Verse. 1296 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

وَمِنْہُمُ الَّذِيْنَ يُؤْذُوْنَ النَّبِيَّ وَيَقُوْلُوْنَ ہُوَاُذُنٌ۝۰ۭ قُلْ اُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللہِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَرَحْمَۃٌ لِّلَّذِيْنَ اٰمَنُوْا مِنْكُمْ۝۰ۭ وَالَّذِيْنَ يُؤْذُوْنَ رَسُوْلَ اللہِ لَہُمْ عَذَابٌ اَلِيْمٌ۝۶۱
Waminhumu allatheena yuthoona alnnabiyya wayaqooloona huwa othunun qul othunu khayrin lakum yuminu biAllahi wayuminu lilmumineena warahmatun lillatheena amanoo minkum waallatheena yuthoona rasoola Allahi lahum AAathabun aleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومنهم» أي المنافقين «الذين يؤذون النبي» بعيبه وبنقل حديثه «ويقولن» إذا نُهوا عن ذلك لئلا يبلغه «هو أُذُنُ» أي يسمع كل قيل ويقبله فإذا حلفنا له أنَّا لم نقل صدَّقنا «قل» هو «أُذُن» مستمع «خيرٍ لكم» لا مستمع شر «يؤمن بالله ويؤمن» يصدق «للمؤمنين» فيما أخبروه به لا لغيرهم واللام زائدة للفرق بين إيمان التسليم وغيره «ورحمةٌ» بالرفع عطفا على أذن والجر عطفا على خير «للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم».

61

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا نوع آخر من جهالات المنافقين وهو أنهم كانوا يقولون في رسول الله أنه أذن على وجه الطعن والذم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم في رواية الأعمش وعبد الرحمن عن أبي عكرمة عنه {أُذُنُ خَيْرٍ } مرفوعين منونين، على تقدير: إن كان كما تقولون إنه أذن. فأذن خير لكم يقبل منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم، والباقون {أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ } بالإضافة، أي هو أذن خير، لا أذن شر، وقرأ نافع {أَذِنَ } ساكنته الذال في كل القرآن، والباقون بالضم وهما لغتان مثل عنق وظفر. المسألة الثانية: قال ابن عباس رضي الله عنه: أن جماعة من المنافقين، ذكروا النبي صلى الله عليه وسلم بما لا ينبغي من القول فقال بعضهم لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما نقول، فقال الجلاس بن سويد: بل نقول ما شئنا، ثم نذهب إليه ونحلف أنا ما قلنا، فيقبل قولنا، وإنما محمد أذن سامعة، فنزلت هذه الآية. وقال الحسن: كان المنافقون يقولون ما هذا الرجل إلا أذن، من شاء صرفه حيث شاء لا عزيمة له. وروى الأصم أن رجلاً منهم قال لقومه إن كان ما يقول محمد حقاً، فنحن شر من الحمير فسمعها ابن امرأته، فقال: والله إنه لحق وإنك أشر من حمارك، ثم بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال بعضهم: إنما محمد أذن ولو لقيته وحلفت له ليصدقنك، فنزلت هذه الآية على وفق قوله. فقال القائل: يا رسول الله لم أسلم قط قبل اليوم، وإن هذا الغلام لعظيم الثمن علي والله لأشكرنه ثم قال الأصم: أظهر الله تعالى عن المنافقين وجوه كفرهم التي كانوا يسرونها لتكون حجة للرسول ولينزجروا. فقال: {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَـٰتِ }. ثم قال: {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ } ثم قال: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ } إلى غير ذلك من الأخبار عن الغيوب، وفي كل ذلك دلائل على كونه نبياً حقاً من عند الله. المسألة الثالثة: اعلم أنه تعالى حكى أن من المنافقين من يؤذي النبي، ثم فسر ذلك الإيذاء بأنهم يقولون للنبي أنه أذن، وغرضهم منه أنه ليس له ذكاء ولا بعد غور، بل هو سليم القلب سريع الاغترار بكل ما يسمع، فلهذا السبب سموه بأنه أذن، كما أن الجاسوس يسمى بالعين يقال: جعل فلان علينا عيناً، أي جاسوساً متفحصاً عن الأمور، فكذا ههنا. ثم إنه تعالى أجاب عنه بقوله {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ } والتقدير: هب أنه أذن لكنه خير لكم وقوله: {أُذُنُ خَيْرٍ } مثل ما يقال فلان رجل صدق وشاهد عدل، ثم بين كونه {أُذُنُ خَيْرٍ } بقوله: {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ } جعل تعالى هذه الثلاثة كالموجبة لكونه عليه الصلاة والسلام {أُذُنُ خَيْرٍ } فلنبين كيفية اقتضاء هذه المعاني لتلك الخيرية. أما الأول: وهو قوله: {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ } فلأن كل من آمن بالله خائفاً من الله، والخائف من الله لا يقدم على الإيذاء بالباطل. وأما الثاني: وهو قوله: {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } فالمعنى أنه يسلم للمؤمنين قولهم والمعنى أنهم إذا توافقوا على قول واحد، سلم لهم ذلك القول، وهذا ينافي كونه سليم القلب سريع الاغترار. فإن قيل: لم عدى الإيمان إلى الله بالباء وإلى المؤمنين باللام؟ قلنا: لأن الإيمان المعدى إلى الله المراد منه التصديق الذي هو نقيض الكفر، فعدى بالباء، والإيمان المعدى إلى المؤمنين معناه الاستماع منهم والتسليم لقولهم فيتعدى باللام، كما في قوله: { أية : وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا } تفسير : [يوسف: 17] وقوله: { أية : فَمَا ءامَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرّيَّةٌ مّن قَوْمِهِ } تفسير : [يونس: 83] وقوله: { أية : أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ } تفسير : [الشعراء: 111] وقوله: { أية : ءامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لكم } تفسير : [الشعراء: 49]. وأما الثالث:وهو قوله: {وَرَحْمَةٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ } فهذا أيضاً يوجب الخيرية لأنه يجري أمركم على الظاهر، ولا يبالغ في التفتيش عن بواطنكم، ولا يسعى في هتك أستاركم، فثبت أن كل واحد من هذه الأوصاف الثلاثة يوجب كونه {أُذُنُ خَيْرٍ } ولما بين كونه سبباً للخير والرحمة بين أن كل من آذاه استوجب العذاب الأليم، لأنه إذا كان يسعى في إيصال الخير والرحمة إليهم مع كونهم في غاية الخبث والخزي، ثم إنهم بعد ذلك يقابلون إحسانه بالإساءة وخيراته بالشرور، فلا شك أنهم يستحقون العذاب الشديد من الله تعالى. المسألة الرابعة: أما قراءة من قرأ {أُذُنُ خَيْرٍ } بالتنوين في الكلمتين ففيه وجوه: الوجه الأول: التقدير قل أذن واعية سامعة للحق خير لكم من هذا الطعن الفاسد الذي تذكرون، ثم ذكر بعده ما يدل على فساد هذا الطعن، وهو قوله: {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ } والمعنى أن من كان موصوفاً بهذه الصفات، فكيف يجوز الطعن فيه، وكيف يجوز وصفه بكونه سليم القلب سريع الاغترار؟ الوجه الثاني: أن يضمر مبتدأ، والتقدير: هو أذن خير لكم، أي هو أذن موصوف بالخيرية في حقكم، لأنه يقبل معاذيركم، ويتغافل عن جهالاتكم، فكيف جعلتم هذه الصفة طعناً في حقه؟ الوجه الثالث: وهو وجه متكلف ذكره صاحب النظم. فقال: {أَذِنَ } وإن كان رفعاً بالابتداء في الظاهر لكن موضعه نصب على الحال وتأويله قل هو أذناً خير إذا كان أذناًفهو خير لكم لأنه يقبل معاذيركم، ونظيره، وهو حافظاً خير لكم، أي هو حال كونه حافظاً خير لكم إلا أنه لما كان محذوفاً وضع الحال مكان المبتدأ تقديره، وهو حافظ خير لكم وإضمار «هو» في القرآن كثير. قال تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلَـٰثَةٌ } أي هم ثلاثة، وهذا الوجه شديد التكلف، وإن كان قد استحسنه الواحدي جداً. المسألة الخامسة: قرأ حمزة {وَرَحْمَةً } بالجر عطفاً على {خَيْرٌ } كأنه قيل: أذن خير ورحمة، أي مستمع كلام يكون سبباً للخير والرحمة. فإن قيل: وكل رحمة خير، فأي فائدة في ذكر الرحمة عقيب ذكر الخير؟ قلنا: لأن أشرف أقسام الخير هو الرحمة، فجاز ذكر الرحمة عقيب ذكر الخير، كما في قوله تعالى: { أية : وَمَلـئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ } تفسير : [البقرة: 98] قال أبو عبيد: هذه القراءة بعيدة لأنه تباعد المعطوف عن المعطوف عليه. قال أبو علي الفارسي: البعد لا يمنع من صحة العطف، ألا ترى أن من قرأ { أية : وَقِيلِهِ يٰرَبّ } تفسير : [الزخرف: 88] إنما يحمله على قوله: { أية : وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } تفسير : [لقمان: 34] تقديره: وعنده علم الساعة وعلم قيله. فإن قيل: ما وجه قراءة ابن عامر {وَرَحْمَةً } بالنصب؟ قلنا: هي علة معللها محذوف، والتقدير: ورحمة لكم يأذن إلا أنه حذف، لأن قوله: {أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ } يدل عليه.

القرطبي

تفسير : بيّن تعالى أن في المنافقين من كان يبسط لسانه بالوقيعة في أذِيّة النبيّ صلى الله عليه وسلم ويقول: إن عاتبني حلفتُ له بأني ما قلت هذا فيقبله؛ فإنه أُذُنٌ سامعة. قال الجوهري: يُقال رجل أُذن إذا كان يسمع مقال كل أحد؛ يستوي فيه الواحد والجمع. وروى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالىٰ: {هُوَ أُذُنٌ} قال: مستمع وقابل. وهذه الآية نزلت في عَتّاب بن قُشير، قال: إنما محمد أُذن يقبل كل ما قيل له. وقيل: هو نَبْتَل بن الحارث؛ قاله ابن إسحاق. وكان نبتل رجلاً جسيماً ثائَر شعر الرأس واللحية، آدمَ أحمر العينين أسفعَ الخدّين مشوّه الخِلْقة، وهو الذي قال فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نَبْتَل بن الحارث»تفسير : . السّفعة (بالضم): سواد مُشْرَب بحمرة. والرجل أسفع؛ عند الجوهري. وقرىء «أُذن» بضم الذال وسكونها. {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} أي هو أذن خير لا أذن شرّ؛ أي يسمع الخير ولا يسمع الشر. وقرأ «قل أُذنٌ خيرٌ لكم» بالرفع والتنوين، الحسنُ وعاصم في رواية أبي بكر. والباقون بالإضافة، وقرأ حمزة «ورحمةٍ» بالخفض. والباقون بالرفع عطف على «أذن»، والتقدير: قل هو أذن خير وهو رحمة، أي هو مستمع خير لا مستمع شر، أي هو مستمع ما يحب استماعه، وهو رحمة. ومن خفض فعلى العطف على «خيرٍ». قال النحاس: وهذا عند أهل العربية بعيد: لأنه قد تباعد ما بين الاسمين، وهذا يقبح في المخفوض. المهدوِيّ: ومن جر الرحمة فعلى العطف على «خير» والمعنى مستمعُ خير ومستمع رحمة؛ لأن الرحمة من الخير. ولا يصح عطف الرحمة على المؤمنين؛ لأن المعنى يصدّق بالله ويصدّق المؤمنين؛ فاللام زائدة في قول الكوفيين. ومثله {أية : لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} تفسير : [الأعراف: 154] أي يرهبون ربهم. وقال أبو عليّ: كقوله «رَدِفَ لَكُمْ»وهي عند المبرّد متعلقة بمصدر دلّ عليه الفعل، التقدير: إيمانه للمؤمنين؛ أي تصديقه للمؤمنين لا للكفار. أو يكون محمولاً على المعنى؛ فإن معنى يؤمن يصدّق، فعُدّي باللام كما عُدّي في قوله تعالىٰ: {أية : مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} تفسير : [البقرة: 97].

البيضاوي

تفسير : {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} يسمع كل ما يقال له ويصدقه، سمي بالجارحة للمبالغة كأنه من فرط استماعه صار جملته آلة السماع كما سمي الجاسوس عيناً لذلك، أو اشتق له فعل من أذن أذناً إذا استمع كأنف وشلل. روي أنهم قالوا محمد أذن سامعه نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول. {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ } تصديق لهم بأنه أذن ولكن لا على الوجه الذي ذموا به بل من حيث أنه يسمع الخير ويقبله، ثم فسر ذلك بقوله: {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ } يصدق به لما قام عنده من الأدلة. {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } ويصدقهم لما علم من خلوصهم، واللام مزيدة للتفرقة بين إيمان التصديق فإنه بمعنى التسليم وإيمان الأمان. {وَرَحْمَةً } أي وهو رحمة. {لّلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ } لمن أظهر الإِيمان حيث يقبله ولا يكشف سره، وفيه تنبيه على أنه ليس يقبل قولكم جهلاً بحالكم بل رفقاً بكم وترحماً عليكم. وقرأ حمزة {وَرَحْمَةً } بالجر عطفاً على {خَيْرٌ }. وقرىء بالنصب على أنها علة فعل دل عليه {أُذُنُ خَيْرٍ } أي يأذن لكم رحمة. وقرأ نافع {أَذِنَ } بالتخفيف فيهما. وقرىء {أُذُنُ خَيْرٍ } على أن {خَيْرٌ } صفة له أو خبر ثان {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } بإِيذائه.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: ومن المنافقين قوم يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكلام فيه، ويقولون: {هُوَ أُذُنٌ} أي: من قال له شيئاً صدقه فينا، ومن حدثه صدقه، فإذا جئناه وحلفنا له، صدقنا. روي معناه عن ابن عباس ومجاهد وقتادة. قال الله تعالى: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} أي: هو أذن خير، يعرف الصادق من الكاذب {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي: ويصدق المؤمنين {وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ} أي: وهو حجة على الكافرين، ولهذا قال: {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمِنْهُمْ } أي المنافقين {ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبيَّ } بعيبه وبنقل حديثه {وَيَقُولُونَ } إذا نُهوا عن ذلك لئلا يبلغه هُوَ{ أُذُنُ } أي يسمع كلَّ قيل ويقبله، فإِذا حلفنا له أنا لم نقل: صدّقنا {قُلْ } هو {أَذِنَ } مستمع {خَيْراً لَّكُمْ } لا مستمع شرّ {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ } يصدّق {لِلْمُؤْمِنِينَ } فيما أخبروه به لا لغيرهم، واللام زائدة للفرق بين إيمان التسليم وغيره {وَرَحْمَةٌ } بالرفع عطفاً على «أُذن» والجرّ عطفاً على «خير» {لِّلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.

الشوكاني

.تفسير : قوله: {وَمِنْهُمُ } هذا نوع آخر بما حكاه الله من فضائح المنافقين وقبائحهم، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبيّ صلى الله عليه وسلم، على وجه الطعن والذم {هو أذن}. قال الجوهري: يقال: رجل أذن: إذا كان يسمع مقال كل أحد، يستوي فيه الواحد والجمع ومرادهم، أقمأهم الله، أنهم إذا آذوا النبيّ وبسطوا فيه ألسنهم. وبلغه ذلك اعتذروا له، وقبل ذلك منهم، لأنه يسمع كل ما يقال له، فيصدّقه، وإنما أطلقت العرب على من يسمع ما يقال له فيصدّقه أنه أذن مبالغة، لأنهم سموه بالجارحة التي هي آلة السماع، حتى كأن جملته أذن سامعة، ونظيره قولهم: للربيئة عين، وإيذاؤهم له هو قولهم: {هُوَ أُذُنٌ } لأنهم نسبوه إلى أنه يصدّق كل ما يقال له، ولا يفرق بين الصحيح والباطل، اغتراراً منهم بحلمه عنهم، وصفحه عن جناياتهم كرماً وحلماً وتغاضياً، ثم أجاب الله عن قولهم هذا، فقال: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ } بالإضافة على قراءة الجمهور. وقرأ الحسن بالتنوين، وكذا قرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه، كأنه قيل: نعم هو أذن، ولكن نعم الأذن هو، لكونه أذن خير لكم، وليس بأذن في غير ذلك. كقولهم رجل صدق، يريدون الجودة والصلاح. والمعنى أنه يسمع الخير ولا يسمع الشرّ. وقرىء «أذن» بسكون الذال وضمها. ثم فسر كونه أذن خير بقوله: {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } أي: يصدّق بالله ويصدّق المؤمنين لما علم فيهم من خلوص الإيمان. فتكون اللام في {لِلْمُؤْمِنِينَ } للتقوية، كما قال الكوفيون، أو متعلقة بمصدر محذوف، كما قال المبرد. وقرأ الجمهور {وَرَحْمَةً } بالرفع عطف على أذن. وقرأ حمزة بالخفض عطفاً على خير. والمعنى على القراءة الأولى: هو أنه أذن خير، وأنه هو رحمة للمؤمنين، وعلى القراءة الثانية: أنه أذن خير وأذن رحمة. قال النحاس: وهذا عند أهل العربية بعيد، يعني: قراءة الجر لأنه قد تباعد بين الاسمين، وهذا يقبح في المخفوض. والمعنى: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أذن خير للمنافقين {وَرَحْمَةً } لهم حيث لم يكشف أسرارهم ولا فضحهم، فكأنه قال: هو أذن كما قلتم لكنه أذن خير لكم لا أذن سوء، فسلم لهم قولهم فيه إلا أنه فسرّه بما هو مدح له وثناء عليه، وإن كانوا قصدوا به المذمة والتقصير بفطنته. ومعنى {لّلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ } أي: الذين أظهروا الإيمان وإن لم يكونوا مؤمنين حقيقة {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ } بما تقدّم من قولهم: هو أذن، ونحو ذلك مما يصدق عليه أنه أذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: شديد الألم. وقرأ ابن أبي عبلة «ورحمة للمؤمنين» بالنصب على أنها علة لمعلل محذوف: أي ورحمة لكم يأذن لكم. ثم ذكر أن من قبائح المنافقين إقدامهم على الإيمان الكاذبة، فقال: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ } والخطاب للمؤمنين. وذلك أن المنافقين كانوا في خلواتهم يطعنون على المؤمنين، وعلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا بلغ ذلك إلى رسول الله وإلى المؤمنين جاء المنافقون فحلفوا على أنهم لم يقولوا ما بلغ عنهم قاصدين بهذه الأيمان الكاذبة: أن يرضوا رسول الله ومن معه من المؤمنين، فنعى الله ذلك عليهم. وقال: {وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } أي: هما أحق بذلك من إرضاء المؤمنين بالإيمان الكاذبة، فإنهم لو اتقوا الله وآمنوا به وتركوا النفاق لكان ذلك أولى لهم، وإفراد الضمير في {يرضوه} إما للتعظيم للجناب الإلهيّ بإفراده بالذكر، أو لكونه لا فرق بين إرضاء الله وإرضاء رسوله. فإرضاء الله إرضاء لرسوله؛ أو المراد: الله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، كما قال سيبويه، ورجحه النحاس، أو لأن الضمير موضوع موضع اسم الإشارة؛ فإنه يشار به إلى الواحد والمتعدّد، أو الضمير راجع إلى المذكور، وهو يصدق عليهما. وقال الفراء: المعنى: ورسوله أحق أن يرضوه. {والله} افتتاح كلام، كما تقول: ما شاء الله وشئت، وهذه الجملة أعني: {وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } في محل نصب على الحال، وجواب {إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ } محذوف: أي إن كانوا مؤمنين فليرضوا الله ورسوله. قوله: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ }. قرأ الحسن، وابن هرمز، "ألم تعلموا" بالفوقية. وقرأ الباقون بالتحتية: والمحاددة: وقوع هذا في حد. وذلك في حد كالمشاققة: يقال حادّ فلان فلاناً: أي صار في حدّ غير حده {فإنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } قرأ الجمهور بفتح الهمزة على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي فحق أن له نار جهنم. وقال الخليل وسيبويه: إن «أن» الثانية مبدلة من الأولى، وزعم المبرد أن هذا القول مردود، وأن الصحيح ما قال الجرمي أن الثانية مكرّرة للتوكيد لما طال الكلام. وقال الأخفش: المعنى: فوجوب النار له، وأنكره المبرد وقال: هذا خطأ من أجل أن «أن» المفتوحة المشدّدة لا يبتدأ بها ويضمر الخبر. وقرىء بكسر الهمزة. قال سيبويه، وهي قراءة جيدة، وأنشد:شعر : وإني إذا ملت ركابي مناخها فإني على حظي من الأمر جامح تفسير : وانتصاب {خالداً} على الحال. والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما ذكر من العذاب، وهو مبتدأ وخبره {ٱلْخِزْىُ ٱلْعَظِيمُ } أي: الخزي البالغ إلى الغاية التي لا يبلغ إليها غيره، وهو الذلّ والهوان. قوله: {يَحْذَرُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ } قيل: هو خبر وليس بأمر. وقال الزجاج: معناه: ليحذر. فالمعنى على القول الأوّل: أن المنافقين كانوا يحذرون نزول القرآن فيهم. وعلى الثاني: الأمر لهم بأن يحذروا ذلك، و{أن تنزل} في موضع نصب: أي من أن تنزل، ويجوز على قول سيبويه أن يكون في موضع خفض على تقدير "من" وإعمالها. ويجوز أن يكون النصب على المفعولية. وقد أجاز سيبويه: حذرت زيداً، وأنشد:شعر : حذر أموراً لا تضير وآمن ما ليس ينجيه من الأقدار تفسير : ومنع من النصب على المفعولية المبرد. ومعنى: {عَلَيْهِمْ } أي: على المؤمنين في شأن المنافقين، على أن الضمير للمؤمنين، والأولى أن يكون الضمير للمنافقين: أي في شأنهم {تُنَبّئُهُمْ } أي: المنافقين {بِمَا فِي قُلُوبِهِم } مما يسرّونه فضلاً عما يظهرونه، وهم وإن كانوا عالمين بما في قلوبهم، فالمراد من إنباء السورة لهم إطلاعهم على أن المؤمنين قد علموا بما في قلوبهم، ثم أمر الله رسوله بأن يجيب عليهم، فقال: {قُلِ ٱسْتَهْزِءواْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ } هو أمر تهديد: أي افعلوا الاستهزاء، إن الله مخرج ما تحذرون من ظهوره حتى يطلع عليه المؤمنون، إما بإنزال سورة، أو بإخبار رسوله بذلك أو نحو ذلك. قوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } أي: لئن سألتهم عما قالوه من الطعن في الدين، وثلب المؤمنين بعد أن يبلغ إليك ذلك، ويطلعك الله عليه، ليقولنّ إنما كنا نخوض ونلعب، ولم نكن في شيء من أمرك ولا أمر المؤمنين. ثم أمره الله أن يجيب عنهم فقال: {قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءايَـٰتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءونَ } والاستفهام: للتقريع والتوبيخ، وأثبت وقوع ذلك منهم، ولم يعبأ بإنكارهم، لأنهم كانوا كاذبين في الإنكار، بل جعلهم كالمعترفين بوقوع ذلك منهم حيث جعل المستهزأ به، والباء لحرف النفي، فإن ذلك إنما يكون بعد وقوع الاستهزاء وثبوته، ثم قال: {لاَ تَعْتَذِرُواْ } نهياً لهم عن الاشتغال بالاعتذارات الباطنة، فإن ذلك غير مقبول منهم. وقد نقل الواحدي عن أئمة اللغة: أن معنى الاعتذار: محو أثر الذنب وقطعه، من قولهم: اعتذر المنزل: إذا درس، واعتذرت المياه: إذا انقطعت {قَدْ كَفَرْتُمْ } أي أظهرتم الكفر بما وقع منكم من الاستهزاء المذكور {بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ } أي بعد إظهاركم الإيمان، مع كونكم تبطنون الكفر {إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مّنْكُمْ } وهم من أخلص الإيمان، وترك النفاق، وتاب عنه. قال الزجاج: الطائفة في اللغة: الجماعة. قال ابن الأنباري: ويطلق لفظ الجمع على الواحد عند العرب {نُعَذّبْ طَائِفَةً} بـسبب {أَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ } مصرّين على النفاق، لم يتوبوا منه. قرىء {نعذب} بالنون وبالتاء الفوقية على البناء للمفعول وبالتحتية على البناء للفاعل، وهو الله سبحانه. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: كان نبتل بن الحارث يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجلس إليه فيسمع منه، ثم ينقل حديثه إلى المنافقين، وهو الذي قال لهم: إنما محمد أذن، من حدثه بشيء صدقه، فأنزل الله فيه: {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، قال: اجتمع ناس من المنافقين فيهم: جلاس بن سويد ابن صامت، ومخشي بن حمير، ووديعة بن ثابت، فأرادوا أن يقعوا في النبيّ صلى الله عليه وسلم، فنهى بعضهم بعضاً وقالوا: إنا نخاف أن يبلغ محمداً فيقع بكم، فقال بعضهم: إنما محمد أذن نحلف له فيصدقنا، فنزل: {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله: {هُوَ أُذُنٌ } يعني: أنه يسمع من كل أحد. قال الله تعالى: {أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } يعني: يصدّق بالله ويصدّق المؤمنين. وأخرج الطبراني، وابن عساكر، وابن مردويه، عن عمير بن سعد، قال: فيّ أنزلت هذه الآية {وَيَقُولُونَ هُمْ أَذِنَ } وذلك أن عمير بن سعد كان يسمع أحاديث أهل المدينة، فيأتي النبي صلى الله عليه وسلم، فيسارّه حتى كانوا يتأذون بعمير بن سعد، وكرهوا مجالسته، وقال: {هو أذن} فأنزلت فيه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن رجلاً من المنافقين قال: والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، ولئن كان ما يقول محمد حقاً لهم شرّ من الحمير، فسمعها رجل من المسلمين فقال: والله إن ما يقول محمد لحق ولأنت شرّ من الحمار، فسعى بها الرجل إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال: "حديث : ما حملك على الذي قلت؟"تفسير : فجعل يلتعن ويحلف بالله ما قال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول: اللهم صدق الصادق، وكذب الكاذب، فأنزل الله في ذلك:{يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ مثله، وسمى الرجل المسلم عامر بن قيس من الأنصار. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } يقول: يعادي الله ورسوله. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {يَحْذَرُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ } الآية قال: يقولون القول فيما بينهم، ثم يقولون عسى الله أن لا يفشى علينا هذا. وأخرج أبو نعيم في الحلية، عن شريح بن عبيد، أن رجلاً قال لأبي الدرداء: يا معشر القراء ما بالكم أجبن منا وأبخل إذا سئلتم، وأعظم لقماً إذا أكلتم؟ فأعرض عنه أبو الدرداء ولم يردّ عليه بشيء، فأخبر بذلك عمر بن الخطاب، فانطلق عمر إلى الرجل الذي قال ذلك، فقال بثوبه وخنقه وقاده إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال الرجل: إنما كنا نخوض ونلعب، فأوحى الله نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يوماً: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، لا أرغب بطوناً ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المجلس: كذبت ولكنك منافق، لأخبرنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن. قال عبد الله: فأنا رأيته متعلقاً بحقب ناقة رسول الله، والحجارة تنكبه وهو يقول: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، والنبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: {أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ}. وأخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والعقيلي في الضعفاء، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والخطيب، في رواية مالك عن ابن عمر، فقال: رأيت عبد الله بن أبيّ وهو يشتد قدّام النبي صلى الله عليه وسلم والأحجار تنكبه وهو يقول: يا محمد إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ}. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في الآية قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة إلى تبوك وبين يديه أناس من المنافقين، فقالوا: أيرجو هذا الرجل أن تفتح له قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه على ذلك، فقال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : احبسوا على هؤلاء الركب"تفسير : ، فأتاهم فقال: "حديث : قلتم كذا"تفسير : ، قالوا: يا نبيّ الله، إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله فيهم ما تسمعون. وقد روي نحو هذا من طرق عن جماعة من الصحابة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ } قال: الطائفة: الرجل والنفر.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} أي يصغي إلى كل أحد، فيسمع منه، قال عدي بن زيد: شعر : أيها القلب تعلّل بددن إن همي من سماع وأذن تفسير : {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} أي يسمع الخير ويعمل به، لا أذن شر يفعله إذا سمعه. قال الكلبي: نزلت هذه الآية في جماعة من المنافقين كانوا يعيبون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون فيه ما لا يجوز، فنزلت هذه الآية فيهم. وفي تأويلها وجهان: أحدهما: أنهم كانوا يعيبونه بأنه أذن يسمع جميع ما يقال له، فجعلوا ذلك عيباً فيه. والثاني: أنهم عابوه فقال أحدهم: كفوا فإني أخاف أن يبلغه فيعاقبنا، فقالوا: هو أُذن إذا أجبناه وحلفنا له صدقنا، فنسبوه بذلك إلى قبول العذر في الحق والباطل، قاله الكلبي ومقاتل. وقيل إن قائل هذا نفيل بن الحارث.

ابن عطية

تفسير : الضمير في قوله {ومنهم } عائد على المنافقين، و{يؤذون } لفظ يعم جميع ما كانوا يفعلونه ويقولونه في جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى، وخص بعد ذلك من قولهم {هو أذن}، وروي أن قائل هذه اللفظة نبتل بن الحارث وكان من مردة المنافقين، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من سره أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث وكان ثائر الرأس منتفش الشعرة أحمر العينين أسفع الخدين مشوهاً، وروي عن الحسن البصري ومجاهد أنهما تأولا أنهم أرادوا بقولهم {هو أذن} أي يسمع منا معاذيرنا وتنصلنا ويقبله، أي فنحن لا نبالي عن أذاه ولا الوقوع فيه إذ هو سماع لكل ما يقال من اعتذار ونحوه، فهذا تنقص بقلة الحزامة والانخداع، وروي عن ابن عباس وجماعة معه أنهم أرادوا بقوله {هو أذن } أي يسمع كل ما ينقل إليه عنا ويصغي إليه ويقبله، فهذا تشكٍّ منه ووصف بأنه يسوغ عنده الأباطيل والنمائم، ومعنى {أذن } سماع، ويسمى الرجل السماع لكل قول أذناً إذا كثر منه استعمال الأذن، فهذه تسمية الشيء بالشيء، إذا كان منه بسبب كما يقال للربيئة عين وكما يقال للمسنة من الإبل التي قد بزل نابها ناب وقيل معنى الكلام ذو أذن أي ذو سماع، وقيل إن قوله {أذن } مشتق من قولهم أذن للشيء إذا استمع كما قال الشاعر وهو علي بن زيد: [ الرمل ] شعر : أيها القلب تعللْ بِدَدنْ إن همّي في سماعٍ وأَذَنْ تفسير : وفي التنزيل {أية : وأذنت لربها وحقت} تفسير : [الإنشقاق:2-5] ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن" تفسير : ومن هذا قول الشاعر [ عدي بن زيد]: [ الرمل ] شعر : في سماع يأذن الشيخ له وحديث مثل ماذيّ مشار تفسير : ومنه قوله الآخر [قعنب بن أم صاحب]: [البسيط] شعر : صمٌّ إذا سمعوا خيراً ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا تفسير : وقرأ نافع "أذْن " بسكون الذال فيهما، وقرأ الباقون "أذُن" بضم الذال فيهما، وكلهم قرأ بالإضافة إلى {خير} إلا ما روي عاصم، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ومجاهد وعيسى بخلاف " قل أذنٌ خيرٌ" برفع خير وتنوين " أذن" وهذا يجري مع تأويل الحسن الذي ذكرناه أي من يقبل معاذيركم خير لكم، ورويت هذه القراءة عن عاصم، ومعنى " أذن خير" على الإضافة أي سماع خير وحق، {ويؤمن بالله} معناه يصدق بالله، {ويؤمن للمؤمنين} قيل معناه ويصدق المؤمنين واللام زائدة كما هي في قوله {أية : ردف لكم } تفسير : [ النمل: 72] وقال المبرد هي متعلقة بمصدر مقدر من الفعل كأنه قال وإيمانه للمؤمنين أي تصديقه، ويقال آمنت لك بمعنى صدقتك ومنه قوله تعالى: {أية : وما أنت بمؤمن لنا } تفسير : [يوسف:17]. قال القاضي أبو محمد : وعندي أن هذه التي معها اللام في ضمنها باء فالمعنى ويصدق للمؤمنين بما يخبرونه، وكذلك {أية : وما أنت بمؤمن لنا} تفسير : [يوسف:17] بما نقوله لك والله المستعان، وقرأ جميع السبعة إلا حمزة " ورحمةٌ " بالرفع عطفاً على {أذن} وقرأ حمزة وحده " ورحمةٍ" بالخفض عطفاً على {خير}، وهي قراءة أبي بن كعب وعبد الله والأعمش، وخصص الرحمة {للذين آمنوا} إذ هم الذين نجوا بالرسول وفازوا به، ثم أوجب تعالى للذين يؤذون رسول الله العذاب الأليم وحتم عليهم به، وقوله تعالى: {يحلفون بالله لكم} الآية، ظاهر هذه الآية أن المراد بها جميع المنافقين الذين يحلفون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بأنهم منهم في الدين وأنهم معهم في كل أمر وكل حزب، وهم في ذلك يبطنون النفاق ويتربصون الدوائر وهذا قول جماعة من أهل التأويل، وقد روت فرقة أنها نزلت بسبب رجل من المنافقين قال إن كان ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم حقاً فأنا شر من الخمر، فبلغ قوله رسول الله صلى الله وسلم فدعاه ووقف على قوله ووبخه فحلف مجتهداً أنه ما فعل، فنزلت الآية في ذلك، وقوله {والله} مذهب سيبويه أنهما جملتان حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها، والتقدير عنده والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه وهذا كقول الشاعر: [المنسرح ] شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عنـ ـدك راضٍ والرأي مختلفُ تفسير : ومذهب المبرد أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، وتقديره والله أحق أن يرضوه ورسوله قال وكانوا يكرهون أن يجمع الرسول مع الله في ضمير، حكاه النقاش عنه، وليس هذا بشيء، وفي مصنف أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما" تفسير : فجمع في ضمير، وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر "حديث : بئس الخطيب أنت " تفسير : إنما ذلك وقف في يعصهما فأدخل العاصي في الرشد، وقيل الضمير في {يرضوه} عائد على المذكور كما قال رؤبة: [الرجز]. شعر : فيها خطوطٌ من سوادٍ وبلقْ كأنَّه في الجلد توليعُ البهقْ تفسير : وقوله {إن كانوا مؤمنين } أي على قولهم ودعواهم، وقوله {ألم يعلموا } الآية، قوله {ألم} تقرير ووعيد، وفي مصحف أبي بن كعب " ألم تعلم " على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو وعيد لهم، وقرأ الأعرج والحسن "ألم تعلموا " بالتاء، و {يحادد} معناه يخالف ويشاق، وهو أن يعطي هذا حده وهذا حده لهذا، وقال الزجاج: هو أن يكون هذا في حد وهذا في حد، وقوله {فإن} مذهب سيبويه أنها بدل من الأولى وهذا معترض بأن الشيء لا يبدل منه حتى يستوفى، والأولى في هذا الموضع لم يأت خبرها بعد إذ لم يتم جواب الشرط، وتلك الجملة هي الخبر، وأيضاً فإن الفاء تمانع البدل، وأيضاً فهي في معنى آخر غير الأول فيقلق البدل، وإذا تلطف للبدل فهو بدل الاشتمال وقال غير سيبويه: هي مجردة لتأكيد الأولى وقالت فرقة من النحاة: هي في موضع خبر ابتداء تقديره فواجب أن له، وقيل المعنى فله أن له، وقالت فرقة: هي ابتداء والخبر مضمر تقديره فإن له نار جهنم واجب، وهذا مردود لأن الابتداء بـ " أن " لا يجوز مع إضمار الخبر، قاله المبرد: وحكي عن أبي علي الفارسي قول يقرب معناه من معنى القول الثالث من هذه التي ذكرنا لا أقف الآن على لفظه، وجميع القراء على فتح " أن" الثانية، وحكى الطبري عن بعض نحويي البصرة أنه اختار في قراءتها كسر الألف، ذكر أبو عمرو الداني أنها قراءة ابن أبي عبلة، ووجهه في العربية قوي لأن الفاء تقتضي القطع والاستئناف ولأنه يصلح في موضعها الاسم ويصلح الفعل وإذا كانت كذلك وجب كسرها.

ابن عبد السلام

تفسير : {أُذُنٌ} يصغي إلى كل أحد فيسمع قوله، كان المنافقون يقولون فيه ما لا يجوز ثم عابوه بأنه أُذن يسمع جميع ما يقال له، أو عابوه، فقال أحدهم: كفوا فإني أخاف أن يبلغه فيعاقبنا، فقالوا: هو أُذن إذا جئناه وحلفنا له صدقنا فنسبوه إلى قبول العذر في الحق والباطل.

الخازن

تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن} نزلت في جماعة من المنافقين كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعيبونه ويقولون ما لا ينبغي فقال بعضهم لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فيقع بنا فقال الجلاس بن سويد وهو من المنافقين بل نقول ما شئنا ثم نأتيه وننكر ما قلنا ونحلف فيصدقنا بما نقول فإنما محمد أذن أي يسمع كل ما يقال له ويقبله وقيل معنى هو أذن أي ذو أذن سامعة، وقال محمد بن إسحاق: نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل بن الحرث وكان أزنم ثائر الشعر أحمر العينين أسقع الخدين مشوه الخلقة وقد قال فيه النبي:"حديث : من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحرث"تفسير : وكان ينم حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين. فقيل له: لا تفعل ذلك. فقال: إنما محمد أذن فمن حدثه شيئاً صدقه فنقول ما شئنا ثم نأتيه ونحلف له فيصدقنا، فأنزل الله هذه الآية. ومقصود المنافقين بقوله هو أذن أنه ليس بعيد غور بل هو سليم سريع الاغترار بكل ما يسمع فأجاب الله سبحانه وتعالى عنه بقوله: {قل أذن خير لكم} يعني هب أنه أذن لكنه أذن خير لكم كقولك رجل صدق وشاهد عدل والمعنى أنه مستمع خير وصلاح لا مستمع شر وفساد وقرئ أذن خير مرفوعين منونين ومعناه يسمع منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل قولكم ثم وصف الله سبحانه وتعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} يعني أنه يصدق المؤمنين ويقبل قولهم ولا يقبل قول المنافقين وإنما عدي الإيمان بالله بالياء والإيمان للمؤمنين باللام لأن الإيمان بالله هو نقيض الكفر فلا يتعدى إلا بالياء فيقال: آمن بالله والإيمان للمؤمنين معناه تصديق المؤمنين فيما يقولونه فلا يقال إلا باللام ومنه قوله تعالى أنؤمن لك وقوله آمنتم له {ورحمة} أي هو رحمة {للذين آمنوا منكم} وإنما قال منكم لأن المنافقين كانوا يزعمون أنهم مؤمنون فبين الله سبحانه وتعالى كذبهم بقوله إنه رحمة للمؤمنين المخلصين لا للمنافقين وقيل في كونه صلى الله عليه وسلم رحمة لأنه يجري أحكام الناس على الظاهر ولا ينقب عن أحوالهم ولا يهتك أسرارهم {والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم} يعني في الآخرة. قوله عز وجل: {يحلفون بالله لكم ليرضوكم} قال قتادة والسدي: اجتمع ناس من المنافقين فيهم الجلاس بن سويد ثم وديعة بن ثابت فوقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا إن كان ما يقول محمد حقاً فنحن شر من الحمير وكان عندهم غلام من الأنصار أسمه عامر بن قيس فحقروه وقالوا هذه المقالة فغضب الغلام من قولهم وقال والله إن ما يقول محمد حق وأنتم شر من الحمير ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره فدعاهم فسألهم فأنكروا وحلفوا أن عامراً كذاب وحلف عامر أنهم كذبة فصدقهم النبي صلى الله عليه وسلم فجعل عامر يدعو ويقول: اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب. فأنزل الله هذه الآية. وقال مقاتل والكلبي: نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوه يعتذرون ويحلفون، فأنزل الله هذه الآية. والمعنى: يحلف لكم أيها المؤمنون هؤلاء المنافقون ليرضوكم يعني فيما بلغكم عنهم من أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم {والله ورسوله أحق أن يرضوه} اختلفوا في معنى هذا الضمير إلى ماذا يعود فقيل: الضمير عائد على الله تعالى لأن في رضا الله رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعنى والله ورسوله أحق أن يرضوه بالتوبة والإخلاص. وقيل: يجوز أن يكون المراد يرضوهما فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر. وقيل: معناه والله أحق أن يرضوه وكذلك رسوله: {إن كانوا مؤمنين} يعني إن كان هؤلاء المنافقون مصدقين بوعد الله ووعيده في الآخرة.

الثعالبي

تفسير : وقول سبحانه: {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ}: أي: ومن المنافقين، و{يُؤْذُونَ}: لفظٌ يعمُّ أنواع إذَاءتهم له صلى الله عليه وسلم، وخص بعد ذلك مِنْ قولهم: {هُوَ أُذُنٌ}، وروي أن قائل هذه المقالة نَبْتَلُ بْنُ الحارثِ، وكان من مَرَدَةِ المنافقين، وفيه قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الشَّيْطَانِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى نَبْتَلِ بْنِ الحَارِثِ»، وكان ثائر الرأس، منتفشَ الشَّعْر، أحمر العينَيْن، أسْفَع الخدَّيْن، مشوَّهاً ). تفسير : قال الحسن البصريُّ ومجاهد: قولهم: {هُوَ أُذُنٌ}: أي: يسمع معاذيرنا ويقبلها، أي: فنحن لا نُبَالِي من الوقوع فيه، وهذا تنقُّص بقلَّة الحزم، وقال ابن عبَّاس وغيره: إِنهم أرادوا بقولهم: {هُوَ أُذُنٌ}: أي: يسمع كلَّ ما ينقَلُ إِليهِ عنا، ويصغَي إِليه ويقبله، فهذا تَشَكٍّ منه عليه السلام، ومعنى {أُذُنُ}: سماع، وهذا من باب تسمية الشيْء بالشيء، إِذا كان منْهُ بسبب؛ كما يقال للرؤية: عيْن؛ وكما يقال للمسنَّة من الإِبل التي قد بَزَلَ نابها: نَاب. وقيل: معنى الكلامِ: ذو أُذُنٍ، أَي: ذو سماع، وقيل: إِنه مشتقٌّ من قولهم: أَذِنَ إِلَى شَيْءٍ؛ إِذا ٱسْتَمَعَ؛ ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : > صُمٌّ إِذَا سَمِعُوا خَيْراً ذُكِرْتُ بِه وَإِنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا تفسير : وقرأ نافع: «أذن» - بسكون الذال فيهما -، وقرأ الباقون بضمِّها فيهما، وكلُّهم قرأ بالإِضافة إِلى «خير» إِلا ما رُوِيَ عن عاصمٍ، وقرأ الحسن وغيره: «قُلْ أُذُنٌ خَيْرٌ» - بتنوين «أُذن»، ورفع «خير» -، وهذا جار على تأويله المتقدِّم، والمعنى: من يقبل معاذيركم خيرٌ لكم، ورُوِيَتْ هذه القراءة عن عاصمٍ، ومعنى «أذن خيرٍ» على الإِضافة: أي سَمَاعُ خيرٍ وحقٍّ، و{يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ }: معناه: يصدِّق باللَّه، {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ}: قيل: معناه: ويصدِّق المؤمنين، واللام زائدة، وقيل: يقال: آمَنْتُ لك، بمعنى: صدَّقتك؛ ومنه: { أية : وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا } تفسير : [يوسف:17]. قال * ع *: وعندي أن هذه التي معها اللامُ في ضِمْنها بَاءٌ، فالمعنَى: ويصدِّق للمؤمنين بما يخبرونه به، وكذلك قوله: {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} بِمَا نَقُوله. * ت *: ولما كانَتْ أخبار المنافقين تصلُ إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم تارةً بإِخبار اللَّه له، وتارةً بإِخبار المؤمنين، وهم عدولٌ، ناسب ٱتِّصَالُ قوله سبحانه: {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ}؛ بما قبله، ويكون التصديقُ هنا خاصًّا بهذه القضيَّة، وإِن كان ظاهر اللفْظِ عامًّا؛ إِذ من المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يَزَلْ مصدِّقاً باللَّه، وقرأ جميع السبعة إِلاَّ حمزة و«رَحْمَةٌ» - بالرفع -؛ عطفاً على «أُذُن»، وقرأ حمزة وحْده: و«رَحْمَةٍ» - بالخفض -؛ عطفاً على «خَيْرٍ»، وخصَّص الرحمة للذين آمنوا؛ إِذ هم الذين فازوا ونَجْوا بالرسول عليه السلام، {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ }: يعني: المنافقين. وقوله: {وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ}: التقدير عند سيبَوَيْهِ: واللَّه أحقُّ أَن يرضوه، ورسوله أحَقُّ أن يرضُوه، فحذف الخَبَر من الجملة الأولَى، لدلالة الثانية عليه. وقيل: الضمير في «يرضوه» عائدٌ على المذكور؛ كما قال رُؤْبَةُ: [الرجز] شعر : فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ كَأَنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْ تفسير : أي: كَأَنَّ المذكور.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن إسحق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كان نبتل بن الحرث يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجلس إليه فيسمع منه ثم ينقل حديثه إلى المنافقين، وهو الذي قال لهم‏:‏ إنما محمد أذن من حدثه شيئاً صدقه، فأنزل الله فيه ‏ {‏ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن‏} ‏ الآية‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال‏:‏ اجتمع ناس من المنافقين فيهم جلاس بن سويد بن صامت، وجحش بن حمير، ووديعة بن ثابت، فأرادوا أن يقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم، فنهى بعضهم بعضاً وقالوا‏:‏ أنا نخاف أن يبلغ محمداً فيقع بكم، وقال بعضهم‏:‏ إنما محمد أذن نحلف له فيصدقنا‏.‏ فنزل ‏{‏ومنهم الذين يؤذون النبي‏} ‏ الآية‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏ويقولون هو أذن‏} ‏ يعني أنه يسمع من كل أحد‏.‏ قال الله عزَّ وجل ‏ {‏قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين‏}‏ يعني يصدق بالله ويصدق المؤمنين‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏ويقولون هو أذن‏} ‏ أي يسمع ما يقال له‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏ويقولون هو أذن‏}‏ يقولون‏:‏ سنقول له ما شئنا ثم نحلف له فيصدقنا‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه قال‏:‏ الأذن الذي يسمع من كل أحد ويصدقه‏. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله ‏ {‏يؤمن بالله‏}‏ قال‏:‏ يصدق الله بما أنزل إليه ‏ {‏ويؤمن للمؤمنين‏} ‏ يصدق المؤمنين فيما بينهم في شهاداتهم وإيمانهم على حقوقهم وفروجهم وأموالهم‏.‏ وأخرج الطبراني وابن عساكر وابن مردويه عن عمير بن سعد قال‏:‏ فيَّ أنزلت هذه الآية ‏ {‏ويقولون هو أذن‏} ‏ وذلك أن عمير بن سعد كان يسمع أحاديث أهل المدينة فيأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيساره حتى كانوا يتأذون بعمير بن سعد، وكرهوا مجالسته وقالوا ‏ {‏هو أذن‏} ‏ والله أعلم‏.

ابو السعود

تفسير : {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ} نزلت في فِرقة من المنافقين قالوا في حقه عليه الصلاة والسلام ما لا ينبغي فقال بعضُهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلُغه ذلك فيقعَ بنا فقال الجُلاَسُ بنُ سُوَيْد: نقول ما شئنا ثم نأتيه فننكر ما قلنا ونحلِف فيصدقنا بما نقول، إنما محمدٌ أذُنٌ سامعة وذلك قوله عز وجل {وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} أي سمع كلَّ ما قيل من غير أن يتدبَّرَ فيه ويميّزَ بـين ما يليق بالقَبول لمساعدة أَمارات الصدقِ له وبـين ما لا يليق به، وإنما قالوه لأنه عليه الصلاة والسلام كان لا يواجههم بسوء ما صنعوا ويصفَحُ عنهم حِلماً وكرماً فحملوه على سلامة القلبِ وقالوا ما قالوا {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} من قبـيل رجلُ صدقٍ في الدلالة على المبالغة في الجودة والصلاح، كأنه قيل: نعم هو أذنٌ ولكن نِعمَ الأذُنُ، ويجوز أن يكون المرادُ أذناً في الخير والحقِّ وفيما ينبغي سماعُه وقَبولُه لا في غير ذلك كما يدل عليه قراءةُ رحمةٍ بالجر عطفاً عليه أي هو أذنُ خيرٍ ورحمةٍ لا يسمع غيرَهما ولا يقبله، وقرىء أذْن بسكون الذال فيهما وقرىء أذن خير على أنه صفةٌ أو خبرٌ ثان وقوله عز وجل {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} تفسيرٌ لكونه أذنَ خيرٍ لهم أي يصدق بالله تعالى لما قام عنده من الأدلة الموجبةِ له، وكونُ ذلك خيراً للمخاطَبـين كما أنه خيرٌ للعالمين مما لا يخفى {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي يصدّقهم لِما علم فيهم من الخلوص، واللامُ مزيدةٌ للتفرقة بـين الإيمان المشهورِ وبـين الإيمان بمعنى التسليمِ والتصديق كما في قوله تعالى: {أية : أَنُؤْمِنُ لَكَ } تفسير : [الشعراء: 111] الخ وقوله تعالى: {أية : فَمَا ءامَنَ لِمُوسَىٰ }تفسير : [يونس: 83] الخ. {وَرَحْمَةً} عطفٌ على أذنُ خيرٍ أي وهو رحمةٌ بطريق إطلاقِ المصدرِ على الفاعل للمبالغة {لّلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ} أي للذين أظهروا الإيمانَ منكم حيث يقبله منهم لكن لا تصديقاً لهم في ذلك بل رفقاً بهم وترحماً عليهم ولا يكشف أسرارَهم ولا يهتِك أستارَهم، وإسنادُ الإيمان إليهم بصيغة الفعلِ بعد نسبتِه إلى المؤمنين بصيغة الفاعل المنبئةِ عن الرسوخ والاستمرارِ للإيذان بأن إيمانَهم أمرٌ حادثٌ ما له من قرار، وقرىء بالنصب على أنها علةٌ لفعل دلَّ عليه أذنُ خيرٍ أي يأذن لكم رحمةً {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ} بما نُقل عنهم من قولهم: هو أذنٌ ونحوِه، وفي صيغة الاستقبالِ المُشعِرة بترتب الوعيدِ على الاستمرار على ما هم عليه إشعارٌ بقبول توبتِهم كما أفصح عنه قولُه تعالى فيما سيأتي: {أية : فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ }تفسير : [التوبة: 74] {لَهُمْ} بما يجترئون عليه من أذيَّته عليه الصلاة والسلام كما ينبىء عنه بناءُ الحُكمِ على الموصول {عَذَابٌ أَلِيمٌ} وهذا اعتراضٌ مَسوقٌ من قِبَله عز وجل على نهج الوعيدِ غيرُ داخلٍ تحت الخطابِ وفي تكرير الإسنادِ بإثبات العذابِ الأليم لهم ثم جعلِ الجملةِ خبراً للموصول ما لا يخفى من المبالغة، وإيرادُه عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالةِ مضافاً إلى الاسم الجليلِ لغاية التعظيمِ والتنبـيهِ على أن أذيته راجعةٌ إلى جنابه عز وجل موجبةٌ لكمال السخطِ والغضب.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ}. عين العداوة بالمساوئ مُوَكَّلَة، وعين الرضا عن المعايب كليلة. بسطوا اللائمة في رسول الله صلى الله عليه وسلم فعابوه بما هو أمارة كرمه، ودلالة فضله، فقالوا: إنه بحسن خُلُقِه يسمع ما يقال له، فقال عليه السلام: "حديث : المؤمِن غِرٌّ كريم والمنافق خَبٌّ لئيم ."تفسير : قوله جلّ ذكره: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. وقيل: مَنْ العاقلُ؟ قالوا: الفَطِنُ المُتَغافِل. وفي معناه أنشدوا: شعر : وإذا الكريمُ أتيْتَه بخديعةٍ ولقِيتَه فيما ترومُ يُسارعُ فاعلمُ بأنَّكَ لم تُخادِعْ جاهلاً إنَّ الكريم - بفضله - يتخادع

اسماعيل حقي

تفسير : {ومنهم} اى من المنافقين كالجلاس بن سويد واحزابه {الذين يؤذون النبى} بان يقولوا فى حقه ما يتأذى به الانسان {ويقولون} اذا قيل لهم من قبل بعضهم لا تفعلوا هذا الفعل فانا نخاف ان يبلغه ما تقولون فتفضحوا {هو} اى النبى عليه السلام {اذن} يسمع كل ما قيل له يعنى انا نقول ما شئنا ثم نأتيه فننكر ما قلنا ونحلف فيصدقنا بما نقول انما محمد اذن سامعة اى صاحبها وانما سموه اذنا مبالغة فى وصفه باستماعه كل ما يقال وتصديقه اياه حتى صار بذلك كأنه نفس الاذن السامعة يريدون بذلك انه ليس له ذكاء ولا بعد غور بل هو سليم القلب سريع الاغترار بكل ما يسمع فيسمع كلام المبلغ اولا فيتأذى منه ثم اذا وقع الانكار والحلف والاعتذار يقبله ايضا صدقا كان او كذبا وانما قالوه لانه عليه السلام كان لا يواجههم بسوء ما صنعوا ويصفح عنهم حلما وكرما فظن اولئك انه عليه السلام انما يفعله لقلة فطنته وقصور شهامته {قل} هو {اذن خير لكم} من اضافة الموصوف الى صفته كرجل صدق والمعنى نعم انه اذن لكنه نعم الاذن فان من يسمع العذر ويقبله خير ممن لا يقبله لانه انما ينشأ من الكرم وحسن الخلق سلم الله تعالى قول المنافقين فى حقه عليه السلام انه اذن الا انه حمل ذلك القول على ما هو مدح له وثناء عليه وان كانوا قصدوا به المذمة {يؤمن بالله} تفسير لكونه اذن خير لهم اى يقربه لما قام عنده من الادلة الموجبة له فيسمع جميع ما جاء من عنده ويقبله وكون ذلك خيرا للمخاطبين كما انه خير للعالمين مما لا يخفى {ويؤمن للمؤمنين} اى يسلم لهم قولهم ويصدقهم فيما اخبروا به لما علم من خلوصهم وصدقهم ولا شك ان ما اخبر به المؤمنون الخلص يكون حقا فمن استمعه وقبله يكون اذن خير. واللام مزيدة للتفرقة بين الايمان المشهور وهو ايمان الامان من الخلود فى النار الذى هو نقيض الكفر بالله فانه يعدى بالباء حملا للنقيض على النقيض فيقال آمن بالله ويؤمنون بالغيب وبين الايمان بمعنى التصديق والتسليم والقبول فانه يعدى باللام مثل وما انت بمؤمن لنا اى بمصدق {ورحمة} عطف على اذن خير وهو رحمة بطريق اطلاق المصدر على الفاعل للمبالغة {للذين آمنوا منكم} اى للذين اظهروا الايمان منكم وهم المناقفون حيث يقبله منهم لكن لا تصديقا لهم فى ذلك بل رفقا بهم وترحما عليهم ولا يكشف اسرارهم ولا يهتك استارهم. قال الكاشفى: يعنى [نه آنست كه بقول شمادانا نيست صدق وكذب شمارا ميداند اما برده ازروى كارشما برنميدارد وازروى رحمت باشما رفق مينمايد] فالواجب على المؤمن الاقتداء بالرسول المختار فى التحفظ عن كسف الاسرار والتحقق بالاسم الستار {والذين يؤذون رسول الله} بالقول او الفعل {لهم عذاب اليم} [عذابى دردناك در آخرت بسبب ايذائه] فانه قد تبين انه عليه السلام خير ورحمة لهم فاذاه مقابلة لاحسانه بالاساءة فيكون مستوجبا للعذاب الشديد وكان المنافقون يتكلمون بالمطاعن ثم يأتون المؤمنين فيعتذرون اليهم ويؤكدون معاذيرهم بالايمان ليعذروهم ويرضوا عنهم فقال تعالى {يحلفون بالله لكم} ايها المؤمنون انهم ما قالوا ما نقل اليكم مما يورث اذية النبى عليه السلام {ليرضوكم} بذلك {والله ورسوله احق ان يرضوه} بالتوبة وترك الطعن والعيب والمبالغة فى باب الاجلال والاعظام مشهدا ومغيبا واما قبول عذرهم وعدم تكذيبهم فهو ستر عيوبهم لا عن رضى بما فعلوا. وضمير يرضوه الى الله فافراده للايذان بان رضاه عليه السلام مندرج تحت رضاه سبحانه وهما متلازمان فاكتفى بذكر احدهما عن الآخر لعدم انفكاك الآخر او الى الرسول فان الكلام فى اذاه وارضاه وذكر الله للتعظيم وللتنبيه على ان ارضاء الرسول ارضاء الله فاكتفى بذكر ارضائه عليه السلام عن ذكر ارضائه تعالى كما فى قوله تعالى {أية : واذا دعوا الى الله ورسوله ليحكم بينهم} تفسير : [النور: 48]. اكتفى بذكر حكم الرسول للتنبيه على ان حكم الرسول حكم الله او الى الله والرسول باستعارته لاسم الاشارة الذى يشار به الى الواحد والمتعدد بتأويل المذكور لا يقال اى حاجة الى الاستعارة بعد التأويل لانا نقول لولا الاستعارة لم يتسن التأويل لما ان الضمير لا يتعرض الا لذات ما يرجع اليه من غير تعرض لوصف من اوصافه التى من جملتها المذكورية وانما المتعرض لها اسم الاشارة. قال الحدادى لم يقل يرضوهما لانه يكره الجمع بين ذكر اسم الله وذكر اسم رسول له فى كناية واحدة كما حديث : روى ان رجلا قام خطيبا عند النبى عليه السلام فقال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال عليه السلام "بئس الخطيب انت هلا قلت ومن يعص الله ورسوله" .تفسير : قال فى ابكار الافكار انما اراد بذلك تعليم الادب فى المنطق وكراهة الجمع بين اسم الله واسم غيره تحت حرفى الكناية لانه يتضمن نوعا من التسوية: قال الصعدى قدس سره شعر : متكلم را تاكسى عيب نكيرد سخنش صلاح نبذيرد مشوغره برحسن كفتار خويش تحسين نادان وبندار خويش تفسير : وفى الحديث "حديث : لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان" تفسير : قال الخطابى وهذا ارشاد الى الادب لان الواو للجمع والتشريك وثم للعطف مع الترتيب والتراخى فارشدهم عليه السلام الى تقديم مشيئة الله على مشيئة من سواه. ومن هذا قال النخعى يكره ان يقول الرجل اعوذ بالله وبك ويجوز اعوذ بالله ثم بك ويقال لولا الله ثم فلان لفعلت كذا ولا يقال لولا الله وفلان وانما يقال من يطع الله ورسوله لان الله تعبد العباد بان فرض عليهم طاعة رسول الله رسول الله فاذا اطيع رسول الله فقد اطيع الله بطاعة رسوله {ان كانوا مؤمنين} اى صادقين فيما اظهروه من الايمان فليرضوا الله ورسوله بالطاعة واخلاص الايمان فانهما احق بالارضاء

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (قل أُذُنُ خير): من قرأ بالإضافة؛ فـ (لكم): متعلق بالاستقرار، أي: هو أذن خير كائن لكم. ومن قرأ بالتنوين؛ فـ (خير): خبر عن "أُذن"؛ خبر ثانٍ، ومن قرأ: "ورحمة"؛ بالرفع فعطف على (أذن خير)، ومن قرأ بالجر، فعطف على "خير"، المجرور. يقول الحق جل جلاله: {ومنهم الذين يُؤذون النبيَّ ويقولون} فيه: {هو أُذُنُ} يسمع كل ما يقال له يصدقه؛ حقاً كان أو باطلاً، فإذا حلفنا له أنا لم نقل شيئاً صدقنا. والقائل لهذه المقالة: قيل: هو نَبْتَل بْن الحَارِثِ، وكان من مردة المنافقين: وقيل: عتاب بن قشير، في جماعة، قالوا: محمد أذن سامِِعِه، نقول ما شئنا، ثم نأتيه فيصدقنا فيما نقول. قال البيضاوي: سمي بالجارحة للمبالغة؛ كأنه من فرط استماعه صار جملته آلة السماع، كما سمي الجاسوس عيناً. هـ. قال تعالى في الرد عليهم: {قل أُذُنُ خيرٍ لكم} أي: هو لكم سماع خير وحق، فيسمع الخير والحق ويبلغه لكم، أو قل: هو أذنٌ خيرٌ لكم من كونه غير أذن؛ لأن كونه أذناً يقبل معاذيركم؛ ولو كان غير أذن لكذبكم وفضحكم. وفي (الوجيز) أي: مستمع خير وصلاح، لا مستمع شر وفساد. قال البيضاوي: وهو تصديق لهم بأنه أذن، لكن لا على الوجه الذي ذموا به ـ يعني من تنقصه بقلة الحزم والانخداع ـ بل من حيث إنه يسمع الخير ويقبله. ثم فسر ذلك بقوله: {يؤمنُ بالله}؛ يصدق بالله وبما له من الكمالات، {ويُومنُ للمؤمنين}؛ ويصدقهم؛ لما يعلم من خلوصهم، واللام مزيدة؛ للتفرقة بين إيمان التصديق وإيمان الإذعان والأمان، {ورحمةٌ للذين آمنوا منكم} أي: هو رحمة لمن أظهر الإيمان منكم، بحيث يقبله ولا يكشف سره. وفيه تنبيه على أنه ليس يقبل قلولكم؛ جهلاً بكم، بل رفقاً بكم وترحماً عليكم، قاله البيضاوي. وفي ابن عطية: وخص الرحمة بالذين آمنوا؛ إذ هم الذين نجوا بالرسول وفازوا. وفي الوجيز: وهو رحمة لهم، لأنه كان سبب إيمانهم. هـ. فظاهره أن الإيمان الصادر منهم كان حقيقياً، وهو حُسنُ خلافٍ ظاهر. قال البيضاوي: أي: هو رحمة لمن وفقه الله للإيمان منكم. {والذين يُؤذون رسول الله} بأي نوع من الإيذاء، {لهم عذابٌ أليم} موجع بسبب إذايته. الإشارة: تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ومدحه وذكر محاسنه، من أجل القربات وأعظم الطاعات؛ لأن تعظيمه ناشئ عن محبته، ومحبته عقد من عقود الإيمان، لا يتم الإيمان إلا بها، والإخلال بهذا الجانب من أعظم المعاصي عند الله، ولذلك قبح كفر المنافقين واليهود، الذين يؤذون جانب النبوة، وما عابه به المنافقون في هذه الآية هو عين الكمال عند أهل الكمال. قال القشيري: عابوه بما هو أماره كرمه، ودلالة فضله، فقالوا: إنه؛ لحُسن خُلُقه، يسمع ما يقال له، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المُؤمنُ غِرٌّ كَرِيمٌ والمُنافِقُ خِبٌّ لَئِيمٌ".تفسير : قالوا: من الفاضل؟ قالوا: الفَطِنُ المُتَغَافِلُ، وأنشدوا: شعر : وإذا الكريمُ أَتَيْتَه بخدِيعَةٍ فرأيته فيما ترومُ يُسارعُ فاعلمْ بأنَّك لم تخادِعْ جاهلاً إنَّ الكريمَ ـ بفضله ـ يتخادع تفسير : وكل ولي يتخلق بهذا الخلق السني؛ الذي هو التغافل والانخداع في الله، وكان عبد الله بن عمر يقول: (من خدعنا في الله انخدعنا له). ورأى سيدنا عيسى عليه السلام رجلاً يسرق، فقال له: سرقت يا فلان؟ فقال: والله ما سرقت، فقال عليه السلام: (آمنتُ بالله وكذبتُ عيني). فمن أخلاق الصوفي أن يؤمن بالله، ويؤمن للمؤمنين، كيفا كانوا، ورحمة للذين آمنوا، فمن آذى من هذا وصفه فله عذاب أليم. وبالله التوفيق. ومن مساوئ المنافقين أيضاً: أنهم يرضون الناس بسخط الله، كما أبان ذلك الحق تعالى بقوله: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ}.

الطوسي

تفسير : قرأ نافع {أذن خير} بالتخفيف الباقون بالتثقيل. وكلهم أضاف. ورفع {ورحمة} الا أبا عمرو فانه جر {ورحمة} وكان يجوز النصب على {ورحمة} يفعل ذلك، ولم يقرأ به أحد، قال أبو علي: تخفيف {أذن} من أذن قياس مطرد نحو طنب وطنب، وعنق وعنق وظفر وظفر لأن ذلك تخفيف وتثقيل لاتفاقهما في الوزن وفي جمع التكسير تقول: آذان وأطناب وأعناق وأظفار، فأما الأذن في الآية فانه يجوز ان يطلق على الجملة وان كان عبارة عن جارحة فيها، كما قال الخليل في الناب من الابل سميت به لمكان الناب البازل، فسميت الجملة كلها به. ويجوز أن يكون (فعلا) من اذن ياذن اذا استمع. ومعناه انه كثير الاستماع مثل شلل وأنف وشحح، قال ابو زيد: رجل اذن ويقن اذا كان يصدق بكل ما يسمع فكما ان (يقن) صفة كبطل كذلك (اذن) كشلل، ويقولون: اذن يأذن اذا استمع، ومنه قوله {أية : وأذنت لربها} تفسير : اي استمعت، وقوله {أية : ائذن لي}تفسير : اي استمع. وفي الحديث "حديث : ما أَذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن"تفسير : قال الشاعر: شعر : في سماع يأذن الشيخ له وحديث مثل ما ذي مشار تفسير : والمعنى - في الاضافة - مستمع خير لكم وصلاح ومصغ اليه، لا مستمع شر وفساد. ومن رفع {رحمة} فالمعنى فيه أذن خير ورحمة اي مستمع خير ورحمة فجعله للرحمة لكثرة هذا المعنى فيه، كما قال {أية : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} تفسير : ويجوز ان يقدر حذف المضاف من المصدر. وأما من جر فعطفه على {خير} كأنه قال اذن خير ورحمة، وتقديره مستمع خير ورحمة. وجاز هذا كما جاز مستمع خير، لأن الرحمة من الخير وإنما خص تشريفاً، كما قال {أية : اقرأ باسم ربك الذي خلق}تفسير : ثم قال {أية : خلق الإنسان من علق}تفسير : وان كان قوله تعالى {خلق} عم الانسان وغيره. والبعد بين الجار وما عطف عليه لا يمنع من العطف ألا ترى ان من قرأ {وقيله يارب} انما جعله عطفاً على {أية : وعنده علم الساعة} تفسير : وعلم قيله. وروي ان الاعمش قرأ قل {أذن خير ورحمة} وهي قراءة ابن مسعود. اخبر الله تعالى في هذه الآية ان من جمله هؤلاء - المنافقين الذين وصفهم وذكرهم - من يؤذي النبي صلى الله عليه وآله والأذى هو ضرر ربما تنفر منه النفس في عاجل الامر وانهم يقولون هو اذن يعنون النبي صلى الله عليه وآله. ومعنى (اذن) انه يصغي إلى كل احد فيقبل ما يقوله - في قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك - وقيل اصله من اذن اذا استمع على ما بيناه قال عدي بن زيد: شعر : ايها القلب تعلل بددن ان همي في سماع واذن تفسير : وقيل السبب في ذلك: ان قوماً من المنافقين تكلموا بما ارادوه، وقالوا ان بلغه اعتذرنا اليه، فانه اذن يسمع ما يقال له، فقال الله تعالى {قل} يا محمد {أذن خير لكم} لا اذن شر، وليس بمعنى أفعل. وانما معناه أذن صلاح ولو رفع خيراً لكان معناه أصلح، وهي قراءة الحسن والاعشى والبرجمي. وانما قال بعد ذلك {يؤمن بالله} لأن معناه انه لايمانه بالله يعمل بالحق فيما يسمع من غيره. وقيل يصغي إلى الوحي من قبل الله. وقوله {ويؤمن للمؤمنين} قال ابن عباس: معناه ويصدق المؤمنين. وقيل دخلت اللام كما دخلت في قوله {أية : ردف لكم} تفسير : وتقديره ردفكم، واللام مقحمة ومثله {أية : لربهم يرهبون }تفسير : ومعناه يرهبون ربهم. واللام مقحمة. وقال قوم: دخلت اللام للفرق بين إيمان التصديق وايمان الامان. وقوله {ورحمة للذين آمنوا منكم} يعني ان النبي صلى الله عليه وآله رحمة للمؤمنين منكم وانما خص المؤمنين بالذكر وان كان رحمة للكفار أيضاً من حيث انتفع المؤمنون به دون غيرهم من الكفار. ثم قال {والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم} اي مؤلم موجع جزاء لهم على أذاهم للنبي صلى الله عليه وآله. وقال ابن اسحاق: نزلت هذه الآية في نبتل بن الحارث كان يقول: إني لأنال من محمد ما شئت، ثم آتيه اعتذر اليه وأحلف له فيقبل، فجاء جبرائيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: انه يجلس اليك رجل ادلم ثائر شعر الرأس اسفع الخدين احمر العينين كأنهما قدران من صفر كبده اغلظ من كبد الجمل ينقل حديثك إلى المنافقين فاحذره وكان ذلك صفة نبتل بن الحارث من منافقي الانصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله حديث : من اختار أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارثتفسير : ، ذكره ابن اسحاق.

الجنابذي

تفسير : {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} يقبل كل ما يسمع من اىّ قائل اتّفق {قُلْ} هو {أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} يسمع كلّ ما فيه صلاحكم وان لم تعلموا انّ فيه صلاحكم {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} امّا مقول قوله (ص) او مستأنف من الله والمقصود بيان حاله او تعليل كونه اذن خير، اعلم، ان للسّالك الى الله ايماناً بالله فى مقام الوحدة والتّوجّه اليه عن الكثرة وفى هذا الايمان لا توجّه له الى الكثرة لا بخير ولا بشّر، وايماناً فى مقام الكثرة والتّوجّه اليها بالله وفى هذا المقام له نحو تصرّف فى الكثرة امّا بخيرٍ اذا كان المتوجّه اليه ممّن يقبل التّصرّف بالخير كجملة اجزاء العالم سوى الاشقياء من بنى آدم، وامّا بشّرٍ اذا كان المتوجّه اليه ممّن يصير الخير فى وجوده شرّاً، لانّ الشّرّ ليس من المتصرّف فى الكثرة بالّذات بل تصرّفه يصير بواسطة القابل شرّاً، فقوله يؤمن بالله اشارة الى الايمان الاوّل وقوله يؤمن للمؤمنين اشارة الى الايمان الثّانى، والمعنى يؤمن بالله فى مقام الكثرة يعنى يصدق الكلّ فانّ كلاًّ فى مقامه مسخّر لله ومظهر له وما يظهر منه فى الحقيقة ظهور فعل الله لكنّه بحسب المظاهر يصير فى بعض شرّاً وفى بعضٍ خيراً ولا ينتفع بهذا الايمان من محمّد (ص) الاّ المؤمنون، لانّه كان بحسب هذا الايمان نافعاً للكلّ لكن يصير ذلك النّفع فى بعض القوابل ضرّاً وشرّاً، وبما ذكر يظهر صحّة الاخبار ووجه الجمع بينها والى ما ذكر اشار بقوله {وَرَحْمَةٌ} عطفاً على اذن خيرٍ وما بينهما اعتراض {لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ} بالايمان العامّ او الخاصّ وكان ارادة الايمان الخاصّ انسب بالمقام، لانّه اشير الى مطلق الانتفاع الّذى هو عامّ لجملة المسلمين الّذين بايعوه بالبيعة العامّة بقوله اذن خيرٍ لكم وبقوله يؤمن للمؤمنين، ولانّ الخطاب كان لعامّة المسلمين والمؤمن منهم لا يكون الاّ مؤمناً خاصّاً، ولانّ خصوص الرّحمة الرّحيميّة بقرينة ذكرها بعد الانتفاع المطلق الّذى هو مطلق الرّحمة الرّحيميّة مختص بالمبتاعين بالبيعة الخاصّة الولويّة الّتى هى الايمان حقيقة وكان الانسب بالمقابلة ان يقول تعالى وسخط للّذين لم يؤمنوا واوذوا رسول الله (ص) لكنّه عدل الى قوله {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} جملة معطوفة على الجملة السّابقة تبرئة له (ص) من نسبة السّوء والعذاب اليه لما عرفت ان ليس منه الاّ الرّحمة والنّفع لكنّها بحسب القابل تصير ضرّاً وشرّاً.

الأعقم

تفسير : {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن} الآية نزلت في المنافقين والأذن الذي يصدق كلما سمع ويقبل قول كل أحد سمي بالجارحة الذي هي ألذ السماح {يؤمن بالله} يعني يسمع إلى الوحي فيصدق الله تعالى ويصدق المؤمنين يقبل منهم {ورحمة لمن آمن منكم} أي أظهر الايمان منكم أيها المنافقون حيث يسمع منكم ويقبل إيمانكم الظاهر ولا يكشف أسراركم ولا يفضحكم، قوله تعالى: {يحلفون بالله لكم} أيها المؤمنون يعني يحلف المنافقون لكم كذباً {ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه} بترك الكفر والنفاق {ألم يعلموا أنه من يحادد الله} أي هلاّ علموا بعد أن مكنوا من العلم، وقيل: هو أمر بالعلم اعلموا بهذا الخبر والدليل، وقيل: علموا أو عاندوا أنه من يحادد الله ورسوله أي يخالف الله ورسوله {فإن له نار جهنم خالداً فيها} الآية، قوله تعالى: {يحذر المنافقون} الآية كانوا يستهزئون بالاسلام وأهله وكانوا يحذرون أن يفضحهم الله تعالى بالوحي حتى قال بعضهم: والله لا أرانا إلاَّ أشرَّ خلق الله تعالى، وقوله: {إن الله مخرج ما تحذرون} يعني مظهر ما تحذرون إظهاره من نفاقكم، "حديث : وروي أن ناساً من المنافقين ساروا بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة تبوك فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يستفتح قصور الشام وحصونه هيهات هيهات، فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك فأتاهم فقال: "قلتم كذا وكذا" فقالوا: يا نبي الله والله ما كنَّا في شيء من أمرك ولا أمر أصحابك ولكن كنَّا في شيء مما يخوض فيه الركب" تفسير : {قل} يا محمد ردَّاً على كذبهم {أبالله وآياته ورسوله كنتم تسهزئون} {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} يعني قد أظهرتم كفركم باستهزائكم بعد إظهاركم الايمان {أن نعف عن طائفة منكم} بالتوبة، قيل: جماعة، وقيل: إنه رجل تاب ومعه ناس لما نزلت هذه الآية {نعذب طائفة} بإصرارهم وترك التوبة {بأنهم كانوا مجرمين} مذبذبين كافرين {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} في الاجتماع على النفاق وترك نصرة الرسول، قوله تعالى: {ويقبضون أيديهم} عن الانفاق في سبيل الله وهو الصدقات والزكوات {نسوا الله فنسيهم} يعني أنهم تركوا الطاعات فتركهم في النار، وقيل: جعلوا الله تعالى كالمنسي حيث لم يتفكروا أن لهم صانعاً ينبئهم بما في قلوبهم ويعاقبهم، وقيل: نسوا الله فجازاهم على نسيانهم بالعقاب.

الهواري

تفسير : قوله: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} يعني المنافقين. قال الحسن: كانوا يقولون: ما هذا الرجل إلا أذن، من شاء صرفه حيث شاء، [ليست له عزيمة] فقال الله: { قُلْ} يا محمد { أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} أي: هذا الرجل الذي تزعمون أنه أذن، خير لكم. {يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} [أي يصدق الله ويصدق المؤمنين] {وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ} أي: وهو رحمة للذين ءامنوا منكم. أي إنه رحمة للمؤمنين، رحمهم الله بها واستنقذهم من الجاهلية وظلمتها إلى النور، وأنقذهم من النار إلى الجنة. وقال مجاهد: {ويَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} أي: سنقول له فيصدّقنا. يعني المنافقين يقولون: نحلف له فيعذرنا. وبعضهم يقرأها: قل اذنٌ خيرٌ لكم. أي: هو أذن خيرٌ لكم.

اطفيش

تفسير : {ومنْهُم الَّذينَ يُؤذُونَ النَّبى} يضرونه، هذا عام والعطف بعده عطف خاص على عام، ويجوز أن يكون المراد بالإيذاء هو قولهم: إنه أذن، فيكون العطف تفسيرا، وهذا على مذهب مجيز عطف التفسير بالواو. {ويقُولُون هُو أذنٌ} بضم الهمزة وإسكان الذال فى قراءة نافع، سموه باسم آلة السمع مبالغة فى سماعه لكل ما يقال له، كأنه بجملته أذن، كما تقول: فلان أنف إذا كبرت أنفه، وفلان عين إذا كبرت عينه، أو اشتد نظرها أو كثر. وقد سموا الجاسوس عينا، وذلك مجاز مرسل من باب تسمية الكل باسم الجزء، وهذا أولى من تقدير مضاف، أى ذو أذن، أى ذو أذن سامعة لما يقال له، فيكون مجازا بالحذف ذا مرسلا، ويجوز أن يكون اسما اشتقوه له من أذن يأذن أذناء بفتح الذال بمعنى استمع، وقرأ الباقون بضم الهمزة والذال، وكذا الثانى فيه القراءتان. روى أن جماعة من المنافقين كانوا يؤذون النبى صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون، فقال الجلاس ابن سعيد: نقول ما شئنا نأتيه ونكرر فيصدقنا، فإنما محمد أذن سامعة فنزلت الآية، يريد أنه سريع الاغترار. وقيل: اجتمع ناس من المنافقين: وقيل: بلغه ذمهم فضاقوا، فقال بعضهم: هو أذن سامعة، سمع المبلغ فإذا اعتذرنا سمع عذرنا، منهم الجلاس بن سويد ذو الصامت، ووديعة بن ثابت، وأرادوا أن يقعوا فى النبى صلى الله عليه وسلم وعندهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس، فحقروه وتكلموا فقالوا: لئن كان ما يقول محمد حقا فنحن شر من الحمير، فغضب الغلام وقال: والله إن ما يقول محمد حق، وإنكم شر من الحمير، ثم أتى النبى صلى الله عليه وسلم فأخبره فدعاهم، فسألهم فحلفوا أن عامرا كاذب، وحلف عامر أنهم كذبة، وقال: اللهم لا تفرق بيننا حتى تبين صدق الصادق وكذب الكاذب، فنزلت الآية وقوله: {أية : يحلفون بالله لكم ليرضوكم} تفسير : قال بعض: إن الجلاس تاب بعده. وقيل: حديث : نزل ذلك فى نبتل بن الحارث، وكان أحمر العينين، منتف الشعر، مشوه الخلقة، وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إليه" تفسير : كان يتم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: لا تفعل، فقال: إنما محمد أذن سامعة ناتئة، فنحلف له فيصدقنا، فنزل ذلك، وعن ابن عباس وجماعة: أن المعنى وصفهم إياه بالباطل، لأنه يقبل فيهم ما سمع حاشاه عن الباطل. {قُلْ أذُنُ خَيرٍ لكُم} أى أنا أذن خير لكم، ويجوز أن يقدر هو أذن خير لكم إخبارا عن نفسه بطريقة الغيبة تبعا لكلامهم، فعلى الأول يكون ما بعد ذلك من كلام الله مستأنفا أو مفسرا، وعن الثانى يكون كذلك، أو من جملة كلام رسوله صلى الله عليه وسلم المأمون بأن يقوله، وعلى كونه من جملة كلامه يكون خبرا آخر أو نعت أذن باعتبار أنه بمعنى سامع. ويجوز النعت أيضا على الأول، وذلك تصديق لهم فى قولهم: إنه أذن، لكن على طريق القول بالموجب، وهو تسليم كلام الخصم مع استدراك عليه، وقيل: تسليم الدليل مع بقاء النزاع، فكأنه قيل: هو أذن كما تقولون، لكن لا على الوجه الذى ذممتموه به إنه من حيث سامع خير، وأضاف الأذن للخير لأنه يسمع الخير، ولكم نعت لخير، أو لأذن، أو حال من أذن، ووجه قوله: {لكم} أنه يسمع عذرهم فلا يعاقبهم، أو يسمع ما يقولون عندهم فلا يراقبهم، أو يسمع من الحق بألسنتهم ولا يفتش عما فى قلوبهم، ويسمع الحق عن الله، وهو منفعة لهم لو عملوا به، وقرأ عاصم فى رواية عنه، والحسن، ومجاهد، وعيسى بن عمرو، بتنوين أذن ورفع خير على أنه نعت أذن أو خبر ثان. {يُؤمنُ باللهِ} للدلائل {ويؤمنُ للمؤمِنينَ} يذعن لهم ويسلم لهم جزما فيما يقولون لما علموا من خلوصهم، ولتضمينه معنى التسليم والإذعان عداه باللام، بخلاف الأول، فالمراد به التصديق فعداه بالباء، ويجوز كون اللام بمعنى الباء، وكونها صلة تأكيد فى المفعول، أى ويؤمن المؤمنين أى يصدقهم، والتصديق يتعدى بالباء وبنفسه، ورحمة عطف على أذن، أو خبر لمحذوف، أى وهو رحمة، وقرىء بالنصب على التعديل لمحذوف دل عليه أذن، أى بأذن رحمة، وقرأ حمزة، وأبىّ بن كعب، وابن مسعود، والأعمش بالخفض عطفا على خبر على جر خير بالإضافة. {ورحْمةٌ للذِينَ آمنُوا منْكُم} أى أظهروا الإيمان، ووجه كونه رحمة لهم أنه يقبله عنهم تلطفا ورفقا لهم، إن لم يأمره الله بالتفتيش، والخطاب للمنافقين، ومن للبيان أو للمؤمنين، ومن للتبعيض، ووجهه أن المنافقين فى ظاهر أمرهم وفى زعمهم من المؤمنين أو للناس عموما، فمن أيضا للتبعيض، وعليه فالمراد الإيمان النافع، ويهديهم الجنة أو مطلق إيمان. {والَّذينَ يُؤذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهم عَذابٌ أليمٌ} موجع لايذائه وهو عذاب الآخرة.

اطفيش

تفسير : {وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىَّ} بكلام السوءِ كالجلاس بن عمرو (بالضم والتخفيف) ووديعة بن ثابت أَخو أُمية بن زيد بن عمرو بن عوف، وقيل الجلاس بن سويد بن صامت. ورفاعة بن عبد المنذر ونبتل بن الحرث، وكان آدم أحمر العينين أَسفع الخدين مشوه الخلقة نماما عنه صلى الله عليه وسلم إِلى المنافقين. قال صلى الله عليه وسلم: حديث : من أَراد أَن ينظر إِلى الشيطان فلينظر إِلى نبتل بن الحرثتفسير : ، يؤذونه صلى الله عليه وسلم بما يكره من القول مثل أَن يقولوا: يعطى قريشا ويتركنا ولو لم يفعل أَو فعل لحكمة أَو جاءَ هو وأَصحابه فغزوا بنا ولا يعرف لنا حقا، وهم كاذبون، وكقول وديعة بن ثابت: إِن كان ما يقول محمد حقا فنحن شر من الحمير، ولما قال هذا قال له عامر بن قيس وهو غلام: والله إِنه لصادق وأَنت شر من حمارك، فأَخبر الغلام بذلك، فقالوا: لم نقل، إِنه غلام لم يعرف ما يقول. فجعل الغلام يبتهل: اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب، فنزلت الآية، ومن ذلك قولهم: سمن كلبك يأْكلك. بمعنى أَنهم قاموا به صلى الله عليه وسلم، فرجع عليهم، وقولهم: لو كان نبيا لعلم أَين ناقته، فإِذا قال بعضهم لبعض لا تقولوا فإِنه يصله الخبر فيقع بنا الجلاس (بالجيم) وقيل نبتل أَو غيره: نقول ما شئنا فنحلف بالله وننكر القول فيصدقنا، فإِنه يقبل إِنكارنا ويصدق لقلة رأْيه أَو كثرة كرمه واحتماله كما قال الله عز وجل {وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} كثير السماع أَى القبول لاعتذار المعتذر، ولو كان المعتذر كاذباً حتى كأَنه نفس الأُذن، كما يسمى الجاسوس عينا لكثرة مراقبته بعينه، نكذب ونعتذر ويقبل اعتذارنا، خاف بعض المنافقين أَن يخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بما يقولون فيعاقبهم، فأَجابه الباقون بأَنه أُذن يقبل اعتذارنا ولو كذبنا فيه، يقال قالوا هو أَذن سامعة من إِطلاق اسم الجارحة على صاحبها لكثرة فعله بها، لكن المراد هنا القبول وفى هذا نكتة زائدة على مطلق تسمية الكل باسم الجزء، وقيل شبه بالأُذن فى أَنه ما فيه تمييز بين الحق والباطل، بل سمع فقط ما يليق وما لا يليق، وقدر بعضهم مضافا أَى ذو أُذن ويجوز أَن يكون أُذن مصدر أَذن (بفتح الهمزة وكسر الذال) أِى سمع وكأَنه نفس السماع {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} أَى هو أَى النبى، أَى أَنا أُذن خير لكم يسمع الوحى لكم وهو منفعة لكم، ويصدق المؤمنين المخلصين، أَو الإِضافة بمعنى فى، أَى أُذن فى الحير ولوح بأَن المنافقين أُذن شر يسمعون كلام الله تعالى وكلام المؤمنين، ويكذبون بما سمعوا، ويدل على معنى فى قراءَة حمزة بجر رحمة فإِنه لا معنى لها سوى أَنه أُذن فى الرحمة كذا قيل، ويبحث بجواز أَنه أُذن رحمة على حكايتها عن الله عز وجل أَثبت الله أَنه أُذن خير لا على ما قالوا مجرد كرم أَو قلة رأْى وتجربة، فذلك قول بالموجب، وهو حمل لفظ على خلاف مراد لافظه كبيت البديع: شعر : قلت ثقَّلت إِذ أَتيت مراراً قال ثقَّلت كاهلى بالأَيادى تفسير : وقول القبعثرى: مثلك يحمل على الأَدهم والأَشهب. أَراد الفرس لما قال له الحجاج: لأَحملنك على الأَدهم، أَى القيد من الحديد. وقال: ويلك أَردت الحديد. فقال: مثلك يحمل على الحديد والبليد، وبين ذلك بقوله {يُؤْمِنُ} يصدق {بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} يذعن ويسلم (بضم الياء وفتح السين وكسر اللام مشدداً) كقوله تعالى "أية : أنؤمن لك"تفسير : [الشعراء: 111] وقوله "أية : ءَامنتم له قبل أن ءَاذن لكم"تفسير : [الشعراء: 49] أَى يذعن لما قال المؤمنون بالتصديق، وأَما قبوله عذركم فاحتمال ومعاملة بالحسنى لكم، واللام للتعدية ولا وجه لكونها زائدة سوى أَنها زيدت على يؤمن الأول بمعنى أَنها ليست فيه وإِضافة الأُذن للخير لأَن السماع بالخير يكون بالأُذن، أَو من إِضافة الموصوف إِلى الصفة كقولك رجل عدل، إِذا أَضفت رجلا للعدل وأَردت بالعدل الوصف لا المصدر. {وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} عطف على أُذن أَى هو رحمة لمن أَظهر الإِيمان يأْخذ بظاهر قوله ولا يفتش عن سره ولو كان كاذباً، لرفقه بهم لعلهم يخلصون الإِيمان، ومن للبيان والمراد ورحمة لكم أَو للتبعيض العام لهم كلهم على سبيل البدلية، وسمى حالهم إِيمانا مجاراة لهم، إِذ زعموا أَنهم آمنوا أَو المراد أَظهروا الإِيمان، وقيل المراد المخلصون على أَن من للتبعيض بمعنى أَن المنافقين يزعمون أَنهم مؤمنون ولا يتبادر هذا. {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ} بأَلسنتهم كغيرها {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} لإيذائهم إِياه مع إِحسانه إِليهم بالستر لهم وبتبليغ الوحى، وقد يؤذى صلى الله عليه وسلم بمخالفة الكتاب أو السنة وبإِيذاء أَهل بيته بما لم يفعلوا ومجاوزة الحد فيما فعلوا.

الالوسي

تفسير : {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} أخرج ابن أبـي حاتم عن السدي أنها نزلت في جماعة من المنافقين منهم الجُلاس بن سويد بن صامت ورفاعة ابن عبد المنذر ووديعة بن ثابت وغيرهم قالوا ما لا ينبغي في حقه عليه الصلاة والسلام فقال رجل منهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغ محمداً صلى الله عليه وسلم ما تقولون فيقع بنا. فقال الجُلاس: بل نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول فإن محمداً صلى الله عليه وسلم أذن، وفي رواية أذن سامعة، وعن محمد بن إسحاق أنها نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل بن الحرث، وكان رجلاً آدم أحمر العينين أسفع الخدين / مشوه الخلقة وكان ينم حديث النبـي صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين فقيل له: لا تفعل. فقال: إنما محمد صلى الله عليه وسلم أذن من حدثه شيئاً صدقه نقول شيئاً ثم نأتيه ونحلف له فيصدقنا، وهو الذي قال فيه النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحرث» تفسير : وأرادوا سوّد الله تعالى وجوههم وأصمهم وأعمى أبصارهم بقولهم أذن أنه عليه الصلاة والسلام يسمع ما يقال له ويصدقه فيكون وصف {أُذُنُ} بما يفيد ذلك في كلامهم كشفاً له، وهي في الأصل اسم للجارحة، وإطلاقها على الشخص بالمعنى المذكور ـ كما يؤيده بعض الروايات ـ من باب المجاز المرسل على ما في «المفتاح» كإطلاق العين على ربيئة القوم حيث كانت العين هي المقصودة منه، وصرح غير واحد أن ذلك من إطلاق الجزء على الكل للمبالغة كقوله:شعر : إذا ما بدت ليلى فكلي أعين وإن هي ناجتني فكلي مسامع تفسير : وقيل: إنه مجاز عقلي كرجل عدل وفيه نظر، والمبالغة هنا على ما قيل في أنه يسمع كل قول باعتبار أنه يصدقه لا في مجرد السماع، وما قيل: إن مرادهم بكونه عليه الصلاة والسلام أذناً تصديقه بكل ما يسمع من غير فرق بين ما يليق بالقبول لمساعدة أمارات الصدق له وبين ما لا يليق به فليس من قبيل إطلاق العين على الربيئة. ولذا جعله بعضهم من قبيل التشبيه بالأذن في أنه ليس فيه وراء الاستماع تمييز حق عن باطل ليس بشيء يعتد به وقيل: إنه على تقدير مضاف أي ذو أذن ولا يخفى أنه مذهب لرونقه، وجوز أن يكون {أُذُنٌ} صفة مشبهة من أذن يأذن إذناً إذا استمع وأنشد الجوهري لقعنب:شعر : إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاً مني وما سمعوا من صالح دفنوا صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا تفسير : وعلى هذا هو صفة بمعنى سميع ولا تجوز فيه وما تأذى به النبـي صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون ما قالوه في حقه عليه الصلاة والسلام من سائر الأقوال الباطلة فيكون قوله سبحانه: {وَيَقُولُونَ} الخ غير ما تأذى به. ويحتمل أن يكون نفس قولهم {هُوَ أُذُنٌ} فيكون عطف تفسير و {يُؤْذُونَ} مضارع آذاه والمشهور في مصدره أذى وأذاة وأذية وجاء أيضاً الإيذاء كما أثبته الراغب وقول صاحب «القاموس» ولا تقل إيذاء خطأ منه. {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} من قبيل رجل صدق فهو من إضافة الموصوف إلى الصفات للمبالغة في الجودة والصلاح كأنه قيل: نعم هو أذن ولكن نعم الأذن، ويجوز أن تكون الإضافة على معنى في أي هو أذن في الخير والحق وفيما يجب سماعه وقبوله وليس بأذن في غير ذلك، ويدل عليه قراءة حمزة {وَرَحْمَةً} فيما يأتي بالجر عطفاً على {خَيْرٍ} فإنه لا يحسن وصف الأذن بالرحمة ويحسن أن يقال أذن في الخير والرحمة، وهذا كما قال ابن المنير أبلغ أسلوب في الرد عليهم لأن فيه إطماعاً لهم بالموافقة على مدعاهم ثم كر عليهم بحسم طمعهم وبت أمنيتهم وهو كالقول الموجب. وقرأ نافع {أُذن} بالتخفيف في الموضعين وقرأ {أذن} بالتنوين ـ فخير ـ صفة له بمعنى خير المشدد أو أفعل تفضيل أو مصدر وصف به للمبالغة أو بالتأويل المشهور. وقوله سبحانه: {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} تفسير لكونه عليه الصلاة والسلام أذن خير لهم، أي يصدق بالله تعالى لما قام عنده من الأدلة والآيات الموجبة لذلك، وكون ذلك صفة خير للمخاطبين كما أنه خير للعالمين مما لا يخفى {وَيُؤْمنُ للْمُؤْمنينَ} أي يصدقهم لما علم فيهم من / الخلوص، والظاهر أن هذا مندرج في حيز التفسير لكن الغالب من المفسرين لم يبينوا وجهه كونه صفة خير للمخاطبين، نعم قال مولانا الشهاب: إن المعنى هو أذن خير يسمع آيات الله تعالى ودلائله فيصدقها ويسمع قول المؤمنين فيسلمه لهم ويصدقهم به، وهو تعريض بأن المنافقين أذن شر يسمعون آيات الله تعالى ولا ينتفعون بها ويسمعون قول المؤمنين ولا يقبلونه، وأنه صلى الله عليه وسلم لا يسمع قولهم إلا شفقة عليهم لا أنه يقبله لعدم تمييزه عليه الصلاة والسلام كما زعموا، وبهذا يصح وجه التفسير فتدبر انتهى، ولا يخفى أن في إرادة هذا المعنى من هذا المقدار من الآية بعداً، وربما يقال: إن المراد أنه عليه الصلاة والسلام يسمع قول المؤمنين الخلص ويصدقهم ولا يصدق المنافقين وإن سمع قولهم، وكون ذلك صفة خير للمخاطبين إما باعتبار أنه قد ينجر إلى إخلاصهم لما أن فيه انحطاط مرتبتهم عن مرتبة المخلصين وإما باعتبار أن تصديقه صلى الله عليه وسلم للمؤمنين الخلص فيما يقولونه من الحق من متممات تصديقه آيات الله تعالى ولا شك في خيرية ذلك للمخاطبين بل ولغيرهم أيضاً فليفهم. والإيمان في قوله تعالى: {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} بمعنى الاعتراف والتصديق كما أشرنا إليه ولذا عدي بالباء، وأما في قوله سبحانه: {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} فهو بمعنى جعلهم في أمان من التكذيب فاللام فيه مزيدة للتقوية لأنه بذلك المعنى متعد بنفسه كذا قيل، وفيه أن الزيادة لتقوية الفعل المتقدم على معموله قليلة. وقال الزمخشري: ((إنه قصد - من الإيمان في الأول - التصديق بالله تعالى الذي هو نقيض الكفر [به] فعدي بالباء (الذي يتعدى بها الكفر حملاً للنقيض على النقيض)، وقصد من الإيمان في الثاني السماع من المؤمنين وأن يسلم لهم ما يقولونه ويصدقهم لكونهم صادقين عنده فعدى باللام ألا ترى إلى قوله سبحانه: {أية : وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ } تفسير : [يوسف: 17] حيث عدى الإيمان فيه باللام لأنه بمعنى التسليم لهم، وظاهر هذا أن اللام ليست مزيدة للتقوية كما في الأول، وكلام بعضهم يشعر ظاهره بزيادتها. وقوله سبحانه: {وَرَحْمَةٌ} عطف على {أُذُنُ خَيْرٍ} أي وهو رحمة، وفيه الأخبار بالمصدر والكلام في ذلك معلوم {لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ} أي للذين أظهروا الإيمان حيث يقبله منهم لكن لا تصديقاً لهم في ذلك بل رفقاً بهم وترحماً عليهم ولا يكشف أسرارهم ولا يهتك أستارهم. وظاهر كلام الخازن أن المراد {مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} المخلصون وذكر {مّنكُمْ} باعتبار أن المنافقين كانوا يزعمون أنهم مؤمنون والحق حمل ذلك على المنافقين وإسناد الإيمان إليهم بصيغة الفعل بعد نسبته إلى المؤمنين المخلصين بصيغة الفاعل المنبئة عن الرسوخ والاستمرار للإيذان بأن إيمانهم أمر حادث ماله من قرار ولعل العدول عن ـ رحمة ـ لكم إلى ما ذكر للإشارة إلى ذلك. وقرأ ابن أبـي عبلة {رَحْمَةً} بالنصب على أنه مفعول له لفعل مقدر دل عليه {أُذُنُ خَيْرٍ} أي يأذن لكم ويسمع رحمة وجوز عطفه على آخر مقدر أي تصديقاً لهم ورحمة لكم. {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ} أي بأي نوع من الإيذاء كان وفي صيغة الاستقبال المشعرة بترتب الوعيد على الاستمرار على ما هم عليه إشعار بقبول توبتهم {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي بسبب ذلك كما ينبىء عنه بناء الحكم على الموصول وجملة الموصول وخبره مسوق من قبله عز وجل على نهج الوعيد غير داخل تحت الخطاب وفي تكرير الإسناد بإثبات العذاب الأليم لهم ثم جعل الجملة خبراً ما لا يخفى من المبالغة وإيراده عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة مع الإضافة إلى الاسم الجليل لغاية التعظيم والتنبيه على أن أذيته عليه الصلاة والسلام راجعة إلى جنابه عز وجل موجبة لكمال السخط والغضب منه / سبحانه. وذكر بعضهم أن الإيذاء لا يختص بحال حياته صلى الله عليه وسلم بل يكون بعد وفاته صلى الله عليه وسلم أيضاً وعدوا من ذلك التكلم في أبويه صلى الله عليه وسلم بما لا يليق وكذا إيذاء أهل بيته رضي الله تعالى عنهم كإيذاء يزيد عليه ما يستحق لهم وليس بالبعيد.

ابن عاشور

تفسير : عطف ذكر فيه خلق آخر من أخلاق المنافقين: وهو تعلّلهم على ما يعاملهم به النبي والمسلمون من الحَذر، وما يطَّلعون عليه من فلتات نفاقهم، يزعمون أن ذلك إرجاف من المرجفين بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنّه يُصدّق القالَة فيهم، ويتّهمهم بما يبلغه عنهم ممّا هم منه برآء يعتذرون بذلك للمسلمين، وفيه زيادة في الأذى للرسول صلى الله عليه وسلم وإلقاء الشكّ في نفوس المسلمين في كمالات نبيئهم عليه الصلاة والسلام. والتعبير بالنبي إظهار في مقام الإضمار لأنّ قبله {أية : ومنهم من يلمزك في الصدقات}تفسير : [التوبة: 58] فكان مقتضى الظاهر أن يقال: «ومنهم الذين يؤذونك» فعُدل عن الإضمار إلى إظهار وصف النبي للإيذان بشناعة قولهم ولزيادة تنزيه النبي بالثناء عليه بوصف النبوة بحيث لا تحكى مقالتهم فيه إلاّ بعد تقديم ما يشير إلى تنزيهه والتعريض بجرمهم فيما قالوه. وهؤلاء فريق كانوا يقولون في حق النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤذيه إذا بلغه. وقد عُدّ من هؤلاء المنافقين، القائلين ذلك: الجُلاَسُ بن سُويد، قبل توبته، ونَبْتَل بن الحارث، وعتاب بن قشير، ووديعة بن ثابت. فمنهم من قال: إن كان ما يقول محمّد حقّاً فنحن شرّ من الحمير، وقال بعضهم: نقول فيه ما شئنا ثم نذهب إليه ونحلف له أنّا ما قلنا فيقبل قولنا. والأذَى: الإضرار الخفيف، وأكثر ما يطلق على الضرّ بالقول والدسائس، ومنه قوله تعالى: {أية : لن يضرّوكم إلا أذى} تفسير : وقد تقدّم في سورة آل عمران (111)، وعند قوله تعالى: {أية : وأوذوا حتى أتاهم نصرنا} تفسير : في سورة الأنعام (34). ومضمون جملة: ويقولون هو أذن} عطفُ خاصّ على عامّ، لأنّ قولهم ذلك هو من الأذى. والأذن الجارحة التي بها حاسّة السمع. ومعنى {هو أذن} الإخبار عنه بأنّه آلة سمع. والإخبار بــــ {هو أذن} من صيغ التشبيه البليغ، أي كالأذن في تلقّي المسموعات لا يردّ منها شيئاً، وهو كناية عن تصديقه بكلّ ما يسمع من دون تمييز بين المقبول والمردود. روي أنّ قائل هذا هو نَبْتَل ابن الحارث أحد المنافقين. وجملة: {قل أذن خير لكم} جملة {قل} مستأنفة استينافاً ابتدائياً، على طريقة المقاولة والمحاورة، لإبطال قولهم بقلب مقصدهم إغاظةً لهم، وكمداً لمقاصدهم، وهو من الأسلوب الحكيم الذي يَحمِل فيه المخاطَبُ كلامَ المتكلّم على غير ما يريده، تنبيهاً له على أنّه الأولى بأن يراد، وقد مضى عند قوله تعالى: {أية : يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج}تفسير : [البقرة: 189] ومنه ما جَرَى بين الحجّاج والقبعثرَى إذ قال له الحجاج متوعّدا إيّاه «لأحْمِلَنَّك على الأدهْم (أراد لألْزِمنَّك القَيْد لا تفارقه) فقال القبعثري: «مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب» فصرف مراده إلى أنّه أراد بالحمل معنى الركوب وإلى إرادة الفَرس الذي هو أدهم اللون من كلمة الأدهم. وهذا من غيرة الله على رسوله عليه الصلاة والسلام، ولذلك لم يعقّبه بالردّ والزجر، كما أعقب ما قبله من قوله: {أية : ومنهم من يقول ائذن لي}تفسير : [التوبة: 49]. إلى هنا بل أعقبه ببيان بطلانه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يبلغهم ما هو إبطال لزعمهم من أصله بصرف مقالتهم إلى معنى لائق بالرسول، حتّى لا يبقى للمحكي أثر، وهذا من لطائف القرآن. ومعنى {أذن خير} أنّه يسمع ما يبلغه عنكم ولا يؤاخذكم؛ ويسمع معاذيركم ويقبلها منكم، فقبولهُ ما يسمعه ينفعكم ولا يضرّكم فهذا أذن في الخبر، أي في سماعه والمعاملة به وليَس أذناً في الشر. وهذا الكلام إبطال لأن يكون {أذن} بالمعنى الذي أرادوه من الذم فإنّ الوصف بالأذن لا يختصّ بمن يقبل الكلام المفضي إلى شرّ بل هو أعمّ، فلذلك صحّ تخصيصه هنا بما فيه خير. وهذا إعمال في غير المراد منه. وهو ضرب من المجاز المرسل بعلاقة الإطلاق والتقييد في أحد الجانبين، فلا يُشكلْ عليك بأنّ وصف {أذن} إذا كان مقصوداً به الذّم كيف يضاف إلى الخير، لأنّ محلّ الذمّ في هذا الوصف هو قبول كلّ ما يسمع ممّا يترتّب عليه شرّ أو خير، بدون تمييز، لأنّ ذلك يوقع صاحبه في اضطراب أعماله ومعاملاته، فأمّا إذا كان صاحبه لا يقبل إلاّ الخير، ويرفض ما هو شرّ من القول، فقد صار الوصف نافعاً، لأنّ صاحبه التزم أن لا يقبل إلاّ الخير، وأن يحمل الناس عليه. هذا تحقيق معنى المقابلة، وتصحيح إضافة هذا الوصف إلى الخير، فأمّا حملهُ على غير هذا المعنى فيصيّره إلى أنّه من طريقة القول بالموجَب على وجه التنازل وإرخاء العنان، أي هو أذن كما قلتم وَقد انتفعتم بوصفه ذلك إذ قبل منكم معاذيركم وتبرُّؤكم ممّا يبلغه عنكم، وهذا ليس بالرشيق لأنّ ما كان خيراً لهم قد يكون شرّاً لغيرهم. وقرأ نافع وحده {أذْن} ــــ بسكون الذال فيهما ــــ وقرأ الباقون ــــ بضمّ الذال فيهما ــــ. وجملة {يؤمن بالله} تمهيد لقوله بعده {ويؤمن للمؤمنين} إذ هو المقصود من الجواب لتمحّضه للخير وبعده عن الشرّ بأنّه يؤمن بالله فهو يعامل الناس بما أمر الله به من المعاملة بالعفو، والصفح، والأمر بالمعروف، والإعراض عن الجاهلين، وبأنْ لا يؤاخذ أحد إلاّ ببيّنة، فالناس في أمن من جانبه فيما يبلُغ إليه لأنّه لا يعامل إلاّ بالوجه المعروف فكونه يؤمن بالله وازع له عن المؤاخذة بالظنّة والتهمة. والإيمان للمؤمنين تصديقهم في ما يخبرونه، يقال: آمن لفلان بمعنى صدَّقه، ولذلك عدّي باللام دون الباء كما في قوله تعالى: {أية : وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين}تفسير : [يوسف: 17] فتصديقه إيّاهم لأنّهم صادقون لا يكذبون، لأنّ الإيمان وازع لهم عن أن يخبروه الكذب، فكما أنّ الرسول لا يؤاخذ أحداً بخبر الكاذب فهو يعامل الناس بشهادة المؤمنين، فقوله: {ويؤمن للمؤمنين} ثناء عليه بذلك يتضمّن الأمر به، فهو ضدّ قوله: {أية : يا أيها الذين آمنو إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا}تفسير : [الحجرات: 6]. وعطف جملة {ورحمة} على جملتي {يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} لأن كونه رحمة للذين يؤمنون بعد علمه بنفاقهم أثرٌ لإغضائه عن إجرامهم ولإمهالهم حتّى يَتمكن من الإيمان مَن وفّقه الله للإيمان منهم، ولو آخذهم بحالهم دون مهل لكان من سَبْقِ السيفِ العذل، فالمراد من الإيمان في قوله: {آمنوا} الإيمان بالفعل، لا التظاهر بالإيمان، كما فَسّر به المفسّرون، يعنون بالمؤمنين المتظاهرين بالإيمان المبطنين للكفر، وهم المنافقون. وقرأ حمزة ــــ بجرّ ــــ {ورحمةٍ} عطفاً على خير، أي أذن رحمةٍ، والمآل واحد. وقد جاء ذكر هذه الخصلة مع الخصلتين الأخريَين على عادة القرآن في انتهاز فرصة الإرشاد إلى الخير، بالترغيب والترهيب، فرغَّبَهم في الإيمان ليكفِّروا عن سيّئاتهم الفارطة، ثم أعقب الترغيب بالترهيب من عواقب إيذاء الرسول بقوله: {والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم} وهو إنذار بعذاب الآخرة وعذاب الدنيا. وفي ذكر النبي بوصف {رسول الله} إيماء إلى استحقاق مُؤذيه العذاب الأليم، فهو من تعليق الحكم بالمشتقّ المؤذن بالعلية. وفي الموصول إيماء إلى أنّ علّة العذاب هي الإيذاء، فالعلةُ مركبة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة، بأن من يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم له العذاب الأليم. وذكر في "الأحزاب" أنه ملعون في الدنيا والآخرة، وأن له العذاب المهين، وذلك في قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً} تفسير : [الأحزاب: 57]. قوله تعالى: {أية : يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ} تفسير : إلى قوله: {أية : مَّا تَحْذَرُونَ} تفسير : [التوبة: 64]. صرح في هذه الآية الكريمة بأن المنافقين يحذرون أن ينزل الله سورة تفضحهم وتبين ما تنطوي عليه ضمائرهم من الخبث. ثم بين أنه مخرج ما كانوا يحذرونه، وذكر في موضع آخر أنه فاعل ذلك، وهو قوله تعالى: {أية : أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَانَهُمْ} تفسير : [محمد: 29] إلى قوله: {أية : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} تفسير : [محمد: 30]، وبين في موضع آخر شدة خوفهم، وهو قوله: {أية : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} تفسير : [المنافقون: 4].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 61- ومن الناس منافقون يتعمَّدون إيذاء النبى، وتناوله بما يكره، فيتهمونه بأنه محب لسماع كل ما يقال له من صدق وكذب، وأنه يخدع بما يسمع، فقل لهم - أيها الرسول -: إن من تتناولونه فى غيبته بهذه التهمة، ليس كما زعمتم، بل هو أذن خير لا يسمع إلا الصدق، ولا يخدع بالباطل، يصدق بالله ووحيه، ويصدق المؤمنين، لأن إيمانهم يمنعهم عن الكذب، وهو رحمة لكل من يؤمن منكم. وإن الله أعد لمن يؤذيه عذاباً مؤلماً دائماً شديداً. 62- يتخلفون عنكم فى قتال أعدائكم دون تردد، ثم يعتذرون عن تخلفهم كذباً، ويحلفون لكم لترضوا عنهم وتقبلوا معاذيرهم، والله والرسول أحق بحرصهم على رضائه إن كانوا مؤمنين حقاً. 63- ألم يعلم هؤلاء المنافقون أن مَن يكفر، أو يُحاد الله ورسوله جزاؤه العذاب الدائم فى نار جهنم، وذلك هو العار الفاضح، والذل الشديد. 64- المنافقون يستهزئون فيما بينهم بالرسول، ويخشون أن يفتضح أمرهم، فتنزل فيهم على النبى آيات من القرآن تظهر ما يخفون فى قلوبهم ويسرونه فيما بينهم، فقل لهم - أيها الرسول - استهزئوا ما شئتم، فإن الله مظهر ما تخشون ظهوره. 65- تأكد - أيها الرسول - أنك إن سألت المنافقين، بعد افتضاح أمرهم، عن سبب طعنهم فى الدين واستهزائهم بالله وآياته، اعتذروا بقولهم: كنا نخوض فى الحديث ونلهو، فقل لهم: كيف ساغ لكم أن تخوضوا أو تلهوا مستهزئين بالله وآياته ورسوله؟!

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يؤذون النبي: أي الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم، والأذى المكروه يصيب الإِنسان كثيراً أو يسيراً. هو أذن: أي يسمع من كل من يقول له ويحدثه وهذا من الأذى. قل أذن خير لكم: أي هو يسمع من كل من يقول له لا يتكبر ولكن لا يقر إلا الحق ولا يقبل إلا الخير والمعروف فهو أُذن خيرٍ لكم لا أُذن شر مثلكم أيها المنافقون. ويؤمن للمؤمنين: أي يصدق المؤمنين الصادقين من المهاجرين والأنصار أما غيرهم فإنه وإن يسمع منهم لا يصدقهم لأنهم كذبة فجرة. والله: أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه. من يُحادد الله ورسوله: أي يعاديهما، ويقف دائماً في حدّ وهما في حد فلا ولاء ولا موالاة أي لا محبة ولا نصرة. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في هتك أستار المنافقين وبيان فضائحهم قال تعالى: {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ} أي من المنافقين أفراد يؤذون النبي بالطعن فيه وعيبه بما هو براء منه، ويبين تعالى بعض ذلك الأذى فقال {وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} أي يسمع كل ما يقال له، وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يقر سماع الباطل أو الشر أو الفساد، وإنما يسمع ما كان خيراً ولو كان من منافق يكذب ويحسن القول. وأمر الله تعالى رسوله أن يرد عليهم بقوله {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} يسمع ما فيه خير لكم، ولا يسمع ما هو شر لكم. إنه لما كان لا يواجههم بسوء صنيعهم، وقبح أعمالهم حملهم هذا الجميل والإِحسان على أن قالوا: {هُوَ أُذُنٌ} طعناً فيه صلى الله عليه وسلم وعيباً له. وقوله تعالى {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} هذا من جملة ما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول للمنافقين رداً على باطلهم. أنه صلى الله عليه وسلم يؤمن بالله رباً وإلهاً، {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي بصدقهم فيما يقولون وهذا من خيريّته صلى الله عليه وسلم وقوله {وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ} أيضاً من خيريّته فهو صلى الله عليه وسلم رحمة لمن آمن به واتبع النور الذي جاء به فكمل عليه وسعد به في حياتيه. وقوله تعالى {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ} أي بأي نوع من الأذى قل أو كثر توعدهم الله تعالى بقوله {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وهو لا محالة نازل بهم وهم ذائقوه حتماً هذا ما دلت عليه الآية الأولى [61] أما الآية الثانية [62] فقد أخبر تعالى عن المنافقين أنهم يحلفون للمؤمنين بأنهم ما طعنوا في الرسول ولا قالوا فيه شيئاً يريدون بذلك إرضاء المؤمنين حتى لا يبطشوا بهم انتقاماً لكرامة نبيهم قال تعالى {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} أي فبدل أن يرضوا المؤمنين كان الواجب أن يرضوا الله تعالى بالتوبة إليه ويرضوا الرسول بالإِيمان ومتابعته إن كانوا كما يزعمون أنهم مؤمنون. وقوله في الآية الثالثة [63] {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي يشاقهما ويعاديهما فإن له جزاء عدائه ومحاربته نار جهنم خالداً فيها {ذٰلِكَ ٱلْخِزْيُ ٱلْعَظِيمُ} أي كونه في نار جهنم خالداً فيها لا يخرج منها هو الخزي العظيم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة أذية رسول الله بأي وجه من الوجوه. 2- كون النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للمؤمنين دعوة للإِيمان والإِسلام. 3- توعد الله تعالى من يؤذي رسوله بالعذاب الأليم دليل على كفر من يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم. 4- بيان كذب المنافقين وجبنهم حيث يحلفون للمؤمنين أنهم ما طعنوا في الرسول وقد طعنوا بالفعل، وإنما حلفهم الكاذب يدفعون به غضب المؤمنين والانتقام منهم. 5- وجوب طلب رضا الله تعالى بفعل محابه وترك مساخطه. 6- توعد من يحادد الله ورسوله بالعذاب الأليم.

القطان

تفسير : اذن: يسمع كل ما يقال ويصدقه. اذن خير: يسمع الصدق ولا يخدع بالباطل. يؤمن للمؤمنين: يصدقهم لما يعلم فيهم من الاخلاص والايمان الصادق. لا يزال الحديث في المنافقين ومداوراتهم، وما كانوا يفعلون من توجيه الأذى للنبي صلى الله عليه وسلم. وقد رودت عدة روايات في هذا الموضع عن ابن اسحاق وابن المنذر وغيرهم. من ذلك ان رجلا من المنافقين اسمُه: نبتل بن الحارث، كان يأتي الرسول الكريم فيجلس اليه فيسمع منه ثم ينقل حديثه الى المنافقين. وهو الذي قال لهم: إنما محمد أذُنٌ، مَنْ حدّثَه شيئا صَدّقه. وكذلك روي ان جماعة من المنافقين منهم جلاس بن سويد بن الصامت، ومخشي بن حِمْير، ووديعة بن ثابت - اجتمعوا فأرادوا ان يقعوا في النبي الكريم. فنهى بعضهم بعضا، وقالوا: نخاف ان يبلغ محمدا فيقع بكم. فقال بعضهم انما محمد أُذُنٌ نَحْلِفُ له فيصدّقنا.. فنزل قوله تعالى: {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. ومن المنافقين جماعة يتعمّدون إيذاء النبيّ، فيتّهمونه بأنه يسمعُ من كّلِ أحدٍ ما يقوله ويصدِّقه، وانه يُخْدع بما يَسْمَع، فقل لهم ايها الرسول: إن من تتناولونه بهذه التُّهمة ليس كما زعمتم، بل هو أُذُن خير لكم لا يَسْمع الا الصِدق، ولا يُخدع بالباطل، ويصدِّق بالله وبما يوحي اليه، ويصدِّق المؤمنين، لانه يعلم ان إيمانهم يمنعُهم من الكذب. وهو رحمةٌ للذين آمنوا منكم إيمانا صحيحا، اما الذين يؤذون الرسول بالقولِ او بالفعل فجزاؤهم العذاب الشديد. وقد صار هذا القول عن بعض المنافقين لأن النبي الكريم كان لا يواجهُهم بسوء، ويعاملهم بكل سماحة، ويهَشّ لم ويستقبلهم، فظنّوا أنه ينخدِع بهم، وتنطلي عليه حيلُهم ونفاقهم. قراءات: قرأ نافع: "أذن" باسكان الذال، والباقون "اذن" بضم الذال، وقرأ حمزة: "ورحمة" بالجر عطفا على "خير". والباقون: "رحمة"بالضم. {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ}. الخِطابُ للنبي والمؤمنين: يحلِفون لكم أنهم ما قالوا ما نُقل عنهم لترضوا عنهم وتقبلوا معاذيرهم، واللهُ والرسول أحقُّ بالحِرص على رضائهما، ان كانوا مؤمنين كما يدّعون. روى ابن المنذر عن قتادة قال: حديث : ذُكر لنا ان رجلاَ من المنافقين قال في شأن المتخلفين عن غزوة تبوك: والله إن هؤلاء لَخيارُنا وأشرافُنا، وإن كان ما يقول محمدٌ حقاً لهُم شَرُّ من الحُمُر. فسمعها رجل من المسلمين فقال: واللهِ ان ما يقول محمدٌ لحقّ، ولأنت شرُّ من الحمار. وجاء وأخبر النبيَّ بذلك، فأرسل الى الرجل فدعاه فقال له: ما حَمَلَكَ على الذين قلت؟ فجعل يلعن نفسَه ويحلِف بالله ما قال ذلك. وجعل الرجلُ المسلمُ يقول: اللهمَّ صدِّق الصادقَ، وكذِّب الكاذبَ. فأنزل الله {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} تفسير : الآية. {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذٰلِكَ ٱلْخِزْيُ ٱلْعَظِيمُ}. ألم يعلم هؤلاء المنافقون ان من يكفر باللهِ ويعادي اللهَ ورسولَه جزاؤه العذابُ الأليم في جهنم يوم القيامة، وأن ذلك هو الذلّ والهوان العظيم الذي يصغر دونه كل خِزي في الحياة الدنيا.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} (61) - وَمِنَ الْمُنَافِقِينَ قَوْمٌ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ بِالكَلاَمِ فِيهِ، وَيَقُولُونَ: هُوَ أُذُنٌ يَسْمَعُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَمَنْ قَالَ لَهُ شَيْئاً صَدَّقَهُ، وَمَنْ حَدَّثَهُ بِشَيْءٍ صَدَّقَهُ، فَإِذَا جِئْنَا وَحَدَّثْنَاهُ وَحَلَفْنَا لَهُ صَدَّقَنَا. فَقُلْ لَهُمْ: هُوَ أُذُنُ خَيْرٍ يَعْرِفُ الصَّادِقَ مِنَ الْكَاذِبِ، وَلاَ يَقْبَلُ مِمَّا يَسْمَعُ إِلاَّ مَا يَعُدُّه حَقّاً، وَفِيهِ مَصْلَحَةُ الْخَلْقِ، وَلَيْسَ هُوُ بِأُذُنٍ في سَمَاعِ الْبَاطِلِ وَالْكَذِبِ وَالنَّمِيمَةِ، إِنَّهُ يُؤْمِنُ بِاللهِ، وَيُصَدِّقُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَثِقُ بِدِينِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ، وَهُوَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الكَافِرِينَ. وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْعَمَلِ قَدْ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَاباً أليماً فِي الآخِرَةِ. هُوَ أُذُن - يَسْمَعُ كُلَّ مَا يُقَالُ لَهُ وَيُصَدِّقُهُ. أُذُنُ خَيْرٍ - يَسْمَعُ الخَيْرَ وَلاَ يَسْمَعُ الشَّرَّ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونعلم أن الإيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بعد النبوة، وكان بعض الكفار يقولون ما حكاه القرآن على ألسنتهم: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32]. وهذا دعاء مَنْ لا عقل له، ولو كانوا يعقلون لقالوا: إن كان هذا الحق من عندك فَاهْدنا يا رب إليه، أو اجعلنا نؤمن به. ولكنهم من فَرْط حقدهم وضلالهم، تمنَّوا العذاب على الإيمان بالحق. وهذا يكشف لنا تفاهة عقول الكفار. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ} والذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم هم السادة، وهم أصحاب النفوذ الذين يخافون أن يذهب منهج هذا النبي بنفوذهم؛ وثرواتهم؛ وما أخذوه ظلماً من الضعفاء. والضعفاء - كما نعلم - هم أول من دخل إلى دين الإسلام؛ لأنهم أحسوا أن هذا الدين يحميهم من بطش الأغنياء واستغلالهم ونفوذهم. وشاء الحق أن يبدل خوف الضعفاء قوة وأمناً، وشاء سبحانه أن يضم إلى الإيمان عدداً من الأغنياء؛ ومن رجال القمة مثل: أبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين، حتى لا يقول أقوياء قريش مثلما قال قوم نوح لنبيهم: {أية : وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا...} تفسير : [هود: 27]. وهكذا كان الإيذاء له صلى الله عليه وسلم بعد الرسالة، أما قبل الرسالة فكان في نظر الجميع هو: الأمين والصادق والمؤتمن. ومن العجيب أنهم، بعد أن نزل الوحي، كانوا لا يستأمنون أحداً مثلما يستأمنون محمداً صلى الله عليه وسلم. فإذا كان هناك شيء ثمين عند الكافرين المعارضين، ذهبوا إلى رسول الله ليحفظوا هذه الأشياء الثمينة عنده. وهذا التناقض لا يفسره إلا وثوقهم في أخلاقه صلى الله عليه وسلم. ورغم ذلك كانوا في غيظ وكَمَدٍ؛ لأن القرآن قد نزل عليه. والحق هو القائل ما جاء على ألسنتهم: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. وهم بذلك قد اعترفوا بألسنتهم بعظمة القرآن، بعد أن اعترفوا بسلوكهم بأمانة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنهم اعترضوا على اختيار الحق سبحانه له، وتمنوا لو كان هذا القرآن قد نزل على أحدهم عظمائهم. ورد الحق سبحانه عليهم: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا...} تفسير : [الزخرف: 32]. وفي هذا دعوة لأن يتأدبوا مع الله سبحانه، فهو لم يوكلهم في اختيار من ينزل عليه رحمته، ورسالته، ولكنه سبحانه هو الذي يختار. وهو الذي قسم بين العباد معيشتهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وإذا كان لأحد نعمة من مال أو جاه أو مجد، أو غير ذلك، فهذا ليس من قدرات البشر أو من ذواتهم، ولكنه نعمة من الله. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ} إذن: فالإيذاء سببه أنه صلى الله عليه وسلم جاء بدعوة الخير، ولا يجيء رسول بدعوة الخير إلا إذا كان الشر قد عم المجتمع. وحين يعم الشر في المجتمع فهناك مستفيدون منه، فإذا أتى رسول الله بالخير أسرع جنود الشر ليؤذوا صاحب رسالة الخير، إذن: فمن الطبيعي أن يكون للنبي أعداء. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً...} تفسير : [الأنعام: 112]. بل إن كل من يحمل من العلماء رسالة رسول الله ليبلغها إلى الأجيال التالية، إن لم يكن له أعداء، أنقض ذلك من حظه في ميراث النبوة، وكل من له أعداء ويقوم بهداية الناس إلى منهج الله، نقول له: لا تنزعج، واطمئن؛ لأن معنى وجود من يعاديك، أن فيك أثراً من آثار النبوة. وتمثَّل إيذاء المنافقين له صلى الله عليه وسلم في عدة صور؛ منها قولهم: {وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ}. وللإنسان - كما نعلم - وسائل إدراك متعددة: فالأذن وسيلة إدراك، والعين وسيلة إدراك، والجوارح كلها وسائل إدراك. وكل إنسان له ملكات متعددة، منها ملكات إدراكية وملكات نفسية، والملكات الإدراكية هي التي يدرك بها الأشياء مثل: السمع والبصر والشم والذوق. أما الملكات النفسية فهذه يوصف بها الناس. وعلى سبيل المثال: نحن نسمي الجاسوس عيناً؛ لأنه يتجسس وينقل ما يراه إلى غيره. ونسمي الرجل الذي يسمع كل حدث "أُذُن"، ونسمي اللص الذي يتعدَّى على ماله غيره صاحب اليد الطويلة وهكذا. إذن: كل جارحة لها حاسة، والنظر والسمع والشم واللمس والذوق كلها من وسائل الإدراك الحسية التي تتكون منها الخمائر المعنوية، ثم تصبح عقائد، فوسائل الإدراك هذه تتلقى من العالم الحسي ما يعطيه لها من معلومات، وتخزنها لتتصرف بعد ذلك على أساسها، وتكون في مجموعها هي ما يعلمه الإنسان؛ ولذلك نجد الحق سبحانه يمتنُّ على خَلقه، فيقول: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [النحل: 78]. والشكر لا يكون إلا على النعمة، فكأن وسائل الإدراك هذه مما تسمعه أو تراه ببصرك، أو تدركه بفؤادك هي من نعم الله التي يجب أن نشكره عليها؛ لأنها أعطتنا العلم الحسي بعد أن كنا لا نعلم شيئاً. وإذا أطلقَ على الإنسان اسم جارحة من جوارحه، فاعلم أن هذه الجارحة هي العمدة فيه، فكأن قول المنافقين وصفاً للرسول {هُوَ أُذُنٌ} هو سَبٌّ للرسول، وكان الواحد منهم يقول: احذروا أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكشف نفاقهم ويؤذيكم؛ لأن محمداً عليه الصلاة والسلام في رأيهم يُصدِّق كل شيء. أرادوا أن يتهموه صلى الله عليه وسلم أنه لا يمحص القول الذي يُنقل إليه ويصدق كل ما يقال له، كما نقول نحن في العامية "فلان وِدَني" أي: يعطي أذنه لكل ما يقال له. فيرد عليهم الله: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ}؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يستمع لمنهج السماء ويبلغه للبشر ليهدي أهل الأرض، إذن: فهو خير للناس كلهم. وحتى إذا أخذنا كلامهم في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصدقهم إن كذبوا عليه، فهذا خير لهم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يؤذيهم، وهو صلى الله عليه وسلم {أُذُنُ خَيْرٍ} لأنه لا يسمع إلا من الله بالوحي. ولذلك قلنا: إن الحكمة من أمية رسول الله عليه الصلاة والسلام، أنه لم يستمع من مُسَاو له، وإنما كان علمه من الله. فإذا كانت الأمية فينا نحن نقيصة؛ فإنها الكمال كله في حق رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لم يأخذ إلا من خالقه، وهو أذن خير؛ لأنه الأذن التي استمعت إلى آخر إرسال ينزل من السماء لهداية الأرض. فإذا كان المنافقون قد قالوا: {هُوَ أُذُنٌ} فقد قال سبحانه: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ}، وهو خير يعود نفعه على البشرية كلها، ولكن ليس بالمعنى الذي تعيبونه عليه، فهو قد يسمع إساءاتكم، ثم يسمع اعتذاركم فلا يؤذيكم ويعفو عنكم. وما دام هذا هو سلوك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلماذا تؤذونه وترهقونه؟ وفي اللغة ما يسمونه "القول بالموجب"، فإن قال لك واحد شيئاً تصدقه وتقول له: نعم، ولكن قد تأخذها على مَحْمَل آخر، فإن كان هناك إنسان يُكثِر الزيارة لإنسان ويقول له: أنا أثقلتُ عليك، ويرد عليه: أنت أثقلتَ كَاهلي بأياديك، أي أن أفضالك عليَّ كثيرة. وإن قال لك واحد: "أنا طولت عليك"، يرد عليه صديقه: لا، أنت تطولت عليَّ، أي: أعطيتني نعمة بأنك أسعدتني بمجلسك. إذن: فهو قد وافقه على ما قال، ولكنه رد عليه بعكس ما قال. وهم قد عابوا على الرسول أنه أذن، فكأن أذنه تتحكم في كل تصرفاته، وإن سمع شيئاً تأثر به. وإن سمع شيئاً ينغصه ينقلب موقفه من النقيض إلى النقيض. وحاولوا أن يدَّعوا عليه أنه يصدق كل ما يسمعه ولا يحتاط تجاه من يبلغه، وقالوا: إنه صلى الله عليه وسلم {أُذُنٌ}، وردَّ الحق سبحانه {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ} وبطبيعة الحال لم يكن قول الحق موافقاً لما قالوه؛ لأن "أُذُن" عندهم غير {أُذُن} التي أقرها الله سبحانه وتعالى. وقد يقول بعض السطحيين: إن المنافقين قالوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {هُوَ أُذُنٌ} وهم يقصدون بذلك أنه يسمع ويصدق كل ما يقال له، وليس له حكمة التمحيص والاختيار. لكن لنلتفت إلى أن الحق قد قال: {أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ}؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسمع إلا من الله، وما يسمعه من الله أطاعه وطبَّقه، وما سمعه من الناس؛ عرضه على منهج الله؛ فإن وافق المنهج نفذه، وإن تعارض مع المنهج رفضه. إذن: فهو أذن للخير لا يسمع إلا من الله، ولا يأتي من رسالته إلا الخير لمن اتبعه. ولكن لماذا لم يقل الحق سبحانه وتعالى: أذن خير للمؤمنين، وقال: {أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ}؟؛ لأن خيرية رسول الله قد شملت الجميع، وتعدَّتْ المؤمنين إلى المنافقين وإلى الكفار. فكان رسول الله صلى الله عليه لا يفضح منافقاً، إلا إذا فضح الله المنافق بقرآن نزل من السماء. وعلى سبيل المثال: كان المنافقون يأتون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعتذرون عن الجهاد في سبيل الله؛ ويطلبون الإذن بالقعود. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم الإذن. وحين كان المنافقون يأتون إلى الرسول الكريم ويحلفون له كذباً، كان يصدقهم، أو على الأرجح لا يفضح كذبهم أمام الناس. إذن: فالخيرية فيه عليه الصلاة والسلام شملت المنافقين؛ لأن خُلُقَه الكريم أبى أن يفضحهم أمام الناس. أما الكفار فد شملتهم الخيرية أيضاً؛ لأن دعوته لهم إلى الإسلام، وإصراره صلى الله عليه وسلم على هذه الدعوة، جعل عدداً من الكفار يسلم ويؤمن، وأصابهم خير عميم من اهتدائهم لدين الحق. إذن: فقول الحق سبحانه وتعالى: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} أي: للبشرية كلها. وهكذا فرق الحق سبحانه وتعالى بين ما يريدونه، وما يقصده الله جل جلاله. هم قصدوا وصف الرسول أنه أذن سَمَّاعة. والله يقول: إنها أذن خير؛ وهذا ما يسمونه في اللغة - كما قلنا -: "بالقول الموجب"، أي: أن تتفق مع خصمك فيما قاله، إلا أنك تحول ما قاله من الشر إلى الخير. والمثال أيضاً فيما يقوله الحق سبحانه وتعالى على ألسنة المنافقين حين قالوا: {أية : لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ...} تفسير : [المنافقون: 8]. كانوا يقصدون أنهم هم الأعز، أما الأذل فهم المؤمنون. ووافقهم الحق سبحانه وتعالى على ما قالوا؛ نعم سيُخرِج منها الأعزُّ الأذلَّ. ولكنه أراد أن يبين لهم من هو العزيز ومن هو الذليل؛ فقال: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ...} تفسير : [المنافقون: 8]. فكأن الحق سبحانه وتعالى يؤكد لهم أن الأعز سيُخرج الأذل، ولكنهم يحسبون أنفسهم هم الأعزاء؛ فيقول لهم: {وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}. هذا ما يسمونه بالقول الموجب، أي: أن تتفق مع من يقول، ويقصد أن يوجه كلامه وجهة الشر؛ فتقلب المقصود من الكلام وتوجهه وجهة الخير. وهذا مقصود به هنا أن تزيد من ذلة المخاطب، فأنت تجعله يعتقد أنك توافقه، فتنفرج أساريره ويشعر بالسعادة؛ ثم بعد ذلك تنقض ما قاله؛ فيصاب بالذل. تماماً كما يأتي الحارس لسجين يشعر بظمأ شديد ويُلِحُّ في طلب كوب ماء. فيقول له الحارس: سأحضر لك كوب الماء. وفعلاً يحضر الكوب مليئاً بالماء المثلج، ويفرح السجين ويظن أنه سينال ما يريده، ولكن ما إن يقرب الحارس الكوب من فم السجين، حتى يفرغه على الأرض، فيكون تعذيبه أكبر مما لو رفض منذ البداية إحضار كوب الماء. وهكذا شاء الحق سبحانه وتعالى أن يزيد ذلة المنافقين، فوافقهم على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أُذُن" ثم جاء بنقيض ما كانوا يقصدونه فقال: {أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ} وما دام صلى الله عليه وسلم يؤمن بالله فهو يأخذ منهجه من الله سبحانه وتعالى، ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم. إذن: فهناك ثلاثة أدلة على خيرية رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه يؤمن بالله وينفذ منهجه. ثم يؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا. ونلاحظ أن هناك اختلافاً بين قوله تعالى: {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} وبين قوله عز وجل: {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ}. فبالنسبة للإيمان بالله جاء بالباء في قوله: {بِٱللَّهِ} وبالنسبة للمؤمنين جاء باللام في قوله: {لِلْمُؤْمِنِينَ}. بعض الناس يقولون: إن هذه مترادفات؛ لأن معنى {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} أي: يصدق بوجوده. والمنافقون كفرة بالله، {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} معناها أنه صلى الله عليه وسلم يصدق المؤمنين. أما المنافقون فهو صلى الله عليه وسلم يعرف أنهم كاذبون فلا يصدقهم. ولكنه لا يفضحهم أمام المؤمنين؛ حتى لا يقطع عليهم خط الرجعة إن كانوا ينوون الإيمان فعلاً. ولو فضحهم صلى الله عليه وسلم أمام المؤمنين لضاعت هيبتهم تماماً. وإن فكر أحدهم في ترك النفاق إلى الإيمان، لوجد صعوبة شديدة في ذلك؛ لأن أحداً لن يصدقه. ولكن أراد صلى الله عليه وسلم أن يسترهم أمام المؤمنين؛ فجعل باب الإيمان مفتوحاً على مصراعيه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إنما جاء رحمة للعالمين، ولذلك فهو يحرص على أن يبقى باب التوبة وباب الإيمان أمامهم مفتوحاً دائماً مع حفظ كرامتهم. قول الحق سبحانه وتعالى: {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي: يصدقهم، وكلمة الإيمان بالنسبة للناس جاءت في آيات كثيرة، منها قوله تعالى حين أعلن السحرة إيمانهم برب موسى وسجدوا؛ قال لهم فرعون: {أية : آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ...} تفسير : [طه: 71]. ومعنى {آمَنتُمْ لَهُ} أي: صدَّقتموه، ولكن ما هو الفرق بين الباء واللام؟ أنت حين تقول: آمنا بالله. فأنت تعلن أنك قد آمنت بالذات بكل صفات الكمال فيها، وحين تقول: آمنت للمؤمنين فيما قالوه، أي صدقتهم لأنهم مؤمنون. ومادة "آمن" تدور كلها حول الأمن والطمأنينة، ولكنها تأتي مرة لازمة ومرة متعدية. مثلما تقول: "آمنت الطريق" أي: اطمأننت إلى أنه لن يصيبني فيه شر. ومنها قول يعقوب عليه السلام لبنيه: {أية : قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ...} تفسير : [يوسف: 64]. أي: أن السابقة هنا أنه آمنهم على يوسف فلم يرعوا الأمانة، فصار لا يأمنهم على أخي يوسف، وهذه آمن اللازمة. أما المتعدية فهي التي يتعدد فيها الأمن، مثل قوله تعالى: {أية : وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ...} تفسير : [قريش: 4]. والخوف متعدد في أشكاله، فهناك مثلاً خوف من الظلام، وخوف من العدو، وخوف من مخاطر الطريق، إذن: فالأمن هنا شمل أشياء متعددة وقد أدخلهم الحق سبحانه في الأمان والطمأنينة من أشياء متعددة. وقوله تعالى: {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} هو إيمان بالذات، وإيمان بالصفات، وإيمان بالمنهج، وإيمات يسع أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها، فكأن الإيمان هنا قد تعددت جوانبه. أما الإيمان للمؤمنين فهو تصديق لهم وهذا هو الخير الثاني. وقوله سبحانه {وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ}؛ لأنه صلى الله عليه وسلم شفيع لهم يوم القيامة، وقال: "أمتي أمتي". وهو رحمة لهم في الدنيا؛ لأنه يقودهم إلى الخير الذي يقودهم إلى سعادة الدنيا ثم إلى جنة الآخرة، ويبعدهم عن الشر والنار؛ فهو صلى الله عليه وسلم رحمة تدفع الضرر وتأتي بالخير، والرحمة إنما تأتي باتقاء الضرر. والله سبحانه وتعالى يقول: {أية : شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ...} تفسير : [الإسراء: 82]. الشفاء يعني أن يكون هناك مرض ويشفى الإنسان منه، والرحمة ألا يأتي المرض، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر بمنهج إذا اتبعه الناس وآمنوا به؛ كان لهم وقاية فلا يصيبهم شر في الدنيا ولا نار في الآخرة. ويتساءل بعض الناس: لقد قال الحق سبحانه وتعالى: {وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ} والمنافقون قد آمنوا بألسنتهم فقط فما موقفهم؟ نقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه رحمة فقد احترم كلمة اللسان وصدقهم أمام الناس، أما الحق سبحانه فينزلهم في جهنم. ثم يقول سبحانه وتعالى: {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. وإيذاء المنافقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن بالمواجهة؛ لأنهم أعلنوا كلمة الإيمان، وكان الإيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين في قلوبهم وفيما بينهم في مجالسهم، ولذلك لم يكن الإيذاء منهم مباشرة قط، ولكن الآيات بينت أنواع الإيذاء بأنهم يلمزون في الصدقات، ويقولون: إنه أُذُنُ، ويحلفون له كذباً ليضللوه، إلى آخر ما كانوا يفعلون. ثم يأتي الحق بصورة أخرى من صور المنافقين فيقول سبحانه: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {هُوَ أُذُنٌ} [الآية: 61] يقولون: سنقول ما شئنا، ثم نحلف له فيصدقنا. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم} يقول: كانوا يقولون القول بينهم، ثم يقولون: عسى الله أَلا يفشي هذا علينا. يقول الله، عز وجل: {قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ} [الآية: 64]. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} [الآية: 65] قال: قال رجل من المنافقين: يحدثنا محمد أَن ناقة فلان بوادي كذا وكذا، في يوم كذا وكذا. وما يدريه ما الغيب؟ أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} [الآية: 67]. قال: لا يبسطونها بالنفقة في حق.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لا تزال الآيات الكريمة تتحدث عن المنافقين توضيحاً لخطرهم، وتحذيراً للمؤمنين من مكائدهم، وفي هذه الآيات ذكر تعالى نوعاً آخر من قبائحهم، وهو إِيذاؤهم للرسول صلى الله عليه وسلم، وإِقدامهم على الأيمان الكاذبة، واستهزاؤهم بآيات الله وشريعته المطهرة، إِلى غير ما هنالك من الأعمال المنكرة، والأفعال الخبيثة. اللغَة: {أُذُنٌ} قال الجوهري: يقال رجل أذن إِذا كان يسمع مقال كل أحد، يستوي فيه الواحد والجمع وقال الزمخشري: الأذن: الرجل الذي يصدق كل ما يسمع، ويقبل قول كل أحد، سمي بالجارحة التي هي آلة السماع. قال الشاعر: شعر : قد صرت أذناً للوشاة سميعة ينالون من عرضي ولو شئت ما نالوا تفسير : {يُحَادِدِ} المحادة: المخالفة والمعاداة كالمشاقة وهي أن يكون كل واحد من المتخاصمين في حد وشق غير ما عليه صاحبه {بِخَلاقِهِمْ} الخلاق: النصيب كقوله {أية : وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} تفسير : [البقرة: 200] وقد تقدم {وَخُضْتُمْ} الخوض: الدخول في اللهو والباطل وهو مستعار من الخوض في الماء {حَبِطَتْ} بطلت وذهب ثوابها {وَٱلْمُؤْتَفِكَاتِ} الائتفاك: الانقلاب ويراد بهم قوم لوط لأن أرضهم ائتكفت بهم أي انقلبت، وقيل هو مجاز عن انقلاب حالها من الخير إلى الشر كقول ابن الرومي: شعر : وما الخسف أن تلقى أسافل بلدة أعاليها بل أن تسود الأراذل تفسير : سَبَبُ النّزول: أ - كان جماعة من المنافقين يؤذون رسول الله ويقولون فيه ما لا ينبغي، فقال بعضهم: لا تفعلوا فإِنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فيقع بنا، فقال "الجلاس بن سويد": نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول فإِنما محمد أذن سامعة فأنزل الله {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ..}. ب - قال مجاهد: كان المنافقون يعيبون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بينهم ثم يقولون عسى الله أن لا يفشي سرنا فأنزل الله {يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم..} الآية. التفسِير: {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ} أي ومن المنافقين أناس يؤذون الرسول بأقوالهم وأفعالهم {وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} أي يصدّق بكل خبرٍ يسمعه {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} أي هو أذن خير لا أذن شر، يسمع الخير فيعمل به، ولا يعمل بالشر إِذا سمعه {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي يصدِّق الله فيما يقول، ويصدِّق المؤمنين فيما يخبرونه به لعلمه بإِخلاصهم {وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ} أي وهو رحمة للمؤمنين لأنه كان سبب إِيمانهم {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي والذين يعيبون الرسول ويقولون ما لا يليق بجنابه الشريف لهم عذاب موجع في الآخرة {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} أي يحلفون لكم أنهم ما قالوا شيئاً فيه انتقاص للرسول ليرضوكم بتلك الأيمان {وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} أي والحال أنه تعالى ورسوله أحق بالإِرضاء، ولا يكون ذلك إِلا بالطاعة، والمتابعة، وتعظيم أمره عليه السلام {إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} أي إِن كانوا حقاً مؤمنين فليرضوا الله ورسوله {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي ألم يعلم هؤلاء المنافقون أنه من يعادي ويخالف الله والرسول، والاستفهام للتوبيخ {فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا} أي فقد حق دخوله جهنم وخلوده فيها {ذٰلِكَ ٱلْخِزْيُ ٱلْعَظِيمُ}. أي ذلك هو الذل العظيم، والشقاء الكبير، المقرون بالفضيحة حيث يفتضحون على رءوس الأشهاد {يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم} أي يخشى المنافقون أن تنزل فيهم سورة تكشف عما في قلوبهم من النفاق {قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ} أي استهزئوا بدين الله كما تشتهون وهو أمر للتهديد كقوله {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} تفسير : [فصلت: 40] {إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ} أي مظهر ما تخفونه وتحذرون ظهوره من النفاق، قال الزمخشري: كانوا يستهزئون بالإِسلام ويحذرون أن يفضحهم الله بالوحي، حتى قال بعضهم: والله لا أرانا إِلا شر خلق الله، ولوددت أني جلدت مائة جلدة ولا ينزل فينا شيء يفضحنا {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المنافقين عما قالوا من الباطل والكذب، في حقك وفي حق الإِسلام، ليقولون لك ما كنا جادين، وإِنما كنا نمزح ونلعب للترويح عن النفس قال الطبري: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في غزوته إِلى تبوك وبين يديه ناس من المنافقين، فقالوا: انظروا إِلى هذا الرجل يريد أن يفتتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات!! فأطلع الله نبيه فأتاهم فقال: قلتم كذا وكذا فقالوا يا نبي الله: إِنما كنا نخوض ونلعب فنزلت {قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ} أي قل لهؤلاء المنافقين: أتستهزئون بدين الله وشرعه، وكتابه ورسوله؟ والاستفهام للتوبيخ، ثم كشف تعالى أمرهم وفضح حالهم فقال {لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} أي لا تعتذروا بتلك الأيمان الكاذبة فإِنها لا تنفعكم بعد ظهور أمركم، فقد أظهرتم الكفر بإِيذاء الرسول بعد إِظهاركم الإِيمان {إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ} أي إِن نعف عن فريقٍ منكم لتوبتهم وإِخلاصهم {نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} أي نعذب فريقاً آخر لأنهم أصروا على النفاق والإِجرام {ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ} أي المنافقون والمنافقات صنف واحد، وهم متشابهون في النفاق والبعد عن الإِيمان، كتشابه أجزاء الشيء الواحد قال في الكشاف: وأريد بقوله {بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ} نفي أن يكونوا من المؤمنين، وتكذيبهم في قولهم {أية : وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ} تفسير : [التوبة: 56] ثم وصفهم بما يدل على مخالفة حالهم لحال المؤمنين فقال {يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ} أي يأمرون بالكفر والمعاصي وينهون عن الإِيمان والطاعة {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} أي يمسكون أيديهم عن الانفاق في سبيل الله {نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} أي تركوا طاعته فتركهم من رحمته وفضله وجعلهم كالمنسيين {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} أي الكاملون في التمرد والعصيان، والخروج عن طاعة الرحمن، وكفى به زجراً لأهل النفاق {وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ} أي وعد الله المنافقين والمتجاهرين بالكفر بإِصلائهم في نار جهنم {خَالِدِينَ فِيهَا} أي ماكثين فيها أبداً {هِيَ حَسْبُهُمْ} أي هي كفايتهم في العذاب، إِذ ليس هناك عذاب يعادلها {وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} أي أبعدهم من رحمته وأهانهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} أي دائم لا ينقطع {كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أي حالكم يا معشر المنافقين كحال من سبقكم من المكذبين، وفيه التفات من الغيبة إِلى الخطاب {كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً} أي كانوا أقوى منكم أجساماً وأشد بطشاً {وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً} أي وكانوا أوفر أموالاً، وأكثر أولاداً، ومع ذلك أهلكهم الله فاحذروا أن يحل بكم ما حل بهم {فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ} أي تمتعوا بنصيبهم وحظهم من ملاذ الدنيا {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ} أي استمتعتم بملاذ الدنيا وشهواتها كما استمتع أولئك الذين سبقوكم بنصيبهم منها {وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ} أي وخضتم في الباطل والضلال كما خاضوا هم فيه قال الطبري: المعنى سلكتم أيها المنافقون سبيلهم في الاستمتاع بالدنيا كما استمتع الأمم الذين كانوا من قبلكم، وخضتم في الكذب والباطل على الله كخوض تلك الأمم قبلكم، فاحذروا أن يحل بكم من عقوبة الله مثل الذي حل بهم {أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدنْيَا وَٱلآخِرَةِ} أي أولئك الموصوفون بما ذكر من قبيح الفعال ذهبت أعمالهم باطلاً فلا ثواب لها إِلا النار {وَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} أي وأولئك هما الكاملون في الخسران {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي ألم يأت هؤلاء المنافقين خبر الأمم السابقين حين عصوا الرسل ماذا حلَّ بهم من العقوبة؟ {قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ} أي قوم نوح الذين أهلكوا بالطوفان وقوم هود "عاد" الذين أهلكوا بالريح، وقوم صالح "ثمود" الذين أهلكوا بالصيحة {وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ} الذين أهلكوا بسلب النعمة {وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ} قوم شعيب الذين أهلكوا بعذاب يوم الظلة {وَٱلْمُؤْتَفِكَاتِ} قرى قوم لوط الذين انقلبت بهم فصار عاليها سافلها، وأمطروا حجارة من سجيل {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي جاءتهم رسلهم بالمعجزات فكذبوهم {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} أي فما أهلكهم الله ظلماً إِنما أهلكهم بإِجرامهم {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي ولكن ظلموا أنفسهم بالكفر وارتكاب المعاصي، أفأمن هؤلاء المنافقون أن يُسلك بهم في الانتقام سبيل أسلافهم المكذبين من أهل الإِجرام؟ ولما ذكر تعالى صفات المنافقين الذميمة أعقبها بذكر صفات المؤمنين الحميدة فقال {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} أي هم إِخوة في الدين يتناصرون ويتعاضدون {يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} أي يأمرون الناس بكل خيرٍ وجميلٍ يرضي الله، وينهونهم عن كل قبيح يسخط الله، فهم على عكس المنافقين الذين يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} أي يؤدونها على الوجه الكامل {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} أي يُعطونها إلى مستحقيها ابتغاء وجه الله {وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي في كل أمر ونهي {أُوْلَـٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ} أي سيدخلهم في رحمته، ويفيض عليهم جلائل نعمته {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} أي غالب لا يُغلب من أطاعه ويذل من عصاه {حَكِيمٌ} أي يضع كل شيء في موضعه على أساس الحكمة، في النعمة والنقمة {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي وعدهم على إِيمانهم بجنات وارفة الظلال، تجري من تحت أشجارها الأنهار {خَالِدِينَ فِيهَا} أي لابثين فيها أبداً، لا يزول عنهم نعيمها ولا يبيد {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} أي ومنازل يطيب فيها العيش في جنات الخلد والاقامة قال الحسن: هي قصور من اللؤلؤ والياقوت الأحمر والزبرجد {وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} أي وشيء من رضوان الله أكبر من ذلك كله، وفي الحديث يقول الله تعالى لأهل الجنة: "حديث : يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تُعط أحداً من خلقك! فيقول: أعطيكم أفضل من ذلك فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أُحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً" تفسير : {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي ذلك هو الظفر العظيم الذي لا سعادة بعده {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} قال ابن عباس: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} أي اشدد عليهم بالجهاد والقتال والارعاب {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} أي مسكنهم ومثواهم جهنم {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي بئس المكان الذي يصار إليه جهنم {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ} أي يحلف المنافقون أنهم ما قالوا الذي بلغك عنهم من السب قال قتادة: نزلت في عبد الله بن أُبي، وذلك أنه اقتتل رجلان: جهني وانصاري، فعلا الجهني على الأنصاري، فقال ابن سلول للأنصار: ألا تنصرون أخاكم؟ والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل "سمن كلبك يأكلك" فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه يسأله فجعل يحلف بالله ما قاله فأنزل الله فيه هذه الآية {وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ} هي قول ابن سلول "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل" {وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ} أي أظهروا الكفر بعد إظهار الإِسلام {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ} قال ابن كثير: هم نفر من المنافقين همّوا بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم عند عودته من تبوك وكانوا بضعة عشر رجلاً {وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ} أي ما عابوا على الرسول وما له عندهم ذنب إلا أن الله أغناهم ببركته، ويُمن سعادته، وهذه الصيغة تقال حيث لا ذنب.. ثم دعاهم تبارك وتعالى إلى التوبة فقال {فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ} أي فإِن يتوبوا عن النفاق يكن رجوعهم وتوبتهم خيراً لهم وأفضل {وَإِن يَتَوَلَّوْا} أي يعرضوا ويصروا على النفاق {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً} أي يعذبهم عذاباً شديداً {فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} أي في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالنار وسخط الجبار {وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} أي ليس لهم من ينقذهم من العذاب، أو يشفع لهم فيخلصهم وينجيهم يوم الحساب. البَلاَغَة: 1- {هُوَ أُذُنٌ} أصله هو كالأذن يسمع كل ما يقال له، فحذف منه أداة التشبيه ووجه الشبه فصار تشبيهاً بليغاً مثل زيد أسد. 2- {يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ} أبرز اسم الرسول ولم يأت به ضميراً {يُؤْذُونَه} تعظيماً لشأنه عليه السلام وجمعاً له بين الرتبتين العظيمتين "النبوة والرسالة" وإِضافته إِليه زيادة في التكريم والتشريف. 3- {ذٰلِكَ ٱلْخِزْيُ ٱلْعَظِيمُ} الإِشارة بالبعيد عن القريب للإيذان ببعد درجته في الهول والفظاعة. 4- {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} قبض اليد كناية عن الشح والبخل، كما أن بسطها كناية عن الجود والكرم. 5- {نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} من باب المشاكلة لأن الله لا ينسى أي تركوا طاعته فتركهم تعالى من رحمته. 6- {كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} إِلتفات من الغيبة إِلى الخطاب لزيادة التقريع والعتاب. 7- {فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ..} الآية فيه إِطناب والغرض منه الذم والتوبيخ لاشتغالهم بالمتاع الخسيس، عن الشيء النفيس. 8- {وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ..} في الآية تأكيد المدح بما يشبه الذم على حد قول القائل "ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم" البيت. فَائِدَة: روى ابن كثير عن علي كرم الله وجهه قال: بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة أسياف: سيف للمشركين {أية : فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [التوبة: 5] وسيف لأهل الكتاب {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ..} تفسير : [التوبة: 29] وسيفٍ للمنافقين {جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} وسيف للبغاة {أية : فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الحجرات: 9]. لطيفَة: قال الإِمام الفخر: لما وصف تعالى المؤمنين بكون بعضهم أولياء بعض، ذكر بعده خمسة أمور بها يتميز المؤمن، عن المنافق، فالمنافق يأمر بالمنكر، وينهى عن المعروف، ولا يقوم إِلى الصلاة إِلا بكسل، ويبخل بالزكاة وسائر الواجبات، وإِذا أُمر بالمسارعة إِلى الجهاد فإِنه يتخلف ويثبط غيره، والمؤمن بالضد منه فإِنه يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويؤدي الصلاة على الوجه الأكمل، ويؤتي الزكاة، ويسارع إِلى طاعة الله ورسوله، ولهذا قابل تعالى بين صفات المؤمنين، وصفات المنافقين بقوله {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} كما قابل في الجزاء بين نار جهنم والجنة فكانت مقابلة لطيفة.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} معناه يَسمعُ مَا يُقالُ لَهُ بِقَلبِهِ. تفسير : وقوله تعالى: {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} معناهُ يُصدِّقُ للمؤمنينَ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ومن هؤلاء المنافقين { الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ } بالأقوال الردية، والعيب له ولدينه، { وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ } أي: لا يبالون بما يقولون من الأذية للنبي، ويقولون: إذا بلغه عنا بعض ذلك، جئنا نعتذر إليه، فيقبل منا، لأنه أذن، أي: يقبل كل ما يقال له، لا يميز بين صادق وكاذب، وقصدهم -قبحهم اللّه- فيما بينهم، أنهم غير مكترثين بذلك، ولا مهتمين به، لأنه إذا لم يبلغه فهذا مطلوبهم، وإن بلغه اكتفوا بمجرد الاعتذار الباطل. فأساءوا كل الإساءة من أوجه كثيرة، أعظمها أذية نبيهم الذي جاء لهدايتهم، وإخراجهم من الشقاء والهلاك إلى الهدى والسعادة. ومنها: عدم اهتمامهم أيضا بذلك، وهو قدر زائد على مجرد الأذية. ومنها: قدحهم في عقل النبي صلى الله عليه وسلم، وعدم إدراكه وتفريقه بين الصادق والكاذب، وهو أكمل الخلق عقلا وأتمهم إدراكا، وأثقبهم رأيا وبصيرة، ولهذا قال تعالى: { قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ } أي: يقبل من قال له خيرا وصدقا. وأما إعراضه وعدم تعنيفه لكثير من المنافقين المعتذرين بالأعذار الكذب، فلسعة خلقه، وعدم اهتمامه بشأنهم، وامتثاله لأمر اللّه في قوله: { سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ } . وأما حقيقة ما في قلبه ورأيه، فقال عنه: { يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } الصادقين المصدقين، ويعلم الصادق من الكاذب، وإن كان كثيرا ما يعرض عن الذين يعرف كذبهم وعدم صدقهم، { وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ } فإنهم به يهتدون، وبأخلاقه يقتدون. وأما غير المؤمنين فإنهم لم يقبلوا هذه الرحمة بل ردوها، فخسروا دنياهم وآخرتهم، { وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ } بالقول أو الفعل { لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الدنيا والآخرة، ومن العذاب الأليم أنه يتحتم قتل مؤذيه وشاتمه. { يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ } فيتبرأوا مما صدر منهم من الأذية وغيرها، فغايتهم أن ترضوا عليهم. { وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ } لأن المؤمن لا يقدم شيئا على رضا ربه ورضا رسوله، فدل هذا على انتفاء إيمانهم حيث قدموا رضا غير اللّه ورسوله. وهذا محادة للّه ومشاقة له، وقد توعد من حاده بقوله: { أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } أي: يكون في حد وشق مبعد عن اللّه ورسوله بأن تهاون بأوامر اللّه، وتجرأ على محارمه. { فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ } الذي لا خزي أشنع ولا أفظع منه، حيث فاتهم النعيم المقيم، وحصلوا على عذاب الجحيم عياذا باللّه من أحوالهم.