من آلات وحراسة في الثغور، كلّ ذلك برّاً وبحراً. و{ابن السبيل} الغريب بغَير قومه، أضيف إلى {السبيل} بمعنى الطريق: لأنّه أولده الطريق الذي أتى به، ولم يكن مولوداً في القوم، فلهذا المعنى أطلق عليه لفظ ابن السبيل. ولفقهاء الأمّة في الأحكام المستمدّة من هذه الآية طرائق جمّة، وأفهام مهمّة، ينبغي أن نلمّ بالمشهور منها بما لا يفضي بنا إلى الإطالة، وإنّ معانيَها لأوفرُ ممّا تفي به المقالة. فأمّا ما يتعلّق بجعل الصدقات لهؤلاء الأصناف فبقطع النظر عن حمل اللام في قوله: {للفقراء} على معنى الملك أو الإستحقاق، فقد اختلف العلماء في استحقاق المستحقّين من هذه الصدقات هل يجب إعطاء كلّ صنف مقداراً من الصدقات، وهل تجب التسوية بين الأصناف فيما يعطى كلّ صنف من مقدارها، والذي عليه جمهور العلماء أنّه لا يجب الإعطاء لجميع الأصناف، بل التوزيع موكول لاجتهاد وُلاَة الأمور يضعونها على حسب حاجة الأصناف وسعة الأموال، وهذا قول عمر بن الخطاب، وعلي، وحذيفةَ، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والنخعي، والحسن، ومالك، وأبي حنيفة. وعن مالك أنّ ذلك ممّا أجمع عليه الصحابة، قال ابن عبد البر: ولا نعلم مخالفاً في ذلك من الصحابة، وعن حذيفة. إنّما ذكر الله هذه الأصناف لتُعرف وأيّ صنف أعطيْت منها أجزأك. قال الطبري: الصدقة لسدّ خلّة المسلمين أو لسدّ خلّة الإسلام، وذلك مفهوم من مآخذ القرآن في بيان الأصناف وتعدادهم. قلت وهذا الذي اختاره حذّاق النظّار من العلماء، مثل ابن العربي، وفخر الدين الرازي. وذهب عكرمة، والزهري، وعمر بن عبد العزيز، والشافعي: إلى وجوب صرف الصدقات لجميع الأصناف الثمانية لكلّ صنف ثُمن الصدقات فإن انعدم أحد الأصناف قسمت الصدقات إلى كسور بعدد ما بقي من الأصناف. واتّفقوا على أنّه لا يجب توزيع ما يعطى إلى أحد الأصناف على جميع أفراد ذلك الصنف. وأمّا ما يرجع إلى تحقيق معاني الأصناف، وتحديد صفاتها: فالأظهر في تحقيق وصف الفقير والمسكين أنّه موكول إلى العرف، وأنّ الخصاصة متفاوتة وقد تقدّم آنفاً. واختلف العلماء في ضبط المكاسب التي لا يكون صاحبها فقيراً، واتّفقوا على أن دار السكنى والخادم لا يُعدَّانِ مالاً يرفع عن صاحبه وصف الفقر. وأمّا القدرة على التكسّب، فقيل: لا يعدّ القادر عليه فقيراً ولا يستحقّ الصدقة بالفقر وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وابن خويز منداد، ويحيى بن عُمر من المالكية... ورويت في ذلك أحاديث رواها الدارقطني، والترمذي، وأبو داود. وقيل: إذا كان قوياً ولا مال له جاز له أخذ الصدقة، وهو المنقول عن مالك واختاره الترمذي. والكيا الطبري من الشافعية. وأمّا العاملون عليها فهم يتعيّنون بتعيين الأمير، وعن ابن عمر يعطون على قدر عملهم من الأجرة. وهو قول مالك وأبي حنيفة. وأمّا المؤلفة قلوبهم فقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم عطايا متفاوتة من الصدقات وغيرها. فأمّا الصدقات فلهم حقّ فيها بنصّ القرآن، وأما غير الصدقات فبفعل النبي صلى الله عليه وسلم واستمرّ عطاؤهم في خلافة أبي بكر، وزمنٍ من خلافة عمر، وكانوا يعطَون بالاجتهاد، ولم يكونوا يعيِّنون لهم ثُمن الصدقات ثم اختلف العلماء في استمرار هذا المصرف، وهي مسألة غريبة لأنّها مبنية على جواز النسخ بدليل العَقْل وقياس الاستنباط أي دون وجود أصل يقاس عليه نظيره وفي كونها مبنيّة على هذا الأصل نظر. وإنّما بناؤها على أنّه إذا تعطّل المصرف فلِمَن يردّ سهمه وينبغي أن تقاس على حكم سهم من مات من أهل الحبس أنّ نصيبه يصير إلى بقية المحبس عليهم. وعن عمر بن الخطاب أنّه انقطع سهمهم بعزة الإسلام، وبه قال الحسن، والشعبي، ومالك بن أنس وأبو حنيفة، وقد قيل: إنّ الصحابة أجمعوا على سقوط سهم المؤلّفة قلوبهم من عهد خلافة أبي بكر حكاه القرطبي، ولا شكّ أن عمر قَطع إعطاء المؤلّفة قلوبهم مع أنّ صنفهم لا يزال موجوداً، رأى أنّ الله أغنى دين الإسلام بكثرة أتْباعه فلا مصلحة للإسلام في دفع أموال المسلمين لتأليف قلوب من لم يتمكّن الإسلام من قلوبهم، ومِن العلماء من جعل فعل عمر وسكوتَ الصحابة عليه إجماعاً سكوتياً فجعلوا ذلك ناسخاً لبعض هذه الآية وهو من النسخ بالإجماع، وفي عدّ الإجماع السكوتي في قوة الإجماع القولي نزاع بين أئمّة الأصول وفي هذا البناء نظر، كما علمت آنفاً وقال كثير من العلماء: هم باقون إذا وُجدوا فإنّ الإمام ربما احتاج إلى أن يستألف على الإسلام، وبه قال الزهري، وعمر بن عبد العزيز، والشافعي، وأحمد بن حنبل، واختاره عبد الوهاب، وابن العربي، من المالكية قال ابن العربي: «الصحيح عندي أنّه إن قوي الإسلام زالوا وإن احتيج إليهم أعطوا». أي فهو يرى بقاء هذا المصرف ويرى أنّ عدم إعطائهم في زمن عمر لأجْل عزة الإسلام، وهذا هو الذي صحّحه المتأخّرون. قال ابن الحاجب في «المختصر» «والصحيح بقاء حكمهم إن احتيج إليهم». وهذا الذي لا ينبغي تقلّد غيره. وأمّا الرقاب فالجمهور على أنّ معنى {وفي الرقاب} في شراء الرقيق للعتق، ودفع ما على المكاتب من مال تحصُل به حريته، وهو رواية المدنيين عن مالك، وقيل لا يعان بها المكاتب ولو كان آخر نجم تحصُل به حريته، وروي عن مالك من رواية غير المدنيين عنه. وقيل: لا تعطى إلاّ في إعانة المكاتب على نجومه، دون العتق، وهو قول الليث، والنخعي، والشافعي. واختلف في دفع ذلك في عتق بعض عبد أو نجوم كتابة ليس بها تمام حرية المكاتب، فقيل: لا يجوز، وبه قال مالك والزهري وقيل يجوز ذلك. وفداء الأسرى من فك الرقاب على الأصحّ من المذهب، وهو لابن عبد الحكم، وابن حبيب، خلافاً لأصبغ، من المالكية. وأما الغارمون فشرطهم أن لا يكون دينهم في معصية إلاّ أن يتوبوا. والميت المدين الذي لا وفاء لدينه في تركته يُعدّ من الغارمين عند ابن حبيب، خلافاً لابن الموّاز. وسبيل الله لم يُختلف أنّ الغزو هو المقصود، فيعطى الغزاة المحتاجون في بلد الغزو، وإن كانوا أغنياء في بلدهم، وأمّا الغزاة الأغنيَاء في بلد الغزو فالجمهور أنّهم يعطَون. وبه قال مالك، والشافعي، وإسحاق، وقال أبو حنيفة: لا يعطون. والحق أنّ سبيل الله يشمل شراء العُدّة للجهاد من سلاح، وخيل، ومراكب بحرية، ونوتيه، ومجانيق، وللحُملان، ولبناء الحصون، وحفر الخنادق، وللجواسيس الذين يأتون بأخبار العدوّ، قاله محمد بن عبد الحكم من المالكية ولم يُذكر أنّ له مخالفاً، وأشعر كلام القرطبي في التفسير أنّ قول ابن عبد الحكم مخالف لقول الجمهور. وذهب بعض السلف أنّ الحجّ من سبيل الله يدخل في مصارف الصدقات، وروي عن ابن عمر، وأحمد، وإسحاق. وهذا اجتهاد وتأويل، قال ابن العربي: «وما جاء أثرٌ قطّ بإعطاء الزكاة في الحجّ». وأما ابن السبيل فلم يُختلف في الغريب المحتاج في بلد غربته أنّه مراد ولو وجد من يسلفه، إذ ليس يلزمه أن يدخل نفسه تحتَ منّة. واختلف في الغني: فالجمهور قالوا: لا يعطى؛ وهو قول مالك، وقال الشافعي وأصبغ: يعطى ولو كان غنياً في بلد غربتِه. وقوله: {فريضة من الله} منصوب على أنّه مصدر مؤكِّد لمصدر محذوف يدلّ عليه قوله: {إنما الصدقات} لأنّه يفيد معنى فَرضَ اللَّهُ أو أوجبَ، فأكّد بفريضة من لفظ المقدّر ومعناه. والمقصود من هذا تعظيم شأن هذا الحكم والأمر بالوقوف عنده. وجملة {والله عليم حكيم} تذييل إمّا أفاده الحصر بــــ {إنّما} في قوله: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} إلخ، أي: والله عليم حكيم في قصر الصدقات على هؤلاء، أيْ أنّه صادر عن العليم الذي يعلم ما يناسب في الأحكام، والحكيمِ الذي أحكم الأشياء التي خلقها أو شرعها. والواو اعتراضية لأنّ الاعتراض يكون في آخر الكلام على رأي المحقّقين.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَفِي ٱلرِّقَابِ}. قال الشافعي، والليث: إن المراد بالرقاب: المكاتبون. وروي نحوه عن أبي موسى الأشعري والحسن البصري، ومقاتل بن حيان، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد ابن جبير، والنخعي، والزهري، وابن زيد. ويدل لهذا القول قوله تعالى في المكاتبين: {أية : وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ}تفسير : [النور: 33] وقال ابن عباس: الرقاب أعم من المكاتبين، فلا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة. وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الصدقات: جمع صدقة وهي هنا الزكاة المفروضة في الأموال. للفقراء: جمع فقير وهو من ليس له ما يكفيه من القوت ولا يسأل الناس. والمساكين: جمع مسكين وهو فقير ليس له ما يكفيه ويسأل الناس ويذل نفسه بالسؤال. والعاملين عليها: أي على جمعها وجبابتها وهم الموظفون لها. والمؤلفة قلوبهم: هم أناس يرجى إسلامهم أو بقاؤهم عليه إن كانوا قد أسلموا وهم ذوو شأن وخطر ينفع الله بهم إن أسلموا وحسن إسلامهم. وفي الرقاب: أي في فك الرقاب أي تحريرها من الرق، فيعطى المكاتبون ما يسددون به نجوم أو أقساط كتابتهم. وفي سبيل الله: أي الجهاد لإِعداد العدة وتزويد المجاهدين بما يلزمهم من نفقة. وابن السبيل: أي المسافر المنقطع عن بلاده ولو كان غنياً ببلاده. فريضة من الله: أي فرضها الله تعالى فريضة على عباده المؤمنين. معنى الآية الكريمة: بمناسبة لمز المنافقين الرسول صلى الله عليه وسلم والطعن في قسمته الصدقات بين تعالى في هذه الآية الكريمة أهل الصدقات المختصين بها. والمراد بالصدقات الزكوات وصدقة التطوع فقال عز وجل {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ} محصورة في الأصناف الثمانية التي تذكر وهم: (1) الفقراء وهم المؤمنون الذين لا يجدون ما يسد حاجتهم الضرورية من طعام وشراب وكساء ومأوى. (2) المساكين وهم الفقراء الذين لا يجدون ما يسد حاجتهم ولم يتعففوا فكانوا يسألون الناس ويظهرون المسكنة لهم والحاجة. (3) الموظفين فيها من سعاة جباة وأمناء وكتاب وموزعين يعطون على عملهم فيها أجرة أمثالهم في العمل الحكومي. (4) المؤلفة قلوبهم وهم من يرجى نفعهم للإِسلام والمسلمين لمناصبهم وشوكتهم في أقوامهم، فيعطون من الزكاة تأليفاً أي جمعاً لقلوبهم على الإِسلام ومحبته ونصرته ونصرة أهله، وقد يكون أحدهم لم يسلم بعد فيعطى ترغيباً له في الإِسلام، وقد يكون مسلماً لكنه ضعيف الإِسلام فيعطى تثبيتاً وتقوية على الإِسلام. (5) في الرقاب وهو مساعدة المكاتبين على تسديد أقساطهم ليتحرروا أما شراء عبد بالزكاة وتحريره فلا يجوز لأنه يعود بالنفع على دافع الزكاة لأن ولاء المعتوق له. (6) الغارمين جمع غارم وهو من ترتبت عليه ديون بسبب ما أنفقه في طاعة الله تعالى على نفسه وعائلته، ولم يكن لديه مال لا نقد ولا عرض يسدد به ديونه. (7) في سبيل الله وهو تجهيز الغزاة والإِنفاق عليهم تسليحاً وإركاباً وطعاماً ولباساً. (8) ابن السبيل وهم المسافرون ينزلون ببلد وتنتهي نفقتهم فيحتاجون فيعطون من الزكاة ولو كانوا أغنياء ببلادهم. وقوله تعالى {فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ} أي هذه الصدقات وقسمتها على هذا النحو جعله الله تعالى فريضة لازمة على عباده المؤمنين. وقوله {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} أي بخلقه وأحوالهم {حَكِيمٌ} في شرعه وقسمته، فلذا لا يجوز أبداً مخالفة هذه القسمة فلا يدخل أحد فيعطى من الزكاة وهو غير مذكور في هذه الآية وليس شرطاً أن يعطى كل الأصناف فقد يعطى المرء زكاته كلها في الجهاد أو في الفقراء والمساكين، أو في الغارمين أو المكاتبين وتجزئة وإن كان الأولى أن يقسمها بين الأصناف المذكورة من وجد منها، إذ قد لا توجد كلها في وقت واحد. هداية الآية من هداية الآية: 1- تقرير فرضية الزكاة. 2- بيان مصارف الزكاة. 3- وجوب التسليم لله تعالى في قسمته بعدم محاولة الخروج عنها. 4- إثبات صفات الله تعالى وهي هنا: العلم والحكمة، ومتى كان الله تعالى عليماً بخلقه وحاجاتهم حكيماً في تصرفه وشرعه وجب التسليم لأمره والخضوع له بالطاعة والانقياد.
القطان
تفسير : الصدقات: الزكاة المفروضة. الفقراء: هم الذين لا يجدون كفايتهم. المساكين: الذين لا يجدون كفايتهم ولا يستطيعون العمل. العاملين عليها: كل من يعمل على تحصيل المال. المؤلفة قلوبهم: هم الذين يراد استمالتهم الى الاسلام. وفي الرقاب: عتق العبيد. والغارمين: الذين عليهم دين لا يستطيعون تأديته. وفي سبيل الله: الجهاد، وكل عمل في الصالح العام. وابن السبيل: هو المنقطع عن بلده في سفر ولم يبق معه مال يوصله الى بلده. بعد ان بيّن اللهُ الأدبَ اللائق في حقّ اللهِ والرسول، وأن الصدقاتِ فرضَها الله ثم أمر الرسولَ الكريم بقسمتها، عدّد الذين يستحقّون الزكاة المفروضة. وهؤلاء هم المحتاجون لها حقيقة. {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ}. لا تصرف الزكاة المفروضة إلا للفقراء الذين لا يجِدون ما يكفيهم "والمساكين" وهم اسوأ حالاً من الفقراء، لقوله تعالى: {أية : أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} تفسير : [البلد: 16] { وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} الذين يجمَعونها من جُباة او موظفين وغيرهم. روى أحمد والشيخان عن ابن السعدي المالكي قال: حديث : استعمَلَني عُمَرُ على الصدقة، فلما غرغتُ منها وأدّيتُها اليه امر لي بِعُمالةٍ، فقلت: إنما عَمِلتُ لله، فقال: خذْ ما أُعطِيتَ فإني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني عمالة، فقلتُ مثلَ قولك، فقال رسول الله: إذا أُعطيتَ شيئاً من غيرِ أن تسألَ فكُلْ وتصدَّق ". تفسير : {وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} وهم قومٌ يراد استمالتُهم إلى الاسلام وترغيبهم فيه. {وَفِي ٱلرِّقَابِ} تُدفع الزكاة من أجل عِتْقِ العبيد، وهذا غير موجود اليوم. {وَٱلْغَارِمِينَ} وهم الّذين عَلْيهِم دُيون وعجَزوا عن وفائها، تُدفع لهم الزكاة ليوفوا ديونهم. {وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} في تزويد المجاهدين في سبيل الله، وفي كل عمل ينفع المسلمين في مصالحهم العامة. {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} وهو المسافر الذي انقطعَ عن بلدِه، فيعطَى ما يستعين به على العَودة الى بلده، ولو كان غنيا. {فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} شرع الله ذلك فريضةً منه لمصلحة عباده، وهو عليم بمصالح خلْقه، ومقدار حاجاتهم، حكيم فيما يشرعّه لهم. والزكاة مفصّلة في كتب الفقه: تدفع بنسبة العُشْر من الزرع الذي يُسقى بماء السماء، ونصف العشر من الزرع الذي يسقيه صاحبُه ويكلّفه ذلك نفقةَ، وعن الاموال ربع العشر مقيّما اثنين ونصفاً بالمئة. وكل من عنده نحو عشرين دينار فائضه عن نفقته ودَينه يدفع الزكاة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلصَّدَقَاتُ} {ٱلْمَسَاكِينِ} {ٱلْعَامِلِينَ} {ٱلْغَارِمِينَ} (60) - لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى اعْتِرَاضَ الْمُنَافِقِينَ الْجَهَلَةِ، وَلَمْزَهُمُ النَّبِيَّ الْكَرِيمَ فِي قِسْمَةِ الصَّدَقَاتِ (أَمْوَالِ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ)، بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ هُوَ الذِي قَسَّمَهَا، وَبَيَّنَ حُكْمَهَا، وَتَوَلَّى أَمْرَهَا بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ، وَلَمْ يَكِلْ قِسْمَتَهَا إِلَى أَحَدٍ غَيْرِه، فَجَزَّأَهَا لِهَؤُلاَءِ الْمَذْكُورِينَ فِي الآيَةِ. وَهُمْ: الْفُقَرَاءُ - وَهُمْ مَنْ لَهُمْ مَالٌ قَلِيلٌ دُونَ النِّصَابِ أَيْ أَقَلَّ مِنْ 12 دِينَاراً. الْمَسَاكِينُ - وَهُمُ الَّذِينَ لاَ شَيْءَ لَهُمْ، وَهُمْ لاَ يَجِدُونَ غِنىً يُغْنِيهِمْ، وَلاَ يُفْطَنُ إِلَيْهِمْ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ، وَلاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ شَيْئاً. الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا - وَهُمُ السُّعَاةُ وَالْجُبَاةُ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَكُونُوا مِنْ أَقْرِبَاءِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، لأَِنَّ أَقْرِبَاءَ الرَّسُولِ لاَ تَجُوزُ عَلَيْهُمُ الصَّدَقَةُ. الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ - وَهُمْ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ تَأَلُّفاً لِقُلُوبِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى لِيُسْلِمَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى لِيَحْسُنَ إِسْلاَمُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى لِيَجْبِيَ الصَّدَقَاتِ مِمَّنْ يَلِيهِ. الرِّقَابِ - هُمُ الْعَبِيدُ الْمُكَاتَبُونَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَدَاءَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ فَرِيضَةٍ لإِعْتَاقِهِمْ (أَوْ تَعْنِي صَرْفَ جُزْءٍ مِنْ أَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ فِي إِعْتَاقِ رِقَابٍ). الْغَارِمُونَ - كَمَنْ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، أَوْ ضَمِنَ دَيْناً فَلَزِمَهُ أَدَاؤُهُ فَأَجْحَفَ بِمَالِهِ، أَوْ غَرِمَ فِي أَدَاءِ دَيْنِهِ، أَوْ فِي مَعْصِيةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْهَا، فَهَؤُلاَءِ يُدْفَعُ لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ. فِي سَبِيلِ اللهِ - هُمُ الغُزَاةُ الْمُجِاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ مَنَ أَرَادَ الْحَجَّ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُعْطَوْنَ مِنْ مَالِ الصَّدَقَاتِ. أَبنَاء السَّبِيلِ - هُمُ الْمُسَافِرُونَ الْمُجْتَازُونَ فِي بَلَدٍ لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى سَفَرِهِمْ، وَلاَ يَتَيَسَّرُ لَهُمْ إِحْضَارُ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِنْ بَلَدِهِمْ، فَيُعْطَوْنَ مِنْ أَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ مَا يَكْفِي لِنَفَقَتِهِمْ.
الثعلبي
تفسير : ثم بين [لمن] الصدقات فقال عز من قال {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ} لا للمنافقين، واختلف العلماء في صفة الفقر والمسكين. وقال ابن عباس والحسن وجابر بن زيد والزهري ومجاهد وابن زيد: الفقير: المتعفف عن المسألة، والمسكين: المحتاج السائل، وقال قتادة: الفقير: المؤمن المحتاج [الذي به زمانة] والمسكين: [الذي لا زمانة به]، وقال الضحاك وإبراهيم النخعي: الفقراء فقراء المهاجرين، والمساكين من لم يهاجروا من المسلمين المحتاجين، وروى ابن سلمة عن ابن علية عن ابن سيرين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ليس الفقير الذي لا مال له ولكن الفقير الأخلق الكسب قال ابن علية: الأخلق المحارف عندنا، وقال عكرمة: الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين من أهل الكتاب. وقال أبو بكر العبسي: رأى عمر بن الخطاب ذميماً مكفوفاً مطروحاً على باب المدينة فقال له عمر: مالك؟ قال: استكروني في هذه الجزيرة حتى إذا كف بصري تركوني فليس لي أحد يعود عليّ بشيء، فقال: ما أُنصفت إذاً، فأمر له بقوته وما يصلحه، ثم قال: هذا من الذين قال الله تعالى: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ} وهم زمنى أهل الكتاب، وقال ابن عباس: المساكين: (الطوافون)، والفقراء، من المسلمين. أخبرنا عبد الله بن حامد. أخبرنا محمد بن جعفر. حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يزيد المؤدب. حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبّه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ليس المسكين هذا الطوَّاف الذي يطوف على الناس تردّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، إنما المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يسأل الناس، ولا يفطن له فيتصدق عليه . تفسير : قال الفرّاء: الفقراء أهل الصفة لم يكن لهم عشائر ولا مال، كانوا يلتمسون الفضل ثم يأوون إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمساكين: الطوّافون على الأبواب، وقال عبد الله بن الحسن: المسكين الذي يخشع ويستكين وإن لم يسأل، والفقير الذي يحتمل ويقبل الشيء سراً ولا يخشع وقال [ابن السكيت والقتيبي ويونس] الفقير الذي له البلغة من العيش والمسكين الذي لا شيء له، واحتج بقول الشاعر: شعر : إنّ الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سبد تفسير : فجعل له حلوبة وجعلها وقفاً لعياله أي قوتاً لا فضل فيه، يدلّ عليه ماروي عن عبد الرحمن بن أبزي قال: كان ناس من المهاجرين لأحدهم الدار والزوجة والعبد والناقة يحجّ عليها ويغزو فنسبهم الله تعالى إلى أنهم فقراء وجعل لهم سهماً في الزكاة. وقال محمد بن مسلمة: الفقير الذي له مسكن يسكنه، والخادم إلى [......] لأن ذلك المسكين الذي لا ملك له. قالوا: وكل محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه وإن كان غنياً من غيره، قال الله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ}تفسير : [فاطر: 15]، والمسكين المحتاج إلى كل شيء، ألا ترى كيف حُضّ على إطعامه وجعل الكفّارة من الاطعمة له، ولا فاقة أعظم من [......] في شدة الجوعة. أما قوله: {أية : أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ}تفسير : [الكهف: 79] وإن مسكنتهم هاهنا مساكين على جهه الرحمة والاستعفاف لا بملكهم السفينة كما قيل لمن امتحن بنكبة أو دفع إلى بلية: مسكين، وفي الحديث: "حديث : مساكين أهل النار"تفسير : وقال الشاعر: شعر : مساكين أهل الحبّ حتى قبورهم (عليها) تراب الذل بين المقابر تفسير : {وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} يعني سقاتها وجباتها الذين يتولّون قبضها من أهلها ووضعها في حقها ويعملون عليها يعطون ذلك بالسعاية، أغنياء كانوا أو فقراء. واختفلوا في قدر مايعطون، فقال الضحّاك: يعطون: الثمن من الصدقة، وقال مجاهد: يأكل العمال من السهم الثامن، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: يعطون على قدر عمالتهم، وهو قول الشافعي وأبي يعفور قالا: يعطون بقدر أجور أمثالهم، وإن كان أكثر من الثمن، يدلّ عليه قول عبد الرحمن بن زيد قال: لم يكن عمر ولا أُولئك يعطون العامل الثمن إنما يفرضون له بقدر عمله، وقال مالك وأهل العراق: إنّما ذلك إلى الامام وإجتهاده، يعطيهم الامام على قدر مايرى. {وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ}، قال قتادة: هم ناس من الأعراب وغيرهم كان النبي صلى الله عليه وسلم يألفهم بالعطية كيما يؤمنوا، وقال معقل بن عبد الله: سألت الزهري عن المؤلفة قلوبهم، قال: من أسلم من يهودي أو نصراني، قلت: وإنْ كان غنياً؟ قال: وإنْ كان غنياً، وقال ابن عباس: هم قوم قد أسلموا، كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم يرضخ لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم من الصدقة فأصابوا منها خيراً قالوا: هذا دين صالح، فإن كان غير ذلك عابوه وتركوه.! وقال ابن كيسان: هم قوم من أهل الحرب كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألّفهم بالصدقات ليكفّوا عن حربه، وقال الكلبي ويحيى بن أبي كثير وغيرهم: ذوو الشرف من الأحياء، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم في الإسلام يتألّفهم وهم الذين قسم بينهم يوم حنين الإبل، وهم: من بني مخزوم الحرث ابن هشام، وعبد الرحمن بن يربوع، ومن بني أمية أبو سفيان بن حرب ومنهم من بني جمح صفوان بن أمية، ومن بني عامر بن لؤي سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، ومن بني أسد بن عبد العزى حكيم بن خزام، ومن بني هاشم أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب، ومن بني فزارة عيينة بن حصين، وحذيفة بن بدر، ومن بني تميم الاقرع بن حابس، ومن بني النضر مالك بن عوف بن مالك ومن بني سليم العباس بن مرادس، ومن بني ثقيف العلاء بن خارجة، أعطى النبي صلى الله عليه وسلم كل رجل منهم مائة ناقة إلا عبد الرحمن بن يربوع وحويطب بن عبد العزى، قال وفي رواية أخرى: مخرمة بن نوفل، وعمير بن وهيب وهشام بن عمرو. وزاد الكلبي: أبا البعائل بن يعكل وجد بن قيس السهمي وعمرو بن مرداس وهشام بن عمرو. قال: أعطى كل واحد منهم خمسين ناقة، فقال العباس بن مرادس في ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم شعر : فأصبح نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع وما كان حصن ولاحابس يفوقان مرداس في المجمع وقد كنت في الحرب ذا [قوّة] فلم أعط شيئاً ولم أمنع الا أفائل أعطيتها عديد قوائمه الأربع وكانت نهاباً تلافيتها بكري على المهر في الأجرع وايقاظي القوم أن يرقدوا إذا هجع الناس لم أهجع وما كنت دون أمرئ منهما ومن تضع اليوم لا يرفع تفسير : فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم مائة ناقة، وأعطى حكيم بن حزام سبعين ناقة فقال: يارسول الله ما كنت أدري أن أحداً أحق بعطائك مني فزاده عشرة أبكار، ثم زاده عشرة أبكار حتى أتمها له مائة، فقال حكيم: يارسول الله أعطيتُك التي رغبت عنها خيرٌ أم هذه التي زادت؟ قال: لا، بل هذه التي رغبت فيها. قال: لا آخذ غيرها، فأخذ السبعين، فمات حكيم وهو أكثر قريش مالاً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعطي رجلاً وأترك الآخر، والذي أترك أحب إلي من الذي أعطي، ولكني أتألف هذا بالعطية، وأُوكل المؤمن إلى إيمانه ". تفسير : وقال صفوان بن أُمية: لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس اليَّ فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي. ثم اختلفوا في وجود المؤلّفة اليوم وهل يُعطون من الصدقة وغيرها أم لا؟، فقال الحسن: أما المؤلفة قلوبهم فليس اليوم، وقال الشعبي: إنه لم يبقَ في الناس اليوم من المؤلفة قلوبهم، إنما كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمّا ولي أبو بكر انقطعت الرشى، وهذا تأويل أهل القرآن، يدل عليه حديث عمر بن الخطاب حين جاءه عيينة بن حصين، فقال {أية : ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} تفسير : [الكهف: 29] إن الإسلام أجلّ من أن يرشى عليه، أي ليس اليوم مؤلّفة. وروى أبو عوانة عن مهاجر أبي الحسن، قال: أتيت أبا وائل وأبا بردة بالزكاة وهما على بيت المال فأخذاها، ثم جئت مرة أُخرى فوجدت أبا وائل وحده فقال ردّها فضعها في مواضعها، قلت: فما أصنع بنصيب المؤلفة قلوبهم؟ فقال ردّه على الآخرين. وقال أبو جعفر محمد بن علي: [في الناس] اليوم المؤلفة قلوبهم ثابتة، وهو قول أبي ثور قال: لهم سهم يعطيهم الامام قدر مايرى. وقال الشافعي: المؤلّفة قلوبهم ضربان: ضرب مشركون فلا يعطون، وضرب مسلمون [إذا اعطاهم الإمام كفّوا شرهم عن المسلمين]، فأرى أن يعطيهم من سهم النبي وهو خمس الخمس ما يتألّفون به سوى سهمهم مع المسلمين، يدلّ عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلّفة قلوبهم بعد أن فتح الله عليه الفتوح وفشا الإسلام وأعزّ أهله، وأمّا سهمهم من الزكاة فأرى أن يصرف في تقوية الدين وفي سدّ خلة الإسلام ولايعطى مشرك تألّف على الإسلام، ألا إنّ الله تعالى يغني دينه عن ذلك، والله أعلم. {وَفِي ٱلرِّقَابِ} مختصر أي في فك الرقاب من الرق، واختلفوا فيهم، فقال أكثر الفقهاء: هم المكاتبون، وهو قول الشافعي والليث بن سعد، ويروى أنّ مكاتباً قام إلى أبي موسى الاشعري وهو يخطب الناس يوم الجمعة فقال له: أيها الأمير حثّ الناس عليّ، فحث أبو موسى، فألقى الناس ملاءة وعمامة وخاتماً حتى ألقوا عليه سواداً كثيراً، فلمّا رأى أبو موسى ما ألقى الناس، قال أبو موسى: أجمعوه فجُمع، ثم أمر به فبيع فأعطى المكاتب مكاتبته، ثم أعطى الفضل في الرقاب ولم يردّه على الناس، وقال إنما أعطى الناس في الرقاب. وقال الحسن وابن عباس: يعتق منه الرقاب وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور، وقال سعيد بن جبير والنخعي، لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة لكن يعطي منها في ميقات رقبة مكاتب، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. قال الزهري: سهم الرقاب نصفان: نصف لكلّ مكاتب ممن يدّعي الإسلام، والنصف الثاني لمن يشتري به رقاب ممن صلّى وصام وقدّم إسلامه من ذكر وأنثى يعتقون لله. {وَٱلْغَارِمِينَ} قتادة: هم قوم غرقتهم الديون في غير إملاق ولا تبذير ولا فساد. وقال مجاهد: من احترق بيته وذهب السيل بماله، وأدان على عياله، وقال أبو جعفر الباقر: الغارمون صنفان: صنف استدانوا في مصلحتهم أو معروف أو غير معصية ثم عجزوا عن أداء ذلك في العرض والنقد فيعطون في غرمهم، وصنف استدانوا في جمالات وصلاح ذات بين ومعروف ولهم عروض إن بيعت أضرّ بهم فيعطى هؤلاء قدر عروضهم. وذلك إذا كان دينهم في غير فسق ولا تبذير ولا معصية، وأما من ادان في معصية الله فلا أرى أن يعطى، وأصل الغرم الخسران والنقصان، ومنه الحديث في الرحمن له غنمه وعليه غرمه، ومن ذلك قيل للعذاب غرام، قال الله تعالى {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} [الفرقان: 65] وفلان مغرم بالنساء أي مهلك بهنّ، وما أشدّ غرامه وإغرامه بالنساء. {وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} فيهم الغزاة والمرابطون والمحتاجون. فأما إذا كانوا أغنياء فاختلفوا فيه، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: لايعطى الغازي إلا أن يكون منقطعاً مفلساً، وقال مالك والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور: يعطى الغازي منها وإن كان غنياً، يدلّ عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: رجل عمل عليها أو رجل اشتراها بماله، أو في سبيل الله أو ابن السبيل، أو رجل كان له جار تصدّق عليه فأهداها له ". تفسير : {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} المسافر المجتاز، سمّي ابن السبيل للزومه إيّاه،كقول الشاعر: شعر : أيا ابن الحرب رجّعني وليداً إلى أن شبتُ فاكتملتْ لداتي تفسير : قال مجاهد والزهري: لابن السبيل حق من الزكاة وإن كان غنياً إذا كان منتفعاً به، وقال مالك وفقهاء العراق: هو الحاج المنقطع، وقال الشافعي: ابن السبيل من (جيران) الصدقة الذين يريدون السفر في غير معصية فيعجزون من بلوغ سفرهم إلا بمعونة، وقال قتادة: هو الضيف. {فَرِيضَةً} واجبة {مِّنَ ٱللَّهِ} وهو نصب على القطع في قول الكسائي، وعلى المصدر في قول سيبويه أي: فرض الله هذه الأشياء فريضة، وقال إبراهيم بن أبي عبلة: رفع فريضة فجعلها خبراً كما تقول: إنّما يزيد خارج {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. واختلف العلماء في كيفية قسم الصدقات المذكورة في هذه الآية، [وهل] يجب لكل صنف من هؤلاء الأصناف الثمنية فيها حق، أو ذلك إلى رب المال ومن يتولى قسمها في أن له أن يعطي جميع ذلك من شاء من الاصناف الثمانية، فقال بعضهم: له قسمها ووضعها في أي الأصناف يشاء وإنما سمّى الله تعالى الاصناف الثمانيه في الآية إعلاماً منه إن الصدقة لا تخرج من هذه الأصناف إلى غيرها لا إيجاد القسمة بينهم، وهو قول عمر بن الخطاب وحذيفة وابن عباس وابن (جبير) وعطاء وأبي العالية وميمون بن مهران وأبي حنيفة. أخبرنا عبد الله بن حامد. أخبرنا أبو بكر الطبري. حدّثنا علي بن حرب، أخبرنا ابن فضيل، حدّثنا عطاء عن سعيد {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ} الآية، أيُّ هذه الأصناف وجدتَ أجزاك أن تعطيه صدقتك، ويقول أبو حنيفة: يجوز الاقتصار على رجل واحد من الفقراء، وقال مالك يخصّ بأمسّهم حاجةً. كان الشافعي يجري الآية على ظاهرها ويقول: إذا تولّى رب المال قسمتها فإن عليه وضعه في ثلاثة أصناف لأن سهم المؤلّفة ساقط، وسهم العاملين يبطل بقسمته إياها، فإذا تولّى الإمام قسمتها فإن عليه أن يقسمها على سبعة أصناف، يجزيه أن يعطي من كل صنف منهم أقل من ثلاثة أنفس ولا يصرف السهم ولا شيئاً منه عن أهله أحد يستحقه، ولا يخرج من بلد وفيه أحد يردّ حقه ممّن لم يوجد من أهل السهام على من وجد منهم، وهذا قول عمر بن عبد العزيز، وعكرمة والزهري. ثمّ رجع إلى ذكر المنافقين وقال: {وَمِنْهُمُ} يعني من المنافقين {ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} نزلت في حزام بن خالد، والجلاس بن سويد، وإياس بن قيس، ومخشي بن خويلد، وسمّاك بن يزيد، وعبيد بن هلال ورفاعة بن المقداد، وعبيدة بن مالك، ورفاعة بن زيد، كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون مالا ينبغي، فقال بعضهم: لا تفعلوا مايقولون فيقع بنا، فقال الجلاس: بل نقول ما شئنا، ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول: فإنّما محمد أذن سامعة فأنزل الله هذه الآية. وقال محمد بن إسحاق عن يسار وغيرة نزلت في رجل من المنافقين يقال له: نهشل بن الحرث، وكان حاسر الرأس أحمر العينين أسفح الخدين مشوّه الخلقة، وهو الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أراد أن ينظر الى الشيطان فلينظر إلى نهشل بن الحرث"تفسير : ، وكان ينمّ حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين فقيل له: لا تفعل، فقال: إنما محمد أذن، من حدّثه شيئاً يقبل، نقول ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له ويصدقنا عليه، فأنزل: {ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} يسمع من كل واحد ويقبل ما يقال له ومثله أذنة على وزن فعلة ويستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع، وأصله: أذن يأذن أذناً إذا استمع، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ما اذن الله لشيء كأذنه لنبي بمعنى القرآن، وقال عدي بن زيد: شعر : أيها القلب تعلل بددن إن همي في سماع وأَذَن تفسير : وقال الأعشى: شعر : صمٌّ إذا سمعوا خيراً ذُكرتُ به وإن ذُكرتُ بشرَ عندهم أذنوا تفسير : وكان أُستاذنا أبو القاسم الجبيبي يحكي عن أبي زكريا العنبري عن ابن العباس الازهري عن أبي حاتم السجستاني أنّه قال: هو أذن أي ذو أذن سامعة. {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} قراءة العامة بالإضافة أي أذن خير لا أذن شرّ، وقرأ الحسن والأشهب العقيلي: والأعمش والبرجمي: أذن خير لكم مرفوعاً من المنافقين ومعناه: إنْ كان محمداً كما تزعمون بأن يسمع منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل قولكم. ثم كذّبهم فقال {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} يعلمهم، وقيل: يقال أمنتك وأمنت لك بمعنى صدقتك كقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [المؤمنون: 58] أي [............] ربهم {وَرَحْمَةٌ} قرأ الحسن وطلحة والأعمش وحمزة: (ورحمة) عطفاً على معنى أُذن خير وأُذن شر في قول عبد الله وأُبي، وقرأ الباقون: (ورحمة) بالرفع أي: هو أُذن خير، وهو رحمة، جعل الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم مفتاح الرحمة ومصباح الظلمة وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} قال قتادة والسدّي: [اجتمع نفر] من المنافقين منهم جلاس بن سويد وذريعة بن ثابت فوقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: لئن كان مايقول محمد حق لنحن شر من الحمير، وكان سمعهم غلام من الأنصار يقال له عامر بن قيس، فحقروه وقالوا هذه المقالة، فغضب الغلام وقال: والله إنّ ما يقوله محمد حق وأنتم شر من الحمير، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فدعاهم فسألهم فحلفوا إن عامراً كذّاب، وحلف عامر أنهم كذبة، فصدقهم النبي صلى الله عليه وسلم فجعل عامر يقول: اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب، وقد كان قال بعضهم في ذلك: يا معشر المنافقين والله إني شر خلق الله، لوددت أني قدمت فجلدت مائة جلدة ولا ينزل فينا شيء يفضحنا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. وقال مقاتل والكلبي: نزلت هذه الآية في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك، فلمّا رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك أتوا المؤمنين يعتذرون إليهم من تخلّفهم، ويطلبون ويحلفون، فأنزل الله {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} وقد كان حقه يرضوهما وقد مضت هذه المسألة، قال الشاعر: شعر : ما كان حبك والشقاء لتنتهي حتى يجازونك في مغار محصد تفسير : أي الحبل. {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ} وقراءة العامة بالياء على الخبر، وقرأ السلمي بالتاء على الخطاب {أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} إلى قوله {يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم}، قال مجاهد: كانوا يقولون القول بينهم ثم يقولون: عسى الله أن لا يفشي سرّنا فقال الله لنبيّه متهدداً {قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ} قال قتادة: كانت تسمى هذه السورة الفاضحة والمثيرة والمبعثرة، أثارت مخازيهم ومثالبهم. قال الحسن: كان المسلمون يسمّون هذه السورة الحفّارة، حفرت ما في قلوب المنافقين فأظهرته. قال ابن كيسان نزلت هذه الآية في حديث : اثني عشر رجلاً من المنافقين وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على العقبة لما رجع من غزوة تبوك ليفتكوا به إذا حلأها، ومعهم رجل مسلم يخفيهم شأنه وتنكروا له في ليلة مظلمة فأخبر جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قدموا له، وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم، وعمار بن ياسر يقود برسول الله صلى الله عليه وسلم وحذيفة يسوق به. قال لحذيفة: اضرب بها وجوه رواحلهم، فضربها حتى نحاهم، فلمّا نزل قال لحذيفة: هل عرفت من القوم؟ قال: لم أعرف منهم أحداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّهم فلان وفلان حتى عدهم كلّهم، فقال حذيفة ألا تبعث إليهم فتقتلهم، قال: «أكره أن يقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم، بل يكفيكم الله الدبيلة» قيل: يا رسول الله وما الدبيلة؟ قال: «شهاب من جهنم يوضع على نياط فؤاد أحدهم حتى تزهق نفسه فكان كذلك. تفسير : {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} الآية، قال ابن عمر وقتادة وزيد بن أسلم ومحمد ابن كعب: قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك: ما رأيت مثل [قرائنا] هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال له عوف بن مالك: كذبت ولكنك منافق، لأُخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ارتحل وركب ناقة فقال: يارسول الله إنما كنّا نخوض ونلعب ونتحدث بحديث الركب يقطع به عنا الطريق. قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقاً بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والحجارة تنكبه وهو ويقول: إنا كنّا نخوض ونعلب. فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم {أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ} فالتفت إليه وما يزيده عليه. وقال قتادة: حديث : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا أيظن هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها، هيهات هيهات، فأطلع الله نبيّه على ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم احبسوا عليَّ الركب، فدعاهم فقال لهم: قلتم كذا وكذا، فقالوا يانبي الله أنما كنا نخوض ونلعب، وحلفوا على ذلك، فأنزل الله عز وجل هذه الآية . تفسير : وقال مجاهد: قال رجل من المنافقين: يحدثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا وكذا وما يدريه ما الغيب، فأنزل الله هذه الآية، وقال ابن كيسان: نزلت في وديعة بن ثابت وهو الذي قال هذه المقالة، وقال الضحاك: نزلت في عبد الله بن أبي ورهطه كانوا يقولون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مالا ينبغي، فإذا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قالوا: إنّما كنا نخوض ونلعب قال الله عز وجل: {قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ}. {لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ} بقولكم هذا {بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} إقراركم {إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً} قراءة العامة بضم الياء والتاء على غير تسمية الفاعل، وقرأ عاصم: إن نعف بنون مفتوحة وفاء مضمومة، نعذب بالنون وكسر الذال طائفة بالنصب، والطائفة في هذه الآية رجل يقال له مخشي بن حمير الأشجعي، أنكر عليهم بعدما سمع ولم يمالئهم عليه وجعل يسير مجانباً لهم، فلمّا نزلت هذه الآية تاب من نفاقه وقال: اللهم إني لا أزال أسمع آية تقرأ أُعنى بها، تقشعر منها الجلود وتجل وتجب فيها القلوب، اللهم فاجعل وفاتي قتلاً في سبيلك، لا يقول أحد: أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة فيمن قتل فما أحد من المسلمين الا وجدوه وعرف مصرعه غيره. وقيل: معناه إن يتب على طائفة منكم فيعفو الله عنهم ليعذب طائفة بترك التوبة {بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ * ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ} أي شكل بعض وعلى دين بعض، يعني إنهم صنف واحد وعلى أمر واحد، ثم ذكر أمرهم فقال {يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ} بالكفر والمعصية {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ} عن الإيمان والطاعة {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} يمسكونها ويكفّونها عن الصدقة والنفقة في الحق ولايبسطونها بالخير، وأصله: إنّ المعطي يمد يده ويبسطها بالخير، فقيل: لمن بخل ومنع قد قبض يده، ومنه قوله: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ}تفسير : [المائدة: 64] أي ممسكة عن النفقة. {نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} تركوا طاعة الله فتركهم الله من توفيقه وهدايته في الدنيا ومن رحمته المنجية من عذابه وناره في العقبى {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ} كافيتهم عذاباً وجزاءً على كفرهم {وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} طردهم وأبعدهم من رحمته {ولهم عذاب مقيم} {كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} يعني فعلتم كفعل الذين كانوا من قبلكم ولُعنتم وعُذّبتم كما لعن الذين كانوا من قبلكم من كفار الأُمم الخالية {كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً} بطشاً ومنعة {وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً فَٱسْتَمْتَعُواْ} وتمتعوا وانتفعوا {بِخَلاقِهِمْ} بنصيبهم من الدنيا ورضوا به عوضاً من الآخرة. قال أبو هريرة: الخلاق: الدين {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ} في الباطل والكذب على الله وتكذيب رسله والاستهزاء بالمؤمنين {كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ} أراد كالذين خاضوا وذلك أن (الذي) اسم ناقص مثل (ما) و(من) يعبّر بها عن الواحد والجميع نظير قوله: {أية : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ}تفسير : [البقرة: 17] ثم قال: {أية : ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ}تفسير : [البقرة: 17] قال الشاعر: شعر : وإنّ الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد تفسير : وأن شئت جعلت (الذي) إشارة إلى ضمير، وقوله: خضتم كالخوض الذي خاضوا فيه إلى قوله الخاسرون. روى أبو هريرة حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم: لتأخذن كما أخذت الامم من قبلكم ذراعاً بذراع وشبراً بشبر وباعاً بباع، حتى لو أن أحد من ثمّ أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه، قال أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم {كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً} الآية، قالوا: يارسول الله كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب، قال: "وهل الناس إلا هم" . تفسير : قال ابن عباس في هذه الآية: ما اشبه الليلة بالبارحة، هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم، وقال ابن مسعود: أنتم أشبه الأُمم ببني إسرائيل سمتاً وهدياً، تتبعون عملهم حذو القذّة بالقذّة غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا. وقال حذيفة: المنافقون الذين فيكم اليوم شرٌّ من المنافقين الذي كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: وكيف؟ قال: أُولئك كانوا يخفون نفاقهم وهؤلاء أعلنوه.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وعندما تسمع كلمة {إِنَّمَا} فافهم أنه يُرَادُ بها القصر، فإن قلتَ: إنما الرجل زيد، أي: أنك قصرت الرجولة على زيد. وإن قلتَ: إنما الكريم حاتم، تكون قد قصرت الكرم على حاتم. وقول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ} معناها: أن الصدقات محصورة في هؤلاء ولا تتعداهم. فمن هم هؤلاء الذين حصر الحق سبحانه وتعالى فيهم الصدقة؟ وما المراد هنا بالصدقة؟ هل هي صدقة التطوع أو الزكاة؟ نقول: ما دام الحق سبحانه وتعالى قد حدد لها مصارف فهي الزكاة، ولسائل أن يسأل: لماذا لم يَقُل الحق سبحانه وتعالى الزكاة وقال الصدقة؟ ونقول: ألا ترى - في المجتمعات غير الإيمانية الملحدة - أن من الناس مَنْ يفكرون في إنشاء مؤسسات اجتماعية لرعاية الفقراء؟ إن عطف الإنسان على أخيه الإنسان هو أمر غريزي خلقه الله فينا جميعاً، ولذلك كان يجب أن نفهم أن الزكاة صدقة، ولو لم يشرعها الله لكان يجب أن يقدمها الإنسان لأخيه الإنسان. وحوادث الكون كلها تدل على صدق وصف الحق سبحانه وتعالى للزكاة بأنها صدقة؛ لأنها تأتي تطوعاً من غير المؤمن وغير الملتزم بالتشريع، ويحس القادر بالسعادة وهو يعطي لغير القادر، وهي غريزة وضعها الله في خلقه ليخفف من الشقاء في الكون. وهنا يقول الحق: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَٰكِينِ} وقد احتار العلماء في ذلك، فقال بعضهم: إن الفقير هو الذي لا يجد شيئاً فهو مُعدم. والمسكين هو من يملك شيئاً ولكنه لا يكفيه، وعلى هذا يكون المسكين أحسن حالاً من الفقير، واستندوا في ذلك إلى نص قرآني في قوله تعالى: {أية : أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ...} تفسير : [الكهف: 79]. وما دام هؤلاء المساكين يملكون سفينة إذن فعندهم شيء يملكونه. ولكن العائد الذي تأتي به السفينة لا يكفيهم. ولكن بعض العلماء قالوا عكس ذلك، ورأوا أن المسكين هو مَنْ لا يملك شيئاً مطلقاً، والفقير هو الذي يجد الكفاف. وعلى هذا يكون الفقير أحسن حالاً من المسكين، ولا أعتقد أن الدخول في هذا الجدل له فائدة؛ لأن الله أعطى الاثنين.. الفقير والمسكين. وكلمة "فقير" معناها الذي أتعبت الحياة فَقَار ظهره أي فقرات ظهره، وحاله يغني للتعبير عنه، والمسكين هو الذي أذهلته المسكنة. ثم يأتي بعد ذلك: {وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} أي: الذين يقومون بجمع الصدقات ويأخذونها ممن يعطيها ويضعونها في بيت المال، ونلاحظ هنا أن {وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} جاءت مطلقة؛ فلم تحدد هل يستحق الصدقة مَنْ كان يجمعها وهو فقير، أو مَنْ كان يجمعها وهو غير محتاج. ونقول: إن جمع الصدقة عمل، ولو قلنا: إن غير المحتاج ويعمل في جمع الصدقة لا يجب أن يأخذ أجراً، هنا يصبح عمله لوناً من التفضل، وما دام العمل تفضُّلاً فلن يكون بنفس الكفاءة التي يعمل بها، إذا كان العمل بالأجر. وأيضاً حتى لا يُحرَم المجتمع من جامع صدقة ذكي نشيط؛ لأنه غير محتاج، ولكن نعطيه أجراً ليكون مسئولاً عن عمله، والمسئولية لا تأتي إلا إذا ارتبطت بالأجر. والعامل على جمع الصدقة إنما يعمل لصالح الدولة الإيمانية، فهو يجمع الصدقات ويعطيها للحاكم أو الوالي الذي يوزعها. وفي هذا مصلحة لمجتمع المسلمين كله. خصوصاً إن كانت الصدقة توزع من بيت المال فلا يتعالى أحد على أحد، ولا يذل أحد أمام أحد، وفي هذا حفظ لكرامة المؤمنين؛ لأن من يأخذ من غير بيت المال سيعاني من انكسار يده السُّفْلى. ومن يعطي لغير بيت المال قد يكون في عطائه لون من تعالى صاحب اليد العليا، وكذلك فإن أولاد الفقير لن يروا أباهم وهو ذاهب إلى رجل غني ليأخذ منه الصدقة ويُصَاب بالذلة والانكسار. ولا يرى أولاد الغني هذا الفقير وهو يأتي إلى أبيهم ليأخذ منه الصدقة؛ فَيتعالَوْنَ على أبناء الفقير. فإن أخذ الفقراء الصدقة من بيت المال، كان ذلك صيانة لكرامة الجميع، وإن حدث خلاف بين غني وفقير فلن يقول الغني للفقير: أنا أعطيك كذا وكذا، أو يقول أولاد الغني لأولاد الفقير: لولا أبونا لَمُتُمْ جوعاً. إذن: فقد أراد الحق سبحانه بهذا النظام أن يمنع طغيان المعطي، ويمنع - أيضاً - ذلة السؤال، فالكل يذهب إلى بيت المال ليأخذ أو يعطي. وحين يذهب الفقير ليأخذ من بيت المال بأمر من الوالي فلا غضاضة؛ لأن كل المحكومين تحت ولايته مسئولون منه. ثم يأتي الحق إلى فئة أخرى فيقول: {وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} وهم من يريد الإسلام أن يستميلهم، أو على الأقل أن يكفوا آذاهم عن المسلمين. وكان المسلمون في الزمن الأول للإسلام ضعافاً لا يقدرون على حماية أنفسهم. وعندما أعز الله دولة المسلمين بالقوة والعزة والمكانة، منع الخليفة عمر بن الخطاب إعطاء المؤلفة قلوبهم نصيباً من الزكاة؛ لأنه لم يجد أن قوة الإسلام تحتاج أحداً غير صحيحي الإيمان؛ لذلك لم يدخلهم عمر بن الخطاب في فئات الزكاة. وقول الحق سبحانه: {وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} يثير سؤالاً: هل يُؤلَّف القلب؟. نقول: نعم، فالإحسان يؤلف قلب الإنسان السَّوي، وكذلك يؤلف جوارح الإنسان غير السوي، فلا يعتدى على من أحسن إليه باللسان أو باليد. ثم يقول الحق سبحانه: {وَفِي ٱلرِّقَابِ} ومعناها العبيد الذين أُسروا في حرب مشروعة. وكانت تصفية الرق من أهداف الإسلام؛ لذلك جعل من مصارف الزكاة تحرير العبيد. وبعض من الناس يدَّعُون أن الإسلام جاء بالرق وأقره. ونقول: لم يأت الإسلام بالرق؛ لأن الرق كان موجوداً قبيل البعثة المحمدية، وجاء الإسلام بالعتق ليصفي الرق، فجعل من فَكِّ الرقبة كفارة لبعض الذنوب. وجعل من مصارف الزكاة عتق العبيد. وقد نزل القرآن وقت أن كانت منابع الرق متعددة. وكان من المعتاد في تلك الأيام أن المدين الذي يعجز عن سداد ما عليه من دَيْن، فالدائن يأخذه أو يأخذ أحد أبنائه كعبد له. وإذا فُعلَتْ جناية، فالجاني يأخذ العفو من المجني عليه مقابل أن يعطيه أحد أولاده عبداً. وإذا سُرِق شيء فإن السارق لا يعاقب، بل يعطي أحد أولاده عبداً للمسروق منه. وكان الأقوياء يستعبدون الضعفاء؛ فيخطفون نساءهم وأولادهم بالقوة ويبيعونهم في سوق الرقيق، وهكذا كانت منابع الرق في العالم متعددة، ولا يوجد إلا مصرف واحد هو إرادة السيد؛ إن شاء حرر وإن شاء لم يحرر. وقد كان الرق موجوداً في أوروبا وفي آسيا وفي أفريقيا ووُجِد أيضاً في أمريكا. إذن: كانت هناك منابع متعددة للرق؛ ومصرف واحد هو إرادة السيد، وقد كان الرق يتزايد، وجاء الإسلام والعالمُ غارق في الرق، لماذا؟ لأن الرق في ذلك الوقت كان يشبه حوضاً تصب فيه صنابير متعددة، وليس له إلا بالوعة واحدة. ولم يعالج الإسلام المسألة طفرة واحدة، شأن معظم تشريعات الله، ولكنه عالجها على مراحل، تماماً كتحريم الخمر حين بدأ التحريم بالمنع عند الصلاة، فقال الحق سبحانه وتعالى: {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ...} تفسير : [النساء: 43]. ثم حرمها تحريماً قاطعاً. وحين جاء الإسلام ليعالج قضية الرق ويحرر الإنسان من العبودية، بدأ بإغلاق مصادر الرق. وجعل المصدر الوحيد هو الحرب الإيمانية المشروعة من ولي الأمر. أما كل الوسائل والألوان الأخرى من أبواب الرق، كأن يتم استعباد أحد كعقوبة جنائية أو لعجزه عن تسديد دَيْن أو غير ذلك، فقد أغلقها الإسلام بالتحريم. أما ناحية المصرف فلم يجعله مصرفاً واحداً هو إرادة السيد، بل جعله مصارف متعددة؛ فالذي يرتكب ذنباً يعرف أن الله لن يغفر له إلا إذا أعتق رقبة، ومن حلف يميناً ويريد أن يتحلل منها؛ يعتق رقبة. فإذا لم يفعل هذا كله وأراد أن يحسن إحساناً يزيد من أجره عند الله؛ أعتق رقبة. وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ} تفسير : [البلد: 11-13]. وهكذا جعل الإسلام مصارف كثيرة لتصفية الرق حتى ينتهي في سنوات قليلة، ثم وضع بعد ذلك ما يُنهِي الرق فعلاً، وإنْ لم يُنْهِه شكلاً. فإذا كان عند أي سيد لون من الإصرار على أن يستبقي عبده، فلا بد أن يُلبسه مما يلبس، ويُطعمه مما يَطْعم، فإن كلَّفه بعينه. وهكذا أصبح الفارق متلاشياً بين السيد وعبده. وحين ألغتْ بعض الدول الإسلامية الرقَّ بالقانون، ذهب الرقيق إلى أسيادهم وقالوا: دعونا نعش معكم كما كنا. وهم قد فعلوا ذلك لأن حياتهم مع أسيادهم كانت طيبة. وهكذا ألغى الإسلام فوارق الرق كلها، وأصبحت مسألة شكلية لا تساوي شيئاً. ولكن بعض الناس يتساءل: وماذا عن قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ...} تفسير : [النساء: 36]. نقول: افهم عن الله، فهذا الأمر لا يسري إلا إذا كانت المرأة المملوكة مشتركة في الحرب، أي: كانت تحارب مع الرجل ثم وقعت في الأسْر، والذي يسري على الرجل في الأسر يسري عليها، ثم من أي مصدر ستعيش وهي في بلد عدوة لها؛ إنَّ تركها في المجتمع فيه خطورة على المجتمع وعليها. كما أن لهذه المرأة عاطفة سوف تُكْبتُ، فأوصى الإسلام السيد بأنه إذا أحب هذه الأمَة فلها أن تستمتع كما تستمتع زوجة السيد، وإن أنجبت أصبحت زوجة حرة وأولادها أحراراً، وفي هذا تصفية للرق. ويقول الحق سبحانه وتعالى عن لون آخر من مستحقي الزكاة: {وَٱلْغَارِمِينَ} والغارم: هو من استدان في غير معصية، ثم عجز عن الوفاء بِدَيْنه. ولم يمهله صاحب الدَّيْن كما أمر الله في قوله تعالى: {أية : فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ...} تفسير : [البقرة: 280]. ولم يسامحه ولم يتنازل عن دَيْنه، وفي هذه الحالة يقوم بيت المال بسداد هذا الدَّيْن. لكن لماذا هذا التشريع؟ لقد شاء الحق إعطاء الغارم الذي لا يجد ما يسد به دَيْنه حتى لا يجعل الناس ينقلبون عن الكرم وعن إقراض الذي يمر بعسر، وبذلك يبقى اليُسْر في المجتمع، وتبقى نجدة الناس للناس في ساعة العسرة، فلا يمتنع أحد عن إعطاء إنسان في عسرة؛ لأنه يعلم أنه إن لم يدفع فسيقوم بيت المال بالسداد من الزكاة. أو: أن الغارم هو الذي أراد أن يصلح بين طرفين، كأن يكون هناك شخصان مختلفان على مبلغ من المال، فيقوم هو بفضِّ الخلاف ودَفْع المبلغ، ثم تسوء حالته؛ لأنه غرم هذا المال بنخوة إيمانية، فنقول له: خذ من بيت المال حتى يشيع في النفوس تصفية الخلافات وإشاعة الحب بين الناس. إذن: فالغارم هو المستدين في غير معصية ولا يقدر على سداد الدين، أو المتحمِّل لتكلفة إصلاح ذات البَيْن بين طرفين، وهو مستحق لهذا اللون من المال. ويقول الحق سبحانه: {وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}. يقول جمهور الفقهاء: إنها تنطبق على الجهاد؛ لأن الذي يضحي بماله مجاهداً في سبيل الله، لو لم يعلم أن الجهاد باب يدخله الجنة لما ضَحَّى بماله، وعندما تضحي بالمال أو النفس في سبيل الله يكون هذا من يقين الإيمان. فلو لم تكن على ثقة أنك إذا استشهدت دخلت الجنة ما حاربت. ولو لم تكن على ثقة بأنك إذا أنفقتَ المال جهاداً في سبيل الله دخلتَ الجنة ما أنفقت. والإسلام يهدف إلى أمرين: دين يبلَّغ ومنهج يُحقَّق، والمجاهد في سبيل الله أسوة لغيره من المؤمنين. والأسوة في الإسلام هي التي تُقوِّيه وتُثبِّته في النفوس؛ لأنها الإعلام الحقيقي بأن ما تعطيه من نفسك أو مالك لله ستجازى عنه بأضعاف أضعاف ما أعطيت. {وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أيضاً كل ما يتعلق بمصارف البر مثل: بناء المساجد والمدارس والمستشفيات. ثم يقول سبحانه موضحاً لمصرف جديد من مصارف الصدقة والزكاة: {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ}، ونحن نعلم أن كل إنسان ينسب إلى بلده. فهذا دمنهوري وهذا طنطاوي، إلى آخره حسب البلد الذي هو منه. ولكن لنفرض أن إنساناً مشى في الطريق في غير بلده فإلى من تنسبه وأنت لا تعرف بلده؟ تنسبه إلى الطريق فيصبح: ابْن السَّبِيلِ؛ لأن السبيل هو الطريق. وهذا الإنسان الغريب عن بلده لا بد أن تعينه حتى يصل إلى بلده، وإنْ وجد الإنسان مَنْ يعينه في هذه الحالة، فسوف يشجع ذلك سفر الشباب إلى الدول الأخرى لطلب الرزق، وأيضاً هناك من يسافر ليزداد خبرة أو يسافر للسياحة، وهناك من يسافر للتجارة، وقد يكون غنياً ولكنه قد يفقد ماله في الطريق. ويريد الحق سبحانه أن يكفل عباده وهم غرباء من أي مفاجأة قد تجعلهم في عسر، فالذين سافروا سياحة مثلاً ثم أصيبوا بكارثة أوجب الحق مساعدتهم، والذين سافروا طلباً للرزق ولم يُوفَّقوا أوجب الله سبحانه وتعالى مساعدتهم؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يريد من عباده أن يسيروا في الأرض ليروا آياته، وليبتغوا الرزق، إذن: فابن السبيل هو كل غريب صادفته ظروف صعبة، ولا يجد ما يعود به إلى بلده. ثم يقول الحق سبحانه: {فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ} أي: أن كل من حدد الله سبحانه وتعالى استحقاقه للصدقة إنما يستحقها بفرض من الله، فالصدقة فريضة للفقراء، فريضة للمساكين، فريضة للعاملين عليها، والمؤلََّفة قلوبهم وفي الرِّقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل. ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}، والله هو واجب الوجود وخالقه، خلق الإنسان وكرَّمه فجعله خليفة في الأرض. وقبل أن يخلق سبحانه الإنسان أعدَّ له الكون الذي يعيش فيه؛ الأرض والشمس والقمر والسماء والكواكب والنجوم. ثم جاء الإنسان إلى الكون؛ ليجد كل شيء قد أعدَّ لخدمته خاضعاً له، فلا يوجد جنس من الأجناس يتأبى عن خدمة الإنسان، فلا الأرض إذا زُرعَتْ رفضت إنبات الزرع، ولا الحيوان الذي سخره الله جل جلاله لخدمة الإنسان يتأبى عليه؛ فالحمار تُحمِّله السباخ والقاذورات فلا يرفض، وتنظفه وتجعله مَطيَّة تنقلك من مكان إلى آخر فلا يتأبى عليك. وما دام سبحانه الذي خلق، فهو أدرى بمن خلق، وبما يصلحه وما يفسده - ولله المثل الأعلى - نحن نعرف أن المهندس الذي يصمم آلة إنما يضع لها قانون صيانتها. فما بالنا بخالق الإنسان المتعدد المشاعر والأطوار؟ إن خلق الإنسان لا يقتضي علماً فقط، ولكنه يقتضي أيضاً حكمة؛ لأنك قد تعلم، ولكنك لا تستخدم العلم فيما تفعل، كأن تعلم قانون صيانة آلة معينة ثم لا تطبقه وتحاول أن تأتي بقانون من عندك؛ لذلك فلا بد مع العلم من حكمة لتضع الشيء في موضعه السليم. ولذلك قال الحق سبحانه: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. ونحن نعلم أن الصدقات تقتضي مُتصدِّقاً وهو المعطي، ومُتصدِّقاً عليه وهو مستحق الصدقة أو بالذي يأخذها، ومُتصدَّقاً به وهو الشيء الذي تتصدق به، إذن فهناك ثلاثة عناصر: المتصدِّق، والمتصدَّق عليه، والمتصدَّق به. قد يتساءل بعض الناس: لماذا خلق الله الإنسان الخليفة في الأرض وجعل بعضهم قادراً وبعضهم عاجزاً، وهذا يعطي وهذا يأخذ، ولماذا لم يجعل الكل قادرين؟ نقول: إن مفارقات التقابل في الأشياء تجعلها تتكامل، فهناك ليل وهناك نهار، فهل الليل ضد النهار؟ لا؛ لأن الليل مُكمِّل للنهار، والنهار مُكمِّل لليل. ولو لم يُخْلقَا معاً متكاملين؛ لاختلَّ التوازن في الكون. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [القصص: 72]. إذن: فالإنسان يحتاج إلى ضوء النهار للحركة والعمل، ويحتاج إلى ظُلْمة وسكون الليل للنوم، وإن لم يَنَمِ الإنسان ويسترِحْ فهو لا يستطيع مواصلة العمل. وهكذا نرى الليل والنهار متكاملين وليسا متضادين. كذلك الرجل والمرأة. وقد لا يفهم بعض الناس أن الرجل والمرأة متكاملان، ويقولون: لا بد أن تساوي المرأةُ الرجلَ، ونقول: إنكم تعتقدون أن المرأة والرجل جنسان مختلفان، ولكنهما جنس واحد مخلوق من نوعين، وكل نوع له مهمة وله خاصية. وللإنسان المكوَّن من الرجال والنساء مهمة وخصائص يشتركون فيها، ويتضح لنا ذلك عندما نقرأ قول الحق سبحانه وتعالى في سورة الليل: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} تفسير : [الليل: 1-3]. كأن الذكر والأنثى، مثل الليل والنهار متساندان متكاملان، فلا تجعلهما أعداء بل انظر إلى التكامل بينهما، ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} تفسير : [الليل: 4]. أي: كُلٌّ له مهمة في الحياة، واقتضتْ حكمته سبحانه في خلق الكون أن يجعل كل شيء يخدم الإنسان؛ الجماد يخدم الإنسان، وكذلك النبات، وكذلك الحيوان، حتى يكون الإنسان مستجيباً لمنهج الله ولعبادته. وكذلك اقتضتْ الحكمة أيضاً أن يخلق الله سبحانه وتعالى أشياء لا تستجيب للإنسان؛ حتى يعرف الناس أن هذا الكون ليس مُذلَّلاً بقدراتهم هم، بل بقدرة الله سبحانه وتعالى؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7]. فتجد مثلاً الجمل بضخامته ينقاد لطفل صغير، بينما الثعبان الصغير على دِقَّة حجمه لا يجرؤ الإنسان أن يقترب منه. وفي الوقت نفسه، فإن هذه الحكمة تقتضي أن يحس الإنسان أن قدراته وقوته موهوبة له من الله سبحانه وتعالى، وأنها ليست من ذات الإنسان. ولذلك يخلق الله أناساً ضعافاً لا يقدرون على الكسب، ليلفت أنظارنا إلى أن قوة القوى هي هبة من الله، وليست في ذاتية الإنسان، وإلا لو كانت ذاتية في الإنسان ما وُجد عاجز. ولا بد أن يفهم كل قوي أن قوته هبة من الله يمكن أن تسلب منه فيصبح ضعيفاً مثل من يراهم أمامه من ضعاف البشر. والضعيف غير القادر على العمل، والأعمى غير القادر على الكسب، والكسيح غير القادر على السير، كل هؤلاء موجودون في الكون ليلفتوا الأصحاء والأقوياء إلى أن الصحة والقوة من الله، فلا يغتر الأصحاء والأقوياء بأنفسهم ويرتكبوا المعاصي، بل عليهم أن يخافوا الله، فسبحانه الذي أعطى يستطيع أن يأخذ. كما اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يقسم الأرزاق بيننا لتسير حركة الكون. وإلا لو أصبحنا كلنا ميسورين، فمن الذي يقوم بتنظيف الشارع؟ ومن الذي يقوم بتسليك البالوعات؟ ومن الذي يحمل الطوب والأسمنت على كتفيه للبناء؟ وإن كنا جميعاً نملك المال فلن يرضى أحد أن يقوم بالأعمال البسيطة والمزعجة والمرهقة، وشاء الله أن يربط هذه الأعمال بالرزق، بحيث يقوم بها بعضنا ليحصل على قوت أولاده، وإلا لما أمسك أحد بمكنسة لتنظيف الطريق، وما عمل أحد في إصلاح المجاري؛ لذلك قد ترى مَنْ يقومون بهذه الأعمال سعداء عندما تُسَدُّ المجاري، أو يحتاج الطريق إلى نظافة؛ لأن رزقهم يأتي من هذا العمل. ولكن أيبقى هذا الحال على ما هو عليه؟ لا؛ لأن الأيام تُتداوَلُ بين الناس، وكل واحد له عُرْس وله مَأتم. وتأتي أيام تكون فيها هذه الأعمال اليدوية هي مصدر الرزق الوفير، وهي التي يملك أصحابها سعة الرزق، أكثر من الذين درسوا في الجامعات وأهِّلوا للمناصب، لكنهم أقل دخلاً وأقل رزقاً. وهكذا نعلم أن الكون يحتاج إلى المواهب المتعددة التي تتكامل فيه، فأنت إذا أردت أن تبني بيتاً تحتاج إلى مهندس ومقاول ونجار وحداد وبنَّاء إلى غير ذلك، ولا يمكن لإنسان أن يملك هذه المواهب كلها في وقت واحد. فلا بد أن تتكامل وأن يرتبط هذا التكامل بالرزق ولقمة العيش. بل وتجد أن الإنسان قد يتخصص في عمل ويتقنه بينما يحتاج هو لبعض من وقته ليقوم بمثل هذا العمل لبيته فلا يجد، ولذلك يقال: "باب النجار مخلّع"؛ لأن الأبواب الأخرى التي يصنعها مرتبطة برزقه وهو يحاول أن يحسن صناعتها، أما بابه هو فلا رزق له فيه، ولذلك قد يكسل عن صيانته. ولا بد أن يعرف الإنسان أنه ليس أصيلاً في الكون، بل مستخلف فيه؛ لأن الفساد ينشأ دائماً حين يعتبر الإنسان نفسه أصيلاً في الكون. وإياك أن تفهم أن المعْطى مُفضَّل على الآخذ، أو أن الآخذ مُفضَّل على المُعطِي، بل هما متعادلان، فالإيمان نصفان: نصف شكر ونصف صبر. إما أنك في نعمة فتشكر. وإما أنك في محنة فتصبر. وعندما نتأمل الغني المستخلَف في النعمة تجد أنه قد أخذ النصف الذي يخصه كشاكر، وحُرِمَ من النصف الآخر الإيماني وهو الصبر؛ ولذلك يأتي الإسلام له بتشريع يأَخذ منه بعضاً من ماله الذي حصل عليه بعرقه وعمله ويعطيه لغير القادر على العمل، وبذلك يحصل على جزء من الصبر؛ لأنه يعطي بعضاً من فائدته عمله للعاجز عن العمل، ويكون الفقير قد أخذ نصف الشكر ونصف الصبر. فقد صبر على فقره، وجاء له المال بلا تعب فشكر الله على نعمته. وهكذا نجد أن الاثنين إذا طبَّقا منهج الله أخذا نصف الصبر ونصف الشكر. وعلى العاجز عن الكسب ألا يغضب؛ لأن الله سبحانه وتعالى يعطيه الرزق بلا تعب. بل إنك قد تجد الغني وهو يبحث عن مصارف الزكاة ويسأل عن الفقراء ليعطيهم. وكثيراً ما نرى إنساناً عزيزاً في أزمة، ونجد من أصدقائه من يقترض ليعطيه. والله سبحانه وتعالى قال: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [البقرة: 245]. ومع أن المال مال الله فقد احترم سبحانه عمل الإنسان الذي يأتيه بالمال، وطلب منه أن يعطي بعضاً منه أخاه المحتاج؛ ابتغاء مرضاة الله، واعتبر سبحانه وتعالى هذا العمل إقراضاً له جل جلاله، وكأن الذي يعطي المال للمحتاج يقرض الله، ولله المثل الأعلى؛ كالأب الذي يعطي مصروفاً لأولاده، فيضعه كل منهم في حصالته، ثم تأتي للأب أزمة مالية، فيستأذن أولاده حتى يأخذ ما في حصالاتهم، رغم أن مال الأولاد هو من مال الأب، ورغم ذلك نجد الأب قد احترم ما وهبه من المال لأولاده؛ فاعتبره مالهم. كذلك الحق سبحانه وتعالى احترم عمل الإنسان، فاعتبر المال ماله، وطلب منه أن يقرضه. وفي هذا مَيْزة للغني والفقير، فالغني يأخذ ميزة وشرف أنه أعطى لله، والفقير أخذ ميزة؛ لأن الله سبحانه وتعالى اقترض من أجله. وجعل الله الزكاة من أركان الإسلام، وجعل هذا الركن لمصلحة الفقير. فالغني ليس له ركن في إيمان الفقير، ولكن الفقير له ركن من إيمان الغني. والغني حين يعطي جزءاً من ماله فهو يستغني عن هذا الجزء. وهناك فرق بين أن تستغني عن الشيء وتستغني بالشيء. والحق سبحانه وتعالى مستغن عن الكون وما فيه، فكأنه أعطى الغني صفة من صفات الحق؛ لأن الله مستغن عن مال الدنيا كله، والمال ليس سلعة مفيدة فائدة مباشرة للإنسان. والمثال الذي أقوله دائماً، يوضح ذلك: لنفرض أن رجلاً عنده جبل من ذهب وتاه في صحراء لا يجد فيها لقمة خبز أو شربة ماء، فما هي فائدة جبل الذهب هذا؟ إنه لا يساوي شيئاً. إذن: فالمال ليس غاية في حد ذاته، ولكنه وسيلة. وعندما يمنع الغني ماله عن الفقير يكون قد جعل المال غاية فلا ينفعه. أما إذا أعطى الغني بعضاً من المال للفقير؛ فهو قد أعاد إلى المال وظيفته في أنه وسيلة من وسائل الحياة. وأنت تشتري بالمال ما تعتقد أنه ينفعك؛ فعليك أن توظفه في أكمل ما ينفعك؛ وهو رضا الله سبحانه وتعالى وثوابه. واحترم الحق سبحانه حركة الحياة في العمل؛ حتى يعمل كل إنسان على قدر طاقته، وليس على قدر حاجته؛ لأن الإنسان إذا عمل على قدر حاجته فقط لما وُجِد فائض من مال للزكاة. ولذلك سمى الحق سبحانه وتعالى المال الذي يكسبه الإنسان في الدنيا مال الإنسان، حتى يعمل كل منا على قدر طاقته؛ لأن المال ماله. وعندما يزيد ما عندك من مال على حاجتك فأنت لا تحب أن يفارقك المال الزائد، وفي الوقت نفسه تحرص على أن تنفقه فيما ينفعك، فيرشدك الحق إلى إنفاق بعض المال في خير ما ينفعك، وهو أن تعمل لآخرتك. إذن: فأنت محتاج إلى التصدق ببعض من المال الزائد لِتحسُنَ آخرتك. والفقير محتاج إلى بعض من المال الزائد عن حاجتك ليَعيش. فكلاكما يحتاج الآخر، ولكن الله سبحانه وتعالى احترم عمل الإنسان، فجعل له النصيب الأكبر مما يكسب، وللفقير نصيب أقل. وعلى سبيل المثال: إن عثر الإنسان على كنز فزكاته عشرون في المائة، وإذا زرع الإنسان وروى وحصد فزكاته هي عشرة في المائة، أما إذا كان رزق الإنسان من عمل يومي كالتجارة، فالزكاة هي اثنان ونصف في المائة؛ ذلك أنه كلما كثرت حركة الإنسان في عمله قلَّتْ الزكاة. وكلما قَلَّ عمل الإنسان فيما يكسب؛ زادت الزكاة؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يشجع العامل على العمل. والمجتمع هو المستفيد بالعمل وإن لم يقصد صاحبه ذلك. فالذي يبني عمارة - مثلاً - إنما يفتح باب العمل لمن يحضر الرمال، ولمن يحضر الطوب والأسمنت والحديد، وهو يدفع لوسائل نقل هذه المواد إلى موقع البناء، ويدفع أجوراً لمن قاموا بصناعة وتركيب الأدوات الصحية، والكهرباء، وغير ذلك وقد لا يستفيد صاحب العمارة منها لانتهاء أجله. إذن: فالمجتمع كله يستفيد من بناء العمارة، حتى ولو لم يكن في بال صاحبها أن يفيد المجتمع، ويعتقد بعض الناس أن العمل وحده هو الذي يأتي بالمال، وينسون أن الله هو الذي ييسره لهم، ويُمَكّنُهم منه. ويلفتنا سبحانه إلى ذلك حين تأتي آفات تتلف الزرع وتُضَيّعُ تعب من قاموا بالحرث والبذر والسَّقْي؛ لعلنا نلتفت إلى أن كل شيء يتم بإرادة الله، وليس بالأسباب وحدها. وسبحانه وتعالى حين يقضي بذلك، يلفتنا أيضاً لفتة أخرى فيبارك في زرع في بلد آخر أو مكان آخر، فإذا هلك محصول القمح في دولة، كانت هناك دولة أخرى يزيد فيها محصول القمح، فيشتري هؤلاء من هؤلاء، أو ترسل الدول التي جاءها محصول وفير إلى الدول التي هلك فيها الزرع كمعونة أو إغاثة، وبذلك تتعادل سبل الحياة. ولا بد لنا أن نتذكر دائماً أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أعطانا القدرة، ولا أحد يستطيع أن يعطي القدرة للإنسان غير الله تبارك وتعالى. فالقدرة المطلقة هي لله سبحانه وتعالى، وسبحانه يُمرِّر بعضاً من أثر قدرته إلى خلقه، فنجد إنساناً يستطيع بقدراته أن يُعِين إنساناً آخر في حَمْل شيء ثقيل لا يستطيع صاحبه أن يحمله. وفَرْقٌ بين أن تتبرع أنت بأثر قوتك؛ وبين أن تهبَ الغير هذه القوة. فالبشر يعطي أثر القوة، ولكن الحق سبحانه وتعالى يهب القوة لمن يشاء. المال - إذن - لا ينفع بذاته، وإنما هو يُحضر الشيء النافع للإنسان، فإذا احتجت إلى طعام أو شراب أو ملابس أو سيارة أو غير ذلك اشتريتها بالمال. إذن: فالمال هو وسيلة البشر للحصول على احتياجاتهم. ولذلك يعتز به الإنسان. والمثال: أن الأبناء الذين يأخذون المصروف كل شهر من الأب، تجدهم يحرصون على لقاء الأب في أول الشهر، وقد لا يلتفتون إليه باقي الأيام. أما إذا كان المصروف في كل يوم فتجد الأولاد يحرصون على لقاء أبيهم في كل يوم. والحق سبحانه وتعالى هو خالق النفس البشرية، يعلم ما في صدور الناس؛ ولذلك يُلفت القادر إلى ضرورة أن يُخرِجَ بعضاً من ماله للعاجز عن الكسب. ونحن نعيش في عالم أغيار، ومن الممكن ان يصبح القادر اليوم عاجزاً غداً. ولذلك نجد القادر يمتلئ بالقلق إن رأى عاجزاً. وهنا يتذكر نعمة الله عليه؛ فيسرع ليدفع بعضاً من ماله إلى العاجز؛ وهو راضٍ، خوفاً من أن يحدث له مثل ما حدث لهذا العاجز. ويقول الحق: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ...} تفسير : [التوبة: 103]. إذن: فالصدقة تطهر الإنسان من الغفلة التي قد تصيبه، وتُزكِّي الإنسان أيضاً، وشاء سبحانه أن تكون الزكاة نموّاً وزيادة وإن بدت في ظاهرها على أنها نقص. فالمائة جنيه تصبح سبعة وتسعين ونصفاً بعد إخراج الزكاة، وهي عكس الربا الذي قد تصبح فيه المائة مائتين، وظاهر الربا أنه زيادة، ولكنه يمحق كل خير، وظاهر الزكاة أنها نقص، ولكنها في حقيقتها نماء. والنماء أن يترقى الشيء في مراتب الكمال؛ فينمو طهارة، وينمو تزكية، وينمو بالزيادة والبركة. والإنسان يحتاج إلى المال ليحصل على ضروريات الحياة وكمالياتها؛ فيطمئن إلى حاضره ومستقبله. لكن لنفرض أن المال دام لك طول العمر، وأنت تعرف أن العمر مهما طال، قصير. ولا بد أن يأتي يوم تفارق فيه هذا المال بالموت. في هذه اللحظة يكون ما كنزت من المال قد صار إلى ورثتك، ولا يصحبك منه إلى آخرتك إلا ما أنفقت في سبيل الله، أي: أن ما أنفقت هو ما يبقى لك في عالم الخلود لا يفارقك ولا تفارقه. وشاء الحق أن يضاعف لك الجزاء والثواب. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول ابن آدم: مالي مالي.. وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت؟ " تفسير : إذن: فالذي يحب ماله عليه أن يصحب معه هذا المال لمدة أطول، وأن يتعدى به مجرد الوجود في الدنيا، وأن يصل به إلى دار الخلود. ومن يعشق المال - إذا أراد أن يبقيه - فلينفقه في الصدقة. حديث : ولنا الأسوة الحسنة في رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءته شاة كهدية، فقال للسيدة عائشة رضي الله عنها: "تصدقي بلحمها". وكانت السيدة عائشة رضوان الله عليها تعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب لحم الكتف، فتصدقت بلحم الشاة كلها، وأبقَتْ قطعة من لحم الكتف لرسول الله عليه الصلاة والسلام. وعندما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، سألها: ماذا فعلت بلحم الشاة؟ قالت: تصدقت بها كلها وأبقيت كتفها. فقال: "بل قولي أبقيتها كلها إلا كتفها" . تفسير : وذلك لأن ما تصدقت به السيدة عائشة هو الباقي. وما أبقته لهما هو الذي سيفنى. وهكذا سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأشياء بحقيقة مسمياتها. فالذي يحب صحبة ماله في الدنيا والآخرة، عليه أن يقدم بعضاً منه صدقة للفقير والمحتاج، ليبارك الله له في الدنيا، ويجزيه خير الثواب في الآخرة. وقد سأل رجل الإمام عليا رضي الله عنه: أريد أن أعرف: هل أنا من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة؟. قال الإمام علي كرم الله وجهه: الجواب عندك أنت، لا عندي، انظر إذا دخل عليك من يعطيك، ودخل عليك من يطلب منك، أيهما ترحب به وتقابله ببشاشة؛ أيهما تحب؟ إن كنت تحب من يأخذ منك فأنت من أهل الآخرة، وإن كنت تحب من يعطيك فأنت من أهل الدنيا؛ لأن من يأخذ منك يحمل حسناتك إلى الآخرة، وأما من يعطيك فيزيدك من الدنيا ولا يعطي آخرتك شيئاً. ونقول للذي يحب المال: اجعل حبك للمال يبقيه لك فترة أطول من عمر الدنيا؛ فالدنيا ليست هي المقياس، ودنياك قدر عمرك فيها. أما الآخرة فأنت خالد فيها، فتصدق ببعض مالك يكن لك خيراً في الآخرة. ويذيل الحق الآية بقوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: أنه سبحانه وتعالى يضع الأشياء في موضعها عن علم وحكمة مصداقاً لقوله تعالى: {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} تفسير : [الملك: 14]. وأما الحكمة فيدير بها الحق سبحانه حياة كل الناس، وكلهم عبيد لله، ولا فرق بين غني وفقير. وشاء الحق أن يجعل التفرقة فقط في الدنيا؛ لأن العالم لا يحتاج إلى أفراد مكررين، ولا يمكن أن تستقيم الحياة إن كنا كلنا أطباء أو كلنا مهندسين أو كلنا قضاة؛ لذلك شاء سبحانه أن تتوزع المواهب على قدر ضروريات الحياة، فنبغ كل واحد منا في شيء؛ أنا أتقن شيئاً ولا أعرف الباقي، وغيري يتقن شيئاً آخر ولا يعرف الباقي. فأكون في حاجة إلى عمل غيري، وغيري يحتاج عملي، وبذلك يصير الرباط بيننا رباط حاجة ورباط رزق، لا رباط تفضل وتطوع. إذن: فالحكمة اقتضت أن يوزع سبحانه وتعالى المواهب على الخَلق بقدر ما تتطلب الخلافة في الأرض من حركات الحياة؛ فأعطى هذا زاوية من نبوغ، وأعطى الآخر زاوية أخرى من النبوغ، ومن مجموع هذه الزوايا يتكون المجتمع، وسبق أن قلنا: إن مجموع كل إنسان يساوي مجموع الآخر، ولكن الناس لا تنظر إلا للمال، ولا يلتفتون إلى ما هو أهم من المال، كالصحة، والأخلاق، وراحة البال، وسعادة الأولاد وتوفيقهم، ثم البركة في الرزق وغير ذلك. إنك لو وضعتَ لكل هذه الأشياء رقماً من عشرة مثلاً؛ تجد أن مجموع كل إنسان في النهاية يتساوى مع مجموع أي إنسان آخر، ولا تفاضل إلا بالتقوى. وإن رأى إنسان عاجز غيره ممن يملكون المال ولا يخرجون منه زكاة أو صدقة، فماذا يكون موقفه؟ لا بد أنه سيتمنى زوال النعمة عن هؤلاء. ولكن إن عادت نعمة القادر الغني على من لا نعمة عنده، فهذا يجعل العاجز الفقير مُحِبّاً لدوام النعمة عند صاحبها؛ لأنه إن حُرمَ الغني القوة، حُرِم العاجز الفقير من آثارها؛ ولذلك فعندما يعطي الغني للفقير، فهو يدعو لَه بالبركة، وحين يبارك الله في تلك النعمة سيعود على الفقير بعض منها. وإن لم يأخذ الفقير المحتاج صدقة من الغني، فقد يأخذها تلصُّصاً بأن يتحايل عليه ليسرقه أو ينهبه، أو ربما دفعه الحقد والحسد إلى أن يقتله أو يتآمر على قتله. إذن: فالزكاة في المجتمع تدفع شروراً كثيرة عن صاحبها. وهي ضرورة من ضروريات الحياة. ولذلك رأينا القادرين في المجتمعات التي لا تؤمن بدين وهم يتطوعون لإقامة المؤسسات الاجتماعية لرعاية غير القادرين لدقع شرور العاجزين عن مجتمعاتهم؛ لذلك تجد في معظم دول العالم من يحاول تخصيص جزء من المال لكفالة العجزة والمتعطلين ليعيشوا حياة الكفاف، وبذلك يأمن المجتمع شرورهم. على أن قول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} معناه: أن الصدقات قد فرضت لهؤلاء، والذي فرضها هوالحق سبحانه بقوله: {فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ}. وقد تُفرَض الصدقات من البشر كضريبة اجتماعية، أو غير ذلك، لدفع الشرور عن المجتمع، ولكن هذا لا يحدث إلا بعد أن تقع أحداث جسام يشقى بها مجتمع القادرين من مجتمع العاجزين، ويخرج من يقول: لكي تأمنوا شرهم لا بد أن نعطيهم حاجاتهم حتى يستقيم الأمر. وهكذا نجد أن تشريعات البشر لا تأتي إلا بعد أن يشقى المجتمع لفترة طويلة من وضع موجود، ولكن الحق سبحانه وتعالى رحمة منه بخليفته في الأرض جاء بالتشريع من أول الخلق، بل من قبل الخلق؛ حتى يرتب للإنسان حياة سعيدة خالية من الشقاء. ولذلك شرع الدين ورتَّبَ أحكامه لينزل إلى البشر؛ فيكون منهجاً لهم يحميهم من شرور قاسية قبل أن تقع. وشاء الحق سبحانه أن يجعل "سورة براءة" فاضحة كاشفة للمنافقين؛ لذلك كان من بين أسمائها: "السورة الحافرة"؛ لأن المنافق ربما يستر كفره، ويفضح الله هذا الكفر بأن يحفر عليه ليخرجه - ولله المثل الأعلى - فالإنسان يحفر الأرض ليكشف المخبوء فيها، وهذه السورة ذكرت من صفات المنافقين الكثير. فقد قال الحق: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي...} تفسير : [التوبة: 49]. وقال عز وجل: {أية : وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ...} تفسير : [التوبة: 75]. وقال سبحانه: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ ...} تفسير : [التوبة: 58]. ولذلك يسمونها "مَنَاهِم التوبة". وهنا يبين الحق صورة جديدة للمنافقين وتصرفاتهم فيقول: {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ} فالفَقِيرُ: الَّذِي بِهِ زَمانةٌ. والمِسكينُ: الصَّحيحُ المُحتاجُ.
الأندلسي
تفسير : {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ} الآية، لما ذكر تعالى من يعيب الرسول في قسم الصدقات بأنه يعطي من يشاء ويحرم من يشاء، أو يخص أقاربه أو يأخذ لنفسه ما بقي، وكانوا يسألون فوق ما يستحقون، بيّن تعالى مصرف الصدقات فإِنه عليه السلام إنما قسم على ما فرضه الله تعالى. ولفظة {إِنَّمَا} إن كانت وضعت للحصر فالحصر مستفاد من لفظها، وان لم توضع للحصر فالحصر مستفاد من الأوصاف، إذ مناط الحكم بالوصف يقتضي التعليل به، والتعليل بالشىء يقتضي الاقتصار عليه. والظاهر أن مصرف الصدقات هؤلاء الأصناف. والظاهر أن العطف مشعر بالتغاير فتكون الفقراء غير المساكين. والظاهر بقاء هذا الحكم للأصناف الثمانية دائماً إذ لم يرد نص في نسخ شىء منها. وتقدم الكلام على الفقراء والمساكين وفي الرقاب وابن السبيل في البقرة. {وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} العامل هو الذي يستنيبه الإِمام في السعي في جمع الصدقات وكل من تصرف لا يستغني عنه فيها فهو من العاملين، ويسمى جابي الصدقات والساعي. {وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} هم أشراف من العرب مسلمون لم يتمكن الإِيمان من قلوبهم أعطاهم صلى الله عليه وسلم ليتمكن الإِيمان من قلوبهم. فمن المؤلفة أبو سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام وحويطب بن عبد العزى وصفوان بن أمية ومالك بن عوف النضري والعلاء بن حارثة الثقفي، فهؤلاء أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بعير لكل واحد، ومَخْرَمة بن نوفل بن الزهري وعمير بن وهب الجمحي وهشام بن عمرو العائذي أعطاهم دون المائة، ومن المؤلفة سعيد بن يربوع والعباس بن مرداس والأقرع بن حابس وزيد الخيل وعلقمة بن علاثة وأبو سفيان الحارث بن عبد المطلب وحكيم بن حزام وعكرمة بن أبي جهل وسعيد بن عمرو وعيينة بن حصن، وحَسُنَ إسلام المؤلفة حاشى عيينة فإِنه لم يزل مغموصاً عليه. {وَٱلْغَارِمِينَ} قال ابن عباس: الغارم من عليه دين. وزاد مجاهد وقتادة: في غير معصية ولا إسراف. والجمهور على أنه يقضى منها دين الميت إذ هو غارم. وقال أبو حنيفة وأبو المواز من المالكية: لا يقضى منها. وقال أبو حنيفة: ولا يُقضى منها كفارة ونحوها من حقوق الله تعالى. وإنما الغارم من عليه دين يحبس فيه. وقيل: يدخل في الغارمين من تحمل حمالات في إصلاح وبرّ، وان كان غنياً إذ كان ذلك يجحف بماله، وهو قول الشافعي وأصحابه وأحمد. {وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} هو المجاهد يعطي منها إذا كان فقيراً. والجمهور على أنه يعطى منها وإن كان غنياً ما ينفق في غزوته. وقال الشافعي وأحمد وعيسى بن دينار وجماعة: لا يعطى الغني إلا ان احتاج في غزوته وغاب عنه وَفْرُهُ. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يعطي إلا إن كان فقيراً أو منقطعاً به فإِذا أعطى ملك وإن لم يصرفه في غزوته. وقال ابن عبد الحكم: ويُجعَل من الصدقة في الكراع والسلاح وما يحتاج اليه من الات الحرب وكف العدو عن الحوزة لأنه كله في سبيل الله ومنفعته. والجمهور على أنه يجوز الصرف منها إلى الحجاج والمعتمرين وان كانوا أغنياء. وانتصب فريضة لأنه في معنى المصدر المؤكد لأن قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ}، معناه فرض الله الصدقات فريضة لهم فهي مصدر. وقرىء: فريضة بالرفع على تلك الفريضة. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} لأن ما صدر عنه هو عن علم منه بخلقه وحكمة منه في القسمة، أي عليم بمقادير المصالح، حكيم لا يشرع إلا ما هو الأصلح. {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ} كان حزام بن خالد وعبيد بن هلال والجلاس بن سويد في آخرين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: لا تفعلوا فإِنا نخاف أن يبلغه فيوقع بنا. فقال الجلاس: بل نقول ما شئنا فإِن محمداً أذن سامعة ثم نأتيه فيصدقنا. فنزلت. وقيل غير ذلك. يقال: رجل أذنٌ إذا كان يسمع فقال كل أحد يستوي فيه الواحد والجمع، قاله الجوهري. وقال الشاعر: شعر : وقد صرت أذناً للوشاة سميعة ينالون من عرضي ولو شئت ما نالوا تفسير : وارتفع أذن على إضمار مبتدأ، أي قل هو إذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين، تعدية يؤمن أولاً بالباء، وثانياً باللام قصد التصديق بالله الذي هو نقيض الكفر، فعدي بالباء وقصد الاستماع للمؤمنين وان يسلم لهم ما يقولون، فعدي باللام. وقرىء: ورحمة بالرفع عطفاً على إذن، وبالجر عطفاً على خير. {وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ} وخص المؤمنين وإن كان رحمة للعالمين لأن ما حصل لهم من الإِيمان بسبب رسول الله لم يحصل لغيرهم. وخصوا هنا بالذكر وإن كانوا قد دخلوا في العالمين لحصول مزيتهم، وأبرز اسم الرسول ولم يأت مضمراً على نسق يؤمن بلفظ الرسول تعظيماً لشأنه وجمعاً له في الآية بين الرتبتين العظيمتين من النبوة والرسالة، وإضافته إليه زيادة في تشريفه وحتم على من أذاه بالعذاب الأليم وحق لهم ذلك، والذين يؤذون عام يندرج فيه هؤلاء الذين آذوا هذا الإِيذاء الخاص وغيرُهم.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ بيَّن سبحانه مصارف الصدقات فقال: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ} أي: الزكوات يصرف {لِلْفُقَرَآءِ} وهم الذين لا مال لهم ولا مكسب لهم من الحرث وغيره، كأنه يكسر فقار ظهرهم الفاقة والاحتياج {وَٱلْمَسَاكِينِ} الذين لهم مكسب وصنعة، لكن لا تفي لعيالهم كأن الاحتياج أسكنهم في زاوية المسكنة والهوان {وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} أي: الساعين لجمعها وإيصالها إلى مصارفها {وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} وهم الذين قرب عهد إسلامهم، يجب على المسلمين مؤانستهم ومواساتهم؛ ليقروا على الإيمان {وَ} يصرف منها أيضاً {فِي ٱلرِّقَابِ} أي: فكها من الرق وتحريرها، وهو من أهم مهمات الإسلام {وَٱلْغَارِمِينَ} الذين استغرق أموالهم في ديونهم ولم تفِ لأدائها، يُصرف إليهم منها؛ ليؤديها. {وَ} يُصرف منها سهم {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} لتجهيز جيوش أهل الجهاد وتهيئة أسبابهم وعُددهم؛ إذ هو من أهم مهمات هذا الدين {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} الذي انقطع عن الأهل والمال لمصلحة شرعية، إنماجرى هذه القسمة لهؤلاء المستحقين {فَرِيضَةً} صادرة {مِّنَ ٱللَّهِ} مقدرة من عنده؛ ليحافظ المؤمنون عليها {وَٱللَّهُ} المدبر لأمور عباده {عَلِيمٌ} بمصارف الصدقات {حَكِيمٌ} [التوبة: 60] في صرفها إياهم تقويةً لهم وإمداداً. {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ} ويسيئون الأدب معه {وَيِقُولُونَ} في حقه افتراءً واستهانةً: {هُوَ أُذُنٌ} أي: سمع كله ليس له دربة ودراية وتعمق في المعارف الحقائق، بل يسمع منَّا ويجري على ما سمع بلا تفتيش وتدبر {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل: إنما أذن لكم لا أذن شر وفتنة، بل {أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} إن صدر عنكم ما يتعلق بأمور دينكم، موافقاً لما أمر الله به يقبله منكم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} أي: يقر ويصدق بوحدانيته {وَيُؤْمِنُ} أيضاً {لِلْمُؤْمِنِينَ} المخلصين فيما أتوا به من الأعمال والأقوال الصادرة عن الإخلاص {وَ} كيف لا يكون الرسول أذن خير؛ إذ هو كله {رَحْمَةٌ} أي: شفقة وعطف {لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ} وأخلصوا في إيمانهم؟! {وَ} بالجملة: {ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ} بأي وجه كان {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 61] في النشاة الأخرى؛ جزاءً لما أتوا به من إيذاء رسوله.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن مستحقي الصدقات ومصارفها وما فيها غير المولى ومستعدي المواهب وعوارفها بقوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ} [التوبة: 60] إما الصدقات هي صدقات الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من يوم وليلة ولا ساعة إلا لله فيها صدقة يتصدق بها على من يشاء من عباده الفقراء، وهم الأغنياء بالله الفانون عنهم الباقون به"،تفسير : وهذا حقيقة قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : والفُقَرَاءُ الصُّبَّرُ هُمْ جُلسَاءُ اللهِ يوم القيامة"تفسير : وهو سر ما قال الواسطي: الفقير لا يحتاج إلى الله؛ وذلك لأنه غني به، والشيء بالشيء لا يحتاج إليه. { وَٱلْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] وهم الذين لهم بقية أوصاف الوجود، فهم في سفينة بحر الطلب وقد خرقها خضر المحبة {أية : وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً}تفسير : [الكهف: 70]. {وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} [التوبة: 60] وهم أرباب الأعمال كما كان الفقراء والمساكين أصحاب الأحوال. {وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} [التوبة: 60] وهم الذين يتألفون قلوبهم بذكر الله إلى الله المتقربون إليه بالتباعد عما سواه. {وَفِي ٱلرِّقَابِ} [التوبة: 60] وهم المكاتبون قلوبهم عن رق الموجودات تحريّاً لعبودية موجدها والمكاتب عبد ما بقى عليه درهم، {وَٱلْغَارِمِينَ} [التوبة: 60] وهم الذين استقرضوا من مراتب المكونات أوصافها وطبعائها وخواصها وهم محبوسون في سجن الوجود بقروضهم وإنهم في استخلاص ذممهم عن القروض بردها، فهم معاونون بتلك الصدقات للخلاص من حبس الوجود، {وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [التوبة: 60] وهم الغزاة المجاهدون في الجهاد الأكبر وهو الجهاد مع كفار النفوس والهوى والشيطان والدنيا. {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} [التوبة: 60] وهم المسافرون عن أوطان الطبيعة والبشرية السائرون إلى الله على أقدام الشريعة والطريقة بسفارة الأنبياء والأولياء، {فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ} [التوبة: 60] أي: هذا السير والجهاد ورد القرض والحرية عن رق الموجودات وتألف القلوب إلى الله واستعمال أعمال الشريعة، والتمسكن والافتقار إلى الله طلباً للاستغناء به أمر واجب على العباد من الله، وهذه الصدقات من المواهب الربانية والألطاف الإلهية للطالبين الصداقين أمر أوجبه الله تعالى في ذمة كرمه لهم كما قال تعالى: "حديث : ألا من طلبني وجدني ". تفسير : {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} [التوبة: 60] بطالبيه، {حَكِيمٌ} [التوبة: 60] فيما يعادونهم على الطلب للوجدان كما قال تعالى: "حديث : من تقرب إليّ شراً تقربت إليه ذراعاً ". تفسير : ثم أخبر عن المنافقين المؤذين بقوله تعالى: {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ} [التوبة: 61] إلى قوله: {ذٰلِكَ ٱلْخِزْيُ ٱلْعَظِيمُ} [التوبة: 63] يشير إلى أن من أمارات النفاق إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، ورؤية محامده بنظر المذمة والعيب كما قالوا: هو أذن يسمع ما يقال، عابوه به، وقد مدحه الله به فقال: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} [التوبة: 61] يعني: سامعيه خير لكم؛ لأن له مقام السامعية، فيسمع لما أوحى الله إليه إمَّا بواسطة الملك، وإمَّا بغير الواسطة كما قال تعالى: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ}تفسير : [النجم: 10] فيبلغكم رسالات ربه وزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة. {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} [التوبة: 61] أي: يكون إيمانه بشهود نور الله إيماناً غيباً بما نزل إليه من ربه بلا واسطة كما كان ليلة المعراج بقوله تعالى: {أية : ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ}تفسير : [التوبة: 285] يعني: بلا واسطة إيماناً عينياً لا إيماناً غيبياً كما كان يؤمن بما أنزل به الروح الأمين على قلبه، {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 61] أي: فوائد إيمانه تعود إلى المؤمنين كما تعود إلى نفسه. {وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ} [التوبة: 61] يعني: النبي صلى الله عليه وسلم وهو صورة رحمة الحق لمن آمن منكم واهتدى بهداه، {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ} [التوبة: 61] بأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 61] هو عذاب البعد والقطيعة؛ يعني: إيذاؤهم لرسول الله من نتائج عذاب البعد ولو كانوا أهل القرب لم ينتج منهم الإيذاء. {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ} [التوبة: 62] يعني: لكم بالنفاق لا بالله بالإخلاص، {لِيُرْضُوكُمْ} [التوبة: 62] بالنفاق، {وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} [التوبة: 62] يرضوه بالإخلاص، {إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 62] لأن من أمارات الإيمان طلب رضا الله ورسوله، {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة: 63] جهلاً وكفراً، {فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [التوبة: 63] لأنه لها وهي خلقت له، {خَالِداً فِيهَا} [التوبة: 63] وهي نار القطيعة، {ذٰلِكَ ٱلْخِزْيُ ٱلْعَظِيمُ} [التوبة: 63] يعني: الخلود في نار القطيعة من الله العظيم هو الخزي العظيم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ } أي: الزكوات الواجبة، بدليل أن الصدقة المستحبة لكل أحد، لا يخص بها أحد دون أحد. أي: إنما الصدقات لهؤلاء المذكورين دون من عداهم، لأنه حصرها فيهم، وهم ثمانية أصناف. الأول والثاني: الفقراء والمساكين، وهم في هذا الموضع، صنفان متفاوتان، فالفقير أشد حاجة من المسكين، لأن اللّه بدأ بهم، ولا يبدأ إلا بالأهم فالأهم، ففسر الفقير بأنه الذي لا يجد شيئا، أو يجد بعض كفايته دون نصفها. والمسكين: الذي يجد نصفها فأكثر، ولا يجد تمام كفايته، لأنه لو وجدها لكان غنيا، فيعطون من الزكاة ما يزول به فقرهم ومسكنتهم. والثالث: العاملون على الزكاة، وهم كل من له عمل وشغل فيها، من حافظ لها، أو جاب لها من أهلها، أو راع، أو حامل لها، أو كاتب، أو نحو ذلك، فيعطون لأجل عمالتهم، وهي أجرة لأعمالهم فيها. والرابع: المؤلفة قلوبهم، المؤلف قلبه: هو السيد المطاع في قومه، ممن يرجى إسلامه، أو يخشى شره أو يرجى بعطيته قوة إيمانه، أو إسلام نظيره، أو جبايتها ممن لا يعطيها، فيعطى ما يحصل به التأليف والمصلحة. الخامس: الرقاب، وهم المكاتبون الذين قد اشتروا أنفسهم من ساداتهم، فهم يسعون في تحصيل ما يفك رقابهم، فيعانون على ذلك من الزكاة، وفك الرقبة المسلمة التي في حبس الكفار داخل في هذا، بل أولى، ويدخل في هذا أنه يجوز أن يعتق منها الرقاب استقلالا لدخوله في قوله: { وفي الرقاب }. السادس: الغارمون، وهم قسمان: أحدهما: الغارمون لإصلاح ذات البين، وهو أن يكون بين طائفتين من الناس شر وفتنة، فيتوسط الرجل للإصلاح بينهم بمال يبذله لأحدهم أو لهم كلهم، فجعل له نصيب من الزكاة، ليكون أنشط له وأقوى لعزمه، فيعطى ولو كان غنيا. والثاني: من غرم لنفسه ثم أعسر، فإنه يعطى ما يُوَفِّى به دينه. والسابع: الغازي في سبيل اللّه، وهم: الغزاة المتطوعة، الذين لا ديوان لهم، فيعطون من الزكاة ما يعينهم على غزوهم، من ثمن سلاح، أو دابة، أو نفقة له ولعياله، ليتوفر على الجهاد ويطمئن قلبه. وقال كثير من الفقهاء: إن تفرغ القادر على الكسب لطلب العلم، أعطي من الزكاة، لأن العلم داخل في الجهاد في سبيل اللّه. وقالوا أيضا: يجوز أن يعطى منها الفقير لحج فرضه، [وفيه نظر]. والثامن: ابن السبيل، وهو الغريب المنقطع به في غير بلده، فيعطى من الزكاة ما يوصله إلى بلده، فهؤلاء الأصناف الثمانية الذين تدفع إليهم الزكاة وحدهم. { فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ } فرضها وقدرها، تابعة لعلمه وحكمه { وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } واعلم أن هذه الأصناف الثمانية، ترجع إلى أمرين: أحدهما: من يعطى لحاجته ونفعه، كالفقير، والمسكين، ونحوهما. والثاني: من يعطى للحاجة إليه وانتفاع الإسلام به، فأوجب اللّه هذه الحصة في أموال الأغنياء، لسد الحاجات الخاصة والعامة للإسلام والمسلمين، فلو أعطى الأغنياء زكاة أموالهم على الوجه الشرعي، لم يبق فقير من المسلمين، ولحصل من الأموال ما يسد الثغور، ويجاهد به الكفار وتحصل به جميع المصالح الدينية.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 343 : 17 : 1 - حدثنا أبو حذيفة ثنا سفين عن عثمن بن الأسود عن مجاهد في قوله {وَٱلْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} قال، إذا أصابته مصيبة، أو احترق بيته، أو أدان على عياله، أو اذهب السيل بماله، فهو من الغارمين. [الآية 60]. 344 : 18 : 7 - سفين عن جابر عن أبي جعفر في قول الله {وَٱلْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} قال، الغارمين المستدينين بغير فساد، وابن السبيل المجتاز من الأرض الى الأرض. [الآية 60].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} [60] 241- أنا هناد بن السَّري، عن أبي الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم، عن أبي سعيد الخُدري قال: حديث : بعث علي عليه السلام، وهو باليمن بذُهبية يهديه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمها بين أربعة، بين الأقرع بن / حابس الحنظلي، وعُيينة بن بدر الفَزَاري، وعلقمة بن عُلاثَة العامري، ثم أحد بني كلاب، وزيد الطَّائي، ثم أحد بني نبهان، فغضبت قريش، وقال مرَّة أخرى صناديدُ قريش، فقالوا: يُعْطي صناديد نجد، ويدعنا، فقال: "إني إنما فعلت ذلك لأتَأَلَّفهم" فجاء رجل كثُّ اللحية، مشرف الوجنتين، غائر العينين، ناتيء الجبين، محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا محمد، قال: "فمن يُطع الله إن عَصَيْتُه، يأْمَنني على أهل الأرض، ولا يَأْمَنوني؟" قال: وأَدبر الرجل، فاستأذن رجل من القوم في قتله - يرون أنه خالد بن الوليد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا، إن من ضِئضئي هذا قوما يقرأون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يمرُقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّمية، لئن أدركتهم لأقتُلَهم قتل عاد ". تفسير : 242- أنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم، نا عمي، نا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، حدثني أنس بن مالك أنه قال: حديث : لما أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال يقولون - يوم حُنين - طفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعطي رجالا من قريش المائة من الإبل، فقال رجل من الأنصار: يغفر الله لرسول الله، يُعطي رجالا من قريش، ويتركنا، وسيُوفنا تقطر من دمائهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأُعطي رجالا حديث عهدهم بالكفر، فأتَأَلفهم، أَوَلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فوالله لما تنقلبون خَيْر، خيرٌ مما ينقلبون به" قالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا .
همام الصنعاني
تفسير : 1093- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ}: [الآية: 60]، قال: الفقير من به زمانةٌ، والمسكين: الصحيح المحتاج. 1094- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر والثَّوْري، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسار، عن أبي سعيد الخُدريِّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تَحِلّ الصَّدقة إلاَّ لخمسةٍ: لعامل عَلَيْها، أو لرجل اشتراها بماله، أو غارمٍ، أو غازٍ في سبِيل الله، أو مسكين تُصْدِّقَ عليه بها فأهدى منها لغني ". تفسير : 1095- عبد الرزاق،ـ عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة: حديث : أن امرأةً أَهدت لها رِجْلَ شاةٍ تُصدِّقَ بها عليها، فَأَمَرَهَا النبي صلى الله عليه وسلم أنْ تَقْبَلها . تفسير : 1096- عبد الرزاق، عن معمر، قال: أخبرني محمد بن زياد: أنه سمع أبا هريرة يقول: حديث : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم تمراً من تمر الصدقة، والحسن بن علي في حجره فلما فرغ، حمله النبي صلى الله عليه وسلم عَلَى عاتقه، فَسَال لعابه على خدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع النبي صلى الله عليه وسلم إليْهِ رأسه، فإذا تمرة في فيه، فأدخل النبي صلى الله عليه وسلم يده فانتزعها منه، ثم قال له: "أما علمت أن الصدقة لا تحل لآل محمد . تفسير : 1097- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي جَهْضَم: سالم البَصْري، عن رجل عن ابن عباس: قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أقول نهاكم أن نُنْزِي حماراً على فرس، وأَمَرَنا أن نُسبغَ الوُضوء! ولا نأكل الصدقة. 1098- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن عطاء بن السائب، قال: حديثتني أم كلثوم ابنة علي، قال: وأتيتها بصدقة كان أمرَ بها، فقالت: لا آخذ شيئاً. فإن ميمون أو مهران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبرني أنه مرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا ميمون، أو ق ال: يا مهران: انا أهل بيت نُهِينا عن الصدقة، وإن موالينا من أنفسنا فلا تأكلوا الصدقة. 1099- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن يزيد بن حيان التيمي، قال: سمعت زيد بن أرقم، وقيل له: مَنْ آلُ محمد؟ قال: من حُرِمَ الصدقة، قال: قيل مَنْ؟ قال: آل علي وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس. 1100- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، أنَّ عمر بن الخطاب قال: ليس المسكين الذي لا مالَ لهُ، ولكنّ المسكين الأخْلق الكسْبِ. 1101- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد في قوله تعالى: {وَٱلْغَارِمِينَ}: [الآية: 60]، قال: من احترق بيته، وذهب السيل بماله وادَّان عَلَى عِيَالِه. 1102- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن هارون بن رئاب، عن كنانة العدوي، قال: حديث : كنت جالساً عند قبيصة بن المُخَارق، إذ جَاءَه نفرٌ من قومه يستعينونه في نكاح رجل من قومه، فأبى أن يعطيهم شيئاً، فانطلقوا مِنْ عِنْدِهِ، قال كنانة: فقلت له: أنت سيد قومك، أتوك يسألونك فلم تعطهم شيئاً! قال: لو عَصبَهُ بِقِدٍ حتى يَفْجَلَ لكان خيراً له من أن يسأل في مثل هذا. وسأخبرك عن ذلك، إني تَحَمَّلْتُ بحمالةٍ في قومي، فأتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله! إني تحمّلت بحمالة في قومي وأتَيْتُكَ لِتُعينني فيها. قال: "بل نحملها عنك يا قبيصة نؤديها إليهم من الصدقة ثم قال: إن المسألة حُرِّمت إلاّ في ثلاث: في رجل أصابته جائحة فأجتاحت ماله فيسأل حتى يصيب قواماً من عَيْشِهِ ثم يمسك . تفسير : وفي رجل أصابته حاجة حتى يشهد له ثلاثة نفرٍ من ذوي الحجا من قومه: إن المسألة قد حلت له، فيسأل حتى يصيب القوام من العيش ثم يمسك، وفي رجل تحمَّل بحَمَالةٍ فيسأل حتى إذا بلغ أمسك، وما كان غير ذلك، فإنه سُحْتٌ، يأكله صاحبه سُحْتاً". 1103- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، أن {وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} من بني هاشم أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ومن بني أمية: أبو سفيان بن حرب، ومن بني مخزوم: الحارث بن هشام، وعبد الرحمن بن يربوع، ومن بني جمح: صفوان بن أمية، ومن بني عامر بن لؤي: سُهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العُزَّى، ومن بني أَسد بن عبد العزَّى: حيكم بن حزام، ومن بني سهم: عدي بن قيس، ومن بني فزارة: عُيَيْنة بن حصن بن بدر، ومن بني تميم الأقرع بن حابس، ومن بني نصر: مالك بن عوف، ومن بني سليم: العباس بن مرداس، ومن بني ثقيف: العلاء بن حارثة أعطى النبي صلى الله عليه وسلم كل رجل منهم مائة ناقة إلا عبد الرحمن بن يربوع، وحويطب بن عبد العزى، فأنه أعطى كل واحدٍ مِنْهُمَا خمسين. 1104- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال: قال صفوان بن أمية: لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):