Verse. 133 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَاِذْ قَالَ اِبْرٰہٖمُ رَبِّ اجْعَلْ ھٰذَا بَلَدًا اٰمِنًا وَّارْزُقْ اَھْلَہٗ مِنَ الثَّمَرٰتِ مَنْ اٰمَنَ مِنْھُمْ بِاللہِ وَالْيَوْمِ الْاٰخِرِ۝۰ۭ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَاُمَتِّعُہٗ قَلِيْلًا ثُمَّ اَضْطَرُّہٗۗ اِلٰى عَذَابِ النَّارِ۝۰ۭ وَبِئْسَ الْمَصِيْرُ۝۱۲۶
Waith qala ibraheemu rabbi ijAAal hatha baladan aminan waorzuq ahlahu mina alththamarati man amana minhum biAllahi waalyawmi alakhiri qala waman kafara faomattiAAuhu qaleelan thumma adtarruhu ila AAathabi alnnari wabisa almaseeru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا قال إبراهيم رب اجعل هذا» المكان «بلدا آمنا» ذا أمن وقد أجاب الله دعاءه فجعله حرما لا يسفك فيه دم إنسان ولا يظلم فيه أحد ولا يصاد صيده ولا يختلي خلاه «وارزق أهله من الثمرات» وقد فعل بنقل الطائف من الشام إليه وكان أقفر لا زرع فيه ولا ماء «من آمن منهم بالله واليوم الآخر» بدل من أهله وخصهم بالدعاء لهم موافقة لقوله لا ينال عهدي الظالمين «قال» تعالى «و» ارزق «من كفر فَأُمَتِّعُهُ» بالتشديد والتخفيف في الدنيا بالرزق «قليلا» مدة حياته «ثم أضطره» ألجئه في الآخرة «إلى عذاب النار» فلا يجد عنها محيص «وبئس المصير» المرجع هي.

126

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو النوع الثالث من أحوال إبراهيم عليه السلام التي حكاها الله تعالى ههنا، قال القاضي: في هذه الآيات تقديم وتأخير، لأن قوله: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا } لا يمكن إلا بعد دخول البلد في الوجود، والذي ذكره من بعد وهو قوله: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ } تفسير : [البقرة: 128] وإن كان متأخراً في التلاوة فهو متقدم في المعنى، وههنا مسائل: المسألة الأولى: المراد من الآية دعاء إبراهيم للمؤمنين من سكان مكة بالأمن والتوسعة بما يجلب إلى مكة لأنها بلد لا زرع ولا غرس فيه، فلولا الأمن لم يجلب إليها من النواحي وتعذر العيش فيها. ثم إن الله تعالى أجاب دعاءه وجعله آمناً من الآفات، فلم يصل إليه جبار إلا قصمه الله كما فعل بأصحاب الفيل، وههنا سؤالان: السؤال الأول: أليس أن الحجاج حارب ابن الزبير وخرب الكعبة وقصد أهلها بكل سوء وتم له ذلك؟ الجواب: لم يكن مقصوده تخريب الكعبة لذاتها، بل كان مقصوده شيئاً آخر. السؤال الثاني: المطلوب من الله تعالى هو أن يجعل البلد آمناً كثير الخصب، وهذا مما يتعلق بمنافع الدنيا فكيف يليق بالرسول المعظم طلبها. والجواب عنه من وجوه، أحدها: أن الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين، كان ذلك من أعظم أركان الدين، فإذا كان البلد آمناً وحصل فيه الخصب تفرغ أهله لطاعة الله تعالى، وإذا كان البلد على ضد ذلك كانوا على ضد ذلك. وثانيها: أنه تعالى جعله مثابة للناس والناس إنما يمكنهم الذهاب إليه إذا كانت الطرق آمنة والأقوات هناك رخيصة. وثالثها: لا يبعد أن يكون الأمن والخصب مما يدعو الإنسان إلى الذهاب إلى تلك البلدة، فحينئذ يشاهد المشاعر المعظمة والمواقف المكرمة فيكون الأمن والخصب سبب اتصاله في تلك الطاعة. المسألة الثانية: {بَلَدًا آمِنًا } يحتمل وجهين. أحدهما: مأمون فيه كقوله تعالى: {أية : فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } تفسير : [القارعة: 7] أي مرضية. والثاني: أن يكون المراد أهل البلد كقوله: {أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82] أي أهلها وهو مجاز لأن الأمن والخوف لا يلحقان البلد. المسألة الثالثة: اختلفوا في الأمن المسؤول في هذه الآية على وجوه. أحدها: سأله الأمن من القحط لأنه أسكن أهله بواد غير ذي زرع ولا ضرع. وثانيها: سأله الأمن من الخسف والمسخ. وثالثها: سأله الأمن من القتل وهو قول أبو بكر الرازي، واحتج عليه بأنه عليه السلام سأله الأمن أولاً، ثم سأله الرزق ثانياً، ولو كان الأمن المطلوب هو الأمن من القحط لكان سؤال الرزق بعده تكراراً فقال في هذه الآية: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ } وقال في آية أخرى: {أية : رَبّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ امِنًا } تفسير : [ابراهيم: 35] ثم قال في آخر القصة: {أية : رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } تفسير : [ابراهيم: 37] إلى قوله: {أية : وَٱرْزُقْهُمْ مّنَ ٱلثَّمَرٰتِ } تفسير : [إبراهيم: 37] واعلم أن هذه الحجة ضعيفة فإن لقائل أن يقول: لعل الأمن المسؤول هو الأمن من الخسف والمسخ، أو لعله الأمن من القحط، ثم الأمن من القحط قد يكون بحصول ما يحتاج إليه من الأغذية وقد يكون بالتوسعة فيها فهو بالسؤال الأول طلب إزالة القحط وبالسؤال الثاني طلب التوسعة العظيمة. المسألة الرابعة: اختلفوا في أن مكة هل كانت آمنة محرمة قبل دعوة إبراهيم عليه السلام أو إنما صارت كذلك بدعوته فقال قائلون: إنها كانت كذلك أبداً لقوله عليه السلام: «حديث : إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض» تفسير : وأيضاً قال إبراهيم: {أية : رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ } تفسير : [إبراهيم: 37] وهذا يقتضي أنها كانت محرمة قبل ذلك، ثم إن إبراهيم عليه السلام أكده بهذا الدعاء، وقال آخرون: إنها إنما صارت حرماً آمناً بدعاء إبراهيم عليه السلام وقبله كانت لسائر البلاد والدليل عليه قوله عليه السلام: «حديث : اللهم إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة». تفسير : والقول الثالث: إنها كانت حراماً قبل الدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت به حراماً بعد الدعوة. فالأول: يمنع الله تعالى من الاصطلام وبما جعل في النفوس من التعظيم. والثاني: بالأمر على ألسنة الرسل. المسألة الخامسة: إنما قال في هذه السورة: {بَلَدًا آمِنًا } على التنكير وقال في سورة إبراهيم: {هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِنًا } على التعريف لوجهين. الأول: أن الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلداً، كأنه قال: اجعل هذا الوادي بلداً آمناً لأنه تعالى حكى عنه أنه قال: {أية : رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } تفسير : [إبراهيم: 37] فقال: ههنا اجعل هذا الوادي بلداً آمناً، والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلداً، فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذي صيرته بلداً ذا أمن وسلامة، كقولك: جعلت هذا الرجل آمناً. الثاني: أن تكون الدعوتان وقعتا بعد ما صار المكان بلداً، فقوله: {ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا } تقديره: اجعل هذا البلد بلداً آمناً، كقولك: كان اليوم يوماً حاراً، وهذا إنما تذكره للمبالغة في وصفه بالحرارة، لأن التنكير يدل على المبالغة، فقوله: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا } معناه: اجعله من البلدان الكاملة في الأمن، وأما قوله: {رَبّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِنًا } فليس فيه إلا طلب الأمن لا طلب المبالغة، وأما قوله: {وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ } فالمعنى أنه عليه السلام سأل أن يدر على ساكني مكة أقواتهم، فاستجاب الله تعالى له فصارت مكة يجبى إليها ثمرات كل شيء، أما قوله: {من آمن منهم } فهو يدل من قوله: {أَهْلِهِ } يعني وارزق المؤمنين من أهله خاصة، وهو كقوله: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } تفسير : [آل عمران: 97] واعلم أنه تعالى لما أعلمه أن منهم قوماً كفاراً بقوله: {أية : لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [البقرة: 124] لا جرم خصص دعاءه بالمؤمنين دون الكافرين وسبب هذا التخصيص النص والقياس، أما النص فقوله تعالى: {أية : فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [المائدة: 68] وأما القياس فمن وجهين: الوجه الأول: أنه لما سأل الله تعالى أن يجعل الإمامة في ذريته، قال الله تعالى: {أية : لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [البقرة: 124] فصار ذلك تأديباً في المسألة، فلما ميز الله تعالى المؤمنين عن الكافرين في باب الإمامة، لا جرم خصص المؤمنين بهذا الدعاء دون الكافرين ثم أن الله تعالى أعلمه بقوله: {فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً } الفرق بين النبوة ورزق الدنيا، لأن منصب النبوة والإمامة لا يليق بالفاسقين، لأنه لا بد في الإمامة والنبوة من قوة العزم والصبر على ضروب المحنة حتى يؤدي عن الله أمره ونهيه ولا تأخذه في الدين لومة لائم وسطوة جبار، أما الرزق فلا يقبح إيصاله إلى المطيع والكافر والصادق والمنافق، فمن آمن فالجنة مسكنه ومثواه، ومن كفر فالنار مستقره ومأواه. الوجه الثاني: يحتمل أن إبراهيم عليه السلام قوي في ظنه أنه إن دعا للكل كثر في البلد الكفار فيكون في غلبتهم وكثرتهم مفسدة ومضرة من ذهاب الناس إلى الحج، فخص المؤمنين بالدعاء لهذا السبب، أما قوله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر {فَأُمَتّعُهُ } بسكون الميم خفية من أمتعت، والباقون بفتح الميم مشددة من متعت، والتشديد يدل على التكثير بخلاف التخفيف. المسألة الثانية: أمتعه قيل: بالرزق، وقيل: بالبقاء في الدنيا، وقيل: بهما إلى خروج محمد صلى الله عليه وسلم فيقتله أو يخرجه من هذه الديار إن أقام على الكفر، والمعنى أن الله تعالى كأنه قال: إنك وإن كنت خصصت بدعائك المؤمنين فإني أمتع الكافر منهم بعاجل الدنيا، ولا أمنعه من ذلك ما أتفضل به على المؤمنين إلى أن يتم عمره فأقبضه ثم اضطره في الآخرة إلى عذاب النار، فجعل ما رزق الكافر في دار الدنيا قليلاً، إذ كان واقعاً في مدة عمره، وهي مدة واقعة فيما بين الأزل والأبد، وهو بالنسبة إليهما قليل جداً، والحاصل أن الله تعالى بين أن نعمة المؤمن في الدنيا موصولة بالنعمة في الآخرة، بخلاف الكافر فإن نعمته في الدنيا تنقطع عند الموت وتتخلص منه إلى الآخرة، أما قوله: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ } فاعلم أن في الإضطرار قولين: أحدهما: أن يفعل به ما يتعذر عليه الخلاص منه وههنا كذلك، كما قال الله تعالى: {أية : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا } تفسير : [الطور:13] و {أية : يَوْمٍ يَسْبَحُونَ فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ } تفسير : [القمر: 48] يقال: اضطررته إلى الأمر أي الجأته وحملته عليه من حيث كان كارهاً له، وقالوا: إن أصله من الضر وهو إدناء الشيء من الشيء، ومنه ضرة المرأة لدنوها وقربها. والثاني: أن الإضطرار هو أن يصير الفاعل بالتخويف والتهديد إلى أن يفعل ذلك الفعل اختياراً، كقوله تعالى: {أية : فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } تفسير : [البقرة: 173] [الأنعام: 145] [النحل: 115] فوصفه بأنه مضطر إلى تناول الميتة، وإن كان ذلك الأكل فعله فيكون المعنى: أن الله تعالى يلجئه إلى أن يختار النار والإستقرار فيها بأن أعلمه بأنه لو رام التخلص لمنع منه، لأن من هذا حاله يجعل ملجأ إلى الوقوع في النار، ثم بين تعالى أن ذلك بئس المصير، لأن نعم المصير ما ينال فيه النعيم والسرور، وبئس المصير ضده.

القرطبي

تفسير : وفيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {بَلَداً آمِناً} يعني مكة؛ فدعا لذرّيته وغيرهم بالأمن ورغد العيش. فروي أنه لما دعا بهذا الدعاء أمر الله تعالى جبريل فٱقتلع الطائف من الشام فطاف بها حول البيت أسبوعاً، فسُمِّيت الطائف لذلك، ثم أنزلها تِهامة؛ وكانت مكة وما يليها حين ذلك قَفْراً لا ماء ولا نبات، فبارك الله فيما حولها كالطائف وغيرها، وأنبت فيها أنواع الثمرات، على ما يأتي بيانه في سورة «إبراهيم» إن شاء الله تعالى. الثانية: ٱختلف العلماء في مكة هل صارت حَرَماً آمِناً بسؤال إبراهيم أو كانت قبله كذلك على قولين: أحدهما: أنها لم تزل حَرَماً من الجبابرة المسلّطين، ومن الخسوف والزلازل، وسائر المَثُلات التي تحل بالبلاد، وجعل في النفوس المتمرّدة من تعظيمها والهيبة لها ما صار به أهلها متميّزين بالأمن من غيرهم من أهل القرى. ولقد جعل فيها سبحانه من العلامة العظيمة على توحيده ما شوهد من أمر الصيد فيها؛ فيجتمع فيها الكلب والصيد فلا يَهيج الكلبُ الصيدَ ولا ينفر منه، حتى إذا خرجا من الحَرَم عدا الكلب عليه وعاد إلى النفور والهرب. وإنما سأل إبراهيم ربه أن يجعلها آمِناً من القَحْط والجَدْب والغارات، وأن يرزق أهله من الثمرات؛ لا على ما ظنه بعض الناس أنه المنع من سفك الدم في حق من لزمه القتل، فإن ذلك يبعد كونه مقصوداً لإبراهيم صلى الله عليه وسلم حتى يقال: طلب من الله أن يكون في شرعه تحريم قتل من التجأ إلى الحَرَم؛ هذا بعيد جداً. الثاني: أن مكة كانت حلالاً قبل دعوة إبراهيم عليه السلام كسائر البلاد، وأن بدعوته صارت حَرَما آمناً كما صارت المدينة بتحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمْناً بعد أن كانت حلالاً. احتج أهل المقالة الأولى بحديث ٱبن عباس قال «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرّمه الله تعالى يوم خلَق السموات والأرض فهو حرام بحُرْمة الله تعالى إلى يوم القيامة وإنه لم يَحِلَّ القتالُ فيه لأحد قبلي ولم يَحِلّ لي إلا ساعةً من نهار فهو حرام بحُرْمة الله إلى يوم القيامة لا يُعْضَد شَوْكُه ولا يُنَفَّر صيدُه ولا تُلتقط لُقَطته إلا من عَرّفها ولا يُخْتَلَى خلاها» فقال العباس: يا رسول الله إلاّ الإذْخِر فإنه لقَيْنهِم ولبيوتهم؛ فقال: «إلا الإذْخِر»»تفسير : . ونحوه حديث أبي شُريح، أخرجهما مسلم وغيره. وفي صحيح مسلم أيضاً عن عبد اللَّه بن زيد بن عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن إبراهيم حرّم مكة ودعا لأهلها وإني حرّمت المدينة كما حرّم إبراهيم مكة وإني دَعْوت في صاعها ومُدّها بمثْلَي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة»تفسير : . قال ٱبن عطية: «ولا تعارض بين الحديثين؛ لأن الأوّل إخبار بسابق علم الله فيها وقضائه؛ وكون الحُرْمة مدّة آدم وأوقات عمارة القطر بإيمان. والثاني إخبار بتجديد إبراهيم لحرمتها وإظهاره ذلك بعد الدُّثور، وكان القول الأول من النبي صلى الله عليه وسلم ثاني يوم الفتح إخباراً بتعظيم حُرمة مكة على المؤمنين بإسناد التحريم إلى الله تعالى، وذكر إبراهيم عند تحريم المدينة مثالاً لنفسه، ولا محالة أن تحريم المدينة هو أيضاً من قبل الله تعالى ومن نافذ قضائه وسابق علمه». وقال الطبري: كانت مكة حراماً فلم يتعبّد الله الخلق بذلك حتى سأله إبراهيم فحرّمها. الثالثة: قوله تعالى: {وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ} تقدّم معنى الرزق. والثمرات جمع ثمرة، وقد تقدّم. «مَنْ آمَنَ» بدل من أهل، بدل البعض من الكل. والإيمان: التصديق، وقد تقدّم. {قَالَ وَمَن كَفَرَ} «مَن» في قوله «وَمَنْ كَفَرَ» في موضع نصب؛ والتقدير وٱرزق من كفر، ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء، وهي شرط والخبر «فَأُمَتِّعُهُ» وهو الجواب. وٱختلِف هل هذا القول من الله تعالى أو من إبراهيم عليه السلام؟ فقال أُبَيّ بن كعب وٱبن إسحٰق وغيرهما: هو من الله تعالى، وقرأوا «فَأُمَتِّعُهُ» بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التاء. {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ} بقطع الألف وضم الراء، وكذلك القرّاء السبعة خلا ٱبن عامر فإنه سكّن الميم وخفّف التاء. وحكى أبو إسحٰق الزجاج أن في قراءة أُبَي «فنمتّعه قليلاً ثم نضطِّره» بالنون. وقال ٱبن عباس ومجاهد وقتادة: هذا القول من إبراهيم عليه السلام. وقرأوا «فأَمْتعه» بفتح الهمزة وسكون الميم، «ثم ٱضطرَّه» بوصل الألف وفتح الراء، فكأن إبراهيم عليه السلام دعا للمؤمنين وعلى الكافرين، وعليه فيكون الضمير في «قال» لإبراهيم، وأعيد «قال» لطول الكلام، أو لخروجه من الدعاء لقوم إلى الدعاء على آخرين. والفاعل في «قال» على قراءة الجماعة ٱسم الله تعالى، وٱختاره النحاس، وجعل القراءة بفتح الهمزة وسكون الميم ووصل الألف شاذة، قال: ونسق الكلام والتفسير جميعاً يدلاّن على غيرها؛ أمّا نسق الكلام فإن الله تعالى خبرّ عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً} ثم جاء بقوله عز وجلّ: {وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} ولم يفصل بينه بقال، ثم قال بعدُ: «قَالَ وَمَنْ كَفَرَ» فكان هذا جواباً من الله، ولم يقل بعدُ: قال إبراهيم. وأمّا التفسير فقد صح عن ٱبن عباس وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب. وهذا لفظ ٱبن عباس: دعا إبراهيم عليه السلام لمن آمن دون الناس خاصّة، فأعلم الله عز وجل أنه يرزق من كفر كما يرزق من آمن، وأنه يمتّعه قليلاً ثم يضطّره إلى عذاب النار. قال أبو جعفر: وقال الله عز وجل: {أية : كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ} تفسير : [الإسراء: 20] وقال جل ثناؤه: {أية : وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ}تفسير : [هود: 48]. قال أبو إسحٰق: إنما علم إبراهيم عليه السلام أن في ذرّيته كفاراً فخصَّ المؤمنين؛ لأن الله تعالى قال: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ}.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا} يريد به البلد، أو المكان. {بَلَدًا آمِنًا} ذا أمن كقوله تعالى: {أية : فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ }تفسير : [الحاقة: 21] أو آمناً أهله كقولك: ليل نائم {وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ مَنْ ءامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أبدل من {مَنْ ءامَنَ } {أَهْلِهِ} بدل البعض للتخصيص {قَالَ وَمَن كَفَرَ} عطف على من{آمن} والمعنى وارزق من كفر، قاس إبراهيم عليه الصلاة والسلام الرزق على الإِمامة، فنبه سبحانه على أن الرزق رحمة دنيوية تعم المؤمن والكافر، بخلاف الإمامة والتقدم في الدين. أو مبتدأ متضمن معنى الشرط {فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً} خبره، والكفر وإن لم يكن سبباً للتمتيع لكنه سبب لتقليله، بأن يجعله مقصوراً بحظوظ الدنيا غير متوسل به إلى نيل الثواب، ولذلك عطف عليه {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ} أي ألزه إليه لز المضطر لكفره وتضييعه ما متعته به من النعم، وقليلاً نصب على المصدر، أو الظرف. وقرىء بلفظ الأمر فيهما على أنه من دعاء إبراهيم وفي قال ضميره. وقرأ ابن عامر {فَأُمَتّعُهُ} من أمتع. وقرىء «فنمتعه» ثم نضطره، و «إضطره» بكسر الهمزة على لغة من يكسر حروف المضارعة، و «أضطره» بإدغام الضاد وهو ضعيف لأن حروف (ضم شفر) يدغم فيها ما يجاورها دون العكس. {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} المخصوص بالذم محذوف، وهو العذاب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا } المكان {بَلَدًا آمِنًا } ذا أمن وقد أجاب الله دعاءه فجعله حرماً لا يسفك فيه دم إنسان ولا يُظْلَم فيه أحد ولا يُصَاد صيده ولا يُخْتَلَى خلاه {وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ } وقد فعل بنقل (الطائف) من الشام إليه وكان أقفر لا زرع فيه ولا ماء { مَنْ ءامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} بدل من (أهله)، وخصهم بالدعاء لهم موافقة لقوله: (لا ينال عهدي الظالمين ) {قَالَ } تعالى{وَ} أرزق {مَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ } بالتشديد والتخفيف[فأمتعه] في الدنيا بالرزق {قَلِيلاً } مدة حياته {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ } أُلجئه في الآخرة {إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ } فلا يجد عنها محيصاً {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } المرجع هي.

الشوكاني

تفسير : قوله: {عَهِدْنَا } معناه هنا: أمرنا أو أوجبنا. وقوله: {أَن طَهّرَا } في موضع نصب بنزع الخافض، أي: بأن طهراً قاله الكوفيون، وقال سيبويه: هو: بتقدير أي: المفسرة: أي: أن طهراً، فلا موضع لها من الإعراب، والمراد بالتطهير قيل: من الأوثان، وقيل من الآفات، والريب. وقيل: من الكفار. وقيل: من النجاسات، وطواف الجنب، والحائض، وكل خبيث. والظاهر أنه لا يختص بنوع من هذه الأنواع، وأن كل ما يصدق عليه مسمى التطهير، فهو يتناوله، إما تناولاً شمولياً أو بدلياً. والإضافة في قوله: {بَيْتِىَ } للتشريف والتكريم، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق، وأهل المدينة، وهشام، وحفص «بيتي» بفتح الياء، وقرأ الآخرون بإسكانها. والطائف: الذي يطوف به. وقيل: الغريب الطارىء على مكة. والعاكف: المقيم: وأصل العكوف في اللغة: اللزوم، والإقبال على الشيء، وقيل: هو: المجاور دون المقيم من أهلها، والمراد بقوله: {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ } المصلون، وخص هذين الركنين بالذكر؛ لأنهما أشرف أركان الصلاة. وقوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ } ستأتي الأحاديث الدالة على أن إبراهيم هو الذي حرّم مكة، والأحاديث الدالة على أن الله حرّمها يوم خلق السموات والأرض، والجمع بين هذه الأحاديث في هذا البحث. وقوله: {بَلَدًا آمِنًا } أي: مكة، والمراد الدعاء لأهله من ذريته وغيرهم كقوله: {أية : عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } تفسير : [الحاقة: 21] أي: راض صاحبها. وقوله: {مَنْ ءامَنَ } بدل من قول أهلَه، أي: ارزق من آمن من أهله دون من كفر. وقوله: {وَمَن كَفَرَ } الظاهر أن هذا من كلام الله سبحانه ردّاً على إبراهيم حيث طلب الرزق للمؤمنين دون غيرهم، أي: وارزق من كفر، فأمتعه بالرزق قليلاً، ثم أضطره إلى عذاب النار، ويحتمل أن يكون كلاماً مستقلاً بياناً لحال من كفر، ويكون في حكم الإخبار عن حال الكافرين بهذه الجملة الشرطية، أي: من كفر، فإني أمتعه في هذه الدنيا بما يحتاجه من الرزق، {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ } بعد هذا التمتيع {إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ } فأخبر سبحانه أنه لا ينال الكفرة من الخير إلا تمتيعهم في هذه الدنيا، وليس لهم بعد ذلك إلا ما هو شرّ محض، وهو: عذاب النار؛ وأما على قراءة من قرأ: {فَأُمَتّعُهُ } بصيغة الأمر، وكذلك قوله: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ } بصيغة الأمر، فهي مبنية على أن ذلك من جملة كلام إبراهيم، وأنه لما فرغ من الدعاء للمؤمنين دعا للكافرين بالإمتاع قليلاً، ثم دعا عليهم بأن يضطرهم إلى عذاب النار. ومعنى: {أَضْطَرُّهُ } ألزمه حتى صيره مضطراً لذلك لا يجد عنه مخلصاً، ولا منه متحوّلاً. قوله: {وَإِذْ يَرْفَعُ } هو: حكاية لحال ماضية استحضاراً لصورتها العجيبة. والقواعد: الأساس، قاله أبو عبيدة والفراء. وقال الكسائي: هي الجدر. والمراد برفعها رفع ما هو مبنيّ فوقها لا رفعها في نفسها، فإنها لم ترتفع، لكنها لما كانت متصلة بالبناء المرتفع فوقها صارت كأنها مرتفعة بارتفاعه، كما يقال ارتفع البناء، ولا يقال ارتفع أعالي البناء، ولا أسافله. قوله: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا } في محل الحال بتقدير القول، أي: قائلين ربنا. وقرأ أبيّ، وابن مسعود: «وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل، ويقولان ربنا تقبل منا». وقوله: {وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } أي: اجعلنا ثابتين عليه، أو زدنا منه. قيل: المراد بالإسلام هنا مجموع الإيمان، والأعمال. وقوله: {وَمِن ذُرّيَّتِنَا } أي: واجعل من ذريتنا، و«من» للتبعيض، أو للتبيين. وقال ابن جرير: إنه أراد بالذرية العرب خاصة، وكذا قال السهيلي. قال ابن عطية: وهذا ضعيف؛ لأن دعوته ظهرت في العرب وغيرهم من الذين آمنوا به. والأمة: الجماعة في هذا الموضع، وقد تطلق على الواحد، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَـٰنِتًا لِلَّهِ }تفسير : [النحل: 120] وتطلق على الدين، ومنه: {أية : إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا على أمة}تفسير : [الزخرف: 22] وتطلق على الزمان، ومنه {أية : وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ }تفسير : [يوسف: 45]. وقوله: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا } هي من الرؤية البصرية. وقرأ عمر بن عبد العزيز، وقتادة، وابن كثير، وابن محيصن، وغيرهم: «أرنا» بسكون الراء، ومنه قول الشاعر:شعر : أرِنَا إدَاوةَ عَبْد الله يَمْلؤُهَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ إنَّ القَوْمَ قَدْ ظَمِئواُ تفسير : والمناسك جمع نسك، وأصله في اللغة: الغسل، يقال: نسك ثوبه: إذا غسله. وهو في الشرع: اسم للعبادة، والمراد هنا: مناسك الحج. وقيل مواضع الذبح. وقيل: جميع المتعبدات. وقوله: {وَتُبْ عَلَيْنَا } قيل: المراد بطلبهما للتوبة: التثبيت؛ لأنهما معصومان لا ذنب لهما. وقيل: المراد: تب على الظلمة منا. وقد أخرج ابن جرير، عن عطاء قال: {وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرٰهِيمَ } أي: أمرناه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَن طَهّرَا بَيْتِىَ } قال: من الأوثان. وأخرج أيضاً عن مجاهد، وسعيد بن جبير مثله، وزادوا الريب، وقول الزور، والرجس. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: إذا كان قائماً، فهو من الطائفين، وإذا كان جالساً، فهو من العاكفين، وإذا كان مصلياً، فهو من الركع السجود. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن الذين ينامون في المسجد فقال: هم العاكفون. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن إبراهيم حرَّم مكة، وإني حرّمت المدينة ما بين لابَتَيْها، فلا يصاد صيدها، ولا يقطع عضاهها»تفسير : كما أخرجه أحمد، ومسلم، والنسائي، وغيرهم من حديث جابر. وقد روي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق جماعة من الصحابة، منهم رافع بن خديج عند مسلم، وغيره، ومنهم أبو قتادة عند أحمد، ومنهم أنس عند الشيخين، ومنهم أبو هريرة عند مسلم، ومنهم عليّ بن أبي طالب عند الطبراني في الأوسط، ومنهم أسامة بن زيد عند أحمد، والبخاري، ومنهم عائشة عند البخاري. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن الله حرّم مكة يوم خلق السموات، والأرض، وهي حرام إلى يوم القيامة»تفسير : أخرجه البخاري تعليقاً، وابن ماجه من حديث صفية بنت شيبة. وأخرجه الشيخان، وغيرهما من حديث ابن عباس. وأخرجه الشيخان، وأهل السنن من حديث أبي هريرة، وفي الباب أحاديث غير ما ذكرنا، ولا تعارض بين هذه الأحاديث، فإن إبراهيم عليه السلام لما بلغ الناس أن الله حرّمها، وأنها لم تزل حرماً، آمناً نسب إليه أنه حرّمها، أي أظهر للناس حكم الله فيها، وإلى هذا الجمع ذهب ابن عطية، وابن كثير. وقال ابن جرير: إنها كانت حراماً، ولم يتعبد الله الخلق بذلك حتى سأله إبراهيم، فحرّمها، وتعبَّدهم بذلك. انتهى. وكلا الجمعين حسن. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن محمد بن مسلم الطائفي قال: بلغني أنه لما دعا إبراهيم للحرم فقال: {وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ } نقل الله الطائف من فلسطين. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم، والأزرقي، عن الزهري. وأخرج نحوه أيضاً الأزرقي عن بعض ولد نافع بن جبير بن مطعم. وقد أخرج الأزرقي نحوها مرفوعاً من طريق محمد بن المنكدر. وأخرج أيضاً عن محمد بن كعب القرظي قال: دعا إبراهيم للمؤمنين، وترك الكفار، ولم يدع لهم بشيء، قال الله: {وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ } الآية. وأخرج نحوه سفيان بن عيينة، عن مجاهد. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {مَنْ ءامَنَ بالله} قال: كأنّ إبراهيم احتجرها على المؤمنين دون الناس: فأنزل الله: {وَمَن كَفَرَ } أيضاً فأنا أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أخلق خلقاً لا أرزقهم؟ أمتعهم قليلاً، ثم أضطرهم إلى عذاب النار، ثم قرأ ابن عباس: {أية : كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء } تفسير : الآية [الإسراء: 20]. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال: قال أبَيّ بن كعب في قوله: {وَمَن كَفَرَ } أن هذا من قول الربّ. وقال ابن عباس: هذا من قول إبراهيم يسأل ربه أن من كفر، فأمتعه قليلاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: القواعد أساس البيت، وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، وابن جرير، وغيرهم عن سعيد بن جبير [عن ابن عباس]، قصة مطوّلة، وآخرها في بناء البيت. قال: فعند ذلك رفع إبراهيم القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر، فوضعه له، فقام عليه، وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ }. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ } قال: القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك. وقد أكثر المفسرون في تفسير هذه الآية من نقل أقوال السلف في كيفية بناء البيت، ومن أي أحجار الأرض بني، وفي أي زمان عرف، ومن حجه؟ وما ورد فيه من الأدلة الدالة على فضله، أو فضل بعضه كالحجر الأسود. وفي الدرّ المنثور من ذلك مالم يكن في غيره، فليرجع إليه، وفي تفسير ابن كثير بعض من ذلك، ولما لم يكن ما ذكروه متعلقاً بالتفسير لم نذكره. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سلام بن أبي مطيع في هذه الآية: {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } قال: كانا مسلمين، ولكن سألاه الثبات. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الكريم، قال: مخلصين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {وَمِن ذُرّيَّتِنَا } قال: يعنيان العرب. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: قال إبراهيم: ربّ، أرنا مناسكنا، فأتاه جبريل، فأتى به البيت، فقال: ارفع القواعد، فرفع القواعد، وأتمّ البنيان، ثم أخذ بيده، فأخرجه، فانطلق به نحو مِنىً، فلما كان عند العتبة، فإذا إبليس قائم عند الشجرة، فقال: كبر وارمه، فكبر ورماه، فذهب إبليس حتى أتى الجمرة الوسطى، ففعل به إبراهيم كما فعل في الأولى، ثم كذلك في الجمرة الثالثة، ثم أخذ جبريل بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام فقال: هذا المشعر الحرام، ثم ذهب حتى أتى به عرفات، قال: وقد عرفت ما أريتك؟ قالها ثلاثاً، قال: نعم. قال: فأذِّن في الناس بالحج، قال: وكيف أؤذن؟ قال: قل: ياأيها الناس، أجيبوا ربكم ثلاث مرات، فأجاب العباد: لبيك اللهم لبيك، فمن أجاب إبراهيم يومئذ من الخلق، فهو حاجّ. وأخرج ابن جرير من طريق ابن المسيب، عن عليّ؛ قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال: قد فعلت أي ربّ، فأرنا مناسكنا: أبرزها لنا عَلِّمْنَاها، فبعث الله جبريل، فحجّ به. وفي الباب آثار كثيرة عن السلف من الصحابة، ومن بعدهم تتضمن أن جبريل أرى إبراهيم المناسك، وفي أكثرها أن الشيطان تعرّض له كما تقدّم عن مجاهد. وقد أخرج ابن خزيمة، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس نحو ذلك، وكذلك أخرج عنه أحمد، وابن أبي حاتم، والبيهقي.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَنْ ءَامَنَ} إخبار من الله ـ تعالى ـ، أو من دعاء إبراهيم، ولم تزل مكة حرماً آمناً من الجبابرة والخوف والزلازل، فسأل إبراهيم أن يجعله آمناً من الجدب والقحط، وأن يرزق أهله من الثمرات، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:" حديث : إن الله حرم مكة يوم خلق الله السموات والأرض "تفسير : ، أو كانت حلالاً قبل دعوة إبراهيم، وإنما حرمت بدعوة إبراهيم عليه ـ الصلاة والسلام ـ، كما حرم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة فقال: "حديث : وإن إبراهيم قد حرم مكة وإني قد حرمت المدينة ".

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وإذ قال إبراهيم ربِّ اجعل هذا} إشارة إلى مكة وقيل إلى الحرم {بلداً آمناً} أي ذا أمن يأمن فيه أهله، وإنما دعا إبراهيم له بالأمن لأنه بلد ليس فيه زرع ولا ثمر فإذا لم يكن آمناً، لم يجلب إليه شيء من النواحي فيتعذر المقام به. فأجاب الله تعالى دعاء إبراهيم وجعله بلداً آمناً، فما قصده جبار إلا قصمه الله تعالى كما فعل بأصحاب الفيل وغيرهم من الجبابرة. فإن قلت: قد غزا مكة الحجاج وخرب الكعبة. قلت لم يكن قصده بذلك مكة ولا أهلها ولا إخراب الكعبة، وإنما كان قصده خلع ابن الزبير من الخلافة ولم يتمكن من ذلك إلا بذلك فلما حصل قصده أعاد بناء الكعبة فبناها وشيدها وعظم حرمتها وأحسن إلى أهلها. واختلفوا هل كانت مكة محرمة قبل دعوة إبراهيم عليه السلام أو حرمت بدعوته على قولين: أحدهما أنها كانت محرمة قبل دعوته بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض" تفسير : وقول إبراهيم عليه السلام: "إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم" فهذا يقتضي أن مكة كانت محرمة قبل دعوة إبراهيم. القول الثاني: أنها إنما حرمت بدعوة إبراهيم بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة" تفسير : وهذا يقتضي أن مكة كانت قبل دعوة إبراهيم حلالاً كغيرها من البلاد، وإنما حرمت بدعوة إبراهيم، ووجه الجمع بين القولين وهو الصواب أن الله تعالى حرم مكة يوم خلقها كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "حديث : إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض" تفسير : ولكن لم يظهر ذلك التحريم على لسان أحد من أنبيائه ورسله، وإنما كان تعالى يمنعها ممن أرادها بسوء، ويدفع عنها وعن أهلها الآفات والعقوبات فلم يزل ذلك من أمرها حتى بوأها الله تعالى إبراهيم وأسكن بها أهله فحينئذ سأل إبراهيم ربه عز وجل أن يظهر تحريم مكة لعباده على لسانه فأجاب الله تعالى دعوته، وألزم عباده تحريم مكة فصارت مكة حراماً بدعوة إبراهيم، وفرض على الخلق تحريمها والامتناع من استحلالها واستحلال صيدها وشجرها فهذا وجه الجمع بين القولين وهو الصواب، والله أعلم {وارزق أهله من الثمرات} إنما سأل إبراهيم ذلك لأن مكة لم يكن بها زرع ولا ثمر فاستجاب الله تعالى له وجعل مكة حرماً آمناً يجبي إليه ثمرات كل شيء {من آمن منهم بالله واليوم الآخر} يعني ارزق المؤمنين من أهله خاصة. وسبب هذا التخصيص أن إبراهيم عليه السلام لما سأل ربه عز وجل أن يجعل النبوة والإمامة في ذريته فأجابه الله بقوله: {أية : لا ينال عهدي الظالمين} تفسير : [البقرة: 124] صار ذلك تأديباً له في المسألة، فلا جرم خص ها هنا بدعائه المؤمنين دون الكافرين ثم أعلمه أن الرزق في الدنيا يستوي فيه المؤمن والكافر بقوله: {قال ومن كفر فأمتعه} أي سأرزق الكافر أيضاً {قليلاً} أي في الدنيا إلى منتهى أجله وذلك قليل لأنه ينقطع {ثم أضطره إلى عذاب النار} أي ألجئه وأكرهه وأدفعه إلى عذاب النار، والمضطر هو الذي لا يملك لنفسه الامتناع مما اضطر إليه {وبئس المصير} أي وبئس المكان الذي يصير إليه الكافر وهو العذاب.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً ءَامِناً...} قيل لابن عرفة: إنه دعا بصيرورته بلدا آمنا، فظاهره أنه لم يكن حينئذ بلدا فدعا (هنا بصيرورته بلدا ثم بعد حصوله بلدا دعا بما في) سورة إبراهيم؟ فقال: إنك تقول: رب اجعل هذا رجلا صالحا، فلم تدع بحصول الرجولية له بل بكونه صالحا. قيل له/ قد ذكروا في الجواب عن معارضة الآيتين أنه لم يكن حينئذ بلدا فدعا هنا بصيرورته ثم بعد حصوله بلدا دعا بما في سورة إبراهيم؟ فقال: الظاهر أنه كان في موطنين فقال أولا: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً ءَامِناً} ثم أعاد الدعاء في إبراهيم إما لأنه استجيب له وطلب دوام الأمن، أو تأخرت الإجابة وأعاد الدعاء تأكيدا، وإن كان ذلك منه في موطن (واحد) فيشكُل فهم الآيتين لأنه إن كان نطق به معرّفا فلِمَ حكى منكّرا، وإن قاله منكّرا فلِمَ حكي معرّفا؟ ومنهم من أجاب بأنه على حذف الصفة أي اجعل هذا البلد آمنا، وخص بعض ذريته بالدعاء دون بعض إما لأنه علم أن (فيهم) الظالمين أو لأن الله أوحى إليه بذلك أو لأن هذا اسلام أخص فخصص البعض (به دون البعض).

ابن عادل

تفسير : قال القاضي رحمه الله تعالى: في هذه الآيات تقديم وتأخير، لأن قوله: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً} لا يمكن إلاَّ بعد دخول البلد في الوجود، والذي ذكره من بعد وهو قوله: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ}تفسير : [البقرة:127] وإن كان متأخراً في التلاوة، فهو متقدم في المعنى. قوله تعالى: {ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً ءَامِناً} والجعل هنا يعني التَّصيير، فيتعدّى لاثنين فـ "هذا" مفعول أول و "بلداً" مفعول ثان، والمعنى: اجعل هذا البلد، أو هذا المكان، و "آمناً" صفة أي ذا أمن نحو: {أية : عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}تفسير : [الحاقة:21] أو آمناً من فيه نحو: ليلُهُ نائم. والبلد معروف، وفي تسميته قولان: أحدهما: أنه مأخوذ من البلد. والبلْد في الأصل: الصدر يقال: وضعت الناقة بَلْدَتَها إذا بركت، أي: صدرها، والبلد صدر القرى، فسمي بذلك. والثاني: أن البلد في الأصل الأثر، ومنه: رجل بليد لتأثير الجهل فيه. وقيل لبركة البعير: "بَلْدَة" لتأثيرها في الأرض إذا برك، قال الشاعر[الطويل] شعر : 783ـ أُنِيخَتْ فَأَلْقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ قَلِيلٌ بِهَا الأًصْوَاتُ إلاَّ بُغَامُها تفسير : إنما قال في هذه السورة "بَلَداً آمناً" على التنكير. وقال في سورة إبراهيم: {أية : هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً}تفسير : [إبراهيم:35] على التعريف لوجهين: الأول: أن الدعوة الأولى وقعت، ولم يكن المكان قد جعل بلداً، كأنه قال: اجعل هذا الوادي بلداً آمناً؛ لأنه ـ تعالى ـ حكى عنه أنه قال: {أية : رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ}تفسير : [إبراهيم:37]. فقال هاهنا اجعل هذا الوادي بلداً آمناً، والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلداً، فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذي صيّرته بلداً ذا أمن وسلامة، كقولك: جعلت هذا الرجل آمناً. الثاني: أن يكون الدعوتان وقعتا بعدما صار المَكَان بلداً، فقوله: {ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً ءَامِناً} تقديره: اجعل هذا البلد بلداً آمناً، كقولك: كان اليوم يوماً حارًّا، وهذا إنما تذكره للمبالغة في وصفه بالحرارة؛ لأن التنكير يدلّ على المبالغة، فقوله: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً} معناه: اجعله من البلدان الكاملة في الأمن، وأما قوله: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً} فليس فيه إلاَّ طلب الأمن لا طلب المبالغة، والله أعلم. فصل في المراد بدعاء سيدنا إبراهيم قيل: المراد من الآية دعاء إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ للمؤمنين من سكّان "مكة" بالأمن والتَّوْسعة بما يجلب إلى "مكة" فلم يصل إليه جَبّار إلا قَصَمَهُ الله ـ عز وجلّ ـ كما فعل بأصحاب الفيل. فصل في الرد على بعض الشُّبهات فإن قيل: أليس أن الحَجّاج حارب ابن الزبير، وخرب الكَعْبة، وقصد أهلها بكل سوء وتم له ذلك؟ فالجواب: لم يكن مقصوده تخريب الكعبة لذاتها، بل كان مقصوده شيئاً آخر. فإن قيل: ما الفائدة في قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً}تفسير : [إبراهيم:35]، وقد أخبر الله ـ تعالى ـ قبل ذلك بقوله تعالى: {أية : وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً}تفسير : [البقرة:125]؟ فالجواب: من وجوه: أحدها: أن الله ـ تعالى ـ لما أخبره بأنه جعل البيت مثابة للناس وأمناً، ووقع في خاطره أنه إنما جعل البيت وحده آمناً، فطلب إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن يكون الأمن بجميع البلد. وثانيها: أن يكون قوله تعالى: {أية : وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلبَيْتَ} تفسير : [البقرة:125] بعد قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلبَلَدَ ءَامِناً} تفسير : [إبراهيم:35] فيكون إجابة لدعائه، وعلى هذا فيكون مقدماً في التلاوة مؤخراً في الحكم. وثالثها: أن يكون المراد من الأَمْنِ المذكور في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً}تفسير : [البقرة:125] هو الأمن من الأعداء والخيف والخَسْف والمَسْخ، والمراد من الأمن في دعاء إبراهيم هو الأمن من القَحْط، ولهذا قال: {وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ}. فإن قيل: الأمن والخصب مما يتعلّق بمنافع الدنيا، فكيف يليق بالرسول المعظم طلبها؟ فجوابه من وجوه: أحدها: أن الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين كان ذلك من أعظم أركان الدين، وإذا كان البلد آمناً مخصباً تفرغ أهلها لطاعة الله ـ تعالى ـ وإذا كان ضد ذلك كانوا على ضد ذلك. وثانيها: أنه ـ تعالى ـ جعله مثابة للناس، والناس إنما يمكنهم الذَّهاب إليه إذا كانت الطرق آمنةً، والأقوات هناك رخيصة. وثالثها: أن الأمن والخِصْب مما يدعو الإنسان إلى الذهاب إلى تلك البلدة، فحينئذ يشاهد المشاعر العظيمة، والمواقف الكريمة، فيكون الأمن تتمّةً في تلك الطاعة. فصل في المراد بالأمن اختلفوا في الأمن المسؤول هنا فقيل: الأمن من القَحْط؛ لأنه أسكن ذرّيته بوادٍ غير ذي زرع ولا ضَرْع. وقيل: الأمن من الخَسْف والمَسْخ. وقيل: الأمن من القتل هو قول أبي بكر الرازي، واحتج عليه بأنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ سأله الأمن أولاً، ثم سأله الرِّزْق ثانياً. ولو كان المَطْلوب هو الأمن من القَحْط لكان سؤال الرِّزْق بعده تكرار، وقد يجاب بأنه: لعل الأمن المسؤول هو الأمن من الخَسْف والمَسْخ، أو لعله الأمن من القَحْط، ثم الأمن من القحط قد يكون بحصول ما يحتاج إليه من الأغذية، وقد يكون بالتَّوْسعة فيها، فهو بالسؤال الأول طلب إزالة القَحْطِ، وبالسؤال الثاني طلب التوسعة. قال القرطبي رحمه الله تعالى: دعا إبراهيم لذريته وغيرهم بالأمن، ورَغَدِ العيش. فروي أنه لما دعا بهذا أمر الله ـ تعالى ـ جبريل، فاقتلع "الطائف" من "الشام" فطاف بها حول البيت أسبوعاً، فسميت "الطائف" لذلك، ثم أنزلها "تهامة"، وكانت "مكة" وما يليها حين ذلك قَفْراً لا ماء فيها ولا نَبَاتَ، فبارك الله فيما حولها كالطائف وغيرها، وأنبت فيها أنواع الثَّمَرات. فصل في أنه متى صارت مكة آمنة؟ اختلفوا هل كانت مكة آمنة محرمة قبل دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أو إنما صارت كذلك بدعوته؟ فقالوا: إنها كانت كذلك أبداً لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : إنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ ". تفسير : قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {أية : رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ}تفسير : [إبراهيم:37] وهذا يقتضي أنها كان محرمة قبل ذلك، ثم إن إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ أكّده بهذا الدعاء. وقيل: إنها إنما صارت حرماً آمناً بدعاء إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ وقبله كانت كسائر البَلَدِ، والدليل عليه قوله عليه السلام: "حديث : اللَّهُمَّ إِنِّي حَرَّمْتُ المَدِيْنَةَ كَمَّا حَرَّمَ إِبْرَاهِيْمُ مَكَّةَ ". تفسير : وقيل: كانت حراماً قبل الدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت به حراماً بعد الدعوة. قوله: "مَنْ آمَنَ" بدل بعض من كلّ، [وهو "أَهْلَهُ"] ولذلك عاد فيه ضميره على المبدل منه، و"من" في "مِنَ الثَّمَرَاتِ" للتبعيض. وقيل: للبيان، وليس بشيء، إذ لم يتقدّم مبهم يبين بها. فصل في تخصيص المؤمنين بهذا الدُّعاء إنما خصَّ المؤمنين بهذا الدعاء لوجهين: الأول: أنه لما سأل الله ـ تعالى ـ أن يجعل الإمامة في ذرّيته، قال الله تعالى: {أية : لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [البقرة:124] فصار ذلك [تأديباً] في المسألة، فلما ميّز الله ـ تعالى ـ المؤمنين عن الكافرين في باب الإمامة، لا جرم خصّص المؤمنين بهذا الدُّعاء دون الكافرين. الثاني: يحتمل أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ـ قوي في ظنه أنه إن دعا للكلّ كثر في البلد الكفار، فيكون في كثرتهم مفسدة ومضرّة في ذهاب الناس إلى الحَجّ، فخصّ المؤمنين بالدعاء لهذا السبب. قوله: {وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ} يجوز في "من" ثلاثة أوجه. أحدها: أن تكون موصولة، وفي محلّها وجهان: أحدهما: أنها في محلّ نصب بفعل محذوف تقديره، قال الله: وأرزق من كفر، ويكون "فأمتعه" معطوفاً على هذا الفعل المقدر. والثاني: [من الوجهين]: أن يكون في محلّ رفع بالابتداء، و "فأمتعه" الخبر، دخلت الفاء في الخبر تشبيهاً له بالشرط. وسيأتي أن أبا البقاء يمنع هذا، والرد عليه. الثَّاني من الثلاثة الأوجه: أن تكون نكرة موصوفة ذكره أبو البقاء، والحكم فيها ما تقدّم من كونها في محلّ نصب أو رفع. الثالث: أن تكون شرطية، ومحلّها الرفع على الابتداء فقط، و "فَأُمَتِّعُهُ" جواب الشرط. ولا يجوز في "من" في جميع وجوهها أن تكون منصوبةً على الاشتغال. أما إذا كانت شرطاً فظاهر لأن الشرطية إنما يفسر عاملها فعل الشرط لا الجزاء، وفعل الشرط هنا غير ناصب لضميرها بل رافعة. وأما إذا كانت موصولة فلأن الخبر الذي هو "فأمتعه" شبيه بالجزاء، ولذلك دخلته الفاء، فكما أن الجزاء لا يفسر عاملاً فما أشبهه أولى بذلك، وكذا إذا كانت موصوفة فإن الصفة لا تفسر. وقال أبو البقاء: لا يجوز أن تكون "من" مبتدأ، و"فأمتعه" الخبر؛ لأن "الذي" لا تدخل "الفاء" في خبرها إلا إذا كان الخبر مستحقاً بالصلة نحو: الذي يأتيني فله درهم، والكُفْر لا يستحقّ به التمتع. فإن جعلت الفاء زائدة على قول الأخفش جاز، أو جعلت الخبر محذوفاً، و "فأمتعه" دليلاً عليه جاز تقديره: ومن كفر أرزقه فأمتعه. ويجوز أن تكون "من" شرطية، والفاء جوابها. وقيل: الجواب محذوف تقديره: ومن كفر أرزق، و "من" على هذا رفع بالابتداء، ولا يجوز أن تكون منصوبة؛ لأن أدوات الشرط لا يعمل فيها جوابها، بل فعل الشرط انتهى. أما قوله: "لأن الكفر لا يستحقّ به التمتّع" فليس بمسلّم، بل التمتُّع القليل والمصير إلى النار مستحقَّان بالكفر. وأيضاً فإن التمتُّع وإن سلّمنا أنه ليس مستحقّاً بالكفر؛ ولكن قد عطف عليه ما هو مستحقّ به، وهو المصير إلى النار، فناسب ذلك أن يقعا جميعاً خبراً. وأيضاً فقد ناقض كلامه؛ لأنه جوز فيها أن تكون شرطية، وهل الجزاء إلاَّ مستحق بالشرط، ومترتب عليه؟ فكذلك الخبر المشبه به. وأما تجويزه زيادة الفاء، وحذف الخبر، أو جواب الشرط فأوجه بعيدة لا حاجة إليها. وقرىء "أُمْتِعُهُ" مخفَّفاً من أمتع يمتع، وهي قراءة ابن عامر رضي الله عنه، و "فأمتعه" بسكون العين، وفيها وجهان: أحدهما: أنه تخفيف كقوله: [السريع] شعر : 784ـ فَاليَوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ......................... تفسير : والثاني: أن "الفاء" زائدة وهو جواب الشرط؛ فلذلك جزم بالسكون، وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد {فَأمْتِعْهُ ثُمَّ اضْطرَه} على صيغة الأمر فيهما، ووجهها أن يكون الضمير في "قال" لإبراهيم يعني سأل ربه ذلك و "من" على هذه القراءة يجوز أن تكون مبتدأ، وأن تكون منصوبة على الاشتغال بإضمار فعل سواء جعلتها موصولة أو شرطية، إلا أنك إذا جعلتها شرطية قدرت الناصب لها متأخراً عنها؛ لأن أداة الشرط لها صدر الكلام. وقال الزمخشري: "وَمَنْ كَفَر" عطف على "من آمن" كما عطف "ومن ذرّيتي" على الكاف في "جاعلك" قال أبو حيان: أما عطف "من كفر" على "من آمن" فلا يصح؛ لأنه يتنافى تركيب الكلام؛ لأنه يصير المعنى: قال إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ وارزق من كفر؛ لأنه لا يكون معطوفاً عليه حتى يشركه في العامل. "من آمن" العامل فيه فعل الأمر، وهو العامل في "ومن كفر"، وإذا قدرته أمراً تنافى مع قوله: "فأمتعه"؛ لأن ظاهر هذا إخبار من الله تعالى بنسبة التمتع، وإلجائهم إليه ـ تعالى ـ وأن كلاًّ من الفعلين تضمَّن ضميراً، وذلك لا يجوز إلاَّ على بعد بأن يكون بعد الفاء قول محذوف فيه ضمير لله تعالى، أي: قال إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ: وازرق من كفر، فقال الله: أمتعه قليلاً ثم أَضطره، ثم ناقض الزمخشري قوله هذا أنه عطف على "من" كما عطف "ومن ذريتي" على الكاف في "جاعلك". فقال: فإن قلت لم خص إبراهيم بذلك المؤمنين حتى رد عليه؟ فالجواب: قاس الرزق على الإمامة، فعرف الفرق بينهما بأن الإمامة لا تكون للظالم، وأما الرزق فربما يكون استدراجاً. والمعنى: قال: "وارزق من كفر فأمتعه" فظاهر قوله "والمعنى قال" أن الضمير في "قال" لله تعالى، وأن "من كفر" منصوب بالفعل المضارع المسند إلى ضمير المتكلم. و"قليلاً" نعت لمصدر محذوف أو زمان، وقد تقدم له نظائر واختيار سيبويه فيه. وقرأ الجمهور: "أَضْطَرُّهُ" خبراً. وقرأ يحيى بن وثاب بكسر الهمزة، ووجهها كسر حرف المضارعة كقولهم في أخال: إِخَال. وقرأ ابن محيصن "أطَّرَّه" بإدغام الضاد في الطاء، [نحو]: اطَّجع في اضطجع وهي مَرْذولة؛ لأن الضاد من الحروف الخمسة التي يدغم فيها، ولا تدغم هي في غيرها وهي حروف: ضغم شقر، نحو: اطجع في اضطجع، قاله الزمخشري، وفيه نظر؛ فإن هذه الحروف أدغمت في غيرها، أدغم أبو عمرو الدَّاني اللام في {أية : يَغْفِرْ لَكُم}تفسير : [نوح:4] والضاد في الشين: {أية : لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ}تفسير : [النور:62] والشين في السين: {أية : ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً}تفسير : [الإسراء:42]. وأدغم الكسائي الفاء في الباء: {أية : نَخْسِفْ بِهِمُ}تفسير : [سبأ:9]. وحكى سيبويه رحمه الله تعالى أن "مْضَّجَعاً" أكثر، فدلّ على أن "مطّجعاً" كثيرٌ. وقرأ يزيد بن أبي حبيب: "أَضطُرُّهُ" بضم الطاء كأنه للإتباع. وقرأ أبي: "فَنُمَتِّعُهُ ثُمَّ نَضْطَّرُّهُ" بالنون. واضطر افتعل من الضُّرِّ، وأصله: اضْتَرَّ، فأبدلت التاء طاء؛ لأن تاء الافتعال تبدل طاء بعد حروف الإطباق وهو متعدٍّ، وعليه جاء التنزيل؛ وقال: [البسيط] شعر : 785ـ إِضْطَرَّكَ الْحِرْزُ مِنْ سَلْمَى إِلَى أَجَإٍ ..................... تفسير : والاضطرار: الإلجاء والإلزاز إلى الأمر المكروه. قوله: "أُمَتِّعُهُ" قيل: بالرزق. وقيل: بالبقاء في الدنيا. وقيل: بهما إلى خروج محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيقتله أو يخرجهُ من هذه الديار إن قام على الكُفْر، [وقيد المتاع بالقلّة]؛ لأن متاع الدنيا قليلٌ بالنسبة إلى متاع الآخرة المؤبد. وفي الاضطرار قولان: أحدهما: أن يفعل به ما يتعذّر عليه الخلاص منه، كما قال الله تعالى: {أية : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا}تفسير : [الطور:13] و {أية : يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ}تفسير : [القمر:48] يقال اضطررته إلى الأمر أي: ألجأته [وحملته عليه] وقالوا: إن أصله من الضَّر؛ وهو إدناء الشيء، ومنه ضرة المرأة لدنوّها. الثاني: أن يصير الفاعل بالتخويف والتهديد إلى أن يفعل ذلك اختياراً، كقوله تعالى: {أية : فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ}تفسير : [البقرة:173] فوصفهُ بأنه مضطر إلى تناول الميتة، إن كان ذلك الأكل فعله، فيكون المعنى: أن الله ـ تعالى ـ يلجئه إلى أن يختار النار، ثم بيّن تعالى أن ذلك بئس المصير؛ لأن نعم المصير ما ينال فيه النعيم والسرور، وبئس المصير ضده. قوله: "وَبِئْسَ الْمَصِيرُ" المصير فاعل، والمخصوص بالذم محذوف، أي: النار ومصير: مفعل من صار يصير، وهو صالح للزمان والمكان. وأما المصدر فقياسه الفتح؛ لأن ما كسر عين مضارعه، فقياس ظرفيه الكسر ومصدره الفتح، ولكن النحويين اختلفوا فيما كانت عينه ياء على ثلاثة مذاهب. أحدها: كالصحيح [وقد تقدم]. والثاني: أنه مخير فيه. والثالث: أن يتبع المسموع فما سمع بالكسر أو الفتح لا يتعدّى، فإن كان "المصير" في الآية اسم مكان فهو قياسي اتفاقاً، والتقدير: وبئس المصير النّار كما تقدم، وإن كان مصدراً على رأي من أجازه فالتقدير: وبئس الصيرورة صيرورتهم إلى النَّار.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر أمر البيت الشريف فيما تكفل به سبحانه وفيما أمر به الخليل وولده عليهما السلام من تطهيره ذكر باهتمامه بأهله ودعائه لهم مبكتاً لمن عقّه من ذريته بالتصريح بكفرهم بيوم الجزاء الأمر بكل خير الزاجر عن كل ضير فقال: وإذ قال إبراهيم رب} فأسقط أداة البعد إنباء بقربه كما هو حال أهل الصفوة {اجعل هذا} أي الموضع الذي جعلت فيه بيتك وأمرتني بأن أسكنته من ذريتي. ولما كان السياق للمنع من المسجد وللسعي في خرابه وكان ذلك شاملاً بعمومه للبادي ولذلك قرر أنه مثابة للناس عامة وأمنٌ كان الأنسب تنكير البلد فقال: {بلداً} يأنس من يحل به {آمناً} إفصاحاً بما أفهمه { أية : وإذ جعلنا البيت } تفسير : [البقرة: 125] الآية، والمعنى أنكم عققتم أعظم آبائكم في دعوتيه كلتيهما: في كونه بلداً فإنه إذا انقطع الناس عن أهله خرب، وفي كونه آمناً، وهذا بخلاف ما يأتي في سورة إبراهيم عليه السلام. ولما ذكر القرار والأمن أتبعه الرزق وقال: {وارزق أهله} وقال: {من الثمرات}، ولم يقل: من الحبوب، لما في تعاطيها من الذل المنافي للأمن، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى سكة حرث فقال: " حديث : ما دخلت هذه بيتاً إلا ذل " تفسير : وقال: {من آمن منهم بالله} الجامع لصفات الكمال {واليوم الآخر} تقييداً لدعوة الرزق بما قيدت به دعوة الإمامة تأدباً معه حيث قال: { أية : لا ينال عهدي الظالمين } تفسير : [البقرة: 124] {قال} الله تعالى معلماً أن شمول الرحمانية بأمن الدنيا ورزقها لجميع عمرة الأرض {ومن كفر} أي أنيله أيضاً ما ألهمتك من الدعاء بالأمن والرزق، وعبر عن ذلك بقوله: {فأمتعه} تخسيساً له بما أفهمه لفظ المتاع بكونه كما مضى من أسماء الجيفة التي إنما هي منال المضطر على شعور يرفضه على قرب من مترجي الغناء عنها، وأكد ذلك بقوله: {قليلاً} لكن فيه إيماء إلى أنه يكون أطيب حالاً في الدنيا وأوسع رزقاً من المؤمن، وكذا في قوله: {ثم أضطره} بما لي من العظمة الباهرة {إلى عذاب النار} أي بما أستدرجه به من النعم الحاملة له على المعاصي التي هي أسباب النقم، وفي التعبير بلفظ الاضطرار إلى ما لا يقدم عليه أحد باختيار إشعار بإجبار الله خلقه على ما يشاء منهم من إظهار حكمته وأن أحداً لا يقدر على حركة ولا سكون إلا بمشيئته؛ والاضطرار الإلجاء إلى ما فيه ضرر بشدة وقسر. ولما كان التقدير: فبئس المتاع ما ذكر له في الدنيا، عطف عليه قوله: {وبئس المصير} أي العذاب له في الآخرة، وهو مفعل مما منه التصيير وهو التنقيل في أطوار وأحوال ينتهي إلى غاية تجب أن تكون غير حالة الشيء الأولى بخلاف المرجع. ولما ذكر بما مهده من أمر البيت ديناً ودنيا أتبعه ببنائه مشيراً إلى ما حباهم به من النعمة وما قابلوه به من كفرها باختيارهم لأن يكونوا من غير الأمة المسلمة التي دعا لها لما دعا للرسول فقال عاطفاً على {إذ ابتلى} تعديداً لوجوه النعم على العرب بأبيهم الأعظم استعطافاً إلى التوحيد {وإذ يرفع إبراهيم} أي اذكر الوقت الذي يباشر بالرفع {القواعد من البيت} قال الحرالي: عدّد تعالى وجوه عنايته بسابقة العرب في هذه الآيات كما عدد وجوه نعمته على بني إسرائيل في سابقة الخطاب، فكانت هذه في أمر إقامة دين الله، وكانت تلك في محاولة مدافعته، ليظهر بذلك تفاوت ما بين الاصطفاء والعناية، والقاعدة ما يقعد عليه الشيء أي يستقر ويثبت ويجوز أن يراد بها سافات البناء، لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه - قاله الأصبهاني. ولما أفرد الخليل عليه السلام بهذا الرفع إظهاراً لشرفه بكونه هو السبب الأعظم في ذلك عطف عليه ولده فقال: {وإسماعيل} أي يرفع القواعد أيضاً، ووصل بهذا العمل الشريف قوله: {ربنا} مراداً فيه القول محذوفاً منه أداة البعد: أي يقولان: {ربنا تقبل منا} أي عملنا بفضلك ولا ترده علينا، إشعاراً بالاعتراف بالتقصير لحقارة العبد وإن اجتهد في جنب عظمة مولاه. ولما تضمن سؤال القبول المشعر بخوف الرد علم الناقد البصير بالتقصير علله بقوله: {إنك} وأكده بقوله: {أنت السميع العليم} أي فإن كنت سمعت أو علمت منا حسناً فرده حسناً، وإن كنت سمعت أو علمت غير ذلك من نحو قول ناشىء عن اختلاج في النفس بما سببه كلال أو إعياء فاغفره. ولما سأل القبول سأل الزيادة عليه بقوله: {ربنا} على ما مضى من طرز دعاء المقربين بإسقاط أداة البعد {واجعلنا} أي أنا وابني هذا الذي أعانني {مسلمين لك ومن ذريتنا} قال الحرالي: لما تحقق مرجو الإيمان في ذريته في قوله: { من آمن منهم} [البقرة: 126] طلب التكملة بإسلام الوجه والمسألة له ولابنه ولمن رزق الإيمان من ذريته وذرية ابنه، فإن الإسلام لما كان ظاهر الدين كان سريع الانثلام لأجل مضايقة أمر الدنيا، وإنما يتم الإسلام بسلامة الخلق من يد العبد ولسانه والإلقاء بكل ما بيده لربه مما ينازع فيه وجود النفس ومتضايق الدنيا، ولذلك هو مطلب لأهل الصفوة في خاتمة العمر ليكون الخروج من الدنيا عن إلقاء للحق وسلام للخلق كما قال يوسف عليه السلام { أية : توفني مسلماً } تفسير : [يوسف: 101] وطلب بقوله: {أمة مسلمة لك} أن يكونوا بحيث يؤم بعضهم بعضاً. ولما كان المسلم مضطراً إلى العلم قال: {وأرنا مناسكنا} وفي ذلك ظهور لشرف عمل الحج حيث كان متلقي عن الله بلا واسطة لكونه علماً على آتي يوم الدين حيث لا واسطة هناك بين الرب والعباد. والمنسك مفعل من النسك وهو ما يفعل قربة وتديناً. تشارك حروفه حرف السكون - قاله الحرالي. ولما كان الإنسان محل العجز فهو أضر شيء إلى التوفيق قال: {وتب علينا} إنباء بمطلب التوبة أثر الحسنة كما هو مطلب العارفين بالله المتصلين بالحسنات رجّعا بها إلى من له الخلق والأمر، ثم علل طمعه في ذلك بأن عادته تعالى التطول والفضل فقال: {إنك أنت التواب} أي الرّجاع بعباده إلى موطن النجاة من حضرته بعد ما سلط عليهم عدوهم بغوايته ليعرفوا فضله عليهم وعظيم قدرته ثم أتبعه وصفاً هو كالتعليل له فقال: {الرحيم}. ولما طلب ما هو له في منصب النبوة من تعليم الله له المناسك بغير واسطة طلب لذريته مثل ذلك بواسطة من جرت العادة به لأمثالهم فقال: {ربنا وابعث فيهم} أي الأمة المسلمة التي من ذريتي وذرية ابني إسماعيل {رسولاً منهم} ليكون أرفق بهم وأشفق عليهم ويكونوا هم أجدر باتباعه والترامي في نصره، وذلك الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يبعث من ذريتهما بالكتاب غيره، فهو دعوة إبراهيم عليه السلام أبي العرب وأكرم ذريته؛ ففي ذلك أعظم ذم لهم بعداوته مع كونه مرسلاً لتطهيرهم بالكتاب الذي هو الهدى لا ريب فيه، وإليه الإشارة بقوله: {يتلوا} أي يقرأ متابعاً مواصلاً {عليهم آياتك} أي علاماتك الدالات عليك أعم من أن يكون نزل بها الكتاب أو استنبطت منه {ويعلمهم الكتاب} الكامل الشامل لكل كتاب "أوتيت جوامع الكلم" {والحكمة} وهي كل أمر يشرعه لهم فيحفظهم في صراطي معاشهم ومعادهم من الزيغ المؤدي إلى الضلال الموجب للهلاك. ولما كان ظاهر دعوته عليه السلام أن البعث في الأمة المسلمة كانوا إلى تعليم ما ذكر أحوج منهم إلى التزكية فإن أصلها موجود بالإسلام فأخر قوله: {ويزكيهم} أي يطهر قلوبهم بما أوتي من دقائق الحكمة، فترتقي بصفائها، ولطفها من ذروة الدين إلى محل يؤمن عليها فيه أن ترتد على أدبارها وتحرف كتابها كما فعل من تقدمها، والتزكية إكساب الزكاة، وهي نماء النفس بما هو لها بمنزلة الغذاء للجسم - قاله الحرالي. ولما ذكر سبحانه في سورة الجمعة بعثه في الأميين عامة اقتضى المقام تقديم التزكية التي رأسها البراءة من الشرك الأكبر ليقبلوا ما جاءهم من العلم، وأما تقديمها في آل عمران مع ذكر البعث للمؤمنين فلاقتضاء الحال بالمعاتبة على الإقبال على الغنائم الذي كان سبب الهزيمة لكونها إقبالاً على الدنيا التي هي أم الأدناس؛ ثم علل ذلك بقوله: {إنك أنت العزيز} أي الذي يغلب كل شيء ولا يغالبه شيء، لأن العزة كما قال الحرالي: الغلبة الآتية على كلية الظاهر والباطن، {الحكيم} أي الذي يتيقن ما أراد فلا يتأتى نقضه، ولا متصف بشيء من ذلك غيرك؛ وفي ذلك إظهار عظيم لشرف العلم وطهارة الأخلاق، وأن ذلك لا ينال إلا بمجاهدات لا يطيقها البشر ولا تدرك أصلاً إلا بجد تطهّره العزة وترتيب أبرمته الحكمة؛ هذا لمطلق ذلك فكيف بما يصلح منه للرسالة؟ وفيه إشارة إلى أنه يكبت أعداء الرسل وإن زاد عدهم وعظم جدهم. ويحكم أمورهم فلا يستطيع أحد نقض شيء منها. ولما كان التقدير: فمن يرغب في مخالفة من يرسله من هو بهذه الصفة عطف عليه قوله: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم} المستقيم الطريقة، الطاهر الخليقة، الشفيق على ذريته، الباني لهم أعظم المفاخر، المجتهد لهم في جليل المناقب والمآثر {إلا من سفه نفسه} أي امتهنها واحتقرها واستخف بها، أي فعل بها ما أدى إلى ذلك؛ وفي ذلك تعريض بمعاندي أهل الكتاب. قال الحرالي: والسفاهة خفة الرأي في مقابلة ما يراد منه من المتانة والقوة، وفي نصب النفس إنباء بلحاق السفاهة بكلية ذي النفس، لأن من سفهت نفسُه اختص السفه بها، ومن سفه نفسَه - بالنصب - استغرقت السفاهة ذاته وكليته وكان بدء ذلك وعاديته من جهة نفسه، يفهم ذلك نصبها، وذلك لأن الله عز وجل جعل النفس مبدأ كل شر أبداه في ذات ذي النفس، فإنه تعالى يعطي الخير بواسطة وبغير واسطة، ولا يُحذى الشر إلا بواسطة نفس ليكون في ذلك حجة الله على خلقه؛ وإنما استحق السفاهة من يرغب عن ملة إبراهيم لظهور شاهدها في العقل وعظيم بركتها في التجربة، لأن من ألقى بيده لم يؤاخذ في كل مرتبة من رتب الدنيا والآخرة، فلا عذر لمن رغب عن ذلك، لظهوره في شاهدي العقل والحس اللذين هما أظهر حجج الله على خلقه { أية : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } تفسير : [الأنعام: 83]. ولما كان التقدير: فلقد آتيناه من المزايا ما قدّمنا لكم مما لا يعدل عنه ذو مسكة عطف عليه قوله: {ولقد اصطفيناه} فذكره بمظهر العظمة تعظيماً له، فإن العبد يشرف بشرف سيده، وتشريفاً لاصطفائه فإن الصنعة تجل بجلالة مبدعها {في الدنيا} بما ذكرناه من كريم المآثر التي يجمعها إسلامه؛ وهو افتعال من الصفوة وهي ما خلص من اللطيف عن كثيفه ومكدره، وفي صيغة الافتعال من الدلالة على التعمد والقصد ما يزيد فيما أشير إليه من الشرف {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} وفي هذا أكبر تفخيم لرتبة الصلاح حيث جعله من المتصفين بها، فهو حقيق بالإمامة لعلو رتبته عند الله في الدارين، ففي ذلك أعظم ترغيب في اتباع دينه والاهتداء بهديه، وأشد ذم لمن خالفه؛ وكل ذلك تذكير لأهل الكتاب بما عندهم من العلم بأمر هذا النبي الكريم وما هو سبب له، وإقامة للحجة عليهم، لأن أكثر ذلك معطوف على {اذكروا} قوله: { أية : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي } تفسير : [البقرة: 122]. ولما ذكر إمامته ذكر ما يؤتم به فيه وهو سبب اصطفائه وصلاحه وذلك دينه، وما أوصى به عليه السلام بنيه، وما أوصى به بنوه بنيهم سلفاً لخلف ولا سيما يعقوب عليه السلام المنوه بنسبة أهل الكتاب إليه فقال: {إذ} أي اصطفيناه بعظمتنا لأنه قال له ربه أسلم} أي لإحسان ربك إليك، وحذف المفعول ليتناول كل ما يصح إسلامه إلى المسلم إليه وقصره عليه وتخلى المسلم عنه {قال أسلمت لرب العالمين} أي المحسن إليّ وإلى جميع الخلائق {ووصى بها} أي بهذه المقالة أو الوصية أو الخصلة التي اصطفاه الله بها، ولعله لم يذكر الضمير لئلا يوهم الرجوع إلى ربه؛ وقرىء "وأوصى" فهو من إيصاء والوصية وهي التقدم في الشيء النافع المحمود عاقبته، وقراءة التشديد أبلغ لدلالتها على التكرر والتكثر {إبراهيم بنيه ويعقوب} وصّى بها أيضاً بنيه فقال كل منهم: {يا بنيّ إن الله} بعظمته وكماله {اصطفى لكم الدين} وهو الإسلام، فأغناكم عن تطلبه وإجالة الفكر فيه رحمة منه لكم {فلا} أي فتسبب عن ذلك أني أقول لكم: لا {تموتن} على حالة من الحالات {إلا وأنتم} أي والحال أنكم {مسلمون} أي ملقون بأيديكم وجميع ما ينسب إليكم لله لا حظ لكم في شيء أصلاً ولا التفات إلى غير مولاكم، فإن من كمل افتقاره إلى الغني الحكيم أغناه بحسب ذلك. وقرر سبحانه بالآيات الآتية بطلان ما عليه المتعنتون من اليهودية والنصرانية، وبرّأ خليله والأنبياء من ذلك على وجه أوجب القطع بأنهم عالمون ببطلانه. ذكر قصة إبراهيم عليه السلام من التوراة: ذكر في السفر الأول منها أنه إبراهيم بن تارح بن ناحور بن شارغ بن آرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح؛ لأنه قال في التوراة: لما أتت على سام مائة سنة ولد له أرفخشد فأتت عليه خمس وثلاثون سنة فولد له شالاح وسماه في موضع آخر شالح، فأتت عليه ثلاثون سنة فولد له عابر فأتت عليه أربع وثلاثون سنة فولد له فالغ، فأتت عليه ثلاثون سنة فولد له آرغُو، فأتت عليه اثنتان وثلاثون سنة فولد له شارغ فأتت عليه ثلاثون سنة فولد له ناحور، فأتت عليه تسع وعشرون سنة فولد له تارَح فأتت عليه خمس وسبعون سنة فولد له إبرم وناحور وهاران. وخالفه في الإنجيل بعض المخالفة فقال في إنجيل لوقا: ناحور بن شارغ بن أرغو بن فالغ بن عابر بن صالا بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح؛ ونوح على ما قال في التوراة ابن لمك بن متوشلح بن خَنُوخ بن يارذ بن هليل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام. وهكذا قال في أثناء إنجيل لوقا إلا أنه قال في لمك: لامك، وفي يارذ: يرذ بن مهلالاييل. ثم قال في التوراة: وولد هاران لوطاً، ومات هاران في حياة أبيه تارح في الأرض التي ولد فيها وهي أور الكلدانيين - وفي نسخة: الكزدانيين - "فتزوج إبرم سُرّى وكانت عاقراً فلم يولد لها ولد، فانطلق تارح بابنه إبرم وبلوط ابن ابنه هاران وبكَنّته سرى من أور الكلدانيين متيمماً أرض كنعان، فانتهوا إلى حرّان فسكنوها، فتوفي تارح بحرّان عن مائتي سنة وخمس سنين؛ وقال الرب لإبرم: اخرج من أرضك من حيث ولدت ومن آل أبيك إلى الأرض التي أريك فأجعلك لشعب عظيم وأباركك وأعظم اسمك وكن مباركاً وأبارك بنيك وألعن لاعنيك ويتبارك بك جميع قبائل الأرض وبزرعك، فصنع إبرم كما أمره الرب وانطلق معه لوط ابن أخيه وسرى زوجته وكان إذ ذاك ابن خمس وسبعين سنة ومعهم جميع مواشيهم وما اتخذوا بحرّان من ولدان وخدم، فخرجوا يريدون أرض كنعان فأتوها، فجاء إبرم حتى أتى بلاد سُحام وإلى بَلُّوط مُمرى وكان الكنعانيون بعد سكاناً في الأرض فاعتلن الرب لإبرم وقال له: إني معطٍ ذريتك هذه الأرض، وبنى إبرم هنالك مذبحاً للرب إذ ظهر له وانتقل من هنالك إلى الجبل من المشرق إلى بيت إيل، فنصب خيمته في بيت إيل من غربها قبالة الحرب وعاي من شرقها، وبنى ثم لرب مذبحاً ودعا باسم الرب، ثم ظعن منطلقاً وكان مظعنه إلى مهب الجنوب وكان جوع في الأرض، فهبط إبرم إلى مصر ليسكنها لأن الجوع اشتد في الأرض، فلما دنا من مصر قال لسرى امرأته: إني عالم أنك امرأة حسناء، فإن رآك المصريون يقولون: امرأته، فيقتلونني؛ قولي: إني أخته - فذكر قصة أخذ فرعون مصر لها والقوارع التي أصابته فحالت بينه وبينها فخلى سبيلها وأحسن إليها وإلى إبراهيم - إلى أن قال: فخرج إبرم من مصر هو وامرأته ولوط معه إلى أرض التيمن - وفي نسخة: إلى القبلة - وهي جهة الجنوب فاستغنى إبرم جداً، فظعن لمظعنه من الجنوب حتى أتى بيت إيل إلى الموضع الذي كان نصب فيه خيمته من قبل ولوط معه كان له غنم وبقر وخير كثير جداً وأخبية، ولم تكن تلك الأرض تسعهما كليهما لأن مواشيهما كثرت جداً؛ فذكر أن لوطاً رفع بصره فنظر إلى أرض الأردن فإذا هي كلها أرض سقي وشرب مثل فردوس الله ومثل أرض مصر التي في مدخل صاغار - وفي نسخة: زغر فاختار لوط أرض الأردن؛ فسكن إبرم أرض كنعان، وسكن لوط قرى عاجار وورث - وفي نسخة: قرى المرج - وخيّم إلى سدوم وكان أهل سدوم أشراراً خطأة جداً، فقال الرب لإبرم بعدما اعتزله لوط: مد بصرك فانظر من المكان الذي أنت فيه إلى الجرنيا والتيمن - وفي نسخة: إلى الشمال والجنوب والمشرق والمغرب - لأن جميع الأرض التي ترى إياك أعطيها وذريتك من بعدك إلى الأبد، واجعل ذريتك مثل ثرى الأرض، فإن قدرت أن تحصي تراب الأرض فإن زرعك يحصى، فأتى إبرم فسكن بين بلوط - وفي نسخة: في مرج ممرى الأموراني التي بحبرون - وبنى هنالك مذبحاً للرب، وكان على عهد أمرقال ملك شنعار - وفي نسخة: شنوار - وأرنوخ ملك ذي اللاشار - وفي نسخة: الخزر - وكدر لعمر، ملك عيلم - وفي نسخة: خوزستان وترغيل ملك جيلان - وفي نسخة: الأمم - اجتمع هؤلاء في قاع السدوميين وهو البحر المالح فقتلوا الجبابرة الذين في العشرة القرى والأبطال الذين بها والحورانيين الذين في جبال ساعير - وفي نسخة: شراة - إلى بطمة فاران التي في البرية، ورجعوا وأتوا عين الدنيا - وفي نسخة: الحكم - وهي رقيم وقتلوا كل رؤساء العمالقة والأمورانيين سكان عين جاد، وخرج بارع ملك سدوم وبَرْشع ملك عامرا وشنآب ملك أدوما وشاليم ملك صَبويم وملك بالاع التي هي صاغر - وفي نسخة: زغر - خمسة ملوك، قاتلوا الأربعة بقاع السدوميين، فهرب ملك سدوم وملك عامرا فوقعوا هناك، وهرب البقية إلى الجبل فاستباحوا جميع مواشي سدوم وعامُرا وجميع طعامهم واستاقوا لوطاً ابن أخي إبرم وماشيته وانطلقوا، فأتى من نجا منهم وأخبر إبرم العبراني، فعبى فتيانه ومولّديه ثلاثمائة وثمانية عشر رجلاً وسار في طلبهم إلى داريا - وفي نسخة: بانياس - فأحاط بهم ليلاً، فقاتلهم وهزمهم إلى الجوف - وفي نسخة: المزة - التي عن شمال دمشق وهي قرية يقال لها حلبون ورد لوطاً ابن أخيه وماشيته وجميع المواشي والنساء والشعب، فخرج ملك سدوم فتلقاه فرد إليه جميع ما سلب منه؛ ومن بعد هذا حلّ وحي الله على إبرم في الرؤيا وقال له: يا إبرم! أنا أكانفك وأساعدك، لأن ثوابك قد جزل جداً، فقال إبرم: اللهم! رب ما الذي تنحلني وأنا خارج من الدنيا بلا نسب ويرثني اليعازر غلامي الدمشقي؟ فقال له الرب: لا يرثك هذا بل ابنك الذي يخرج من صلبك فهو يرثك، وقال له: انظر إلى السماء واحص النجوم إن كنت تقدر أن تحصيها، ثم قال له: كذلك تكون ذريتك، فآمن إبرم بالله، وقال له الرب: أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أور الكلدانيين - وفي نسخة: أتون الكزدانيين - لأعطينك هذه الأرض لترثها، فلما كان غروب الشمس وقع الصمت على إبرم وغشيه خوف وظلمة عظيمة فقال الرب لإبرم: اعلم علماً يقيناً أن نسلك سيسكنون في أرض ليست لهم، فيتعبدونهم ويكدونهم أربعمائة سنة، والشعب الذين يتعبدونهم فإني أدينهم ويخرجون من هناك بعد ذلك بمال عظيم، وأنت تنتقل إلى آبائك بسلام وتدفن بشيخوخة خير وصلاح، والحقب الرابع يرجعون إلى ههنا، لأن إثم الأمورانيين لم يكمل بعد، فلما غربت الشمس صار دجى حندسة وإذا بتنور يدخن ومصباح نار يلتهب ويتردد بين تلك الأنصبة، وفي ذلك اليوم عاهد الرب إبرم عهداً وقال: إني معط ذريتك هذه الأرض من نهر مصر وإلى الفرات النهر الأعظم، وإن سُرّى امرأة إبر لم تكن تلد وكانت لها أمة مصرية اسمها هاجر فقالت سُرّى لإبرم وهما بأرض كنعان: إن الرب قد حرمني الولد فإدخل على أمتي وابن بها لعلي أتعزى بولد منها، تسمّع إبرم قول سرى وأطاعها، وذلك بعدما سكن أرض كنعان عشر سنين، فحبلت فقالت سرى لإبرم: أنت صاحب ظلامتي، أنا وضعت أمتي في حضنك، فلما حبلت هنت عليها بحكم الرب بيني وبينك، فقال: هذه أمتك مسلمة إليك. اصنعي بها ما أحببت، فأهانتها سرى سيدتها فهربت منها، فلقيها ملاك الرب على عين ماء في البرية في طريق سور - وفي رواية: في طريق حذر، وفي نسخة: على العين التي بطريق الجفار - فقال لها: يا هاجر أمة سرى! ارجعي إلى سيدتك واستكدّي تحت يدها، ثم قال لها ملاك الله: لأكثرن نسلك حتى لا يحصى، ثم قال لها: ها أنت حامل - وفي نسخة: إنك حبلى - وستلدين ابناً وتدعين اسمه إسماعيل، لأن الرب قد عرف لك خضوعك، ويكون ابنك هذا رجلاً يأوي البرية ويده في جميع الناس - وفي نسخة: وحشى الناس - يده على كل ويد كل به، وسيحل على جميع حدود إخوته، فدعت اسم الرب الذي كلمها فقالت: أنت الله ذو الوحي والرؤيا، وذلك لأنها قالت: إني رأيت رؤيا، ولذلك دعت تلك الطوى بئر الحي وهي بئر رقيم وحذر - وفي نسخة: فيما بين قادس وبارد - ثم ولدت هاجر لإبرم ابناً فدعا إبرم اسمه إسماعيل، وكان إبرم ابن ست وثمانين سنة إذ ولدت هاجر له إسماعيل، فلما أتى على إبرم تسع وتسعون سنة اعتلن له الرب وقال له: أنا الله إله المواعيد، أرضني تكن غير ذي عيب وأثبت عهدي بيني وبينك - وفي رواية: فأحسن أمامي ولا تكن ملوماً فإني جاعل بيني وبينك ميثاقاً، وأكثرك جداً جداً، فخر إبراهيم على وجهه فكلمه الله وقال له: أنا أثبت لك عهدي - وفي نسخة: فأوحى الله إليه قائلاً له: إني قد جعلت ميثاقي معك - وتكون أباً لشعوب كثيرة، ولا يدعى اسمك فيما بعد إبرم بل يكون اسمك إبراهيم، لأني جعلتك أباً لشعوب كثيرة، وأنميك وأثريك جداً جداً، وأجعلك للشعوب رئيساً، والملوك من صلبك يخرجون، وأثبت العهد - وفي نسخة: وأفي بميثاقي - بيني وبينك وبين نسلك من بعدك عهداً دائماً، وأكون لك إلهاً ولزرعك من بعدك، وأعطيك وذيتك من بعدك أرض سكناك وجميع أرض كنعان ميراثاً إلى الأبد وأكون لهم إلهاً، وقال الله لإبراهيم: احفظ عهدي أنت وزرعك من بعدك لأحقابهم، هذا عهدي الذي آمركم به لتحفظوه ليكون بيني وبين نسلك من بعدك أن تختنوا كل ذكر وتختنوا لحم غُرلكم ويكون علامة العهد بيني وبينكم، وليختن كل ذكر منكم ابن ثمانية أيام لأحقابكم ولاد البيت والمبتاع بالمال. وكل من كان من أبناء الغرباء الذين ليسوا من زرعك فليختتن اختتان المولود في بيتك والمبتاع بمالك، ويكون عهدي ميسماً في أجسادكم عهداً دائماً إلى الأبد؛ وكل ذكر ذي غرلة لا تختن غرلته في اليوم الثامن فلتهلك تلك النفس من شعبها، لأنها أبطلت عهدي. وقال الله لإبراهيم: سرى صاحبتك، لا تدع اسمها سرى لأن اسمها سارة وأبارك فيها، وأعطيك منها ابناً وأباركه، ويكون رئيساً لشعوب كثيرة وملوك الشعوب من نسله يخرجون؛ فخر إبراهيم على وجهه ضاحكاً وقال في قلبه - وفي رواية متعجباً يقول في نفسه - وهل يولد لابن مائة سنة ابن وسارة تلد وقد أتى عليها تسعون سنة! وقال إبراهيم لله: يا ليت إسماعيل يحيى بين يديك! وقال الله لإبراهيم: حقاً - وفي نسخة: نعم - إن سارة صاحبتك ستلد ابناً وتسميه إسحاق، وأثبت العهد بيني وبينه إلى الأبد ولذريته من بعده، وقد استجبت لك في إسماعيل فباركته وكثرته وأنميته جداً جداً، ويولد له اثنا عشر عظيماً، وأجعله رئيساً لشعب عظيم؛ وأثبت عهدي لإسحاق الذي تلد لك سارة في هذا الحين من قابل. فلما فرغ من كلامه ارتفع استعلان الرب عن إبراهيم، فانطلق إبراهيم بإسماعيل ابنه وجميع أولاد بيته والمبتاعين بما له كل ذكر من بيت إبراهيم فختن غرلهم في ذلك اليوم كما أمره الله، وكان قد أتى على إبراهيم تسع وتسعون سنة إذ ختن غرلته وكان قد أتى إسماعيل ابنه إذ اختتن ثلاث عشرة سنة، وختن أيضاً معه أبناء الغرباء المشايعين ثم أكمل البشارة بإسحاق، كما سيأتي في سورة هود إن شاء الله تعالى - إلى أن قال: وذكر الرب سارة كما قال: وصنع الله تبارك وتعالى بسارة كما وعد، فحبلت وولدت لإبراهيم ابناً على كبره في الوقت الذي وعد الله، فسمى إبراهيم ابنه من سارة إسحاق، فختن إبراهيم إسحاق ابنه في اليوم الثامن كما أمره الرب، وكان إبراهيم ابن مائة سنة، فقالت سارة: لقد أنعم الله عليّ وفرحني فرحاً عظيماً، فمن سمع فليفرح لي، وقالت: من كان يقول لإبراهيم: إن سارة ترضع غلاماً وتلد ابناً بعد الكبر؛ فشب الغلام وفطم وصنع إبراهيم يوم فطم مأدبة عظيمة - ثم أعاد ذكر أمر سارة بإخراج هاجر وإبعادها وأن هذا شق على إبراهيم جداً وقال: فقال الله لإبراهيم: لا يشقن عليك حال الصبي وأمتك، فغدا إبراهيم باكراً وأخذ خبزاً وإداوة من ماء فأعطاها هاجر وحملها والصبي والطعام فانطلقت وتاهت في برية بئر سبع - وفي نسخة بئر الحلف، لأن إبراهيم حالف صاحب تلك الأرض عندها - ونفد الماء من الإداوة فألقت الصبي تحت شجرة من الشيح وانطلقت وجلست قبالته وتباعدت عنه كرمية بسهم كيلا تعاين موته، فلما صرخ الغلام وبكى سمع الرب صوته فدعا ملاك الرب هاجر من السماء وقال لها: ما لك يا هاجر؟ لا تخافي، لأن الرب قد سمع صوت الصبي حيث هو، قومي فاحملي الصبي وشدي به يديك، لأني أجعله رئيساً لشعب عظيم، فجلى الله عن بصرها فرأت بئر ماء، فانطلقت فملأت الإدواة وسقت الغلام، وكان الله مع الغلام فشب وسكن برية فاران وكان يتعلم الرمي في تلك البرية وزوجته أمه امرأة - انتهى. وفيه إن هذا الكلام في إخراج هاجر وولدها ظاهره مناقض لما تقدم في ختان إسماعيل عليه السلام، فإن فيه أنه كان ابن ثلاث عشرة سنة، وهذا ظاهره أنه كان رضيعاً، وفي الحديث الصحيح " حديث : أنه وضعه عند البيت وهو يرضع " تفسير : . ويمكن حمل هذا عليه بهذا الكلام الأخير. وأما الأول فلم يقل فيه إنه كان عند الختان ببيت المقدس، فيمكن أن إبراهيم عليه السلام طوى له الله الأرض بالبراق أو غيره فذهب إلى مكة المشرفة فختنه ثم رجع. وفيه بشارة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أصرح مما ذكروه وهي قوله: ويتبارك بك جميع قبائل الأرض، لأن ذلك لم يحصل بأحد من أولاد إبراهيم عليه السلام إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد أثبت البركة به صلى الله عليه وسلم والخير في غالب قبائل الأرض، ويكون الباقي بعد نزول عيسى عليه السلام. وكذا قوله: ويده في جميع الناس - إلى آخره، لأن إسماعيل عليه السلام لم ينقل أحد أن يده كانت على جميع الناس، ولا حل على جميع حدود إخوته، ولا اتصف من أولاده أحد بهذا الوصف إلا النبي صلى الله عليه وسلم؛ ثم رأيت في شرح المقاصد للشيخ سعد الدين التفتازاني وشرح الصحائف للإمام السمرقندي التنبيه على هذا النص. ولما قرر سبحانه لبني إسرائيل أن أباهم يعقوب ممن أوصى بنيه بالإسلام قال مبكتاً لهم: {أم} فعلم قطعاً من ذكر حرف العطف أن المعطوف عليه محذوف كما قالوا في أحد التقادير في هذه الآية وفي { أية : أمّن هو قانت آناء الليل } تفسير : [الزمر: 9] في سورة الزمر فكان التقدير هنا لتوبيخهم وتقريعهم بأن أيّ شق اختاروه لزمهم به ما يكرهون: أكنتم غائبين عن هذه الوصية من إبراهيم ويعقوب عليهما السلام أم حاضرين وكنتم غائبين في أمر يعقوب عليه السلام خاصة أم {كنتم شهداء} الآية، أي أكنتم غائبين عن علم ذلك أم لا حين حكمتم بتخصيص أنفسكم بالجنة ليمنعكم ذلك عن مثل هذا الحكم؛ وعلى كل تقدير لا يضركم جهله، لأن عندكم في كتاب الله المنزل على بيتكم من الأمر بمثله عن الله ما يغنيكم عنه، وهو مانع لكم أيضاً من هذا الحكم على وجه قطعي؛ وفي ذلك إشارة إلى عدم وجوب التقيد بالآباء، وإرشاد إلى توسيع الفكر إلى المنعم الأول وهو رب الآباء للتقيد بأوامره والوقوف عند زواجره سواء كان ذلك موافقاً لشرع الآباء أو مخالفاً؛ ولما كان هذا لازماً لمضمون قوله تعالى: { أية : تلك أمة قد خلت } تفسير : [البقرة: 134] أتبعه بها، أي فما لكم وللسؤال عنها في ادعائكم أنهم كانوا هوداً أو نصارى؟ كما سيأتي النص بالتوبيخ على ذلك وإتباعه مثل هذه الآية، لأنه إما أن يكون السؤال عن النسب أو عن العمل ولا ينفعكم شيء منهما، لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى، فليس السؤال عنهم حينئذ لمن عنده علم ما يأتي وما يذر إلا فضولاً، وفيه تنبيه على أنهم قطعوا أنفسهم عنهم، لأنهم لما لم يتبعوهم في الإسلام فصلوا ما بينهم وبينهم من الوصلة بالنسب وحصلت براءتهم منهم، لأن نسب الدين أعظم من نسب الماء والطين، أو يقال وهو أحسن: لما ادعى أهل الكتاب أن الجنة خاصة بهم ورد ذلك سبحانه عليهم بأنها لمن أسلم محسناً وذكرهم بأحوال الخليل عليه السلام حتى ختم بأنه من رؤوس المتصفين بهذا الوصف وأنه أوصى بنيه به فكان كأنه قيل إنكاراً عليهم في دعواهم الاختصاص بالجنة وتقريراً لهم: أكنتم شهداء لذلك منه حتى تكونوا ممن ائتمر بأمره في وصيته فتكونوا أهلاً للجنة أم كنتم شهداء يا بني يعقوب {إذ حضر يعقوب} صاحب نسبكم الأشهر {الموت} وهو على ما أوصى به إبراهيم بنيه {إذ قال} أي يعقوب {لبنيه}. ولما كان مراده صلى الله عليه وسلم التعميم في كل شيء ليقع التخصيص موقعه فلا يحتاج إلى سؤال آخر عبر بما العامة للعاقل وغيره فقال: {ما تعبدون} ولو عبر بمن لم يفد جوابهم هذا التصريح ينفي عبادة شيء مما لا يعقل، وقيده بقوله: {من بعدي} لأن الخليفة كثيراً ما يخلف الغائب بسوء وإن كان مصلحاً في حضوره، وأدخل الجار لأن أعمارهم لا تستغرق الزمان {قالوا نعبد إلهك} الذي خلقك {وإله آبائك} الذي خلقهم وبقي بعدهم ويبقى بعد كل شيء ولا بعد له، كما كان قبل كل شيء ولا قبل له؛ ثم بينوا الآباء بقولهم: {إبراهيم} أي جدك {وإسماعيل} لأنه عم والعم صنو الأب فهو أب مجازاً {وإسحاق}. ولما تقدم ذكر الإله في إضافتين بينوا أن المراد به فيهما واحد تحقيقاً للبراءة من الشرك وتسجيلاً على أهل الكتاب بتحتم بطلان قولهم فقالوا: {إلهاً واحداً} ثم أخبروا بعد توحيدهم الذي تقدم أنه معنى الإحسان في قوله: { أية : وهو محسن } تفسير : [البقرة: 112] بإخلاصهم في عبادتهم بقولهم {ونحن له} أي وحده لا للأب ولا غيره {مسلمون} أي لا اختيار لنا معه بل نحن له كالجمل الآنف حيثما قادنا انقدنا، أي أم كنتم شهداء له في هذه الوصية لنشهد لكم بما شهدنا لبنيه الموجودين إذ ذاك من الإسلام فتكونوا من أهل الجنة.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن جرير عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، فلا يصاد صيدها ولا يقطع عضاهها‏ ". تفسير : وأخرج مسلم وابن جرير عن رافع بن خديج قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها‏‏ ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي قتادة‏ "‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثم صلى بأرض سعد بأرض الحرة عند بيوت السقيا، ثم قال‏: ‏اللهم إن إبراهيم خليلك وعبدك ونبيك دعاك لأهل مكة، وأنا محمد عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة مثل ما دعاك إبراهيم بمكة، أدعوك أن تبارك لهم في صاعهم ومدهم وثمارهم، اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة واجعل ما بها من وراء خم، اللهم إني حرمت ما بين لابتيها كما حرمت على لسان إبراهيم الحرم‏‏ ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم عن أنس ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف على المدينة فقال‏:‏ اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما أحرم به إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم‏ ". تفسير : وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة، ومثله معه‏ ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك دعاك لأهل مكة بالبركة، وأنا محمد عبدك ورسولك، وإني أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في صاعهم ومدهم مثل ما باركت لأهل مكة، واجعل مع البركة بركتين‏‏ ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن عبدالله بن زيد بن عاصم المازني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة‏ ". تفسير : وأخرج البخاري والجندي في فضائل مكة عن عائشة ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : اللهم إن إبراهيم عبدك ونبيك دعاك لأهل مكة، وأنا أدعوك لأهل المدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لأهل مكة‏ ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما بمكة من البركة‏ ". تفسير : وأخرج الأزرقي في تاريخ مكة والجندي عن محمد بن الأسود‏.‏ أن إبراهيم عليه السلام هو أوّل من نصب أنصاب الحرم، أشار له جبريل إلى مواضعها‏.‏ وأخرج الجندي عن ابن عباس قال‏:‏ إن في السماء لحرماً على قدر حرم مكة‏.‏ وأخرج الأزرقي والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏ستة لعنتهم وكل نبي مجاب‏.‏ الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمتسلط بالجبروت ليذل من أعز الله ويعز من أذل الله، والتارك لسنتي، والمستحل من عترتي ما حرم الله عليه، والمستحل لحرم الله‏ ". تفسير : وأخرج البخاري تعليقاً وابن ماجة عن صفية بنت شيبة قالت‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب عام الفتح فقال‏:‏ "حديث : يا أيها الناس إن الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات والأرض وهي حرام إلى يوم القيامة، لا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يأخذ لقطتها إلا منشد، فقال العباس‏:‏ إلا الإِذخر فإنه للبيوت والقبور‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: إلا الإِذخر‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والأزرقي عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة‏"‏حديث : إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض والشمس والقمر، ووضع هذين الاخشبين فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولا يحل لأحد بعدي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يلتقط لقطتها إلا من عرفها‏‏. قال العباس: إلا إلإِذخر فإنه لقينهم وبيوتهم‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إلا الإِذخر‏ ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة قال ‏"‏حديث : لما فتح الله على رسوله مكة قام فيهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال‏:‏ إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنما أحلت لي ساعة من النهار ثم هي حرام إلى يوم القيامة، لا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقمتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، أما أن يفدى وإما أن يقتل‏.‏ فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه فقال له‏:‏ يا رسول الله اكتب لي‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ اكتبوا لأبي شاه‏. فقال العباس‏:‏ يا رسول الله إلا الإِذخر فإنه لقبورنا وبيوتنا‏.‏ فقال: ‏إلا الإِذخر‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏مكة حرم حرمها الله، لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها‏ ". تفسير : وأخرج الأزرقي في تاريخ مكة عن الزهري في قوله ‏ {‏رب اجعل هذا بلداً آمناً‏} ‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏إن الناس لم يحرموا مكة ولكن الله حرمها فهي حرام إلى يوم القيامة، وإن من أعتى الناس على الله رجل قتل في الحرم، ورجل قتل غير قاتله، ورجل أخذ بذحول الجاهلية‏ ". تفسير : وأخرج الأزرقي عن قتادة قال‏:‏ ذكر لنا أن الحرم حرم بحياله إلى العرش‏.‏ وأخرج الأزرقي عن مجاهد قال‏:‏ إن هذا الحرم حرم مناه من السموات السبع والأرضين السبع، وإن هذا البيت رابع أربعة عشر بيتاً في كل سماء بيت وفي كل أرض بيت، ولو وقعن وقعن بعضهن على بعض‏.‏ وأخرج الأزرقي عن الحسن قال‏:‏ البيت بحذاء البيت المعمور، وما بينهما بحذائه إلى السماء السابعة، وما أسفل منه بحذائه إلى الأرض السابعة حرام كله‏.‏ وأخرج الأزرقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ "حديث : البيت المعمور الذي في السماء يقال له الضراح، وهو على بناء الكعبة يعمره كل يوم سبعون ألف ملك لم تزره قط، وإن للسّماء السابعة لحرما على منى حرم مكة‏ ". تفسير : وأخرج ابن سعد والأزرقي عن ابن عباس قال‏:‏ أوّل من نصب أنصاب الحرم إبراهيم عليه السلام يريه ذلك جبريل عليه السلام، فلما كان يوم الفتح بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم تميم بن أسد الخزاعي فجدد ما رث منها‏.‏ وأخرج الأزرقي عن حسين بن القاسم قال‏:‏ سمعت بعض أهل العلم يقول‏:‏ إنه لما خاف آدم على نفسه من الشيطان استعاذ بالله، فأرسل الله ملائكته حفوا بمكة من كل جانب ووقفوا حواليها قال‏:‏ فحرم الله الحرم من حيث كانت الملائكة وقفت‏.‏ قال‏:‏ ولما قال إبراهيم عليه السلام‏:‏ ربنا أرنا مناسكنا نزل إليه جبريل، فذهب به فأراه المناسك ووقفه على حدود الحرم، فكان إبراهيم يرضم الحجارة وينصب الأعلام ويحثي عليها التراب، فكان جبريل يقفه على الحدود‏.‏ قال‏:‏ وسمعت أن غنم اسمعيل كانت ترعى في الحرم ولا تجاوزه ولا تخرج، فإذا بلغت منتهاه من ناحية رجعت صابة في الحرم‏.‏ وأخرج الأزرقي عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة قال ‏"‏إن إبراهيم عليه السلام نصب أنصاب الحرم يريه جبريل عليه السلام، ثم لم تحرك حتى كان قُصَيْ فجددها، ثم لم تحرك حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث عام الفتح تميم بن أسد الخزاعي فجددها‏"‏‏.‏ وأخرج البزار والطبراني عن محمد بن الأسود بن خلف عن أبيه ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجدد أنصاب الحرم‏.‏‏.‏‏.‏ ‏"‏‏.‏ وأخرج الأزرقي عن عبدالله بن عمرو بن العاص أنه قال‏:‏ أيها الناس ان هذا البيت لاق ربه فسائله عنكم، ألا فانظروا فيما هو سائلكم عنه من أمره، ألا واذكروا الله إذ كان أحدكم ساكنه، لا تسفكون فيه دماء ولا تمشون فيه بالنميمة‏"‏‏.‏ وأخرج البزار عن عبدالله بن عمرو ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بنفر من قريش وهم جلوس بفناء الكعبة فقال‏:‏ انظروا ما تعملون فيها فإنها مسؤولة عنكم فتخبر عن أعمالكم، واذكروا إذ ساكنها من لا يأكل الربا ولا يمشي بالنميمة‏‏ ". تفسير : وأخرج الأزرقي عن أبي نجيح قال‏:‏ لم يكن كبار الحيتان تأكل صغارها في الحرم زمن الغرق‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي عن جويرية بن أسماء عن عمه قال‏:‏ حججت مع قوم، فنزلنا منزلاً ومعنا امرأة، فانتبهت وحية عليها لا تضرها شيئاً حتى دخلنا انصاب الحرم فانسابت، فدخلنا مكة فقضينا نسكنا وانصرفنا، حتى إذا كنا بالمكان الذي تطوقت عليها فيه الحية وهو المنزل الذي نزلنا، فنامت فاستيقظت والحية منطوية عليها، ثم صفرت الحية فإذا بالوادي يسيل علينا حيات، فنهشنها حتى بقيت عظاماً، فقلت لجارية كانت لها‏:‏ ويحك اخبرينا عن هذه المرأة‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ بغت ثلاث مرات كل مرة تلد ولداً، فإذا وضعته سجرت التنور ثم ألقته فيه‏.‏ وأخرج الأزرقي عن مجاهد قال‏:‏ من أخرج مسلماً من ظله في حرم الله من غير ضرورة أخرجه الله من ظل عرشه يوم القيامة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والأزرقي عن عبد الله بن الزبير قال‏:‏ إن كانت الأمة من بني إسرائيل لتقدم مكة، فإذا بلغت ذا طوى خلعت نعالها تعظيماً للحرم‏.‏ وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال‏:‏ كان يحج من بني إسرائيل مائة ألف، فإذا بلغوا أنصاب الحرم خلعوا نعالهم ثم دخلوا الحرم حفاة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال‏:‏ كانت الأنبياء إذا أتت علم الحرم نزعوا نعالهم‏.‏ وأخرج الأزرقي وابن عساكر عن ابن عباس قال‏:‏ حج الحواريون فلما دخلوا الحرم مشوا تعظيماً للحرم‏.‏ وأخرج الأزرقي عن عبد الرحمن بن سابط قال ‏"حديث : ‏لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ينطلق إلى المدينة استلم الحجر وقام وسط المسجد والتفت إلى البيت فقال‏:‏ إني لأعلم ما وضع الله في الأرض بيتاً أحب إليه منك، وما في الأرض بلد أحب إليه منك، وما خرجت عنك رغبة ولكن الذين كفروا هم أخرجوني‏‏ ". تفسير : وأخرج الأزرقي عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة‏"حديث : ‏أما والله اني لأخرج وإني لأعلم أنك أحب البلاد إلى الله وأكرمها على الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت‏ ". تفسير : وأخرج الترمذي والحاكم وصححاه والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة‏"حديث : ‏ما أطيبك من بلدة وأحبك إليّ، ولولا أن قومك أخرجوني ما سكنت غيرك‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن سعد وأحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة والأزرقي والجندي عن عبدالله بن عدي بن الحمراء قال ‏"حديث : ‏رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته واقف بالحزورة يقول لمكة‏:‏ والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أخرجت منك ما خرجت ‏"‏‏تفسير : .‏ وأخرج الأزرقي عن ابن عباس قال‏:‏ كان بمكة حي يقال لهم العماليق، فكانوا في عز وثروة وكثرة، فكانت لهم أموال كثيرة من خيل وإبل وماشية، فكانت ترعى مكة وما حواليها من مر ونعمان وما حول ذلك، فكانت الحرف عليهم مظلة، والأربعة مغدقة، والأودية بحال، والعضاه ملتفة، والأرض مبقلة، فكانوا في عيش رخى، فلم يزل بهم البغي والإِسراف على أنفسهم بالظلم والجهار بالمعاصي والاضطهاد لمن قاربهم حتى سلبهم الله ذلك، فنقصهم بحبس المطر وتسليط الجدب عليهم، وكانوا يكرون بمكة الظل ويبيعون الماء، فأخرجهم الله من مكة بالذي سلطه عليهم حتى خرجوا من الحرم فكانوا حوله، ثم ساقهم الله بالجدب يضع الغيث أمامهم ويسوقهم بالجدب حتى ألحقهم بمساقط رؤوس آبائهم، وكانوا قوماً غرباء من حمير، فلما دخلوا بلاد اليمن تفرقوا وهلكوا، فأبدل الله الحرم بعدهم جرهم، فكانوا سكانه حتى بغوا فيه واستخفوا بحقه، فأهلكهم الله جميعاً‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سابط قال‏:‏ كان إذا كان الموسم بالجاهلية خرجوا، فلم يبق أحد بمكة، وإنه تخلف رجل سارق فعمد إلى قطعة من ذهب ثم دخل ليأخذ أيضاً، فلما أدخل رأسه سرة البيت فوجدوا رأسه في البيت واسته خارجه، فألقوه للكلاب واصلحوا البيت‏.‏ وأخرج الأزرقي والطبراني عن حويطب بن عبد العزى قال‏:‏ كنا جلوساً بفناء الكعبة في الجاهلية، فجاءت امرأة إلى البيت تعوذ به من زوجها، فجاء زوجها فمد يده إليها فيبست يده، فلقد رأيته في الإِسلام وإنه لأشل‏.‏ وأخرج الأزرقي عن ابن جرير قال‏:‏ الحطيم ما بين الركن والمقام وزمزم والحجر، وكان أساف ونائلة رجلاً وامرأة دخلا الكعبة فقبلها فيها فمسخا حجرين، فأخرجا من الكعبة فنصب أحدهما في مكان زمزم ونصب الآخر في وجه الكعبة ليعتبر بهما الناس ويزدجروا عن مثل ما ارتكبا، فسمي هذا الموضع الحطيم لأن الناس كانوا يحطمون هنالك بالإِيمان ويستجاب فيه الدعاء على الظالم المظلوم، فقلّ من دعا هنالك على ظالم إلا هلك وقلّ من حلف هنالك آثماً إلا عجلت عليه العقوبة، وكان ذلك يحجز بين الناس عن الظلم ويتهيب الناس الإِيمان هنالك، فلم يزل ذلك كذلك حتى جاء الله بالإِسلام، فأخر الله ذلك لما أراد إلى يوم القيامة‏.‏ وأخرج الأزرقي عن أيوب بن موسى‏.‏ أن امرأة كانت في الجاهلية معها ابن عم لها صغير تكسب عليه، فقالت له‏:‏ يا بني إني أغيب عنك، وإني أخاف عليك أن يظلمك ظالم، فإن جاءك ظالم بعدي فإن لله بمكة بيتاً لا يشبهه شيء من البيوت ولا يقاربه مفاسد وعليه ثياب، فإن ظلمك ظالم يوماً فعذبه فإن له رباً يسمعك‏.‏ قال‏:‏ فجاءه رجل فذهب به فاسترقه، فلما رأى الغلام البيت عرف الصفة فنزل يشتد حتى تعلق بالبيت، وجاءه سيده فمد يده إليه ليأخذه فيبست يده، فمد الأخرى فيبست، فاستفتى في الجاهلية فافتي ينحر عن كل واحدة من يديه بدنة، ففعل فانطلقت له يداه وترك الغلام وخلى سبيله‏.‏ وأخرج الأزرقي عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحرث قال‏:‏ غدا رجل من بني كنانة من هذيل في الجاهلية علي ابن عم له يظلمه واضطهده، فناشده بالله والرحم فأبى إلا ظلمه، فلحق بالحرم فقال‏:‏ اللهم إني أدعوك دعاء جاهد مضطر على فلان ابن عمي لترمينه بداء لا دواء له‏.‏ قال‏:‏ ثم انصرف فوجد ابن عمه قد رمي في بطنه فصار مثل الزق، فما زالت تنتفخ حتى اشتق، قال عبد المطلب‏:‏ فحدثت هذا الحديث ابن عباس فقال‏:‏ أنا رأيت رجلاً دعا على ابن عم له بالعمى فرأيته يقاد أعمى‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في شعب الإِيمان عن عمر بن الخطاب أنه قال‏:‏ يا أهل مكة اتقوا الله في حرمكم هذا، أتدرون من كان ساكن حرمكم هذا من قبلكم‏؟‏ كان فيه بنو فلان فاحلوا حرمته فهلكوا، وبنو فلان فاحلوا حرمته فهلكوا، حتى عد ما شاء الله ثم قال‏:‏ والله لأن أعمل عشر خطايا بغيره أحب إلي من أن أعمل واحدة بمكة‏.‏ وأخرج الجندي عن طاوس قال‏:‏ إن أهل الجاهلية لم يكونوا يصيبون في الحرم شيئاً إلا عجل لهم، ويوشك أن يرجع الأمر إلى ذلك‏.‏ وأخرج الأزرقي والجندي وابن خزيمة عن عمر بن الخطاب، أنه قال لقريش‏:‏ إنه كان ولاة هذا البيت قبلكم طسم، فاستخفوا بحقه واستحلوا حرمته فأهلكهم الله، ثم ولى بعدهم جرهم فاستخفوا بحقه واستحلوا حرمته فأهلكهم الله، فلا تهاونوا به وعظموا حرمته‏.‏ وأخرج الأزرقي والجندي عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ لأن اخطىء سبعين خطيئة مزكية أحب إلي من أن أخطىء خطيئة واحدة بمكة‏.‏ وأخرج الجندي عن مجاهد قال‏:‏ تضعف بمكة السيئات كما تضعف الحسنات‏.‏ وأخرج الأزرقي عن ابن جريج قال‏:‏ بلغني أن الخطيئة بمكة مائة خطيئة، والحسنة على نحو ذلك‏.‏ وأخرج أبو بكر الواسطي في فضائل بيت المقدس عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : إن مكة بلد عظمه الله وعظم حرمته، خلق مكة وحفها بالملائكة قبل أن يخلق شيئاً من الأرض يومئذ كلها بألف عام ووصل المدينة ببيت المقدس، ثم خلق الأرض كلها بعد ألف عام خلقاً واحداً‏‏ ". تفسير : أما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏وارزق أهله من الثمرات‏} . أخرج الأزرقي عن محمد بن المنكدر عن النبي صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏لما وضع الله الحرم نقل له الطائف من فلسطين‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن مسلم الطائفي قال‏:‏ بلغني أنه لما دعا إبراهيم للحرم ‏ {‏وارزق أهله من الثمرات‏}‏ نقل الله الطائف من فلسطين‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم والأزرقي عن الزهري قال‏:‏ إن الله نقل قرية من قرى الشام فوضعها بالطائف لدعوة إبراهيم عليه السلام‏.‏ وأخرج الأزرقي عن سعيد بن المسيب بن يسار قال‏:‏ سمعت بعض ولد نافع بن جبير بن مطعم وغيره‏؛‏ يذكرون أنهم سمعوا‏:‏ أنه لما دعا إبراهيم بمكة أن يرزق أهله من الثمرات نقل الله أرض الطائف من الشام فوضعها هنالك رزقاً للحرم‏.‏ وأخرج الأزرقي عن محمد بن كعب القرظي قال‏:‏ دعا إبراهيم للمؤمنين وترك الكفار لم يدع لهم بشيء فقال ‏{‏ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير‏}‏‏ .‏ وأخرج سفيان بن عيينة عن مجاهد في قوله {‏وارزق أهله من الثمرات من آمن‏}‏ قال‏:‏ استرزق إبراهيم لمن آمن بالله واليوم الآخر قال الله‏:‏ ومن كفر فأنا أرزقه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ‏{‏من آمن منهم بالله‏} ‏ قال‏:‏ كان إبراهيم احتجرها على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله ‏ {‏ومن كفر‏}‏ أيضاً فأنا أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أخلق خلقاً لأرزقهم ‏ {‏أمتعهم قليلاً ثم اضطرهم إلى عذاب النار‏} ‏ ثم قرأ ابن عباس ‏{أية : ‏كلاًّ نمد هؤلاء‏}تفسير : ‏[‏الإِسراء: 20‏] الآية‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال أبي بن كعب في قوله ‏ {‏ومن كفر‏}‏ ‏:‏ إن هذا من قول الرب قال ‏{‏ومن كفر فأمتعه قليلاً‏}‏ وقال ابن عباس‏:‏ هذا من قول إبراهيم يسأل ربه أن من كفر فامتعه قليلا‏ً.‏ قلت‏:‏ كان ابن عباس يقرأ ‏{‏فامتعه‏}‏ بلفظ الأمر، فلذلك قال هو من قول إبراهيم‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ} عطفٌ على ما قبلَهُ منْ قولِه: وإذ جعلنا الخ إما بالذاتِ أو بعاملِه المضمرِ كما مرَّ {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا} ذا أمنٍ كعيشةٍ راضيةٍ أو آمناً أهلُهُ كليلةِ نائم أي اجعل هذا الواديَ من البلادِ الآمنة وكان ذلك أول ما قَدِمَ عليه السلام مكة كما رَوىٰ سعيدُ بنُ جبـير عن ابن عباس رضي الله عنهم أنه عليه الصلاة والسلام لما أسكنَ إسمعيلَ وهاجَر هناك وعادَ متوجهاً إلى الشام تَبعتْه هاجرُ فجعلتْ تقول: إلى من تَكِلُنا في هذا البلقَعِ وهو لا يَرُدُّ عليها جواباً حتى قالت آلله أمرك بهذا فقال: نعمْ قالت: إذنْ لا يُضيِّعُنا فرضِيَتْ ومضى حتى إذا استوى على ثَنِيّةِ كَداءٍ أقبل على الوادي فقال: "أية : ربنا إني أسكنت" تفسير : [إبراهيم، الآية 37] وتعريفُ البلدِ مع جعلِه صفة لهذا في سورة إبراهيم إن حمل على تعدد السؤال لما أنه عليه السلام سأَلَ أولاً كلا الأمرين البلديةِ والأمنِ فاسْتُجيبَ له في أحدِهما وتأخرَ الآخرُ إلى وقته المقدر له لما تقتضيه الحكمةُ الباهِرَةُ ثمَّ كرَّرَ السؤالَ حسبما هو المعتادُ في الدعاءِ والابتهالِ أو كان المسؤولُ أولاً البلديةَ ومجردَ الأمنِ المصححِ للسُكنى كما في سائرِ البلاد وقد أجيبَ إلى ذلك، وثانياً الأمنُ المعهودُ أو كان هو المسؤول أولاً أيضاً وقد أجيب إليه لكنَّ السؤالَ الثانيَ لاستدامتِه، والاقتصارُ على سؤالِه مع جعلِ البلدِ صفةً لهذا لأنهُ المقصِدُ الأصليُّ أو لأنَّ المعتادَ في البلدية الاستمرارُ بعد التحقق بخلافِ الأمنِ وإن حمل على وحدةِ السؤالِ وتكرُرِ الحكايةِ كما هو المتبادرُ فالظاهرُ أن المسؤولَ كلا الأمرين. وقد حُكي ذلك ههنا واقتُصرَ هناك على حكايةِ سؤالِ الأمنِ اكتفاءً عن حكايةِ سؤالِ البلديةِ بحكايةِ سؤال جعل أفئدة الناس تهوي إليه كما سيأتي تفصيلُه هناك بإذنِ الله عز وجل {وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ} من أنواعها بأن تجعلَ بقربٍ منه قرُىً يحصُل فيها ذلك أو يُجبىٰ إليه من الأقطارِ الشاسعةِ وقد حصل كلاهما حتى إنه يجتمعُ فيه الفواكهُ الربـيعيةُ والصيفيةُ والخريفية في يومٍ واحدٍ. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الطائفَ كانت من أرض فلِسطينَ فلما دعا إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام بهذه الدعوة رفعها الله تعالى فوضعَها حيث وضعها رزقاً للحرم وعن الزهري: أنه تعالى نقل قرية من قرى الشام فوضعها بالطائف لدعوةِ إبراهيم عليه الصلاة والسلام {مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} بدلٌ من أهلِه بدلَ البعض، خصهم بالدعاء إظهاراً لشرفِ الإيمان وإبانةً لخطره واهتماماً بشأن أهلِهِ ومراعاةً لحسنِ الأدبِ وفيه ترغيب لقومِه في الإيمان وزجر عن الكفر كما أن في حكايتِه ترغيباً وترهيباً لقريش وغيرهم من أهل الكتاب {قَالَ} استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال كما مر مراراً وقوله تعالى: {وَمَن كَفَرَ} عطفٌ على مفعولِ فعلٍ محذوف تقديره ارزقْ من آمن ومن كفر وقولُه تعالى: {فَأُمَتّعُهُ} معطوفٌ على ذلك الفعل أو في محل رفع بالابتداء وقولُه تعالى: فأمتعه خبرُه أي فأنا أمتعُهُ وإنما دخلته الفاءُ تشبـيهاً له بالشرط. والكفرُ وإن لم يكنْ سبباً للتمتيعِ المطلقِ لكنه يصلح سبباً لتقليلِه وكونِه موصولاً بعذابِ النار، وقيلَ: هو عطفٌ على من آمن عطفَ تلقينٍ كأنه قيلَ: قلْ وارزقْ من كفرَ فإنه أيضاً مجابٌ كأنَّهُ عليه السلامُ قاسَ الرزقَ على الإمامة فنبههُ تعالى على أنهُ رحمةٌ دنيويةٌ شاملةٌ للبَرِّ والفاجرِ بخلافِ الإمامةِ الخاصةِ بالخواص وقرىء فأُمْتِعُه من أمتع وقرىءَ فنمُتِّعُه {قَلِيلاً} تمتيعاً قليلاً أو زماناً قليلاً {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ} أي أَلُزُّهُ إليه لزَّ المضطرِ لكفرِه وتضيـيعِه ما متّعتُه به من النعمِ وقرىءَ ثمَّ نضطَرُّه على وفق قراءة فنُمتِّعه وقرىء فأَمتِعْه قليلاً ثم اضْطَرَّهُ بلفظ الأمرِ فيهما على أنهما من دعاء إبراهيم عليه السلامُ وفي (قال) ضميره وإنما فصلُه عما قبله لكونِه دعاءً على الكفرة، وتغيـير سبكهِ للإيذانِ بأنَّ الكُفر سببٌ لاضطرارهم إلى عذابِ النارِ وأما رزقُ من آمن فإنما هو على طريقةِ التفضّلِ والإحسانِ وقرىءَ بكسر الهمزةِ على لغةِ من يكسرُ حرفَ المضارعةِ وأَطَّرُّه بإدغام الضادِ في الطاء وهي لغةٌ مرذولةٌ فإنَّ حروفَ (ضم شفر) يُدغمُ فيها ما يجاورُها بلا عكسِ {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} المخصوص بالذم محذوفٌ أي بئس المصيرُ النارُ أو عذابُها.

اسماعيل حقي

تفسير : {وإذ قال إبراهيم} اى واذكر يا محمد اذ دعا ابراهيم فقال يا {رب اجعل هذا} المكان وهو الحرم {بلدا آمنا} ذا امن يأمن فيه اهله من القحط والجدب والخسف والمسخ والزلازل والجنون والجذام والبرص ونحو ذلك من المثلات التى تحل بالبلاد فهو من باب النسب اى بلدا منسوبا الى الامن كلابن وتامر فانهما لنسبة موصوفهما الى مأخوذهما كأنه قيل لبنىّ وتمرىّ فالاسناد حقيقى او المعنى بلدا آمنا اهله فيكون من قبيل الاسناد المجازى لان الامن الذى هو صفة لاهل البلد حقيقة قد اسند الى مكانهم للملابسة بينهما وكان هذا الدعاء فى اول ما قدم ابراهيم عليه السلام مكة لانه لاما اسكن اسماعيل وهاجر هناك وعاد متوجها الى الشام تبعته هاجر فجعلت تقول الى من تكلنا فى هذا البلقع اى المكان الخالى من الماء والنبات وهو لا يرد عليها جوابا حتى قالت آلله امرك بهذا فقال نعم قالت اذا لا يضيعنا فرضيت ومضى حتى اذا استوى على ثنية كداء اقبل على الوادى فقال {أية : ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع} تفسير : [إبراهيم: 37] الى آخر الآية. {وارزق أهله من الثمرات} [البقرة: 126]. جمع ثمرة وهى المأكولات مما يخرج من الارض والشجر فهو سؤال الطعام والفواكه وقيل هى الفواكه وانما خص هذا بالسؤال لان الطعام المعهود مما يكون فى كل موضع واما الفواكه فقد تندر فسأل لاهله الامن والسعة مما يطيب العيش ويدوم فاستجاب له فى ذلك لما روى انه لما دعا هذا الدعاء امر الله جبريل بنقل قرية من قرى فلسطين كثيرة الثمار اليها فاتى فقلعها وجاء بها وطاف بها حول البيت سبعا ثم وضعها على ثلاث مراحل من مكة وهى الطائف ولذلك سميت به ومنها اكثر ثمرات مكة ويجئ اليه ايضا من الاقطار الشاسعة حتى انه يجتمع فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية فى يوم واحد {من آمن منهم بالله واليوم الآخر} بدل من اهله والمعنى وارزق المؤمنين خاصة {قال} الله تعالى {ومن كفر} معطوف على محذوف اى ارزق من آمن ومن كفر قاس ابراهيم عليه الصلاة والسلام الرزق على الامامة حيث سأل الرزق لاجل المؤمنين خاصة كما خص الله تعالى الامامة بهم فى قوله تعالى {أية : لا ينال عهدى الظالمين} تفسير : [البقرة: 124]. فلما رد سؤاله الامامة فى حق ذريته على الاطلاق حسب ان يرد سؤاله الرزق فى حق اهل مكة على الاطلاق فلذلك قيد بالايمان تأدبا بالسؤال الاول فنبه سبحانه على ان الرزق رحمة دنيوية تعم المؤمن والكافر بخلاف الامامة والتقدم {فأمتعه} اى امد له ليتناول من لذات الدنيا اثباتا للحجة عليه {قليلا} اى تمتيعا قليلا فان الدنيا بكليتها قليلة وما يتمتع الكافر به منها قليل من القليل فان نعتمه تعالى فى الدنيا وان كانت كثيرة باضافة بعضها الى بعض فانها قليلة باضافتها الى نعمة الآخرة وكيف لا يقل ما يتناهى بالاضافة الى ما لا يتناهى فقليلا صفة مصدر محذوف ويجوز ان يكون صفة ظرف محذوف اى امتعه زمانا قليلا وهو مدة حياته {ثم أضطره إلى عذاب النار} الاضطرار فى اللغة حمل الانسان على ما يضره وهو فى المتعارف حمل الانسان بكفره على ان يفعل ما اكره عليه باختياره ترجيحا لكونه اهون الضررين فلا شىء أشد من عذاب النار حتى يكره الكفار به ليختاروا عذاب النار لكونه أهون منه فلا يكون اضطرارهم الى عذاب النار مستعملا فى معناه العرفى فهو مستعار للزهم والصاقهم به بحيث يتعذر عليهم التخلص منه كما قال تعالى {أية : يوم يسحبون فى النار على وجوههم} تفسير : [القمر: 48]. فانه صريح فى ان لا مدخل لهم فى لحوق عذاب الآخرة بهم ولا اختيار الا انهم سموا مضطرين اليه مختارين اياه على كره تشبيها لهم بالمضطر الذى لا يملك الامتناع عما اضطر اليه فالمعنى الزه اليه لز المضطر لكفره وتضييعه ما متعته به من النعم بحيث لا يمكنه الامتناع منه {وبئس المصير} المخصوص بالذم محذوف اى بئس المرجع الذى يرجع اليه للاقامة فيه النار او عذابها فللعبد فى هذه الدنيا الفانية الامهال اياما دون الاهمال اذ كل نفس تجزى بما كسبت ولا تغرنك الزخارف الدنيوية فان للمطيع والعاصى نصيبا منها وليس ذلك من موجبات الرفعة فى الآخرة: قال الحافظ شعر : بمهلتى كه سبهرت دهد ز راه مرو تراكه كفت كه آن زال ترك دستان كفت تفسير : قال تعالى {أية : سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} تفسير : [الأعراف: 182]. قال سهل فى معنى هذه الآية نمدهم بالنعم وننسيهم الشكر عليها فاذا ركنوا الى النعمة وحجبوا عن المنعم اخذوا. وقال ابو العباس بن عطاء يعنى كلما احدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة وانسيناهم الاستغفار من تلك الخطيئة فعلى العاقل ان لا يغتر بالزخارف الدنيوية بل لا يفرح بشئ سوى الله تعالى فان ما خلا الله باطل وزائل والاغترار بالزائل الفانى ليس من قضية كمال العقل والفهم والعرفان. فان قلت ما الحكمة فى امهال الله العصاة فى الدنيا. قيل ان الله تعالى امهل عباده ولم يأخذهم بغتة فى الدنيا ليرى العباد سبحانه وتعالى ان العفو والاحسان احب اليه من الاخذ والانتقام وليعلموا شفقته وبره وكرمه ولهذا خلق النار كرجل يضيف الناس ويقول من جاء الى ضيافتى اكرمته ومن لم يجئ فليس عليه شئ ويقول مضيف آخر من جاء الى اكرمته ومن لم يجئ ضربته وحبسته ليتبين غاية كرمه وهو اكمل واتم من الكرم الاول والله تعالى دعا الخلق الى دعوته بقوله {أية : والله يدعوا إلى دار السلام} تفسير : [يونس: 25] ثم دفع السيف الى رسوله فقال من لم يجب ضيافتى فاقتله فعلى العاقل ان يجيب دعوة الله ويرجع الى الله بحسن اختياره فانه هو المقصود والكعبة الحقيقية وكل القوافل سائرة اليه. واعلم ان البلد هو الصورة الجسمانية والكعبة القلب والطواف الحقيقى هو طواف القلب بحضرة الربوبية وان البيت مثال ظاهر فى عالم الملك لتلك الحضرة التى لا تشاهد بالبصر وهو فى عالم الملكوت كما ان الهيكل الانسانى مثال ظاهر فى عالم الشهادة للقلب الذى لا يشاهد بالبصر وهو فى عالم الغيب والذى يقدر من العارفين على الطواف الحقيقى القلبى هو الذى يقال فى حقه ان الكعبة تزوره. وفى الخبر "حديث : ان لله عبادا تطوف بهم الكعبة ". تفسير : وفرق بين من يقصد صورة البيت وبين يقصد رب البيت ـ وروى ـ ان عارفا من اولياء الله تعالى قصد الحج وكان له ابن فقال ابنه الى اين تتقصد فقال الى بيت الله فظن الغلام ان من يرى البيت يرى رب البيت قال يا ابى لم لا تحملنى معك فقال انت لا تصلح لذلك فبكى الغلام فحمله معه فلما بلغا الميقات احرما ولبيا ودخلا الحرم فلما شوهد البيت تحرم الغلام عند رؤيته فخر ميتا فدهش والده وقال اين ولدى وقطعة كبدى فنودى من زاوية البيت انت طلبت البيت فوجدته وهو طلب رب البيت فوجد رب البيت فرفع الغلام من بينهم فهتف هاتف انه ليس فى حيز ولا فى الارض ولا فى الجنة بل هو فى مقعد صدق عند مليك مقتدر فمن اعرض سره عن الجهة فى توجهه الى الله صار الحق قبلة له فيكون هو قبلة الجميع كآدم عليه السلام كان قبلة الملائكة لانه وسيلة الحق بينه وبين ملائكته لما عليه من كسوة جمالية وجلاله قال الشيخ العطار قدس سره فى منطق الطير شعر : حق تعالى كفت آدم غير نيست كور جشمى و ترا اين سير نيست شد نفخت فيه من روح آشكار سر جانان كشت بر خاك استوار تفسير : وقال فى محل آخر شعر : از دم حق آمدى آدم تويى اصل كرمنا بنى آدم تويى قبله كل آفر ينش آمدى باى تا سر عين بينش آمدى تفسير : اللهم اوصلنا الى العين وخلصنا من البين.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الإشارة تعود إلى المكان، أو البلد، أي: اجعل هذا المكان بلداً ذا أمن، قال بعضهم: نكَّرَ البلد هنا، وعرَّفه في سورة إبراهيم، لان هذا الدعاء وقع قبل أن يكون بلداً، وفي سورة إبراهيم وقع بعد أن كان بلداً فلذلك عرَّفه، وفيه نظر من جهة التاريخ، وسيأتي تمامه هناك إن شاء الله. وقوله: {مَن آمَن}: بدل من {أهله}، بدل البعض للتخصيص، و {مَن كفر}: معطوف على {مَن آمَن}، على حذف المضارع، أي: وارزق من كفر. يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكر {إذ قال إبراهيم} في دعائه لمكة لما أنزَل ابنَه بها بواد غير ذي زرع، وتركه في يد الله تعالى: {رب اجعل هذا} المكان {بلداً آمناً} يأمن فيه كل من يأوي إليه، {وارزق أهله من} أنواع {الثمرات}، كالحبوب وسائر الفواكه، {من آمن منهم بالله واليوم الآخر} {قال} الحقّ جلّ جلاله: بل وأرزق أيضاً {من كفر} في الدنيا {فأمتعه} زمناً {قليلاً}، أو تمتيعاً قليلاً، {ثم} ألجئه {إلى عذاب النار} وبئس المرجع مصيره. قاس إبراهيم الخليل الرزق على الإمامة، فنبَّه سبحانه وتعالى أن الرزق رحمه دنيوية، تعم المؤمن والكافر، بخلاف الإمامة، والتقدم في الدين، فإنها سبب النعيم الأخروي، ولا ينالها إلا أهلُ الإيمان والصلاح. الإشارة: دعاء الأنبياء عليهم السلام، كما يصدقُ بالحس يصدق بالمعنى، فيشمل دعاءُ الخيل القلوبَ التي هي بلد الإيمان، والأرواح التي هي معدن الأسرار والإحسان، فتكون آمنة من طوارق الشيطان، ومحفوظة من الوقوف مع رؤية الأكوان، آمنة من الأكدار، محفوظة من رؤية الإغيار، فيرزقها الله من ثمرة العلوم، ويفتح لها من مخازن الفهوم، من آمن منهم بالشريعة الظاهرة، وجاهد نفسه في عمل الطريقة الباطنة، حتى أشرقت عليه أنوار الحقيقة العيانية، وأما من كفر بطريقة الخصوص، ووقف مع ظاهر النصوص، فإنما يُمَتَّع بعلم الرسوم الذي حدُّ حلاوته اللسان، ثم يلجأ إلى عذاب الحجاب، وسوء الحساب، ولم يُفْضِ إلى حلاوة الشهود والعيان، التي يمتع بها الجَنَانُ حتى يُفْضي إلى نعيم الجنَان، فيتم النعيم بالنظر إلى وجهه الكريم، منحنا الله من ذلك حظاً وافراً يمنِّه وكرمه.

الطوسي

تفسير : المعنى: التقدير واذكروا إذ قال ابراهيم رب اجعل هذا بلداً آمناً. فان قيل: هل كان الحرم آمنا قبل دعوة ابراهيم (ع)؟ قيل فيه خلاف: قال مجاهد عن ابن عباس، وابو شريح الخزاعي: كان آمنا لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) حين فتح مكة هذه حرم حرمها الله يوم خلق السماوات والارض، وهو الظاهر في رواياتنا. وقال قوم: كانت قبل دعوة ابراهيم كسائر البلاد، وانما صارت حرماً بعد دعوته (ع) كما صارت المدينة. لما روي ان النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:حديث : ان ابراهيم (ع) حرم مكة، واني حرمت المدينة . تفسير : وقال بعضهم: كانت حراماً والدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت به حراماً بعد الدعوة والاول يمنع الله إياها من الاضطلام، والانتقام، كما لحق غيرها من البلاد، وبما جعل في النفوس من تعظيمها، والهيبة لها. والوجه الثاني ـ بالامر على ألسنة الرسل. فأجابه الله إلى ما سأل. وانما سأل أن يجعلها آمنا من الجدب، والقحط لانه أسكن أهله بواد غير ذي زرع، ولا ضرع. ولم يسأله أمنه من انتقال، وخسف، لانه كان آمنا من ذلك. وقال قوم: سأله الامرين على ان يديمهما له. وان كان احدهما مستأنفا، والآخر كان قبل. ومعنى قوله: {بلداً آمنا} أي يأمنون فيه. كما يقال: ليل نائم أي النوم فيه. اللغة: والبلد والمصر والمدينة نظائر. ورجل بليد اذا كان بعيد الفطنة. وكذلك يقال للدابة التي تقصر عن نظائرها. وأصل البلادة التأثير. ومن ذلك قولهم لكركرة البعير: بلدة لانه اذا برك تأثرت. والبلد: الاثر في الجلد، وغيره. وجمعه أبلاد. وانما سميت البلاد من قولك. بلد او بلدة، لانها مواضع مواطن الناس وتأثيرهم. والبلد: المقبرة ويقال: هو نفس القبر قال حفاف: شعر : كل امرىء نازل أحبته ومسلم وجهه إلى البلد تفسير : و {لا أقسم بهذا البلد} يعني بمكة والتبلد نقيض التجلد. وهو استكانة وخضوع. وتبلد الرجل: اذا نكس وضعف في العمر، وغيره حتى في السجود. والبلدة: منزل من منازل القمر. وأصل الباب البلد، وهو الاثر في الجلد، وغيره. المعنى: وقوله {فأمتعه قليلا} يعني بالرزق الذي أرزقه إلى وقت مماته. وقيل فأمتعه بالبقاء في الدنيا. قال الحسن: فامتعه بالامن والرزق إلى خروج محمد (صلى الله عليه وسلم) فيقتله إن أقام على كفره. أو يجليه عنها. وقد قرىء في الشواذ فامتعه على وجه الدعاء بصورة الامر، ثم اضطره بمثل ذلك على ان يكون ذلك سؤالا من ابراهيم ان يمتع الكافر قليلا ثم يضطره بعد ذلك إلى عذاب النار. والاول اجود لانه قراءة الجماعة، هذا مروي عن ابن عباس. القراءة: والراء مفتوحة في هذه القراءة وكان يجب ان تكسر كما يقال مد ومد ولم يقرأ به أحد وقرأ: ابن عباس وحده {فأمتعه قليلا} من المتعة على الخبر الباقون بالتشديد بدلالة قوله: {متعناهم إلى حين}. اللغة: والفرق بين متعت وامتعت ان التشديد يدل على تكثير الفعل، وليس كذلك التخفيف. وفعلت وافعلت يجيء على خمسة اقسام: احدها ـ ان يكونا بمعنى واحد كقولهم: سميت واسميت ويجيء على التكثير والتقليل ويجيء على النقص كقولك: فرطت: قصرت. وافرطت: جاوزت. والرابع ـ توليت الفعل وتركته حتى يقع: كقوله {يخربون بيوتهم} اي يهدمون. فاما اخربت فمعناه تركت المنزل وهربت منه حتى خرب. والخامس ـ ان ينفرد احدهما عن الآخر. كقولك: كلمت لا يقال فيه افعلت واجسلت ولا يقال: منه فعلت. المعنى: ومعنى {ثم أضطره} ادفعه إلى عذاب النار وأسوقه اليها. والاضطرار هو الفعل في الغير على وجه لا يمكنه الانفكاك منه، اذا كان من جنس مقدوره، ولهذا لا يقال فلان مضطر الى كونه ـ وان كان لا يمكنه دفعه عن نفسه ـ لما لم يكن الكون من جنس مقدوره. ويقال هو مضطر إلى حركة الفالج وحركة العروق، لما كانت الحركة من جنس مقدورة. وقوله: {وبئس المصير} هو الحال التي يؤدي اليها اولها. اللغة: وصار وحال وآل نظائر. يقال صار يصير مصيرا، قياسه رجع يرجع مرجعا وصيرة تصييرا قال صاحب العين: صير، كل امر مصيرة والصيرورة مصدر صار يصير صيرورة. وقال بعضهم: صيور الامر اخره. قال الكميت يمدح هشام ابن عبد الملك: شعر : ملك لم يصنع الله منه بدء أمر ولم يضع صيورا تفسير : وصارة الجبل: رأسه. والصير: الشق. وفي الحديث حديث : من نظر في صير باب ففقئت عينه فهي هدرتفسير : . وصير البقر: موضع يتخذه للحظيرة. واذا كان للغنم فهو زريبة واصل الباب: المصير، وهو المآل. المعنى: ومعنى الآية سأل سؤال عارف بالله مطيع له، وهو ان يرزق من الثمرات من آمن بالله، واليوم الاخر، فاجاب الله ذلك، ثم أعلمه انه يمنع من كفر به، لاجل الدنيا، ولا يمنعه من ذلك كما يتفضل به على المؤمن، ثم يضطره في الآخرة، إلى عذاب النار، وبئس المصير. وهي كما قال: نعوذ بالله منها. وقوله في الآية {قليلا} يحتمل ان يكون صفة للمصدر كما قال متاعا حسنا فوصف به المصدر، وليس لاحد ان يقول كيف يوصف به المصدر، وهو فعل يدل على التكثير، وكيف يستقيم وصف الكثير بالقليل في قوله {فأمتعه} وهلا كانت قراءة ابن عامر ان حج على هذا وذلك ايضاً إنما وصفه بانه قليل من كان آخره إلى نفاد، ونقص، وفناء. كما قال {متاع الدنيا قليل} ويجوز ايضاً ان يكون صفة للزمان. كما قال: {عما قليل ليصبحن نادمين} يعني بعد زمان قليل وعن ابي جعفر "ع" في قوله: {وارزقهم من الثمرات} اي تحمل اليهم من الآفاق.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا} البلد الّذى هو مكّة او هذا الصّدر الّذى صار مكّة مظهراً له على ما سبق الاشارة اليه {بَلَداً آمِناً} من تغلّب المتغلّبين بمحض الارادة ومن اقتصاص الجانى الملتجئ اليه ومن اصطياد صيده بالمواضعة التّكليفيّة ومن شرّ الشّياطين من الانس والجنّ ومن استراق السّمع بحافظيّتك اذا اريد البلد الّذى هو الصّدر المنشرح {وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ} اهل بلد مكّة من ثمرات الدّنيا كما نقل انّه يوجد فيه ثمرات الصّيف والشّتاء فى وقت واحد. وروى انّ ابراهيم لمّا دعا بهذا الدّعاء أمر الله تعالى بقطعةٍ من الاردنّ فسارت بثمارها حتّى طافت بالبيت ثمّ أمرها ان تنصرف الى هذا الموضع الّذى سمّى بالطّائف ولذلك سمّى طائفاً. وعن الباقر (ع) انّ الثّمرات تحمل اليهم من الآفاق وقد استجاب الله له حتّى لا توجد فى بلاد المشرق والمغرب ثمرة لا توجد فيها حتّى حكى انّه يوجد فيها فى يومٍ واحدٍ فواكه ربيعيّة وصيفيّة وخريفيّة وشتائيّة وعن الصّادق (ع) يعنى من ثمرات القلوب اى حبّهم الى النّاس ليأتوا اليهم ويعودوا، وهذا بيانٌ لتأويل الثّمرات وعلى تأويل البلد فالمعنى وارزق أهله من ثمرات العلوم ومن ثمرات القلوب وثمرات القلوب ان تتولاّهم وتقبّل ولايتهم {مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} بدل من أهله نسب الى السجّاد (ع) أنّه قال: انّ المقصود منهم الائمّة من آل محمّدٍ (ص) وشيعتهم {قَالَ وَمَن كَفَرَ} عطف على من آمن على ان يكون البدل بدل الكلّ من الكلّ بدلاً تفصيليّاً يكون تتميمة من الله ويكون قوله تعالى: {فَأُمَتِّعُهُ} اوّل كلام من الله، او من كفر ابتداء كمال من الله معطوف على مقدّرٍ جواب لمسؤل ابراهيم (ع) كأنّه تعالى قال اجابة لمسؤله من آمن أرزقه ومن كفر فانا أمتّعه؛ على ان يكون من شرطيّة ودخول الفاء فى المضارع المثبت مع عدم جوازه بتقدير أنا، ورفعه لكون الشّرط ماضياً، او من موصولة ودخول الفاء فى الخبر لتضمّن المبتدأ معنى الشّرط، وترتّب التّمتيع على الكفر باعتبار التّقييد بالقلّة وتعقيب الاضطرار الى العذاب {قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} نسب الى السجّاد (ع) انّه قال: عنى بذلك من جحد وصيّه ولم يتّبعه من أمّته كذلك والله هذه الأمّة.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً ءَامِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} قال الكلبي: تحمل إلَيه من الآفاق. قال بعضهم: ذكر لنا أن سيلاً أتى على المقام فاقتلعه، فإذا في أسفله كتاب، فدعوا إليه رجلاً من حمير فزبره لهم في جريدة، ثم قرأه عليهم، فإذا فيه: هذا بيت الله المحرم، جعل رزق أهله من معبرة تأتيهم من ثلاثة سبل مبارك لأهله في الماء واللحم. وأول من يحله أهله. ذكروا عن مجاهد أنه قال: وجد عند المقام كتاب فيه: إني أنا الله ذو بكة صغتها يوم خلقت الشمس والقمر، وحرمتها يوم خلقت السماوات والأرض، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، وجعلت رزقها يأتي من ثلاث سبل، مبارك لأهلها من الماء واللحم، وأول من يحلها أهلها. قال: وسمعت بعضهم يقول: ويوم وضعت هذين الجبلين، لا تزول حتى يزول الأخشبان قال: فسألت بمكة ما الأخشبان؟ فقيل لي: هذان الجبلان. قوله: {مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}. قال الحسن: لما قال إبراهيم {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ} قال الله: إني مجيبك وأجعله بلداً آمناً، ولكن لمن آمن منهم بالله واليوم الآخر إلى يوم القيامة، ومن كفر فإني أمتعه قليلاً وأرزقه من الثمرات وأجعله آمناً في البلد، وذلك إلى قليل، إلى خروج محمد. وذلك أن الله أمر محمداً عليه السلام أن يخرجهم من الحرم، وهو المسجد الحرام. قال: وهو مثل قوله: (أية : بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاَءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ) تفسير : [الزخرف: 29] وأشباهها. قال: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ} [أي أدفعه] إلى عذاب النار وبيس المصير.

اطفيش

تفسير : {وإِذْ قَالَ إبراهيمُ ربِّ اجْعَل هذا}: أى هذا البلد، وهذا المكان والمراد الحرم كله، وقيل مكة. {بَلَداً آمِناً}: أى ذا أمن، ففاعل للنسب كَلاَ بِن بمعنى ذا لبن، وتامر بمعنى صاحب تمر، أو آمناً أهله بحذف المضاف، فأجاب الله دعاءهُ فجعلهُ لا يسفك فهي دم إنسان فى الجاهلية، والإسلام، ولا يظلم فيه أحد، ويمتنع الملتجئ إليه، ولا ينفر صيده، فضلا عن أن يقتل ولا يختل خلاه، ولا يعضد شجره، ويجوز أن يكون إسناد الأمر إليه من مجاز الإسناد من الإسناد إلى المكان، كقولك مضجعه نائم، ويشبه ذلك الإسناد إلى الزمان، وكقوله نهاره صائم، فالزمان والمكان كلاهما ظرف للأفعال، وقيل المعنى آمناً من الجبابرة والعدو والمستأصل، وممن يتملكه أو يتملك بينه، وما قصده جبار إلا قصمه الله، عز وجل، كما فعل بأصحاب الفيل. وأما الحجاج ولو غزا مكة وخرب الكعبة، لكن قصده نزع ابن الزبير من الخلافة، ولما حصل قصده أعاد بناء الكعبة وشيدها، وعظم حرمتها وأحسن إلى أهلها، وبناؤها اليوم هو بناؤه باقياً. وتحريم مكة إنما هو من الله قبل إبراهيم لقوله، صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض" تفسير : كما مر. وعن مجاهد: أن كتابا وجد عند المقام فيه: أنا الله ذو بكة، منعتها يوم خلقت الشمس والقمر، وحرمتها يوم ختلقت السماوات والأرض، وحففتها بسبعة أملاك، وجعلت رزقها من ثلاث سبل مباركاً لأهلها فى الماء واللحم. ويتبادر أيضاً من قول إبراهيم: {أية : ربَّنَا إنِّى أسكنتُ مِنْ ذُرِّيتى بوادٍ غَيْرِ ذِى زَرْع عِنْد بيتِك المُحرّم} تفسير : أنها كانت محرمة قبل إبراهيم، وهى محرمة قبل دعوته هذه قطعا، وأما قوله، صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن إبراهيم حرم مكة وإنى حرمت المدينة" تفسير : فلا حجة فيه لمن قال كانت حلالا قبل إبراهيم وحرمت بدعوته، لأن المراد بتحريم إبراهيم إياها تبليغه تحريم الله إياها، كما مر تأويله ولم يؤمر غيره من الأنبياء بذلك، ولكن منعها الله حتى أظهر ذلك على لسان رسوله إبراهيم، أما أن يلهم الدعاء بتحريمها فأجابه الله بإظهاره وأما أن يكون قد علم بتحريمها فدعا الله أن يظهره على لسانه للناس. {وارزُق أهلَه منَ الثَّمرات}: من للتبعيض قائمة مع مجرورها مقام المفعول، أو المفعول محذوف أى شيئاً من الثمرات، أو هى مفعول مضاف دعا إبراهيم هذا لأنها ليست أرض زرع ولا ثمر، فأجاب الله سبحانه وتعالى دعاءه فجعله حرماً آمناً تجبى إليه ثمرات كل شئ، وجعل أرض الطائف أرض زرع وثمر، ولم تكن كذلك قبل دعائه وهو قادر على إنباع الماء وإنبات الشجر، والثمار حيث لم تكن. وروى أن الله، تبارك وتعالى. أمر جبريل، فاقتلع أرضا من فلسطين من الشام، وقيل أرضا من الأردن من الشام فطاف بها حول البيت سبعاً، وأنزلها بوجه موضع بالطائف، فسميت الطائف بسبب الطواف، أى المكان الطائف، وذكروا أن سيلا قطع أرض المقام، فإذا فى أسفله كتاب، فدعوا إليه رجلا من حمير فترجمه إليهم فى جريدة، ثم قرأ عليهم، فإذا فيه: هذا بيت الله المحرم، جعل رزق أهله من ثلاث سبل، مبارك لأهله فى الماء واللحم، وأول من يحله أهله، وروى: لا تزول حرمتها حتى يزول الأخشبان وهما جبلان. {مَنْ آمَنَ مِنْهُم بالله واليوم الآخر}: من هو بدل أهله، بدل بعض، أتى به للتخصيص، خصص المؤمنين بالدعاء ليناسب قوله تعالى: {أية : لاَ يَنَال عَهدِى الظّالمِين}تفسير : وقياساً عليه لما سأل الإمامة لذريته فأجاب الله تعالى: وللمؤمنين، فتأدب أن يدعوه بالرزق للكفار، لأن الكفار يستعينون بالرزق على الكفر والمعاصى، فأجابه الله تعالى: بأنى أرزق الكافر والمؤمن، وأن الرزق رحمة دنيوية تعم الكافر كما تعم المؤمن، كما قال الله تعالى: {قال ومَنْ كَفَر}: أى قال الله له قل يا رب ارزق مَنْ آمن منهم، مَنْ آمن بالله واليوم الآخر، ومن كفر فلا أخص بالرزق المؤمن، كما أخص بالإمامة المؤمن، فضمير قال عائد إلى الله تعالى، ومن كفر عطف على من آمن فى كلام إبراهيم عطف تلقين، أو التقدير قال قل: ومَنْ كفر فقوله {ومن كفر} رد من الله على إبراهيم فى تخصيصه من آمن بالدعاء بالرزق. {فأمتِّعهُ قَليلاً}: تمتيعاً قليلا، أو زمانا قليلا، والدنيا كلها قليل ولا سيما عمر الإنسان. وعن الحسن: المراد بالقليل ما بين ذلك إلى خروج محمد، صلى الله عليه وسلم. فإن الله أمره أن يخرجهم من المسجد الحرام. كقوله: {أية : حتَّى جاءَهُم الحَقّ ورَسُولٌ مُبين}، تفسير : الفاء للتعليل أى قال الله له: قل ومن كفر لأنه أمتعه.. إلخ، ويجوز أن يكون من شرطية، والجواب أنا أمتعه، أو قد أمتعه، فحذف المبتدأ، أو قد بين الفعل والفاء، أو هو موصولة مبتدأ أشبهت الشرطية فى العموم، أى والذين كفروا أمتعهم أيضاً، وعلى هذين الوجهين أيضاً فى الكلام تعميم فى الرزق للمؤمن والكافر، ورد على إبراهيم فى تخصص المؤمن فى دعائه بالرزق وليس رد إنكار أو تخطئة، ولكن إرشاد إلى حكمة ا لله وقضائه بالتمتيع قليلا، فالاضطراب إلى العذاب، فإن قلت: كيف يترتب التمتيع على الكفر؟ قلت: ترتب عليه باعتبار مسببه وهو الاضطرار إلى عذاب النار، فإن الاضطرار إليه مسبب والكفر سبب، وهذا كما يتم الربط والفائدة بالتابع أو غيره، ووجه آخر أن معنى تمتيعه قصره على متاع الدنيا بحيث لا ينال عمل الآخرة، فهذا خذلان مترتب على الكفر مسبب له، ويترتب على هذا الخذلان بالتمتيع العقاب بالنار، ولذا عطف على التمتيع قوله: {ثُم أَضطرُّه إلى عَذابِ النَّار}: أى أوجهه إلى عذاب النار على كره منه لكفره، واستعماله متاع الدنيا فى المعاصى، وأضطر مضارع مبنى للفاعل متعد للمفعول، وهو أفتعل من الضرر، أى أوقعه فى عذاب النار الذى هو ضرر، وطاؤه عن تاء. وقرئ فأمتعه بضم الهمزة كقراءة الجمهور، وإسكان الميم وتخفيف الميم، وهو مضارع كقراءة الجمهور، والتعدية فيها بالهمزة المحذوفة، وفى قراءة الجمهور بالتشديد. وقرأ أبىّ: فنمتعه ثم نضطره بالنون، فقرأ ابن محيصن ثم أطرُّه بإبدال الضاد طاء، وإدغامها فى الطاء وهو لغة ضعيفة، لأن حروف ضم شفر يدغم فيها ما قبلها ولا تدغم فيما بعدها، وقرأ يحيى بن وثاب: فإضطره بكسر الهمزة على قراءة كسر حرف المضارعة، وقرأ ابن عباس وابن عامر: فأمتعه بفتح الهمزة وإسكان الميم وإسكان العين، ثم اضطره بوصل الهمزة وضم الراء مشددة على أنهما بصيغة الأمر، دعاء من إبرَاهيم أن يمتع الكافر قليلا ثم يضطره إلى عذاب النار، وعلى هذه القراءة يكون ضمير قال عائد إلى إبراهيم عليهِ السلام: قال أبو العالية: كان ابن عباس يقول ذلك قول إبراهيم سأل ربه أن من كفر فأمتعه قليلا. يقول فارزقه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار أى ألجئه. {وَبِئْسَ المَصِير}: هو أى العذاب أو هى أى النار، والمصير اسم مكان، أى الموضع الذى يصير إليه أن ينتقل إليه.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا} أى هذا البلد، دعاء بعد أن كان عمارة، أو هذا المكان، وهو أرض مكة قبل أن يكون فيها ماء وعمارة، وهذا الدعاء قبل ذلك {بَلَداً ءَامِناً} ذا أمن كلا بن، بمعنى ذى لبن، أو مجاز عقلى من الإسناد إلى المكان، إذ الأمن من فيه، أو آمنا أهله، طلب فى المرة الأولى، كون الوادى بلداً آمنا، أى معموراً آمنا، فاستجيب له فى كونه بلدا معمورا، وتأخرت الاستجابة فى الأمن، ثم كرر الطلب للأمن فاستجيب له، إذ قال: رب اجعل هذا البلد آمنا، فجعله الله بلداً آمنا، لا ينفر صيده، ولا يسفك فيه دم، ولو قصاصا أو حدا، إلا إن جنى فيه. وعن الشافعى يقتص منه ويحد فيه ولو جنى خارجه إذا دخله، ولا يختلى خلاه، وتضاعف فيه السيئات، الواحدة بمائة، كالحسنات، الواحدة بألف وبمائة ألف، ولا يظلم فيه، ولا يخسف، ولا يمسخ فيه إلا ما قيل، إنه مسخ رجل وامرأة زنيا فى الكعبة، ولا يقحط ولا يخاف من عدو، وليس طلب الأمن تكريرا لقوله: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا، لأن ذلك إخبار من الله، وما هنا طلب من إبراهيم، أخبرنا الله بما استجاب له فيه قبل، فلا حاجة إلى أن يقال، أراد هنا الأمن من القحط كما قال: {وارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَٰتِ} أى من أنواعها، وقد استجيب له حتى إنه يجتمع فيها فى اليوم الواحد ثمرات الفصول من الطائف. قال ابن عباس، نقل الله بقعة من فلسطين بالشام، وقيل من الأردن، وجعلها فى الطائف، وسميت بالطائف، لأن جبريل طاف بها سبعا، ووصفها فى ذلك الموضع، توسعة لرزق الحرم، إجابة لدعائه عليه السلام: {مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ} لا جميع أهله ولو كفارا، متابعة لقوله تعالى: "أية : لا ينال عهدى الظالمين" تفسير : [البقرة: 124] فأخبره الله أن الرزق يعم الظالم، لا كالإمامة بقوله" قَالَ" قال الله عز وجل {ومن كفر} عطف من الله على قول إبراهيم، من من، كما فى قوله {ومن ذريتي} وكما يقول الرجل، أكرم زيدا، فتقول، وابنه، أو يقدر، والرزق من كفر، بفتح الهمزة وضم القاف، وعطف على هذا المنذر بقوله: {فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً} أو قل، يا إبراهيم، ومن كفر، أو ارزق من آمن ومن كفر بالفتح والضم، أو من كفر فأنا أمتعه، أو فقد أمتعه، فحذف أنا، أو قد، وإن جعلنا من موصولة مبتدأ فالفاء صلة فى خبرها بلا تقدير، والمراد تمتيعا قليلا أو زمانا قليلا، أو كلما كثر أو طال من الدنيا فقليل قاصر {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ} الجئه بعد موته {إلَى عَذَابِ النَّارِ} لكفره، فلا يجد امتناعا عنها، وذلك بلا تحرك منه، كقوله تعالى: يوم يدعُّونَ إِلَى نَارِ جَهنم دعا، وقوله: يسحبون، وقوله "أية : يؤخذ بالنواصى والأقدام" تفسير : [الرحمٰن: 41] ويتحرك كقوله عز وجل "أية : وسيق الذين كفروا" تفسير : [الزمر: 71] {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} النار أو عذابها، أو الصيرورة، فإنه يصار إلى المعانى كما يصار إلى الأجسام، والمتسبب عن الفكر شيئان، الأول تقليل التمتيع، إذ قصر عن التمتيع الدنيوى، ولم يوصل بالأخروى، والثانى اضطراره إلى عذاب النار.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءامَنَّا} الإشارة إلى الوادي المذكور بقوله تعالى: {أية : رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ }تفسير : [إبراهيم: 37] أي اجعل هذا المكان القفر بلداً الخ فالمدعو به البلدية مع الأمن، وهذا بخلاف ما في سورة إبراهيم [35] {أية : رَبّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ امِنًا} تفسير : ولعل السؤال متكرر، وما في تلك السورة كان بعد، والأمن المسؤول فيها إما هو الأول وأعاد سؤاله دون البلدية رغبة في استمراره لأنه المقصد الأصلي، أو لأن المعتاد في البلدية الاستمرار بعد التحقق بخلافه. وإما غيره بأن يكون المسؤول أولاً: مجرد الأمن المصحح للسكنى، وثانياً: الأمن المعهود، ولك أن تجعل {هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ} في تلك السورة إشارة إلى أمر مقدر في الذهن كما يدل عليه {أية : رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ }تفسير : [إبراهيم: 37] الخ فتطابق الدعوتان حينئذٍ؛ وإن جعلت الإشارة هنا إلى البلد تكون الدعوة بعد صيرورته بلداً والمطلوب كونه آمناً على طبق ما في السورة من غير تكلف إلا أنه يفيد المبالغة أي بلداً كاملاً في الأمن كأنه قيل: اجعله بلداً معلوم الاتصاف بالأمن مشهوراً به كقولك كان هذا اليوم يوماً حاراً، والوصف بآمن إما على معنى النسب أي ذا أمن على حد ما قيل: {أية : فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } تفسير : [القارعة: 7] وإما على الاتساع والإسناد المجازي، والأصل آمناً أهله فأسند {مَا} للحال للمحل لأن الأمن والخوف من صفات ذوي الإدراك، وهل الدعاء بأن يجعله آمناً من الجبابرة والمتغلبين، أو من أن يعود حرمه حلالاً، أو من أن يخلو من أهله أو من الخسف والقذف، أو من القحط والجذب، أو من دخول الدجال، أو من دخول أصحاب الفيل؟؟ أقوال، والواقع يرد بعضها فإن الجبابرة دخلته وقتلوا فيه ـ كعمرو بن لحي الجرهمي، والحجاج الثقفي والقرامطة وغيرهم ـ وكون البعض لم يدخله للتخريب بل كان/ غرضه شيئاً آخر لا يجدي نفعاً كالقول بأنه ما آذى أهله جبار إلا قصمه الله تعالى ففي المثل:شعر : إذا مت عطشاناً فلا نزل القطر تفسير : وكان النداء بلفظ الرب مضافاً لما في ذلك من التلطف بالسؤال والنداء بالوصف الدال على قبول السائل، وإجابة ضراعته، وقد أشرنا من قبل إلى ما ينفعك هنا فتذكر. {وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ} أي من أنواعها بأن تجعل قريباً منه قرى يحصل فيها ذلك أو تجىء إليه من الأقطار الشاسعة ـ قد حصل كلاهما ـ حتى إنه يجتمع فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد روي أن الله سبحانه لما دعا إبراهيم أمر جبريل فاقتلع بقعة من فلسطين، وقيل: من الأردن وطاف بها حول البيت سبعاً فوضعها حيث وضعها رزقاً للحرم وهي الأرض المعروفة اليوم بالطائف وسميت به لذلك الطواف، وهذا على تقدير صحته غير بعيد عن قدرة الملك القادر جل جلاله؛ وإن أبيت إبقاءه على ظاهره فباب التأويل واسع، وجمع القلة إظهاراً للقناعة، وقد أشرنا إلى أنه كثيراً ما يقوم مقام جمع الكثرة، و {مِنَ} للتبعيض، وقيل: لبيان الجنس. {مَنْ ءامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} بدل من {أَهْلَهُ} بدل البعض وهو مخصص لما دل عليه المبدل منه واقتصر في متعلق الإيمان بذكر المبدأ والمعاد لتضمن الإيمان بهما الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به. {قَالَ} أي الله تعالى. {وَمَن كَفَرَ} عطف على {مَنْ ءامَنَ} أي ـ وارزق من كفر أيضاً ـ فالطلب بمعنى الخبر على عكس {أية : وَمِن ذُرّيَتِى }تفسير : [البقرة: 124] وفائدة العدول تعليم تعميم دعاء الرزق وأن لا يحجر في طلب اللطف وكأن إبراهيم عليه السلام قاس الرزق على الإمامة فنبهه سبحانه على أن الرزق رحمة دنيوية لا تخص المؤمن بخلاف الإمامة أو أنه عليه السلام لما سمع {أية : لاَ يَنَالُ }تفسير : [البقرة: 124] الخ احترز من الدعاء لمن ليس مرضياً عنده تعالى فأرشده إلى كرمه الشامل، وبما ذكرنا اندفع ما في «البحر» من أن هذا العطف لا يصح لأنه يقتضي التشريك في العامل فيصير: قال إبراهيم وارزق فينافيه ما بعد، ولك أن تجعل العطف على محذوف أي ـ أرزق من آمن ومن كفر ـ بلفظ الخبر ومن لا يقول بالعطف التلقيني يوجب ذلك ويجوز أن تكون {مَنْ} مبتدأ شرطية أو موصولة وقوله تعالى: {فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً} على الأول: معطوف على {كُفِرَ} وعلى الثاني: خبر للمبتدأ ـ والفاء ـ لتضمن المبتدأ معنى الشرط ولا حاجة إلى تقدير ـ أنا ـ لأن ابن الحاجب نص على أن المضارع في الجزاء يصح اقترانه بالفاء إلا أن يكون استحساناً، وإلى عدم التقدير ذهب المبرد، ومذهب سيبويه وجوب التقدير وأيد بأن المضارع صالح للجزاء بنفسه فلولا أنه خبر مبتدأ لم يدخل عليه الفاء، ثم الكفر وإن لم يكن سبباً للتمتع المطلق لكنه يصلح سبباً لتقليله وكونه موصولاً بعذاب النار ـ وقليلاً ـ صفة لمحذوف أي متاعاً أو زماناً قليلاً. وقرأ ابن عامر {فَأُمَتِّعُهُ} مخففاً على الخبر، وكذا قرأ يحيـى بن وثاب إلا أنه كسر الهمزة، وقرأ أبـيّ ـ فنمتعه ـ بالنون وابن عباس ومجاهد {فَأُمَتِّعُهُ} على صيغة الأمر، وعلى هذه القراءة يتعين أن يكون الضمير في {قَالَ} عائداً إلى إبراهيم وحسن إعادة {قَالَ} طول الكلام وأنه انتقل من الدعاء لقوم إلى الدعاء على آخرين فكأنه أخذ في كلام آخر وكونه عائداً إليه تعالى ـ أي: قال الله فأمتعه يا قادر يا رازق خطاباً لنفسه على طريق التجريد ـ بعيد جداً لا ينبغي أن يلتفت إليه. {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ} الاضطرار ضد الاختيار وهو حقيقة في كون الفعل صادراً من الشخص من غير تعلق إرادته به كمن ألقى من السطح مثلاً مجاز في كون الفعل باختياره لكن بحيث لا يملك الامتناع عنه بأن عرض له عارض يقسره على اختياره كمن أكل الميتة حال المخمصة وبِكِلاَ المعنيين قال بعض، ويؤيد الأول قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا }تفسير : [الطور: 13] و {أية : يُسْحَبُونَ فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ }تفسير : [القمر: 48] و {أية : فيؤخذ بِٱلنَّوَاصِى وَٱلأَقْدَامِ }تفسير : [الرحمٰن: 41] ويؤيد الثاني قوله تعالى: {أية : وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُواْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءوهَا فُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا }تفسير : [الزمر: 71] {أية : وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا }تفسير : [مريم: 71] الآية و {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } تفسير : [الأنبياء: 98] والتحقيق أن أحوال الكفار يوم القيامة عند إدخالهم النار شتى وبذلك يحصل الجمع بين الآيات وإن الاضطرار مجاز عن كون العذاب واقعاً به وقوعاً محققاً حتى كأنه مربوط به، قيل: إن هذا الاضطرار في الدنيا وهو مجاز أيضاً كأنه شبه حال الكافر الذي أدَرّ الله تعالى عليه النعمة التي استدناه بها قليلاً إلى ما يهلكه بحال من لا يملك الامتناع مما اضطر إليه فاستعمل في المشبه ما استعمل في المشبه به وهو كلام حسن لولا أنه يستدعي ظاهراً حمل (ثم) على التراخي الرتبـي وهو خلاف الظاهر. وقرأ ابن عامر ـ إضطره ـ بكسر الهمزة، ويزيد بن أبـي حبيب ـ اضطره ـ بضم الطاء وأبـيّ ـ نضطره ـ بالنون، وابن عباس ومجاهد على صيغة الأمر، وابن محيصن ـ أطره ـ بإدغام الضاد في الطاء خبراً ـ قال الزمخشري ـ وهي لغة مرذولة لأن حروف ضم شفر يدغم فيها ما يجاورها دون العكس، وفيه أن هذه الحروف ادغمت في غيرها فأدغم أبو عمرو الراء في اللام في {أية : نغفر لكم}تفسير : [البقرة: 58] والضاد في الشين في ـ {أية : لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ }تفسير : ـ [النور: 62] والشين في السين في {أية : ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً } تفسير : [الإسراء: 42] والكسائي الفاء في الباء في {أية : نَخْسِفْ بِهِمُ }تفسير : [سبأ: 9] ونقل سيبويه عن العرب أنهم قالوا ـ مضطجع ومطجع ـ إلا أن عدم الإدغام أكثر، وأصل اضطر على هذا على ما قيل: اضتر فأبدلت التاء طاءاً، ثم وقع الإدغام. {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} المخصوص بالذم محذوف لفهم المعنى أي ـ وبئس المصير النار ـ إن كان المصير اسم مكان وإن كان مصدراً على من أجاز ذلك فالتقدير وبئست الصيرورة صيرورته إلى العذاب.

ابن عاشور

تفسير : عطف على {أية : وإذ جعلنا البيت مثابة}تفسير : [البقرة: 125] لإفادة منقبة ثالثة لإبراهيم عليه السلام في استجابة دعوته بفضل مكة والنعمة على ساكنيها إذا شكروا، وتنبيه ثالث لمشركي مكة يومئذ ليتذكروا دعوة أبيهم إبراهيم المشعرة بحرصه على إيمانهم بالله واليوم الآخر حتى خص من ذريته بدعوته المؤمنين فيعرض المشركون أنفسهم على الحال التي سألها أبوهم فيتضح لهم أنهم على غير تلك الحالة، وفي ذلك بعث لهم على الاتصاف بذلك لأن للناس رغبة في الاقتداء بأسلافهم وحنيناً إلى أحوالهم، وفي ذلك كله تعريض بهم بأن ما يدلون به من النسب لإبراهيم ومن عمارة المسجد الحرام ومن شعائر الحج لا يغني عنهم من الإشراك بالله، كما عرض بالآيات قبل ذلك باليهود والنصارى وذلك في قوله هنا: {ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير} وبه تظهر مناسبة ذكر هذه المنقبة عقب قوله تعالى: {أية : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً}تفسير : [البقرة: 125]. واسم الإشارة في قوله: {هذا بلداً} مراد به الموضع القائم به إبراهيم حين دعائه وهو المكان الذي عليه امرأته وابنه وعزم على بناء الكعبة فيه إن كان الدعاء قبل البناء، أوا لذي بني فيه الكعبة إن كان الدعاء بعد البناء، فإن الاستحضار بالذات مغن عن الإشارة الحسية باليد لأن تمييزه عند المخاطب مغن عن الإشارة إليه فإطلاق اسم الإشارة حينئذ واضح. وأصل أسماء الإشارة أن يستغنى بها عن زيادة تبيين المشار إليه تبييناً لفظياً لأن الإشارة بيان، وقد يزيدون الإشارة بياناً فيذكرون بعد اسم الإشارة اسماً يعرب عطف بيان أو بدلاً من اسم الإشارة للدلالة على أن المشار إليه قصد استحضاره من بعض أوصافه كقولك هذا الرجل يقول كذا، ويتأكد ذلك إن تركت الإشارة باليد اعتماداً على حضور المراد من اسم الإشارة. وقد عدل هنا عن بيان المشار إليه اكتفاء عنه بما هو الواقع عند الدعاء، فإن إبراهيم دعا دعوته وهو في الموضع الذي بنى فيه الكعبة لأن الغرض ليس تفصيل حالة الدعاء إنما هو بيان استجابة دعائه وفضيلة محل الدعوة وجعل مكة بلداً آمناً ورزق أهله من الثمرات، وتلك عادة القرآن في الإعراض عما لا تعلق به بالمقصود ألا ترى أنه لما جعل البلد مفعولاً ثانياً استغنى عن بيان اسم الإشارة، وفي سورة إبراهيم (35) لما جعل {أية : آمناً} تفسير : مفعولاً ثانياً بين اسم الإشارة بلفظ (البلد)، فحصل من الآيتين أن إبراهيم دعا لبلد بأن يكون آمناً. والبلد المكان المتسع من الأرض المتحيز عامراً أو غامراً، وهو أيضاً الأرض مطلقاً، قال صَنَّان اليشكري:شعر : لَكِنَّه حَوْضُ مَن أَوْدَى بإخْوَتِهِ رَيْبُ المَنونِ فأضحى بَيْضَة البلد تفسير : يريد بيضة النعام في أدحيّ النعام أي محل بيضه، ويطلق البلد على القرية المكونة من بيوت عدة لسكنى أهلها بها وهو إطلاق حقيقي هو أشهر من إطلاق البلد على الأرض المتسعة والظاهر أن دعوة إبراهيم المحكية في هذه الآية كانت قبل أن تتقرى مكة حيث لم يكن بها إلا بيت إسماعيل أو بيت أو بيتان آخران لأن إبراهيم ابتدأ عمارته ببناء البيت من حجر، ولأن إلهام الله إياه لذلك لإرادته تعالى مصيرها مهيع الحضارة لتلك الجهة إرهاصاً لنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن ذلك المكان كان مأهولاً بسكان وقت مجيء إبراهيم وامرأته وابنه، والعرب يذكرون أنه كان في تلك الجهة عشائر من جرهم وقطوراً والعمالقة والكركر في جهات أجياد وعرفات. والآمن اسم فاعل من أمن ضد خاف، وهو عند الإطلاق عدم الخوف من عدو ومن قتال وذلك ما ميز الله مكة به من بين سائر بلاد العرب، وقد يطلق الأمن على عدم الخوف مطلقاً فتعين ذكر متعلقه، وإنما يوصف بالأمن ما يصح اتصافه بالخوف وهو ذو الإدراكية، فالإخبار بآمنا عن البلد إما بجعل وزن فاعل هنا للنسبة بمعنى ذا أمن كقول النابغة:شعر : كليني لهم يا أميمة ناصب تفسير : أي ذي نصب، وإما على إرادة آمنا أهله على طريقة المجاز العقلي لملابسة المكان. ثم إن كان المشار إليه في وقت دعاء إبراهيم أرضاً فيها بيت أو بيتان. فالتقدير في الكلام اجعل هذا المكان بلداً آمناً أي قرية آمنة فيكون دعاء بأن يصير قرية وأن تكون آمنة. وإن كان المشار إليه في وقت دعائه قرية بنى أناس حولها ونزلوا حذوها وهو الأظهر الذي يشعر به كلام «الكشاف» هنا وفي سورة إبراهيم كان دعاء للبلد بحصول الأمن له وأما حكاية دعوته في سورة إبراهيم (35) بقوله: {أية : اجعل هذا البلد آمناً} تفسير : فتلك دعوة له بعد أن صار بلداً. ولقد كانت دعوة إبراهيم هذه من جوامع كلم النبوءة فإن أمن البلاد والسبُلِ يستتبع جميع خصال سعادة الحياة ويقتضي العدل والعزة والرخاء إذ لا أمن بدونها، وهو يستتبع التعمير والإقبالَ على ما ينفع والثروةَ فلا يختل الأمن إلا إذا اختلت الثلاثة الأول وإذا اختل اختلت الثلاثة الأخيرة، وإنما أراد بذلك تيسير الإقامة فيه على سكانه لتوطيد وسائل ما أراده لذلك البلد من كونه منبع الإسلام. والثَّمَرات جمع ثَمَرة وهي ما تحمل به الشجرة وتنتجه مما فيه غذاء للإنسان أو فاكهة له، وكأن اسمه منتسب من اسم التمر بالمثناة فإن أهل الحجاز يريدون بالثمر بالمثلثة التمرَ الرَّطب وبالمثناة التمر اليابس. وللثمرة جموع متعددة وهي ثَمَر بالتحريك وثِمَار، وثُمر، بضمتين، وأَثمار، وأثامير، قالوا: ولا نظير له في ذلك إلا أَكمة جُمعت على أَكَم وإِكَامٍ وأُكُم وآكام وأكاميم. والتعريف في الثمرات تعريف الاستغراق وهو استغراق عُرفي أي من جميع الثمرات المعروفة للناس ودليل كونه تعريف الاستغراق مجيء مِن التي للتبعيض، وفي هذا دعاء لهم بالرفاهية حتى لا تطمح نفوسهم للارتحال عنه. وقوله: {من آمن منهم بالله} بدل بعضٍ من قوله {أهله} يفيد تخصيصه لأن أهله عام إذ هو اسم جمع مضاف وبَدل البعض مخصص. وخَصَّ إبراهيم المؤمنين بطلب الرزق لهم حرصاً على شيُوع الإيمان لساكِنيه لأنهم إذا علموا أن دعوة إبراهيم خصت المؤمنين تجنبوا ما يحيد بهم عن الإيمان، فجَعل تيسير الرزق لهم على شرط إيمانهم باعثاً لهم على الإيمان، أو أراد التأدب مع الله تعالى فسأله سؤالاً أقرب إلى الإجابة ولعله استشعر من رد الله عليه عموم دعائه السابق إذ قال: {أية : ومن ذريتي}تفسير : [البقرة: 124] فقال: {أية : لا ينال عهدي الظالمين}تفسير : [البقرة: 124] أن غير المؤمنين ليسوا أهلاً لإجراء رزق الله عليهم وقد أعقب الله دعوته بقوله: {ومن كفر فأمتعه قليلاً}. ومقصد إبراهيم من دعوته هذه أن تتوفر لأهل مكة أسباب الإقامة فيها فلا تضطرهم الحاجة إلى سكنى بلد آخر لأنه رجا أن يكونوا دعاة لما بنيت الكعبة لأجله من إقامة التوحيد وخصال الحنيفية وهي خصال الكمال، وهذا أول مظاهر تكوين المدينة الفاضلة التي دعا أفلاطون لإيجادها بعد بضعة عشر قرناً. وجملة؛ {قال ومن كفر فأمتعه} جاءت على سنن حكاية الأقوال في المحاورات والأجوبة مفصولة، وضمير {قال} عائد إلى الله، فمن جوز أن يكون الضمير في {قال} لإبراهيم وأن إعادة القول لطول المقول الأول فقد غفل عن المعنى وعن الاستعمال وعن الضمير في قوله: {فأمتعه}. وقوله: {ومن كفر} الأظهر أنه عطف على جملة: {وارزق أهلَه} باعتبار القَيد وهو قوله: {من آمن} فيكون قوله: {ومن كفر} مبتدأ وضُمن الموصول معنى الشرط فلذلك قرن الخبر بالفاء على طريقة شائعة في مثله، لما قدمناه في قوله: {أية : ومن ذريتي}تفسير : [البقرة: 124] أن عطف التلقين في الإنشاء إذا كان صادراً من الذي خوطب بالإنشاء كان دليلاً على حصول الغرض من الإنشاء والزيادة عليه، ولذلك آل المعنى هنا إلى أن الله تعالى أظهر فضله على إبراهيم بأنه يرزق ذريته مؤمنهم وكافرَهم، أو أظهر سعة رحمته برزق سكان مكة كلهم مؤمنهم وكافرهم. ومعنى (أمتعه) أَجعلُ الرزقَ له متاعاً، و{قليلاً} صفة لمصدر محذوف لبعد قوله: {فأمتعه} والمتاع القليل متاع الدنيا كما دلت عليه المقابلة بقوله: {ثم أضطره إلى عذاب النار}. وفي هذه الآية دليل لقول الباقلاني والماتريدية والمعتزلة بأن الكفار منعم عليهم بنِعَم الدنيا، وقال الأشعري لم ينعم على الكافر لا في الدنيا ولا في الآخرة وإنما أعطاهم الله في الدنيا ملاذ على وجه الاستدراج، والمسألة معدودة في مسائل الخلاف بين الأشعري والماتريدي، ويشبه أن يكون الخلاف بينهما لفظياً وإن عده السبكي في عداد الخلاف المعنوي. وقوله: {ثم أضطره إلى عذاب النار} احتراس من أن يَغتر الكافر بأنَّ تخويله النعم في الدنيا يؤذن برضى الله فلذلك ذُكر العذاب هنا. و(ثم) للتراخي الرتبي كشأنها في عطف الجُمل من غير التفات إلى كون مصيره إلى العذاب متأخراً عن تمتيعه بالمتاع القليل. والاضطرار في الأصل الالتجاء وهو بوزن افتعل مطاوع أَضره إذا صيره ذا ضرورة أي حاجة، فالأصل أن يكون اضطر قاصراً لأن أصل المطاوعة عدم التعدي ولكن الاستعمال جاء على تعديته إلى مفعول وهو استعمال فصيح غيرُ جار على قياسٍ يقال اضطرَّهُ إلى كذا أي ألجأه إليه، ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة لقمان (24): {نمتعهم قليلاً ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ}. وقوله: {وبئس المصير} تذييل والواو للاعتراض أو للحال والخبر محذوف هو المخصوص بالذم وتقديره هي.

د. أسعد حومد

تفسير : {إِبْرَاهِيمُ} {آمِناً} {ٱلثَّمَرَاتِ} {مَنْ آمَنَ} {ٱلآخِرِ} (126) - وَاذْكُرْ لِقَوْمِكَ إِذْ دَعَا إِبْرَاهِيمُ رَبَّهُ فَقَالَ: رَبِّ اجْعَلْ هذِهِ البُقْعَةَ المُحِيطَةَ بِالكَعْبَةِ بَلَداً آمِناً مِنَ الخَوْفِ فَلاَ يُرْعَبُ أَهْلُهُ، وُارْزُقْ مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِهِ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ مِنَ الثَّمَرَاتِ. فَرَدَّ اللهُ سُبْحَانَهُ عَلَيهِ قَائِلاً: إِنَّهُ سَيَرْزُقُ المُؤْمِنِينَ وَغَيْرَ المُؤْمِنِينَ مِنَ النَّاسِ، لأَِنَّهُ سُبْحَانَهُ لاَ يَخْلُقُ خَلْقاً لا يَرْزُقُهُ. وَلكِنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ ذلِكَ الرِّزْقَ لِمَنْ كَفَرَ مَتَاعاً قَلِيلاً، مُدَّةَ وُجُودِهِمْ فِي الدُّنيا، ثُمَّ يَأْخُذُهُمْ وَيَسُوقُهُمْ إِلى نَارِ جَهَنَّمَ سَوْقاً لِيُعَذِّبَهُمْ فِيها، وَمَا أَسْوَأَهُ مِنْ مَصِيرٍ. وَفِي الحَدِيثِ: حديث : إِنَّ الله ليُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُتفسير : . أَضْطَرُّهُ - أَدْفَعُهُ وَأَسُوقُهُ وَأُلْجِئُهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً} تفسير : [البقرة: 125] .. وما دام الله قد جعله أمناً فما هي جدوى دعوة إبراهيم أن تكون مكة بلداً آمنا .. نقول إذا رأيت طلباً لموجود فاعلم أن القصد منه هو دوام بقاء ذلك الموجود .. فكأن إبراهيم يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يديم نعمة الأمن في البيت .. ذلك لأنك عندما تقرأ قول الحق تبارك وتعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} تفسير : [النساء: 136]. هو خاطبهم بلفظ الإيمان ثم طلب منهم أن يؤمنوا .. كيف؟ نقول إن الله سبحانه يأمرهم أن يستمروا ويداوموا على الإيمان .. ولذلك فإن كل مطلوب لموجود هو طلبٌ لاستمرار هذا الموجود. وقول إبراهيم: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً ..} [البقرة: 126] .. أي يا رب إذا كنت قد جعلت هذا البيت آمناً من قبل فَأَمِّنْه حتى قيام الساعة .. ليكون كل من يدخل إليه آمناً لأنه موجود في واد غير ذي زرع .. وكانت الناس في الماضي تخاف أن تذهب إليه لعدم وجود الأمان في الطريق .. أو آمنا أي: أن يديم الله على كل من يدخله نعمة الإيمان. وقوله تعالى: {ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً} [البقرة: 126] تكررت في آية أخرى تقول: {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً ..} تفسير : [إبراهيم: 35] .. فمرة جاء بها نكرة ومرة جاء بها معرفة .. نقول إن إبراهيم حين قال: {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً ..} تفسير : [إبراهيم: 35] .. طلب من الله شيئين .. أن يجعل هذا المكان بلداً وأن يجعله آمناً. ما معنى أن يجعله بلداً؟ هناك أسماء تؤخذ من المحسات .. فكلمة غصب تعني سلخ الجلد عن الشاة وكأن من يأخذ شيئاً من إنسان غصباً كأنه يسلخه منه بينما هو متمسك به. كلمة بلد حين تسمعها تنصرف إلى المدينة .. والبلد هو البقة تنشأ في الجلد فتميزه عن باقي الجلد كأن تكون هناك بقعة بيضاء في الوجه أو الذراعين فتكون البقعة التي ظهرت مميزة ببياض اللون .. والمكان إذا لم يكن فيه مساكن ومبان فيكون مستوياً بالأرض لا تستطيع أن تميزه بسهولة .. فإذا أقمت فيه مباني جعلت فيه علامة تميزه عن باقي الأرض المحيطة به. وقوله تعالى: {وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ} [البقرة: 126] .. هذه من مستلزمات الأمن لأنه ما دام هناك رزق وثمرات تكون مقومات الحياة موجودة، فيبقى الناس في هذا البلد .. ولكن إبراهيم قال: {وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} [البقرة: 126] فكأنه طلب الرزق للمؤمنين وحدهم .. لماذا؟ لأنه حينما قال له الله: {أية : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ..} تفسير : [البقرة: 124]. قال إبراهيم: {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِي ..} تفسير : [البقرة: 124]. قال الله سبحانه: {أية : لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [البقرة: 124]. فخشي إبراهيم وهو يطلب لمن سيقيمون في مكة أن تكون استجابة الله سبحانه كالاستجابة السابقة .. كأن يقال له لا ينال رزق الله الظالمون. فاستدرك إبراهيم وقال: {وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} [البقرة: 126] .. ولكن الله سبحانه أراد أن يلفت إبراهيم إلى أن عطاء الألوهية ليس كعطاء الربوبية .. فإمامة الناس عطاء ألوهية لا يناله إِلاَّ المؤمنُ، أما الرزق فهو عطاء ربوبية يناله المؤمن والكافر؛ لأن الله هو الذي استدعانا جميعاً إلى الحياة وكفل لنا جميعاً رزقنا .. وكأن الحق سبحانه حين قال: {أية : لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [البقرة: 124] .. كان يتحدث عن قيم المنهج التي لا تُعْطى إلا للمؤمن، ولكن الرزق يُعْطى للمؤمن والكافر .. لذلك قال الله سبحانه: {وَمَن كَفَرَ} [البقرة: 126] .. وفي هذا تصحيح مفاهيم بالنسبة لإبراهيم ليعرف أن كل من استدعاه الله تعالى للحياة له رزقه مؤمناً كان أو كافراً. والخير في الدنيا على الشيوع .. فما دام الله قد استدعاك فإنه ضمن لك رزقك. إن الله لم يقل للشمس أشرقي على أرض المؤمن فقط، ولم يقل للهواء لا يتنفسك ظالم، وإنما أعطى نعمة استبقاء الحياة واستمرارها لكل من خلق آمن أو كفر .. ولكن من كفر قال عنه الله سبحانه وتعالى: {وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً} [البقرة: 126] .. التمتع هو شيء يحبه الإنسان ويتمنى دوامه وتكراره. وقوله تعالى: {فَأُمَتِّعُهُ} [البقرة: 126] دليل على دوام متعته، أي له المتعة في الدنيا. ولكل نعمة متعة، فالطعام له متعة، والشراب له متعة، والجنس له متعة .. إذن التمتع في الدنيا بأشياء متعددة .. ولكن الله تبارك وتعالى وصفه بأنه قليل .. لأن المتعة في الدنيا مهما بلغت وتعدّدت ألوانها فهي قليلة. واقرأ قوله تعالى: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ..} [البقرة: 126] .. ومعنى أضطره أنه لا اختيار له في الآخرة، فكأن الإنسان له اختيار في الحياة الدنيا، يأخذ هذا ويترك هذا ولكن في الآخرة ليس له اختيار .. فلا يستطيع وهو من أهل النار - مثلاً - أن يختار الجنة، بل إن أعضاءه المسخرة لخدمته في الحياة الدنيا والتي يأمرها بالمعصية فتفعل، فهو في الآخر لا ولاية له عليها .. وهذا معنى قوله سبحانه: {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [النور: 24]. أي أن الجوارح - التي كانت تطيع الكافر في المعاصي في الدنيا - لا تطيعه يوم القيامة؛ فاللسان الذي كان ينطق كلمة الكفر - والعياذ بالله - يأتي يوم القيامة يشهد على صاحبه .. والقدم التي كانت تمشي إلى أماكن الخمر واللهو والفسوق تشهد على صاحبها، واليد التي كانت تقتل وتسرق تشهد على صاحبها. وقوله: "أضطره" معناها أن الإنسان يفقد اختياره في الآخرة، ثم ينتهي إلى النار وإلى العذاب الشديد مصداقاً لقوله تعالى: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [البقرة: 126] .. أي أن الله سبحانه وتعالى يحذر الكافرين بأن لهم النار والعذاب في الآخرة؛ ليس على اختيار منهم ولكن وهم مقهورون.

الأندلسي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً} ذكر بلداً توطئة للصفة، كما تقول: كان هذا اليوم يوماً حاراً. تريد كان هذا اليوم حاراً. إذ لم يشر إليه إلا وهو بلد. وآمنا: ذا أمن، أو على الاتساع نحو نهاري صائم ولما بنى في أرض مقفرة لا ماء يجري ولا مزرعة للقطان بها دعا الله بالأمن وبجباية الأرزاق إليها وآيس من الله بقبول الامامة في ذريته سأل الله تعالى. فقال: {وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ}، ومن آمن بدل من أهله ولم يكن ليدعو لمن كان كافراً بل يدعو عليه، كما في الحديث: حديث : اللهم اشدد وطأتك على مضرتفسير : . ولما كانت مكة قفر الاماء بها ولا نبات بارك الله فيما حولها كالطائف وغيره وأنبت فيه أنواعاً من الخير. {قَالَ وَمَن كَفَرَ}. قرىء {فَأُمَتِّعُهُ} مشدداً ومخففاً. "واضطره" بفتح الهمزة وكسرها وبإِدغام الضاد في الطاء وبضم الطاء وبالنون في فتمتعه ثم نضطره. ومن في موضع رفع إما موصولة وإما شرطية. ولا يجوز أن تكون في موضع نصب على الاشتغال والضمير في قال الله تعالى. وجوزوا أن تكون في موضع نصب بفعل محذوف تقديره قال، وارزق من كفر. قال الزمخشري: ومن كفر عطف على من آمن كما عطف ومن ذريتي على الكاف في جاعلك. "انتهى". ولا يصح لأن عطفه عليه يقتضي التشريك في العامل فيصير التقدير قال إبراهيم وارزق من كفر. وينافي هذا التركيب قوله: فأمتعه قليلاً ثم اضطره. ثم قد ناقض الزمخشري قوله هذا وأساء الأدب على إبراهيم عليه السلام بما يوقف عليه في كتابه. وفي تفسيرنا هذا الموضع من كتابنا الكبير ولأبي البقاء هنا منع أن يكون من مبتدأ موصولاً ورددناه عليه هناك. وقرىء: فأمتعه قليلاً ثم أضطره، أمراً فيهما. فالضمير في: قال لإِبراهيم، ومن شرطية أو موصولة، ويجوز كون النصب على الاشتغال وانتصب قليلاً على تقدير زماناً قليلاً أو تمتعاً قليلاً. (وقول) ابن عطية في قراءة من قرأ اضطره بكسر الهمزة: انه على لغة قريش في قولهم لا إدخال بكسر الهمزة مخالف لما نقله النحاة من أن الحجازيين يفتحون حرف المضارعة مما أوله همزة وصل، ومما كان ماضيه على فعل يفعل، أو من ياء مزيدة في أوله. نحو: يعلم، وينطلق، ويتعلم. وقال الزمخشري في قراءة إدغام الضاد في الطاء: هي لغة مرذولة. وظاهر كلام سيبويه أنها ليست لغة مرذولة، ألا ترى إلى نقله عن بعض العرب في مجمع مضطجع قال: ومضطجع كثير. فدل على أن مضطجعاً كثير والاضطرار الالجاء واللز إلى العذاب والمصير مصدر أو مكان والمخصوص بالذم محذوف أي صيرورته إلى العذاب أو النار.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بعد {إِذْ} أمرنا وابنه بطهارة البيت وامتثالا بالمأمور {قَالَ إِبْرَاهِيمُ} منيباً إلينا، داعياً راجياً في دعائه النفع العام: {رَبِّ ٱجْعَلْ} بيتك {هَـٰذَا بَلَداً آمِناً} ذا أمن للمتوجهين إليها والعاكفين ببابها عن العلائق المانعة عن التوحه المعنوي {وَ} بعدما توجهوا نحوه {ٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ} المترتبة على سرائر تعيينه وتخصيصه، ووجوب طوافه على المستطيعين المنهمكين في الشواغل المانعة عن التوجه إلى الكعبة الحقيقية الممثلة عنها هذا البلد. ولما دعا إبراهيم بهذا الدعاء المجمل المطلق لهم، فصله سبحانه إجابة دعائه بقوله: {مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} من المتوجهين الزائرين {بِٱللَّهِ} الواحد الأحد تعبداً وانقياداً {وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} المحقق الوقوع إذعاناً وتصديقاً، فلهم ما دعوت لهم من أنواع الإفضال والإنعام؛ جزاء لهم وإجابة لدعائك ثم {قَالَ} سبحانه: {وَمَن كَفَرَ} منهم وجحد بعدما وضح لهم الطريق { فَأُمَتِّعُهُ} متاعاً {قَلِيلاً} من مفاخرة الأقران والاستكبار على الإخوان وتفرج البلدان {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ} بعد جحوده وإنكاره {إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ} بل أشد منها، وهو حرمانه عن الفوائد المرتبة على الطواف والزيادة المنبئة عن الوصول إلى مرتبة العبودية والمخلصة، عن جهنم الإمكان الذي هو مصير أهل الكفر والطغيان {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [البقرة: 126] مصيرهم الذي لا ينجو منه أحد من أهله، عصمنا الله منه بمنه وجوده. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل {إِذْ يَرْفَعُ} يحمل جدك {إِبْرَٰهِيمُ} الاواه المنيب {ٱلْقَوَاعِدَ} أي: التكاليف الشاقة الناشئة {مِنَ} إنشاء {ٱلْبَيْتِ} المعد للاهتداء إلى كعبة الوصول من التجريد عن لوازم الحياة ومقتضيات الأوصاف المترتبة عليها، وترك المألوفات وقطع التعلقات العائقة عن الموت الإداري الموصل إلى مقر الوحدة المغنية للكثرة الموهمة، المستتبعة للبعد والفراق عن فضاء التوحيد {وَ} أبوك أيضاً {إِسْمَٰعِيلُ} الراضي بقضاء الله، المرضي بما جرى عليه من البلاء، واذكر أيضاً دعاءهما بعدما احتملا المشاق والمتاعب بقولهما: {رَبَّنَا} يا من ربانا بأنواع المنح التي ليست في وسعنا وقدرتنا {تَقَبَّلْ مِنَّآ} ما أقدرنا عليه {إِنَّكَ أَنتَ} القادر لما جئتنا به {ٱلسَّمِيعُ} لمناجاتنا قبل إلقائنا {ٱلْعَلِيمُ} [البقرة: 127] لحاجاتنا وإخلاصنا في نياتنا. {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا} بفضلك {مُسْلِمَيْنِ لَكَ} مستسلمين مفوضين جميع أمورنا إليك، مخلصين فيه ربنا {وَ} اجعل أيضاً {مِن ذُرِّيَّتِنَآ} المنتسبين إلينا {أُمَّةً مُّسْلِمَةً} مسلمة {لَّكَ} مطيعة لأمرك {وَأَرِنَا} اكشف لنا ولهم {مَنَاسِكَنَا} سرائر مناسكنا التي نعملها على مقتضى أمرك وتكليفك {وَ} إن أخطأنا فيما أمرتنا {تُبْ عَلَيْنَآ} عماجرى علينا من لوازم بشريتنا {إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ} للعباد العاصين الخاطئين {ٱلرَّحِيمُ} [البقرة: 128] بقبول توبتهم، وإن نقضوها مراراً. ثم لما كان الغالب عليهما توحيد الصفات والأفعال، دعوا ربهما متضرعين أن يبعث من ذريتهما من يغلب عليه توحيد الذات فقالا: {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ} أي: في الأمة المسلمة {رَسُولاً مِّنْهُمْ} هداياً إلى توحيد الذات {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ} أولاً {آيَٰتِكَ} الدالة على ذلك ظاهراً {وَ} ثانياً: {يُعَلِّمُهُمُ} يفهمهم {ٱلْكِتَٰبَ} المبين سرائر الآيات {وَ} ثالثاً: بكشف ويوضح لهم {ٱلْحِكْمَةَ} التي هي سلوك طريق التوحيد الذاتي {وَ} ورابعاً: {يُزَكِّيهِمْ} أي: يطهرهم عن رؤية الغير في الوجود مطلقاً {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ} الغالب القاهر للأغيار {ٱلحَكِيمُ} [البقرة: 129] في إيجادها وإظهارها على وفق مشيئتك وإرادتك.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: وإذ دعا إبراهيم لهذا البيت، أن يجعله الله بلدا آمنا، ويرزق أهله من أنواع الثمرات، ثم قيد عليه السلام هذا الدعاء للمؤمنين، تأدبا مع الله، إذ كان دعاؤه الأول، فيه الإطلاق، فجاء الجواب فيه مقيدا بغير الظالم. فلما دعا لهم بالرزق، وقيده بالمؤمن، وكان رزق الله شاملا للمؤمن والكافر، والعاصي والطائع، قال تعالى: { وَمَنْ كَفَرَ } أي: أرزقهم كلهم، مسلمهم وكافرهم، أما المسلم فيستعين بالرزق على عبادة الله، ثم ينتقل منه إلى نعيم الجنة، وأما الكافر، فيتمتع فيها قليلا { ثُمَّ أَضْطَرُّهُ } أي: ألجئه وأخرجه مكرها { إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } .

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 35 : 47 - سفين عن خصيف عن مجاهد في قوله جل وعز {وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} قال إبراهيم لمن آمن منهم. قال الله جل وعز {وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ}. [الآية 126].

همام الصنعاني

تفسير : 124- عبد الرزّاق: أخبرنا معمر عن الزهري في قوله تعالى: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً}: [الآية: 126]، قال النبي: "حديث : إنَّ الناسَ لَمْ يُحرِّمُوا مكّةَ، ولكنَّ الله حَرَّمها، فهي حَرَامٌ إلى يَوْمِ الْقيامَةِ، وإن أعتى الناس على الله ثلاثةَ: رجُلٌ قَتَلَ في لاحرم، ورجل قَتَل غير قاتله، ورَجُلٌ أخذ بحول أهل الجاهِليِّة ".