Verse. 132 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَاِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَۃً لِّلنَّاسِ وَاَمْنًا۝۰ۭ وَاتَّخِذُوْا مِنْ مَّقَامِ اِبْرٰہٖمَ مُصَلًّى۝۰ۭ وَعَہِدْنَاۗ اِلٰۗى اِبْرٰہٖمَ وَاِسْمٰعِيْلَ اَنْ طَہِّرَا بَيْـتِىَ لِلطَّاۗىِٕفِيْنَ وَالْعٰكِفِيْنَ وَالرُّكَّعِ السُّجُوْدِ۝۱۲۵
Waith jaAAalna albayta mathabatan lilnnasi waamnan waittakhithoo min maqami ibraheema musallan waAAahidna ila ibraheema waismaAAeela an tahhira baytiya lilttaifeena waalAAakifeena waalrrukkaAAi alssujoodi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذ جعلنا البيت» الكعبة «مثابة للناس» مرجعا يثبون إليه من كل جانب «وأمنا» مأمنا لهم من الظلم والإغارات الواقعة في غيره، كان الرجل يلقى قاتل أبيه فيه فلا يهيجه «واتخذوا» أيها الناس «من مقام إبراهيم» هو الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت «مصلى» مكان صلاة بأن تصلوا خلفه ركعتي الطواف، وفي قراءة بفتح الخاء خبر «وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل» أمرناهما «أن» أي بأن «طهِّرا بيتي» من الأوثان «للطائفين والعاكفين» المقيمين فيه «والركع السجود» جمع راكع وساجد المصلين.

125

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى بين كيفية حال إبراهيم عليه السلام حين كلفه بالإمامة، وهذا شرح التكليف الثاني، وهو التكليف بتطهير البيت، ثم نقول: أما البيت فإنه يريد البيت الحرام، واكتفى بذكر البيت مطلقاً لدخول الألف واللام عليه، إذا كانتا تدخلان لتعريف المعهود أو الجنس، وقد علم المخاطبون أنه لم يرد به الجنس فانصرف إلى المعهود عندهم وهو الكعبة، ثم نقول: ليس المراد نفس الكعبة، لأنه تعالى وصفه بكونه (أمناً) وهذا صفة جميع الحرم لا صفة الكعبة فقط والدليل على أنه يجوز إطلاق البيت والمراد منه كل الحرم قوله تعالى: {أية : هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ} تفسير : [المائدة: 95] والمراد الحرم كله لا الكعبة نفسها، لأنه لا يذبح في الكعبة، ولا في المسجد الحرام وكذلك قوله: {أية : فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا } تفسير : [التوبة: 28]، والمراد والله أعلم منعهم من الحج حضور مواضع النسك، وقال في آية أخرى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً } تفسير : [العنكبوت: 67] وقال الله تعالى في آية أخرى مخبراً عن إبراهيم: {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ امِنًا } تفسير : [إبراهيم: 35] فدل هذا على أنه وصف البيت بالأمن فاقتضى جميع الحرم، والسبب في أنه تعالى أطلق لفظ البيت وعنى به الحرم كله أن حرمة الحرم لما كانت معلقة بالبيت جاز أن يعبر عنه باسم البيت. أما قوله تعالى: {مَثَابَةً لّلنَّاسِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال أهل اللغة: أصله من ثاب يثوب مثابة وثوباً إذا رجع يقال: ثاب الماء إذا رجع إلى النهر بعد انقطاعه، وثاب إلى فلان عقله أي رجع وتفرق عنه الناس، ثم ثابوا: أي عادوا مجتمعين، والثواب من هذا أخذ، كأن ما أخرجه من مال أو غيره فقد رجع إليه، والمثاب من البئر: مجتمع الماء في أسفلها، قال القفال قيل: إن مثاباً ومثابة لغتان مثل: مقام ومقامة وهو قول الفراء والزجاج، وقيل: الهاء إنما دخلت في مثابة مبالغة كما في قولهم: نسابة وعلامة، وأصل مثابة مثوبة مفعلة. المسألة الثانية: قال الحسن: معناه أنهم يثوبون إليه في كل عام، وعن ابن عباس ومجاهد: أنه لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه، قال الله تعالى: {أية : فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ } تفسير : [إبراهيم: 37] وقيل: مثابة أي يحجون إليه فيثابون عليه، فإن قيل: كون البيت مثابة يحصل بمجرد عودهم إليه، وذلك يحصل بفعلهم لا بفعل الله تعالى، فما معنى قوله: {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لّلنَّاسِ } قلنا: أما على قولنا ففعل العبد مخلوق لله تعالى فهذه الآية حجة على قولنا في هذه المسألة، وأما على قول المعتزلة فمعناه أنه تعالى ألقى تعظيمه في القلوب ليصير ذلك داعياً لهم إلى العود إليه مرة بعد أخرى، وإنما فعل الله تعالى ذلك لما فيه من منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الدنيا فلأن أهل المشرق والمغرب يجتمعون هناك، فيحصل هناك من التجارات وضروب المكاسب ما يعظم به النفع، وأيضاً فيحصل بسبب السفر إلى الحج عمارة الطريق والبلاد، ومشاهدة الأحوال المختلفة في الدنيا، وأما منافع الدين فلأن من قصد البيت رغبة منه في النسك والتقرب إلى الله تعالى، وإظهار العبودية له، والمواظبة على العمرة والطواف، وإقامة الصلاة في ذلك المسجد المكرم والاعتكاف فيه، يستوجب بذلك ثواباً عظيماً عند الله تعالى. المسألة الثانية: تمسك بعض أصحابنا في وجوب العمرة بقوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لّلنَّاسِ } ووجه الاستدلال به أن قوله: {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لّلنَّاسِ } إخبار عن أنه تعالى جعله موصوفاً بصفة كونه مثابة للناس، لكن لا يمكن إجراء الآية على هذا المعنى لأن كونه مثابة للناس صفة تتعلق باختيار الناس، وما يتعلق باختيار الناس لا يمكن تحصيله بالجبر والإلجاء، وإذا ثبت تعذر إجراء الآية على ظاهرها وجب حمل الآية على الوجوب لأنا متى حملناه على الوجوب كان ذلك أفضى إلى صيرورته كذلك مما إذا حملناه على الندب، فثبت أن الله تعالى أوجب علينا العود إليه مرة بعد أخرى، وقد توافقنا على أن هذا الوجوب لا يتحقق فيما سوى الطواف، فوجب تحققه في الطواف، هذا وجه الاستدلال بهذه الآية، وأكثر من تكلم في أحكام القرآن طعن في دلالة هذه الآية على هذا المطلوب، ونحن قد بينا دلالتها عليه من هذا الوجه الذي بيناه. أما قوله تعالى: {وَأَمْناً } أي موضع أمن، ثم لا شك أن قوله: {جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْناً } خبر، فتارة نتركه على ظاهره ونقول أنه خبر، وتارة نصرفه عن ظاهره ونقول أنه أمر. أما القول الأول: فهو أن يكون المراد أنه تعالى جعل أهل الحرم آمنين من القحط والجدب على ما قال: {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءَامِناً } تفسير : [العنكبوت: 67] وقوله: {أية : أَوَ لَمْ نُمَكّن لَّهُمْ حَرَماً ءَامِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَىْء } تفسير : [القصص: 57] ولا يمكن أن يكون المراد منه الإخبار عن عدم وقوع القتل في الحرم، لأنا نشاهد أن القتل الحرام قد يقع فيه، وأيضاً فالقتل المباح قد يوجد فيه، قال الله تعالى: {أية : وَلاَ تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَـٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ } تفسير : [البقرة: 191] فأخبر عن وقوع القتل فيه. القول الثاني: أن نحمله على الأمر على سبيل التأويل، والمعنى أن الله تعالى أمر الناس بأن يجعلوا ذلك الموضع أمناً من الغارة والقتل، فكان البيت محترماً بحكم الله تعالى، وكانت الجاهلية متمسكين بتحريمه، لا يهيجون على أحد التجأ إليه، وكانوا يسمون قريشاً: أهل الله تعظيماً له، ثم اعتبر فيه أمر الصيد حتى أن الكلب ليهم بالظبي خارج الحرم فيفر الظبي منه فيتبعه الكلب فإذا دخل الظبي الحرم لم يتبعه الكلب، ورويت الأخبار في تحريم مكة قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن الله حرم مكة وأنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها كما كانت» تفسير : فذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أن المعنى: أنها لم تحل لأحد بأن ينصب الحرب عليها وأن ذلك أحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما من دخل البيت من الذين تجب عليهم الحدود فقال الشافعي رضي الله عنه: إن الإمام يأمر بالتضييق عليه بما يؤدي إلى خروجه من الحرم، فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحل، فإن لم يخرج حتى قتل في الحرم جاز، وكذلك من قاتل في الحرم جاز قتله فيه، وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يجوز، واحتج الشافعي رحمه الله بأنه عليه الصلاة والسلام أمر عندما قتل عاصم بن ثابت بن الأفلح وخبيب بقتل أبي سفيان في داره بمكة غيلة إن قدر عليه، قال الشافعي رحمه الله: وهذا في الوقت الذي كانت مكة فيه محرمة فدل أنها لا تمنع أحداً من شيء وجب عليه وأنها إنما تمنع من أن ينصب الحرب عليها كما ينصب على غيرها، واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية، والجواب عنه أن قوله: {وَأَمْناً } ليس فيه بيان أنه جعله أمناً فيماذا فيمكن أن يكون أمناً من القحط، وأن يكون أمناً من نصب الحروب، وأن يكون أمناً من إقامة الحدود، وليس اللفظ من باب العموم حتى يحمل على الكل، بل حمله على الأمن من القحط والآفات أولى لأنا على هذا التفسير لا نحتاج إلى حمل لفظ الخبر على معنى الأمر وفي سائر الوجوه نحتاج إلى ذلك، فكان قول الشافعي رحمه الله أولى. أما قوله تعالى: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلًّى } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم والكسائي: {وَٱتَّخَذُواْ } بكسر الخاء على صيغة الأمر، وقرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على صيغة الخبر. أما القراءة الأولى: فقوله: {وَٱتَّخَذُواْ } عطف على ماذا، وفيه أقوال، الأول: أنه عطف على قوله: {أية : ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِى ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [البقرة: 122]، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}. الثاني: إنه عطف على قوله: {أية : إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } تفسير : [البقرة: 124] والمعنى أنه لما ابتلاه بكلمات وأتمهن، قال له جزاء لما فعله من ذلك: {إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } وقال: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلًّى } ويجوز أن يكون أمر بهذا ولده، إلا أنه تعالى أضمر قوله وقال، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ } تفسير : [الأعراف: 171]. الثالث: أن هذا أمر من الله تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وهو كلام اعترض في خلال ذكر قصة إبراهيم عليه السلام، وكأن وجهه: {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْناً وَٱتَّخِذُواْ } أنتم من مقام إبراهيم مصلى والتقدير أنا لما شرفناه ووصفناه بكونه مثابة للناس وأمناً فاتخذوه أنتم قبلة لأنفسكم، والواو والفاء قد يذكر كل واحد منهما في هذا الوضع وإن كانت الفاء أوضح، أما من قرأ: {وَٱتَّخَذُواْ } بالفتح فهو إخبار عن ولد إبراهيم أنهم اتخذوا من مقامه مصلى، فيكون هذا عطفاً على: {جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ } واتخذوه مصلى، ويجوز أن يكون عطفاً على: {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ } وإذ اتخذوه مصلى. المسألة الثانية: ذكروا أقوالاً في أن مقام إبراهيم عليه السلام أي شيء هو: القول الأول: إنه موضع الحجر قام عليه إبراهيم عليه السلام، ثم هؤلاء ذكروا وجهين: أحدهما: أنه هو الحجر الذي كانت زوجة إسماعيل وضعته تحت قدم إبراهيم عليه السلام حين غسلت رأسه فوضع إبراهيم عليه السلام رجله عليه وهو راكب فغسلت أحد شقي رأسه ثم رفعته من تحته وقد غاصت رجله في الحجر فوضعته تحت الرجل الأخرى فغاصت رجله أيضاً فيه فجعله الله تعالى من معجزاته وهذا قول الحسن وقتادة والربيع بن أنس. وثانيها: ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن إبراهيم عليه السلام كان يبني البيت وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان: {أية : رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } تفسير : [البقرة: 127] فلما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن وضع الحجارة قام على حجر وهو مقام إبراهيم عليه السلام. القول الثاني: أن مقام إبراهيم الحرم كله وهو قول مجاهد. الثالث: أنه عرفة والمزدلفة والجمار وهو قول عطاء. الرابع: الحج كله مقام إبراهيم وهو قول ابن عباس، واتفق المحققون على أن القول الأولى أولى ويدل عليه وجوه. الأول: ما روى جابر أنه عليه السلام لما فرغ من الطواف أتى المقام وتلا قوله تعالى: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلًّى } فقراءة هذه اللفظة عند ذلك الموضع تدل على أن المراد من هذه اللفظة هو ذلك الموضع ظاهر. وثانيها: أن هذا الاسم في العرف مختص بذلك الموضع والدليل عليه أن سائلاً لو سأل المكي بمكة عن مقام إبراهيم لم يجبه ولم يفهم منه إلا هذا الموضع. وثالثها: ما روي أنه عليه السلام مر بالمقام ومعه عمر فقال: يا رسول الله أليس هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: بلى. قال: أفلا نتخذه مصلى؟ قال: لم أومر بذلك، فلم تغب الشمس من يومهم حتى نزلت الآية. ورابعها: أن الحجر صار تحت قدميه في رطوبة الطين حتى غاصت فيه رجلا إبراهيم عليه السلام، وذلك من أظهر الدلائل على وحدانية الله تعالى ومعجزة إبراهيم عليه السلام فكان اختصاصه بإبراهيم أولى من اختصاص غيره به، فكان إطلاق هذا الاسم عليه أولى. وخامسها: أنه تعالى قال: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلًّى } وليس للصلاة تعلق بالحرم ولا بسائر المواضع إلا بهذا الموضع، فوجب أن يكون مقام إبراهيم هو هذا الموضع. وسادسها: أن مقام إبراهيم هو موضع قيامه، وثبت بالأخبار أنه قام على هذا الحجر عند المغتسل ولم يثبت قيامه على غيره فحمل هذا اللفظ، أعني: مقام إبراهيم عليه السلام على الحجر يكون أولى قال القفال: ومن فسر مقام إبراهيم بالحجر خرج قوله: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلًّى } على مجاز قول الرجل: اتخذت من فلان صديقاً وقد أعطاني الله من فلان أخاً صالحاً ووهب الله لي منك ولياً مشفقاً وإنما تدخل (من) لبيان المتخذ الموصوف وتميزه في ذلك المعنى من غيره والله أعلم. المسألة الثالثة: ذكروا في المراد بقوله: {مُصَلًّى } وجوهاً. أحدها: المصلى المدعى فجعله من الصلاة التي هي الدعاء، قال الله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ } تفسير : [الأحزاب: 56] وهو قول مجاهد، وإنما ذهب إلى هذا التأويل ليتم له قوله: إن كل الحرم مقام إبراهيم. وثانيها: قال الحسن: أراد به قبلة. وثالثها: قال قتادة والسدي: أمروا أن يصلوا عنده. قال أهل التحقيق: هذا القول أولى لأن لفظ الصلاة إذا أطلق يعقل منه الصلاة المفعولة بركوع وسجود ألا ترى أن مصلى المصر وهو الموضع الذي يصلى فيه صلاة العيد وقال عليه السلام لأسامة بن زيد المصلى أمامك يعني به موضع الصلاة المفعولة، وقد دل عليه أيضاً فعل النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة عنده بعد تلاوة الآية ولأن حملها على الصلاة المعهودة أولى لأنها جامعة لسائر المعاني التي فسروا الآية بها وههنا بحث فقهي وهو أن ركعتي الطواف فرض أم سنة ينظر إن كان الطواف فرضاً فللشافعي رضي الله عنه فيه قولان، أحدهما: فرض لقوله تعالى: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلًّى } والأمر للوجوب. والثاني: سنة لقوله عليه السلام للأعرابي حين قال: هل علي غيرها، قال: لا إلا أن تطوع وإن كان الطواف نفلاً مثل طواف القدوم فركعتاه سنة والرواية عن أبي حنيفة مختلفة أيضاً في هذه المسألة والله أعلم. المسألة الرابعة: في فضائل البيت: روى الشيخ أحمد البيهقي كتاب شعب الإيمان عن أبي ذر قال: «حديث : قلت يا رسول الله أي مسجد وضع على الأرض أولاً؟ قال: المسجد الحرام، قال: قلت ثم أي؟ قال: ثم المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة فأينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد»تفسير : أخرجاه في الصحيحين، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: خلق البيت قبل الأرض بألفي عام ثم دحيت الأرض منه وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال عليه السلام: «حديث : أول بقعة وضعت في الأرض موضع البيت ثم مدت منها الأرض، وأن أول جبل وضعه الله تعالى على وجه الأرض أبو قبيس ثم مدت منه الجبال». تفسير : وعن وهب بن منبه قال: إن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض استوحش منها لما رأى من سعتها ولأنه لم ير فيها أحداً غيره، فقال: يا رب أما لأرضك هذه عامر يسبحك فيها ويقدس لك غيري. فقال الله تعالى: إني سأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدي ويقدس لي وسأجعل فيها بيوتاً ترفع لذكري فيسبحني فيها خلقي وسأبوئك منها بيتاً أختاره لنفسي وأخصه بكرامتي وأوثره على بيوت الأرض كلها باسمي واسميه بيتي أعظمه بعظمتي وأحوطه بحرمتي وأجعله أحق البيوت كلها وأولاها بذكري وأضعه في البقعة التي اخترت لنفسي فإني اخترت مكانه يوم خلقت السموات والأرض، أجعل ذلك البيت لك ولمن بعدك حرماً آمناً أحرم بحرمته ما فوقه وما تحته وما حوله فمن حرمه بحرمتي فقد عظم حرمتي ومن أحله فقد أباح حرمتي، ومن آمن أهله استوجب بذلك أماني ومن أخافهم فقد أخافني ومن عظم شأنه فقد عظم في عيني ومن تهاون به فقد صغر في عيني سكانها جيراني وعمارها وفدي وزوارها أضيافي اجعله أول بيت وضع للناس وأعمره بأهل السماء والأرض، يأتونه أفواجاً شعثاً غبراً: {أية : وَأَذّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجٍّ عَميِقٍ } تفسير : [الحج: 27] يعجون بالتكبير عجاً إلي ويثجون بالتلبية ثجاً، فمن اعتمره لا يريد غيري فقد زارني وضافني ونزل بي ووفد علي، فحق لي أن أتحفه بكرامتي وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه وزواره وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته تعمره يا آدم ما كنت حياً ثم يعمره من بعدك الأمم والقرون والأنبياء من ولدك أمة بعد أمة وقرناً بعد قرن ونبياً بعد نبي حتى ينتهي بعد ذلك إلى نبي من ولدك يقال له محمد عليه السلام وهو خاتم النبيين فأجعله من سكانه وعماره وحماته وولاته فيكون أميني عليه ما دام حياً، فإذا انقلب إلي وجدني قد ادخرت له من أجره ما يتمكن به من القربة إلى الوسيلة عندي واجعل اسم ذلك البيت وذكره وشرفه ومجده وسناه وتكرمته لنبي من ولدك يكون قبل هذا النبي وهو أبوه، يقال له إبراهيم أرفع له قواعده وأقضي على يديه عمارته وأعلمه مشاعره ومناسكه وأجعله أمة واحدة قانتاً قائماً بأمري داعياً إلى سبيلي أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم أبتليه فيصبر وأعافيه فيشكر، وآمره فيفعل وينذر لي فيفي ويدعوني فأستجيب دعوته في ولده وذريته من بعده وأشفعه فيهم وأجعلهم أهل ذلك البيت وولاته وحماته وسقاته وخدامه وخزانه وحجابه حتى يبدلوا أو يغيروا وأجعل إبراهيم إمام ذلك البيت وأهل تلك الشريعة يأتم به من حضر تلك المواطن من جميع الجن والإنس. وعن عطاء قال: أهبط آدم بالهند فقال: يا رب مالي لا أسمع صوت الملائكة كما كنت أسمعها في الجنة؟ قال: بخطيئتك يا آدم فانطلق إلى مكة فابن بها بيتاً تطوف به كما رأيتهم يطوفون فانطلق إلى مكة فبنى البيت، فكان موضع قدمي آدم قرى وأنهاراً وعمارة وما بين خطاه مفاوز فحج آدم البيت من الهند أربعين سنة، وسأل عمر كعباً فقال: أخبرني عن هذا البيت فقال إن هذا البيت أنزله الله تعالى من السماء ياقوته مجوفة مع آدم عليه السلام، فقال: يا آدم إن هذا بيتي فطف حوله وصل حوله كما رأيت ملائكتي تطوف حول عرشي وتصلي ونزلت معه الملائكة فرفعوا قواعده من حجارة، فوضع البيت على القواعد فلما أغرق الله قوم نوح رفعه الله وبقيت قواعده. وعن علي رضي الله عنه قال: البيت المعمور بيت في السماء يقال له الضراح، وهو بحيال الكعبة من فوقها حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة لا يعودون فيه أبداً، وذكر علي رضي الله عنه أنه مر عليه الدهر بعد بناء إبراهيم فانهدم فبنته العمالقة ومر عليه الدهر فانهدم فبنته جرهم ومر عليه الدهر فانهدم فبنته قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ شاب، فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا: يحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من خرج عليهم فقضى بينهم أن يجعلوا الحجر في مرط ثم ترفعه جميع القبائل فرفعوه كلهم فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه، وعن الزهري قال: بلغني أنهم وجدوا في مقام إبراهيم عليه السلام ثلاث صفوح في كل صفح منها كتاب، في الصفح الأول: أنا الله ذو بكة صنعتها يوم صنعت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حفاً وباركت لأهلها في اللحم واللبن. وفي الصفح الثاني: أنا الله ذو بكة خلقت الرحم وشققت لها اسماً من إسمي من وصلها وصلته ومن قطعها قطعته. وفي الثالث: أنا الله ذوبكة خلقت الخير والشر، فطوبى لمن كان الخير على يديه وويل لمن كان الشر على يديه. المسألة الخامسة: في فضائل الحجر والمقام، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال عليه السلام: «حديث : الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ولولا ذلك لأضاءا ما بين المشرق والمغرب وما مسهما ذو عاهة ولا سقيم إلا شفي» تفسير : وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال عليه السلام: «حديث : إنه كان أشد بياضاً من الثلج فسودته خطايا أهل الشرك»، تفسير : وعن ابن عباس قال عليه السلام: «حديث : ليأتين هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق». تفسير : وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه انتهى إلى الحجر الأسود فقال: إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. أخرجاه في الصحيح. أما قوله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ } فالأولى أن يراد به ألزمناهما ذلك وأمرناهما أمراً وثقنا عليهما فيه وقد تقدم من قبل معنى العهد والميثاق. أما قوله: {أَن طَهّرَا بَيْتِىَ } فيجب أن يراد به التطهير من كل أمر لا يليق بالبيت، فإذا كان موضع البيت وحواليه مصلى وجب تطهيره من الأنجاس والأقذار، وإذا كان موضع العبادة والإخلاص لله تعالى: وجب تطهيره من الشرك وعبادة غير الله. وكل ذلك داخل تحت الكلام ثم إن المفسرين ذكروا وجوهاً. أحدها: أن معنى: {طَهّرَا بَيْتِىَ } ابنياه وطهراه من الشرك وأسساه على التقوى، كقوله تعالى: {أية : أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ} تفسير : [التوبة: 109]. وثانيها: عرفا الناس أن بيتي طهرة لهم متى حجوه وزاروه وأقاموا به، ومجازه: اجعلاه طاهراً عندهم، كما يقال: الشافعي رضي الله عنه يطهر هذا، وأبو حنيفة ينجسه. وثالثها: ابنياه ولا تدعا أحداً من أهل الريب والشرك يزاحم الطائفين فيه، بل أقراه على طهارته من أهل الكفر والريب، كما يقال: طهر الله الأرض من فلان، وهذه التأويلات مبنية على أنه لم يكن هناك ما يوجب إيقاع تطهيره من الأوثان والشرك، وهو كقوله تعالى: {أية : وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ } تفسير : [البقرة: 25] فمعلوم أنهن لم يطهرن من نجس بل خلقن طاهرات، وكذا البيت المأمور بتطهيره خلق طاهراً، والله أعلم. ورابعها: معناه نظفا بيتي من الأوثان والشرك والمعاصي، ليقتدي الناس بكما في ذلك. وخامسها: قال بعضهم: إن موضع البيت قبل البناء كان يلقى فيه الجيف والأقذار فأمر الله تعالى إبراهيم بإزالة تلك القاذورات وبناء البيت هناك، وهذا ضعيف لأن قبل البناء ما كان البيت موجوداً فتطهير تلك العرصة لا يكون تطهيراً للبيت، ويمكن أن يجاب عنه بأنه سماه بيتاً لأنه علم أن مآله إلى أن يصير بيتاً ولكنه مجاز. أما قوله تعالى: {لِلطَّائِفِينَ وَٱلْعَـٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: العكف مصدر عكف يعكف بضم الكاف وكسرها عكفاً إذا لزم الشيء وأقام عليه فهو عاكف، وقيل: إذا أقبل عليه لا يصرف عنه وجهه. المسألة الثانية: في هذه الأوصاف الثلاثة قولان، الأول: وهو الأقرب أن يحمل ذلك على فرق ثلاثة، لأن من حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه، فيجب أن يكون الطائفون غير العاكفين والعاكفون غير الركع السجود لتصح فائدة العطف، فالمراد بالطائفين: من يقصد البيت حاجاً أو معتمراً فيطوف به، والمراد بالعاكفين: من يقيم هناك ويجاور، والمراد بالركع السجود: من يصلي هناك. والقول الثاني: وهو قول عطاء: أنه إذا كان طائفاً فهو من الطائفين، وإذا كان جالساً فهو من العاكفين، وإذا كان مصلياً فهو من الرجع السجود. المسألة الثالثة: هذه الآية، تدل على أمور. أحدها: أنا إذا فسرنا الطائفين بالغرباء فحينئذ تدل الآية على أن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة، لأنه تعالى كما خصهم بالطواف دل على أن لهم به مزيد اختصاص. وروي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء: أن الطواف لأهل الأمصار أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل. وثانيها: تدل الآية على جواز الاعتكاف في البيت. وثالثها: تدل على جواز الصلاة في البيت فرضاً كانت أو نفلاً إذ لم تفرق الآية بين شيئين منها، وهو خلاف قول مالك في امتناعه من جواز فعل الصلاة المفروضة في البيت، فإن قيل: لا نسلم دلالة الآية على ذلك، لأنه تعالى لم يقل: والركع السجود في البيت، وكما لا تدل الآية على جواز فعل الطواف في جوف البيت، وإنما دلت على فعله خارج البيت، كذلك دلالته مقصورة على جواز فعل الصلاة إلى البيت متوجهاً إليه، قلنا: ظاهر الآية يتناول الركوع والسجود إلى البيت، سواء كان ذلك في البيت أو خارجاً عنه، وإنما أوجبنا وقوع الطواف خارج البيت لأن الطواف بالبيت هو أن يطوف بالبيت، ولا يسمى طائفاً بالبيت من طاف في جوفه، والله تعالى إنما أمر بالطواف به لا بالطواف فيه، لقوله تعالى: {أية : وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } تفسير : [الحج: 29] وأيضاً المراد لو كان التوجه إليه للصلاة، لما كان للأمر بتطهير البيت للركع السجود وجه، إذا كان حاضر والبيت والغائبون عنه سواء في الأمر بالتوجه إليه، واحتج مالك بقوله تعالى: {أية : فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } تفسير : [البقرة:144] ومن كان داخل المسجد الحرام لم يكن متوجهاً إلى المسجد بل إلى جزء من أجزائه. والجواب: أن المتوجه الواحد يستحيل أن يكون متوجهاً إلى كل المسجد، بل لا بد وأن يكون متوجهاً إلى جزء من أجزائه ومن كان داخل البيت فهو كذلك فوجب أن يكون داخلاً تحت الآية. ورابعها: أن قوله: {لِلطَّائِفِينَ } يتناول مطلق الطواف سواء كان منصوصاً عليه في كتاب الله تعالى، كقوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } أو ثبت حكمه بالسنة، أو كان من المندوبات.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {جَعَلْنَا} بمعنى صَيّرنا لتعدّيه إلى مفعولين، وقد تقدّم. {ٱلْبَيْتَ} يعني الكعبة {مَثَابَةً} أي مرجعاً؛ يقال: ثاب يثوب مَثاباً ومَثابةً وثُؤوباً وثَوَباناً. فالمثابة مصدر وُصف به ويراد به الموضع الذي يُثاب إليه؛ أي يرجع إليه. قال ورَقة بن نَوْفل في الكعبة:شعر : مَثاباً لأَفناءِ القبائل كلِّها تَخُبُّ إليها اليَعْمَلاتُ الذَّوامِلُ تفسير : وقرأ الأعمش «مَثاباتٍ» على الجمع. ويحتمل أن يكون من الثواب؛ أي يثابون هناك. وقال مجاهد: لا يقضي أحد منه وَطَراً؛ قال الشاعر:شعر : جُعِل البيتُ مَثاباً لهمُ ليس منه الدّهر يقضون الوَطَرْ تفسير : والأصل مثوبة، قُلبت حركة الواو على الثاء فقلبت الواو ألفاً ٱتباعاً لثاب يثوب، وٱنتصب على المفعول الثاني، ودخلت الهاء للمبالغة لكثرة من يثوب أي يرجع؛ لأنه قل ما يفارق أحد البيت إلا وهو يرى أنه لم يقض منه وطراً؛ فهي كنسّابة وعلاّمة؛ قاله الأخفش. وقال غيره: هي هاء تأنيث المصدر وليست للمبالغة. فإن قيل: ليس كل من جاءه يعود إليه، قيل: ليس يختص بمن ورد عليه، وإنما المعنى أنه لا يخلو من الجملة، ولا يعدم قاصداً من الناس؛ والله تعالى أعلم. الثانية: قوله تعالى: {وَأَمْناً} استدلّ به أبو حنيفة وجماعة من فقهاء الأمصار على ترك إقامة الحدّ في الحَرَم على المُحْصن والسارق إذا لجأ إليه؛ وعَضَدُوا ذلك بقوله تعالى: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}تفسير : [آل عمران: 97] كأنه قال: آمنوا من دخل البيت. والصحيح إقامة الحدود في الحَرَم، وأن ذلك من المنسوخ؛ لأن الاتفاق حاصل أنه لا يقتل في البيت، ويقتل خارج البيت. وإنما الخلاف هل يقتل في الحرَم أم لا؟ والحَرَمُ لا يقع عليه ٱسم البيت حقيقة. وقد أجمعوا أنه لو قَتل في الحَرَم قُتل به، ولو أتى حَدًّا أُقِيد منه فيه، ولو حارب فيه حُورب وقُتل مكانه. وقال أبو حنيفة: من لَجَأ إلى الحرم لا يُقتل فيه وَلا يُتابع، ولا يزال يُضيق عليه حتى يموت أو يخرج. فنحن نقتله بالسيف، وهو يقتله بالجوع والصّد؛ فأيّ قتل أشدّ من هذا. وفي قوله: {وَأَمْناً} تأكيد للأمر بٱستقبال الكعبة؛ أي ليس في بيت المَقْدس هذه الفضيلة، ولا يحج إليه الناس، ومن ٱستعاذ بالحَرَم أَمِن من أن يُغار عليه. وسيأتي بيان هذا في «المائدة» إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَٱتَّخِذُواْ} قرأ نافع وٱبن عامر بفتح الخاء على جهة الخبر عمن ٱتخذه من متّبعي إبراهيم، وهو معطوف على {جَعَلْنَا} أي جعلنا البيت مَثابةً وٱتخذوه مُصَلًّى. وقيل هو معطوف على تقدير إذ، كأنه قال: وإذ جعلنا البيت مَثابةً وإذ ٱتخذوا؛ فعلى الأوّل الكلام جملة واحدة، وعلى الثاني جملتان. وقرأ جمهور القراء «وٱتخِذوا» بكسر الخاء على جهة الأمر، قطعوه من الأوّل وجعلوه معطوفاً جملة على جملة. قال المهدوِيّ: يجوز أن يكون معطوفاً على {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ} كأنه قال ذلك لليهود، أو على معنى إذ جعلنا البيت؛ لأن معناه ٱذكروا إذ جعلنا. أو على معنى قوله: {مَثَابَةً} لأن معناه ثُوبُوا. الثانية: روى ٱبن عمر قال قال عمر: وافقتُ ربّي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر. خرّجه مسلم وغيره. وخرّجه البخاري عن أنس قال قال عمر: وافقت الله في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث... الحديث، وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده فقال: حدّثنا حماد بن سلمة حدّثنا عليّ بن زيد عن أنس بن مالك: قال قال عمر: وافقت ربي في أربع؛ قلت يا رسول الله: لو صلّيت خلف المقام؟ فنزلت هذه الآية: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} وقلت: يا رسول الله، لو ضَرَبْتَ على نسائك الحجاب فإنه يدخل عليهن البَرّ والفاجر؟ فأنزل الله: {أية : وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ}تفسير : [الأحزاب: 53]، ونزلت هذه الآية: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ تفسير : [المؤمنون: 12]؛ فلما نزلت قلت أنا: تبارك الله أحسن الخالقين؛ فنزلت: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}تفسير : [المؤمنون: 14]، ودخلتُ على أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم فقلت: لتنتهنّ أو ليبدلنّه الله بأزواج خير منكن؛ فنزلت الآية: {أية : عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ} تفسير : [التحريم: 5]. قلت: ليس في هذه الرواية ذكر للأسارى، فتكون موافقة عمر في خمس. الثالثة: قوله تعالى: {مِن مَّقَامِ} المقام في اللغة: موضع القدمين. قال النحاس: «مَقام» مِن قام يقوم، يكون مصدراً وٱسماً للموضع. ومُقام مِن أقام؛ فأما قول زُهَير:شعر : وفيهم مقاماتٌ حِسانٌ وجوهُهم وأنديةٌ ينتابُها القولُ والفعلُ تفسير : فمعناه: فيهم أهل مقامات. وٱختلف في تعيين المقام على أقوال؛ أصحها ـ أنه الحَجر الذي تعرفه الناس اليوم الذي يصلّون عنده ركعتي طواف القدوم. وهذا قول جابر بن عبد اللَّه وٱبن عباس وقتادة وغيرهم. وفي صحيح مسلم من حديث جابر الطويل أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما رأى البيت ٱستلم الركن فَرَمَل ثلاثاً، ومشى أربعاً؛ ثم تقدّم إلى مقام إبراهيم فقرأ: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} فصلى ركعتين قرأ فيهما بـ {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}تفسير : [الصمد:1] و {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ}تفسير : [الكافرون: 1]. وهذا يدل على أن ركعتي الطواف وغيرهما من الصلوات (لأهل مكة أفضل) ويدل من وجه على أن الطواف للغرباء أفضل، على ما يأتي. وفي البخاري: أنه الحجر الذي ٱرتفع عليه إبراهيم حين ضَعُف عن رفع الحجارة التي كان إسماعيل يناولها إيّاه في بناء البيت، وغَرِقت قدماه فيه. قال أنس: رأيت في المقام أثر أصابعه وعقبه وأخمص قدميه، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم؛ حكاه القُشَيري. وقال السُّدّي: المقام الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم عليه السلام حين غسلت رأسه. وعن ٱبن عباس أيضاً ومجاهد وعكرمة وعطاء: الحج كله. وعن عطاء: عَرَفة ومُزْدَلِفة والجمار؛ وقاله الشَّعْبي. النَّخَعِيّ: الحَرَم كله مقام إبراهيم؛ وقاله مجاهد. قلت: والصحيح في المقام القول الأوّل، حسب ما ثبت في الصحيح. وخرّج أبو نعيم من حديث محمد بن سُوقة عن محمد بن المُنْكَدر عن جابر قال: "حديث : نظر النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى رجل بين الركن والمقام، أو الباب والمقام وهو يدعو ويقول: اللَّهُمّ ٱغفر لفلان؛ فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما هذا»؟ فقال: رجل ٱستودعني أن أدْعُوَ له في هذا المقام؛ فقال: «ٱرجع فقد غُفر لصاحبك»"تفسير : . قال أبو نعيم: حدّثناه أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم القاضي قال حدّثنا محمد بن عاصم بن يحيى الكاتب قال حدّثنا عبد الرحمن بن القاسم القطّان الكوفي قال حدثنا الحارث بن عمران الجعفري عن محمد بن سُوقة؛ فذكره. قال أبو نعيم: كذا رواه عبد الرحمن عن الحارث عن محمد عن جابر، وإنما يعرف من حديث الحارث عن محمد عن عكرمة عن ٱبن عباس. ومعنى «مُصَلًّى»: مدّعى يُدعَى فيه؛ قاله مجاهد. وقيل: موضع صلاة يصلَّى عنده؛ قاله قتادة. وقيل: قِبلة يقف الإمام عندها؛ قاله الحسن. قوله تعالى: {وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَٱلْعَاكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَعَهِدْنَآ} قيل: معناه أمرنا. وقيل: أوحينا. {أَن طَهِّرَا} «أن» في موضع نصب على تقدير حذف الخافض. وقال سيبويه: إنها بمعنى أي مفسّرة، فلا موضع لها من الإعراب. وقال الكوفيون: تكون بمعنى القول. و «طَهِّرَا» قيل معناه: من الأوثان؛ عن مجاهد والزهري. وقال عُبيد بن عُمير وسعيد بن جبير: من الآفات والرِّيَب. وقيل: من الكفار. وقال السُّدّى: أبنياه وأسّساه على طهارة ونية طهارة؛ فيجيء مثل قوله: {أية : أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ} تفسير : [التوبة: 108]. وقال يَمَان: بخّراه وخَلِّقاه. {بَيْتِيَ} أضاف البيت إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم، وهي إضافة مخلوق إلى خالق، ومملوك إلى مالك. وقرأ الحسن وٱبن أبي إسحٰق وأهل المدينة وهشام وحفص: «بَيْتِيَ» بفتح الياء، والآخرون بإسكانها. الثانية: قوله تعالى: {لِلطَّائِفِينَ} ظاهره الذين يطوفون به؛ وهو قول عطاء. وقال سعيد بن جبير: معناه للغرباء الطارئين على مكة؛ وفيه بُعْد. {وَٱلْعَاكِفِينَ} المقيمين من بلديّ وغريب؛ عن عطاء. وكذلك قوله: {لِلطَّائِفِينَ}. والعكوف في اللغة: اللزوم والإقبال على الشيء؛ كما قال الشاعر:شعر : عَكْف النَّبِيط يلعبون الفَنْزَجَا تفسير : وقال مجاهد: العاكفون المجاورون. ٱبن عباس: المصلّون. وقيل: الجالسون بغير طواف؛ والمعنى متقارب. {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} أي المصلّون عند الكعبة. وخصّ الركوع والسجود بالذكر؛ لأنهما أقرب أحوال المصلّي إلى الله تعالى. وقد تقدّم معنى الركوع والسجود لغة والحمد لله. الثالثة: لما قال الله تعالى: {أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ} دخل فيه بالمعنى جميع بيوته تعالى؛ فيكون حكمها حكمه في التطهير والنظافة. وإنما خصّ الكعبة بالذكر لأنه لم يكن هناك غيرها، أو لكونها أعظم حُرْمة؛ والأوّل أظهر، والله أعلم. وفي التنزيل {أية : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ}تفسير : [النور: 36] وهناك يأتي حكم المساجد إن شاء الله تعالى. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع صوت رجل في المسجد فقال: ما هذا! أتدري أين أنت!؟ وقال حذيفة قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله أوحى إليّ يا أخا المنذرين يا أخا المرسلين أنذِر قومك ألا يدخلوا بيتاً من بيوتي إلا بقلوب سليمة وألسنة صادقة وأيد نَقِيّة وفروج طاهرة وألاّ يدخلوا بيتاً من بيوتي ما دام لأحد عندهم مظلمة فإني ألعنه ما دام قائماً بين يديّ حتى يردّ تلك الظلامة إلى أهلها فأكون سمعه الذي يَسمع به وبصره الذي يبصر به ويكون من أوليائي وأصفيائي ويكون جاري مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين».تفسير : الرابعة: ٱستدلّ الشافعي وأبو حنيفة والثوريّ وجماعة من السلف بهذه الآية على جواز الصلاة الفرض والنفل داخل البيت. قال الشافعي رحمه الله: إن صلى في جوفها مستقبلاً حائطاً من حيطانها فصلاته جائزة، وإن صلّى نحو الباب والباب مفتوح فصلاته باطلة، وكذلك من صلّى على ظهرها؛ لأنه لم يستقبل منها شيئاً. وقال مالك: لا يصلى فيه الفرض ولا السُّنن، ويصلّى فيه التطوّع؛ غير أنه إن صلّى فيه الفرض أعاد في الوقت. وقال أصبغ: يعيد أبداً. قلت: وهو الصحيح؛ لما رواه مسلم عن ٱبن عباس قال: أخبرني أسامة بن زيد حديث : أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصلّ فيه حتى خرج منه؛ فلما خرج ركع في قُبُل الكعبة ركعتين وقال: «هذه القبلة» تفسير : وهذا نص. فإن قيل: فقد روى البخاري عن ابن عمر قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحَجَبيّ البيت فأغلقوا عليهم الباب. فلما فتحوا كنت أوّل من وَلج فلقيت بلالاً فسألته: هل صلّى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال، نعم بين العمودين اليمانيين. وأخرجه مسلم، وفيه قال: جعل عمودين عن يساره وعموداً عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه؛ وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة قلنا: هذا يحتمل أن يكون صلّى بمعنى دعا، كما قال أسامة؛ ويحتمل أن يكون صلّى الصلاة العُرْفِيّة، وإذا ٱحتمل هذا وهذا سقط الاحتجاج به. فإن قيل: فقد روى ٱبن المنذر وغيره عن أسامة قال: رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم صُوَراً في الكعبة فكنت آتيه بماء في الدّلو يضرب به تلك الصور. وخرّجه أبو داود الطيالسي قال: حدّثنا ٱبن أبي ذئب عن عبد الرحمن بن مهران قال حدّثنا عمير مولى ٱبن عباس حديث : عن أسامة بن زيد قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة ورأى صوراً قال: فدعا بدلو من ماء فأتيته به فجعل يمحوها ويقول: «قاتل الله قوماً يصوّرون ما لا يخلقون»»تفسير : . فيحتمل أن يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم صلى في حالة مُضِيّ أسامة في طلب الماء فشاهد بلال ما لم يشاهده أسامة، فكان من أثبت أوْلَى ممن نفى؛ وقد قال أسامة نفسه: فأخذ الناس بقول بلال وتركوا قولي. وقد روى مجاهد عن عبد اللَّه بن صَفْوان قال قلت لعمر بن الخطاب: كيف صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل الكعبة؟ قال: صلى ركعتين. قلنا: هذا محمول على النافلة، ولا نعلم خلافاً بين العلماء في صحة النافلة في الكعبة، وأمّا الفرض فلا؛ لأن الله تعالى عيّن الجهة بقوله تعالى: {أية : فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}تفسير : [البقرة: 144] على ما يأتي بيانه، وقوله صلى الله عليه وسلم لما خرج: «هذه القِبلة» فعينها كما عينها الله تعالى. ولو كان الفرض يصح داخلها لما قال: «هذه القبلة». وبهذا يصح الجمع بين الأحاديث، وهو أولى من إسقاط بعضها؛ فلا تعارض، والحمد لله. الخامسة: وٱختلفوا أيضاً في الصلاة على ظهرها؛ فقال الشافعي ما ذكرناه. وقال مالك: من صلّى على ظهر الكعبة أعاد في الوقت. وقد رُوِيَ عن بعض أصحاب مالك: يعيد أبداً. وقال أبو حنيفة: من صلّى على ظهر الكعبة فلا شيء عليه. السادسة: وٱختلفوا أيضاً أيُّما أفضل الصلاة عند البيت أو الطّواف به؟ فقال مالك: الطواف لأهل الأمصار أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل. وذُكِر عن ٱبن عباس وعطاء ومجاهد. والجمهور على أن الصلاة أفضل. وفي الخبر: «لولا رجال خُشّع وشيوخ رُكّع وأطفال رُضّع وبهائم رُتّع لصببنا عليكم العذاب صَبًّا». ذكر أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب في كتاب (السابق واللاحق) عن عبد اللَّه بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لولا فيكم رجال خُشّع وبهائم رُتّع وصبيان رُضّع لصُبّ العذاب على المذنبين صَبًّا»تفسير : . لم يذكر فيه «وشيوخ ركع». وفي حديث أبي ذرّ: «الصلاة خير موضوع فٱستكثر أو ٱستقل». خرّجه الآجري. والأخبار في فضل الصلاة والسجود كثيرة تشهد لقول الجمهور، والله تعالى أعلم.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ} أي الكعبة، غلب عليها كالنجم على الثريا. {مَثَابَةً لّلنَّاسِ} مرجعاً يثوب إليه أعيان الزوار أو أمثالهم، أو موضع ثواب يثابون بحجه واعتماره. وقرىء: «مثابات» أي لأنه مثابة كل أحد. {وَأَمْناً} وموضع أمن لا يتعرض لأهله كقوله تعالى: {أية : حَرَماً ءامِناً }تفسير : [القصص: 57] ويتخطف الناس من حولهم، أو يأمن حاجَّهُ من عذاب الآخرة من حيث إن الحج يجب ما قبله، أولاً يؤاخذ الجاني الملتجىء إليه حتى يخرج، وهو مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه. {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلًّى} على إرادة القول، أو عطف على المقدر عاملاً لإذ، أو اعتراض معطوف على مضمر تقديره توبوا إليه واتخذوا، على أن الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أمر استحباب، ومقام إبراهيم هو الحجر الذي فيه أثر قدمه، أو الموضع الذي كان فيه الحجر حين قام عليه ودعا الناس إلى الحج، أو رفع بناء البيت وهو موضعه اليوم. روي أنه عليه الصلاة والسلام أخذ بيد عمر رضي الله تعالى عنه وقال: «حديث : هذا مقام إبراهيم، فقال عمر: أفلا نتخذه مصلى، فقال: لم أومر بذلك، فلم تغب الشمس حتى نزلت»تفسير : وقيل: المراد به الأمر بركعتي الطواف، لما روى جابر أنه عليه الصلاة والسلام: لما فرغ من طوافه عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلًّى} وللشافعي رحمه الله تعالى في وجوبهما قولان. وقيل: مقام إبراهيم الحرم كله. وقيل: مواقف الحج واتخاذها مصلى أن يدعى فيها، ويتقرب إلى الله تعالى. وقرأ نافع وابن عامر {وَٱتَّخَذُواْ} بلفظ الماضي عطفاً على {جَعَلْنَا}، أي: واتخذوا الناس مقامه الموسوم به، يعني الكعبة قبلة يصلون إليها. {وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ} أمرناهما. {أَن طَهّرَا بَيْتِيَ} ويجوز أن تكون أن مفسرة لتضمن العهد معنى القول، يريد طهراه من الأوثان والأنجاس وما لا يليق به، أو أخلصاه. {لِلطَّائِفِينَ} حوله. {وَٱلْعَـٰكِفِينَ} المقيمين عنده، أو المعتكفين فيه {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ}. أي المصلين، جمع راكع وساجد.

ابن كثير

تفسير : قال العوفي: عن ابن عباس قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ} يقول: لا يقضون فيه وطراً، يأتونه، ثم يرجعون إِلى أهليهم، ثم يعودون إِليه. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: مثابة للناس، يقول: يثوبون، رواهما ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا عبد الله بن رجاء، أخبرنا إِسرائيل عن مسلم عن مجاهد عن ابن عباس، في قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ} قال: يثوبون إِليه، ثم يرجعون، قال: وروي عن أبي العالية وسعيد بن جبير، في رواية، وعطاء ومجاهد والحسن وعطية والربيع بن أنس والضحاك نحو ذلك، وقال ابن جرير: حدثني عبد الكريم بن أبي عمير حدثني الوليد بن مسلم، قال: قال أبو عمرو، يعني الأوزاعي: حدثني عبدة بن أبي لبابة في قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ} قال: لا ينصرف عنه منصرف، وهو يرى أنه قد قضى منه وطراً، وحدثني يونس عن ابن وهب قال: قال ابن زيد: {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ} قال: يثوبون إِليه من البلدان كلها، ويأتونه، وما أحسن ما قاله الشاعر في هذا المعنى أورده القرطبي:شعر : جعلَ البيتَ مَثاباً لهم ليسَ منهُ الدَّهْرَ يقضونَ الوَطَر تفسير : وقال سعيد بن جبير في الرواية الأخرى، وعكرمة وقتادة وعطاء الخراساني: {مَثَابَةً لِّلنَّاسِ} أي: مجمعاً {وَأَمْناً} قال الضحاك عن ابن عباس: أي: أمناً للناس. وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس عن أبي العالية {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً} يقول: وأمناً من العدو، وأن يُحمل فيه السلاح، وقد كانوا في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم، وهم آمنون لا يسبون، وروي عن مجاهد وعطاء والسدي وقتادة والربيع بن أنس قالوا: من دخله كان آمناً. ومضمون ما فسر به هؤلاء الأئمة هذه الآية أن الله تعالى يذكر شرف البيت، وما جعله موصوفاً به شرعاً وقدراً، من كونه مثابة للناس، أي: جعله محلاً تشتاق إِليه الأرواح، وتحن إِليه، ولا تقضي منه وطراً، ولو ترددت إِليه كل عام؛ استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إِبراهيم عليه السلام في قوله: فاجعل أفئدة من الناس تهوي إِليهم، إِلى أن قال: {أية : رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ} تفسير : [إبراهيم: 40] ويصفه تعالى بأنه جعله آمناً، من دخله أمن، ولو كان قد فعل ما فعل ثم دخله، كان آمناً، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه، فلا يعرض له، كما وصف في سورة المائدة في قوله تعالى: {أية : جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ}تفسير : [المائدة: 97] أي: يدفع عنهم بسبب تعظيمها السوء، كما قال ابن عباس: لو لم يحج الناس هذا البيت، لأطبق الله السماء على الأرض، وما هذا الشرف إِلا لشرف بانيه أولاً، وهو خليل الرحمن، كما قال تعالى: {أية : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً}تفسير : [الحج: 26]. وقال تعالى: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَـٰلَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}تفسير : [آل عمران: 96 ـ 97] وفي هذه الآية الكريمة، نبه على مقام إِبراهيم مع الأمر بالصلاة عنده. فقال: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِيمَ مُصَلًّى}، وقد اختلف المفسرون في المراد بالمقام ما هو؟ فقال ابن أبي حاتم: أخبرنا عمرو بن شبة النميري، حدثنا أبو خلف، يعني عبد الله بن عيسى، أخبرنا داود بن أبي هند عن مجاهد عن ابن عباس: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِيمَ مُصَلًّى} قال: مقام إِبراهيم الحرم كله، وروي عن مجاهد وعطاء مثل ذلك، وقال أيضاً: أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج عن ابن جريج، قال: سألت عطاء عن: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِيمَ مُصَلًّى} فقال: سمعت ابن عباس قال: أما مقام إِبراهيم الذي ذكر ههنا، فمقام إِبراهيم هذا الذي في المسجد، ثم قال: ومقام إِبراهيم يعد كثير مقام إِبراهيم الحج كله، ثم فسره لي عطاء فقال: التعريف، وصلاتان بعرفة، والمشعر، ومنى، ورمي الجمار، والطواف بين الصفا والمروة، فقلت: أفسره ابن عباس؟ قال: لا، ولكن قال: مقام إِبراهيم الحج كله. قلت: أسمعت ذلك لهذا أجمع؟ قال: نعم، سمعته منه. وقال سفيان الثوري عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِيمَ مُصَلًّى} قال: الحجر مقام إِبرهيم نبي الله، قد جعله الله رحمة، فكان يقوم عليه، ويناوله إِسماعيل الحجارة، ولو غسل رأسه كما يقولون لاختلف رجلاه. وقال السدي: المقام: الحجر الذي وضعته زوجة إِسماعيل تحت قدم إِبراهيم حتى غسلت رأسه. حكاه القرطبي، وضعفه، ورجحه غيره، وحكاه الرازي في تفسيره عن الحسن البصري وقتادة والربيع بن أنس. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء عن ابن جريج، عن جعفر بن محمد عن أبيه، سمع جابراً يحدث عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما طاف النبي صلى الله عليه وسلم قال له عمر: هذا مقام أبينا؟ قال: «حديث : نعم» تفسير : قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فأنزل الله عز وجل: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِيمَ مُصَلًّى}، وقال عثمان بن أبي شيبة: أخبرنا أبو أسامة عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، قال: قال عمر: قلت: يارسول الله هذا مقام خليل ربنا؟ قال: «حديث : نعم» تفسير : قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فنزلت {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِيمَ مُصَلًّى}، وقال ابن مردويه: أخبرنا دعلج بن أحمد، أخبرنا غيلان بن عبد الصمد، أخبرنا مسروق بن المرزبان، أخبرنا زكريا بن أبي زائدة عن أبي إِسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب، أنه مر بمقام إِبراهيم، فقال: يارسول الله أليس نقوم بمقام خليل ربنا؟ قال: «بلى» قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فلم يلبث إلا يسيراً حتى نزلت: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِيمَ مُصَلًّى}، وقال ابن مردويه: أخبرنا علي بن أحمد بن محمد القزويني، أخبرنا علي بن الحسين، حدثنا الجنيد، أخبرنا هشام بن خالد، أخبرنا الوليد عن مالك بن أنس، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر، قال: لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة عند مقام إِبراهيم، قال له عمر: يا رسول الله هذا مقام إِبراهيم الذي قال الله: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِيمَ مُصَلًّى} قال: «نعم» قال الوليد: قلت لمالك: هكذا حدثك: واتخذوا؟ قال: نعم، هكذا وقع في هذه الرواية، وهو غريب، وقد روى النسائي من حديث الوليد بن مسلم نحوه، وقال البخاري: باب قوله: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِيمَ مُصَلًّى} مثابة: يثوبون، يرجعون، حدثنا مسدد، أخبرنا يحيــــى عن حميد، عن أنس بن مالك، قال: قال عمر بن الخطاب: وافقت ربي في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إِبراهيم مصلى، فنزلت: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِيمَ مُصَلًّى}، وقلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. قال: وبلغني معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه، فدخلت عليهن، فقلت: إِن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله خيراً منكن، حتى أتيت إِحدى نسائه، قالت: ياعمر، أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟ فأنزل الله: {أية : > عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَٰجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَـٰتٍ}تفسير : [التحريم: 5] الآية، وقال ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثني حميد، قال: سمعت أنساً عن عمر رضي الله عنهما، هكذا ساقه البخاري ههنا، وعلق الطريق الثانية عن شيخه سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري، وقد تفرد عنه بالرواية البخاري من بين أصحاب الكتب الستة، وروى عنه الباقون بواسطة، وغرضه من تعليق هذا الطريق ليبين فيه اتصال إِسناد الحديث، وإِنما لم يسنده لأن يحيى بن أيوب الغافقي فيه شيء، كما قال الإِمام أحمد فيه: هو سيــــىء الحفظ، والله أعلم. وقال الإِمام أحمد: حدثنا هشيم، أخبرنا حميد عن أنس، قال: قال عمر رضي الله عنه: وافقت ربي عز وجل في ثلاث: قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إِبراهيم مصلى، فنزلت: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِيمَ مُصَلًّى}، وقلت: يا رسول الله إِن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب. واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة، فقلت لهن: {أية : عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَٰجاً خَيْراً مِّنكُنَّ }تفسير : [التحريم: 5]، فنزلت كذلك، ثم رواه أحمد عن يحيى وابن أبي عدي، كلاهما عن حميد، عن أنس عن عمر، أنه قال: وافقت ربي في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث، فذكره. وقد رواه البخاري عن عمر وابن عون والترمذي عن أحمد بن منيع، والنسائي عن يعقوب بن إِبراهيم الدورقي، وابن ماجه عن محمد بن الصباح، كلهم عن هشيم بن بشير به. ورواه الترمذي أيضاً عن عبد بن حميد، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، والنسائي عن هناد عن يحيى بن أبي زائدة، كلاهما، عن حميد، وهو ابن تيرويه الطويل به. وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه الإمام علي ابن المديني عن يزيد بن زريع، عن حميد به، وقال: هذا من صحيح الحديث، وهو بصري، ورواه الإمام مسلم بن حجاج في صحيحه بسند آخر ولفظ آخر، فقال: أخبرنا عقبة بن مكرم، أخبرنا سعيد بن عامر، عن جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: وافقت ربي في ثلاث: في الحجاب، وفي أسارى بدر، وفي مقام إِبراهيم. وقال أبو حاتم الرازي: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا حميد الطويل عن أنس بن مالك، قال: قال عمر بن الخطاب: وافقني ربي في ثلاث، أو وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إِبراهيم مصلى، فنزلت: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِيمَ مُصَلًّى}، وقلت: يا رسول الله لو حجبت النساء، فنزلت آية الحجاب، والثالثة: لما مات عبد الله بن أبي، جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، قلت: يا رسول الله تصلي على هذا الكافر المنافق؟ فقال: «حديث : إِيهاً عنك يا بن الخطاب»تفسير : فنزلت: {أية : وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ}تفسير : [التوبة: 84] وهذا إِسناد صحيح أيضاً، ولا تعارض بين هذا ولا هذا، بل الكل صحيح، ومفهوم العدد إِذا عارضه منطوق قدم عليه، والله أعلم، وقال ابن جريج: أخبرني جعفر عن محمد عن أبيه، عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثة أشواط، ومشى أربعاً، حتى إِذا فرغ، عمد إِلى مقام إِبراهيم، فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِيمَ مُصَلًّى} وقال ابن جرير: حدثنا يوسف بن سلمان، أخبرنا حاتم بن إِسماعيل، أخبرنا جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر، قال: استلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الركن، فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً، ثم نفذ إِلى مقام إِبراهيم، فقرأ: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِيمَ مُصَلًّى} فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين، وهذا قطعة من الحديث الطويل الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث حاتم بن إِسماعيل، وروى البخاري بسنده عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين، فهذا كله مما يدل على أن المراد بالمقام إِنما هو الحجر الذي كان إِبراهيم عليه السلام يقوم عليه لبناء الكعبة، لما ارتفع الجدار أتاه إِسماعيل عليه السلام به؛ ليقوم فوقه، ويناوله الحجارة، فيضعها بيده لرفع الجدار، وكلما كمل ناحية انتقل إِلى الناحية الأخرى يطوف حول الكعبة، وهو واقف عليه، كلما فرغ من جدار، نقله إِلى الناحية التي تليها، وهكذا حتى تم جدران الكعبة كما سيأتي بيانه في قصة إِبراهيم وإِسماعيل في بناء البيت من رواية ابن عباس عند البخاري، وكانت آثار قدميه ظاهرة فيه، ولم يزل هذا معروفاً تعرفه العرب في جاهليتها، ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية:شعر : ومَوْطِىءُ إِبراهيمَ في الصَّخْرِ رَطْبَةٌ على قَدَمَيْهِ حافِياً غيرَ ناعِلِ تفسير : وقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضاً؛ كما قال عبد الله بن وهب: أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب: أن أنس بن مالك حدثهم، قال: رأيت المقام فيه أصابعه عليه السلام وأخمص قدميه، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم، وقال ابن جرير: أخبرنا بشر بن معاذ أخبرنا يزيد بن زريع، أخبرنا سعيد عن قتادة {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِيمَ مُصَلًّى} إِنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه. وقد تكلفت هذه الأمة شيئاً ما تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه وأصابعه فيه، فما زالت هذه الأمة يمسحونه حتى اخلولق وانمحى، (قلت): وقد كان هذا المقام ملصقاً بجدار الكعبة قديماً، ومكانه معروف اليوم إِلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك، وكان الخليل عليه السلام لما فرغ من بناء البيت وضعه إِلى جدار الكعبة، أو أنه انتهى عنده البناء، فتركه هناك، ولهذا، والله أعلم، أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف، وناسب أن يكون عند مقام إِبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه، وإِنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أحد الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اقتدوا باللَّذَيْنِ من بعدي أبي بكر وعمر»تفسير : وهو الذي نزل القرآن بوفاقه في الصلاة عنده، ولهذا لم ينكر ذلك أحد من أصحابه رضي الله عنهم أجمعين، قال عبد الرزاق عن ابن جريج: حدثني عطاء وغيره من أصحابنا، قال: أول ما نقله عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال عبد الرزاق أيضاً عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: أول من أخر المقام إِلى موضعه الآن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي ابن الحسين البيهقي: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن كامل، حدثنا أبو إِسماعيل محمد بن إِسماعيل السلمي، حدثنا أبو ثابت، حدثنا الدراوردي عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: أن المقام كان زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان أبي بكر رضي الله عنه، ملتصقاً بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهذا إِسناد صحيح مع ما تقدم، وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا ابن أبي عمر العدني قال: قال سفيان، يعني ابن عيينة، وهو إِمام المكيين في زمانه: كان المقام من سقع البيت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فحوله عمر إِلى مكانه بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبعد قوله: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِيمَ مُصَلًّى} قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إِياه من موضعه هذا، فرده عمر إِليه، وقال سفيان: لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله، وقال سفيان: لا أدري أكان لاصقاً بها أم لا؟ فهذه الآثار متعاضدة على ما ذكرناه، والله علم، وقد قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: أخبرنا ابن عمر وهو أحمد بن محمد بن حكيم، أخبرنا محمد بن عبد الوهاب بن أبي تمام، أخبرنا آدم هو ابن أبي إِياس في تفسيره، أخبرنا شريك عن إِبراهيم ابن المهاجر عن مجاهد، قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله لو صلينا خلف المقام، فأنزل الله: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِيمَ مُصَلًّى} فكان المقام عند البيت، فحوله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضعه هذا. قال مجاهد: وكان عمر يرىٰ الرأي فينزل به القرآن، هذا مرسل عن مجاهد، وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد: أن أول من أخر المقام إِلى موضعه الآن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهذا أصح من طريق ابن مردويه، مع اعتضاد هذا بما تقدم، والله أعلم. قال الحسن البصري: قوله: {وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ} قال: أمرهما الله أن يطهراه من الأذى والنجس، ولا يصيبه من ذلك شيء، وقال ابن جريج: قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ} أي: أمرناه كذا، قال: والظاهر أن هذا الحرف إِنما عدي بإِلى؛ لأنه في معنى تقدمنا وأوحينا، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قوله: {أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْعَـٰكِفِينَ} قال: من الأوثان، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: {طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ} أن ذلك من الأوثان والرفث وقول الزور والرجس. قال ابن أبي حاتم: وروي عن عبيد بن عمير وأبي العالية وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وقتادة {أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ} أي: بلا إِله إِلا الله، من الشرك، وأما قوله تعالى: {لِلطَّآئِفِينَ} فالطواف بالبيت معروف، وعن سعيد بن جبير أنه قال في قوله تعالى: {لِلطَّآئِفِينَ} يعني: من أتاه من غربة {وَٱلْعَـٰكِفِينَ}: المقيمين فيه، وهكذا روي عن قتادة والربيع بن أنس، أنهما فسرا العاكفين بأهله المقيمين فيه، كما قال سعيد بن جبير، وقال يحيى القطان عن عبد الملك، هو ابن أبي سليمان، عن عطاء في قوله: {وَٱلْعَـٰكِفِينَ} قال: من انتابه من الأمصار، فأقام عنده. وقال لنا ونحن مجاورون: أنتم من العاكفين، وقال وكيع عن أبي بكر الهذلي، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: إِذا كان جالساً فهو من العاكفين، وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي، أخبرنا موسى ابن إِسماعيل، أخبرنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت، قال: قلنا لعبد الله بن عبيد بن عمير: ما أراني إِلا مكلم الأمير أن أمنع الذين ينامون في المسجد الحرام، فإِنهم يجنبون ويحدثون، قال: لا تفعل، فإِن ابن عمر سئل عنهم، فقال: هم العاكفون. ورواه عبد بن حميد عن سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة به، (قلت): وقد ثبت في الصحيح أن ابن عمر كان ينام في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عزب، وأما قوله تعالى: {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} فقال وكيع عن أبي بكر الهذلي، عن عطاء عن ابن عباس: والركع السجود، قال: إِذا كان مصلياً فهو من الركع السجود، وكذا قال عطاء وقتادة. في يومه أربع في النهار ثم شرع ابن جرير يضعف هذين الحديثين، فإن كلا من السندين مشتمل على غير واحد من الضعفاء، وهو كما قال فإنه لا يجوز روايتهما. قال ابن جرير رحمه الله: فمعنى الآية: وأمرنا إِبراهيم وإِسماعيل بتطهير بيتي للطائفين، والتطهير الذي أمرنا به في البيت هو تطهيره من الأصنام وعبادة الأوثان فيه ومن الشرك، ثم أورد سؤالاً فقال: فإِن قيل: فهل كان قبل بناء إِبراهيم عند البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه؟ وأجاب بوجهين: (أحدهما) أنه أمرهما بتطهيره مما كان يعبد عنده زمان قوم نوح من الأصنام والأوثان، ليكون ذلك سنة لمن بعدهما، إِذ كان الله تعالى قد جعل إِبراهيم إِماماً يقتدى به، كما قال عبد الرحمن بن زيد {أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ} قال: من الأصنام التي يعبدون، التي كان المشركون يعظمونها (قلت): وهذا الجواب مفرع على أنه كان يعبد عنده أصنام قبل إِبراهيم عليه السلام، ويحتاج إِثبات هذا إِلى دليل عن المعصوم محمد صلى الله عليه وسلم. (الجواب الثاني) أنه أمرهما أن يخلصا بناءه لله وحده لا شريك له، فيبنياه مطهراً من الشرك والريب، كما قال جل ثناؤه: {أية : أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ}تفسير : [التوبة: 109] قال: فكذلك قوله: {وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ} أي: ابنياه على طهر من الشرك بي والريب، كما قال السدي {أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ} ابنيا بيتي للطائفين، وملخص هذا الجواب أن الله تعالى أمر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له للطائفين به، والعاكفين عنده، والمصلين إليه من الركع السجود، كما قال تعالى: {أية : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ}تفسير : [الحج: 26] الآيات. وقد اختلف الفقهاء أيهما أفضل الصلاة عند البيت أو الطواف به؟ فقال مالك رحمه الله: الطواف به لأهل الأمصار أفضل. وقال الجمهور: الصلاة أفضل مطلقاً، وتوجيه كل منهما يذكر في كتاب الأحكام، والمراد من ذلك الرد على المشركين الذين كانوا يشركون بالله عند بيته المؤسس على عبادته وحده لا شريك له، ثم مع ذلك يصدون أهله المؤمنين عنه، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِى جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الحج: 25] ثم ذكر أن البيت إنما أسس لمن يعبد الله وحده لا شريك له، إما بطواف أو صلاة، فذكر في سورة الحج أجزاءها الثلاثة: قيامها وركوعها وسجودها، ولم يذكر العاكفين؛ لأنه تقدم: {أية : سَوَآءً ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ}تفسير : [الحج: 25] وفي هذه الآية الكريمة ذكر الطائفين والعاكفين، واكتفى بذكر الركوع والسجود عن القيام، لأنه قد علم أنه لا يكون ركوع ولا سجود إلا بعد قيام، وفي ذلك أيضاً رد على من لا يحجه من أهل الكتابين اليهود والنصارى، لأنهم يعتقدون فضيلة إبراهيم الخليل وإسماعيل، ويعلمون أنه بنى هذا البيت للطواف في الحج والعمرة وغير ذلك، وللاعتكاف والصلاة عنده، وهم لا يفعلون شيئاً من ذلك، فكيف يكونون مقتدين بالخليل، وهم لا يفعلون ما شرع الله له؟ وقد حج البيت موسى بن عمران وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما أخبر بذلك المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ}تفسير : [النجم: 4]. وتقدير الكلام إذاً {وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ} أي: تقدمنا بوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل {أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْعَـٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} أي: طهراه من الشرك والريب، وابنياه خالصاً لله معقلاً للطائفين والعاكفين والركع السجود، وتطهير المساجد مأخوذ من هذه الآية الكريمة، ومن قوله تعالى: {أية : فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} تفسير : [النور: 36] ومن السنة من أحاديث كثيرة من الأمر بتطهيرها وتطييبها وغير ذلك من صيانتها من الأذى والنجاسات وما أشبه ذلك. ولهذا قال عليه السلام: «حديث : إنما بنيت المساجد لما بنيت له»تفسير : وقد جمعت في ذلك جزءاً على حدة، ولله الحمد والمنة، وقد اختلف الناس في أول من بنى الكعبة، فقيل: الملائكة قبل آدم، روي هذا عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين، ذكره القرطبي وحكى لفظه، وفيه غرابة، وقيل: آدم عليه السلام، رواه عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء وسعيد ابن المسيب وغيرهم: أن آدم بناه من خمسة أجبل: من حراء وطور سيناء وطور زيتا وجبل لبنان والجودي، وهذا غريب أيضاً. وروي عن ابن عباس وكعب الأحبار وقتادة وعن وهب بن منبه: أن أول من بناه شيث عليه السلام، وغالب من يذكر هذه إنما يأخذه من كتب أهل الكتاب، وهي مما لا يصدق ولا يكذب، ولا يعتمد عليها بمجردها، وأما إذا صح حديث في ذلك فعلى الرأس والعين. وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} قال الإمام أبو جعفر بن جرير: أخبرنا ابن بشار قال: أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي، أخبرنا سفيان عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن إبراهيم حرم بيت الله وأمنه، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، فلا يصاد صيدها، ولا يقطع عضاهها»تفسير : وهكذا رواه النسائي عن محمد بن بشار، عن بندار به، وأخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو بن الناقد، كلاهما عن أبي أحمد الزبيري عن سفيان الثوري، وقال ابن جرير أيضاً: أخبرنا أبو كريب وأبو السائب، قالا: حدثنا ابن إدريس، وأخبرنا أبو كريب، أخبرنا عبد الرحيم الرازي، قالا جميعاً: سمعنا أشعث عن نافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن إبراهيم كان عبد الله وخليله، وإني عبد الله ورسوله، وإن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها: عضاهها وصيدها، لا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يقطع منها شجرة إلا لعلف بعير»تفسير : وهذه الطريق غريبة ليست في شيء من الكتب الستة، وأصل الحديث في صحيح مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر، جاؤوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة، ومثله معه»تفسير : ثم يدعو أصغر وليد له، فيعطيه ذلك الثمر. وفي لفظ: «حديث : بركة مع بركة»تفسير : ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان، لفظ مسلم، ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا بكر بن مضر عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها»تفسير : انفرد بإخراجه مسلم، فرواه عن قتيبة عن بكر بن مضر به، ولفظه كلفظه سواء، وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة: «حديث : التمس لي غلاماً من غلمانكم يخدمني»تفسير : فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما نزل، وقال في الحديث: ثم أقبل حتى إذا بدا له أحد قال: «حديث : هذا جبل يحبنا ونحبه»تفسير : فلما أشرف على المدينة قال:«حديث : اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثلما حرم به إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم»تفسير : وفي لفظ لهما: «حديث : اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مدهم»تفسير : زاد البخاري: يعني أهل المدينة. ولهما أيضاً عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلته بمكة من البركة»تفسير : وعن عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة»تفسير : رواه البخاري، وهذا لفظه، ولمسلم، ولفظه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت لها في صاعها ومدها بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة»تفسير : وعن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حراماً، وإني حرمت المدينة حراماً ما بين مأزميها، أن لا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف، اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في صاعنا، اللهم بارك لنا في مدنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين»تفسير : الحديث، رواه مسلم، والأحاديث في تحريم المدينة كثيرة، وإنما أوردنا منها ما هو متعلق بتحريم إبراهيم عليه السلام لمكة، لما في ذلك من مطابقة الآية الكريمة. وتمسك بها من ذهب إلى أن تحريم مكة إنما كان على لسان إبراهيم الخليل، وقيل: إنها محرمة منذ خلقت مع الأرض، وهذا أظهر وأقوى، والله أعلم. وقد وردت أحاديث أخر تدل على أن الله تعالى حرم مكة قبل خلق السموات والأرض كما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: «حديث : إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحلَّ القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحلَّ لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة؛ لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرّفها، ولا يختلى خلاها»تفسير : فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر، فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال: «حديث : إلا الإذخر»تفسير : وهذا لفظ مسلم، ولهما عن أبي هريرة نحو من ذلك، ثم قال البخاري بعد ذلك: وقال أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم مثله، وهذا الذي علقه البخاري رواه الإمام أبو عبد الله بن ماجه عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم بن يناق، عن صفية بنت شيبة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب عام الفتح، فقال: «حديث : يا أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة؛ لا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يأخذ لقطتها إلا منشد»تفسير : فقال العباس: إلا الإذخر، فإنه للبيوت والقبور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إلا الإذخر»تفسير : وعن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد، وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أن أحادثك قولاً قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به، إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: «حديث : إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم. وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب»تفسير : فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فاراً بدمٍ ولا فاراً بخربة، رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظه. فإذا علم هذا، فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدالة على أن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، وبين الأحاديث الدالة على أن إبراهيم عليه السلام حرمها، لأن إبراهيم بلغ عن الله حكمه فيها وتحريمه إياها، وأنها لم تزل بلداً حراماً عند الله قبل بناء إبراهيم عليه السلام لها، كما أنه قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتوباً عند الله خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، ومع هذا قال إبراهيم عليه السلام {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ} الآية، وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقدره. ولهذا جاء في الحديث أنهم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن بدء أمرك. فقال: «حديث : دعوة أبي إبراهيم عليه السلام، وبشرى عيسى بن مريم، ورأت أمي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام»تفسير : أي: أخبرنا عن بدء ظهور أمرك، كما سيأتي قريباً إن شاء الله. وأما مسألة تفضيل مكة على المدينة كما هو قول الجمهور، أو المدينة على مكة كما هو مذهب مالك وأتباعه، فتذكر في موضع آخر بأدلتها إن شاء الله وبه الثقة. وقوله تعالى إخباراً عن الخليل أنه قال: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا} أي: من الخوف، أي: لا يرعب أهله، وقد فعل الله ذلك شرعاً وقدراً، كقوله تعالى: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً}تفسير : [آل عمران: 97] وقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ }تفسير : [العنكبوت: 67] إلى غير ذلك من الآيات، وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيه. وفي صحيح مسلم عن جابر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح» تفسير : وقال في هذه السورة: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا} أي: اجعل هذه البقعة بلداً آمناً، وناسب هذا لأنه قبل بناء الكعبة. وقال تعالى في سورة إبراهيم: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِنًا} وناسب هذا هناك لأنه، والله أعلم، كأنه وقع دعاء مرة ثانية بعد بناء البيت واستقرار أهله به، وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سناً من إسماعيل بثلاث عشرة سنة، ولهذا قال في آخر الدعاء: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ}تفسير : [إبراهيم: 39]. وقوله تعالى: {وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب: {قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} قال: هو قول الله تعالى، وهذا قول مجاهد وعكرمة، وهو الذي صوبه ابن جرير رحمه الله. قال: وقرأ آخرون: {قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} فجعلوا ذلك من تمام دعاء إبراهيم، كما رواه أبو جعفر عن الربيع عن أبي العالية قال: كان ابن عباس يقول: ذلك قول إبراهيم، يسأل ربه أن من كفر فَأَمْتِعْهُ قليلاً، وقال أبو جعفر عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد {وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً} يقول: ومن كفر فأرزقه قليلاً أيضاً {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} قال محمد بن إسحاق: لما عن لإبراهيم الدعوة على من أبى الله أن يجعل له الولاية انقطاعاً إلى الله ومحبته، وفراقاً لمن خالف أمره وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنه كائن منهم ظالم لا يناله عهده بخبر الله له بذلك، قال الله: ومن كفر فإني أرزق البر والفاجر وأمتعه قليلاً، وقال حاتم بن إسماعيل عن حميد الخراط، عن عمار الدهني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} قال ابن عباس: كان إبراهيم يحجرها على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله: ومن كفر أيضاً أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أأخلق خلقاً لا أرزقهم؟ أمتعهم قليلاً، ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير، ثم قرأ ابن عباس {أية : كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا}تفسير : [الإسراء: 20] رواه ابن مردويه، وروي عن عكرمة ومجاهد نحو ذلك أيضاً، وهذا كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَـٰعٌ فِى ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }تفسير : [يونس: 69ـ 70] وقوله تعالى:{أية : وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ }تفسير : [لقمان: 23 ـ 24] وقوله: {أية : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَٰباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلاَْخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ }تفسير : [الزخرف: 33 ـ 35] وقوله: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي: ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار وبئس المصير، ومعناه أن الله تعالى ينظرهم ويمهلهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر كقوله تعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ}تفسير : [الحج: 48] وفي الصحيحين: «حديث : لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ إنهم يجعلون له ولداً، وهو يرزقهم ويعافيهم»تفسير : وفي الصحيح أيضاً: «حديث : إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته»تفسير : ثم قرأ قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}تفسير : [هود: 102] وقرأ بعضهم: {قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً} الآية، جعله من تمام دعاء إبراهيم، وهي قراءة شاذة مخالفة للقراء السبعة، وتركيب السياق يأبى معناها، والله أعلم، فإن الضمير في (قال): راجع إلى الله تعالى في قراءة الجمهور، والسياق يقتضيه، وعلى هذه القراءة الشاذة يكون الضمير في (قال) عائداً على إبراهيم، وهذا خلاف نظم الكلام، والله سبحانه هو العلام. وأما قوله تعالى: { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَـٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} فالقواعد جمع قاعدة، وهي السارية والأساس، يقول تعالى: واذكر يا محمد لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام البيت ورفعهما القواعد منه، وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} وحكى القرطبي وغيره عن أبي وابن مسعود أنهما كانا يقرأان {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ويقولان ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم}، (قلت): ويدل على هذا قولهما بعده {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} الآية، فهما في عمل صالح، وهما يسألان الله تعالى أن يتقبل منهما، كما روى ابن أبي حاتم من حديث محمد بن يزيد ابن خنيس المكي عن وهيب بن الورد أنه قرأ: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَـٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} ثم يبكي ويقول: يا خليل الرحمن ترفع قوائم بيت الرحمن، وأنت مشفق أن لا يتقبل منك. وهذا كما حكى الله تعالى عن حال المؤمنين الخلص في قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءاتَواْ}تفسير : [المؤمنون: 60] أي: يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات {أية : وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ}تفسير : [المؤمنون: 60] أي: خائفة ألاّ يتقبل منهم، كما جاء به الحديث الصحيح عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في موضعه. وقال بعض المفسرين: الذي كان يرفع القواعد هو إبراهيم، والداعي إسماعيل، والصحيح أنهما كانا يرفعان، ويقولان: كما سيأتي بيانه. وقد روى البخاري ههنا حديثاً سنورده، ثم نتبعه بآثار متعلقة بذلك، قال البخاري رحمه الله: حدثنا عبد الله بن محمد، أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أيوب السختياني وكثير بن كثير بن عبد المطلب بن أبي وداعة ـ يزيد أحدهما على الآخر ـ عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقاً ليعفى أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جراباً فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفّى إبراهيم منطلقاً، فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت: آلله أمرك بذا؟ قال: نعم: قالت: إذاً لا يضيعنا. ثم رجعت. فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهذه الدعوات ورفع يديه، فقال: {أية : رَّبَّنَآ إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ}تفسير : [إبراهيم: 37] حتى بلغ: {أية : يَشْكُرُونَ}تفسير : [إبراهيم: 37] وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء، عطشت، وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى ـ أو قال: يتلبط ـ فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً، فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، فنظرت هل ترى أحداً، فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : فلذلك سعى الناس بينهما»تفسير : فلما أشرفت على المروة، سمعت صوتاً، فقالت: "صه" ـ تريد نفسها ـ ثم تسمعت فسمعت أيضاً، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه، أو قال: بجناحه، حتى ظهر الماء، فجعلت تحوطه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعد ما تغرف، قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم ـ أو قال: لو لم تغرف من الماء ـ لكانت زمزم عيناً معيناً» تفسير : قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن ههنا بيتاً لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جُرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائراً عائفاً، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جرياً أو جريين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا، قال: وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء عندنا، قالوا: نعم، قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس»تفسير : فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام، وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل ليطالع تركته، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشرَ، نحن في ضيق وشدة، فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، وقولي له يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل، كأنه أنس شيئاً، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أننا في جهد وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غير عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك، وطلقها، وتزوج منهم بأخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد، فلم يجده، فدخل على امرأته، فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله عز وجل، قال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ولم يكن لهم يومئذ حَبٌّ، ولو كان لهم لدعا لهم فيه»تفسير : قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل، قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، وهو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك، ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه، وصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني ههنا بيتاً، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر، فوضعه له، فقام عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}، قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت، وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}، ورواه عبد بن حميد عن عبد الرزاق به مطولاً، ورواه ابن أبي حاتم عن أبي عبد الله بن حماد الطبراني، وابن جرير عن أحمد بن ثابت الرازي، كلاهما عن عبد الرزاق به مختصراً. وقال أبو بكر بن مردويه: أخبرنا إسماعيل بن علي، أخبرنا بشر بن موسى، أخبرنا أحمد بن محمد الأزرقي، أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي عن عبد الملك بن جريج، عن كثير بن كثير، قال: كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان وعبد الله ابن عبد الرحمن بن أبي حسين في ناس مع سعيد بن جبير في أعلى المسجد ليلاً، فقال سعيد بن جبير: سلوني قبل أن لا تروني، فسألوه عن المقام، فأنشأ يحدثهم عن ابن عباس، فذكر الحديث بطوله. ثم قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، أخبرنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، أخبرنا إبراهيم بن نافع عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، ومعهم شنة فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة، فيدر لبنها على صبيها، حتى قدم مكة، فوضعهما تحت دوحة، ثم رجع إبراهيم إلى أهله، فاتبعته أم إسماعيل حتى بلغوا كداء، نادته من ورائه: يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله، قالت: رضيت بالله، قال: فرجعت، فجعلت تشرب من الشنة ويدر لبنها على صبيها، حتى لما فني الماء قالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحداً، فصعدت الصفا، فنظرت هل تحس أحداً؟ فلم تحس أحداً، فلما بلغت الوادي، سعت حتى أتت المروة، وفعلت ذلك أشواطاً حتى أتمت سبعاً، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل الصبي، فذهبت فنظرت فإِذا هو على حاله كأنه ينشغ للموت، فلم تقرها نفسها، فقالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحداً، فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت ونظرت فلم تحس أحداً، حتى أتمت سبعاً، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل، فإِذا هي بصوت فقالت: أغث إِن كان عندك خير، فإِذا جبريل عليه السلام، قال: فقال بعقبه هكذا، وغمز عقبه على الأرض، فانبثق الماء، فدهشت أم إِسماعيل، فجعلت تحفر، قال: فقال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو تركته لكان الماء ظاهراً»تفسير : قال: فجعلت تشرب من الماء ويدر لبنها على صبيها، قال: فمر ناس من جرهم ببطن الوادي، فإِذا هم بطير، كأنهم أنكروا ذلك، وقالوا: ما يكون الطير إِلا على ماء، فبعثوا رسولهم، فنظر فإِذا هو بالماء، فأتاهم فأخبرهم، فأتوا إِليها، فقالوا: ياأم إِسماعيل أتأذنين لنا أن نكون معك ونسكن معك؟ فبلغ ابنها ونكح منهم امرأة، قال: ثم إِنه بدا لإبراهيم صلى الله عليه وسلم فقال لأهله: إِني مطلع تركتي، قال: فجاء فسلم، فقال: أين إِسماعيل؟ قالت امرأته: ذهب يصيد، قال: قولي له إِذا جاء: غيَّر عتبة بابك، فلما أخبرته، قال: أنت ذاك، فاذهبي إِلى أهلك، قال: ثم إِنه بدا لإبراهيم فقال: إِني مطلع تركتي، قال: فجاء فقال: أين إِسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد، فقالت: ألا تنزل فتطعم وتشرب؟ فقال: ما طعامكم، وما شرابكم؟ فقالت: طعامنا اللحم، وشرابنا الماء، قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم، قال: فقال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: «حديث : بركة بدعوة إبراهيم»تفسير : قال: ثم إنه بدا لإبراهيم صلى الله عليه وسلم فقال لأهله: إِني مطلع تركتي، فجاء فوافق إِسماعيل من وراء زمزم يصلح نبلاً له، فقال: يا إِسماعيل إِن ربك عز وجل أمرني أن أبني له بيتاً: فقال: أطع ربك عز وجل، قال: إِنه قد أمرني أن تعينني عليه، فقال: إِذن أفعل ـ أو كما قال ـ قال: فقام، فجعل إِبراهيم يبني، وإِسماعيل يناوله الحجارة، ويقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} قال: حتى ارتفع البناء، وضعف الشيخ عن نقل الحجارة، فقام على حجر المقام، فجعل يناوله الحجارة، ويقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} هكذا رواه من هذين الوجهين في كتاب الأنبياء. والعجب أن الحافظ أبا عبد الله الحاكم رواه في كتابه المستدرك عن أبي العباس الأصم عن محمد بن سنان القزاز عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي عن إِبراهيم بن نافع به، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، كذا قال، وقد رواه البخاري كما ترى من حديث إِبراهيم بن نافع، وكأن فيه اختصاراً؛ فإِنه لم يذكر فيه شأن الذبح، وقال: جاء في الصحيح أن قرني الكبش كانا معلقين بالكعبة، وقد جاء أن إِبراهيم عليه السلام كان يزور أهله بمكة على البراق سريعاً، ثم يعود إِلى أهله بالبلاد المقدسة، والله أعلم، والحديث والله أعلم، إنما فيه مرفوع أماكن صرح بها ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في هذا السياق ما يخالف بعض هذا، كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، قالا: أخبرنا مؤمل، أخبرنا سفيان عن أبي إِسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي بن أبي طالب، قال: لما أمر إِبراهيم ببناء البيت، خرج معه إِسماعيل وهاجر، قال: فلما قدم مكة، رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس، فكلمه قال: يا إِبراهيم ابن على ظلي، أو قال: على قدري، ولا تزد ولا تنقص، فلما بنى خرج، وخلف إِسماعيل وهاجر، فقالت هاجر: يا إِبراهيم إِلى من تكلنا؟ قال: إِلى الله، قالت: انطلق فإِنه لا يضيعنا، قال: فعطش إِسماعيل عطشاً شديداً، قال: فصعدت هاجر إِلى الصفا، فنظرت فلم تر شيئاً، حتى أتت المروة فلم تر شيئاً، ثم رجعت إِلى الصفا فنظرت فلم تر شيئاً، ففعلت ذلك سبع مرات، فقالت: يا إِسماعيل مت حيث لاأراك، فأتته وهو يفحص برجله من العطش، فناداها جبريل، فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا هاجر أم ولد إِبراهيم، قال: فإِلى من وكلكما؟ قالت: وكلنا إِلى الله، قال: وكلكما إِلى كاف، قال: ففحص الغلام الأرض بأصبعه، فنبعت زمزم، فجعلت تحبس الماء، فقال: دعيه؛ فإِنها رواء، ففي هذا السياق أنه بنى البيت قبل أن يفارقهما، وقد يحتمل أنه كان محفوظاً أن يكون أولاً وضع له حوطاً وتحجيراً، لا أنه بناه إِلى أعلاه، حتى كبر إِسماعيل فبنياه معاً كما قال الله تعالى. ثم قال ابن جرير: أخبرنا هناد بن السري، حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن خالد بن عرعرة: أن رجلاً قام إِلى علي رضي الله عنه، فقال: ألا تخبرني عن البيت، أهو أول بيت وضع في الأرض؟ فقال: لا، ولكنه أول بيت وضع في البركة مقام إِبراهيم، ومن دخله كان آمناً، وإِن شئت أنبأتك كيف بني: إِن الله أوحى إِلى إِبراهيم: أن ابن لي بيتاً في الأرض، فضاق إِبراهيم بذلك ذرعاً، فأرسل الله السكينة، وهي ريح خجوج، ولها رأسان، فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت إِلى مكة، فتطورت على موضع البيت كطي الحجفة، وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة، فبنى إِبراهيم، وبقي الحجر، فذهب الغلام يبغي شيئاً، فقال إِبراهيم: لا، أبغني حجراً كما آمرك، قال: فانطلق الغلام يلتمس له حجراً، فأتاه به، فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه، قال: ياأبت من أتاك بهذا الحجر؟ قال: أتاني به من لم يتكل على بنائك، جاء به جبريل عليه السلام من السماء، فأتماه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبدالله بن يزيد المقرىء، أخبرنا سفيان عن بشر بن عاصم، عن سعيد بن المسيب عن كعب الأحبار، قال: كان البيت غثاءة على الماء قبل أن يخلق الله الأرض بأربعين عاماً، ومنه دحيت الأرض. قال سعيد: وحدثنا علي بن أبي طالب: أن إِبراهيم أقبل من أرض أرمينية، ومعه السكينة تدله على تبوؤ البيت كما تتبوأ العنكبوت بيتاً، قال: فكشفت عن أحجار لا يطيق الحجر إِلا ثلاثون رجلاً، فقلت: يا أبا محمد فإِن الله يقول: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ} قال: كان ذلك بعد، وقال السدي: إِن الله عز وجل أمر إِبراهيم أن يبني البيت هو وإِسماعيل: ابنيا بيتي للطائفين والعاكفين والركع والسجود. فانطلق إِبراهيم حتى أتى مكة فقام هو وإِسماعيل، وأخذا المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحاً يقال لها: الريح الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكشفت لهما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس، فذلك حين يقول تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ} {أية : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ}تفسير : [الحج: 26] فلما بنيا القواعد، فبلغا مكان الركن، قال إِبراهيم لإسماعيل: يابني، اطلب لي حجراً حسناً أضعه ههنا. قال: ياأبت إِني كسلان لغب، قال: عليَّ بذلك، فانطلق يطلب له حجراً، فجاءه جبريل بالحجر الأسود من الهند، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الثغامة، وكان آدم هبط به من الجنة، فاسود من خطايا الناس، فجاءه إِسماعيل بحجر، فوجده عند الركن، فقال: يا أبت من جاءك بهذا؟ قال: جاء به من هو أنشط منك، فبينا وهما يدعوان الكلمات التي ابتلى إِبراهيم ربه، فقال: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} وفي هذا السياق ما يدل على أن قواعد البيت كانت مبنية قبل إِبراهيم، وإِنما هدي إِبراهيم إِليها وبوىء لها، وقد ذهب إِلى هذا ذاهبون، كما قال الإمام عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ} قال: القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك، وقال عبد الرزاق أيضاً: أخبرنا هشام بن حسان عن سوار ختن عطاء، عن عطاء بن أبي رباح، قال: لما أهبط الله آدم من الجنة، كانت رجلاه في الأرض، ورأسه في السماء، يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم يأنس إِليهم، فهابت الملائكة حتى شكت إِلى الله في دعائها وفي صلاتها، فخفضه الله تعالى إِلى الأرض، فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش، حتى شكا ذلك إِلى الله في دعائه وفي صلاته، فوجه إِلى مكة، فكان موضع قدميه قرية، وخطوه مفازة، حتى انتهى إِلى مكة، وأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن، فلم يزل يطوف به حتى أنزل الله الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة، حتى بعث الله إِبراهيم عليه السلام فبناه، ذلك قول الله تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن عطاء، قال: قال آدم: إِني لاأسمع أصوات الملائكة، قال: بخطيئتك، ولكن اهبط إِلى الأرض، فابن لي بيتاً، ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء، فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل: من حراء وطور زيتا وطور سيناء والجودي، وكان ربضه من حراء، فكان هذا بناء آدم، حتى بناه إِبراهيم عليه السلام بعد، وهذا صحيح إِلى عطاء، ولكن في بعضه نكارة، والله أعلم. وقال عبد الرزاق أيضاً: أخبرنا معمر عن قتادة، قال: وضع الله البيت مع آدم حين أهبط الله آدم إِلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه، فنقص إِلى ستين ذراعاً، فحزن آدم إِذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، فشكا ذلك إِلى الله عز وجل، فقال الله: يا آدم إِني أهبطت لك بيتاً تطوف به كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يصلى عند عرشي، فانطلق إِليه آدم، فخرج ومدّ له في خطوه، فكان بين كل خطوتين مفازة، فلم تزل تلك المفازة بعد ذلك، فأتى آدم البيت، فطاف به ومن بعده من الأنبياء. وقال ابن جرير: أخبرنا ابن حميد، أخبرنا يعقوب القميّ، عن حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: وضع الله البيت على أركان الماء على أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت. وقال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد وغيره من أهل العلم: أن الله لما بوأ إبراهيم مكان البيت خرج إليه من الشام، وخرج معه إسماعيل وأمه هاجر، وإسماعيل طفل صغير يرضع، وحملوا فيما حدثني على البراق، ومعه جبريل يدله على موضع البيت ومعالم الحرم، خرج معه جبريل، فكان لايمر بقرية إلا قال: أبهذه أمرت ياجبريل؟ فيقول جبريل: امضه، حتى قدم به مكة، وهي إذ ذاك عضاه وسلم وسمر، وبها أناس يقال لهم: العماليق خارج مكة وما حولها، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة، فقال إبراهيم لجبريل: أههنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم، فعمد بهما إلى موضع الحجر، فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشاً، فقال: {أية : رَّبَّنَآ إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ} تفسير : [إبراهيم: 37] إلى قوله: {أية : لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}تفسير : [إبراهيم: 37] وقال عبد الرزاق: أخبرنا هشام بن حسان، أخبرني حميد، عن مجاهد، قال: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً بألفي سنة، وأركانه في الأرض السابعة، وكذا قال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: القواعد في الأرض السابعة، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، أخبرنا عمرو بن رافع أخبرنا عبد الوهاب بن معاوية عن عبد المؤمن بن خالد، عن علياء بن أحمر: أن ذا القرنين قدم مكة، فوجد إبراهيم وإسماعيل يبنيان قواعد البيت من خمسة أجبل. فقال: ما لكما ولأرضي؟ فقال: نحن عبدان مأموران، أمرنا ببناء هذه الكعبة. قال: فهاتا البينة على ما تدعيان. فقامت خمسة أكبش فقلن: نحن نشهد أن إبراهيم وإسماعيل عبدان مأموران أمرا ببناء هذه الكعبة. فقال: قد رضيت وسلمت، ثم مضى، وذكر الأزرقي في تاريخ مكة أن ذا القرنين طاف مع إبراهيم عليه السلام بالبيت، وهذا يدل على تقدم زمانه، والله أعلم. وقال البخاري رحمه الله: قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَـٰعِيلُ} الآية، القواعد: أساسه، واحدها قاعدة، والقواعد من النساء واحدتها قاعدة. حدثنا إسماعيل: حدثني مالك عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر أخبر عبد الله بن عمر عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ألم تري أن قومك حين بنوا البيت اقتصروا على قواعد إبراهيم؟»تفسير : فقلت: يارسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: «حديث : لولا حدثان قومك بالكفر»تفسير : فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر، إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم عليه السلام. وقد رواه في الحج عن القعنبي، وفي أحاديث الأنبياء عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى بن يحيى، ومن حديث ابن وهب، والنسائي من حديث عبد الرحمن بن القاسم، كلهم عن مالك، به. ورواه مسلم أيضاً من حديث نافع قال: سمعت عبد الله بن أبي بكر بن أبي قحافة، يحدث عبد الله بن عمر عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية ـ أو قال: بكفر ـ لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها الحجر»تفسير : وقال البخاري: أخبرنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود، قال: قال لي ابن الزبير: كانت عائشة تسر إليك حديثاً كثيراً، فما حدثتك في الكعبة؟ قال: قلت: قالت لي: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم ـ فقال ابن الزبير: بكفر ـ لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين: باباً يدخل منه الناس، وباباً يخرجون منه»تفسير : ففعله ابن الزبير، انفرد بإخراجه البخاري، فرواه هكذا في كتاب العلم من صحيحه، وقال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو معاوية عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ولولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة، ولجعلتها على أساس إِبراهيم؛ فإن قريشاً حين بنت البيت استقصرت، ولجعلت لها خلفاً»تفسير : قال: وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، قالا: أخبرنا ابن نمير عن هشام بهذا الإسناد، انفرد به مسلم، قال: وحدثني محمد بن حاتم، حدثني ابن مهدي، أخبرنا سليم بن حيان عن سعيد، يعني ابن ميناء، قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: حدثتني خالتي، يعني عائشة رضي الله عنها، قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا عائشة لولا قومك حديثو عهد بشرك، لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، ولجعلت لها باباً شرقياً، وباباً غربياً، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر؛ فإِن قريشاً اقتصرتها حيث بنت الكعبة»تفسير : انفرد به أيضاً. ذكر بناء قريش الكعبة بعد إِبراهيم الخليل عليه السلام بمدد طويلة،وقبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس سنين وقد نقل معهم في الحجارة، وله من العمر خمس وثلاثون سنة، صلوات الله وسلامه عليه دائماً إِلى يوم الدين. قال محمد بن إِسحاق بن يسار في السيرة: ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وثلاثين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها، ويهابون هدمها، وإِنما كانت رضماً فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفراً سرقوا كنز الكعبة، وإِنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة، وكان الذي وجد عنده الكنز دويك مولى بني مليح بن عمرو من خزاعة، فقطعت قريش يده، ويزعم الناس أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك، وكان البحر قد رمى بسفينة إِلى جدة لرجل من تجار الروم، فتحطمت، فأخذوا خشبها، فأعدوه لتسقيفها، وكان بمكة رجل قبطي نجار، فهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها، وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كانت تطرح فيها ما يهدى لها كل يوم، فتشرف على جدار الكعبة، وكانت مما يهابون، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إِلا احزألت وكشت وفتحت فاها، فكانوا يهابونها، فبينا هي يوماً تتشدَّق على جدار الكعبة كما كانت تصنع، بعث الله إِليها طائراً، فاختطفها، فذهب بها، فقالت قريش: إِنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا، عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحية، فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنيانها، قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم، فتناول من الكعبة حجراً، فوثب من يده حتى رجع إِلى موضعه، فقال: يامعشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إِلا طيباً، لا يدخل فيها مهر بغي، ولابيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس، قال ابن إسحاق: والناس ينتحلون هذا الكلام للوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، قال: ثم إِن قريشاً تجزأت الكعبة، فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود، والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إِليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جمح وسهم، وكان شق الحجر لبني عبد الدار بن قصي، ولبني أسد بن عبد العزى بن قصي، ولبني عدي بن كعب بن لؤي، وهو الحطيم، ثم إِن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول، ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم ترع، اللهم إِنا لا نريد إِلا الخير، ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس تلك الليلة، وقالوا: ننظر، فإِن أصيب لم نهدم منها شيئاً، ورددناها كما كانت، وإِن لم يصبه شيء، فقد رضي الله ما صنعنا، فأصبح الوليد من ليلته غادياً على عمله، فهدم، وهدم الناس معه، حتى إِذا انتهى الهدم بهم إِلى الأساس، أساس إِبراهيم عليه السلام، أفضوا إِلى حجارة خضر كالأسنة آخذ بعضها بعضاً، قال: فحدثني بعض من يروي الحديث: أن رجلاً من قريش ممن كان يهدمها، أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أيضاً أحدهما، فلما تحرك الحجر انتفضت مكة بأسرها، فانتهوا عن ذلك الأساس. قال ابن إسحاق: ثم إِن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة، ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن، يعني الحجر الأسود، فاختصموا فيه كل قبيلة تريد أن ترفعه إِلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوروا وتخالفوا وأعدوا للقتال، فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دماً، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسموا: «لعقة الدم» فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمساً، ثم إِنهم اجتمعوا في المسجد، فتشاوروا وتناصفوا، فزعم بعض أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وكان عامئذ أسن قريش كلهم، قال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه، ففعلوا، فكان أول داخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا، هذا محمد. فلما انتهى إليهم، وأخبروه الخبر، قال صلى الله عليه وسلم هلم إِلي ثوباً، فأتي به، فأخذ الركن، يعني الحجر الأسود، فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعاً، ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده صلى الله عليه وسلم ثم بني عليه، وكانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل الوحي: الأمين، فلما فرغوا من البنيان وبنوها على ما أرادوا، قال الزبير بن عبد المطلب، فيما كان من أمر الحية التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها:شعر : عجبتُ لما تصوَّبَتِ العُقابُ إلى الثعبانِ وهيَ لها اضطرابُ وقد كانت يكونُ لها كشيشٌ وأحياناً يكون لها وِثابُ إذا قمنا إلى التأسيس شدت تهيبنا البناءَ وقد تُهاب فلما أن خشينا الرجزَ جاءت عقابٌ تتلئبُّ لها انصبابُ فضمَّتْها إليها ثم خَلَّت لنا البنيانَ ليس لهُ حِجابُ فقمنا حاشدين إلى بناءٍ لنا منه القواعدُ والترابُ غداة نرفعُ التأسيسَ منهُ وليسَ على مساوينا ثيابُ أعزَّ به المليكُ بني لُؤَيَ فليس لأصله منهم ذَهابُ وقد حشدت هناك بنو عديَ ومرةُ قد تقدمها كلابُ فَبَوَّأَنا المَلِيكُ بذاك عِزّاً وعندَ اللّهِ يُلْتَمَسُ الثوابُ تفسير : قال ابن إسحاق: وكانت الكعبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثماني عشر ذراعاً، وكانت تكسى القباطي، ثم كسيت بعد البرود، وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف، (قلت): ولم تزل على بناء قريش حتى احترقت في أول إمارة عبدالله بن الزبير بعد سنة ستين وفي آخر ولاية يزيد بن معاوية، لما حاصروا ابن الزبير، فحينئذٍ نقضها ابن الزبير إلى الأرض، وبناها على قواعد إبراهيم عليه السلام، وأدخل فيها الحجر، وجعل لها باباً شرقياً وباباً غربياً ملصقين بالأرض كما سمع ذلك من خالته عائشة أم المؤمنين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تزل كذلك مدة إمارته حتى قتله الحجاج، فردها إلى ما كانت عليه بأمر عبد الملك بن مروان له بذلك، كما قال مسلم بن الحجاج في صحيحه: أخبرنا هناد بن السري، أخبرنا ابن أبي زائدة، أخبرنا ابن أبي سليمان عن عطاء، قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام، فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم، يريد أن يُحَرِّبُهم على أهل الشام، فلما صدر الناس قال: يأيها الناس أشيروا عليّ في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها، أو أصلح ما وَهَى منها، قال ابن عباس: فإني قد خرق لي رأي فيها، أرى أن تصلح ما وَهَى منها، وتدع بيتاً أسلم الناس عليه? وأحجاراً أسلم الناس عليها، وبعث عليها صلى الله عليه وسلم فقال ابن الزبير: لو كان أحدهم احترق بيته ما رضي حتى يجدده، فكيف بيت ربكم عز وجل؟ إني مستخير ربي ثلاثاً، ثم عازم على أمري، فلما مضت ثلاث، أجمع رأيه على أن ينقضها، فتحاماها الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء، حتى صعده رجل، فألقى منه حجارة، فلما لم يره الناس أصابه شيء، تتابعوا فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدة يستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه، وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر، وليس عندي من النفقة ما يقويني على بنائه، لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع، ولجعلت له باباً يدخل الناس منه، وباباً يخرجون منه»تفسير : قال: فأنا أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس، قال: فزاد فيه خمسة أذرع من الحجر حتى أبدى له أساً، فنظر الناس إليه، فبنى عليه البناء، وكان طول الكعبة ثمانية عشر ذراعاً، فلما زاد فيه استقصره، فزاد في أوله عشرة أذرع، وجعل له بابين: أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه. فلما قتل ابن الزبير، كتب الحجاج إلى عبد الملك يستجيزه بذلك، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاده في طوله فأقره، وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه، وسد الباب الذي فتحه، فنقضه وأعاده إلى بنائه، وقد رواه النسائي في سننه عن هناد، عن يحيى بن أبي زائدة، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن الزبير عن عائشة بالمرفوع منه، ولم يذكر القصة، وقد كانت السنة إقراراً لما فعله عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، لأنه هو الذي ودّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن خشي أن تنكره قلوب بعض الناس لحداثة عهدهم بالإسلام، وقرب عهدهم من الكفر، ولكن خفيت هذه السنة على عبد الملك بن مروان، ولهذا لما تحقق ذلك عن عائشة أنها روت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وددنا أنا تركناه وما تولى، كما قال مسلم: حدثني محمد بن حاتم، حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج: سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير والوليد بن عطاء يحدثان عن الحارث بن عبد الله ابن أبي ربيعة، قال عبد الله بن عبيد: وفد الحارث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان في خلافته، فقال عبد الملك: ما أظن أبا خبيب، يعني ابن الزبير، سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها، قال الحارث: بلى، أنا سمعته منها. قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن قومك استقصروا من بنيان البيت، ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه، فهلمي لأريك ما تركوه منه»تفسير : فأراها قريباً من سبعة أذرع، هذا حديث عبد الله بن عبيد بن عمير، وزاد عليه الوليد بن عطاء: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض: شرقياً وغربياً، وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها»تفسير : قالت: لا. قال: «حديث : تعززاً أن لا يدخلها إلا من أرادوا، فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يدعونه حتى يرتقي، حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط»تفسير : قال عبد الملك: فقلت للحارث: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم، قال: فنكت ساعة بعصاه، ثم قال: وددت أني تركته وما تحمل. قال مسلم: وحدثناه محمد بن عمرو بن جبلة، حدثنا أبو عاصم(ح)، وحدثنا عبد بن حميد، أخبرنا عبد الرزاق كلاهما عن ابن جريج بهذا الإسناد مثل حديث أبي بكر، قال: وحدثنا محمد بن حاتم، حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا حاتم بن أبي صغيرة عن أبي قزعة: أن عبد الملك بن مروان بينما هو يطوف بالبيت إذ قال: قاتل الله ابن الزبير حيث يكذب على أم المؤمنين، يقول: سمعتها تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا عائشة لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت الكعبة حتى أزيد فيها من الحجر. فإن قومك قصروا في البناء»تفسير : فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، فإني سمعت أم المؤمنين تحدث هذا. قال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بنى ابن الزبير، فهذا الحديث كالمقطوع به إلى عائشة، لأنه قد روي عنها من طرق صحيحة متعددة عن الأسود بن يزيد والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن محمد بن أبي بكر وعروة بن الزبير، فدل هذا على صواب ما فعله ابن الزبير، فلو ترك لكان جيداً. ولكن بعدما رجع الأمر إلى هذا الحال، فقد كره بعض العلماء أن يغير عن حاله؛ كما ذكر عن أمير المؤمنين هارون الرشيد أو أبيه المهدي أنه سأل الإمام مالكاً عن هدم الكعبة وردها إلى ما فعله ابن الزبير. فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا تجعل كعبة الله ملعبة للملوك، لا يشاء أحد أن يهدمها إلا هدمها، فترك ذلك الرشيد، نقله عياض والنووي. ولا تزال ـ والله أعلم ـ هكذا إلى آخر الزمان، إلى أن يخربها ذو السويقتين من الحبشة، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة»تفسير : أخرجاه، وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : كأني به أسود أفحج يقلعها حجراً حجراً»تفسير : رواه البخاري، وقال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: أخبرنا أحمد بن عبد الملك الحراني، أخبرنا محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة، ويسلبها حليتها، ويجردها من كسوتها، ولكأني أنظر إليه أصيلع أفيدع يضرب عليها بمسحاته ومعوله»تفسير : الفدع: زيغ بين القدم وعظم الساق، وهذا، والله أعلم، إنما يكون بعد خروج يأجوج ومأجوج؛ لما جاء في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليحجن البيت وليعتمرنّ بعد خروج يأجوج ومأجوج».تفسير : وقوله تعالى حكاية لدعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: { رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} قال ابن جرير: يعنيان بذلك: واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعين لطاعتك، ولا نشرك معك في الطاعة أحداً سواك، ولا في العبادة غيرك، وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي، أخبرنا إسماعيل عن رجاء بن حبان الحصيني القرشي، أخبرنا معقل ابن عبيد الله عن عبد الكريم: {وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} قال: مخلصين لك، {وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} قال: مخلصة، وقال أيضاً: أخبرنا علي بن الحسين، أخبرنا المقدمي، أخبرنا سعيد بن عامر عن سلام ابن أبي مطيع في هذه الآية: {وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} قال: كانا مسلمين، ولكنهما سألاه الثبات. وقال عكرمة: {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} قال الله: قد فعلت، {وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} قال الله: قد فعلت. وقال السدي {وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} يعنيان العرب. قال ابن جرير: والصواب أنه يعم العرب وغيرهم، لأن من ذرية إبراهيم بني إسرائيل، وقد قال الله تعالى: { وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}، (قلت): وهذا الذي قاله ابن جرير لا ينفيه السدي، فإن تخصيصهم بذلك لا ينفي من عداهم، والسياق إنما هو العرب، ولهذا قال بعده: {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَـٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} الآية. والمراد بذلك محمد صلى الله عليه وسلم، وقد بعث فيهم كما قال تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ}تفسير : [الجمعة: 2] ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود لقوله تعالى: {أية : قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}تفسير : [الأعراف: 158] وغير ذلك من الأدلة القاطعة، وهذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كما أخبرنا الله تعالى عن عباده المتقين المؤمنين في قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً}تفسير : [الفرقان: 74] وهذا القدر مرغوب فيه شرعاً، فإن من تمام محبة عبادة الله تعالى أن يحب أن يكون من صلبه من يعبد الله وحده لا شريك له. ولهذا لما قال الله تعالى لإبراهيم عليه السلام {أية : إِنِّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}تفسير : [البقرة: 124] قال: {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِى قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ} تفسير : [البقرة: 124] وهو قوله {أية : وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ}تفسير : [إبراهيم: 35] وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له»تفسير : {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} قال ابن جرير عن عطاء: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} أخرجها لنا، علمناها، وقال مجاهد: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} مذابحنا. وروي عن عطاء أيضاً وقتادة نحو ذلك. وقال سعيد بن منصور: أخبرنا عتاب بن بشير عن خصيف، عن مجاهد، قال: قال إبراهيم: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} فأراه جبرائيل، فأتى به البيت، فقال: ارفع القواعد، فرفع القواعد، وأتم البنيان، ثم أخذ بيده، فأخرجه فانطلق به إلى الصفا، قال: هذا من شعائر الله، ثم انطلق به إلى المروة، فقال: وهذا من شعائر الله، ثم انطلق به نحو منى، فلما كان من العقبة إذا إبليس قائم عند الشجرة، فقال: كبر وارمه، فكبر ورماه، ثم انطلق إبليس، فقام عند الجمرة الوسطى، فلما جاز به جبريل وإبراهيم قال له: كبر وارمه، فكبر ورماه، فذهب الخبيث إبليس، وكان الخبيث أراد أن يدخل في الحج شيئاً، فلم يستطع، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام، فقال: هذا المشعر الحرام، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به عرفات، قال: قد عرفت ما أريتك؟ قالها ثلاث مرات، قال: نعم. وروي عن أبي مجلز وقتادة نحو ذلك، وقال أبو داود الطيالسي: أخبرنا حماد بن سلمة عن أبي العاصم الغنوي، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، قال: إن إبراهيم لما أري أوامر المناسك، عرض له الشيطان عند المسعى، فسابقه إبراهيم، ثم انطلق به جبريل حتى أتى به منى، قال: هذا مناخ الناس، فلما انتهى إلى جمرة العقبة تعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أتى به إلى الجمرة القصوى فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، فأتى به جَمْعاً، فقال: هذا المشعر، ثم أتى به عرفة، فقال: هذه عرفة، فقال له جبريل: أعرفت؟.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ } الكعبة {مَثَابَةً لّلنَّاسِ } مرجعاً يثوبون إليه من كل جانب {وَأَمْناً } مأمناً لهم من الظلم والإغارات الواقعة في غيره كان الرجل يلقى قاتل أبيه فيه فلا يَهِيجُهُ {وَٱتَّخَذُواْ } أيها الناس {مِن مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ } هو الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت {مُصَلًّى } مكان صلاة بأن تصلوا خلفه ركعتي الطواف، وفي قراءة(واتخذوا) بفتح الخاء خبر {وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَٰعِيلَ } أمرناهما {أن } أي بأن {طَهّرَا بَيْتِىَ } من الأوثان {لِلطَّائِفِينَ وَٱلْعَٰكِفِينَ } المقيمين فيه {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ } جمع راكع وساجد المصلين.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَإذْ جَعَلْنَا مَثَابَةً لِلنَّاسِ} فيه قولان: أحدهما: مجمعاً لاجتماع الناس عليه في الحج والعمرة. والثاني: مرجعاً من قولهم قد ثابت العلة إذا رجعت. وقال الشاعر: شعر : مثاباً لأفناءِ القبائل كلها تحب إليها اليعملات الذوامل تفسير : وفي رجوعهم إليه وجهان: أحدهما: أنهم يرجعون إليه المرة بعد المرة. والثاني: أنهم في كل واحد من نُسُكَيَ الحج والعمرة يرجعون إليه من حل إلى حرم؛ لأن الجمع في كل واحد من النسكين بين الحل والحرم شرط مستحق. قال تعالى: {وَأَمْناً} فيه قولان: أحدهما: لأمنه في الجاهلية من مغازي العرب، لقوله: {أية : وءَامَنَهُم مِنْ خَوفٍ}. تفسير : [قريش: 4]. والثاني: لأمن الجناة فيه من إقامة الحدود عليهم حتى يخرجوا منه. {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى} روى حماد، عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب: قلت يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى} بكسر الخاء من قوله واتخذوا على وجه الأمر، وقرأ بعض أهل المدينة: {وَاتَّخّذُوا} بفتح الخاء على وجه الخبر. واختلف أهل التفسير في هذا المقام، الذي أُمِرُوا باتخاذه مصلى، على أربعة أقاويل: أحدها: الحج كله، وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنه عرفة ومزدلفة والجمار، وهو قول عطاء والشعبي. والثالث: أنه الحرم كله، وهو قول مجاهد. والرابع: أنه الحجر الذي في المسجد، وهو مقامه المعروف، وهذا أصح. وفي قوله: {مُصَلَّى} تأويلان: أحدهما: مَدْعَى يَدْعِي فيه، وهو قول مجاهد. والثاني: أنه مصلى يصلي عنده، وهو قول قتادة، وهو أظهر التأويلين. قوله تعالى: {وَعَهِدْنآ إِلى إبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ} فيه تأويلان: أحدهما: أي أَمَرْنَا. والثاني: أي أوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل. {أنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من الأصنام. والثاني: من الكفار. والثالث: من الأنجاس. وقوله تعالى: {بَيْتِيَ} يريد البيت الحرام. فإن قيل: فلم يكن على عهد إبراهيم، قبل بناء البيت بيت يطهر، قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: معناه وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن ابنيا بيتي مُطَهَّراً، وهذا قول السدي. والثاني: معناه أن طهرا مكان البيت. {لِلطَّائِفِينَ} فيهم تأويلان: أحدهما: أنهم الغرباء الذين يأتون البيت من غربة، وهذا قول سعيد بن جبير. والثاني: أنهم الذين يطوفون بالبيت، وهذا قول عطاء. {وَالْعَاكِفِينَ} فيهم أربعة تأويلات: أحدها: أنهم أهل البلد الحرام، وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة. والثاني: أنهم المعتكفون وهذا قول مجاهد. والثالث: أنهم المصلون وهذا قول ابن عباس. والرابع: أنهم المجاورون للبيت الحرام بغير طواف، وغير اعتكاف، ولا صلاة، وهذا قول عطاء. {والرُّكَّعِ السُّجُودِ} يريد أهل الصلاة، لأنها تجمع ركوعاً وسجوداً. قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً} يعني مكة {وَارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} ليجمع لأهله الأمن والخصب، فيكونوا في رغد من العيش. {مَنْ ءَآمَنَ مِنْهُم بِاللهِ} فيه وجهان: أحدهما: أن هذا من قول إبراهيم متصلاً بسؤاله، أن يجعله بلداً آمناً، وأن يرزق أهله الذين آمنوا به من الثمرات، لأن الله تعالى قد أعلمه بقوله: {لاَ يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} أن فيهم ظالماً هو بالعقاب أحق من الثواب، فلم يسأل أهل المعاصي سؤال أهل الطاعات. والوجه الثاني: أنه سؤاله كان عاماً مرسلاً، وأن الله تعالى خص الإجابة لمن آمن منهم بالله واليوم الآخر، ثم استأنف الإخبار عن حال الكافرين، بأن قال: {وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً} يعني في الدنيا. {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذَابِ النَّارِ} يعني بذنوبه إن مات على كفره. واختلفوا في مكة، هل صارت حراماً آمناً بسؤال إبراهيم أو كانت فيه كذلك؟ على قولين: أحدهما: أنها لم تزل حرماً مِنَ الجَبَابِرَةِ والمُسَلَّطِينَ، ومن الخسوف والزلازل، وإنما سأل إبراهيم ربَّه: أن يجعله آمناً من الجذب والقحط، وأن يرزق أهله من الثمرات، لرواية سعيد بن المقبري، قال: سمعت أبا شريح الخزاعي يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما افتتح مكة، قتلت خزاعة رجلاً من هذيل، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً فقال: "حديث : يأَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمواتِ وَالأرْضَ فَهِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لاَ يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليومِ الآخرِ أَنْ يَسْفِكَ فِيها دَماً أَوْ يُعَضِّدُ بِهَا شَجَراً، وَأَنَّهَا لاَ تَحِلُّ لأحَدٍ بَعْدِي وَلَمْ تَحِلَّ لِي إِلاَّ هَذِهِ السَّاعَةَ غَضَباً عَلَى أَهْلِهَا، ألاَ وَهِيَ قَدْ رَجِعَتْ عَلَى حَالِهَا بِالأَمْسِ، ألاَ لِيُبَلِّغَ الشَّاهِدُ الغَائِبَ. فَمَنْ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ قَدْ قَتَلَ بِهَا فَقُولُوا: إنَّ الله تَعَالَى قَدْ أَحَلَّهَا لِرَسُولِهِ وَلَمْ يُحِلَّهَا لَكْ" . تفسير : والثاني: أن مكة كانت حلالاً قبل دعوة إبراهيم، كسائر البلاد، وأنها بدعوته صارت حرماً آمنا، وبتحريمه لها، كما صارت المدينة بتحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم حراماً، بعد أن كانت حلالاً، لرواية أشعب، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: "حديث : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ عَبْدَ اللهِ وَخَلِيله، وَإِنِّي عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وإِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وإِنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا عَضَاهَا وَصَيْدُهَا، لاَ يُحْمَلُ فِيهَا سِلاَحٌ لِقِتَالٍ، وَلاَ يُقْطَعُ مِنْهَا شَجَرٌ لَعَلَفٍ" . تفسير : قوله تعالى: {وَإَذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} أول من دله الله تعالى على مكان البيت إبراهيمُ، وهو أول من بناه مع إسماعيل، وأول من حجه، وإنما كانوا قَبْلُ يصلون نحوه، ولا يعرفون مكانه. والقواعد من البيت واحدتها قاعدة، وهي كالأساس لما فوقها. {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} والمعنى: يقولان ربنا تقبل منا، كما قال تعالى: {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيكُم} أي يقولون سلام عليكم، وهي كذلك في قراءة أبيّ بن كعب: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ وَيَقُولاَنِ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا}. وتفسير "إسماعيل": إسمع يا الله، لأن إيل بالسريانية هو الله، لأن إبراهيم لما دعا ربه قال: اسمع يا إيل، فلما أجابه ورزقه بما دعا من الولد، سمّى بما دعا. قوله تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ} على التثنية، وقرأ عوف الأعرابي: {مُسْلِمِينَ لك} على الجمع. ويقال: أنه لم يدع نَبيُّ إلا لنفسه ولأمته إلا إبراهيم فإنه دعا مع دعائه لنفسه ولأمته لهذه الأمة في قوله: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} والمسلم هو الذي استسلم لأمر الله وخضع له، وهو في الدين القابل لأوامر الله سراً وجهراً. {وأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} أي عرفنا مناسكنا، وفيها تأويلان: أحدهما: أنها مناسك الحج ومعالمه، وهذا قول قتادة والسدي. والثاني: أنها مناسك الذبائح التي تنسك لله عز وجل، وهذا قول مجاهد وعطاء. والمناسك جمع منسك، واختلفوا في تسميته منسكاً على وجهين: أحدهما: لأنه معتاد ويتردد الناس إليه في الحج والعمرة، من قولهم إن لفلان منسكاً، إذا كان له موضع معتاد لخير أو شر، فسميت بذلك مناسك الحج لاعتيادها. والثاني: أن النسك عبادة الله تعالى، ولذلك سُمِّي الزاهد ناسكاً لعبادة ربه، فسميت هذه مناسك لأنها عبادات.

ابن عطية

تفسير : قوله {وإذ} عطف على {إذ} المتقدمة و {البيت} الكعبة، و {مثابة} يحتمل أن تكون من ثاب إذا رجع لأن الناس يثوبون إليها أي ينصرفون، ويحتمل أن تكون من الثواب أي يثابون هناك، قال الأخفش: دخلت الهاء فيها للمبالغة لكثرة من يثوب أي يرجع، لأنه قل ما يفارق أحد البيت إلا وهو يرى أنه لم يقض منه وطراً، فهي كنسابة وعلامة، وقال غيره: هي هاء تأنيث المصدر، فهي مفعلة أصلها مثوبة نقلت حركة الواو إلى الثاء فانقلبت الواو ألفاً لانفتاح ما قبلها، وقيل: هو على تأنيث البقعة، كما يقال: مقام ومقامة، وقرأ الأعمش "مثابات" على الجمع، وقال ورقة بن نوفل في الكعبة: [الطويل]: شعر : مثاب لأفناءِ القبائلِ كلِّها تخبُّ إليها اليَعْمَلاتُ الطلائِحُ تفسير : و {أمناً} معناه أن الناس يغيرون ويقتتلون حول مكة وهي أمنة من ذلك، يلقى الرجل بها قاتل أبيه فلا يهيجه، لأن الله تعالى جعل لها في النفوس حرمة وجعلها أمناً للناس والطير والوحوش، وخصص الشرع من ذلك الخمس الفواسق، على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وجمهور الناس "واتخِذوا" بكسر الخاء على جهة الأمر، فقال أنس بن مالك وغيره: معنى ذلك ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: وافقت ربي في ثلاث، في الحجاب، وفي {أية : عسى ربه إن طلقكن} تفسير : [التحريم: 5]، وقلت يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}. قال القاضي أبو محمد: فهذا أمر لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال المهدوي: وقيل ذلك عطف على قوله {اذكروا} فهذا أمر لبني إسرائيل، وقال الربيع بن أنس: ذلك أمر لإبراهيم ومتبعيه، فهي من الكلمات، كأنه قال: {أية : إني جاعلك للناس إماماً} تفسير : [البقرة: 124] {واتخذوا}، وذكر المهدوي رحمه الله أن ذلك عطف على الأمر يتضمنه قوله: {جعلنا البيت مثابة}، لأن المعنى: توبوا، وقرأ نافع وابن عامر"واتخذوا" بفتح الخاء على جهة الخبر عمن اتخذه من متبعي إبراهيم، وذلك معطوف على قوله {وإذ جعلنا}، كأنه قال: وإذ اتخذوا، وقيل هو معطوف على جعلنا دون تقدير إذ، فهي جملة واحدة، وعلى تقدير إذ فهي جملتان. واختلف في {مقام إبراهيم}، فقال ابن عباس وقتادة وغيرهما، وخرجه البخاري: إنه الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم حين ضعف عن رفع الحجارة التي كان إسماعيل يناوله إياها في بناء البيت وغرقت قدماه فيه. وقال الربيع ابن أنس: هو حجر ناولته إياه امرأته فاغتسل عليه وهو راكب، جاءته به من شق ثم من شق فغرقت رجلاه فيه حين اعتمد عليه، وقال فريق من العلماء: المقام المسجد الحرام، وقال عطاء بن أبي رباح: المقام عرفة والمزدلفة والجمار، وقال ابن عباس: مقامه مواقف الحج كلها، وقال مجاهد: مقامه الحرم كله. و {مصلى} موضع صلاة، هذا على قول من قال: المقام الحجر، ومن قال بغيره قال {مصلى} مدعى، على أصل الصلاة. وقوله تعالى: {وعهدنا} العهد في اللغة على أقسام، هذا منها الوصية بمعنى الأمر، و {أن} في موضع نصب على تقدير بأن وحذف الخافض، قال سيبويه: إنها بمعنى أي مفسرة، فلا موضع لها من الإعراب، و {طهراً} قيل معناه ابنياه وأسساه على طهارة ونية طهارة، فيجيء مثل قوله: {أية : أسس على التقوى} تفسير : [التوبة: 108] وقال مجاهد: هو أمر بالتطهير من عبادة الأوثان، وقيل: من الفرث والدم. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لا تعضده الأخبار، وقيل: من الشرك، وأضاف الله البيت إلى نفسه تشريفاً للبيت، وهي إضافة مخلوق إلى خالق ومملوك إلى مالك، و {للطائفين} ظاهره أهل الطواف، وقاله عطاء وغيره، وقال ابن جبير: معناه للغرباء الطارئين على مكة، و {العاكفين} قال ابن جبير: هم أهل البلد المقيمون، وقال عطاء: هم المجاورون بمكة، وقال ابن عباس: المصلون، وقال غيره: المعتكفون. قال القاضي أبو محمد والعكوف في اللغة اللزوم للشيء والإقامة عليه، كما قال الشاعر [العجاج]: [الرجز] شعر : عكف النبيط يلعبون الفنزجا تفسير : فمعناه لملازمي البيت إرادة وجه الله العظيم، و {الركع السجود} المصلون، وخص الركوع والسجود بالذكر لأنهما أقرب أحوال المصلي إلى الله تعالى، وكل مقيم عند بيت الله إرادة ذات الله فلا يخلو من إحدى هذه الرتب الثلاث، إما أن يكون في صلاة أو في طواف فإن كان في شغل من دنياه فحال العكوف على مجاورة البيت لا يفارقه. وقوله تعالى: {وإذا قال إبراهيم} الآية، دعا إبراهيم عليه السلام لذريته وغيرهم بمكة بالأمن ورغد العيش، و {اجعل} لفظه الأمر وهو في حق الله تعالى رغبة ودعاء، و {آمناً} معناه من الجبابرة والمسلطين والعدو المستأصل والمثلات التي تحل بالبلاد. وكانت مكة وما يليها حين ذلك قفراً لا ماء فيه ولا نبات، فبارك الله فيما حولها كالطائفة وغيره، ونبتت فيها أنواع الثمرات. وروي أن الله تعالى لما دعاه إبراهيم أمر جبريل صلوات الله عليه فاقتلع فلسطين، وقيل قطعة من الأردن فطاف بها حول البيت سبعاً وأنزلها بوجّ، فسميت الطائف بسبب ذلك الطواف. واختلف في تحريم مكة متى كان؟ فقالت فرقة: جعلها الله حراماً يوم خلق السموات والأرض، وقالت فرقة: حرمها إبراهيم. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والأول قاله النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته ثاني يوم الفتح، والثاني قاله أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيح عنه: "حديث : اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة، ما بين لابتيها حرام"تفسير : ولا تعارض بين الحديثين، لأن الأول إخبار بسابق علم الله فيها وقضائه، وكون الحرمة مدة آدم وأوقات عمارة القطر بإيمان، والثاني إخبار بتجديد إبراهيم لحرمتها وإظهاره ذلك بعد الدثور، وكل مقال من هذين الإخبارين حسن في مقامه، عظم الحرمة ثاني يوم الفتح على المؤمنين بإسناد التحريم إلى الله تعالى، وذكر إبراهيم عند تحريمه المدينة مثالاً لنفسه، ولا محالة أن تحريم المدينة هو أيضاً من قبل الله تعالى من نافذ قضائه وسابق علمه، و {من} بدل من قوله {أهله}، وخص إبراهيم المؤمنين بدعائه. وقوله تعالى: {ومن كفر} الآية قال أبي بن كعب وابن إسحاق وغيرهما: هذا القول من الله عز وجل لإبراهيم، وقرؤوا "فأمتّعه" بضم الهمزة وفتح الميم وشد التاء، "ثم أضطُّره" بقطع الألف وضم الراء، وكذلك قرأ السبعة حاشا ابن عامر، فإنه قرأ "فأمْتِعه" بضم الهمزة وسكون الميم وتخفيف التاء، {ثم أضطره} بقطع الألف، وقرأ يحيى بن وثاب "فأمتعه" كما قرأ ابن عامر "ثم إضطره" بكسر الهمزة على لغة قريش في قولهم لا إخال، وقرأ أبي بن كعب "فنمتعه" "ثم نضطره"، و {من} شرط والجواب في {فأمتعه}، وموضع {من} رفع على الابتداء والخبر، ويصح أن يكون موضعها نصباً على تقدير وأرزق من كفر، فلا تكون شرطاً. وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: هذا القول هو من إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وقرؤوا "فأَمْتعه" بفتح الهمزة وسكون الميم "ثم اضطره" بوصل الألف وفتح الراء، وقرئت بالكسر، ويجوز فيها الضم، وقرأ ابن محيصن "ثم اطّره" بإدغام الضاد في الطاء، وقرأ يزيد بن أبي حبيب "ثم اضطُره" بضم الطاء. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فكأن إبراهيم عليه السلام دعا للمؤمنين وعلى الكافرين. و {قليلاً} معناه مدة العمر، لأن متاع الدنيا قليل، وهو نعت إما لمصدر كأنه قال: متاعاً قليلاً: وإما لزمان، كأنه قال: وقتاً قليلاً أو زمناً قليلاً، و {المصير} مفعل كموضع من صار يصير: و"بيس" أصلها بئس، وقد تقدمت في "بيسما"، وأمتعه معناه أخوله الدنيا وأبقيه فيها بقاء قليلاً، لأنه فان منقض، وأصل المتاع الزاد، ثم استعمل فيما يكون آخر أمر الإنسان أو عطائه أو أفعاله، قال الشاعر [سليمان بن عبد الملك]: [الطويل] شعر : وَقَفْتُ على قَبْرٍ غريبٍ بقفرةٍ متاع قليل من حبيبٍ مفارقِ تفسير : ومنه تمتيع الزوجات، ويضطر الله الكافر إلى النار جزاء على كفره.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَثَابَةً} مجمعاً يجتمعون عليه في النسكين، أو مرجعاً، ثابت العلة: رجَعَت. أي: يرجعون إليه مرة بعد أخرى، أو يرجعون إليه في كلا النسكين من حل إلى حرم. {وَأَمْناً} لأهله في الجاهلية، أو للجاني من إقامة الحد عليه فيه. {مَّقامِ إِبْرَاهِيمَ} عرفة ومزدلفة والجمار، أو الحرم كله، أو الحج كله. أو الحجر الذي في المسجد على الأصح. {مُصَلَّى} مُدَّعَى يُدْعَى فيه، أو الصلاة المعروفة وهو أظهر {وَعَهِدْنَآ} أمرنا، أو أوحينا. {طَهِّرَا بَيْتِيَ} من الأصنام، أو الكفار، أو الأنجاس، أُمرا ببنائه مطهراً، أو يُطهرا مكانه. {لِلطَّآئِفِينَ} الغرباء الذين يأتونه من غربة، أو الذين يطوفون به. {وَالْعَاكِفِينَ} أهل البلد الحرام، أو المصلون، أو المعتكفون، أو مجاورو البيت بغير طواف ولا اعتكاف ولا صلاة. {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} المصلون.

النسفي

تفسير : {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ } أي الكعبة وهو اسم غالب لها كالنجم للثريا {مَثَابَةً لّلنَّاسِ } مباءة ومرجعاً للحجاج والعمار يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه {وَأَمْناً } وموضع أمن فإن الجاني يأوي إليه فلا يتعرض له حتى يخرج وهو دليل لنا في الملتجىء إلى الحرم. {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلًّى } وقلنا أتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه. وعنه عليه السلام أنه أخذ بيد عمر فقال «حديث : هذا مقام إبراهيم» تفسير : فقال عمر أفلا نتخذه مصلى فقال عليه السلام «حديث : لم أومر بذلك» تفسير : فلم تغب الشمس حتى نزلت. وقيل: مصلى مدعى، ومقام إبراهيم الحجر الذي فيه أثر قدميه. وقيل: الحرم كله مقام إبراهيم. «واتخذوا» شامي ونافع بلفظ الماضي عطفاً على «جـعلنا» أي واتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي وسم به لاهتمامه به وإسكان ذريته عنده قبلة يصلون إليها {وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ } أمرناهما {أَن طَهّرَا بَيْتِىَ } بفتح الياء: مدني وحفص أي بأن طهرا أو أي طهرا والمعنى طهراه من الأوثان والخبائث والأنجاس كلها {لِلطَّائِفِينَ } للدائرين حوله {وَٱلْعَـٰكِفِينَ } المجاورين الذين عكفوا عنده أي أقاموا لا يبرحون أو المعتكفين. وقيل: للطائفين للنزّاع إليه من البلاد والعاكفين والمقيمين من أهل مكة. {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ } والمصلحين جـمعاً راكع وساجد. {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ رَبِ ٱجْعَلْ هَٰذَا} أي اجعل هذا البلد أو هذا المكان {بَلَدًا آمِنًا } ذا أمن كعيشة راضية أو آمناً من فيه كقولك «ليل نائم» فهذا مفعول أول. و«بلداً» مفعول ثانٍ و«آمناً» صفة له. {وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ } لأنه لم يكن لهم ثمرة. ثم أبدل {مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} من أهله بدل البعض من الكل أي وارزق المؤمنين من أهله خاصة. قاس الرزق على الإمامة فخص المؤمنين به. قال الله تعالى جواباً له {وَمَن كَفَرَ } أي وارزق من كفر {فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً } تمتيعاً قليلاً أو زماناً قليلاً إلى حين أجله. «فأمتعه»: شامي {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ } ألجئه {إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } المرجـع الذي يصير إليه النار فالمخصوص بالذم محذوف. {وَإِذْ يَرْفَعُ } حكاية حال ماضية {إِبْرٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ } هي جمع قاعدة وهي الأساس والأصل لما فوقه وهي صفة غالبة ومعناها الثابتة. ورفع الأساس البناء عليها لأنها إذا بنى عليها نقلت عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع وتطاولت بعد التقاصر. {مِنَ ٱلْبَيْتِ } بيت الله وهو الكعبة {وَإِسْمَـٰعِيلُ} هو عطف على إبراهيم وكان ابراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة {رَبَّنَا } أي يقولان ربنا. وهذا الفعل في محل النصب على الحال وقد أظهره عبد الله في قراءته ومعناه يرفعانها قائلين ربنا {تَقَبَّلْ مِنَّا } تقربنا إليك ببناء هذا البيت {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ } لدعائنا{ٱلْعَلِيمُ } بضمائرنا ونياتنا. وفي إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام تفخيم لشأن المبين. {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } مخلصين لك أوجهنا من قوله {أية : أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } تفسير : [البقرة: 112] أو مستسلمين يقال أسلم له واستسلم إذا خضع وأذعن، والمعنى زدنا إخلاصاً وإذعاناً لك. {وَمِن ذُرّيَّتِنَا } واجعل من ذريتنا {أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } و«من» للتبعيض أو للتبيين. وقيل: أراد بالأمة أمة محمد عليه السلام وإنما خصا بالدعاء ذريتهما لأنهم أولى بالشفقة كقوله تعالى: {أية : قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً }تفسير : [التحريم: 6]. {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا } منقول من «رأى» بمعنى أبصر أو عرف ولذا لم يتجاوز مفعولين أي وبصرنا متعبداتنا في الحج أو عرفناها. وواحد المناسك منسك بفتح السين وكسرها وهو المتعبد ولهذا قيل للعابد ناسك. «وأرنا»: مكي قاسه على فخذ في فخذ، وأبو عمرو يشم الكسرة. {وَتُبْ عَلَيْنَا } ما فرط منا من التقصير أو استتاباً لذريتهما {إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ } في الأمة المسلمة {رَسُولاً مِّنْهُمْ } من أنفسهم فبعث الله فيهم محمداً عليه السلام، قال عليه السلام «حديث : أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي» تفسير : {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَـٰتِكَ } يقرأ عليهم ويبلغهم ما توحي إليه من دلائل وحدانيتك وصدق أنبيائك ورسلك {وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } القرآن {وَٱلْحِكْــمَةَ} السنة وفهم القرآن {وَيُزَكّيهِمْ } ويطهرهم من الشرك وسائر الأرجاس {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ } الغالب الذي لا يغلب {ٱلْحَكِيمُ } فيما أوليت. {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرٰهِيمَ } استفهام بمعنى الجحد وإنكار أن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملة إبراهيم. والملة السنة والطريقة كذا عن الزجـاج {إِلاَّ مَنْ } في محل الرفع على البدل من الضمير في «يرغب»، وصح البدل لأن من يرغب غير موجب كقولك «هل جاءك أحد إلا زيد» والمعنى وما يرغب عن ملة إبراهيم إلا من {سَفِهَ نَفْسَهُ } أي جهل نفسه أي لم يفكر في نفسه. فوضع سفه موضع جهل وعدي كما عدي، أو معناه سفه في نفسه فحذف في كما حذف «من» في قوله {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ }تفسير : [الأعراف: 155] أي من قومه، وعلى في قوله: {أية : وَلا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ ٱلنّكَاحِ }تفسير : [البقرة: 235]. أي على عقدة النكاح والوجهان عن الزجاج. وقال الفراء: هو منصوب على التمييز وهو ضعيف لكونه معرفة. {وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } بيان لخطأ رأي من يرغب عن ملته لأن من جمع كرامة الدارين لم يكن أحد أولى بالرغبة من طريقته منه {إِذْ قَالَ } ظرف لاصطفيناه، أو انتصب بإضمار «اذكر» كأنه قيل: اذكر ذلك الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله. {لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ } أذعن أو أطع أو أخلص دينك لله {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي أخلصت أو انقدت. {وَوَصَّىٰ } «وأوصى» مدني وشامي. {بِهَا } بالملة أو بالكلمة وهي أسلمت لرب العالمين {إِبْرٰهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ } هو معطوف على إبراهيم داخل في حكمه والمعنى ووصى بها يعقوب بنيه أيضاً {يَا بَنِىَّ} على إضمار القول {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدّينَ } أي أعطاكم الدين الذي هو صفوة الأديان وهو دين الإسلام ووفقكم للأخذ به {فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام، فالنهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإسلام إذا ماتوا كقولك «لا تصلّ إلا وأنت خاشع» فلا تنهاه عن الصلاة ولكن عن ترك الخشوع في صلاته. {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ } أم منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار. والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أي ما كنتم حاضرين يعقوب عليه السلام إذ حضره الموت أي حين احتضر، والخطاب للمؤمنين بمعنى ما شهدتم ذلك وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي. أو متصله ويقدر قبلها محذوف والخطاب لليهود لأنهم كانوا يقولون ما مات نبي إلا على اليهودية كأنه قيل: أتدّعون على الأنبياء اليهودية أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت {إِذْ قَالَ } بدل من «إذ» الأولى والعامل فيهما شهداء أو ظرف لـ «حضر» {لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ } ما استفهام في محل النصب بـ «تعبدون» أي أيّ شيء تبعدون؟ و «ما» عام في كل شيء أو هو سؤال عن صفة المعبود كما تقول «ما زيد» تريد أفقيه أم طبيب. {مِن بَعْدِى } من بعد موتي. {قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ } أعيد ذكر الإله لئلا يعطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار. {إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ } عطف بيان لآبائك، وجعل إسماعيل من جملة آبائه وهو عمه لأن العم أب قال عليه السلام في العباس «حديث : هذا بقية آبائي». تفسير : {إِلَـٰهاً وٰحِداً } بدل من إله آبائك كقوله: {أية : بِٱلنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَـٰذِبَةٍ }تفسير : [العلق: 15، 16] أو نصب على الاختصاص أي نريد بإله آبائك إلهاً واحداً. {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } حال من فاعل «نعبد» أو جملة معطوفة على «نعبد» أو جملة اعتراضية مؤكدة. {تِلْكَ } إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون {أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ } مضت {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم } أي إن أحداً لا ينفعه كسب غيره متقدماً كان أو متأخراً، فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما اكتسبتم وذلك لافتخارهم بآبائهم {وَلاَ تُسْـئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ولا تؤاخذون بسيئاتهم. {وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ } أي قالت اليهود كونوا هوداً وقالت النصارى كونوا نصارى. وجزم {تَهْتَدُواْ } لأنه جواب الأمر. {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ } بل نتبع ملة إبراهيم {حَنِيفاً } حال من المضاف إليه نحو «رأيت وجه هند قائمة». والحنيف المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق. {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } تعريض بأهل الكتاب وغيرهم لأن كلاًّ منهم يدعي اتباع ملة إبراهيم وهو على الشرك. {قُولُواْ } هذا خطاب للمؤمنين أو للكافرين أي قولوا لتكونوا على الحق وإلا فأنتم على الباطل {آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا} أي القرآن {وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ } السبط الحافد وكان الحسن والحسين سبطي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأسباط حفدة يعقوب ذراري أبنائه الاثني عشر. ويعدى «أنزل» بـ «إلى» و «على» فلذا ورد هنا بـ «إلى» وفي آل عمران بـ« على» {وَمَا أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ } أي لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى. وأحد في معنى الجماعة ولذا صح دخول بين عليه. {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } لله مخلصون {فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءَامَنتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ } ظاهر الآية مشكل لأنه يوجب أن يكون لله تعالى مثل وتعالى عن ذلك. فقيل: الباء زائدة و«مثل» صفة مصدر محذوف تقديره فإن آمنوا إيماناً مثل إيمانكم والهاء يعود إلى الله عز وجل، وزيادة الباء غير عزيز قال الله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيّئَاتِ جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا }تفسير : [يونس: 27] والتقدير جزاء سيئة مثلها كقوله في الآية الأخرى: {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا }تفسير : [الشورى: 40] وقيل: المثل زيادة أي فإن آمنوا بما آمنتم به يؤيده قراءة ابن مسعود رضي الله عنه بما آمنتم به. و«ما» بمعنى «الذي» بدليل قراءة أبي «بالذي آمنتم به». وقيل: الباء للاستعانة كقولك «كتبت بالقلم» أي فإن دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم التي آمنتم بها {وإن تَوَلَّوْا} عما تقولون لهم ولم ينصفوا أو إن تولوا عن الشهادة والدخول في الإيمان بها {فإنّما هم في شقاقٍ} أي فما هم إلا في خلاف وعداوة وليسوا من طلب الحق في شيء {فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ } ضمان من الله لإظهار رسوله عليهم وقد أنجز وعده بقتل بعضهم وإجلاء بعضهم، ومعنى السين أن ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين. {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ } لما ينطقون به {ٱلْعَلِيمُ } بما يضمرون من الحسد والغل وهو معاقبهم عليه فهو وعيد لهم، أو وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي يسمع ما تدعو به ويعلم نيتك وما تريده من إظهار دين الحق وهو مستجيب لك وموصلك إلى مرادك.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وإذ جعلنا البيت} يعني البيت الحرام، وهو الكعبة ويدخل فيه الحرم فإن الله تعالى وصفه بكونه آمناً وهذه صفة جميع الحرم {مثابة للناس} أي مرجعاً من ثاب يثوب إذا رجع، والمعنى يثوبون إليه من كل جانب يحجونه {وأمناً} أي موضعاً ذا أمن يؤمنون فيه من أذى المشركين فإنهم كانوا لا يتعرضون لأهل مكة: ويقولون: هم أهل الله. وقال ابن عباس: معاذاً وملجأ (ق) عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: "حديث : إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاه فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوتهم فقال: إلا الإذخر" تفسير : . معنى الحديث: أنه لا يحل لأحد أن ينصب القتال والحرب في الحرم وإنما أحل ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة فقط ولا يحل لأحد بعده. قوله: لا يعضد شوكه أي لا يقطع شوك الحرم وأراد به ما لا يؤذي منه أما ما يؤذي منه كالعوسج فلا بأس بقطعه. قوله: ولا ينفر صيده أي لا يتعرض له بالاصطياد ولا يهاج. قوله: ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها أي ينشدها. والنشد رفع الصوت بالتعريف. واللقطة في جميع الأرض لا تحل إلا لمن يعرفها حولاً فإن جاء صاحبها أخذها. وإلا انتفع بها الملتقط بشرط الضمان. وحكم مكة في اللقطة أن يعرفها على الدوام بخلاف غيرها من البلاد فإنه محدود بسنة. قوله: ولا يختلى خلاه. الخلي مقصور الرطب من النبات الذي يرعى وقيل: هو اليابس من الحشيش وخلاه قطعه. وقول: لقينهم القين الحداد وقوله تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} قيل: الحرم كله مقام إبراهيم، وقيل: أراد بمقام إبراهيم جميع مشاهد الحج مثل عرفة والمزدلقة والرمي وسائر المشاهد، والصحيح أن مقام إبراهيم هو الحجر الذي يصلي عنده الأئمة، وذلك الحجر هو الذي قام إبراهيم عليه عند بناء البيت، وقيل: كان أثر أصابع رجلي إبراهيم عليه السلام فيه فاندرست بكثرة المسح بالأيدي وقيل: إنما أمروا بالصلاة عنده ولم يؤمروا بمسحه وتقبيله (ق) عن أنس بن مالك قال قال عمر: "وافقت ربي في ثلاث قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلّى فنزلت: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى} الحديث. وكان بدء قصة المقام على ما رواه البخاري في صحيحه، عن ابن عباس قال: أول ما اتخذت النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقاً لتعفي أثرها على سارة ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم من أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد ليس بها ماء فوضعهما هناك، ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفى إبراهيم منطلقاً فتبعته أم إسماعيل. فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء فقالت له: ذلك مراراً وجعل لا يلتفت إليها فقالت له: آلله أمرك بهذا قال: نعم قالت إذا لا يضيعنا ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات فرفع يديه وقال ربنا: إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع حتى بلغ يشكرون وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت، وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال: يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر أحداً فهبطت من الصفا حتى بلغت الوادي، ورفعت طرف درعها وسعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها، فنظرت هل ترى أحداً فلم تر أحداً ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك سعى الناس بينهما فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضاً فقالت يا من قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه وتقول: بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعدما تغرف قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم حديث : يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم، أو قال: لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً معيناًتفسير : . قال: فشربت وأرضعت ولدها. فقال: لها الملك لا تخافي الضيعة، فإن ها هنا بيتاً لله يبتنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمنيه وعن شماله فكانت كذلك، حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائراً عائفاً، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء فأرسلوا جرياً أو جريين فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك قالت: نعم ولكن لا حق لكم في الماء قالوا: نعم. قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم فألقى ذلك أم إسماعيل، وهي تحب الأنس فأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كانوا بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وآنسهم وأعجبهم حيث شب فلما أدرك زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا وفي رواية ذهب يصيد لنا ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر نحن في ضيق وشدة وشكت إليه فقال إذا جاء زوجك اقرئي عليه السلام وقولي له: يغير عتبة بابه فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئاً فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد، وشدة فقال: هل أوصاك بشيء قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول لك غير عتبة بابك قال ذلك أبي، وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك فطلقها، وتزوج منهم أخرى فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم أتاهم بعد فلم يجده فدخل على امرأته فسأل عنه. فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على الله عز وجل فقال: وما طعامكم؟ قالت اللحم قال: وما شرابكم قالت: الماء قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء قال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان لهم حب دعا لهم فيهتفسير : ، قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه وفي رواية فجاء فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: قد ذهب يصيد، فقالت امرأته: ألاّ تنزل عندنا فتطعم وتشرب. قال: وما طعامكم وشرابكم قالت: طعامنا اللحم وشرابنا الماء قال اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم. قال: فقال أبو القاسم بركة دعوة إبراهيم. قال فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه أن يثبت عتبة بابه فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا بخير قال فأوصاك بشيء قالت: نعم يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك فقال: ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر قال: فاسمع ما أمرك ربك. قال: وتعينني قال وأعينك قال: فإن الله أمرني أن أبني بيتاً ها هنا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاءه بهذا الحجر فوضعه له، فقام إبراهيم عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم: وفي رواية حتى إذا ارتفع البناء وضعف الشيخ عن نقل الحجارة فقام على حجر المقام، فجعل يناوله الحجارة ويقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وقيل: إن امرأة إسماعيل قالت لإبراهيم: انزل اغسل رأسك فلم ينزل فجاءته بالمقام فوضعته عند شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه فغسلت شق رأسه الأيمن ثم حولته إلى شقه الأيسر فغسلت شق رأسه الأيسر فبقي أثر قدميه عليه. عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما ولو لم يطمس نورهما لأضاء ما بين المشرق والمغرب" تفسير : أخرجه الترمذي. وقال هذا يروى عن ابن عمر موقوفاً. واختلفوا في قوله: مصلى فمن فسر المقام بمشاهد الحج ومشاعره قال مصلّى مدعى من الصلاة التي هي الدعاء، ومن فسر المقام بالحجر قال معناه واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى قبلة، أمروا بالصلاة عنده وهذا القول هو الصحيح، لأن لفظ الصلاة إذا أطلق لا يعقل منه إلا الصلاة المعهودة ذات الركوع والسجود، ولأن مصلى الرجل هو الموضع الذي يصلي فيه {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل} أي أمرناهما وألزمناهما وأوجبنا عليهما. قيل: إنما سمي إسماعيل لأن إبراهيم كان يدعو الله أن يرزقه ولداً، ويقول في دعائه: اسمع يا إيل وإيل بلسان السريانية هو الله. فلما رزق الولد سماه به {أن طهرا بيتي} يعني الكعبة أضافه إليه تشريفاً وتفضيلاً وتخصيصاً، أي ابنياه على الطهارة والتوحيد، وقيل طهراه من سائر الأقذار والأنجاس، وقيل طهراه من الشرك والأوثان وقول الزور {للطائفين} يعني الدائرين حوله {والعاكفين} يعني المقيمين به والمجاورين له {والركع السجود} جمع راكع وساجد وهم المصلون وقيل: الطائفين يعني الغرباء الواردين إلى مكة والعاكفين يعني أهل مكة المقيمين بها. قيل: إن الطواف للغرباء أفضل والصلاة لأهل مكة بمكة أفضل.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى...} أي محل رجوع، والرجوع ليس هو باعتبار الشخص الواحد المعين بل باعتبار الأنواع (فيحج) واحد ولا يرجع، ويحج آخر. ويحتمل أن يراد بالشخص الواحد المعين لكن لا يتناول إلا الأفاقِي فإنه يطوف طواف القدوم ثم يرجع إلى البيت فيطوف طواف الإفاضة. واتفقوا على أنه ليس المراد بالبيت حقيقة بل ما حولها فمن دخل المسجد الحرام فهو آمن. قوله تعالى: {وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَٱلْعَاكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ}. ابن عطية: عن عطاء وغيره: الطائفون أهل الطواف، وعن ابن جبير: الغرباء الطارئون على مكة والعاكفون أهل البلد المقيمون. وعن عطاء: المجاورون بمكة الذين عكفوا بها فأقاموا لا يبرحون. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: المصلون وعن غيره المعتكفون. قال الزمخشري: المعتكفون الواقفون يعني القيام في الصلاة. قال ابن عرفة: وقدم الطائفين لقرب الطواف من البيت (واختصاصه) به والعكوف في سائر البلد، وإن أريد به الاعتكاف فهو أحرى لأنه يكون فيه (وفي) كل مسجد تصلى فيه الجمعة ثم الرّكوع والسجود لأنه يكون في سائر المساجد والمواضع الطاهرة. وقال السماكي: لأن العكوف يخص موضعا واحدا من المسجد والطواف يكون بجميع البيت فهو أعم والأعم قبل الأخص. قال وجمع: (الطائفين) جمع سلامة لأنه أقرب إلى لفظ بمنزلة يطوفون للإشعار بعلة تطهير البيت وهو حدوث الطواف وتجرده ولو قيل: الطواف: لم يفد ذلك لأن المصدر يخفي ذلك، وجمع العاكفين جمع سلامة لقربهم من البيت كالطائفين بخلاف الركوع والسجود فإنّه لا يلزم أن يكون في البيت ولا عنده، فلذلك لم يجمع جمع سلامة ولم يعطف (السجود على الركوع) لأنّ الرّكع هم السّاجدون ومن لم يسجد فليس براكع شرعا، ولأن السجود يكون مصدر "سَجَدَ" ويكون جمع "سَاجِد" ولو عطف لأوهم أنه مصدر. فإن قلت: هلا قيل: السجّد، كما قيل: الركع، قال الله تعالى: {أية : رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً }؟ تفسير : قلت: يراد بالسجود وضع (الجبهة على) الأرض ويراد به الخشوع ولو قيل (السجَّد) لم يتناول إلا السجود المرئيِ بالعين، فقيل: السجود ليعم المعنوي والحسي بخلاف الركوع. وجعل السجود وصفا له لأن الخشوع روح الصلاة وسرها.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ}، أي: الكعبة {مَثَابَةً }، يحتملُ مِنْ ثَابَ إِذا رجع، ويحتمل أن تكون من الثواب، أي: يثابون هناك، «وَأَمْناً» للناسِ والطيرِ والوُحُوشِ؛ إذ جعل اللَّه لها حرمةً في النفوس؛ بحيث يَلْقَى الرجُلُ بها قاتِلَ أبيه، فلا يهيجه، وقَرَأَ جمهور الناس: «وَٱتَّخِذُوا»، بكسر الخاء؛ على جهة الأمر لأمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، «وٱتَّخَذُوا» بفتح الخاء؛ على جهة الخبر عن مَنِ ٱتَّخَذَه مِنْ متبعي إبراهيم - عليه السلام - ومقام إبراهيم في قول ابن عَبَّاس، وقتادة، وغيرهما، وخرَّجه البُخَارِيُّ هو الحَجَر الذي ٱرتفع عليه إِبراهيم حينَ ضَعُف عن رفْع الحجارةِ الَّتي كان إِسماعيلُ يناوله إِياها في بنَاء البَيْت، وغَرِقَتْ قدماه فيه، و {مُصَلًّى }: موضع صلاة. * ص *: {مِن مَّقَامِ }: مِنْ تبعيضيةٌ على الأظهر، أو بمعنَىٰ: «في» أو زائدة؛ علَىٰ مذهب الأخفش، والمقامُ: مَفْعَلٌ من القيامِ، والمراد به هنا المكانُ، انتهى، يعني: المكانَ الذي فيه الحَجَر المسمَّىٰ بالمقام. وقوله تعالى: {وَعَهِدْنَا}: العَهْدُ؛ في اللغة: على أقسام، هذا منها، الوصية بمعنى الأمر، و {طَهِّرَا }: قيل: معناه: ٱبنِيَاهُ وأسِّساه علَىٰ طَهَارَةٍ ونيَّةِ طَهَارَةٍ، وقال مجاهدٌ: هو أمر بالتطهير من عبادة الأوثان، و {لِلطَّائِفِينَ } ظاهره: أهل الطوافِ، وَقَالَهُ عطاء وغيره، وقال ابن جُبَيْر: معناه: للغرباءِ الطارئِينَ علَىٰ مكَّة، {وَٱلْعَـٰكِفِينَ}: قال ابن جُبَيْر: هم أهل البلد المقيمُونَ، وقال عطاء: هم المجاورُونَ بمكَّة، وقال ابنُ عبَّاس: المصَلُّون، وقال غيره؛ المعتكفُونَ، والعكُوف؛ في اللغة: الملازمة. وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا }، أيْ: من الجبابرة والعدُوِّ المستأصل، وروي أن اللَّه تعالى، لما دعاه إِبراهيم، أمر جبريل، فٱقتلع فِلَسْطِينَ، وقيل: بقعة من الأرْدُنِّ، فطاف بها حَوْلَ البيتِ سبْعاً، وأنزلها بِوَج، فسمِّيت الطَّائِفَ؛ بسبب الطواف. وقوله تعالى: {قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً...} الآية: قال أبيُّ بن كَعْب، وٱبْنُ إسحاقَ، وغيرهما: هذا القَوْلُ من اللَّه عزَّ وجلَّ لإِبراهيم، وقال ابنُ عَبَّاس، وغيره: هذا القول من إِبراهيم. قال: * ع *: فكأنَّ إِبراهيم دعا للمؤمنين، وعلى الكافرين، وفي «مختصر الطبريِّ»: وقرأ بعضهم، «فأُمْتِعْهُ»؛ بالجزم، والقَطْع على الدعاء، ورآه دعاءً من إِبراهيم، وروي ذلك عن أبي العالية، كان ابنُ عبَّاس يقول: ذلك قولُ إبراهيم، سأل ربَّه أنَّ من كَفَر به، فأمتعه قليلاً يقول: فٱرزقْهُ قليلاً، ثم ٱضْطَرَّهُ إِلى عذاب النارِ، أي: أَلْجِئْهُ. انتهى، وعلى هذِهِ القراءةِ يجــيءُ قولُ ابن عبَّاس، لا على قراءة الجمهور، و {قَلِيلاً }: معناه: مُدَّة العُمُر؛ لأن متاع الدنيا قليلٌ.

ابن عادل

تفسير : "إذْ" عطف على "إذْ" قبلها، وقد تقدم الكلام فيها، و "جَعَلْنَا" يحتمل أن يكون بمعنى "خَلَقَ" و "وضعَ" فيتعدّى لواحد، وهو "البيت"، ويكون "مَثَابَةً" نصباً على الحال وأن يكون بمعنى "صيّر" فيتعدى لاثنين، فيكون "مَثَابَةً" هو المفعول الثاني. والأصل في "مثابة" "مثوبة" فأعلّ بالنقل والقلب، وهل هو مصدر أو اسم مكان قولان؟ وهل الهاء فيه للمبالغة كـ "عَلاَّمة" و "نَسَّابة" لكثرة من يثوب إليه، أي يرجع، أو لتأنيث المصدر كـ "مقامة" أو لتأنيث البقعة؟ ثلاثة أقوال، وقد جاء حذف هذه الهاء؛ قال ورقةُ بنُ نَوْفَل: [الطويل] شعر : 776ـ مَثابٌ لأَفْنَاءِ القَبَائِلِ كُلِّهَا تَخُبُّ إلَيْهَا اليَعْمَلاَتُ الذَّوَامِلُ تفسير : وقال: [الرمل] شعر : 777ـ جَعَلَ البَيْتَ مَثَاباً لَهُمُ لَيْسَ مِنْهُ الدَّهْرَ يَقْضُونَ الوَطَرْ تفسير : وهل معناه من ثاب يثوب أي: رجع أو من الثواب الذي هو الجزاء؟ قولان: أظهرهما: أولهما قال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير رضي الله عنهم: إنهم يثوبون إليه في كل عام. وعن ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهما: [أنه لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه]، وقرأ الأعمش وطلحة "مَثَابَاتٍ" جمعاً، ووجهه أنه مثابة لكلّ واحد من الناس. قوله تعالى: "لِلنَّاسِ" فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلّق بمحذوف؛ لأنه صفة لمثابة ومحلّه النصب. والثاني: أنه متعلّق بجعل أي: لأجل الناس يعنى مناسكهم. قوله تعالى: "وَأَمْناً" فيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على "مثابة" وفيه التأويلات المشهورة: إما المبالغة في جعله نفس المصدر، وإما على حذف مضاف، أي: ذا أمن، وإما على وقوع المصدر موقع اسم الفاعل، أي: آمناً، على سبيل المجاز كقوله: {أية : حَرَماً ءَامِناً}تفسير : [العنكبوت:67]. والثاني: أنه معمول لفعل محذوف تقديره: وإذ جعلنا البيت مثابة، فاجعلوه آمناً لا يعتدي فيه أحد على أحد. والمعنى: أن الله جعل البيت محترماً بحكمه، وربما يؤيد هذا بقراءة: "اتَّخِذُوا" على الأمر، فعلى هذا يكون "وأَمْناً" وما عمل فيه من باب عطف الجمل عطفت جملة أمرية على خبرية، وعلى الأول يكون من عَطْفِ المفردات. فصل في تحرير المقصود من البيت اعلم أنه لما ذكر أمر تكليف إبراهيم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ بالإمامة ذكر بعده التكليف الثاني، وهو تطهير البيت، فنقول: المراد ببيت الله الحرام؛ لأن الألف واللام فيه: إما للعهد أو للجنس، وقد علم المخاطبون أنه لم يرد الجنس، فانصرف إلى المعهود عندهم وهو الكعبة. قال ابن الخطيب: وليس المراد نفس الكعبة؛ لأنه ـ تعالى ـ وصفه بكونه "أمناً" وهذا صفة لجميع الحرم لا الكعبة فقط بدليل جواز إطلاق البيت، والمراد منه كل حرم. قال تعالى: {أية : هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ}تفسير : [المائدة:95] والمراد الحرم كله لا الكعبة نفسها؛ لأنه لا يذبح في الكعبة، ولا في المسجد الحرام، وقال تعالى: {أية : فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا}تفسير : [التوبة:28]. والمراد ـ والله أعلم ـ منعهم من الحج وحضور مواضع النسك، وقال الله تعالى مخبراً عن إبراهيم {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً}تفسير : [إبراهيم:35]، فدلّ هذا على أنه وصف البيت بالأمن، فاقتضى جميع الحرم. والسّبب في أنه ـ تعالى ـ أطلق لفظ البيت، وعنى به الحرم كله أن حرمة الحرم لما كانت معلّقة بالبيت جاز أن يعبر عنه باسم البيت. فصل في تحرير معنى الأمن قوله: "وأمناً" أي: موضع أمن يؤمنون فيه من إيذاء المشركين، ولا شَكَّ أن قوله تعالى: {جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً} خبر فتارة يتركه على ظاهره، ويقول: هو خبر وتارة يصرفه عن ظاهره، ويقول: هو أمر. أما على الأول فالمراد أنه جعل أهل الحرم آمنين من القَحْط والجدب على ما قال {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءَامِناً}تفسير : [العنكبوت:67] وقوله: {أية : أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً ءَامِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ}تفسير : [القصص:57] ولا يمكن أن يكون المراد منه الإخبار عن عدم وقوع القَتْلِ في الحرم؛ لأنا نشاهد أن القتل الحرام قد يقع فيه. وأيضاً فالقتل المباح قد يوجد فيه، قال الله تعالى: {أية : وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ}تفسير : [البقرة:191] فأخبر عن وقوع القَتْلِ فيه. وإن حملنا الكلام على الأمر فالمعنى: أن الله ـ تعالى ـ أمر الناس بأن يجعلوا ذلك الموضوع آمناً من الغارة والقَتل، فكان البيت محترماً بحكم الله تعالى، وكانت الجاهلية يحرمونه ولا يتعرّضون لأهل "مكة"، وكانوا يسمون قريشاً: أهل الله تعظيماً له، ثم اعتبر فيه أمر الصيد حتى أن الكلب ليَهُمَّ بالظَّبي خارج الحرم فيفر الظبي منه فيتبعه الكلب، فإذا دخل الظبي الحرم لم يتبعه الكَلْب قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح "مكة": حديث : "إنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ ـ تَعَالَى ـ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ ـ تَعَالَى ـ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لاَ يُعْضَدُ شُوْكُهُ، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلاَ يَلْتَقِطُ لٌقَطَتَهُ إلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا، وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا" فقال العباس رحمه الله: يا رسول الله إلا الإذْخِرَ. فقال: "إلاَّ الإذْخِرَ" . تفسير : فصل في أنه هل يجوز القتال في الحرم؟ قال الشَّافعي رحمه الله ـ تعالى ـ ورضي عنه: إذا دخل البيت من وجب عليه حَدٌّ فلا تستوف منه، لكن الإمام يأمر بالتضييق عليه حتى يخرج من الحرم، فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحلّ، فإن لم يخرج حتى قتل في الحرم جاز، وكذلك من قاتل في الحرم جاز قتله فيه. وقال أبو حنيفة ـ رضي الله عنه: لا يجوز. واحتج الشافعي ـ رضي الله عنه ـ بأنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أمر عندما قتل عاصم بن ثابت بن الأفلح وخبيب بقتل أبي سفيان في داره بـ "مكة" غيلة إن قدر عليه، وهذا في الوقت الذي كانت "مكة" فيه محرمة، وذلك يدل أنها لا تمنع أحداً من شيء وجب عليه، وأنها إنما تمنع من أن ينصب الحرب عليها كما ينصب على غيرها. واحتج أبو حنيفة ـ رحمه الله ـ بهذه الآية. والجواب عنه أن قوله: "وأمناً" ليس فيه بيان أنه جعله آمناً في ماذا؟ فيمكن أن يكون آمناً من القَحْط، وأن يكون آمناً من نَصْب الحروب، وأن يكون آمناً من إقامة الحُدُود، وليس اللفظ من باب العموم حتى يحمل على الكل، بل حَمْلُه على الأمن من القَحْط والآفات أَوْلَى؛ لأنا على هذا التفسير لا نحتاج إلى حمل لفظ الخبر على معنى الأمر، وفي سائر الوجوه نحتاج إلى ذلك، فكان قول الشَّافعي رحمه الله أولى. قوله تعالى: "واتَّخِذُوا" قرأ نافع وابن عامر: "واتَّخَذُوا" فعلاً ماضياً على لفظ الخبر، والباقون على لفظ الأمر. فأما قراءة الخبر ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنه معطوف على "جَعَلْنَا" المخفوض بـ "إذ" تقديراً، فيكون الكلام جملة واحدة. الثاني: أنه معطوف على مجموع قوله: "وإذْ جَعَلْنَا" فيحتاج إلى تقدير "إذْ" أي: وإذ اتَّخّذُوا، ويكون الكلام جملتين. الثالث: ذكره أبو البقاء أن يكون معطوفاً على محذوف تقديره: فثابوا واتخذوا. وأما قراءة الأمر ففيها أربعة أوجه: أحدها: أنها عطف على "اذكروا" إذا قيل بأن الخطاب هنا لبني إسْرَائِيل، أي: اذكروا نعمتي واتخذوا. والثاني: أنها عطف على الأمر الذي تضمنه قوله: "مثابة"، كأنه قال: ثوبوا واتخذوا، ذكر هذين الوجهين المَهْدَوِي. الثالث: أنه مفعول لقول محذوف، أي: وقلنا: اتخذوا، إن قيل بأن الخطاب لإبراهيم وذريته، أو لمحمد عليه الصلاة والسلام وأمته. الرابع: أن يكون مستأنفاً ذكره أبو البقاء. قوله تعالى: "مِنْ مَقَامِ" في "من" ثلاثة أوجه: أحدها: أنها تبعيضية، وهذا هو الظاهر. الثاني: أنها بمعنى "في". الثالث: أنها زائدة على قول الأخفش، وليس بشيء. والمقام هنا مكان القيام، وهو يصلح للزمان والمصدر أيضاً. وأصله: "مَقْوَم" فأعل بنقل حركة "الواو" إلى السَّاكن قبلها، وقلبها ألفاً، ويعبر به عن الجماعة مجازاً؛ كما يعبر عنهم بالمجلس؛ قال زهير: [الطويل] شعر : 778ـ وفِيهِمْ مَقَامَاتٌ حِسَانٌ وُجُوهُهُمْ وَأَنْدِيَةٌ يَنْتَابُهَا القَوْلُ وَالفِعْلُ تفسير : قوله: "مُصَلًّى" مفعول "اتَّخِذُوا"، وهو هنا اسم مكان أيضاً، وجاء في التفسير بمعنى قبله. وقيل: هو مصدر، فلا بد من حذف مضاف أي: مكان صلاة، وألفه منقلبة عن واو، والأصل: "مُصَلَّو"؛ لأن الصلاة من ذوات "الواو" كما تقدم أول الكتاب. فصل في المقصود بالمقام اختلفوا في "المقام" فقال الحسن والربيع بن أنس وقتادة: هو موضع الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ حين غسلت رأسه، فوضع إبراهيم ـ عليه السلام ـ رجله عليه، وهو راكب فغسلت أحد شقّي رأسه، ثم رفعته من تحته، وقد غاصت رجله في الحَجر، فوضعته تحت الرجل الآخرى، فغاصت رجله أيضاً فيه، فجعله الله ـ تعالى ـ من معجزاته يروى أنه كان موضع أصابع رجليه بيِّناً فاندرس من كثرة المسح بالأيدي، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم أن إبراهيم عليه السلام كان يبني البيت وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان: {أية : رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}تفسير : [البقرة:127] فلما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن وضع الحجارة قام على حجر وهو مقام إبراهيم عليه السلام، وقال مجاهد رحمه الله وإبراهيم النخعي رضي الله عنه: "مقام إبراهيم الحرم كله" وقال يمان: المسجد كله مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام. [وقال عطاء: إنه عرفة والمزدلفة والجمار، وقال ابن عباس: "الحج كله مقام إبراهيم"]. واتفق المحققون على أن القول الأول أولى لما روى جابر ـ رحمة الله عليه ـ أنه عليه الصَّلاة والسلام ـ لما فرغ من الطواف أتى المقام، وتلا قوله تعالى: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. وروي أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ مرّ بالمقام، ومعه عمر ـ رضي الله عنه ـ فقال: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فلم تغب الشمس من فوقهم حتى نزلت الآية، وقال تعالى: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. وليس للصلاة تعلق بالحرم، ولا بسائر المواضع إلا بهذا الموضع، فيكون مقام إبراهيم هو هذا، ولو سأل سائل أهل "مكّة" عن مقام إبراهيم لم يجبه أحد، ولم يفهم منه إلا هذا الموضع لما روي أن الحجر صار تحت قدميه في رُطُوبة الطّين حتى غاصت فيه رِجْلا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وذلك من أظهر الدلائل على وَحْدَانية الله ـ تعالى ـ ومعجزة إبراهيم عليه السلام، فكان اختصاصه بإبراهيم أولى من اختصاص غيره، وثبت في الأخبار أنه قام على هذا الحجر عند المغتسل، ولم يثبت قيامه على غيره، فحمل هذا اللفظ، أعني: مقام إبراهيم ـ عليه السلام ـ على الحجر يكون أولى. قال القَفَّال: ومن فسر "مقام إبراهيم" بالحجر خرج قوله تعالى: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} على مجاز قول الرجل: اتخذت من فلان صديقاً، وقد أعطاني الله من فلان أخاً صالحاً، وإنما تدخل "من" لبيان المتخذ الموصوف، ويميزه في ذلك المعنى من غيره. فصل في تحرير معنى المُصَلّى اختلفوا في "المُصَلّى". فقال مجاهد رحمه الله تعالى: "هو الدعاء"، قال تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}تفسير : [الأحزاب:56] وإنما ذهب إلى هذا التأويل ليتم له قوله: إن الحرم كله مقام إبراهيم. وقال الحسن رضي الله عنه: أراد به قبلة إبراهيم. وقال قتادة والسّدي: أمروا أن يصلوا عنده، وهذا القول أولى؛ لأن لفظ "الصَّلاة" إذا أطلق يعقل منه الصَّلاة الشَّرعية وقال عليه الصلاة والسلام لأسامة بن زيد المصلى أمامك يعني به موضع الصلاة. وصلَّى النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم عنده بعد تلاوة الآية. وهاهنا بحثان وهو أن ركعتي الطواف هل هي فرض أو سنة فإن كان الطواف فرضاً فعن الشافعي رحمه الله قولان: أحدهما: أنهما فرض؛ لهذه الآية، فإن الأمر للوجوب. والثاني: أنهما سنة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي حين سأله هل عليَّ غيرها؟ قال لا إلاَّ أن تطوع، وإن كان الطواف سنة فهما سنة. فصل في الكلام على البيت المعمور روي عن علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: البيت المعمور بيت في السماء يقال له الضراح، وهو بجبال الكعبة من فوقها، حرمته في السَّماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة لا يعودون فيه أبداً. وذكر علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ أنه مر عليه الدهر بعد بناء إبراهيم، فانهدم فبنته العَمَالقة، ومر عليه الدهر فانهدم، فبنته جُرْهم، ومر عليه الدهر فانهدم، بنته قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ شابّ، فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه، فقالوا: يحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السّكة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من خرج عليهم، فقضى بينهم أن يجعلوا الحجر في مِرْطٍ، ثم ترفعه جميعُ القبائل، فرفعوه كلهم فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعه. وعن الزهري قال: بلغني أنهم وجدوا في مقام إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ ثلاثة صفوح في كل صفح كتاب. في الصفح الأول: أنا الله ذو بَكَّة صنعتها يوم صنعت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حفًّا، وباركت لأهلها في اللحم واللبن. وفي الصفح الثاني: أنا الله ذو بَكَّة خلقت الرحم، وشققت لها اسماً من اسمي من وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته. وفي الثالث: أنا الله ذو بكَّة خلقت الخير والشرّ، فطوبى لمن كان الخير على يديه، وويل لمن كان الشر على يديه. وقال صلوات الله وسلامه عليه: "حديث : الرُّكْنُ وَالمَقَامُ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَوَاقِيتِ الجَنَّةِ طَمَسَ اللهُ تَعَالَى نُورَهُمَا، وَلَوْلاَ ذَلِكَ لأَضَاءَ لَهُمَا مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، وَما مسهما ذُو عَاهَةٍ وَلاَ سَقِيمٌ إلاَّ شُفِيَ ". تفسير : وعن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : هَذَا الحَجَرُ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا يَوْمَ القِيَامَةِ وَإنَّهُ كَانَ أَشَدَّ بَيَاضاً مِنَ الثَّلْجِ حَتَّى سَوَّدَتْهُ خَطَايَا أهْلِ الشِّرْكِ ". تفسير : وعن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ عن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : هَذَا الحَجَرُ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ عَلَى مَن اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ ". تفسير : وعن ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أنه قَبَّل الحجر الأَسْوَد وقال: "إِنِّي لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، وأن الله ربّي، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبّلك ما قبَّلتك". قوله تعالى: {وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} تقدم معنى العَهْد. قيل: معناه ـ هاهنا ـ أمرنا وقيل: أوحينا. قوله: "وَإسْمَاعِيلَ" إسماعيل علم أعجميٌّ، وفيه لغتان: باللام والنون؛ وعليه قول الشاعر: [الرجز] شعر : 779ـ قَالَ جَوَارِي الحَيِّ لَمَّا جِينَا هَذَا وَرَبِّ البَيْتِ إسْمَاعِينَا تفسير : ويجمع على: "سَمَاعلة" و "سماعيل" و "أساميع". ومن أغرب ما نقل في التسمية أن إبراهيم ـ عليه السلام ـ لما دعا لله أن يرزقه ولداً كان يقول: اسمع إيل اسمع إيل، وإيل هو الله ـ تعالى ـ فسمى ولده بذلك. قوله: "أَنْ طَهِّرَا" يحوز في "أن" وجهان: أحدهما: أنها تفسيرية لجملة قوله: "عَهِدْنَا"، فإنه يتضمن معنى القول؛ لأنه بمعنى أمرنا أو وصينا، فهي بمنزلة "أي" التي للتفسير، وشرط "أن" التفسيرية أن تقع بَعْدَما هو بمعنى القول لا حروفه. وقال أبو البقاء: والمفسرة تقع بعد القول، وما كان في معناه. فقد غلط في ذلك، وعلى هذا فلا محل لها من الإعراب. والثاني: أن تكون مصدرية، وخرجت على نظائرها في جواز وصلها بالجملة الأمرية، قالوا: "كتبت إليه بأن قم" وفيها بحث ليس هذا موضعه، والأصل: بأن طهرا، ثم حذفت الباء، فيجيء فيها الخلاف المشهور من كونها في محل نصب، أو خفض. و "بَيْتِيَ" مفعول به أضيف إليه ـ تعالى ـ تشريفاً وقرأ أهل "المدينة" وحفص "بيتيَ" بفتح الياء هاهنا، وفي سورة "الحج"، وزاد حفص في سورة "نوح" عليه الصلاة والسلام. و "الطائف" اسم فاعل من: "طاف يطوف"، ويقال: أطاف رباعياً، قال: [الطويل] شعر : 780ـ أطَافَتْ بِهِ جَيْلاَنُ عِنْدَ قِطَاعِهِ ...................... تفسير : وهذا من باب "فَعَل وأفْعَل" بمعنى. فصل في معنى تطهير البيت يجب أن يراد به تطهير البيت من كل أمر لا يليق به، لأنه موضع الصَّلاة فيجب تطهيره من الشرك، ومن كل ما لا يليق به، وذكر المفسّرون وجوهاً: أحدها: أن معنى "طَهِّرَا بَيْتِيَ" ابنياه وطَهّراه من الشرك، وأسِّسَاه على التقوى. وثانيهما: عرّفا الناس أن بيتي طهرة لهم متى حجّوه، وزاروه وأقاموا به. ومجازه: اجعلاه طاهراً عندهم، كما يقال: فلان يطهر هذا، وفلان ينجسه. وثالثها: ابنياه، ولا تدعا أحداً من أهل الريب أو الشرك يزاحم الطَّائفين فيه، بل أقرَّاه على طهارته من أهل الكفر والريب كما يقال: طهر الله الأرض من فلان، وهذه التأويلات مبنيّة على أنه لم يكن هناك ما يوجب إيقاع تَطْهيره من الأَوْثَان والشرك، وهو كقوله تعالى: {أية : وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ}تفسير : [البقرة:25] فمعلوم أنهنّ لم يطهرن عن نجس، بل خلقن طاهرات، وكذا البيت المأمور بتطهيره خلق طاهراً. ورابعها: معناه: أن نظّفا بيتي من الأوثان والشرك والمعاصي، ليقتدي الناس بكما في ذلك. وخامسها: قال بعضهم: إن موضع البيت قبل البناء كان يلقى فيه الجِيف والأقذار، فأمر الله ـ تعالى ـ إبراهيم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ بإزالة تلك القَاذُورَات وبناء البيت هناك، وهذا ضعيف؛ لأن قبل البناء ما كان البيت موجوداً، فتطهير تلك العَرْصَة لا يكون تطهيراً للبيت، ويمكن أن يجاب عنه بأنه سماه بيتاً، لأنه علم أن مآله إلى أن يصير بيتاً لكنه مجاز. قوله تعالى: {لِلطَّائِفِينَ وَٱلْعَاكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ}. الطائفين: الدَّائرين حوله والعاكفين المقيمين الملازمين. و "الرّكع"، جمع "راكع". والعكوف لغة: اللزوم واللبث؛ قال: [الوافر] شعر : 781ـ..................... عَلَيْهِ الطَّيْرُ تَرْقُبُهُ عُكُوفَا تفسير : وقال: [الرجز] شعر : 782ـ عَكْفَ النَّبِيطِ يَلْعَبُونَ الفَنْزَجَا تفسير : ويقال: عَكَفَ يَعْكُفُ وَيَعْكِفُ، بالفتح في الماضي، والضم والكسر في المضارع، وقد قرىء بهما. و"السُّجُود" يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنه جمع ساجد نحو: قاعد وقعود، وراقد ورقود، وهو مناسب لما قبله. والثاني: أنه مصدر نحو: الدخول والقعود، فعلى هذا لا بد من حذف مضاف أي: ذوي السّجود ذكره أبو البقاء. وعطف أحد الوصفين على الآخر في قوله: "الطَّائِفِينَ والعَاكِفِينَ" لتبايُنِ ما بينهما، ولم يعطف إحدى الصّفتين على الأخرى في قوله: "الرُّكَّعِ السُّجُودِ"، لأن المراد بهما شيء واحد وهو الصلاة إذ لو عطف لتوهم أن كل واحد منهما عبادة على حِيَالِهَا، وجمع صفتين جمع سلامة، وأخْريَيْن جمع تكسير لأجل المقابلة، وهو نوع من الفَصَاحة، وأخر صيغة "فعُول" على "فُعّل"؛ لأنها فاصلة. فصل في الكلام على الأوصاف الثلاثة المتقدمة في هذه الأوصاف الثلاثة قولان: أحدهما: أن يحمل ذلك على فرق ثلاثة؛ لأن من حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه، فيجب أن يكون الطائفون غير العاكفين والعاكفون غير الركع السجود لتصح فائدة العطف. فالمراد بالطَّائفين: من يقصد البيت حاجًّا أو معتمراً، فيطوف به، والمراد بالعاكفين: من يقين هناك ويجاور، والمراد بالركع السجود: من يصلي هناك. والثاني: قال عطاء: إنه إذا كان طائفاً فهو من الطائفين، وإذا كان جالساً فهو من العاكفين، وإذا كان مصلياً فهو من الركع السجود. وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ العاكفون هم الذين يصلون عند الكعبة. خصّ الركوع والسجود بالذكر؛ لأنها أقرب أحوال المصلي إلى الله تعالى. فصل فيما تدل عليه الآية هذه الآية تدل على أمور منها: أنا إذا فسرنا الطائفين بالغرباء، فحينئذ تدل الآية على أن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة؛ لأنه ـ تعالى ـ كما خصّهم بالطواف دلّ على أن لهم به مزيد اختصاص. وروي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء: أن الطواف لأهل الأنصَارِ أفضل، والصلاة لأهل "مكة" أفضل. ومنها جواز الاعتكاف في البيت. ومنها جواز الصلاة في البيت فرضاً أو نَفْلاً إذ لم تفرق الآية بين شيئين منها، خلافاً لمن منع جواز الصَّلاة المفروضة في البيت. فإن قيل: لا تسلم دلالة الآية على ذلك؛ لأنه ـ تعالى ـ لم يقل: والركّع السجود في البيت، وكما لا تدلّ الآية على جواز فعل الطَّواف في جوف البيت، وإنما دلّت على فعله خارج البيت كذلك دلالته مقصورة على جواز فعل الصَّلاة إلى البيت متوجّهة إليه، فالجواب ظاهر لأنه يتناول الرجع السجود إلى البيت، سواء كان ذلك في البيت، أو خارجاً عنها، وإنما أوجبنا وقوع الطواف خارج البيت هو أن يطوف بالبيت، ولا يسمى طائفاً بالبيت مَنْ طاف في جوفه، والله ـ تعالى ـ إنما أمر بالطواف به لا بالطواف فيه، لقوله تعالى: {أية : وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ}تفسير : [الحج:29]. وأيضاً المراد لو كان التوجه إليه للصلاة، لما كان الأمر بتطهير البيت للركع السجود وجه، إذ كان حاضرو البيت والغائبون عنه سواء في الأمر بالتوجّه إليه. فإن قيل: احتجّ المخالف بقوله تعالى: {أية : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [البقرة:144] ومن كان داخل المسجد الحرام لم يكن متوجّهاً إلى المسجد، بل إلى جزء من أجزائه. والجواب: أن المتوجّه الواحد يستحيل أن يكون متوجهاً إلى كلّ المسجد، بل لا بد وأن يكون متوجهاً إلى جزء من أجزائه، ومن كان داخل البيت فهو كذلك، فوجب أن يكون داخلاً تحت الآية. فصل في تطهير جميع بيوت الله ويدخل في هذا المعنى جميع بيوت الله تعالى، فيكون حكمها حكمه في التطهير والنظافة، وإنما خص الكعبة بالذكر، لأنه لم يكن هناك غيرها.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله ‏ {‏وإذ جعلنا البيت‏}‏ قال‏:‏ الكعبة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏مثابة للناس‏} ‏ قال‏:‏ يثوبون إليه ثم يرجعون‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏ {‏مثابة للناس‏} ‏ قال لا يقضون منه وطراً يأتونه، ثم يرجعون إلى أهليهم، ثم يعودون إليه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطاء في قوله ‏ {‏وإذ جعلنا البيت مثابة للناس‏} ‏ قال‏:‏ يأتون إليه من كل مكان‏.‏ وأخرج سفيان بن عيينة وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله ‏ {‏مثابة للناس‏} ‏ قال‏:‏ يأتون إليه لا يقضون منه وطراً أبداً، يحجون ثم يعودون ‏ {‏وأمنا‏}‏ قال‏:‏ تحريمه لا يخاف من دخله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وأمنا‏} ‏ قال‏:‏ أمناً للناس‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله ‏ {‏وأمنا‏ً}‏ قال‏:‏ أمناً من العدوان يحمل فيه السلاح، وقد كانوا في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون‏.‏ أما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى‏}‏. أخرج عبد بن حميد عن أبي إسحق أن أصحاب عبد الله كانوا يقرأون ‏ {‏واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى‏} ‏ قال‏:‏ أمرهم أن يتخذوا‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عبد الملك بن أبي سليمان قال‏:‏ سمعت سعيد بن جبير قرأها ‏{‏واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى‏}‏ بخفض الخاء‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والعدني والدارمي والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن أبي داود في المصاحف وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والطحاوي وابن حبان والدارقطني في الإِفراد والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك قال‏:‏ قال عمر بن الخطاب‏:‏ وافقت ربي في ثلاث. قلت‏:‏ يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى‏؟‏ فنزلت ‏ {‏واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى‏} ‏ وقلت‏:‏ يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهم البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب‏.‏ واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة فقلت لهن ‏{أية : ‏عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن‏}تفسير : [‏التحريم: 5‏] فنزلت كذلك‏.‏ وأخرج مسلم وابن أبي داود وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في سننه عن جابر ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعاً، حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ ‏{‏واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى‏}‏‏"‏‏.‏ وأخرج ابن ماجة وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر قال ‏"‏حديث : ‏لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة عند مقام إبراهيم قال له عمر‏:‏ يا رسول الله هذا مقام إبراهيم الذي قال الله ‏{‏واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى‏}‏‏؟‏ قال‏: نعم‏ ". تفسير : وأخرج الطبراني والخطيب في تاريخه عن ابن عمر ‏"‏أن عمر قال‏:‏ يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى‏؟‏ فنزلت ‏ {‏واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى‏}‏ ‏"‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد والترمذي عن أنس ‏"‏أن عمر قال‏:‏ يا رسول الله لوصلينا خلف المقام‏؟‏ فنزلت ‏ {‏واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى‏}‏ ‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي داود عن مجاهد قال‏:‏ كان المقام إلى لزق البيت فقال عمر بن الخطاب ‏"‏يا رسول الله لو نحيته إلى البيت ليصلي إليه الناس، ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ‏ {‏واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى‏} "‏‏.‏ وأخرج ابن أبي داود وابن مردويه عن مجاهد قال‏:‏ قال عمر‏ "‏يا رسول الله لو صلينا خلف المقام، فأنزل الله ‏ {‏واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى‏}‏ فكان المقام عند البيت فحوّله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضعه هذا‏.‏ قال مجاهد‏:‏ وقد كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن‏"‏‏.‏ وأخرج ابن مردويه من طريق عمر بن ميمون عن عمر ‏"‏أنه مر بمقام إبراهيم فقال‏:‏ يا رسول الله أليس نقوم مقام إبراهيم خليل ربنا‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ أفلا نتخذه مصلى‏؟‏ فلم يلبث إلا يسيراً حتى نزلت ‏ {‏واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى‏}‏"‏‏. ‏ وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده والدارقطني في الإِفراد عن أبي ميسرة قال‏:‏ قال عمر ‏"‏يا رسول الله هذا مقام خليل ربنا أفلا نتخذه مصلى‏؟‏ فنزلت ‏{‏واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ أما مقام إبراهيم الذي ذكر ههنا فمقام إبراهيم هذا الذي في المسجد، ومقام إبراهيم بعد كثير مقام إبراهيم الحج كله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ مقام إبراهيم الحرم كله‏.‏ وأخرج ابن سعد وابن المنذر عن عائشة قالت‏:‏ ألقي المقام من السماء‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم والأزرقي عن ابن عمر قال‏:‏ إن المقام ياقوتة من ياقوت الجنة محي نوره، ولولا ذلك لأضاء ما بين السماء والأرض، والركن مثل ذلك‏.‏ وأخرج الترمذي وابن حبان والحاكم والبيهقي في الدلائل عن ابن عمرو قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما، ولولا ذلك لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب ". تفسير : وأخرج الحاكم عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة‏‏ ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال‏:‏ الحجر مقام إبراهيم لينه الله فجعله رحمة وكان يقوم عليه ويناوله إسمعيل الحجارة‏.‏ وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : إن الركن والمقام من ياقوت الجنة، ولولا ما مسهما من خطايا بني آدم لأضاءا ما بين المشرق والمغرب، وما مسهما من ذي عاهة ولا سقيم إلا شفي‏‏ ". تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عمر رفعه، ولولا ما مسه من انجاس الجاهلية ما مسه ذو عاهة إلا شفي، وما على وجه الأرض شيء من الجنة غيره‏.‏ وأخرج الجندي في فضائل مكة عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ الركن والمقام حجران من حجارة الجنة‏.‏ وأخرج الأزرقي في تاريخ مكة والجندي عن مجاهد قال‏:‏ يأتي الحجر والمقام يوم القيامة كل واحد منهما مثل أحد، لهما عينان وشفتان يناديان بأعلى أصواتهما، يشهدان لمن وافاهما بالوفاء‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن الزبير، أنه رأى قوماً يمسحون المقام فقال‏:‏ لم تؤمروا بهذا، إنما أمرتم بالصلاة عنده‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والأزرقي عن قتادة ‏ {‏واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى‏} ‏ قال‏:‏ إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه، ولقد تكلفت هذه الأمة شيئاً ما تكلفته الأمم قبلها، وقد ذكر لنا بعض من رأى أثر عقبه وأصابعه، فما زالت هذه الأمة تمسحه حتى اخلولق وانماح‏.‏ وأخرج الأزرقي عن نوفل بن معاوية الديلمي قال ‏"‏رأيت في المنام في عهد عبد المطلب مثل المهاة " ‏قال أبو محمد الخزاعي‏:‏ المهاة خرزة بيضاء‏.‏ وأخرج الأزرقي عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ سألت عبد الله بن سلام عن الأثر الذي في المقام فقال‏:‏ كانت الحجارة على ما هي عليه اليوم إلا أن الله أراد أن يجعل المقام آية من آياته، فلما أمر إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج قام على المقام، أو ارتفع المقام حتى صار أطول الجبال وأشرف على ما تحته، فقال‏:‏ يا أيها الناس اجيبوا ربكم فأجابه الناس فقالوا‏:‏ لبيك اللهم لبيك، فكان أثره فيه لما أراد الله، فكان ينظر عن يمينه وعن شماله اجيبوا ربكم فلما فرغ أمر بالمقام فوضعه قبله، فكان يصلي إليه مستقبل الباب فهو قبلته إلى ما شاء الله، ثم كان إسماعيل بعد يصلي إليه إلى باب الكعبة، ثم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر أن يصلي إلى بيت المقدس، فصلى إليه قبل أن يهاجر وبعدما هاجر، ثم أحب الله أن يصرفه إلى قبلته التي رضي لنفسه ولأنبيائه فصلى إلى الميزاب وهو بالمدينة، ثم قدم مكة فكان يصلي إلى المقام ما كان بمكة‏"‏‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏{‏واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى‏} ‏ قال‏:‏ مدعى‏.‏ وأخرج الأزرقي عن كثير بن أبي كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي عن أبيه عن جده قال‏:‏ كانت السيول تدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة الكبير قبل أن يردم عمر الردم الأعلى، فكانت السيول ربما رفعت المقام عن موضعه وربما نحته إلى وجه الكعبة حتى جاء سيل أم نهشل في خلافة عمر بن الخطاب، فاحتمل المقام من موضعه هذا فذهب به حتى وجد بأسفل مكة، فأتي به فربط إلى أستار الكعبة، وكتب في ذلك إلى عمر، فأقبل فزعاً في شهر رمضان وقد عفى موضعه وعفاه السيل، فدعا عمر بالناس فقال‏:‏ أنشد الله عبداً علم في هذا المقام‏.‏ فقال المطلب بن أبي وداعة‏:‏ أنا يا أمير المؤمنين عندي ذلك، قد كنت أخشى عليه هذا فأخذت قدره من موضعه إلى الركن، ومن موضعه إلى باب الحجر، ومن موضعه إلى زمزم بمقاط وهو عندي في البيت‏.‏ فقال له عمر‏:‏ فاجلس عندي وارسل إليه‏.‏ فجلس عنده وأرسل فأتي بها، فمدها فوجدها مستوية إلى موضعه هذا، فسأل الناس وشاورهم فقالوا‏:‏ نعم، هذا موضعه‏.‏ فلما استثبت ذلك عمر وحق عنده أمر به، فاعلم ببناء ربضه تحت المقام ثم حوّله، فهو في مكانه هذا إلى اليوم‏.‏ وأخرج الأزرقي من طريق سفيان بن عيينة عن حبيب بن الأشرس قال‏:‏ كان سيل أم نهشل قبل أن يعمل عمر الردم بأعلى مكة، فاحتمل المقام من مكانه فلم يدر أين موضعه، فلما قدم عمر بن الخطاب سأل من يعلم موضعه‏؟‏ فقال عبد المطلب بن أبي وداعة‏:‏ أنا يا أمير المؤمنين قد كنت قدرته وذرعته بمقاط وتخوّفت عليه هذا من الحجر إليه، ومن الركن إليه، ومن وجه الكعبة‏.‏ فقال‏:‏ ائت به‏.‏ فجاء به فوضعه في موضعه هذا وعمل عمر الردم، عند ذلك قال سفيان‏:‏ فذلك الذي حدثنا هشام بن عروة عن أبيه، أن المقام كان عند سقع البيت، فاما موضعه الذي هو موضعه فموضعه الآن، وأما ما يقول الناس‏:‏ إنه كان هنالك موضعه فلا‏.‏ وأخرج الأزرقي عن ابن أبي مليكة قال‏:‏ موضع المقام هذا هو الذي به اليوم، هو موضعه في الجاهلية، وفي عهد النبي، وأبي بكر وعمر، إلا أن السيل ذهب به في خلافة عمر، فجعل في وجه الكعبة حتى قدم عمر فرده بمحضر الناس‏.‏ وأخرج البيهقي في سننه عن عائشة‏.‏ أن المقام كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم زمان أبي بكر ملتصقاً بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب‏.‏ وأخرج ابن سعد عن مجاهد‏.‏ قال عمر بن الخطاب‏:‏ من له علم بموضع المقام حيث كان‏؟‏ فقال أبو وداعة بن صبيرة السهمي‏:‏ عندي يا أمير المؤمنين قدرته إلى الباب، وقدرته إلى ركن الحجر، وقدرته إلى الركن الأسود، وقدرته إلى زمزم ‏. فقال عمر‏:‏ هاته‏.‏ فأخذه عمر فرده إلى موضعه اليوم للمقدار الذي جاء به أبو وداعة‏.‏ وأخرج الحميدي وابن النجار عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏من طاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين، وشرب من ماء زمزم، غفرت له ذنوبه كلها بالغة ما بلغت‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الأزرقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : المرء يريد الطواف بالبيت أقبل يخوض الرحمة فإذا دخله غمرته، ثم لا يرفع قدماً ولا يضع قدماً إلا كتب الله له بكل قدم خمسمائة حسنة، وحط عنه خمسمائة سيئة، ورفعت له خمسمائة درجة، فإذا فرغ من طوافه فأتى مقام إبراهيم، فصلى ركعتين، دبر المقام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وكتب له أجر عتق عشر رقاب من ولد إسماعيل، واستقبله ملك على الركن فقال له‏:‏ استأنف العمل فيما بقي فقد كفيت ما مضى وشفع في سبعين من أهل بيته‏ ". تفسير : وأخرج أبو داود عن أبي هريرة ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة طاف بالبيت وصلى ركعتين خلف المقام، يعني يوم الفتح‏"‏‏.‏ وأخرج البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن عبد الله بن أبي أوفى ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر فطاف بالبيت وصلى خلف المقام ركعتين‏"‏‏.‏ وأخرج الأزرقي عن طلق بن حبيب قال‏:‏ كنا جلوساً مع عبد الله بن عمرو بن العاص في الحجر، إذ قلص الظل وقامت المجالس، إذا نحن ببريق ايم طلع من هذا الباب - يعني من باب بني شيبة، والأيم الحية الذكر - فاشرأبت له أعين الناس، فطاف بالبيت سبعاً وصلى ركعتين وراء المقام، فقمنا إليه فقلنا‏:‏ أيها المعتمر قد قضى الله نسكك، وأن بأرضنا عبيداً وسفهاء وإنما نخشى عليك منهم، فكوّم برأسه كومة بطحاء فوضع ذنبه عليها فسما بالسماء حتى ما نراه‏.‏ وأخرج الأزرقي عن أبي الطفيل قال‏:‏ كانت امرأة من الجن في الجاهلية تسكن ذا طوى، وكان لها ابن ولم يكن لها ولد غيره، فكانت تحبه حباً شديداً، وكان شريفاً في قومه فتزوّج وأتى زوجته، فلما كان يوم سابعه قال لأمه‏:‏ يا أماه إني أحب أن أطوف بالكعبة سبعاً نهارا‏ً.‏ قالت له أمه‏:‏ أي بني إني أخاف عليك سفهاء قريش فقال‏:‏ أرجو السلامة‏.‏ فأذنت له فولى في صورة جان، فمضى نحو الطواف، فطاف بالبيت سبعاً وصلى خلف المقام ركعتين ثم أقبل منقلباً، فعرض له شاب من بني سهم فقتله، فثارت بمكة غبرة حتى لم يبصر لها الجبال‏.‏ قال أبو الطفيل‏:‏ بلغنا أنه إنما تثور تلك الغبرة عند موت عظيم من الجن‏.‏ قال‏:‏ فأصبح من بني سهم على فرشهم موتى كثير من قتل الجن، فكان فيهم سبعون شيخاً أصلع سوى الشاب‏.‏ وأخرج الأزرقي عن الحسن البصري قال‏:‏ ما أعلم بلداً يصلي فيه حيث أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم إلا بمكة‏.‏ قال الله ‏ {‏واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى‏}‏ قال‏:‏ ويقال‏:‏ يستجاب الدعاء بمكة في خمسة عشر‏.‏ عند الملتزم، وتحت الميزاب، وعند الركن اليماني، وعلى الصفا، وعلى المروة، وبين الصفا والمروة، وبين الركن والمقام، وفي جوف الكعبة، وبمنى، وبجمع، وبعرفات، وعند الجمرات الثلاث‏.‏ وأما قوله تعالى‏ {‏وعهدنا إلى إبراهيم‏}‏ الآية. أخرج ابن جرير عن عطاء وعهدنا إلى إبراهيم قال‏:‏ أمرناه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏أن طهرا بيتي‏}‏ قال‏:‏ من الأوثان‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد وسعيد بن جبير في قوله ‏{‏أن طهرا بيتي‏} ‏ قالا‏:‏ من الأوثان والريب وقول الزور والرجس‏.‏ ‏وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ‏ {‏أن طهرا بيتي‏} ‏ قال‏:‏ من عبادة الأوثان والشرك وقول الزور‏.‏ وفي قوله ‏ {‏والركع السجود‏} ‏ قال‏:‏ هم أهل الصلاة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ إذا كان قائماً فهو من الطائفين، وإذا كان جالساً فهو من العاكفين، وإذا كان مصلياً فهو من الركع السجود‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سويد بن غفلة قال‏:‏ من قعد في المسجد وهو طاهر فهو عاكف حتى يخرج منه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ثابت قال‏:‏ قلت لعبد الله بن عبيد بن عمير‏:‏ ما أراني إلا مكلم الأمير أن أمنع الذين ينامون في المسجد الحرام فإنهم يجنبون ويحدثون‏.‏ قال‏:‏ لا تفعل فإن ابن عمر سئل عنهم فقال‏:‏ هم العاكفون‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن أبي موسى قال‏:‏ سئل ابن عباس عن الطواف أفضل أم الصلاة‏؟‏ فقال‏:‏ أما أهل مكة فالصلاة، وأما أهل الأمصار فالطواف‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال‏:‏ الطواف للغرباء أحب إلي من الصلاة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال‏:‏ الصلاة لأهل مكة أفضل والطواف لأهل العراق‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن حجاج قال‏:‏ سألت عطاء فقال‏:‏ أما أنتم فالطواف، وأما أهل مكة فالصلاة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال‏:‏ الطواف أفضل من عمرة بعد الحجر.‏ وفي لفظ: طوافك بالبيت أحب إلي من الخروج إلى العمرة‏.‏

ابو السعود

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا البـيْتَ} أي الكعبةَ المعظمةَ غلب عليها غلبةَ النجم على الثريا معطوفٌ على إذِ ابتلىٰ على أن العامل فيه هو العاملُ فيه أو مضمرٌ مستقل معطوف على المضمر الأول، والجعلُ إما بمعنى التصيـير فقوله عز وجل: {مَثَابَةً} أي مرجعاً يثوب إليه الزّوارُ بعدما تفرقوا عنه أو أمثالُهم أو موضِعَ ثوابٍ يثابون بحجِّه واعتمارِه، مفعولُه الثاني، وإما بمعنى الإبداع فهو حال من مفعوله، واللامُ في قوله تعالى: {لِلنَّاسِ} متعلقةٌ بمحذوف وقعَ صفةً لمثابةً أي مثابة كائنة للناس أو بجعلنا أي جعلناه لأجل الناس وقرىء مثاباتٍ باعتبار تعدّدِ التائبـين {وَأَمْناً} أي آمِنا كما في قوله تعالى: {أية : حَرَماً ءامِناً} تفسير : [القصص، الآية 57] على إيقاع المصدرِ موقعَ اسمِ الفاعلِ للمبالغة أو على تقدير المضافِ أي ذا أمنِ أو على الإسنادِ المجازي أي آمِنا بحجّهِ من عذابِ الآخرةِ من حيث أن الحجَّ يجُبُّ ما قبله أو مَنْ دخله من التعرُّض له بالعقوبة وإن كان جانياً حتى يخرجَ على ما هو رأيُ أبـي حنيفةَ، ويجوز أن يُعتبر الأمنُ بالقياس إلى كل شيء كائناً ما كان ويدخل فيه أمنُ الناس دخولاً أولياً وقد اعتيدَ فيه أمنُ الصيد حتى إن الكلبَ كان يهُمُّ بالصيد خارجَ الحرم فيفِرُّ منه وهو يتبعه فإذا دخل الصيد الحرمَ لم يتبعْه الكلبُ {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلًّى} على إرادةِ قولٍ هو عطفٌ على (جعلنا) أو حال من فاعله أي وقلنا أو قائلين لهم اتخذوا الخ وقيل: هو بنفسهِ معطوفٌ على الأمرِ الذي يتضمنه قوله عز وجل: {مَثَابَةً لّلنَّاسِ} [البقرة، الآية 125] كأنه قيل: توبوا إليه واتخذوا الخ وقيل: على المضمرِ العاملِ في إذ وقيل: هي جملةٌ مستأنفةٌ والخطابُ على الوجوه الأخيرةِ له عليه السلام ولأمتهِ والأولُ هو الأليقُ بجزالةِ النظم الكريم، والأمرُ صريحاً كان أو مفهوماً من الحكاية للاستحباب ومن تبعيضية والمقام اسمُ مكانٍ وهو الحجَرُ الذي عليه أثر قدمُه عليه السلام والموضعُ الذي كان عليه حين قام ودعا الناسَ إلى الحجِّ أو حين رفع قواعدَ البـيت وهو موضعُه اليوم، والمراد بالمصلىٰ إما موضعُ الصلاة أو موضعُ الدعاء. رُوي «حديث : أنه صلى الله عليه وسلم أخذ بـيد عمرَ رضي الله عنه فقال: "هذا مقامُ إبراهيم" فقال عمر رضي الله عنه: أفلا نتخذهُ مصلًّى فقال: "لم أُومرْ بذلك"»تفسير : فلم تغِبْ الشمسُ حتى نزلتْ. وقيل: المرادُ به الأمرُ بركعتي الطواف لما رَوىٰ جابر رضي الله عنه أنه عليه السلام لما فرَغ من طوافه عمَد إلى مقامِ إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلًّى} وللشافعي في وجوبِهما قولان وقيل: مقامُ إبراهيمَ الحرمُ كلهُ وقيل: مواقفُ الحج عرفةُ والمزدَلِفةُ والجِمارُ، واتخاذُها مصلى أن يُدعىٰ فيها ويتقرَّبَ إلى الله عز وجل وقرىء واتخَذوا على صيغة الماضي عطفاً على جعلنا أي واتخذ الناسُ من مكان إبراهيمَ الذي وُسِمَ به لاهتمامه به وإسكان ذريته عنده قِبلةً يصلّون إليها {وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ} أي أمرناهما أمراً مؤكداً {أَن طَهّرَا بَيْتِىَ} بأن طهِّراه، على أنّ (أنْ) مصدرية حذف عنها الجارُّ حذفاً مطرداً لجوازِ كون صلتِها أمراً ونهياً كما في قوله عز وجل: {أية : وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفًا }تفسير : [يونس، الآية 105] لأن مدارَ جوازِ كونها فعلاً إنما هو دِلالتُه على المصدر وهي متحققةٌ فيهما، ووجوبُ كونِها خبرية في صلةِ الموصول الاسمي إنما هو للتوصّل إلى وصف المعارفِ بالجمل، وهي لا يوصف بها إلا إذا كانت خبرية، وأما الموصولُ الحرفيُّ فليس كذلك ولما كان الخبر والإنشاء في الدلالة على المصدرِ سواءً ساغَ وقوعُ الأمر والنهي صلةً حسب وقوعِ الفعل فيتجرّد عند ذلك عن معنى الأمر والنهي، نحوُ تجردِ الصلةِ الفعليةِ عن معنى المضيّ والاستقبال، أو أنْ طهراه على أنّ «أنْ» مفسرة لتضمن العهدِ معنى القولِ، وإضافةُ البـيت إلى ضمير الجلالة للتشريف، وتوجيهُ الأمر بالتطهيرِ ههنا إليهما عليهما السلام لا ينافي ما في سورةِ الحج من تخصيصِه بإبراهيمَ عليه السلامُ فإنَّ ذلك واقعٌ قبلَ بناءِ البـيتِ كما يُفصِحُ عنه قولُه تعالى: {أية : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} تفسير : [الحج، الآية 26] وكان إسماعيلُ عليه السلام حينئذ بمعزلٍ من مثابةِ الخطابِ وظاهرٌ أنَّ هذا بعدَ بلوغِه مبلغَ الأمرِ والنهي وتمامِ البناء بمباشرته كما ينبىء عنه إيرادُهُ إثرَ حكايةِ جعلهِ مثابةً للناسِ الخ، والمرادُ تطهيرُه من الأوثانِ والأنجاسِ وطواف الجنُب والحائضِ وغيرِ ذلك مما لا يليقُ به {لِلطَّائِفِينَ} حوله {وَٱلْعَـٰكِفِينَ} المجاورين المقيمين عنده أو المعتكفين أو القائمين {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} جمع راكع وساجد أي للطائفين والمصلين لأنَّ القيامَ والركوعَ والسجودَ من هيئاتِ المصلي ولتقاربِ الأخيرين ذاتاً وزماناً ترك العاطف بـين موصوفيهما. أو أخلِصاه لهؤلاءِ لئلا يغشاهُ غيرُهم وفيه، إيماءٌ إلى أن ملابسةَ غيرِهم به وإن كانت مع مقارنةِ أمرٍ مباحٍ مِن قبـيلِ تلويثِه وتدنيسِه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً} [الآية: 125]. أى: مفزعًا للمذنبين وأمناً أى: من دخله من المؤمنين حافظًا لحدود الله فيه آمِنٌ من نار جهنم. سمعت منصورًا يقول بإسناده عن جعفر عليه السلام قال: البيت ها هنا محمد صلى الله عليه وسلم فمن آمن به وصدق برسالته دخل فى ميادين الأمن والأمانة. قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الآية: 82]. قال بعض العراقيين: العمل لا يبلغ إلا إلى مخلوق مثله، وأعظم حجاب العارفين الجنة والاشتغال بها عن الحق هى المصيبة العظمى، لأن الجنة خرجت من تحت "كن". وقال بعضهم: العارفون فى الجنة لا يستلذون بشىء منها، لأن الحق إذا استولى على سر لا يملكه سواه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وإذ جعلنا البيت} اى واذكر يا محمد وقت تصييرنا الكعبة المعظمة {مثابة} كائنة {للناس} اى مباءة ومرجعا للحجاج والمعتمرين يتفرقون عنه ثم يثوبون اليه اى يرجع اليه اعيان الذين يزورونه بأن يحجوه مرة بعد اخرى او يرجع امثالهم واشباههم فى كونهم وفد الله وزوار بيته فانهم لما كانوا اشباها للزائرين اولا كان ما وقع منهم من الزيادة ابتداء بمنزلة عود الاولين فتعريف الناس للعهد الذهنى {وامنا} موضع امن فان المشركين كانوا لا يتعرضون لسكان الحرم ويقولون البيت بيت الله وسكانه اهل الله بمعنى اهل بيته وكان الرجل يرى قاتل ابيه فى الحرم فلا يتعرض له ويتعرضون لمن حوله وهذا شئ توارثوه من دين اسماعيل عليه السلام فبقوا عليه الى ايام النبى عليه السلام او يأمن حاجه من عذاب الآخرة من حيث ان الحج يجب ما قبله اى يقطع ويمحو ما وجب قبله من حقوق الله تعالى الغير المالية مثل كفارة اليمين واما حقوق العباد فلا يجبها الحج كذا فى حواشى ابن الشيخ ولكن روى ان الله تعالى استجاب دعاء النبى صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة فى الدماء والمظالم كذا فى الكافى وتفسير الفاتحة للفنارى وغيرهما {واتخذوا} اى وقلنا اتخذوا على ارادة القول لئلا يلزم عطف الانشاء على الاخبار {من مقام إبراهيم مصلى} اى موضع الصلاة ومن للتبعيض ومقام ابراهيم الحجر الذى فيه اثر قدميه او الموضع الذى كان فيه حين قام عليه ودعا الناس الى الحج او حين رفع بناء البيت والذى يسمى اليوم مقام ابراهيم هو موضع ذلك الحجر ـ روى ـ انه لما اتى ابرهيم باسماعيل وهاجر ووضعهما بمكة واتت على ذلك مدة ونزلها الجرهميون وتزوج اسماعيل منهم امرأة وماتت هاجر استأذن ابراهيم سارة فى ان يأتى هاجر فاذنت له وشرطت عليه ان لا ينزل فقدم ابراهيم وقد ماتت هاجر فذهب الى بيت اسماعيل فقال لامرأته اين صاحبك قالت ذهب يتصيد وكان اسماعيل يخرج من الحرم فيصيد فقال لها ابراهيم هل عندك ضيافة قالت ليست عندى وسألها عن عيشهم فقالت نحن فى ضيق وشدة فشكت اليه فقال لها اذا جاء زوجك فاقرأيه السلام وقولى له فليغير عتبة بابه والمراد ليطلقك فانك لا تصلحين له امرأة وذهب ابراهيم فجاء اسماعيل فوجد ريح ابيه قال لامرأته هل جاءك احد قالت جاءنى شيخ صفته كذا وكذا كالمستخفة بشانه وقال فما قال لك قالت قال أقرئى زوجك السلام وقولى له فليغير عتبة بابه قال ذلك ابى وقد امرنى ان افارقك الحقى باهلك فطلقها وتزوج منهم اخرى فلبث ابراهيم ما شاء الله ان يلبث ثم استأذن سارة فى ان يزور اسماعيل فاذنت له وشرطت عليه ان لا ينزل فجاء ابراهيم حتى انتهى الى باب اسماعيل فقال لامرأته اين صاحبك قالت ذهب يتصيد وهو يجيئ الآن ان شاء الله فانزل رحمك الله قال هل عندك ضيافة قالت نعم فجاءت باللبن واللحم وسألها عن عيشهم قالت نحن فى خير وسعة فدعا لهما بالبركة ولو جاءت يومئذ بخبز برّ او شعير تمر لكانت اكثر ارض الله برّا او شعيرا او تمرا وقالت له انزل حتى اغسل رأسك فلم ينزل فجاءت بالمقام فوضعته على شقه الايمن فوضع قدمه عليه وهو راكب فغسلت شق رأسه الايمن ثم حولته الى شقه الايسر فغسلت شق رأسه الايسر فبقى اثر قدميه عليه وقال لها اذا جاء زوجك فاقرئيه السلام وقولى له قد استقامت عتبة بابك فلما جاء اسماعيل وجد ريح ابيه فقال لامرأته هل جاءك احد قالت نعم جاء شيخ احسن الناس وجها واطيبهم ريحا فقال لى كذا وكذا وغسلت رأسه وهذا موضع قدميه فقال ذاك ابراهيم وانت عتبة بابى امرنى ان امسكك ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك واسماعيل يبرى نبلا تحت دوحة قريبة من زمزم فلما رآه قام اليه فصنع كما يصنع الولد بالوالد ثم قال يا اسماعيل ان الله امرنى بامر أتعيننىعليه قال اعينك عليه قال امرنى ان ابنى ههنا بيتا فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل اسماعيل يأتى بالحجارة وابراهيم يبنى فلما ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام ابراهيم على حجر المقام وهو يبنى واسماعيل يناوله الحجر وهما يقولان {أية : ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} تفسير : [البقرة: 127] ثم لما فرغ من بناء الكعبة قيل له اذن فى الناس بالحج فقال كيف انادى وانا بين الجبال ولم يحضرنى احد فقال الله عليك النداء وعلىّ البلاغ فصعد ابا قبيس وصعد هذا الحجر وكان قد خبئ فى ابى قبيس ايام الطوفان فارتفع هذا الحجر حتى علا كل حجر فى الدنيا وجمع الله له الارض كالسفرة فنادى يا معشر المسلمين ان ربكم بنى لكم بيتا وامركم ان تحجوه فأجابه الناس من اصلاب الآباء وارحام الامهات فمن اجابه مرة حج مرة ومن اجابه عشرا حج عشرا وفى الحديث "حديث : ان الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة ولوا مماسة ايدى المشركين لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب ". تفسير : والمراد منهما الحجر الاسود والحجر الذى قام عليه ابراهيم عند بناء البيت {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل} اى امرناهما امرا مؤكدا ووصينا اليهما فان العهد قد يكون بمعنى الامر والوصية يقال عهد اليه اى امره ووصاه ومنه قوله تعالى {أية : ألم أعهد إليكم} تفسير : [يس: 60]. وانما سمى اسماعيل لان ابراهيم كان يدعو الى الله ان يرزقه ولدا ويقول اسمع يا ايل وايل هو الله فلما رزق سماه به {أن طهرا بيتى} اى بان طهراه من الاوثان والانجاس وما يليق به والمراد احفظاه من ان ينصب حوله شئ منها واقراه على طهارته كما فى قوله تعالى {أية : ولهم فيها أزواج مطهرة} تفسير : [البقرة: 25] فانهن لم يطهرن من نجس بل خلقهن طاهرات كقولك للخياط وسع كم القميص فانك لا تريد ان تقول ازل ما فيه من الضيق بل المراد اصنعه ابتداء واسع الكم {للطائفين} الزائرين حوله {والعاكفين} المجاورين الذين عكفوا عنده اى اقاموا لا يرجعون وهذا فى اهل الحرم والاول فى الغرباء القادمين الى مكة للزيارة والطواف وان كان لا يختص بهم الا ان له مزيد اختصاص بهم من حيث ان مجاوزة الميقات لا تصح لهم الا بالاحرام {والركع السجود} اى المصلين جمع راكع وساجد لان القيام والركوع والسجود من هيآت المصلى ولتقارب الركوع والسجود ذاتا وزمانا ترك العاطف بين موصوفيهما والجلوس فى المسجد الحرام ناظرا الى الكعبة من جملة العبادات الشريفة المرضية كما قال عليه السلام "حديث : ان لله تعالى فى كل يوم عشرين ومائة رحمة تنزل على هذا البيت ستون للطائفين واربعون للمصلين وعشرون للناظرين " تفسير : واعلم انه تعالى لما قال {أن طهرا بيتى} دخل فيه بالمعنى جميع بيوته تعالى فيكون حكمها حكمه فى التطهير والنظافة وانما خص الكعبة بالذكر لانه لم يكن هناك غيرها. وروى عن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه انه سمع صوت رجل فى المسجد فقال ما هذا أتدرى اين انت وفى الحديث "حديث : ان الله اوحى الى يا اخا المنذرين يا اخا المرسلين انذر قومك ان لا يدخلوا بيتا من بيوتى الا بقلوب سليمة وألسنة صادقة وايدى نقية وفروج طاهرة ولا يدخلوا بيتا من بيوتى ما دام لاحد عندهم مظلمة فانى ألعنه ما دام قائما بين يدى حتى يرد تلك الظلامة الى اهلها فأكون سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويكون من اوليائى واصفيائى ويكون جارى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين" تفسير : انتهى. ثم اعلم ان البيت الذى شرفه الله باضافته الى نفسه وهو بيت القلب فى الحقيقة يأمر الله تعالى بتطهيره من دنس الالتفات الى ما سواه فانه منظر لله كما قيل شعر : دل بدست آور كه حج اكبرست از هزاران كعبه يك دل بهترست كعبه بنياد خليل آزرست دل نظر كاه جليل اكبرست تفسير : فلا بد من تصفيته حتى تعكف عنده الانوار الآلهية والاسرار الرحمانية وتنزل السكينة والوقار فعند وصول العبد الى هذه الرتبة فقد سجد لربه حقيقة وركع وناجى مع الله بسره.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {المثابة}: المرجع الذي يثُوب الناس إليه كل سنة، و {اتخذوا}: على قراءة الأمر، محكي بقول محذوف، أي: وقلنا اتخذوا، وعلى قراءة الماضي: معطوف على {جعلنا}، أي: جعلناه مثابة، واتخذه الناس مُصلَّى. يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكر يا محمد {إذ جعلنا البيت} الحرام: أي: الكعبة، مرجعاً للناس يرجعون لزيارته والطواف به كل سنة، وجعلناه محل أمن، كل من دخله كان آمناً من عقوبة الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإنَّ الناس يُتَخطفون من حوله، وأهلُه آمنون، وأمافي الآخرة فلأن الحج يَجُبُّ ما قبله، وهذا يدل على شرف البيت وحرمته. وقلنا لهم: {اتخذوا من مقام إبراهيم}، وهو الحجر الذي فيه أثر قدميه، {مصلى} تصلون إليه، وهو الذي يصلون خلفه ركعتي الطواف، {وعهدنا} أي: أوحينا {إلى إبراهيم وإسماعيل} ولده، بأن قلنا لهما: {طهرا بيتي} من الأدناس والأرجاس والأصنام والأوثان، {للطائفين} به {والعاكفين} أي: المقيمين فيه، والمصلين فيه الراكعين الساجدين. فكان البيت مطهراً في زمانهما وبعدهما زماناً، ثم أدخلت فيه الأصنام فطهّره نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتبقى طهارته حتى يأتي أمر الله، والله تعالى أعلم. الإشارة: القلب هو بيت الرب، يقول الله تبارك وتعالى لبعض أنبيائه: "طهر لي بيتاً أسكنه، فقال: يا رب أي بيت يسعك؟ فقال له: لن تسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن". فإذا تطهر القلب من الأغيار وملئ بالأنوار، وتمكنت فيه المعارف والأسرار، كان مرجعاً وملجأ للعباد، كل مَن وصل إليه، وطاف به، كان آمنناً من الزيغ والعناد، ومن خواطر السوء سوء الاعتقاد، ومن دخله والوداد، أَمِن من الطرْد والبعاد، وكان عند الله من أفضل العباد. ومقام إبراهيم - عليه السلام - هو الاستغراق في عين بحر الشهود، ورفع الهمة عن ما سوى الملك المعبود. وهذا المقام هو الذي اتخذه العارفون كعبة لصلاة قلوبهم، وغاية لمنتهى قصودهم. شعر : عِبارَاتُهُم شَتَّى، وحُسْنُكَ واحِدٌ، وكُلٍّ إلى ذلك الجَمالِ يُشِيرُ تفسير : وقد عهد الله تعالى إلى أنبيائه وأصفيائه أن يطهروا قلوبهم من الأغيار، ويرفضوا كل ما سواه من الأكدار، لتتهيأ بذلك لطواف الواردات والأنوار، ولعكوف المعارف والأسرار، وتخضع لهيبتها ظواهرُ الأشباح، وتنقاد لجمال بهجتها القلوبُ والأرواح، وما ذلك على الله بعزيز.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ نافع وابن عامر {واتخذوا} على لفظ الخبر. الباقون بلفظ الامر. المعنى: قوله: {وإذ جعلنا} عطف على قوله {وإذ ابتلى إبراهيم ربه} وذلك معطوف على قوله: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} واذكروا {وإذ ابتلى إبراهيم ربه} {وإذ جعلنا البيت مثابة} والبيت الذي جعله مثابة هو البيت الحرام. اللغة: والبيت في اللغة، والمنزل، والمأوى نظائر. يقال: بات يبيت بيتوتة، وبيته مبايتة. وتبيت تبيتاً. وتبايتوا تبايتاً. والبيت من أبيات الشعر ومن بيوت الناس. والبيت من بيوتات العرب: احياؤها. وبيت فلان أبياتاً تبيتاً اذا بناها. البيتوتة: الدخول في الليل. تقول: بت افعل كذا، وبالنهار ظللت وباتوا بيتوتة حسنة. وأباتهم الله إباتة. وأباتهم الامر بياتاً كل ذلك دخول الليل. وليس من النوم في شيء وما عنده بيت ليلة. ولا بيتة ليلة بكسر الباء يعني القوت. والله يكتب ما يبيتون عمل الليل وبيت القوم اذا اوقعت فيهم ليلا. والمصدر البيت. والاسم: البيات. ومنه قوله: {بأسنا بياتا} ويسمى البيت من الشعر بيتاً لضمه الحروف والكلام كما يضم البيت أهله وامرأة الرجل: بيته. قال الراجز: شعر : مالي اذا اخذتها صأيت أكبر غيرني أم بيت تفسير : وماء بيوت اذا بات ليلة في إنائه واصل الباب البيت: المنزل وقوله: {مثابة} في معناه خلاف. قال الحسن يثيبون اليه كل عام، أي ليس هو مرة في الزمان فقط. وقال ابن عباس: معناه أنه لا ينصرف عنه احد، وهو يرى انه قد قضى منه وطراً، فهم يعودون اليه. وقال ابو جعفر (ع): يرجعون اليه لا يقضون منه وطراً وبه قال مجاهد. وحكي الخازئي ان معناه يحجون اليه فيثابون عليه. وقال الجبائي يثوبون اليه: يصيرون اليه. اللغة: والفرق بين مثابة ومثاب، ان الاخفش قال: مثابة للمبالغة لما كثر من يثوب اليه. كما قيل علامة ونسابة وسيارة وقال الفراء والزجاج: معناهما واحد. كالمقامة والمقام بمعنى واحد. ووزن مثابة مفعلة واصلها مثوبة. من ثاب يثوب مثابة، ومثابا. وثوابا: اذا رجع فنقلت حركة الواو إلى الياء ثم قلبت على ما قبلها. قال ورقة بن نوفل في صفة الحرم: شعر : مثاب لافناء القبائل كلها تخب اليه اليعملات الطلائح تفسير : ومنه ثاب اليه عقله، أي رجع اليه بعد عزوبه. وقوله {وأمنا} فالامن مصدر قولك أمن يأمن أمنا. وانما جعله أمنا بان حكم ان من عاذ به والتجأ لا يخاف على نفسه ما دام فيه بما جعله في نفوس العرب من تعظيمه فكان من فيه آمنا على ماله ودمه ويتخطف الناس من حوله كما قال: {أية : أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم}تفسير : ولعظم حرمته ان من جنى جناية والتجأ اليه لا يقام عليه الحد حتى يخرج لكن يضبق عليه في المطعم والمشرب، والبيع والشراء، حتى يخرج منه، فيقام عليه الحد. فان احدث فيه ما يوجب الحد أقيم عليه فيه، لانه هتك حرمة الحرم. ولان الله تعالى جعل الاشهر الحرم لا يحل فيها القتال، والقتل وكل ذلك بسبب البيت الحرام، فهو آمن بهذه الوجوه. القراءة والاعراب: وقوله: {واتخذوا من مقام إبراهيم} اكثر القراء على لفظ الامر. إلا ابن عامر ونافع فانهما قرأ اعلى لفظ الخبر من فعل ماض ويحتمل ان يكون اللفظ معطوفا على قوله: "واذكروا" كانه قال يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي، واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى. المعنى: وقال الربيع بن انس: من الكلمات التي ابتلى ابراهيم ربه قوله: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} وكأنه قال: {إني جاعلك للناس إماما} وقال: {اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} وقيل: انه معطوف على {وإذ جعلنا البيت} لان معناه واذكروا اذا جعلنا البيت واتخذوا وقيل: انه معطوف على معنى {جعلنا البيت مثابة للناس} لأن فيه معنى ثوبوا اليه واتخذوا. وظاهر قوله: واتخذوا انه عام لجميع المكلفين إلا من خصه الدليل وعليه اكثر المفسرين. وقال ابو علي الفارسي: وجه قراءة من قرأ، على الخبر انه عطف على ما أضيف اليه اذ كأنه قال واذ اتخذوا قال. وتقوية قوله ان ما بعده خبر، وهو قوله {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل}. المعنى: المعني بقوله: {من مقام} قيل فيه اربعة أقوال: احدها ـ قال ابن عباس الحج كله مقام إبراهيم. [ثانيها] ـ وقال عطا مقام ابراهيم عرفة والمزدلفة والجمار. [ثالثها] ـ وقال مجاهد: الحرم كله مقام ابراهيم. [رابعها] ـ وقال السدي: مقام ابراهيم هو الحجر الذى كانت زوجة اسماعيل وضعته تحت قدم ابراهيم حين غسلت رأسه. فوضع ابراهيم رجله عليه وهو راكب فغسلت شقه ثم رفعته من تحته وقد غابت رجله في الحجر فوضعته تحت الشق الآخر فغسلته فغابت ايضا رجله فيه فجعلها الله من شعائره، فقال {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} وبه قال الحسن، وقتادة، والربيع، واختاره الجبائي، والرماني، وهو الظاهر في اخبارنا، وهو الاقوى، لان مقام ابراهيم اذا اطلق لا يفهم منه إلا المقام المعروف الذي هو في المسجد الحرام. وفي المقام دلالة على نبوة ابراهيم (ع)، لان الله تعالى جعل الصخرة تحت قدمه كالطين حتى دخلت قدمه فيها وكان ذلك معجزة له ـ. وقيل في معنى قوله {مصلى} ثلاثة أقوال قال مجاهد: مدعى مأخوذ من صليت بمعنى دعوت. وقال الحسن والجبائي: قبلة. وقال قتادة والسدي: أمروا أن يصلوا عنده. وهو المروي في أخبارنا. وبذلك استدلوا على أن صلاة الطواف فريضة مثله، لان الله تعالى أمر بذلك والامر يقتضي الوجوب، وليس ها هنا صلاة يجب اداؤها عنده غير هذه بلا خلاف. وقوله: {عهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل} أي أمرنا ان طهرا. قال الجبائي: أمرا أن يطهراه من فرث ودم كان يطرحه عنده المشركون قبل ان يصير في يد ابراهيم. ويجوز أن يريد طهراه من الاصنام، والاوثان التي كانت عليه للمشركين قبل أن يصير في يد ابراهيم. وبه قال قتادة، ومجاهد. وقال السدي طهراه ببنائكما له على الطهارة، كما قال: {أية : أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير} تفسير : اللغة: والطائف والدائر والجائل نظائر. طاف يطوف طوافا اذا دار حول الشيء. وأطاف به اطافة: اذا ألم به. وطوف تطويفا. والطوف: خشب أو قصب يجمع بعضه إلى بعض، يركب عليه في البحر. والطوفان مصدر طاف يطوف طوفا. فاما طاف بالبيت فهو طواف. وأطاف به اذا احاط به. والطائف: العاس. والطوافون المماليك كقوله: {أية : طوافون عليكم}تفسير : والطائف: طائف الجن والشيطان. وكل شيء يغشى القلب من وسواسه فهو طيفه. والطائفة من كل شيء قطعة. تقول: طائفة من الناس، وطائفة من الليل. قال الله تعالى {أية : طائفة من الذين معك}تفسير : واصل الباب الطوف: الدور. المعنى: ومعنى {الطائفين} ها هنا قيل فيه قولان: احدهما ـ ما قال سعيد بن جبير: {الطائفين} من أتاه من غربة. والثاني ـ قال عطا واختاره الجبائي، وغيرهم: الطائفون بالبيت. ـ وهو الاصح ـ وقوله: {والعاكفين} ها هنا قيل فيه اربعة أقوال: الاول ـ قال عطا واختاره الجبائي: انهم المقيمون بحضرته. والثاني ـ قال مجاهد وعكرمة: انهم المجاورون. والثالث ـ قال سعيد بن جبير، وقتادة: انهم أهل البلد الحرام. والرابع ـ قال ابن عباس: هم المصلون. والاول أقوى، لانه المفهوم من اطلاق هذه اللفظة. قال النابغة شعر : عكوف على ابياتهم يثمدونها رمى الله في تلك الاكف الكوانع تفسير : اللغة: والعكف واللزوم والدوام على الشيء نظائر. تقول عكف يعكف، عكفاً وعكوفاً، اذا الزم الشيء وأقام عليه فهو عاكف، وعكف الطير بالقتيل. والعاكف المعتكف في المسجد، قلما يقولون عكف، وان قيل كان صوابا، وانما يقولون: اعتكف. ويقال للنظم اذا نظم فيه الجوهر: عكف تعكيفاً. والمعكوف: المحبوس واصل الباب العكف وهو اللزوم. المعنى: والمعني بقوله: {والركع السجود} قال قتاده وعطا: هم الذين يصلون عند الكعبة، يركعون عندها، ويسجدون. وقال الحسن: {الركع السجود} جميع المؤمنين، وبه قال الفراء. وهو الاقوى، لانه العموم. فان قيل: كيف امر الله تعالى ان يطهر بيته ولم يكن هناك بيت بعد؟ قيل: معناه ابنيا لي بيتاً مطهراً ـ في قول السدي ـ وقال عطا: معناه طهرا مكان البيت الذي تبنياه فيما بعد. وفي الآية دلالة على ان الصلاة جوف البيت جائزة.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ} الكعبة فانّ الّلام للعهد الخارجىّ او القلب فانّه المعهود بين المتخاطبين المنظور اليه لهما والمتراجع اليه ومحلّ الجزاء له (ص) وللخلق حقيقة، والكعبة لمّا كانت صورته جعلت بالمواضعة متراجعاً اليها ومحّلا لجزاء الرّاجع اليها {مَثَابَةً} محلّ ثواب وجزاء ومحلّ رجوع {لِّلنَّاسِ وَأَمْناً} لا يصطاد صيدها ولا يعنف الجانى المستجير بها، والبلد الطيّب، والحرم بحسب التّأويل صورة النّفس المطمئنّة والصّدر المنشرح، ويسرى حكم البيت الى المسجد والحرم بمجاورتهما له، وهكذا حال النّفس والصّدر وسيأتى تحقيق البيت ومظهريّته للقلب والمناسبة بين مناسك الكعبة ومناسك القلب {وَٱتَّخِذُواْ} عطف على جعلنا بتقدير قلنا او عطف على عامل اذا ومعترضة معطوفة على مقدّرٍ كأنّه قيل بعد ما قال جعلنا البيت مثابة وأمناً فما نصنع؟ - قال: ارجوا اليه واتّخذوا {مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ} هو الحجر الّذى عليه أثر قدم ابراهيم (ع) {مُصَلًّى} محّلاً للدّعاء او للصّلاة الّتى هى فريضة الحجّ، او للصّلاة النّافلة؛ روى عن الباقر (ع) أنّه قال (ع): ما فرية اهل الشّام على الله تعالى يزعمون انّ الله تبارك وتعالى حيث صعد الى السّماء وضع قدمه على صخرة بيت المقدّس ولقد وضع عبد من عباد الله قدمه على صخرةٍ فأمرنا الله ان نتّخذه مصلّى، وروى أنّه نزلت ثلاثة احجار من الجنّة، مقام ابراهيم (ع)، وحجر بنى اسرائيل، والحجر الاسود {وَعَهِدْنَآ} اوصينا {إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} عليه السّلام {وَإِسْمَاعِيلَ} عليه السّلام {أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَٱلْعَاكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} ولعلّك تفطّنت بتعميم البيت والتّطهير والطّائف والعاكف والرّاكع والسّاجد وروى عن الصّادق (ع) انّ المعنى نحّيا عنه المشركين وروى أنّه سئل يغتسلن النّساء اذا أتين البيت؟ - قال: نعم انّ الله يقول: طهّرا بيتى؛ الآية، فينبغى للعبد ان لا يدخل الاّ وهو طاهر قد غسل عنه العرق والأذى وتطهّر.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ} أي: مجمعاً لهم. وقال بعضهم: يثوبون إليه كل عام. وهو قول الكلبي. قوله: {وَأَمْناً}. كان ذلك في الجاهلية؛ لو أن رجلاً جَرَّ كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يطلب ولم يُتناول. وأما في الإِسلام فإن الحرم لا يمنع من حدٍّ؛ من قَتل قُتِل ومن أصاب حداً أُقيم عليه. وذكروا عن ابن عباس أنه قال: إذا أصاب الرجل حداً ثم لجأ إلى الحرم فإنه لا يُبَايَع ولا يُجالَس ولا يُؤْوَى حتى يخرج من الحرم؛ فإذا خرج من الحرم أقيم عليه الحدّ. قوله: {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} أي موطىء قدميه. ذكر بعضهم أنه قال: أمروا بالصلاة عنده ولم يؤمروا بمسحه. ولقد تكلفت هذه الأمة أشياء ما تكلفها الناس قبلهم؛ ما زالوا يمسحونه مسحاً وإن أثر قدميه وعقبيه فيه حتى اخلولق وامّحى. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: مقام إبراهيم الحرم كله. ذكروا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن إبراهيم، لما استأذن سارة في زيارة إسماعيل وهاجر فأذنت له، اشترطت عليه ألا ينزل. فقدم وقد ماتت هاجر، فانتهى إلى بيت إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ فقالت له: ليس هو ها هنا. وكان يخرج من الحرم ويتصيّد؛ فقال لها إبراهيم: هل عندك من ضيافة؟ هل عندك طعام؟ هل عندك شراب؟ قالت: ليس عندي شيء. قال لها: إذا جاء صاحبك فأقريه السلام، وقولي له فليغير عتبة بابه، ثم ذهب. فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه إبراهيم. فقال لها: هل جاءك أحد؟ فقالت: جاءني شيخ كذا وكذا، كأنها مستخفه بأمرة. قال: فما قال لك؟ قالت: قال: قولي له: غيّر عتبة بابك فطلَّقها وتزوّج أخرى. ثم إن إبراهيم استأذن سارة بعد ذلك فأذنت له، واشترطت عليه أن لا ينزل. فجاء حتى انتهى إلى بيت إسماعيل فقال لامرأته: أين صاحبك؟ فقالت: ذهب إلى الصيد، وهو يأتي الآن إن شاء الله، انزل يرحمك الله. قال: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم. قال: هل عندك خبز؟ قالت: لا. قال: هل عندك بر؟ قالت: لا. قال: هل عندك شعير؟ قالت لا؛ وجاءته بلبن ولحم. فدعا لها بالبركة في اللبن واللحم اللذين جاءته بهما؛ ولو جاءته يومئذ ببر وشعير لكانت أكثر أرض الله براً وشعيراً. قالت: فانزل حتى أغسل رأسك. فلم ينزل. فجاءته بالمقام فوضع عليه إحدى قدميه، فغسلت أحد شقي رأسه، وبقي أثر قدمه فيه. ثم حولته إلى الجانب الآخر، فوضع قدمه الأخرى على المقام فغسلت شق رأسه الآخر وبقي أثر قدمه فيه. ذكروا عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة قبل حجته طاف بالبيت، فمشى إلى المقام وهو يقول: {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً}، فصلى خلفه ركعتين قرأ فيهما: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} و{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}. قال بعض أهل العلم: بلغني أن المقام قبلة البيت، وأن البيت قبلة المسجد الحرام، وأن المسجد الحرام قبلة الحرم، وأن الحرم قبلة مكة، وأن مكة قبلة أهل الآفاق. قوله: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ} أي من عبادة الأوثان وقول الزور والمعاصي. ذكروا عن عائشة أنها قالت: كسوة البيت على الأمراء، ولكن طيِّبوا البيت، فإن ذلك من تطهيره. قوله: {لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} الطائفون من يعتقبه من الناس، والعاكفون أهل مكة، والركع السجود أهل الصلاة. وقال بعضهم: الطائفون الذين يطوفون حوله، والعاكفون القعود حوله ينظرون إليه، والركع السجود الذين يصلون إليه. ذكروا عن مجاهد وعطاء أن النظر إلى البيت عبادة ويكتب له به حسنات.

اطفيش

تفسير : {وإذْ جَعلْنا البَيْتَ}: الكعبة، غلب لفظ البيت عليها كما غلب النجم على الثريا، والكتاب على القرآن فى مواضعه، والكتاب أيضاً على كتاب سيبويه فى مواضعه. {مَثابةً للنَّاسِ}: أى مرجعا لهم يأتونه من كل جانب للحج، رفيعهم ووضيعهم، من ثاب يثوب بمعنى رجع بمثلثة، كتاب يتوب بمثناة، أو موضع ثواب لأن لهم ثواباً على قصد الحج أو عمرة وطواف، وعلى كلا الوجهين هو اسم مكان، وتأنيث أسماء المكان والزمان والمصدر الميميات يحفظ ولا يقاس عليه، وإن قلت: كيف يصح الوجه الأول وهو التفسير بالمرجع، فإنه لا يصدق بمن لم يأته قط، ثم أتاه؟ قلت استعمالا للمقيد فى المطلق، فإن أصل الرجوع الإتيان إلى الشئ بعد الانصراف عنه، استعمل فى مطلق الإتيان. ولك وجه آخر هو أن المراد الإشعار بأن البيت رغبة للناس يأتونه ويرجعون إلى أهليهم، ثم يأتونه، ويجوز أن يكون المعنى مجمعا لهم، من ثاب يثوب ثبة بمعنى اجتمع، وهو أيضاً اسم مكان شاذ بالتاء، ثم رأيت الوجه الأول قولا للكلبى، ووجه آخر ضعيف هو أن يكون بمعنى موضع التائبين عن الذنوب، أو موضع التائبين أى الراجعين يرجعون إليه، وهو كذلك اسم مكان شاذ بالتاء، ويجوز أن يكون على تلك المعانى كلها مصدرا ميميا بمعنى مفعول، أى مرجوعاً إليه مثوباً على قصده بالجنة، أو مجموعا فيه، أو مرجوعا فيه عن الذنوب، أو يقدر مضاف أى ذا رجوع أو ثواب أو اجتماع، ويدل للمصدرية قوله تعالى: {وأمْناً}: فإنه مصدر على تقدير مضاف، أى موضع أمن، فهو بمعنى اسم مكان أو ذا أمن، ويحتمل جعل من باب المبالغة كأنه نفس لفرط الأمن الملتجئ إليه، ومن هو فى حرمه كما سماه أيضاً آمنا فى قوله جل وعلا: {أية : حرما آمناً ويُتَخطف الناس من حولهم}،تفسير : كان المشركون لا يتعرضون لأهل مكة، ويقولون هم أهل الله. قال ابن عباس: أمناً معاذا وملجأ، ومن رواية الربيع بن حبيب بن عمر، وعن أبى عبيدة عنه صلى الله عليه وسلم فى شأن مكة: "حديث : أنها حرام لحرم الله، لم تحل لأحد قبلى لا تحل لأحد بعدى، وإنما أحلت لى ساعة من نهار" فغمزها النبى صلى الله عليه وسلم بيده، فقال: "لا ينفر صيدها ولا يعضد شجرها ولا تحل لقطتها إلا لمنشدها ولا يختلى خلاها" فقال له العباس عمه، وكان شيخا مجرباً، إلا الأذخر يا رسول الله فإنه لا بد منه للقبور، ولظهور البيوت، فسكت النبى صلى الله عليه وسلم قليلا، فقال: "إلا الأذخر فإنه حلال"تفسير : وكذا روى البخارى ومسلم عن ابن عباس حديث : أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرام حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيدة ولا يلتقط لقطتها إلا من يعرفها ولا يختلى خلاه". قال العباس: يا رسول الله إلا الأذخر فإنه لقينهم وبيوتهم قال: "إلا الأذخر" تفسير : ومعنى قوله للقبور إنه يسد به الخلل، لكن قال القسطلانى فى إرشاد السارى على صحيح البخارى: المراد بالقبور اللحود، واستثنى بعضهم ما يؤذى من الشوك، فأجاز قطعه، ومعنى لا تحل لقطتها إلا لمن يعرفها أنه لا يأخذها الإنسان إلا بنية أن يعرفها على الدوام، بخلاف لقطة غيرها فإنه يحل أن يأخذها على أن يعرفها، وأنه إن لم يجئ صاحبها استنفع بها على شرط الضمان لصاحبها إذا جاء يعرفها فى مجمع الناس، وقيل ثلاثة أيام، وقيل ستة وبسطت المسألة فى الفقة. والخلا بالقصر الحشيش الرطب، وجاز قطع ما تيبس منه ومن الشجر، وقوله: لقينهم، القين: الحداد، ومعنى لقبورهم: أنه تسد به فرج اللحد فمكة أمن للناس والوحش والطير، والخلا الشجر، جعل الله سبحانه وتعالى حرمة فى النفوس بحيث يلقى الرجل بها قاتل أبيه فلا يهيجه. وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: إذا أصاب الرجل حدّاً ثم لجأ إلى الحرم فلا يجالس ولا يطعم ولا يؤوى حتى يخرج من الحرم، فإذا خرج أقيم عليِه الحد، وإذا أصابه فى الحرم أقيم عليه فيه. وبذلك نقول نحن والحنفية. وقيل إن ذلك فى الجاهلية، وأما فى الإسلام فتقام فيه الحدود، ولو التجأ إليه. وفى رواية للبخارى إلا الأذخر لصاغتنا وقبورنا، والصاغة جمع صائغ. قال عكرمة: هل تدرى ما لا ينفر صيدها هو أن تنحيه عن الظل تنزل مكانهُ، قلت: الظاهر ما ذكره النووى من أنهُ إزعاج عن موضعه، وقيل كناية عن اصطياده، وعنه صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم حرم مكة، وأنا أحرم المدينة ما بين لابتيها، واللابة بتخفيف الباء الحجارة السود، ولا ينافى هذا الحديث أحاديث: إن الله حرم مكة لأن معنى أن إبراهيم حرم مكة بأمر الله، أو قضى الله أنهُ سُيحرمها أو أنهُ أول من أظهر بتحريمها، وكان قبل ذلك عند الله حراماً أول من أظهره بعد الطوفان، ومعنى تحريم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة على ظاهره بأن فوض الله تعالى إليه أن يحرم ما شاء أو المعنى أنهُ حرمها بأمر الله. وقرئ مثابات بالجمع، لأنهُ مثابة لكل أحد لا يختص به واحد سواء العاكف فيه والباد. {واتَّخذوا مِنْ مَقَامِ إبراهيمَ مُصلَّى}: عطف على جعلنا أى واتخذ الناس من المكان الذى لبث فيه إبراهيم موضعاً يصلون فيه أو إليه، وعلى الأخير فهو الكعبة، وذلك بفتح خاء اتخذوا عند ابن عباس ونافع وقال أبو عمر الدانى: قرأ بالفتح نافع وابن عامر، وقرأ غيرهم بكسر الخاء على الأمر وإضمار القول المعطوف على جعلنا، أى وقلنا لهم اتخذوا، ويجوز عطف اتخذوا على اذكر، أى واذكروا إذ جعلنا البيت مثابة للناس، واتخذوا خطاباً للأمة بأن يذكروا، إذ جعل البيت مثابة للناس، وأن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، ويجوز عطفه على محذوف متعرض بين المعطوف عليه وهو جعلنا، والمعطوف وهو عهدنا، أى ثوبوا إليه واتخذوا، وأن يتخذوا، أى ارجعوا إلى البيت واتخذوا، ومن التبعيض فيكون المقام الحرام أو ما يلى المطاف، وكذا إن قلنا بمعنى فى، ويجوز على الوجهين أن يكون المطاف، لكن هذا على قراءة نافع فقط، كانوا يصلون فيه، فورد النهى، فقيل من صلة للتأكيد، ومقام مفعول، فيكون المقام الحرام أو ما يلى المطاف أو المطاف، وهذا على قراءة نافع، أو الحجر الذى جعل فيه قدميه حين بناء البيت، وحين دعى الناس للحج وفيه أثر قدميه، وقيل أثر أصابعهما فقط، فاندرس بالمسح بالأيدى، وقد اختلفوا فى المقام فقيل هو هذا الحجر، وصححه بعض، وإنما أمروا بالصلاة فيه لا بتقبيله ومسحه، وقيل الحرام كله وهو قول النخعى، ورواية عن ابن عباس وقيل مواقف الحج كعرفة ومزدلفة ومنى والمطاف، وهو قول عطاء، واتخاذها مصلى واتخاذها مقام دعاء، فإن الدعاء صلاة، ويدل على أنهُ الحجر المذكور ما يروى حديث : أنهُ صلى الله عليه وسلم أخذ بيد عمر فقال: "هذا مقام إبراهيم" وقال عمر: أفلا تتخذه مصلى؟ يعنى تبركاً، به، فقال: "لم أومر بذلك" فلم تغب الشمس حتى نزلت الآية،تفسير : وقيل المراد بالأمر اتخاذ مصلى من مقام إبراهيم الأمر بركعتى الطواف، كما يقال: خذ مضجعك بمعنى نم، لما روى عن الشيخ هود ومسلم واللفظ لهُ جابر بن عبد الله حديث : أنهُ صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه عمد إلى مقام إبراهيم، فصلى خلفه ركعتين، وقرأ: {واتَّخذوا مِنْ مَقامِ إبْراهِيمَ مُصلَّى} تفسير : وأما لفظ الشيخ هود، فهكذا ذكروا عن جابر بن عبدالله حديث : أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لما قدم مكة فى حجته طاف بالبيت فمشى إلى المقام وهو يقول: {اتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبراهيمَ مُصلًّى}، فصلى خلفه ركعتين قرأ فيهما {قلْ هُوَ الله أَحد} و{قل يا أيُّها الكافِرُون}،تفسير : وليس الاستدلال بذلك حجة بجواز أن يكون، صلى الله عليه وسلم، أراد بقراءة الآية بيان مقام إبراهيم عليه السلام، واعلم أن إطلاق المقام على الحرام كله حقيقة عرفية مجاز لغوى، وكذا على معالم الحج، وعلاقته المجاورة، وأما الحقيقة اللغوية فإطلاقه على موضع قدميه فقط حين المكث، والأمر باتخاذ المصلى من مقام إبراهيم للوجوب على مستطيع الحج، ندب على غيره، وركعتا الطواف واجبتان، وقيل مستحبتان، وللشافعى فيهما قولان أصحهما عنه الثانى، وأضيف المقام لإبراهيم لأنهُ موسوم به لاهتمامه به، وإسكان ذريته عنده، وسأل عمر رضى الله عنه المطلب ابن أبى وداعة: هل يدرى أين موضع المقام أول أمره؟ قال: نعم فأراه موضعه اليوم، وقيل المراد بالمقام الموضع الذى فيه ذلك الحجر، وأخرج البخارى أنهُ الحجر الذى ارتفع عليه إبراهيم حين ضعف عن رفع الحجارة الذى كان إسماعيل يناوله إياها فى بناء البيت، وغرقت قدماه فيه، وقد مر هذا القول. روى أن الله تعالى خلق البيت قبل الأرض بألفى عام، وكانت زبدة بيضاء على الماء، فبسطت الأرض تحتها، فلما أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض استوحش، فشكى إلى الله تعالى فأنزل الله البيت المعمور من ياقوتة من يواقيت الجنة، لهُ بابان من زمردة خضراء، باب شرقى وباب غربى، فوضعه على موضع البيت فقال: يا آدم إنى أهبطت لك بيتاً تطوف به كما يطاف حول عرشى، ويصلى عنده كما يصلى عند عرشى. وأنزل الحجر وكان أبيض فاسود من لمس الحيَّض فى الجاهلية، وتوجه آدم من أرض الهند إلى مكة ماشياً وقيض الله لهُ ملكاً يدلهُ على البيت، فحج البيت وأقام المناسك، فلما فرغ تلقته الملائكة وقالوا: بر حجك يا آدم، ولقد حججنا هذا البيت قبلك بألفى عام. قال ابن عباس: حج آدم من الهند إلى مكة أربعين حجة ماشياً، وكان على ذلك إلى أيام الطوفان، ثم رفعه ثم إلى السماء الرابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، وبعث الله جبريل حتى خبأ الحجر الأسود فى جبل أبى قبيس صيانة لهُ من الغرق، كان موضع البيت خالياً إلى زمان إبراهيم عليهِ السلام، ثم إن الله أمر إبراهيم عليهِ السلام بعد ما ولد إسماعيل وإسحاق ببناء بنية يذكر فيه، فسأل الله عز وجل أن يبين لهُ موضعه، فبعث الله تعالى إلى السكينة لتدله على موضع البيت، والسكينة ها هنا ريح جموح لها رأسان تشبه الحية، شديدة سريعة تلتوى فى هبوبها، وأمر إبراهيم أن يبنى حيث تستقر السكينة، وتبعها حتى أتى مكة فطوت السكينة على موضع البيت كطوى الحية، هذا قول على والحسن. وقال ابن عباس: بعث الله عز وجل سحابة على قدر الكعبة، فجعلت تسير وإبراهيم يمشى فى ظلها إلى أن وافت مكة، ووقفت على موضع البيت، فنودى منها إبراهيم عليهِ السلام: أن ابن على ظلها لا تزد ولا تنقص، وقيل أرسل الله تعالى جبريل عليه السلام ليدله على موضع البيت، فمشى معه من الشام، وقيل كشفت له الريح عن أساسه، فبنى عليه، قيل فذلك قوله تعالى: {أية : وإذ بَوَّأنا لإبراهِيم مكانَ البَيْت}،تفسير : فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت فكان إبراهيم يبنى وإسماعيل يناوله الحجر، فذلك قوله تعالى: {أية : وإذْ يرفَعُ إبراهيمُ القَواعِد منَ البَيْتِ وإسْماعِيل}،تفسير : وروى البخارى فى صحيحه عن ابن عبَّاس أن أول ما اتخذت النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقاً لتعفى أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل، وهى ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند درجة فوق زمزم من أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هناك ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم ولى إبراهيم منطلقاً فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم إلى أين تذهب وتتركنا، فى الوادى الذى ليس فيه أنيس ولا شئ؟ قالت لهُ مراراً وجعل لا يلتفت إليها. فقالت له: أألله أمرك؟ فقال: نعم. فقالت: إذاً لا يضيعنا. ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يريانه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، فرفع يديه فقال: {أية : ربَّنا إنِّى أسْكنتُ مِنْ ذُريَّتى بوادٍ غَيْر ذِى زَرعٍ} تفسير : حتى بلغ: {أية : يشْكُرون} حديث : وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى نفذ ما فى السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى فانطلقت كراهة أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل فى الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادى تنظر هل ترى أحداً فلم ترى أحداً، فهبطت من الصفا حتى بلغت الوادى، رفعت طرف درعها فسعت سعى الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادى، ثم أتت المروة فقامت عليه فنظرت هل ترى أحداً فلم تر أحداً ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبى، صلى الله عليه وسلم، "فلذلك سعى الناس بينهما" فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت صه. تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت أيضاً، فقالت قد أسمعت إن كان عندك غوث، فإذا هى بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تخوضه بيدها هكذا، وجعلت تغرف الماء فى سقائها وهو يغور بعد ما تغرف. تفسير : قال ابن عباس: قال النبى، صلى الله عليه وسلم:"حديث : يرحم الله أم أخى إسماعيل، لو تركت زمزم، أو قال: لو لم تغرف كانت زمزم عيناً معينا"، قال: فشربت وأرضعت ولدها. فقال لها الملك: لا تخافى الضيعة، فإن ها هنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله. تفسير : وكان البيت مرتفعا من الأرض مثل الرابية، تأتيه السيول وتأخذ عن يمينه وعن شماله، فبقيت أم إسماعيل كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم من طريق كداء، فغزلوا فى أسفل مكة، فرأوا طائراً عاكفا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، وعهدنا بهذا الوادى ما فيه ماء، فأرسلوا رجلا أو رجلين، فإذا هما بالماء، فرجعا فأخبرا القوم فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء، فقالو: أتأذنين لنا ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم فى الماء. قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبى، صلى الله عليه وسلم، فألفى ذلك أم إسماعيل وهى تحب الإنس، فأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كانوا بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية، وأعجبهم حتى شب فأدرك، فزوجوه امرأة منهم وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم عليه السلام بعد ما تزوج إسماعيل يطالع أمره، فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته فقالت: خرج يبتغى لنا، وفى رواية ذهب يصيد لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر، نحن فى ضيق وشدة، وشكت إليه. فقال: إذا جاء زوجك فاقرئى عليه السلام، وقولى له بغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه أنس شيئاً قال: أجاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ صفته كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، فسألنى كيف عيشنا فأخبرته أنا فى جهد وشدة، قال: هل أوصاك بشئ؟ قالت: نعم أمرنى أن أقرئ عليك السلام، ويقول لك غير عتبة بابك. قال: ذلك أبى وقد أمرنى أن أفارقك الحقى بأهلك فطلقها، فتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله تبارك وتعالى أن يلبث، ثم أتاه فلم يحده فدخل على امرأته فسأل عنه، فقالت: خرج يبتغى لنا، فقال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: بخير وسعة، وأثنى وأثنت على الله عز وجل، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللهم بارك لهم فى اللحم والماء. قال النبى صلى الله عليه وسلم:"حديث : ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان لهم حب لدعى لهم بالبركة فيه"تفسير : ،وقال: لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه، وفى رواية فجاء فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد. فقالت: ألا تنزل فتطعم وتشرب؟ فقال: وما طعامكم وما شرابكم؟ قالت: طعامنا اللحم وشرابنا الماء. قال: اللهم بارك لهم فى طعامهم وشرابهم. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئى عليه السلام، ومريه أن يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: شيخ حسن الهيئة وأثنت فسألنى عنك فأخبرته، فسألنى كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير. قال: هل أوصاك بشئ؟ قالت: نعم يقرئك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. فقال: ذلك أبى وأنت العتبة أمرنى أن أمسكك. وذكروا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن إبراهيم لما استأذن سارة فى زيارة إسماعيل هاجر أذنت له، واشترطت عليه ألا ينزل، فقدم وقد ماتت هاجر، فانتهى إلى بيت إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ فقالت: ليس هو هنا. وكان يخرج من الحرم فيتصيد فقال لها إبراهيم: هل عندك ضيافة؟ هل عندك طعام؟ هل عندك شراب؟ قالت: ليس عندى شئ. فقال لها: إذا جاء صاحبك فاقرئيه السلام وقولى له يغير عتبة بابه، ثم ذهب. فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه إبراهيم. فقال: هل جاءك أحد؟ قال: جاءنى شيخ صفته كذا وكذا، كأنها مستخفة بأمره. قال: فما قال لك؟ قالت: قال لى قولى له غير عتبة بابك. فطلقها وتزوج بأخرى، ثم إن إبراهيم استأذن من سارة بعد ذلك فأذنت له، واشترطت عليه ألا ينزل، فجاء حتى انتهى إلى بيت إسماعيل فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ذهب إلى الصيد وهو يأتى الآن إن شاء الله، انزل يرحمك الله، قال: هل عندك ضيافة، قالت: نعم. قال: هل عندك خبز؟ قالت: لا. قال: هل عندك برة؟ قالت: لا. قال: هل عندك شعير؟ قالت: لا. وجاءته بلبن ولحم، فدعا لها بالبركة فى اللبن واللحم لمجيئها بهما، ولو جاءته يومئذ ببرة أو شعيرة لكانت أكثر أرض الله برا وشعيراً قالت: فانزل حتى أغسل رأسك، فلم ينزل فجاءت بالمقام فوضع عليه قدميه فغسلت أحد شقى رأسه، وبقى أثر قدمه فيه، ثم حولته إلى الجانب الآخر، فوضع قدمه الأخرى على المقام، فغسلت شق رأسه الآخر، وبقى أثر قدمه فيه ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبرى نبلاً قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرنى بأمر. قال: فأسمع ما أمرك ربك. قال: وتعيننى؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرنى أن أبنى بيتاً ها هنا. وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتى بالحجارة وإبراهيم يبنى حتى ارتفع البناء، وضعف إبراهيم عن نقل الحجارة، فجاءه إسماعيل بحجر المقام، فقام عليه يبنى يطول به الحجر حيث شاء. وعن عبدالله بن عمرو بن العاص: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: "حديث : إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما ولو لم يطمس نورهما لأضاءا ما بين المشرق والمغرب".تفسير : أخرجه الترمذى. قلت ورواه غيره عن عبد الله بن عمرو ابن العاص موقوفاً عليه لا مرفوعاً إليه، صلى الله عليه وسلم، وقد أشار إلى هذا الترمذى، قال الشيخ هود: قال بعض أهل العلم: بلغنى أن المقام قبلة البيت، وأن البيت قبلة المسجد الحرام، وأن المسجد الحرام قبلة مكة، وأن مكة قبلة الحرم، وأن الحرم قبلة أهل الآفاق. {وَعَهدْنَا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعيلَ أنْ طَهِّرا بَيْتِىَ}: أى أمرناهما بأن طهرا بيتى، فأن مصدرية بقدر المصدر منصوباً على نزع الخافض وهو الباء أو مجروراً بها، ويجوز أن تكون تفسيرية لأن العهد فيه معنى القول دون حروفه، والمراد تطهيره من الأوثان والزور والمعاصى، والحيض والجنابة والنجس، وكلما لا يليق به، فتح ياء الإضافة فى بيتى نافع وحفص وهشام، وسكنها غيرهم، ولما كان تطهيره من ذلك نفعاً ومعونة على الطواف والعكوف والركوع والسجود قال: {للطَّائِفينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّع السُّجود}: أى طهراه من ذلك لهؤلاء، ويجوز أن يكون معنى (طهرا بيتى) أخلصناه لهؤلاء ولا تجعلا فيه نصيباً لمن يعبد الاوثان فيه، أو يعصى فهي أو يحضر فيه مالا ينبغى وهو الكعبة وإضافته للتشريف وتضمن ذلك بناء على التوحيد والطهارة والوقار. وعن مجاهد: طهراه من الأوثان وذلك أمر لهما بعد بنائه، ويجوز أن يكون العهد إلى إبراهيم قبل بنائه، وإلى إسماعيل بعده، وأن يكون إليهما قبله، ومعنى تطهيره من ذلك قبل إنشائهِ خارجاً عن ذلك الشأن الخسيس، واعتقاد ضده له وهذا كقولك لمن أراد بناء دار وسع بيوتها وارفع سقفها، ولمن أراد حفر بئر وسع فمها، فإن أصل هذه العبارة أن تكون بعد الوجود. وعن عائشة رضى الله عنها: كسوة البيت على الأمراء، ولكن طيبوا البيت، فإن ذلك من تطهيره. وفى قولها هذا أن تطهيره أن يفعل به كلما يستحسن شرعا، حتى إنه منه الكسوة له والتطييب، ولكن كسوته على الامراء، فإن عجز أعين أو كساه غيره، وكل ذلك من حلال، والطائف بالبيت من يدور به وهو الصحيح، وبه صرح عطاء وغيره، وقال ابن جبير: الطائفون الغرباء الحادثون على مكة، والعاكف المقيم عنده من أهل البلد، قال ابن جبير والشيخ هود رحمة الله، وقال عطاء: هو المجاور بمكة للعبادة عند البيت لا يبرح، ويجوز أن يكون من الاعتكاف الذى يبوب له فى كتب الفقه، الذى يلتزم به الإنسان على نفسه، كما اعتكف، صلى الله عليه وسلم بمسجد المدينة. وقال ابن عباس رضى الله عنهما: المعتكف المصلى، فإن الاعتكاف لزوم المكان فى اللغة، والمصلى لازم لمكانه، والعاكف لغة الواقف، والمصلى يقف. وقيل العاكف الجالس ينظر إلى البيت. وإن قلت: كيف يصح أن يقال العاكفون المصلون مع أنه قد قال بعد ذلك {والرُّكّع السُّجود}؟ قلت: صح لجواز ذكر الشئ عاما ثم يذكر أجزاءه أو بعضها مفصلة، تقول: لى دار أو بيوت وخزانة، وتريد بيوت تلك الدار وخزائنها، وأما إذا فسرنا العكوف بالقيام فى الصلاة، فمن ذكر الشئ مفصلا من أول مرة فإن القيام والركوع والسجود من هيئة المصلى، قيل إن الطواف للغرباء أفضل، أى لأنه لا يفعل بغير الكعبة فيفوتهم بالرحيل عنها، والصلاة لأهل مكة أفضل، وذكروا عن مجاهد وعطاء: أن النظر إلى البيت عبادة، وتكسب به الحسنات، والنظرة حسنة، والحسنة بعشر، وما شاء الله، و {الركع السجود} المصلون، جمعاً: راكع وساجد.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ} الكعبة {مَثَابَةً لَّلنَّاسِ} مرجعاً يثوب إليه من كان عنده أو يجيئه من لم يكن عنده، أو يلتجىء إليه الخائف، وإطلاق الرجوع لمن لم يكن مجاز، فذلك جمع بين الحقيقة والمجاز، وقد أجيزا، وهو من عموم المجاز، ويناسب الإطلاق أن الآتى والراجع كواحد، لاتفاق الدين، أو مثابة بمعنى موضع ذهاب إليه، أو مزار، استعمال للمقيد فى معنى المطلق، أو هو موضع ثواب، فلا مجاز، وتاؤه لتأنيث البقعة، وقيل: هى للمبالغة كما فى الوصف، كعّلامة، لكنه لا يؤنث، وهو اسم مكان ميمى، أو مصدر ميمى، أى ذا ثواب، والأول أولى، والأصل مثوبة بإسكان الثاء، فتحت بفتحة الواو نقلا، فقلبت ألفا {وَأَمْناً} موضع أمن، أى ذا أمن، وقد يناسب هذا أن تجعل مثابة مصدراً، أى ذا مثابة وأمن للناس فى حرمه، أو أمن لحرمه، لا يقع فيه ما يقع فى غيره من الظلم والقارة، يلقى فيه للرجل قاتل أبيه فلا يخيفه ولا يهيجه، ويتبع الكلب الصيد فيدخل الحرم فلا يتبعه بعد لحرمة الحرم، وقد قال الله: "أية : حرماً ءامناً"تفسير : [العنكبوت: 67] فقد تقول، آمناً بمعنى آمن إلا أن فيه مجاز التعلق والاشتقاق، وإذ جعلنا المصدر بعنى اسم فاعل ومجاز الإسناد، لأن الذى يأمن هو الناس لا الحرم، وما تقدم فيه مجاز واحد كلا مجاز، إذ هو مجاز حذف، ومن جنى فى الحرم حد فيه، أو خارجا فالتجأ إليه أخرج، أو ضيق عليه حتى يخرج فيحد، وذلك من جملة الأمن فيه، وذكر بعض أنه آمن للحاج من النار وكفارة لذنوبه التى بينه وبين الله يوم القيامة، ولا يدرى فى الدنيا أقبل منه أم رد {وَاتَّخّذُوا} أى الناس {مِنْ مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى} بفتح الخاء إخبار بمعنى الأمر، كأنهم امتثلوا الاتخاذ، فهو يخبر بوقوعه، والعطف عطف قصة على أخرى، أى، وإذ اتخذوا، أو على جعلنا، لأن الغرض بيان أحوال البيت، ومنها الجعل والاتخاذ، أو يقدر، فثابوا واتخذوا، ولا بأس به، ولو كان الأصل عدم الحذف، لاتحاد المنسدين فى المسند إليه، ومن بمعنى إلى، لأن المصلى يتوجه إلى الحجر الذى هو المقام، وينوى القبلة الكعبة، أو للابتداء، كقولك: رايته من ذلك المكان، أى انتهى شأنه منه إليك، أو من للتبعيض، أو للظرفية، على أن المقام الحرم، أو ما دار بالمطاف، لا الحجر خصوصاً، والمراد على كل وجه بالمصلى هو الموضع المختار لركعتى الطواف، ويستحب النفل والفرض فيه، إذا لم يعطل ركعتى الطواف، وذلك أنه اتخذ للصلاة مطلقا، وهو أربعون ذراعاُ شمالا ويمينا وخلفاً، والمقام موضع القيام، وهو ذلك الحجر، قام عليه عند بناء الكعبة يدور به إلى جهاتها، ويعلو به، وعند ندائه، أيها الناس، حجوا بيت ربكم تطاول حتى ساوى أبا قبيس، وعند غسل زوج إسماعيل رأسه، أعنى رأس إبراهيم، إذ زاره ولم يجده، أو زار الكعبة، والمحول له إلى موضعه اليوم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو مروى بسند ولو كان فيه ضعف، لا عمر، كما روى بسند ولو كان قويا، ولو احتمل أنه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه مطلقا بالبيت، فعلم عمر أن المراد جعله بين المصلى والكعبة أينما هو، فأخره إلى حيث هو اليوم. وروى أنه صلى الله عليه وسلم حديث : أخذ بيد عمر، فقال له: هذا الحجر مقام إبراهيم، فقال عمر: أفلا تتخذه مصلى، فقال: لم أومر بذلك، فلم تغب الشمس حتى نزلت الآية . تفسير : ويقال: كان داخل الكعبة ثم أخرج، وقيل: موضعه اليوم هو بيت إبراهيم يحوله إليه من البناء كل يوم، وقيل المقام الحرم، وقيل مواضع الحج والصلاة والدعاء عرفة والمزدلفة ومنى، ومواضع الرمى والصلاة فى ذلك دعاء، وقيل: الكعبة، أى موضع صلاة إليه، إذ يصلى إليها، ولا مقام إلا مقام إبراهيم عليه السلام، وهو مقام للمؤمنين كلهم على حد سواء، ولا وجه لنسبته للشافعى، ولا وجه للبناء فيه لأنه نقص منه ومن المسجد، ولا وجه لجعل مقام آخر لمالك، وآخر لأبى حنيفة، وآخر لأحمد، فإن ذلك زيادات فى الدين وتشرع فيه وبدعة، ونفص من الحرم المقام بالبناء، ومناقضة لمقام إبراهيم حتى إنه استوت الثلاثة عند العامة بمقام إبراهيم، ويفضلها عامة أهليها على مقام إبراهيم، وقد قال أمير مكة للسلطان حمود، وهو سلطان زنجبار، أعوام إقامته بمكة: أبنى مقاماً لك وللإباضية أهل مذهبك؟ فقال: لا تفعل، لأنه خلاف الشريعة، ولأنهم لا يقبلون ذلك عنى ولا عنك، ولا يقف فيه أحد منهم، فلذلك ونحوه قلت فيه: شعر : حَمُّودُنَا ابْنُ مُحَمَّدٍ وَشِيعَتُهُ ظَلُّ الْبَرِيَّةِ وَالْحَقُّ شَرِيعَتُهُ تفسير : القصيدة: {وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَٰعِيلَ} أصله إسمع إيل، أى بالله، ولقد علمت أن العبرية قريبة من العربية، والمعنى، أن إبراهيم قال، اسمع يا ألله دعائى بأن ترزقنى ولدا، فرزقه، فسماه إسماعيل، وهو قوى، ولو ضعفه بعض، واختار انه مطيع الله، والعهد إلى إبراهيم بالذات، وإلى إسماعيل بالواسطة، أمرناهما، وأمرهما علم عهد إليها، وفسر العهد إذ فيه معنى القول بقوله {أَنْ طَهِّرَا} أو يقد بأن طهرا {بَيْتِيَ} من الأوثان والأنجاس وما لا يليق والحائض والنفساء، وأهل الشرك، أى ابنياه على رسم ألا يكون فيه ذلك، كقولك، أدر جيب القميص، وأطل القلم، أى جىء بهذه الصفة من أول، أو أخلصاه {لِلطَّائِفِينَ} حوله، لا يعطلون عن الطواف، ولا يكون عنده من ليس أهلا للطواف، كالمشرك، وذلك على عمومه، وقال ابن جبير، الغرباء الوافدون حجاجا وزوارا {وَالْعَٰكِفِينَ} المقيمين عنده بالتوحيد والطاعة، وقال عطاء: الجالسون عنده بلا طواف، وقيل، المجاورون له من الغرباء، وقيل، المعتكفون فيه {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} جمع ساجد، والمراد بالركع السجود المصلون، وذكر الركوع والسجود لأنهما أقرب أحوال المصلى إلى الله تعالى. وقد أتم الله تطهيره من الأوثان، وكل ما لا يليق بنبينا صلى الله عليه وسلم، وأتم به عمارته بالطوف والعبادات، والصلاة المشتملة على الركوع مقدما، والسجود بعده على ترتيب لفظ الآية، لا كصلاة اليهود بلا ركوع، ولا كصلاة لا سجود فيها، ولا كصلاة يتقدم سجودها على ركوعها، كما قيل عن اليهود أيضا، ولا كصلاة مشركى العرب، يقولون، السجود مسبَّة، فيركعون ولا يسجدون.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ} عطف على {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ }تفسير : [البقرة: 124] والبيت من الأعلام الغالبة للكعبة كالنجم للثريا {مَثَابَةً لّلنَّاسِ} أي مجمعاً لهم قاله الخليل وقتادة ـ أو معاذاً وملجأ ـ قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أو مرجعاً يثوب إليه أعيان الزوار أو أمثالهم ـ قاله مجاهد وجبير ـ أو مرجعاً يحق أن يرجع ويلجأ إليه قاله بعض المحققين ـ أو موضع ثواب يثابون بحجه واعتماره ـ قاله عطاء ـ وحكاه الماوردي عن بعض أهل اللغة والتاء فيه وتركه لغتان كما في مقام ومقامة وهي لتأنيث البقعة ـ وهو قول الفراء والزجاج ـ وقال الأخفش: إن ـ التاء فيه للمبالغة كما في نسابة وعلامة، وأصله مثوبة على وزن مفعلة مصدر ميمي، أو ظرف مكان، واللام في الناس للجنس وهو الظاهر وجوز حمله على العهد أو الاستغراق العرفي، وقرأ الأعمش وطلحة (مثابات) على الجمع لأنه مثابة كل واحد من الناس لا يختص به أحد منهم {أية : سَوَاء ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} تفسير : [الحج: 25] فهو وإن كان واحداً بالذات إلا أنه متعدد باعتبار الإضافات، وقيل: إن الجمع بتنزيل تعدد الرجوع منزلة تعدد المحل أو باعتبار أن كل جزء منه مثابة، واختار بعضهم ذلك زعماً منه أن الأول يقتضي أن يصح التعبير عن غلام جماعة بالمملوكين ولم يعرف، وفيه أنه قياس مع الفارق إذ له إضافة المملوكية إلى كلهم لا إلى كل واحد منهم. {وَأَمْناً} عطف على {مَثَابَةً} وهو مصدر وصف به للمبالغة، والمراد موضع أمن إما لسكانه من الخطف؛ أو لحجاجه من العذاب حيث إن الحج يزيل ويمحو ما قبله غير حقوق العباد والحقوق المالية كالكفارة على الصحيح، أو للجاني الملتجيء إليه من القتل ـ وهو مذهب الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه ـ إذ عنده لا يستوفى قصاص النفس في الحرم لكن يضيق على الجاني ولا يكلم ولا يطعم ولا يعامل حتى يخرج فيقتل، وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه من وجب عليه الحد والتجأ إليه يأمر الإمام بالتضييق عليه بما يؤدي إلى خروجه فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحل فإن لم يخرج جاز قتله فيه، وعند الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه لا يستوفى من الملتجىء قصاص مطلقاً ولو قصاص الأطراف حتى يخرج ومن الناس من جعل ـ (أمنا) ـ مفعولاً ثانياً لمحذوف على معنى الأمر أي ـ واجعلوه أمنا ـ كما جعلناه مثابة وهو بعيد عن ظاهر النظم، ولم يذكر للناس هنا كما ذكر من قبل، اكتفاء به أو إشارة إلى العموم أي أنه أمن لكل شيء كائناً ما كان حتى الطير والوحش إلا الخمس الفواسق فإنها خصت من ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدخل فيه أمن الناس دخولاً أولياً. {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلًّى} عطف على جعلنا أو حال من فاعله على إرادة القول أي وقلنا أو قائلين لهم اتخذوا والمأمور به الناس كما هو الظاهر أو إبراهيم عليه السلام وأولاده كما قيل، أو عطف على اذكر المقدر عاملاً لـ {إِذْ}، أو معطوف على مضمر تقديره ثوبوا إليه {وَٱتَّخَذُواْ} وهو معترض باعتبار نيابته عن ذلك بين (جعلنا) و(عهدنا) ولم يعتبر الاعتراض من دون عطف مع أنه لا يحتاج إليه ليكون الارتباط مع الجملة السابقة أظهر، والخطاب على هذين الوجهين لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو صلى الله عليه وسلم رأس المخاطبين. و {مِنْ} إما للتبعيض أو بمعنى ـ في ـ أو زائدة ـ على مذهب الأخفش ـ والأظهر الأول، وقال القفال: هي مثل اتخذت من فلان صديقاً وأعطاني الله تعالى من فلان أخاً صالحاً، دخلت لبيان المتخذ الموهوب وتمييزه. و ـ المقام ـ مفعل من القيام يراد به المكان أي مكان قيامه وهو الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم عليه السلام حين ضعف من رفع الحجارة التي كان ولده إسماعيل يناوله إياها في بناء البيت، وفيه أثر قدميه قاله ابن عباس وجابر وقتادة وغيرهم، وأخرجه البخاري ـ وهو قول جمهور المفسرين ـ وروي عن الحسن أنه الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل عليه السلام تحت إحدى رجليه وهو راكب فغسلت أحد شقي رأسه ثم رفعته من تحتها وقد غاصت فيه ووضعته تحت رجله الأخرى فغسلت شقه الآخر وغاصت رجله الأخرى فيه أيضاً، أو الموضع الذي كان فيه الحجر حين قام عليه ودعا الناس إلى الحج ورفع بناء البيت، وهو موضعه اليوم ـ فالمقام ـ في أحد المعنيين حقيقة لغوية وفي الآخر مجاز متعارف ويجوز حمل اللفظ على كل منهما ـ كذا قالوا ـ إلا أنه استشكل تعيين الموضع بما هو الموضع بما هو الموضع اليوم لما في «فتح الباري» ((من أنه كان المقام أي الحجر من عهد إبراهيم عليه السلام لزيق البيت إلى أن أخره عمر رضي الله تعالى عنه إلى المكان الذي هو فيه الآن أخرجه عبد الرزاق بسند قوي، وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن مجاهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي حوله))، فإن هذا يدل على تغاير الموضعين سواء كان المحول رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عمر رضي الله تعالى عنه، وأيضاً كيف يمكن رفع البناء حين القيام عليه حال كونه في موضعه اليوم؟! وهو بعيد من الحجر الأسود بسبعة وعشرين ذراعاً، وأيضاً المشهور أن دعوة الناس إلى الحج كانت فوق أبـي قبيس فإنه صعده بعد الفراغ من عمارة البيت ونادى أيها الناس حجوا بيت ربكم فإن لم يكن الحجر معه حينئذ أشكل القول بأنه قام عليه ودعا وإن كان معه وكان الوقوف عليه فوق الجبل ـ كما يشير إليه كلام "روضة الأحباب"، وبه يحصل الجمع ـ أشكل التعيين بماهو اليوم وغاية التوجيه أن يقال لا شك أنه عليه السلام كان يحول الحجر حين البناء من موضع إلى موضع ويقوم عليه فلم يكن له موضع معين، وكذا حين الدعوة لم يكن عند البيت بل فوق أبـي قبيس فلا بد من صرف عباراتهم عن ظاهرها بأن يقال الموضع الذي كان الحجر في أثناء زمان قيامه عليه واشتغاله بالدعوة، أو رفع البناء لا حالة القيام عليه، ووقع في بعض الكتب أن هذا المقام الذي فيه الحجر الآن كان بيت إبراهيم عليه السلام، وكان ينقل هذا الحجر بعد الفراغ من العمل إليه، وأن الحجر/ بعد إبراهيم كان موضوعاً في جوف الكعبة، ولعل هذا هو الوجه في تخصيص هذا الموضع بالتحويل، وما وقع في «الفتح» من أنه كان المقام من عهد إبراهيم لزيق البيت معناه بعد إتمام العمارة فلا ينافي أن يكون في أثنائها في الموضع الذي فيه اليوم ـ كذا ذكره بعض المحققين فليفهم ـ. وسبب النزول ما أخرجه أبو نعيم من حديث ابن عمر: «حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد عمر رضي الله تعالى عنه فقال: يا عمر هذا مقام إبراهيم فقال عمر: أفلا نتخذه مصلى فقال: لم أومر بذلك فلم تغب الشمس حتى نزلت هذه الآية»تفسير : والأمر فيها للاستحباب إذ المتبادر من ـ المصلى ـ موضع الصلاة مطلقاً، وقيل: المراد به الأمر بركعتي الطواف لما أخرجه مسلم عن جابر: «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين، وقرأ الآية»تفسير : فالأمر للوجوب على بعض الأقوال، ولا يخفى ضعفه لأن فيه التقييد بصلاة مخصوصة من غير دليل وقراءته عليه الصلاة والسلام الآية حين أداء الركعتين لا يقتضي تخصيصه بهما، وذهب النخعي ومجاهد إلى أن المراد من مقام إبراهيم الحرم كله، وابن عباس وعطاء إلى أنه مواقف الحج كلها، والشعبـي إلى أنه عرفة ومزدلفة والجمار، ومعنى ـ اتخاذها مصلى ـ أن يدعى فيها ويتقرب إلى الله تعالى عندها، والذي عليه الجمهور، هو ما قدمناه أولاً، وهو الموافق لظاهر اللفظ ولعرف الناس اليوم وظواهر الأخبار تؤيده. وقرأ نافع وابن عامر {وَٱتَّخَذُواْ} بفتح الخاء على أنه فعل ماض، وهو حينئذ معطوف على {جَعَلْنَا} أي ـ واتخذ الناس ـ من مكان إبراهيم الذي عرف به وأسكن ذريته عنده ـ وهو الكعبة قبلة يصلون إليها. فالمقام مجاز عن ذلك المحل وكذا ـ المصلى ـ بمعنى القبلة مجاز عن المحل الذي يتوجه إليه في الصلابة بعلاقة القرب والمجاورة. {وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ} أي وصينا أو أمرنا أو أوحينا أو قلنا، والذي عليه المحققون أن العهد إذا تعدى بـ (إلى) يكون بمعنى التوصية، ويتجوز به عن الأمر، وإسمٰعيل علم أعجمي قيل: معناه بالعربية مطيع الله، وحكي أن إبراهيم عليه السلام كان يدعو أن يرزقه الله تعالى ولداً، ويقول: ـ اسمع إيل ـ أي استجب دعائي يا الله فلما رزقه الله تعالى ذلك سماه بتلك الجملة، وأراه في غاية البعد وللعرب فيه لغتان اللام والنون. {أَن طَهّرَا بَيْتِىَ} أي بأن طهرا على أن {أن} مصدرية وصلت بفعل الأمر بياناً للموصى المأمور به، وسيبويه وأبو علي جوزا كون صلة الحروف المصدرية أمراً أو نهياً والجمهور منعوا ذلك مستدلين بأنه إذا سبك منه مصدر فات معنى الأمر، وبأنه يجب في الموصول الإسمي كون صلته خبرية. والموصول الحرفي مثله، وقدروا هنا ـ قلنا ـ ليكون مدخول الحرف المصدري خبراً، ويردّ عليهم أولاً أن كونه مع الفعل بتأويل المصدر لا يستدعي اتحاد معناهما ضرورة عدم دلالة المصدر على الزمان مع دلالة الفعل عليه وثانياً: أن وجوب كون الصلة خبرية في الموصول الأسمى إنما هو للتوصل إلى وصف المعارف بالجمل وهي لا توصف بها إلا إذا كانت خبرية، وأما الموصول الحرفي فليس كذلك، وثالثاً: أن تقدير ـ قلنا ـ يفضي إلى أن يكون المأمور به القول، وليس كذلك، وجوز أن تكون {أن} هذه مفسرة لتقدم ما يتضمن معنى القول دون حروفه، وهو العهد، ويحتاج حينئذ إلى تقدير المفعول إذ يشترط مع تقدم ما ذكر كون مدخولها مفسراً لمفعول مقدر أو ملفوظ أي قلنا لهما شيئاً هو: أن طهرا والمراد من التطهير التنظيف من كل ما لا يليق فيدخل فيه الأوثان والأنجاس وجميع الخبائث وما يمنع منه شرعاً كالحائض؛ وخص مجاهد، وابن عطاء، ومقاتل، وابن جبير التطهير بإزالة الأوثان، وذكروا أن البيت كان عامراً على عهد نوح عليه السلام وأنه كان فيه أصنام على أشكال صالحيهم، وأنه طال/ العهد فعبدت من دون الله تعالى فأمر الله تعالى بتطهيره منها، وقيل: المراد بَخِّرَاهُ ونَظِّفاه وخلقاه وارفعا عنه الفرث والدم الذي كان يطرح فيه، وقيل: أخلصاه لمن ذكر بحيث لا يغشاه غيرهم فالتطهير عبارة عن لازمه، ونقل عن السدي أن المراد به البناء والتأسيس على الطهارة والتوحيد وهو بعيد. وتوجيه الأمر هنا إلى إبراهيم وإسمٰعيل لا ينافي ما في سورة الحج من تخصيصه بإبراهيم عليه السلام فإن ذلك واقع قبل بناء البيت كما يفصح عنه قوله تعالى: {أية : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ }تفسير : [الحج: 26] وكان إسمٰعيل حينئذ بمعزل من مثابة الخطاب، وظاهر أن هذا بعد بلوغه مبلغ الأمر والنهي، وتمام البناء بمباشرته كما ينبىء عنه إيراده إثر حكاية جعله مثابة وإضافة البيت إلى ضمير الجلالة للتشريف كـ {أية : نَاقَةُ ٱللَّهِ } تفسير : [الأعراف: 73] لا أنه مكان له تعالى عن ذلك علواً كبيراً. {لِلطَّائِفِينَ} أي لأجلهم فاللام تعليلية وإن فسر التطهير بلازمه كانت صلة له، و ـ الطائف ـ اسم فاعل من طاف به إذا دار حوله، والظاهر أن المراد كل من يطوف من حاضر أو باد ـ وإليه ذهب عطاء وغيره ـ وقال ابن جبير: المراد الغرباء الوافدون مكة حجاجاً وزواراً.{وَٱلْعَـٰكِفِينَ } وهم أهل البلد الحرام المقيمون عند ابن جبير، وقال عطاء: هم الجالسون من غير طواف من بلدي وغريب، وقال مجاهد: المجاورون له من الغرباء، وقيل: هم المعتكفون فيه {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} وهم المصلون جمع راكع وساجد، وخص الركوع والسجود بالذكر من جميع أحوال المصلي لأنهما أقرب أحواله إليه تعالى وهما الركنان الأعظمان وكثيراً ما يكنى عن الصلاة بهما ولذا ترك العطف بينهما ولم يعبر بالمصلين مع اختصاره إيذاناً بأن المعتبر صلاة ذات ركوع وسجود لا صلاة اليهود. وقدم الركوع لتقدمه في الزمان وجمعا جمع تكسير لتغير هيأة المفرد مع مقابلتهما ما قبلهما من جمعي السلامة وفي ذلك تنويع في الفصاحة، وخالف بين وزني تكسيرهما للتنويع مع المخالفة في الهيآت وكان آخرهما على فعول لأجل كونه فاصلة والفواصل قبل وبعد آخرها حرف قبله حرف مدّ ولين.

ابن عاشور

تفسير : تدرجُ في ذكر منقبة إبراهيم إذ جعل الله بيته بهذه الفضيلة. و(إذ) أضافها إلى جلالته فقال: (بيتي)، واستهلالٌ لفضيلة القبلة الإسلامية، فالواو عاطفة على {أية : ابتلى}تفسير : [البقرة: 124] وأعيدت (إذ) للتنبيه على استقلال القصة وأنها جديرة بأن تعد بنية أخرى، ولا التفات إلى حصول مضمون هذه بعد حصول الأخرى أو قبله إذ لا غرض في ذلك في مقام ذكر الفضائل، ولأن الواو لا تفيد ترتيباً. والبيت اسم جنس للمكان المتخذ مسكناً لواحد أو عدد من الناس في غرض من الأغراض، وهو مكان من الأرض يحيط به ما يميزه عن بقية بقعته من الأرض ليكون الساكن مستقلاً به لنفسه ولمن يتبعه فيكون مستقَراً له وكناً يكنه من البرد والحر وساتراً يستتر فيه عن الناس ومحطاً لأثاثه وشؤونه، وقد يكون خاصاً وهو الغالب وقد يكون لجماعة مثل دار الندوة في العرب وخيمة الاجتماع في بني إسرائيل، وقد يكون محيط البيت من حجر وطين كالكعبة ودار الندوة، وقد يكون من أديم مثل القباب، وقد يكون من نسيج صوف أو شعر قال تعالى: {أية : وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها}تفسير : [النحل: 80]، ولا يكون بيتاً إلا إذا كان مستوراً أعلاه عن الحر والقُر وذلك بالسقف لبيوت الحجر وبيوت الأديم والخيام. والبيت علم بالغلبة على الكعبة كما غلب النجم على الثريا. وأصل أل التي في الأعلام بالغلبة هي أل العهدية وذلك إذا كثر عهد فرد من أفراد جنس بين طائفة أو قوم صار اسم جنسه مع أل العهدية كالعلم له ثم قد يتعهدون مع ذلك المعنى الأصلي كما في النجم للثريا والكتاب للقرآن والبيت للكعبة، وقد ينسى المعنى الأصلي إما بقلة الحاجة إليه كالصعِق علم على خويلد بن نفيل وإما بانحصار الجنس فيه كالشمس. والكعبة بيت بناه إبراهيم عليه السلام لعبادة الله وحده دون شريك فيأوي إليه من يدين بالتوحيد ويطوف به من يقصد تعظيم الله تعالى ولذلك أضافه إلى الله تعالى باعتبار هذا المعنى كما قال: {أن طهرا بيتي للطائفين} وفي قوله: {أية : عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة}تفسير : [إبراهيم: 37] وقد عرفت الكعبة باسم البيت من عهد الجاهلية قال زهير:شعر : فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله رجالٌ بنوه من قريش وجُرهم تفسير : والمثابة مفعلة من ثاب يثوب إذا رجع ويقال مثابة ومثاب مثل مقامة ومقام، والمراد بالمثابة أنه يقصده الناس بالتعظيم ويلوذون به. والمراد من الناس سكان مكة من ذرية إسماعيل وكل من يجاورهم ويدخل في حلفهم، فتعريف الناس للجنس المعهود، وتعليق للناس بمثابة على التوزيع أي يزوره ناس ويذهبون فيخلفهم ناس. ولما كان المقصود من هذا ذكر منقبة البيت والمنة على ساكنيه كان الغرض التذكير بنعمة الله أن جعله لا ينصرف عنه قوم إلا ويخلفهم قوم آخرون، فكان الذين يخلفون الزائرين قائمين مقامهم بالنسبة للبيت وسكانه، ويجوز حمل تعريف الناس على العهد أي يثوب إليه الناس الذين ألفوه وهم كُمَّل الزائرين فهم يعودون إليه مراراً، وكذلك كان الشأن عند العرب. والأمن مصدر أخبر به عن البيت باعتبار أنه سبب أمن فجعل كأنه نفس الأمن مبالغة. والأمن حفظ الناس من الأضرار فتشريد الدعَّار وحراسة البلاد وتمهيد السبل وإنارة الطرق أمن، والانتصاف من الجناة والضرب على أيدي الظلمة وإرجاع الحقوق إلى أهلها أمن، فالأمن يفسر في كل حال بما يناسبه، ولما كان الغالب على أحوال الجاهلية أخذ القوي مال الضعيف ولم يكن بينهم تحاكم ولا شريعة كان الأمن يومئذ هو الحيلولة بين القوي والضعيف، فجعل الله لهم البيت أمناً للناس يومئذ أي يصد القوي عن أن يتناول فيه الضعيف قال تعالى: {أية : أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم}تفسير : [العنكبوت: 67] فهذه منة على أهل الجاهلية، وأما في الإسلام فقد أغنى الله تعالى بما شرعه من أحكامه وما أقامه من حكامه فكان ذلك أمناً كافياً. قال السهيلي فقوله تعالى: {أية : مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً}تفسير : [آل عمران: 97] إنما هو إخبار عن تعظيم حرمته في الجاهلية نعمة منه تعالى على أهل مكة فكان في ذلك مصلحة لذرية إسماعيل عليه السلام. وقد اختلف الفقهاء في الاستدلال بهذه الآية وأضرابها على حكم إقامة الحدود والعقوبات في الحرم وسيأتي تفصيلها عند قوله تعالى: {أية : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام}تفسير : [البقرة: 191] الآية وليس من غرض هذه الآية. والمراد من الجعل في الآية إما الجعل التكويني لأن ذلك قدره الله وأوجد أسبابه فاستقر ذلك بين أهل الجاهلية ويسرهم إلى تعظيمه، وإما الجعل أن أمر الله إبراهيم بذلك فأبلغه إبراهيم ابنه إسماعيل وبثه في ذريته فتلقاه أعقابهم تلقي الأمور المسلمة، فدام ذلك الأمن في العصور والأجيال من عهد إبراهيم عليه السلام إلى أن أغنى الله عنه بما شرع من أحكام الأمن في الإسلام في كل مكان وتم مراد الله تعالى، فلا يريبكم ما حدث في المسجد الحرام من الخوف في حصار الحجاج في فتنة ابن الزبير ولا ما حدث فيه من الرعب والقتل والنهب في زمن القرامطة حين غزاه الحسن ابن بهرام الجنابي (نسبة إلى بلدة يقال لها جنابة بتشديد النون) كبير القرامطة إذ قتل بمكة آلافاً من الناس وكان يقول لهم يا كلاب أليس قال لكم محمد المكي {أية : ومن دخله كان آمناً}تفسير : [آل عمران: 97] أيّ أمن هنا؟ وهو جاهل غبي لأن الله أراد الأمر بأن يجعل المسجد الحرام مأمناً في مدة الجاهلية إذ لم يكن للناس وازع عن الظلم، أو هو خبر مراد به الأمر مثل {أية : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}تفسير : [البقرة: 228]. وقوله: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} قرأه نافع وابن عامر بصيغة الماضي عطفاً على {جعلنا} فيكون هذا الاتخاذ من آثار ذلك الجعل فالمعنى ألهمنا الناس أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، أو أمرناهم بذلك على لسان إبراهيم فامتثلوا واتخذوه، فهو للدلالة على حصول الجعل بطريق دلالة الاقتضاء فكأنه قيل جعلنا ذلك فاتخذوا، وقرأه باقي العشرة بكسر الخاء بصيغة الأمر على تقدير القول أي قلنا اتخِذوا بقرينة الخطاب فيكون العامل المعطوف محذوفاً بالقرينة وبقي معموله كقول لبيد:شعر : فَعَلاَ فروعُ الأَيهقان وأطفلتْ بالجَلْهَتَيْن ظِبَاؤُها ونَعَامُها تفسير : أراد وباضت نعامها فإنه لا يقال لأفراخ الطير أطفال، فمآل القراءتين إلى مفاد واحد. ومقام إبراهيم يطلق على الكعبة لأن إبراهيم كان يقوم عندها يعبد الله تعالى ويدعو إلى توحيده، قال زيد بن عمرو بن نفيل:شعر : عذت بما عاذ به إبراهِمْ مُستقبِلَ الكعبةِ وهو قائمْ تفسير : وبهذا الإطلاق جاء في قوله تعالى: {أية : مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً}تفسير : [آل عمران: 97] إذ الدخول من علائق البيت، ويطلق مقام إبراهيم على الحَجَر الذي كان يقف عليه إبراهيم عليه السلام حين بنائه الكعبة ليرتفع لوضع الحجارة في أعلى الجدار كما أخرجه البخاري، وقد ثبتت آثار قدميه في الحَجَر. قال أنس بن مالك رأيتُ في المقام أَثَر أصابعه وأخمص قدميه غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم، وهذا الحجر يعرف إلى اليوم بالمقام، وقد ركع النبي صلى الله عليه وسلم في موضعه ركعتين بعد طواف القدوم فكان الركوع عنده من سنة الفراغ من الطواف. والمصلَّى موضع الصلاة وصلاتهم يومئذ الدعاء والخضوع إلى الله تعالى، وكان إبراهيم قد وضع المسجد الحرام حول الكعبة ووضع الحَجَر الذي كان يرتفع عليه للبناء حولها فكان المصلَّى على الحجر المسمى بالمقام فذلك يكون المصلى متخَذاً من مقام إبراهيم على كلا الإطلاقين. والقراءتان تقتضيان أن اتخاذ مقام إبراهيم مصلَّى كان من عهد إبراهيم عليه السلام ولم يكن الحَجَر الذي اعتلى عليه إبراهيم في البناء مخصوصاً بصلاة عنده ولكنه مشمول للصلاة في المسجد الحرام ولما جاء الإسلام بقي الأمر على ذلك إلى أن كان عام حجة الوداع أو عام الفتح دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجدَ الحرام ومعه عمر بن الخطاب ثم سنت الصلاة عند المقام في طواف القدوم. روى البخاري عن عمر ابن الخطاب أنه قال: «وافقت ربي في ثلاث: قلتُ يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}، وهذه الرواية تثير معنى آخر للآية وهي أن يكون الخطاب موجهاً للمسلمين فتكون جملة {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} معترضة بين جملة {جعلنا البيت مثابة للناس} وجملة {وعهدنا إلى إبراهيم} اعتراضاً استطرادياً، وللجمع بين الاحتمالات الثلاثة في الآية يكون تأويل قول عمر «فنزلت» أنه نزل على النبيء صلى الله عليه وسلم شَرْع الصلاة عند حَجَر المقام بعد أن لم يكن مشروعاً لهم ليستقيم الجمع بين معنى القراءتين واتخَذوا بصيغة الماضي وبصيغة الأمر فإن صيغة الماضي لا تحتمل غير حكاية ما كان في زمن إبراهيم وصيغة الأمر تحتمل ذلك وتحتمل أن يراد بها معنى التشريع للمسلمين، إعمالاً للقرآن بكل ما تحتمله ألفاظه حسبما بيناه في المقدمة التاسعة. وقوله: {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل}، العهد أصله الوعد المؤكد وقوعُه وقد تقدم آنفاً عند قوله تعالى: {أية : قال لا ينال عهدي الظالمين}تفسير : [البقرة: 124]، فإذا عدي بإلى كان بمعنى الوصية المؤكد على المُوصَى العمل بها فعهد هنا بمعنى أرسل عهداً إليه أي أرسل إليه يأخذ منهم عهداً، فالمعنى وأوصينا إلى إبراهيم وإسماعيل. وقوله: {أن طَهرا} أن تفسيرية لأن الوصية فيها معنى القول دون حروفه فالتفسير للقول الضمني والمفسِّر هو ما بعد (أن) فلا تقدير في الكلام ولولا قصد حكاية القول لما جاء بعد (أن) بلفظ الأمر، ولقال بتطهير بيتي إلخ. والمراد من تطهير البيت ما يدل عليه لفظ التطهير من محسوس بأن يحفظ من القاذورات والأوساخ ليكون المتعبِّد فيه مقبلاً على العبادة دون تكدير، ومِن تطهير معنوي وهو أن يُبْعَد عنه ما لا يليق بالقصد من بنائه من الأصنام والأفعال المنافية للحق كالعدوان والفسوق، والمنافية للمروءة كالطواف عرياً دون ثياب الرجال والنساء. وفي هذا تعريض بأن المشركين ليسوا أهلاً لعمارة المسجد الحرام لأنهم لم يطهروه مما يجب تطهيره منه قال تعالى: {أية : وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون}تفسير : [الأنفال: 34] وقال: {أية : أيا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس}تفسير : [لبتبة: 28]. والطائفون والعاكفون والراكعون والساجدون أصناف المتعبدين في البيت من طوافٍ واعتكاف وصلاة، وهم أصناف المتلبسين بتلك الصفات سواء انفردت بعض الطوائف ببعض هذه الصفات أو اجتمعت الصفات في طائفة أو طوائف، وذلك كله في الكعبة قبل وضع المسجد الحرام، وهؤلاء هم إسماعيل وأبناؤه وأصهاره من جرهم وكلّ من آمن بدين الحنيفية من جيرانهم. وقد جمع الطائف والعاكف جمع سلامة، وجمع الراكع والساجد جمع تكسير، تفنناً في الكلام وبعداً عن تكرير الصيغة أكثر من مرة بخلاف نحو قوله: {أية : مسلمات مؤمنات قانتات تائبات}تفسير : [التحريم: 5] الآية، وقوله: {أية : إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات}تفسير : [الأحزاب: 35] الآية، وقال ابن عرفة «جمع الطائفين والعاكفين جمع سلامة لأنه أقرب إلى لفظ الفعل بمنزلة يطوفون أي يجددون الطواف للإشعار بعلة تطهير البيت وهو قرب هذين من البيت بخلاف الركوع والسجود فإنه لا يلزم أن يكونا في البيت ولا عنده فلذلك لم يجمع جمع سلامة»، وهذا الكلام يؤذن بالفرق بين جمع السلامة وجمع التكسير من حيث الإشعار بالحدوث والتجدد، ويشهد له كلام أبي الفتح ابن جني في «شرح الحماسة» عند قول الأحوص الأنصارى:شعر : فإذا تزول تزول عن متخمِّط تُخشى بوادرُه على الأقران تفسير : قال أبو الفتح: «جاز أن يتعلق على ببوادر، وإنكان جمعاً مكسراً والمصدر إذا كسر بَعُد بتكسيره عن شبه الفعل، وإذا جاز تعلق المفعول به بالمصدر مكسراً نحو «مواعيد عرقوب أخاه» كان تعلق حرف الجر به أجوز». فصريح كلامه أن التكسير يبعد ما هو بمعنى الفعل عن شبه الفعل. وخولف بين الركوع والسجود زيادة في التفنن وإلا فإن الساجد يجمع على سجّد إلا أن الأكثر فيهما إذا اقترنا أن يخالف بين صيغتيهما قال كثير:شعر : لو يسمعون كما سمعت كلامها خروا لعزة ركعاً وسجودا تفسير : وقد علمتم من النحو والصرف أن جمع فاعل على فعول سماعي فمنه شهود وهجوع وهجود وسجود. ولم يعطف السجود على (الركع) لأن الوصفين متلازمان ولو عطف لتوهم أنهما وصفان مفترقان.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 125- واذكروا كذلك قصة بناء إبراهيم مع ابنه إسماعيل لبيت الله الحرام بمكة، وفى هذه القصة عظة بالغة لمن كان له قلب سليم، فلتذكروا إذ جعلنا هذا البيت ملاذاً للخلق ومأمناً لكل من يلجأ إليه، وإذ أمرنا الناس بأن يتخذوا من موضع قيام إبراهيم لبناء الكعبة مكاناً يصلون فيه، وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن يصونا البيت مما لا يليق بحرمته، وأن يهيئاه تهيئة صالحة لمن يَؤُمُّهُ من الطائفين والمعتكفين والمصلين. 126- واذكروا اذ طلب إبراهيم من ربه أن يجعل البلد الذى سينشأ حول البيت بلداً آمناً، وأن يرزق من ثمرات الأرض وخيراتها من آمن من أهله بالله واليوم الآخر، فأجابه الله بأنه لن يضنَّ على الكافر نفسه بالرزق فى أثناء حياته القصيرة، ثم يلجئه يوم القيامة إلى عذاب جهنم. ولبئس المصير.. مصير هؤلاء. 127- وإذ يرفع إبراهيم هو وابنه إسماعيل قواعد البيت وهما يدعوان الله: ربنا يا خالقنا وبارئنا تقبل منا هذا العمل الخالص لوجهك، فأنت السميع لدعائنا العليم بصدق نياتنا. 128- ربنا وفقنا واجعلنا مخلصين لك واجعل من ذريتنا جماعة مخلصة لك، وعلمنا طريقة عبادتنا لك فى بيتك الحرام وما حوله، وتب علينا إن نسينا أو أخطأنا إنك أنت كثير القبول لتوبة عبادك، الغافر لهم بفضلك ورحمتك.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: البيت: الكعبة التي هي البيت الحرام بمكة المكرمة. مثابة: مرجعاً يثوب إليه العُمَّارُ والحجاج. أمناً: مكاناً آمناً يأمن فيه كل من دخله. مقام ابراهيم: الحجر الذي كان قد قام عليه ابراهيم أيام كان يبني البيت وذلك أنه لما ارتفع البناء احتاج إبراهيم إلى حجر عال يرقى عليه ليواصل بناء الجدران فجيء بهذا الحجر فقام عليه فسمي مقام إبراهيم. مصلى: مكان يصلى فيه أو عنده أو إليه. عهدنا: وصينا وأمرنا. تطهير البيت: تنزيهه عن الأقذار الحسية كالدماء والأبوال ومعنوية كالشرك والبدع والمفاسد. اضطره: ألجئه مكرها إلى العذاب. معنى الآيتين: ما زال السياق في تذكير المشركين وأهل الكتاب معاً بأبي الأنبياء وإمام الموحدين إبراهيم عليه السلام، ومآثره الطيبة الحميدة، ومواقفه الإِيمانية العظيمة ليتجلى بذلك بطلان دعوى كل من أهل الكتاب والمشركين في انتسابهم إلى إبراهيم كذباً وزوراً إذ هو موحد وهم مشركون وهو مؤمن وهم كافرون فقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: اذكر لهم كيف جعلنا البيت مثابة للناس يثوبون إليه في كل زمان حجاجاً وعماراً، وأمناً دائما من دخله أمن على نفسه وماله وعرضه. وقلنا لمن حجوا البيت أو اعتمروا اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى فكان مِن سنةِ مَنْ طاف بالبيت أن يصلى خلف المقام ركعتين، كما أوصينا من قبل إبراهيم وولده إسماعيل بتطهير البيت من كل رجس معنوياً كالأصنام وعبادة غير الله تعالى أو حسياً كالأقذار والأوساخ من دم أو بول حتى يتمكن الطائفون والعاكفون والمصلون من أداء هذه العبادات بلا أي أذىً يلحقهم أو يضايقهم. هذا ما تضمنته الآية [125] أما الثانية [126] فقد تضمنت أمر الله تعالى لرسوله أن يذكر دعوة إبراهيم ربَّه بأن يجعل مكة بلداً آمناً من دخله يأمن فيه على نفسه وماله وعرضه، وأن يرزق أهله وسكانه المؤمنين من الثمرات وأن الله قد استجاب لإبراهيم دعوته إلا أن الكافرين لا يحرمون الرزق في الدنيا ولكن يحرمون الجنة في الدار الآخرة حيث يلجئهم تعالى مضطراً لهم إلى عذاب النار الغليظ وبئس هذا المصير الذي يصيرون إليه - وهو النار - من مصير. هداية الآيات: من هداية الآيتين: 1- منة الله تعالى بجعل البيت مثابة للناس وأمناً توجب حمد الله على كل مؤمن. 2- سنة صلاة ركعتين خلف المقام لمن طاف بالبيت. 3- وجوب حماية البيت والمسجد الحرام من أي ضرر يلحق من يوجد فيه من طائف وعاكف وقائم وراكع وساجد. 4- بركة دعوة إبراهيم لأهل مكة، واستجابة الله تعالى له دعوته فلله الحمد والمنة. 5- الكافر لا يحرم الرزق لكفره بل له الحق في الحياة إلا أن يحارب فيقتل أو يسلم. 6- مصير من مات كافراً إلى النار، لا محالة، والموت في الحرم لا يغني عن الكافر شيئاً.

القطان

تفسير : البيت: الحرم المكي. مثابة: مرجعا يثوب اليه الناس. مقام ابراهيم: هو الحجر الذي كان يقوم عليه حين بناء الكعبة، وقيل ان الحرم كله مقام ابراهيم. عهد: وصّى. في هذه الآيات يأتي الحديث عن ابراهيم واسماعيل، وعن البيت الحرام وشعائره، لتقدير الحقائق الخالصة في ادعاءات اليهود والنصارى والمشركين جميعا حول النسب الذي يمتُّ به ويحترمه أهل الكتاب ومشركو العرب، وهو ملة ابراهيم ونسبه ـ الى عقيدة المسلمين. اذكروا قصة بناء ابراهيم مع ابنه اسماعيل لبيت الله الحرام بمكة، اذ جعلنا هذا البيب للخلَف ملاذا ومأمنا، واذ امرنا الناس ان يتخذوا منه مكاناً يصلّون فيه. وعهدنا الى ابراهيم واسماعيل، اي وصيناهم، بتطهير البيت، وان يصوناه من كل رجس معنوي كالشرك بالله وعبادة الأصنام، أو رجس حسي كاللغو والرفث والتنازع فيه، وقت اداء العبادات. كما أوصيناهما ان يجعلاه مهيَّأً للناس للطواف والصلاة والسعي. ومقام ابراهيم الذي جاءت الاشارة اليه كان ملاصقاً للكعبة، وكان الحجاج أثناء الطواف يتزاحمون عنده، وربما حدث كثير من الانزعاج لبعضهم، مما حدا بالمسئولين ان يستفتوا العلماء لإبعاده قليلا. وقد افتى بذلك جمهور من العلماء فتمت زحزحته عن مكانه. وهناك من المفسرين من يقول: مقام ابراهيم هو الحرم جميعه، سماه الله بيته لأنه أمر المصلّين ان يتوجهوا في عبادتهم اليه. والحكمة في ذلك ان الناس في حاجة الى التوجه الى خالقهم لشكره والثناء عليه، لكنهم يعجزون عن التوجه الى "ذات مجردة" لا تنحصر في جهة، فعيّن الله لهم هذا البيت المقدس نسبة اليه. واذكروا اذ طلب ابراهيم الى ربه ان يجعل مكة، البلد الحرام، بلداً آمنا، وان يرزق مَن يحل فيه من ثمرات الأرض وخيراتها. هذا ما طلبه ابراهيم، فأجابه الله تعالى اليه. اما من كفر فإني انا العلي القدير، أُمتِّعه في هذه الحياة الدنيا القصيرة الأمد ثم أسوقه الى عذاب النار يوم القيامة. القراءات: قرأ نافع وابن عامر: "اتخذوا" بلفظ الماضي. وقرأ ابن عامر: "فأمتعه" من أمتع الرباعي.

د. أسعد حومد

تفسير : {إِبْرَاهِيمَ} {إِسْمَاعِيلَ} {لِلطَّائِفِينَ} {ٱلْعَاكِفِينَ} (125) - وَاذكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِهؤُلاءِ إِذْ جَعَلْنَا الكَعْبَةَ بَيْتاً حَرَاماً وَمَرجِعاً للنَّاسِ يَثُوبُونَ إِليهِ للعِبَادَةِ، وَيقْصِدُونَهُ لأَِدَاءِ المَنَاسِكِ فِيهِ، وَأَمَاناً لِلْخَائِفِينَ اللائِذِينَ بِهِ، لاحتِرَامِ النَّاسِ لَهُ، وَتَعْظِيمِهِمْ إِيَّاهُ، وَإِذْ أَوْحَينَا إِلى النَّاسِ أَنِ اتَّخِذُوا مِنَ المَكَانِ الذِي كَانَ إِبرَاهِيمُ يَقُومٌ عَلَيهِ، وَهُوَ يَبْنِي البَيْتَ، مُصَلىً. واذكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِهؤلاءِ إِذْ أَمَرْنَا وَوَصَّيْنَا إِبْرَاهِيمَ وَابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ أَنْ يُطَهِّرَا بَيتَ اللهِ (الكَعْبَة) مِنَ الأَقْذَارِ وَالأَرْجَاسِ وَالشِّرْكِ وَالأَوْثَانِ، لِلطَّائِفِينَ بِهِ، وَهُمْ آتُونَ مِنْ غُرْبَةٍ، وَلِلْعَاكِفِينَ المُقِيمِينَ فِيهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَلِلْمُصَلِّينَ الذِينَ يُؤَدُّونَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فِيهِ. (وَيَشْمَلُ الأَمْرُ تَطْهِيرَ البَيْتِ مِنَ الرِّجْسِ الحِسِّيِّ كَالرَّفَثِ وَاللَّغْوِ وَالتَّنَازُعِ فِيهِ حِينَ أَدَاءِ العِبَادَاتِ، كَالطَّوَافِ والسَّعْيِ وَالصَّلاةِ). مَثَابَةً - مَلْجَأً وَمَكَانَ أَمْنٍ. عَهِدْنا - وَصَّيْنَا وَأَمَرْنَا. العَاكِفِينَ - المُعْتَكِفِينَ، الذِينَ يِبْقُونَ فَتْرَةً لِلْعِبَادَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وضّحت لنا الآية التي سبقت أن اليهود قد انتفت صلتهم بإبراهيم عليه السلام .. بعد أن تركوا القيم والدين واتجهوا إلى ماديات الحياة .. أنتم تدعون أنكم أفضل شعوب الأرض لأنكم من ذرية إسحاق بن إبراهيم والعرب لهم هذه الأفضلية والشرف لأنهم من ذرية إسماعيل بن إبراهيم .. إذن فأنتم غير مفضلين عليهم .. فإذا انتقلنا إلى قصة بيت المقدس وتحول القبلة إلى الكعبة .. نقول إن ذلك مكتوب منذ بداية الخلق أن تكون الكعبة قبلة كل من يعبد الله. الحق سبحانه وتعالى يقول: {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً} [البقرة: 125] .. تأمل كلمة البيت وكلمة مثابة .. بيت مأخوذ من البيتوته وهو المأوى الذي تأوى إليه وتسكن فيه وتستريح وتكون فيه زوجتك وأولادك .. ولذلك سميت الكعبة بيتاً لأنها هي المكان الذي يستريح إليه كل خلق الله .. ومثابة يعني مرجعاً تذهب إليه وتعود .. ولذلك فإن الذي يذهب إلى بيت الله الحرام مرة يحب أن يرجع مرات ومرات .. إذن فهو مثابة له لأنه ذاق حلاوة وجوده في بيت ربه .. وأتحدى أن يوجد شخص في بيت الله الحرام يشغل ذهنه غير ذكر الله وكلامه وقرآنه وصلاته .. تنظر إلى الكعبة فيذهب كل ما في صدرك من ضيق وهم وحزن ولا تتذكر أولادك ولا شئون دنياك ولو ظلت جاذبية بيت الله في قلوب الناس مستمرة لتركوا كل شئون دنياهم ليبقوا بجوار البيت .. ولذلك كان عمر بن الخطاب حريصاً على أن يعود الناس إلى أوطانهم وأولادهم بعد انتهاء مناسك الحج مباشرة.. ومن رحمة الحق سبحانه أن الدنيا تختفي من عقل الحاج وقلبه .. لأن الحجيج في بيت ربهم .. وكلما كربهم شيء أو همهم شيء توجهوا إلى ربهم وهم في بيته فيذهب عنهم الهم والكرب .. ولذلك فإن الحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ ..} تفسير : [إبراهيم: 37]. أفئدة وليست أجساماً وتهوى أي يلقون أنفسهم إلى البيت .. والحج هو الركن الوحيد الذي يحتال الناس ليؤدوه .. حتى غير المستطيع يشق على نفسه ليؤدي الفريضة .. والذي يؤديه مرة ويسقط عنه التكليف يريد أن يؤديه مرة أخرى ومرات. إن من الخير أن تترك الناس يثوبون إلى بيت الله .. ليمحو الله سبحانه ما في صدورهم من ضيق وهموم مشكلات الحياة. وقوله تعالى: {مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً} [البقرة: 125] .. أمنا يعني يؤمّن الناس فيه .. العرب حتى بعد أن تحللوا من دين إسماعيل وعبدوا الأصنام كانوا يؤمنون حجاج بيت الله الحرام .. يلقي أحدهم قاتل أبيه في بيت الله فلا يتعرض له إلا عندما يخرج. والله سبحانه وتعالى يضع من التشريعات ما يريح الناس من تقاتلهم ويحفظ لهم كبرياءهم فيأتي إلى مكان ويجعله آمناً .. ويأتي إلى شهر ويجعله آمناً لا قتال فيه لعلهم حين يذوقون السلام والصفاء يمتنعون عن القتال. والكلام عن هذه الآية يسوقنا إلى توضيح الفرق بين أن يخبرنا الله أن البيت آمن وأن يطلب منا جعله آمناً .. إنه سبحانه لا يخبرنا بأن البيت آمن ولكن يطلب منا أن نؤمّن مَنْ فيه .. الذي يطيع ربه يؤمن من في البيت والذي لا يطيعه لا يؤمنه .. عندما يحدث هياج من جماعة في الحرم اتخذته ستاراً لتحقيق أهدافها .. هل يتعارض هذا مع قوله تعالى: {مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً} [البقرة: 125] .. نقول لا .. إن الله لم يعط لنا هذا كخبر ولكن كتشريع .. إن أطعنا الله نفذنا هذا التشريع وإن لم نطعه لا ننفذه. وقوله تعالى: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ..} [البقرة: 125] .. وهنا نقف قليلا فهناك مَقام بفتح الميم ومُقام بضم الميم .. قوله تعالى: {أية : يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ ..} تفسير : [الأحزاب: 13]. مَقام بفتح الميم اسم لمكان من قام .. ومُقام بضم الميم اسم لمكان من أقام .. فإذا نظرت إلى الإقامة فقل مُقام بضم الميم .. وإذا نظرت إلى مكان القيام فقل مقام بفتح الميم .. إذن فقوله تعالى: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ..} [البقرة: 125] بفتح الميم اسم المكان الذي قام إبراهيم فيه ليرفع القواعد من البيت ويوجد فيه الحجر الذي وقف إبراهيم عليه وهو يرفع القواعد. ولكن لماذا أمرنا الله بأن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى؟ لأنهم كانوا يتحرجون عن الصلاة فيه .. فالذي يصلي خلف المقام يكون الحجر بينه وبين الكعبة .. وكان المسلمون يتحرجون أن يكون بينهم وبين الكعبة شيء فيخلون من الصلاة ذلك المكان الذي فيه مقام إبراهيم .. ولذلك قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا نتخذ من مقام إبراهيم مصلى؟ وسؤال عمر ينبع من الحرص على عدم الصلاة وبينه وبين الكعبة عائق وهم لا يريدون ذلك .. ولما رأى عمر مكاناً في البيت ليس فيه صلاة يصنع فجوة بين المصلين أراد أن تعم الصلاة كل البيت .. فنزلت الآية الكريمة: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125]. وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد أمرنا أن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى .. فكأنه جل جلاله أقر وجود مكان إبراهيم في مكانه فاصلاً بين المصلين خلفه وبين الكعبة .. وذلك لأن مقام إبراهيم له قصة تتصل بالعبادة وإتمامها على الوجه الأكمل، والمقام سيعطينا حيثية الإتمام لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {أية : فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ..} تفسير : [آل عمران: 97]. إذن هناك آيات واضحة يريدنا الله سبحانه أن نراها ونتفهمها .. فمقام إبراهيم هو مكان قيامه عندما أمره الله برفع القواعد من البيت .. والترتيب الزمني للأحداث هو أن البيت وُجد أولاً .. ثم بعد ذلك رفعت القواعد ووضع الحجر الأسود في موقعه وقد وضعه إبراهيم عليه السلام. إن الله سبحانه وتعالى لا يريد أن يعطينا التاريخ بقدر ما يريد أن يعطينا العبرة؛ فقصة بناء البيت وقع فيها خلاف بين العلماء .. متى بني البيت؟ بعض العلماء جعلوا بداية البناء أيام إبراهيم وبعضهم يرى أنه من عهد آدم وفريق ثالث يقول إنه من قبل آدم .. وإذا حكمنا المنطق والعقل وقرأنا قول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} تفسير : [البقرة: 127]. نسأل ما هو الرفع أولاً؟ هو الصعود والإعلاء، فكل بناء له طول وله عرض وله ارتفاع .. وما دامت مهمة إبراهيم هي رفع القواعد فكأن هناك طولاً وعرضاً للبيت وإن إبراهيم سيحدد البعد الثالث وهو الارتفاع .. إن البيت كان موجوداً قبل إبراهيم .. ثم جاء الطوفان الذي غمر الأرض في عهد نوح فأخفى معالمه .. فأراد الله سبحانه وتعالى أن يظهره ويبين مكانه للناس. والكعبة ليست هي البيت ولكنها هي المكين الذي يدلنا على مكان البيت .. إذن فالذين فهموا من قوله تعالى: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ ..} تفسير : [البقرة: 127] .. بمعنى أن إبراهيم هو الذي بنى البيت .. نقول لهم إن البيت كان موجوداً قبل إبراهيم وأن مهمة إبراهيم اقتصرت على رفع القواعد لإظهار مكان البيت للناس .. ودليلنا على ذلك أنه الآن وقد ارتفع البناء حول الكعبة .. من يصلي على السطح لا يسجد للكعبة ولكنه يسجد لجوّ الكعبة .. ومن يصلي في الدور الأسفل يصلي أيضاً للكعبة لأن المكان غير المكين. ولعل أكبر دليل على ذلك من القرآن الكريم .. إن إبراهيم حين أخذ هاجر وابنها إسماعيل وتركهما في بيت الله الحرام، ولم يكن قد بنى الكعبة في ذلك الوقت .. ذكر البيت واقرأ قول الحق تبارك وتعالى في دعاء إبراهيم وهو يترك هاجر وطفلها الرضيع: {أية : رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ..} تفسير : [إبراهيم: 37]. يعني أن البيت كان موجوداً وإسماعيل طفل رضيع .. ولكن القواعد من البيت قد أقيمت بعد أن أصبح إسماعيل شاباً يافعاً يستطيع أن يعاون أباه في بناء الكعبة .. إذن فمكان بيت الله الحرام كان موجوداً قبل أن يبني إبراهيم عليه السلام الكعبة .. ولكن مكان البيت لم يكن ظاهراً للناس، ولذلك بين الله سبحانه وتعالى لإبراهيم مكان البيت حتى يضع له العلامة التي تدل الناس عليه .. واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً ..} تفسير : [الحج: 26]. إن كثيراً من المفسرين يخفى عليهم حقيقة ما جاء في القرآن .. والمفروض أننا حين نتعرض لقضية بناء البيت لابد أن نستعرض جميع الآيات التي وردت في القرآن الكريم حول هذه القصة .. ومنها قوله تبارك وتعالى: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [آل عمران: 96]. والكلام هنا عن البيت. والقول إنه وضع للناس. والناس هم آدم وذريته حتى تقوم الساعة .. وعلى ذلك لابد أن نفهم أن البيت ما دام وضع للناس فالناس لم يضعوه .. ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي وضعه وحدده، وعدل الله يأبى إلا أن يوجد البيت قبل أن يخلق آدم. ولذلك فإن الملائكة هم الذين وضعوه بأمر الله وحيث أراد الله لبيته أن يوضع .. والله مع نزول آدم إلى الأرض شرع التوبة وأعد هذا البيت ليتوب الناس فيه إلى ربهم وليقيموا الصلاة ويتعبدوا فيه. وعندما أراد إبراهيم أن يقيم القواعد من البيت كان يكفي أن يقيمها على قدر طول قامته، ولكنه أتى بالحجر ليزيد القواعد بمقدار ارتفاع الحجر .. ويريد الله سبحانه وتعالى بمقام إبراهيم واتخاذه مصلى أن يلفتنا إلى أن الإنسان المؤمن لابد أن يعشق التكليف .. فلا يؤديه شكلاً ولكن يؤديه بحب ويتحايل ليزيد تطوعاً من جنس ما فرض الله عليه. إن الحجر الموجود في مقام إبراهيم إنما هو دليل على عشقه عليه السلام لتكاليف ربه ومحاولته أن يزيد عليها. وإن الحجر الذي كان يقف عليه إبراهيم به حفر على شكل قدميه .. وهما بين قائل أن الحجر لان تحت قدمي إبراهيم من خشية الله .. وبين قائل إن إبراهيم هو الذي قام بحفر مكان في الحجر على هيئة قدميه .. حتى إذا وقف عليه ورفع يده إلى أعلى ما يمكن ليُعْلي القواعد من البيت كان توازنه محفوظاً. وقوله تعالى: {طَهِّرَا بَيْتِيَ ..} [البقرة: 125] دليل على أن البيت زالت معالمه تماماً وأصبح مثل سائر الأرض، فذبحت فيه الذبائح وألقيت المخلفات، فأمر الله سبحانه وتعالى أن يطهر هو وإسماعيل البيت من كل هذا الدنس ويجعله مكاناً لثلاث طوائف: "الطائفين" وهذه مأخوذة من الطواف وهو الدوران حول الشيء .. ولذلك يسمون شرطة الحراسة بالليل طوافة لأنهم يطوفون في الشوارع في أثناء الليل .. والله جل جلاله يقول: {أية : فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ} تفسير : [القلم: 19-20]. وهذه هي قصة الحديقة التي منع أولاد الرجل الصالح بعد وفاته حق الفقراء والمساكين فيها فأرسل الله سبحانه من طاف بها .. أي مشى في كل جزء منها فأحرق أشجارها .. فالطائف هو الذي يطوف .. "والعاكفين" هم المقيمون والرُّكَّع السجود" هم المصلون، فتطهير البيت للطواف به والإقامة والصلاة فيه .. وهو مطهر أيضاً لأنه سيكون قبلة للمسلمين لكل راكع أو ساجد في الأرض حتى قيام الساعة.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ: معناهُ يَحُجونَ إِليهِ. ويَثُوبونَ إِليهِ: معناهُ يَعُودُونَ إِليهِ ولا يَقْضُونَ فِيهِ وَطراً. تفسير : وقولهُ تعالى: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلام. فالمَقامُ بفتحِ الميمِ: الذي يُقامُ فيهِ. والمُقامُ بضمِ الميمِ: الإِقامةُ بالمكانِ. والمُصلّى: المُدعى. ويقال: المُصلى: عَرَفةٌ وجَمعٌ ومِنى. ويقال: الحجُ: كُلُّ مقام إبراهيم. تفسير : وقولهُ تعالى: {لِلطَّائِفِينَ وَٱلْعَاكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} فالعَاكِفونَ: المجاورونَ.

الأندلسي

تفسير : {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ} الظاهر أنه الكعبة. وقيل: جميع الحرم. {مَثَابَةً} أي مرجعاً ومكاناً يثوبون إليه والهاء في مثابة، قال الأخفش: للمبالغة لكثرة من يثوب إليه. {لِّلنَّاسِ} ظاهره العموم. {وَأَمْناً} أصله مصدر. وجعل البيت أمناً مبالغة لكثرة ما يقع فيه من الأمن والظاهر أن جعله "أمناً" هو في الدنيا، إذ كان العرب يقتتلون ويغير بعضهم على بعض ومكة آمنة من ذلك فيلقى الرجل قاتل أبيه فيها فلا يهيجه، فأمن الناس فيه والطير والوحش إلا الخمس الفواسق. {وَٱتَّخِذُواْ} قرىء - بكسر الخاء - أي: وقال الله اتخذوا، وهو أمر والمواجه به إبراهيم وذريته. وقرىء - بفتح الخاء - خبراً معطوفاً على جعلنا أي اتخذه الناس لاهتمام إبراهيم به وإسكانه ذريته فيه. والمقام مكان القيام. {مُصَلًّى} مكان صلاة. {وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا} يجوز أن تكون أن تفسيرية فسر بها العهد وإثبات كون أن مفسرة يقوله البصريون. وأنكر الكوفيون أن تكون أن تفسرية ويجوز أن تكون مصدرية، وصلت بفعل الأمر. نص سيبويه وغيره: على أن المصدرية توصل بفعل الأمر وفي هذا نظر لأنه إذا سبك من ذلك مصدراً فات معنى الأمر. وجميع ما ذكروا من ذلك محتمل ولا أحفظ من كلامهم عجبت من أن أضرب زيداً ولا يعجبني أن أضرب زيداً. والتطهير المأمور به هو التنظيف من كل ما لا يليق به من طرح القاذورات والانجاس وما لا يناسب كالأوثان والحيّض. إذ هو بيت عظيم من بيوت الله معدّ للعبادات. ولفظ بيتي يدل على سبق وجوده. للطائفين عام فيمن يطوف به من حاضر أو باد. والعاكفين المقيمين به. {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} وهم المصلون إذ الداخلون إلى الحرم اما طائف أو مقيم غير طائف أو مصل. وجمعاً جمع تكسير مقابلة لما قبلهما من جمع التصحيح تنويعاً في الفصاحة وخولف بين وزني تكسيرهما تنويعاً في الفصاحة أيضاً، وآخر السجود لأنه أنسب بالفواصل وعطفت تلك الصفتان لفرط التباين بينهما فلم يكن عطف في المتأخرتين لأن المقصود المصلون وان اختلفت الهيآت لأنهما يجمعهما شيء واحد وهي الصلاة وفي ذلك دلالة على جواز الصلاة فرضاً ونفلاً فيه.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم ندب هذه الأمة في اتخاذ مقام الخلة أشار بقوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125]، الإشارة فيها أن البيت هو القلب كما جاء أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام وقال: "حديث : يا داود فرغ بيتاً أسكن فيه فقال: وكيف يا رب فقال: فرغ لي قلبك"تفسير : وكذلك قوله تعالى: "حديث : لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن"تفسير : فمعناه إذ جعلنا القلب الإنساني مثابة يرجعون إليه طلابي وزواري، كما يرجعون إلى الكعبة في الصورة وأمنا للسالك من تصرفات الشيطان ومكائده حين بلغ منزل القلب، وحصل له سلوك مقاماته وإن الشيطان لا يقدر على دخول القلب؛ لأن القلب خزانة الحق والخزانة محروسة بحراسة قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن وإنما جولان الشيطان في ميادين الصدور لقوله تعالى: {أية : يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ}تفسير : [الناس: 5]. {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] يعني: إذا وصلتم إلى كعبة القلب اجعلوا مقام الخلة قبلة توجهكم فيكون قصدكم وذهابكم إلي لا إلى سواي اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم، وكانت ملته {أية : وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ}تفسير : [الصافات: 99]، ومما يدل على المعنى الذي جرى في الآية قوله تعالى: {وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} [البقرة: 125]، والإشارة فيها أنه لما شرف البيت بإضافة إلى نفسه لقوله بيتي أكرمه بكرامات مخصوصة عن غيره من المساجد: أولها: أنه كان أول بيت وضع الناس من بيوت الله تعالى. وثانيها: عين موضعة بمكة خير المواضع بإرسال جبريل عليه السلام وقد خلق الله تعالى موضع البيت بألفي عام. وثالثها: أمر الخليل عليه السلام ببنائه بيده. ورابعها: جعله مباركاً على زواره ومستقبليه. وخامسها: وهو سبب هداية لقوله تعالى: {أية : وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [آل عمران: 96]. وسادسها: جعله حرماً لا يصاد صيده ولا يقطع شجره. وسابعها: مأمنا لا تجد جانٍ يأوي إليه ويغفر ذنوب من دخل فيه قال تعالى: {أية : حَرَماً آمِناً}تفسير : [القصص: 57]. وثامنها: جعلها قبلة حبيبه، وقال: {أية : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [البقرة: 144]، وقبلة أمته {أية : وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}تفسير : [البقرة: 144]. وتاسعها: جعله حجة ركناً من أركان الإسلام وقال الله: {أية : عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}تفسير : [آل عمران: 97]. وعاشرها: جعله منزل الرحمة ومقسمها لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله في كل يوم وليلة مائة وعشرين رحمة تنزل على هذا البيت ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين ". تفسير : والحادي عشر: جعل طوافه عبادة وموجباً للرحمة. والثاني عشر: جعل النظر إليه عبادة وموجباً للرحمة. والثالث عشر: جعل جواره جوار الله. والرابع عشر: جعل محل الآيات البينات. الخامس عشر: جعل صلاة فيه كألف صلاة فيما سواه من المساجد. والسادس عشر: جعله ملجأ الخلق ومعاداً يعودون إليه لا يقضون منه وطراً كلما انصرفوا اشتاقوا إليه قال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً} [البقرة: 125]. السابع عشر: جعله مغناطيس القلوب بجذبها من المسافة البعيدة فالقلوب مشتاقة إليه وإلى أهله لما قال تعالى: {أية : فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ}تفسير : [إبراهيم: 37]. والثامن عشر: جعل له كرامة ظاهرة وآية مبينة أن الطير يقع على حيطانه ولا يطير فوقه ولا روث في حرمه مع كثرة الحمام. والتاسع عشر: جعله معظماً مبجلاً في الجاهلية والإسلام من لدن آدم عليه السلام إلى اليوم، وكانوا يعظمونه ويقصدونه ويزورونه ويقربون به أهل الأديان والملل كلها حتى الكفر والشرك. وعشرونها: جعل فيه الحجر الأسود وهو ياقوتة من يواقيت الجنة قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحجر الأسود يمين الله في أرضه"تفسير : شرفه الله بهذه الكرامة بما لا يحصى ولكن اقتصر على مخافة التطويل والإشارة في قوله تعالى: {وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} [البقرة: 125]، أنا عاهدنا معهما في الميثاق على تطهير القلب عن أدناس تعلقات الكونين واقتصار ملاحظة الأغيار فإنه بيتي، وإنما أضافه إلى نفسه ليكون مخصوصاً به عما سواه ولا يكون لغيره فيه مأوى ولا سكنى. ولو كان الأمر بالتطهر مقصوراً على بيت الكعبة لكفى الخطاب إلى أحدهما دون الآخر كقوله تعالى: {أية : وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ}تفسير : [الحج: 27]، فلما كان الأمر بذلك مشتملاً على تطهير كلا البيتين خاطبهما به، وأما الطائفون فواردات الحق وإلهاماته وإشاراته ومحادثاته ولوامع أنواره وطوالع أسراره ووفور مواهبه فحملتها بلسان قوم الأحوال، وهي التي تطوف حول القلوب المطهرة من الملوثات السليمة من الآفات، وأما المعاكفون فأنوار معرفته ومحبته وحقائق صفاته وأخلاقه فجملتها المقام فالأحوال تكون لأصحاب التلوين ولأرباب التميكن والمقام ولا يكون إلا لأرباب التمكين، وأما الركوع والسجود فإشارة إلى قلب الصفاء المطهرة وهي الإرادة والصدق والإخلاص والخضوع والخشوع والدعاء والتضرع والابتهال والانكسار والتواضع والخوف الرجاء والصفاء والوفاء والتسليم والرضا والخشية والهيبة والتوكل والتفويض فحملتها العبودية. ثم أخبر عن دعاء إبراهيم عليه السلام لمكة وأهلها من شرف البيت بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ * وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ} [البقرة: 126-127]، والإشارة فيها أنه كما كان في بدء أمر البيت أن آدم عليه السلام لما هبط إلى الأرض وفقد ما كان يجد من روائح ألطاف الحق في الجنة استوحش، فأنزل الله تعالى ياقوتة من يواقيت الجنة لها بابان باب شرقي وباب غربي، وفيها قناديل من الجنة فكذلك لما هبط الروح إلى أرض الجسد فقد ما كان يجد من روائح ألطاف الحق في جنة حضرة القدس استوحش فأنزل الله ياقوتة من يواقيت حضرة القدس لها بابان إلى حضرة رب العالمين يطلع منه شوارق الألطاف، وباب غربي إلى مغرب الجسد منه تخرج الشوارق إليه وفيه قناديل من جنة حضرة القدس، وهو العقل وأنزل حجرة الذرة المخاطبة بخطاب: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172]، منوراً بنور جواب {بَلَىٰ} وهو الإيمان الفطري وهو الحجر الذي لقمه كتاب العهد يوم الميثاق، وهو يمين الله في أرضه وهو الذي يلزم أن يصافح ويقال إيماناً بوعدك ووفاء بعهدك فلما كان أيام طوفان آفات الصفات البشرية الطفولية إلى أوان البلاغة ودار تنور الشهوة رفع بيت معمور القلب إلى السماء الرابع يعني حجب أستار خواص العناصر الأربع وأخفى حجر الذرة في أبي قبيس صفات النفس فلما أمر إبراهيم الروح بعد البلوغ ببيت القلب السكينة التي ينزل الله تعالى في قلوب عباده ولو كان نبياً من الأنبياء لقوله تعالى: {أية : أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [التوبة: 26]. وقال تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الفتح: 4] فجعل إسماعيل النفس المطمئنة المارة تجيء بأحجار أعمال الشريعة من جبال أركان الإسلام، وتناولها بيد الصدق إبراهيم الروح وهو بيتي إلى أن يبلغ موضع الحجر فنودي من أبي قبيس الهوى: وإن لك عندي وديعة فخذها مخلص حجر الذرة من أستار صفات النفس والهوى فوضعه مكانه وكان أبيض فلما لمسه حضيض اللذات الدنياوية ومشركوا الشهوات النفسانية في جاهلية الطفولية اسود، فلما أتما رفع قواعد بيت القلب رجعا إلى الحضرة بصدق النية وما سألا ربهما من الأجرة إلا تقبل العبودية: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} [البقرة: 127]، بما يحتاج إليه مما نعلم ومما لا نعلم. ثم أخبر تعالى عن صدق التجائهما وخلوص دعائهما بقوله تعالى: {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ}، والإشارة فيها أن إبراهيم الروح وإسماعيل النفس المطمئنة سألا ربهما بعد فراغهما من عمارة القلب أن يجعل سعيهما مشكوراً، ويجعلهما مسلمين منقادين للأحكام الظاهرة والباطنة، فأما الظاهرة: فهي أحكام الشريعة وأما الباطنة: فهي الأحكام الأزلية الحقيقية التي جف القلم بها قالا: {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ} أي: المتولدات منا من الصفات الروحانية والصفات النفسانية {أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ}، حتى لا يتحرك عرق منا إلا بانقياد أوامرك ونواهيك، ولا يخطر ببالنا خاطر إلا بإلهاماتك ودواعيك ولا يكون لنا خلق إلا تخلقنا به من أخلاقك {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا}؛ إذ لا سبيل إلى معرفة [مقتدراتك] إلا بإعلام [أوقاتك]، {وَتُبْ عَلَيْنَآ}، بتوفيق ترك حظوظنا والقيام بأداء حقوقك بعد القيام بجميع ما أمترنا حتى لا تلاحظ حركاتنا وسكناتنا، ونرجع إليك عن شهود أفعالنا واستجلاء أحوالنا لئلا يكون يخطر الشرك الخفي بوهم منا {إِنَّكَ أَنتَ}، وأنا بك لا بنا فلا يكون رجوعنا إلا إليك لأنك {ٱلتَّوَّابُ}، فارجع بنا إليك بك فراحمنا فإنك {ٱلرَّحِيمُ}. ثم أخبر تعالى عن إلحاحهما في الدعاء بقوله تعالى: {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ}، والإشارة فيها أن الرسول الخارجي لا يسمع من لم يكن له في القلب رسول قلبي بوارد من الحق سبحانه ويكون القلب به حياً كما قال تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [النمل: 80]، وقال تعالى: {أية : لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً}تفسير : [يس: 70]، فالقلب الحي بنور ورد الحق ليسمع بذلك النور كلام الرسول الخارجي ويفهمه ويقبله فسر القلب الذي هو قابل فيض نور وارد الحق يكون الرسول بين الحق والعبد، فيأخذ الأسرار والمعاني والحكم والمواعظ من نور وارد الحق ويبلغها إلى القلب والنفس وسائر الأمة المسلمة من الأوصاف والأخلاق. كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : واعظ الله في قلب كل مؤمن"تفسير : فمعنى الآية أفض على سر القلب أنوار وارد فضلك ليكون رسولاً في الآمة المسلمة من الأوصاف الإنسانية وأخلاقها وأعمالها منهم، فيأخذ رسالات أنوار وارداتك ويبلغ إليهم {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ}، بلسان الأنوار {آيَٰتِكَ}، وارداتك {وَيُعَلِّمُهُمُ} أسرار {ٱلْكِتَٰبَ}، ومعانيه وحقائقه ولطائفه {وَٱلْحِكْمَةَ}، وهي كل خير معنوي يؤتيهم الله بوارد فضله سراً فيخصه بذلك دليله قوله تعالى: {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}تفسير : [البقرة: 269]، فإن قيل على هذا كيف يعلمهم الحكمة النبي صلى الله عليه وسلم وأثبت أن الحكمة من مواهب الحق؟ فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه يعلمهم من الحكمة التي أتاه الله ويدعوهم بها إلى سبيل الحق بيانه قوله تعالى: {أية : ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ}تفسير : [النحل: 125]. وثانيهما: شرائط الإسلام وواجبات الشرع فيها يهدي الله قلوبهم ويفتح عليهم أبواب الحكمة لقوله تعالى: {أية : وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}تفسير : [التغابن: 11]، وقال تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ}تفسير : [الشورى: 52]، وقوله تعالى: {وَيُزَكِّيهِمْ}، فيه إشارة إلى أن تزكية أوصاف الخلق لا يمكن إلا بتحلية أخلاق الحق، وذلك أيضاً من أنوار وارد الفضل لقوله تعالى: {أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ}تفسير : [النور: 21]. {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ}، والعزيز هو المنيع الذي لا يهدي إليه إلا بهدايته ولا يوصل إليه إلا بجذبات عنايته {ٱلحَكِيمُ}، أي: ذو الحكمة يعني ليست الحكمة من صفات الخالق إنما هي من صفات الحق فمن لم يؤته الحكمة يكون على وصف جهولية {أية : إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}تفسير : [الأحزاب: 72]. ثم أخبر تعالى عن وصف من نبذ الملة وما فيه من العلة بقوله: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130]، إشارة إلى أنه من يرغب من ملة إبراهيم الروح وهي التوحيد بالكلية للحق، والتبرؤ عما سواه في تصحيح الخلة إلا النفس الأمارة التي من خصوصيتها الظلومية والجهولية فبجهلها لا يعرف قدر مقام الروح واختصاصه بالقرب واستحقاقه للخلة، ولا يعرف أيضاً خسته نفسها وعملها وضلالتها المذمومة، وإن هكلاها في هواها فترغب إلى متابعة هواها وتحصيل لذاتها وشهواتها وترغب عن مطاوعة الروح في طلب الحق {وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا} [البقرة: 130]، على كل شيء خلقناه {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [البقرة: 130]، لقبول نور الله الذي هو مخصوص به من العالمين في قبوله وإلى هذا أشار بقوله {أية : وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ}تفسير : [الأحزاب: 72]، فافهم جدّاً.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 33 : 46 - سفين عن أبي الهذيل عن سعيد بن جبير {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ} قال، يثوبون اليه، لا يقضون منه وطرا. [الآية 125]. 34 : 106 - سفين عن عبد الملك بن أبي سليمن عن مجاهد قال، قال عمر بن الخطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو اتخّذنا مِن مقام إبراهيم مصلى"تفسير : . فأنزل الله جل وعز {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. [الآية 125].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [125] 18- أنا هنَّاد بن السَّري، عن ابن أبي زائدة، أنا حُميد الطويل، عن أنس، عن عمر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام أبراهيم مصلى، فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}.

همام الصنعاني

تفسير : 121- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله تعالى: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}: [الآية: 125]، قال: مقامه: عَرَفة، وجَمْع، ومنى، ولا أعلمه إلاَّ وقد ذَكَرَ مَكَّة. 122- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً}: [الآية: 125]، قال: لا يَقْضُون مِنْهُ وَطراً. 123- عبد الرزّاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ}: [الأية: 125]، قالَ: مِنَ الشرك وعِبَادَةِ الأوْثانِ. 127- عبد الرزّاق: قال: أخبرنا الثوري، عن أبي الهذيل عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: {مَثَابَةً لِّلنَّاسِ}: [الآية: 125]، قال: يحجُّون، ثم يحُجُّون، لا يقضُون منْهُ وطَرراً. 128- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، في قوله تعالى: {مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ}: [الآية: 125]، قال: الحج كله مقام إبراهيم.