Verse. 1297 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

يَحْلِفُوْنَ بِاللہِ لَكُمْ لِيُرْضُوْكُمْ۝۰ۚ وَاللہُ وَرَسُوْلُہٗۗ اَحَقُّ اَنْ يُّرْضُوْہُ اِنْ كَانُوْا مُؤْمِنِيْنَ۝۶۲
Yahlifoona biAllahi lakum liyurdookum waAllahu warasooluhu ahaqqu an yurdoohu in kanoo mumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يحلفون بالله لكم» أيها المؤمنين فيما بلغكم عنهم من أذى الرسول أنهم ما آذوه «ليرضوكم والله ورسوله أحقُّ أن يرضوه» بالطاعة «إن كانوا مؤمنين» حقا وتوحيد الضمير لتلازم الرضاءين أو خبر الله ورسوله محذوف.

62

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا نوع آخر من قبائح أفعال المنافقين وهو إقدامهم على اليمين الكاذبة. قيل: هذا بناء على ما تقدم، يعني يؤذون النبي ويسيؤون القول فيه ثم يحلفون لكم. وقيل: نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتوه واعتذروا وحلفوا، ففيهم نزلت الآية، والمعنى: أنهم حلفوا على أنهم ما قالوا ما حكي عنهم، ليرضوا المؤمنين بيمينهم، وكان من الواجب أن يرضوا الله بالإخلاص والتوبة، لا بإظهار ما يستسرون خلافه، ونظيره قوله: { أية : وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا } تفسير : [البقرة: 76]. وأما قوله: {يُرْضُوهُ } بعد تقدم ذكر الله وذكر الرسول ففيه وجوه: الأول: أنه تعالى لا يذكر مع غيره بالذكر المجمل، بل يجب أن يفرد بالذكر تعظيماً له. والثاني: أن المقصود بجميع الطاعات والعبادات هو الله، فاقتصر على ذكره. ويروى أن واحداً من الكفار رفع صوته. وقال: إني أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد، فسمع الرسول عليه السلام ذلك وقال: « حديث : وضع الحق في أهله » تفسير : الثالث: يجوز أن يكون المراد يرضوهما فاكتفى بذكر الواحد كقوله: شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف تفسير : والرابع: أن العالم بالأسرار والضمائر هو الله تعالى، وإخلاص القلب لا يعلمه إلا الله، فلهذا السبب خص تعالى نفسه بالذكر. الخامس: لما وجب أن يكون رضا الرسول مطابقاً لرضا الله تعالى وامتنع حصول المخالفة بينهما وقع الاكتفاء بذكر أحدهما كما يقال: إحسان زيد وإجماله نعشني وجبرني. السادس: التقدير: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك وقوله: {إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ } فيه قولان: الأول: إن كانوا مؤمنين على ما ادعوا. والثاني: أنهم كانوا عالمين بصحة دين الرسول إلا أنهم أصروا على الكفر حسداً وعناداً، فلهذا المعنى قال تعالى: {إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ } وفي الآية دلالة على رضا الله لا يحصل بإظهار الإيمان، ما لم يقترن به التصديق بالقلب، ويبطل قول الكرامية الذين يزعمون أن الإيمان ليس إلا القول باللسان.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأُولى ـ روي أن قوماً من المنافقين اجتمعوا، فيهم الجُلاَس بن سُويد ووديعة بن ثابت، وفيهم غلام من الأنصار يُدْعَى عامر بن قيس، فحقّروه فتكلموا وقالوا: إن كان ما يقول محمد حقاً لنحن شرّ من الحمير. فغضب الغلام وقال: والله إنّ ما يقول حق وأنتم شر من الحمير؛ فأخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم بقولهم، فحلفوا أن عامراً كاذب؛ فقال عامر: هم الكَذَبة، وحلف على ذلك وقال: اللَّهُمَّ لا تفرّق بيننا حتى يتبيّن صدقُ الصادق وكَذِب الكاذب. فأنزل الله هذه الآية وفيها {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ}. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} ابتداء وخبر. ومذهب سيبويه أن التقدير: والله أحقّ أن يرضوه ورسولُه أحقّ أن يرضوه؛ ثم حذف؛ كما قال بعضهمُ: شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرأيُ مختلِفُ تفسير : وقال محمد بن يزيد: ليس في الكلام محذوف، والتقدير، والله أحق أن يرضوه ورسوله، على التقديم والتأخير. وقال الفرّاء: المعنى ورسوله أحق أن يرضوه، والله ٱفتتاح كلام؛ كما تقول: ما شاء الله وشئتَ. قال النحاس: قول سيبويه أوْلاها؛ لأنه قد صح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم النهيُ عن أن يُقال: ما شاء الله وشئت، ولا يقدَّر في شيء تقديم ولا تأخير، ومعناه صحيح. قلت: وقيل إن الله سبحانه جعل رضاه في رضاه؛ ألا ترى أنه قال: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ}تفسير : [النساء: 80]. وكان الربيع بن خيثم إذا مرّ بهذه الآية وقف، ثم يقول: حَرْفٌ وأيُّمَا حرف، فوّض إليه فلا يأمرنا إلاَّ بخير. الثالثة ـ قال علماؤنا: تضمّنت هذه الآية قبولَ يمين الحالف وإن لم يلزم المحلوف له الرضا. واليمين حق للمدّعي. وتضمّنت أن يكون اليمين بالله عزّ وجلّ حَسب ما تقدّم. وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من حلف فلْيحلِفْ بالله أو لِيَصْمُت ومن حلف له فليصدّق»تفسير : . وقد مضى القول في الأيمان والاستثناءِ فيها مستوفىً في المائدة.

البيضاوي

تفسير : {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ } على معاذيرهم فيما قالوا أو تخلفوا. {لِيُرْضُوكُمْ } لترضوا عنهم والخطاب للمؤمنين. {وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } أحق بالإِرضاء بالطاعة والوفاق، وتوحيد الضمير لتلازم الرضاءين أو لأن الكلام في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم وإرضائه، أو لأن التقدير والله أحق أن يرضوه والرسول كذلك. {إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ } صدقاً.

ابن كثير

تفسير : قال قتادة في قوله تعالى: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} الآية. قال: ذكر لنا أن رجلاً من المنافقين قال: والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمد حقاً، لهم شر من الحمير. قال: فسمعها رجل من المسلمين فقال: والله ما يقول محمد لحق، ولأنت أشر من الحمار، قال: فسعى بها الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأرسل إلى الرجل فدعاه، فقال: «حديث : ما حملك على الذي قلت؟» تفسير : فجعل يلتعن ويحلف بالله ما قال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول: اللهم صدق الصادق، وكذب الكاذب، فأنزل الله الآية. وقوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية، أي: ألم يتحققوا ويعلموا أنه من حاد الله عز وجل، أي: شاقه وحاربه وخالفه، وكان في حد، والله ورسوله في حد {فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا} أي: مهاناً معذباً، {ذَٰلِكَ ٱلْخِزْىُ ٱلْعَظِيمُ} أي: وهذا هو الذل العظيم والشقاء الكبير.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ } أيها المؤمنون فيما بلغكم عنهم من أذى الرسول أنهم ما أتوه {لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } بالطاعة {إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ } حقاً، وتوحيد الضمير لتلازم الرضاءين و خبر «الله» أو«رسوله» محذوف.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} فيها ثلاثة أقوال: أحدها: من يخالف الله ورسوله، قاله الكلبي. والثاني: مجاوزة حدودها، قاله علي بن عيسى. والثالث: أنها معاداتها مأخوذ من حديد السلاح لاستعماله في المعاداة، قاله ابن بحر. {فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} وهذا وعيد، وإنما سميت النار جهنم من قول العرب بئر جهنام إذا كانت بعيدة القعر، فسميت نار الآخرة جهنم لبعد قعرها، قاله ابن بحر.

النسفي

تفسير : {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ } الخطاب للمسلمين، وكان المنافقون يتكلمون بالمطاعن أو يتخلفون عن الجهاد ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم ويؤكدون معاذيرهم بالحلف ليعذروهم ويرضوا عنهم فقيل لهم {وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ } أي إن كنتم مؤمنين كما تزعمون، فأحق من أرضيتم الله ورسوله بالطاعة والوفاق. وإنما وحد الضمير لأنه لا تفاوت بين رضا الله ورضا رسول الله فكانا في حكم شيء واحد كقولك «إحسان زيد وإجماله نعشني» أو والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك. {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ } أن الأمر والشأن {مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } يجاوز الحد بالخلاف وهي مفاعلة من الحد كالمشاقة من الشق {فَأَنَّ لَهُ } على حذف الخبر أي فحق أن له {نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذٰلِكَ ٱلْخِزْيُ ٱلْعَظِيمُ * يَحْذَرُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ } خبر بمعنى الأمر أي ليحذر المنافقون {أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ } {تُنَزَّلَ } بالتخفيف: مكي وبصري {تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم } من الكفر والنفاق، والضمائر للمنافقين لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم دليله {قُلِ ٱسْتَهْزِءُواْ }، أو الأولان للمؤمنين، والثالث للمنافقين، وصح ذلك لأن المعنى يقود إليه {قُلِ ٱسْتَهْزِءواْ } أمر تهديد {إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ } مظهر ما كنتم تحذرونه أي تحذرون إظهاره من نفاقكم، وكانوا يحذرون أن يفضحهم الله بالوحي فيهم وفي استهزائهم بالإسلام وأهله حتى قال بعضهم: وددت أني قدّمت فجلدت مائة وأنه لا ينزل فينا شيء يفضحنا {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } بينا رسول الله يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتح قصور الشام وحصونها، هيهات هيهات. فأطلع الله نبيه على ذلك فقال: احبسوا عليّ الركب فأتاهم فقال: قلتم كذا وكذا. فقالوا: يا نبي الله لا والله ما كنا في شيء من أمرك ولا من أمر أصحابك، ولكن كنا في شيء مما يخوض فيه الركب ليقصر بعضنا على بعض السفر، أي ولئن سألتهم وقلت لهم لم قلتم ذلك؟ لقالوا: إنما كنا نخوض ونلعب {قُلْ } يا محمد {قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ } لم يعبأ باعتذارهم لأنهم كانوا كاذبين فيه، فجعلوا كأنهم معترفون، باستهزائهم وبأنه موجود فيهم حتى وبخوا بإخطائهم موقع الاستهزاء حيث جعل المستهزأ به يلي حرف التقرير، وذلك إنما يستقيم بعد ثبوت الاستهزاء {لاَ تَعْتَذِرُواْ } لا تشتغلوا باعتذاراتكم الكاذبة فإنها لا تنفعكم بعد ظهور سركم {قَدْ كَفَرْتُمْ } قد أظهرتم كفركم باستهزائكم {بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ } بعد إظهاركم الإيمان {إن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مّنْكُمْ } بتوبتهم وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق {نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ } مصرين على النفاق غير تائبين منه {أَن يُعفَ تُعَذّبَ طَائِفَةٌ } غير عاصم. {ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتُ } الرجال المنافقون كانوا ثلثمائة والنساء المنافقات مائة وسبعين {بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ } أي كأنهم نفس واحدة، وفيه نفي أن يكونوا من المؤمنين وتكذيبهم في قولهم {أية : وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ }تفسير : [التوبة:56] وتقرير لقوله {أية : وَمَا هُم مّنكُمْ }تفسير : [التوبة:56] ثم وصفهم بما يدل على مضادة حالهم لحال المؤمنين فقال {يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ } بالكفر والعصيان {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ } عن الطاعة والإيمان {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ } شحاً بالمبارّ والصدقات والإنفاق في سبيل الله {نَسُواْ ٱللَّهَ } تركوا أمره أو أغفلوا ذكره {فَنَسِيَهُمْ } فتركهم من رحمته وفضله {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ هُمُ الْفَـٰسِقُونَ } هم الكاملون في الفسق الذي هو التمرد في الكفر والانسلاخ عن كل خير، وكفى المسلم زاجراً أن يلم بما يكسبه هذا الاسم الفاحش الذي وصف به المنافقون حين بالغ في ذمهم {وَعَدَ الله الْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا } مقدرين الخلود فيها {هِىَ } أي النار {حَسْبُهُمْ } فيه دلالة على عظم عذابها وأنه بحيث لا يزاد عليه {وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ } وأهانهم مع التعذيب وجعلهم مذمومين ملحقين بالشياطين الملاعين {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } دائم معهم في العاجل لا ينفكون عنه وهو ما يقاسونه من تعب النفاق، والظاهر المخالف للباطن خوفاً من المسلمين وما يحذرونه أبداً من الفضيحة ونزول العذاب إن اطلع على أسرارهم. الكاف في {كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوٰلاً وَأَوْلَـٰدًا فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلَـٰقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلـٰقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلَـٰقِهِمْ} محلها رفع أي أنتم مثل الذين من قبلكم، أو نصب على فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم وهو أنكم استمتعتم بخلاقكم كما استمتعوا بخلاقهم أي تلذذوا بملاذ الدنيا. والخلاق النصيب مشتق من الخلق وهو التقدير أي ما خلق للإنسان بمعنى قدر من خير { وَخُضْتُمْ } في الباطل {كَٱلَّذِي خَاضُواْ } كالفوج الذي خاضوا، أو كالخوض الذي خاضوا. والخوض الدخول في الباطل واللهو، وإنما قدم {فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلَـٰقِهِمْ } وقوله (كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} مغن عنه ليذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا والتهائهم بشهواتهم الفانية عن النظر في العاقبة وطلب الفلاح في الآخرة، ثم يشبه بعد ذلك حال المخاطبين بحالهم {أُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِي ٱلدنْيَا وَٱلأخِرَةِ } في مقابلة قوله {أية : وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين }تفسير : [العنكبوت:27] {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } ثم ذكر نبأ من قبلهم فقال: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ } هو بدل من {ٱلَّذِينَ } {وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرٰهِيمَ وِأَصْحَـٰبِ مَدْيَنَ } وأهل مدين وهم قوم شعيب {وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ } مدائن قوم لوط، وائتفاكهن انقلاب أحوالهن عن الخير إلى الشر {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيّنَـٰتِ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ } فما صح منه أن يظلمهم بإهلاكهم لأنه حكيم فلا يعاقبهم بغير جرم {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بالكفر وتكذيب الرسل {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } في التناصر والتراحم {يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } بالطاعة والإيمان {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } عن الشرك والعصيان {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ } السين مفيدة وجود الرحمة لا محالة فهي تؤكد الوعد كما تؤكد الوعيد في «سأنتقم منك يوماً» {إِنَّ ٱللَّهَ عزيزٌ} غالب على كل شيء قادر عليه فهو يقدر على الثواب والعقاب {حَكِيمٌ } واضع كلا موضعه {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَـٰكِنَ طَيّبَةً } يطيب فيها العيش وعن الحسن رحمه الله: قصوراً من اللؤلؤ والياقوت الأحمر والزبرجد {فِى جَنَّـٰتِ عَدْنٍ} هو علم بدليل قوله {أية : جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ } تفسير : [مريم: 61] وقد عرفت أن «الذي» و «التي» وضعا لوصف المعارف بالجمل وهي مدينة في الجنة {وَرِضْوٰنٌ مّنَ ٱللَّهِ } وشيء من رضوان الله {أَكْبَرُ } من ذلك كله لأن رضاه سبب كل فوز وسعادة {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما وعد أو إلى الرضوان {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } وحده دون ما يعده الناس فوزاً.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ حديث : ذكر لنا أن رجلاً من المنافقين قال‏:‏ والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمد حقاً لهم أشر من حمير‏.‏ فسمعها رجل من المسلمين فقال‏:‏ والله ما يقول محمد لحق ولأنت أشر من الحمار‏.‏ فسعى بها الرجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال‏: ما حملك على الذي قلت‏؟ فجعل يلتعن ويحلف بالله ما قال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول‏:‏ اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب، فأنزل الله تعالى في ذلك ‏ {‏يحلفون بالله لكم ليرضوكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏ . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه‏.‏ مثله، وسمى الرجل المسلم عامر بن قيس من الأنصار‏.

ابو السعود

تفسير : {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ} الخطابُ للمؤمنين خاصةً وكان المنافقون يتكلمون بالمطاعن ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم ويؤكدون معاذيرَهم بالأيمان ليعذُروهم ويرضَوا عنهم أي يحلفون لكم أنهم ما قالوا ما نُقل إليهم مما يورث أذاةَ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم وأما التخلفُ عن الجهاد فليس بداخل في هذا الاعتذارِ {لِيُرْضُوكُمْ} بذلك، وإفرادُ إرضائِهم بالتعليل مع أن عمدةَ أغراضِهم إرضاءُ الرسول صلى الله عليه وسلم وقد قبِل عليه الصلاة والسلام ذلك منهم ولم يكذّبْهم للإيذان بأن ذلك بمعزل من أن يكون وسيلةً إلى إرضائه عليه الصلاة والسلام وأنه صلى الله عليه وسلم إنما لم يكذبهم رفقاً بهم وستراً لعيوبهم لا عن رضا بما فعلوه كما أشير إليه {وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} أي أحقُّ بالإرضاء ولا يتسنى ذلك إلا بالطاعة والمتابعةِ وإيفاءِ حقوقِه عليه الصلاة والسلام في باب الإجلالِ والإعظامِ مَشهداً ومَغيباً وأما ما أتَوا به من الأَيمان الفاجرة فإنما يرضىٰ به من انحصر طريقُ علمِه في الأخبار إلى أن يجيءَ الحقُّ ويزهَقَ الباطلُ. والجملةُ نصبٌ على الحالية من ضمير يحلفون أي يحلفون لكم لإرضائكم والحالُ أنه تعالى ورسولُه أحقُّ بالإرضاء منكم أي يُعرضون عما يُهِمُّهم ويجديهم ويشتغلون بما لا يَعنيهم، وإفرادُ الضمير في يُرْضوه إما للإيذان بأن رضاه عليه الصلاة السلام مندرجٌ تحت رضاه سبحانه وإرضاؤُه عليه الصلاة والسلام إرضاءٌ له تعالى لقوله تعالى: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ } تفسير : [النساء: 80] وإما لأنه مستعارٌ لاسم الإشارةِ الذي يشار به إلى الواحد والمتعدد بتأويل المذكور كما في قول رؤبة: شعر : فيها خطوطٌ من سوادٍ وبَلَق كأنه في الجلد توليعُ البهقْ تفسير : أي كأن ذلك. لا يقال أيُّ حاجةٍ إلى الاستعارة بعد التأويل المذكورِ لأنا نقول: لولا الاستعارةُ لم يتسنَّ التأويل لما أن الضميرَ لا يتعرض إلا لذات ما يرجِع إليه من غير تعرضٍ لوصف من أوصافه التي من جملتها المذكوريةُ وإنما المتعرضُ لها اسمُ الإشارةِ وإما لأنه عائدٌ إلى رسوله، والكلامُ جملتان حُذف خبرُ الأولى لدلالة خبرِ الثانية عليه كما ذهب إليه سيبويه، ومنه قولُ من قال: شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرأيُ مختلف تفسير : أو إلى الله على أن المذكورَ خبرُ الجملة الأولى وخبرُ الثانيةِ محذوفٌ كما هو رأي المبرد {إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} جوابُه محذوفٌ تعويلاً على دِلالة ما سبق عليه أي إن كانوا مؤمنين فليُرْضوا الله ورسولَه بما ذكر فإنهما أحقُّ بالإرضاء. {أَلَمْ يَعْلَمُواْ} أي أولئك المنافقون، والاستفهامُ للتوبـيخ على ما أقدَموا عليه من العظيمة مع علمهم بسوء عاقبتِها، وقُرىء بالتاء على الالتفات لزيادةِ التقريعِ والتوبـيخ أي ألم يعلموا بما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم من فنون القوارعِ والإنذارات {أَنَّهُ} أي الشأنَ {مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} المحادَّةُ من الحدّ كالمُشاقّة من الشَّق والمعاداةُ من العُدوة بمعنى الجانبِ فإن كلَّ واحدٍ من مباشري كلِّ الأفعالِ المذكورة في محل غيرِ محلِّ صاحبِه، ومَنْ شرطيةٌ جوابُها قوله تعالى: {فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} على أن خبرَه محذوفٌ أي فحَقٌّ أن له نارَ جهنم، وقرىء بكسر الهمزةِ والجملةُ الشرطيةُ في محلّ الرفعِ على أنها خبرٌ لأن وهي مع خبرها سادةٌ مسدَّ مفعولي يعلموا، وقيل: المعنى فله، وإنّ تكريرٌ للأولى تأكيداً لطول العهدِ لا من باب التأكيدِ اللفظيِّ المانعِ للأولى من العمل، ودخولُ الفاءِ كما في قول من قال: شعر : لقد علم الحيُّ اليمانُونَ أنني إذا قلتُ: أما بعدُ، أني خطيبُها تفسير : وقد جوّز أن يكون فإن له معطوفاً على أنه، وجوابُ الشرط محذوفٌ تقديرُه ألم يعلموا أنه من يحاددِ الله ورسولَه يهلِكْ فإن له الخ، ورُدّ بأن ذلك إنما يجوز عند كونِ فعلِ الشرط ماضياً أو مضارعاً مجزوماً بلم {خَالِداً فِيهَا} حالٌ مقدّرةٌ من الضمير المجرورِ إن اعتُبر في الظرف ابتداءُ الاستقرار وحدوثُه وإن اعتبر مطلقُ الاستقرارِ فالأمرُ ظاهر {ذٰلِكَ} أشير إلى ما ذكر من العذاب الخالدِ بذلك إيذاناً ببُعد درجتِه في الهول والفظاعةِ {ٱلْخِزْىُ ٱلْعَظِيمُ} الخزيُ الذلُّ والهوانُ المقارِنُ للفضيحة والندامة، وهي ثمراتُ نفاقِهم حيث يفتضحون على رؤوس الأشهادِ بظهورها ولُحوقِ العذاب الخالدِ بهم، والجملةُ تذيـيلٌ لما سبق.

القشيري

تفسير : أخبر أنَّ من تزيَّن للخَلْق، وتقرَّب إليهم وأَدامَ رضاهم، واتَّبَعَ في ذلك هواهم، فإن اللهَ سبحانه يُسْقِط به عن الخَلْق جاهَهُم، ويُشِينُهم فيما توهَمُّوا أنه يزينهم، والذي لا يَضِيعُ ما كان الله، فأمَّا ما كان لغير الله فَوَبَالٌ لِمَنْ أصابه، ومُحالٌ ما طَلَبَه. ويقال إنَّ الخَلْق لا يصدقونك وإنْ حَلَفْت لهم، والحقُّ يَقْبَلُكَ وإِنْ تخَلَّفْتَ عنه؛ فالاشتغالُ بالخلْقِ محنةٌ أنت غيرُ مأجورٍ عليها، والإقبالُ على الحقِّ نعمةٌ أنت مشكورٌ عليها. والمغبونُ مَنْ تَرَكَ ما يُشْكَرُ عليه ويُؤثِر ما لا يؤجرُ عليه.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: إنما وحّد الضمير في (يُرضوه) إما لأن رضى أحدهما رضى الآخر، فكأنهما شيء واحد، أو لأن الكلام إنما هو في إيذاء الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وإرضائه، فذكر الله تعظيماً لجانب الرسول، أو لأن التقدير: والله أحق أن يرضوه، ورسوله كذلك؛ فهما جملتان. والضمير في (أنه من يُحادِدِ): ضمير الشأن: و(فأن): إما تأكيد لأن الأُولى، وجملة (فله): جواب، أو تكون بدلاً منها، أو في موضع خبر عن مبتدأ محذوف، أي: فحقٌ، أو واجب له نار جهنم. يقول الحق جل جلاله: {يحلفون بالله} أي: المنافقون، {لكم} أيها المؤمنون، حين يعتذرون في التخلف عن الجهاد وغيره، {ليُرْضوكم} أي: لترضوا عنهم وتقبلوا عذرهم، {واللَّهُ ورسولهُ أحقُ أن يرضُوه} بالطاعة والوفاق، واتباع ما جاء به، {إن كانوا مؤمنين} صادقين في إيمانهم. {ألم يعلموا أنه} أي: الأمر والشأن، {من يُحادِدِ اللَّهَ ورسولهُ} يعاديهما، ويخالف أمرهما {فأنّ له}؛ فواجبٌ أن له {نارَ جهنم خالداً فيها ذلك الخزيُ} أي: الهول {العظيم}، والهلاك الدائم، والعياذ بالله. الإشارة: من أرضى الناسَ بسخط الله أسخطهم عليه وسخط عليه، ومن اسخط الناس في رضي الله أرضاهم عليه، ورضي عنه، فمن أقر منكراً؛ حياء أو خوفاً من الناس، فقد أسخط مولاه، ومن انكر منكراً، ولم يراقب أحداً فقد أرضى مولاه، ومن راقب الناس لم يراقب الله، ومن راقب الله لم يراقب الناس، {والله ورسوله أحق أن يُرضُوه إن كانوا مؤمنين}. وتأمل قول الشاعر: شعر : مَنْ رَاقَبَ النَّاسَ مَاتَ غَمّاً وفَازَ باللذاتِ الجسُور تفسير : وبالله التوفيق. ومن أخلاقهم أيضاً: الخوف من الفضيحة، والاستهزاء بالدين، كما أبان ذلك بقوله: {يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ}.

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى أن هؤلاء المنافقين يقسمون بالله أنهم على دينكم وأن الذي بلغكم عنهم باطل {ليرضوكم} ومعناه يريدون بذلك رضاكم لتحمدوهم عليه. ثم قال تعالى {والله ورسوله أحق أن يرضوه} أي الله ورسوله أولى بأن يطلبوا مرضاتهما {إن كانوا مؤمنين} مصدقين بالله مقرين بنبوة نبيه، والفرق بين الاحق والأصلح ان الأحق قد يكون موضعه غير الفعل كقولك: زيد أحق بالمال، والاصلح لا يقع هذا الموقع لأنه من صفات الفعل وتقول: الله أحق أن يطاع ولا تقول اصلح، وقيل في رد ضمير الواحد في قوله {والله ورسوله أحق أن يرضوه} قولان: احدهما - أنه لما كان رضى رسول الله رضى الله ترك ذكره، لأنه دال عليه والتقدير والله احق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه كما قال الشاعر: شعر : نحن بما عندنا وانت بما عندك راض والرأي مختلف تفسير : والثاني - أنه لا يذكر على طريق المجمل مع غيره تعظيماً له بافراد الذكر المعظم بما لا يجوز إلا له، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله لمن سمعه يقول: من أطاع الله ورسول هدى (ومن يعصمه فقد غوى) وانما أراد ما قلناه.

الجنابذي

تفسير : {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ} اى المؤذون يعنى اذا قال المؤمنون للمنافقين المؤذين لم تؤذون رسول الله (ص) وتلمزونه وتنّمون عليه يحلفون بالله لهم وهو استينافٌ لبيان حالهم، وانّهم بعد ايذائهم يعتذرون بالمعاذير الكاذبة ويحلفون على كذبهم ومقصودهم ارضاؤكم لا ارضاء الله ورسوله، فهم ينافقون بعد الايذاء حيث يظهرون ما فى قلوبهم مطويّة على خلافه ويكذبون ويحلفون على الكذب وينصرفون عن الله ورسوله (ص) فهم فى هذا الاعتذار واقعون فى رذائل اربع كلّ منها بوحدتها مهلكة {لِيُرْضُوكُمْ} لعدم ايمانهم بالله ورسوله (ص) بل لمحض المماشاة معكم {وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} توحيد الضّمير باعتبار بانّ رضى الله لا يظهر ولا يتيسّر الوصول اليه الاّ برضى الرّسول {إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} يعنى انّ الايمان يقتضى ارضاء الله ورسوله (ص) وان كان بسخط جميع الخلق {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} من يخاصم الله ورسوله (ص) {فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذٰلِكَ ٱلْخِزْيُ ٱلْعَظِيمُ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ} نزلت فى المنافقين المتخلّفين عن غزوة تبوك حين تحدثّوا انّ محمّداً (ص) يزعم انّ حرب الرّوم كحرب غيرهم لا يرجع منهم احد وقال بعضهم استهزاءً: نحذر ان يخبر الله بذلك، وورد انّها نزلت فى اصحاب العقبة كمنواله فى العقبة ليقتلوه وقالوا: ان فطن بنا قلنا انّما كنّا نخوض ونلعب وان لم يتفطّن قتلناه وقصّته مذكورة فى المفصّلات.

الهواري

تفسير : قوله: {يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ}. أي بالعلل والكذب {وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُّرْضُوهُ} أي بالصدق والوفاء {إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ} أي: إنهم يزعمون أنهم مؤمنون بالإِقرار والتوحيد دون العمل بجميع الفرائض التي فرض الله عليهم. وليسوا بمؤمنين حتى يكملوا جميع فرائض الله في القول والعمل. فقال: {وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} من أن يرضوكم بالعلل والكذب. {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ} أي: من يشقاق الله ورسوله، وقال بعضهم: من يخالف الله ورسوله {فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ} أي: قد أنزل الله ذلك عليهم، وأعلمهم به، واتخذ به الحجة عليهم. وهو كقوله: (أية : أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً) تفسير : [الأنبياء:30]؛ وكقوله: (أية : أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ) تفسير : [التوبة: 78]. قوله: {يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ} من النفاق وما كانوا يحذرون. ففعل الله ذلك بهم، فأخرج أضغانهم، وهو ما كانو يكنون في صدورهم. وإنما حذروا من شيء تَيَقّنوا به، ولو كانوا مشركين لم يحذروه لأنهم يجحدونه ولا يقرون به. وقال مجاهد: يقولون القول بينهم ثم يقولون: نخشى الله أن يُفشِي علينا سرَّنا هذا. ذكر بعضهم قال: كانت هذه السورة تسمى جاهرة أي: جهرته. وبعضهم يقول: حافرة، أي حفرت عن ذنوب القوم، يعني المنافقين. وقال بعضهم: كانت هذه السورة تسمى فاضحة المنافقين؛ لأنها أنبأت بمقالتهم وأعمالهم. وقال الحسن: كانت تسمى حافرة، أنبأت بما في قلوب المنافقين. { قُلِ اسْتَهْزِءُوا} أي بمحمد وأصحابه، وهو وعيد هَوْلُه شديد. كقوله: (أية : فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) تفسير : [الكهف:29] وهو وعيد. {إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ} أي: ما أكننتم في قلوبكم من النفاق فمخرجه، فذاكره عنكم. وأما قوله: {اسْتَهْزِءُوا} فهو جواب من الله لقولهم. {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} يعني كفار المشركين {قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} أي في المودة (أية : إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ) تفسير : [البقرة:14]. أي إنما نحن مخادعون. والاستهزاء في هذا الموضع إنما هو الخداع. ألا تراه يرد عليهم جوابهم: (أية : اللهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ) تفسير : [البقرة:15] أي يخدعهم في الآخرة كما خدعوه في الدنيا. وقد أوضح ما تأولنا عليه الآية في النساء فقال: (أية : إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) تفسير : [النساء:142] يخادعونه بما أظهروا من التوحيد والإِقرار، وليس من شأنهم الوفاء بالأعمال. وهو خادعهم إذ جعل مساقهم مع المؤمنين. وبيان خدعه إياهم في سورة الحديد. وسنذكر ذلك أيضاً في سورة الحديد إذا أتينا عليه، كيف خدعهم الله عند ضرب السور بينهم وبين المؤمنين إذ طمعوا أن يكونوا من المؤمنين، إذ سبقوا في زمرتهم بالنور القليل الذي كان معهم، وبه ناكحوا المسلمين ووارثوهم. فَطفِىءَ نور المنافقين، ومضى نور المؤمنين من بين أيديهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم. وسنأتي على بقيّة ما بقي من هذا في سورة الحديد إذا نحن بلغناها إن شاء الله.

اطفيش

تفسير : {يحْلفُونَ باللهِ لكُم ليرضُوكم} فى معاذيرهم، والخطاب للمؤمنين إذا قالوا سواء، أو تخلفوا عن الجهاد، قالوا: والله ما قلنا، والله ما تخلفنا إلا لعلة كما فعلوا فى شأن غزوة تبوك. {واللهُ ورسُولُه أحقُّ أنْ يُرضُوهُ} الهاء عائدة إلى الله أو رسوله، وإفراد الضمير لأن إرضاء أحدهما إرضاء للآخر أو لرسوله، لأن الكلام فى إيذاء الرسول، فليكن الكلام أيضا فى رضائه، وقيل: عائدة إليهما معا وإفراد الضمير لتأويلهما بالمذكور، أو أحق خبر لله، ورسوله مبتدأ محذوف الخبر، أى ورسوله كذلك، أو ورسوله أحق أن يرضوه، أو أحق خبر رسوله، وخبر الله محذوف، ونسب هذا لسيبويه، ورجح بالقرب وعدم القصد بين المبتدأ والخبر، وأخذ بعض من الآية أن يكرهوا جمع الرسول مع الله فى ضمير، ويرده حديث: "حديث : من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى" تفسير : وأن يرضوه على تقدير الباء، أى بأن يرضوه لا فاعل لاسم التفضيل، لأنه فى اللغة الفصحى لا يرفع ظاهرا أو ضميرا بارزا فى غير مسألة الكحل {إنْ كانُوا مُؤمنين} حقاً.

اطفيش

تفسير : {يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} الخطاب للمؤمنين لأَن الرسول مذكور فى قوله والله ورسوله إِلخ، أو للمؤمنين ورسوله ولو ذكر بعد لأَن الكلام فى إِرضائِه لا فى إِرضاءِ المؤمنين فقط، يقولون والله ما قلنا ما ذكر لك عنا ولا نقول فيك إلا خيرا، سمع غلام اسمه عامر بن قيس وديعة بن ثابت يقول إِن هؤلاءِ لخيارنا وأَشرافنا إِن كان ما يقول محمد حقا، فنحن شر من الحمير، فأَخبر به النبى صلى الله عليه وسلم فدعاه، فحلف هو ومن معه ما قالوا، وجعل الغلام يقول: اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب، فنزلت {يحلفون بالله لكم ليرضوكم}. {وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} بالاتباع والإِخلاص {إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِين} وخص الإِرضاءَ للمؤمنين بالذكر تلويحا ببعدهم عن إِرضاء الله ورسوله، فإِن الله عز وجل علام الغيوب ومخبر لنبيه صلى الله عليه وسلم، وفى الكلام حذف، إِذ لم يقل أَن يرضوهما، والتقدير والله أَحق أَن يرضوه ورسوله أَحق أَن يرضوه، فحذف من أَحدهما، واختار سيبويه الحذف من الأَول والمبرد من الثانى أَو اقتصر على إِرضاءِ الرسول أَو إِرضاءِ الله تعالى، لأَن إِرضاءَهُ إِرضاءُ رسوله وإِرضاءُ رسوله إِرضاءٌ له "من يطع الرسول فقد أَطاع الله" فرد إِلى الله والرسول ضمير واحد لذلك، أَو المعنى من ذكر، ولم يثن لئلا يعود ضمير واحد إِلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وجعل أَحق خبر للرسول أَولى لقربه وعدم الفصل، ويكون الكلام فى إِيذائِه ولو كان جعله خبراً لله أَولى من حيث إِنه هو المقصود بالذات فى العبادة، وإِذا أُريد الرسول فذكر الله تعظيم لَه كقوله تعالى: "أية : يحاربون الله ورسوله"تفسير : [المائدة: 33] فى أَحد أَوجه، ولا وجه لإِلغاءِ لفظ الجلالة عن الإِخبار لمجرد أَن طاعة رسوله طاعته لأَنه مبدوءٌ به وجواب أَن محذوف أَى فليخلصوا فى الإِرضاءِ، أَو ظهر لهم أَن الله ورسوله أَحق أَن يرضوه.

الالوسي

تفسير : {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} الخطاب للمؤمنين وكان المنافقون يتكلمون بما لا يليق ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم ويؤكدون معاذيرهم بالأيمان ليعذروهم ويرضوا عنهم. أخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلاً من المنافقين قال: والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا ولئن كان ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم حقاً لهم شر من الحمر، فسمعها رجل من المسلمين فقال: والله إن ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم لحق ولأنت شر من الحمار، فسعى بها الرجل إلى نبـي الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال: ما حملك على الذي قلت؟ فجعل يلتعن ويحلف بالله تعالى ما قال ذلك وجعل الرجل المسلم يقول: اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب فأنزل سبحانه في ذلك: {يَحْلِفُونَ} الخ أي يحلفون لكم أنهم ما قالوا ما نقل عنهم مما يورث أذاة النبـي صلى الله عليه وسلم ليرضوكم بذلك. وعن مقاتل والكلبـي أنها نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم منها أتوا المؤمنين يعتذرون إليهم من تخلفهم ويعتلون ويحلفون. وأنكر بعضهم هذا مقتصراً على الأول ولعله رأى ذلك أوفق بالمقام، وإنما أفرد إرضاءهم بالتعليل مع أن عمدة أغراضهم إرضاء الرسول صلى الله عليه وسلم للإيذان بأن ذلك بمعزل عن أن يكون وسيلة لإرضائه عليه الصلاة والسلام وأنه صلى الله عليه وسلم إنما لم يكذبهم رفقاً بهم وستراً لعيوبهم لا عن رضى بما فعلوا وقبول قلبـي لما قالوا {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} أي أحق بالإرضاء من غيره ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والموافقة لأمره وإيفاء حقوقه عليه الصلاة والسلام في باب الإجلال والإعظام حضوراً وغيبة، وأما الإيمان فإنما يرضى بها من انحصر طريق علمه في الإخبار إلى أن يجيء الحق ويزهق الباطل، والجملة في موضع الحال من ضمير {يَحْلِفُونَ} والمراد ذمهم بالاشتغال فيما لا يعنيهم والاعراض عما يهمهم ويجديهم. وتوحيد الضمير في {يُرْضُوهُ} مع أن الظاهر بعد العطف بالواو التثنية لأن إرضاء الرسول عليه الصلاة والسلام لا ينفك عن إرضاء الله تعالى و {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ } تفسير : [النساء: 80] فلتلازمهما جعلا كشيء واحد فعاد إليهما الضمير المفرد، أو لأن الضمير مستعار لاسم الإشارة الذي يشار به إلى الواحد والمتعدد بتأويل المذكور، وإنما لم يثن تأدباً لئلا يجمع بين الله تعالى وغيره في ضمير تثنية: وقد نهي عنه على كلام فيه، أو لأنه عائد إلى رسوله والكلام جملتان حذف خبر الأولى لدلالة خبر الثانية عليه كما في قوله:شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف تفسير : أو إلى الله تعالى على أن المذكور خبر الجملة الأولى وخبر الجملة الثانية محذوف، واختار الأول في مثل ذلك التركيب سيبويه لقرب ما جعل المذكور خبراً له مع السلامة من الفصل بين المبتدأ والخبر، واختار الثاني المبرد للسبق، وقيل: إن الضمير للرسول عليه الصلاة والسلام والخبر له لا غير ولا حذف في الكلام لأن الكلام في إيذاء الرسول عليه الصلاة والسلام وإرضائه فيكون ذكر الله تعالى تعظيماً له عليه الصلاة والسلام وتمهيداً فلذا لم يخبر عنه وخص الخبر بالرسول صلى الله عليه وسلم، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَإِذَا دُعُواْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } تفسير : [النور: 48] ولا يخفى / أن اعتبار الإخبار عن المعطوف وعدم اعتبار خبر للمبتدأ المعطوف عليه أصلاً مع أنه المستقل في الابتداء في غاية الغرابة، والفرق بين الآيتين مثل الشمس ظاهر. {إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} جواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله أي إن كانوا مؤمنين إيماناً صادقاً في الظاهر والباطن فليرضوا الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام بما ذكر فإنهما أحق بالإرضاء.

ابن عاشور

تفسير : عدل عن أسلوب الحكاية عنهم بكلمة ومنهم، لأنّ ما حكي هنا حال من أحوال جميعهم. فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً، لإعلام الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأنّ المنافقين يحلفون الأيمَان الكاذبة، فلا تغرّهم أيمانهم، فضمير يحلفون عائد إلى الذين يؤذون النبي. والمراد: الحلف الكاذب، بقرينة قوله: {والله ورسوله أحق أن يرضوه}، أي بتركهم الأمور التي حلفوا لأجلها، على أنّه قد عُلِم أنّ أيمانهم كاذبة ممّا تقدّم في قوله: {أية : وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون}تفسير : [التوبة: 42]. فكاف الخطاب للمسلمين، وذلك يدلّ على أنّ المنافقين يحلفون على التبرّئي، ممّا يبلغ المسلمين من أقوالهم المؤذية للرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ، وذلك يغيظ المسلمين وينكرهم عليهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يغضي عن ذلك، فلذلك قال الله تعالى: {وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} أي أحقّ منكم بأن يرضوهما، وسيأتي تعليل أحقّيّة الله ورسوله بأن يرضوهما في الآية التي بعدها فإرضاء الله بالإيمان به وبرسوله وتعظيمِ رسوله، وإرضاءُ الرسول بتصديقه ومحبّته وإكرامه. وإنّما أفرد الضمير في قوله: {أن يرضوه} مع أنّ المعاد اثنان لأنّه أريد عود الضمير إلى أول الاسمين، واعتبار العطف من عطف الجمل بتقدير: واللَّهُ أحقّ أن يرضوه ورسولُه كذلك، فيكون الكلام جملتين ثانيتهما كالاحتراس وحذفُ الخبر إيجاز. ومن نكتة ذلك الإشارة إلى التفرقة بين الإرضاءين، ومنه قول ضابىء بن الحارث:شعر : ومَن يك أمسَى بالمدينة رَحْلُه فإنِّي وقيَّارٌ بهَا لَغَرِيب تفسير : التقدير: فإنّي لغريبٌ وقيارٌ بها غَريب أيضاً. لأنّ إحدى الغربتين مخالفة لأخراهما. والضمير المنصوب في {يُرضوه} عائد إلى اسم الجلالة، لأنّه الأهمّ في الخبر، ولذلك ابتدىء به، ألا ترى أنّ بيت ضابىء قد جاء في خبره المذكور لام الابتداء الذي هو من علائق (إنّ) الكائنة في الجملة الأولى، دون الجملة الثانية، وهذا الاستعمال هو الغالب. وشرط {إن كانوا مؤمنين}، مستعمل للحثّ والتوقّع لإيمانهم، لأنّ ما حكي عنهم من الأحوال لا يبقى معه احتمال في إيمانهم، فاستعمل الشرط للتّوقع وللحثّ على الإيمان. وفيه أيضاً تسجيل عليهم، إن أعادوا مثل صنيعهم، بأنّهم كافرون باللَّه ورسوله، وفيه تعليم للمؤمنين وتحذير من غضب الله ورسوله.

د. أسعد حومد

تفسير : (62) - قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَنْ رُؤَسَاءِ المُنَافِقَينَ، الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَنَزَلَ فِيهِمْ مَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ: (إِنَّ هَؤُلاَءِ لَخِيَارُنَا وَأَشْرَافُنَا، وَإِذَا كَانَ مَا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقاً، لَهُمْ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ). فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّداً لاَ يَقُولُ إِلاَّ حَقّاً، وَلأَنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمَارِ). ثُمَّ ذَهَبَ المُسْلِمُ إِلَى رَسُولِ اللهِ يُحَدِّثُهُ بِمَا جَرَى. فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ إِلَى الْمُنَافِقِ وَسَأَلَهُ، وَقَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا قُلْتَ؟ فَأَخَذَ الْمُنَافِقُ يَحْلِفُ بِاللهِ إِنَّهُ مَا قَالَ ذَلِكَ. وَقَالَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ: ألَّلهُمَّ صَدِّقِ الصَّادِقَ، وَكَذِّبْ الكَاذِبَ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ الْكَرِيمَةَ. فَهَؤُلاَءِ الْمُنَافِقُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ عَلَى أَنَّهُمْ مَا قَالُوا مَا نُقِلَ عَنْهُمْ مِمَّا يُورِثُ أَذَى النَّبِيِّ لِيُرْضُوكُمْ، فَلاَ تُخْبِرُوا النَّبِيَّ، مَعْ أَنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ أَحَقُّ بِالإِرْضَاءِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لأَِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَيَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ. وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ومن العجيب أن سورة التوبة فيها أكبر عدد من لفظ "يحلفون"، ولم ترد مادة "يحلف" في سورة المائدة إلا مرة واحدة، وفي سورة النساء مرة، وفي سورة المجادلة ثلاث مرات، أما في سورة التوبة فقد جاءت سبع مرات، وفي سورة القلم جاءت "حلاف"، حتى إن سورة التوبة سميت "سورة يحلف"؛ لأن فيها أكبر عدد من {يَحْلِفُونَ} في القرآن الكريم. ويقول الحق سبحانه: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} وفي هذا إصرار من المنافقين على الحلف كذباً، وهو ما يوضح غباءهم وعدم فطنتهم. وأيضاً يقول الحق: {أية : سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ ...} تفسير : [التوبة: 95]. واستخدام الحق سبحانه وتعالى حرف السين معناه أنهم لم يحلفوا بعد، ولكنهم سيحلفون بعد فترة، أي في المستقبل، أي: أن الآية الكريمة نزلت ولم يحلفوا بعد، إنما هم سيحلفون بعد نزول الآية الكريمة، ولو كان عندهم ذرة من ذكاء ما حلفوا، ولقالوا: إن القرآن قال سنحلف ولكننا لم نحلف. ولكنهم ورغم نزول الآية جاءوا مصدقين للقرآن مثبتين للإيمان وحلفوا. وكلمة "حلف" هي القسم أو اليمين. وحين نتمعن في القرآن نجد أن الحلف لا يطلق إلا على اليمين الكاذبة، أما القسم فإنه يطلق على اليمين الصادقة واليمين الكاذبة. فمثلاً عندما نقرأ في سورة المائدة: {أية : ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ...} تفسير : [المائدة: 89]. وما دامت هناك كفارة يمين؛ يكون الحلف كذباً؛ لأن الذي يستوجب الكفارة هو الكذب. وإذا استعرضنا بعد ذلك كل "حلف" في القرآن نجد أنه يقصد بها اليمين الكاذبة؛ ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ} تفسير : [القلم: 10]. فالحلف هنا مقصود به القسم الكاذب. ولكن إذا قال الحق سبحانه وتعالى {أَقْسَمُواْ} فقد يكون اليمين صادقاً؛ وقد يكون كاذباً. والحق سبحانه وتعالى يقول: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} أي: أن هدف الحلف كذباً هو إرضاء المؤمنين حتى يطمئنوا للمنافقين ولا يتوقعوا منهم الشر، ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى بالحقيقة: {وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} إذن: فهم يحلفون لترضَوْا أنتم عنهم، أما المؤمن الحق فهو لا يقسم إلا ليرضى الله؛ لأن الإنسان قد يخدع البشر، وقد يفلت من عدالة الأرض، ولكنك لا تخدع الله ولا تلفت من عدالته أبداً. ومن مهام الإيمان أن الإنسان يرعى الله في كل معاملة له مع البشر؛ ويبتغي رضاه ويخاف من غضبه، ذلك هو المؤمن الحق. وهنا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى قال: {وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} وكان القياس اللغوي على حسب كلام البشر أن يقول: والله ورسوله أحق أن ترضوهما. وشاء الحق أن يأتى بها {وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ}؛ لأن رضا الله ورضا رسوله هو رضا واحد؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يأتي بالقرآن من عنده، ولكنه وحي من عند الله. وإرضاء الرسول هو اتباع المنهج الذي فيه رضا الله. لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ ...} تفسير : [الفتح: 10]. ويقول سبحانه: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ ...} تفسير : [آل عمران: 31]. ويقول سبحانه: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ...} تفسير : [النساء: 80]. إذن: فلا توجد طاعة لله وطاعة للرسول، ولا رضا لله ورضا للرسول؛ لأن الرضا منهما رضا واحد. إذن: فقول الحق سبحانه وتعالى: {وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} دليل على اتحاد الرضا من الله ومن رسوله، فما يُرضي الله يُرضي الرسول صلى الله عليه وسلم، وما يُغضب الله يُغضب الرسول. أو: أن الحق سبحانه وتعالى يريدنا أن نتأدب مع ذاته، في أنه إذا اجتمع أمران لله ولرسوله لا نجعل أحداً مع الله، وإنما نجعله له سبحانه وهو الواحد. ولذلك فعندما ارتكب رجل ذنباً، وقالوا له: أعلن توبتك أمام رسول الله، قال الرجل: إني أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد. فقال له رسول الله: "وقعت على الخير". انظر إلى عظمة الرسول الكريم الذي يثني على رجل يقول أمامه: إني لا أتوب إلى محمد، وإنما أتوب إلى الله. وقول الحق سبحانه: {إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} أي: إن كان إيمانهم حقيقة، وليس نفاقاً. إذن: فنحن لا نطلب الرضا من خلق الله، ولكن نطلبه من الله. ورضا الله سبحانه وتعالى ورضا المبلِّغ عنه رسوله صلى الله عليه وسلم رضا واحد. ولذلك وحَّد الضمير {وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} ولم يقل يرضوهما. ثم يقول الحق بعد ذلك: {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ...}.

الأندلسي

تفسير : {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ} الظاهر ان الضمير في يحلفون عائد على الذين يقولون هو إذن أنكروه وحلفوا أنهم ما قالوه. واللام في "ليرضوكم" لام كي. قال ابن عطية: مذهب سيبويه أنهما جملتان حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها والتقدير عنده والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه. ومذهب المبرد ان في الكلام تقديماً وتأخيراً وتقديره والله أحق أن يرضوه ورسوله. "انتهى". فقوله مذهب سيبويه أنهما جملتان حذفت الأولى إن كان الضمير في أنهما جملتان عائداً على كل واحدة من الجملتين، فكيف يقول: حذفت الأولى، ولم تحذف الأولى إنما حذف خبرها وإن كان الضمير عائداً على الخبر وهو أحق أن يرضوه، فلا تكون جملة إلا باعتقاد كون أن يرضوه مبتدأ وأحق المتقدم خبره لكن لا يتعين هذا القول، إذ يجوز أن يكون الخبر مفرداً بأن يكون التقدير أحق بأن يرضوه، وعلى التقدير الأول يكون التقدير والله إرضاؤه أحق. وقدره الزمخشري: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك. "انتهى". وفي تقديره تفكيك للكلام حيث جعل أحق أن يرضوه خبراً عن قوله: والله، فنوى به التقديم وأضمر خبراً لقوله: ورسوله، وقدره كذلك. والذي نقول: انه لما كانت طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم طاعة لله تعالى كما قال: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ}تفسير : [النساء: 80]، صارا لذلك متلازمين كالشىء الواحد فأخبر عنهما إخبار الواحد فأفرد الضمير، كما قال الشاعر: شعر : بها العينان تنهل تفسير : ولم يقل: تنهلان. وقالت العرب: رب يوم وليلة مرّ بي. يُريد مرّا بي، فأفرد الضمير لتلازمهما. {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ} أي لم يعلم المنافقون، وهو استفهام معناه التوبيخ والإِنكار. وقرىء: بالتاء وهو التفات. خرج من ضمير الغيبة إلى ضمير الخطاب، واسم ان هو ضمير الأمر والشأن، وخبر ان هو جملة الشرط والجزاء، فمن مبتدأ ويحادد مجزوم به. قال ابن عباس: المحادة هنا المخالفة، ويحادد خبر لمن، والفاء داخلة في جواب الشرط وينسبك من أن وما بعدها مصدر خبر لمبتدأ محذوف تقديره فجزاؤه كينونة النار له. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون فإِنّ له معطوفاً على أنه على أن جواب من محذوف تقديره ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله يهلك فإِنّ له نار جهنم. "انتهى". فيكون فإِن له نار جهنم في موضع نصب. وهذا الذي قدره لا يصح لأنهم نصوا على أنه إذا حذف الجواب لدلالة الكلام عليه كان فعل الشرط ماضياً في اللفظ أو مضارعاً مجزوماً بلم، فمن كلامهم: أنت ظالم إن فعلت، ولا يجوز أنْ تفعل. وهنا حذف جواب الشرط، وفعل الشرط ليس ماضي اللفظ ولا مضارعاً مقروناً بلم وذلك ان جاء في كلامهم فمخصوص بالضرورة، وأيضاً فتجد الكلام تاماً دون تقدير هذا الجواب. {يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ} الآية، قال ابن كيسان: وقف جماعة منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة عند مرجعه من تبوك ليفتكوا به فأخبره جبريل عليه السلام. فنزلت. وقيل: في غزوة تبوك أيرجو هذا الرجل أن تفتح له قصور الشام وحصونها هيهات هيهات. فأنزل الله تعالى: {قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ}. والظاهر أن يحذر خبر ويدل عليه: {إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ} فقيل: هو واقع منهم حقيقة لما شاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم يخبرهم بما يكتمونه وقع الحذر والخوف في قلوبهم. {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} أي ولئن سألتهم عما قالوا من القبيح في حقك وحق أصحابك من قول بعضهم: أنظروا إلى هذا الرجل، يريد أن تفتح له قصور الشام. وقول بعضهم: كأنكم بهم غداً في الجبال أسْرى لبني الأصفر. وقول بعضهم: ما رأيت كهؤلاء أرغب بطوناً ولا أكثر كذباً ولا أجْبن عند اللقاء. فأطلع الله نبيّه على ذلك فعنّفهم، فقالوا: يا نبي الله ما كنا في شىء من أمرك ولا أمر أصحابك إنما كنا في شىء مما يخوض فيه الركب كنا في غير جد. فنزلت. {قُلْ أَبِٱللَّهِ} الآية، تقرير على استهزائهم وضمنه الوعيد ولم يعْبأْ باعتذارهم لأنهم كانوا كاذبين فيه فجعلوا كأنهم معترفون باستهزائهم وبأنه موجود منهم حتى وبخوا بأخطائهم موضع الاستهزاء حيث جعل المستهزأ به على حرف التقرير وذلك إنما يستقيم بعد وقوع الاستهزاء وثبوته وهو حسن، وتقديم وبالله وهو معمول خبر كان عليها يدل على جواز تقديمه عليها. وعن ابن عمر قال: حديث : رأيت قائل هذه المقالة يعني إنما كنا نخوض ونلعب، واسمه وديعة بن ثابت متعلقاً بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يماشيها والحجارة تنكته وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن . تفسير : {لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} نهوا عن الاعتذارات لأنها اعتذارات كاذبة فهي لا تنفع. قد كفرتم: أظهرتم الكفر. بعد إيمانكم، أي بعد إظهار إيمانكم، لأنهم كانوا يسرون الكفر فأظهروه باستهزائهم وجاء التقسيم بالعفو عن طائفة والتعذيب لطائفة، وكان المنافقون صنفين: صنف أمر بجهادهم، جاهد الكفار والمنافقين وهم رؤساؤهم المعلنون بالأراجيف فعذبوا بإِخراجهم من المسجد وانكشاف معظم أحوالهم، وصنف ضعفة مظهرون الإِيمان وان أبطنوا الكفر لم يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفى عنهم، وهذا العذاب والعفو في الدنيا. وقيل: العفو عمّن علم الله أنهم سيخلصون من النفاق ويخلصون الإِيمان. والمعذبون من مات منهم على نفاقه. وقرىء: ان تعف مبنياً للمفعول التقدير ان تعف هذه الذنوب.

الجيلاني

تفسير : ومن جملة نفاق المنافقين وشقاقهم: إنهم {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ} لتسليتكم وتلبيسكم أيها المؤمنون على ما صدر عنهم من التخلف والتقول على سبيل العذر {لِيُرْضُوكُمْ} أي: لترضوا عنهم وتقبلوا عذرهم {وَٱللَّهُ} المطلع لضمائرهم {وَرَسُولُهُ} الملهم من عنده بمخايلهم وأباطيلهم {أَحَقُّ} وأليق {أَن يُرْضُوهُ} أي: رسوله أحق بالإرضاء والمراضاة، وحد الضمير؛ لأن إرضاء الرسول مستلزم لإرضاء الله، بل هو عين إرضائه سبحانه عند من ارتفع سبيل التعدد عن عينه، وغشاوة الكشرة عن بصره {إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 62] بالله وبحقية رسوله. {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ} ويفهموا أولئك المتخلفون، المؤذون لله ورسوله {أَنَّهُ} أي: الشأن {مَن يُحَادِدِ} ويشاقق {ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} ويتعد حدود الله ويخالف أمر رسوله {فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} جزاءً لما اقترف من المعاداة، فيكون {خَالِداً فِيهَا} لا ينجو منها أصلاً {ذٰلِكَ} أي: الخلود في جهنم الحرمان {ٱلْخِزْيُ ٱلْعَظِيمُ} [التوبة: 63] والهلاك الدائم. ومن شدة نفاقهم وشقاقهم {يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ} المصرون على الكفر الكامن في قلوبهم، المظهرون للإيمان استهزاءً ومداهنةً {أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ} أي: على المؤمنين {سُورَةٌ} طائفة من الكلام {تُنَبِّئُهُمْ} وتخبرهم {بِمَا فِي قُلُوبِهِم} من الكفر والنفاق فحينئذٍ فعلوا ما فعلوا بالمشركين المجاهدين {قُلِ} لهم تهديداً وتقريراً: {ٱسْتَهْزِءُوۤاْ} بالمؤمنين، وامضوا على ما أنتم عليه من الكفر والنفاق {إِنَّ ٱللَّهَ} المنتقم منكم {مُخْرِجٌ} مظهر {مَّا} كنتم {تَحْذَرُونَ} [التوبة: 64] منه، وهو إنزال السورة؛ لإفشاء حالكم. {وَ} كيف لا ينتقم الله عنهم {لَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ} أي: لئن سألتهم وأخذتهم حين استهزءا بك وبأصحابك وقت مرورهم عليك في غزوة تبوك قائلين: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه هيهات هيهات، فألهمت به فدعوتهم، وقلت لهم: قلتم كذا كذا؟ فقالوا: لا والله ما كنا في أمرك وأصحابك في شيء، بل {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} بالأراجيف مزاحاً؛ ليهون السفر علينا {قُلْ} لهم بمقتضى علمك إياهم، بوحي الله وإلهامه توبيخاً وتقريعاً: {أَبِٱللَّهِ} المنزه ذاته عن أن يستهزئوا {وَآيَاتِهِ} البريئة عن النقض {وَرَسُولِهِ} المطهر عن شوب الكذب {كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ} [التوبة: 65]. {لاَ تَعْتَذِرُواْ} بالأعذار الفاسدة، ولا تحلفوا بالحلف الكاذب، إنكم {قَدْ كَفَرْتُمْ} وأظهرتم بإيذاء الرسول والطعن في دينه {بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} بعدما أظهرتم الإيمان فارتفع الأمان عنكم بفعلكم هذا فلحقتم بالمشركين، فنفعل بكم ما نفعل بهم {إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ} بعدما تابوا عمَّا صدر عنهم، ورجعوا إلى الله نادمين خاشعين عن ظهر القلب {نُعَذِّبْ} بالقتل والأسر، والإجلاء والإذلال {طَآئِفَةً} أخرى منكم {بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} [التوبة: 66] مصرين على ما هم عليه من الكفر والنفاق وإيذاء الرسول والتخلف عن أمره بلا توبة وندامة.