Verse. 131 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَاِذِ ابْتَلٰۗى اِبْرٰہٖمَ رَبُّہٗ بِكَلِمٰتٍ فَاَتَـمَّہُنَّ۝۰ۭ قَالَ اِنِّىْ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ اِمَامًا۝۰ۭ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِىْ۝۰ۭ قَالَ لَا يَنَالُ عَہْدِي الظّٰلِــمِيْنَ۝۱۲۴
Waithi ibtala ibraheema rabbuhu bikalimatin faatammahunna qala innee jaAAiluka lilnnasi imaman qala wamin thurriyyatee qala la yanalu AAahdee alththalimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» اذكر «إذا ابتلى» اختبر «إبراهيم» وفي قراءة إبراهام. «ربُّه بكلمات» بأوامر ونواه كلَّفه بها، قيل هي مناسك الحج، وقيل المضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب وفرق الرأس وقلم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء «فأتمهن» أداهن تامات «قال» تعالى له «إني جاعلك للناس إماما» قدوة في الدين «قال ومن ذرِّيتي» أولادي اجعل أئمة «قال لا ينال عهدي» بالإمامة «الظالمين» الكافرين منهم دل على أنه ينال غير الظالم.

124

Tafseer

القرطبي

تفسير : . فيه عشرون مسألة: الأولى: لما جرى ذكر الكعبة والقِبلة اتصلِ ذلك بذكر إبراهيم عليه السلام، وأنه الذي بنى البيت؛ فكان من حق اليهود ـ وهم من نَسْل إبراهيم ـ ألاَّ يرغبوا عن دينه. والابتلاء: الامتحان والاختبار؛ ومعناه أَمْرٌ وتعبُّدٌ. وإبراهيم تفسيره بالسُّريانية فيما ذكر الماوردي، وبالعربية فيما ذكر ٱبن عطية: أبٌ رحيم. قال السُّهيلي: وكثيراً ما يقع الاتفاق بين السُّرياني والعربي أو يقاربه في اللفظ؛ ألا ترى أن إبراهيم تفسيره أب راحم؛ لرحمته بالأطفال؛ ولذلك جعل هو وسارة زوجته كافلين لأطفال المؤمنين الذين يموتون صغاراً إلى يوم القيامة. قلت: ومما يدلّ على هذا ما خرّجه البخاري من حديث الرؤيا الطويل عن سَمُرة، وفيه: «أن النبيّ صلى الله عليه وسلم رأى في الروضة إبراهيم عليه السلام وحوله أولاد الناس» وقد أتينا عليه في كتاب التذكرة، والحمد لله. وإبراهيم هذا هو ٱبن تارخ بن ناخور في قول بعض المؤرخين. وفي التنزيل: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ}تفسير : [الأنعام: 74] وكذلك في صحيح البخاري؛ ولا تناقض في ذلك، على ما يأتي في «الأنعام» بيانه إن شاء الله تعالى. وكان له أربع بنين: إسماعيل وإسحٰق ومَدْين ومدائن؛ على ما ذكره السُّهيلي. وقدّم على الفاعل للاهتمام؛ إذ كون الربّ تبارك وتعالى مبتلياً معلوم، وكون الضمير المفعول في العربية متَصلاً بالفاعل موجب تقديم المفعول؛ فإنما بُني الكلام على هذا الاهتمام، فٱعلمه. وقراءة العامة «إبراهيمَ» بالنصب، «رَبُّه» بالرفع على ما ذكرنا. وروي عن جابر بن زيد أنه قرأ على العكس، وزعم أن ٱبن عباس أقرأه كذلك. والمعنى دعا إبراهيم ربه وسأل؛ وفيه بُعْدٌ؛ لأجل الباء في قوله: «بِكلِماتٍ». الثانية: قوله تعالى: {بِكَلِمَاتٍ} الكلمات جمع كلمة، ويرجع تحقيقها إلى كلام الباري تعالى، لكنّه عبرّ عنها عن الوظائف التي كُلّفها إبراهيم عليه السلام؛ ولما كان تكليفها بالكلام سُمِّيت به، كما سُمِّيَ عيسى كلمة؛ لأنه صدر عن كلمة وهي «كُن». وتسمية الشيء بمقدّمته أحد قسمي المجاز؛ قاله ٱبن العربي. الثالثة: وٱختلف العلماء في المراد بالكلمات على أقوال: أحدها ـ شرائع الإسلام، وهي ثلاثون سهماً، عشرة منها في سورة براءة: {أية : ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ} تفسير : [التوبة: 112] إلى آخرها، وعشرة في الأحزاب: {أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ}تفسير : [الأحزاب: 35] إلى آخرها، وعشرة في المؤمنون: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تفسير : [المؤمنون:1] إلى قوله: {أية : عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} تفسير : [المؤمنون: 9] وقوله في {سَأَلَ سَآئِلٌ} {إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ} إلى قوله: {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}. قال ٱبن عباس رضي الله عنهما: ما ٱبتلى الله أحداً بهنّ فقام بها كلّها إلا إبراهيم عليه السلام، ٱبْتُلِيَ بالإسلام فأتمه فكتب الله له البراءة فقال: {أية : وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ}تفسير : [النجم: 37]. وقال بعضهم: بالأمر والنهي، وقال بعضهم: بذبح ٱبنه، وقال بعضهم: بآداء الرسالة؛ والمعنى متقارب. وقال مجاهد: هي قوله تعالى: إني مبتليك بأمر، قال: تجعلني للناس إماماً؟ قال نعم. قال: ومن ذرّيتي؟ قال: لا ينال عهدي الظالمين؛ قال: تجعل البيت مَثابةً للناس؟ قال نعم. قال: وأَمْناً؟ قال نعم. قال: وتُرِينا مناسكنا وتتوب علينا؟ قال نعم. قال: وترزق أهله من الثمرات؟ قال نعم. وعلى هذا القول فالله تعالى هو الذي أتم. وأصح من هذا ما ذكره عبد الرزاق عن معمر عن ٱبن طاوس عن ٱبن عباس في قوله: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} قال: ٱبتلاه الله بالطهارة، خمس في الرأس وخمس في الجسد: قصّ الشارب، والمضمضمة، والاستنشاق، والسِّواك، وفَرْق الشعر. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والاختتان، ونَتْف الإبْط، وغسل مكان الغائط والبول بالماء؛ وعلى هذا القول فالذي أَتَمّ هو إبراهيم، وهو ظاهر القرآن. وروى مطر عن أبي الجلد أنها عشر أيضاً، إلا أنه جعل موضع الفَرْق غسل البراجم، وموضع الاستنجاء الاستحداد. وقال قتادة: هي مناسك الحج خاصة. الحسن: هي الخلال الست: الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان. قال أبو إسحٰق الزجاج: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة؛ لأن هذا كله مما ٱبتلي به إبراهيم عليه السلام. قلت: وفي الموطأ وغيره عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيّب يقول: إبراهيم عليه السلام أوّل من ٱختتن، وأوّل من أضاف الضيف، وأوّل من ٱستحدّ، وأوّل من قلّم الأظفار، وأوّل من قصّ الشارب، وأوّل من شاب؛ فلما رأى الشيب قال: ما هذا؟ قال: وقار؛ قال: يا رب زدني وقاراً. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن سعيد بن إبراهيم عن أبيه قال: أوّل من خطب على المنابر إبراهيم خليل الله. قال غيره: وأوّل من ثَرَد الثّريد، وأوّل من ضرب بالسيف، وأوّل من ٱستاك، وأوّل من ٱستنجى بالماء، وأوّل من لبس السراويل. وروى معاذ بن جبل قال قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنْ أتَّخِذِ المنبر فقد ٱتخذه أبي إبراهيم وإنْ أتّخِذِ العصا فقد ٱتخذها أبي إبراهيم».تفسير : قلت: وهذه أحكامٌ يجب بيانها والوقوف عليها والكلام فيها؛ فأوّل ذلك «الختان» وما جاء فيه، وهي المسألة: الرابعة: أجمع العلماء على أن إبراهيم عليه السلام أوّل من ٱختتن. وٱختُلِف في السن التي ٱختتن فيها؛ ففي الموطأ عن أبي هريرة موقوفاً: «وهو ٱبن مائة وعشرين سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة». ومثل هذا لا يكون رأياً، وقد رواه الأوزاعي مرفوعاً عن يحيى ٱبن سعيد عن سعيد ابن المسيّب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ٱختَتن إبراهيم عليه السلام وهو ٱبن مائة وعشرين سنة ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة»تفسير : . ذكره أبو عمر. وروي مسنداً مرفوعاً من غير رواية يحيى من وجوه: «حديث : أنه ٱختتن حين بلغ ثمانين سنة وٱختتن بالقدوم»تفسير : . كذا في صحيح مسلم وغيره «ٱبن ثمانين سنة»؛ وهو المحفوظ في حديث ٱبن عجلان وحديث الأعرج عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال عكرمة: ٱختين إبراهيم وهو ٱبن ثمانين سنة. قال: ولم يَطُف بالبيت بعدُ على مِلّة إبراهيم إلا مَخْتُون؛ هكذا قال عكرمة وقاله المسيّب بن رافع؛ ذكره المَرْوَزِيّ. و «القدوم» يروى مشدّداً ومخففاً. قال أبو الزناد: القَدُّوم (مشدّداً): موضع. الخامسة: وٱختلف العلماء في الختان؛ فجمهورهم على أن ذلك من مؤكّدات السُّنن ومن فطرة الإسلام التي لا يسع تركها في الرجال. وقالت طائفة: ذلك فرض؛ لقوله تعالى: «أية : أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفاً»تفسير : [النحل: 123]. قال قتادة: هو الاختتان؛ وإليه مال بعض المالكيّين، وهو قول الشافعي. وٱستدل ٱبن سريج على وجوبه بالإجماع على تحريم النظر إلى العَوْرة، وقال: لولا أن الختان فرض لما أبيح النظر إليها من المختون. وأجيب عن هذا بأن مثل هذا يباح لمصلحة الجسم كنظر الطبيب، والطبّ ليس بواجب إجماعاً؛ على ما يأتي في «النحل» بيانه إن شاء الله تعالى. وقد ٱحتج بعض أصحابنا بما رواه الحجاج بن أرطاة عن أبي المليح عن أبيه عن شدّاد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الختان سُنّة للرجال مَكْرُمَةٌ للنساء»تفسير : . والحجاج ليس ممن يحتجّ به. قلت: أعلى ما يحتجّ به في هذا الباب حديث أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الفطرة خمس الاختتان...»تفسير : الحديث، وسيأتي. وروى أبو داود عن أم عطية أن ٱمرأة كانت تختن النساء بالمدينة، فقال لها النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تَنْهَكِي فإن ذلك أَحْظَى للمرأة وأحبّ للبعل»تفسير : . قال أبو داود: وهذا الحديث ضعيف راويه مجهول. وفي رواية ذكرها رزين: «حديث : ولا تَنْهَكِي فإنه أَنْوَرُ للوجه وأحْظَى عند الرجل».تفسير : السادسة: فإن وُلد الصبيّ مختوناً فقد كفى مؤنة الختان. قال الميموني قال لي أحمد: إن ها هنا رجلاً ولد له ولد مختون، فٱغتمّ لذلك غَمًّا شديداً؛ فقلت له: إذا كان الله قد كفاك المؤنة فما غمّك بهذا! السابعة: قال أبو الفرج الجوزيّ حدثت عن كعب الأحبار قال: خلق من الأنبياء ثلاثة عشر مختونين: آدم وشيث وإدريس ونوح وسام ولوط ويوسف وموسى وشعيب وسليمان ويحيى وعيسى والنبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال محمد بن حبيب الهاشميّ: هم أربعة عشر: آدم وشيث ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب ويوسف وموسى وسليمان وزكريا وعيسى وحنظلة بن صفوان (نبيّ أصحاب الرَّس) ومحمد، صلى الله عليه وعليهم أجمعين. قلت: ٱختلفت الروايات في النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فذكر أبو نعيم الحافظ في «كتاب الحِلْية» بإسناده أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ولد مختوناً. وأسند أبو عمر في التمهيد حدّثنا أحمد بن محمد بن أحمد حدّثنا محمد بن عيسى حدّثنا يحيى بن أيوب بن بادي العلاف حدّثنا محمد ٱبن أبي السريّ العسقلاني حدّثنا الوليد بن مسلم عن شعيب عن عطاء الخراسانيّ عن عكرمة عن ٱبن عباس: أن عبد المطلب خَتَن النَّبي صلى الله عليه وسلم يوم سابعه، وجعل له مأدبة وسمّاه «محمداً». قال أبو عمر: هذا حديث مسند غريب. قال يحيى بن أيوب: طلبت هذا الحديث فلم أجده عند أحد من أهل الحديث ممن لقيته إلا عند ٱبن أبي السَّرِيّ. قال أبو عمر: وقد قيل: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم وُلد مختوناً. الثامنة: وٱختلفوا متى يُختن الصبيّ؛ فثبت في الأخبار عن جماعة من العلماء أنهم قالوا: ختن إبراهيمُ إسماعيلَ لثلاث عشرة سنة. وخَتن ٱبنه إسحاق لسبعة أيام. وروي عن فاطمة أنها كانت تَختن ولدها يوم السابع؛ وأنكر ذلك مالك وقال ذلك من عمل اليهود. ذكره عنه ٱبن وهب. وقال اللّيث بن سعد: يُختن الصبيّ ما بين سبع سنين إلى عشر. ونحوه روى ٱبن وهب عن مالك. وقال أحمد: لم أسمع في ذلك شيئاً. وفي البخاريّ عن سعيد بن جُبير قال: سئل ٱبن عباس: مِثْلُ مَن أنت حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أنا يومئذ مختون. قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يُدرك أو يقارب الاحتلام. وٱستحب العلماء في الرجل الكبير يُسلم أن يختتن؛ وكان عطاء يقول: لا يتم إسلامه حتى يختتن وإن بلغ ثمانين سنة. وروي عن الحسن إنه كان يرخّص للشيخ الذي يُسلم ألاّ يختتن، ولا يرى به بأساً ولا بشهادته وذبيحته وحَجّه وصلاته؛ قال ٱبن عبد البر: وعامةُ أهل العلم على هذا. وحديث بُرَيْدة في حج الأغلف لا يثبت. وروي عن ٱبن عباس وجابر ابن زيد وعكرمة: أن الأغلف لا تؤكل ذبيحته ولا تجوز شهادته. التاسعة: قوله: «وأوّل من ٱستحدّ» فالاستحداد ٱستعمال الحديد في حلق العانة. وروت أم سلمة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا ٱطّلى وَلِيَ عانته بيده. وروى ٱبن عباس: أن رجلاً طَلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا بلغ إلى عانته قال له: ٱخرج عني، ثم طَلَى عانته بيده. وروى أنس: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان لا يَتَنَوّر، وكان إذا كثر الشعر على عانته حلقه. قال ٱبن خويز مَنداد: وهذا يدلّ على أن الأكثر من فعله كان الحلق وإنما تَنوّر نادراً، ليصح الجمع بين الحديثين. العاشرة: في تقليم الأظفار. وتقليم الأظفار: قَصّها؛ والقُلامة ما يزال منها. وقال مالك: أُحِبّ للنساء من قص الأظفار وحلق العانة مثل ما هو على الرجال. ذكره الحارث بن مسكين وسُحْنُون عن ٱبن القاسم. وذكر الترمذيّ الحكيم في «نوادر الأصول» له (الأصل التاسع والعشرون): حدّثنا عمر بن أبي عمر قال حدّثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي عن عمر ابن بلال الفَزَاريّ قال سمعت عبد اللَّه بن بشر المازنيّ يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قُصُّوا أظافيركم وٱدفِنوا قُلاماتكم ونَقُّوا بَراجمكم ونَظِّفُوا لِثاتِكم من الطعام وتَسننُوا ولا تدخلوا علىّ قُخْراً بُخْراً»تفسير : ثم تكلّم عليه فأحسن. قال الترمذيّ: فأما قَص الأظفار فمن أجل أنه يَخْدِش وَيَخْمِشُ ويضرّ، وهو مجتمع الوسخ، فربّما أجنب ولا يصل الماء إلى البشرة من أجل الوسخ فلا يزال جُنُباً. ومن أجنب فبقي موضع إبرة من جسده بعد الغسل غير مغسول فهو جُنُب على حاله حتى يعمّ الغسل جسده كله؛ فلذلك نَدبهم إلى قص الأظفار. والأظافير جمع الأظفور، والأظفار جمع الظفر. وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سَها في صلاته فقال: «حديث : ومالي لا أُوهِم ورُفْغُ أحدكم بين ظفره وأنملته ويسألني أحدكم عن خبر السماء وفي أظافيره الجنابة والتَّفَث»تفسير : . وذكر هذا الخبر أبو الحسن عليّ بن محمد الطبري المعروف بالكِيَا في «أحكام القرآن» له، عن سليمان بن فرج أبي واصل قال: أتيت أبا أيوب رضي الله عنه فصافحته، فرأى في أظفاري طولاً فقال: جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يسأله عن خبر السماء فقال: «حديث : يجيء أحدكم يسأل عن خبر السماء وأظفاره كأظفار الطير حتى يجتمع فيها الوسخ والتّفَث».تفسير : وأما قوله: «ٱدفِنُوا قلاماتكم» فإن جسد المؤمن ذو حُرمة، فما سقط منه وزال عنه فحفظه من الحرمة قائم، فيحقّ عليه أن يدفنه، كما أنه لو مات دُفن، فإذا مات بعضه فكذلك أيضاً تقام حرمته بدفنه؛ كي لا يتفرّق ولا يقع في النار أو في مزابل قذرة. وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدفن دمه حيث ٱحتجم كي لا تبحث عنه الكلاب. حدّثنا بذلك أبي رحمه الله تعالى قال حدّثنا موسى بن إسماعيل قال حدّثنا الهنيد بن القاسم بن عبد الرحمن بن ماعز قال سمعت "حديث : عامر بن عبد اللَّه بن الزبير يقول إن أباه حدّثه أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحتجم، فلما فرغ قال: «يا عبد اللَّه ٱذهب بهذا الدم فأهْرِقه حيث لا يراك أحد». فلما برز عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمد إلى الدم فشربه؛ فلما رجع قال: «يا عبد اللَّه ما صنعت به؟». قال: جعلته في أخفى مكان ظننت أنه خافياً عن الناس. قال: «لعلك شربته؟» قال نعم. قال: «لم شربتَ الدم (وَيْلٌ للناس منك و) ويلٌ لك من الناس»»تفسير : . حدّثني أبي قال حدّثنا مالك بن سليمان الهَروِيّ قال حدّثنا داود بن عبد الرحمن عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بدفن سبعة أشياء من الإنسان: الشعر، والظفر، والدم، والحَيْضة، والسن، والقَلَفة، والبَشيمة. وأما قوله: «نَقُّوا بَراجِمكم» فالبَراجِم تلك الغضون من المفاصل، وهي مجتمع الدَّرَن (واحدها بُرْجُمة) وهو ظهر عقدة كلّ مفصل؛ فظهر العقدة يسمى بُرْجُمة، وما بين العقدتين تسمى راجبة، وجمعها رواجب؛ وذلك مما يلي ظهرها، وهي قصبة الأصبع؛ فلكل أصبع بُرْجُمتان وثلاث رواجب إلا الإبهام فإن لها بُرْجُمة وراجبتين؛ فأمر بتنقيته لئلا يَدْرَن فتبقى فيه الجنابة، ويحول الدّرن بين الماء والبشرة. وأما قوله: «نَظِّفُوا لِثاتكم» فاللِّثَة واحدة، واللِّثات جماعة، وهي اللّحمة فوق الأسنان ودون الأسنان، وهي منابتها. والعُمُور: اللّحمة القليلة بين السنّيْن، واحدها عُمْر. فأمر بتنظيفها لئلا يبقى فيها وضَر الطعام فتتغيّر عليه النَّكْهة وتتنكّر الرائحة، ويتأذّى الملكان؛ لأنه طريق القرآن، ومقعد الملكين عند نابيه. ورُوِيَ في الخبر في قوله تعالى: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} تفسير : [ق:18] قال: عند نابيه. حدّثنا بذلك محمد بن عليّ الشّقيقي قال سمعت أبي يذكر ذلك عن سفيان بن عُيينة، وجاد ما قال؛ وذلك أن اللفظ هو عمل الشفتين يلفظ الكلام عن لسانه إلى البراز. وقوله: «لَدَيهِ» أي عنده، واللَّدَى والعِنْد في لغتهم السائرة بمعنىً واحد، وكذلك قولهم «لَدُن» فالنون زائدة. فكأنّ الآية تنبىء أن الرقيب عَتِيد عند مغلظ الكلام وهو الناب. وأما قوله: «تَسَنَّنُوا» وهو السواك مأخوذ من السِّن، أي نَظِّفُوا السّن. وقوله: «لا تدخلوا عليّ قُخْراً بُخْراً» فالمحفوظ عندي «قُحْلاً وقُلْحاً». وسمعت الجارود يذكر عن النّضر قال: الأقلح الذي قد ٱصفرّت أسنانه حتى بَخِرت من باطنها، ولا أعرف القَخَر. والبَخَر: الذي تجد له رائحة منكرة لبشرته؛ يقال: رجل أبخر، ورجال بُخْر. حدّثنا الجارود قال حدّثنا جرير عن منصور عن أبي عليّ عن أبي جعفر بن تمام بن العباس عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ٱسْتَاكُوا مالكم تدخلون عليّ قُلْحاً».تفسير : الحادية عشرة: في قص الشارب. وهو الأخذ منه حتى يبدوَ طَرَف الشَّفَة وهو الإطار، ولا يجّزه فيمثّل نفسه؛ قاله مالك. وذكر ٱبن عبد الحكم عنه قال: وأرى أن يؤدّب من حلق شاربه. وذكر أشهب عنه أنه قال في حلق الشارب: هذه بدع، وأرى أن يُوجع ضرباً من فعله. وقال ٱبن خُوَيْزِ منداد قال مالك: أرى أن يُوجع مَن حلقه ضرباً. كأنه يراه ممثّلاً بنفسه، وكذلك بنتفه الشعر؛ وتقصيره عنده أولى من حلقه. وكذلك: روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان ذا لِمّة؛ وكان أصحابه من بين وافر الشّعَر أو مُقَصِّر؛ وإنما حَلَق وحَلَقوا في النُّسُك. وروي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصّ أظافره وشاربه قبل أن يخرج إلى الجمعة. وقال الطحاوي: لم نجد عن الشافعي في هذا شيئاً منصوصاً، وأصحابه الذين رأيناهم: المُزَنِي والربيع كانا يُحْفِيان شواربهما، ويدلّ ذلك أنهما أخذا ذلك عن الشافعي رحمه الله تعالى. قال: وأما أبو حنيفة وزُفَر وأبو يوسف ومحمد فكان مذهبهم في شعر الرأس والشارب أن الإحفاء أفضل من التقصير. وذكر ٱبن خُوَيْزِ مَنداد عن الشافعي أن مذهبه في حلق الشارب كمذهب أبي حنيفة سواء. وقال أبو بكر الأَثْرَم: رأيت أحمد بن حنبل يُحْفِي شاربه شديداً، وسمعته سئل عن السُّنة في إحفاء الشّارب فقال: يُحْفَى كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : احْفُوا الشّوارب»تفسير : . قال أبو عمر: إنما في هذا الباب أصلان: أحدهما: أُحْفُوا، وهو لفظ محتمل التأويل. والثاني: قصّ الشارب، وهو مفسّر، والمفسر يقضي على المجمل، وهو عمل أهل المدينة، وهو أوْلى ما قيل به في هذا الباب. روى الترمذيّ عن ٱبن عباس قال: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصّ من شاربه ويقول: «إن إبراهيم خليل الرحمن كان يفعله»"تفسير : . قال: هذا حديث حسن غريب. وخرّج مسلم عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الفِطرة خمسٌ الاختتان والاستحداد وقصّ الشارب وتقليم الأظفار ونَتْف الإبْط»تفسير : . وفيه عن ٱبن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خالفوا المشركين أُحْفُوا الشوارب وأوْفُوا اللِّحَى»تفسير : . والأعاجم يقصّون لحاهم، ويوفّرون شواربهم أو يوفرونهما معاً، وذلك عكس الجمال والنظافة. ذكر رَزين عن نافع أن ٱبن عمر كان يُحْفِي شاربه حتى ينظر إلى الجلد، ويأخذ هذين، يعني ما بين الشارب واللّحية. وفي البخاري: وكان ٱبن عمر يأخذ من طول لحيته ما زاد على القَبْضة إذا حجّ أو ٱعتمر. وروى الترمذيّ عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها. قال: هذا حديث غريب. الثانية عشرة: وأما الإبْط فسُنّته النَّتْف، كما أن سُنّة العانة الحَلْق، فلو عكس جاز لحصول النظافة، والأوّل أوْلى؛ لأنه المتيّسر المعتاد. الثالثة عشرة: وفَرْق الشعر: تفريقه في المَفْرِق، وفي صفته صلى الله عليه وسلم: إن ٱنفرقتْ عَقِيصتُه فَرَق؛ يقال: فرقت الشعر أَفْرِقُهُ فَرْقاً؛ يقول: إن ٱنفرق شعر رأسه فرقه في مَفْرِقه، فإن لم ينفرق تركه وَفْرَةً واحدة. خرّج النسائي عن ٱبن عباس: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُسدل شعره، وكان المشركون يفرّقون شعورهم، وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم فرّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك؛ أخرجه البخاري ومسلم عن أنس. قال القاضي عِياض: سَدْلُ الشعر إرساله، والمراد به ها هنا عند العلماء إرساله على الجبين، وٱتخاذه كالقُصّة؛ والفرقُ في الشعر سُنّة؛ لأنه الذي رجع إليه النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقد روي أن عمر ابن عبد العزيز كان إذا ٱنصرف من الجمعة أقام على باب المسجد حَرساً يجزُّون ناصية كل من لم يفرق شعره. وقد قيل: إن الفرق كان من سُنّة إبراهيم عليه السلام؛ فالله أعلم. الرابعة عشرة: وأما الشَّيْب فنُورٌ ويُكره نَتْفه؛ ففي النسائي وأبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تنتفوا الشيب ما من مسلم يشيب شَيْبَةً في الإسلام إلا كانت له نوراً يوم القيامة وكتب الله له حسنة وحَطّ عنه خطيئة».تفسير : قلت: وكما يُكره نتفه كذلك يُكره تغييره بالسواد، فأما تغييره بغير السواد فجائز؛ "حديث : لقوله صلى الله عليه وسلم في حق أبي قُحَافة ـ وقد جيء به ولحيته كالثَّغامة بياضاً ـ: «غيِّروا هذا بشيء وٱجتنبوا السواد»»تفسير : . ولقد أحسن من قال:شعر : يسودّ أعلاها ويبيضّ أصلها ولا خير في الأعلى إذا فسد الأصل تفسير : وقال آخر:شعر : يا خاضبَ الشيبِ بالحناء تستره سَلِ المليك له ستراً من النار تفسير : الخامسة عشرة: وأما الثريد فهو أزكى الطعام وأكثره بركة، وهو طعام العرب، وقد شهد له النبيّ صلى الله عليه وسلم بالفضل على سائر الطعام فقال: «حديث : فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»تفسير : . وفي صحيح البُستيّ «حديث : عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت إذا ثَرَدت غطّته شيئاً حتى يذهب فَوْره وتقول: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنه أعظم للبركة».تفسير : السادسة عشرة: قلت: وهذا كله في معنى ما ذكره عبد الرزاق عن ٱبن عباس، وما قاله سعيد بن المسيّب وغيره. ويأتي ذكر المضمضة والاستنشاق والسواك في سورة «النساء» وحكم الاستنجاء في «براءة» وحكم الضيافة في «هود» إن شاء الله تعالى. وخرّج مسلم عن أنس قال: وُقِّت لنا في قصّ الشارب وتقليم الأظفار ونَتْف الإبْط وحَلْق العانة ألاّ نَتْرُك أكثر من أربعين ليلة. قال علماؤنا: هذا تحديد في أكثر المدّة، والمستحبّ تفقّد ذلك من الجمعة إلى الجمعة؛ وهذا الحديث يرويه جعفر ابن سليمان. قال العقيلي: في حديثه نظر. وقال أبو عمر فيه: ليس بحجة؛ لسوء حفظه وكثرة غلطه. وهذا الحديث ليس بالقويّ من جهة النقل، ولكنه قد قال به قوم، وأكثرهم على ألاّ توقيت في ذلك، وبالله التوفيق. السابعة عشرة: قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} الإمام. القُدْوة؛ ومنه قيل لخيط البناء: إمام، وللطريق: إمام؛ لأنه يؤم فيه للمسالك، أي يقصد. فالمعنى: جعلناك للناس إماماً يأتّمون بك في هذه الخصال، ويقتدي بك الصالحون. فجعله الله تعالى إماماً لأهل طاعته؛ فلذلك ٱجتمعت الأمم على الدعوى فيه ـ والله أعلم ـ أنه كان حنيفاً. الثامنة عشرة: قوله تعالى: {وَمِن ذُرِّيَّتِي} دعاء على جهة الرَّغباء إلى الله تعالى؛ أي من ذُرّيتي يا ربّ فٱجعل. وقيل: هذا منه على جهة الاستفهام عنهم؛ أي ومن ذريتي يا ربّ ماذا يكون؟ فأخبره الله تعالى أن فيهم عاصياً وظالماً لا يستحق الإمامة. قال ٱبن عباس: سأل إبراهيم عليه السلام أن يُجعل مِن ذُرّيته إمام؛ فأعلمه الله أن في ذُرّيته من يعصي فقال: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ}. التاسعة عشرة: قوله تعالى: {وَمِن ذُرِّيَّتِي} أصل ذُرّية، فُعْلية من الذَّر؛ لأن الله تعالى أخرج الخلق من صُلب آدم عليه السلام كالذَّر حين أشهدهم على أنفسهم. وقيل: هو مأخوذ من ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءاً خَلَقهم؛ ومنه الذُّرّية وهي نَسل الثَّقَلين؛ إلا أن العرب تركت همزها، والجمع الذّراري. وقرأ زيد بن ثابت «ذِرّية» بكسر الذال و «ذَرِّية» بفتحها. قال ٱبن جِنِّي أبو الفتح عثمان: يحتمل أصل هذا الحرف أربعة ألفاظ: أحدها: ذرأ، والثاني: ذَرَر، والثالث: ذرو، والرابع: ذرى؛ فأما الهمزة فمن ذرأ الله الخلق، وأما ذَرَر فمن لفظ الذّر ومعناه، وذلك لما ورد في الخبر: «أن الخلق كان كالذّر» وأما الواو والياء، فمن ذَرَوْت الحَبَّ وذَرَيْتُه يقالان جميعاً، وذلك قوله تعالى: {أية : فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ} تفسير : [الكهف: 45] وهذا للطفه وخفّته، وتلك حال لذَّر أيضاً. قال الجوهري: ذَرَت الريح التراب وغيره تَذْرُوه وتَذْرِيه ذَرْواً وذَرْياً أي نسفته؛ ومنه قولهم: ذرى الناس الحنطة، وأذريت الشيء إذا ألقيته، كإلقائك الحبّ للزرع. وطَعَنه فأذراه عن ظهر دابته؛ أي ألقاه. وقال الخليل: إنما سُمُّوا ذُرّية؛ لأن الله تعالى ذرأها على الأرض كما ذرأ الزارع البذر. وقيل: أصل ذُرّية، ذُرُّورة، لكن لما كثر التضعيف أبدل من إحدى الراءات ياء، فصارت ذُرُّويَة، ثم أدغمت الواو في الياء فصارت ذُرّية. والمراد بالذرية هنا الأبناء خاصّةً، وقد تُطلق على الآباء والأبناء؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ} تفسير : [يس: 41] يعني آباءهم. الموفية عشرين: قوله تعالى: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} ٱختلف في المراد بالعَهْد؛ فروى أبو صالح عن ٱبن عباس أنه النبوّة؛ وقاله السُّدِّيّ. مجاهد: الإمامة. قتادة: الإيمان. عطاء: الرحمة. الضحاك: دين الله تعالى. وقيل: عهده أمره. ويطلق العهد على الأمر، قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} تفسير : [آل عمران: 183] أي أمرنا. وقال: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ آدَمَ} تفسير : [يس: 60] يعني ألم أقدّم إليكم الأمر به؛ وإذا كان عهد الله هو أوامره فقوله: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} أي لا يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل منهم أوامر الله ولا يقيمون عليها؛ على ما يأتي بيانه بعد هذا آنفاً إن شاء الله تعالى. وروى مَعْمَر عن قتادة في قوله تعالى: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} قال: لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمين؛ فأمّا في الدنيا فقد ناله الظالم فآمن به، وأكل وعاش وأبصر. قال الزجاج: وهذا قول حسن، أي لا ينال أماني الظالمين، أي لا أؤمنهم من عذابي. وقال سعيد بن جبير: الظالم هنا المشرك. وقرأ ابن مسعود وطَلْحة بن مُصَرّف «لا يَنالُ عَهْدِي ٱلظالِمون» برفع الظالمون. الباقون بالنصب. وأسكن حمزة وحفص وٱبن مُحَيْصِن الياء في «عهدي»، وفتحها الباقون. الحادية والعشرون: ٱستدلّ جماعة من العلماء بهذه الآية على أن الإمام يكون من أهل العدل والإحسان والفضل مع القوّة على القيام بذلك، وهو الذي أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم ألاّ ينازعوا الأمر أهله؛ على ما تقدّم من القول فيه. فأما أهل الفسوق والجور والظلم فليسوا له بأهل؛ لقوله تعالى: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} ولهذا خرج ٱبن الزبير والحسين بن عليّ رضي الله عنهم. وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم على الحجاج، وأخرج أهل المدينة بني أمَيّة وقاموا عليهم، فكانت الحَرّة التي أوقعها بهم مسلم بن عقبة. والذي عليه الأكثر من العلماء أن الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه؛ لأن في منازعته والخروج عليه ٱستبدال الأمن بالخوف، وإراقة الدماء، وٱنطلاق أيدي السفهاء، وشَنّ الغارات على المسلمين، والفساد في الأرض. والأوّل مذهب طائفة من المعتزلة، وهو مذهب الخوارج، فٱعلمه. الثانية والعشرون: قال ٱبن خُوَيْزِ مَنْداد: وكل من كان ظالماً لم يكن نبيًّا ولا خليفةً ولا حاكماً ولا مُفْتِياً، ولا إمامَ صلاة، ولا يُقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة، ولا تُقبل شهادته في الأحكام، غير أنه لا يُعزل بفسقه حتى يعزله أهل الحلّ والعَقْد. وما تقدّم من أحكامه موافقاً للصواب ماضٍ غير منقوض. وقد نصّ مالك على هذا في الخوارج والبُغاة أن أحكامهم لا تُنقض إذا أصابوا بها وجهاً من الاجتهاد، ولم يخرقوا الإجماع، أو يخالفوا النصوص. وإنما قلنا ذلك لإجماع الصحابة، وذلك أن الخوارج قد خرجوا في أيامهم ولم ينقل أن الأئمة تتّبعوا أحكامهم، ولا نقضوا شيئاً منها، ولا أعادوا أخذ الزكاة ولا إقامة الحدود التي أخذوا وأقاموا؛ فدل على أنهم إذا أصابوا وجه الاجتهاد لم يتعرّض لأحكامهم. الثالثة والعشرون: قال ٱبن خُوَيْزِ منداد: وأما أخذ الأرزاق من الأئمة الظلمة فلذلك ثلاثة أحوال: إن كان جميع ما في أيديهم مأخوذاً على موجب الشريعة فجائز أخذه، وقد أخذت الصحابة والتابعون من يد الحجاج وغيره. وإن كان مختلطاً حلالاً وظلماً كما في أيدي الأمراء اليوم فالورع تركه، ويجوز للمحتاج أخذه، وهو كلّص في يده مال مسروق، ومال جيّد حلال قد وكله فيه رجل فجاء اللص يتصدّق به على إنسان فيجوز أن تؤخذ منه الصدقة، وإن كان قد يجوز أن يكون اللص يتصدّق ببعض ما سَرَق، إذا لم يكن شيء معروف بنهب، وكذلك لو باع أو ٱشترى كان العقد صحيحاً لازماً ـ وإن كان الورع التنّزه عنه ـ وذلك أن الأموال لا تُحرّم بأعيانها وإنما تُحرم لجهاتها. وإن كان ما في أيديهم ظُلْماً صُراحاً فلا يجوز أن يؤخذ من أيديهم. ولو كان ما في أيديهم من المال مغصوباً غير أنه لا يعرف له صاحب ولا مطالب؛ فهو كما لو وجد في أيدي اللصوص وقُطّاع الطريق، ويجعل في بيت المال وينتظر طالبه بقدر الاجتهاد، فإذا لم يُعرف صَرَفه الإمام في مصالح المسلمين.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ} كلفه بأوامر ونواه، والابتلاء في الأصل التكليف بالأمر الشاق من البلاء، لكنه لما استلزم الاختبار بالنسبة إلى من يجهل العواقب ظن ترادفهما، والضمير لإبراهيم، وحسن لتقدمه لفظاً وإن تأخر رتبة، لأن الشرط أحد التقدمين، والكلمات قد تطلق على المعاني فلذلك فسرت بالخصال الثلاثين المحمودة المذكورة في قوله تعالى: {أية : ٱلتَّـٰئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ }تفسير : [التوبة: 112] الآية وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ } تفسير : [الأحزاب: 35] إلى آخر الآية، وقوله: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ }تفسير : [المؤمنون: 1] إلى قوله: {أية : أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْوٰرِثُونَ }تفسير : [المؤمنون: 10] كما فسرت بها في قوله: {أية : فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ }تفسير : [البقرة: 37] وبالعشر التي هي من سننه، وبمناسك الحج؛ وبالكواكب، والقمرين، والختان، وذبح الولد، والنار، والهجرة. على أنه تعالى عامله بها معاملة المختبر بهن وبما تضمنته الآيات التي بعدها. وقرىء إبراهيم ربه على أنه دعا ربه بكلمات مثل {أية : أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : [البقرة: 260].{أية : وَٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءّامِنًا }تفسير : [إبراهيم: 35] ليرى هل يجيبه. وقرأ ابن عامر إبراهام بالألف جميع ما في هذه السورة. {فَأَتَمَّهُنَّ} فأداهن كملاً وقام بهن حق القيام، لقوله تعالى: {أية : وَإِبْرٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ } تفسير : [النجم: 37] وفي القراءة الأخيرة الضمير لربه، أي أعطاه جميع ما دعاه. {قَالَ إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} استئناف إن أضمرت ناصب إذ كأنه قيل: فماذا قال ربه حين أتمهن، فأجيب بذلك. أو بيان لقوله ابتلى فتكون الكلمات ما ذكره من الإمامة، وتطهير البيت، ورفع قواعده، والإسلام. وإن نصبته يقال فالمجموع جملة معطوفة على ما قبلها، أو جاعل من جعل الذي له مفعولان، والإمام اسم لمن يؤتم به وإمامته عامة مؤبدة، إذ لم يبعث بعده نبي إلا كان من ذريته مأموراً باتباعه. {قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِي} عطف على الكاف أي وبعض ذريتي، كما تقول: وزيداً، في جواب: سأكرمك، والذرية نسل الرجل، فعلية أو فعولة قلبت راؤها الثانية ياء كما في تقضيت. من الذر بمعنى التفريق، أو فعولة أو فعيلة قلبت همزتها من الذرة بمعنى الخلق. وقرىء ذريتي بالكسر وهي لغة. {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ} إجابة إلى ملتمسه، وتنبيه على أنه قد يكون من ذريته ظلمة، وأنهم لا ينالون الإمامة لأنها أمانة من الله تعالى وعهد، والظالم لا يصلح لها، وإنما ينالها البررة الأتقياء منهم. وفيه دليل على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل البعثة، وأن الفاسق لا يصلح للإمامة. وقرىء «الظالمون» والمعنى واحد إذ كل ما نالك فقد نلته.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى منبهاً على شرف إبراهيم خليله عليه السلام، وأن الله تعالى جعله إماماً للناس يقتدى به في التوحيد حين قام بما كلفه الله تعالى به من الأوامر والنواهي، ولهذا قال: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ} أي: واذكر يا محمد لهؤلاء المشركين وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملة إبراهيم، وليسوا عليها، وإنما الذي هو عليها مستقيم فأنت والذين معك من المؤمنين، اذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم، أي: اختباره له بما كلفه به من الأوامر والنواهي (فأتمهن) أي: قام بهن كلهن كما قال تعالى: {أية : وَإِبْرَٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ }تفسير : [النجم: 37] أي: وفى جميع ما شرع له، فعمل به صلوات الله عليه. وقال تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَـٰنِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لأَنْعُمِهِ ٱجْتَبَـٰهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَءاتَيْنَـٰهُ فِى ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِى ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ }تفسير : [النحل: 120 ـ 123] وقال تعالى: {أية : قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبِّىۤ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [الأنعام: 161]، وقال تعالى: {أية : مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ }تفسير : [آل عمران: 67 ـ 68]، وقوله تعالى: {بِكَلِمَـٰتٍ} أي: بشرائع وأوامر ونواه، فإن الكلمات تطلق، ويراد بها الكلمات القدرية؛ كقوله تعالى عن مريم عليها السلام: {أية : وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَـٰتِ رَبَّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ}تفسير : [التحريم: 12] وتطلق، ويراد بها الشرعية، كقوله تعالى: {أية : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً}تفسير : [الأنعام: 115] أي: كلماته الشرعية، وهي إما خبر صدق، وإما طلب عدل إن كان أمراً أو نهياً، ومن ذلك هذه الآية الكريمة: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ}، أي: قام بهن. قال: {إِنِّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} أي: جزاء على ما فعل، كما قام بالأوامر وترك الزواجر جعله الله للناس قدوة، وإماماً يقتدى به ويحتذى حذوه. وقد اختلف في تعيين الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم الخليل عليه السلام، فروي عن ابن عباس في ذلك روايات، فقال عبد الرزاق، عن معمر عن قتادة قال ابن عباس: ابتلاه الله بالمناسك، وكذا رواه أبو إسحاق السبيعي عن التميمي عن ابن عباس. وقال عبد الرزاق أيضاً، أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ}، قال: ابتلاه بالطهارة؛ خمس في الرأس، وخمس في الجسد، في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس، وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء. قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن المسيب ومجاهد والشعبي والنخعي، وأبي صالح وأبي الجلد نحو ذلك، (قلت): وقريب من هذا ما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء، ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة»تفسير : . قال وكيع: انتقاص الماء يعني: الاستنجاء. وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط»تفسير : ، ولفظه لمسلم. وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة عن ابن هبيرة عن حنش بن عبد الله الصنعاني عن ابن عباس أنه كان يقول في تفسير هذه الآية: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} قال: عشر، ست في الإنسان، وأربع في المشاعر، فأما التي في الإنسان: حلق العانة، ونتف الإبط، والختان، وكان ابن هبيرة يقول: هؤلاء الثلاثة واحدة، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والسواك، وغسل يوم الجمعة، والأربعة التي في المشاعر: الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة. وقال داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كله إلا إبراهيم، قال الله تعالى: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} قلت له: وما الكلمات التي ابتلى الله إبراهيم بهن فأتمهن؟ قال: الإسلام ثلاثون سهماً، منها عشر آيات في براءة {أية : ٱلتَّـٰئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ}تفسير : [التوبة: 112] إلى آخر الآية، وعشر آيات في أول سورة: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ}تفسير : [المؤمنون: 1]، و {أية : سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ}تفسير : [المعارج: 1] وعشر آيات في الأحزاب: {أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ}تفسير : [الأحزاب: 35] إلى آخر الآية، فأتمهن كلهن، فكتبت له براءة، قال الله: {أية : وَإِبْرَٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ }تفسير : [النجم: 37] هكذا رواه الحاكم وأبو جعفر بن جرير وأبو محمد بن أبي حاتم بأسانيدهم إلى داود بن أبي هند به، وهذا لفظ ابن أبي حاتم. وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس قال: الكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم فأتمهن: فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم، ومحاجته نمروذ في الله حين وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلافه، وصبره على قذفه إياه في النار ليحرقوه في الله على هول ذلك من أمرهم، والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده في الله حين أمره بالخروج عنهم، وما أمره به من الضيافة والصبر عليها بنفسه وماله، وما ابتلي به من ذبح ابنه حين أمره بذبحه، فلما مضى على ذلك من الله كله وأخلصه للبلاء، قال الله له: {أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} على ما كان من خلاف الناس وفراقهم. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو سعيد الأشج أخبرنا إسماعيل بن علية عن أبي رجاء عن الحسن، يعني البصري {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} قال: ابتلاه بالكوكب فرضي عنه، وابتلاه بالقمر فرضي عنه، وابتلاه بالشمس فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة فرضي عنه. وابتلاه بالختان فرضي عنه، وابتلاه بابنه فرضي عنه؛ وقال ابن جرير: أخبرنا بشر بن معاذ أخبرنا يزيد بن زريع، أخبرنا سعيد عن قتادة قال: كان الحسن يقول: أي والله لقد ابتلاه بأمر فصبر عليه، ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر، فأحسن في ذلك، وعرف أن ربه دائم لا يزول، فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفاً، وما كان من المشركين، ثم ابتلاه بالهجرة، فخرج من بلاده وقومه، حتى لحق بالشام مهاجراً إلى الله، ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة، فصبر على ذلك. وابتلاه بذبح ابنه والختان، فصبر على ذلك، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول في قوله: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ} قال: ابتلاه الله بذبح ولده، وبالنار، وبالكوكب والشمس والقمر. وقال أبو جعفر بن جرير: أخبرنا ابن بشار أخبرنا سلم بن قتيبة، أخبرنا أبو هلال عن الحسن {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ}، قال: ابتلاه بالكوكب وبالشمس والقمر، فوجده صابراً. وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} فمنهن {قَالَ إِنِّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} ومنهن {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَـٰعِيلُ} ومنهن الآيات في شأن المنسك والمقام الذي جعل لإبراهيم، والرزق الذي رزق ساكنو البيت، ومحمد بعث في دينهما. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح، أخبرنا شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، في قوله تعالى: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} قال الله لإبراهيم: إني مبتليك بأمر فما هو؟ قال: تجعلني للناس إماماً؟ قال: نعم، قال: ومن ذريتي؟ قال: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ}، قال: تجعل البيت مثابة للناس؟ قال: نعم، قال: وأمناً؟ قال: نعم، قال: وتجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك؟ قال: نعم، قال: وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله؟ قال: نعم، قال ابن نجيح: سمعته عن عكرمة، فعرضته على مجاهد فلم ينكره، وهكذا رواه ابن جرير من غير وجه عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} قال: ابتلي بالآيات التي بعدها: {إِنِّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ}. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ} قال: الكلمات {إِنِّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} وقوله: {أية : وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً}تفسير : [البقرة: 125] وقوله: {أية : وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِيمَ مُصَلًّى}تفسير : [البقرة: 125] وقوله: {أية : وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ}تفسير : [البقرة: 125] الآية، وقوله: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَـٰعِيلُ}تفسير : [البقرة: 127] الآية، قال: فذلك كله من الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم. وقال السدي: الكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم ربه: {أية : رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ}تفسير : [البقرة: 127 ـ 129] وقال القرطبي: وفي الموطأ وغيره، عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إبراهيم عليه السلام أول من اختتن، وأول من ضاف الضيف، وأول من قلم أظفاره، وأول من قص الشارب، وأول من شاب، فلما رأى الشيب، قال: ما هذا؟ قال: وقار، قال: يا رب زدني وقاراً. وذكر ابن أبي شيبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه قال: أول من خطب على المنابر إبراهيم عليه السلام، قال غيره: وأول من برَّد البريد، وأول من ضرب بالسيف، وأول من استاك، وأول من استنجى بالماء، وأول من لبس السراويل، وروي عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أتخذ المنبر فقد اتخذه أبي إبراهيم، وإن أتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم»تفسير : (قلت): هذا حديث لا يثبت، والله أعلم. ثم شرع القرطبي يتكلم على ما يتعلق بهذه الأشياء من الأحكام الشرعية. قال أبو جعفر بن جرير ما حاصله: أنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ما ذكر، وجائز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين إلا بحديث أو إجماع، قال: ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له. قال: غير أنه قد روي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في نظير معنى ذلك خبران، أحدهما ما حدثنا به أبو كريب، أخبرنا رشدين بن سعد، حدثني زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس قال: كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله: الذي وفى؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ}تفسير : [الروم: 17 ــــ 18] إلى آخر الآية» قال: والآخر منهما: ما حدثنا به أبو كريب، أخبرنا الحسن عن عطية، أخبرنا إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَإِبْرَٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ } تفسير : [النجم: 37] قال: «حديث : أتدرون ما وفى؟»تفسير : قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «حديث : وفى عمل يومه أربع ركعات في النهار»تفسير : ورواه آدم في تفسيره عن حماد بن سلمة وعبد بن حميد عن يونس بن محمد عن حماد بن سلمة عن جعفر بن الزبير به، ثم شرع ابن جرير يضعف هذين الحديثين، وهو كما قال؛ فإنه لا يجوز روايتهما إلا ببيان ضعفهما، وضعفهما من وجوه عديدة، فإن كلاً من السندين مشتمل على غير واحد من الضعفاء، مع ما في متن الحديث مما يدل على ضعفه، والله أعلم. ثم قال ابن جرير: ولو قال قائل: إن الذي قاله مجاهد وأبو صالح والربيع بن أنس أولى بالصواب من القول الذي قاله غيرهم، كان مذهباً؛ لأن قوله: {إِنِّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} وقوله: {أية : وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ}تفسير : [البقرة: 125] الآية، وسائر الآيات التي هي نظير ذلك؛ كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلى بهن إبراهيم، (قلت): والذي قاله أولاً من أن الكلمات تشمل جميع ما ذكر أقوى من هذا الذي جوزه من قول مجاهد ومن قال مثله؛ لأن السياق يعطي غير ما قالوه، والله أعلم. وقوله قال: {وَمِن ذُرِّيَّتِى} قال: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ} لما جعل الله إبراهيم إماماً، سأل الله أن تكون الأئمة من بعده من ذريته، فأجيب إلى ذلك، وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونون أئمة، فلا يقتدى بهم، والدليل على أنه أجيب إلى طلبته قوله تعالى في سورة العنكبوت: {أية : وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ} تفسير : [العنكبوت: 27] فكل نبي أرسله الله، وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم، ففي ذريته صلوات الله وسلامه عليه. وأما قوله تعالى: {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ} فقد اختلفوا في ذلك. فقال خصيف عن مجاهد في قوله: {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ} قال: إنه سيكون في ذريتك ظالمون، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ} قال: لا يكون لي إمام ظالم، وفي رواية: لا أجعل إماماً ظالماً يقتدى به. وقال سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى: {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ} قال: لا يكون إمام ظالم يقتدى به. وقال ابن أبي حاتم أخبرنا أبي أخبرنا مالك بن إِسماعيل أخبرنا شريك عن منصور عن مجاهد في قوله: {وَمِن ذُرِّيَّتِى} قال: أما من كان منهم صالحاً، فأجعله إِماماً يقتدى به، وأما من كان ظالماً، فلا، ولا نعمة عين. وقال سعيد بن جبير: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ} المراد به: المشرك لا يكون إِمام ظالم، يقول: لا يكون إِمام مشرك، وقال ابن جريج عن عطاء قال: {إِنِّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} قال: ومن ذريتي، فأبى أن يجعل من ذريته إِماماً ظالماً، قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره، وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا عمرو بن ثور القيساري فيما كتب إِليَّ، أخبرنا الفريابي حدثنا إسماعيل حدثنا سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس، قال: قال الله لإِبراهيم: إِني جاعلك للناس إِماماً، قال: ومن ذريتي، فأبى أن يفعل، ثم قال: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ} وقال محمد بن إِسحاق عن محمد بن أبي محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس: {قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ} يخبره أنه كائن في ذريته ظالم لا ينال عهده، ولا ينبغي أن يوليه شيئاً من أمره، وإِن كان من ذرية خليله، ومحسن ستنفذ فيه دعوته، وتبلغ له ما أراد من مسألته. وقال العوفي عن ابن عباس: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ} قال: يعني: لا عهد لظالم عليك في ظلمه أن تطيعه فيه، وقال ابن جرير: حدثنا إِسحاق أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله عن إِسرائيل عن مسلم الأعور عن مجاهد عن ابن عباس قال: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ} قال: ليس للظالمين عهد، وإِن عاهدته أنقضه. وروي عن مجاهد وعطاء ومقاتل بن حيان نحو ذلك، وقال الثوري عن هارون بن عنترة عن أبيه قال: ليس لظالم عهد، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ} قال: لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمين، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم، فآمن به وأكل وعاش، وكذا قال إِبراهيم النخعي وعطاء وعكرمة، وقال الربيع بن أنس: عهد الله الذي عهد إِلى عباده دينه، يقول: لا ينال دينه الظالمين، ألا ترى أنه قال: {أية : وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ} تفسير : [الصافات: 113] يقول: ليس كل ذريتك ياإِبراهيم على الحق، وكذا روي عن أبي العالية وعطاء ومقاتل بن حيان. وقال جويبر عن الضحاك: لا ينال طاعتي عدوّ لي يعصيني، ولا أنحلها إلا ولياً يطيعني. وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد أخبرنا أحمد بن عبد الله بن سعيد الأسدي، حدثنا سليم بن سعيد الدامغاني، أخبرنا وكيع عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ} قال: «حديث : لا طاعة إِلا في المعروف» تفسير : وقال السدي: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ} يقول: عهدي نبوتي، فهذه أقوال مفسري السلف في هذه الآية، على ما نقله ابن جرير وابن أبي حاتم رحمهما الله تعالى، واختار ابن جرير أن هذه الآية، وإِن كانت ظاهرة في الخبر أنه لا ينال عهد الله بالإِمامة ظالماً، ففيها إِعلام من الله لإِبراهيم الخليل عليه السلام، أنه سيوجد من ذريتك من هو ظالم لنفسه؛ كما تقدم عن مجاهد وغيره. والله أعلم. وقال ابن خويز منداد المالكي: الظالم لا يصلح أن يكون خليفة ولا حاكماً ولا مفتياً ولا شاهداً ولا راوياً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ ٱبْتَلَىٰ } اختبر {إِبْرَاهِيمَ } وفي قراءة (إبراهام) {رَبُّهُ بِكَلِمَٰتٍ } بأوامر ونواه كلَّفه بها قيل هي مناسك الحج وقيل المضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب وَفرْقُ الرأس وقَلْمُ الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء {فَأَتَمَّهُنَّ } أدّاهن تامات {قَالَ } تعالى له: {إِنّى جَٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } قدوة في الدين {قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِى } أولادي اجعل أئمة {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي } بالإمامة {ٱلْظَّٰلِمِينَ } الكافرين منهم دل على أنه ينال غير الظالم.

ابن عبد السلام

تفسير : {ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ} بالسريانية أب رحيم. {بِكَلمَاتٍ} شرائع الإسلام، ما ابتلى أحد بهذا الدين فقام به كله سواه، فكتب الله ـ تعالى ـ له البراءة، فقال ـ تعالى ـ: {أية : وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ} تفسير : [النجم: 37] وهي ثلاثون سهماً، عشر في براءة {أية : ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ}تفسير : [التوبة: 112] وعشر في " الأحزاب" {أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ} تفسير : [الأحزاب: 35] وعشر في المؤمنين [1-9]، {أية : سَأَلَ سَآئِلٌ} تفسير : [المعارج: 22 - 34] إلى قوله {أية : عَلَى صَلاتِهمْ يُحَافِظُونَ}تفسير : [المعارج: 34]، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أو هي عشر من سنن الإسلام: خمس في الرأس، قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس، وفي الجسد، تقليم الأظافر، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر البول والغائط بالماء، أو هي عشر: ست في الإنسان، حلق العانة والختان، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، وقص الشارب، وغسل الجمعة، وأربع في المشاعر: الطواف والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة، أو مناسك الحج خاصة، أو الكوكب، والقمر، والشمس؛ والنار والهجرة والختان، ابتُلي بهن فصبر، أو ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم لم سمى الله ـ تعالى ـ إبراهيم خليله {أية : ٱلَّذِي وَفَّىٰ}؟تفسير : [النجم:37] لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ}تفسير : [الروم:17] إلى قوله تعالى {أية : تُظْهِرُونَ }،تفسير : أو قول الرسول صلى الله عليه وسلم " حديث : أتدرون ما {وَفَّيَ}؟" تفسير : قالوا الله ورسوله أعلم، قال: "حديث : وفَّى عمل يومه أربع ركعات في النهار"تفسير : ، أو قال له ربه: " إني مبتليك، قال: أتجعلني للناس إماماً، قال: نعم: قال: ومن ذريتي قال: لا ينال عهدي الظالمين، قال: تجعل البيت مثابة للناس قال: نعم، قال: وأمنا قال: نعم، قال: وتجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك. قال: وترينا مناسكنا وتتوب علينا قال: نعم، قال: وتجعل هذا البيت آمناً، قال: نعم، قال: وترزق أهله من الثمرات، قال: نعم، فهذه الكلمات التي أبتُلى بها. {إمَاماً} متبوعاً. {عَهْدِى} النبوة، أو الإمامة، أو دين الله، أو الأمان، أو الثواب، أو لا عهد عليك لظالم أن تطيعه في ظلمه، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ...} والعامل/ في إذ (مضمر) أي (اذكر) إذ ابتلى، ويعمل فيها عمل الفعل في المفعول به ولا عمله في الظرف لأنه يستحيل ذكره في ذلك الوقت. وقرئ برفع "إِبْرَاهِيمُ" ونصب "رَبَّهُ" ومعناه ابْتَلَى (ابراهيمُ) إجابة ربه، أي اختبر حاله عند ربه. قيل لابن عرفة: فهل يجوز أن يختبر المكلف حاله عند ربه؟ فقال: أما عند الاضطرار فجائز كما في حديث الثلاثة الذين أخذهم المطر فأووا إلى غار في جبل فانحطت عليهم من (أعلى الجبل) صخرة فسدت (فم) الغار فقالوا: تعالوا يتوسّل كل واحد منا إلى الله بأفضل عمل عمله، الحديث أخرجه الصحيحان. قال: وكذلك عند الضرورة الظاهر الجواز. قال الإمام فخر الدين هنا: والجمهور على أن إمامة الفاسق حال فسقه لا تجوز، واختلفوا في الفسق الطارئ هل يبطلها أم لا؟ قال: وخطأ أبو بكر الرازي من نقل عن أبي حنيفة إجازة كونه خليفة وامتناع كونه قاضيا. قال: فإن شرط كل واحد منهما العدالة. وفي الإكمال للقاضي عياض في كتاب الإمارة قال المازري: وإذا عقد الإمام على وجه صحيح ثم فسق وجار بأن كان يكفر وجب خلعه، وأما بغيره من المعاصي فلأهل السنة لا يخلع، وللمعتزلة يخلع. عياض: الاختلاف أنها لا تنعقد لكافر ولا تدوم إن طرأ عليه الكفر، وكذا إن كان يترك الصلاة والدعاء لها، وكذا عند الجمهور بالبدعة ولبعض البصريين أنها لا تنعقد للمبتدع وتدوم له للتأويل. عياض: لا تنعقد ابتداء للفاسق بلا تأويل، وهل يخرج منها بمواقعة المعاصي أو لا؟ قال جمهور أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا يخلع (بالظلم) والفسق وتعطيل الحقوق، ويجب وعظه وترك طاعته فيما لا يجب فيه طاعة. وقال بعضهم: يجب خلعه، وهذا مع القدرة فإن لم يقدر على ذلك إلا بفتنة وحرب فاتفقوا على منع القيام عليه. واحتج الزمخشري بهذه الآية على أن الفاسق لا يصلح للإمامة. قال ابن عرفة: لا دليل فيها، وفرق بين نيل العهد للفاسق وتعلقه به وبين انعقاد الإمامة للفاسق. فنقول: أمّا ابتداء فلا يصح أن يَلِي الإمامة الفاسق. وأما بعد الوقوع فتنعقد له الإمامة كما قالوا في البياعات الفاسدة: إنما تمنع ابتداء فإن وقعت مضت وحكم لها بحكم الصحيح. قيل لابن عرفة: كيف هذا مع قول الله تبارك وتعالى {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} تفسير : فقال: يكون الاصطفاء (لنفسه) فقط لا مطلقا.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {إبراهام} بالألف في البقرة والنساء إلا {فقد آتينا آل إبراهيم} وفي الأنعام {ملة إبراهام} وفي جميع براءة إلا {وقوم إبراهيم} وفي إبراهيم {وإذ قال إبراهام} وفي النحل ومريم والعنكبوت {ولما جاءت رسلنا إبراهام} خاصة وفي "حم عَسَقَ" وجميع المفصل وإلا قوله في المودة {إلا قول إبراهيم} وفي الأعلى {صحف إبراهيم} هشام وابن ذكوان وروى ابن مجاهد في هذه السورة فقط. (واعلم) أن ذكر إبراهيم في القرآن تسعة وستون موضعاً منها ثلاثة وثلاثون "إبراهام" بالألف في قراءة ابن عامر عن ابن ذكوان، وستة وثلاثون "إبراهيم" بالياء، والعلة في ذلك اتباع مصحفهم. فما كتب بالألف قرئ بالألف، وما كتب بالياء قرئ بالياء، والاختيار عند الأئمة أن يقرأ ههنا بالألف لبيان المذهب والبواقي بالياء، لأنه أحسن في اللفظ وأشهر، ويوافقه سائر الأسماء الأعجمية كإسرائيل وإسرافيل وإسماعيل {عهدي} مرسلة الياء: حمزة وحفص {وإذ جعلنا} وبابه مدغمة الذال في الجيم: أبو عمرو وهشام {بيتي} بالفتح: أبو جعفر ونافع. وحفص وهشام {واتخذوا} بفتح الخاء: نافع وابن عامر الباقون بالكسر {فأمتعه} خفيفاً ابن عامر. الباقون بالتشديد. الوقوف: {فأتمهن} (ط) {إماماً} (ط) {ذريتي} (ط) {الظالمين} (ه) {وأمنا} (ط) لمن قرأ {واتخذوا} بالكسر لاعتراض الأمر بين ماضيين {مصلى} (ط) كذلك ومن فتح الخاء نسق الأفعال الثلاثة فلا وقف {السجود} (ه) {واليوم الآخر} (ط) {عذاب النار} (ط) لأن "نعم" و "بئس" للمبالغة في المدح والذم فيبتدئ بهما تنبيهاً على المدح والذم {المصير} (ه). التفسير: إنه تعالى لما استقصى في شرح نعمه على بني إسرائيل والمشركين ومقابلتهم النعمة بالكفران والعناد، شرع في نوع آخر من البيان وهو ذكر قصة إبراهيم عليه السلام لأن كلهم معترفون بفضله وأنهم من أولاده ومن ساكني حرمه وخدام بيته، وفي قصته أمور توجب الاعتراف بدين محمد صلى الله عليه وسلم والانقياد لشرعه منها: أنه أمر ببعض التكاليف ثم وفى بها فنال منصب الاقتداء به، فيعلم أن الخيرات كلها لا تحصل إلا بترك التمرد والانقياد لحكم الله والتزام تكاليفه، ومنها أنه طلب الإمامة لذريته فقيل له {لا ينال عهدي الظالمين} فيعرف أن طالب الحق يجب أن يترك التعصب والمراء ووضع ما رفعه الله لينال رياسة الدارين، ومنها أن القبلة لما حولت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فأريد إزالة غيظهم بأن هذا البيت قبلة إبراهيم الذي اعترفوا بتعظيمه والاقتداء به، ومنها أنه دعا بإرسال نبي من ذريته وهو محمد صلى الله عليه وسلم كما يجيء فيجب على من يعترف بإبراهيم أن يعترف بمحمد صلى الله عليه وسلم. أما قوله {وإذ ابتلى} العامل في "إذ" إما مضمر نحو "واذكر" وتكون بمعنى الوقت فقط، أو وإذ ابتلى كان كيت وكيت، وإما {قال إني جاعلك للناس إماماً} وعلى هذين التقديرين تكون ظرفاً لكان أو قال. وموقع "قال" على الأولين استئناف كأنه قيل: فماذا قال له ربه حين أتم الكلمات؟ فأجيب {قال إني جاعلك} وعلى الثاني جملة معطوفة على ما قبلها من الآيات ولا يخفى أن الاستئناف أصوب ليناسب سياق الجملتين الآتيتين لورودهما أيضاً على طريقة السؤال المقدر والجواب، وليكون على منهاج {وإذا جعلنا} {وإذا قال إبراهيم} {أية : وإذ يرفع} تفسير : [البقرة: 127] والابتلاء الاختبار والامتحان، عبر تكليفه إياه بالبلوى تشبيهاً لأمره بأمر المخلوقين وبناء على العرف بيننا، فإن كثيراً منا قد يأمر ليعرف ما يكون من المأمور حينئذ وإلا فكيف يجوز حقيقة الابتلاء عليه تعالى مع أنه عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل من الأزل إلى الأبد وقيل: مجاز عن تمكينه العبد من اختيار أحد الأمرين ما يريد الله وما يشتهيه هو كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك. واعلم أن هشام بن الحكم ومن تابعه زعم أنه تعالى كان في الأزل عالماً بحقائق الأشياء وماهياتها فقط، وأما حدوث تلك الماهيات ودخولها في الوجود فهو تعالى لا يعلمها إلا عند وقوعها بدليل هذه الآية وأمثالها المذكور فيها الابتلاء. وكلمة "لعل" والجواب عنها ما مر، وقد يستدل أيضاً على مذهبه بوجوه معقولة منها أنه تعالى لو كان عالماً بالأشياء قبل وقوعها لزم نفي القدرة عن الخالق، لأن ما علم الله وقوعه استحال أن لا يقع، وما علم أنه لا يقع استحال أن يقع ولا قدرة على الواجب وعلى الممتنع بالاتفاق، والجواب أن الوجوب بالغير وكذا الامتناع بالغير لا ينافيان قدرة القادر عليه، وإنما المنافي للقدرة عليه كونه واجباً لذاته أو ممتنعاً لذاته، ومنها أنه لو كان عالماً بجميع الجزئيات لكان له علوم غير متناهية أو كان لعلمه تعلقات غير متناهية، فيلزم حصول موجودات غير متناهية دفعة واحدة وذلك محال، لأن مجموع تلك الأشياء أزيد من ذلك المجموع بعينه عند نقصان عشرة منها، فالناقص متناه وكذا الزائد. ونوقض بمراتب الأعداد التي لا نهاية لها، وأيضاً المجموعية والزيادة والنقصان كلها من خواص المتناهي، فأما الذي لا نهاية له ففرض هذه الأعراض فيه محال. ومنها أن هذه المعلومات التي لا نهاية لها هل يعلم الله عددها مفضلة أو لا يعلم؟ فإن علم عددها فهي متناهية، وإن لم يعلم فهو المطلوب. والجواب الاختيار أنه لا يعلم عددها، ولا يلزم الجهل لأن الجهل هو أن يكون لها عدد معين ثم إن الله لا يعلم عددها، فأما إذا لم يكن لها عدد في نفسها فلا جهل ومنها أن كل معلوم فهو متميز في الذهن عما عداه، وكل متميز عما عداه خارج عنه، وكل ما خرج عنه غيره فهو متناه، وكل معلوم متناه فما هو غير متناه استحال أن يكون معلوماً. والجواب أنه ليس من شرط المعلوم تميزه من غيره عند العالم، لأن العلم بتميزه عن غيره موقوف على العلم بذلك الغير، ويلزم منه أن لا يعلم الإنسان شيئاً إلا إذا علم أموراً لا نهاية لها. والحق أن نور الأنوار لا يتناهى ووراء لا يتناهى، ما لا يتناهى، وإحاطة غير المتناهي بغير المتناهي غير بعيد وقد يتعلق علمنا بكثير من الأشياء قبل حصولها، فإذا كان علمنا مع تناهي قوتنا ونوريتنا. هكذا فما ظنك بالعليم الخبير الذي هو نور النور ومدبر الأمور وكل عسير عليه يسير؟ {إبراهيم} بالنصب {ربه} بالرفع هو المشهور وهذه الصورة مما يجب فيه تأخير الفاعل وإزالته عن مركزه الأصلي، فإنه لو قدم الفاعل وقد اتصل به ضمير المفعول لزم الإضمار قبل الذكر لفظاً، وعن ابن عباس وأبي حنيفة رفع {إبراهيم} ونصب {ربه} فالمعنى أنه دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيب الله تعالى إليهن أم لا؟ واختلف المفسرون في أن ظاهر لفظ التنزيل هل يدل على تلك الكلمات أم لا؟ فقال بعضهم: اللفظ يدل عليها وهي الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعده والدعاء بابتعاث محمد صلى الله عليه وسلم، فكل هذه تكاليف شاقة، أما الإمامة فلأن المراد بها النبوة، وأعباؤها أكثر من أن تحصى، ولهذا فإن ثواب النبي أعظم من ثواب غيره، وأما بناء البيت وتطهيره ورفع قواعده، فمن وقف على ما روي في كيفية بنائه عرف شدة البلوى فيه. ثم إنه يتضمن إقامة المناسك، وقد امتحن الله الخليل بالشيطان في الموقف كرمي الجمار وغيره. وأما الاشتغال بالدعاء ببعث نبي آخر الزمان فيحتاج فيه إلى الإخلاص وإزالة الحسد عن القلب وذلك في غاية الصعوبة. واعترض على هذا القول بأن المراد من الكلمات لو كانت هذه لناسب أن يذكر قوله {فأتمهن} بعد تعداد الجميع. وأجيب بأنه أخبر أنه ابتلاه بكلمات على الإجمال ثم أخبر أنه أتمها ثم فصل تلك الأمور، وهذا ترتيب في غاية الحسن، إذ لو ذكر {فأتمهن} بعد هذا التفصيل لوقع ضائعاً ولانقطع النظم. والقائلون بأن ظاهر الآية لا دلالة فيه على الكلمات زعم بعضهم أنها الكلمات التي تكلم بها إبراهيم مع قومه وقت تبليغ الرسالة، وزعم بعضهم أنها أوامر ونواهٍ. فعن ابن عباس هي عشر خصال كانت فريضة في شرعه وهي عندنا سنة: خمس في الرأس: المضمضة والاستنشاق وفرق الرأس وقص الشارب والسواك، وخمس في الجسد: الختان وحلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار والاستنجاء بالماء. وقيل: ابتلاه الله تعالى من شرائع الإسلام بثلاثين سهماً، عشرة في براءة {أية : التائبون العابدون} تفسير : [التوبة: 112] الآية وعشرة في الأحزاب {أية : إن المسلمين والمسلمات} تفسير : [الأحزاب: 35] وعشرة في "المؤمنين" "وسأل سائل" إلى قوله {أية : والذين هم على صلاتهم يحافظون} تفسير : [المعارج: 34] وقيل: هن مناسك الحج كالطواف والسعي والرمي والإحرام والوقوف بعرفة. وقيل: ابتلاه بسبعة أشياء: بالكواكب والقمر والشمس والختان على الكبر والنار وذبح الولد والهجرة، فوفى بالكل {أية : وإبراهيم الذي وفى} تفسير : [النجم: 34] وقيل: ما ذكره في قوله{أية : إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين} تفسير : [البقرة: 131] وقيل: المناظرات التي جرت بينه وبين أبيه ونمروذ وقومه، والصلاة والزكاة والصوم، وقسم الغنائم والضيافة والصبر عليها. وجملة القول أن الابتلاء بتناول إلزام كل ما في فعله كلفة، واللفظ يتناول مجموع هذه الأشياء وكلاً منها إلا أن الكلام في الرواية، ثم قيل: إن هذا الابتلاء كان قبل النبوة لأنه تعالى نبه على أن قيامه بهن كالسبب لأن جعله إماماً. وقيل: إنه بعد النبوة لأنه لم يعلم كونه مكلفاً بتلك التكاليف إلا من الوحي. والحق أن هذا يختلف باختلاف تفسير التكاليف، فمنها ما يعلم بالضرورة كونها قبل النبوة كحديث الكوكب والشمس والقمر، ومنها ما ثبت أنه كان بعد النبوة كذبح الولد والهجرة والنار، وكذا الختان فإنه يروى أنه ختن نفسه وكان سنه مائة وعشرين، ومنها ما هو بصدد الاحتمال فقد يمكن أن يكون إلى معرفته سبيل سوى الوحي كمنام أو إلهام. والضمير في "أتمهن" على القراءة المشهورة لإبراهيم عليه السلام بمعنى فقام بهن حق القيام وأداهن أحسن التأدية من غير تفريط وتوانٍ وفي الأخرى لله تعالى أي فأعطاه ما طلبه ولم ينقص منه شيئاً، ويعضده ما روي عن مقاتل أنه فسر الكلمات بما سأل إبراهيم ربه في قوله {رب اجعل هذا بلداً آمناً} {أية : واجعلنا مسلمين لك} تفسير : [البقرة: 128] {أية : وابعث فيهم رسولاً} تفسير : [البقرة: 129] {أية : ربنا تقبل منا} تفسير : [البقرة: 127] والإمام اسم لمن يؤتم به "فعال" بمعنى "مفعول" كالإزار لما يؤتزر به أي يأتمون بك في دينهم. والأكثرون على أن الإمام ههنا النبي لأنه جعله إماماً لكل الناس، فلو لم يكن مستقلاً بشرع كان تابعاً لرسول ويبطل العموم ولأن إطلاق الإمام يدل على أنه إمام في كل شيء، والذي يكون كذلك لا بد أن يكون نبياً، ولأن الله تعالى سماه بهذا الاسم في معرض الامتنان فينبغي أن يحمل على أجلّ مراتب الإمامة كقوله {أية : وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا} تفسير : [السجدة: 24] لا على من هو دونه ممن يستحق الاقتداء به في الدين كالخليفة والقاضي والفقيه وإمام الصلاة، ولقد أنجز الله تعالى هذا الوعد فعظمه في عيون أهل الأديان كلها، وقد اقتدى به من بعده من الأنبياء في أصول مللهم {أية : ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً} تفسير : [النحل: 123] وكفى به فضلاً أن جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقولون في صلاتهم "اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم" ثم القائلون بأن الإمام لا يصير إماماً إلا بالنص تمسكوا بهذه الآية وأمثالها من نحو {أية : إني جاعل في الأرض خليفة} تفسير : [البقرة: 30] {أية : يا داود إنا جعلناك خليفة} تفسير : [ص: 26] ومنع بأن الإمام يراد به ههنا النبي سلمنا أن المراد به مطلق الإمام لكن الآية تدل على أن النص طريق الإمامة وذلك لا نزاع فيه، إنما النزاع في أنه لا طريق للإمامة سوى النص، ولا دلالة في الآية على ذلك وفي الآية دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان معصوماً عن جميع الذنوب، لأنه لو صدرت عنه معصية لوجب علينا الاقتداء به وذلك يؤدي إلى كون الفعل الواحد ممنوعاً منه مندوباً إليه وذلك محال. والذرية نسل الثقلين من ذرأ الله الخلق ذرأ خلقهم إلا أن العرب تركت همزها كما في البرية، ويحتمل أن يكون منسوباً إلى الذر صغار النمل، والضم من تغيير النسب كالدهري في النسبة إلى دهر {ومن ذريتي} عطف على الكاف كأنه قال: وجاعل بعض ذريتي كما يقال "سأكرمك فتقول وزيداً" ولا يخفى أن "من" التبعيضية تدل على أنه طلب الإمامة لبعض ذريته لعلمه بأن كلهم قد لا يليق بذلك لأن ناساً غير محصورين لا يخلو من ظالم فيهم غالباً، ولعلمه بأن بعضهم يليق بها كإسماعيل وإسحق. وقد حقق الله تعالى أمله فجعل في أولاده وأحفاده كإسماعيل وإسحق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون وداود وسليمان وأيوب ويونس وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس ثم محمد صلى الله عليه وسلم أفضلهم وأشرفهم، ولأنه لم يطلب الإمامة إلا للبعض فكان يكفي في الجواب نعم إلا أنه لم يكن حينئذ نصاً في أن ذلك البعض من المؤمنين أم من الظالمين. ولو قال "ينال عهدي المؤمنين" كان غاية ذلك خروج الظالمين بالمفهوم لا بالنص، فلمكان التنصيص على إخراج الظالم قال {لا ينال عهدي الظالمين} والمراد بالعهد هو الإمامة المطلوبة، سميت عهداً لاشتمالها على كل عهد عهد به الله تعالى إلى بنى آدم إذ لا رياسة أعظم من ذلك كقوله {أية : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل} تفسير : [طه: 115] {أية : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم} تفسير : [الأحزاب: 7] وإذا خرج الظالم تعين الصالح للإمامة بطريق برهاني. وذلك أن دعاءه مستجاب ألبتة فكل نبي مجاب، ولأنه لو لم يكن الصالح إماماً لم يكن لإخراج الظالم وتخصيصه بالذكر معنى. ويحتمل أن يقال: إنه أراد الإمامة لأولاده المؤمنين لا محالة لعلمه بأن الكفرة والظلمة لا تصلح لذلك، فأجيب بما أجيب إسعافاً لطلبته بأبلغ معنى وأتمه كما إذا قيل لمن أشرف "أوص لابنك بشيء" فيقول: لا يرث مني أجنبي أي كل ما يبقى مني فهو لابني، فكيف أوصي له بشيء؟ ولا يرد أن يونس نال عهده مع أنه ظالم {أية : سبحانك إني كنت من الظالمين} تفسير : [الأنبياء: 87] لأن الظلم فيه محمول على ترك الأولى كما في حق آدم {أية : ربنا ظلمنا أنفسنا} تفسير : [الأعراف: 23] لا على الكفر والفسق. وقد يستدل الإمامية على إبطال غير إمامة علي كرم الله وجهه قالوا: إنهم كانوا مشركين قبل الإسلام بالاتفاق، وكل مشرك ظالم {أية : إن الشرك لظلم عظيم} تفسير : [لقمان: 13] وكل ظالم فإنه لا ينال عهد الإمامة قالوا: لا يقال إنهم كانوا ظالمين حال كفرهم، فبعد زوال الكفر لا يبقى هذا الاسم لأنا نقول: الظالم من ثبت له الظلم، وهذا المعنى صادق عليه دائماً ولهذا يسمى النائم مؤمناً لأنه ثبت له الإيمان وإن لم يكن التصديق حاصلاً حال النوم، وأيضاً المتكلم والماشي حقيقة في مفهومهما مع أن أجزاء التكلم والمشي لا توجد دفعة، فدل هذا على أن حصول المشتق منه ليس شرطاً لكون الاسم المشتق حقيقة. وعورض بأنه لو حلف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافراً قبل بسنين متطاولة فإنه لا يحنث، وبأن التائب عن المعصية لا يسمى عاصياً فكذا التائب عن الكفر، وإن قيل: لعل هذا المانع شرعي هو تعظيم الصحابة أو لمانع عرفي فهذا القدر يكفينا على أنا بينا أن المراد من الإمامة في الآية النبوة، فمن كفر بالله طرفة عين فإنه لا يصلح للنبوة وكذا الفاسق حال الفسق لا يجوز عقد الإمامة له باتفاق الجمهور من الفقهاء والمتكلمين، فإن كل عاصٍ ظالم. والعبرة بالعدالة الظاهرة فنحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر خلافاً للشيعة فإنهم يقولون بوجوب العصمة ظاهراً وباطناً، ومما يدل على بطلان إمامة الفاسق أن العهد في كتاب الله تعالى قد يستعمل بمعنى الأمر {أية : ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان} تفسير : [يس: 60] أي ألم آمركم؟ لكن المراد في الآية لا يمكن أن يكون ذلك فإن أوامره تعالى لازمة للظالمين كما للمطيعين، فثبت أن المراد كونهم غير مؤتمنين على أوامر الله وغير مقتدى بهم فيها قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"تفسير : فالفاسق لا ينبغي أن يكون حاكماً ولا تنفذ أحكامه إذا ولي الحكم، ولا تقبل شهادته ولا خبره إذا أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا فتياه إذا أفتى، ولا يقدم للصلاة وإن كان بحيث لو اقتدى به لم تفسد صلاته. قال أبو بكر الرازي: ومن الناس من يظن أن مذهب أبي حنيفة أنه يجوز كون الفاسق إماماً وخليفة ولا يجوز كون الفاسق قاضياً، وهذا خطأ عظيم. نعم أنه قال: القاضي إذا كان عدلاً في نفسه وتولى القضاء من إمام جائر فإن أحكامه نافذة والصلاة خلفه جائزة، لأن الذي ولاه بمنزلة سائر أعوانه. وليس من شرط أعوان القاضي أن يكون عدولاً، ألا ترى أن أهل بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على الرضا بتولية رجل عدل منهم القضاء حتى يكونوا أعواناً له على من امتنع من قبول أحكامه كان قضاؤه نافذاً وإن لم يكن له ولاية من جهة إمام ولا سلطان؟ قال: وكيف يجوز أن يدعي ذلك على أبي حنيفة وقد أكرهه ابن هبيرة في أيام بني أمية على قضائه وضربه فامتنع من ذلك فحبس فلج ابن هبيرة وجعل يضربه كل يوم أسواطاً، فلما خيف عليه قال له الفقهاء: اقبل له شيئاً من عمله أي شيء كان حتى يزول عنك الضرب، فتولى له عد أحمال التبن التي تدخل عليه فخلاه ثم دعاه المنصور إلى مثل ذلك حتى عد له اللبن الذي كان يضرب لسور المدينة، وذلك أنه كان يقول في المنصور وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عد آجره لما فعلت، وقصته في أمر زيد بن علي مشهورة، وحمله المال إليه وفتياه الناس سراً في وجوب نصرته والقتال معه، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن. وفي الآية إنذار بليغ وتخويف شديد عن وخامة عاقبة الظلم وقبح موقعه فإنه يحط أولاً عن رتبة النبوة {لا ينال عهدي الظالمين} وثانياً عن درجة الولاية {أية : ألا لعنة الله على الظالمين} تفسير : [هود: 18] وثالثاً عن مرتبة السلطنة "بيت الظالم خراب ولو بعد حين"، ورابعاً عن نظر الخلائق "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها" وخامساً عن حظ نفسه {أية : وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} تفسير : [البقرة: 57] ولله در القائل: شعر : لا تظلمـن إذا مـا كنت مقتـدراً فـالظلـم آخـره يـأتيـك بـالنـدم نامـت عيونـك والمظلوم منتبه يدعو عليـك وعيـن الله لم تنم تفسير : ولآخر: شعر : مـرتـع ظلـم الـورى وخيــم يـا صـاحـب اللـب والحجــاره لا تظلـم النـاس واخش ناراً وقـودهـــا النـــاس والحجــاره تفسير : غيره: شعر : أيحسـب الظـالـم فـي ظلمـه أهملــــه القـــادر أم أمهــــلا مــا أهملـوا بـل لهـم مـوعـد لـن يجــدوا مـن دونه مـوئلا تفسير : غيره: شعر : أتلعـب بـالـدعـاء وتـزدريه ومـا يدريـك مـا صنـع الدعاء سهام اللـيل لا تخطي ولكن لهــــا أمـــد وللأمــد انقضــاء تفسير : واعلم أن عهد الله الذي أخذ على عباده هو بالحقيقة عهد العبودية {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} تفسير : [الذاريات: 56] والعهد الذي التزمه لعباده هو عهد الربوبية {أية : ربكم ورب آبائكم الأولين} تفسير : [الشعراء: 26] ثم إنه تعالى لا يزال يلاحظك بنظر الربوبية فيربيك ويربيك وبعد نعمة الوجود يعطيك نعم الصحة المكنة والعافية والسلامة والإيمان والأمان والإخوان والأخدان {أية : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} تفسير : [إبراهيم: 34] وأنك لا تنفك عن تقصير ونسيان وجهل وعدوان وإيذاء لملائكة الله وعبيده وإرضاء لحزب الشيطان وجنوده. فيا أيها المغرور ما هذا التقصير فإن لله المصير وما للظالمين من نصير. قوله {وإذ جعلنا البيت} تقرير تكليف آخر. والبيت اسم غالب للكعبة كالنجم للثريا وهذا من الأسماء التي كانت في الأصل للجنس، ثم كثر استعماله في واحد من ذلك الجنس لخصلة مختصة به من بين سائر الأفراد حتى صار علماً له. ولا بد أن يكون وقت استعماله لذلك الواحد قبل العلمية مع لام العهد ليفيد الاختصاص به ويسمى بالعلم الاتفاقى، وإنما لزمت اللام في مثله لأنه لم يصر علماً إلا مع اللام فصارت كبعض حروفه، إلا أنه تعالى لم يرد بالبيت نفس الكعبة فقط بل جميع الحرم لأن حكم الأمن يشمل الكل. وصح هذا الإطلاق لأن الحرمة نشأت بسبب الكعبة نفسها ومثله قوله تعالى {أية : هدياً بالغ الكعبة} تفسير : [المائدة: 95] والمراد الحرم كله لأنه لا يذبح في الكعبة ولا في المسجد الحرام. وقوله {أية : فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} تفسير : [التوبة: 28] والمراد - والله أعلم - منعهم من الحج وحضور مواضع النسك، ويحتمل أن يكون المراد جعلنا البيت سبب الأمن، وعلى هذا يكون البيت نفس الكعبة، وعلى الأول يكون معنى {أمناً} موضع أمن كقوله {أية : حرماً آمناً} تفسير : [القصص: 57] والمثابة المباءة والمرجع قيل: إن مثاباً ومثابة لغتان مثل مقام ومقامة. وقيل: التاء للمبالغة كعلامة. عن الحسن: أي يثوبون إليه في كل عام. وعن ابن عباس ومجاهد: لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه وذلك لدعاء إبراهيم عليه السلام {أية : فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} تفسير : [إبراهيم: 37] وقيل: مثابة أي يحجون فيثابون عليه. وكون البيت مثابة إنما يكون بجعل الله تعالى بناء على أن فعل العبد مخلوق لله، أو بأن الله تعالى ألقى تعظيمه في القلوب ليصير ذلك داعياً لهم إلى العود إليه مرة بعد أخرى وذلك لمنافع دينية ودنيوية، قال صلى الله عليه وسلم "حديث : من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" تفسير : وقال: "حديث : العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"تفسير : ثم إن قطان الخافقين يجتمعون هناك للتجارات وضروب المكاسب فيعظم فيه النفع لمن أراد ولا شك أن قوله {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً} [البقرة: 125] خبر فتارة تتركه على ظاهره وتقول إنه خبر بأن يكون {أية : حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء} تفسير : [القصص: 57] لا أن يكون إخباراً عن عدم وقوع القتل فيه أصلاً، فإن الموجود بخلافه فقد يقع القتل الحرام وكذا المباح قال تعالى {أية : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم} تفسير : [البقرة: 191] وتارة تصرفه عن ظاهره وتقول. إنه أمر بأن يجعلوا ذلك الموضع أمناً من الغارة والقتل قال صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله حرم مكة وإنها لم تحل لأحد قبلي وإنما أحلت لي ساعة من نهار"تفسير : وقد عادت حرمتها كما كانت، فذهب الشافعي إلى أن المعنى أنها لم تحل لأحد أن ينصب الحرب عليها وأن ذلك أحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما من دخل البيت من الذين وجبت عليهم الحدود فقال الشافعي: إن الإمام يأمر بالضيق عليه بما يؤدي إلى خروجه، فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحل، فإن لم يخرج جاز قتله فيه، وكذلك من قاتل في الحرم جاز قتاله فيه. وعند أبي حنيفة لا يستوفى قصاص النفس في الحرم إلا أن ينشئ القتل فيه، ولكن يضيق الأمر عليه ولا يكلم ولا يطعم ولا يعامل حتى يخرج فيقتل وسلم أن يستوفى منه قصاص الطرف. وعند أحمد: لا يستوفى من الملتجئ واحد من القصاصين، ولو التجأ إلى المسجد الحرام قال الإمام: أو مسجد آخر يخرج منه ويقتل لأنه تأخير يسير، وفيه صيانة المسجد وحفظ حرمته. وقيل: تبسط الأنطاع ويقتل في المسجد تعجيلاً لتوفية الحق {واتخذوا} بفتح الخاء معطوف على {جعلنا} أي اتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي وسم به لاهتمامه به وإسكان ذريته عنده قبلة يصلون إليها، وعلى هذا المراد بالمصلى القبلة. وأما من قرأ بالكسر على الأمر فعلى إرادة القول أي وقلنا اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه استحباباً لا وجوباً. وفي مقام إبراهيم أقوال. فعن الحسن وقتادة والربيع بن أنس: أنه لما جاء إبراهيم من الشام إلى مكة قالت له امرأة إسماعيل: انزل حتى تغسل رأسك فلم ينزل، لأن سارة شرطت عليه أن لا ينزل غيرة على هاجر فجاءته بحجر فوضعته على شقه الأيمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر فبقي أثر قدميه عليه. وعن ابن عباس: أن إبراهيم عليه السلام كان يبني البيت وإسماعيل يناوله الحجارة، فلما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة قام على حجر فغاصت فيه قدماه. وقيل: إنه الحجر الذي قام عليه إبراهيم عند الأذان بالحج. قال القفال: ويحتمل أن يكون إبراهيم عليه السلام قام على هذا الحجر في هذه الأمور كلها. وعن مجاهد: مقام إبراهيم الحرم كله، فعلى هذا يراد بالمصلى المدعى من الصلاة بمعنى الدعاء. وعن عطاء: مقام إبراهيم عرفة ومزدلفة والجمار لأنه قام في هذه المواضع ودعا بها، والقول بأن مقام إبراهيم الحجر الذي فيه أثر قدميه أولى، لأن هذا الاسم في العرب مختص بذلك الموضع يعرفه المكي وغيره، ولأن الحجر صار تحت قدميه في رطوبة الطين حتى غاصت فيه رجله وذلك من أظهر الدلائل على صنع الله تعالى وإعجاز إبراهيم، وكان أشد اختصاصاً به، فإطلاق مقام إبراهيم عليه أولى، ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخذ بيد عمر فقال:هذا مقام إبراهيم، فقال عمر: أفلا نتخذه مصلى؟ فقال: لم أؤمر بذلك، فلم تغب الشمس حتى نزلت. وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استلم الحجر ورمل ثلاثة أشواط ومشى أربعة حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} "ومن" هذه تجريدية على نحو "رأيت منك أسداً" و "وهب الله لي منك ولياً مشفقاً" ففيه بيان المتخذ والمرئي والموهوب وتمييزه في ذلك المعنى عن غيره. ولا ريب أن للصلاة به فضلاً علىغيره من حيث التيمن والتبرك بموطئ قدم إبراهيم عليه السلام، وركعتا الطواف خلف المقام ثم في الحجر ثم في المسجد أي مسجد كان حيث شاء متى شاء ليلاً أو نهاراً سنة عند الشافعي في أصح قوليه بعد الفراغ من الطواف لقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي حين قال هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع، وفي قوله الآخر فرض لظاهر قوله {واتخذوا} والأمر للوجوب، والرواية عن أبي حنيفة أيضاً مختلفة، {وعهدنا} المراد بالعهد هنا الأمر أي ألزمناهما ذلك وأمرناهما أمراً ووثقنا عليهما فيه أن طهرا إن كانت "أن" مخففة فالتقدير بأن طهرا وإن كانت مفسرة فمعناه أي طهراً والمراد التطهير من كل أمر لا يليق بالبيت، أما من الأنجاس والأقذار فلأن موضع البيت وحواليه مصلى، وأما من الشرك ومظانه فلأنه مقام العبادة والإخلاص وكل هذه إما أن لا تكون موجودة هناك أصلاً والمراد أقراه على طهارته مثل {أية : ولهم فيها أزواج مطهرة} تفسير : [البقرة: 25] فمعلوم أنهن لم يطهرن بل خلقن طاهرات، وإما أن تكون موجودة فأمر بإزالتها. وقيل: عرّفا الناس أن بيتي طهر لهم متى حجوه للطائفين إلى آخره. العطف يقتضي مغايرة، فالطائف من يقصد البيت حاجاً ومعتمراً فيطوف به، والعاكف من يقيم هناك. ويجاور أو يعتكف، والركع السجود جمعاً راكع وساجد أي من يصلي هناك، وعن عطاء، إذا كان طائفاً فهو من الطائفين، وإذ كان جالساً فهو من العاكفين، وإذا كان مصلياً فهو من الركع السجود. ويجوز أن يريد بالعاكفين الواقفين يعني القائمين كما قال {أية : للطائفين والقائمين والركع السجود} تفسير : [الحج: 26] والمعنى للطائفين والمصلين لأن القيام والركوع والسجود هيئات للمصلي، ولعل الوجه الأول أولى ليكون الركع والسجود كلاهما فقط بمعنى المصلين ولهذا لم يفصل بينهما بالواو. ثم إذا فسرنا الطائعين بالغرباء دلت الآية على أن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة، لأنه تعالى مدحهم بذلك. وقد روي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء أن الطواف لأهل الأمصار أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل. وفي إطلاق الآية دليل على جواز الصلاة في البيت فرضاً كانت أو نفلاً خلافاً لأحمد ومالك في الفريضة قالا {أية : فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام} تفسير : [البقرة: 144] ومن كان داخل المسجد لم يكن متوجهاً إلى المسجد بل إلى جزء من أجزائه، وأجيب بأن التوجه إلى جزئه كافٍ لأن المتوجه الواحد لا يكون إلا كذلك وإن كان خارج المسجد، وبأن الفرق بين الفرض والنفل لاغٍ. قوله تعالى {وإذ قال إبراهيم} قيل: في الآية تقديم وتأخير لأن قوله {رب اجعل هذا بلداً آمناً} لا يمكن لا بعد دخول البلد في الوجود. فقوله {أية : وإذ يرفع}تفسير : [البقرة: 127] وإن كان متأخراً في التلاوة فهو متقدم من حيث المعنى قلت: في ترتيب القصة فوائد منها: أنه أجمل القصة في قوله {وإذ ابتلى} إلى {فأتمهن} ثم فسر، وفي التفسير قدم الأهم فالأهم، ولا ريب أن ذكر جعل إبراهيم إماماً أولى بالتقديم لعموم نفعه للخلائق ولتقدمه في الوجود أيضاً، ثم ذكر جعل البيت مثابة للناس وأمناً لأنه المقصود من عمارة البيت ثم حكاية عمارة البيت. وقد حصل في ضمن رعاية الأهم فوائد أخر منها: أنه كما كان مبنى القصة على الإجمال والتفسير وقع كل من أجزائها أيضاً كذلك فقوله {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً} مجمل، ثم فسر ذلك بأن جعله ذا أمن كان بسبب دعاء إبراهيم. وذكر البيت أولاً وقع مجملاً ثم فسر بأنه كيف بني ومنها أنه وقع ختم الكلام بأدعية إبراهيم عليه السلام ووقع ختم الأدعية بذكر خاتم النبيين، وهذا ترتيب لا يتصور أحسن منه ولعل ما فاتنا من أسرار هذا الترتيب أكثر مما أحصينا. {هذا بلداً آمناً} ذا أمن مثل عيشة راضية أو آمناً من فيه كقولك "ليل نائم" وإنما قيل ههنا بلداً آمناً على التنكير وفي سورة إبراهيم {هذا البلد آمناً} إما لأن هذا الدعاء صدر منه قبل جعل المكان بلداً فكأنه قال: واجعل هذا الوادي بلداً آمناً، وذاك الدعاء صدر وقد جعل بلداً فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذي صيرته بلداً بلداً ذا أمن، وإما لأن الدعوتين واحدة والمراد اجعل هذا البلد بلداً آمناً فيفيد مبالغة زائدة كقولك "هذا اليوم يوم جار" معناه اجعله من البلدان الكاملة من الأمن بخلاف قوله {أية : اجعل هذا البلد آمناً} تفسير : [إبراهيم: 35] ففيه طلب الأمن نفسه قيل: سأل الأمن من القحط لأنه أسكن أهله بواد غير ذي ضرع ولا زرع وقيل: من الخسف والمسخ، وقيل: من القتل كيلا يكون سؤال الرزق بعده تكراراً، وأجيب بأن التوسعة في الرزق مغايرة لطلب إزالة القحط. ثم إنه تعالى استجاب دعاءه فجعله آمناً من الآفات فلم يصل إليه جبار إلا قصمه الله كما فعل بأصحاب الفيل. قيل: أليس أن الحجاج حارب ابن الزبير وخرب الكعبة وقصد أهلها بكل سوء؟ وأجيب بأن مقصوده لم يكن تخريب الكعبة نفسها وإنما كان غرضه شيئاً آخر. {من الثمرات} "من" للابتداء لا للتبعيض بدليل قوله {أية : يجبى إليه ثمرات كل شيء} تفسير : [القصص: 57] وإنما سأل إبراهيم عليه السلام الأمن وأن يجبى إليه الثمرات وإن كان يتعلق بالدنيا لأن البلد إذا كان آمناً ذا خصب تفرغ أهله لطاعة الله تعالى ويكون سبباً لاجتماع الناس وإتيانهم إليه من كل أوب زائرين وعاكفين، وطلب الدنيا لأجل الدين من سنن الصالحين "حديث : نعم المال الصالح للرجل الصالح"تفسير : واختلف في أن مكة هل كانت آمنة محرمة قبل دعوة إبراهيم وصار ذلك مؤكداً بدعائه فقيل: نعم لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض"تفسير : ولقوله {أية : عند بيتك المحرم} تفسير : [إبراهيم: 37] وقيل: إنما صارت حرماً آمناً بدعوته، وقبلها كانت كسائر البلاد بدليل قوله: "حديث : إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة" تفسير : وقيل بالجمع بينهما، وذلك أنه كان ممنوعاً قبله بمنع الله تعالى من الاصطلام وبما أوقع في النفوس من التعظيم ثم صار آمناً على ألسنة الرسل. و {من آمن منهم} بدل من {أهله} يعني وارزق المؤمنين من أهله خاصة كأنه قاس الرزق على الإمامة حيث ميز هناك بين المؤمن والكافر فقيل: {لا ينال عهدي الظالمين} فعرف الفرق بينهما فقيل {ومن كفر} عطفاً على {من آمن} كما مر في {ومن ذريتي} أو هو مبتدأ مضمن معنى الشرط جوابه {فأمتعه} وذلك أن الاستخلاف استرعاء يختص بمن ينصح للمرعي فيؤدي عن الله أمره ونهيه ولا يأخذه في الدين لومة لائم ولا سطوة جبار وظالم وأبعد الناس عن النصيحة الظالم ولهذا قيل: من استسرعى الذئب فقد ظلم. وأما الرزق فلا يقبح إيصاله إلى المؤمن والكافر والصالح والفاجر لعموم الرحمة، ولأنه قد يكون استدراجاً للمرزوق وإلزاماً للحجة على أنه متاع قليل وأمد يسير فيما بين الأزل والأبد و {قليلاً} أي إمتاعاً أو تمتيعاً قليلاً أو زماناً قليلاً فنعمة المؤمنين في العاجل موصولة بنعيمهم في الآجل، ونعمة الكافرين مقطوعة عنهم بعد الموت، والزائل لا يجدي بطائل {أية : أفرأيت إن متعناهم سنين. ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون} تفسير : [الشعراء: 205 - 207] ومعنى الاضطرار أن يفعل به ما يلجئه إلى النار كقوله {أية : يوم يدعُّون إلى نار جهنم دعا} تفسير : [الطور: 13] {أية : وسيق الذين كفروا إلى جهنم} تفسير : [الزمر: 71] أو أن يصير الفاعل بالتخويف والتهديد إلى أن يفعل ذلك الفعل اختياراً كالاضطرار إلى أكل الميتة مثلاً {وبئس المصير} ذلك الذي اضطر إليه أو ذلك الاضطرار، فحذف المخصوص للعلم به. والمصير إما مصدر بمعنى الصيرورة يقال: صرت إلى فلان مصيراً وإما موضع وكلاهما شاذ والقياس مصار مثل "معاش" وكلاهما مستعمل والله أعلم.

ابن عادل

تفسير : العامل في "إذ" "قال". وقيل: العامل فيه "اذكر" مقدراً، وهو مفعول، وقد تقدم أنه لا يتصرف فالأولى ما ذكرته أولاً. وقدره الزمخشري رحمه الله تعالى كان كيت وكيت، فجعله ظرفاً، ولكن عامله مقدر. و "ابْتَلَى" وما بعده في محلّ خفض بإضافة الظرف إليه. وأصل ابتلى: ابْتَلَوَ، فألفه عن "واو"؛ لأنه "من بَلاَ يَبْلو" أي؛ اختبر. و "إبْرَاهِيم" مفعول مقدم، وهو واجب التقديم عند جمهور النحاة؛ لأنه متى اتَّصَل بالفاعل ضمير يعود على المفعول وجب تقديمه، لئلا يعود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، هذا هو المَشْهُور، وما جاء على خلافه عدوه ضرورة. وخالف أبو الفتح في ذلك وقال: "إن الفعل كما يطلب الفاعل يطلب المفعول، فصار للفظ به شعور وطلب". وقد أنشد ابن مالك أبياتاً كثيرة تأخر فيها المفعول المتصل ضميره بالفاعل، منها: [السريع] شعر : 770ـ لَمَّا عَصَى أَصْحَابُهُ مُصْعَباً أَدَّى إِلَيْهِ الكَيْلَ صَاعاً بِصَاعْ تفسير : ومنها: [البسيط] شعر : 771ـ جَزَى بَنُوهُ أَبَا الْغِيلاَنِ عَنْ كِبَرٍ وَحُسْنِ فِعْلٍ كَمَا يُجْزَى سِنِمَّارُ تفسير : وقال ابن عطية: وقدم المفعول للاهتمام بمن وقع الابتلاء به، إذ معلوم أن الله هو المبتلي، واتِّصَال ضمير المفعول بالفاعل موجب للتقديم، يعنى أن الموجب للتقديم سببان: سبب معنوي وسبب صناعي. و "إبراهيم" علم أعجمي. قيل: معناه قبل النقل أب رحيم. فصل في تفسير لفظ إبراهيم قال الماوردى: هذا التفسير بالسريانية وبالعربية فيما حكى ابن عطية أب رحيم. قال السهيلي: كثيراً ما يقع الاتفاق بين السرياني والعربي، أو يقاربه في اللفظ، ألا ترى أن إبراهيم تفسيره أب رحيم، راحم بالأطفال، ولذلك جعل هو وسارة زوجته كافلين لأطفال المؤمنين الذي يموتون صغاراً إلى يوم القيامة [على ما روى البُخَاري في حديث الرؤيا الطويل أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأى في الروضة إبراهيم عليه السلام وحوله أولاد الناس]. وفيه لغات سبع، أشهرها: إبراهيم بألف وياء، وإبْرَاهام بألفين، وبها قرأ هشام وابن ذكوان في أحد وجهيه في "البقرة"، وانفرد هشام بها في ثلاثة مواضع في آخر "النساء" وموضعين في آخر "براءة" وموضع في آخر "الأنعام" وآخر "العنكبوت"، وفي "النجم" و "الشورى" و "الذاريات" و "الحديد" والأول في "الممتحنة"، وفي "إبراهيم" وفي "النحل" موضعين، وفي "مريم" ثلاثة، فهذه ثلاثة وثلاثون موضعاً منها خمسة عشر في "البقرة" وثلاثة عشر في السور المذكورة. وروي عن ابن عامر قراءة جميع ما في القرآن كذلك. ويروى أنه قيل لمالك بن أنس: إن أهل "الشام" يقرءون ستة وثلاثين موضعاً إبراهام بالألف، فقال: أهل "دمشق" بأكل البطِّيخ أبصر منهم بالقراءة. فقيل: إنهم يدعون أنها قراءة عثمان. فقال: هذا مصحف عثمان، فأخرجه فوجده كما نقل له. الثالثة: إبْرَاهِم بألف بعد الراء، وكسر الهاء دون ياء، وبها قرأ أبو بكر؛ وقال زيد بنُ عمروِ بنِ نُفَيْلٍ: [الرجز] شعر : 772ـ عُذْتُ بِمَا عَاذَ بِهِ إِبْرَاهِمُ إذْ قَالَ وَجْهي لَكَ عَانٍ رَاغِمُ تفسير : الرابعة: كذلك، إلا أنه بفتح الهاء. الخامسة: كذلك إلا أنه بضمها. السادسة: إبْرَهَم بفتح الهاء من غير ألف وياء. قال عبد المطلب: [الرمل] شعر : 773ـ نحْنُ آلُ اللهِ فِي كَعْبَتِهِ لَمْ نَزَلْ ذَاكَ عَلَى عَهْدِ ابْرَهَمْ تفسير : السَّابعة: إبْرَاهُوم بالواو. قال أبو البقاء: ويجمع على "أَبَاره" عند قوم، وعند آخرين "بَرَاهِم". وقيل: أبارِهَة وبَرَاهِمَة ويجوز أَبَارِهَة [وقال المبرد رحمه الله تعالى: لا يقال براهم فإن الهمزة لا يجوز حذفها]. وحكى ثعلب فيه: "بَرَاهٍ" كما يقال في تصغيره: "بُرَيْه" بحذف الزوائد. والجمهور على نصب "إبراهيم" ورفع "رَبُّهُ" كما تقدم. وقرأ ابن عباس وأبو الشعثاء وأبو حنيفة بالعكس. قالوا: وتأويلها دعا ربه، فسمى دعاءه ابتلاء مجازاً؛ لأن في الدعاء طلب استكشاف لما تجري به المقادير. والضمير المرفوع في "فَأَتمّهُنّ" فيه قولان: أحدهما: أنه عائد على "ربّه" أي: فأكملهن. والثاني: أنه عائد على "إبْرَاهِيمَ" أي: عمل بهن، ووفّى بهن. وهو إبراهيم بن تارح بن ناحور مولده بـ "الشوس" من أرض "الأهواز". وقيل: "بابل"، وقيل: "كولى" وقيل "كسكر" وقيل: "حيران". ونقله أبوه إلى "بابل" أرض نمرود بن كنعان، وكان له أربع بنين: إسماعيل وإسحاق ومدين ومدائن، ذكره السهيلي. فصل فيما دلت عليه السورة اعلم أنه ـ سبحانه وتعالى ـ لما شرح وجوه نعمه على بني إسرائيل شرح قبائحهم في أديانهم وأعمالهم، وختم هذا الفصل بشرح النعم بقوله: {أية : يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}تفسير : [البقرة:122] بين نوعاً آخر من البيان، وهو أن ذكر قصة إبراهيم ـ عليه السلام ـ والحكمة فيه أن إبراهيم ـ عليه السلام ـ معترف بفضله جميع الطَّوائف، والمشركون أيضاً معترفون بفضله متشرّفون بأنهم من أولاده، ومن ساكني حرمه، وخادمي بيته، فذكر فضيلته لهم؛ لأنها تدلّ على قبول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من وجوه: أحدها: أنه تعالى لما أمره ببعض التكاليف، فلما وفّى بها وخرج لا جرم نال النبوة والإمامة. وثانيها: أنه لما طلب الإمامة لذريته فقال تعالى: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} فدلّ ذلك على أنّ من أراد هذا المنصب وجب عليه ترك اللَّجَاج والتعصّب للباطل. وثالثها: أن الحج من خصائص دين محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فحكى الله ـ تعالى ـ ذلك عن إبراهيم ليكون ذلك كالحُجَّة على اليهود والنصارى في وجوب الانقياد لذلك. ورابعها: أن القبلة لما حولت إلى الكعبة شقّ ذلك على اليهود والنصارى، فبيّن الله ـ تعالى ـ أن هذا البيت قبلة إبراهيم الذي يعترفون بتعظيمه، ووجوب الاقتداء به، فكان ذلك مما يوجب زوال الغضب على قلوبهم. فصل في معنى الابتلاء والابتلاء هنا الاختبار والامتحان، وابتلاء الله ليس ليعلم أقوالهم بالابتلاء؛ لأنه ـ تعالى ـ عالم بجميع المعلومات على سبيل التَّفَاصيل من الأَزَلِ إلى الأبد، ولكن ليعلم الناس أحوالهم حتى يعرف بعضهم بعضاً، أو عاملهم معاملة المختبر. واختلف في "الكَلِمَاتِ" فقال مجاهد: هي المذكورة بعدها في قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} إلى آخرها من الآيات، ورفع البيت، وتطهير البيت، ورفع القواعد، والدعاء ببعث محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن هذه أمور شاقّة؛ لأن الإمامة هاهنا هي النبوة وتتضمن مشاقاً عظيمة. وأما بناء البيت وتطهيره، ورفع قواعده، فمن وقف على ما روي في كيفية بنائه عرف شدّة البلوى فيه، ثم إنه يتضمّن إقامة المَنَاسك، وقد امتحن الله ـ تعالى ـ الخليل ـ عليه الصلاة والسلام ـ بالشَّيْطَان في الموقف لرمي الجِمَار وغيرها. وأما اشتغاله بالدعاء ببعث محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو مما يحتاج إلى إخلاص العمل لله تعالى، وإزالة الحَسَد عن القلب، فكل هذه تكاليف شاقّة، ويدلّ على إرادة ذلك أنه عقبه بذكره من غير فصل بحرف عطف، فلم يقبل وقال: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً}. واعترض القاضي على هذا، فقال: إنما يجوز هذا لو قال تعالى: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمها إبراهيم، ثم قال بعد ذلك: إني جاعلك للناس إماماً فأتمهن. وأجيب عنه: بأنه ليس المراد من الكلمات الإمامة فقط، بل الإمامة وبناء البيت وتطهيره والدعاء ببعث محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكأنه ـ تعالى ـ ابتلاه بمجموع هذه الأشياء، فأخبر كأنه ابتلاه بأمور على الإجمال، ثم أخبر عنه أنه أتمّها، ثم عقب ذلك بالشرح والتفصيل، وهذا ليس ببعيد. وقال طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما: عشر خصال كانت فَرْضاً في شرعه، وهي سُنّة في شرعنا: خمس في الرأس، وخمس في الجسد، أما التي في الرأس: فالمضمضة، والاستنشاق، وفرق الرأس، وقصّ الشارب، والسِّوَاك، وأما التي في البدن: فالخِتَان، وحَلْق العَانَةِ، ونَتْف الإبط، وتقليم الأظفار، [والاستنجاء بالماء. وفي الخبر أن إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ أول من قصّ الشارب، وأول من اختتن وأول من قلّم الأَظفار]. وقال أبو الفرج بن الجوزي حديثاً عن كعب الأحبار رضي الله عنه قال: خلق من الأنبياء ثلاثة عشر مَخْتُونين: آدم وشيث ونوح وإدريس وسام ولوط ويوسف وموسى وشعيب وسليمان ويحيى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. وقال محمد بن حبيب الهاشمي أربعة عشر: آدم وشيث ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب ويوسف وموسى وسليمان وزكريا وعيسى وحنظلة بن صفوان من أصحاب الرَّسِّ، ومحمد صلى الله عليه وسلم. وروي أن عبد المطلب ختن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم سابعه وجعل مَأْدُبة، وسماه محمداً عليه أفضل الصلاة والسلام. قال يحيى بن أيوب ـ رضي الله تعالى عنه ـ طلبت هذا الحديث فلم أجده عند أحد من أهل الحديث ممّن لقيته إلاَّ عند ابن أبي السّريّ. وقال عكرمة عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ لم يُبْتلَ أحد بهذا الدين فأقامه كله إلا إبراهيم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ ابتلاه بثلاثين خَصْلة من خصال الإسلام: عشر منها في سورة "براءة": {أية : ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ}تفسير : [التوبة:112] إلى آخر الآية. وعشر منها في سورة "الأحزاب": {أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ}تفسير : [الأحزاب:35] إلى آخر الآية وعشر منها في "المؤمنين": {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ}تفسير : إلى قوله {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ}تفسير : [المؤمنون 1ـ10]. وروي عن ابن عباس: أربعون فزاد: وعشر في {أية : سَأَلَ سَآئِلٌ}تفسير : إلى قوله تعالى {أية : يُحَافِظُونَ}تفسير : [المعارج:1-34]. وقال ابن عباس، وقتادة، والربيع: هي مناسك الحَجّ. [وقال الحسن]: ابتلاه بسبعة أشياء: بالشمس والقمر، والكواكب، والخِتَان على الكِبَر، والنار، وذَبْح الولد، والهجرة، فوفّى بالكلّ. وقال يمَان بن رباب: هي مَحَاجّته قومه، والصلاة، والزكاة، والصوم، والضيافة، والصبر عليها. وقال بعضهم: هي قوله: {أية : إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [البقرة:131]. وقال سعيد بن جبير: هو قول إبراهيم وإسماعيل إذ يَرْفَعَان البَيْتَ: {أية : رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ}تفسير : [البقرة:127] الآية. وقيل: هي قوله: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ}تفسير : [الشعراء:78] الآيات. قال القَفّال: وجملة القول أن الابتلاء يتناول إلزام كلّ ما في فعله كُلفة شدة ومشقة، فاللفظ يتناول مجموع هذه الأشياء، ويتناول كل واحد منها، فلو ثبتت الرواية في الكل وجب القول بالكل، ولو ثبتت الرواية في البعض دون البعض، [فحينئذ يقع بين هذه الروايات]، فوجب التوقّف. فصل في وقت هذا الابتلاء قال القاضي: هذا الابتلاء إنما كان قبل النبوة؛ لأنَّ الله ـ تعالى ـ جعل قيامه ـ عليه الصلاة والسلام ـ بهنّ كالسبب لأنْ يجعله الله إماماً، والسبب مقدم على المسّبب، وإذا كان كذلك فالله ـ تعالى ـ ابتلاه بالتكاليف الشَّاقّة، فلما وفَّى بها لا جرم أعطاه خُلْعة النبوة والرسالة. وقال غيره: إنه بعد النبوة، لأنه عليه الصلاة والسلام لا يعلم كونه مكلفاً بتلك التكاليف إلا من الوحي، فلا بد من تقدم الوحي على معرفته. وأجاب القاضي: بأنه يحتمل أنه ـ تعالى ـ أوحى إليه على لسان جبريل ـ عليه الصلاة والسلام ـ بهذه التكاليف، فلما تمّم ذلك جعله نبيّاً مبعوثاً إلى الخلق. إذا عرفت هذا فنقول: قال القاضي: يجوز أن يكون المراد بالكلمات ما ذكر الحَسَن من أمر الكواكب والشمس والقمر، فإنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ابْتُلِيَ بذلك قبل النبوة. وأما ذبح الولد والهجرة والنار، وكذا الخِتان، فكل ذلك بعد النبوة. يروى أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ختن نفسه، وكان سنه مائة وعشرين سنة. ثم قال: فإن قامت الدلالة السمعية القاهرة على أن المراد من الكلمات هذه الأشياء كان المراد من قوله: "أَتَمَّهُنَّ" أنه ـ سبحانه ـ علم من حاله أنه يتمهن، ويقوم بهن بعد النبوة، فلا جَرَمَ أعطاه خلعة الإمامة والنبوة. فصل قال القرطبي رحمه الله روى في الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب، يقول: إبراهيم ـ عليه السلام ـ أول من اختتن، وأول من أضاف الضيف، وأول من استحدّ، وأول من قلّم الأظافر، وأول من قَصَّ الشارب، وأول من شاب، فلما رأى الشيب قال: ما هذا؟ قال: وقار، قال: يا رب زدني وقاراً. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن سعيد بن إبراهيم عن أبيه قال: أول من خطب على المنابر إبراهيم خليل الله. قال غيره: وأول من ثَرَدَ الثَّرِيدَ، وأول من ضرب بالسيف، وأول من اسْتَاك، وأول من استنجى بالماء، وأول من لبس السراويل. قوله: "قَالَ إِنِّي" هذه الجملة القولية يجوز أن تكون معطوفة على ما قبلها، إذا قلنا بأنها عاملة في "إذْ"؛ [لأن التقدير: وقال إِنِّي جاعلك إذ ابتلى، ويجوز أن تكون استئنافاً إذا قلنا: إن العامل في "إذْ" مضمر]، كأنه قيل: فماذا قال له ربه حين أتم الكلمات؟ فقيل: قال: إنِّي جَاعِلُكَ. ويجوز فيها أيضاً على هذا القول أن تكون بياناً لقوله: "ابْتَلَى" وتفسيراً له، فيراد بالكلمات ما ذكره من الإمامة، وتطهير البيت، ورفع القواعد، وما بعدها، نقل ذلك الزمخشري. قوله: "جَاعِلُكَ" هو اسم فاعل من "جَعَلَ" بمعنى "صَيَّرَ" فيتعدّى لاثنين: أحدهما: "الكاف"، وفيها الخلاف المشهور هل هي في محلّ نصب أو جر؟ وذلك أن الضمير المتصل باسم الفاعل فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه في محل جر بالإضافة. والثاني: أنه في محل نصب، وإنما حذف التنوين لشدة اتّصال الضمير، قالوا: ويدلّ على ذلك وجوده في الضرورة؛ كقولهم: [الوافر] شعر : 774ـ فَمَا أَدْرِي وَظَنِّي كُلَّ ظَنِّ أَمُسْلِمُنِي إِلَى قَوْمِي شَرَاحِي تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 775ـ هُمُ الْفَاعِلُونَ الْخَيْرَ وَالآمِرُونَهُ .......................... تفسير : وهذا يدل على تسليم كون "نون" مسلمني تنويناً، وإلاّ فالصحيح أنها نون وقاية. الثالث ـ وهو مذهب سيبوبه ـ أنّ حكم الضمير حكم مظهره، فما جاز في المظهر يجوز في مضمره. والمفعول الثاني "إمَاماً". قوله: "لِلنَّاسِ" يجوز فيه وجهان. أحدهما: أنه متعلق بجاعل أي لأجل النَّاس. والثاني: أنه حال من "إمَاماً"، فإنه صفةُ نكرةٍ قدم عليها، فيكون حالاً منها؛ إذ الأصل: إمَاماً للناس، فعلى هذا يتعلق بمحذوف. و "الإِمَامُ": اسم ما يؤتمّ به أي يقصد ويتبع كالإِزار اسم ما يؤتزر به. ومنه قيل لحائط البناء: "إِمَام" ويكون في غير هذا جمعاً لـ "آمّ" اسم فاعل من آمّ يؤمّ نحو: قائم وقيام، ونائم ونيام وجائع وجياع. والمراد من الإمام هاهنا النبي، ويدلّ عليه وجوه: منها أن قوله: "لِلنَّاسِ إِمَاماً" يدل على أنه ـ تعالى ـ جعله إماماً لكل الناس، والذي يكون كذلك لا بد وأن يكون رسولاً من عند الله مستقلاًّ بالشرع؛ لأنه لو كان تبعاً لرسول آخر لكان مأموماً [لذلك الرسول لا إماماً له، فحينئذ] يبطل العموم. وأيضاً إنّ اللفظ يدلّ على أنه إمام في كل شيء [والذي يكون كذلك لا بد وأن يكون نبيّاً. وأيضاً إنّ الأنبياء ـ عليهم السلام ـ أئمة من حيث يجب على الخلق اتباعهم] قال الله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}تفسير : [الأنبياء:73]. والخلفاء أيضاً أئمة؛ لأنهم رتّبوا في محل يجب على الناس اتباعهم، وقبول قولهم، وأحكامهم. والقضاة، والفقهاء أيضاً أئمة لهذا المعنى، والذي يصلّي بالناس يسمى أيضاً إماماً به. قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَام إِمَاماً لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا"تفسير : وقد يسمى من يؤتم به في الباطل، قال الله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ}تفسير : [القصص:41] إلا أنه لا يستعمل إلا مقيداً. فصل في إمامة سيدنا إبراهيم اعلموا أن الله ـ تعالى ـ لما وعده بأن يجعله إماماً للناس حقّق الله ـ تعالى ـ ذلك الوعد فيه إلى قيام السَّاعة، فإن أهل الأديان على شدّة اختلافها ونهاية تنافيها يعظمون إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ويتشرفون بالانتساب إليه إما في النسب، وإما في الدين والشريعة حتى إن عَبَدَةَ الأوثان كانوا معظمين لإبراهيم عليه الصَّلاة والسلام. وقال الله تعالى: {أية : ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً}تفسير : [النحل:123] وقال تعالى: {أية : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ}تفسير : [البقرة:130]. وقال عز وجل: {أية : مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ}تفسير : [الحج:78]. وجميع أمة محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقولون في صلاتهم: وارْحَمْ محمّداً وآل محمد كما صليت وباركت وترحّمت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم. قوله: "وَمِنْ ذُرِّيتِي" فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن "ومنْ ذُرِّيَّتي" صفة لموصوف محذوف هو مفعول أول، والمفعول الثَّاني والعامل فيهما محذوف تقديره: قال: واجعل فريقاً من ذريتي إماماً قاله أبو البقاء. الثاني: أن "وَمِنْ ذُرِّيَتِي" عطف على "الكاف"، كأنه قال: "وجاعل بعض ذرّيتي" كما يقال لك: سأكرمك، فتقول: وزيداً. قال أبو حَيّان: لا يصح العطف على الكاف؛ لأنها مجرورة، فالعطف عليها لا يكون إلاَّ بإعادة الجار، ولم يُعَدْ؛ ولأن "مِنْ" لا يمكن تقدير إضافة الجار إليها لكونها حرفاً، وتقديرها مرادفة لبعض حتى تصحّ الإضافة إليها لا يصح، ولا يصح أن يقدر العطف من باب العطف على موضع الكاف؛ لأنه نصب، فتجعل "مِنْ" في موضع نصب؛ لأنه ليس مما يعطف فيه على الموضع [في مذهب سيبويه رحمه الله تعالى] لفوات المحرز، وليس نظير ما ذكر؛ لأن "الكاف" في "سأكرمك" في موضع نصب. الثالث: قال أبو حيان: والذي يقتضيه المعنى أن يكون "مِنْ ذُرِّيَّتِي" متعلقاً بمحذوف، التقدير: واجعل من ذريتي إماماً، لأن "إبراهيم" فهم من قوله: إني جاعلك للنَّاس إماماً الاختصاص فسأل أن يجعل من ذرّيته إماماً. قال شهاب الدِّين: إن أراد الشيخ التعلّق الصناعي، فيتعدّى "جاعل" لواحد، فهذا ليس بظاهر. وإن أراد التعلق المعنوي، فيجوز أن يريد ما يريده أبو البقاء، ويجوز أن يكون "مِنْ ذُرِّيَّتِي" مفعولاً ثانياً قدم على الأول، فيتعلّق بمحذوف، وجاز ذلك لأنه ينعقد من هذين الجزءين مبتدأ وخبر لو قلت: "من ذريتي إمام" لصح. وقال ابن عطية: وقيل هذا منه على جهة الاستفهام عنهم أي: ومن ذرّيتي يا رب ماذا يكون؟ فيتعلّق على هذا بمحذوف، ولو قدره قبل "مِنْ ذُرِّيَّتِي" لكان أولى؛ لأن ما في حَيّز الاستفهام لا يتقدم عليه. وفي "ذرية" ثلاث لغات ضمّ الذال وكسرها وفتحها، وبالضم قرأ الجمهور، وبالفتح قرأ أبو جعفر الداني وبالكسر قرأ زيد بن ثابت. وفي تصريفها كلام طويل يحتاج الناظر فيه إلى تأمل. فصل في اشتقاق ذريّة فأما اشتقاقها ففيه أربعة مذاهب: أحدها: أنها مشتقة من "ذَرَوْتُ". الثاني: من "ذَرَيْتُ". الثالث: من ذَرَأَ الله الخَلْق. الرابع: من الذَّرِّ. وأما تصريفها فَذُرِّيَّة بالضم إن كانت من ذَرَوْتُ، فيجوز فيها أن يكون وزنها "فُعُّولَة"، والأصل: "ذُرُّوْوَة"، فاجتمع واوان: الأولى زائدة للمد، والثانية لام الكلمة فقلبت لام الكلمة ياء تخفيفاً، فصار اللفظ "ذُرُّوْيَة"، فاجتمع ياء وواو، وسَبَقَتْ إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء التي هي منقلبة من لام الكلمة، وكسر ما قبل الياء، وهي الراء للتجانس. ويجوز أن يكون وزنها "فُعِّيلَة"، والأصل: "ذُرِّيْوَة"، فاجتمع ياء المد والواو التي هي لام الكلمة، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت فيها ياء المد. وإن كانت من ذَرَيْتُ لغة في ذَرَوْتُ فيجوز فيها أيضاً أن يكون وزنها "فْعُّولة" أو فُعِّيلَة كما تقدم، وإن كانت "فُعُّولة" فالأصل "ذُرُّوْيَة" ففعل به ما تقدم من القلب والإدغام. وإن كانت "فُعِّيْلَة" فالأصل "ذُرِّيَية"، فأدغمت الياء الزائدة في الياء التي هي لام. وإن كانت من ذرأ مهموزاً، فوزنها، "فُعِّيْلة"، والأصل: "ذُرِّيْئة" فخففت الهمزة بأن أبدلت ياء كهمزة "خطيئة" و"النسيء"، ثم أدغمت الياء الزائدة في الياء المبدلة من الهمزة. وإن كانت من "الذَّر" فيجوز في وزنها أربعة أوجه: أحدها: "فُعْلِيَّة" وتحتمل هذه الياء أن تكون للنَّسب، وغَيَّرُوا الذَّال من الفتح إلى الضم كما قالوا في النسب إلى الدهر: دُهْرِي، وإلى السهل سُهْلي بضم الدال والسين، وأن تكون الغير النسب فتكون كـ "قُمْرية". الثاني: أن تكون "فُعِّيْلَة" كـ "مُرِّيقَة" والأصل "ذُرِّيرة"، فقلبت الراء الآخيرة ياء لتوالي الأمثال، كما قالوا: تسرّيت وتظنّيت في تسررت وتظننت. الثالث: أن تكون "فُعُّولَة" كـ "قدوس" و "سبُّوح"، والأصل: "ذُرُّوْرَة" فقلبت الراء ياء لما تقدم، فصار ذُرُّوْيَة فاجتمع واو وياء، فجاء القلب والإدغام كما تقدم. الرابع: أن تكون فعلولة، والأصل: ذُرُّوْرَة، ففعل بها ما تقدم في الوجه الذي قبله. وأما ذِرِّية بكسر الذال فإن كانت من ذروت فوزنها فِعَّيلة، والأصل: ذِرَّيْوَة، فأبدلت الواو ياء وأدغمت في الياء بعدها، فإن كانت من ذريت فوزنها فِعلية أيضاً، وإن كانت من ذرأ فوزنها فِعِّيلَة أيضاً كبطِّيخة، والأصل ذِرِّيْئَة، ففعل فيها ما تقدم في المضمومة الذال. وإن كانت من الذَّرِّ فتحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون وزنها فِعَلِيَّة نسبة إلى الذر على غير قياس في المضمومة. الثاني: أن تكون "فِعِّيلَة". الثالث: أن تكون "فِعْليلة" كـ "حلتيت" والأصل فيها: ذِرِّيرة ففعل فيهما من إبدال الراء الآخيرة ياء والإدغام فيها. وأما "ذَرِّيَّة" بفتح الذال: فإن كانت من ذروت أو ذريت فوزنها: فَعِّيْلة كـ "سكينة" والأصل ذَرِّيْوة أو ذَرِّيية أو فَعُّولة والأصل ذَرُّورَة أو ذَرُّويَة، ففعل به ما تقدم في نظيره. وإن كانت من ذرأ فوزنها: إما فعِّيلَة كـ "سكينة"، والأصل ذَرِّيئة وإما فَعُّولة كـ "خرّوية" والأصل: ذَرَّوءة ففعل به ما تقدم في نظيره. وإن كانت من الذر ففي وزنها أيضاً أربعة أوجه: أحدها: فَعْلِيَّة، والياء أيضاً تحتمل أن تكون للنسب، ولم يَشِذُّوا فيه بتغيير كما شذّوا في الضم والكسر وألاّ يكون نحو: بَرْنية. الثاني: فَعُّولة كـ "خَرُّوبة" والأصل ذَرُّوْرَة. الثالث: فَعِّيلَة كـ "سكينة" والأصل: ذريرة. الرابع: فَعْلُولة كـ "بكُّولة"، والأصل ذرورة أيضاً، ففعل به ما تقدم في نظيره من إبدال الراء الأخيرة، وإدغام ما قبلها فيها وكسرت الذال إتباعاً، وبهذا الضبط الذي فعلته اتضح القول في هذه اللفظة. فصل في معنى الذّرية النسل يقع على الذكور والإناث، والجمع الذراري. وزعم بعضهم أنها تقع على الآباء كوقوعها على الأبناء مستدلاًّ بقوله عز وجل: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ}تفسير : [يس:41] يعني: نوحاً ـ عليه الصلاة والسلام ـ ومن معه، وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. فصل هل كان إبراهيم عليه ـ السَّلام ـ مأذوناً له في قوله تعالى: "ومن ذرّيتي" أو لم يكن مأذوناً فيه؟ فإن أذن الله ـ تعالى ـ في هذا الدعاء فلم ردّ دعاءه؟ وإن لم يأذن له فيه كان ذنباً. قلنا: قوله: "ومن ذرّيتي" يدلّ على أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ طلب أن يكون بَعْضُ ذريته أئمة، وقد حقق الله ـ تعالى ـ إجابة دُعَاءه في المؤمنين من ذريته كـ "إسماعيل"، و "يعقوب"، و "يوسف"، و "موسى"، و "هارون" و "داود"، و "سليمان"، و "أيّوب" و "يونس"، و "زكريا"، و "يحيى" و "عيسى"، عليهم السلام وجعل آخرهم نبينا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من ذرّيته الذي هو أفضل الخلق عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام. قوله تعالى: {قَالَ: لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ}. الجمهور على نَصْب "الظَّالمِينَ" مفعولاً، و "عَهْدِي" فاعل، أي: لا يصل عهدي إلى الظالمين فيدركهم. وقرأ قتادة، والأعمش، وأبو رجاء: "الظَّالِمُونَ" بالفاعلية، و "عَهْدِي" مفعول به، والقراءتان ظاهرتان؛ إذ الفعل يصحّ نسبته إلى كل منهما، فإن من نالك فقد نِلْته. والنَّيْل: الإدراك، وهو العطاء أيضاً، نال يَنَال نيلاً فهو نائل، وقرأ حمزة وحفص بإسكان الياء من: "عَهْدِيْ"، والباقون بفتحها. فصل في تحرير معنى العهد اختلفوا في العَهْدِ، فقيل: الإمامة. وقال السدي: النبوة، وهو قول ابن عباس. وقال عطاء: رحمتي. وقيل: عهده أمره، ويطلق على الأمر، قال سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا}تفسير : [آل عمران:183] أي: أمرنا، وقال تعالى: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَٰبَنِيۤ آدَمَ}تفسير : [يس:60] يعني ألم أقدم إليكم الأمر به، فيكون معنى قوله تعالى: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} أي: لا يجوز أن يكونوا بمحلّ من يقبل أوامر الله. [قال قتادة رحمه الله تعالى: هو الإيمان. وقال مجاهد والضحاك رحمهما الله هو طاعتي، أي: ليس لظالم أن يطاع في ظلمه ومعنى الآية: لا ينال ما عهدت إليك من النبوة والإمامة من كان ظالماً من ولدك. وقال أبو عبيدة رحمه الله تعالى: العهد الأمان من النار؛ لقوله عز وجل: {أية : ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ}تفسير : [الأنعام:82]. قال ابن الخطيب: والأول أولى؛ لأنه جواب لسؤال الإمامة. فإن قيل: أفما كان إبراهيم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ عالماً بأن النبوة لا تليق بالظَّالمين؟ فالجواب: بلى، ولكن لم يعلم حال ذرّيته، فبيّن الله ـ تعالى ـ أن فيهم من هذا حاله، وأن النبوة إنما تحصل لمن ليس بظالم. فصل في عصمة الأنبياء الآية تدلّ على عصمة الأنبياء من وجهين. الأول: أنه قد ثبت أن المراد من هذا العهد: الإمامة، ولا شكّ أن كل نبي إمام، فإن الإمام هو الذي يؤتم به، والنبي أولى الناس، وإذا دلّت الآية على أن الإمام لا يكون فاسقاً، فبأن تدلّ على أن الرسول لا يجوز أن يكون فاسقاً فاعلاً للذنب والمعصية أولى. الثاني: أنَّ العَهْدَ إن كان هو النبوة، وجب أن تكون لا ينالها أحد من الظَّالمين، وإن كان هو الإمامة، فكذلك لأن كل نبي لا بد وأن يكون إماماً يؤتم به، وكل فاسق ظالم لنفسه، فوجب ألاَّ تحصل النبوة لأحد من الفاسقين. فصل في أنه هل يجوز عقد الإمام للفاسق؟ قال الجمهور من الفقهاء والمتكلّمين: الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له، واختلفوا في أنَّ الفسق الطَّارىء هل يبطل الإمامة أم لا؟ واحتج الجمهور على أنّ الفاسق لا يصلح أن تعقد له الإمامة بهذه الآية، ووجه الاستدلال بها من وجهين: [الأول: ما بيّنا أن قوله: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} جواب لقوله: "وَمِنْ ذُرِّيَّتِي" وقوله: "وَمِنْ ذُرِّيََّتِي" طلب الإمامة الَّتي ذكرها الله تعالى، فوجب أن يكون المراد بهذا العَهْدِ هو الإمامة، ليكون الجواب مُطَابقاً للسؤال، فتصير الآية كأنه ـ تعالى ـ قال: لا ينال الإمامة الظّالمين، وكل عاص فإنه ظالم لنفسه، فكانت الآية دالّة على ما قلناه]. فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي انتفاء كونهم ظالمين ظاهراً وباطناً ولا يصح ذلك في الأئمة والقضاة. [قلنا]: أما الشيعة [فيستدلون] بهذه الآية على صحة قولهم في وجوب العِصْمَةِ ظاهراً وباطناً. وأما نحن فنقول: مقتضى الآية ذلك إلاّ أنا تركنا عبارة الباطن، فتبقى العدالة الظاهرة معتبرة. فإن قيل: أليس أن يونس عليه الصلاة والسلام قال: {أية : سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنبياء:87] وقال آدم: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا}تفسير : [الأعراف:23]؟ قلنا: المذكور في الآية هو الظلم المطلق، وهذا غير موجود في آدم ويونس عليهما السلام. الوجه الثاني: أن العهد قد يستعمل في كتاب الله بمعنى الأمر، قال الله تعالى: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ}تفسير : [يس:60] يعني: ألم آمركم بهذا؟ وقال الله تعالى: {أية : قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ}تفسير : [آل عمران:183] يعني أمرنا، ومنه عهود الخلفاء إلى أمرائهم وقضاتهم. إذا ثبت أن عهد الله هو أمره فنقول: لا يخلو قوله: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} من أن يريد أن أن الظالمين غير مأمورين وأن الظالمين لا يجوز أن يكونوا بمحلّ من يقبل منهم أوامر الله تعالى، ولما بطل الوجه الأول لاتفاق المسلمين على أن أوامر الله ـ تعالى ـ لازمة للظالمين، كلزومها لغيرهم ثبت الوجه الآخر، وهو أنهم غير مؤتمنين على أوامر الله ـ تعالى ـ وغير مقتدى بهم فيها، فلا يكونون أئمة في الدّين، فثبت بدلالة الآية بطلان إمامة الفاسق، قال عليه السلام: "حديث : لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخَالِقِ"تفسير : ودل أيضاً على أن الفاسق لا يكون حاكماً، وأن أحكامه لا تنفذ إذ وُلِّيَ الحكم، وكذلك لا تقبل شهادته، ولا خبره [عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا فتياه إذا أفتى، ولا يُقَدَّم للصَّلاة، وإن كان هو بحيث لو اقتدى به، فإنه لا تفسد صلاته]. وقال أبو بكر الرَّازي: "ومن النَّاس من يظن أن مذهب أبي حنيفة أن يجوز كون الفاسق إماماً وخليفة، ولا يجوز كون الفاسق قاضياً"، قال: وهذا خطأ، ولم يفرق أبو حنيفة بين الإمام والحاكم في أن شرط كل واحد منهما العدالة، وكيف يكون خليفةً، وروايته غير مقبولة، وأحكامه غير نافذة. قال: وإنما غلط من غلط في هذه الرواية أن قول أبي حنفية: أن القاضي إذا كان عدلاً في نفسه، وتولى القضاء من إمام جائر فإنَّ أحكامه نافذة، والصَّلاة خلفه جائزة؛ لأن القاضي إذا كان عدلاً في نفسه، ويمكنه تنفيذ الأحكام كانت أحكامه نافذة، فلا اعتبار في ذلك بمن وَلاَّه؛ لأن الذي ولاَّه بمنزلة سائر أعوانه، وليس شرط أعوان القاضي أن يكونوا عدولاً، ألا ترى أن أهل بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على الرِّضَا بتولية رجل عدل منهم القضاء حتى يكونوا أعواناً له على من امتنع من قبول أحكامه لكان قضاؤه نافذاً، وإن لم يكن له ولاية من جهة إمام ولا سلطان. والله أعلم. فصل في أخذ الأرزاق من الأئمة الظَّلمة ونقل القرطبي رحمه الله تعالى عن أبن خويزمنداد أنه قال: وأما أخذ الأرزاق من الأئمّة الظلمة فله ثلاثة أحوال: إن كان جميع ما في أيديهم مأخوذاً على موجب الشريعة، فجائز أخذه؛ وقد أخذت الصحابة والتابعون من يد الحَجّاج وغيره. وإن كان مختلطاً حلالاً وظلماً، كما في أيدي الأمراء اليوم، فالوَرَعُ تركه، ويجوز للمحتاج أخذه، وهو كَلِصٍّ في يده مال مسروق، ومال حلال، [وقد وكله فيه رجل، فجاء اللص يتصدق به على إنسان]، فيجوز أن تؤخذ منه الصَّدقة، وكذلك لو باع أو اشترى كان العَقْدُ صحيحاً لازماً، وإن كان الوَرَعُ التنزُّه عنه، وذلك أن الأموال لا تحرم بأعيانها، [وإنما تحرم لجهاتها، وإن كان في أيديهم ظلماً صراحاً، فلا يجوز أن يؤخذ من أيديهم]، ولو كان ما في أيديهم من المال مغصوباً غير أنه لا يعرف له صاحب، ولا مطالب، فهو كما لو وجد في أيدي اللصوص وقطّاع الطريق [ويجعل في بيت المال].

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات‏} ‏ قال‏:‏ ابتلاه الله بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد، في الرأس قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس‏.‏ وفي الجسد تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الابط، وغسل مكان الغائط والبول بالماء‏.‏ وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم فأتمهن: فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم، ومجاجته نمرود في الله حين وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلافهم، وصبره على قذفهم إياه في النار ليحرقوه في الله، والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده حين أمره بالخروج عنهم، وما أمره به من الضيافة والصبر عليها، وما ابتلي به من ذبح ولده‏.‏ فلما مضى على ذلك كله وأخلصه البلاء قال الله له أسلم {أية : ‏قال أسلمت لرب العالمين‏}تفسير : ‏[‏البقرة : 131‏].‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ الكلمات التي ابتلى بها عشر، ست في الإِنسان وأربع في المشاعر‏.‏ فأما التي في الإِنسان: فحلق العانة، ونتف الإِبط، أو الختان، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والسواك، وغسل يوم الجمعة‏.‏ والأربعة التي في المشاعر: الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإِفاضة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس قال‏:‏ ما ابتلي أحد بهذا الدين فقام به كله إلا إبراهيم قال ‏{‏وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن‏} ‏ قيل ما الكلمات‏؟‏ قال‏:‏ سهام الإِسلام ثلاثون سهما‏ً.‏ عشر في براءة التائبون العابدون إلى آخر الآية، وعشر في أول سورة قد أفلح، وسأل سائل، والذين يصدقون بيوم الدين الآيات، وعشر في الأحزاب أن المسلمين والمسلمات إلى آخر الآية فأتمهن كلهن، فكتب له براءة قال تعالى ‏{أية : ‏وإبراهيم الذي وفى‏} تفسير : ‏[‏النجم: 37‏].‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم من طرق عن ابن عباس ‏ {‏وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن‏} ‏ قال‏:‏ منهن مناسك الحج‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ الكلمات {أية : إني جاعلك للناس إماماً‏}‏ تفسير : ‏[‏البقرة: 124‏]‏.‏ ‏{أية : ‏وإذ يرفع إبراهيم القواعد‏} تفسير : ‏[‏البقرة : 127‏] والآيات في شأن المنسك، والمقام الذي جعل لإِبراهيم، والرزق الذي رزق ساكنو البيت، وبعث محمد في ذريتهما‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏ {‏وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات‏}‏ قال‏:‏ ابتلى بالآيات التي بعدها‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن الحسن قال‏:‏ ابتلاه بالكوكب فرضي عنه، وابتلاه بالقمر فرضي عنه، وابتلاه بالشمس فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة فرضي عنه، وابتلاه بالختان فرضي عنه، وابتلاه بابنه فرضي عنه‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فأتمهن‏}‏ قال‏:‏ فأدّاهن‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : من فطرة إبراهيم السواك‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال‏:‏ من فطرة إبراهيم غسل الذكر والبراجم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن مجاهد قال‏:‏ ست من فطرة إبراهيم: قص الشارب، والسواك، والفرق، وقص الأظفار، والاستنجاء، وحلق العانة، قال‏:‏ ثلاثة في الرأس، وثلاثة في الجسد‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة‏:‏ الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط ". تفسير : وأخرج البخاري والنسائي عن ابن عمر‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : من الفطرة حلق العانة، وتقليم الأظفار، وقص الشارب‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : عشر من الفطرة: قص الشارب، واعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق بالماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الآباط، وحلق العانة، وانتقاض الماء يعني الاستنجاء بالماء‏.‏ قال مصعب‏:‏ نسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود وابن ماجه عن عمار بن ياسر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : الفطرة المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الابط، والاستحداد، وغسل البراجم والانتضاح، والاختتان‏ ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني عن أبي الدرداء قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏الطهارات أربع: قص الشارب، وحلق العانة، وتقليم الأظفار، والسواك‏‏ ". تفسير : وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس بن مالك قال ‏"‏وقَّت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قص الشارب، وتقليم الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإِبط، أن لا تترك أكثر من أربعين يوماً‏"‏‏.‏ وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس ‏"حديث : قال للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لقد أبطأ عنك جبريل‏.‏ فقال‏:‏ ولم لا يبطىء عني وأنتم حولي لا تستنون لا تقلمون أظفاركم، ولا تقصون شواربكم، ولا تنقون براجمكم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه عن ابن عباس قال ‏"‏كان النبي صلى الله عليه وسلم يقص أو يأخذ من شاربه قال‏:‏ لأن خليل الرحمن إبراهيم يفعله‏"‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه والنسائي عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: ‏"‏حديث : ‏ من لم يأخذ من شاربه فليس منا‏ ". تفسير : وأخرج مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : خالفوا المشركين، وفروا اللحى وأحفوا الشوارب‏ ‏". تفسير : وأخرج البزار عن أنسأن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : خالفوا المجوس، جزوا الشوارب واعفوا اللحى‏ ". تفسير : ‏وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيد الله بن عبد الله بن عبيد الله قال ‏"حديث : ‏جاء رجل من المجوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حلق لحيته وأطال شاربه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما هذا‏؟‏ قال‏:‏ هذا في ديننا‏.‏ قال‏:‏ ولكن في ديننا أن تجز الشارب وأن تعفي اللحية‏ ‏". تفسير : وأخرج البزار عن عائشة ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر رجلاً وشاربه طويل فقال‏: ائتوني بمقص وسواك، فجعل السواك على طرفه، ثم أخذ ما جاوز‏ ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإِيمان بسند حسن عن أبي هريرة ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقلم أظفاره ويقص شاربه يوم الجمعة قبل أن يخرج إلى الصلاة‏"‏‏.‏ وأخرج ابن عدي بسند ضعيف عن أنس قال ‏لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلق الرجل عانته كل أربعين يوماً، وأن ينتف ابطه كلما طلع، ولا يدع شاربيه يطولان، وأن يقلم أظفاره من الجمعة إلى الجمعة‏"‏‏.‏ وأخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏قصوا أظافيركم فإن الشيطان يجري ما بين اللحم والظفر‏ ". تفسير : وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن وابصة بن معبد قال ‏"‏حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل شيء حتى سألته عن الوسخ الذي يكون في الأظفار فقال‏:‏ دع ما يريبك إلى ما لا يريبك‏ ". تفسير : وأخرج البزار عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏ما لي لا أهم ورفع أحدكم بين أنملته وظفره‏ ". تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن قيس بن حازم قال ‏"حديث : ‏صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة فأوهم فيها، فسأل فقال‏:‏ ما لي لا أهم ورفع أحدكم بين ظفره وأنملته‏ ‏". تفسير : وأخرج ابن ماجة والطبراني بسند ضعيف عن أبي أمامة‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب، ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك حتى خشيت أن يفرض علي وعلى أمتي، ولولا أني أخاف أن أشق على أمتي لفرضته لهم، وإني لأستاك حتى أني لقد خشيت أن أحفي مقادم في‏‏َّ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏السواك مطهرة للفم مرضاة للرب، ومجلاة للبصر‏ ". تفسير : وأخرج ابن عدي والبيهقي في شعب الإِيمان وضعفه عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : عليكم بالسواك فإنه مطهرة للفم مرضاة للرب مفرحة للملائكة يزيد في الحسنات، وهو من السنة يجلو البصر، ويذهب الحفر، ويشد اللثة، ويذهب البلغم، ويطيب الفم‏ ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة‏ ". تفسير : وأخرج أحمد بسند حسن عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، وعند كل وضوء بسواك‏‏ ". تفسير : وأخرج البزار وأبو يعلى والطبراني بسند ضعيف عن عائشة قالت ‏"‏ما زال النبي صلى الله عليه وسلم يذكر السواك حتى خشينا أن ينزل فيه قرآن‏"‏‏.‏ وأخرج أحمد والحرث بن أبي أسامة والبزار وأبو يعلى وابن خزيمة والدارقطني والحاكم وصححه وأبو نعيم في كتاب السواك والبيهقي في شعب الإِيمان عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏فضل الصلاة بسواك على الصلاة بغير سواك سبعون ضعفاً‏‏ ". تفسير : وأخرج البزار والبيهقي بسند جيد عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏ركعتان بسواك أفضل من سبعين ركعة بغير سواك‏‏ ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو يعلى بسند جيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏لقد أمرت بالسواك حتى ظننت أنه ينزل عليّ به قرآن أو وحي‏‏ ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو يعلى والطبراني بسند ضعيف عن ابن عمر ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا ينام إلا والسواك عنده، فإذا استيقظ بدأ بالسواك‏"‏‏.‏ وأخرج الطبراني بسند حسن عن أم سلمة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : ما زال جبريل يوصيني بالسواك حتى خفت على أضراسي‏ ". تفسير : وأخرج البزار والترمذي الحكيم في نوادر الأصول عن كليح بن عبد الله الخطمي عن أبيه عن جده قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : خمس من سنن المرسلين: الحياء، والحلم، والحجامة، والسواك، والتعطر‏ ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال ‏"‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينام ليلة ولا ينتبه إلا استن‏"‏‏.‏ وأخرج الطبراني بسند حسن عن زيد بن خالد الجهني قال ‏"‏ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من بيته لشيء من الصلوات حتى يستاك‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود بسند ضعيف عن عائشة ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ إلا تسوّك قبل أن يتوضأ‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عائشة ‏"‏أنها سئلت بأي شيء كان النبي صلى الله عليه وسلم يبدأ إذا دخل بيته‏؟‏ قالت‏:‏ كان إذا دخل يبدأ بالسواك‏"‏‏.‏ وأخرج ابن ماجه عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ إن أفواهكم طرق للقرآن فطيبوها بالسواك‏.‏ وأخرجه أبو نعيم في كتاب السواك عن علي مرفوعا‏ً.‏ وأخرج ابن السني وأبو نعيم معاً في الطب النبوي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن السواك ليزيد الرجل فصاحة‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن السني عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ قراءة القرآن والسواك يذهب البلغم‏.‏ وأخرج أبو نعيم في معرفة الصحابة عن سمويه ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نام ليلة حتى استن‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأبو نعيم في كتاب السواك بسند ضعيف من طريق أبي عتيق عن جابر‏.‏ أنه كان ليستاك إذا أخذ مضجعه، وإذا قام من الليل، وإذا خرج إلى الصلاة‏.‏ فقلت له‏:‏ لقد شققت على نفسك‏.‏ فقال‏:‏ إن أسامة أخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستاك هذا السواك‏.‏ وأخرج أبو نعيم بسند حسن عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يستاكوا بالأسحار‏‏ ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن عن علي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏"حديث : ‏لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء‏ ". تفسير : وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏السواك مطهرة للفم مرضاة للرب‏ ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني في الأوسط بسند حسن عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏‏"حديث : ‏ عليكم بالسواك فإنه مطيبة للفم مرضاة للرب تبارك وتعالى‏ ". تفسير : وأخرج أحمد بسند ضعيف عن قثم أو تمام بن عباس قال‏:‏ أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال ‏"حديث : ‏ما لكم تأتوني قلحاً لا تسوكون، لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك كما فرضت عليهم الوضوء‏‏ ". تفسير : وأخرج الطبراني عن جابر قال‏:‏ كان السواك من أذن النبي صلى الله عليه وسلم موضع القلم من أذن الكاتب‏‏‏.‏ وأخرج العقيلي في الضعفاء وأبو نعيم في السواك بسند ضعيف عن عائشة قالت ‏"‏كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر حمل السواك والمشط والمكحلة والقارورة والمرآة‏"‏‏.‏ وأخرج أبو نعيم بسند واهٍ عن رافع بن خديج مرفوعا‏ً "‏حديث : السواك واجب‏ "‏‏.‏تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال‏:‏ لقد كنا نؤمر بالسواك حتى ظننا أنه سينزل فيه‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن حسان بن عطية مرفوعاً‏"‏حديث : الوضوء شطر الإِيمان، والسواك شطر الوضوء، ولولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ركعتان يستاك فيهما العبد أفضل من سبعين ركعة لا يستاك فيها‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن سليمان بن سعد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏استاكوا وتنظفوا وأوتروا، فإن الله وتر يحب الوتر‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن عدي عن أنس ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتعاهد البراجم عند الوضوء لأن الوسخ إليها سريع‏"‏‏.‏ وأخرج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول بسند فيه مجهول عن عبد الله بن بسر رفعه‏ "‏قصوا أظفاركم، وادفنوا قلاماتكم، ونقوا براجمكم‏"‏‏.‏ ‏ وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة عن ابن عباس قال ‏"‏كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به، فسدل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصيته ثم فرق بعد‏"‏‏.‏ وأخرج ابن ماجة والبيهقي بسند جيد عن أم سلمة ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اطلى ولى عانته بيده‏"‏‏.‏ وأخرج البيهقي بسند ضعيف جداً عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتنور، وكان إذا كثر شعره حلقه‏.‏ وأخرج أحمد والبيهقي عن شداد بن أوس رفعه‏ "‏الختان سنة للرجال مكرمة للنساء‏"‏‏.‏ وأخرج الطبراني في مسند الشاميين وأبو الشيخ في كتاب العقيقة والبيهقي من حديث ابن عباس‏.‏ مثله‏. ‏ وأخرج أبو داود عن عيثم بن كليب عن أبيه عن جده ‏"حديث : ‏أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ قد أسلمت - فقال له‏:‏ ألق عنك شعر الكفر - يقول‏:‏ احلق ‏"‏ تفسير : قال‏:‏ وأخبرني آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لآخر معه‏"حديث : ‏ألق عنك شعر الكفر واختتن‏ ". تفسير : وأخرج البيهقي عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : من أسلم فليختتن‏ ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني عن عثمان بن أبي العاص أنه دعي إلى ختان فقال‏:‏ ما كنَّا نأتي الختان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ندعى له‏.‏ وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال‏:‏ سبع من السنة في الصبي يوم السابع يسمى، ويختن، ويماط عنه الأذى، ويعق عنه، ويحلق رأسه، ويلطخ من عقيقته، ويتصدق بوزن شعر رأسه ذهباً أو فضة‏.‏ وأخرج أبو الشيخ في كتاب العقيقة والبيهقي عن جابر ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام‏"‏‏.‏ وأخرج البيهقي عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه‏.‏ أن إبراهيم عليه السلام ختن إسحق لسبعة أيام، وختن إسماعيل عند بلوغه‏.‏ وأخرج ابن سعد عن حي بن عبد الله قال‏:‏ بلغني أن إسماعيل عليه السلام اختتن وهو ابن ثلاث عشرة سنة‏.‏ وأخرج أبو الشيخ في العقيقة من طريق موسى بن علي بن رباح عن أبيه‏.‏ أن إبراهيم عليه السلام أمر أن يختتن وهو حينئذ ابن ثمانين سنة، فعجل واختتن بالقدوم فاشتد عليه الوجع، فدعا ربه فأوحى إليه‏ "أنك عجلت قبل أن نأمرك بآلته قال‏:‏ "يا رب كرهت أن أؤخر أمرك‏""‏‏.‏ وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : اختتن إبراهيم عليه السلام وهو ابن ثلاثين سنة بالقدوم‏ ". تفسير : وأخرج ابن عدي والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : كان إبراهيم أول من اختتن وهو ابن عشرين ومائة سنة واختتن بالقدوم، ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة ‏ ". تفسير : وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والحاكم والبيهقي وصححاه من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال‏:‏ اختتن إبراهيم خليل الله وهو ابن عشرين ومائة سنة بالقدوم، ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة‏.‏ قال سعيد‏:‏ وكان إبراهيم أول من اختتن وأول من رأى الشيب، فقال‏:‏ يا رب ما هذا‏؟‏ قال‏:‏ وقار يا إبراهيم‏.‏ قال‏:‏ رب زدني وقاراً‏.‏ وأول من أضاف الضيف، وأول من جز شاربه، وأول من قص أظافيره، وأول من استحد‏.‏ وأخرج ابن عدي والبيهقي عن أبي هريرة ‏"حديث : ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏: إن إبراهيم أول من أضاف الضيف، وأول من قص الشارب، وأول من رأى الشيب، وأول من قص الأظافير، وأول من اختتن بقدومه‏ ". تفسير : وأخرج البيهقي عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ كانت هاجر لسارة، فأعطت هاجر إبراهيم، فاستبق إسماعيل وإسحاق فسبقه إسماعيل فقعد في حجر إبراهيم‏.‏ قالت‏ سارة‏:‏ والله لأغيرن منها ثلاثة أشراف، فخشي إبراهيم أن تجدعها أو تخرم أذنيها، فقال لها‏:‏ هل لك أن تفعلي شيئاً وتبري يمينك‏؟‏ تثقبين أذنيها وتخفضينها، فكان أول الخفاض هذا‏"‏‏.‏ وأخرج البيهقي عن سفيان بن عيينة قال‏:‏ شكا إبراهيم عليه السلام إلى ربه ما يلقى من رداءة خلق سارة، فأوحى الله إليه يا إبراهيم ‏أول من تسرول، وأول من فرق، وأوّل من استحد، وأول من اختتن، وأول من قرى الضيف، وأول من شاب‏.‏ وأخرج وكيع عن واصل مولى ابن عيينة قال‏:‏ أوحى الله إلى إبراهيم يا إبراهيم انك أكرم أهل الأرض إلي فإذا سجدت فلا تر الأرض عورتك‏.‏ قال‏:‏ فاتخذ سراويل‏.‏ وأخرج الحاكم عن أبي أمامة قال‏:‏ طلعت كف من السماء بين أصبعين من أصابعها شعرة بيضاء، فجعلت تدنو من رأس إبراهيم ثم تدنو، فالقتها في رأسه وقالت‏:‏ اشعل وقاراً، ثم أوحى الله إليها أن تظهر، وكان أول من شاب واختتن، وأنزل الله على إبراهيم مما أنزل على محمد ‏{أية : ‏التائبون العابدون الحامدون‏}‏تفسير : ‏[‏التوبة: 112‏]‏ إلى قوله ‏{أية : ‏وبشر المؤمنين‏}‏ تفسير : [التوبة: 112] و ‏{أية : ‏قد أفلح المؤمنون‏}تفسير : ‏[‏المؤمنون: 1 - 11]‏ إلى قوله ‏ {أية : ‏هم فيها خالدون‏} تفسير : [‏المؤمنون: 11] و ‏{أية : ‏إن المسلمين والمسلمات‏.‏‏.‏‏.‏‏}تفسير : ‏[‏الأحزاب : 35‏] الآية‏.‏ والتي في سأل، و ‏{أية : ‏الذين هم على صلاتهم دائمون‏} تفسير : ‏[‏المعارج: 23 - 33‏] إلى قوله {‏قائمون‏} فلم يف بهذه السهام إلا إبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن سعد في الطبقات عن سلمان قال‏:‏ سأل إبراهيم ربه خيراً فأصبح ثلثا رأسه أبيض، فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏‏!‏ فقيل له‏:‏ عبرة في الدنيا ونور في الآخرة‏.‏ وأخرج أحمد في الزهد عن سلمان الفارسي قال‏:‏ أوى إبراهيم إلى فراشه فسأل الله أن يؤتيه خيراً، فأصبح وقد شاب ثلثا رأسه، فساءه ذلك فقيل‏:‏ لا يسوءنك فإنه عبرة في الدنيا ونور لك في الآخرة، وكان أول شيب كان‏.‏ وأخرج الديلمي عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : أول من خضب بالحناء والكتم إبراهيم عليه السلام‏ ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن إبراهيم قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم‏‏ ". تفسير : وأخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة عن أبي ذر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم‏‏ ". تفسير : وأخرج الترمذي وصححه عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود‏ ". تفسير : وأخرج البزار عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : لا تشبهوا بالأعاجم غيروا اللحى‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والبزار عن سعد بن إبراهيم عن أبيه قال‏:‏ أول من خطب على المنبر إبراهيم عليه السلام حين أسر لوط واستأسرته الروم، فغزا إبراهيم حتى استنقذه من الروم‏.‏ وأخرج ابن عساكر عن حسان بن عطية قال‏:‏ أول من رتب العسكر في الحرب ميمنة وميسرة وقلباً إبراهيم عليه السلام لما سار لقتال الذين أسروا لوطا عليه السلام‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن يزيد بن أبي زيد عن رجل قد سماه قال‏:‏ أوّل من عقد الألوية إبراهيم عليه السلام، بلغه أن قوماً أغاروا على لوط فسبوه، فعقد لواء وسار إليهم بعبيده ومواليه حتى أدركهم، فاستنقذه وأهله‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الرمي عن ابن عباس قال‏:‏ أوّل من عمل القسي إبراهيم عليه السلام‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : كان أوّل من ضيف الضيف إبراهيم عليه السلام‏ ". تفسير : وأخرج ابن سعد وابن أبي الدنيا وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإِيمان عن عكرمة قال‏:‏ كان إبراهيم خليل الرحمن يكنى أبا الضيفان، وكان لقصره أربعة أبواب لكي لا يفوته أحد‏.‏ وأخرج البيهقي عن عطاء قال‏:‏ كان إبراهيم خليل الله عليه السلام، إذا أراد أن يتغدى طلب من يتغدى معه إلى ميل‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان والخطيب في تاريخه والديلمي في مسند الفردوس والغسولي في جزئه المشهور واللفظ له عن تميم الداري ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن معانقة الرجل الرجل إذا هو لقيه‏؟‏ قال‏:‏ كانت تحية الأمم. وفي لفظ: كانت تحية أهل الإِيمان وخالص ودّهم، وإن أول من عانق خليل الرحمن، فإنه خرج يوماً يرتاد لماشيته في جبال من جبال بيت المقدس إذا سمع صوت مقدس يقدس الله تعالى، فذهل عما كان يطلب فقصد قصد الصوت، فإذا هو بشيخ طوله ثمانية عشر ذراعاً أهلب يوحد الله عز وجل، فقال له إبراهيم‏:‏ يا شيخ من ربك‏؟‏ قال‏:‏ الذي في السماء‏.‏ قال‏:‏ من رب الأرض‏؟‏ قال‏:‏ الذي في السماء‏.‏ قال‏:‏ فيها رب غيره‏؟‏ قال‏:‏ ما فيها رب غيره، لا إله إلا هو وحده‏.‏ قال إبراهيم‏:‏ فأين قبلتك‏؟‏ قال‏:‏ إلى الكعبة‏.‏ فسأله عن طعامه فقال‏:‏ أجمع من هذه الثمرة في الصيف فآكله في الشتاء‏.‏ قال‏:‏ هل بقي معك أحد من قومك‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ أين منزلك‏؟‏ قال‏:‏ تلك المغارة‏.‏ قال‏:‏ اعبر بنا إلى بيتك‏.‏ قال‏:‏ بيني وبينها واد لا يخاض‏.‏ قال‏:‏ فكيف تعبره‏؟‏ فقال‏:‏ أمشي عليه ذاهباً وأمشي عليه عائداً‏.‏ قال‏:‏ فانطلق بنا فلعل الذي ذللـه لك يذللـه لي‏.‏ فانطلقا حتى انتهيا فمشيا جميعاً عليه كل واحد منهما يعجب من صاحبه، فلما دخلا المغارة فإذا بقبلته قبلة إبراهيم قال له إبراهيم‏:‏ أي يوم خلق الله أشد‏؟‏ قال الشيخ‏:‏ ذلك اليوم الذي يضع كرسيه للحساب، يوم تسعر جهنم لا يبقى ملك مقرب و لا نبي مرسل إلاَّ خر يهمه نفسه‏.‏ قال له إبراهيم‏:‏ ادع الله يا شيخ أن يؤمني وإياك من هول ذلك اليوم‏.‏ قال الشيخ‏:‏ وما تصنع بدعائي ولي في السماء دعوة محبوسة منذ ثلاث سنين‏؟‏ قال إبراهيم‏:‏ ألا أخبرك ما حبس دعاءك قال‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ إن الله عز وجل إذا أحب عبداً احتبس مسألته يحب صوته، ثم جعل له على كل مسألة ذخراً لا يخطر على قلب بشر، وإذا أبغض الله عبداً عجل له حاجته أو ألقى الأياس في صدره ليقبض صوته، فما دعوتك التي هي في السماء محبوسة‏؟‏ قال‏:‏ مر بي ههنا شاب في رأسه ذؤابة منذ ثلاث سنين ومعه غنم، قلت‏:‏ لمن هذه‏؟‏ قال‏:‏ لخليل الله إبراهيم‏.‏ قلت‏:‏ اللهم إن كان لك في الأرض خليل فأرنيه قبل خروجي من الدنيا‏.‏ قال له إبراهيم عليه السلام‏:‏ قد أجيبت دعوتك ثم اعتنقا، فيومئذ كان أصل المعانقة، وكان قبل ذلك السجود هذا لهذا وهذا لهذا، ثم جاء الصفاح مع الإِسلام فلم يسجد ولم يعانق، ولن تفترق الأصابع حتى يغفر لكل مصافح‏‏ "‏‏تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية عن كعب قال‏:‏ قال إبراهيم عليه السلام‏:‏ إنني ليحزنني أن لا أرى أحداً في الأرض يعبدك غيري، فأنزل الله إليه ملائكة يصلون معه ويكونون معه‏.‏ وأخرج أحمد وأبو نعيم عن نوف البكالي قال‏:‏ قال إبراهيم عليه السلام‏:‏ يا رب إنه ليس في الأرض أحد يعبدك غيري، فأنزل الله عز وجل ثلاثة آلاف ملك فأمهم ثلاثة أيام‏.‏ وأخرج ابن سعد عن الكلبي قال‏:‏ إبراهيم عليه السلام أول من أضاف الضيف، وأول من ثرد الثريد، وأول من رأى الشيب، وكان قد وسع عليه في المال والخدم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن السدي قال‏:‏ أول من ثرد الثريد إبراهيم عليه السلام‏.‏ وأخرج الديلمي عن نبيط بن شريط قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏أول من اتخذ الخبز المبلقس إبراهيم عليه السلام‏ ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن مطرف قال‏:‏ أول من راغم إبراهيم عليه السلام حين راغم قومه إلى الله بالدعاء‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف واللفظ له والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن ابن عباس قال ‏"‏حديث : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏: أول الخلائق يلقى بثوب - يعني يوم القيامة - إبراهيم عليه السلام‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال‏:‏ يحشر الناس عراة حفاة، فأول من يلقى بثوب إبراهيم‏.‏ وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عبيد بن عمير قال‏:‏ يحشر الناس حفاة عراة، فيقول الله‏:‏ ألا أرى خليلي عرياناً، فيكسى إبراهيم عليه السلام ثوباً أبيض، فهو أول من يكسى‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن عبد الله بن الحرث قال‏:‏ أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام قبطيتين، ثم يكسى النبي صلى الله عليه وسلم حلة الحيرة وهو على يمين العرش‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والنسائي عن أنس قال ‏"‏حديث : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا خير البرية‏.‏ قال‏:‏ ذاك إبراهيم‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح قال‏:‏ انطلق إبراهيم عليه السلام يمتار فلم يقدر على الطعام، فمر بسهلة حمراء، فأخذ منها، ثم رجع إلى أهله فقالوا‏:‏ ما هذا‏؟‏ قال‏:‏ حنطة حمراء، ففتحوها فوجدوها حنطة حمراء، فكان إذا زرع منها شيئاً نبتت سنبلة من أصلها إلى فرعها حباً متراكباً‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية عن سلمان قال‏:‏ أرسل على إبراهيم عليه السلام أسدان مجوّعان، فلحساه وسجدا له‏.‏ وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي بن كعب‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏: ‏"‏حديث : أرسل إلي ربي أن أقرأ القرآن على حرف، فرددت عليه يا رب هوّن على أمتي، فرد على الثانية أن أقرأ على حرفين، قلت‏:‏ يا رب هوّن على أمتي، فرد على الثالثة أن أقرأ على سبعة أحرف ولك بكل ردة رددتها مسألة فسلنيها‏.‏ فقلت‏:‏ اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة إلى يوم يرغب إلي فيه الخلائق حتى إبراهيم‏ ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية عن كعب قال‏:‏ كان إبراهيم عليه السلام يقري الضيف ويرحم المسكين وابن السبيل، فابطأت عليه الأضياف حتى أشرأب بذلك، فخرج إلى الطريق يطلب، فجلس فمر ملك الموت عليه السلام في صورة رجل، فسلم عليه فرد عليه السلام، ثم سأله من أنت‏؟‏ قال‏:‏ أنا ابن السبيل قال‏:‏ إنما قعدت ههنا لمثلك، فأخذ بيده فقال له‏:‏ انطلق‏.‏ فذهب إلى منزله، فلما رآه إسحق عرفه فبكى إسحق، فلما رأت سارة إسحق يبكي بكت لبكائه، فلما رأى إبراهيم سارة تبكي فبكى لبكائها، فلما رأى ملك الموت إبراهيم يبكي بكى لبكائه ثم صعد ملك الموت، فلما ارتقى غضب إبراهيم فقال‏:‏ بكيتم في وجه ضيفي حتى ذهب فقال إسحق‏:‏ لا تلمني يا أبت فإني رأيت ملك الموت معك لا أرى أجلك إلا قد حضر فارث في أهلك أي أوصه، وكان لإبراهيم بيت يتعبد فيه فإذا خرج أغلقه لا يدخله غيره، فجاء إبراهيم ففتح بيته الذي يتعبد فيه فإذا هو برجل جالس فقال إبراهيم‏:‏ من أدخلك، بإذن من دخلت‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ بإذن رب البيت‏.‏ قال‏:‏ رب البيت أحق به، ثم تنحى في ناحية البيت فصلى ودعا كما كان يصنع، وصعد ملك الموت فقيل له‏:‏ ما رأيت‏؟‏ قال‏:‏ يا رب جئتك من عند عبدك ليس بعده في الأرض خير‏.‏ قيل له‏:‏ ما رأيت منه‏؟‏ قال‏:‏ ما ترك خلقاً من خلقك إلا قد دعا له بخير في دينه وفي معيشته‏.‏ ثم مكث إبراهيم عليه السلام ما شاء الله، ثم جاء ففتح بابه فإذا هو برجل جالس قال له‏:‏ من أنت‏؟‏ قال‏:‏ إنما أنا ملك الموت‏.‏ قال إبراهيم‏:‏ إن كنت صادقاً فأرني آية أعرف أنك ملك الموت‏.‏ قال‏:‏ اعرض بوجهك يا إبراهيم‏.‏ قال‏:‏ ثم أقبل فأراه الصورة التي يقبض بها المؤمنين، فرأى شيئاً من النور والبهاء لا يعلمه إلا الله، ثم قال‏:‏ انظر فأراه الصورة التي يقبض فيها الكفار والفجار، فرعب إبراهيم عليه السلام رعباً حتى ألصق بطنه بالأرض، كادت نفس إبراهيم تخرج فقال‏:‏ أعرف الذين أُمِرْتَ به فامض له‏.‏ فصعد ملك الموت فقيل له‏:‏ تلطف بإبراهيم، فأتاه وهو في عنب له وهو في صورة شيخ كبير لم يبق منه شيء، فلما رآه إبراهيم رحمه فأخذ مكتلاً ثم دخل عنبه فقطف من العنب في مكتله، ثم جاء فوضعه بين يديه فقال‏:‏ كل‏.‏‏.‏‏.‏ فجعل يضع ويريه أنه يأكل ويمجه على لحيته وعلى صدره، فعجب إبراهيم فقال‏:‏ ما أبقت السن منك شيئاً كم أتى لك‏؟‏ فحسب مدة إبراهيم فقال‏:‏ امالي كذا وكذا‏.‏‏.‏‏.‏ فقال إبراهيم‏:‏ قد أتي لي هذا إنما انتظر أن أكون مثلك اللهم اقبضني إليك، فطابت نفس إبراهيم على نفسه وقبض ملك الموت نفسه تلك الحال‏.‏ وأخرج الحاكم عن الواقدي قال‏:‏ ولد إبراهيم بغوطة دمشق في قرية يقال لها برزة، ومن جبل يقال له قاسيون‏.‏ وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أبي السكن الهجري قال‏:‏ مات خليل الله فجأة، ومات داود فجأة، ومات سليمان بن داود فجأة، والصالحون، وهو تخفيف على المؤمن وتشديد على الكافر‏.‏ وأخرج ‏"‏أن ملك الموت جاء إلى إبراهيم عليه السلام ليقبض روحه، فقال إبراهيم‏:‏ يا ملك الموت هل رأيت خليلاً يقبض روح خليله‏؟‏ فعرج ملك الموت إلى ربه فقال‏:‏ قل له‏:‏ هل رأيت خليلاً يكره لقاء خليله‏؟‏ فرجع قال‏:‏ فاقبض روحي الساعة‏"‏‏.‏ وأخرج أبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير قال ‏"‏كان الله يبعث ملك الموت إلى الأنبياء عياناً، فبعثه إلى إبراهيم عليه السلام ليقبضه، فدخل دار إبراهيم في صورة رجل شاب جميل وكان إبراهيم غيوراً، فلما دخل عليه حملته الغيرة على أن قال له‏:‏ يا عبد الله ما أدخلك داري‏؟‏ قال‏:‏ أدخلنيها ربها‏.‏ فعرف إبراهيم أن هذا الأمر حدث قال يا إبراهيم‏:‏ إني أمرت بقبض روحك‏.‏ قال‏:‏ أمهلني يا ملك الموت حتى يدخل إسحق فامهله، فلما دخل إسحق قام إليه فاعتنق كل واحد منهما صاحبه، فرق لهما ملك الموت فرجع إلى ربه فقال‏:‏ يا رب رأيت خليلك جزع من الموت‏.‏ قال‏:‏ يا ملك الموت فائت خليلي في منامه فاقبضه، فأتاه في منامه فقبضه‏"‏‏.‏ وأخرج أحمد في الزهد والمروزي في الجنائز عن أبي مليكة ‏"‏أن إبراهيم لما لقي الله قيل له‏:‏ كيف وجدت الموت‏؟‏ قال: وجدت الموت؟ قال‏:‏ وجدت نفسي كأنما تنزع بالسلي‏.‏ قيل له‏:‏ قد يسرنا عليك الموت‏"‏‏.‏ وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في العزاء وابن أبي داود في البعث وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏أولاد المؤمنين في جبل في الجنة، يكفلهم إبراهيم وسارة عليهما السلام حتى يردهم إلى آبائهم يوم القيامة‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج سعيد بن منصور عن مكحول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏ إن ذراري المسلمين في عصافير خضر في شجر في الجنة، يكفلهم إبراهيم عليه السلام‏ ". تفسير : أما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقال إني جاعلك للناس إماماً‏} الآية. أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ‏ {‏قال‏:‏ إني جاعلك للناس إماماً‏} يقتدى بدينك وهديك وسنتك ‏{‏قال ومن ذريتي‏}‏ إماماً لغير ذريتي ‏ {‏قال لا ينال عهدي الظالمين‏} ‏ أن يقتدى بدينهم وهديهم وسنتهم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال‏:‏ هذا عند الله يوم القيامة لا ينال عهده ظالماً، فاما في الدنيا فقد نالوا عهده فوارثوا به المسلمين، وغازوهم، وناكحوهم، فلما كان يوم القيامة قصر الله عهده وكرامته على أوليائه‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله ‏{‏إني جاعلك للناس إماما‏}‏ يؤتم به ويقتدى قال إبراهيم ‏ {‏ومن ذريتي‏} ‏ فاجعل من يؤتم به ويقتدى به‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ قال الله لإِبراهيم ‏ {‏إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي‏}‏ فأبى أن يفعل، ثم ‏ {‏قال لا ينال عهدي الظالمين‏}‏‏ .‏ وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏ {‏لا ينال عهدي الظالمين‏}‏ قال‏:‏ لا اجعل اماماً ظالماً يقتدى به‏.‏ وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ يخبره أنه كائن في ذريته ظالم لا ينال عهده، ولا ينبغي له أن يوليه شيئاً من أمره‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏لا ينال عهدي الظالمين‏}‏ قال‏:‏ ليس لظالم عليك عهد في معصية الله أن تطيعه‏.‏ وأخرج وكيع وابن مردويه عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : في قوله ‏{‏لا ينال عهدي الظالمين‏}‏ قال‏: لا طاعة إلا في المعروف‏‏ ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عمران بن حصين‏سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : "لا طاعة لمخلوق في معصية الله"‏ ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال‏:‏ لا طاعة مفترضة إلا لنبي‏.‏

السلمي

تفسير : قوله: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} [الآية: 124]. قال بعضهم: أشد ما ابتلى اللهُ به إبراهيم عليه السلام أن حملَهُ أثقالَ الخُلة، ثم طالبه بتصحيح شرائطها، وتصحيح شرائطِ الخُلة التخلى مما سواه ظاهرًا وباطنًا. قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً}. أى: جاعلك سفيرًا بينى وبين خلقى لتهديهم لاستصلاح الحضرة وهذا هو الإمامةُ. وقال أبو عثمان: الإمام هو الذى يعاشر على الظاهر، ولا يؤثرُ ذلك فيما بينه وبين ربه بسبب كالنبى صلى الله عليه وسلم كان قائماً مع الخلق على حدِّ الإبلاغ قائمًا مع الله على المشاهدة. قوله تعالى: {وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ}. قطع بهذا أن يكون أحد يصل إليه بسبب أو نسب، إلا برضا الأزل وسبق العناية.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ}. البلاء تحقيق الولاء، فأصدقهم ولاءً أشدُّهم بلاء. ولقد ابتلى الحق - سبحانه - خليلَه عليه السلام بما فرض عليه وشرع له، فقام بشرط وجوبها، ووَفَّى بحكم مقتضاها، فأثنى عليه سبحانه بقوله: {أية : وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ}تفسير : [النجم: 37] - من التوفيه - أي لم يُقَصِّر بوجهٍ ألبتة. يقال حملَّه أعباء النبوة، وطالبه بأحكام الخُلَّة، وأشد بلاء له كان قيامه بشرائط الخلة، والانفراد له بالتجافي عن كل واحد وكل شيء، فقام بتصحيح ذلك مختليًا عن جميع ما سواه، سِرًّا وعَلَنًا. كذلك لم يلاحظ جبريلَ عليه السلام حين تعرض له وهو يُقْذف في لُجة الهلاك، فقال: هل من حاجة؟ فقال: أمَّا إِليكَ... فلا. ومن كمال بلائه تعرض جبريل عليه السلام في تلك الحالة، وأي بقية كانت بقيت له منه حتى يكون لمخلوق فيه مساغ كائنًا من كان؟! وفي هذا إشارة دقيقة إلى الفَرْقِ بين حال نبيِّنا صلى الله عليه وسلم وحال إبراهيم عليه السلام، لأنه تعرض جبريل للخليل وعَرَضَ عليه نفسه: فقال: أمَّا إليكَ... فَلاَ. ولم يُطِقْ جبريل صحبة النبي صلى الله عليه وسلم فنطق بلسان العجز وقال: لو دنوتُ أنملة لاحترقتُ. وشتّان بين حالة يكون فيها جبريل عليه السلام من قُوَّتِه بحيث يعرض للخليل عليه السلام نفسه، وبين حالةٍ يعترف للحبيب - صلوات الله عليه - فيها بعجزه. قوله جلّ ذكره: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ * وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً}. الإمام مَنْ يُقْتَدى به، وقد حقَّق له هذا حتى خاطب جميع الخلائق إلى يوم القيامة بالاقتداء به فقال: {أية : مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [الحج: 78] أي اتبعوا ملة إبراهيم يعني التوحيد، وقال: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. هذا هو تحقيق الإمامة. ورتبة الإمامة أن يَفْهَم عن الحق ثم يُفْهِمَ الخَلق؛ فيكون واسطة بين الحق والخَلْق، يكون بظاهره مع الخَلْق لا يفتر عن تبليغ الرسالة، وبباطنه مشاهدًا للحق، لا يتغير له صفاء الحالة، ويقول للخلْق ما يقوله له الحق. قوله جلّ ذكره: {وَمِن ذُرِّيَّتِي}. نطق بمقتضى الشفقة عليهم، فطلب لهم ما أُكرِم به. فأخبره أن ذلك ليس باستحقاق نَسَب، أو باستيجاب سبب، وإنما هي أقسام مضت بها أحكام فقال له: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} وليس هذا كنعيم الدنيا وسعة الأرزاق فيها، فهي لا ادِّخَار لها عن أحد وإن كان كافرًا، ولذلك قال جلّ ذكره: {وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}. فقال الله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً}. يعني ليس للدنيا من الخطر ما يمنعها عن الكفار، ولكن عهدي لا يناله إلا مَنْ اخترته مِنْ خواص عبادي. أمَّا الطعام والشراب فغير ممنوع من أحد. أمَّا الإسلام والمحاب فغير مبذول لكل أحد. قوله جلّ ذكره: {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً}. واذكر يا محمد حين جعلنا البيت - يعني الكعبة - مثابة للناس إليه يثوبون، ومأمنًا لهم إليه يرجعون، وإياه من كل نحوٍ يقصدون. هو بيت خلقتُه من الحجر ولكن أضفته إلى الأزل؛ فمن نظر إلى البيت بعين الخِلْقَة انفصل، ومن نظر إليه بعين الإضافة وصل واتصل، وكلُّ من التجأ إلى ذلك البيت أَمِنَ من عقوبة الآخرة إذا كان التجاؤه على جهة الإعظام والاحترام، والتوبة عن الآثام. ويقال بُنيَ البيتُ من الحجر لكنه حجر يجذب القلوب كحجر المغناطيس يجذب الحديد. بيتٌ من وقع عليه ظِلُّه أناخ بعَقْوَةِ الأمن. بيتٌ مَنْ وقع عليه طَرْفُه بُشِّرَ بتحقيق الغفران. بيتٌ مَنْ طاف حَوْلَه طافت اللطائف بقلبه، فطَوْفَة بطوفة، وشَوْطة بشوطة وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان. بيتٌ ما خَسِرَ مَنْ أنفق على الوصول إليه مَالَه. بَيت ما ربح مَنْ ضَنَّ عليه بشيءٍ؛ مَنْ زاره نَسِيَ مزارَه، وهجر ديارَه. بيت لا تُسْتَبْعَدُ إليه المسافة، بيت لا تُنْرَك زيارته لحصول مخافة، أو هجوم آفة، بيت ليس له بمهجة الفقراء آفة. بيت من قعد عن زيارته فَلِعدَمِ فُتَوَّتِه، أو لقلة محبته. بيتٌ من صَبِرَ عنه فقلبه أقسى من الحجارة. بيت من وقع عليه شعاعُ أنواره تَسَلَّى عن شموسه وأقماره. بيت ليس العجب ممن بقي (عنه) كيف يصبر، إنما العجب ممن حضره كيف يرجع! قوله جلّ ذكره: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. عَبْدٌ رفع لله سبحانه قَدمًا فإلى القيامة جعل أثر قَدَمِه قِبْلَةً لجميع المسلمين إكرامًا لا مدى له. قوله جلّ ذكره: {وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَٱلْعَاكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}. الأمر في الظاهر بتطهير البيت، والإشارة من الآية إلى تطهير القلب. وتطهير البيت بِصَوْنه عن الأدناس والأوضار، وتطهير القلب بحفظه عن ملاحظة الأجناس والأغيار. وطوافُ الحجاج حول البيت معلومٌ بلسان الشرع، وطوافُ المعاني معلومٌ لأهل الحق؛ فقلوب العارفين المعاني فيها طائفة، وقلوب الموحدين الحقائق فيها عاكفة، فهؤلاء أصحاب التلوين وهؤلاء أرباب التمكين. وقلوبُ القاصدين بملازمة الخضوع على باب الجود أبدًا واقفة. وقلوب الموحدِّين على بساط الوصل أبدًا راكعة. وقلوب الواجدين على بساط القرآن أبدًا ساجدة. ويقال صواعد نوازع الطالبين بباب الكرم أبدًا واقفة، وسوامي قصود المريدين بمشهد الجود أبدًا طائفة، ووفود هِمَمِ العارفين بحضرة العِزِّ أبداً عاكفة.. قوله جلّ ذكره: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً}. السؤال إذا لم يكن مشوبًا بحظِّ العبد كان مستجابًا، ولم يكن سؤال إبراهيم هذا لحظِّ نفسه، وإنما كان لِحقِّ ربِّه عزَّ وجلَّ. ولمَّا حفظ شرط الأدب طلب الرزق لمن آمن منهم على الخصوص أجيب فيهم وفي الذين لم يؤمنوا. ولمَّا قال في حديث الإمامة: "ومن ذُرِّيتي" من غير إذن مُنِعَ وقيل له: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ}.

البقلي

تفسير : {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} الكلمت ما خاطبه الله تعالى مع روحه في سرادق الازل بنعت السّرور فتهيج بها سرّه حتى التهب بنار محبته فيطلب جبيبه بعد بلوغه الى الكون بصرف الصفات فابتىه الله تعالى بمقام الالتباس حيث قال وكذلك نرى ابراهيم ملكوت السموات والارض {فَأَتَمَّهُنَّ} بتجرده عن اللباس برؤية الصرف كما قال انى وجهت وجهى للذى وايضاً ابتهلاه بشغل النبوة بعد ما اسكره برحيق الخلة وقال بعهضم اشد ما ابتلى الله به ابراهيم ان حلمه اثقال الخلة ثم طالبه بتصحيح شرائط خلة التجلى ممَّا سراه ظاهر وباطنا {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} اى انى جاعلك في الخلق اما ما فى مقام التمكين لانه صار بالنبوة متمكماً بعد ان كان في الخلة متكوِناً وايضاً انى جاعلك للناس اماماً في المقامات لانى صاحبهم في الحالات بينى وقيل انى جاعلك سفيرا بينى وين الخلق لتهذيبهم لاستصلاح الحضرة وهذا هو الامامة وقال ابو عثمن الامام هو الذى يباشر على الظاهر ولا يؤثر ذلك فيما بينه وبين ربه لسبب كالنبى صلى الله عليه وسلم قائما مع الخلق على حد الابلاغ وقائما مع الله على حدا المشاهدة قوله {قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} قطع الانساب والاسباب عن مواهبه للانبياء والاولياء لانه اصطفاهم بالايات والمعجزكات قبل وقوع العلامات وايضاً من اشتغل عن نفسه غتزل بنفسه عن نفسه قيل قطع ان يصل اليه احد بسبب او نسب الا برشا الازل وسبق العنات وقال الصادق لا ينال محبتى ومشاهدة رؤيتى من سكن الى احد سواى وقال بعضهم لا يزال من بعد يسره عنى وقال بعضهم من رسمته بسمة المعرضين عنى لا يقدر الرجوع الى {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً} اى مستنانا للراجلين وامناً للخائفين لان فيه اثر الله تعالى وهو يتجلى منه للخائفين بلطائف الكرم فاسكنهم من هيجان الخوف وتجلى منه الراجين لطوائف حسن العدم فاسكنهم من غليان الشوق وقيل اى----- للمذنبين وامناً الا من دخله من المؤمنين حافظا الحدود لله فيه امن من نار جهنم وروى عن الشيخ ابى عبد الرحمن السلمى رحمه الله انه اقل مسعت منصورين بن عبد الله يقول سمعت ابا القاسم الاسكندر انى يقول سمعت ابا جعفر الملطى يذكر عن على بن ابيه عن جعفر الصادق رضي الله عنه قال البيت ههنا محمد صلى الل هعليه وسلم من امن به وصدق برسالته دخل في ميادين الامن والامانة {وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ} اى ان طهرا قلبكما لانه موضع نظرة ومحل زيارتى {لِلطَّائِفِينَ} اى السفرة الانوار {وَٱلْعَاكِفِينَ} اى للسكان الاسرار {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} اى العرائس الغيب لان القلب ---- الله يزور به اهل الغيب.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذ ابتلى ابراهيم} قال القرطبى فى تفسيره تفسيره بالسريانية فيما ذكره المارودى وبالعربية فيما حكى ابن عطية اب رحيم. قال السهيلى وكثيرا ما يقع الاتفاق بين السريانى والعربى او تقاربه فى اللفظ ألا ترى ان ابراهيم تفسيره اب رحيم لمرحمته بالاطفال ولذلك جعل هو وسارة زوجته كافلين لاطفال المؤمنين الذين يموتون صغارا الى يوم القيامة. وقال فى تذكرة الموتى كان اسمه ابرم فزيد فى اسمه هاء والهاء فى السريانية التفخيم والتعظيم {ربه} الضمير لابراهيم وقدم المفعول لفظا وان كان مؤخرا رتبة ووجه التقديم الاهتمام فان الذهن يتشوق ويطلب معرفة المبتلى اى واذكر وقت اختبارى ابراهيم والمقصود من ذكر الوقت ذكر ما وقع فيه من الحوادث لان الوقت مشتمل عليها فاذا استحضر كانت حاضرة بتفاصيلها كأنها مشاهدة عيانا. والابتلاء فى الاصل الاختبار اى تطلب الخبر بحال المختبر بتعريضه لامر يشق عليه غالبا فعله او تركه وذلك انما يتصور حقيقة ممن لا وقوف له على عواقب الامور. واما من العليم الخبير فلا يكون الا مجازا عن تمكينه للعبد من اختيار احد الامرين ما يريد الله تعالى وما يشتهيه العبد كأنه يمتحنه بما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك كما علم الكفر من ابليس ولم يلعنه بعلمه ما لم يختبره بما يستوجب اللعنة به {بكلمات} جمع كلمة وهى اللفظ الموضوع لمعنى مفرد فيكون الكلمات عبارة عن الالفاظ المنظومة لكنها قد تطلق على المعانى التى تحتها لما بين الدال والمدلول من التضايف والمتضايفان متكافئان فى الوجود التعقلى كما فى قوله تعالى {أية : وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} تفسير : [الأنعام: 115]. اى قضية وحكمة وقوله {أية : قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى} تفسير : [الكهف: 109]. اى للمعانى التى تبرز بالكلمات {فأتمهن} اى قام بهن حق القيام واداهن احسن التأدية من غير تفريط وتوان ولذا قيل لم يبتل احذ بهذا الدين فاقامه كله الا ابراهيم فكتب الله له البراءة فقال {أية : وابراهيم الذى وفى } تفسير : وفسرت الكلمات بوجوه ذكرت فى التفاسير. ومنها العشر التى هى من السنة كما قال ابن عباس رضى الله عنهما هى عشر خصال كانت فرضا فى شرعه وهى سنة فى شرعنا. خمس منها فى الرأس وهى المضمضة والاستنشاق وفرق الرأس وقص الشارب والسواك. وخمس فى البدن وهى الختان وحلق العانة ونتف الابط وتقليم الاظفار والاستنجاء بالماء اى غسل مكان الغائط والبول بالماء. ولنذكر منها بعض ما يحتاج الى البيان فنقول فرق شعر الرأس تفريقه وتقسيمه الى نصفين وكان المشركون يفرقون اشعار رؤسهم واهل الكتاب يسدلون اى يرسلون شعورهم على الجبين ويتخذونها كالقصة وهى شعر الناصية وكان النبى عليه الصلاة والسلام يحب موافقة اهل الكتاب فيما لم ينزل فيه حكم لاحتمال ان يعملوا بما ذكر فى كتابهم ثم نزل جبريل فامره بالفرق. واعلم ان اكثر حال النبى عليه الصلاة والسلام كان الارسال وحلق الرأس منه معدود ولكن الامام الغزالى كره الارسال فى زماننا لانه صار شعار العلوية فاذا لم يكن علويا كان تلبيسا. وذكر فى جنايات الذخيرة امساك الجعد فى الغلام حرام لانهم انما يمسكون الجعد فى الغلام للاطماع الفاسدة. وذكر ان شخصا احضر ولده بمجلس ابى بكر رضى الله تعالى عنه وقد حلق بعض الشعر من رأسه وابقى البعض فامر ابو بكر رضى الله تعالى عنه بقتله فتاب واستغفر فعفا عنه. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره ليس هذا امرا بقتله فى الحقيقة بل بيان ان من فعله يستحق القتل ومثله انه ذكر فى مجلس ابى يوسف ان النبى عليه السلام كان يحب القرع فقال رجل انا لا احبه فافتى ابو يوسف بقتله فتاب ورجع فعفا عنه. واما قص الشارب فهو قطعه بالمقص اى المقراض وكان عليه السلام يقص شاربه كل جمعة قبل ان يخرج الى صلاة الجمعة. قال النووى المختار فيه ان يقص حتى يبدو طرف الشفة ويكون مثل الحاجب. وفى الاحياء ولا بأس بترك سباليه وهما طرفا الشارب فعل ذلك عمر رضى الله تعالى عنه وغيره لان ذلك لا يستر الفم ولا يبقى فيه غمر الطعام. وتوفير الشارب كتوفير الاظافير مندوب للمجاهد فى دار الحرب وان كان قطعهما من الفطرة وذلك ليكون اهيب فى عين العدو والسنة تقصير الشارب فحلقه بدعة كحلق اللحية وفى الحديث "حديث : جزوا الشوارب واعفوا اللحى ". تفسير : الجز القص والقطع والاعفاء التوفير والترك على حالها وحلق اللحية قبيح بل مثلة وحرام وكما ان حلق شعر الرأس فى حق المرأة مثلة منهى عنها وتشبه بالرجال وتفويت للزينة. قال الفقهاء اللحية فى وقتها جمال وفى حلقها تفويته على الكمال ومن تسبيح الملائكة سبحان من زين الرجال باللحى وزين النساء بالذوائب. وفى الكشاف فى مقام مدح الرجال عند قوله تعالى {أية : الرجال قوامون على النساء} تفسير : [النساء: 34] وهم اصحاب اللحى والعمائم. قال فى نصاب الاحتساب ومن الاكساب التى يحتسب على اربابها حلق لحى الرجال ورأس النساء تشبها بالرجال ولا بأس بأخذ الزائد على القبضة من اللحية لانه عليه السلام كان يأخذ من لحيته طولا وعرضا اذا زاد على قدر القبضة فان الطول المفرط يشوه الخلقة ويطلق ألسنة المغتابين بالنسبة اليه فلا بأس بالاحتراز عنه على هذه النية ويكره نتف الشيب كما يفعله البعض فى زماننا كرها للشيب واراءة للشباب: قال الحافظ شعر : سواد نامه موى سياه جون طى شد بياض كم نشود كر صد انتخاب رود يسود اعلاها ويبيض اصلها ولا خير فى الاعلى اذا فسد الاصل تفسير : واما الختان فهو قطع الجلد الزائدة من الذكر وجمهور العلماء على ان ذلك من مؤكدات السنن ومن فطرة الاسلام التى لا يسع تركها فى الرجال الا ان يولد الصبى مختونا وقد ولد الانبياء كلهم مختونين مسرورين اى مقطوعى السرة كرامة لهم الا ابراهيم خليل الله فانه ختن نفسه ببلدة قدوم بالتخفيف والتشديد وهو ابن مائة وعشرين او ثمانين ليستن بسنته بعده واختلفوا فى الختان قيل لا يختن حتى يبلغ لانه للطهارة ولا طهارة عليه حتى يبلغ وقيل اذا بلغ عشرا وقيل تسعا وقيل فيما بين سبع سنين الى عشر. قال الحدادى المستحب فى وقت الختان من اليوم السابع من ولادته الى عشر سنين ويكره الترك الى وقت البلوغ وتوقف ابو حنيفة فى وقته. واستحب العلماء فى الرجل الكبير يسلم ان يختتن وان بلغ ثمانين. وعن الحسن انه كان يرخص للشيخ الذى يسلم ان لا يختتن ولا يرى به بأسا ولا يرد شهادته وذبيحته وحجه وصلاته. قال ابن عبد البر وعامة اهل العلم على هذا. واما تقليم الاظفار فهو قصها والقلامة بالضم ما يزال منها وندب قص الاظفار لانه ربما يجنب ولا يصل الماء الى البشرة من اجل الوسخ ولا يزال جنبا ومن اجنب فبقى موضع ابرة من جسده بعد الغسل غير مغسول فهو جنب على حاله حتى يعم الغسل جسده كله وفى الحديث "حديث : من قلم اظفاره يوم الجمعة اعاذه الله تعالى من البلايا الى الجمعة الاخرى وزيادة ثلاثة ايام ". تفسير : وفى الحديث الآخر "حديث : من اراد ان يأمن من الفقر وشكاية العين فليقلم اظفاره يوم الخميس بعد العصر" تفسير : قال فى المقاصد الحسنة قص الاظفار لم يثبت فى كيفيته ولا فى تعيين يوم له عن النبى عليه السلام شىء وما يعزى من النظم فى ذلك لعلى رضى الله تعالى عنه وهو شعر : تقليمك الاظفار فيه سنة وادب يمنيها خوابس يسارها اوخسب تفسير : فباطل عنه وقال فى محل آخر حديث "حديث : من قص اظفاره مخالفا لم ير فى عينيه رمدا ". تفسير : هو فى كلام غير واحد من الائمة ولم اجده لكن كان الحافظ الشريف الدمياطى يأثر ذلك عن بعض مشايخه ونص الامام احمد على استحبابه انتهى كلامه. وذكر الامام النووى ان المستحب منه ان يبدأ باليدين قبل الرجلين فيبتدئ بمسبحة يده اليمنى ثم الوسطى ثم البنصر ثم الخنصر ثم الابهام ثم يعود الى اليسرى فيبدأ بخنصرها ثم ببنصرها الى آخرها ثم يعود الى الرجل اليمنى فيبدأ بخنصرها ويختم بخنصر الرجل اليسرى وهكذا قرره الامام فى الاحياء وفى الحديث "حديث : نقوا براجمكم ". تفسير : وهي مفاصل الاصابع والعقد التى على ظهرها يجتمع فيها الوسخ واحدها برجمة بضم الباء والجيم وسكون الراء بينهما وهو ظهر عقدة كل مفصل فظهر العقدة يسمى برجمة وما بين العقدتين يسمى راجبة وجمعها رواجب وذلك مما يلى ظهرها وهو قصبة الاصابع فلكل اصبع برجمتان وثلاث رواجب الا الابهام فان له برجمة وراجبتين فامر بالتنقية لئلا يدرن فيبقى فيه الجنابة ويحول الدرن بين الماء والبشرة كذا فى تفسير القرطبى. وعن مجاهد قال ابطأ جبرائيل عليه السلام على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له النبى عليه السلام "حديث : ما حبسك يا جبريل ". تفسير : قال وكيف آتيكم وانتم لا تقصرون اظفاركم ولا تأخذون من شواربكم ولا تنقون براجمكم ولا تستاكون ثم قرأ {أية : وما نتنزل الا بامر ربك} تفسير : [مريم: 64]. قال كأنه قيل فماذا قال له ربه حين أتم الكلمات فقيل {قال انى جاعلك للناس} اى لاجل الناس {اماما} يأتمون بك فى هذه الخصال ويقتدى بك الصالحون فهو نبى فى عصره ومقتدى لكافة الناس الى قيام الساعة وقد انجز الله وعده فقال لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم {أية : ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم} تفسير : [النحل: 123]. ونحو ذلك فلذلك اجتمعت اهل الاديان كلهم على تعظيمه وجميع امة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم يقولون فى آخر صلاتهم اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد قيل فى سببه انا لما قلنا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد قيل لنا ان ابراهيم هو الذى طلب من الله تعالى ان يرسل اليكم مثل هذا الرسول الذى هو رحمة للعالمين حيث قال {أية : ربنا وابعث فيهم رسولا منهم}تفسير : [البقرة: 129]. فما هديتكم فحينئذ نقول كما صليت على ابراهيم الخ ثم نلاحظ ان هذه الخيرات كلها من الله تعالى فنقول شكرا لاحسانه ربنا انك حميد مجيد. وفى الخبر ان ابراهيم عليه السلام رأى فى المنام جنة عريضة مكتوب على اشجارها لا اله الا الله محمد رسول الله فسأل جبريل عنها فاخبره بالقصة فقال يا رب اجر على لسان امة محمد ذكرى فاستجاب الله دعاءه وضمه فى الصلاة مع محمد صلى الله عليه وسلم قال كأنه قيل فماذا قال ابراهيم عليه السلام عنده فقيل {قال ومن ذريتى} عطف على الكاف فى جاعلك ومن تبعيضية متعلقة بجاعل اى وجاعل بعض ذريتى اماما يقتدى به اى اجعل لكنه راعى الادب بالاحتراز عن صورة الامر وتخصيص البعض بذلك لبداهة استحالة امامة الكل وان كانوا على الحق والذرية نسل الرجل وقد تطلق على الآباء والابناء من الذكور والاناث والصغار والكبار ومنه قوله تعالى {أية : وآية لهم أنا حملنا ذريتهم} تفسير : [يس: 41]. اراد آباءهم الذين حملوا فى السفينة وتقع الذرية على الواحد كما فى قوله تعالى {أية : رب هب لى من لدنك ذرية طيبة} تفسير : [آل عمران: 38]. يعنى ولدا صالحا {قال} الله استئناف ايضا {لا ينال} لا يصيب {عهدى الظالمين} يعنى ان اولادك منهم مسلمون وكافرون فلا تصل الامامة والاستخلاف بالنبوة الذى عهدت اليك من كان ظالما من اولادك وغيرهم وانما ينال عهدى من كان بريئا من الظلم لان الامام انما هو لمنع الظلم فكيف يجوز ان يكون ظالما وان جاز فقد جاء المثل السائر "من استرعى الذئب الغنم ظلم". قال المعتزلة وفيه دليل على ان الفاسق لا يصلح للامامة ولا يقدم للصلاة قلنا الظالم اريد به الكافر والصبر على طاعة الامام الجائر اولى من الخروج عليه لان فى منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف واراقة الدماء واطلاق ايدى السفهاء وشن الغارات على المسلمين والفساد فى الارض. وفى الآية دليل على عصمة الانبياء عليهم الصلاة والسلام من الكبائر قبل البعثة وبعدها. قال ابن الشيخ فى حواشيه فيه بحث لان مدلول الآية ان الظالم ما دام ظالما لا تناله الامامة لا ان من كان ظالما فى وقت ما من الاوقات ثم تاب منه لا ينال الامامة والفرق بينهما ان الظلم الحالى يخل بالمقصود من نصب الامام وهو اخلاء وجه الارض من الظلم والفساد وحماية اموال الناس واعراضهم من تعرض الظلمة المفسدين بخلاف الظلم القديم الذى تاب عنه الظالم فانه ليس بمخل للمقصود فان التائب من الذنب كمن لا ذنب له. قال حضرة الشيخ افتاده افندى قدس سره لا تعطى الولاية لولد الزنى قال واشكر الله تعالى على ان جعلنى اول ولد ولدته امى فانه ابعد من ان يصدر الفاظ الكفر من احد ابوى. قال المولى الهدائى قدس سره قلت والفقير ايضا كذلك. وقال السخاوى فى المقاصد الحسنة حديث "حديث : لا يدخل الجنة ولد زنية" تفسير : ان صح فمعناه اذا حمل بمثل عمل ابويه واتفقوا على انه لا يحمل على ظاهره وقيل فى تأويله ايضا ان المراد به من يواظب الزنى كما يقال للشهود بنوا الصحف وللشجعان بنوا الحرب ولاولاد المسلمين بنوا الاسلام انتهى كلامه. ثم فى الآية اشارة الى ان من اراد ان يبلغ درجة الاخيار ليقتدى به فليلازم التعب وجهد النفس فى طاعة الله تعالى: قال السعدى شعر : جويوسف كسى درصلاح وتميز بسى ساله بايد كه كردد عزيز

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ابتلى} اختبر، و {إبراهيم} مفعول، وفيه أربع لغات، إبراهام وإبراهوم وإبراهيم وبالقصر، و {ربه} فاعل، وقدم المفعول للاهتمام، وقدم المفعول للاهتمام، ولئلا يعود الضمير على بعده لفظاً ورتبة، و {عهدي} فاعل، و {الظالمين} مفعول. يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكر يا محمد، أو اذكروا يا بني إسرائيل، حين اختبر {إبراهيمَ رَبُّه بكلمات} أن يعمل بها، وهي: تسليم بدنه للنيران، وولده للقربان، وطعامه للضَّيفان، أو عشر خصال: خمس في الرأس: المضمضة، والاستنشاق، وقصّ الشارب، والسواك، وفرق الرأس: وقيل: وإعفاء اللحية، وخمس في الجسد: تقليم الظفر، وحلق العانة، ونتف الإبط، والاستنجاء بالماء، والاختتان، أو مناسك الحج أو الخصال التي امتحن بها وهي: الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والذبح، والأحسن أنها ثلاث: الهجرة من وطنه، ورمي ولده بمكة، وذبح الآخرة حين بلغ أن يسعى معه {فأتمهن} أي: وَفَّى بهن، فلما وَفَّى بهن {قال} الله تعالى له: {إني جاعلك للناس إماماً}، أي: قدوة بك في بك في التوحيد، أو في الأصول والفروع، إذ لم يبعث بعده نبي إلا كان من ذريته، ومأمور باتباعه. ولمّا جعله الله إماماً طلب ذلك لأولاده فقال: {ومن ذريتي} فاجعل أئمة، {قال} الحق تعالى: {لا ينال عهدي} أي: لا يلحق عهدي بالإمامة {الظالمين} منهم، إذ لا يصلح للإمامة إلا البررة الأتقياء، لأنها أمانة من الله وعهد، والظالم لا يصلح لها، وفيه تنبيه على أنه قد يكون من ذريته ظلمة لا يستحقون الإمامة، وفيه دليل على عصمة الأنبياء قبل البعثة، وأن الفاسق لا يصلح للإمامة. قاله البيضاوي. الإشارة: إذا أراد الله تعالى أن يجعل وليّاً من أوليائه إماماً يُقتدى به، وداعياً يدعو إليه، ابتلاه، فإن صبر ورضي اصطفاه، ولحضرته اجتباه، فيكون إماماً يُقتدى به، وداعياً يُهتدى به، وهذه سنة الله تعالى في أصفيائه يبتليهم الله تعالى بتسليط الخلق عليهم وأنواع من البلايا، فإذا نقوا من البقايا، وتكلمت فيهم المزايا، أظهرهم للخلق داعين إلى الله ومرشدين إلى طريق الله، وقد تبقى الإمامة ذريتهم إن ساروا على هديهم، ومَن لم يسلك به هذا المسلك فلا يصلح للإمامة، وإن توجه إليها كان ناقصّا في الدعوة، ولذلك قال بعضهم: (من ادّعى شهود الجمال قبل تأدبه بالجلال، فارفضه فإنه دجال). هـ. وكل من اتصف بشيء من ظلم العباد لا ينال عهد الإمام في طريق الإرشاد، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

الطوسي

تفسير : القراءة: اسكن الياء من "عهدي" حمزة وحفص إلا ابن ساهي. وكتب في بعض المصاحف "إبراهم" بغير ياء وفي اكثرها بالياء. قال بعض الجرهميين: نحن ورثنا على احد (إبراهم). وقرأ ابن عامر ابراهام في خمسة وثلاثين موضعاً في القرآن كله: في البقرة خمسة عشرة موضعاً. وهو جميع ما فيها. تقدير الآية واذكرو إذ ابتلى ابراهيم رُّبه بكلمات. المعنى: والابتلاء هو الاختبار ـ وهو مجاز ها هنا لان حقيقته الامر من الله تعالى بخصال الايمان فسمي ذلك اختبارا، لان ما يستعمل بالامر منا في مثل ذلك على جهة الاختبار والامتحان، فجرى تشبيهاً بما يستعمله اهل اللغة عليه. وقال بن الاخشاذ: إنما ذلك على انه جل ثناؤه يعامل العبد معاملة المختبر الذي لا يعلم لانه لو جازاهم بعمله فيهم، كان ظالما لهم. والكلمات التي ابتلى الله ابراهيم بها فيها خلاف فيروى في بعض الروايات عن ابن عباس، وبه قال قتادة، وابو الخلد: انه أمره اياه بعشرة سنن خمس في الرأس، وخمس في الجسد. فاما التي في الرأس فالمضمضة والاستنشاق والفرق وقص الشارب، والسواك. واما التي في الجسد: فالختان وحلق العانة، وتقليم الاظفار، ونتف الابطين والاستنجاء. وفي احدى الروايتين عن ابن عباس أنه ابتلاه من شرائع الاسلام بثلاثين شيئاً عشرة منها في براءة {التائبون العابدون الحامدون}. إلى اخرها وعشرة في الاحزاب: {إن المسلمين والمسلمات} إلى اخرها وعشرة في سورة المؤمنين: إلى قوله {والذين هم على صلاتهم يحافظون} وعشرة في سأل سائل إلى قوله: {والذين هم على صلاتهم يحافظون} فجعلها اربعين سهما وفي رواية ثالثة عن ابن عباس انه امره بمناسك الحج: الوقوف بعرفة والطواف والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار والافاضه. قال الحسن: ابتلاه الله بالكوكب وبالقمر وبالشمس، وبالختان وبذبح انبه، وبالنار، وبالهجرة وكلهن وفى لله فيهن. وقال مجاهد: ابتلاه الله بالآيات التي بعدها وهي {إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين} وقال الجبائي: أراد بذلك كلما كلفه من طاعاته العقيلة والشرعية. وقوله: {فأتمهن} معناه وفى بهن على قول الحسن وقال قتادة والربيع: عمل بهن، فاتمهن. وقال البلخي: الضمير في اتمهن راجع إلى الله. وهو اختيار الحسين بن علي المغربي. قال البلخي: الكلمات هي الامامة على ما قال مجاهد. قال: لأن الكلام متصل، ولم يفصل بين قوله: {إني جاعلك للناس إماما} وبين ما تقدمه بواو، فاتمهن الله بان اوجب بها الامامة له بطاعته، واضطلاعه، ومنع ان ينال العهد الظالمين من ذريته، واخبره بان منهم ظالما فرضي به وأطاعه وكل ذلك ابتلاء واختبار. اللغة: والتمام والكمال والوفاء نظائر. وضد التمام النقصان. يقال: تم تماما، وأتم إتماماً. واستتم استتماما. وتمم تتميما وتتمة. وتتمة كل شيء: ما يكون تمامه بغايته كقولك: هذه الدراهم تمام هذه المأة. وتتمة هذه المأة. التم: الشيء التمام. تقول جعلته لك تماما أي بتمامه، والتميمة: قلادة، من سيور. وربما جعلت فيه العوذ، تعلق على الصبيان. والليلة التمام اطول ليلة في السنة. ويقال: بل ليل التمام لثلاث عشرة، لانه يستبان فيها نقصانها من زيادتها. ويقال: بل ليلة اربع عشرة، لانه يتم فيها القمر، فيصير بدراً. ويقال حملته لتمام ـ بفتح التاء وكسرها ـ والتمام في لغة تميم هو التمام. وقال ابن دريد: امرأة حبلى متم وولد الغلام اتم، وتمام. وبدر تمام، وليل تمام بالكسر فيهن ـ وما بعد هذا فهو تمام ـ بالفتح ـ. وأصل الباب التمام، وهو الكمال. المعنى: وقوله: {ومن ذريتي} معناه واجعل من ذريتي من يؤتم به، ويقتدى به على قول الربيع وأكثر المفسرين. وقال بعضهم معناه انه سأل لعقبه ان يكونوا على عهده، وورثته. كما قال: {أية : واجنبني وبني أن نعبد الأصنا}تفسير : فأخبره الله ان في عقبه الظالم المخالف له، وذريته بقوله: {لا ينال عهدي الظالمين} والاول اظهر. وقال الجبائي قوله: {ومن ذريتي} سؤال منه لله أن يعرفه هل في ذريته من يبعثه نبياً، كما بعثه هو، وجعله إماماً. وهذا الذي قاله ليس في الكلام ما يدل عليه، بل الظاهر خلافه. ولو احتمل ذلك لم يمتنع ان يضيف إلى مسألة منه لله ان يفعل ذلك بذريته مع سؤاله تعريفه ذلك. اللغة: والذرية، والنسل والولد نظائر. واراد ابراهيم (ع) هذا. وقال بعضهم: عبر بالذرية عن الآباء. وقال تعالى: {أية : وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون} تفسير : اي آباءهم. وهذا ليس بواضح. وبعض العرب ذرية ـ بكسر الذال ـ وبها قرأ زيد بن ثابت. قال صاحب العين الذر: صغار النمل. واحده ذرة، والذر اخذك الشيء بأطراف اصابعك. تقول: ذررت الدواء اذره ذراً. وكذلك الملح وغيره. واسم الدواء ـ الذي يتخذ للعين ـ ذرور. والذريرة: ذات قصب الطيب، وهو قصب يجاء به من الهند كأنه قصب النشاب. والذرارة ما تناثر من الشيء الذي تذره. والذرية: فعلية من ذررت، لان الله تعالى ذرهم في الارض، فنثرهم فيها. كما ان السريرة من سررت. والجمع الذراري، والسراري وما أشبهه وإن خففت، جاز. والذرور ذروة الشمس، فهو يذر ذروراً وذلك اول طلوعها، وسقوطها إلى الارض، أو الشجر. وتقول ذر قرن الشمس اي طلع. وأصل الباب الذر وهو التفرقة. وقوله: {لا ينال عهدي} والنيل واللحاق والادراك نظائر. والنيل والنوال: ما نلته من معروف انسان. واناله معروفه، ونوّله: اعطاه نوالا. قال طرفة: شعر : إن تنوله فقد تمنعه وتريه النجم يجري بالظهر تفسير : وقولهم: نولك ان تفعل ذلك، ومعناه حقك ان تفعل. والنول خشبة الحائك الذي ينسج الوسائد عليه ونحوها. واذانه المنصوبة ايضاً تسمى النوال. وأصل الباب النيل، وهو اللحوق. المعنى: والمراد بالعهد ها هنا فيه خلاف. قال السدي واختاره الجبائي: إنه اراد النبوة. وقال مجاهد: هو الامامة وهو المروي عن ابي جعفر، وابي عبد الله (ع) قالوا: لا يكون الظالم إماماً. وقال ابو حذيفة: لا اتخذ إماماً ضالا في الدنيا. وقيل: معناه الامر بالوفاء له فيما عقده من ظلمه. وقال ابن عباس: فاذا عقد عليك في ظلم، فانقضه. وقال الحسن: ليس لهم عند الله عهد يعطيهم عليه خيراً في الآخرة، فأما في الدنيا، فقد يعاهدون فيوفى لهم. وكأنه على هذا التأويل طاعة يحتسب بها في الآخرة. وقوله: {لا ينال عهدي الظالمين} يدل على انه يجوز ان يعطي ذلك بعض ولده اذا لم يكن ظالماً، لانه لو لم يرد ان يجعل احداً منهم إماما للناس، كان يجب أن يقول في الجواب لا ولا ينال عهدي ذريتك. وكان يجوز ان يقول في العربية: لا ينال عهدي الظالمون، لان ما نالك فقد نلته. وروي ذلك في قراءة ابن مسعود إلا أنه في المصحف (بالياء). تقول نالني خيرك، ونلت خيرك. واستدل اصحابنا بهذه الآية على ان الامام لا يكون إلا معصوما من القبائح، لأن الله تعالى نفى ان ينال عهده ـ الذي هو الامامة ـ ظالم، ومن ليس بمعصوم فهو ظالم: إما لنفسه، أو لغيره. فان قيل: انما نفى ان يناله ظالم ـ في حال كونه كذلك ـ: فاما اذا تاب وأناب، فلا يسمى ظالماً، فلا يمتنع أن ينال. قلنا: اذا تاب لا يخرج من أن تكون الآية تناولته ـ في حال كونه ظالما ـ فاذا نفي ان يناله، فقد حكم عليه بانه لا ينالها، ولم يفد انه لا ينالها في هذه الحال دون غيرها، فيجب ان تحمل الآية على عموم الاوقات في ذلك، ولا ينالها وإن تاب فيما بعد. واستدلوا بها ايضا على أن منزلة الامامة منفصلة من النبوة، لان الله خاطب ابراهيم (ع) وهو نبي، فقال له: انه سيجعله إماما جزاء له على اتمامه ما ابتلاه الله به من الكلمات، ولو كان إماما في الحال، لما كان للكلام معنى، فدل ذلك على ان منزلة الامامة منفصلة من النبوة. وانما أراد الله أن يجعلها لابراهيم (ع) وقد أملينا رسالة مقررة في الفرق بين النبي، والامام، وان النبي قد لا يكون إماما على بعض الوجوه، فاما الامام فلا شك انه يكون غير نبي. واوضحنا القول في ذلك، من أراده وقف عليه من هناك وابراهيم، وابراهم لغتان، واصله ابراهام فحذفت الالف استخفافا. قال الشاعر: شعر : عذت بما عاذبه إبراهم تفسير : وقال امية: مع ابراهم التقي وموسى

الجنابذي

تفسير : تحقيق ابتلاء ابراهيم بكلمات {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} ابتليته اختبرته وامتحنته او استخبرته فأبلانى اى أخبرنى وكلا المعنيين صحيحٌ هاهنا والمعنى امتحنه بسبب عرض كلماتٍ عليه هل يعلمه او يتحمّله ام لا او استخبره كذلك وقرئ ابرهيم ربّه برفع ابرهيم ونصب ربّه بمعنى سأل {إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ} على ان يكون ابتلى بمعنى استخبر المستلزم للسّؤال، والكلمات جمع الكلمة وهى فى عرف الادباء لفظ موضوع لمعنى مفرد، وفى اللّغة اللّفظة والقصيدة وتستعمل فى كلّ لفظ موضوع مفرداً كان ام مركّباً، ناقصاً ام تامّاً، وفى الكلمات النّفسيّة كذلك، وفى عرف الشرع تستعمل فى الكلمات اللّفظيّة والنّفسيّة كاللّغة، وفى الكلمات الوجوديّة الّتى هى مراتب الوجود طولاً وأنحاء الوجودات عرضاً، فانّ خصوصيّات المصادق غير معتبرة فى مفاهيمها عندهم فانّ القلم مثلاً اسم لما يكتب به وليس كونه قصباً او حديداً او غير ذلك معتبراً فى مفهومه، والكلمة ما دلّ على معنى من دون اعتبار خصوصيّة اللّفظ او النّقش او الوضع من واضع بشرىٍّ فيها، وقد كثر اطلاق الكلمات فى الآيات والاخبار على أنحاء الوجودات والمراد بالكلمات مراتب الوجودات الّتى هى شؤن انسانيّة الانسان المستلزمة للكمالات الانسانيّة النّفسيّة والاضافيّة من الاخلاق والنّبوّات والرّسالات والامامات، والمراد بالابتلاء بهنّ عرضهن عليه بايداع انموذجٍ من كلّ فى وجوده بحيث يستشعر ويلتذّ به ويشتاق الى أصله فيجول بشوقه حتّى يبلغ الى حقيقته وتمكّن وتحقّق بها فانّه اذا اراد الله بعبدٍ ان يظهر منه خيراً او شرّاً ابتلاه بشيءٍ من الغيب بمعنى انّه ينبّهه على انّ ما وراء الشّهادة شيءٌ فيظنّ اوّلاً ذلك الشيء ويشتاقه فقد يجول حول ظنّه وقد يسكن عن الحركة الى مآرب نفسه حتّى يصير ظنّه علماً فيشتدّ شوقاً فقد يجول حول علمه أكثر من جولانه حول ظنّه وقد يسكن عن الحركة الى ما اقتضته نفسه حتّى يصير علمه وجداناً بايداع انموذج ذلك الامر فى نفسه شاعراً كان فى تلك المراتب بظنّه وعلمه ووجدانه او غير شاعرٍ فيجول حول وجدانه اكثر من جولانه السّابق حتّى يصير وجدانه شهوداً فيجول حول مشهوده اكثر من السّابق حتّى يتّصل فيلازم المتّصل به حتّى يتّحد فيلازم حتّى يبقى المتّحد به وحده وكلّ من تلك المراتب له درجات بحسب اشتداده وضعفه وللسّالك فى الدّرجات حالات بحسب تلوينه وتمكينه، وان سكن المتنبّه وحام حول نفسه عن مظنونه ومعلومه كان كمن آتاه الله آياته فانسلخ منها وظهر شرّه، والمراد باتمام الكلمات اتمامها من حيث الاضافة اليه عليه السّلام لا من حيث أنفسها فانّها تامّات من حيث أنفسها بل فوق التّمام وتماميّته اضافتها بالتمكّن فى التحقّق بها وهو آخر المراتب والدّرجات، فالمعنى واذكر حتّى تكون على بصيرة فى أمرك او فى أمر من تعلّمه السّلوك الى الآخرة او ذكّر حتّى يعلم من يريد السّلوك الى الله وقتاً ابتلى ابراهيم (ع) ربّه باذاقة طعم من اللّطائف الوجوديّة الغيبيّة واشمام رائحةٍ منها فوجد والتذّ واشتاق واهتزّوا نماث وطاب ووصل واتّصل واتّحد {فَأَتَمَّهُنَّ} وصار واحداً متحقّقاً متمكّناً ولمّا كان ظهور لطائف الانوار الخمسة محمّدٍ (ص) وعلىٍّ (ع) وفاطمة (ع) والحسن (ع) والحسين (ع) او الاثنى عشر او الاربعة عشر من لوازم اتمام تلك الكلمات، وهكذا الحال فى الامتحان بذبح الولد فسّر الكلمات فى الاخبار بها، ولمّا كان ابرهيم (ع) بالنّسبة الى محمّد (ص) ناقصاً وان كان بالنّسبة الى سائر الانبياء تامّ الكلمات أتى بالجمع السّالم خالياً عن الّلام مفيداً للقلّة بخلاف محمّدٍ (ص) حيث قال {أية : فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ}تفسير : [الأعراف: 158] فأتى بالكلمات مضافة مفيدة للعموم، ولمّا أتمّ الكلمات وأتمّت له العبوديّة والنّبوّة والرّسالة والخلّة فانّها كانت من لوازم تلك الكلمات وبتمامهِّنَّ تكون تمامُها. تحقيق مراتب الخلق من النبوّة والرّسالة والخلّة والامامة {قَالَ} تشريفاً له {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} وهذه الامامة غير امامة امام القوم فى ضلالة كانت ام فى رشد، وغير امامة امام الجماعة والجمعة حقّاً كان ام باطلاً، وغير الامامة الحقّة الجزئيّة الّتى اتّصف بها مشايخ الاجازة فى الرّواية او فى الهداية، وغير الامامة الحقّة الجزئيّة الّتى اتّصف بها كلّ نبىّ ووصّى بل هى فوق كلّ المراتب الانسانيّة وهى مقام التّفويض الكلّىّ الحاصل بعد الولاية والرّسالة الكلّيّتين ولذا ورد عن الصّادق (ع): انّ الله تبارك وتعالى اتّخذ ابراهيم عبداً قبل ان يتّخذه نبيّاً، وانّ الله اتّخذه نبيّاً قبل ان يتّخذه رسولاً، وانّ الله اتّخذه رسولاً قبل ان يتّخذه خليلاً، وانّ الله اتّخذه خليلاً قبل ان يجعله اماماً، فلمّا جمع له الاشياء قال: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} فالامامة آخر جميع مراتب كمالات الانسان فانّ اوّل كمالاته العبوديّة من اولى درجاتها، وهى اولى درجات السّلوك الى الطّريق متدرّجاً فيه الى الوصول الى الطّريق متدرّجاً فى السّلوك على الطّريق الى الله الى ان خرج من انانيّته ورقّية نفسه ودخل فى زمرة عباده واستكمل العبوديّة وصار عبداً خالصاً، فان ادركته العناية وأبقاه الله بعد فنائه وأحياه بحياته لتكميل خلقه فامّا ان يوكّله باصلاح قلبه الّذى هو بيت الله حقيقة وباصلاح اهل مملكة نفسه من غير اذنٍ له فى الرّجوع الى خارج مملكته وهو مقام النبوّة المفردة عن الرّسالة، او يأذن له مع ذلك باصلاح المملكة الخارجة وهو الرّسالة المفردة عن الخلّة، او يختاره مع ذلك لنفسه ممتازاً به عن سائر رسله معيداً له كرّةً أخرى غير العود الاوّل فانّ العود الاوّل كان بطرح كلّ ما أخذ وبهذا العود يعود معه جميع ما أعطاه الله وهو جميع ما سواه وهو الخلّة، فان استكمل مقام الخلّة بان كان مقامه مع الحقّ هو مقامه مع الخلق مع التمكّن فى ذلك اختاره للامامة وتفويض جملة الامور اليه بحيث لا يسقط ورق من شجر الاّ باذن وكتاب واجل منه، وليس وراء هذه مقام ومرتبة. وقد علم من هذا انّ كلّ امام خليل، وكلّ خليل رسول، وكلّ رسول نبىّ، وكلّ نبىّ عبد؛ وليس بالعكس، وانّ الامامة بهذا المعنى هو الجمع بين المقام فى الخلق والمقام عند الحقّ من غير قصورٍ فى شيءٍ منهما مع التّمكّن فى ذلك ولمّا نظر ابراهيم (ع) الى مقام الامامة وشرافتها وكان حافظاً للخلق مع المقام عند الحقّ اقتضى مقامه فى الخلق مراعاة أرحامه الجسمانيّة والرّوحانيّة فتبجّح بما أعطاه الله وسأل ذلك لاعقابه، ولمّا علم أنّ جميع ذراريه لا يمكن ان يكونوا بهذا الشّأن {قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي} بمن التبعيضيّة عطفاً على ضمير الخطاب فى جاعلك، وقد يفعل مثل ذلك المتخاطبان فيعطف أحدهما شيئاً من قوله على شيءٍ من قول الآخر مثل ان يقال: سأكرمك فيقول المخاطب: وزيداً، او عطفاً على جملة انّى {جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} بتقدير واجعل من ذرّيّتى، واعتبار معنى الانشاء: فى انّى جاعلك كأنّه قال: لاجعلك، للنّاس اماماً، قال: واجعل من ذرّيّتى، ولفظ قال فى المراتب الثلاث جواب لسؤالٍ مقدّرٍ ويجوز ان يكون اذ ابتلى ظرفاً متعلّقاً بقال الاوّل لا مفعولاً لمقدّرٍ والذرّيّة مثلّثة الذّال وقرء بالضمّ والكسر نسل الرّجل فُعْيِلّة او فُعْوِلّة من الذّر بمعنى التّفريق واصله ذريرة او ذرروة قلبت الرّاء الاخيرة ياء جوازاً مثل احسيت فى احسست ثمّ تصرّف فيه بحسب اقضاء الصّرف او من الذّرأ بمعنى الخلق او بمعنى التّكثير واصله ذريئة او ذروئة فتصرّف فيه على حسب اقتضاء الصّرف {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} اجابة لمسؤله وتعيينٌ للمعطى والمحروم وتنبيه له على أنّ من ذرّيّته من يكون ظالماً، وعلى انّ المتّصف بالظّلم لا يصلح للامامة، وابطال لامامة كلّ ظالم الى يوم القيامة، وقد اعترف بعض مفسّرى العامّة بأنّ الآية تدلّ على عصمة الانبياء من الكبائر قبل البعث وانّ الفاسق لا يصلح للامامة، والعهد الوصيّة والتّقدّم الى المرء فى شيءٍ والموثق والكتاب الّذى يكتب للولاة مشتملاً على ما ينبغى ان يعملوا بالنّسبة الى الرّعيّة مأخوذ من الوصيّة والحفاظ ورعاية الحرمة والامان، والمراد بالعهد المذكور الامامة السّابقة فانّ الاضافة للعهد ويناسبها كلّ من المعانى المذكورة، ومضى بيان للظلم وقد ورد فى الأخبار أنّ محمّداً (ص) والائمّة (ع) هم المقصودون بدعوة ابراهيم (ع).

فرات الكوفي

تفسير : {لا يَنَالُ عَهْدِي الظالِمين124} [سيأتي في ح2 من ذيل الآية 25 من سورة إبراهيم].

الأعقم

تفسير : {وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات} قيل: خمسٌ في الرأس وخمسٌ في الجسد، فالتي في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس، والتي في الجسد تقليم الأظفار ونتف الابطين وحلق العانة والختان والاستنجاء، وقيل: عشر في براءة {أية : التائبون العابدون} تفسير : [التوبة: 112] الى آخر الآية، وعشر في {أية : قد أفلح المؤمنون} تفسير : [المؤمنون: 1] من أول السورة، وعشر في الأحزاب {أية : إن المسلمين والمسلمات} تفسير : [الأحزاب: 35] الآية، وقيل: ابتلاه الله بذبح ابنه فصبر على ذلك وابتلاه في ماله بان يجعله للضيفان، وقيل: مناسك الحج، وقيل: هي سبعة أشياء ابتلاه بالكوكب والقمر والشمس فأحسن في ذلك وعلم ان ربه دائم لا يزول وابتلاه بالنار فصبر على ذلك، وابتلاه بالهجرة فصبر، وفي ذبح ابنه فصبر على ذلك، وبالختان فصبر على ذلك. {فأتمهن} اي عمل بهن، وقيل: قام بهن، قال: {إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي} عطف على الكاف كأنه قال: وجاء على بعض ذريتي. {قال لا ينال عهدي الظالمين} وقرئ الظالمون أي من كان ظالماً من ذريتك لا يناله استخلاف عهدي اليه بالإمامة، وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه ولا شهادته ولا يجب طاعته ولا يقبل خبره ولا يقدم للصلاة فلا يكون الظالم اماماً قط؟! وكيف يجوز نصبَه للإمامَة والإمام انما هو لكف المظالم. {جعلنا البيت مثابةً} يثوبون اليه أي يأتونه. {وأمناً} موضع أمان لقوله حرماً امناً {واتخذوا} قرئ واتخذوا بكسر الخاء مقام ابراهيم الحجر الذي فيه اثر قدمه وعن عطاء مقام ابراهيم عرفة والمزدلفة والجمار لانه قام في هذه المواضع ودعا فيها، وقيل: الحرم كله مقام ابراهيم. {وعهدنا} أي امرناهما والزمناهما ان {طهرا بيتي} قيل: من الاصنام، وقيل: من الأنجاس، وقيل: من الفرث والدم، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أوحى الله الي يا اخا المرسَلين، يا اخا المنذِرين، أنذر قومك الا يدخلوا بيتاً من بيوتي ولأحدٍ عليهم مظلمة فان اللعنة لا تزال عليهم حتى ترد تلك المظلمة" تفسير : روى هذا الخبر في الثعلبي. {للطائفين} هم اليراع اليه من آفاق الارض {والعاكفين} هم المقيمون {والركع السجود} هم المصلون. {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت} القواعد جمع قاعدة وهي الاساس ومعنى رفع القواعد هو رفعها بالبناء فبنَى {وإسمعيل} يناوله. وروي انه كان مؤسَّساً قبل إبراهيم فبنى على البناء، وروي ان الله تعالى انزل البيت ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمرد شرقي وغربي، وقال: يا آدم اهبَطت لك ما يطاف به كلما يطاف حول عرشي، فتوجه آدم من أرض الهند ماشياً وتلقته الملائكة، فقالوا: برّ حجك يا آدم وحج اربعين سنة من أرض الهند الى مكة على رجليه وكان ذلك الى ان رفعه الله أيام الطوفان الى السماء الرابعة وهو البيت المعمور، ثم ان الله تعالى أمر ابراهيم ببنائه وعرفه جبريل مكانه. {وأرنا مناسكنا} أي وبصَّرنا متعبداتنا في الحج، وقيل: الذبائح. {ربنا وابعث فيهم} في الأمّة المسلمة. {رسولاً} الآية، روي انه قيل له: قد استجيب لك وهو نبي في آخر الزمان فبعث الله فيهم محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم). وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : انا دعوة ابي ابراهيم وبشرى عيسى ابن مريم" تفسير : {يتلو عليهم آياتك} يقرأ عليهم ويبلغهم ما يوحى اليه {ويعلمهم الكتاب} القرآن {والحكمة} الشريعة {ويزكيهم} يطهرهم من الشرك وسائر الارجاس. {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} قيل: ان عبد الله بن سلام دعا ابني اخيه سلمة ومهاجر الى الإسلام وقال: لقد علمتم ان صفَته في التوراة فأسلم سلمة وأبى مهاجر فنزلت الآية {ولقد اصطفيناه في الدنيا} اي اخترناه. {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} الفائزين، وقيل: الانبياء. {وأوصى بها إبراهيم بنيه} قيل: بالملة، وقيل: بالإسلام. {ويعقوب} معطوف: على ابراهيم. {يا بني إن الله اصطفى لكم الدين} اعطاكم الدين الذي هو صفوة الأديان، وهو دين الإسلام {فلا تموتن} يعني فلا يكون موتكم الا على كونكم ثابتين على الإسلام.

اطفيش

تفسير : {وإذ ابتلَى إبْراهِيمَ ربُّهُ بكلِماتٍ}: إذ معمول لمحذوف، أى اذكر إذ ابتلى، أو اذكر الواقع إذ ابتلى، فهى مفعول به للذكر أو ظرف للواقع، وهكذا فى مثل ذلك، ويجوز تعليقه، يقال من قوله: {قال إنى جاعلك للناس إماماً} أو بمحذوف مثل اجتهد، أو كان كذا أى وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات اجتهد، أو كان له الفوز، ونحو ذلك. أو يقدر كان له الفوز ونحوه بعد فأتمهن، ويقدر اجتهد ونحوه قبله، والابتلاء افتعال من البلاء فهو التكليف بالأمر الشاق، ولما كان يلزم من التكليف به، فى الجملة ظهور ما يقبل، أو يرد ممن يكلف به يسمى اختباراً، وفسر به تسمية مجازية بالنسبة إلى من علم حاله بدون ذلك التكليف، كما أن الله عالم حال إبراهيم وغيره قبل وقوعها، وكما يعلم الإنسان حالة الشئ فيعامله معاملة المختبر ليظهر لغيره ما ظهر له، وتسمية حقيقة بالنسبة إلى من لم يعلم حاله، فليس الابتلاء والاختبار مترادفين، كما ظن بعضهم، بل التكليف أعم منه، لأنه يكون اختباراً وغيره، كما إذا كلفت عبدك بخدمة شئ بدون أن تقصد بتكليفه معرفة حاله، والتكليف يعم الأمر والنهى وفى كل من الاختبار (بالموحدة) والتكليف التمكين من اختبار الأمة الذى أراد المكلِّف (بكسر اللام) والذى أراد المكلَّف (بفتحها) وعلى حسب ذلك يجازى باختيار الله عبده تمكينه من اختبار أحد الأمرين، ما يريد ا لله وما يشتهيه العبد، كأنه يمتحنه ما يكون منه فيجازيه عليه، وما ذلك إلا ليظهر سابق علمه تعالى فيه، وقد روى عن على فى قوله تعالى: {أية : ولَنبلُونكُم حتَّى نَعْلم المجاهدين منْكم والصَّابِرين ونَبلو أخْبارَكم}تفسير : أن الله، عز وعلا، لم يزل عالماً بأخباركم وخبرهم، وما هم عليه، وأن المعنى حتى نسوقكم إلى سابق علمى فيكم، وقيل أصل الابتلاء الاختبار، سمى به التكليف لأنه شاق على البدن، والظاهر ما ذكرته أولا لكونه من مادة البلا، وإبراهيم اسم عجمى قبل معناه أب رحيم، فإما أن يتأصل هذا المعنى فى تلك اللغة، وإما أن يريد أصحابها أن ينطقوا باللغة العربية فى ذلك المعنى، ويقول أب رحيم فلم تطاوعهم ألسنتهم، فقالوا إبراهيم وهو اسم سماه به أبواه تفاؤلا أن يكبر ويلد ويرحم أولاده، وهو إبراهيم بن تاريخ بن تاجور ابن شاغور بن أرغوين فالغ بن غانر بن شالح بن قنيان بن أرفخشد بن سام ابن نوح، وكان اسم أبى إبراهيم الذى سماه به أبوه نارخ، فلما صار مع النمرود جعله على خزانة آلهته، وسماه آزر، وقال مجاهد: إن آزر ليس باسم أبيه، وإنما هو لقب. قال ابن اسحاق: لقب عيب ومعناه معوج، وقيل هو بالقبطية الشيخ الهرم، وذكر بعض أنه ولد إبراهيم، وقد مضى من عمر أبيه سبع وعشرون سنة، وقيل ولد بالسوس من أرض الأهواز، وقيل ببابل بأرض سواد الكوفة يقال لها كوتا، وقيل بالوازى بناحية الدوا حدود عشكر، ونقله أبوه للموضع الذى فيه النمرود من ناحية كوتا، وقيل كان مولده بحران نقله أبوه إلى أرض بابل، وقال الأكثرون. ولد فى بلدة النمرود، وكان بين الطوفان وولادته ألف سنة ومائتا سنة وثلاث وثلاثون سنة. والنمرود هو ابن كنعان بن سنحاريف بن سام بن نوح عليه السلام، وفى الحديث: ملك الله الأرض أربعة: مؤمنين وكافرين فالمؤمنان سليمان بن داود وذو القرنين، والكافران النمرود وبختنصر. وكان النمرود أول من وضع التاج على رأسه وتجبر فى الأرض، ودعا الناس إلى عبادته، وكان له كهان ومنجمون، فقالوا له: يولد فى بلدك هذه السنة غلام بغير دين أهل الأرض، ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه، وقالوا: إنهم وجدوا ذلك فى كتب الأنبياء. قال السدى: رأى النمرود فى منامه كأن كوكباً طلع فذهب منه ضوء الشمس والقمر، حتى لا يبقى لهما ضوء ففزع من ذلك فزعاً شديداً، فدعا بالسحرة والكهنة والمنجمين والقافة وسألهم عن ذلك، وقالوا: هو مولود يولد بناحيتك فى هذه السنة، يكون هلاكك وهلاك أهل بيتك على يديه. فأمر النمرود بذبح كل غلام يولد فى تلك الناحية تلك السنة، وأمر بعزل النساء عن الرجال، وجعل على كل عشرة رجال رقيباً أمينا، فإذا حاضت المرأة خلى بينها وبين زوجها مخافة من المواقعة، وإذا طهرت عزل عنها، فرجع آزر أبو إبراهيم فوجد امرأته قد طهرت من الحيض، فوقع عليها فى طهرها، فعلقت بإبراهيم عليه السلام. قال محمد بن إسحاق: بعث النمرود إلى كل امرأة حبلى قريبة الولادة فحبسها عنده إلا أم إبراهيم فإنه لم يعلم بحبلها، وكانت حديثة السن. قال السدى: خرج النمرود بالرجال إلى العسكر، وعزلهم عن النساء خوفاً من ذلك المولود أن يكون، فمكث ذلك ما شاء الله، ثم عرضت له حاجة فلم يأمن عليها أحداً من قومه إلا آزر، ودعاه فقال له: إن لى إليك حاجة أحب أن أوصيك بقضائها، ولا أبعثك إلا لثقتى بك ألا تدنو من أهلك ولا تواقعها. فقال أنا أشح على دينى منك، وأوصاه بحاجته، ثم بعثه فدخل المدينة فقضى حاجته، ثم قال: لو دخلت إلى أهل فنظرت إليها، فلما نظر إلى أم إبراهيم لم يملك نفسه حتى واقعها، فحملت بإبراهيم عليه السلام قال ابن عباس رضى الله عنهما: لما حملت أم إبراهيم قال الكهان للنمرود: إن الذى أخبرناك به قد حملت به أمه الليلة، فأمر النمرود بذبح الغلمان، فلما دنت ولادة أم إبراهيم وأخذها الطلق خرجت هاربة، وخافت أن يطلع عليها فيقتل ولدها، فوضعته فى نهر يابس ثم لفته فى خرقة، ورجعت فأخبرت زوجها بأنها ولدت، وأن المولود فى موضع كذا وكذا، فانطلق أبوه إلى ذلك الموضع، فرآه فحفر له سرباً عند النهر وواراه فيه، وسد بابه بصخرة مخافة السباع، وكانت أمه تختلف إليه فترضعه. قال السدى: لما عظم بطن أم إبراهيم خشى آزر أن تذبح هى وما فى بطنها، فانطلق بها إلى أرض بين الكوفة والبصرة يقال لها ورقا، فأنزلها هناك فى سرب من الأرض، وجعل عندها ما يصلح لها، وجعل يتعهدها حتى ولدت إبراهيم عليه السلام فى ذلك السرب، وشب وكأنهُ ابن سنة، فكان يشب فى الشهر شباب غيره فى السنة، وكان من الشباب بحالة مسقطة عنه طمعة الذباحين، ثم ذكر آزر لأصحابه أن لهُ ابناً كبيراً، فانطلق به إليهم. وقال ابن إسحاق: لما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلا إلى مغارة وكانت قريبة منها، فولدت فيها إبراهيم وأصلحت من شأنه ما يصلح من شأن المولود، ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها، ثم كانت تطالعه فى المغارة لتنظر ما فعل فتجده حيا يمص إبهامه. قال أبو ورق: كانت أم إبراهيم كلما دخلت عليه وجدته يمص إبهامه، فقالت ذات يوم: لأنظرن إلى أصابعه فوجدته يمص من أصبع ماء، ومن أصبع لبنا، ومن أصبع سمنا، ومن أصبع عسلا، ومن أصبع خمراً. قال ابن اسحاق: كان آزر قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل، قالت: ولدت غلاماً فمات وصدقها وسكت عنها، وكان اليوم على إبراهيم فى الشباب كالشهر، والشهر كالسنة، فلم يمكث إبراهيم فى المغارة إلا خمسة عشر يوماً حتى جاء إلى أبيه آزر، فأخبرته أمه أنهُ ابنه، وأخبرته بما كانت صنعته، فسره ذلك وفرحت فرحاً شديداً. والهاء فى قوله: (ربه) عائدة إلى إبراهيم، لأن إبراهيم ولو كانت فى نية التأخير لأن رتبة المفعول التأخير عن الفاعل، لكن اكتفى بتقدمه فى اللفظ، فساغ عود ضمير الغيبة إليه، لأن شرط ضمير الغيبة أن يتقدم مرجعه لفظا ورتبة، أو لفظا فقط، أو يتقدم ما يدل له، أو يتأخر ما يدل له كقولنا قال تعالى، وقولنا قال صلى الله عليه وسلم، أو يدل عليه حال ما إذا رأيت الناس تشوفوا إلى إنسان قائم، ثم رأيته قعد فتقول لهم قعد. وقرأ ابن عباس، وأبو حنيفة (وإذا ابتلى إبراهيم ربه) برفع إبراهيم وفتح الباء من قوله (ربه) ويضعف أن يكون هذا على القلب مطلقاً، ولا سيما أنهُ فى شأن الله، بل على معنى دعى إبراهيم ربه بكلمات. وقرأ ابن عامر: أبراهام فذلك لغتان، وفيه لغة ثالثة وهى أبراهم، بإسقاط الياء، ورابعة وهى كذلك بضم الهاء، وخامسة وهى كذلك لكن بفتحها، وسادسة بإسقاط الألف قبل الهاء وإسقاط الياء بعدها وبفتح الهاء، وسابعة أبرهوم بإسقاط الألف وبضم الهاء وواو ساكنة بعدها، والكلمات على قراءة ابن عباس وأبى حنيفة هن مثل قوله: {أية : أرنى كيف تحيى الموتى}، تفسير : وقوله: {أية : اجعل هذا البلد آمناً}،تفسير : وقوله: {أية : واجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام}،تفسير : أى أبناء صلبه، وعليها فالضمير المستتر فى قوله جلا وعلا: {فأتمهُنَّ}: مستتر عائد إلى الله سبحانهُ، أى أتمهن هو أى ربه أى أعطاه إياهن، أى أعطاه مضمونهن، وأما على قراءة نصب إبراهيم، وضم الباء من قوله: (ربه) فالضمير المستتر فى أتمهن عائد إلى إبراهيم، أى فقام إبراهيم بمضمونهن على الكمال حق المقام، والكلمات هن الخصال الثلاثون المحمودة التى الزمه الإتيان بهن، وهن التوبة والعبادة، والحمد والسباحة، والركوع والسجود، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والحفظ لحدود الله، وتبشير المؤمنين، والإسلام والإيمان، والقنوت والصدق والصبر والخشوع، والتصدق والصوم، وحفظ الفرج وذكر الله كثيراً، والخشوع فى الصلاة، والإعراض عن اللغو، وأداء الزكاة، ورعى الأمانة ورعى العهد، والمحافظة على الصلاة والتصديق بيوم الدين، والإشفاق من عذاب الله، والقيام بالشهادة والاعتناء بالصدقة على السائل والمحروم عشرة فى قوله: {أية : التَّائبونَ العابِدون..}تفسير : الخ فى سورة التوبة، وعشرة فى قوله تعالى: {أية : إن المسلمِين والمسْلِمات..} تفسير : إلخ فى سورة الإحزاب، وعشرة من قوله تعالى: {أية : الذين هم فى صلاتهم خاشعون..}تفسير : إلخ فى قد أفلح، ومن قوله: {أية : والذين هم على صلواتهم يحافظون..} تفسير : إلخ فى سورة المعارج، وقد كرر فيها بعض وأطلق الكلمات على المعانى، لأن المعانى مدلولة للكلمات، والكلمات دالة أو يقدر مضاف، أى بمدلول كلمات ولم يجتمع الابتلاء بهن جميعا لأحد قبله، وسماه الله موفياً لأنه وفى بهن، كما قال: {أية : وإبراهيم الذى وفى}،تفسير : وكن للأنبياء وأممهم بعده ولا سيما رسول الله محمد صلى الله عليهِ وسلم، وكانت الأمم بعده كلهم معترفين بفضله، مؤمنهم وكافرهم، فكانت العرب فى الجاهلية وفى الإسلام يعترفون بفضله، وينتسبون إليه ويتشرفون على غيرهم به، لأنهم من أولاده وهم ساكنوا حرمه وخدام بيته، وزاده الإسلام شرفاً على الشرف الذى يذكر له فى الجاهلية، وكذا اليهود والنصارى إلى الأن مقرون بفضله، ويتشرفون بالنسبة إليه، وأنهم من أولاده ويزعمون أنهم على ملته، فكذبهم الله تعالى فى زعمهم أنهم على ملته. وحكى عن إبراهيم أمور توجب على اليهود والنصارى والمشركين قبول دين سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم وقوله لأن ما أوجبه الله عليه وما أوحى إليه هو ما أوجب على إبراهيم، وما أوحى إليه فهو الذى على دين إبراهيم دون غيره من اليهود والنصارى الزائغين والمشركين وروى عن ابن عباس والكلبى فى تفسير الكلمات فى قراءة من قرأ من الصحابة بنصب إبراهيم وضم باء قوله: (ربُّه) أنهن عشرة أشياء من الفطرة، خمس فى الرأس، قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس. وخمس فى الجسد: تقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء بالماء، ولا ينافى هذا ما رواه الربيع ابن حبيب، عن أبى عبيدة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس رضى الله عنه: حديث : سن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عشر سنن فى الإنسان خمس فى الرأس، وخمس فى الجسد، فاللواتى فى الرأس: فرق الشعر، وقص الشارب، والسواك، والمضمضة، والاستنشاق. واللواتى فى الجسد: نتف الإبطين، وتقليم الأظفار، والاستحداد، والختان والاستنجاء،تفسير : لأن المراد بقوله سنهن أنه اتخذهن سنة تبعاً لإبراهيم بالوحى، أو أظهر للناس أنهن سنة إبراهيم، أو لما اندرسن وظهرن على يده كان كالمستفيد بهن. وعن أبى هريرة: سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الفطرة خمس، وفى رواية خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط" تفسير : رواه البخارى ومسلم. وعن عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : عشرة من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق بالماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتفاض الماء. قال مصعب: ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضمة" تفسير : . رواه مسلم، وانتفاض الماء: الاستنجاء، قاله وكيع، والفطرة السنة، وقيل الملة وقيل الطريقة. ومذهبنا وجوب ذلك إلا السواك، وغسل البراجم وهى العقدة التى فى رءوس الأصابع، فإنه يجتمع فيها الوسخ ويشين المنظر، فإن منع من وصول الماء فى الوضوء وجب غسلها أو إزالة وسخها بشئ، وهن واجبات على إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم، وعلة المضمضة والاستنشاق تكفير ذنوب الفم والأنف وتنظيفهما من طعام ووسخ، والسواك للتنظيف ولما شاء الله، وقص الأظفار للتنظيف والجمال، ولما شاء الله وكذا حلق العانة ونتف الإبط والاستنجاء، وفيه إزالة النجس، وأما الختان فلتنظيف القلفة عما يجتمع فيها من البول وهو واجب عندنا، وعند الشافعى، بدليل أن فى الختان انكشاف العورة ولا يباح ذلك إلا لوجوب الختان، فإن المراهق والبالغ يختن لهُ أيضاً، فدل على وجوبه لما أبيح فيه الانكشاف، وقال مالك: سنة غير واجبة، وكذا حكى عن غيره وأول من اختتن سيدنا إبراهيم عليه السلام، أمره الله تعالى بالاختتان فاختتن بالقادوم، بالألف قبل الدال وبإسقاطها، وهى آلة غليظة معروفة، فتألم فأوحى الله إليه أنك تعجلت قبل أن نخبرك بآلة الختن، وقيل هى لموسى بالقدوم بتشديد الدال وإسقاط الألف قبلها، وهو على هذه الرواية اسم موضع والباء عليها ظرفية. وفى صحيح البخارى: اختتن وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم، رواه الشيخ هود رحمه الله مرفوعاً، وأخرج مالك فى الموطأ، عن يحيى ابن سعيد بن المسيب، يقول: كان إبراهيم أول من أضاف الضيف، وأول من قص شاربه، وأول من رأى الشيب فى شعره، قال: يا رب ما هذا قال: وقار. قال: يا رب زدنى وقاراً، فأصبحت لحيته كلها بيضاء، وإعفاء اللحية إكثارها بترك القص والحلق منها، وكانت الأعاجم إلى الآن توفر الشارب وتقص اللحية أو تحلقها، وهو عكس الجمال والنظافة، وعن ابن عباس: الكلمات هن مناسك الحج كالطواف والسعى والرمى، والإحرام والوقوف بعرفة، وقال مجاهد: هن ذلك، وشأن المقام. وقال الحسن البصرى فى تفسير الكلمات المذكورة فى الآية: ابتلاه الله بالكوكب والقمر والشمس، فحبس نفسه فى ذلك وعلم أن الله دائم لا يزول، فوجه وجهه للذى فطر السموات والأرض حنيفا، ثم ابتلاه بالنار فصبر، ثم بالهجرة فخرج عن بلاده، وهى العراق، وقومه حتى لحق بالشام مهاجراً إلى الله، وبذبح ابنه فصبر، وبالختان على كبر سنه فصبر على ذلك كله، قبل: كان الابتلاء بالكلمات قبل النبوة، وقيل بعدها وهو الصحيح لأن التكليف بهن إنما يعلم بالوحى، وبه تجب شرائع الدين، واستدل للأول بقوله تعالى: {قالَ إنِّى جَاعِلُكَ للنَّاسِ إماماً}: لأن جعله إماما مسبب عن إتمامهن، والسبب يتقدم على المسبب، ويبحث بأنه ليس فى اللفظ ما يدل على السببية، وبأنه لا مانع من جعله إماماً للناس كلهم بعده بعد النبوة بكثير، ولاشك أن الابتلاء بالكوكب والقمر والشمس قبل النبوة، ولئن سلمنا فلا مانع من أن يبتلى قبل النبوة وقبل البلوغ وبعدهما، فيتم له الوفاء بهن جميعاً بعد النبوة، فيكون الوفاء ببعض قبلها وببعض بعدها، فكان جعله للناس إماماً بسبب إتمامهن، ولا مانع من جعل الجملة سببية بلا أداة سبب. ونص البخارى على أنه قال الراوى بعد ذكر الاختتان: فأوحى الله إليه إنى جاعلك للناس إماماً (والفاء يتبادر منها السببية) ويناسب السببية وجه تعليق، إذ يقال لأنه يتبادر السببية كثيراً فى مثل قولك: أكرمته إذ جاءنى: أن المجئ سبب للإكرام، ولا يتعين ذلك كما مر، لأنه يجوز جعل قوله: قال مستأنفاً عن إذ، وعليه فتكون الجملة جواب سؤال مقدر كأنهُ لما قال فأتمهن، قيل فماذا قال له ربه، أو بم جازاه؟ فأجاب بقوله: {قال إنى جاعلك لناس إماماً} وضمير (قال) عائد إلى الله تعالى، وروى أن إبراهيم لما أتم هذه الكلمات أو أتمها الله عليه كتب الله له البراءة من النار، وإذا علقنا إذ يقال فالمجموع معطوف على ما قبله أو مستأنف، ويجوز أن يكون قوله: {قال إنى جاعلك للناس إماما} بمعنى تفسيرا: وتبييناً لقوله: (ابتلى) فتكون الكلمات الإمامة، وتطهير البيت، ورفع القواعد، والإسلام والإمام فعال بمعنى مفعول، لأنه بمعنى من يؤتم به، أو يقتدى به، فأصله أن يقال فيه مأموم، أى متبوع، وأما إطلاق المأموم على من يصلى مثلا صلاة الإمام فمن حيث أنهُ صار ملزوماً باتباع الإمام، ولفظ الإمام كلفظ الإله، فإنهُ بمعنى مألوه، والإزار فإنه بمعنى ما يؤتزر به، وإمامة إبراهيم عامة موبدة، لأنهُ لم يبعث بعده نبى إلا كان من ذريته مأموراً باتباعه فى الخير وسننه. {قالَ}: إبراهيم. {ومن ذُرِّيتِى}: متعلق بمحذوف وجوباً مفعول ثان لمحذوف، والأول محذوف أيضاً، أى قال واجعل من ذريتى أئمة، ولا مانع من أن يكون المعطوف من كلام غير المتكلم بالمعطوف عليه، ويجوز تعليقه بمحذوف نعت لمعطوف على كاف جاعلك، ويقدر مفعول ثان، والأول هو المعطوف، وذلك من العطف على معمولى عامل واحد، أى وقوما ثابتا من ذريتى أئمة، بنصب قوما عطف على محل النصب من الكاف، أو بجره عطفا على محل الجر ومنه ولو لم يعد الجار لأنه قد يرد العطف بلا إعادة، ولا سيما مع وجود الفصل، وكون الإضافة فى نية الانفصال، كما هنا. ولك تقدير الجار أيضاً أى وجاعل قوم من ذريتى أئمة، ومن قال (من) التبعيضية اسم عطفها على الكاف، وقدر مفعولا آخر أيضاً، أى وبعض ذريتى أئمة بنصب بعض، وجره كذلك، وأما أئمة فبالنصب لا غيره، كما يقال لك: أطعمك، فتقول وأهل بيتى، تريد أن يقال لك أطعمك وأهل بيتك، وتشير للقائل أن يفعل ذلك، ولذا يسمى مثل هذا عطف التلقين، ولك وجه آخر هو أن يكون العطف على محذوف، هكذا قال: يا ربى اجعلنى إماما واجعل من ذريتى أئمة والذرية النسل تضاف للأب وتضاف للأم بوزن فعلية (بضم الفاء وكسر العين مشددة وإسكان الياء وتخفيف اللام بعدها) فالأصول الذال وإحدى الرائين وهى الأولى على الصحيح، وإحدى اليائين وهى الثانية على الصحيح، وقيل الأصل الياء الأولى وعلى هذا، فوزنه فعلية (بضم الفاء وكسر العين المشددة وإسكان اللام وتخفيف الياء، وقيل وزنه فعوله بضم الفاء والعين المشددة وإسكان الواو وتخفيف اللام) والأصل ذرورة (بضم الذال والراء المشددة، وإسكان الواو وتخفيف الراء بعدها) ففيه ثلاث راءات، راءان قبل الواو بتشديد، وأخرى بعدها، قلبت التى بعد الواو ياءً، فاجتمعت الواو والياء وسكنت السابقة منهما، فقلبت الواو ياءً وأدغمت فى الياء بعدها، وكسرت الراء المشددة قبلها لتناسب الياء، وهو من الذر بمعنى التفريق، ومن ذلك قول العرب تقضى البازى (بفتح التاء والقاف والضاد المشددة) والأصل تقضى بثلاث ضادات قلبت الثالثة ألفاً، وقيل وزنه كهذا القول لكن لامه واو أصله ذرووة قلبت الواو الثانية تخفيفاً فاجتمعت الواو والياء، وسكنت السابقة، فقلبت ياء، وأدغمت فى الياء، وكسرت الراء لتجانس الياء، وقيل وزنه كذلك لكن لامه ياء أصله ذروية، اجتمعت الواو والياء وسكنت السابقة، فقلبت ياءً وأدغمت في الياء، وكسرت الراء للتجانس، وقيل وزنه كذلك لكن لامه همزة، أصله ذروة قلبت الهمزة ياء واجتمعت الواو والياء، فعمل ما ذكرته، وقيل وزنه فُعلية بضم الفاء وكسر العين وإسكان الياء وتخفيف اللام، لكن لامه همزة، وأصله ذرية قلبت همزته ياء وأدغمت فيها الياء من الذرءِ بمعنى الخلق، قيل وزنه فُعلية كالقول الأول، لكن لامه راء وأصله ذريرة بتشديد الراء الأولى، قلبت الثالثة ياء وأدغمت فيها الياء قبلها كما مر أنه يقال فى تفضض تقضى، فهذه ثمانية أقوال، وقيل إنها أوجه محتملة، وقيل لغات، وإذا اعتبرت الثمانية فى اللام والتصريف كما ذكرت واعتبرت ثلاثة أوجه فى الذال الضم والكسر وقد قرئ بهما والفتح، وضربت الثلاثة فى الثمانية تحصل أربعة وعشرون. {قال}: الله له. {لا يَنَالُ عَهْدى}: أى الإمامة، قاله مجاهد، وقيل النبوة، وسميتا عهداً لأنه تعالى قد قضاهما وعلم بهما، ووجبتا فى الحكمة وألزم الإقامة بهما، وسكن حفص وحمزة ياء عهدى. {الظَّالِمِينَ}: أى نعم أجعل من ذريتك أئمة، لكن لا ينال الإمامة من كان ظالما منهم، لأن الظالم لا يصلح لها لأن الإمامة إنما هى للعدل بين الناس وإرشادهم، والظالم غير عادل فكيف يقطع به الجور، فكل من نصب إماما جائراً أو قاضياً جائراً أو والياً جائراً على بلد، وولى إنساناً جائرا على قليل من الناس أو كثير، ولو لغسل الأموات أو تعليم الصبيان، فقد خالف ما تدل عليه الآية من أنه لا يجوز أن يجعل الظالم قدوة فى أمر الشرع، أو فى شئ من الحقوق، فكيف يكون قدوة من لا تجوز شهادته، ولا يقدم للصلاة، ومن نصبه فعليه من الوزر مثل ما على ذلك الظالم مما فعل من الجور فيما نصبه له، وجاء فى المثل السائر من استرعى الذئب ظلم. قال ابن عيينة: لا يكون للظالم إماماً قط، وكيف يجوز نصبه للإمامة والإمام إنما هو لكف الظلمة. وكان أبو حنيفة يفتى سرا بوجوب نصرة زيد بن على، وحمل المال إليه والخروج معه على من تسمى بإمام، وليس للإمامة أهلا مثل الدوانيقى. وقالت له امرأة: أشرت على ابنى بالخروج مع إبراهيم بن عبدالله بن الحسن وأخيه محمد بن عبدالله بن الحسن حتى قتل. فقال ليتنى مكان ابنك، وكان يقول فى المنصور وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد وأرادونى على عد أجره لما فعلت. وفى الآية دليل على أنهُ قد يكون من ذرية إبراهيم عليه السلام ظلمة ودلالة على أن الإمامة إنما يتأهل لها البررة الأتقياء، ودلالة على عصمة الأنبياء من الظلم ونحوه من الكبائر قبل البعثة كما بعدها، لأنهُ قد نالهم عهد الله وهو الإمامة، فعلمنا أنهم غير ظالمين، والمانع يقول إنهُ لا مانع من أن يكون الإنسان ظالما، ثم يكون برا تقيا إماماً، وهذا كثير لكن لا أقول به فى الأنبياء، وإذا أمر ذو الإمامة الكبرى على معصية لا احتمال فيها فليس بإمام ولا طاعة له على الناس، لا كما زعم قومنا، ويجوز أن يراد بالظالمين كل ظالم بحيث يشمل الظالم من ذرية إبراهيم وغيره، ويجوز أن يكون المعنى: لا أجعل الظلمة أئمة يقتدى بهم فى الظلم، والمراد بالظلم مطلق الظلم، ظلم النفس، وظلم الغير. وعن مجاهد: لا عهد لظالم فى ظلم يأمرك به أن تطيعه فيه. قال الشيخ هود رحمه الله: وقول مجاهد عدل صحيح، وقال بعض: ينقطع عهد الظالمين يوم القيامة، وأما فى الدنيا فقد نالوا عهد الله، يعنى بذلك المنافقين. قال وارثونا بالعهد الذى أقروا به للمسلمين، ناكحوهم فإذا كان يوم القيامة صير الله عهده وكرامته على أوليائه وأهل طاعته الذين أوفوا بعهده وأكملوا فرائضه، وقرئ (الظالمون) على الفاعلية، لأن من ناله العهد فقد نال العهد.

اطفيش

تفسير : {وَإِذِ ابْتَلَى} اذكروا يا بنى إسرائيل، أو اذكر يا محمد إذ ابتلى، أو متعلق يقال بعد، إو بكان كذا وكذا، فحذف أى، كلف حقيقة، أو اختبر مجازا لعلاقة اللزوم، فإن التكليف وهو الأمر والنهى، أو إلزام ما فيه المشقة يستلزم الاختبار بالنسبة لمن يجهل العواقب، تعالى الله. ومعنى تكليفه أنه قدر له ذلك، وقضى أن يجرى له، فلا يشكل بما كان من الكلمات قبل بلوغه {إِبْرَاهِيمَ} إب راهيم، أى رحيم وذلك، لغتهم السريانية، تشبه العربية، قال السهيلى: كثيراً ما يقع الاتفاق أو التقارب بين السريانى والعربى، ألا يرى أن إبراهيم تفسيره أب رحيم لرحمة بالأطفال، ولذلك جعل هو وزوجه كافلين لأطفال المؤمنين الذين يموتون صغاراً إلى يوم القيامة، إبراهيم بن تارخ بن آزر، أو إبراهيم بن آزر، وهو الصحيح، بل تارخ هو آزر بن ناخور بن شارخ بن أرغو بن قالغ بن عابر ابن شالح بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح، ويقال: قينان ساحر، فأسقطوه {رَبُّهُ بِكَلِمَٰتٍ} أى معان، تسمية للمدلول باسم الدال، المضمضة والاستنشاق والسواك، وقص الشارب، وفرق شعر الرأس إلى الجانبين، إذا طال أربعة أصابع عرضا، وقلم الأظفار، ونتف الإبطين، وحلق العانة، والختان، قيل: ختن نفسه وهو ابن مائة وعشرين سنة، والاستنجاء بالماء، وأما بالحجارة قبله فلهذه الأمة خاصة والتوبة والعبادة والحمد والسياحة، والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وحفظ حدود الله، والصلاة والخشوع وترك اللغو والزكاة وحفظ الفروج، وحفظ الأمانة، وحفظ العهد والمحافظة على الصلاة والإيمان والقنوت والصدقة. والصوم، وكثرة ذكر الله، ومداومة الصلاة وإعطاء السائل والمحروم والتصديق بيوم الدين، والاشفاق من العذاب، والقيام بالشهادة وقربان الأزواج وقربان المملوكات، وإعفاء اللحية، والإحرام والوقوف بعرفة، والمبيت بالمزدلفة والرمى، والذبح، والحلق، والطواف، والسعى، والنظر فى الكواكب والقمر والشمس فيحصل الحجة، وذبح الولد، والتسليم للوقع فى نار نمروذ، وسائر الأوامر والنواهى، والهجرة بدينه من العراق للكفر فيه إلى حران، ثم إلى الشام ليجد الوصول إلى دينه، صبر على ذلك كله، كما قال الله جل وعلا {فَأَتَمَّهُنَّ} أتى بهن تامات، كما قال، وإبراهيم الذى وفى {قَالَ إِنَّي جَاعِلُكَ لِلناسِ إِمَاماً} قدوة فى الدين إلى يوم القيامة، ولا نبى بعده إلا من ذريته، مأموراً باتباعه فى الجملة، وهو إمام لكل نبى بعده، وكل نبى إمام لمن بعده من العامة والأنبياء، وذلك فى الأصول ومكارم الأخلاق، وهو محبوب فى جميع الملل. وعن مجاهد، الكلمات هى، إنى جاعلك... إلى آخر القصة، والإمام كل ما يؤثم به، كما قيل لخيط البناء إمام، لأنه يقتدى به فى البناء {وَمِن ذُرِّيَّتَي} أى واجعل أئمة أنبياء، وقيل، أو غير أنبياء، من ذريتى، أو أئمة من ذريتى عطفا على محل النصب للكاف، وكأنه قيل، وجاعل من ذريتى أئمة، وللكاف محل جر بالإضافة، ومحل نصب على المفعولية، لأن جاعل اسم فاعل للاستقبال، وهو من زيادة السامع إلى كلام المخاطب، كقول الصحابة والمقصرين بعد قوله صلى الله عليه وسلم، "حديث : اللهم ارحم المحلقين"تفسير : ، ويقول القائل، جاء زيد، فتقول، راكباً وكما قال العباس، إلا الإذخر، بعد تحريم النبى صلى الله عليه وسلم شجر مكة وكلأها، والذرية تشمل الأنثى، كما أن عيسى هو ابن مريم، ومريم، من ذريته، والياء مشددة زائدة فوزته فُعْلية، بضم فإسكان، وباؤه فى الأصل للنسب، والأصح فتح أوله وضمه، كما قيل، دهرى بضم الدال فى النسب إلى دهر بفتحها، أو الياء الثانية عن راء، قلبت ياء، لئلا تجتمع ثلاث راءات، وأدغمت فيها الياء، والأصل ذريرة، بضم الذال وشد الراء الأولى مكسورة، أو ذرُّورة بالواو، وكل ذلك من الذر بمعنى الخلق فالرء الثانية زائدة، والأصل ذريته، أو ذروية، قلبت الهمزة ياء وأدغمت الياء فى الياء الأولى. وقلبت الواو ياء فى الثانى، وأدغمت الياء فى الياء {قَالَ لاَ يَنَالُ} لا يصيب {عَهْدِي} معهودى إليك وأمانتى، وهو الإمامة، تسمى الأمانة عهداً، لأنها تعاهد بالحفظ {الظَّٰلِمِينَ} من ذريتك، وهذا إجابة إدعائه، أن يجعل من ذريته أئمة، ولكنه استثنى الظالمين بفسق أو بشرك، فأيما فاسق أو مشرك تصدر فليس بإمام أو خليفة أو حاكم، بل غاصب، ولا يصلح للإمامة، وهى أمانة الله، من يخون، ولا ينفذ حكم الفاسق، وناصبه ظالم، من استرعى الذئب الغنم ظلم، وعن الحسن، أن الله تعالى لم يجعل للظالم عهداً، فلا يوفى له بشأن إمامته إذا أحدث ظلماً، فالعدل كما شرط فى البدء شرط فى البقاء، وإن نصب بعد توبته جاز، كما كان أبو بكر وعمر خليفتين بعد إسلامهما من شرك.

الالوسي

تفسير : {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ} في متعلق {إِذْ} احتمالات تقدمت الإشارة إليها في نظير الآية، واختار أبو حيان تعلقها بـ {قَالَ} الآتي، وبعضهم بمضمر مؤخر، أي كان كيت وكيت والمشهور: تعلقها بمضمر مقدم تقديره ـ اذكر ـ أو ـ اذكروا ـ وقت كذا، والجملة حينئذ معطوفة على ما قبلها عطف القصة على القصة، والجامع الاتحاد في المقصد؛ فإن المقصد من ـ تذكيرهم وتخويفهم ـ تحريضهم على قبول دينه صلى الله عليه وسلم، واتباع الحق، وترك التعصب، وحب الرياسة، كذلك المقصد من قصة إبراهيم عليه السلام وشرح أحواله، الدعوة على ملة الإسلام؛ وترك التعصب في الدين، وذلك لأنه إذا علم أنه نال ـ الإمامة ـ بالانقياد لحكمه تعالى وأنه لم يستجب دعاءه في الظالمين وأن الكعبة كانت مطافاً ومعبداً في وقته مأموراً هو بتطهيره، وأنه كان يحج البيت داعياً مبتهلاً ـ كما هو في دين النبـي صلى الله عليه وسلم ـ وأن نبينا عليه الصلاة والسلام من دعوته، وأنه دعا في حق نفسه وذريته بملة الإسلام، كان الواجب على من يعترف بفضله وأنه من أولاده، ويزعم اتباع ملته؛ ويباهي بأنه من ساكن حرمه وحامي بيته، أن يكون حاله مثل ذلك، وذهب عصام الملة والدين إلى جواز العطف على {أية : نِعْمَتِيَ }تفسير : [البقرة: 122] أي: اذكروا وقت ـ ابتلاء إبراهيم ـ فإن فيه ما ينفعكم ويرد اعتقادكم الفاسد أن آباءكم شفعاؤكم يوم القيامة، لأنه لم يقبل دعاء إبراهيم في ـ الظلمة ـ ويدفع عنكم حب الرياسة المانع عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه يعلم منه أنه لا ينال الرياسة الظالمين واعترض بأنه خروج عن طريق البلاغة مع لزوم تخصيص الخطاب بأهل الكتاب وتخلل {أية : ٱتَّقَوْاْ }تفسير : [البقرة: 123] بين المعطوفين ـ. والابتلاء ـ في الأصل الاختبار ـ كما قدمنا ـ/ والمراد به هنا التكليف، أو المعاملة معاملة الاختبار مجازاً، إذ حقيقة الاختبار محالة عليه تعالى ـ لكونه عالم السر والخفيات ـ و (إبراهيم) علم أعجمي، قيل: معناه قبل النقل ـ أب رحيم ـ وهو مفعول مقدم لإضافة فاعله إلى ضميره، والتعرض لعنوان الربوبية تشريف له عليه السلام، وإيذان بأن ذلك ـ الابتلاء ـ تربية له وترشيح لأمر خطير، و ـ الكلمات ـ جمع ـ كلمة ـ وأصل معناها ـ اللفظ المفرد ـ وتستعمل في الجمل المفيدة، وتطلق على معاني ذلك ـ لما بين اللفظ والمعنى من شدة الاتصال ـ واختلف فيها، فقال طاوس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنها العشرة التي من الفطرة، المضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، وإعفاء اللحية، والفرق، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وحلق العانة والاستطابة، والختان، وقال عكرمة رواية عنه أيضاً: لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه كله إلا إبراهيم، ابتلاه الله تعالى بثلاثين خصلة من خصال الإسلام، عشر منها في سورة براءة [112] {أية : ٱلتَّـٰئِبُونَ }تفسير : [التوبة: 112] الخ، وعشر في الأحزاب [35] {أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ }تفسير : [الأحزاب: 35] الخ، وعشر في المؤمنين و {سَأَلَ سَائِلٌ} إلى {أية : وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ }تفسير : [المعارج: 1ـ34] وفي رواية الحاكم في «مستدركه» أنها ثلاثون، وعد السور الثلاثة الأول ولم يعد السورة الأخيرة، فالذي في براءة التوبة والعبادة والحمد والسياحة والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحفظ لحدود الله تعالى، والإيمان المستفاد من {أية : وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [التوبة: 112] أو من {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }تفسير : [التوبة: 111]، [والذي] في الأحزاب، الإسلام والإيمان والقنوت والصدق والصبر والخشوع والتصدق والصيام والحفظ للفروج، والذكر والذي في المؤمنين: الإيمان والخشوع والإعراض عن اللغو والزكاة والحفظ للفروج ـ إلا على الأزواج أو الإماء ثلاثة ـ والرعاية للعهد، والأمانة اثنين، والمحافظة على الصلاة، وهذا مبني على أن لزوم التكرار في بعض الخصال بعد جمع العشرات المذكورة، كالإيمان والحفظ للفروج لا ينافي كونها ثلاثين تعداداً ـ إنما ينافي تغايرها ذاتاً ـ ومن هنا عدت التسمية مائة وثلاث عشرة آية عند الشافعية باعتبار تكررها في كل سورة، وما في رواية عكرمة مبني على اعتبار التغاير بالذات وإسقاط المكررات، وعده العاشرة البشارة للمؤمنين في براءة، وجعل الدوام على الصلاة والمحافظة عليها واحداً {أية : وَٱلَّذِينَ فِى أَمْوٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لَّلسَّائِلِ وَٱلْمَحْرُومِ }تفسير : [المعارج: 24ـ25] غير ـ الفاعلين للزكاة ـ لشموله صدقة التطوع وصلة الأقارب، وما روي أنها أربعون وبينت بما في السور الأربع مبني على الاعتبار الأول أيضاً ـ فلا إشكال ـ وقيل: ابتلاه الله تعالى بسبعة أشياء: بالكوكب، والقمرين، والختان على الكبر، والنار، وذبح الولد، والهجرة من كوثى إلى الشام، وروي ذلك عن الحسن، وقيل: هي ما تضمنته الآيات بعد من الإمامة، وتطهير البيت، ورفع قواعده، والإسلام، (وقيل، وقيل...) إلى ثلاثة عشر قولاً. وقرأ ابن عامر وابن الزبير وغيرهما (إبراهام) وأبو بكرة (إبراهِم) ـ بكسر الهاء وحذف الياء ـ وقرأ ابن عباس، وأبو الشعثاء، وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنهم برفع (إبراهيم) ونصب (ربه) ـ فالابتلاء ـ بمعنى الاختبار حقيقة لصحته من العبد، والمراد: دعا ربه بكلمات مثل {أية : رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْيِىَ ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : [البقرة: 260] و {أية : ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ امِنًا } تفسير : [ابراهيم: 35] ليرى هل يجيبه؟ ولا حاجة إلى الحمل على المجاز. وأما ما قيل: إنه ـ وإن صح من العبد ـ لا يصح ـ أو لا يحسن تعليقه بالرب ـ فوجهه غير ظاهر سوى ذكر لفظ ـ الابتلاء ـ ويجوز أن يكون ذلك في مقام الإنس، ومقام الخلة غير خفي. {فَأَتَمَّهُنَّ} الضمير المنصوب ـ للكلمات ـ لا غير، والمرفوع المستكن يحتمل أن يعود ـ لإبراهيم ـ وأن يعود ـ لربه ـ على كل من قرائتي ـ الرفع والنصب ـ فهناك أربعة احتمالات الأول: عوده على {إِبْرَاهِيمَ } منصوباً، ومعنى: {أتمهن} حينئذ أتى بهن على الوجه الأتم وأداهن/ كما يليق. الثاني: عوده على {رَبَّهُ} مرفوعاً، والمعنى حينئذ يسر له العمل بهن وقواه على ـ إتمامهن ـ أو أتم له أجورهن، أو أدامهنّ سنة فيه وفي عقبه إلى يوم الدين. الثالث: عوده على إبراهيم مرفوعاً ـ والمعنى عليه ـ أتم إبراهيم الكلمات المدعو بها بأن راعى شروط الإجابة فيها، ولم يأت بعدها بما يضيعها. الرابع: عوده إلى {رَبُّهَ} منصوباً ـ والمعنى عليه ـ فأعطى سبحانه إبراهيم جميع ما دعاه، وأظهر الاحتمالات الأول والرابع، إذ التمدح غير ظاهر في الثاني ـ مع ما فيه من حذف المضاف على أحد محتملاته ـ والاستعمال المألوف غير متبع في الثالث، لأن الفعل الواقع في مقابلة الاختبار يجب أن يكون فعل المختبر اسم مفعول. {قَالَ إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} استئناف بياني إن أضمر ناصب {إِذْ} كأنه قيل: فماذا كان بعد؟ فأجيب بذلك، أو بيان ـ لابتلى ـ بناء على رأي من جعل ـ الكلمات ـ عبارة عما ذكر أثره وبعضهم يجعل ذلك من بيان الكلي بجزئي من جزئياته ـ وإذا نصبت {إِذْ} بـ {قَالَ} كما ذهب إليه أبو حيان ـ: يكون المجموع جملة معطوفة على ما قبلها على الوجه الذي مرّ تفصيله، وقيل: مستطردة أو معترضة، ليقع قوله تعالى: {أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء }تفسير : [البقرة: 133] إن جعل خطاباً لليهود موقعه، ويلائم قوله سبحانه: {أية : وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ }تفسير : [البقرة: 135]. و (جاعل) من ـ جعل ـ بمعنى صير المتعدي إلى مفعولين، و {لِلنَّاسِ} إما متعلق بجاعل أي لأجلهم، وإما في موضع الحال لأنه نعت نكرة تقدمت أي إماماً كائناً لهم ـ والإمام ـ اسم للقدوة الذي يؤتم به. ومنه قيل لخيط البناء: إمام، وهو مفرد على فعال، وجعله بعضهم اسم آلة لأن فعالاً من صيغها ـ كالإزار ـ واعترض بأن ـ الإمام ـ ما يؤتم به، والإزار ما يؤتزر به ـ فهما مفعولان ـ ومفعول الفعل ليس بآلة لأنها الواسطة بين الفاعل والمفعول في وصول أثره إليه، ولو كان المفعول آلة لكان الفاعل كذلك ـ وليس فليس ـ ويكون جمع ـ آم ـ اسم فاعل من ـ أم يؤم ـ كجائع وجياع، وقائم وقيام، وهو بحسب المفهوم وإن كان شاملاً للنبـي والخليفة وإمام الصلاة، بل كل من يقتدي به في شيء ولو باطلاً كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ }تفسير : [القصص: 41] إلا أن المراد به هٰهنا النبـي المقتدى به، فإن من عداه لكونه مأموم النبـي ليست إمامته كإمامته، وهذه الإمامة إما مؤبدة ـ كما هو مقتضى تعريف الناس ـ وصيغة اسم الفاعل الدال على الاستمرار ولا يضر مجيء الأنبياء بعده لأنه لم يبعث نبـي إلا وكان من ذريته ومأموراً باتباعه في الجملة لا في جميع الأحكام لعدم اتفاق الشرائع التي بعده في الكل، فتكون إمامته باقية بإمامة أولاده التي هي أبعاضه على التناوب، وإما مؤقتة بناء على أن ما نسخ ـ ولو بعضه ـ لا يقال له مؤبد وإلا لكانت إمامة كل نبـي مؤبدة ولم يشع ذلك، فالمراد من (الناس) حينئذ أمته الذين اتبعوه، ولك أن تلتزم القول بتأبيد إمامة كل نبـي ـ ولكن في "عقائد التوحيد" ـ وهي لم تنسخ بل لا تنسخ أصلاً كما يشير إليه قوله تعالى؛ {أية : أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } تفسير : [الأنعام: 90] وعدم الشيوع غير مسلم، ولئن سلم لا يضر، والامتنان على إبراهيم عليه السلام بذلك دون غيره لخصوصية اقتضت ذلك لا تكاد تخفى فتدبر. ثم لا يخفى أن ظاهر الآية يشير إلى أن الابتلاء كان قبل النبوة لأنه تعالى جعل القيام بتلك الكلمات سبباً لجعله إماماً، وقيل: إنه كان بعدها لأنه يقتضي سابقة الوحي، وأجيب بأن مطلق الوحي لا يستلزم البعثة إلى الخلق وأنت تعلم أن ذبح الولد والهجرة والنار إن كانت من ـ الكلمات ـ يشكل الأمر لأن هذه كانت بعد النبوة بلا شبهة، وكذا الختان أيضاً بناء على ما روي أنه عليه الصلاة والسلام حين ختن نفسه كان عمره مائة وعشرين فحينئذ يحتاج إلى أن يكون ـ إتمام الكلمات ـ سبب الإمامة باعتبار عمومها للناس واستجابة دعائه في حق بعض ذريته، ونقل الرازي عن القاضي أنه على هذا يكون المراد من قوله تعالى: {فَأَتَمَّهُنَّ} أنه سبحانه وتعالى علم من حاله أنه/ يتمهن ويقوم بهن بعد النبوة فلا جرم أعطاه خلعة الإمامة والنبوة ولا يخفى أن الفاء يأبى عن الحمل على هذا المعنى. {قَالَ} استئناف بياني والضمير لإبراهيم عليه السلام {وَمِن ذُرّيَتِى} عطف على الكاف يقال سأكرمك فتقول وزيداً وجعله على معنى: ماذا يكون من ذريتي بعيد. وذهب أبو حيان إلى أنه متعلق بمحذوف أي ـ اجعل من ذريتي ـ إماماً لأنه عليه السلام فهم من {إِنّى جَـٰعِلُكَ} الاختصاص به، واختاره بعضهم واعترضوا على ما تقدم بأن الجار والمجرور لا يصلح مضافاً إليه فكيف يعطف عليه وبأن العطف على الضمير كيف يصح بدون إعادة الجار وبأنه كيف يكون المعطوف مقول قائل آخر، ودفع الأولان بأن الإضافة اللفظية في تقدير الانفصال {وَمِن ذُرّيَتِى} في معنى: بعض ذريتي فكأنه قال: وجاعل بعض ذريتي وهو صحيح على أن العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار وإن أباه أكثر النحاة إلا أن المحققين من علماء العربية وأئمة الدين على جوازه حتى قال صاحب «العباب»: إنه وارد في القراآت السبعة المتواترة فمن رد ذلك فقد رد على النبـي صلى الله عليه وسلم، ودفع الثالث: بأنه من قبيل عطف التلقين فهو خبر في معنى الطلب وكأن أصله: واجعل بعض ذريتي كما قدره المعترض لكنه عدل عنه إلى المنزل لما فيه من البلاغة من حيث جعله من تتمة كلام المتكلم كأنه مستحق مثل المعطوف عليه وجعل نفسه كالنائب عن المتكلم والعدول من صيغة الأمر للمبالغة في الثبوت ومراعاة الأدب في التفادي عن صورة الأمر وفيه من الاختصار الواقع موقعه ما يروق كل ناظر؛ ونظير هذا العطف ما روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : اللهم ارحم المحلقين قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: اللهم ارحم المحلقين قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين»تفسير : . وقد ذكر الأصوليون أن التلقين ورد بالواو وغيرها من الحروف وأنه وقع في الاستثناء كما في الحديث: «حديث : إن الله تعالى حرم شجر الحرم قالوا إلا الإذخر يا رسول الله»تفسير : واعترض أيضاً بأن العطف المذكور يستدعي أن تكون إمامة ـ ذريته ـ عامة لجميع الناس عموم إمامته عليه السلام على ما قيل، وليس كذلك؛ وأجيب بأنه يكفي في العطف الاشتراك في أصل المعنى، وقيل: يكفي قبولها في حق نبينا عليه الصلاة والسلام. ـ والذرية ـ نسل الرجل وأصلها الأولاد الصغار ثم عمت الكبار والصغار الواحد وغيره، وقيل: إنها تشمل الآباء لقوله تعالى: {أية : أَنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ }تفسير : [يس: 41] يعني نوحاً وأبناءه والصحيح خلافه، وفيها ثلاث لغات ـ ضم الذال وفتحها وكسرها ـ وبها قرىء وهي إما فعولة من ذروت أو ذريت والأصل ذرووة أو ذروية فاجتمع في الأول واوان زائدة وأصلية فقلبت الأصلية ياء فصارت كالثانية فاجتمعت ياء وواء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الباء فصارت ذرية أو فعلية منهما والأصل في الأولى ـ ذريوة ـ فقلبت الواو ياء لما سبق فصارت ـ ذريية ـ كالثانية فأدغمت الياء في مثلها فصارت ذرية، أو فعلية من الذرء بمعنى الخلق والأصل ذرئية فقلبت الهمزة ياء وأدغمت، أو فعيلة من الذر بمعنى التفريق والأصل ذريرة قلبت الراء الأخيرة ياء هرباً من ثقل التكرير كما قالوا في تظننت تظنيت، وفي تقضضت تقضيت، أو فعولة منه والأصل ذرورة فقلبت الراء الأخيرة ياء فجاء الإدغام أو فعلية منه على صيغة النسبة قالوا: وهو الأظهر لكثرة مجئيها كحرية ودرية، وعدم احتياجها إلى الإعلال وإنما ضمت ذاله لأن الأبنية قد تغير في النسبة خاصة كما قالوا في النسبة إلى الدهر: دهري. {قَالَ} استئناف بياني أيضاً؛ والضمير لله عز اسمه. {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ} إجابة لما/ راعى الأدب في طلبه من جعل بعض ذريته نبياً كما جعل مع تعيين جنس البعض الذي أبهم في دعائه عليه السلام بأبلغ وجه وآكده حيث نفى الحكم عن أحد الضدين مع الإشعار إلى دليل نفيه عنه ليكون دليلاً على الثبوت للآخر فالمتبادر من العهد الإمامة، وليست هي هنا إلا النبوة، وعبر عنها بِه للإشارة إلى أنها أمانة الله تعالى وعهده الذي لا يقوم به إلا من شاء الله تعالى من عباده، وآثر النيل على الجعل إيماء إلى أن إمامة الأنبياء من ذريته عليهم السلام ليست بجعل مستقبل بل هي حاصلة في ضمن إمامته تنال كلاً منهم في وقته المقدر له، ولا يعود من ذلك نقص في رتبة نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم لأنه جار مجرى التغليب على أن مثل ذلك لو كان يحط من قدرها لما خوطب صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {أية : أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ }تفسير : [النحل: 123] والمتبادر من ـ الظلم ـ الكفر لأنه الفرد الكامل من أفراده، ويؤيده قوله تعالى: {أية : وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } تفسير : [البقرة: 254] فليس في الآية دلالة على عصمة الأنبياء عليهم السلام من الكبائر قبل البعثة ولا على أن الفاسق لا يصلح للخلافة، نعم فيها قطع إطماع الكفرة الذين كانوا يتمنون النبوة، وسد أبواب آمالهم الفارغة عن نيلها. واستدل بها بعض الشيعة على نفي إمامة الصديق وصاحبيه رضي الله تعالى عنهم حيث إنهم عاشوا مدة مديدة على الشرك و {أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13] والظالم بنص الآية لا تناله الإمامة، وأجيب بأن غاية ما يلزم أن الظالم في حالة الظلم لا تناله، والإمامة إنما نالتهم رضي الله تعالى عنهم في وقت كمال إيمانهم وغاية عدالتهم. واعترض بأن {مِنْ} تبعيضية فسؤال إبراهيم عليه السلام الإمامة إما للبعض العادل من ذريته مدة عمره أو الظالم حال الإمامة سواء كان عادلاً في باق العمر أم لا، أو العادل في البعض الظالم في البعض الآخر أو الأعم، فعلى الأول: يلزم عدم مطابقة الجواب، وعلى الثاني: جهل الخليل، وحاشاه وعلى الثالث: المطلوب، وحياه، وعلى الرابع: إما المطلوب أو الفساد وأنت خبير بأن مبنى الاستدلال حمل العهد على الأعم من النبوة والإمامة التي يدعونها ـ ودون إثباته خرط القتاد ـ وتصريح البعض كالجصاص لا يبنى عليه إلزام الكل، وعلى تقدير التنزل يجاب بأنا نختار أن سؤال الإمامة بالمعنى الأعم للبعض المبهم من غير إحضار الاتصاف بالعدالة والظلم حال السؤال، والآية إجابة لدعائه مع زيادة على ما أشرنا إليه، وكذا إذا اختير الشق الأول بل الزيادة عليه زيادة، ويمكن الجواب باختيار الشق الثالث أيضاً بأن نقول: هو على قسمين، أحدهما: من يكون ظالماً قبل الإمامة ومتصفاً بالعدالة وقتها اتصافاً مطلقاً بأن صار تائباً من المظالم السابقة فيكون حال الإمامة متصفاً بالعدالة المطلقة، والثاني من يكون ظالماً قبل الإمامة ومحترزاً عن الظلم حالها لكن غير متصف بالعدالة المطلقة لعدم التوبة، ويجوز أن يكون السؤال شاملاً لهذا القسم ولا بأس به إذا أمن الرعية من الفساد الذي هو المطلوب يحصل به؛ فالجواب بنفي حصول الإمامة لهذا القسم، والشيخان وعثمان رضي الله تعالى عنهم ليسوا منه بل هم في أعلى مراتب القسم الأول متصفون بالتوبة الصادقة، والعدالة المطلقة، والإيمان الراسخ، والإمام لا بد أن يكون وقت الإمامة كذلك، ومن كفر أو ظلم ثم تاب وأصلح لا يصح أن يطلق عليه أنه كافر أو ظالم في لغة وعرف وشرع إذ قد تقرر في الأصول أن المشتق فيما قام به المبدأ في الحال حقيقة، وفي غيره مجاز، ولا يكون المجاز أيضاً مطرداً بل حيث يكون متعارفاً وإلا لجاز صبـي لشيخ ونائم لمستيقظ، وغني لفقير، وجائع لشبعان، وحي لميت وبالعكس، وأيضاً لو اطرد ذلك يلزم من حلف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافراً قبل بسنين متطاولة أن يحنث ولا قائل به. هذا ومن أصحابنا من جعل الآية دليلاً على عصمة الأنبياء عن الكبائر قبل البعثة وأن الفاسق لا يصح للخلافة، ومبنى ذلك حمل العهد على الإمامة وجعلها شاملة للنبوة والخلافة، وحمل الظالم على من ارتكب معصية مسقطة للعدالة/ بناء على أن الظلم خلاف العدل، ووجه الاستدلال حينئذ أن الآية دلت على أن نيل الإمامة لا يجامع الظلم السابق فإذا تحقق النيل كما في الأنبياء علم عدم اتصافهم حال النيل بالظلم السابق وذلك إما بأن لا يصدر منهم ما يوجب ذلك أو بزواله بعد حصوله بالتوبة ولا قائل بالثاني إذ الخلاف إنما هو في أن صدور الكبيرة هل يجوز قبل البعثة أم لا؟ فيتعين الثاني وهو العصمة، أو المراد بها هٰهنا عدم صدور الذنب لا الملكة وكذا إذا تحقق الاتصاف بالظلم كما في الفاسق على عدم حصول الإمامة بعد ما دام اتصافه بذلك واستفادة عدم صلاحية الفاسق للإمامة على ما قررنا من منطوق الآية وجعلها من دلالة النص أو القياس المحوج إلى القول بالمساواة ولا أقل، أو التزام جامع وهما مناط العيوق إنما يدعو إليه حمل الإمامة على النبوة، وقد علمت أن المبنى الحمل على الأعم وكان الظاهر أن الظلم الطارىء والفسق العارض يمنع عن الإمامة بقاءاً كما منع عنها ابتداءاً لأن المنافاة بين الوصفين متحققة في كل آن ـ وبه قال بعض السلف ـ إلا أن الجمهور على خلافه مدعين أن المنافاة في الابتداء لا تقتضي المنافاة في البقاء لأن الدفع أسهل من الرفع، واستشهدوا له بأنه لو قال لامرأة مجهولة النسب يولد مثلها لمثله: هذه بنتي لم يجز له نكاحها ولو قال لزوجته الموصوفة بذلك لم يرتفع النكاح لكن إن أصر عليه يفرق القاضي بينهما وهذا الذين قالوه إنما يسلم فيما إذا لم يصل الظلم إلى حد الكفر أما إذا وصل إليه فإنه ينافي الإمامة بقاءاً أيضاً بلا ريب وينعزل به الخليفة قطعاً. ومن الناس من استدل بالآية على أن الظالم إذا عوهد لم يلزم الوفاء بعهده وأيد ذلك بما روي عن الحسن أنه قال: إن الله تعالى لم يجعل للظالم عهداً وهو كما ترى، وقرأ أبو الرجاء، وقتادة، والأعمش (الظالمون) بالرفع على أن (عهدي) مفعول مقدم على الفاعل اهتماماً ورعاية للفواصل.

سيد قطب

تفسير : في القطاعات التي مضت من هذه السورة كان الجدل مع أهل الكتاب، دائراً كله حول سيرة بني إسرائيل، ومواقفهم من أنبيائهم وشرائعهم، ومن مواثيقهم وعهودهم، ابتداء من عهد موسى - عليه السلام - إلى عهد محمد - صلى الله عليه وسلم - أكثره عن اليهود، وأقله عن النصارى، مع إشارات إلى المشركين، عند السمات التي يلتقون فيها مع أهل الكتاب، أو يلتقي معهم فيها أهل الكتاب. فالآن يرجع السياق إلى مرحلة تاريخية أسبق من عهد موسى.. يرجع إلى إبراهيم.. وقصة إبراهيم - على النحو الذي تساق به في موضعها هذا - تؤدي دورها في السياق، كما أنها تؤدي دوراً هاماً فيما شجر بين اليهود والجماعة المسلمة في المدينة من نزاع حاد متشعب الأطراف. إن أهل الكتاب ليرجعون بأصولهم إلى إبراهيم عن طريق إسحاق - عليهما السلام - ويعتزون بنسبتهم إليه، وبوعد الله له ولذريته بالنمو والبركة، وعهده معه ومع ذريته من بعده. ومن ثم يحتكرون لأنفسهم الهدى والقوامة على الدين، كما يحتكرون لأنفسهم الجنة أيا كان ما يعملون! وإن قريشاً لترجع بأصولها كذلك إلى إبراهيم عن طريق إسماعيل - عليهما السلام - وتعتز بنسبتها إليه؛ وتستمد منها القوامة على البيت، وعمارة المسجد الحرام؛ وتستمد كذلك سلطانها الديني على العرب، وفضلها وشرفها ومكانتها. وقد وصل السياق فيما مضى إلى الحديث عن دعاوى اليهود والنصارى العريضة في الجنة: { وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى}.. وعن محاولتهم أن يجعلوا المسلمين يهوداً أو نصارى.. ليهتدوا.. {وقالوا: كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا}.. كذلك وصل إلى الحديث عن الذين يمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ويسعون في خرابها. وقلنا هناك: إنها قد تكون خاصة بموقف اليهود من قضية تحويل القبلة، وبالدعاية المسمومة التي أثاروها في الصف الإسلامي بهذه المناسبة. فالآن يجيء الحديث عن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق؛ والحديث عن البيت الحرام وبنائه وعمارته وشعائره.. في جوه المناسب، لتقرير الحقائق الخالصة في ادعاءات اليهود والنصارى والمشركين جميعاً حول هذه النسب وهذه الصلات. ولتقرير قضية القبلة التي ينبغي أن يتجه إليها المسلمون.. كذلك تجيء المناسبة لتقرير حقيقة دين إبراهيم - وهي التوحيد الخالص - وبعد ما بينها وبين العقائد المشوهة المنحرفة التي عليها أهل الكتاب والمشركون سواء؛ وقرب ما بين عقيدة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب - وهو إسرائيل الذي ينتسبون إليه - وعقيدة الجماعة المسلمة بآخر دين. ولتقرير وحدة دين الله، واطراده على أيدي رسله جميعاً، ونفي فكرة احتكاره في أيدي أمة أو جنس. وبيان أن العقيدة تراث القلب المؤمن لا تراث العصبية العمياء. وأن وراثة هذا التراث لا تقوم على قرابة الدم والجنس ولكن على قرابة الإيمان والعقيدة. فمن آمن بهذه العقيدة ورعاها في أي جيل ومن أي قبيل فهو أحق بها من أبناء الصلب وأقرباء العصب! فالدين دين الله. وليس بين الله وبين أحد من عباده نسب ولا صهر!!! هذه الحقائق التي تمثل شطراً من الخطوط الأساسية في التصور الإسلامي، يجلوها القرآن الكريم هنا في نسق من الأداء عجيب، وفي عرض من الترتيب والتعبير بديع.. يسير بنا خطوة خطوة من لدن إبراهيم - عليه السلام - منذ أن ابتلاه ربه واختبره فاستحق اختياره واصطفاءه، وتنصيبه للناس إماماً.. إلى أن نشأت الأمة المسلمة المؤمنة برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - استجابة من الله لدعوة إبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت الحرام؛ فاستحقت وراثة هذه الأمانة دون ذرية إبراهيم جميعاً، بذلك السبب الوحيد الذي تقوم عليه وراثة العقيدة. سبب الإيمان بالرسالة، وحسن القيام عليها، والاستقامة على تصورها الصحيح. وفي ثنايا هذا العرض التاريخي يبرز السياق: أن الإسلام - بمعنى إسلام الوجه لله وحده - كان هو الرسالة الأولى، وكان هو الرسالة الأخيرة.. هكذا اعتقد إبراهيم، وهكذا اعتقد من بعده إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، حتى أسلموا هذه العقيدة ذاتها إلى موسى وعيسى.. ثم آلت أخيراً إلى ورثة إبراهيم من المسلمين.. فمن استقام على هذه العقيدة الواحدة فهو وريثها، ووريث عهودها وبشاراتها. ومن فسق عنها، ورغب بنفسه عن ملة إبراهيم، فقد فسق عن عهد الله، وقد فقد وراثته لهذا العهد وبشاراته. عندئذ تسقط كل دعاوى اليهود والنصارى في اصطفائهم واجتبائهم، لمجرد أنهم أبناء إبراهيم وحفدته، وهم ورثته وخلفاؤه! لقد سقطت عنهم الوراثة منذ ما انحرفوا عن هذه العقيدة.. وعندئذ تسقط كذلك كل دعاوى قريش في الاستئثار بالبيت الحرام وشرف القيام عليه وعمارته، لأنهم قد فقدوا حقهم في وراثة باني هذا البيت ورافع قواعده بانحرافهم عن عقيدته.. ثم تسقط كل دعاوى اليهود فيما يختص بالقبلة التي ينبغي أن يتجه إليها المسلمون. فالكعبة هي قبلتهم وقبلة أبيهم إبراهيم.. كل ذلك في نسق من العرض والأداء والتعبير عجيب؛ حافل بالإشارات الموحية، والوقفات العميقة الدلالة، والإيضاح القوي التأثير. فلنأخذ في استعراض هذا النسق العالي في ظل هذا البيان المنير: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن. قال: إني جاعلك للناس إماماً. قال: ومن ذريتي؟ قال: لا ينال عهدي الظالمين}.. يقول للنبي - صلى الله عليه وسلم - اذكر ما كان من ابتلاء الله لإبراهيم بكلمات من الأوامر والتكاليف، فأتمهن وفاء وقضاء.. وقد شهد الله لإبراهيم في موضع آخر بالوفاء بالتزاماته على النحو الذي يرضى الله عنه فيستحق شهادته الجليلة: {أية : وإبراهيم الذي وفى}تفسير : .. وهو مقام عظيم ذلك المقام الذي بلغه إبراهيم. مقام الوفاء والتوفية بشهادة الله عز وجل. والإنسان بضعفه وقصوره لا يوفي ولا يستقيم! عندئذ استحق إبراهيم تلك البشرى. أو تلك الثقة: {قال: إني جاعلك للناس إماماً}.. إماماً يتخذونه قدوة، ويقودهم إلى الله، ويقدمهم إلى الخير، ويكونون له تبعاً، وتكون له فيهم قيادة. عندئذ تدرك إبراهيم فطرة البشر: الرغبة في الامتداد عن طريق الذراري والأحفاد. ذلك الشعور الفطري العميق، الذي أودعه الله فطرة البشر لتنمو الحياة وتمضي في طريقها المرسوم، ويكمل اللاحق ما بدأه السابق، وتتعاون الأجيال كلها وتتساوق.. ذلك الشعور الذي يحاول بعضهم تحطيمه أو تعويقه وتكبيله؛ وهو مركوز في أصل الفطرة لتحقيق تلك الغاية البعيدة المدى. وعلى أساسه يقرر الإسلام شريعة الميراث، تلبية لتلك الفطرة، وتنشيطاً لها لتعمل، ولتبذل أقصى ما في طوقها من جهد. وما المحاولات التي تبذل لتحطيم هذه القاعدة إلا محاولة لتحطيم الفطرة البشرية في أساسها؛ وإلا تكلف وقصر نظر واعتساف في معالجة بعض عيوب الأوضاع الاجتماعية المنحرفة. وكل علاج يصادم الفطرة لا يفلح ولا يصلح ولا يبقى. وهناك غيره من العلاج الذي يصلح الانحراف ولا يحطم الفطرة. ولكنه يحتاج إلى هدى وإيمان، وإلى خبرة بالنفس البشرية أعمق، وفكرة عن تكوينها أدق، وإلى نظرة خالية من الأحقاد الوبيلة التي تنزع إلى التحطيم والتنكيل، أكثر مما ترمي إلى البناء والإصلاح: {قال: ومن ذريتي؟}.. وجاءه الرد من ربه الذي ابتلاه واصطفاه، يقرر القاعدة الكبرى التي أسلفنا.. إن الإمامة لمن يستحقونها بالعمل والشعور، وبالصلاح والإيمان، وليست وراثة أصلاب وأنساب. فالقربى ليست وشيجة لحم ودم، إنما هي وشيجة دين وعقيدة. ودعوى القرابة والدم والجنس والقوم إن هي إلا دعوى الجاهلية، التي تصطدم اصطداماً أساسياً بالتصور الإيماني الصحيح: {قال:لا ينال عهدي الظالمين}.. والظلم أنواع وألوان: ظلم النفس بالشرك، وظلم الناس بالبغي.. والإمامة الممنوعة على الظالمين تشمل كل معاني الإمامة: إمامة الرسالة، وإمامة الخلافة، وإمامة الصلاة.. وكل معنى من معاني الإمامة والقيادة. فالعدل بكل معانيه هو أساس استحقاق هذه الإمامة في أية صورة من صورها. ومن ظلم - أي لون من الظلم - فقد جرد نفسه من حق الإمامة وأسقط حقه فيها؛ بكل معنى من معانيها. وهذا الذي قيل لإبراهيم - عليه السلام - وهذا العهد بصيغته التي لا التواء فيها ولا غموض قاطع في تنحية اليهود عن القيادة والإمامة، بما ظلموا، وبما فسقوا، وبما عتوا عن أمر الله، وبما انحرفوا عن عقيدة جدهم إبراهيم.. وهذا الذي قيل لإبراهيم - عليه السلام - وهذا العهد بصيغته التي لا التواء فيها ولا غموض قاطع كذلك في تنحية من يسمون أنفسهم المسلمين اليوم. بما ظلموا، وبما فسقوا وبما بعدوا عن طريق الله، وبما نبذوا من شريعته وراء ظهورهم.. ودعواهم الإسلام، وهم ينحون شريعة الله ومنهجه عن الحياة، دعوى كاذبة لا تقوم على أساس من عهد الله. إن التصور الإسلامي يقطع الوشائج والصلات التي لا تقوم على أساس العقيدة والعمل. ولا يعترف بقربى ولا رحم إذا أنبتّت وشيجة العقيدة والعمل ويسقط جميع الروابط والاعتبارات ما لم تتصل بعروة العقيدة والعمل.. وهو يفصل بين جيل من الأمة الواحدة وجيل إذا خالف أحد الجيلين الآخر في عقيدته، بل يفصل بين الوالد والولد، والزوج والزوج إذا انقطع بينهما حبل العقيدة. فعرب الشرك شيء وعرب الإسلام شيء آخر. ولا صلة بينهما ولا قربى ولا وشيجة. والذين آمنوا من أهل الكتاب شيء، والذين انحرفوا عن دين إبراهيم وموسى وعيسى شيء آخر، ولا صلة بينهما ولا قربى ولا وشيجة.. إن الأسرة ليست آباء وأبناء وأحفاداً.. إنما هي هؤلاء حين تجمعهم عقيدة واحدة. وإن الأمة ليست مجموعة أجيال متتابعة من جنس معين.. إنما هي مجموعة من المؤمنين مهما اختلفت أجناسهم وأوطانهم وألوانهم.. وهذا هو التصور الإيماني، الذي ينبثق من خلال هذا البيان الرباني، في كتاب الله الكريم.. {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود}.. هذا البيت الحرام الذي قام سدنته من قريش فروعوا المؤمنين وآذوهم وفتنوهم عن دينهم حتى هاجروا من جواره.. لقد أراده الله مثابة يثوب إليها الناس جميعاً، فلا يروعهم أحد؛ بل يأمنون فيه على أرواحهم وأموالهم. فهو ذاته أمن وطمأنينة وسلام. ولقد أمروا أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى - ومقام إبراهيم يشير هنا إلى البيت كله وهذا ما نختاره في تفسيره - فاتخاذ البيت قبلة للمسلمين هو الأمر الطبيعي، الذي لا يثير اعتراضاً. وهو أولى قبلة يتوجه إليها المسلمون، ورثة إبراهيم بالإيمان والتوحيد الصحيح، بما أنه بيت الله، لا بيت أحد من الناس. وقد عهد الله - صاحب البيت - إلى عبدين من عباده صالحين أن يقوما بتطهيره وإعداده للطائفين والعاكفين والركع السجود - أي للحجاج الوافدين عليه، وأهله العاكفين فيه، والذين يصلون فيه ويركعون ويسجدون فحتى إبراهيم وإسماعيل لم يكن البيت ملكاً لهما، فيورث بالنسب عنهما، إنما كانا سادنين له بأمر ربهما، لإعداده لقصاده وعباده من المؤمنين. {وإذ قال إبراهيم: رب اجعل هذا بلداً آمنا، وارزق أهله من الثمرات.. من آمن منهم بالله واليوم الآخر.. قال: ومن كفر فأمتعه قليلاً، ثم أضطره إلى عذاب النار، وبئس المصير}.. ومرة أخرى يؤكد دعاء إبراهيم صفة الأمن للبيت. ومرة أخرى يؤكد معنى الوراثة للفضل والخير.. إن إبراهيم قد أفاد من عظة ربه له في الأولى. لقد وعى منذ أن قال له ربه: {لا ينال عهدي الظالمين}.. وعى هذا الدرس.. فهو هنا، في دعائه أن يرزق الله أهل هذا البلد من الثمرات، يحترس ويستثني ويحدد من يعني: {من آمن منهم بالله واليوم الآخر}.. إنه إبراهيم الأواه الحليم القانت المستقيم، يتأدب بالأدب الذي علمه ربه، فيراعيه في طلبه ودعائه.. وعندئذ يجيئه رد ربه مكملاً ومبيناً عن الشطر الآخر الذي سكت عنه. شطر الذين لا يؤمنون، ومصيرهم الأليم: {قال: ومن كفر فأمتعه قليلاً، ثم أضطره إلى عذاب النار، وبئس المصير}.. ثم يرسم مشهد تنفيذ إبراهيم وإسماعيل للأمر الذي تلقياه من ربهما بإعداد البيت وتطهيره للطائفين والعاكفين والركع السجود.. يرسمه مشهوداً كما لو كانت الأعين تراهما اللحظة وتسمعهما في آن: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. ربنا واجعلنا مسلمين لك، ومن ذريتنا أمة مسلمة لك، وأرنا مناسكنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم، إنك أنت العزيز الحكيم}.. إن التعبير يبدأ بصيغة الخبر.. حكاية تحكى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل}.. وبينما نحن في انتظار بقية الخبر، إذا بالسياق يكشف لنا عنهما، ويرينا إياهما، كما لو كانت رؤية العين لا رؤيا الخيال. إنهما أمامنا حاضران، نكاد نسمع صوتيهما يبتهلان: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.. ربنا..} فنغمة الدعاء، وموسيقى الدعاء، وجو الدعاء.. كلها حاضرة كأنها تقع اللحظة حية شاخصة متحركة.. وتلك إحدى خصائص التعبير القرآني الجميل. رد المشهد الغائب الذاهب، حاضراً يسمع ويرى، ويتحرك ويشخص، وتفيض منه الحياة.. إنها خصيصة "التصوير الفني" بمعناه الصادق، اللائق بالكتاب الخالد. وماذا في ثنايا الدعاء؟ إنه أدب النبوة، وإيمان النبوة، وشعور النبوة بقيمة العقيدة في هذا الوجود. وهو الأدب والإيمان والشعور الذي يريد القرآن أن يعلمه لورثة الأنبياء، وأن يعمقه في قلوبهم ومشاعرهم بهذا الإيحاء: {ربنا تقبل منا. إنك أنت السميع العليم}.. إنه طلب القبول.. هذه هي الغاية.. فهو عمل خالص لله. الاتجاه به في قنوت وخشوع إلى الله. والغاية المرتجاة من ورائه هي الرضى والقبول.. والرجاء في قبوله متعلق بأن الله سميع للدعاء. عليهم بما وراءه من النية والشعور. ربنا واجعلنا مسلمين لك، ومن ذريتنا أمة مسلمة لك. وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم}. إنه رجاء العون من ربهما في الهداية إلى الإسلام؛ والشعور بأن قلبيهما بين أصبعين من أصابع الرحمن؛ وأن الهدى هداه، وأنه لا حول لهما ولا قوة إلا بالله، فهما يتجهان ويرغبان، والله المستعان. ثم هو طابع الأمة المسلمة.. التضامن.. تضامن الأجيال في العقيدة: {ومن ذريتنا أمة مسلمة لك}.. وهي دعوة تكشف عن اهتمامات القلب المؤمن. إن أمر العقيدة هو شغله الشاغل، وهو همه الأول. وشعور إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - بقيمة النعمة التي أسبغها الله عليهما.. نعمة الإيمان.. تدفعهما إلى الحرص عليها في عقبهما، وإلى دعاء الله ربهما ألا يحرم ذريتهما هذا الإنعام الذي لا يكافئه إنعام.. لقد دعوا الله ربهما أن يرزق ذريتهما من الثمرات ولم ينسيا أن يدعواه ليرزقهم من الإيمان؛ وأن يريهم جميعاً مناسكهم، ويبين لهم عباداتهم، وأن يتوب عليهم. بما أنه هو التواب الرحيم. ثم ألا يتركهم بلا هداية في أجيالهم البعيدة: {ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم. إنك أنت العزيز الحكيم}.. وكانت الاستجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل هي بعثة هذا الرسول الكريم بعد قرون وقرون. بعثة رسول من ذرية إبراهيم وإسماعيل، يتلو عليهم آيات الله، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويطهرهم من الأرجاس والأدناس. إن الدعوة المستجابة تستجاب، ولكنها تتحقق في أوانها الذي يقدره الله بحكمته. غير أن الناس يستعجلون! وغير الواصلين يملون ويقنطون! وبعد فإن لهذا الدعاء دلالته ووزنه فيما كان يشجر بين اليهود والجماعة المسلمة من نزاع عنيف متعدد الأطراف. إن إبراهيم وإسماعيل اللذين عهد الله إليهما برفع قواعد البيت وتطهيره للطائفين والعاكفين والمصلين، وهما أصل سادني البيت من قريش.. إنهما يقولان باللسان الصريح: {ربنا واجعلنا مسلمين لك}.. {ومن ذريتنا أمة مسلمة لك}.. كما يقولان باللسان الصريح: {ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم}.. وهما بهذا وذاك يقرران وراثة الأمة المسلمة لإمامة إبراهيم، ووراثتها للبيت الحرام سواء. وإذن فهو بيتها الذي تتجه إليه، وهي أولى به من المشركين. وهو أولى بها من قبلة اليهود والمسيحيين! وإذن فمن كان يربط ديانته بإبراهيم من اليهود والنصارى، ويدعي دعاواه العريضة في الهدى والجنة بسبب تلك الوراثة، ومن كان يربط نسبه بإسماعيل من قريش.. فليسمع: إن إبراهيم حين طلب الوراثة لبنيه والإمامة، قال له ربه: {لا ينال عهدي الظالمين}.. ولما أن دعا هو لأهل البلد بالرزق والبركة خص بدعوته: {من آمن بالله واليوم الآخر}.. وحين قام هو وإسماعيل بأمر ربهما في بناء البيت وتطهيره كانت دعوتهما: أن يكونا مسلمين لله، وأن يجعل الله من ذريتهما أمة مسلمة، وأن يبعث في أهل بيته رسولاً منهم.. فاستجاب الله لهما، وأرسل من أهل البيت محمد بن عبد الله، وحقق على يديه الأمة المسلمة القائمة بأمر الله. الوارثة لدين الله. وعند هذا المقطع من قصة إبراهيم، يلتقط السياق دلالته وإيحاءه، ليواجه بهما الذين ينازعون الأمة المسلمة الإمامة؛ وينازعون الرسول - صلى الله عليه وسلم - النبوة والرسالة؛ ويجادلون في حقيقة دين الله الأصيلة الصحيحة: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه؟ ولقد اصطفيناه في الدنيا، وإنه في الآخرة لمن الصالحين. إذ قال له ربه أسلم. قال: أسلمت لرب العالمين. ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب: يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون}.. هذه هي ملة إبراهيم.. الإسلام الخالص الصريح.. لا يرغب عنها وينصرف إلا ظالم لنفسه، سفيه عليها، مستهتر بها.. إبراهيم الذي اصطفاه ربه في الدنيا إماماً، وشهد له في الآخرة بالصلاح.. اصطفاه {إذ قال له ربه أسلم}.. فلم يتلكأ، ولم يرتب، ولم ينحرف، واستجاب فور تلقي الأمر. {قال: أسلمت لرب العالمين}.. هذه هي ملة إبراهيم.. الإسلام الخالص الصريح.. ولم يكتف إبراهيم بنفسه إنما تركها في عقبه، وجعلها وصيته في ذريته، ووصى بها إبراهيم بنيه كما وصى بها يعقوب بنيه. ويعقوب هو إسرائيل الذي ينتسبون إليه، ثم لا يلبون وصيته، ووصية جده وجدهم إبراهيم! ولقد ذكر كل من إبراهيم ويعقوب بنيه بنعمة الله عليهم في اختياره الدين لهم: {يا بني إن الله اصطفى لكم الدين}.. فهو من اختيار الله. فلا اختيار لهم بعده ولا اتجاه. وأقل ما توجبه رعاية الله لهم، وفضل الله عليهم، هو الشكر على نعمة اختياره واصطفائه، والحرص على ما اختاره لهم، والاجتهاد في ألا يتركوا هذه الأرض إلا وهذه الأمانة محفوظة فيهم: {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون}.. وها هي ذي الفرصة سانحة، فقد جاءهم الرسول الذي يدعوهم إلى الإسلام، وهو ثمرة الدعوة التي دعاها أبوهم إبراهيم.. تلك كانت وصية إبراهيم لبنيه ووصية يعقوب لبنيه.. الوصية التي كررها يعقوب في آخر لحظة من لحظات حياته؛ والتي كانت شغله الشاغل الذي لم يصرفه عنه الموت وسكراته، فليسمعها بنو إسرائيل: {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت. إذ قال لبنيه: ما تعبدون من بعدي؟ قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون}.. إن هذا المشهد بين يعقوب وبنيه في لحظة الموت والاحتضار لمشهد عظيم الدلالة، قوي الإيحاء، عميق التأثير.. ميت يحتضر. فما هي القضية التي تشغل باله في ساعة الاحتضار؟ ما هو الشاغل الذي يعني خاطره وهو في سكرات الموت؟ ما هو الأمر الجلل الذي يريد أن يطمئن عليه ويستوثق منه؟ ما هي التركة التي يريد أن يخلفها لأبنائه ويحرص على سلامة وصولها إليهم فيسلمها لهم في محضر، يسجل فيه كل التفصيلات؟.. إنها العقيدة.. هي التركة. وهي الذخر. وهي القضية الكبرى، وهي الشغل الشاغل، وهي الأمر الجلل، الذي لا تشغل عنه سكرات الموت وصرعاته: {ما تعبدون من بعدي؟}.. هذا هو الأمر الذي جمعتكم من أجله. وهذه هي القضية التي أردت الاطمئنان عليها. وهذه هي الأمانة والذخر والتراث.. {قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق. إلهاً واحداً. ونحن له مسلمون}.. إنهم يعرفون دينهم ويذكرونه. إنهم يتسلمون التراث ويصونونه. إنهم يطمئنون الوالد المحتضر ويريحونه. وكذلك ظلت وصية إبراهيم لبنيه مرعية في أبناء يعقوب. وكذلك هم ينصون نصاً صريحاً على أنهم {مسلمون}. والقرآن يسأل بني إسرائيل: {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت؟}.. فهذا هو الذي كان، يشهد به الله، ويقرره، ويقطع به كل حجة لهم في التمويه والتضليل؛ ويقطع به كل صلة حقيقية بينهم وبين أبيهم إسرائيل! وفي ضوء هذا التقرير يظهر الفارق الحاسم بين تلك الأمة التي خلت، والجيل الذي كانت تواجهه الدعوة.. حيث لا مجال لصلة، ولا مجال لوراثة، ولا مجال لنسب بين السابقين واللاحقين: {تلك أمة قد خلت، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، ولا تسألون عما كانوا يعملون}.. فلكل حساب؛ ولكل طريق؛ ولكل عنوان؛ ولكل صفة.. أولئك أمة من المؤمنين فلا علاقة لها بأعقابها من الفاسقين. إن هذه الأعقاب ليست امتداداً لتلك الأسلاف. هؤلاء حزب وأولئك حزب. لهؤلاء راية ولأولئك راية.. والتصور الإيماني في هذا غير التصور الجاهلي.. فالتصور الجاهلي لا يفرق بين جيل من الأمة وجيل، لأن الصلة هي صلة الجنس والنسب. أما التصور الإيماني فيفرق بين جيل مؤمن وجيل فاسق؛ فليسا أمة واحدة، وليس بينهما صلة ولا قرابة.. إنهما أمتان مختلفتان في ميزان الله، فهما مختلفتان في ميزان المؤمنين. إن الأمة في التصور الإيماني هي الجماعة التي تنتسب إلى عقيدة واحدة من كل جنس ومن كل أرض؛ وليست هي الجماعة التي تنتسب إلى جنس واحد أو أرض واحدة. وهذا هو التصور اللائق بالإنسان، الذي يستمد إنسانيته من نفخة الروح العلوية، لا من التصاقات الطين الأرضية! في ظل هذا البيان التاريخي الحاسم، لقصة العهد مع إبراهيم: وقصة البيت الحرام كعبة المسلمين؛ ولحقيقة الوراثة وحقيقة الدين؛ يناقش ادعاءات أهل الكتاب المعاصرين، ويعرض لحججهم وجدلهم ومحالهم، فيبدو هذا كله ضعيفاً شاحباً، كما يبدو فيه العنت والادعاء بلا دليل: كذلك تبدو العقيدة الإسلامية عقيدة طبيعية شاملة لا ينحرف عنها إلا المتعنتون: {وقالوا:كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا. قل: بل ملة إبراهيم حنيفاً، وما كان من المشركين. قولوا: آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى، وما أوتي النبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله، وهو السميع العليم. صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة؟ ونحن له عابدون. قل: أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم، ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم، ونحن له مخلصون؟. أم تقولون: إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى؟ قل: أأنتم أعلم أم الله؟ ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله؟ وما الله بغافل عما تعملون}.. وإنما كان قول اليهود: كونوا يهوداً تهتدوا؛ وكان قول النصارى: كونوا نصارى تهتدوا. فجمع الله قوليهم ليوجه نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يواجههم جميعاً بكلمة واحدة: {قل: بل ملة إبراهيم حنيفاً، وما كان من المشركين}.. قل:بل نرجع جميعاً، نحن وأنتم، إلى ملة إبراهيم، أبينا وأبيكم، وأصل ملة الإسلام، وصاحب العهد مع ربه عليه..{وما كان من المشركين}.. بينما أنتم تشركون.. ثم يدعو المسلمين لإعلان الوحدة الكبرى للدين، من لدن إبراهيم أبي الأنبياء إلى عيسى بن مريم، إلى الإسلام الأخير. ودعوة أهل الكتاب إلى الإيمان بهذا الدين الواحد: {قولوا: آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى، وما أوتي النبيون من ربهم. لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون}.. تلك الوحدة الكبرى بين الرسالات جميعاً، وبين الرسل جميعاً، هي قاعدة التصور الإسلامي وهي التي تجعل من الأمة المسلمة، الأمة الوارثة لتراث العقيدة القائمة على دين الله في الأرض، الموصولة بهذا الأصل العريق، السائرة في الدرب على هدى ونور. والتي تجعل من النظام الإسلامي النظام العالمي الذي يملك الجميع الحياة في ظله دون تعصب ولا اضطهاد. والتي تجعل من المجتمع الإسلامي مجتمعاً مفتوحاً للناس جميعاً في مودة وسلام. ومن ثم يقرر السياق الحقيقة الكبيرة، ويثبت عليها المؤمنين بهذه العقيدة. حقيقة أن هذه العقيدة هي الهدى. من اتبعها فقد اهتدى. ومن أعرض عنها فلن يستقر على أصل ثابت؛ ومن ثم يظل في شقاق مع الشيع المختلفة التي لا تلتقي على قرار: {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما هم في شقاق}.. وهذه الكلمة من الله، وهذه الشهادة منه سبحانه، تسكب في قلب المؤمن الاعتزاز بما هو عليه. فهو وحده المهتدي. ومن لا يؤمن بما يؤمن به فهو المشاق للحق المعادي للهدى. ولا على المؤمن من شقاق من لا يهتدي ولا يؤمن، ولا عليه من كيده ومكره. ولا عليه من جداله ومعارضته. فالله سيتولاهم عنه، وهو كافيه وحسبه: {فسيكفيكهم الله. وهو السميع العليم}. إنه ليس على المؤمن إلا أن يستقيم على طريقته، وأن يعتز بالحق المستمد مباشرة من ربه، وبالعلامة التي يضعها الله على أوليائه، فيعرفون بها في الأرض: {صبغة الله. ومن أحسن من الله صبغة؟ ونحن له عابدون}.. صبغة الله التي شاء لها أن تكون آخر رسالاته إلى البشر. لتقوم عليها وحدة إنسانية واسعة الآفاق، لا تعصب فيها ولا حقد، ولا أجناس فيها ولا ألوان. ونقف هنا عند سمة من سمات التعبير القرآني ذات الدلالة العميقة.. إن صدر هذه الآية من كلام الله التقريري: {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة}.. أما باقيها فهو من كلام المؤمنين. يلحقه السياق - بلا فاصل - بكلام الباريء سبحانه في السياق. وكله قرآن منزل. ولكن الشطر الأول حكاية عن قول الله، والشطر الثاني حكاية عن قول المؤمنين. وهو تشريف عظيم أن يلحق كلام المؤمنين بكلام الله في سياق واحد، بحكم الصلة الوثيقة بينهم وبين ربهم، وبحكم الاستقامة الواصلة بينه وبينهم. وأمثال هذا في القرآن كثير. وهو ذو مغزى كبير. ثم تمضي الحجة الدامغة إلى نهايتها الحاسمة: {قل: أتحاجوننا في الله، وهو ربنا وربكم، ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم، ونحن له مخلصون؟}.. ولا مجال للجدل في وحدانية الله وربوبيته. فهو ربنا وربكم، ونحن محاسبون بأعمالنا، وعليكم وزر أعمالكم. ونحن متجردون له مخلصون لا نشرك به شيئاً، ولا نرجو معه أحداً.. وهذا الكلام تقرير لموقف المسلمين واعتقادهم؛ وهو غير قابل للجدل والمحاجة واللجاج.. ومن ثم يضرب السياق عنه، وينتقل إلى مجال آخر من مجالات الجدل. يظهر أنه هو الآخر غير قابل للجاجة والمحال: {أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى؟}. وهم كانوا أسبق من موسى، وأسبق من اليهودية والنصرانية. والله يشهد بحقيقة دينهم - وهو الإسلام كما سبق البيان -: {قل: أأنتم أعلم أم الله؟}.. وهو سؤال لا جواب عليه! وفيه من الاستنكار ما يقطع الألسنة دون الجواب عليه! ثم إنكم لتعلمون أنهم كانوا قبل أن تكون اليهودية والنصرانية. وكانوا على الحنيفية الأولى التي لا تشرك بالله شيئاً. ولديكم كذلك شهادة في كتبكم أن سيبعث نبي في آخر الزمان دينه الحنيفية، دين إبراهيم. ولكنكم تكتمون هذه الشهادة: {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله؟}.. والله مطلع على ما تخفون من الشهادة التي ائتمنتم عليها، وما تقومون به من الجدال فيها لتعميتها وتلبيسها: {وما الله بغافل عما تعملون}.. وحين يصل السياق إلى هذه القمة في الإفحام، وإلى هذا الفصل في القضية، وإلى بيان ما بين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وبين اليهود المعاصرين من مفارقة تامة في كل اتجاه.. عندئذ يعيد الفاصلة التي ختم بها الحديث من قبل عن إبراهيم وذريته المسلمين: {تلك أمة قد خلت. لها ما كسبت ولكم ما كسبتم. ولا تسألون عما كانوا يعملون}.. وفيها فصل الخطاب، ونهاية الجدل، والكلمة الأخيرة في تلك الدعاوى الطويلة العريضة.

ابن عاشور

تفسير : لما كملت الحجج نهوضاً على أهل الكتابين ومشركي العرب في عميق ضلالهم بإعراضهم عن الإسلام، وتبين سوء نواياهم التي حالت دون الاهتداء بهديه والانتفاع بفضله، وسجل ذلك على زعماء المعاندين أعني اليهود ابتداء بقوله: {أية : يا بني إسرائيل}تفسير : [البقرة: 40] مرتين، وأدمج معهم النصارى استطراداً مقصوداً، ثم أنصف المنصفون منهم الذين يتلون الكتاب حق تلاوته، انتقل إلى توجيه التوبيخ والتذكير إلى العرب الذين يزعمون أنهم أفضل ذرية إبراهيم وأنهم يتعلقون بملته، وأنهم زرع إسماعيل وسدنة البيت الذي بناه، وكانوا قد وُخزوا بجانب من التعريض في خلال المحاورات التي جرت مع أهل الكتاب للصفة التي جمعتهم وإياهم من حسد النبي والمسلمين على ما أنزل عليهم من خير، ومن قولهم ليس المسلمون على شيء، ومن قولهم {أية : اتخذ الله ولداً}تفسير : [البقرة: 116]، ومن قولهم {أية : لولا يكلمنا الله}تفسير : [البقرة: 118]. فلما أخذ اليهود والنصارى حظهم من الإنذار والموعظة كاملاً فيما اختصوا به، وأخذوا مع المشركين حظهم من ذلك فيما اشتركوا فيه تهيأ المقام للتوجه إلى مشركي العرب لإعطائهم حظهم من الموعظة كاملاً فيما اختصوا به، فمناسبة ذكر فضائل إبراهيم ومنزلته عند ربه ودعوته لعقبه عقب ذكر أحوال بني إسرائيل، هي الاتحاد في المقصد، فإن المقصود من تذكير بني إسرائيل بالنعم والتخويف، تحريضهم على الإنصاف في تلقي الدعوة الإسلامية والتجرد من المكابرة والحسد وترك الحظوظ الدنيوية لنيل السعادة الأخروية. والمقصود من ذكر قصة إبراهيم موعظة المشركين ابتداء وبني إسرائيل تبعاً له، لأن العرب أشد اختصاصاً بإبراهيم من حيث إنهم يزيدون على نسبهم إليه بكونهم حفظة حرمه، ومنتمين قديماً للحنيفية ولم يطرأ عليهم دين يخالف الحنيفية بخلاف أهل الكتابين. فحقيق أن نجعل قوله {وإذ ابتلى} عطفاً على قوله تعالى: {أية : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة}تفسير : [البقرة: 30] كما دل عليه افتتاحه بإذ على نحو افتتاح ذكر خلق آدم بقوله: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} فإن الأول تذكير بنعمة الخلق الأول وقد وقع عقب التعجب من كفر المشركين بالخالق في قوله: {أية : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم}تفسير : [البقرة: 28]، عقبت تلك التذكرة بإنذار من يكفر بآيات الله من ذرية آدم بقوله: {أية : فإما يأتينكم مني هدى}تفسير : [البقرة: 38] الآية، ثم خص من بين ذرية آدم بنو إسرائيل الذين عُهد إليهم على لسان موسى عهد الإيمان وتصديق الرسول الذي يجيء مصدقاً لما معهم، لأنهم صاروا بمنزلة الشهداء على ذرية آدم. فتهيأ المقام لتذكير الفريقين بأبيهم الأقرب وهو إبراهيم أي وجه يكون المقصود بالخطاب فيه ابتداء العرب، ويضم الفريق الآخر معهم في قرن، ولذلك كان معظم الثناء على إبراهيم بذكر بناء البيت الحرام وما تبعه إلى أن ذكرت القبلة وسط ذلك، ثم طوي بالانتقال إلى ذكر سلف بني إسرائيل بقوله: {أية : أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت}تفسير : [البقرة: 133] ليفضي إلى قوله: {أية : وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا}تفسير : [البقرة: 135] فيرجع إلى تفضيل الحنيفية والإعلام بأنها أصل الإسلام وأن المشركين ليسوا في شيء منها وكذلك اليهود والنصارى. وقد افتتح ذكر هذين الطورين بفضل ذكر فضل الأبوين آدم وإبراهيم، فجاء الخبران على أسلوب واحد على أبدع وجه وأحكم نظم. فتعين أن تقدير الكلام واذكر إذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات. ومن الناس من زعم أن قوله: {وإذ ابتلى} عطف على قوله {أية : نعمتي}تفسير : [البقرة: 122] أي اذكروا نعمتي وابتلائي إبراهيم، ويلزمه تخصيص هاته الموعظة ببني إسرائيل، وتخلل {أية : واتقوا يوماً}تفسير : [البقرة: 123] بين المعطوفين وذلك يضيق شمول الآية، وقد أدمج في ذلك قوله: {ومن ذريتي} وقوله: {لا ينال عهدي الظالمين}. وفي هذه الآية مقصد آخر وهو تمهيد الانتقال إلى فضائل البلد الحرام والبيت الحرام، لإقامة الحجة على الذين عجبوا من نسخ استقبال بيت المقدس وتذرعوا بذلك إلى الطعن في الإسلام بوقوع النسخ فيه، وإلى تنفير عامة أهل الكتاب من اتباعه لأنه غير قبلتهم ليظهر لهم أن الكعبة هي أجدر بالاستقبال وأن الله استبقاها لهذه الأمة تنبيهاً على مزية هذا الدين. والابتلاء افتعال من البلاء، وصيغة الافتعال هنا للمبالغة والبلاء الاختبار وتقدم في قوله: {أية : وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم}تفسير : [البقرة: 49]، وهو مجاز مشهور فيه لأن الذي يكلف غيره بشيء يكون تكليفه متضمناً انتظار فعله أو تركه فيلزمه الاختبار فهو مجاز على مجاز، والمراد هنا التكليف لأن الله كلفه بأوامر ونواه إما من الفضائل والآداب وإما من الأحكام التكليفية الخاصة به، وليس في إسناد الابتلاء إلى الله تعالى إِشكال بعد أن عرفت أنه مجاز في التكليف، ولك أن تجعله استعارة تمثيلية، وكيفما كان فطريق التكليف وحي لا محالة، وهذا يدل على أن إبراهيم أوحى إليه بنبوءة لتتهيأ نفسه لتلقي الشريعة فلما امتثل ما أمر به أوحى إليه بالرسالة وهي في قوله تعالى: {إني جاعلك للناس إماماً} فتكون جملة {إني جاعلك للناس إماماً} بدل بعض من جملة {وإذ ابتلى}، ويجوز أن يكون الابتلاء هو الوحي بالرسالة ويكون قوله: {إني جاعلك للناس إماماً} تفسيراً لابتلى. والإمام الرسول والقدوة. و(إبراهيم) اسم الرسول العظيم الملقب بالخليل وهو إبراهيم بن تارح (وتسمي العرب تارح آزر) بن ناحور بن سروج، ابن رعو، ابن فالح، ابن عابر ابن شالح ابن أرفكشاد، ابن سام ابن نوح هكذا تقول التوراة. ومعنى إبراهيم في لغة الكلدانيين أب رحيم أو أب راحم قاله السهيلي وابن عطية، وفي التوراة أن اسم إبراهيم إبرام وأن الله لما أوحى إليه وكلمه أمره أن يسمى إبراهيم لأنه يجعله أباً لجمهور من الأمم، فمعنى إبراهيم على هذا أبو أمم كثيرة. ولد في أور الكلدانيين سنة 1996 ست وتسعين وتسعمائة وألف قبل ميلاد المسيح، ثم انتقل به والده إلى أرض كنعان (وهي أرض الفنيقيين) فأقاموا بحاران (هي حوران) ثم خرج منها لقحط أصاب حاران فدخل مصر وزوَّجه سارة وهنالك رام ملك مصر افتكاك سارة فرأى آية صرفته عن مرامه فأكرمها وأهداها جاريةً مصريةً اسمها هاجر وهي أم ولده إسماعيل، وسماه الله بعد ذلك إبراهيم، وأسكن ابنه إسماعيل وأمه هاجر بوادي مكة ثم لما شب إسماعيل بنى إبراهيم البيت الحرام هنالك. وتوفي إبراهيم سنة 1773 ثلاث وسبعين وسبعمائة وألف قبل ميلاد المسيح. وفي اسمه لغات للعرب: إحداها إبراهيم وهي المشهورة وقرأ بها الجمهور، والثانية إبراهام وقعت في قراءة هشام عن ابن عامر حيثما وقع اسم إبراهيم، الثالثة إبراهِم وقعت في رجز لزيد بن عمرو بن نفيل:شعر : عذت بما عاذ به إبراهِمْ مستقبل الكعبة وهو قائمْ تفسير : وذكر أبو شامة في {شرح حرز الأماني} عن الفراء في إبراهيم ست لغات: إبراهيم، إبراهام، إبراهوم، إبراهِم، (بكسر الهاء)، إبراهُم (بفتح الهاء) إبراهم (بضم الهاء). ولم يقرأ جمهور القراء العشرة إلا بالأولى وقرأ بعضهم بالثانية في ثلاثة وثلاثين موضعاً سيقع التنبيه عليها في مواضعها، ومع اختلاف هذه القراءات فهو لم يكتب في معظم المصاحف الأصلية إلا إبراهيم بإثبات الياء، قال أبوعمرو الداني لم أجد في مصاحف العراق والشام مكتوباً إبراهم بميم بعد الهاء ولم يكتب في شيء من المصاحف إبراهام بالألف بعد الهاء على وفق قراءة هشام، قال أبو زرعة سمعت عبد الله بن ذكوان قال: سمعت أبا خليد القارىء يقول في القرآن ستة وثلاثون موضعاً إبراهام قال أبو خليد: فذكرت ذلك لمالك بن أنس فقال عندنا مصحف قديم فنظر فيه ثم أعلمني أنه وجدها فيه كذلك، وقال أبو بكر ابن مهران روى عن مالك بن أنس أنه قيل له: إن أهل دمشق يقرأون إبراهام ويدعون أنها قراءة عثمان رضي الله عنه فقال مالك ها مصحف عثمان عندي ثم دعا به فإذا فيه كما قرأ أهل دمشق. وتقديمُ المفعول وهو لفظ (إبراهيم) لأن المقصود تشريف إبراهيم بإضافة اسم رب إلى اسمه مع مراعاة الإيجاز فلذلك لم يقل وإذ ابتلى اللَّهُ إبراهيم. والكلمات الكلام الذي أوحَى الله به إلى إبراهيم إذ الكلمة لفظ يدل على معنى والمراد بها هنا الجمل كما في قوله تعالى: {أية : كَلاَّ إنها كلمةٌ هو قائِلُها}تفسير : [المؤمنون: 100]، وأَجْمَلَها هنا إذ ليس الغرض تفصيل شريعة إبراهيم ولا بسط القصة والحكاية وإنما الغرض بيان فضل إبراهيم ببيان ظهور عزمه وامتثاله لِتكاليف فأتَى بها كاملة فجوزي بعظيم الجزاء، وهذه عادة القرآن في إجمال ما ليس بمحل الحاجة، ولعل جمع الكلمات جمعَ السلامة يؤذن بأن المراد بها أصول الحنيفية وهي قليلة العدد كثيرة الكلفة، فلعل منها الأمر بذبح ولده، وأمره بالاختتان، وبالمهاجرة بِهاجَر إلى شقة بعيدة وأعظم ذلك أَمْرُه بذبح ولده إسماعيل بوحي من الله إليه في الرؤيا، وقد سمي ذلك بلاء في قوله تعالى: {أية : إن هذا لهو البلاء المبين}تفسير : [الصافات: 106]. وقوله: {فأتمهن} جيء فيه بالفاء للدلالة على الفور في الامتثال وذلك من شدة العزم. والإتمام في الأصل الإتيان بنهاية الفعل أو إكمال آخر أجزاء المصنوع. وتعدية فعل أَتم إلى ضمير (كلمات) مجاز عقلي، وهو من تعليق الفعل بحاوي المفعول لأنه كالمكان له وفي معنى الإتمام قوله تعالى: {أية : وإبراهيم الذي وفَّى}تفسير : [النجم: 37]، وقوله: {أية : قد صدقت الرؤيا}تفسير : [الصافات: 105]، فالإفعال هنا بمعنى إيقاع الفعل على الوجه الأتم وليس المراد بالهمز التصيير أي صيرها تامة بعد أن كانت ناقصة إذ ليس المراد أنه فعل بعضها ثم أتى بالبعض الآخر، فدل قوله: {فأتمهن} مع إيجازه على الامتثال وإتقانِه والفورِ فيه. وهذه الجملة هي المقصود من جزء القصة فيكون عطفها للدلالة على أنه ابتُلى فامتثَل كقولك دعوت فلاناً فأجاب. وجملة {قال إني جاعلك للناس إماماً} مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عما اقتضاه قوله: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات} من تعظيم الخبر والتنويه به، لما يقتضيه ظرف (إذْ) من الإشارة إلى قصة من الأخبار التاريخية العظيمة فيترقب السامع ما يترتب على اقتصاصها، ويجوز أن يكون الفصل على طريقة المقاولة لأن هذا القول مجاوبة لما دل عليه قوله: {ابتلى}. والإمام مشتق من الأَم بفتح الهمزة وهو القصد وهو وزن فِعَال من صيغ الآلة سماعاً كالعِمَاد والنقاب والإزار والرداء، فأصله ما يحصل به الأَم أي القصد ولما كان الدال على الطريق يقتدي به الساير دل الإمام على القدوة والهادي. والمراد بالإمام هنا الرسول فإن الرسالة أكمل أنواع الإمامة والرسول أكمل أفراد هذا النوع. وإنما عدل عن التعبير {برسولاً} إلى {إماماً} ليكون ذلك دالاً على أن رسالته تنفع الأمة المرسَل إليها بطريق التبليغ، وتنفع غيرهم من الأمم بطريق الاقتداء، فإن إبراهيم عليه السلام رحل إلى آفاق كثيرة فتنقل من بلاد الكلدان إلى العراق وإلى الشام والحجاز ومصر، وكان في جميع منازله محل التبجيل ولا شك أن التبجيل يبعث على الاقتداء، وقد قيل إن دين بَرْهَمَا المتَّبَع في الهند أصلُه منسوب إلى اسم إبراهم عليه السلام مع تحريف أدخل على ذلك الدين كما أدخل التحريف على الحنيفية، وليتأتَّى الإيجاز في حكاية قول إبراهيم الآتي {ومن ذريتي}، فيكون قد سأل أن يكون في ذريته الإمامةُ بأنواعها من رسالةٍ ومُلك وقدوة على حسب التهيُّؤ فيهم، وأقل أنواع الإمامة كونُ الرجل الكاملِ قدوةً لبنيه وأهل بيته وتلاميذه. وقوله: {قال ومن ذريتي} جواب صدر من إبراهيم فلذا حُكي بقال دون عاطف على طريق حكاية المحاورات كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها}تفسير : [البقرة: 30] والمقول معطوف على خطاب الله تعالى إياه يسمونه عطف التلقين وهو عطف المخاطَب كلاماً على ما وقع في كلام المتكلم تنزيلاً لنفسه في منزلة المتكلم يكمِّل له شيئاً ترَكَه المتكلم إما عن غفلة وإما عن اقتصار فيُلقنه السامعُ تدارُكَه بحيث يلتئم من الكلامين كلام تام في اعتقاد المخاطب. وفي الحديث الصحيح قال جرير بن عبد الله «بايعت النبي على شهادة أن لا إله إلا الله ـــ إلخ ـــ فشرط عليَّ والنصحِ لكل مسلم»، ومنه قول ابن الزبير للذي سأله فلم يعطه فقال لعن الله ناقةً حملتنِي إليك فقال ابن الزبير «إِنَّ ورَاكِبهَا»، وقد لقبوه عطف التلقين كما في «شرح التفتزاني على الكشاف» وذلك لأن أكثر وقوع مثله في موقع العطف، والأَوْلى أن تحذف كلمة عطف ونُسميَ هذا الصنفَ من الكلام باسم التلقين وهو تلقين السامع المتكلمَ ما يراه حقيقاً بأن يُلحقه بكلامه، فقد يكون بطريقة العطف وهو الغالب كما هنا، وقد يكون بطريقة الاستفهام الإنكاري والحال كقول تعالى: {أية : قالوا بل نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنَا عليه آباءنا أَوْ لَوْ كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً}تفسير : [البقرة: 170] فإن الواو مع (لو) الوصلية واو الحال وليس واو العطف فهو إنكار على إلحاقهم المستفهم عنه بقولهم ودعواهم، وقد يكون بطريقة الاستثناء كقول العباس لمَّا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حَرَم مكة «لاَ يُعْضَدُ شَجَرهُ» فقال العباس إِلاَّ الإذْخِرِ لِبيُوتنا وقَيْنِنَا، وللكلام المعطوف عطفَ التلقين من الحُكم حُكْمُ الكلام المعطوف هو عليه خبراً وطلباً، فإذا كان كما هنا على طريق العرض علم إمضاء المتكلم له إياه، بإقراره كما في الآية أو التصريح به كما وقع في الحديث «إلا الإذخر»، ثم هو في الإنشاء إذا عطف معمولُ الإنشاء يتضمن أن المعطوف له حكم المعطوف عليه، ولما كان المتكلم بالعطف في الإنشاء هو المخاطب بالإنشاء لزم تأويل عطف التلقين فيه بأنه على إرادة العطف على معمول لازم الإنشاء ففي الأمر إذا عَطَف المأمورُ مفعولاً على مفعول الآمر كان المعنى زدني من الأمر فأَنا بصدد الامتثال وكذا في المنهي. والمعطوف محذوف دل عليه المقام أي وبعض من ذريتي أو وجاعلُ بعضضٍ من ذريتي. والذُّريَّة نسل الرجل وما تَوَالَد منه ومن أبنائه وبناتِه، وهي مشتقة إما من الذَّرِّ اسماً وهو صغار النمل، وإما من الذَّرِّ مصدراً بمعنى التفريق، وإما من الذَّرْى والذَّرْو (بالياء والواو) وهو مصدر ذَرَتِ الريحُ إذا سَفَت، وإما من الذرء بالهمز وهو الخَلْق، فوزنها إما فُعْلِيَّة بوزن النسب إلى ذر وضم الذال في النسب على غير قياس كما قالوا في النسب إلى دَهْر دُهْرِيّ بضم الدال، وإما فُعِّيلَة أو فُعُّولَة من الذرى أو الذرو أو الذرء بإدغام اليائين أو الياء مع الواو أو الياء مع الهمزة بعد قلبها ياء وكل هذا تصريف لاشتقاق الواضع فليس قياس التصريف. وإنما قال إبراهيمُ: {ومن ذريتي} ولم يقل وَذُريتي لأنه يعلَم أن حكمة الله من هذا العالم لم تجر بأن يكون جميع نسل أحد ممن يصلحون لأن يُقتدَى بهم فلم يسأل ما هو مستحيل عادة لأن سؤال ذلك ليس من آداب الدعاء. وإنما سأل لذريته ولم يقصر السؤال على عقبه كما هو المتعارف في عصبية القائل لأبناء دينه على الفطرة التي لا تقتضي تفاوتاً فيرى أبناء الابن وأبناء البنت في القرب من الجد بل هما سواء في حكم القرابة، وأما مبنى القبلية فعلى اعتبارات عرفية ترجع إلى النصرة والاعتزاز فأما قول:شعر : بنونا بنو أبنائنا وبناتُنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد تفسير : فَوهم جاهلي، وإلا فإن بني الأبناء أيضاً بنوهم أبناء النساء الأباعد، وهل يتكون نسل إلا من أب وأم. وكذا قول...شعر : وإنما أمهات الناس أوْعِيَة فيها خلقن وللأبناء أبناء تفسير : فذلك سفسطة. حديث : وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي سأله عن الأحق بالبر من أبويه "أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك" تفسير : وقال الله تعالى: {أية : ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن}تفسير : [لقمان: 14]. وقوله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين} استجابة مطوية بإيجاز وبيان للفريق الذي تتحقق فيه دعوة إبراهيم والذي لا تتحقق فيه بالاقتصار على أحدهما لأن حكم أحد الضدين يثبت نقيضه للآخر على طريقة الإيجاز، وإنما لم يُذكر الصنف الذي تحقق فيه الدعوة لأن المقصد ذكر الصنف الآخر تعريضاً بأن الذين يزعمون يومئذ أنهم أولى الناس بإبراهيم وهم أهل الكتاب ومشركو العرب هم الذين يُحرمون من دعوته، قال تعالى: {أية : ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه}تفسير : [آل عمران: 67، 68] ولأن المربي يقصد التحذير من المفاسد قبل الحث على المصالح، فبيان الذين لا تتحقق فيهم الدعوة أولى من بيان الآخرين. و{ينال} مضارع نال نيلاً بالياء إذا أصاب شيئاً والتحق به أي لا يصيب عهدي الظالمين أي لا يشملهم، فالعهد هنا بمعنى الوعد المؤكد. حديث : وسمي وعد الله عهداً لأن الله لا يخلف وعده كما أخبر بذلك فصار وعده عهداً ولذلك سماه النبي عهداً في قوله «أَنشُدك عهدك ووعدك» تفسير : أي لاينال وعدي بإجابة دعوتك الظالمين منهم، ولا يحسن أن يفسر العهد هنا بغير هذا وإن كان في مواقع من القرآن أريد به غيره، وسيأتي ذكر العهد في سورة الأعراف. ومن دقة القرآن اختيار هذا اللفظ هنا لأن اليهود زعموا أن الله عهد لإبراهيم عهداً بأنه مع ذريته ففي ذكر لفظ العهد تعريض بهم وإن كان صريح الكلام لتوبيخ المشركين. والمراد بالظالمين ابتداء المشركون أي الذين ظلموا أنفسهم إذ أشركوا بالله قال تعالى: {أية : إن الشرك لظلم عظيم}تفسير : [لقمان: 13] والظلم يشمل أيضاً عمل المعاصي الكبائر كما وقع في قوله تعالى: {أية : ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين}تفسير : [الصافات: 113] وقد وصف القرآن اليهود بوصف الظالمين في قوله: {أية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون}تفسير : [المائدة: 45] فالمراد بالظلم المعاصي الكبيرة وأعلاها الشرك بالله تعالى. وفي الآية تنبيه على أن أهل الكتاب والمشركين يومئذ ليسوا جديرين بالإمامة لاتصافهم بأنواع من الظلم كالشرك وتحريف الكتاب وتأويله على حسب شهواتهم والانهماك في المعاصي حتى إذا عرضوا أنفسهم على هذا الوصف علموا انطباقه عليهم. وإناطة الحكم بوصف الظالمين إيماء إلى علة نفي أن ينالهم عهد الله فيفهم من العلة أنه إذا زال وصف الظلم نالهم العهد. وفي الآية أن المتصف بالكبيرة ليس مستحقاً لإسناد الإمامة إليه أعني سائر ولايات المسلمين: الخلافة والإمارة والقضاء والفتوى ورواية العلم وإمامة الصلاة ونحو ذلك. قال فخر الدين: قال الجمهور من الفقهاء والمتكلمين الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له. وفي «تفسير ابن عرفة» تسليم ذلك. ونقل ابن عرفة عن المازري والقرطبي عن الجمهور إذا عقد للإمام على وجه صحيح ثم فسق وجار فإن كان فسقه بكفر وجب خلعه وأما بغيره من المعاصي فقال الخوارج والمعتزلة وبعض أهل السنة يخلع وقال جمهور أهل السنة لا يخلع بالفسق والظلم وتعطيل الحدود ويجب وعظه وترك طاعته فيما لا تجب فيه طاعة وهذا مع القدرة على خلعه فإن لم يقدر عليه إلا بفتنة وحرب فاتفقوا على منع القيام عليه وأن الصبر على جوره أولى من استبدال الأمن بالخوف وإراقة الدماء انطلاق أيدي السفهاء والفساق في الأرض وهذا حكم كل ولاية في قول علماء السنة، وما نقل عن أبي حنيفة من جواز كون الفاسق خليفة وعدم جواز كونه قاضياً قال أبو بكر الرازي الجصاص هو خطأ في النقل. وقرأ الجمهور من العشرة (عهديَ) بفتح ياء المتكلم وهو وجه من الوجوه في ياء المتكلم وقرأه حمزة وحفص بإسكان الياء.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ}. يفهم من هذه الآية أن الله علم أن من ذرية إبراهيم ظالمين. وقد صرح تعالى في مواضع أخر بأن منهم ظالماً وغير ظالم، كقوله: {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ}تفسير : [الصافات: 113]، وقوله: {أية : وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِه}تفسير : [الزخرف: 28] الآية.

الواحدي

تفسير : {وإذا ابتلى إبراهيم ربُّه} اختبره: أَيْ: عامله معاملة المُختبِر {بكلماتٍ} هي عشر خصالٍ: خمسٌ في الرأس، وهي: الفرق، والمضمضة، والاستنشاق، والسِّواك، وقصُّ الشَّارب، وخمسٌ في الجسد، وهي: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء، ونتف الرُّفغين {فأتمهنَّ} أدَّاهنَّ تامَّاتٍ غير ناقصات {قال} الله تعالى: {إني جاعلك للناس إماماً} يقتدي بك الصَّالحون. فقال إبراهيم: {ومِنْ ذريتي} أَيْ: ومن أولادي أيضاً فاجعل أئمةً يُقتدى بهم، فقال الله عزَّ وجلَّ {لا ينال عهدي الظالمين} يريد: مَنْ كان من ولدك ظالماً لا يكون إماماً، ومعنى: {عهدي} أَيْ: نُبوَّتي. {وإذ جعلنا البيت} يعني: الكعبة {مثابةً للناس} معاداً يعودون إليه لا يقضون منه وطراً، كلَّما انصرفوا اشتاقوا إليه {وأَمْناً} أَيْ: مؤمناً، وكانت العرب يرى الرَّجل منهم قاتل أبيه في الحرم فلا يتعرَّض له، وأمَّا اليوم فلا يُهاج الجاني إذا التجأ إليه عند أهل العراق، وعند الشافعيِّ: الأولى أن لا يُهاج، فإنْ أُخيف بإقامة الحدِّ عليه جاز. وقد قال كثيرٌ من المفسرين: مَنْ شاء آمن، ومَنْ شاء لم يُؤمن، كما أنَّه لمَّا جعله مثابةً، مَنْ شاء ثاب، ومَنْ شاء لم يثب. {واتَّخذوا} أَيْ: النَّاس {من مقام إبراهيم} وهو الحجر الذي يُعرف بمقام إبراهيم، وهو موضع قدميه {مصلَّى} وهو أنَّه تُسنُّ الصَّلاة خلف المقام، قُرىء على هذا الوجه على الخبر، وقرىء بالكسر على الأمر. {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل} أمرناهما وأوصينا إليهما {أنْ طهِّرا بيتي} من الأوثان والرِّيَب [ {للطائفين} حوله، وهم النزائع إليه من آفاق الأرض {والعاكفين} أي: المقيمين فيه، وهم سكان الحرم {والركع} جمع راكع و {السجود} جمع ساجد؛ مثله: قاعد وقعود]. {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا} أَيْ: هذا المكان وهذا الموضع {بلداً} مسكناً {آمناً} أَيْ: ذا أمنٍ لا يُصاد طيره، ولا يُقطع شجره ولا يُقتل فيه أهله. {وارزق أهله من الثمرات} أنواع حمل الشَّجر {مَنْ آمن منهم بالله واليوم الآخر} خَصَّ إبراهيم عليه السلام بطلب الرزق المؤمنين. قال تعالى: {وَمَنْ كفر فأمتعه قليلاً} فسأرزقه إلى منتهى أجله {ثمَّ أضطره} أُلجئه في الآخرة {إلى عذاب النار وبئس المصير} هي. {وإذ يرفع إبراهيم القواعد} أصول الأساس {من البيت وإسماعيل} ويقولان: {ربنا تقبلْ منَّا} تقرُّبنا إليك ببناء هذا البيت {إنك أنت السميع} لدعائنا {العليمُ} بما في قلوبنا.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ابتلى: اخْتَبَره بتكليفه بأمور شاقة عليه. بكلمات: متضمنة أوامر ونواهي. أتمهن: قام بهن وأداهن على أكمل الوجوه وأتمها. إماماً: قدوة صالحة يقتدى به في الخير والكمال. الظالمين: الكافرين والمشركين والفاسقين المعتدين على الناس. معنى الآية الكريمة: بعد ذلك الحجاج الطويل الذي عاشه رسول الله مع طائفتي أهل الكتاب من اليهود والنصارى وكذا المشركين في الآيات السابقة لهذه الآية أمر تعالى رسوله أن يذكر ابتلاءه تعالى لنبيه وخليله إبراهيم عليه السلام بما كّلفه به من أوامر ونواهي فقام بها خير قيام فأنعم عليه بأكبر إنعام وهو أنه جعله إماماً للناس، ومن أبرز تلك التكاليف وقوفه في وجه الوثنيين، وتحطيم أوثانهم، والهجرة من ديارهم والهم بذبح ولده إسماعيل قرباناً لله، وبناء البيت، وحجه والدعوة إليه مما استحق به الإمامة للناس كافة وفي هذا تبكيت للفرق الثلاثة العرب المشركين واليهود والنصارى إذ كلهم يدعي انتماءه لإِبراهيم والعيش على ملته فها هو ذا إبراهيم موحد وهم مشركون، عادل وهم ظالمون، مُتّبَعٌ للوحي الإِلهي وهم به كافرون ولصاحبه مكذبون وفي الآية بيان رغبة إبراهيم في أن تكون الإِمامة في ذريته وهي رغبة صالحة فجعلها الله تعالى في ذريته كما رغب واستثنى تعالى الظالمين فإنهم لا يستحقونها فهي لا تكون إلا في أهل الخير والعدل والرحمة لا تكون في الجبابرة القساة ولا الظالمين العتاة. هداية الآية: من هداية الآية: 1- الإِمامة لا تنال إلا بصحة اليقين والصبر على سلوك سبيل المهتدين. 2- مشروعية ولاية العهد، بشرط أن لا يعهد إلا إلى من كان على غاية من الإِيمان والعلم والعمل والعدل والصبر. 3- القيام بالتكاليف الشرعية قولاً وعملاً يؤهل لأن يكون صاحبه قدوة صالحة للناس.

القطان

تفسير : الابتلاء: الاختبار. الكلمات: التكاليف من أمر ونهي وتشريع.. أتَمَّهن: قام بهن خير قيام. واذكر يا محمد لقومك المشركين وغيرهم ان الله تعالى اختبر ابراهيم ببعض الأوامر والنواهي، فقام بما امره خير قيام، فقال له: اني جاعلك للناس رسولا يقتدى بهديك. قال ابراهيم: واجعل من ذريتي أئمة يقتدى بهم. قال الله تعالى: أجبتك على ما طلبت، ولكن عهدي بالإمامة لا يناله الظالمون، فهم لا يصلحون ان يكونوا قدوة للناس. ذلك ان الإمامة الصالحة لا تكون الا لذوي النفوس الفاضلة. وفي الآية اشارة الى انه سيكون من ذريته الابرار والفجار. القراءات: قرأ ابن عامر: ابراهام بالألف جميع ما في هذه السورة.

د. أسعد حومد

تفسير : {إِبْرَاهِيمَ} {بِكَلِمَاتٍ} {ٱلظَّالِمِينَ} (124) - وَاذكُرْ يَا مُحَمَّدُ لأَهْلِ الكِتَابِ وَالمُشْرِكِينَ اختِبَارَ اللهِ لإِبراهِيمَ بِمَا كَلَّفَهُ بِهِ مِنَ الأَوَامِرِ وَالنَّواهِي، فَقَامَ بِها عَلَى الوَجْهِ الأَكْمَلِ، فَجَعَلَهُ اللهُ للنَّاسِ قُدْوَةً وَإِمَاماً. فَدَعا إِبْرَاهِيمُ النَّاسَ إِلى تَوحِيدِ اللهِ، وَالبَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ. وَسَأَلَ إِبراهِيمُ رَبَّهُ أَنْ تَكُونَ الإِمَامَةُ في ذُرِّيَّتِهِ، فَأَجَابَهُ اللهُ، جَلَّ شَأْنُهُ، إِلى مَا سَأَلَ، وَلكِنَّهُ قَالَ لَهُ: إِنَّ عَهْدَهُ سُْبْحَانَهُ لا يَنَالُ الظَّالِمِينَ، وَلِذلِكَ فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يََكُونَ الظَّالِمُونَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ. الابْتِلاءُ - الاخْتِبَارُ.

الثعلبي

تفسير : قرأ أبو الشعثا جابر بن زيد: {إِبْرَاهِيمَ} ربه إبراهيم رفعاً وربه نصباً على معنى سأل ودعا فقيل له ومن اين لك هذا؟ فقال: اقرأنيه ابن عباس. وهذا غير قوي لأجل الباء في قوله {بِكَلِمَاتٍ} وقرأ الباقون بالنصّب، وجعلوا معنى الأبتلاء الأختيار والامتحان في الأمر، وهو الصحيح، وفي {إِبْرَاهِيمَ} أربع لغات: قرأ ابن الزبّير: ابرهام بألف واحد بين الهاء والميم، وقرأ أبو بكر إبراهم وكان زيد بن عمر يقول في صلاته: إني عذت بما عاذ به إبراهيم، إذ قال: شعر : إني لك اللهم عان راغم تفسير : وقرأ عبد الله بن عامر اليحصبي: ابراهام بألفين، وقرأ الباقون: إبراهيم [... قال يحيى بن سعيد] الأنصاري: أقرأ ابراهام وابراهيم. فأن الله عزّ وجلّ أنزلهما كما أنزل يعقوب واسرائيل، وعيسى والمسيح ومحمّداً وأحمد. الربيع ابن عامر: مصحفة مكتوب في مصاحف أهل الشام إبراهام بالألف وفي غيرها بالياء. وإبراهيم إسم أعجمي ولذلك لا يجري وهو إبراهيم بن نازح بن ناحور بن ساروخ بن ارخوا بن فالغ بن منابر بن الشالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح. فاختلفوا في مسكنه، فقال بعضهم: كان [بكشكر،] وقال قوم: حرّان؛ ولكن أباه نقله إلى بابل أرض نمرود بن كنعان واختلفوا في الكلمات التي ابتلى إبراهيم عليه السلام: عن ابن عبّاس: هي ثلاثون سهماً، وهي شرائع الأسلام، ولم يبتل أحد بهذا الدّين كلّه فأقامه كلّه إلاّ إبراهيم (عليه الصلاة والسلام). {فَأَتَمَّهُنَّ} فكتب له البراءة. فقال: {أية : وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ} تفسير : [النجم: 37] وهي عشرة في براءة {أية : ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ} تفسير : الآية [التوبة: 112] وعشرة في الأحزاب {أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ} تفسير : الآية [الأحزاب: 35]، وعشرة في المؤمنين {أية : سَأَلَ سَآئِلٌ} تفسير : [المعارج: 1] {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تفسير : [المؤمنون: 9]، وقوله {أية : إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ} تفسير : [المعارج: 22]. وروى طاووس عن ابن عبّاس قال: إبتلاه بعشرة أشياء هي من الفطرة والطّهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد فالتّي في الرأس قصّ الشارب والمضمضة والاستنشاق والسّواك وفرق الرأس، والّتي في الجسد: تقليم الأظافر ونتف الأبط وحلق العانة والختان والاستنجاء بالماء. مجاهد: هي الآيات الّتي في قوله: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} إلى آخر القصّة. الربيع وقتادة: مناسك الحج. الحسن: ابتلاه بسبعة أشياء إبتلاه بالكواكب والقمر والشمس فأحسن في ذلك وعلم أنّ ربّه دائم لا يزول وإبتلاه بالنّار فصبر على ذلك، وإبتلاه بذبح ابنه فصبر على ذلك وبالختان فصبر على ذلك وبالهجرة فصبر عليه. سعيد بن جبير: هي قول إبراهيم وإسماعيل حين يرفعان البيت {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ} [البقرة: 127] فرفعاه بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر. يمان: هي محاجّة قومه قال الله: {أية : وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ} تفسير : إلى قوله تعالى {أية : وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ} تفسير : [الأنعام: 80-83]. أبو روق: هي قوله عليه السلام {أية : ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} تفسير : الآيات [الشعراء: 78]. وقال بعضهم: هي إنّ الله ابتلاه في ماله وولده ونفسه فسلم ماله إلى الضيفان، وولده إلى القربان، ونفسه إلى النيران، وقلبه إلى الرّحمن فاتخذه خليلاً، وقيل: هي سهام الأسلام وهي عشرة: شهادة أن لا اله إلاّ الله وهي الملّة والصلاة وهي القنطرة.. قال: [والزكاة] وهي الطهارة والصّوم وهو الجنّة والحج وهو الشريعة، والغزو وهو النّصرة، والطاعة وهي العصمة، والجماعة وهي الألفة، والأمر بالمعروف وهو الوفاء والنهي عن المنكر وهو الحُجّة. فأتمهنّ. قال قتادة: أدّاهن. الربيع: وفى بهنّ. الضّحاك: [... أيمانهن]، يمان: عمل بهن. قال الله {إِنِّي جَاعِلُكَ} يا إبراهيم {لِلنَّاسِ إِمَاماً} ليقتدي بك وأصله من الأُم وهو القصد. {قَالَ} إبراهيم { وَمِن ذُرِّيَّتِي} ومن أولادي أيضاً. فاجعل أئمّة يُقتدى بهم وأصل الذريّة الأولاد الصغار مشتق من الذر لكثرته، وقيل: من الذرر وهو الخلق فخفف الهمز وأدخل التشديد عوضاً عن الهمز كالبرّيّة. قيل: من الذرو وفيها ثلاث لغات: ذريّة بكسر الذال، وهي قراءة زيد بن ثابت، وذريّة بفتحها وهي قراءة أبي جعفر، وذريّة بضمها وهي قراءة العامّة. {قَالَ} الله {لاَ يَنَالُ} أي لا يصيب. {عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} وفيه ثلاث قراءات: عهدي الظالمون، وهي قراءة ابن مسعود وطلحة ابن مصرف، وعهدي الظالمين مرتجلة الياء، وهي قراءة أبي رجاء والأعمش وحمزة، وعهدي الظالمين بفتح الياء وهي قراءة العامّة، واختلفوا في هذا العهد فقال عطاء بن أبي رباح: رحمتي. الضحّاك: طاعتي دليله قوله: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة: 40]. السّدي: [التوفي] دليله قوله {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [البقرة: 27]. مجاهد: ليس الظالم أن يطاع في ظلمه. أبو حذيفة: أمانتي دليله قوله {أية : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ} تفسير : [النحل: 91]. أبو عبيد: أماني دليله قوله: {أية : فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ} تفسير : [التوبة: 4]، وقيل: إيماني دليله قوله عزّ وجلّ {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ} تفسير : [يس: 60]. {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ} يعني الكعبة. {مَثَابَةً} مرجعاً والمثاب والمثابة واحد كالمقام والمقامة قال ابن عبّاس: يعني معاذاً وملجأً. مجاهد وسعيد بن جبير والضحّاك: [يَثِبون] إليه من كلّ جانب ويحجّون ولا يملّون منه فما من أحد قصده إلاّ وهو يتمنى العود إليه. قتادة وعكرمة: مجمعاً، وقرأ طلحة بن مصرف: مثابات على الجمع. {لِّلنَّاسِ وَأَمْناً} مأمناً يأمَنون فيه. قال ابن عبّاس: فمن أحدث حدثاً خارج الحرم ثمّ التجأ إلى الحرم أمن من أن يهاج فيه ولكن لا يؤوى ولا يخالط ولا يبايع ويوكلّ به فاذا خرج منه أقيم عليه الحد ومن أحدث في الحرم أقيم عليه الحدّ فيه. {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} قرأ شيبة وابن عامر ونافع والأعرج والحسن وابن أبي إسحاق وسلام: واتّخذوا بفتح الخاء على الخبر وقرأ الباقون: بالكسر على الأمر. قال ابن كيسان: حديث : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بالمقام ومعه عمر بن الخطّاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله أليس هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: "بلى" قال: أفلا نتخذه مصلّى؟ قال: "لم أؤمر بذلك". فلم تغب الشمس من يومهم حتّى نزلت: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} . تفسير : وعن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: حديث : وافقني ربي في ثلاث. قلت: لو أتخذت من مقام إبراهيم مصلّى فأنزل الله {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} وقلت يا رسول الله: يدخل عليك البر والفاجر فلو حجبت أُمهات المؤمنين فأنزل الله آية الحجاب قال: وبلغني شيء كان بين أُمهات المؤمنين وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم فاستنفرتهنّ فجعلت أقول لهنّ: لتكفنّ عن رسول الله أو استبدلته أزواجاً خيراً منكنّ حتّى أتيت على آخر أُمهات المؤمنين. وقالت أمّ سلمّة: يا عمر أما في رسول الله ما يغبط نساءه حتّى يعظهِن مثلك وأمسكت فأنزل الله تعالى: {عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ} الآية [التحريم: 5] . تفسير : واختلفوا في معنى قوله {مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ} قال إبراهيم النخعي: الحرم كلّه مقام إبراهيم. يمان: المسجد كلّه مقام إبراهيم. قتادة ومقاتل والسّدي: هو الصّلاة عند مقام إبراهيم أُمروا بالصلاة عنده ولم يؤمروا بمسحه ولا تقبيله. وأمّا قصّتهُ وبدءُ أمره. فروى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: حديث : لما أتى إبراهيم بإسماعيل وهاجر فوضعهما بمكّة ولبث على ذلك مدة، ونزلها الجوهميّون وتزوج إسماعيل امرأة منهم، وماتت هاجر. فاستأذن إبراهيم سارة أن يأتي هاجر فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل. فقدم إبراهيم وقد ماتت هاجر فذهب إلى بيت إسماعيل. فقال لأمرأته: أين صاحبك؟ قال: ليس هاهنا. ذهب للصيّد، وكان إسماعيل يخرج من الحرم فيصيد ثمّ يرجع. فقال لها إبراهيم: هل عندك ضيافة؟ هل عندكِ طعام أو شراب؟ قالت: ليس عندي ولا عندي أحد. قال إبراهيم: إذا جاء زوجكِ فأقرئيه السّلام، وقولي له: فليغير عتبة بابه، وذهب إبراهيم، فجاء إسماعيل ووجد ريح أبيه. قال لامرأته: هل جاءكِ أحدٌ؟ قالت: جاءني شيخ صفته كذا، كالمستخفة بصفته. قال: فما قال لكِ؟ قالت: قال لي أقرئي زوجك مني السّلام، وقولي له: فليُغير عتبة بابه. فطلّقها، وتزوج أُخرى. فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثمّ استأذن سارة أن يزور إسماعيل فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل، وجاء إبراهيم حتّى أتى إلى بيت إسماعيل. فقال إبراهيم لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ذهب يتصيّد وهو يجيء الآن إنشاء الله فأنزل يرحمك الله. قال لها: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم فجاءت باللّبن واللّحم فدعا لهما بالبركة فلو جاءت يومئذ بخبز بر أو شعير أو تمر لكانت أرض الله برّاً وشعيراً وتمراً وقالت له: إنزل حتّى أغسل رأسك فلم ينزل فجاء بالمقام فوضعته تحت شقّه الأيمن فوضع قدمه عليه وغسلت شقّ رأسه الأيمن ثمّ حوّلت المقام إلى شقّه الأيسر فبقى أثر قدمه عليه فغسلت شقّ رأسه الأيسر فقال لها: إذا جاء زوجك فأقريه السّلام وقولي له: قد استقامت عتبة بابك. فلمّا جاء إسماعيل وجد ريح أبيه فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ قالت: نعم، شيخ أحسن النّاس شبهاً وأطيبهم ريحاً فقال لي كذا وقلت له كذا وغلست رأسه وهذا موضع قدميه على المقام فقال لها: ذلك إبراهيم عليه السلام . تفسير : وقال أنس بن مالك: رأيت في المقام أثر أصابعه وعقبه وأخمص قدميه غير إنّه أذهبه مسح النّاس بأيديهم. نافع بن شيبة يقول: سمعت عبدالله بن عمر يقول: حديث : أشهد ثلاث مرّات أنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنّة طمس الله نورهما ولولا أن طمس نورهما لأضاءا ما بين المشرق والمغرب ". تفسير : {وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} أي أمرناهما وأوصينا إليهما. {أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ} الكعبة أي إبنياه على الطّهارة والتوحيد. وقال سعيد بن جبير وعبيد بن عمر وعطاء ومقاتل: طهّرا بيتي من الأوثان والرّيب وقول الزور، وسمع عمر رضي الله عنه صوت رجل في المسجد فقال: ما هذا أتدري أين أنت؟ الأوزاعي عن عهدة بن أبي لبابة عن زر بن حبيش قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنّ الله أوحى إليّ يا أخ المرسلين يا أخا المنذرين إنذر قومك ألاّ يدخلوا بيتاً من بيوتي إلاّ بقلوب سليمة وألسن صادقة وأيد نقيّة وفروج طاهرة ولا يدخلوا بيتاً من بيوتي ولأحد عندهم مظلمة فإنّي ألعنه ما دام قائماً بين يديّ يصلّي حتّى يردّ تلك الظلامة إلى أهلها فأكون سمعه الّذي يسمع به وأكون بصره الّذي يبصر به ويكون من أوليائي وأصفيائي ويكون جاري مع النبيّين والصدّيقين و الشّهداء والصالحين ". تفسير : وقال يمان بن رئاب: معناه بخّراه وخلقاه. مكحول عن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : جنّبوا مساجدكم غلمانكم يعني صبيانكم ومجانينكم وسلّ سيوفكم ورفع أصواتكم وحدودكم وخصومكم وبيعكم وشراءكم وحمرّوها يوم جمعتكم واجعلوا على أبوابها بظاهركم ". تفسير : وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وجعفر وأهل المدينة: (بيتي) بفتح الياء وقرأ الاخرون: باسكانه واضافته تعالى إلى نفسه سبحانه تخصيصاً وتفضيلاً. {لِلطَّائِفِينَ} حوله وهم النزاح إليه من آفاق الأرض. {وَٱلْعَاكِفِينَ} أي المقيمين فيه وهم سكّان الحرم. {وَٱلرُّكَّعِ} جمع الرّاكع. {ٱلسُّجُودِ} جمع الساجد مثل قاعد وقعود. قال عطاء: إذا كان طائفاً فهو من الطائفين وإذا كان جالساً فهو من العاكفين وإذا كان مصلّياً فهو من الركّع السجود. الاوزاعي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ في كلّ يوم وليلة عشرين ومائة رحمة ينزل على هذا البيت فستون للطائفين وأربعون للمصلّين وعشرون للناظرين ". تفسير : {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا} يعني مكّة أو الحرم. {بَلَداً آمِناً} أي مأموناً فيه يأمن أهله. {وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} قال الأخفش: من آمن بدل من أهله على البيان، كما يُقال: أخذت المال ثلثيه ورأيت القوم ناساً منهم، وهذا ابدال البعض من الكلّ كقوله: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} تفسير : [آل عمران: 97]. {قَالَ} الله. {وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً} فسأرزقه اّلى منتهى أجله لأنه تعالى وعد الرزق للخلق كافة كافرهم ومؤمنهم وقيد بالقلة لأن متاع الدنيا قليل. قرأ معاوية وابن عامر: فامتعه بضم الألف وجزم الميم خفيفة، وقرأ أُبي: فنمتعه قليلاً ثمّ نضطره بالنون. {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ} موصولة الألف مفتوحة الراء على عهد الدُّعاء من إبراهيم عليه السلام، وقرأ الباقون: فأُمتعه بضم الألف مشددّة ثمَّ اضطره على الخبر أيّ الجنة في الآخرة {إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أيّ المرجع تصير إليه. {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} روى الرواة من أسانيد مختلفة في بناء الكعبة جمعت حديثهم ونسقته ليكون أحسن في المنطق وأقرب إلى الفهم. قالوا: خلق الله عزّ وجلّ موضع البيت قبل الأرض بألفي عام، فكانت زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض من تحتها. فلما أهبط الله عزّ وجلّ آدم إلى الأرض كان رأسه يمسّ السّماء حتّى صلع وأورث أولاده الصّلع ونفرت من طوله دواب الأرض فصارت وحشاً من يومئذ، وكان يسمع كلام أهل السّماء ودُعاءهم وتسبيحهم، يأنس إليهم فهابته الملائكة واشتكت نفسه. فنقصه الله عزّ وجلّ إلى ستين ذراعاً بذراعه. فلمّا فقد آدم ما كان يسمع من أصوات الملائكة وتسبيحهم استوحش، وشكا ذلك إلى الله عزّ وجلّ. فأنزل الله ياقوتة من يواقيت الجنّة الكلام مقطوع له بابان من زمرّد أخضر باب شرقي وباب غربي فأنزل الله فيه قناديل من الجنّة. فوضعه على موضع البيت إلى الآن ثمّ قال: يا آدم إنّي أهبطت لك بيتاً تطوف به كما يُطاف حول عرشي، وتصلّي عنده كما يُصلّى عند عرشي. فأنزل عليه الحجر. فمسح به دموعه وكان أبيض فلما لمسته الحُيَّض في الجاهلية أسود. وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم "حديث : إنّما الحجر ياقوتة من يواقيت الجنّة ولولا ما مسه المشركون بأنجاسهم ما مسّهُ ذو عاهة إلاّ شفاه الله تعالى ". تفسير : فتوجه آدم من أرض الهند إلى مكّة ماشياً وقيّض الله له ملكاً يدلّه على البيت. قيل لمجاهد: يا أبا الحجّاج ألاّ كان يركب؟ قال: فأي شيء كان يحمله فوالله إن خطوه مسيرة ثلاثة أيّام وكلّ موضع وضع عليه قدمه عمران وما تعدّاه مفاوز وقفار فأتى مكّة وحجّ البيت وأقام المناسك فلمّا فرغ تلقّته الملائكة فقالوا: برّ حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. قال ابن عبّاس: حجّ آدم أربعين حجّة من الهند إلى مكّة على رجليه فهذا بدء أمر الكعبة فكانت على ذلك إلى أيّام الطّوفان فرفعه الله إلى السّماء الرابعة فهو البيت المعمور يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك ثمّ لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، وبعث الله جبرائيل حتّى خبّأ الحجر الأسود في جبل أبي قبيس صيانة عن الغرق فكان موضع البيت خالياً إلى زمن إبراهيم عليه السلام ثمّ إنّ الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام بعد ما ولد له إسماعيل وإسحاق ببناء بيت له يعبد ويذكر فيه فلم يدر إبراهيم أين خبّيء فسأل الله تعالى أن يبيّن له موضعه فبعث الله إليه السكينه ليدلّه على موضع البيت وهي ريح جموح لها رأسان شبه الحيّة فتبعها إبراهيم إلى أن أتيا مكّة فطوّق الله السكينة على موضع البيت كتطويق الحيّة الحجفة وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السّكينة فبناه وهذا قول علي والحسن بن أبي الحسن، وقال ابن عبّاس: بعث الله سحابة على قدر الكعبة فجعلت تسير وإبراهيم يمشي في ظلمات إلى أن وافت مكّة ووقفت على موضع البيت، ونودي: أنْ يا إبراهيم إبني على ظلّها لا تزد ولا تنقص فبنى بخيالها. وقال بعضهم: أرسل الله جبرائيل ليدلّه على موضع فذلك قوله {أية : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} تفسير : [الحج: 26] فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت، جعل إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجارة. قال الثّعلبي: سمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر محمّد بن محمّد بن أحمد القطان البلخي وكان عالماً بالقرآن يقول: كان إبراهيم يفهم بالسريانية وإسماعيل بالعربيّة وكلّ واحد منهما يعرف ما يقول صديقه وما يمكن التفوّه به وكان إبراهيم يقول لإسماعيل: هبلي كنيا يعني: ناولني الحجر، ويقول إسماعيل: هاك الحجر خذه. قالوا: فبقي موضع الحجر فذهب إسماعيل إليه فجاء جبرئيل بحجر من السّماء فأتى إسماعيل وقد ركّب إبراهيم الحجر في موضعه فقال له: من آتاك بهذا؟ فقال: آتاني به من لم يتكّل على بناءك فأقاما البيت فذلك قوله: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ}. قال ابن عبّاس: يعني أُصول البيت الّتي كانت قبل ذلك. الكلبي وأبو عبيدة: أساسه واحدته قاعدة فبنياه من خمسة أجبل طور سيناء [... وطور سينا والجودي] وبنيا قواعده من حرّاء، فلّما انتهى إبراهيم إلى موضع الحجر الأسود قال لإسماعيل: جئني بحجر حسن يكون للناس علماً فأتاه بحجر فقال له: جئني بحجر أحسن من هذا، فمضى إسماعيل بطلبه فصاح أبو قبيس يا إبراهيم إنّ لك عندي وديعة فخذها فأخذ الحجر الأسود ووضعه مكانه. وقيل: إنّ الله تعالى مدّ لإبراهيم وإسماعيل بسبعة أملاك يعينونهما على بناء البيت فلمّا فرغا من بنائه قالا: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ} أي تقبل منّا بناءنا البيت. {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} بنيّاتنا. {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ} موحّدين مطيعين مخلصين {لَكَ}. وقرأ عون بن أبي جميلة: مسلمين بكسر الميم على الجمع. {وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ} أولادنا {أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا} علمنا نظيره قوله {أية : لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ} تفسير : [النساء: 105] أي: علّمك الله وفيه أربع قراءات: عبد الله بن مسعود: وأرهم مناسكهم ردّه إلى الأمّة. وقرأ عمر بن عبد العزيز وقتادة وابن كثير ورويس بسكون الرّاء كل القرآن. وقرأ أبو عمرو: باختلاس كسره للواو. وقرأ الباقون: بكسر الرّاء والأصل فيها أرانا بالهمز فحذفت استخفافاً. فمن قرأ بالجزم قال: ذهبت الهمزة وذهبت حركتها وبقيت الرّاء ساكنة على حالها واستدل بقول السدي: أَرْنَا أداوة عبدالله نملأها من ماء زمزم إنّ القوم قد ظمئوا. ومن كسر فأنّه نقل حركة الهمزة المحذوفة إلى الرّاء. وأمّا أبو عمرو فطلب الخفّة. وأخبر القاسم بن سلام عن شجاع بن أبي نصر قال، وكان أميناً صدوقاً: إنّه رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم في المنام فذكّره أشياء من حرف أبي عمرو فلم يردّ عليه إلاّ حرفين أحدهما هذا والآخر: ما ننسخ من آية أو ننسأها مهموزة. {مَنَاسِكَنَا} شرائع ديننا وإعلام حجّتنا. وقال مجاهد: مذابحنا والنسك: الذّبيحة، وأصل النسك: العبادة يقال للعابد ناسك قال الشّاعر: شعر : وقد كنت مستوراً كثير تنسّك فهتكت أستاري ولم يبق لي نسكاً تفسير : فأجاب الله دعاءهما وبعث جبرئيل فأراهما المناسك في يوم عرفة فلمّا بلغ عرفات قال لإبراهيم: عرفت يا إبراهيم؟ قال: نعم فسمّي الوقت عرفه والموضع عرفات. {وَتُبْ عَلَيْنَآ} تجاوز عنّا وارجع علينا بالرأفة والرحمة. {إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ} المتجاوز الرجّاع بالرحمة على عبادك. {ٱلرَّحِيمُ}. {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ} أي في الأمّة المسلمة من ذريّة إبراهيم وإسماعيل. وقيل: في أهل مكّة {رَسُولاً} أي مرسلاً وهو فعُول من الرسالة. وقال ابن الأنباري: يشبه أن يكون أصله من قولهم ناقة مرسال ورسله إذا كانت سهلة السّير ماضية أمام النواق. ويقال للجماعة المهملة المرسلة: رسْل وجمعه أرسال. ويقال: جاء القوم ارسالاً أيّ: بعضهم في أثر بعض، ومنه قيل للّبن رُسلاً لأنّه يرسل من الضّرع. {يَتْلُواْ} يقرأ {عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} كتابك جمع الآية وهي العلامة. وقيل: الآية جماعة الحروف. وقال الشيباني: هي قولهم: خرج القوم بمافيهم أي بجماعتهم. { وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} فقال بعضهم: الآية هاهنا الكتاب فنسّق عليه خلاف اللفظين كقول الحطيئة: شعر : ألا حبّذا هند وأرض بها هند وهند تفصيل اتى من دونها النّأي والبعد تفسير : مجاهد: يعني الحكمة فهم القرآن. مقاتل: هي مواعظ القرآن وما فيه من الأحكام وبيان الحلال والحرام. ابن قتيبة: هي العلم والعمل ولا يسمّى الرّجل حكيماً حتّى يجمعهما. وعن أبي بكر محمّد بن الحسن البريدي: كلّ كلمة وعظتك أو زجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة وحكم، ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ من الشّعر لحكمة ". تفسير : وعن أبي جعفر محمّد بن يعقوب: الحكمة كلّ صواب من القول ورّث فعلاً صحيحاً أو حالاً صحيحاً. يحيى بن معاذ: الحكمة جند من جنود الله يرسلها إلى قلوب العارفين حتّى يروّح عنها وهج الدّنيا، وقيل: هي وضع الأشياء مواضعها، وقيل: الحكمة والحكم كلّما وجب عليك فعله. قال الشّاعر: شعر : قد قلت قولاً لم يعنّف قائله الصمت حكم وقليل فاعله تفسير : أي واجب العمل بالصمت. وقيل: هي الشرك والذّنوب، وقيل: أخذ زكاة أموالهم. وقال ابن كيسان: يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة إذا شهدوا الأنبياء بالبلاغ، دليله قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [البقرة: 143]. {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ} ابن عبّاس: العزيز الّذي لا يوجد مثله، بيانه قوله: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11]. الكلبي: العزيز المنتقم ممّن يشاء بيانه قوله {أية : وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ}تفسير : [آل عمران: 4]. الكسائي: العزيز الغالب بيانه قوله {أية : وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ} تفسير : [ص: 23]: أي غلبني. وقيل في المثل: من عزيز. ابن كيسان: العزيز الّذي لا يعجزه شيء بيانه قوله: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [فاطر: 44]. المفضَّل بن سلمة: العزيز المنيع الّذي لا تناله الأيدي فلا يردّ له أمر ولا يغلب فيما أراد بيانه قوله: {أية : إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} تفسير : [هود: 107]. وقيل: بمعنى المعزّ فعيل بمعنى مفعل بيانه قوله {أية : وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ} تفسير : [آل عمران: 26]. وقيل: هو القوي بيانه قوله {أية : فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} تفسير : [يس: 14] أي قوّينا. فأصل العزّة في اللّغة الشدّة يقال تعزز لحم النّاقة إذا إشتدّ ويقال: عزّ عليّ أي شقّ عليّ وأشتد، وأنشد أبو عمرو: شعر : أجد إذا ضمرت تعزّز لحمها وإذا نشد بتسعها لا تيئس تفسير : فاستجاب الله دعاء إبراهيم وبعث فيهم محمّداً سيّد الأنبياء ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّي عبد الله في أُمّ الكتاب لخاتم النبييّن وإنّ آدم لمجدل في طينة وسوف أنبئكم بذلك دعوة إبراهيم وبشارة عيسى (عليهما السلام) قومه، ورؤيا أْمي التي رأت إنّه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام وكذلك ترى أمّهات النبييّن ". تفسير : سعيد بن سويد عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} الآية. وذلك إن عبد الله بن سلام دعا إبني أخيه سلمة ومهاجر إلى الإسلام فقال لهما: قد علمتما إنّ الله عزّ وجلّ قال في التوراة: إنّي باعث من ولد إسماعيل نبياً إسمه أحمد فمن آمن به فقد اهتدى ورشد ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة وأبى مهاجراً أن يسلم فأنزل الله تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن..}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يأتي الحق سبحانه وتعالى إلى قصة إبراهيم عليه السلام .. ليصفي الجدل والتشكيك الذي أحدثه اليهود عند تغيير القبلة .. واتجاه المسلمين إلى الكعبة المشرفة بدلا من بيت المقدس .. كذلك الجدل الذي أثاره اليهود بأنهم شعب الله المختار وأنه لا يأتي نبي إِلاَّ منهم. يريد الله تبارك وتعالى أن يبين صلة العرب بإبراهيم وصلتهم بالبيت .. فيقول الحق جل جلاله: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ} [البقرة: 124] .. ومعناها اذكر إذا ابتلى الله إبراهيم .. وإذ هنا ظرف وهناك فرق بينها وبين إذا الشرطية في قوله تعالى: {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً} تفسير : [النصر: 1-2]. إذا هنا ظرف ولكنه يدل على الشرط .. أما إذ فهي ظرف فقط .. وقوله تعالى: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124] .. معناها اذكر وقت أن ابتلى إبراهيم بكلمات. ما معنى الابتلاء؟ الناس يظنون أنه شر ولكنه في الحقيقة ليس كذلك .. لأن الابتلاء هو امتحان إن نجحنا فيه فهو خير وإن رسبنا فيه فهو شر .. فالابتلاء ليس شراً ولكنه مقياس لاختبار الخير والشر. الذي ابتلى هو الله سبحانه .. هو الرب .. والرب معناه المربي الذي يأخذ من يربيه بأساليب تؤهله إلى الكمال المطلوب منه .. ومن أساس التربية أن يمتحن المربي من يربيه ليعلم هل نجح في التربية أم لا؟ والابتلاء هنا بكلمات والكلمات جمع كلمة .. والكلمة قد تطلق على الجملة مثل قوله تعالى: {أية : وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً * مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} تفسير : [الكهف: 4-5]. إذن فالكلمة قد تطلق على الجملة وقد تطلق على المفرد .. كأن تقول مثلاً محمد وتسكت .. وفي هذه الحالة لا تكون جملة مفيدة .. والكلمة المرادة في هذه الآية هي التكليف من الله. قوله سبحانه افعل ولا تفعل .. فكأن التكليف من الله مجرد كلمة وأنت تؤدي مطلوبها أو لا تؤديه .. وقد اختلف العلماء حول الكلمات التي تلقاها إبراهيم من ربه .. نقول لهم إن هذه الكلمات لابد أن تناسب مقام إبراهيم أبي الأنبياء .. إنها ابتلاء يجعله أهلاً لحمل الرسالة .. أي لابد أن يكون الابتلاء كبيراً .. ولقد قال العلماء إن الابتلاءات كانت عشرة وقالوا أربعين منها عشرة في سورة التوبة وهي قوله تعالى: {أية : ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ ٱلْحَامِدُونَ ٱلسَّائِحُونَ ٱلرَّاكِعُونَ ٱلسَّاجِدونَ ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [التوبة: 112]. وهذه رواية عبد الله بن عباس .. وعشرة ثانية في سورة المؤمنون. وفي قوله سبحانه: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ} تفسير : [المؤمنون: 1-10]. وبعد ذلك قال: "أولئك هم الوارثون". وفي سورة الأحزاب يذكر منهم قوله جل جلاله: {أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْقَانِتَاتِ وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلصَّادِقَاتِ وَٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّابِرَاتِ وَٱلْخَاشِعِينَ وَٱلْخَاشِعَاتِ وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَاتِ وٱلصَّائِمِينَ وٱلصَّائِمَاتِ وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَافِـظَاتِ وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} تفسير : [الأحزاب: 35]. وفي سورة المعارج يقول: {أية : إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ * وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ * وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ * وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} تفسير : [المعارج: 22-34]. نخرج من هذا الجدل، بأن نقول إن الله ابتلى إبراهيم بكلمات تكليفية افعل كذا ولا تفعل كذا .. وابتلاه بأن أُلْقِيَ في النار وهو حي فلم يجزع ولم يتراجع ولم يتجه إلا لله وكانت قمة الابتلاء أن يذبح ابنه. وكون إبراهيم أدى جميع التكليفات بعشق وحب وزاد عليه من جنسها .. وكونه يلقى في النار ولا يبالي يأتيه جبريل فيقول ألك حاجة فيرد إبراهيم أَمَّا إليك فلا .. وأما إلى الله فعلمه بحالي يغنيه عن سؤالي .. وكونه وهو شيخ كبير يبتلى بذبح ابنه الوحيد فيطيع بنفس مطمئنة ورضا بقدر الله .. يقول الحق: {أية : أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ} تفسير : [النجم: 36-37]. أي وَفَّى كل ما طلب منه وأداه بعشق للمنهج ولابتلاءات الله .. لقد نجح إبراهيم عليه السلام في كل ما ابتلي به أو اختبر به .. والله كان أعز عليه من أهله ومن نفسه ومن ولده .. ماذا كافأه الله به؟ قال: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ..} [البقرة: 124]. أي أن الحق تبارك وتعالى ائتمنه أن يكون إماماً للبشر .. والله سبحانه كان يعلم وفاء إبراهيم ولكنه اختبره لنعرف نحن البشر كيف يصطفي الله تعالى عباده المقربين وكيف يكونون أئمة يتولون قيادة الأمور .. استقبل إبراهيم هذه البشرى من الله وقال كما يروي لنا القرآن الكريم: {قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ..} [البقرة: 124]. ما هي الذرية؟ هي النسل الذي يأتي والولد الذي يجئ .. لأنه يحب استطراق الخير على أولاده وأحفاده وهذه طبيعة البشر، فهم يعطون ثمرة حركتهم وعملهم في الحياة لأولادهم وأحفادهم وهم مسرورون .. ولذلك أراد إبراهيم أن ينقل الإمامية إلى أولاده وأحفاده .. حتى لا يحرموا من القيم الإيمانية تحرس حياتهم وتؤدي بهم إلى نعيم لا يزول .. ولكن الله سبحانه وتعالى يرد على إبراهيم بقضية إيمانية أيضاً هي تقريع لليهود .. الذي تركوا القيم وعبدوا المادة فيقول جل جلاله: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} [البقرة: 124]. فكأن إبراهيم بأعماله قد وصل إلى الإمامية .. ولكن هذا لا ينتقل إلا للصالحين من عباده العابدين المسبحين. وقوله الحق سبحانه: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} [البقرة: 124] مقصود به اليهود الذين باعوا قيمهم الإيمانية بالمادة، وهو استقراء للغيب أنه سيأتي من ذرية إبراهيم من سيفسق ويظلم. ومن العجائب أن موسى وهارون عليهما السلام كانا رسولين .. الرسول الأصيل موسى، وهارون جاء ليشد أزره لأنه فصيح اللسان .. وشاءت إرادة الله سبحانه أن تستمر الرسالة في ذرية هارون وليس في ذرية موسى .. والرسالة ليست ميراثاً .. وقوله تعالى {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} [البقرة: 124] .. فكأن عهد الله هو الذي يجذب صاحبه أي هو الفاعل .. نأتي بعد ذلك إلى مسألة الجنس والدم واللون .. بنوة الأنبياء غير بنوة الناس كلهم فالأنبياء اصطفاؤهم اصطفاء قيم وأبناؤهم هم الذين يأخذون منهم هذه القيم وليسوا الذين يأخذون الجنس والدم واللون .. ولو رجعنا إلى قصة نوح عليه السلام حين غرق ابنه .. رفع يديه إلى السماء وقال: {أية : رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي ..} تفسير : [هود: 45]. فرد عليه الحق سبحانه وتعالى فقال: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ..} تفسير : [هود: 46]. إن أهل النبوة هم الذين يأخذون القيم عن الأنبياء .. ولولا أن الحق سبحانه قال لنا "إنه عمل غير صالح" .. لاعتقدنا أنه ربما جاء من رجل آخر أو غير ذلك .. ولكن الله يريدنا أن نعرف أن عدم نسبة ابن نوح إلى أبيه بسبب "إنه عمل غير صالح".

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: بعد أن ذكر الله تعالى في الآيات السابقة نعمه على بني إِسرائيل، وبيّن كيف كانوا يقابلون النعم بالكفر والعناد، ويأتون منكرات في الأقوال والأعمال، وصل حديثهم بقصة إبراهيم أبي الأنبياء الذي يزعم اليهود والنصارى انتماءهم إِليه ويقرون بفضله، ولو كانوا صادقين لوجب عليهم اتباع هذا النبي الكريم "محمد" صلى الله عليه وسلم ودخولهم في دينه القويم لأنه أثر دعوة إبراهيم الخليل حين دعا لأهل الحرم، ثم هو من ولد اسماعيل عليه السلام فكان أولى بالاتباع والتمسك بشريعته الحنيفية السمحة التي هي شريعة الخليل عليه السلام. اللغَة: {ٱبْتَلَىٰ} امتحن والابتلاء: الاختبار {فَأَتَمَّهُنَّ} أتى بهن على التمام والكمال {إِمَاماً} الإِمام: القدوة الذي يؤتم به في الأقوال والأفعال {مَثَابَةً} مرجعاً من ثاب يثوب إِذا رجع أي أنهم يترددون إِليه لا يقضون منه وطرهم قال الشاعر: شعر : جُعلَ البيتُ مثاباً لهُمُ ليس منه الدهرَ يقضون الوطر تفسير : {وَأَمْناً} الأمن: السلامة من الخوف والطمأنينة في النفس والأهل {وَعَهِدْنَآ} أمرنا وأوحينا {لِلطَّائِفِينَ} جمع طائف من الطواف وهو الدوران حول الشيء {وَٱلْعَاكِفِينَ} جمع عاكف من العكوف وهي الإِقامة على الشيء والملازمة له والمراد المقيمون في الحرم بقصد العبادة {فَأُمَتِّعُهُ} من التمتيع وهو إِعطاء الإِنسان ما ينتفع به {أية : قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ} تفسير : [إبراهيم: 30] {ٱلْقَوَاعِدَ} جمع قاعدة وهي الأساس {مَنَاسِكَنَا} جمع مَنْسك وهي العبادة والطاعة {ٱلْحِكْمَةَ} العلم النافع المصحوب بالعمل والمراد بها السنة النبوية المطهرة {وَيُزَكِّيهِمْ} من التزكية وهي في الأصل التنمية يقال: زكى الزرع إِذا نما ثم استعملت في معنى الطهارة النفسية قال تعالى {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} تفسير : [الشمس: 9]. التفسِير: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} أي اذكر يا محمد حين اختبر الله عبده إبراهيم الخليل، وكلّفه بجملة من التكاليف الشرعية "أوامر ونواهٍ" فقام بهن خير قيام {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} أي قال له ربه إِني جاعلك قدوة للناس ومناراً يهتدي بك الخلق {قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي} أي قال إبراهيم واجعل يا ربّ أيضاً أئمة من ذريتي {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} أي لا ينال هذا الفضل العظيم أحدٌ من الكافرين {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ} أي واذكر حين جعلنا الكعبة المعظمة مرجعاً للناس يقبلون عليه من كل جانب {وَأَمْناً} أي مكان أمن يأمن من لجأ إليه، وذلك لما أودع الله في قلوب العرب من تعظيمه وإِجلاله {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} أي وقلنا للناس اتخذوا من المقام - وهو الحجر الذي كان يقوم عليه إبراهيم لبناء الكعبة مصلّى أي صلوا عنده {وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} أي أوصينا وأمرنا إِبراهيم وولده إِسماعيل {أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَٱلْعَاكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} أي أمرناهما بأن يصونا البيت من الأرجاس والأوثان ليكون معقلاً للطائفين حوله والمعتكفين الملازمين له والمصلين فيه، فالآية جمعت أصناف العابدين في البيت الحرام: الطائفين، والمعتكفين، والمصلين.. ثم أخبر تعالى عن دعوة الخليل إِبراهيم فقال {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً} أي اجعل هذا المكان - والمراد مكة المكرمة - بلداً ذا أمن يكون أهله في أمنٍ واستقرار {وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي وارزق يا رب المؤمنين من أهله وسكانه من أنواع الثمرات، ليقبلوا على طاعتك ويتفرغوا لعبادتك وخصَّ بدعوته المؤمنين فقط قال تعالى جواباً له {قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً} أي قال الله وأرزق من كفر أيضاً كما أرزق المؤمن، أأخلق خلقاً ثم لا أرزقهم؟ أما الكافر فأمتعه في الدنيا متاعاً قليلاً وذلك مدة حياته فيها {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ} أي ثم أُلجئه في الآخرة وأسوقه إِلى عذاب النار فلا يجد عنها محيصاً {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي وبئس المآل والمرجع للكافر أن يكون مأواه نار جهنم. قاس الخليل الرزق على الإِمامة فنبهه تعالى على أن الرزق رحمة دنيوية شاملة للبرّ والفاجر بخلاف الإِمامة فإِنها خاصة بالخواص من المؤمنين، ثم قال تعالى حكاية عن قصة بناء البيت العتيق {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} أي واذكر يا محمد ذلك الأمر الغريب وهو رفع الرسولين العظيمين "إِبراهيم وإِسماعيل" قواعد البيت وقيامهما بوضع أساسه ورفع بنائه وهما يقولان بخضوع وإِجلال {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي يبنيان ويدعوان بهذه الدعوات الكريمة قائلين يا ربنا تقبل منا أي اقبل منا عملنا هذا واجعله خالصاً لوجهك الكريم فإنك أنت السميع لدعائنا العليم بنياتنا {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} أي اجعلنا خاضعين لك منقادين لحكمك {وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} أي واجعل من ذريتنا من يسلم وجهه لك ويخضع لعظمتك {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} أي وعلمنا شرائع عبادتنا ومناسك حجنا {وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} أي تب علينا وارحمنا فإنك عظيم المغفرة واسع الرحمة {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ} أي ابعث في الأمة المسلمة رسولاً من أنفسهم وهذا من جملة دعواتهما المباركة فاستجاب الله الدعاء ببعثة السراج المنير محمد صلى الله عليه وسلم {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} أي يقرأ آيات القرآن {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} أي يعلمهم القرآن العظيم والسنّة المطهرة {وَيُزَكِّيهِمْ} أي يطهرهم من رَجس الشرك {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ} العزيز الذي لا يُقهر ولا يُغلب، الحكيم الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة. البَلاَغَة: 1- التعرض لعنوان الربوبية {ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ} تشريف له عليه السلام وإِيذان بأن ذلك الابتلاء تربية له وترشيح لأمر خطير، والمعنى عامله سبحانه معاملة المختبر حيث كلفه بأوامر ونواهي يظهر بها استحقاقه للإِمامة العظمى. 2- إيقاع المصدر موقع اسم الفاعل في قوله {وَأَمْناً} للمبالغة والإِسناد مجازيٌ أي آمناً من دخله كقوله تعالى {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} تفسير : [آل عمران: 98] وخيرُ ما فسرته بالوارد. 3- إِضافة البيت إِلى ضمير الجلالة {أية : وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} تفسير : [الحج: 26] للتشريف والتعظيم. 4- قوله تعالى {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ} ورد التعبير بصيغة المضارع حكاية عن الماضي ولذلك وجه معروف في محاسن البيان وهو استحضار الصورة الماضية وكأنها مشاهدة بالعيان فكأنَّ السامع ينظر ويرى إِلى البنيان وهو يرتفع والبنّاء هو إِبراهيم وإِسماعيل عليهما السلام قال أبو السعود: وصيغة الاستقبال لحكاية الحال الماضية لاستحضار صورتها العجيبة المنبئة عن المعجزة الباهرة. 5- {ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} صيغتان من صيغ المبالغة لأن فعال وفعيل من صيغ المبالغة. الفوَائِد: الفائدة الأولى: تقديم المفعول في قوله {ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ} واجب لاتصال الفاعل بضمير يعود على المفعول، فلو قُدّم الفاعل لزم عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبةً قال ابن مالك: شعر : وشاعَ نحو خاف ربَّه عمر وشذّ نحو زان نورُه الشجر تفسير : الثانية: الاختبار في الأصل الامتحان بالشيء ليعلم صدق ذلك الشخص أو كذبه وهو مستحيل على الله لأنه عالم بذلك قبل الاختبار، فالمراد أنه عامله معاملة المختبر ليظهر ذلك للخلق. الثالثة: اختلف المفسرون في الكلمات التي اختبر الله بها إِبراهيم عليه السلام وأصح هذه الأقوال ما روي عن ابن عباس أنه قال: "الكلمات التي ابتلى الله بهن إِبراهيم فأتمهن: فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم، ومحاجة نمرود في الله، وصبره على قذفهم إِياه في النار ليحرقوه، والهجرة من وطنه حين أمر بالخروج عنهم، وما ابتلى به من ذبح ابنه حين أمر بذبحه". الرابعة: المراد من الإِمامة في الآية الكريمة "الإِمامة في الدين" وهي النبوة التي حرمها الظالمون، ولو كانت الإِمامة الدنيوية لخالف ذلك الواقع إِذ نالها كثير من الظالمين، فظهر أن المراد الإِمامة في الدين خاصة. الخامسة: ذكر العلامة ابن القيم أن السرَّ في تفضيل البيت العتيق ظاهر في انجذاب الأفئدة، وهوى القلوب ومحبتها له، فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد، فهم يثوبون إِليه من جميع الأقطار ولا يقضون منه وطراً، بل كلما ازدادوا له زيارة، ازدادوا له اشتياقاً. شعر : لا يرجع الطرف عنها حين يبصرها حتى يعود إليها الطرف مشتاقاً

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} معناه خَليفةٌ. والجمعُ الأَئِمةُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} قالَ عليهِ السلامُ معناه اخْتَبَرهُ. والكلماتُ: هي الطّهارةُ. وهي عَشرٌ، خَمسٌ في الرأسِ: الفرقُ، وقَصُّ الشاربِ، والمضمضةُ، والاسْتِنشاقُ والسِواكُ، وخَمسٌ في الجسدِ: تَقليمُ الأَظفارِ، وحَلْقُ العَانةِ، والخِتانُ، والاستنجاءُ بالماءِ عندَ الغَائطِ، ونتفُ الإِبطِ. ويقالُ: بكلماتٍ: معناهُ بمناسكِ الحجِ، الطّوافُ بالبيتِ والسَّعيُ بينَ الصَّفا والمَروةِ، ورَمْيُ الجِمارِ. ويقالُ ابتلاهُ بالآياتِ التي بَعْدَها: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} معناهُ لا يكونُ إماماً يُقتَدى بهِ. قالَ زيدُ بن علي عليهما السلام: ابتلاهُ بذبحِ وَلَدِهِ، وبالنَّارِ، وبالكَوكبِ، وبالشَّمسِ، والقمرِ.

الأندلسي

تفسير : {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ} الآية لما كانوا من نسل إبراهيم عليه السلام وعيّرت اليهود المؤمنين بتوجههم إلى الكعبة، ذكر ما ابتلي به إبراهيم واستطرد منه إلى ذكر البيت وبنائه على يد إبراهيم واسماعيل. والابتلاء: اختبار. وإبراهيم: اسم أعجمي. ويقال: ابراهام وابراهِمُ وابراهُمُ وابرَهَمُ وابرهُمُ وهو الجد الحادي والثلاثون لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو خليل الله بن تارخ بن ناحور بن ساروع بن أرغو بن فالغ بن عابر، وهو هود عليه السلام. وقرأ الجمهور: بنصب إبراهيم ورفع ربه. ومعنى {بِكَلِمَاتٍ} أي كلفه بأوامر ونواه. وهذا التركيب يوجب تقديم المفعول على الفاعل عند الجمهور وقد سمع ضرب غلامَهُ زيداً وهو مقيس عند بعض النحويين. ومن قرأ بالرفع في إبراهيم والنصب فيما بعده فكني عن الدعاء بالابتلاء به ربه أي يطلب من ربه في تلك الكلمات التي دعا بها الاجابة. وللمفسرين في تعيين الكلمات أقوال كثيرة مضطربة. {فَأَتَمَّهُنَّ} ان كان الضمير عائداً على الله فالمعنى أكملهن الله له من غير نقص، أو على إبراهيم فالمعنى: قام بهن وبأعبائهن من غير نقص. {قَالَ} استئناف فالعامل في إذ محذوف أو ليس باستئناف وهو العامل في إذ. وجاعل هنا بمعنى: مصيّر فيتعدى إلى اثنين. و{لِلنَّاسِ} اما متعلقة بجاعلك أي لأجل الناس واما في موضع الحال لأنه نعت نكرة تقدمت أي. {إِمَاماً} كائناً للناس. وإماماً: أي صاحب شرع يقتدي بك فيه. {قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي} قال الزمخشري: عطف على الكاف كأنه قال وجاعل بعض ذريتي كما يقال لك: سأكرمك. فتقول: وزيداً. "انتهى". ولا يصح العطف على الكاف ولو صرح بالمعطوف لأنها ضمير مجرور فالعطف عليها لا يكون إلا بالعامل ولم يعد ولأن من لا يمكن تقدير الجار مضافاً إليها لأنها حرف فتقديرها بأنها مرادفة لمعنى حتى يقدر جاعلاً مضافاً إليها لا يصح والذي يقتضيه المعنى وسياق الكلام أن يكون التقدير قال: واجعل من ذريتي إماماً، لأنه فهم من قوله: جاعلك للناس إماماً: الاختصاص. فسأل الله تعالى أن يجعل من ذريته إماماً. وقرىء: بضم الذال وبكسرها وبفتحها. والذرية: النسل وفي وزنها وفيما اشتقت منها اختلاف والظاهر أن وزنها فعلية مشتقة من الذر. {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي} أي قال الله. وفي العهد أقوال أظهرها الامامة لأنه المصدّر به والمطلوب من إبراهيم لذريته. وهذا الجواب يربي على السؤال، لأن إبراهيم طلب من الله أن يجعل من ذريته إماماً فأجابه أنه "لا ينال" عهده الظالم. ودل مفهوم الصفة أنه يناله من ليس بظالم. ودل الجواب على انقسام ذريته إلى ظالم وغير ظالم. وفيه دليل على أن الفاسق لا يصلح للإِمامة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى، عن عبده وخليله، إبراهيم عليه السلام، المتفق على إمامته وجلالته، الذي كل من طوائف أهل الكتاب تدعيه، بل وكذلك المشركون: أن الله ابتلاه وامتحنه بكلمات، أي: بأوامر ونواهي، كما هي عادة الله في ابتلائه لعباده، ليتبين الكاذب الذي لا يثبت عند الابتلاء والامتحان من الصادق، الذي ترتفع درجته، ويزيد قدره، ويزكو عمله، ويخلص ذهبه، وكان من أجلِّهم في هذا المقام، الخليل عليه السلام. فأتم ما ابتلاه الله به، وأكمله ووفاه، فشكر الله له ذلك، ولم يزل الله شكورا فقال: { إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } أي: يقتدون بك في الهدى، ويمشون خلفك إلى سعادتهم الأبدية، ويحصل لك الثناء الدائم، والأجر الجزيل، والتعظيم من كل أحد. وهذه - لعمر الله - أفضل درجة، تنافس فيها المتنافسون، وأعلى مقام، شمر إليه العاملون، وأكمل حالة حصلها أولو العزم من المرسلين وأتباعهم، من كل صديق متبع لهم، داع إلى الله وإلى سبيله. فلما اغتبط إبراهيم بهذا المقام، وأدرك هذا، طلب ذلك لذريته، لتعلو درجته ودرجة ذريته، وهذا أيضا من إمامته، ونصحه لعباد الله، ومحبته أن يكثر فيهم المرشدون، فلله عظمة هذه الهمم العالية، والمقامات السامية. فأجابه الرحيم اللطيف، وأخبر بالمانع من نيل هذا المقام فقال: { لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } أي: لا ينال الإمامة في الدين، من ظلم نفسه وضرها، وحط قدرها، لمنافاة الظلم لهذا المقام، فإنه مقام آلته الصبر واليقين، ونتيجته أن يكون صاحبه على جانب عظيم من الإيمان والأعمال الصالحة، والأخلاق الجميلة، والشمائل السديدة، والمحبة التامة، والخشية والإنابة، فأين الظلم وهذا المقام؟ ودل مفهوم الآية، أن غير الظالم، سينال الإمامة، ولكن مع إتيانه بأسبابها. ثم ذكر تعالى، نموذجا باقيا دالا على إمامة إبراهيم، وهو هذا البيت الحرام الذي جعل قصده، ركنا من أركان الإسلام، حاطا للذنوب والآثام. وفيه من آثار الخليل وذريته، ما عرف به إمامته، وتذكرت به حالته فقال: { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ } أي: مرجعا يثوبون إليه، لحصول منافعهم الدينية والدنيوية، يترددون إليه، ولا يقضون منه وطرا، { و } جعله { أَمْنًا } يأمن به كل أحد، حتى الوحش، وحتى الجمادات كالأشجار. ولهذا كانوا في الجاهلية - على شركهم - يحترمونه أشد الاحترام، ويجد أحدهم قاتل أبيه في الحرم، فلا يهيجه، فلما جاء الإسلام، زاده حرمة وتعظيما، وتشريفا وتكريما. { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } يحتمل أن يكون المراد بذلك، المقام المعروف الذي قد جعل الآن، مقابل باب الكعبة، وأن المراد بهذا، ركعتا الطواف، يستحب أن تكونا خلف مقام إبراهيم، وعليه جمهور المفسرين، ويحتمل أن يكون المقام مفردا مضافا، فيعم جميع مقامات إبراهيم في الحج، وهي المشاعر كلها: من الطواف، والسعي، والوقوف بعرفة، ومزدلفة ورمي الجمار والنحر، وغير ذلك من أفعال الحج. فيكون معنى قوله: { مُصَلًّى } أي: معبدا، أي: اقتدوا به في شعائر الحج، ولعل هذا المعنى أولى، لدخول المعنى الأول فيه، واحتمال اللفظ له. { وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ } أي: أوحينا إليهما، وأمرناهما بتطهير بيت الله من الشرك، والكفر والمعاصي، ومن الرجس والنجاسات والأقذار، ليكون { لِلطَّائِفِينَ } فيه { وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } أي: المصلين، قدم الطواف، لاختصاصه بالمسجد [الحرام]، ثم الاعتكاف، لأن من شرطه المسجد مطلقا، ثم الصلاة، مع أنها أفضل، لهذا المعنى. وأضاف الباري البيت إليه لفوائد، منها: أن ذلك يقتضي شدة اهتمام إبراهيم وإسماعيل بتطهيره، لكونه بيت الله، فيبذلان جهدهما، ويستفرغان وسعهما في ذلك. ومنها: أن الإضافة تقتضي التشريف والإكرام، ففي ضمنها أمر عباده بتعظيمه وتكريمه. ومنها: أن هذه الإضافة هي السبب الجاذب للقلوب إليه.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 32 : 18 - سفين عن منصور عن مجاهد في قول الله جل وعز {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} تقتدا. [الآية 124]

همام الصنعاني

تفسير : 114- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن من سمع الحسن، في قوله تعالى: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}: [الآية: 124]، قالَ: ابتلاهُ بذبح وَلَدِهِ، وبالنار، والكواكب، والشمس والقمر. 115- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا مَعْمر، وقالَ قتادة، قال ابن عباس: ابتلاه الله بالنَّارِ. 116- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس: في قَوْله تعالى: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}: [الآية: 124]، قال: ابتلاهَ الله بالطهارة خمسٌ في الرأسِ، وخمس في الجَسَد. في الرأس: السواك، والاستنشاق، والمضمضة، وقص الشَّارِب، وفرق الرأس. وفي الجسد خمسة: تقليم الأظفار، وحَلْقُ العانَةِ، والختان، والاستنجاء من الغائطِ والبَوْلِ، ونتف الإِبط. 120- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ}: [الآية: 124]، قال: لا يَنال عهد الله في الآخِرَةِ الظالمون، فأمَّا في الدنيا فقد نَالَهُ الظالم، فآمَنَ به وأكل وأبصر وعاشَ.