٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
64
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنهم كانوا يسمون سورة براءة، الحافرة حفرت عما في قلوب المنافقين قال الحسن: اجتمع اثنا عشر رجلاً من المنافقين على أمر من النفاق، فأخبر جبريل الرسول عليه الصلاة والسلام بأسمائهم، فقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : إن أناساً اجتمعوا على كيت وكيت، فليقوموا وليعترفوا وليستغفروا ربهم حتى أشفع لهم » تفسير : فلم يقوموا، فقال عليه الصلاة والسلام بعد ذلك: « حديث : قم يا فلان ويا فلان » تفسير : حتى أتى عليهم ثم قالوا: نعترف ونستغفر فقال: « حديث : الآن أنا كنت في أول الأمر أطيب نفساً بالشفاعة، والله كان أسرع في الإجابة، اخرجوا عني اخرجوا عني » تفسير : فلم يزل يقول حتى خرجوا بالكلية، وقال الأصم: إن عند رجوع الرسول عليه الصلاة والسلام من تبوك وقف له على العقبة اثنا عشر رجلاً ليفتكوا به فأخبره جبريل، وكانوا متلثمين في ليلة مظلمة وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم، فأمر حذيفة بذلك فضربها حتى نحاهم، ثم قال: « حديث : من عرفت من القوم » تفسير : فقال: لم أعرف منهم أحداً، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أسماءهم وعدهم له، وقال: « حديث : إن جبريل أخبرني بذلك » تفسير : فقال حذيفة: ألا تبعث إليهم ليقتلوا، فقال: « حديث : أكره أن تقول العرب قاتل محمد بأصحابه حتى إذا ظفر صار يقتلهم بل يكفينا الله ذلك » تفسير : . فإن قيل: المنافق كافر فكيف يحذر نزول الوحي على الرسول. قلنا: فيه وجوه: الأول: قال أبو مسلم: هذا حذر أظهره المنافقون على وجه الاستهزاء حين رأوا الرسول عليه الصلاة والسلام يذكر كل شيء ويدعي أنه عن الوحي، وكان المنافقون يكذبون بذلك فيما بينهم، فأخبر الله رسوله بذلك وأمره أن يعلمهم أنه يظهر سرهم الذي حذروا ظهوره، وفي قوله: {استهزئوا} دلالة على ما قلناه. الثاني: أن القوم وإن كانوا كافرين بدين الرسول إلا أنهم شاهدوا أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يخبرهم بما يضمرونه ويكتمونه، فلهذه التجربة وقع الحذر والخوف في قلوبهم. الثالث: قال الأصم: أنهم كانوا يعرفون كونه رسولاً صادقاً من عند الله تعالى، إلا أنهم كفروا به حسداً وعناداً. قال القاضي: يبعد في العالم بالله وبرسوله وصحة دينه أن يكون محاداً لهما. قال الداعي إلى الله: هذا غير بعيد لأن الحسد إذا قوي في القلب صار بحيث ينازع في المحسوسات، الرابع: معنى الحذر الأمر بالحذر، أي ليحذر المنافقون ذلك. الخامس: أنهم كانوا شاكين في صحة نبوته وما كانوا قاطعين بفسادها. والشاك خائف، فلهذا السبب خافوا أن ينزل عليه في أمرهم ما يفضحهم، ثم قال صاحب «الكشاف»: الضمير في قوله: {عَلَيْهِمْ } و {تُنَبّئُهُمْ } للمؤمنين، وفي قوله: {فِى قُلُوبِهِمْ } للمنافقين ويجوز أيضاً أن تكون الضمائر كلها للمنافقين، لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم، ومعنى {تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم } أن السورة كأنها تقول لهم في قلوبهم كيت وكيت، يعني أنها تذيع أسرارهم إذاعة ظاهرة فكأنها تخبرهم. ثم قال: {قُلِ اسْتَهْزءُواْ} وهو أمر تهديد كقوله: { أية : وَقُلِ ٱعْمَلُواْ } تفسير : [التوبة: 105] { إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ } [التوبة: 64] أي ذلك الذي تحذرونه، فإن الله يخرجه إلى الوجود، فإن الشيء إذا حصل بعد عدمه، فكان فاعله أخرجه من العدم إلى الوجود.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ} خبر وليس بأمر. ويدلّ على أنه خبر أن ما بعده «إنَّ الله مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرونَ» لأنهم كفروا عِناداً. وقال السّديّ: قال بعض المنافقين والله ودِدت لو أني قدّمت فجلدت مائة ولا ينزل فينا شيء يفضحنا؛ فنزلت الآية: {يَحْذَرُ} أي يتحرّز. وقال الزجاج: معناه ليَحْذَر؛ فهو أمر؛ كما يُقال: يفعل ذلك. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ} «أنْ» في موضع نصب، أي من أن تنزّل. ويجوز على قول سيبويه أن تكون في موضع خفض على حذف من. ويجوز أن تكون في موضع نصب مفعولة ليحذر؛ لأن سيبويه أجاز: حذِرت زيداً؛ وأنشد:شعر : حَذِرٌ أُموراً لا تَضِير وآمِنٌ ما ليس مُنْجِيَه من الأقدار تفسير : ولم يُجِزه الْمُبّرد؛ لأن الحذر شيء في الهيئة. ومعنى «عَلَيْهِمْ» أي على المؤمنين {سُورَةٌ} في شأن المنافقين تخبرهم بمخازيهم ومساويهم ومثالبهم؛ ولهذا سُمِّيت الفاضحة والمثيرة والمبعثرة، كما تقدّم أوّل السورة. وقال الحسن: كان المسلمون يسمّون هذه السورة الحفّارة لأنها حفرت ما في قلوب المنافقين فأظهرته. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ} هذا أمرُ وعيدٍ وتهديد. {إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ} أي مظهر {مَّا تَحْذَرُونَ} ظهوره. قال ابن عباس: أنزل الله أسماء المنافقين وكانوا سبعين رجلاً، ثم نَسخ تلك الأسماء من القرآن رأفة منه ورحمة؛ لأن أولادهم كانوا مسلمين والناس يعيّر بعضهم بعضاً. فعلى هذا قد أنجز الله وعده بإظهاره ذلك إذ قال: «إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ». وقيل: إخراج الله أنه عرّف نبيّه عليه السَّلام أحوالهم وأسماءهم لا أنها نزلت في القرآن، ولقد قال الله تعالىٰ: {أية : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} تفسير : [محمد: 35] وهو نوع إلهام. وكان المنافقين من يتردّد ولا يقطع بتكذيب محمد عليه السَّلام ولا بصدقه. وكان فيهم من يعرف صدقه ويعاند.
ابن كثير
تفسير : قال مجاهد: يقولون القول بينهم، ثم يقولون: عسى الله أن لا يفشي علينا سرنا هذا، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: {أية : وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِىۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [المجادلة: 8]، وقال في هذه الآية: { قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ} أي: إن الله سينزل على رسوله ما يفضحكم به، ويبين له أمركم؛ كقوله تعالى: {أية : أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَـٰنَهُمْ وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَـٰكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَـٰهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} تفسير : [محمد: 29-30]، ولهذا قال قتادة: كانت تسمى هذه السورة: الفاضحة؛ فاضحة المنافقين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَحْذَرُ } يخاف {ٱلْمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ } أي المؤمنين {سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم } من النفاق، وهم مع ذلك يستهزئون {قُلِ ٱسْتَهْزِءواْ} أمر تهديد { إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ } مظهر {مَّا تَحْذَرُونَ } إِخراجه من نفاقكم.
الماوردي
تفسير : {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ...} الآية، فيه وجهان: أحدهما: أنه إخبار من الله تعالى عن حذرهم، قاله الحسن وقتادة. والثاني: أنه أمر من الله تعالى لهم بالحذر، وتقديره ليحذر المنافقون، قاله الزجاج. وفي قوله تعالى {...تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِم} وجهان: أحدهما: ما أسرّوه من النفاق. والثاني: قولهم في غزوة تبوك: أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات. فأطلع الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم على ما قالوا، قاله الحسن وقتادة. {قُلِ اسْتَهْزِئُواْ} هذا ويعد خرج مخرج الأمر للتهديد. {إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: مظهر ما تسرون. والثاني: ناصر من تخذلون.
ابن عطية
تفسير : قوله، {يحذر} خبر عن حال قلوبهم، وحذرهم إنما هو أن تتلى سورة ومعتقدهم هل تنزل أم لا ليس بنص في الآية لكنه ظاهر، فإن حمل على مقتضى نفاقهم واعتقادهم أن ذلك ليس من عند الله فوجه بين، وإن قيل إنهم يعتقدون نزول ذلك من عند الله وهم ينافقون مع ذلك فهذا كفر عناد، وقال الزجّاج وبعض من ذهب إلى التحرز من هذا الاحتمال: معنى يحذر الأمر وإن كان لفظه لفظ الخبر كأنه يقول " ليحذر " وقرأ أبو عمرو وجماعة معه " أن تنْزَل " ساكنة النون خفيفة الزاي، وقرأ بفتح النون مشددة الزاي الحسن والأعرج وعاصم والأعمش،و {أن} من قوله {أن تنزل} مذهب سيبويه،أن، {يحذر} عامل فهي مفعوله، وقال غيره حذر إنما هي من هيئات النفس التي لا تتعدى مثل فزع وإنما التقدير يحذر المنافقون من أن تنزل عليهم سورة، وقوله {قل استهزئوا } لفظه الأمر ومعناه التهديد، ثم ابتدأ الإخبار عن أنه يخرج لهم إلى حيز الوجود ما يحذرونه، وفعل ذلك تبارك وتعالى في سورة براءة فهي تسمى الفاضحة لأنها فضحت المنافقين، وقال الطبري: كان المنافقون إذ عابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا شيئاً من أمره قالوا لعل الله لا يفشي سرنا فنزلت الآية في ذلك. قال القاضي أبو محمد : وهذا يقتضي كفر العناد الذي قلناه، وقوله {ولئن سألتهم} الآية، نزلت على ما ذكر جماعة من المفسرين في وديعة بن ثابت وذلك أنه مع قوم من المنافقين كانوا يسيرون في غزوة تبوك، فقال بعضهم لبعض هذا يريد أن يفتح قصور الشام ويأخذ حصون بني الأصفر هيهات هيهات، فوقفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، وقال لهم قلتم كذا وكذا، فقالوا {إنما كنا نخوض ونلعب }، يريدون كنا مجدين، وذكر ابن إسحاق أن قوماً منهم تقدموا النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم كأنكم والله غداً في الحبال أسرى لبني الأصفر إلى نحو هذا من القول، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر: "حديث : أدرك القوم فقد احترقوا وأخبرهم بما قالوا" تفسير : ونزلت الآية، وروي أن وديعة بن ثابت المذكور قال في جماعة من المنافقين: ما رأيت كقرائنا هؤلاء لا أرغب بطوناً ولا أكثر كذباً ولا أجبن عند اللقاء فعنفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه المقالة فقالوا {إنما كنا نخوض ونلعب }، ثم أمره بتقريرهم {أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون } وفي ضمن هذا التقرير وعيد، وذكر الطبري عن عبد الله بن عمر أنه قال: رأيت قائل هذه المقالة وديعة متعلقاً بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يماشيها والحجارة تنكبه وهو يقول {إنما كنا نخوض ونلعب} والنبي يقول {أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون } وذكر النقاش أن هذا المتعلق كان عبد الله بن أبي ابن سلول، وذلك خطأ لأنه لم يشهد تبوك، وقوله تعالى: {لا تعتذروا } الآية، المعنى قل لهم يا محمد لا تعتذروا على جهة التوبيخ كأنه قال لا تفعلوا ما لا ينفع. ثم حكم عليهم بالكفر فقال لهم {قد كفرتم بعد إيمانكم} الذي زعمتموه ونطقتم به، وقوله {عن طائفة منكم} يريد فيما ذكر المفسرون رجلاً واحداً قيل اسمه مخشن بن حفير قاله ابن إسحاق، وقال ابن هشام ويقال فيه مخشي وقال خليفة بن خياط في تاريخه مخاشن بن حمير وذكر ابن عبد البر مخاشن الحميري وذكر جميعهم أنه استشهد باليمامة وكان قد تاب وتسمى عبد الرحمن، فدعا الله أن يستشهد، ويجهل أمره فكان ذلك باليمامة ولم يوجد جسده، وذكر أيضاً ابن عبد البر محشي بن حمير بضم الحاء وفتح الميم وسكون الياء ولم يتقن القصة، وكان محشي مع المنافقين الذين قالوا {إنما كنا نخوض ونلعب} فقيل كان منافقاً ثم تاب توبة صحيحة، وقيل كان مسلماً مخلصاً إلا أنه سمع كلام المنافقين فضحك لهم ولم ينكر عليهم فعفا الله عنه في كلا الوجهين، ثم أوجب العذاب لباقي المنافقين الذين قالوا ما تقدم، وقرأ جميع السبعة سوى عاصم " إن يعف عن طائفة " بالياء " تعذب " بالتاء، وقرأ الجحدري " إن يعف" بالياء على تقديره يعذب الله طائفة " بالنصب، وقرأ عاصم وزيد بن ثابت وأبو عبد الرحمن "إن نعف" بالنون " نعذب " بنون الجميع أيضا ً، وقرأ مجاهد "إن تعفُ " بالتاء المضمومة على تقدير إن تعف هذه الذنوب " تعذب " بالتاء أيضاً.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ} خبر، أو أمر بصيغة الخبر، {بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ} من النفاق، أو قولهم في غزوة تبوك: أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها هيهات، فأطلع الله ـ تعالى ـ رسوله صلى الله عليه وسلم على ما قالوه. {اسْتَهْزِءُوَاْ} تهديد.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم} قال: يقولون القول فيما بينهم ثم يقولون عسى الله أن لا يفشي علينا هذا. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال: كانت هذه السورة تسمى الفاضحة فاضحة المنافقين، وكان يقال لها المثيرة، أنبأت بمثالبهم وعوراتهم. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وأبو الشيخ عن المسيب بن رافع رضي الله عنه قال: ما عمل رجل من حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، ولا عمل رجل من سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وتصديق ذلك كلام الله تعالى {إن الله مخرج ما تحذرون} .
ابو السعود
تفسير : {يَحْذَرُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ} في شأنهم فإن ما نزل في حقهم نازلٌ عليهم {سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم} من الأسرار الخفيةِ فضلاً عما كانوا يُظهِرونه فيما بـينهم من أقاويل الكفرِ والنفاقِ، ومعنى تَنْبئتِها إياهم بما في قلوبهم ـ مع أنه معلومٌ لهم وأن المحذورَ عندهم إطلاعُ المؤمنين على أسرارهم لا إطلاعُ أنفسِهم عليها ـ أنها تُذيع ما كانوا يُخفونه من أسرارهم فتنتشرُ فيما بـين الناس فيسمعونها من أفواه الرجالِ مُذاعةً، فكأنها تخبرهم بها أو المرادُ بالتنبئة المبالغةُ في كون السورة مشتملةً على أسرارهم كأنها تعلم من أحوالهم الباطنةِ ما لا يعلمونه فتنبئهم بها وتنعي عليهم قبائحَهم، وقيل: معنى يحذر لِيحذر، وقيل: الضميران الأولان للمؤمنين والثالث للمنافقين ولا يبالىٰ بالتفكيك عند ظهورِ الأمرِ بعَوْد المعنى إليه أي يحذر المنافقون أن تنزَّلَ على المؤمنين سورةٌ تخبرهم بما في قلوب المنافقين وتهتِك عليهم أستارَهم. قال أبو مسلم: كان إظهارُ الحذرِ منهم بطريق الاستهزاءِ فإنهم كانوا إذا سمعوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يذكر كلَّ شيء ويقول إنه بطريق الوحي يكذبونه ويستهزئون به ولذلك قيل: {قُلْ ٱسْتَهْزِءواْ} أي افعلوا الاستهزاءَ وهو أمر تهديد {إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ} أي من القوة إلى الفعل أو من الكُمون إلى البروز {مَّا تَحْذَرُونَ} أي ما تحذرونه من إنزال السورةِ ومن مخازيكم ومثالبِكم المستكنةِ في قلوبكم الفاضحةِ لكم على ملأ الناسِ، والتأكيدُ لرد إنكارِهم بذلك لا لدفع ترددِهم في وقوع المحذورِ إذ ليس حذرُهم بطريق الحقيقة {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ} عما قالوا {لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} رُوي حديث : أنه عليه الصلاة والسلام كان يسير في غزوة تبوكَ وبـين يديه ركبٌ من المنافقين يستهزئون بالقرآن وبالرسول صلى الله عليه وسلم ويقولون: انظُروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتتحَ حُصون الشامِ وقصورَها هيهاتَ هيهات. فأطلع الله تعالى نبـيه على ذلك فقال: «احبِسوا على الركب» فأتاهم فقال: «قلتم كذا، وكذا؟» فقالوا: يا نبـيَّ الله لا والله ما كنا في شيء من أمرك ولا من أمر أصحابِك ولكن كنا في شيء مما يخوض فيه الركبُ ليقصُرَ بعضنا على بعض السفر تفسير : {قُلْ} غيرَ ملتفتٍ إلى اعتذارهم ناعياً عليهم جناياتِهم منزِّلاً لهم منزلةَ المعترفِ بوقوع الاستهزاء موبخاً لهم على أخطائهم موقعَ الاستهزاء {أَبِاللهِ وَرَسُولِهِ كُنتُم تَسْتَهْزِئُون} حيث عقب حرف التقرير بالمستهزأ به ولا يستقيم ذلك إلا بعد تحققِ الاستهزاءِ وثبوتِه.
القشيري
تفسير : ظَنُّوا أَنَّ الحقَّ - سبحانه - لا يفضحهم، فَدَلَّسُوا عليكم، وأنكروا ما انطوت عليه سرائرهم، فأرخى الله - سبحانه - عنانَ إمهالهم، ثم هتك الستر عن نفاقهم؛ فَفَضَحَهم عند أهل التحقيق، فتقنعوا بِخِمار الخجل، وكشف لأهل التحقيق مكامنَ الاعتبار. ونعوذ بالله من عقوبة أهل الاغترار! {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 54].
اسماعيل حقي
تفسير : {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم} اى على المؤمنين {سورة تنبئهم} اى تخبر تلك السورة المؤمنين {بما فى قلوبهم} اى قلوب المنافقين من الشرك والنفاق فتفضحهم وتهتك عليهم استارهم فالضميران الاولان للمؤمنين. والثالث للمنافقين ولا يبالى بالتفكك عند ظهور الامر ويجوز ان تكون الضمائر كلها للمنافقين. فالمعنى يحذر المنافقون ان تنزل عليهم اى فى شأنهم فان ما نزل فى حقهم نازل عليهم سورة تنبئهم بما فى قلوبهم من الاسرار الخفية فضلا عما كانوا يظهرونه فيما بينهم من اقاويل الكفر والنفاق ومعنى تنبيئها اياهم مع انها معلومة لهم وان المحذور عندهم اطلاع المؤمنين على اسرارهم لا اطلاع انفسهم عليها انها تذيع ما كانوا يجفونه من اسرارهم فتنتشر فيما بين الناس فيسمعونها من افواه الرجال. فان قلت كيف يحذر المنافقون نزول الوحى الكاشف عن نفاقهم مع انهم ينكرون نبوته عليه السلام فكيف يجوزون نزول الوحى عليه. قلت ان بعض المنافقين كانوا يعلمون النبوة لكنهم كانوا يكفرون عند اهل الشرك عنادا وحسدا وبعضهم كانوا شاكين مترددين فى امره صلى الله تعالى عليه وسلم الشاك يجوز نزول الوحى فيخاف ان ينزل عليه ما يفضحه. وقال ابو مسلم كان اظهار الحذر منهم بطريق الاستهزاء فانهم كانوا اذا سمعوا رسول الله يذكر كل شئ ويقول انه بطريق الوحى يكذبونه ويستهزئون به بان يقولوا فيما بينهم على وجه الاستهزاء به عليه السلام انا نحذر ونخاف ان ينزل عليه ما يفصحنا ولذلك قيل {قل استهزئوا} اى افعلوا الاستهزاء وهو امر تهديد: يعنى [استهزا مكنيد كه جزا خواهيد يافت وجزا آنست كه براى تفضيح شما] {ان الله مخرج} اى من القوة الى الفعل او من الكمون الى البروز {ما تحذرون} اى ما تحذرونه من انزال السورة او ما تحذرون اظهاره من مساويكم ومن هذا سميت هذه السورة الفاضحة لانها فضحت المنافقين وتسمى ايضا الحافرة لانها حفرت عن قلوب المنافقين
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الضمائر في "عليهم"، و"تنبئهم"، و"قلوبكم"، تعود على المنافقين؛ خلافاً للزمخشري في الأولين، فقال: يعود على المؤمنين، وتبعه البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: {يحذَرَ المنافقون أن تُنَزّلَ عليهم} أي: في شأنهم، {سورةٌ} من القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم، {تُنبئهم} أي: تخبرهم، أي: المنافقين، {بما في قلوبهم} من الشك والنفاق، وتهتك أستارهم، وكانوا يستهزئون بأمر الوحي والدين، فقال تعالى لنبيه ـ عليه الصلاة والسلام: {قل} لهم: {استهزئوا}؛ تهديداً لهم، {إن الله مُخرِجٌ ما تحذَرُون} من إنزال السورة فيكم، أو ما تحذرون من إظهار مساوئكم. {ولئن سألتهم} عن استهزائهم، {ليقولن إِنما كنا نخوضُ ونلعبُ} فيما بيننا. رُوي أن ركباً من المنافقين مروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، في غزوة تبوك، فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل، يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه، هيهات هيهات! فأخبر الله نبيه، فدعاهم فقال: "حديث : قلتم: كذا وكذا؟"تفسير : فقالوا: لا، والله، ما كنا في شيء من أمرك، ولا من أمر أصحابك، ولكنا كنا في شيء مما يخوض فيه الركب، ليقصر بعضنا على بعض السفر. قال تعالى: {قل أباللّهِ وآياتِه ورسوله كنتم تستهزئون}، توبيخاً لهم على استهزائهم بما لا يصلح الاستهزاء به، {لا تعتذروا} أي: لا تشتغلوا باعتذاراتكم الكاذبة؛ {قد كفرتم بعد إيمانكم} أي: قد أظهرتم الكفر بإيذاء الرسول والطعن عليه، بعد إظهار إيمانكم الكاذب. {إن نعفُ عن طائفةٍ منكم}؛ بتوبتهم وإخلاصهم، حيث سبق لهم ذلك؛ كانَ منهم رجل اسمه مَخشِيّ، تاب ومات شهيداً. أو لكفهم عن الإيذاء، {نُعَذِّب طائفة بأنهم كانوا} في علم الله {مجرمين}؛ مُصرين على النفاق، أو مستمرين على الإيذاء والاستهزاء. والله تعالى أعلم. الإشارة: الاستهزاء بالأولياء والطعن عليهم من أسباب المقت والبعد من الله، والإصرار على ذلك شؤمه سوء الخاتمة، وترى بعض الطاعنين عليهم يحذر منهم أن يكاشفوا بأسراهم، وقد يُطلع الله أولياءه على ذلك، وقد لا يطلعهم، وبعد أن يطلعهم على ذلك لا يواجهوهُم بكشف أسرارهم لتخلقهم بالرحمة الإلهية. والله تعالى أعلم. ومن مساوئ المنافقين أيضاً: أمرهم ونهيهم عن المعروف كما قال تعالى: {ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ}.
الطوسي
تفسير : قيل في معنى يحذر المنافقون قولان: احدهما - قال الحسن ومجاهد واختاره الجبائي: ان معناه الخبر عنهم بأنهم كانوا يحذرون ان تنزل فيهم آية يفتضحون بها لأنهم كانوا شاكين، حتى قال بعضهم: لوددت ان اضرب كل واحد منكم مئة ولا ينزل فيكم قرآن، ذكره ابو جعفر وقال: نزلت في رجل يقال له مخشى بن الحمير الاشجعي. الثاني - قال الزجاج: انه تهديد ومعناه ليحذروا، وحسن ذلك لأن موضوع الكلام على التهديد. والحذر اعداد ما يتقي الضرر، ومثله الخوف والفزع تقول: حذرت حذراً وتحذر تحذراً وحاذره محاذرة وحذاراً وحذره تحذيراً. والمنافق الذي يظهر من الايمان خلاف ما يبطنه من الكفر واشتق ذلك من نافقاء اليربوع لأنه يخفي باباً ويظهر باباً ليكون إذا أتي من احدهما خرج من الآخر. وقوله {تنبئهم بما في قلوبهم} أي تخبرهم، غير أن {تنبئهم} يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل بمنزلة أعلمت. وقوله {قل استهزؤا} أمر للنبي صلى الله عليه وآله أن يقول لهؤلاء المنافقين {استهزؤا} اي اطلبوا الهزء. والهزء إظهار شيء وابطان خلافه للتهزئ به، وهو بصورة الأمر والمراد به التهديد. وقوله {إن الله مخرج ما تحذرون} إخبار من الله تعالى أن الذي تخافون من ظهوره فان الله يظهره بأن يبين لنبيه صلى الله عليه وآله باطن حالهم ونفاقهم.
اطفيش
تفسير : {يحْذَرُ المنافِقُون أنْ تُنزَّلَ عَليهم سُورةٌ تنبِّئُهم} فى حسد وعداوة للمؤمنين وباستهزائهم {بما فى قُلُوبِهم} أى يخشى المنافقون أن ينزل على المؤمنين سورة تخبرهم بما فى قلوبهم من النفاق، فيحذر بمعنى يخشى، وأن تنزل مفعوله، وقيل: التقدير من أن تنزل، والهاء فى عليهم وتنبئهم عائدة إلى المؤمنين، وفى قلوبهم عائدة إلى المنافقين، ومعنى نزولها على المؤمنين نزولها على رسولهم، فيقدر مضاف، أو تعتبر أنها إذا نزلت قرءوها فكأنها نزلت عليهم، وإسناد التنبئة إلى السورة مجاز، ويجوز أن ترجع الهاء الثانية إلى المنافقين، ويجوز رجوعهن كلهن إليهم. ومعنى تنزيلها على المنافقين نزولها فى شأنهم، والاحتجاج بها عليهم، وكانوا يذكرون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بسوء، ويخافون أن يفضحهم نزول القرآن، وكانوا يقولون: عسى الله أن لا يفشى سرنا فنزلت الآية، وذلك منهم شرك عناد، أو ترددوا فى الشرك ولم يحزموا بالإيمان. قال بعض المنافقين: والله لوددت أنى قدمت فجلدت مائة جلدة، ولا ينزل فيها شىء يفضحنا، وقيل: ذلك إخبار فى معنى الأمر أى احذروا أيها المنافقون، وعن أبى عمرو: أن تنزل بضم التاء وإسكان النون. {قُلِ اسْتَهزِئوا} أمر تهديد {إنَّ اللهَ مخْرجٌ ما كُنتم تَحْذرُون} أى مظهر ما تحذرون إظهاره من مساوئكم كاستهزائكم، أو ما تحذرون من إنزال السورة.
اطفيش
تفسير : {يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ} من الإِنكارِ والاستهزاءِ، وعلى بمعنى فى، أَى فى شَأْنهم أَو فى سرهم أَو تبقى على ظاهرها لأَن تنزيل السورة مضرة لهم لافتضاحهم بها، والهاءُ لهم لا للمؤمنين لأَنه المتبادر، ولئَلا يلزم تفكيك الضمائِر لو أَعدناها للمؤمنين لكن يجوز التفكيك مع ظهور المعنى، وعليه فالمعنى يحذر المنافقون أَن تنزل سورة على المؤمنين تنبئُهم بأَسرارهم، ويجوز عود الهاءَين الاَوليين للمؤمنين، وهذه التنبئة من لازم الفائِدة، يخبرهم بما فى قلوبهم لا ليعلموا به لأَنهم عالمون به بل ليعلموا أَن الله عالم به، والمنبىءُ الله لكن أُسند التنبئة إِلى السورة لأَنها بالسورة ولأَنها فى سورة، وإِذا اعتبرنا أَن النازل فى شأْنهم كالنازل عليهم كان فى الكلام استعارة تمثيلية، شبه الهيئَة المنتزعة من النازل فيهم بالهيئة المنتزعة من النازل على النبى صلى الله عليه وسلم، فاستعمل الموضوع للهيئَة المشبه بها فى الهيئَة المشبهة، ولما سمعوا من النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة ذكر ما فى قلوبهم بأَلفاظ السورة حاروا كأَنهم أُخبروا بما لم يعلموا وهم عالمون بما فى قلوبهم كما علمت أَن ذلك من لازم الفائدة، ويجوز أَن يكون اللفظ إِخباراً، والمعنى أَمر أَى ليحذر المنافقون، واللام للأَمر والإِبقاءِ على الظاهر أَولى، ووجهه أَنهم غير جازمين فى أَمره صلى الله عليه وسلم، بل ترددوا فى صدقه، ألآ ترى أَنهم أَثبتوا أَن السورة تنزل إِلا أَن يقال أَثبتوها استهزاءً، إِذ رأَوه صلى الله عليه وسلم يذكر أَحوالهم ويقول إِنه أُوحى إِليه بها أَو أَرادوا أُنزل على زعمه، أَو تنزل من غير الله. قال الله عز وجل {قُلِ اسْتَهْزِئُوا} تهديد {إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ} مظهر {مَا تَحْذَرُونَ} من تنزيل السورة فى مساوئكم، أَو ما تحذرون مطلقا بسورة أَو غيرها، قال ابن عباس رضى الله عنهما: أَنزل الله عز وجل ذكر سبعين رجلاً من المنافقين بأَسمائهم وأَسماءِ آبائهم فى هذه السورة ثم نسخ لفظ ذلك رحمة عامة ورحمة لأَولادهم وآبائهم وأَقاربهم لأَنه قد يكون أَبو المنافق أَو ولده أَو أَخوه مؤمناً فيعير به، واجتمع اثنا عشر رجلا أَن يفتكوا به صلى الله عليه وسلم ليلا فى العقبة حين رجع من تبوك وتلثموا فأَخبره الله بهم وأَمره بأَن يأْمر من يصرف وجوه دوابهم عنه فأَمر حذيفة فصرفها، فقال: حديث : هل عرفت منهم أَحداً؟ فقال: لا. قال صلى الله عليه وسلم: فلان وفلان أَخبرنى بهم جبريل. فقال حذيفة: أَلا تقتلهم؟ فقال: لا.. لئلا يقول العرب ظفر بأَصحابه فقتلهم. بل يكفينا الله عز وجلتفسير : . وقال إِن ناساً اجتمعوا على قتلى فليقوموا ويعترفوا لأَستغفر لهم فلم يعترفوا. فقال: قم يا فلان، قم يا فلان. فقالوا: نقوم ونعترف. قال: لا، إِنما ذلك أَول، اخرجوا عنى اخرجوا عنى، فخرجوا كلهم. قال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إِن فى أُمتى اثنى عشر منافقاً لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل فى سم الخياط. ثمانية تكفيهم الدبيلة خراج من النار يظهر فى أَكتافهم حتى تنجم من صدورهم .
الالوسي
تفسير : {يَحْذَرُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ} أي من أن تنزل، ويجوز أن يكون {يَحْذَرُ} متعدياً بنفسه كما يدل عليه ما أنشد سيبويه من قوله:شعر : حذر أموراً لا تضير وآمن ما ليس ينجيه من الأقدار تفسير : وأنكر المبرد كونه متعدياً لأن الحذر من هيئات النفس كالفزع، والبيت قيل: إنه مصنوع، ورد ما قاله المبرد بأن من الهيآت ما يتعدى كخاف وخشي فما ذكره غير لازم {عَلَيْهِمْ} أي في شأنهم فإن ما نزل في حقهم نازل عليهم، وهذا إنما يحتاج إليه إذا كان الجار والمجرور متعلقاً بتنزل، وأما إذا كان متعلقاً بمقدر وقع صفة لقوله سبحانه: {سُورَةٌ} كما قيل أي تنزل سورة كائنة عليهم من قولهم: هذا لك وهذا عليك فلا كما لا يخفى إلا أنه خلاف الظاهر جداً. والظاهر تعلق الجار بما عنده، وصفة سورة بقوله تعالى شأنه: {تُنَبّئُهُمْ} أي المنافقين {بِمَا فِي قُلُوبِهِم} من الأسرار الخفية فضلاً عما كانوا يظهرونه فيما بينهم خاصة من أقاويل الكفر والنفاق، والمراد أنها تذيع ما كانوا يخفونه من أسرارهم فينتشر فيما بين الناس فيسمعونها من أفواه الرجال مذاعة فكأنها تخبرهم بها وإلا فما في قلوبهم معلوم لهم والمحذور عندهم إطلاع المؤمنين عليه لهم، وقيل: المراد تخبرهم بما في قلوبهم على وجه يكون المقصود منه لازم فائدة الخبر وهو علم الرسول عليه الصلاة والسلام به، وقيل: المراد بالتنبئة المبالغة في كون السورة مشتملة على أسرارهم كأنها تعلم من أحوالهم الباطنة ما لا يعلمونه فتنبئهم بها وتنعى عليهم قبائحهم، وجوز أن يكون الضميران الأولان للمؤمنين والثالث للمنافقين، وتفكيك الضمائر ليس بممنوع مطلقاً بل هو جائز عند قوة القرينة وظهور الدلالة عليه كما هنا، أي يحذر المنافقون أن تنزل على المؤمنين سورة تخبرهم بما في قلوب المنافقين وتهتك عليهم أستارهم وتفشي أسرارهم، وفي الأخبار عنهم بأنهم يحذرون ذلك إشعار بأنهم لم يكونوا على بت في أمر الرسول عليه الصلاة والسلام. وقال أبو مسلم: كان إظهار الحذر بطريق الاستهزاء فإنهم كانوا إذا سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر كل شيء ويقول: إنه بطريق الوحي يكذبونه ويستهزئون به لقوله سبحانه: {قُلِ ٱسْتَهْزِءُواْ} فإنه يدل على أنه وقع منهم استهزاء بهذه المقالة. والأمر للتهديد والقائلون بما تقدم قالوا: المراد نافقوا لأن المنافق مستهزىء وكما جعل قولهم: آمنا وما هم بمؤمنين مخادعة في البقرة جعل هنا استهزاء، وقيل: إن {يَحْذَرُ} خبر في معنى الأمر أي ليحذر. وتعقب بأن قوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ} ينبو عنه نوع نبوة إلا أن يراد ما يحذرون بموجب هذا الأمر وهو خلاف الظاهر، وكان الظاهر أن يقول: إن الله منزل سورة كذلك أو منزل ما تحذرون لكن عدل عنه إلى ما في النظم الكريم للمبالغة إذ معناه مبرز ما تحذرونه من إنزال السورة، أو لأنه أعم إذ المراد مظهر كل ما تحذرون ظهوره من القبائح، وإسناد الإخراج إلى الله تعالى للإشارة إلى أنه سبحانه يخرجه إخراجاً لا مزيد عليه، والتأكيد لدفع التردد أو رد الإنكار.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي لذكر حال من أحوال جميع المنافقين كما تقدم في قوله: {أية : يحلفون بالله لكم}تفسير : [التوبة: 62] وهو إظهارهم الإيمان بالمعجزات وإخبار الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالمغيبات. وظاهر الكلام أنّ الحذر صادر منهم وهذا الظاهر ينافي كونهم لا يصدقون بأنّ نزول القرآن من الله وأنّ خبره صدق فلذلك تردّد المفسّرون في تأويل هذه الآية. وأحسن ما قيل في ذلك قول أبي مسلم الأصفهاني «هو حذر يظهره المنافقون على وجه الاستهزاء. فأخبر الله رسوله بذلك وأمره أن يعلمهم بأنّه يظهر سرّهم الذي حذروا ظهوره. وفي قوله: {استهزءوا} دلالة على ما ذكرناه، أي هم يظهرون ذلك يريدون به إيهام المسلمين بصدق إيمانهم وما هم إلاّ مستهزئون بالمسلمين فيما بينهم، وليس المراد بما في قلوبهم الكفر؛ لأنّهم لا يظهرون أنّ ذلك مفروض ففعل {يحذر} فأطلق على التظاهر بالحذر، أي مجاز مرسل بعلاقة الصورة، والقرينة قوله: {قل استهزءوا} إذ لا مناسبة بين الحذر الحقّ وبين الاستهزاء لولا ذلك، فإنّ المنافقين لمّا كانوا مبطنين الكفر لم يكن من شأنهم الحذر من نزول القرآن بكشف ما في ضمائرهم، لأنّهم لا يصدقون بذلك فتعيّن صرف فعل {يحذر} إلى معنى: يتظاهرون بالحذر وعلى هذا القول يكون إطلاق الفعل على التظاهر بمدلوله من غرائِب المجاز. وتأوّل الزجاج الآية بأنّ {يحذر} خبر مستعمل في الأمر، أي ليحذر. وعلى تأويله تكون جملة {قل استهزءوا} استئنافاً ابتدائياً لا علاقة لها بجملة {يحذر المنافقون}. ولهم وجوه أخرى في تفسير الآية بعيدة عن مهيعها، ذكرها الفخر. وضميراً {عليهم} و{تنبئهم} يجوز أن يعودا إلى المنافقين، وهو ظاهر تناسق الضمائر ومعادها. وتكون (على) بمعنى لام التعليل أي تنزل لأجل أحوالهم كقوله تعالى: {أية : ولتكبروا الله على ما هداكم}تفسير : [البقرة: 185]. وهو كثير في الكلام، وتكون تعدية {تنبئهم} إلى ضمير المنافقين: على نزع الخافض، أي تنبيء عنهم، أي تنبىء الرسول بما في قلوبهم. ويجوز أن يكون تاء {تنبئهم} تاء الخطاب، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أي: تنبئهم أنت بما في قلوبهم، فيكون جملة {تنبئهم بما في قلوبهم} في محلّ الصفة لــــ{سورة} والرابط محذوف تقديره: تنبّئهم بها، وهذا وصف للسورة في نفس الأمر، لا في اعتقاد المنافقين، فموقع جملة {تنبئهم بما في قلوبهم} استطراد. ويجوز أن يعود الضميرانِ للمسلمين، ولا يضرّ تخالف الضميرين مع ضمير {قلوبهم} الذي هو للمنافقين لا محالة، لأنّ المعنى يَرُدُّ كلّ ضمير إلى ما يليق بأن يعود إليه. واختيرت صيغة المضارع في {يَحذر} لما تشعر به من استحضار الحالة كقوله تعالى: {أية : فتثير سحاباً}تفسير : [الروم: 48] وقوله: {أية : يجادلنا في قوم لوط}تفسير : [هود: 74]. والسورة: طائفة معيّنة من آيات القرآن ذات مبدأ ونهاية وقد تقدّم بيانها عند تفسير طالعة سورة فاتحة الكتاب. والتنبئة الإخبار والإعلام مصدر نَبَّأ الخبر، وتقدّم في قوله تعالى: {أية : ولقد جاءك من نبإِ المرسلين} تفسير : في سورة الأنعام (34). والاستهزاء: تقدّم في قوله: {أية : إنما نحن مستهزئون} تفسير : في أول البقرة (14). والإخراج: مستعمل في الإظهار مجازاً، والمعنى: أنّ الله مظهر ما في قلوبكم بإنزال السور: مثل سورةِ المنافقين، وهذه السورةِ سورةِ براءة، حتّى سميت الفاضحة لما فيها من تعداد أحوالهم بقوله تعالى: ومنهم، ومنهم، ومنهم. والعدول إلى التعبير بالموصول في قوله: {ما تحذرون} دون أن يقال: إنّ الله مخرج سورة تنبئكم بما في قلوبكم: لأنّ الأهمّ من تهديدهم هو إظهار سرائرهم لا إنزال السورة، فذكر الصلة وافٍ بالأمرين: إظهارِ سرائرهم، وكونه في سورة تنزِل، وهو أنكى لهم، ففيه إيجاز بديع كقوله تعالى في سورة كهيعص (80) {أية : ونرثه ما يقول}تفسير : بعد قوله: {أية : وقال لأوتين مالا وولداً}تفسير : [مريم: 77] أي نرثه ماله وولده.
الواحدي
تفسير : {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم} على المؤمنين {سورة} تخبرهم {بما في قلوبهم} من الحسد لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وذلك أنَّهم كانوا يفرقون من هتكهم وفضيحتهم {قل استهزئوا} أمرُ وعيدٍ {إنَّ الله مخرج} مظهرٌ {ما تحذرون } ظهوره.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يحذر المنافقون: أي يخافون ويحترسون. تنزَّل عليهم سورة: أي في شأنهم فتفضحهم بإظهار عيبهم. تنبّئهم بما في قلوبهم: أي تخبرهم بما يضمرونه في نفوسهم. قل استهزئوا: الأمر هنا للتهديد. مخرج ما تحذرون: أي مخرجه من نفوسكم مظهره للناس أجمعين. نخوض ونلعب: أي نخوض في الحديث على عادتنا ونلعب لا نريد سباً ولا طعناً. تستهزئون: أي تسخرون وتحتقرون. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن المنافقين لكشف الستار عنهم وإظهارهم على حقيقتهم ليتوب منهم من تاب الله عليه قال تعالى مخبراً عنهم {يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم} أي يخشى المنافقون أن تنزل في شأنهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم {سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ} أي تخبرهم بما في قلوبهم فتفضحهم، ولذا سميت هذه السورة بالفاضحة وقوله تعالى لرسوله {قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ} يهددهم تعالى بأن الله مخرج ما يحذرون إخراجه وظهوره مما يقولونه في خلواتهم من الطعن في الإِسلام وأهله. وقوله تعالى {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ} أي عما قالوا من الباطل. لقالوا {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} لا غير. قل لهم يا رسولنا {أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ} وذلك أن نفراً من المنافقين في غزوة تبوك قالوا في مجلس لهم: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء! فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ونزلت هذه الآيات: وجاءوا يعتذرون لرسول الله فأنزل الله {لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} أي الذي كنتم تدعونه، لأن الاستهزاء بالله والرسول والكتاب كفر مخرج من الملة، وقوله تعالى {إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ} لأنهم يتوبون كمخشي بن حمير، {نُعَذِّبْ طَآئِفَةً} أخرى لأنهم لا يتوبون وقوله تعالى {بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} علة للحكم بعذابهم وهو إجرامهم بالكفر والاستهزاء بالمؤمنين إذ من جملة ما قالوا: قولهم في الرسول صلى الله عليه وسلم يظن هذا يشيرون إلى النبي وهم سائرون - يفتح قصور الشام وحصونها فأطلع الله نبيه عليهم فدعاهم فجاءوا واعتذروا بقولهم إنا كنا نخوض أي في الحديث ونلعب تقصيراً للوقت، ودفعاً للملل عنا والسآمة فأنزل تعالى {قُلْ أَبِٱللَّهِ} الآية. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الكشف عن مدى ما كان يعيش عليه المنافقون من الحذر والخوف. 2- كفر من استهزأ بالله أو آياته أو رسوله. 3- لا يقبل اعتذار من كفر بأي وجه وإنما التوبة أو السيف فيقتل كفراً. 4- مصداق ما أخبر به تعالى من أنه سيعذب طائفة فقد هلك عشرة بداء الدبيلة "خراج يخرج من الظهر وينفذ ألمه إلى الصدر فيهلك صاحبه حتماً".
القطان
تفسير : مخرج ما تحذرون: مظهرٌ ما تخافون. كنا نخوض ونلعب: الخوض في الشيء الدخول فيه، وكَثُرَ استعماله في الباطل. {يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ}. يخشى المنافقون ان تنزل سورةٌ فيهم على النبيّ تُخبر يُخفون في قلوبهم، ويُسِرُّونه بينهم. إنهم يحذّرون ان تنزلَ سورةٌ في شأنهم وبيان حالهم فتكونَ في ذلك فَضيحتُهم وكشفُ عوارتِهم وإنذارُ ما يترتب عليه من عقابهم. قل لهم أيّها الرسول: استهزِئوا ما شئتم، فان الله سيُظهرُ ما تخشَون ظهورَه بما يفضحكم به. {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ}. إنك ايها الرسول ان سألتَ هؤلاء المنافقين عن أقوالهم هذه، وسببِ طَعْنِهم في الدين واستهزائِهم بالله وآياته، اعتذَروا بقولهم كنّا نخوض في الحديث ونلهو.؟ أخرج ابنُ المنذر وابن أبي حاتم وابو الشيخ عن قتادة قال: "حديث : بينما رسول الله في غزوة تبوك، إذ نظر الى أناس يقولون: "أيرجو هذا الرجلُ ان تُفْتَحَ له قصورُ الشام وحصونها؟ هيهات هيهات، فأطلَع اللهُ نبيّه على ذلك، فقال: "احبِسوا على هؤلاء الرَّكب" بمعنى أوقفوهم فأتاهم، فقال: قلتم كذا وقلتم كذا قالوا: يا نبي الله، إنما كنا نخوض ونلعب. تفسير : فأنزل الله تعالى فيهم. {قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ}. ألم تجدوا ما تستهزئون به في خَوْضِكم ولعبكم إلا الله وآياتِه ورسولَه!!، هل ضاقت سبُل القول، فلم تجدوا ما تخوضون فيه وتلعبون غير هذا. {لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ}. لا تعتذروا بهذه الأعذار الباطلة، قد ظَهَرَ كُفرهم بعد ادّعائكم الإيمان، فان نعفُ عن طائفةٍ منكم لأنهم تابوا وآمنوا وصدَقَت توبتُهم، فسنعذّب طائفةً اخرى منكنم بسبب إصرارِهم على الكفر والنفاق، وإجرامهم في حقّ الرسول والمؤمنين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمُنَافِقُونَ} {ٱسْتَهْزِءُوۤاْ} (64) - كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَقُولُونَ الْقَوْلَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَقُولُونَ عَسَى اللهُ أَنْ لاَ يَفْشِي عَلَيْنَا سِرَّنَا هَذَا بِإِنْزَالِ آيَةٍ عَلَى رَسُولِهِ، تَفْضَحُ مَا قُلْنَاهُ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: إِنَّهُ سَيُخْرِجُ مَا يَحْذَرُونَ لِيَعْلَمَهُ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ، فَلْيَسْتَهْزِئُوا مَا شَاؤُوا. وَخَوْفُ الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْفَضِيحَةِ، وَمِنْ كَشْفِ عَوْرَاتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، همُاَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الشَّكِّ وَالارْتِيَابِ، لأَنَّهُمْ مُذَبْذَبُونَ، لاَ هُمْ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُوقِنِينَ، وَلاَ هُمْ بِالْكَافِرِينَ الْجَازِمِينَ بِصِحَّةِ الكُفْرِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والحذر معناه الاستعداد لدفع خطر أو ضرر متوقع، وعلى سبيل المثال؛ يقال لمن يسافر في طريق محفوف بالأخطار: خذ حذرك وأنت تسير في هذا الطريق. وهنا قد يصحب المسافر معه رفيقاً، أو يأخذ معه سلاحاً يدافع به عن نفسه إن قابلته عصابة من قطاع الطرق. إذن: فالحذر هو الإعداد لدفع خطر أو ضرر متوقع. ولكن إذا كانت السورة تتنزل من عند الله على رسوله فكيف يحذرون ويستعدون لنزول هذه السورة؟ نقول: إن هذا استهزاء بهم؛ لأنهم أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، ولأن آيات سابقة نزلت تفضح ما يخبئونه في نفوسهم. فهم دائماً خائفون من أن تنزل آية جديدة تفضحهم أمام المسلمين. الحق سبحانه وتعالى يريدهم أن يعرفوا أنه عليم بما في نفوسهم، ويخوفهم من أن تنزل آيات تكشفهم، فهم يخشون أن يخرج ما في بطونهم من كفر يخفونه، وهو غيب عن المؤمنين. والغيب - كما نعلم - محجوب بزمان ومكان، وغيب الزمان محجوب بالماضي أو بالمستقبل، فإن كان هناك حدث قد مضى ولم تشهده، فهو غيب عنك ما لم تعلمه من كتب التاريخ، وكذلك إن كان هناك حدث سوف يأتي في المستقبل، فهو لم يقع بعد، فهو إذن محجوب بالمستقبل، أما حجاب المكان فهو حجاب الحاضر، وعلى سبيل المثال: إن كنا الآن في القاهرة فنحن لا نعلم ما يحدث في الإسكندرية. والله سبحانه وتعالى هتك كل هذه الحجب في القرآن الكريم، فهتك الحق سبحانه حجاب الماضي في أمثلة كثيرة أخبر بها رسوله صلى الله عليه وسلم، مثل قوله سبحانه: {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ} تفسير : [القصص: 44]. وأيضاً يقول سبحانه: {أية : وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} تفسير : [القصص: 45]. فكأن الحق سبحانه وتعالى قد كشف لرسوله من حجب الزمن الماضي، ما لم يكن يعلمه أحد، وذلك مصداقاً لقوله تعالى: {أية : تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [هود: 49]. وكشف الله سبحانه وتعالى - أيضاً - لرسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حجاب الزمن المستقبل؛ فقال: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ...} تفسير : [البقرة: 142]. وهؤلاء السفهاء سمعوا الآية قبل أن يتساءلوا عن تحويل القبلة، ورغم ذلك تساءلوا عن تحويل قبلة الصلاة. وأيضاً قال الحق من أمثلة كشف حجب المستقبل: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45]. وقد نزلت هذه الآية والمسلمون يلاقون عذاباً شديداً من الكفار، حتى إن عمر بن الخطاب قال: أي جمع هذا؟ وعندما حدثت غزوة بدر قال عمر: صدقت ربي: {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ}. وكذلك كشف الحق سبحانه وتعالى حجاب المستقبل حين قال: {أية : غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [الروم: 2-5]. أي: أن الله تبارك وتعالى أعطى نتيجة المعركة بين الروم والفرس قبل أن تحدث بسنوات طويلة، وحدد الجانب المنتصر وهو الروم، وكذلك أنبأ سبحانه وتعالى رسوله بما يحدث في أعماق النفس. وما يدور في صدور الخلق، وساعة ما ينتهك حجاب النفس، كأنه يوضح لكل إنسان: إن سِرَّك الذاتي مفضوح عند الله، والمثال على هذا قول الحق سبحانه: {أية : وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ...} تفسير : [المجادلة: 8]. هم قالوا في أنفسهم، ولو لم يقولوا لعارضوا ما أخبرهم به محمد صلى الله عليه وسلم عما قالوه في أنفسهم وأعلنوا أنه كذب. ولكنهم لم يُكذِّبوا رسول الله فيما أبلغ عن الله. وهذا يدلنا أيضاً على أن المنافقين كانوا في حذر، وكان يغلب على ظنهم صدق رسول الله. والمثال هو قول الحق هنا: {يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ} [التوبة: 64]. وإن كان البعض منهم قد استهزأ قائلاً: لا داعي أن نتكلم حتى لا يُنزِل فينا قرآناً، فالحق يُبلِّغ رسوله أن يرد عليهم: {قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ} [التوبة: 64]. وما تحذرون منه أيها المنافقون سيكشفه الله لرسوله وللمؤمنين. ويقول الحق بعد ذلك: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن أن الحذر لا يفيد مع القدر بقوله تعالى: {يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم} [التوبة: 64] إلى قوله: {هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67] يشير إلى أن المنافقين وإن اعتقدوا نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم واعتقدوا ثبوته حتى خافوا نزول السورة بالإنباء بما في قلوبهم من الكفر والنفاق وإفشاء أسرارهم لم ينفعهم مجرد الاعتقاد والإقرار باللسان في ثبوت الإيمان مع أدنى شك دخلهم فيه، وأنه لم ينفعهم الحذر مع القدر، وهذا تحقيق قوله: "حديث : ولا ينفع ذا الجد ". تفسير : {قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ} [التوبة: 64] وهذا أمر التكوين، وقد مضى لهم القدر بالاستهزاء، {إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ} [التوبة: 64] بقضائه وقدره، {مَّا تَحْذَرُونَ} [التوبة: 64] لتعلموا أن الحكم والمشيئة له لا لغيره، {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ} [التوبة: 65] عن أفعالهم وأحوالهم. {لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} [التوبة: 65] يعني: يحيلون الأمور الموجبة للكفر إلى أنفسهم؛ لقصور نظرهم وهم عن رؤية وجوب إجلال الله بمعزل، وأنهم عن أحكامه الأزلية وقضائه غافلون، {قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ} [التوبة: 65] على زعمكم أنكم كنتم مصدر الأمور ومرجعها بمشيئتكم، {لاَ تَعْتَذِرُواْ} [التوبة: 66] يعني: بمثل هذه الأعذار لأنكم {قَدْ كَفَرْتُمْ} [التوبة: 66] فيما اعتذرتم به. {بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 66] بعد إقراركم بالكفر بقولكم: {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ}، {إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ} [التوبة: 66] إظهاراً للفضل والرحمة، {نُعَذِّبْ طَآئِفَةً} [التوبة: 66] إظهاراً للقهر والعزة، {بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} [التوبة: 66] يشير به إلى أن إظهار اللطف والرحمة بلا سبب محتمل، ولكن إظهار القدر لا يكون إلا بسبب جرم من المجرمين. {ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ} [التوبة: 67] يعني: طينة نفوسهم وجبلة قلوبهم من جنس واحد وأرواحهم متقاربة في صف واحد من صفوف الأرواح؛ إذ هي جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، فمعاملاتهم من نتائج خصوصية أرواحهم السفلية بالنسبة إلى الأرواح العلوية فمن نتائج خصوصيتها، {يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ} [التوبة: 67] وهو ما يقطعهم عن الله ويبعدهم عنه. {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ} [التوبة: 67] وهو ما يقربهم إلى الله ويوصلهم به، {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} [التوبة: 67] عن فعل الخير وصدق النيات، {نَسُواْ ٱللَّهَ} [التوبة: 67] فيما فعلوا من المعاصي وترك الأوامر، فلو ذكروه قبل الإتيان لم يفعلوا ما فعلوا، ولو ذكروه بعد الإتيان لاستغفروه لما فعلوه كقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ}تفسير : [آل عمران: 135] ونسوه بترك الطلب وصدق التوجه؛ إذ هم توجهوا للدنيا وشهواتها، {فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67] بالخذلان ووكلهم أنفسهم في الطغيان والعصيان، {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67] الخارجون عن قبول فيض النور الإلهي حين خلق الله الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : كانت هذه السورة الكريمة تسمى "الفاضحة" لأنها بينت أسرار المنافقين، وهتكت أستارهم، فما زال اللّه يقول: ومنهم ومنهم، ويذكر أوصافهم، إلا أنه لم يعين أشخاصهم لفائدتين: إحداهما: أن اللّه سِتِّيرٌ يحب الستر على عباده. والثانية: أن الذم على من اتصف بذلك الوصف من المنافقين، الذين توجه إليهم الخطاب وغيرهم إلى يوم القيامة، فكان ذكر الوصف أعم وأنسب، حتى خافوا غاية الخوف. قال اللّه تعالى: {أية : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا }. تفسير : وقال هنا { يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنزلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ } أي تخبرهم وتفضحهم وتبين أسرارهم حتى تكون علانية لعباده ويكونوا عبرة للمعتبرين. { قُلِ اسْتَهْزِئُوا } أي استمروا على ما أنتم عليه من الاستهزاء والسخرية { إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ } وقد وفَّى تعالى بوعده فأنزل هذه السورة التي بينتهم وفضحتهم وهتكت أستارهم. { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ } عما قالوه من الطعن في المسلمين وفي دينهم يقول طائفة منهم في غزوة تبوك "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء -يعنون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه- أرغب بطونا وأكذب ألسنا وأجبن عند اللقاء" ونحو ذلك. ولما بلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم بكلامهم جاءوا يعتذرون إليه ويقولون { إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } أي نتكلم بكلام لا قصد لنا به ولا قصدنا الطعن والعيب. قال اللّه تعالى -مبينا عدم عذرهم وكذبهم في ذلك- { قُلْ } لهم { أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } فإن الاستهزاء باللّه وآياته ورسوله كفر مخرج عن الدين لأن أصل الدين مبني على تعظيم اللّه وتعظيم دينه ورسله والاستهزاء بشيء من ذلك مناف لهذا الأصل ومناقض له أشد المناقضة. ولهذا لما جاءوا إلى الرسول يعتذرون بهذه المقالة والرسول لا يزيدهم على قوله { أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ }. وقوله { إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ } لتوبتهم واستغفارهم وندمهم { نُعَذِّبْ طَائِفَةً } منكم { بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم { كَانُوا مُجْرِمِينَ } مقيمين على كفرهم ونفاقهم. وفي هذه الآيات دليل على أن من أسر سريرة خصوصا السريرة التي يمكر فيها بدينه ويستهزئ به وبآياته ورسوله فإن اللّه تعالى يظهرها ويفضح صاحبها ويعاقبه أشد العقوبة. وأن من استهزأ بشيء من كتاب اللّه أو سنة رسوله الثابتة عنه أو سخر بذلك أو تنقصه أو استهزأ بالرسول أو تنقصه فإنه كافر باللّه العظيم وأن التوبة مقبولة من كل ذنب وإن كان عظيما.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):