٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
63
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن المقصود من هذه الآية أيضاً، شرح أحوال المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال أهل المعاني: قوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ } خطاب لمن حاول الإنسان تعليمه مدة وبالغ في ذلك التعليم ثم إنه لم يعلم فيقال له: ألم تعلم بعد هذه الساعات الطويلة والمدة المديدة، وإنما حسن ذلك لأنه طال مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، وكثرت نهاياته للتحذير عن معصية الله والترغيب في طاعته، فالضمير في قوله: {أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ } ضمير الأمر والشأن، والمعنى: أن الأمر والشأن كذا وكذا. والفائدة في هذا الضمير هو أنه لو ذكر بعد كلمة {أن} ذلك المبتدأ والخبر لم يكن له كثير وقع. فأما إذا قلت الأمر والشأن كذا وكذا أوجب مزيد تعظيم وتهويل لذلك الكلام. وقوله: {مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ } قال الليث: حاددته أي خالفته، والمحاددة كالمجانبة والمعاداة والمخالفة، واشتقاقه من الحد، ومعنى حاد فلان فلاناً، أي صار في حد غيره حده كقوله: شاقه أي صار في شق غير شقه، ومعنى {يُحَادِدِ ٱللَّهَ } أي يصير في حد غير حد أولياء الله بالمخالفة. وقال أبو مسلم: المحادة مأخوذة من الحديد حديد السلاح، ثم للمفسرين ههنا عبارات: يخالف الله، وقيل يحارب الله، وقيل يعاند الله. وقيل يعاد الله. ثم قال: {فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } وفيه وجوه: الأول: التقدير: فحق أن له نار جهنم. الثاني: معناه فله نار جهنم، وإن تكرر للتوكيد. الثالث: أن نقول جواب {مِنْ } محذوف، والتقدير: ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله يهلك فأن له نار جهنم. قال الزجاج: ويجوز كسر {إن} على الاستئناف من بعد الفاء والقراءة بالفتح. ونقل الكعبي في «تفسيره» أن القراءة بالكسر موجودة. قال أبو مسلم جهنم من أسماء النار، وأهل اللغة يحكون عن العرب أن البئر البعيدة القعر تسمى الجهنام عندهم، فجاز في جهنم أن تكون مأخوذة من هذا اللفظ، ومعنى بعد قعرها أنه لا آخر لعذابها، والخالد: الدائم، والخزي قد يكون بمعنى الندم وبمعنى الاستحياء، والندم هنا أولى. لقوله تعالى: { أية : وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ } تفسير : [يونس: 54].
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ} يعني المنافقين. وقرأ ٱبن هُرْمُز والحسن «تعلموا» بالتاء على الخطاب. {أَنَّهُ} في موضع نصب بيعلموا، والهاء كناية عن الحديث. {مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ} في موضع رفع بالابتداء. والمحادّة: وقوع هذا في حَدّ وذاك في حَدّ؛ كالمشاقّة. يُقال: حادّ فلان فلاناً أي صار في حَدّ غير حدّه. {فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} يُقال: ما بعد الفاء في الشرط مبتدأ؛ فكان يجب أن يكون «فإنّ» بكسر الهمزة. وقد أجاز الخليل وسيبويه {فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} بالكسر. قال سيبويه: وهو جَيّد وأنشد:شعر : وعِلْمِي بأسْدام المياه فلم تَزَل قَلائصُ تَخْدي في طريقٍ طلائحُ وأني إذا مَلّتْ رِكابي مُناخَها فإني على حَظّي من الأمر جامحُ تفسير : إلاَّ أن قراءة العامّة «فأن» بفتح الهمزة. فقال الخليل أيضاً وسيبويه: إن «أنّ» الثانية مبدلة من الأولى. وزعم المبّرد أن هذا القول مردود، وأن الصحيح ما قاله الجَرْمِيّ، قال: إن الثانية مكررة للتوكيد لما طال الكلام؛ ونظيره {أية : وَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ} تفسير : [النمل: 5]. وكذا {أية : فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا}تفسير : [الحشر: 17]. وقال الأخفش: المعنى فوجوب النار له. وأنكره المبرّد وقال: هذا خطأ من أجل إنّ «أن» المفتوحة المشدّدة لا يبتدأ بها ويضمر الخبر. وقال عليّ بن سليمان: المعنى فالواجب أن له نار جهنم؛ فإن الثانية خبر ابتداء محذوف. وقيل: التقدير فله أن له نار جهنم. فإن مرفوعةٌ بالاستقرار على إضمار المجرور بين الفاء وأن.
البيضاوي
تفسير : {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ} أن الشأن وقرىء بالتاء. {مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} يشاقق مفاعلة من الحد. {فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا} على حذف الخبر أي فحق أن له أو على تكرير أن للتأكيد ويحتمل أن يكون معطوفاً على أنه ويكون الجواب محذوفاً تقديره من يحادد الله ورسوله يهلك، وقرىء {فَإن} بالكسر. {ذٰلِكَ ٱلْخِزْىُ ٱلْعَظِيمُ} يعني الهلاك الدائم. {يَحْذَرُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ } على المؤمنين. {سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم } وتهتك عليهم أستارهم، ويجوز أن يكون الضمائر للمنافقين فإن النازل فيهم كالنازل عليهم من حيث إنه مقروء ومحتج به عليهم، وذلك يدل على ترددهم أيضاً في كفرهم وأنهم لم يكونوا على بت في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بشيء. وقيل إنه خبر في معنى الأمر. وقيل كانوا يقولونه فيما بينهم استهزاء لقوله: {قُلْ ٱسْتَهْزِءواْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ} مبرز أو مظهر. {مَّا تَحْذَرُونَ} أي ما تحذرونه من إنزال السورة فيكم، أو ما تحذرون إظهاره من مساويكم. {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } روي: أن ركب المنافقين مروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه هيهات هيهات، فأخبر الله تعالى به نبيه فدعاهم فقال: «قلتم كذا وكذا» فقالوا لا والله ما كنا في شيء من أمرك وأمر أصحابك ولكن كنا في شيء مما يخوض فيه الركب ليقصر بعضنا على بعض السفر. {قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءايَـٰتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهزِؤون} توبيخاً على استهزائهم بمن لا يصح الاستهزاء به، وإلزاماً للحجة عليهم ولا تعبأ باعتذارهم الكاذب. {لاَ تَعْتَذِرُواْ} لا تشتغلوا باعتذارتكم فإنها معلومة الكذب. {قَدْ كَفَرْتُمْ } قد أظهرتم الكفر بإيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم والطعن فيه. {بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ } بعد إظهاركم الإيمان. {إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مّنْكُمْ } لتوبتهم وإخلاصهم، أو لتجنبهم عن الإيذاء والاستهزاء. {نُعَذّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} مصرين على النفاق أو مقدمين على الإِيذاء والاستهزاء. وقرأ عاصم بالنون فيهما. وقرىء بالياء وبناء الفاعل فيهما وهو الله «وإن تعف» بالتاء والبناء على المفعول ذهاباً إلى المعنى كأنه قال: أن ترحم طائفة. {ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتُ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ} أي متشابهة في النفاق والبعد عن الإِيمان كأبعاض الشيء الواحد. وقيل إنه تكذيب لهم في حلفهم بالله إنهم لمنكم وتقرير لقولهم وما هم منكم وما بعده كالدليل عليه، فإنه يدل على مضادة حالهم لحال المؤمنين وهو قوله: {يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ } بالكفر والمعاصي. {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ } عن الإِيمان والطاعة. {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ } عن المبار، وقبض اليد كناية عن الشح. {نَسُواْ ٱللَّهَ } غفلوا عن ذكر الله وتركوا طاعته. {فَنَسِيَهُمْ } فتركهم من لطفه وفضله. {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ هُمُ الْفَـٰسِقُونَ } الكاملون في التمرد والفسوق عن دائرة الخير. {وَعَدَ الله الْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا } مقدرين الخلود. {هِىَ حَسْبُهُمْ } عقابًا وجزاء وفيه دليل على عظم عذابها. {وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ } أبعدهم من رحمته وأهانهم. {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } لا ينقطع والمراد به ما وعدوه أو ما يقاسونه من تعب النفاق. {كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } أي أنتم مثل الذين، أو فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم. {كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوٰلاً وَأَوْلَـٰدًا } بيان لتشبيههم بهم وتمثيل حالهم بحالهم. {فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلَـٰقِهِمْ } نصيبهم من ملاذ الدنيا، واشتقاقه من الخلق بمعنى التقدير فإنه ما قدر لصاحبه. {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلـٰقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلَـٰقِهِمْ } ذم الأولين باستمتاعهم بحظوظهم المخدجة من الشهوات الفانية والتهائهم بها عن النظر في العاقبة والسعي في تحصيل اللذائذ الحقيقية تمهيداً لذم المخاطبين بمشابهتهم واقتفاء أثرهم. {وَخُضْتُمْ } ودخلتم في الباطل. {كَٱلَّذِي خَاضُواْ } كالذين خاضوا، أو كالفوج الذي خاضوا، أو كالخوض الذي خاضوه. {أُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِي ٱلدنْيَا وَٱلآخِرَةِ } لم يستحقوا عليها ثواباً في الدارين. {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} الذين خسروا الدنيا والآخرة. {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ} أغرقوا بالطوفان. {وَعَادٌ} أهلكوا بالريح. {وَثَمُودُ } أهلكوا بالرجفة. {وَقَوْمِ إِبْرٰهِيمَ } أهلك نمروذ ببعوض وأهلك أصحابه. {وِأَصْحَـٰبِ مَدْيَنَ } وأهل مدين وهم قوم شعيب أهلكوا بالنار يوم الظلة. {وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ} قريات قوم لوط ائتفكت بهم أي انقلبت بهم فصار عاليها سافلها، وأمطروا حجارة من سجيل، وقيل قريات المكذبين المتمردين وائتفاكهن انقلاب أحوالهن من الخير إلى الشر. {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ} يعني الكل. {بِٱلْبَيّنَـٰتِ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} أي لم يك من عادته ما يشابه ظلم الناس كالعقوبة بلا جرم. {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} حيث عرضوها للعقاب بالكفر والتكذيب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ } أي الشأن {مَن يُحَادِدِ } يشاقق {ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } جزاءً {خَالِداً فِيهَا ذٰلِكَ ٱلْخِزْىُ ٱلْعَظِيمُ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {يُحَادِدِ} يخالف، أو يجاوز حدودهما، أو يعاديهما مأخوذ من حد السلاح لاستعماله في المعاداة. {جَهَنَّمَ} لبعد قعرها، بئر جهنام بعيدة القعر.
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {ألم يعلموا} قال أهل المعاني ألم تعلم خطاب لمن علم شيئاً ثم نسيه أو أنكره فيقال له ألم تعلم أنه كان كذا وكذا ولما طال مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهر المؤمنين والمنافقين وعلمهم من أحكام الدين ما يحتاجون إليه خاطب المنافقين بقوله ألم يعلموا يعني من شرائع الدين التي علمهم رسولنا {أنه من يحادد الله ورسوله} يعني أنه من يخالف الله ورسوله. وأصل المحاداة في اللغة: المخالفة والمجانبة والمعادة. واشتقاقه. من الحد. يقال: حاد فلان فلاناً إذا صار في غير حده وخالفه في أمره. وقيل: معنى يحادد الله ورسوله أي يحارب الله ورسوله ويعاند الله ورسوله {فأن له نار جهنم} أي فحق أن له نار جهنم {خالداً فيها} يعني على الدوام {ذلك الخزي العظيم} يعني ذلك الخلود في نار جهنم هو الفضيحة العظيمة. قوله عز وجل: {يحذر المنافقون} يعني يخشى المنافقون {أن تنزل عليهم سورة} يعني على المؤمنين {تنبئهم} يعني تخبر المؤمنين {بما في قلوبهم} يعني بما في قلوب المنافقين من الحسد والعداوة للمؤمنين وذلك أن المنافقين كانوا فيما بينهم يذكرون المؤمنين بسوء ويسترونه ويخافون الفضيحة ونزول القرآن في شأنهم. قال قتادة: وهذه السورة كانت تسمى الفاضحة والمبعثرة والمثيرة يعني أنها فضحت المنافقين وبعثرت عن أخبارهم وأثارتها وأسفرت عن مخازيهم ومثالبهم. وقال ابن عباس: أنزل الله ذكر سبعين رجلاً من المنافقين بأسمائهم وأسماء آبائهم ثم نسخ ذكر الأسماء رحمة منه على المؤمنين لئلا يعير بعضهم بعضاً لأن أولادهم كانوا مؤمنين {قل استهزئوا} أمر تهديد فهو كقوله اعملوا ما شئتم {إن الله مخرج} أي مظهر {ما تحذرون} والمعنى أن الله سبحانه وتعالى يظهر إلى الوجود ما كان المنافقون يسترونه ويخفونه عن المؤمنين. قال ابن كيسان: نزلت هذه الآية في اثني عشر رجلاً من المنافقين وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على العقبة لما رجع من غزوة تبوك ليفتكوا به إذا علاها وتنكروا له في ليلة مظلمة فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قد أضمروا له وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم وكان معه عمار بن ياسر يقود ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذيفة يسوقها فقال لحذيفة: "حديث : اضرب وجوه رواحلهم فضربها حذيفة حتى نحاهم عن الطريق فلما نزل قال لحذيفة: من عرفت من القوم؟ قال لم أعرف منهم أحداً يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنهم فلان وفلان حتى عدَّهم كلهم فقال حذيفة هلا بعثت إليهم من يقتلهم فقال: أكره أن تقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم بل يكفيناهم الله بالدبيلة"تفسير : (م). عن قيس بن عباد قال: قلت لعمار: أرأيت قتالكم أرأيا رأيتموه فإن الرأي يخطئ ويصيب أم عهداً عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال ما عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً لم يعهده إلى الناس كافة وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن في أمتي"تفسير : قال شعبة وأحسبه قال حدثني حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن في أمتي اثني عشر منافقاً لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط ثمانية منهم تكفيهم الدبيلة سراج من النار يظهر في أكتافهم حتى ينجم من صدورهم ".
الثعالبي
تفسير : وقوله: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...} الآية: {يُحَادِدِ}: معناه: يخالفُ ويشاقُّ. وقوله سبحانه: {يَحْذَرُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِم }: {يَحْذَرُ }: خبرٌ عن حال قلوبهم. وقال الزَّجَّاج وغيره: «يحذر»: الأمْرُ، وإِن كان لفظه لفْظَ الخبر؛ كأنه قال: «لِيَحْذَرْ». وقوله سبحانه: {قُلِ ٱسْتَهْزِءُواْ }: لفظه لفظُ الأمر، ومعناه التهديدُ، ثم أخبر سبحانه؛ أنَّه مخرجٌ لهم ما يحذَرُونه إِلى حِينِ الوجودُ، وقد فعل ذلك تَبَارَكَ وتعالى في «سورة بَرَاءَةَ»، فهي تُسمَّى «الفَاضِحَةَ»؛ لأنها فَضَحَتِ المنافقين.
البقاعي
تفسير : ولما بين أن حلفهم هذا إنما هو لكراهة الخزي عند المؤمنين وبين من هو الأحق بأن يرضوه، أقام الدليل على ذلك في استفهام إنكار وتوبيخ مبيناً أنهم فرّوا من خزي منقض فسقطوا في خزي دائم، والخزي: استحياء في هوان،فقال: {ألم يعلموا} أي لدلالتهم على الأحق بالإرضاء.ولما كان ذكر الشيء مبهماً ثم مفسراً أضخم، أضمر للشأن فقال: {أنه} أي الشأن العظيم {من يحادد الله} وهو الملك الأعظم، ويظهر المحاددة - بما أشار إليه الفك {ورسوله} أي الذي عظمته من عظمته، بأن يفعل معهما فعل من يخاصم في حد أرض فيريد أن يغلب على حد خصمه، ويلزمه أن يكون في حد غير حده {فأن له نار جهنم} أي فكونها له جزاء له على ذلك حق لا ريب فيه {خالداً فيها} أي دائماً من غير انقضاء كما كانت نيته المحادة أبداً؛ ثم نبه على عظمة هذا الجزاء بقوله: {ذلك} أي الأمر البعيد الوصف العظيم الشأن {الخزي العظيم*}. ولما علل فعل المستهينين، أتبعه تعليل أمر صنف آخر أخف منهم نفاقاً بما عندهم مما يقارب التصديق فقال: {يحذر المنافقون} وعبر بالوصف الدال على الرسوخ تحذيراً لهم من أدنى النفاق فإنه يجر إلى أعلاه {أن تنزل} ولما كانت السورة الفاضحة لهم داهية ونائبة من نوائب الدهر وشدائده، عدى الفعل بعلى فقال: {عليهم سورة} أي قطعة من القرآن شديدة الانتظام {تنبئهم} أي تخبرهم إخبار عظيماً مستقصي {بما في قلوبهم} لم يظهروا عليه أحداً من غيرهم او أحداً مطلقاً، لعل هذا الصنف كانوا يسلفون الأيمان لعلها تشكك بعض الناس أو تخفف عنهم إذا نزل ما يهتكهم، روي أنهم كانوا يقولون ما يؤدي ويدل على النفاق ويقولون: عسى الله أن لا يفشي علينا سرنا، وقال بعضهم بعد كلام قالوه: والله إني لأرانا شر خلق الله ولوددت أني قدمت فجلدت مائة جلدة وأنه لا ينزل فينا شيء يفضحنا. ولما كان حذرهم مع العمل ينافيه من كلام النفاق فعل المستهزىء، قال مهدداً: {قل استهزءوا} أي افعلوا فعل المستهزىء بغاية الرغبة {إن الله} أي المحيط بكمال العلم وتمام القدرة {مخرج} أي كانت له وصف إخراجه {ما تحذرون*} أي إخراجه من قبائحكم؛ وعن الحسن: كان المسلمون يسمون هذه السورة الحفارة، حفرت ما في قلوب المنافقين وأظهرته. ولما وصفهم بالنفاق، حققه بعدم مبادرتهم إلى التوبة التي هي فعل المؤمنين، وباجترائهم على الإنكار مع كون السائل لهم مَنْ بلغ الغاية في الجلال والوقار والكمال فقال: {ولئن سألتهم} أي وأنت من يجب أن يصدقه مسؤوله عما أخرجت السورة مما أظهروا بينهم من الكفر، وذلك حين قال بعضهم: انظروا إلى هذا الرجل يظن أنه يفتح قصور الشام وحصونها! هيهات هيهات! فأعلمه الله فقال: احبسوا عليّ الركب. فسألهم {ليقولن إنما} أي ما قلنا شيئاً من ذلك، إنما {كنا نخوض} أي نتحدث على غير نظام {ونلعب} أي بما لا خرج علينا فيه ويحمل عنا ثقل الطريق، فكأنه قيل: فماذا يقال لهم إذا حلفوا على ذلك على العادة؟ فقال: {قل} أي لهم تقريراً على استهزائهم متوعداً لهم معرضاً عما اعتذروا إعلاماً بأنه غير أهل لأن يسمع جاعلاً لهم كأنهم معترفون بالاستهزاء حيث جعل المستهزأ به يلي حرف التقرير، وذلك إنما يستقيم بعد وقوع الاستهزاء وثبوته تكذيباً لهم في قولهم: إنك إذن، بالمعنى الذي أرادوه، وبياناً لما في إظهارك لتصديقهم من الرفق بهم {أبالله} أي هو المحيط بصفات بصفات الكمال {وآياته} أي التي لا يمكن تبديلها ولا تخفى على ذي بصر ولا بصيرة {ورسوله} أي الذي عظمته من عظمته وهو مجتهد في إصلاحكم وتشريفكم وإعلائكم {كنتم} أي دائماً {تستهزءون*}. ولما حقق استهزاءهم، أنتج قوله: {لا تعتذروا} أي لا تبالغوا في إثبات العذر، وهو ما ينفي الملام، فإن ذلك لا يغنيكم وإن اجتهدتم لأن القطع حاصل بأنكم {قد كفرتم} أي بقولكم هذا، ودل - على أن كفرهم أحبط ما كان لهم من عمل - بنزع الخافض تشديداً على من نكث منهم تخويفاً له وتحقيقاً بحال من أصر فقال: {بعد إيمانكم} أي الذي ادعيتموه بألسنتكم صدقاً من بعضكم ونفاقاً من غيره. ولما كان الحال مقتضياً لبيان ما صاروا إليه بعد إكفارهم من توبتهم أو إصرارهم، بين أنهم قسمان: أحدهما مطبوع على قلبه ومقضي توبته وحبه، وهذا الأشرف هو المراد بقوله بانياً للمفعول إعلاماً بأن المقصود الأعظم هو الفعل، لا بالنظر إلى فاعل معين: {إن نعف} لأن كلام الملك وإن جري في مضمار الشرط فهو مرشد إلى تحققه ليحصل الفرق بين كلام الأعلى والأدنى {عن طائفة منكم} أي لصلاحيتها للتوبة {نعذب طائفة} أي قوم ذوو عدد فيهم أهلية الاستدارة، وقرأ عاصم ببناء الفعلين للفاعل على العظمة {بأنهم} أي بسبب أنهم {كانوا مجرمين*} أي كسبهم للذنوب القاطعة عن الخير صفة لهم ثابتة لا تنفك، فهم غير متأهلين للعفو، وشرح هذه القصة أنه كان يسير بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ثلاثة نفر من المنافقين: اثنان يستهزئان بالقرآن والرسول، والآخر يضحك، قيل: كانوا يقولون: إن محمداً يزعم أنه يغلب الروم ويفتح مدائنهم، ما أبعده من ذلك! وقيل: كانوا يقولون: إن محمداً يزعم أنه نزل في أصحابنا المقيمين في المدينة قرآن، وإنما هو قوله وكلامه، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال: احسبوا الركب عليّ، فدعاهم وقال لهم: قلتم كذا وكذا؟ فقالوا: {إنما كنا نخوض ونلعب} أي كنا نتحدث ونخوض في الكلام كما يفعل الركب لقطع الطريق بالحديث واللعب، قال ابن اسحاق: والذي عفى عنه رجل واحد وهو مخشي بن حمير الأشجعي، يقال: هو الذي كان يضحك، ولا يخوض وكان يمشي مجانباً لهم وينكر بعض مايسمع، فلما نزلت هذه الآية تاب. قال: اللهم! لا أزال أسمع آية تقرأ، تقشعر منها الجلود،وتجب منها القلوب، اللهم اجعل وفاتي قتلاً في سبيلك! لا يقول أحد: أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة، فما أحد من المسلمين إلا عرف مصرعه غيره رضي الله عنه. ولعل إطلاقاً الطائفة عليه تعظيماً له وستراً عليه وتبشيراً بتوبة غيره، ولعل مخشياً كان مؤمناً ولكن كان إيمانه مزلزلاً فلذا عبر هنا بقوله {أكفرتم بعد إيمانكم} والتعبير بذلك أشنع في الذم ولا سيما عند العرب لأنهم يتمادحون بالثبات على أيّ أمر اختاروه ويتذامون بالطيش، ولعل الجلاس المعنيّ بالقصة الآتية وحده أو مع غيره لم يكن آمن كغيره ممن عني بها، وما آمن إلا حين تاب، فلذا عبر هناك بقوله: {وكفروا بعد إسلامهم}؛ قال أبو حيان: قال ابن عمر: حديث : رأيت وديعة بن ثابت متعلقاً بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يماشيها والحجارة تنكته وهو يقول {إنما كنا نخوض ونلعب} والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أبالله وآياته"تفسير : - الآية. ولما بين سبحانه أفعالاً وأقوالاً لطوائف من المنافقين - منهم من كان معه صلى الله عليه وسلم في العسكر - هي في غاية الفساد، كان ذلك ربما اقتضى أن يسأل عن المتخلفين لو خرجوا ما كان يكون حالهم؟ فقال جواباًُ عن ذلك واستدلالاً على أن إجرام الذين لم يعف عنهم منهم خلق لازم: {المنافقون والمنافقات} أي الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفران {بعضهم} ولما كان مرجعهم الجمود على الهوى والطبع والعادة والتقليد من التابع منهم للمتبوع، قال: {من بعض} أي في صفة النفاق هم فيها كالجسد الواحد، أمورهم متشابهة في أقوالهم وأفعالهم وجميع أحوالهم، والقصد أن حالهم يضاد حال أهل الإيمان ولذلك بينه بقوله: {يأمرون بالمنكر} أي مما تقدم من الخبال والإيضاع في الخلال وغير ذلك من سيء الخصال {وينهون عن المعروف} أي من كل ما يكون فيه تعظيم الإسلام وأهله، يبغون بذلك الفتنة {ويقبضون أيديهم} أي يشحون فلا ينفقون إلا وهم كارهون. ولما كان كأن قيل: أما خافوا بذلك من معاجلة العقاب؟ أجاب بقوله: {نسوا الله} أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه، ويصلح أن يكون علة لما تقدم عليه؛ ولما اقدموا على ذلك، سبب عنه قوله: {فنسيهم} أي فعل بهم فعل الناسي لما استهان به بأن تركهم من رحمته، فكان ذلك الترك سبباً لحلول نقمته؛ ولما تطبعوا بهذه النقائص كلها، اختصوا بكمال الفسق فشرح ذلك في أسلوب التعجيب من حالهم فقال مظهراً موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف: {إن المنافقين هم} أي خاصة {الفاسقون *} أي الخارجون عن دائرة ما ينفعهم من الطاعة الراسخون في ذلك، فقد علم أنهم لو غزوا فعلوا فعل هؤلاء سواء لأن الكل من طينة واحدة.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه {ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله} قال: يعادي الله ورسوله. وأخرج أبو الشيخ عن يزيد بن هرون قال: خطب أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال في خطبته: يؤتى بعبد قد أنعم الله عليه وبسط له في الرزق، قد أصح بدنه وقد كفر نعمة ربه، فيوقف بين يدي الله تعالى فيقال له: ماذا عملت ليومك هذا وما قدمت لنفسك؟ فلا يجده قدَّم خيراً، فيبكي حتى تنفد الدموع ثم يعيَّر ويخزى بما ضيع من طاعة الله، فيبكي الدم ثم يعير ويخزى حتى يأكل يديه إلى مرفقيه، ثم يعير ويخزى بما ضيع من طاعة الله فينتحب حتى تسقط حدقتاه على وجنتيه وكل واحد منهما فرسخ في فرسخ، ثم يعير ويخزى حتى يقول: يا رب ابعثني إلى النار وارحمني من مقامي هذا. وذلك قوله {أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم} إلى قوله {العظيم} .
القشيري
تفسير : مَنْ كَفرَ بالله وأشرك في توحيده بإثباتِ موهوم استحق ما هو حقٌّ لله: تعَجَّلُ عقوبته في الحال بالفُرقة، وفي المآلِ بالخلود في الحرقة. فليس كلُّ مَنْ مُنِي بمصيبة يعلم ما ناله من المحنة، وأنشدوا: شعر : غَداً يَتَفَرَّقُ أهلُ الهوى ويكْثُر باكٍ ومُسْتَرْجِع
اسماعيل حقي
تفسير : {ألم يعلموا} اى اولئك المنافقون والاستفهام للتوبيخ على ما اقدموا عليه من العظمة مع علمهم بسوء عاقبتهم {انه} اى الشان {من} شرطية معناها بالفارسية [هركس كه] {يحادد الله ورسوله} [خلاف كند باخداى تعالى وبارسول او وازحد دركذراند. والمحادة باكسى حرب يا خلاف كردن] كما فى تاج المصادر مفاعلة من الحد وهو الطرف والنهاية وكل واحد من المتخالفين والمتعاندين فى حد غير حد صاحبه {فان له} بالفتح على انه مبتدأ حذف خبره اى فحق ان له {نار جهنم خالدا فيها ذلك} العذاب الخالد {الخزى العظيم} الخزى الذل والهوان المقارن للفضيحة والندامة وهى ثمرات نفاقهم حيث يفتضحون على على رؤوس الاشهاد بظهورها ولحوق العذاب الخاص بهم. واعلم ان كل نبى اوذى بما لا يحيط به نطاق البيان وكان النبى عليه السلام اشدهم فى ذلك كما قال "حديث : ما اوذى نبى مثل ما اوذيت" تفسير : ولما كانت الاذية سبب التصفية كان المعنى ما صفى نبى مثل ما صفيت واما قوله عليه السلام حين قسم غنائم الطائف فقال بعض المنافقين بعدم العدل "حديث : من يعدل اذا لم يعدل الله ورسوله رحمة الله على اخى موسى لقد اوذى باكثر من هذا فصبر" تفسير : فيحتمل ان يكون بالنسبة الى ذلك الوقت وقد زاد اذاه الى آخر العمر كمية واشتد كيفية هذا هو اللائح بالبال فاذا كان الانبياء عليهم السلام مبتلين بالاذية والنفى من البلد والقتل فما ظنك بالاولياء الكرام وهم احوج منهم الى التصفية لان قدس الانبياء اغلب وبواطنهم انور وسرائرهم اصفى. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره وانما كان الحسن مسموما والحسين مذبوحا رضى الله عنهما بسبب ان كمال تعينهما كان بالشهادة وكان النبى عليه السلام قادرا على تخليصهما بالشفاعة من الله تعالى ولكنه رأى كمالهما فى مرتبتهما راجحا على الخلاص حديث : حتى انه عليه السلام دفع قارورتين لواحدة من الازواج المطهرة وقال "اذا أصفر ما فى احداهما يكون الحسن شهيداً بالسم واذا احمر ما فى الاخرى يكون الحسين شهيدا بالذبح" فكان كذلك .تفسير : فعلى العاقل الاطاعة والتسليم وتحمل الاذى من كل منافق لئيم فان الله تعالى مع المؤمن المتقى اينما كان فاذا كان الله معه وكاشف عن ذلك هان عليه الابتلاء لمشاهدته المبتلى على كل حال فى فرح وترح: وفى المثنوى شعر : هر كجا باشد شه مارا بساط هست صحرا كربود سم الخياط هركجا يوسف رضى باشد جوماه جنتست اوكرجه باشد قعر جاه
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى على وجه التهديد والتقريع والتوبيخ لهؤلاء المنافقين {ألم يعلموا} أي أو ما علموا {أنه من يحادد الله} اي يتجاوز حدود الله التي أمر المكلفين ان لا يتجاوزوها، فالمحادة مجاوزة الحد بالمشاقة ومثله المباعدة. والمعنى مصيرهم في حد غير حد أولياء الله. فالمخالفة والمحادة والمجانبة والمعاداة نظائر في اللغة. وانما قال: لمن لا يعلم {ألم يعلموا} لأحد أمرين: أحدهما - على وجه الاستبطاء لهم والتخلف عن علمه. والآخر - انه يجب ان تعلموا الآن هذه الاخبار. وقال الجبائي: معناه ألم يخبرهم النبي صلى الله عليه وآله بذلك. وقوله {فأن له نار جهنم خالداً فيها} يحتمل أن يكون على التكرير، لأن الأولى للتأكيد مع طول الكلام، وتقديره فله نار جهنم أو فان له نار جهنم. قال الزجاج: ولو قرئ {فان} بكسر الهمزة على وجه الاستئناف كان جائزاً، غير أنه لم يقرأ به احد. وقوله {ذلك الخزي العظيم} معناه ذلك الذي ذكرناه من أن له نار جهنم هو الخزي يعني الهوان بما يستحى من مثله. تقول: خزي خزياً اذا انقمع للهوان فأخزاه إخزاء وخزياً.
اطفيش
تفسير : {ألم يعْلَموا} وقرأ الأعرج والحسن بالتاء خطابا للناس أو للمؤمنين، متضمنا تهديد المنافقين، كما قرأ أبى: ألم تعلم بالتاء والإفراد خطابا له صلى الله عليه وسلم على تمديديهم وإبعادهم، أو قراءة الأعرج، والحسن خطاب للمنافقين وهو أولى وأنسب بقراءة الجمهور. {أنَّه} أى الشأن {مَنْ يُحادِدِ اللهَ ورسُولَه} يخالفهما ويجعل نفسه فى حد غير حدهما، فذلك مفاعلة من الحد وهو الجانب {فإنَّ لهُ نَار جَهنَّم} المصدر من خبر إن خبر لمحذوف، أى فالواجب أو فجزاؤه ثبوت نار جهنم له، أو مبتدأ محذوف الخبر مقدم عليه، أى فواجب أو فحق ثبوتها أنه لا مؤخر كما قيل، لأنه لا يخبر عن المصدر المسبوك من خبر إن بمؤخر، والجملة جواب الشرط، والمجموع خبر لأن الأولى، وزعموا عن سيبويه أن الثانية بدل من الأولى بدل اشتمال، ولم يصح لأنه لا يبدل من الشىء قبل استيفاء خبره، ولأن الفاء تمنع البدل، ولأنه لا معنى لهذا البدل، وقيل: مؤكدة للأولى، وجملة اسمها وخبرها جواب، والمجموع خبر للأولى، ويلزم عليه عدم التأويل بالمصدر مع وجود إذنه. وزعم بعض أنه يجوز أن تكون الفاء عاطفة على أن الأولى وخبرها، وأن الجواب محذوف، أى يهلك، والجواب والشرط هو خبر الأولى وقرأ ابن أبى عبلة بكسر إن الثانية، ولا إشكال فيها ولا بحث. {خالِداً} حال من ضمير الاستقرار فى خبر إن {فِيها} أى فى النار أو فى جهنم، والأولى أولى، لأن عود الضمير للمضاف أولى منه للمضاف إليه، وإنما قال: لم يعلموا لتكرر ذلك عليهم، حتى أنهم لا بد عالمون {ذَلكَ الخِزْى} مبتدأ أو خبر {العَظِيمُ} نعت للخزى، وهذا أولى من كون الخزى تابعا، والعظيم خبر أو الإشارة للخلود فى فى النار.
اطفيش
تفسير : {أَلَمْ يَعْلَمُوا} أَى المنافقون توبيخ {أَنَّهُ} أَى الشأْن {مَنْ يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ} من يعاند الله ورسوله كأَنه يجعل الله ورسوله فى حد ونفسه فى حد، والحد الجانب، وقيل من الحد بمعنى المنع، وأَن هذه لتأْكيد الشرط والجواب، وفى قوله {فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا} لتأْكيد الجملة بعدها، وهى وما بعدها جواب الشرط مع ما حذف، أَى فالواجب أَو فالأَمر أَو فحق ثبوت نار جهنم له، وأَجاز بعضهم حذف الجواب، ولو كان الشرط مضارعاً مجرداً من لم كما فى المعنى فيجوز عطف أَن له نار جهنم على أَنه من يحادد الله ورسوله، ويقدر الجواب لفظ يهلك لكن المعنى بعيد وهو توبيخهم على عدم العمل بعلمهم بهلاك من شاق الله ورسوله وبأَن له نار جهنم، لأَنهم ليسوا عالمين بذلك، بل هم منكرون له أَو مترددون، اللهم إِلا أَن ينزلوا منزلة من علم لظهور الدلائِل على أَنه صلى الله عليه وسلم رسول الله وأَن مخالفه هالك، وأَما تكرير التأْكيد فلا بأْس به فكل واحدة أكدت ما بعدها كقولك أَلم تعلم أَن زيداً وأَن عمراً قائِمان، فكل واحدة أَكدت القيام، نعم يقال لأَيهما الخبر فيجاب بأَنه للأَول التأْكيد معنوى لا صناعى فلا يضر الفصل، قال الشاعر: شعر : لقد علم الحى اليمانون أَننى إِذا قلت أَما بعد أَنى خطيبها تفسير : وخالداً حال من الهاءِ {ذَلِكَ} أَى ما ذكر من ثبوت نار جهنم الدائِمة له، أَو ذلك الخلود فيها {الْخِزْىُ الْعَظِيمُ} موجب الخزى العظيم لأَن الخزى الذل الذى يستحى منه، وأَما تفسيره بالعذاب الدائِم أَو الهلاك الدائِم فيغنى عنه قوله خالداً فيها ولا يفسر بالإِهلاك، لأَن الإِهلاك فعل الله والخزى وصف لهم.
الالوسي
تفسير : {أَلَمْ يَعْلَمُواْ} أي أولئك المنافقون، والاستفهام للتوبيخ على ما أقدموا عليه من العظيمة مع علمهم بما سمعوا من الرسول صلى الله عليه وسلم بوخامة عاقبتها. وقرىء {تعلموا} بالتاء على الالتفات لزيادة التقريع والتوبيخ إذا كان الخطاب للمنافقين لا للمؤمنين كما قيل به وفي قراءة {أية : أَلَمْ تَعْلَمْ } تفسير : [العلق: 14] والخطاب إما للنبـي صلى الله عليه وسلم أو لكل واقف عليه، والعلم يحتمل أن يكون المتعدي لمفعولين وأن يكون المتعدي لواحد {أَنَّهُ} أي الشأن {مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي يخالف أمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، وأصل المحادة مفاعلة من الحد بمعنى الجهة والجانب كالمشاقة من الشق والمعاداة من العدوة بمعناه أيضاً فإن كل واحد من مباشري كل من الأفعال المذكورة في حد وشق وعدوة غير ما عليه صاحبه، ويحتمل أن تكون من الحد بمعنى المنع، و {مِنْ} شرطية جوابها قوله سبحانه: {فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} على أن خبره محذوف أي فحق أن له نار جهنم، وقدر ذلك لأن جواب الشرط لا يكون إلا جملة وأن المفتوحة مع ما في حيزها مفرد تأويلاً، وقدر مقدماً لأنها لا تقع في ابتداء الكلام كالمكسورة، وجوز أن يكون المقدر خبراً أي الأمر أن له الخ، وقيل المراد فله نار جهنم وأن تكرير (أن) في قوله سبحانه: {أَنَّهُ} توكيداً قيل: وفيه بحث لأنه لو كان المراد فله وأن توكيداً لكان نار جهنم مرفوعاً ولم يعمل (أن) فيه، ولما فصل بين المؤكد والمؤكد بجملة الشرط، ولما وقع أجنبـي بين فاء الجزاء وما في حيزه. وأجيب بأنه ليس من باب التوكيد اللفظي بل التكرير لبعد العهد وهو من باب التطرية ومثل ذلك لا يمنع العمل ودخول الفاء. ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [النحل: 119] وقوله:شعر : لقد علم الحي اليمانون أنني إذا قلت أما بعد أني خطيبها تفسير : وكم وكم. وجعل الآية من هذا الباب نقله سيبويه في «الكتاب» عن الخليل وهو ـ هو ـ وليس زَعَمَ في كلامه تمريضاً له لأنه عادته في كل ما نقله كما بينه شراحه وجوّز أن يكون معطوفاً على {أَنَّهُ} وجواب الشرط محذوف أي ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله يهلك فأن له الخ. وحاصله ألم يعلموا هذا وهذا عقيبه ولا يخفى بعده مع أن أبا حيان قال: ((إنه لا يصح لأنهم نصوا على أن حذف الجواب إنما يكون إذا كان فعل الشرط ماضياً [في اللفظ] أو مضارعاً مجزوماً بلم وما هنا ليس كذلك)). وتعقبه بعضهم بأن ما ذكره ليس متفقاً عليه فقد نص ابن هشام على خلافه فكأنه شرط للأكثرية، والقول بأن حق العطف فيما ذكر أن يكون بالواو قال فيه الشهاب ليس بشيء إلا أن استحقاقه النار بسبب المحادة بلا شبهة، وقرىء {فَإنَّ} بالكسر ولا يحتاج إلى توجيه لظهوره. وقوله سبحانه: {خَالِداً فِيهَا} حال مقدرة من الضمير المجرور إن اعتبر في الظرف ابتداء الاستقرار وحدوثه وانه اعتبر مطلق / الاستقرار فالأمر واضح {ذٰلِكَ} أي ما ذكر من العذاب {ٱلْخِزْىُ ٱلْعَظِيمُ} أي الذل والهوان المقارن للفضيحة، ولا يخفى ما في الحمل من المبالغة، والجملة تذييل لما سبق.
ابن عاشور
تفسير : هذه الجملة تتنزل من جملة {أية : والله ورسوله أحق أن يرضوه}تفسير : [التوبة: 62] منزلة التعليل، لأنّ العاقل لا يرضى لنفسه عملاً يَؤول به إلى مثل هذا العذاب، فلا يُقدم على ذلك إلاّ مَن لاَ يعلم أنّ من يحادد الله ورسوله يصير إلى هذا المصير السيىءّ. والاستفهام مستعمل في الإنكار والتشنيع، لأنّ عدم علمهم بذلك محقّق بِضرورة أنّهم كافرون بالرسول، وبأنّ رضى الله عند رضاه ولكن لمّا كان عدم علمهم بذلك غريباً لوجود الدلائل المقتضية أنّه ممّا يحقّ أن يعلموه، كان حال عدم العلم به حالاً منكراً. وقد كثر استعمال هذا ونحوه في الإعلام بأمر مهمّ، كقوله في هذه السورة: {أية : ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده}تفسير : [التوبة: 104] وقوله: {أية : ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم}تفسير : [التوبة: 78] وقول مَوْيَال بن جـهم المذحجي، أو مبشر بن هذيل الفزاري:شعر : ألَمْ تعلَمي يا عَمْرَكِ اللَّهَ أنّني كريمٌ على حينَ الكرامُ قليل تفسير : فكأنّه قيل: فلْيعلموا أنّه من يُحادد الله الخ. والضمير المنصوب بــــ {أنّه} ضمير الشأن، وفسّر الضمير بجملة {من يحادد الله} إلى آخرها. والمعنى: ألم يعلموا شأناً عظيماً هو من يحادد الله ورسوله له نار جهنّم. وفكّ الدَّالان من {يحادد} ولم يُدغما لأنّه وقع مجزوماً فجاز فيه الفَكّ والإدغام، والفكّ أشهر وأكثر في القرآن، وهو لغة أهل الحجاز، وقد ورد فيه الإدغام نحو قوله: {أية : ومن يشاقّ الله} تفسير : في سورة الحشر (4) في قراءة جميع العشرة وهو لغة تميم. والمحادَّة: المُعاداة والمخالفة. والفاء في {فأن له نار جهنم} لربط جواب شرط {مَن}. وأعيدت {أنَّ} في الجواب لتوكيد {أنَّ} المذكورة قبلَ الشرط توكيداً لفظياً، فإنّها لما دخلت على ضمير الشأن وكانت جملة الشرط وجوابه تفسيراً لضمير الشأن، كان حكم {أنَّ} سارياً في الجملتين بحيث لو لم تذكر في الجواب لعُلِم أنّ فيه معناها، فلمّا ذكرت كان ذكرها توكيداً لها، ولا ضيرَ في الفصل بين التأكيد والمؤكَّد بجملة الشرط، والفصل بين فاء الجواب ومدخولها بحرفٍ، إذ لا مانع من ذلك، ومن هذا القبيل قوله تعالى: {أية : ثم إن ربك للذين عملوا السوءَ بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم}تفسير : [النحل: 119] وقول الحماسي، وهو أحد الأعراب:شعر : وإنَّ امرءاً دامت مواثيق عهده على مثل هذا إنَّه لكريم تفسير : و{جهنّم} تقدّم ذكرها عند قوله تعالى: {أية : فحسبه جهنم وبئس المهاد} تفسير : في سورة البقرة (206). والإشارة بذلك إلى المذكور من العذاب أو إلى ضمير الشأن باعتبار تفسيره. والمقصود من الإشارة: تمييزه ليتقرّر معناه في ذهن السامع. و{الخزي} الذلّ والهوان، وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا} تفسير : في سورة البقرة (85).
د. أسعد حومد
تفسير : {خَالِداً} (63) - أَلاَ يَعْلَمُ هَؤُلاَءِ الْمُنَافِقُونَ أَنَّ مَن شَاقَّ اللهَ وَرَسُولَهُ بِتَعَدِّي حُدُودِ مَا أَنْزَلَ اللهُ، وَحَارَبَهُمَا وَخَالَفَهُمَا، وَلَمَزَ رَسُولَ اللهِ فِي أَعْمَالِهِ وَأَخْلاَقِهِ، فَإِنَّهُ سَيَصْلَى نَارَ جَهَنَّمَ، وَيَبْقَى خَالِداً فِيهَا، وَهَذا هُوَ الذُّلُ العَظِيمُ، وَالشَّقَاءُ الكَبِيرُ. المُحَادَدَةُ - المُشَاقَقَةُ وَالمُخَالَفَةُ وَالمُعَادَاةُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذا سمعت {أَلَمْ}، فافهم أن هذا استنكار، كأن وسائل العلم قد تقدمت، وكان من الواجب أن تعلم. فإذا قلت لإنسان: ألم تعلم أنه حدث كذا وكذا؟ فمعنى ذلك أنه قد أعلن عن هذا الحادث عدة مرات، ومع ذلك لم يعلمه. وهذا استنكار لتخلُّف هذا الإنسان عن العلم. وهنا يستنكر الحق عدم علم المنافقين بقضية أعلنها الله مرات ومرات، وكان يجب أن يعلموها وألا تزول عن خواطرهم أبداً. وسبق أن قلنا: إن الاستفهام فيه نفي، والهمزة همزة استفهام. ولم تأت للنفي، وإذا دخلت همزة الاستفهام على النفي يكون استنكاراً. فإن قلت لإنسان: ألم أكرمك؟ كأنك أكرمته عدة مرات وهو مُنكر لذلك. وقول الحق سبحانه وتعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ} هو إقامة للحجة على أن الحكم قد بلغهم؛ لأنه من الجائز أن يقولوا: إن الحكم لم يبلغنا، فيوضح لهم الحق: بل بلغكم الحكم وقد أعلمتكم به عدة مرات. {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ} ما معنى يحادد؟ نجد في الريف أن أهل الريف يضعون علامات من الحديد تفصل بين قطعة أرض وأخرى مجاورة لها، كعلامة على الشيء الذي يفصل بين حق وحق ويسمونها حدّاً، والذين يحادون الله هم الذين يجعلون الله في جانب وهم في جانب، وبذلك لا يعيشون في معية الله ولا ينعمون بنعمة الإيمان به سبحانه ولا يطبقون منهجه. بل يجعلون حدّاً بينهم وبين ما أمر به الله. وعندما أراد العلماء تفسير هذه الآية قالوا: {يُحَادِدِ} تعني: يعادي، وقالوا: بمعنى يشاقق؛ أي: يجعل نفسه في شق والله ورسوله ودينه في شق آخر. أو: يحارب دين الله فيكون هو في وجهة ودين الله في وجهة أخرى. وهناك علاقة بين كلمة "يحارب" وكلمة "حد"، فحدُّ السيف هو الجزء القاطع منه الذي يفصل أي شيء يقطعه إلى جزءين، فكأن الذي يحادد هو من يحارب منهج الله ورسوله. فهو لا يكفر بالله فقط، ولكنه يحمل السلاح ليجعل خلق الله يكفرون أيضاً. والحق سبحانه وتعالى يريد من المؤمنين أن يكونوا دائماً في جانب الإيمان، وألا يقيموا حدّاً بينهم وبين الإيمان به. والأحكام الشرعية تسمى حدوداً، أي: أن كل حكم قد وضع ليحدد حدّاً من حدود الله، تحفظ به الحقوق والأوامر. ومنهج الله إما أن يكون أوامر، وإما أن يكون نواهي؛ لأن منهج الدين كله في "افعل" و "لا تفعل"، ويضع الحق سبحانه وتعالى عقاباً لمن يتعدى حدوده سبحانه، فيقول سبحانه: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا...} تفسير : [البقرة: 187]. ويقول: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ...} تفسير : [البقرة: 229]. ويسأل بعض الناس: ما الفرق بين اللفظين {تَعْتَدُوهَا} و {تَقْرَبُوهَا}. ونقول إذا كانت هناك أوامر فلا تتعد الأمر، وإذا كانت هناك نواهٍ فلا تقترب من المنهى عنه. ونلحظ أن الحق سبحانه وتعالى حين نهى آدم وحواء عن الأكل من الشجرة المحرمة لم يقل: لا تأكلا من الشجرة، بل قال: {أية : فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ...} تفسير : [الأعراف: 19]. وبذلك أباح سبحانه الأكل من كل ثمار الجنة، ولكنه أمر {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} لأن القرب من هذه الشجرة إغراء بالمعصية؛ فقد يعجبهما منظر الثمرة. وقد تغريهما رائحتها، وقد يفتنهما لونها. ولكن عندما لا يقتربان من هذه المغريات كلها فهما يحميان نفسيهما من المعصية. وعندما تكلم الحق سبحانه وتعالى عن الخمر قال: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ ...} تفسير : [المائدة: 90]. والحق لم يقل: لا تشربوا الخمر، ولكن أمر باجتناب الخمر، أي: لا تقرب أي مكان فيه خمر؛ لأن وجود الإنسان في مكان فيه خمر قد يوحي إليه بتناولها. وقد يجد من الجالسين من يحاول إغراء من لا يشرب بأن يتناول ولو جرعة. إذن: فالحق سبحانه يريد أن يقي النفس المؤمنة من أن تغرى بالمعصية فتقع فيها. ويقول سبحانه في أدب الاعتكاف: {أية : وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي ٱلْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ...} تفسير : [البقرة: 187]. المنهي عنه هنا هو المباشرة، أي: إن تواجدت الزوجة مع زوجها في المسجد، فليس في هذا الأمر معصية شرط ألا يباشرها الزوج، ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} ولم يقل: فلا تفعلوها، ولكنه قال: {أية : فَلاَ تَقْرَبُوهَا...} تفسير : [البقرة: 187]. إذن: ففيهما نهى الله سبحانه وتعالى عنه؛ مطلوب من المسلم ألا يقرب منه، أي: لا تكن أنت والشيء الذي نهى الله عنه في مكان واحد، بل عليك أن تبتعد عن المكان؛ لأن المعصية لها إغراءات، وما دمت بعيداً عن الإغراءات؛ فأنت تعصم نفسك، أما إن اقتربت منها فقد تقع فيها. أما في الأوامر؛ فيقول الحق سبحانه وتعالى: {فَلاَ تَعْتَدُوهَا}. وعلى سبيل المثال: إن نشأ خلاف بين الزوجين وفشلت كل محاولات الصلح بينهما، يقول الحق سبحانه: {أية : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ...} تفسير : [البقرة: 229]. إذن: ففي الأوامر يقول الحق: {فَلاَ تَعْتَدُوهَا}، وفي النواهي يقول سبحانه: {فَلاَ تَقْرَبُوهَا}. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ينذر الحق سبحانه وتعالى الذين يحادون الله ورسوله فيقول: {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذٰلِكَ ٱلْخِزْيُ ٱلْعَظِيمُ} والإنذار هنا يتمثل في أنه يوضح لهم أن ما ينتظرهم ليس هو العذاب الجسدي فقط، ولكنه عذاب فيه خزي وهوان، فمثلاً بعض الناس قد يتحمل ويتجلد أمام الألم حتى لا يشمت فيه عدوه؛ لذلك فالعذاب الذي يعدهم الله به في الآخرة ليس أليماً فقط، ولكن فيه خزي وهوان. ويتمثل الخزي في أن المتكبر في الدنيا يأتي إلى الآخرة ويهان أمام الخلق جميعاً، ويكفي خزياً أن يكون في النار. والمؤمنون الذين تكبَّر عليهم في الدنيا يعيشون في نعيم الجنة، وتلك حسرة تصيبه ليس بعدها حسرة. ثم يفضح الحق سبحانه وتعالى المنافقين فيقول: {يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} معناهُ مَنْ يُحارِبُ ويُشاقِقُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):