٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
127
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو النوع الرابع من الأمور التي حكاها الله تعالى عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وهو أنهما عند بناء البيت ذكرا ثلاثة من الدعاء ثم ههنا مسائل: المسألة الأولى: قوله: {وَإِذْ يَرْفَعُ } حكاية حال ماضية والقواعد جمع قاعدة وهي الأساس، والأصل لما فوقه، وهي صفة غالبة، ومعناها الثابتة، ومنه أقعدك الله أي أسأل الله أن يقعدك أي يثبتك ورفع الأساس البناء عليها، لأنها إذا بني عليها نقلت عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع وتطاولت بعد التقاصر ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه ويوضع فوقه، ومعنى رفع القواعد رفعها بالبناء لأنه إذا وضع سافاً فوق ساف فقد رفع السافات والله أعلم. المسألة الثانية: الأكثرون من أهل الأخبار على أن هذا البيت كان موجوداً قبل إبراهيم عليه السلام على ما روينا من الأحاديث فيه واحتجوا بقوله: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ } فإن هذا صريح في أن تلك القواعد كانت موجودة متهدمة إلا أن إبراهيم عليه السلام رفعها وعمرها. المسألة الثالثة: اختلفوا في أنه هل كان إسماعيل عليه السلام شريكاً لإبراهيم عليه السلام في رفع قواعد البيت وبنائه؟ قال الأكثرون: إنه كان شريكاً له في ذلك والتقدير وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت والدليل عليه أنه تعالى عطف إسماعيل على إبراهيم فلا بد وأن يكون ذلك العطف في فعل من الأفعال التي سلف ذكرها ولم يتقدم إلا ذكر رفع قواعد البيت موجب أن يكون إسماعيل معطوفاً على إبراهيم في ذلك، ثم ان اشتراكهما في ذلك يحتمل وجهين. أحدهما: أن يشتركا في البناء ورفع الجدران. والثاني: أن يكون أحدهما بانياً للبيت والآخر يرفع إليه الحجر والطين، ويهيىء له الآلات والأدوات، وعلى الوجهين تصح إضافة الرفع إليهما، وإن كان الوجه الأول أدخل في الحقيقة ومن الناس من قال: إن إسماعيل في ذلك الوقت كان طفلاً صغيراً وروي معناه عن علي رضي الله عنه، وأنه لما بنى البيت خرج وخلف إسماعيل وهاجر فقالا: إلى من تكلنا؟ فقال إبراهيم: إلى الله فعطش إسماعيل فلم ير شيئاً من الماء فناداهما جبريل عليه السلام وفحص الأرض بأصبعه فنبعت زمزم وهؤلاء جعلوا الوقف على قوله: {مِنَ ٱلْبَيْتِ } ثم ابتدؤا: وإسماعيل ربنا تقبل منا طاعتنا ببناء هذا البيت فعلى هذا التقدير يكون إسماعيل شريكاً في الدعاء لا في البناء، وهذا التأويل ضعيف لأن قوله: {تَقَبَّلْ مِنَّا } ليس فيه ما يدل على أنه تعالى ماذا يقبل فوجب صرفه إلى المذكور السابق وهو رفع البيت فإذا لم يكن ذلك من فعله كيف يدعو الله بأن يتقبله منه، فإذن هذا القول على خلاف ظاهر القرآن فوجب رده والله أعلم. المسألة الرابعة: إنما قال: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ } ولم يقل يرفع قواعد البيت لأن في إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام من تفخيم الشأن ما ليس في العبارة الأخرى، واعلم أن الله تعالى حكى عنهما بعد ذلك ثلاثة أنواع من الدعاء. النوع الأول: في قوله تعالى: {تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في تفسير قوله: {تَقَبَّلْ مِنَّا } فقال المتكلمون: كل عمل يقبله الله تعالى فهو يثيب صاحبه ويرضاه منه، والذي لا يثيبه عليه ولا يرضاه منه فهو المردود، فههنا عبر عن أحد المتلازمين باسم الآخر، فذكر لفظ القبول وأراد به الثواب والرضا لأن التقبل هو أن يقبل الرجل ما يهدى إليه، فشبه الفعل من العبد بالعطية، والرضا من الله بالقبول توسعاً. وقال العارفون: فرق بين القبول والتقبل فإن التقبل عبارة عن أن يتكلف الإنسان في قبوله وذلك إنما يكون حيث يكون العمل ناقصاً لا يستحق أن يقبل فهذا اعتراف منهما بالتقصير في العمل، واعتراف بالعجز والانكسار، وأيضاً فلم يكن المقصود إعطاء الثواب عليه، لأن كون الفعل واقعاً موقع القبول من المخدوم ألذ عند الخادم العاقل من إعطاء الثواب عليه وتمام تحقيقه سيأتي في تفسير المحبة في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } تفسير : [البقرة: 165] والله أعلم. المسألة الثانية: إنهم بعد أن أتوا بتلك العبادة مخلصين تضرعوا إلى الله تعالى في قبولها وطلبوا الثواب عليها على ما قاله المتكلمون، ولو كان ترتيب الثواب على الفعل المقرون بالإخلاص واجباً على الله تعالى، لما كان في هذا الدعاء والتضرع فائدة، فإنه يجري مجرى أن الإنسان يتضرع إلى الله فيقول: يا إلهي اجعل النار حارة والجمد بارداً بل ذلك الدعاء أحسن لأنه لا استبعاد عند المتكلم في صيرورة النار حال بقائها على صورتها في الإشراق والاشتعال باردة، والجمد حال بقائه على صورته في الإنجماد والبياض حاراً ويستحيل عند المعتزلة أن لا يترتب الثواب على مثل هذا الفعل فوجب أن يكون الدعاء ههنا أقبح فلما لم يكن كذلك علمنا أنه لا يجب للعبد على الله شيء أصلاً والله أعلم. المسألة الثانية: إنما عقب هذا الدعاء بقوله: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } كأنه يقول: تسمع دعاءنا وتضرعنا، وتعلم ما في قلبنا من الإخلاص وترك الالتفات إلى أحد سواك. فإن قيل: قوله: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } يفيد الحصر وليس الأمر كذلك، فإن غيره قد يكون سميعاً. قلنا: إنه سبحانه لكماله في هذه الصفة يكون كأنه هو المختص بها دون غيره. النوع الثاني: من الدعاء قوله: {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا في مسألة خلق الأعمال بقوله: {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } فإن الإسلام إما أن يكون المراد منه الدين والاعتقاد، أو الاستسلام والانقياد، وكيف كان فقد رغبا في أن يجعلهما بهذه الصفة: وجعلهما بهذه الصفة لا معنى له إلا خلق ذلك فيهما، فإن الجعل عبارة عن الخلق، قال الله تعالى: {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ } تفسير : [الأنعام: 1] فدل هذا على أن الإسلام مخلوق لله تعالى، فإن قيل: هذه الآية متروكة الظاهر لأنها تقتضي أنهما وقت السؤال غير مسلمين، إذ لو كانا مسلمين لكان طلب أن يجعلهما مسلمين طلباً لتحصيل الحاصل وإنه باطل، لكن المسلمين أجمعوا على أنهما كانا في ذلك الوقت مسلمين، ولأن صدور هذا الدعاء منهما لا يصلح إلا بعد أن كانا مسلمين، وإذا ثبت أن الآية متروكة الظاهر لم يجز التمسك بها، سلمنا أنها ليست متروكة الظاهر، لكن لا نسلم أن الجعل عبارة عن الخلق والإيجاد، بل له معانٍ أخر سوى الخلق. أحدها: جعل بمعنى صير، قال الله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِبَاساً وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً } تفسير : [الفرقان: 47]. وثانيها: جعل بمعنى وهب، نقول: جعلت لك هذه الضيعة وهذا العبد وهذا الفرس. وثالثها: جعل بمعنى الوصف للشيء والحكم به كقوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً } تفسير : [الزخرف: 19]، وقال: {أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء ٱلْجِنَّ } تفسير : [الأنعام: 10]. ورابعها: جعله كذلك بمعنى الأمر كقوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً } تفسير : [الأنبياء: 73] يعني أمرناهم بالاقتداء بهم، وقال: {أية : إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } تفسير : [البقرة: 124] فهو بالأمر. وخامسها: أن يجعله بمعنى التعليم كقوله: جعلته كاتباً وشاعراً إذا علمته ذلك. وسادسها: البيان والدلالة تقول: جعلت كلام فلان باطلاً إذا أوردت من الحجة ما يبين بطلان ذلك، إذا ثبت ذلك فنقول: لم لا يجوز أن يكون المراد وصفهما بالإسلام والحكم لهما بذلك كما يقال: جعلني فلان لصاً وجعلني فاضلاً أديباً إذا وصفه بذلك، سلمنا أن المراد من الجعل الخلق، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد منه خلق الألطاف الداعية لهما إلى الإسلام وتوفيقهما لذلك فمن وفقه الله لهذه الأمور حتى يفعلها فقد جعله مسلماً له، ومثاله: من يؤدب ابنه حتى يصير أديباً فيجوز أن يقال: صيرتك أديباً وجعلتك أديباً، وفي خلاف ذلك يقال: جعل ابنه لصاً محتالاً، سلمنا أن ظاهر الآية يقتضي كونه تعالى خالقاً للإسلام، لكنه على خلاف الدلائل العقلية فوجب ترك القول به، وإنما قلنا: أنه على خلاف الدلائل العقلية لأنه لو كان فعل العبد خلقاً لله تعالى لما استحق العبد به مدحاً ولا ذماً، ولا ثواباً ولا عقاباً، ولوجب أن يكون الله تعالى هو المسلم المطيع لا العبد. والجواب: قوله: الآية متروكة الظاهر، قلنا: لا نسلم وبيانه من وجوه. الأول: أن الإسلام عرض قائم بالقلب وأنه لا يبقى زمانين فقوله: {وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } أي اخلق هذا العرض فينافي الزمان المستقبل دائماً، وطلب تحصيله في الزمان المستقبل لا ينافي حصوله في الحال. الثاني: أن يكون المراد منه الزيادة في الإسلام كقوله: {أية : لِيَزْدَادُواْ إِيمَـٰناً مَّعَ إِيمَـٰنِهِمْ } تفسير : [الفتح: 4]، {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى } تفسير : [محمد: 17] وقال إبراهيم: {أية : وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } تفسير : [البقرة: 26] فكأنهما دعواه بزيادة اليقين والتصديق، وطلب الزيادة لا ينافي حصول الأصل في الحال. الثالث: أن الإسلام إذا أطلق يفيد الإيمان والاعتقاد، فأما إذا أضيف بحرف اللام كقوله: {مُسْلِمَيْنِ لَكَ } فالمراد الاستسلام له والانقياد والرضا بكل ما قدر وترك المنازعة في أحكام الله تعالى وأقضيته، فلقد كانا عارفين مسلمين لكن لعله بقي في قلوبهما نوع من المنازعة الحاصلة بسبب البشرية فأراد أن يزيل الله ذلك عنهما بالكلية ليحصل لهما مقام الرضا بالقضاء على سبيل الكمال، فثبت بهذه الوجوه أن الآية ليست متروكة الظاهر، قوله: يحمل الجعل على الحكم بذلك، قلنا: هذا مدفوع من وجوه: أحدها: أن الموصوف إذا حصلت الصفة له فلا فائدة في الصفة، وإذا لم يكن المطلوب بالدعاء هو مجرد الوصف وجب حمله على تحصيل الصفة، ولا يقال: وصفه تعالى بذلك ثناء ومدح وهو مرغوب فيه، قلنا: نعم لكن الرغبة في تحصيل نفس الشيء أكثر من الرغبة في تحصيل الوصف به والحكم به، فكان حمله على الأول أولى. وثانيها: أنه متى حصل الإسلام فيهما فقد استحقا التسمية بذلك والله تعالى لا يجوز عليه الكذب، فكان ذلك الوصف حاصلاً وأي فائدة في طلبه بالدعاء. وثالثها: أنه لو كان المراد به التسمية لوجب أن كل من سمى إبراهيم مسلماً جاز أن يقال جعله مسلماً، أما قوله: يحمل ذلك على فعل الألطاف، قلنا: هذا أيضاً مدفوع من وجوه. أحدها: أن لفظ الجعل مضاف إلى الإسلام فصرفه عنه إلى غيره ترك للظاهر. وثانيها: أن تلك الألطاف قد فعلها الله تعالى وأوجدها وأخرجها إلى الوجود على مذهب المعتزلة، فطلبها يكون طلباً لتحصيل الحاصل وأنه غير جائز. وثالثها: أن تلك الألطاف إما أن يكون لها أثر في ترجيح جانب الفعل على الترك أو لا يكون، فإن لم يكن لها أثر في هذا الترجيح لم يكن ذلك لطفاً وإن كان لها أثر في الترجيح فنقول: متى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب وذلك لأن مع حصول ذلك القدر من الترجيح إما أن يجب الفعل أو يمتنع أو لا يجب ولا يمتنع، فإن وجب فهو المطلوب، وإن امتنع فهو مانع لا مرجح، وإن لم يجب ولا يمتنع فحينئذ يمكن وقوع الفعل معه تارة ولا وقوعه أخرى فاختصاص وقت الوقوع بالوقوع إما أن يكون لانضمام أمر إليه لأجله تميز ذلك الوقت بالوقوع أو ليس كذلك فإن كان الأول كان المرجح مجموع اللطف مع هذه الضميمة الزائدة فلم يكن لهذا اللطف أثر في الترجيح أصلاً وقد فرضناه كذلك هذا خلف، وإن كان الثاني لزم رجحان أحد طرفي الممكن المساوي على الآخر من غير مرجح وهو محال، فثبت أن القول بهذا اللطف غير معقول، قوله: الدلائل العقلية دلت على امتناع وقوع فعل العبد بخلق الله تعالى وهو فصل المدح والذم، قلنا: إنه معارض بسؤال العلم وسؤال الداعي على ما تقدم تقريره مراراً وأطواراً والله أعلم. واعلم أن السؤال المشهور في هذه الآية من أنهما لما كانا مسلمين فكيف طلبا الاسلام؟ قد أدرجناه في هذه المسألة وذكرنا عنه أجوبة شافية كافية والحمد لله على ذلك، ثم إن الذي يدل من جهة العقل على أن صيرورتهما مسلمين له سبحانه لا يكون إلا منه سبحانه وتعالى ما ذكرنا أن القدرة الصالحة للإسلام هل هي صالحة لتركه أم لا؟ فإن لم تكن صالحة لتركه فتلك القدرة موجبة فخلق تلك القدرة الموجبة فيهما جعلهما مسلمين، وإن كانت صالحة لتركه فهو باطل ومع تسليم إمكانه فالمقصود حاصل أما بطلانه فلان الترك عبارة عن بقاء الشيء على عدمه الأصل والعدم نفي محض فيستحيل أن يكون للقدرة فيه أثر ولأنه عدم باق والباقي لا يكون متعلق القدرة فثبت بهذا أنه لا قدرة على ذلك العدم المستمر، فإذن لا قدرة إلا على الوجود، فالقدرة غير صالحة إلا للوجود، وأما أن بتقدير تسليم كون القدرة صالحة للوجود والعدم فالمقصود حاصل، فلأن تلك القدرة الصالحة لا تختص بطرف الوجود إلا لمرجح، ويجب انتهاء المرجحات إلى فعل الله تعالى قطعاً للتسلسل، وعند حصول المرجح من الله تعالى يجب وقوع الفعل، فثبت أن قوله: {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } هو الذي يصح على قوانين الدلائل العقلية. المسألة الثانية: قوله: {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } يفيد الحصر أي نكون مسلمين لك لا لغيرك وهذا يدل على أن كمال سعادة العبد في أن يكون مسلماً لاحكام الله تعالى وقضائه وقدره، وأن لا يكون ملتفت الخاطر إلى شيء سواه، وهذا هو المراد من قول إبراهيم عليه السلام في موضع آخر: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الشعراء: 77] ثم ههنا قولان: أحدهما: {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } أي موحدين مخلصين لا نعبد إلا إياك. والثاني: قائمين بجميع شرائع الإسلام وهو الأوجه لعمومه. المسألة الثالثة: أما إن العبد لا يخاطب الله تعالى وقت الدعاء إلا بقوله: ربنا فسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في تفسير قوله: {أية : وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } تفسير : [غافر: 60] في شرائط الدعاء. أما قوله تعالى: {وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } فالمعنى: واجعل من أولادنا و (من) للتبعيض وخص بعضهم لأنه تعالى أعلمهما أن في ذريتهما الظالم بقوله تعالى: {أية : لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [البقرة: 124] ومن الناس من قال: أراد به العرب لأنهم من ذريتهما، و {أمة} قيل هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم بدليل قوله: {وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ } وههنا سؤالات: السؤال الأول: قد بينا أن قوله: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } كما يدل على أن في ذريته من يكون ظالماً فكذلك يوجد فيهم من لا يكون ظالماً، فإذن كون بعض ذريته أمة مسلمة صار معلوماً بتلك الآية فما الفائدة في طلبه بالدعاء مرة أخرى؟ الجواب: تلك الدلالة ما كانت قاطعة، والشفيق بسوء الظن مولع. السؤال الثاني: لم خص ذريتهما بالدعاء أليس أن هذا يجري مجرى البخل في الدعاء؟ والجواب: الذرية أحق بالشفقة والمصلحة قال الله تعالى: {أية : قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً } تفسير : [التحريم: 6] ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم وتابعهم على الخيرات، ألا ترى أن المتقدمين من العلماء والكبراء إذا كانوا على السداد كيف يتسببون إلى سداد من وراءهم. السؤال الثالث: الظاهر أن الله تعالى لو رد هذا الدعاء لصرح بذلك الرد فلما لم يصرح بالرد علمنا أنه أجابه إليه، وحينئذ يتوجه الإشكال، فإن في زمان أجداد محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن أحد من العرب مسلماً، ولم يكن أحد سوى العرب من ذرية إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. والجواب: قال القفال: أنه لم يزل في ذريتهما من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً، ولم تزل الرسل من ذرية إبراهيم، وقد كان في الجاهلية: زيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة، ويقال عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعامر ابن الظرب كانوا على دين الإسلام يقرون بالإبداء والإعادة، والثواب والعقاب، ويوحدون الله تعالى، ولا يأكلون الميتة، ولا يعبدون الأوثان. أما قوله تعالى: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا } ففيه مسائل: المسألة الأولى: في {أَرِنَا } قولان، الأول: معناه علمنا شرائع حجنا إذ أمرتنا ببناء البيت لنحجه وندعوا الناس إلى حجه، فعلمنا شرائعه وما ينبغي لنا أن نأتيه فيه من عمل وقول مجاز هذا من رؤية العلم، قال الله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظّلَّ } تفسير : [الفرقان: 45]، {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَـٰبِ ٱلْفِيلِ } تفسير : [الفيل: 1]. الثاني: أظهرها لأعيننا حتى نراها. قال الحسن: إن جبريل عليه السلام أرى إبراهيم المناسك كلها، حتى بلغ عرفات، فقال: يا إبراهيم أعرفت ما أريتك من المناسك؟ قال: نعم فسميت عرفات فلما كان يوم النحر أراد أن يزور البيت عرض له إبليس فسد عليه الطريق، فأمره جبريل عليه السلام أن يرميه بسبع حصيات ففعل، فذهب الشيطان ثم عرض له في اليوم الثاني والثالث والرابع كل ذلك يأمره جبريل عليه السلام برمي الحصيات. وههنا قول ثالث وهو أن المراد العلم والرؤية معاً. وهو قول القاضي لأن الحج لايتم إلا بأمور بعضها يعلم ولا يرى، وبعضها لا يتم الغرض منه إلا بالرؤية، فوجب حمل اللفظ على الأمرين جميعاً وهذا ضعيف، لأنه يقتضي حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز معاً وأنه جائز، فبقي القول المعتبر وهو القولان الأولان، فمن قال بالقول الثاني قال: إن المناسك هي المواقف والمواضع التي يقام فيها شرائع الحج كمنى وعرفات والمزدلفة ونحوها، ومن قال بالأول قال: إن المناسك هي أعمال الحج كالطواف والسعي والوقوف. المسألة الثانية: النسك هو التعبد، يقال للعابد ناسك ثم سمي الذبح نسكاً والذبيحة نسيكة، وسمي أعمال الحج مناسك. قال عليه السلام: «حديث : خذوا عني مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا»تفسير : . والمواضع التي تقام فيها شرائع الحج تسمى: مناسك أيضاً، ويقال: المنسك بفتح السين بمعنى الفعل، وبكسر السين بمعنى المواضع، كالمسجد والمشرق والمغرب، قال الله تعالى: {أية : لّكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ } تفسير : [الحج: 67] قرىء بالفتح والكسر، وظاهر الكلام يدل على الفعل، وكذلك قوله عليه السلام: «حديث : خذوا عني مناسككم» تفسير : أمرهم بأن يتعلموا أفعاله في الحج لا أنه أراد: خذوا عني مواضع نسككم إذا عرفت هذا فنقول: إن حملنا المناسك على مناسك الحج، فإن حملناها على الأفعال فالإراءة لتعريف تلك الأعمال، وإن حملناها على المواضع فالإراءة لتعريف البقاع ومن المفسرين من حمل المناسك على الذبيحة فقط، وهو خطأ، لأن الذبيحة إنما تسمى نسكاً لدخولها تحت التعبد، ولذلك لا يسمون ما يذبح للأكل بذلك فما لأجله سميت الذبيحة نسكاً، وهو كونه عملاً من أعمال الحج قائم في سائر الأعمال، فوجب دخول الكل فيه وإن حملنا المناسك على ما يرجع إليه أصل هذه اللفظة من العبادة والتقرب إلى الله تعالى، واللزوم لما يرضيه وجعل ذلك عاماً لكل ما شرعه الله تعالى لإبراهيم عليه السلام فقوله: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا } أي علمنا كيف نعبدك، وأين نعبدك وبماذا نتقرب إليك حتى نخدمك به كما يخدم العبد مولاه. المسألة الثالثة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو في بعض الروايات {أَرِنَا } بإسكان الراء في كل القرآن، ووافقهما عاصم وابن عامر في حرف واحد، في حم السجدة {أية : أَرِنَا ٱلَّذِينَ أَضَلَّـٰنَا } تفسير : [فصلت: 29] وقرأ أبو عمرو في بعض الروايات الظاهرة عنه باختلاس كسرة الراء من غير إشباع في كل القرآن، والباقون بالكسرة مشبعة، وأصله أرئنا بالهمزة المكسورة، نقلت كسرة الهمزة إلى الراء وحذفت الهمزة وهو الاختيار لأن أكثر القراء عليه، ولأنه سقطت الهمزة فلا ينبغي أن تسكن الراء لئلا يجحف بالكلمة وتذهب الدلالة على الهمزة، وأما التسكين فعلى حذف الهمزة وحركتها وعلى التشبيه بما سكن كقولهم: فخذ وكبد، وأما الاختلاس فلطلب الخفة وبقاء الدلالة على حذف الهمزة. أما قوله: {وَتُبْ عَلَيْنَا } ففيه مسائل: المسألة الأولى: احتج من جوز الذنب على الأنبياء بهذه الآية قال: لأن التوبة مشروطة بتقدم الذنب، فلولا تقدم الذنب وإلا لكان طلب التوبة طلباً للمحال، وأما المعتزلة فقالوا: إنا نجوز الصغيرة على الأنبياء فكانت هذه التوبة توبة من الصغيرة، ولقائل أن يقول: إن الصغائر قد صارت مكفرة بثواب فاعلها وإذا صارت مكفرة فالتوبة عنها محال، لأن تأثير التوبة في إزالتها وإزالة الزائل محال. وههنا أجوبة أخر تصلح لمن جوز الصغائر ولمن لم يجوزها، وهي من وجوه. أولها: يجوز أن يأتي بصورة التوبة تشدداً في الإنصراف عن المعصية، لأن من تصور نفسه بصورة النادم العازم على التحرز الشديد، كان أقرب إلى ترك المعاصي، فيكون ذلك لطفاً داعياً إلى ترك المعاصي، وثانيها: أن العبد وإن اجتهد في طاعة ربه فإنه لاينفك عن التقصير من بعض الوجوه: إما على سبيل السهو، أو على سبيل ترك الأولى، فكان هذا الدعاء لأجل ذلك. وثالثها: أنه تعالى لما أعلم إبراهيم عليه السلام أن في ذريته من يكون ظالماً عاصياً، لا جرم سأل ههنا أن يجعل بعض ذريته أمة مسلمة، ثم طلب منه أن يوفق أولئك العصاة المذنبين للتوبة فقال: {وَتُبْ عَلَيْنَا } أي على المذنبين من ذريتنا، والأب المشفق على ولده إذا أذنب ولده فاعتذر الوالد عنه فقد يقول: أجرمت وعصيت وأذنبت فاقبل عذري ويكون مراده: إن ولدي أذنب فاقبل عذره، لأن ولد الإنسان يجري مجرى نفسه، والذي يقوي هذا التأويل وجوه. الأول: ما حكى الله تعالى في سورة إبراهيم أنه قال: {أية : وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأًصْنَامَ رَّبّ إِنَّهُمْ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [إبراهيم: 35، 36] فيحتمل أن يكون المعنى: ومن عصاني فإنك قادر على أن تتوب عليه إن تاب، وتغفر له ما سلف من ذنوبه. الثاني: ذكر أن في قراءة عبد الله: وأرهم مناسكهم وتب عليهم. الثالث: أنه قال عطفاً على هذا: {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ }. الرابع: تأولوا قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ } تفسير : [الأعراف: 11] بجعل خلقه إياه خلقاً لهم إذ كانوا منه، فكذلك لا يبعد أن يكون قوله: {أَرِنَا مَنَاسِكَنَا } أي أر ذريتنا. المسألة الثانية: احتج الأصحاب بقوله: {وَتُبْ عَلَيْنَا } على أن فعل العبد خلق لله تعالى، قالوا لأنه عليه السلام طلب من الله تعالى أن يتوب عليه، فلو كانت التوبة مخلوقة للعبد، لكان طلبها من الله تعالى محالاً وجهلاً، قالت المعتزلة: هذا معارض بما أن الله تعالى طلب التوبة منا. فقال: {أية : يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً } تفسير : [التحريم: 8] ولو كانت فعلاً لله تعالى، لكان طلبها من العبد محالاً وجهلاً، وإذا ثبت ذلك حمل قوله: {وَتُبْ عَلَيْنَا } على التوفيق وفعل الألطاف أو على قبول التوبة من العبد، قال الأصحاب: الترجيح معنا لأن دليل العقل يعضد قولنا من وجوه. أولها: أنه متى لم يخلق الله تعالى داعية موجبة للتوبة استحال حصول التوبة، فكانت التوبة من الله تعالى لا من العبد، وتقرير دليل الداعي قد تقدم غير مرة. وثانيها: أن التوبة على ما لخصه الشيخ الغزالي رحمه الله: عبارة عن مجموع أمور ثلاثة مرتبة: علم وحال وعمل، فالعلم أول والحال ثانٍ وهو موجب العلم والعمل ثالث وهو موجب الحال، أما العلم فهو معرفة عظم ضرر الذنوب، يتولد من هذه المعرفة تألم القلب بسبب فوت المنفعة وحصول المضرة، وهذا التألم هو المسمى بالندم ثم يتولد من هذا الندم صفة تسمى: إرادة ولها تعلق بالحال والماضي والمستقبل، أما تعلقه بالحال فهو الترك للذنب الذي كان ملابساً له، وأما بالاستقبال فبالعزم على ترك ذلك الفعل المفوت للمحبوب إلى آخر العمر، وأما في الماضي فبتلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلاً للجبر فالعلم هو الأول وهو مطلع هذه الخيرات وأعني بهذا العلم الإيمان واليقين، فإن الإيمان عبارة عن التصديق بأن الذنوب سموم مهلكة واليقين عبارة عن تأكد هذا التصديق وانتفاء الشك عنه واستيلائه على القلب، ثم إن هذا اليقين مهما استولى على القلب اشتعل نار الندم فيتألم به القلب حيث يبصر بإشراق نور الإيمان، أنه صار محجوباً عن محبوبه كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة فرأى محبوبه قد أشرف على الهلاك فتشتعل نيران الحب في قلبه فيتولد من تلك الحالة إرادته للانتهاض للتدارك إذا عرفت هذا فنقول: إن ترتب الفعل على الإرادة ضروري لأن الإرادة الجازمة الخالية عن المعارض لا بد وأن يترتب عليها الفعل وترتب الإرادة على تألم القلب أيضاً ضروري، فإن من تألم قلبه بسبب مشاهدة أمر مكروه لا بد وأن يحصل في قلبه إرادة الدفع وترتب ذلك الألم على العلم بكون ذلك الشيء جالباً للمضار، ودفعاً للمنافع أيضاً أمر ضروري، فكل هذه المراتب ضرورية فكيف تحصل تحت الاختبار والتكلف. بقي أن يقال: الداخل تحت التكليف هو العلم، إلا أن فيه أيضاً إشكالاً، لأن ذلك العلم إما أن يكون ضرورياً أو نظرياً، فإن كان ضرورياً لم يكن داخلاً تحت الاختبار والتكليف أيضاً، وإن كان نظرياً فهو مستنتج عن العلوم الضرورية. فمجموع تلك العلوم الضرورية المنتجة للعلم النظري الأول، إما أن يكون كافياً في ذلك الانتاج أو غيره كاف، فإن كان كافياً كان ترتب ذلك العلم النظري المستنتج أولاً على تلك العلوم الضرورية واجباً، والذي يجب ترتبه على ما يكون خارجاً عن الاختيار، كان أيضاً خارجاً عن الاختيار، وإن لم يكن كافياً فلا بد من شيء آخر، فذلك الآخر إن كان من العلوم الضرورية فهو إن كان حاصلاً فالذي فرضناه غير كاف، وقد كان كافياً، هذا خلف، وإن كان من العلوم النظرية افتقر أول العلوم النظرية إلى علم نظري آخر قبله فلم يكن أول العلوم النظرية أولاً للعلوم النظرية، وهذا خلف. ثم الكلام في ذلك الأول كما فيما قبله فيلزم التسلسل وهو محال، فثبت بما ذكرنا آخراً أن قوله تعالى: {وَتُبْ عَلَيْنَا } محمول على ظاهره، وهو الحق المطابق للدلائل العقلية وأن سائر الآيات المعارضة لهذه الآية أولى بالتأويل. أما قوله: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ } فقد تقدم ذكره. النوع الثالث: قوله: {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ } واعلم أنه لا شبهة في أن قوله: {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً } يريد من أراد بقوله: {وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } لأنه المذكور من قبل ووصفه لذريته بذلك لا يليق إلا بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فعطف عليه بقوله تعالى: {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ } وهذا الدعاء يفيد كمال حال ذريته من وجهين. أحدهما: أن يكون فيهم رسول يكمل لهم الدين والشرع ويدعوهم إلى ما يثبتون به على الإسلام. والثاني: أن يكون ذلك المبعوث منهم لا من غيرهم لوجوه. أحدها: ليكون محلهم ورتبتهم في العز والدين أعظم، لأن الرسول والمرسل إليه إذا كانا معاً من ذريته، كان أشرف لطلبته إذا أجيب إليها. وثانيها: أنه إذا كان منهم فإنهم يعرفون مولده ومنشأه فيقرب الأمر عليهم في معرفة صدقه وأمانته. وثالثها: أنه إذا كان منهم كان أحرص الناس على خيرهم وأشفق عليهم من الأجنبي لو أرسل إليهم، إذا ثبت هذا فنقول: إذا كان مراد إبراهيم عليه السلام عمارة الدين في الحال وفي المستقبل، وكان قد غلب على ظنه أن ذلك إنما يتم ويكمل بأن يكون القوم من ذريته حسن منه أن يريد ذلك ليجتمع له بذلك نهاية المراد في الدين، وينضاف إليه السرور العظيم بأن يكون هذا الأمر في ذريته لأن لا عز ولا شرف أعلى من هذه الرتبة. وأما إن الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم فيدل عليه وجوه. أحدها: إجماع المفسرين وهو حجة. وثانيها: ما روي عنه عليه السلام أنه قال: «حديث : أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى» تفسير : وأراد بالدعوة هذه الآية، وبشارة عيسى عليه السلام ما ذكر في سورة الصف من قوله: {أية : مُبَشّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى ٱسْمُهُ أَحْمَدُ } تفسير : [الصف: 6]. وثالثها: أن إبراهيم عليه السلام إنما دعا بهذا الدعاء بمكة لذريته الذين يكونون بها وبما حولها ولم يبعث الله تعالى إلى من بمكة وما حولها إلا محمداً صلى الله عليه وسلم. وههنا سؤال وهو أنه يقال: ما الحكمة في ذكر إبراهيم عليه السلام مع محمد صلى الله عليه وسلم في باب الصلاة حيث يقال: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؟ وأجابوا عنه من وجوه، أولها: أن إبراهيم عليه السلام دعا لمحمد عليه السلام حيث قال: {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَـٰتِكَ } فلما وجب للخليل على الحبيب حق دعائه له قضى الله تعالى عنه حقه بأن أجرى ذكره على ألسنة أمته إلى يوم القيامة. وثانيها: أن إبراهيم عليه السلام سأل ذلك ربه بقوله: {أية : وَٱجْعَل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلأَخِرِينَ } تفسير : [الشعراء: 84] يعني ابق لي ثناء حسناً في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فأجابه الله تعالى إليه وقرن ذكره بذكر حبيبه إبقاء للثناء الحسن عليه في أمته. وثالثها: أن إبراهيم كان أب الملة لقوله: {أية : مّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [الحج: 78] ومحمد كان أب الرحمة، وفي قراءة ابن مسعود: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم) وقال في قصته: {أية : بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [التوبة: 128] وقال عليه السلام: «حديث : إنما أنا لكم مثل الوالد»تفسير : يعني في الرأفة والرحمة، فلما وجب لكل واحد منهم حق الأبوة من وجه قرب بين ذكرهما في باب الثناء والصلاة. ورابعها: أن إبراهيم عليه السلام كان منادي الشريعة في الحج: {أية : وَأَذّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجّ } تفسير : [الحج: 27] وكان محمد عليه السلام منادي الدين: {أية : سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـٰنِ } تفسير : [آل عمران: 193] فجمع الله تعالى بينهما في الذكر الجميل. واعلم أنه تعالى لما طلب بعثة رسول منهم إليهم، ذكر لذلك الرسول صفات. أولها: قوله: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِكَ } وفيه وجهان الأول: أنها الفرقان الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لأن الذي كان يتلوه عليهم ليس إلا ذلك، فوجب حمله عليه. الثاني: يجوز أن تكون الآيات هي الأعلام الدالة على وجود الصانع وصفاته سبحانه وتعالى، ومعنى تلاوته إياها عليهم: أنه كان يذكرهم بها ويدعوهم إليها ويحملهم على الإيمان بها. وثانيها: قوله: {وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } والمراد أنه يأمرهم بتلاوة الكتاب ويعلمهم معاني الكتاب وحقائقه، وذلك لأن التلاوة مطلوبة لوجوه: منها بقاء لفظها على ألسنة أهل التواتر فيبقى مصوناً عن التحريف والتصحيف، ومنها أن يكون لفظه ونظمه معجزاً لمحمد صلى الله عليه وسلم، ومنها أن يكون في تلاوته نوع عبادة وطاعة، ومنها أن تكون قراءته في الصلوات وسائر العبادات نوع عبادة، فهذا حكم التلاوة إلا أن الحكمة العظمى والمقصود الأشرف تعليم ما فيه من الدلائل والأحكام، فإن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى ونوراً لما فيه من المعاني والحكم والأسرار، فلما ذكر الله تعالى أولاً أمر التلاوة ذكر بعده تعليم حقائقه وأسراره فقال: {وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ }. الصفة الثالثة: من صفات الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: (والحكمة) أي ويعلمهم الحكمة. واعلم أن الحكمة هي: الإصابة في القول والعمل، ولا يسمى حكيماً إلا من اجتمع له الأمران وقيل: أصلها من أحكمت الشيء أي رددته، فكأن الحكمة هي التي ترد عن الجهل والخطأ، وذلك إنما يكون بما ذكرنا من الإصابة في القول والفعل، ووضع كل شيء موضعه. قال القفال: وعبر بعض الفلاسفة عن الحكمة بأنها التشبه بالإله بقدر الطاقة البشرية. واختلف المفسرون في المراد بالحكمة ههنا على وجوه. أحدها: قال ابن وهب قلت لمالك: ما الحكمة؟ قال: معرفة الدين، والفقه فيه، والاتباع له. وثانيها: قال الشافعي رضي الله عنه: الحكمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو قول قتادة، قال أصحاب الشافعي رضي الله عنه: والدليل عليه أنه تعالى ذكر تلاوة الكتاب أولاً وتعليمه ثانياً ثم عطف عليه الحكمة فوجب أن يكون المراد من الحكمة شيئاً خارجاً عن الكتاب، وليس ذلك إلا سنة الرسول عليه السلام. فإن قيل: لم لا يجوز حمله على تعليم الدلائل العقلية على التوحيد والعدل والنبوة؟ قلنا: لأن العقول مستقبلة بذلك فحمل هذا اللفظ على ما لا يستفاد من الشرع أولى. وثالثها: الحكمة هي الفصل بين الحق والباطل، وهو مصدر بمعنى الحكم، كالقعدة والجلسة. والمعنى: يعلمهم كتابك الذي تنزله عليهم، وفصل أقضيتك وأحكامك التي تعلمه إياها، ومثال هذا: الخبر والخبرة، والعذر والعذرة، والغل والغلة، والذل والذلة. ورابعها: ويعلمهم الكتاب أراد به الآيات المحكمة. (والحكمة) أراد بها الآيات المتشابهات. وخامسها: {يَعْلِمُهُمْ ٱلْكِتَـٰبِ } أي يعلمهم ما فيه من الأحكام. (والحكمة) أراد بها أنه يعلمهم حكمة تلك الشرائع وما فيها من وجوه المصالح والمنافع، ومن الناس من قال: الكل صفات الكتاب كأنه تعالى وصفه بأنه آيات، وبأنه كتاب، وبأنه حكمة. الصفة الرابعة: من صفات الرسول صلى الله عليه وسلم: قوله: «ويزكيهم» واعلم أن كمال حال الإنسان في أمرين. أحدهما: أن يعرف الحق لذاته. والثاني: أن يعرف الخير لأجل العمل به، فإن أخل بشيء من هذين الأمرين لم يكن طاهراً عن الرذائل والنقائص، ولم يكن زكياً عنها، فلما ذكر صفات الفضل والكمال أردفها بذكر التزكية عن الرذائل والنقائص، فقال: (ويزكيهم) واعلم أن الرسول لا قدرة له على التصرف في بواطن المكلفين، وبتقدير أن تحصل له هذه القدرة لكنه لا يتصرف فيها وإلا لكان ذلك الزكاء حاصلاً فيهم على سبيل الجبر لا على سبيل الاختيار، فإذن هذه التزكية لها تفسيران. الأول: ما يفعله سوى التلاوة وتعليم الكتاب والحكمة، حتى يكون ذلك كالسبب لطهارتهم، وتلك الأمور ما كان يفعله عليه السلام من الوعد والإيعاد، والوعظ والتذكير، وتكرير ذلك عليهم، ومن التشبث بأمور الدنيا إلى أن يؤمنوا ويصلحوا، فقد كان عليه السلام يفعل من هذا الجنس أشياء كثيرة ليقوي بها دواعيهم إلى الإيمان والعمل الصالح، ولذلك مدحه تعالى بأنه على خلق عظيم، وأنه أوتي مكارم الأخلاق. الثاني: يزكيهم، يشهد لهم بأنهم أزكياء يوم القيامة إذا شهد على كل نفس بما كسبت، كتزكية المزكي الشهود، والأول أجود لأنه أدخل في مشاكلة مراده بالدعاء، لأن مراده أن يتكامل لهذه الذرية الفوز بالجنة، وذلك لا يتم إلا بتعليم الكتاب والحكمة، ثم بالترغيب الشديد في العمل والترهيب عن الاخلال بالعمل وهو التزكية، هذا هو الكلام الملخص في هذه الآية، وللمفسرين فيه عبارات. أحدها: قال الحسن: يزكيهم: يطهرهم من شركهم، فدلت الآية على أنه سيكون في ذرية إسماعيل جهال لا حكمة فيهم ولا كتاب، وأن الشرك ينجسهم، وأنه تعالى يبعث فيهم رسولاً منهم يطهرهم ويجعلهم حكماء الأرض بعد جهلهم. وثانيها: التزكية هي الطاعة لله والإخلاص عن ابن عباس. وثالثها: ويزكيهم عن الشرك وسائر الأرجاس، كقوله: {أية : وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـٰئِثَ } تفسير : [الأعراف: 57] واعلم أنه عليه السلام لما ذكر هذه الدعوات ختمها بالثناء على الله تعالى فقال: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } والعزيز: هو القادر الذي لا يغلب، والحكيم هو العالم الذي لا يجهل شيئاً، وإذا كان عالماً قادراً كان ما يفعله صواباً ومبرأ عن العبث والسفه، ولولا كونه كذلك لما صح منه إجابة الدعاء ولا بعثة الرسل، ولا إنزال الكتاب، واعلم أن العزيز من صفات الذات إذا أريد اقتداره على الأشياء وامتناعه من الهضم والذلة، لأنه إذا كان منزهاً عن الحاجات لم تلحقه ذلة المحتاج، ولا يجوز أن يمنع من مراده حتى يلحقه اهتضام، فهو عزيز لا محالة، وأما الحكيم فإذا أريد به معنى العليم فهو من صفات الذات، فإذا أريد بالعزة كمال العزة وهو الامتناع من استيلاء الغير عليه، وأريد بالحكمة أفعال الحكمة لم يكن العزيز والحكيم من صفات الذات بل من صفات الفعل والفرق بين هذين النوعين من الصفات وجوه. أحدها: أن صفات الذات أزلية، وصفات الفعل ليست كذلك. وثانيها: أن صفات الذات لا يمكن أن تصدق نقائضها في شيء من الأوقات، وصفات الفعل ليست كذلك. وثالثها: أن صفات الفعل أمور نسبية يعتبر في تحققها صدور الآثار عن الفاعل، وصفات الذات ليست كذلك، واحتج النظام على أنه تعالى غير قادر على القبيح بأن قال: الإله يجب أن يكون حكيماً لذاته، وإذا كان حكيماً لذاته لم يكن القبيح مقدوراً، والحكمة لذاتها تنافي فعل القبيح، فالإله يستحيل منه فعل القبيح، وما كان محال لم يكن مقدوراً، إنما قلنا: الإله يجب أن يكون حكيماً لأنه لو لم يجب ذلك لجاز تبدله بنقيضه، فحينئذ يلزم أن يكون الإله إلهاً مع عدم الحكمة وذلك بالاتفاق محال، وأما أن الحكمة تنافي فعل السفه فذلك أيضاً معلوم بالبديهة، وأما أن مستلزم المنافي مناف فمعلوم بالبديهة، فإذن الإلهية لا يمكن تقريرها مع فعل السفه، وأما أن المحال غير مقدور فبين، فثبت أن الإله لا يقدر على فعل القبيح. والجواب عنه: أما على مذهبنا فليس شيء من الأفعال سفهاً منه فزال السؤال، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} القواعد: أساسه؛ في قول أبي عبيدة والفَرَّاء. وقال الكسائي: هي الجُدرُ. والمعروف أنها الأساس. وفي الحديث: «حديث : إن البيت لما هُدم أخرجت منه حجارة عظام»تفسير : فقال ٱبن الزبير: هذه القواعد التي رفعها إبراهيم عليه السلام. وقيل: إن القواعد كانت قد ٱندرست فأطلع الله إبراهيم عليها. ٱبن عباس: وضع البيت على أركان رآها قبل أن تُخلق الدنيا بألفي عام ثم دُحيت الأرض من تحته. والقواعد واحدتها قاعدة. والقواعد من النساء واحدها قاعد. وٱختلف الناس فيمن بنى البيت أوّلاً وأسّسه؛ فقيل: الملائكة. رُوي عن جعفر بن محمد قال: سئل أبي وأنا حاضر عن بَدْء خلق البيت فقال: إن الله عز وجل لما قال: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} تفسير : [البقرة: 30] قالت الملائكة: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}تفسير : [البقرة: 30] فغضب عليهم؛ فعاذوا بعرشه وطافوا حوله سبعة أشواط يسترضون ربّهم حتى رضي الله عنهم، وقال لهم: ابنوا لي بيتاً في الأرض يتعوّذ به من سخِطت عليه من بني آدم، ويطوف حوله كما طفتم حول عرشي، فأرضى عنه كما رضيت عنكم؛ فبنوْا هذا البيت. وذكر عبد الرزاق عن ٱبن جُريج عن عطاء وٱبن المسيب وغيرهما: أن الله عز وجل أوحى إلى آدم: إذا هبطت ٱبن لي بيتاً ثم ٱحفف به كما رأيت الملائكة تحفّ بعرشي الذي في السماء. قال عطاء: فزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل: من حِرَاء، ومن طُورِ سينا، ومن لُبنان، ومن الجُوديّ، ومن طُورزيتا؛ وكان رُبْضه من حِراء. قال الخليل: والرُّبُض ها هنا الأساس المستدير بالبيت من الصخر؛ ومنه يقال لمَا حول المدينة: رَبَض. وذكر الماورديّ عن عطاء عن ٱبن عباس قال: لما أهبط آدم من الجنة إلى الأرض قال له: يا آدم، ٱذهب فابن لي بيتاً وطُف به، وٱذكرني عنده كما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي؛ فأقبل آدم يتخطّى وطُوِيَت له الأرض، وقُبضت له المفازة؛ فلا يقع قدمه على شيء من الأرض إلا صار عُمراناً حتى ٱنتهى إلى موضع البيت الحرام، وأن جبريل عليه السلام ضرب بجناحيه الأرض فأبرز عن أسّ ثابت على الأرض السابعة السُّفلى، وقَذفت إليه الملائكة بالصَّخر، فما يُطيق الصخرة منها ثلاثون رجلاً، وأنه بناه من خمسة أجبل كما ذكرنا. وقد رُوِيَ في بعض الأخبار: أنه أهبط لآدم عليه السلام خيمة من خيام الجنة، فضُربت في موضع الكعبة ليسكن إليها ويطوف حولها، فلم تزل باقية حتى قبض الله عز وجل آدم ثم رُفعت. وهذا من طريق وَهْب بن مُنَبّه. وفي رواية: أنه أهبط معه بيت فكان يطوف به والمؤمنون من ولده كذلك إلى زمان الغرق، ثم رفعه الله فصار في السماء، وهو الذي يُدعى البيت المعمور. رُوِيَ هذا عن قتادة ذكره الحَلِيمي في كتاب «منهاج الدين» له، وقال: يجوز أن يكون معنى ما قال قتادة من أنه أهبط مع آدم بيت، أي أهبط معه مقدار البيت المعمور طُولاً وعَرْضاً وسُمْكاً، ثم قيل له: ٱبن بقدره؛ وتحرَّى أن يكون بِحياله، فكان حياله موضع الكعبة، فبناها فيه. وأما الخيمة فقد يجوز أن تكون أنزلت وضُربت في موضع الكعبة، فلما أمر ببنائها فبناها كانت حول الكعبة طمأنينة لقلب آدم صلى الله عليه وسلم ما عاش ثمّ رفعت؛ فتتفق هذه الأخبار. فهذا بناء آدم عليه السلام، ثم بناه إبراهيم عليه السلام. قال ٱبن جريج وقال ناس: أرسل الله سحابة فيها رأس؛ فقال الرأس: يا إبراهيم، إن ربَّك يأمرك أن تأخذ بقدر هذه السحابة؛ فجعل ينظر إليها ويخط قدرها؛ ثم قال الرأس: إنه قد فعلتَ؛ فحفر فأبرز عن أساس ثابت في الأرض. ورُوِيَ عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: أن الله تعالى لما أمر إبراهيم بعمارة البيت خرج من الشام ومعه ٱبنه إسماعيل وأُمّه هاجر، وبعث معه السَّكِينة لها لسان تتكلَّم به يَغْدُو معها إبراهيم إذا غَدت، ويروح معها إذا راحت، حتى ٱنتهت به إلى مكة؛ فقالت لإبراهيم: ابْن على موضعي الأساس؛ فرفع البيت هو وإسماعيل حتى ٱنتهى إلى موضع الرُّكن؛ فقال لابنه: يا بُنَيّ، ابغني حجراً أجعله عَلماً للناس؛ فجاءه بحجر فلم يرضه؛ وقال: ابغني غيره؛ فذهب يلتمس، فجاءه وقد أتى بالركن فوضعه موضعه؛ فقال: يا أبة، مَن جاءك بهذا الحجر؟ فقال: من لم يَكِلني إليك. ٱبن عباس: صالح أبو قُبيس: يا إبراهيم، يا خليل الرحمن، إن لك عندي وديعة فخذها؛ فإذا هو بحجر أبيض من ياقوت الجنة كان آدم قد نزل به من الجنة؛ فلما رفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت جاءت سحابة مربَّعة فيها رأس فنادت: أنِ ٱرفعا على تربيعي. فهذا بناء إبراهيم عليه السلام. ورُوِيَ أن إبراهيم وإسماعيل لما فرغا من بناء البيت أعطاهما الله الخيل جزاء عن رفع قواعد البيت. روى التّرمذي الحكيم حدّثنا عمر بن أبي عمر حدّثني نعيم بن حماد حدّثنا عبد الوهاب بن همام أخو عبد الرزاق عن ٱبن جُريج عن ٱبن أبي مُليكة عن ٱبن عباس قال: كانت الخيل وَحْشاً كسائر الوحش، فلما أذن الله لإبراهيم وإسماعيل برفع القواعد قال الله تبارك ٱسمه: «إني معطيكما كنزاً ٱدّخرته لكما» ثم أوحى إلى إسماعيل أنِ ٱخرج إلى أَجياد فادع يأتك الكنز. فخرج إلى أجياد ـ وكانت وطناً ـ ولا يدري ما الدعاء ولا الكنز، فألهمه؛ فلم يبق على وجه الأرض فرس بأرض العرب إلا جاءته فأمكنته من نواصيها وذلّلها له، فٱركبوها وٱعلفوها فإنها ميامين، وهي ميراث أبيكم إسماعيل؛ فإنما سُمّيَ الفرس عربياً لأن إسماعيل أمر بالدعاء وإياه أتى. وروى عبد المنعم بن إدريس عن وهب بن مُنَبّه، قال: أوّل من بنى البيت بالطين والحجارة شِيث عليه السلام. وأما بنيان قريش له فمشهور، وخبر الحيَّة في ذلك مذكور، وكانت تمنعهم من هَدمه إلى أن ٱجتمعت قريش عند المقام فعَجُّوا إلى الله تعالى وقالوا: ربَّنا، لم تُرَع! أردنا تشريف بيتك وتزيينه، فإن كنت ترضى بذلك وإلا فما بدا لك فٱفعل، فسمعوا خَوَاتاً من السماء ـ والْخَوَات: حفيف جناح الطير الضخم ـ فإذا هو بطائر أعظم من النِّسر، أسود الظهر أبيض البطن والرجلين؛ فغرز مخاليبه في قفا الحيّة، ثم ٱنطلق بها تجرّ ذنبها أعظم من كذا وكذا حتى ٱنطلق بها نحو أجياد؛ فهدمتها قريش وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي تحملها قريش على رقابها، فرفعوها في السماء عشرين ذراعاً، فبينا النبيّ صلى الله عليه وسلم يحمل حجارة من أجياد وعليه نِمرة فضاقت عليه النَّمرة فذهب يرفع النّمرة على عاتقه، فتُرَى عورته من صغر النمرة؛ فنودي: يا محمد، خَمّر عَوْرَتك؛ فلم يُرَ عُرياناً بعدُ. وكان بين بنيان الكعبة وبين ما أنزِل عليه خمس سنين، وبين مخرجه وبنائها خمس عشرة سنة. ذكره عبد الرزاق عن معمر عن عبد اللَّه بن عثمان عن أبي الطفيل. وذكر عن معمر عن الزهري: حتى إذا بنوها وبلغوا موضع الركن ٱختصمت قريش في الركن، أيّ القبائل تلي رفعه؟ حتى شَجَر بينهم؛ فقالوا: تعالْوا نحكّم أوّل من يطلع علينا من هذه السكّة، فاصطلحوا على ذلك؛ فأطلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلام عليه وِشاح نَمِرة، فحكّموه فأمر بالركن فوُضع في ثوب، ثم أمر سيّد كل قبيلة فأعطاه ناحية من الثوب، ثم ٱرتقى هو فرفعوا إليه الركن؛ فكان هو يضعه صلى الله عليه وسلم. قال ٱبن إسحٰق: وحُدّثت أن قريشاً وجدوا في الركن كتاباً بالسريانية فلم يُدْرَ ما هو، حتى قرأه لهم رجل من يهود، فإذا فيه: «أنا الله ذو بَكّة خلقتها يوم خلقتُ السموات والأرض وصوّرت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشباها، مباركٌ لأهلها في الماء واللبن». وعن أبي جعفر محمد بن عليّ قال: كان باب الكعبة على عهد العماليق وجُرْهُم وإبراهيم عليه السلام بالأرض حتى بنته قريش. خرّج مسلم "حديث : عن عائشة رضي الله عنها قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجَدْر أمن البيت هو؟ قال: «نعم» قلت: فلم لم يدخلوه (في البيت)؟ قال: «إنَّ قومك قَصّرتْ بهم النفقة». قلت: فما شأن بابه مرتفعاً؟ قال: «فعل ذلك قومك ليُدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا ولولا أن قومك حديثٌ عهدُهم في الجاهلية فأخاف أن تُنكر قلوبهم لنظرتُ أن أُدخل الجَدْر في البيت وأن أُلْزِق بابه بالأرض»»تفسير : . وخرّج عن عبد اللَّه بن الزبير رضي الله عنه قال: حدّثتني خالتي (يعني عائشة) رضي الله عنها قالت قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا عائشة لولا أن قومك حديثُو عَهْدٍ بِشْرك لهدمتُ الكعبة فألزقتها بالأرض وجعلتُ لها بابين باباً شرقيًّا وباباً غربياً وزدت فيها ستة أذرع من الحجْر فإن قريشاً ٱقتصرتها حيث بنت الكعبة»تفسير : . وعن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لولا حَداثة (عَهْد) قومِك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراهيم فإنّ قريشاً حين بنت الكعبة ٱستقصرتْ ولجعلتُ لها خَلْفاً»تفسير : . وفي البخاري قال هشام بن عروة: يعني باباً. وفي البخاري أيضاً: «لجعلت لها خَلْفين» يعني بابين؛ فهذا بناء قريش. ثم لما غزا أهل الشام عبدَ اللَّه بن الزبير ووَهَت الكعبة من حريقهم، هدمها ٱبن الزبير وبناها على ما أخبرته عائشة، وزاد فيه خمسة أذرع من الحِجْر، حتى أبدى أسًّا نظر الناس إليه، فبنى عليه البناء، وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعاً، فلما زاد فيه ٱستقصره، فزاد في طوله عشرة أذرع، وجعل لها بابين أحدهما يُدخل منه، والآخر يُخرج منه؛ كذا في صحيح مسلم، وألفاظ الحديث تختلف. وذكر سفيان عن داود بن شابور عن مجاهد قال: لما أراد ٱبن الزبير أن يهدم الكعبة ويَبْنِيه قال للناس: ٱهدموا؛ قال: فأبَوْا أن يهدموا وخافوا أن ينزل عليهم العذاب. قال مجاهد: فخرجنا إلى مِنىً فأقمنا بها ثلاثاً ننتظر العذاب. قال: وٱرتقى ٱبن الزبير على جدار الكعبة هو بنفسه؛ فلما رأوا أنه لم يصبه شيء ٱجترؤوا على ذلك؛ قال: فهدموا. فلما بناها جعل لها بابين: باباً يدخلون منه، وباباً يخرجون منه، وزاد فيه مما يلي الحِجر ستة أذرع، وزاد في طولها تسعة أذرع. قال مسلم في حديثه: فلما قتل ٱبن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك ٱبن مروان يخبره بذلك، ويخبره أن ٱبن الزبير قد وضع البناء على أُسٍّ نظر إليه العدول من أهل مكة؛ فكتب إليه عبد الملك: إنّا لسنا من تلطيخ ٱبن الزبير في شيء؛ أما ما زاد في طوله فأقِرَّه، وأما ما زاد فيه من الحِجر فردّه إلى بنائه، وسُدَّ الباب الذي فتحه؛ فنَقضه وأعاده إلى بنائه. في رواية: قال عبد الملك: ما كنت أظن أبا خُبيب (يعني ٱبن الزبير) سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها؛ قال الحارث بن عبد اللَّه: بلى، أنا سمعته منها؛ قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن قومك ٱستقصروا من بنيان البيت ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدتُ ما تركوا منه فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فَهَلُمِّي لأريكَ ما تركوا منه فأراها قريباً من سبعة أذرع»تفسير : . في أخرى: قال عبد الملك: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بني ٱبن الزبير. فهذا ما جاء في بناء الكعبة من الآثار. ورُوِي أن الرشيد ذكر لمالك بن أنس أنه يريد هدم ما بنى الحجاج من الكعبة، وأن يردّه على بناء ٱبن الزبير لما جاء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وٱمتثله ٱبن الزبير؛ فقال له مالك: ناشدتك الله يا أمير المؤمنين، ألاّ تجعل هذا البيت ملعبة للملوك، لا يشاء أحد منهم إلا نقض البيت وبناه؛ فتذهب هيبته من صدور الناس. وذكر الواقدي: حدّثنا معمر عن همام ابن منبه سمع أبا هريرة يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبّ أسعد الحميري، وهو تُبَّع، وهو أوّل من كسا البيت، وهو تُبَّع الآخر. قال ٱبن إسحٰق: كانت تُكْسَى القباطيّ ثم كسيت البُرُد، وأوّل من كساها الديباج الحجاج. قال العلماء: ولا ينبغي أن يؤخذ من كسوة الكعبة شيء، فإنه مهدًى إليها، ولا ينقص منها شيء. روي عن سعيد بن جبير أنه كان يكره أن يؤخذ من طيب الكعبة يستشفى به؛ وكان إذا رأى الخادم يأخذ منه قَفدها قَفْدة لا يألو أن يوجعها. وقال عطاء: كان أحدنا إذا أراد أن يستشفي به جاء بِطيب من عنده فمسح به الحجر ثم أخذه. قوله تعالى: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ} المعنى: ويقولان «رَبَّنَا»؛ فحذف. وكذلك هي في قراءة أُبيّ وعبد اللَّه بن مسعود: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ}. وتفسير إسماعيل: اسمع يا أللّه؛ لأن «إيل» بالسُّريانية هو الله؛ وقد تقدّم. فقيل: إن إبراهيم لما دعا ربه قال: اسمع يا إيل؛ فلما أجابه ربّه ورزقه الولد سمّاه بما دعاه. ذكره الماوَرْدِيّ. قوله تعالى: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } اسمان من أسماء الله تعالى قد أتينا عليهما في الكتاب «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى».
البيضاوي
تفسير : {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ} حكاية حال ماضية، و {ٱلْقَوَاعِدِ } جمع قاعدة وهي الأساس صفة غالبة من القعود، بمعنى الثبات، ولعله مجاز من المقابل للقيام، ومنه قعدك الله، ورفعها البناء عليها فإنه ينقلها عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع، ويحتمل أن يراد بها سافات البناء فإن كل ساف قاعدة ما يوضع فوقه ويرفعها بناؤها. وقيل المراد رفع مكانته وإظهار شرفه بتعظيمه، ودعاء الناس إلى حجه. وفي إبهام القواعد وتبيينها تفخيم لشأنها. {وَإِسْمَـٰعِيلَ } كان يناوله الحجارة، ولكنه لما كان له مدخل في البناء عطف عليه. وقيل: كانا يبنيان في طرفين، أو على التناوب. {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا } أي يقولان ربنا تقبل منا، وقد قرىء به والجملة حال منهما. {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ } لدعائنا {ٱلْعَلِيمُ } بنياتنا.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ } الأسس أو الجُدُر {مِنَ ٱلْبَيْتِ } يبنيه، متعلق(بيرفع) {وَإِسْمَٰعِيلَ } عطف على (إبراهيم) يقولان {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا } بناءنا {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ } للقول {ٱلْعَلِيمُ } بالفعل.
ابن عطية
تفسير : المعنى واذكر إذ، و {القواعد} جمع قاعدة وهي الأساس، وقال الفراء: "هي الجدر". قال القاضي أبو محمد: وفي هذا تجوز، والقواعد من النساء جمع قاعد وهي التي قعدت عن الولد وحذفت تاء التأنيث لأنه لا دخول للمذكر فيه، هذا قول بعض النحاة، وقد شذ حذفها مع اشتراك المذكر بقولهم ناقة ضامر، ومذهب الخليل أنه متى حذفت تاء التأنيث زال الجري على الفعل وكان ذلك على النسب. و {البيت} هنا الكعبة بإجماع، واختلف بعض رواة القصص: فقيل إن آدم أمر ببنائه، فبناه، ثم دثر ودرس حتى دل عليه إبراهيم فرفع قواعده، وقيل: إن آدم هبط به من الجنة، وقيل: إنه لما استوحش في الأرض حين نقص طوله وفقد أصوات الملائكة أهبط إليه وهو كالدرة، وقيل: كالياقوتة، وقيل: إن البيت كان ربوة حمراء، وقيل بيضاء، ومن تحته دحيت الأرض، وإن إبراهيم ابتدأ بناءه بأمر الله ورفع قواعده. و الذي يصح من هذا كله أن الله أمر إبراهيم برفع قواعد البيت، وجائز قدمه وجائز أن يكون ذلك ابتداء، ولا يرجح شيء من ذلك إلا بسند يقطع العذر، وقال عبيد بن عمير: رفعها إبراهيم وإسماعيل معاً، وقال ابن عباس: رفعها إبراهيم، وإسماعيل يناوله الحجارة، وقال علي بن أبي طالب: رفعها إبراهيم، وإسماعيل طفل صغير. قال القاضي أبو محمد: ولا يصح هذا عن علي رضي الله عنه، لأن الآية والآثار تردهُ، {وإسماعيل} عطف على {إبراهيم}، وقيل هو مقطوع على الابتداء وخبره فيما بعد، قال الماوردي: {إسماعيل} أصله اسمع يا إيل. قال القاضي أبو محمد وهذا ضعيف، وتقدير الكلام: يقولان ربنا تقبل، وهي في قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود كذلك بثبوت "يقولان"، وقالت فرقة: التقدير وإسماعيل يقول ربنا، وحذف لدلالة الظاهر عليه، وكل هذا يدل على أن إسماعيل لم يكن طفلاً في ذلك الوقت، وخصّا هاتين الصفتين لتناسبهما مع حالهما، أي {السميع} لدعائنا و {العليم} بنياتنا. وقولهما {اجعلنا} بمعنى صيرنا تتعدى إلى مفعولين، و {مسلمين} هو المفعول الثاني، وكذلك كانا، فإنما أرادا التثبيت والدوام، والإسلام في هذا الموضع الإيمان والأعمال جميعاً، وقرأ ابن عباس وعوف: "مسلمين" على الجمع، و {من} في قوله {ومن ذريتنا} للتبعيض، وخص من الذرية بعضاً لأن الله تعالى قد كان أعلمه أن منهم ظالمين، والأمة الجماعة، وحكى الطبري أنه أراد بذلك العرب خاصة. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهو ضعيف، لأن دعوته ظهرت في العرب وفيمن آمن من غيرهم، وقرأ نافع وحمزة والكسائي، "أرِنا" بكسر الراء، وقرأ ابن كثير "أرْنا" بإسكان الراء، وقرأ أبو عمرو بين الإسكان والكسر اختلاساً، والأصل أرئينا حذفت الياء للجزم ونقلت حركة الهمزة إلى الراء وحذفت تخفيفاً، واستثقل بعد من سكن الراء الكسرة كما استثقلت في فخذ، وهنا من الإجحاف ما ليس في فخذ، وقالت طائفة: {أرنا} من رؤية البصر، وقالت طائفة: من رؤية القلب، وهو الأصح، ويلزم قائله أن يتعدى الفعل منه إلى ثلاثة مفعولين، وينفصل عنه بأنه يوجد معدى بالهمزة من رؤية القلب كغير المعدى. قال حطائط بن يعفر أخو الأسود بن يعفر: [الطويل] شعر : أريني جواداً ماتَ هزلاً لأنني أرى ما ترين أو بخيلاً مخلدا تفسير : وقال قتادة: المناسك معالم الحج، وروي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت ودعا بهذه الدعوة بعث الله إليه جبريل فحج به، وقال ابن جريج: المناسك المذابح أي مواضع الذبح، وقال فريق من العلماء: المناسك العبادات كلها، ومنه الناسك أي العابد، وفي قراءة ابن مسعود "وأرهم مناسكهم" كأنه يريد الذرية، والتوبة الرجوع، وعرفه شرعاً من الشر إلى الخير وتوبة الله على العبد رجوعه به وهدايته له. واختلف في معنى طلبهم التوبة وهم أنبياء معصومون، فقالت طائفة: طلبا التثبيت والدوام، وقيل: أرادا من بعدهما من الذرية كما تقول برني فلان وأكرمني وأنت تريد في ولدك وذريتك، وقيل وهو الأحسن عندي: إنهما لما عرفا المناسك وبنيا البيت وأطاعا أرادا أن يسنا للناس أن ذلك الموقف وتلك المواضع مكان التنصل من الذنوب وطلب التوبة. وقال الطبري: إنه ليس أحد من خلق الله تعالى إلا وبينه وبين الله تعالى معانٍ يحب أن تكون أحسن مما هي. وأجمعت الأمة على عصمة الأنبياء في معنى التبليغ ومن الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة، واختلف في غير ذلك من الصغائر، والذي أقول به أنهم معصومون من الجميع، وأن قول النبي صلى الله عليه وسلم "إني لأتوب إلى الله في اليوم وأستغفره سبعين مرة" إنما هو رجوعه من حالة إلى أرفع منها لتزيد علومه واطلاعه على أمر الله، فهو يتوب من المنزلة الأولى إلى الأخرى، والتوبة هنا لغوية. قوله تعالى: {ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم} الآية، هذا هو الذي أراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله "أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى"، ومعنى {منهم} أن يعرفوه ويتحققوا فضله ويشفق عليهم ويحرص، {يتلو} في موضع نصب نعت لرسول أي تالياً عليهم، ويصح أن يكون في موضع الحال، والآيات آيات القرآن، و {الكتاب} القرآن، ونسب التعليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حيث هو يعطي الأمور التي ينظر فيها ويعلم طرق النظر بما يلقيه الله إليه ويوحيه، وقال قتادة: {الحكمة} السنة وبيان النبي صلى الله عليه وسلم الشرائع، وروى ابن وهب عن مالك: أن الحكمة الفقه في الدين والفهم الذي هو سجية ونور من الله تعالى، و {يزكيهم} معناه يطهرهم وينميهم بالخير، ومعنى الزكاة لا يخرج عن التطهير أو التنمية، و {العزيز} الذي يغلب ويتم مراده ولا يرد، و {الحكيم} المصيب مواقع الفعل المحكم لها.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْقَوَاعِدَ} جمع قاعدة وهي كالأساس لما فوقها. {إِسَمَاعِيلَ} معناه أسمع يا إيل أي اسمع يا الله، لما دعا بالولد فأجيب سُمي الولد بما دعا به.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} وكانت قصة بناء البيت على ما ذكره العلماء، وأصحاب السير أن الله تعالى خلق موضع البيت قبل أن يخلق الأرض بألفي عام فكانت زبدة بيضاء على وجه الماء، فدحيت الأرض من تحتها فلما أهبط الله آدم إلى الأرض استوحش فشكا إلى الله تعالى، فأنزل البيت المعمور وهو من ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمرد أخضر باب شرقي، وباب غربي فوضعه على موضع البيت، وقال يا آدم إني أهبطت لك بيتاً تطوف به كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يصلى عند عرشي وأنزل الله عليه الحجر الأسود، وكان أبيض فاسودّ من مس الحيض في الجاهلية فتوجه آدم من الهند ماشياً إلى مكة، وأرسل الله إليه ملكاً يدله على البيت فحج آدم وأقام المناسك، فلما فرغ تلقته الملائكة وقالوا له برّ حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. قال ابن عباس: حج آدم أربعين حجة من الهند إلى مكة على رجليه فكان على ذلك إلى أيام الطوفان فرفعه الله إلى السماء الرابعة، وهو البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، وبعث الله جبريل حتى خبأ الحجر الأسود في جبل أبي قبيس صيانة له، من الغرق فكان موضع البيت خالياً إلى زمن إبراهيم عليه السلام. ثم إن الله تعالى أمر إبراهيم بعد ما ولد له إسماعيل وإسحاق ببناء بيت يذكر فيه ويعبد فسأل الله أن يبين له موضعه، فبعث الله السكينة لتدله على موضع البيت وهي ريح خجوج لها رأسان تشبه الحية، والخجوج من الرياح هي الشديدة السريعة الهبوب وقيل: هي المتلوية في هبوبها، وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة فتبعها إبراهيم، حتى أتت موضع البيت فتطوقت عليه كتطويق الحجفة، وقال ابن عباس: بعث الله سبحانه وتعالى سحابة على قدر الكعبة فجعلت تسير، وإبراهيم يمشي في ظلها إلى أن وقفت على موضع البيت، ونودي منها يا إبراهيم ابن على قدر ظلها لا تزد ولا تنقص. وقيل: إن الريح كنست له ما حول الكعبة حتى ظهر له أساس البيت الأول فذلك قوله تعالى: {أية : وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت} تفسير : [البقرة: 26] فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت فكان إبراهيم يبنيه، وإسماعيل يناوله الحجارة فذلك قوله تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت} جمع قاعدة وهي أس البيت. وقيل جدرة من البيت. قال ابن عباس: بنى إبراهيم البيت من خمسة أجبل: من طور سيناء وطور زيتا ولبنان جبل بالشام والجودي جبل بالجزيرة، وبنى قواعده من حراء جبل بمكة فلما انتهى إبراهيم إلى موضع الحجر الأسود قال لإسماعيل: ائتني بحجر حسن يكون للناس علماً فأتاه بحجر فقال ائتني بأحسن منه فمضى إسماعيل ليطلب حجراً أحسن منه فصاح أبو قبيس: يا إبراهيم إن لك عندي وديعة فخذها فقذف بالحجر الأسود فأخذه إبراهيم فوضعه مكانه وقيل: إن الله أمد إبراهيم وإسماعيل بسبعة أملاك يعينونهما في بناء البيت فلما فرغا من بنائه قالا: {ربنا تقبل منا} وفي الآية إضمار تقديره ويقولان ربنا تقبل منا أي ما عملنا لك، وتقبل طاعتنا إياك وعبادتنا لك {إنك أنت السميع} أي لدعائنا {العليم} يعني بنياتنا.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ...} قال: إنما فصل بين إسماعيل وإبراهيم بالمفعول (ليظهر كمال المباينة بينهما) لأن إبراهيم هو متولي البناء وهو الذي كان يضع الحجر في الحائط وإسماعيل إنما كان يناوله خاصة. قوله تعالى: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ...} مع قوله: {أية : رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} تفسير : دليل واضح لأهل السنة في قاعدة الكسب لأن مجرد الدعاء بقبول العمل دليل على أن العبد مستقل بفعله والدعاء (بتحصيل) الإسلام دليل على سلب القدرة على العبد فالجمع بينهما موضح لقاعدة الكسب.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {أرنا} وبابه ساكنة الراء: ابن كثير ورويس قياساً على كسرة فخذ إذ تسكن فيقال "فخذ". وقرأ أبو عمرو بالاختلاس طلباً للخفة وحذراً من الإجحاف {ويعلمهم} بالاختلاس: ابن عباس، وكذلك كل فعل مستقبل مجموع حيث وقع. وروى ابن رومي عن ابن عباس {يكلمنا} و {تعدنا} وكل كلمة تضمنت جمعين من الأسماء باختلاس مثل {في أعينكم} {وأسلحتكم} {وأمتعتكم} و {أوصى} من الإيصاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر. الباقون {وصى} بالتشديد. {شهداء إذ} عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر. والباقون {شهداء يذ} وكذلك ما أشبهه في كل القرآن. الوقوف: {وإسماعيل} (ط) لإضمار القول أي يقولان ومحله نصب على الحال {منا} (ط) للابتداء بأن ولجواز الوصل وجه لطيف على تقدير فإنك أو لأنك {العليم} (ه) {مسلمة لك} (ص) لعطف المتفقين {علينا} (ط) وقد ذكر {الرحيم} (ه) {ويزكيهم} (ط) {الحكيم} (ه) {نفسه} (ط) للفصل بين الاستفهام والإخبار {في الدنيا} (ج) لعطف الجملتين {الصالحين} (ه) {أسلم} (ط) لأن قوله "قال" عامل "إذ" وإلا وجب أن يقال "فقال" وإلا انقطع النظم {العالمين} (ه) {ويعقوب} (ط) لإرادة القول على الأصح، ومن وصل جعل الوصية في معنى القول {مسلمون} (ط) لأن "أم" بمعنى همزة الاستفهام للإنكار {الموت} (لا) لأن "إذ" بدل من "إذ" الأولى و "إذ" الأولى ظرف {شهدا} و "اذ" الثانية ظرف {حضر} ومن قطعها عن الأول فوقف على الموت وجعل {قالوا} عاملاً ولم يقف على {بعدي} فله وجه لا يتضح لأن الإنكار متوجه على قولهم: إن يعقوب أوصى بنيه باليهودية لا على أن يعقوب قد مات {من بعدي} (ط) {واحداً} (ج) لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أجوز على جعل الواو حالاً {مسلمون} (ه) {قد خلت} (ج) لأن ما بعدها تصلح صفة للأمة وتصلح استئنافاً وهو واضح لعطف {ولكم ما كسبتم} عليها {ولكم ما كسبتم} (ج) لعطف الجملتين المختلفتين {يعلمون} (ه). التفسير: عن وهب بن منبه قال: إن آدم صلى الله عليه وسلم لما أهبط إلى الأرض استوحش منها لما رأى من سعتها، ولأنه لم ير فيها أحداً غيره فقال: يا رب أما لأرضك عامر يسبحك فيها ويقدس لك غيري؟ فقال الله: إني سأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدي ويقدس لي، وسأجعل فيها بيوتاً ترفع لذكري وسأبوئك منها بيتاً أختاره لنفسي وأخصه بكرامتي وأوثره على بيوت الأرض كلها باسمي وأسميه بيتي، أعظمه بعظمتي وأحوطه بحرمتي، وأضعه في البقعة التي اخترت لنفسي، فإني اخترت مكانه يوم خلقت السموات والأرض، أجعل ذلك البيت لك ولمن بعدك حرماً وأمناً أحرم بحرمته ما فوقه وما تحته وما حوله، فمن حرمه بحرمتي فقد عظم حرمتي، ومن أحله فقد أباح حرمتي، ومن أمن أهله استوجب بذلك أماني، ومن أخافهم فقد جفاني، ومن عظم شأنه فقد عظم في عيني، ومن تهاون به فقد صغر في عيني، سكانها جيراني، وعمارها وفدي، وزوارها أضيافي، أجعله أوّل بيت وضع للناس، وأعمره بأهل السماء والأرض، يأتونه أفواجاً شعثاً غبراً على كل ضامر يأتين من كل فج عميق، يعجون بالتكبير عجيجاً ويضجون بالتلبية ضجيجاً، فمن اعتمره لا يريد غيري فقد زارني وضافني ووفد عليّ ونزل بي فحق علي أن ألحقه بكرامتي وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه وزواره وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته، تعمره يا آدم ما كنت حياً ثم يعمره من بعدك الأمم في القرون والأنبياء من ولدك أمة بعد أمة وقرناً بعد قرن ونبياً بعد نبي حتى ينتهي بعد ذلك إلى نبي من ولدك يقال له "محمد" وهو خاتم النبيين فأجعله من عماره، وسكانه وحماته وولاته، يكون أميني عليه ما دام حياً، فإذا انقلب إلي وجدني وقد ذخرت له من أجره ما يتمكن به من القربة إلي والوسيلة عندي وأجعل اسم ذلك البيت وشرفه وذكره ومجده وسناه ومكرمته لنبي من ولدك يكون قبل هذا النبي صلى الله عليه وسلم وهو أبوه يقال له "إبراهيم"، أرفع به قواعده وأقضي على يديه عمارته، وأعلمه مشاعره ومناسكه، وأجعله أمة واحدة قانتاً قائماً بأمري داعياً إلى سبيلي، أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم، أبتليه فيصبر وأعافيه فيشكر وآمره فيفعل وينذر لي فَيَفي، أستجيب دعاءه في ولده وذريته من بعده، وأشفعه فيهم وأجعلهم أهل ذلك البيت وحماته وسقاته وخدمه وخزانه وحجابه حتى يبدلوا ويغيروا وأجعل إبراهيم إمام ذلك البيت وأهل تلك الشريعة، يأتم به من حضر تلك المواطن من جميع الخلق الجن والإنس. وروي أن الله تعالى أنزل البيت ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمرد شرقي وغربي. وقال لآدم: أهبطت لك بيتاً يطاف به كما يطاف حول عرشي، فتوجه إليه آدم من أرض الهند ماشياً وتلقته الملائكة فقالوا: برّ حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. وحج آدم أربعين حجة من أرض الهند إلى مكة على رجليه، فكان على ذلك إلى أن رفعه الله أيام الطوفان إلى السماء الرابعة، فهو البيت المعمور. ثم إن الله تعالى أمر إبراهيم ببنائه وعرفه جبرائيل مكانه. وعن علي عليه السلام: البيت المعمور بيت في السماء يقال له "الضراح" وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة لا يعودون فيه أبداً. وعن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ولولا ذلك لأضاءا ما بين المشرق والمغرب وما مسهما ذو عاهة ولا سقيم إلا شفي"تفسير : وعن ابن عباس أنه كان أشد بياضاً من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك. وأما قصة إسماعيل عليه السلام وأمه، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لم يكذب إبراهيم عليه السلام قط إلا ثلاث كذبات ثنتين في ذات الله قوله {إني سقيم} [الصافات: 89] وقوله {بل فعله كبيرهم هذا} [الأنبياء: 63] وواحدة في شأن سارة فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة وكانت أحسن الناس فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك فإن سألك فأخبريه أنك أختي فإنك أختي في الإسلام فإني لا أعلم في الأرض مسلماً غيري وغيرك. فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار فأتاه فقال: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك، فأرسل إليها فأتى بها وقام إبراهيم إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك ففعلت، فعاد فقبضت يده أشد من القبضة الأولى فقال لها مثل ذلك، فعاد فقبضت يده أشد من القبضتين الأولتين فقال: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك ففعلت فأطلقت يده ودعا الذي جاء بها فقال له: إنك إنما جئتني بشيطان ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي وأعطها هاجر. قال: فأقبلت تمشي فلما رآها إبراهيم انصرف فقال: مهيم. فقالت: خيراً كفى الله يد الفاجر وأخدم خادماً"تفسير : قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء. قلت: وذلك أنها ملكتها سارة إبراهيم فولدت له إسماعيل أبا العرب. وأما تتمة القصة، بعد أن غارت سارة على هاجر حيث لم يكن لسارة من إبراهيم ولد فإنها ولدت إسحق بعد ولادة هاجر إسماعيل بأربع عشرة سنة. فقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أول ما اتخذت النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقاً لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء، فوضعهما هناك ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفىَ إبراهيم منطلقاً فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ولك مراراً وجعل لا يلتفت إليها فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا. ثم رجعت فانطلق إبراهيم صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات فرفع يديه فقال {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع} حتى بلغ {أية : يشكرون} تفسير : [إبراهيم: 37] وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحداً ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم حديث : فلذلك سعى الناس بينهما.تفسير : فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت صوتاً أيضاً فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت تحوّض وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد أن تغرف. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : يرحم الله أم إسماعيل لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً معيناً. تفسير : قال: فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن ههنا بيتاً لله يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله. وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم مقبلين من طريق كداء فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائراً عائفاً فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء. فأرسلوا جرياً أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا وأخبروهم، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم:حديث : فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الإنس. تفسير : فنزلوا وأرسلوا إلى أهاليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب الغلام، فلما أدرك الغلام زوجوه امرأة منهم. وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة وشكت. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئاً فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة قال: أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول: غير عتبة بابك. قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك فطلقها. وتزوج منهم أخرى فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم أتاهم بعد ذلك فلم يجده فدخل على امرأته فسأل عنه قالت: خرج يبتغي لنا قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على الله عز وجل. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يثبت عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير. قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه وصنعا ما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر قال: فاصنع ما أمرك ربك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني بيتاً ههنا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء إبراهيم بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} وعن علي كرم الله وجهه أنه مر عليه الدهر بعد بناء إبراهيم فانهدم فبنته العمالقة، ومر عليه الدهر فانهدم فبناه قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ شاب، فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا: يحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من خرج عليهم فقضى بينهم أن يجعلوا الحجر في مرط ثم يرفعه جميع القبائل فرفعوه فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه. واعلم أن للبيت أربعة أركان: ركنان يمانيان وركنان شاميان، وكان لاصقاً بالأرض، وله بابان شرقي وغربي فذكر أن السيل هدمه قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر سنين فأعادت قريش عمارته على الهيئة التي هي عليها اليوم، ولم يجدوا من النذور والهدايا والأموال الطيبة ما يفي بالنفقة فتركوا من جانب الحجر بعض البيت وخلفوا الركنين الشاميين عن قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وضيقوا عرض الجدار من الأسود إلى الشامي الذي يليه فبقي من الأساس شبه الدكان مرتفعاً وهو الذي يسمى الشاذروان، وروي "حديث : أنه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة لولا حدثان قومك بالشرك لهدمت البيت ولبنيته على قواعد إبراهيم فألصقته بالأرض وجعلت لها بابين شرقياً وغربياً"تفسير : ثم إن ابن الزبير هدمه أيام ولايته وبناه على قواعد إبراهيم، ثم لما استولى عليه الحجاج هدمه وأعاده على الصورة التي هو عليها اليوم وهي بناء قريش. ولنعد إلى المقصود فنقول {يرفع} حكاية حال ماضية، والقواعد جمع قاعدة وهي الأساس والأصل لما فوقه وهي صفة غالبة معناها الثابتة، ورفع الأساس البناء عليها لأنها إذا بنى عليها نقلت من هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع، ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه ويوضع فوقه فيرتفع كل منها بسبب وضع الآخر عليه، ورفع القواعد صريح فيما ذهب إليه الأكثرون من أن القواعد كانت موجودة وأن إبراهيم عمّرها ورفعها كما مر في الأحاديث. وإنما لم يقل "قواعد البيت" ليكون الكلام مبنياً على تبيين بعد إبهام ففيه تفخيم لشأن المبين، ثم إن الله تعالى حكى عنهما ثلاثة أنواع من الدعاء في تلك الحالة؛ الأول: قولهما {تقبل منا} وقبول الله عمل العبد عبارة عن كون العمل بحيث يرضاه الله تعالى أو يثبت عليه، والأول ألذ عند العارفين من الثاني، شبه الفعل من العبد بالهدية، وإثابة الله تعالى عليه ورضاه به بالقبول. وقيل: إن بين القبول والتقبل فرقاً، فالتقبل عبارة عن تكلف القبول وذلك حيث يكون العمل ناقصاً لا يستحق أن يقبل، فاختير تقبل هضماً وتواضعاً واستقصاراً. وقد يستدل بهذا على أن الفعل المقرون بالإخلاص لا يجب ترتب الثواب عليه وإلا لم يكن في طلبه فائدة، ويحتمل أن يقال: الطلب متوجه إلى جعله من جملة الأفعال المقرونة بالإخلاص، فكنى بطلب القبول عن ذلك ويؤكده قولهما {إنك أنت السميع} يعني سماع إجابة العليم بنياتنا. النوع الثاني {ربنا واجعلنا مسلمين لك} فإن أريد بالإسلام الدين والاعتقاد توجه الطلب إلى الثبات والدوام أي ثبتنا على ذلك وإلا كان تحصيلاً للحاصل بالنسبة إليهما وقتئذ، وإن أريد الاستسلام والخضوع والإذعان الكلي والرضا بكل ما قدر وأمر فتوجه الطلب إلى هذه الأمور أنفسها غير مفيد لأنها أمور خارجة عن الضبط لا تتيسر إلا بمجرد تيسير الله وتوفيقه بخلاف أصل الإسلام الذي وقع به التكليف فإنه مضبوط. وقد يظن أن للعبد اختياراً فيه وإن كان اختياره على تقدير ثبوته ينتهي إلى مسبب الأسباب. وقوله {واجعلنا} إما معطوف على {تقبل} وقوله {إنك أنت السميع العليم} {ربنا} اعتراض للتأكيد وإما معطوف على محذوف أي ربنا افعل هذا واجعلنا. {ومن ذريتنا} من للتبعيض كما في قوله {أية : ومن ذريتي} تفسير : [البقرة: 124]. والأمة الجماعة من الناس، وقيل أراد أمة محمد صلى الله عليه وسلم {مسلمة} يحتمل ههنا أصل الإسلام والزيادة عليه أيضاً. وقيل: أسلم مطلقاً يفيد الإيمان والاعتقاد ومعدى باللام معناه الاستسلام والانقياد الكلي. طلب الإسلام لهم بعد ما طلب لهم الإمامة إظهاراً للشفقة. فالشفيق بسوء الظن مولع، ويحتمل أن يكون هذا الدعاء بياناً لما أجمل هناك فيكونان واحداً. وتخصيص الذرية بالدعاء من بين الخلائق لأنهم أحق بالنصيحة وأقوم {أية : قوا أنفسكم وأهليكم ناراً} تفسير : [التحريم: 6] ولأنهم أئمة بصلاحهم يصلح غيرهم وفي سدادهم يكون سداد من وراءهم. ولقد استجاب الله دعاءه فلم يزل في ذريتهما من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً، ولم يزل الرسل من ذرية إبراهيم، وقد كان في الجاهلية زيد بن عمرو ابن نفيل وقس بن ساعدة. ويقال عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله صلى الله عليه وسلم على دين الحق قائلين بالإبداء والإعادة والثواب والعقاب يوحدون الله ولا يأكلون الميتة ولا يعبدون الأوثان {وأرنا} إن كان منقولاً عن رؤية العلم فمعناه علمنا أن شرائع حجنا كيف هي إذ أمرتنا ببناء البيت لنحجه وندعو الناس إلى حجه، وإن كان منقولاً عن رؤية البصر - وهو الأظهر - ولذلك لم يتجاوز مفعولين ظاهراً. فالمعنى بصرنا متعبداتنا في الحج. قال الحسن: إن جبريل أرى إبراهيم المناسك كلها حتى بلغ عرفات فقال: يا إبراهيم أعرفت ما أريتك من المناسك؟ قال: نعم، فسميت عرفات. فلما كان يوم النحر أراد أن يزور البيت عرض له إبليس فسد عليه الطريق، فأمر جبريل أن يرميه بسبع حصيات ففعل فذهب الشيطان، ثم عرض له في اليوم الثاني والثالث والرابع وكل ذلك يأمره جبريل برمي الحصيات. وقيل: المراد العلم والرؤية معاً لأن الحج لا يتم إلا بأمور بعضها يعلم ولا يرى، وبعضها لا يتم الغرض منه إلا بالرؤية، فوجب حمل اللفظ على الأمرين جميعاً وليس ببعيد، فإن اللفظ المشترك يصح إطلاقه على معنييه معاً وكذلك مدلولا الحقيقة والمجاز يصح إرادتهما معاً من لفظ واحد كالعقد والوطء من النكاح. غاية ما في الباب أن يكون هذا الإطلاق مجازاً، ومن الناس من يحمل المناسك على المذابح. فقد يسمى الذبح للتقرب نسكاً والذبيحة نسيكة، وليس لهذا التخصيص وجه فإن الذبح إنما يسمى نسكاً لدخوله تحت أصل معنى النسك وهو التعبد، فحمل المناسك على جميع أعمال الحج أولى قال صلى الله عليه وسلم "حديث : خذوا عني مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا"تفسير : بل لا يبعد أن يحمل على جميع ما شرعه الله لإبراهيم أي علمنا كيف نعبدك ومتى وأين نعبدك، وبماذا نتقرب إليك حتى نخدمك بذلك خدمة العبد لمولاه؟ {وتب علينا} التوبة منهما محمولة على ما عسى أن يكون فرط منهما من الصغائر عند من يجوّزها على الأنبياء، وعلى ترك الأولى ونحو ذلك عند غيرهم، ويمكن أن تكون التوبة منهما تصويراً لأنفسهما بصورة النادم العازم على التحرز تشدداً في الانصراف عما لا يليق بهما. قال صلى الله عليه وسلم "حديث : يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم مائة مرة"تفسير : وأيضاً لعلهما استتابا لذريتهما لعلمهما بأن فيهم ظالمين لقوله تعالى {لا ينال عهدي الظالمين} وذلك لغاية شفقتهما عليهم. وباقي مباحث التوبة، قد مر في قصة آدم فليتذكر النوع الثالث {ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم} وفيه أمران: الأول: أن يبعث في تلك الأمة رسولاً ليبين لهم الشرع القويم وينهج الصراط المستقيم، والثاني: أن يكون ذلك الرسول منهم لا من غيرهم لأن الرسول والمرسل إليهم إذا كانوا جميعاً من ذريته كان رتبته أجل، ولأنه إذا كان منهم عرفوا مولده ومنشأه فيقرب الأمر عليهم في معرفة صدقه وأمانته، ولأنه إذا كان منهم كان أحرص عليهم وأشفق من أجنبي لو أرسل إليهم. وأما الرسول فهو محمد صلى الله عليه وسلم بإجماع المفسرين وهو حجة ولقوله تعالى في موضع آخر {أية : لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} تفسير : [آل عمران: 164] ولقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : أنا دعوة إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي"تفسير : أما الدعوة فهذه، وأما البشارة فقوله تعالى في سورة الصف {أية : ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} تفسير : [الصف: 6] وأما الرؤيا فما رأت آمنة وهي حامل أنه خرج منها نور أضاء ما بين الخافقين. وههنا نكتة وهي أن الخليل لما دعا للحبيب بقوله {ربنا وابعث فيهم رسولاً} فلا جرم قضى الله تعالى حق الحبيب للخليل بأن أجرى ذكره على ألسنة أمته إلى يوم القيامة يقولون في صلاتهم: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم. ولهذا الذكر مناسبات أخر منها: أن الخليل دعا لنفسه بقوله {أية : واجعل لي لسان صدق في الآخرين} تفسير : [الشعراء: 84] أي أبق لي ثناءً حسناً في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فأجابه الله تعالى وقرن ذكره بذكر حبيبه. ومنها أن إبراهيم أبو الملة {أية : ملة أبيكم إبراهيم} تفسير : [الحج: 78] ومحمد صلى الله عليه وسلم أبو الرحمة {أية : بالمؤمنين رءوف رحيم}تفسير : [التوبة: 128] {أية : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} تفسير : [الأحزاب: 6] "حديث : إنما أنا لكم مثل الوالد لولده"تفسير : يعني في الرأفة والرحمة، فلما ثبت لكل منهما الأبوة قرن بين ذكرهما في التحية. ومنها أن إبراهيم منادي الشريعة {أية : وأذن في الناس بالحج} تفسير : [الحج: 27] ومحمد منادي الدين {أية : سمعنا منادياً ينادي للإيمان} تفسير : [آل عمران: 193] ومنها أنه كان أول الأنبياء بعد الطوفان، ومحمد خاتم النبيين ورسول آخر الزمان. ومنها إن الخليل تبرأ عن سائر الأديان {أية : إني بريء مما تشركون} تفسير : [هود: 54] والحبيب تنزه عن جميع الأكوان {أية : ما زاغ البصر وما طغى}تفسير : [النجم: 17] ثم إن إبراهيم عليه السلام ذكر لذلك الرسول صفات أولاها {يتلو عليهم آياتك} فهو الفرقان المتلو عليهم، أو جميع ما بلغه من دلائل التوحيد وغيره "أوتيت القرآن ومثله معه" وثانيتها "ويعلمهم الكتاب" أي معانيه وحقائقه، وذلك أن التلاوة وإن كانت مطلوبة لبقاء لفظها على ألسنة أهل التواتر فيبقى مصوناً من التحريف، ولأن لفظه ونظمه معجز وفي تلاوته نوع عبادة ولا سيما في الصلوات إلا أن الحكمة العظمى والمقصود الأسنى تعليم ما فيه من الدلائل والأحكام. وثالثتها قوله {والحكمة} أي ويعلمهم الحكمة. وقيل: هي الإصابة في القول والعمل جميعاً، فلا يسمى حكيماً إلا وقد اجتمع فيه الأمران فيضع كل شيء موضعه ولهذا عبر عنها بعض الحكماء بأنها التشبه بالإله بقدر الطاقة البشرية، ويناسبه قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : تخلقوا بأخلاق الله"تفسير : وعن ابن وهب قلت لمالك: ما الحكمة؟ قال: معرفة الدين والفقه فيه والاتباع له. وعن قتادة وإليه ذهب الشافعي: هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه ذكر تلاوة الكتاب ثم تعليمه ثم عطف عليه الحكمة فيكون شيئاً خارجاً عنهما وليس ذلك إلا سنة الرسول، فإن الدلائل العقلية الدالة على التوحيد والنبوة وما يتلوهما مستقلة بالفهم فحمل اللفظ على ما لا يستفاد إلا من الشرع أولى. وقيل: هي الفصل بين الحق والباطل من الحكم. وقيل: المراد بالكتاب الآيات المحكمات، وبالحكمة المتشابهات. وقيل: هي ما في أحكام الكتاب من الحكم والمصالح. ورابعتها {ويزكيهم} لأن الإرشاد يتم بأمرين: التحلية والتخلية. فكما يجب على المعلم التنبيه على نعوت الكمال ليحظى المتعلم بها، يجب عليه التحذير عن النقصان ليتحرز عنها وذلك بنحو ما يفعله النبي صلى الله عليه وسلم سوى التلاوة وتعليم الكتاب والحكمة من الوعد والإيعاد والوعظ والتذكير والتشبث بأمور الدنيا لتتقوى بها دواعيهم إلى الإيمان والعمل الصالح، ولذلك مدح بأنه على خلق عظيم وأنه أوتي مكارم الأخلاق. وقيل: يزكيهم يطهرهم عن الشرك وسائر الأرجاس كقوله {أية : ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} تفسير : [الأعراف: 157] وقيل: يشهد لهم بأنهم عدول يوم القيامة {أية : ويكون الرسول عليكم شهيداً} تفسير : [البقرة: 143] وعن ابن عباس: التزكية هي الطاعة لله والإخلاص {إنك أنت العزيز} القادر الذي لا يغلب {الحكيم} العالم الذي لا يفعل إلا على وفق المصالح، وإذا كان كذلك صح منه إجابة الدعاء وبعثة الرسل وإنزال الكتب {ومن يرغب} الاستفهام فيه لتقرير النفي أي لا يرغب أحد. يقال: رغب عن الأمر إذا كرهه ورغب فيه إذا أراده. ومحل {من سفه} الرفع على البدل من الضمير في {يرغب} وذلك أنه غير موجب مثل "هل جاءك أحد إلا زيد" وسفه الإما متعد: ومعنى سفه نفسه امتهنها واستخفها فأصل السفه الخفة وفي الحديث "حديث : الكبر أن نسفه الحق وتغمص الناس"تفسير : لأنه إذا رغب عما لا يرغب عنه عاقل قط فقد بالغ في إذالة نفسه وتعجيزها حيث خالف بها كل نفس عاقلة. وعن الحسن: إلا من جهل نفسه فلم يفكر فيها، فيستدل بما يجده فيها من آثار الصنع على وحدانية الله تعالى وحكمته ويرتقي إلى صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وعن أبي عبيدة: أهلك نفسه وأوبقها. وقيل: أضل نفسه وإما لازم فمعناه سفه في نفسه فحذف الجار نحو "زيد ظني مقيم" أي في ظني وقيل: نصب على التمييز نحو "غبن رأيه وألم رأسه" وهذا عند الكوفيين. فإن التمييز عندهم يجوز أن يكون معرفة. وفيه توبيخ لليهود والنصارى ومشركي العرب وتعجيب من حالهم، فإن أعظم مفاخرهم وفضائلهم الانتماء إلى إبراهيم، ثم إنهم لا يؤمنون بالرسول الذي هو دعوته ومطلوبه بالتضرع والإخلاص. فإن قيل: ملة إبراهيم عين ملة محمد في الأصول والفروع، أو هما متحدتان في الأصول كالتوحيد والنبوة، وأصول مكارم الأخلاق ولكنهما مختلفتان في فروع الأعمال ولا سبيل إلى الأول وإلا لم يكن شرع محمد صلى الله عليه وسلم ناسخاً لسائر الشرائع ولا إلى الثاني لأنه يلزم أن يكون محمد أيضاً راغباً عن ملة إبراهيم، ولأن الاعتراف بالأصول لا يقتضي الاعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم؟ قلنا: المختار اتحاد الملتين في الأصول فقط، لكن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من جملة الأصول التي مهدها إبراهيم عليه السلام. والمراد بملة إبراهيم في الآية أصولها التي لا تختلف بمر الأعصار وكر الدهور، فلا يلزم أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم راغباً عنها لأنه أمر باتباعها {أية : ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً}تفسير : [النحل: 123] روي أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجراً إلى الإسلام فقال لهما: قد علمنا أن الله قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبياً اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى ورشد، ومن لم يؤمن به فهو ملعون. فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم فنزلت. ثم إنه تعالى لما سفه من يرغب عن ملة إبراهيم بين السبب في ذلك فقال {ولقد اصطفيناه في الدنيا} أي أخترناه للرسالة من دون الخليقة وعرفناه الملة الجامعة للتوحيد والعدل والإمامة الباقية إلى قيام الساعة حتى نال منزلة الخلة {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} فيلزمه ما يلزمهم من الكرامة وحسن الثواب فليتحقق كل ذي لب أن الراغب عن سيرة من هو فائز بسعادة الدارين لا رأي له والله الموفق. ثم بين سبب الاصطفاء فأعمل {اصطفينا} في {إذ قال} أي اخترناه في ذلك الوقت، ويجوز أن ينتصب بإضمار "اذكر" استشهاداً على ما ذكر من حاله كأنه قيل له: اذكر الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله {إذ قال له ربه} من باب الالتفات، ولولا ذلك لكان حقه أن يقال: إذ قلنا له، والأكثرون على أنه تعالى قال له ذلك قبل النبوة وقبل البلوغ وذلك عند استدلاله بالكوكب والقمر والشمس واطلاعه على أمارة الحدوث فيها، فلما عرف ربه قال له أسلم، فإنه لا يجوز أن يقول له قبل أن عرف ربه. ويحتمل أن يكون ذلك قبل الاستدلال، ولا يكون المراد منه نفس القول بل دلالة الدليل عليه كقولهم "نطق الحال" قال تعالى {أية : أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون} تفسير : [الروم: 35] فجعل دلالة البرهان كلاماً، ويحتمل أن يكون هذا بعد النبوة والمراد استقامته على الإسلام وثباته عليه كقوله {أية : فاستقم كما أمرت}تفسير : [هود: 112] أو المقصود الانقياد لأوامر الله تعالى والمسارعة إلى تلقيها بالقبول وترك الاعتراض بالقلب واللسان. وقيل: الإيمان صفة القلب والإسلام صفة الجوارح وإن إبراهيم عليه السلام كان عارفاً بالله تعالى بقلبه فكلفه الله تعالى بعد ذلك بعمل الجوارح. وفي تخصيص لفظ الرب بهذا الموضع بل بأكثر قصص إبراهيم إشارة إلى أن طريق عرفانه النظر في المربوبات فلا جرم وصل إلى الرب، وطريق عرفان محمد صلى الله عليه وسلم عكس ذلك الترتيب فلا جرم بدأ من الله {أية : فاعلم أنه لا إله إلا الله} تفسير : [محمد: 19] والأول طريق حسن {أية : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} تفسير : [فصلت: 53] لكن الطريق الثاني أحسن {أية : أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} تفسير : [فصلت: 53] ومن هنا يعرف أكملية محمد صلى الله عليه وسلم. شعر : وإني وإن كنت الأخير زمانه لآت بما لم يستطعه الأوائل تفسير : فألف إبراهيم دلالة على استقامة سيرته، وميم محمد دليل على أنه مكمل الأوضاع وبه ابتدأ الأمر من حيث انتهى فتمت دائرة النبوة وحصلت الخاتمة. وكما أن ألف إبراهيم دليل على وجود الاستقامة {أية : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} تفسير : [فصلت: 31] فألف إبليس دليل عدم الاستقامة {أية : إلا إبليس أبى واستكبر} تفسير : [البقرة: 34] والوجود خير والعدم شر فحصل من خاء الخير مع لام الابتلاء {أية : وإذ ابتلى إبراهيم ربه}تفسير : [البقرة: 124] تركيب الخلة {أية : واتخذ الله إبراهيم خليلاً} تفسير : [النساء: 125] ومن شين الشر مع دال الدوام على الكفر {أية : وكان من الكافرين} تفسير : [البقرة: 34] اسم الشدة {أية : والكافرون لهم عذاب شديد} تفسير : [الشورى: 26] ثم إن الخلة مأخوذة من التخلل بين الشيئين ومنه الخلال فلا جرم كان إبراهيم عليه السلام واسطة في الطريقة {أية : أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً}تفسير : [النحل: 123] والمحبة مأخوذة من الحبة وهو خالص كل شيء وداخله، ومنه حبة القلب فلا جرم كان محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وحبيب رب العالمين وزبدة الكائنات وغاية الحركات، لولاك لما خلقت الأفلاك، أول الفكر آخر العمل "حديث : أول ما خلق الله تعالى نوري، أنا أول من ينشق عنه قبر، آدم ومن دونه تحت لوائي، أنا سيد المرسلين ولا فخر"تفسير : محمد صلى الله عليه وسلم أبو الحقيقة وإن كان إبراهيم عليه السلام أبا الطريقة، والحقيقة لكونها مقصودة بالذات أقوى من الطريقة، لا جرم وقع الصلاة على إبراهيم في الصلاة تبعاً للصلاة على محمد "اللهم صلَّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم" وأن الصلاة لا تصح بدون الصلاة على محمد بخلاف الصلاة على غيره. ولنعد إلى ما كنا فيه {ووصى} التوصية من جملة الأمور المستحسنة التي حكاها الله تعالى عن إبراهيم. أوصيته بكذا ووصيته بمعنى، وأصله من وصيت الشيء بكذا بالتخفيف إذا وصلته إليه. وأرض واصية متصلة النبات، فالموصي يصل القربة الحاصلة له بعد الموت إلى القربات الحاصلة له في الحياة ويحمد الموصي على هذا الوصل بسبب الوصية. والضمير في (بها) قيل: يعود إلى الكلمة أو الجملة وهي أسلمت لرب العالمين، ونحوه رجوع الضمير في قوله {أية : وجعلها كلمة باقية}تفسير : [الزخرف: 28] إلى قوله {أية : إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني} تفسير : [الزخرف: 26] وقيل: الأولى أن يرجع إلى الملة لأنها مذكورة صريحاً في قوله {ومن يرغب عن ملة إبراهيم} ولأن الوصية بالملة جامعة لجميع أسباب الفلاح بخلاف الوصية بالشهادة وحدها اللهم إلا أن يحمل الإسلام على الانقياد الكلي. وفي الآية دقائق مرعية في قبول الدين منها: أنه لم يقل وأمر بها لأن الوصية عند أمارات الموت وعند ذلك يكون الاهتمام بالأمور أشد. ومنها أنه خص نبيه بذلك في آخر عمره مع أنه كان يدعو كل الناس إلى الدين، فدل على أنه لا شيء عنده أهم من ذلك. ومنها التعميم لجميع الأبناء وأنه لم يقيد الوصية بزمان أو مكان ولم يخلطها بشيء آخر، ثم نهاهم أن يموتوا غير مسلمين وكل هذه دلائل شدة الاهتمام بالأمور وهو المشهود له بالفضل وحسن السيرة، فيجب قبول قوله لكل عاقل وكذلك وصى بها يعقوب بنيه. وقرئ يعقوب بالنصب فمعناه وصى بها إبراهيم بنيه ونافلته يعقوب قائلاً لكل منهما {يا بني} أصله يا بنون فأضيف إلى ياء المتكلم فسقطت النون وصار الواو ياء لأجل النصب فأدغم الياء في الياء {إن الله اصطفى لكم الدين} استخلصه واختاره لكم بأن أقام عليه الدلائل الواضحة ودعاكم إليه ومنعكم من غيره ووفقكم للأخذ به {فلا تموتن} فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام نحو "لا تصل إلا وأنت خاشع" لا ينهاه عن نفس الصلاة ولكن عن ترك الخشوع في صلاته. والنكتة فيه إظهار أن الصلاة التي لا خشوع فيها كلا صلاة ومثله قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"تفسير : فإنه في قوة قوله لجار المسجد: لا تصل إلا في المسجد. فكان موتهم لا على حال الإسلام موتاً لا خير فيه لأنه ليس بموت السعداء ومن حق هذا الموت أن لا يحل فيهم. {أم كنتم شهداء} يحتمل أن تكون "أم" منقطعة، ومعنى الهمزة فيها الإنكار لمجرد الحضور عند وفاته والخطاب للمؤمنين أي ما كنتم حاضرين حين احتضر يعقوب، وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي، أو لأهل الكتاب المعاصرين كأنه قيل لهم: كيف تزعمون أن ما أنتم عليه دين الرسل ولم تشهدوا وصايا الأنبياء ولو شهدتم ذلك وسمعتم قولهم لنبيهم لظهر لكم حرصهم على ملة الإسلام والدين الحنيفي فرغبتم في دين محمد صلى الله عليه وسلم؟ ويحتمل كون "أم" متصلة على أن يقدر قبلها محذوف معناه، أتدعون على الأنبياء اليهودية {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت} قيل: أي إن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له إذ أراد بنيه على التوحيد ودين الإسلام، فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه براء وفيه نظر، لأن "أم" المعادلة أحد الأمرين كائن فيها فقط، فإن كان الحضور ثابتاً لم تكن الدعوى ثابتة لكنها ثابتة ولهذا توجه الإنكار عليها، فالوجه أن يقال: المراد أن الحضور غير ثابت لتطاول الزمان، فإذن دعواهم يهودية الأنبياء دعوى بلا دليل فلا تسمع منهم على أنه تعالى نص على بطلانها بقوله {إذ قال لبنيه} إلى آخره، ويتجه على هذا التقدير أن تكون "أم" منقطعة كأنه استفهم أولاً على سبيل الإنكار أي لم تدعون، ثم استأنف استفهاماً ثانياً لتقرير النفي أي ما كنتم شهداء أو لتقرير الإثبات على أن أوائلهم قد شهدوا فيكون مؤكداً لذلك الإنكار {ما تعبدون} أي شيء تعبدون. و "ما" عام لأولي العلم وغيرهم، "ومن" مختص بأولي العلم ولهذا قال العلماء "من" لما يعقل. و "من" خصص "ما" بغير أولي العقل قال: المراد السؤال عن صفة المعبود كما تقول "ما زيد" تريد أفقيه أم طبيب روي أن يعقوب عليه السلام لما دخل مصر رأى أهلها يعبدون الأوثان والنيران فخاف على بنيه بعد وفاته فقال لهم هذا القول تحريضاً على التمسك بعبادة الله لا أنهم كانوا يعبدون غير الله، لأن مبادرتهم إلى الاعتراف بالتوحيد تنافي ذلك، ولأن المشهور من أمر الأسباط أنهم كانوا قوماً صالحين، و {إبراهيم وإسماعيل وإسحق} عطف بيان لآبائك، وقدم إسماعيل لأنه أسن، وجعل إسماعيل وهو عمه من جملة آبائه لأن العمل أب والخالة أم لانخراطهما في سلك واحد هو الأخوة قال صلى الله عليه وسلم "حديث : عم الرجل صنو أبيه"تفسير : أي لا تفاوت بينهما كما لا تفاوت بين صنوي النخلة. وأيضاً أطلق اسم الأب على إبراهيم وهو جده فعن الشافعي أنه مجاز ولهذا قال: الإخوة والأخوات للأب والأم لا يسقطون بالجد، وإليه ذهب مالك وأبو يوسف ومحمد وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد، وقال أبو حنيفة: إنه حقيقة وإنهم يسقطون بالجد وهو قول أبي بكر وابن عباس وعائشة والحسن وطاوس وعطاء. ثم التعليمية قالوا: لا طريق لنا إلى معرفة الله تعالى إلا بتعليم الرسول والإمام لأنهم لم يقولوا نعبد الإله الذي دل العقل عليه بل قالوا: نعبد الإله الذي أنت تعبده وآباؤك يعبدونه، فدل على أن طريق المعرفة هو التعليم. وأجيب بمنع دلالة الآية على ذلك بل لعل المعرفة حلت لهم بالاستدلال إلا أنهم اختصروا الكلام فتركوا شرح صفات الله وبيان ذلك، وأيضاً إنه أقرب إلى سكون نفس يعقوب فكأنهم قالوا: لسنا نجري إلا على مثل طريقتك من اليقين بالله والإخلاص له في عبادته. وأيضاً لعل مرادهم نعبد الإله الذي دل عليه وجودك ووجود آبائك كقوله {أية : اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم} تفسير : [البقرة: 21] {إلهاً واحداً} بدل من {إله آبائك} مثل {أية : بالناصية ناصية كاذبة}تفسير : [العلق: 15 - 16] أو نصب على الاختصاص والمدح {ونحن له مسلمون} مذعنون أو مخلصون التوحيد ومحله النصب حالاً من فاعل {نعبد} أو من مفعوله لرجوع الضمير في {له} إليه، ويجوز أن يكون جملة معطوفة على {نعبد} أو جملة معترضة مؤكدة {تلك} إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون، {خلت} مضت وانقرضت والغرض أنه لم يبق منهم أثر سوى ما عملوا، ولهذا قيل {لها ما كسبت} أي ثوابه يريد أني اقتصصت عليكم أخبارهم وما كانوا عليه من الدعوة إلى الإسلام فليس لكم نفع في سيرتهم دون أن تفعلوا ما فعلوه، فإن أنتم فعلتم ذلك فزتم كما فازوا، وإن أبيتم خسرتم أنتم دونهم {ولا تسئلون عما كانوا يعملون} لا تؤاخذون بسيئاتهم كما لا ينفعكم حسناتهم، وفيه تكذيب لليهود حيث قالوا إنهم يعذبون أياماً معدودة لكفر آبائهم باتخاذ العجل. وفي الآية وعيد شديد للأبناء إذا لم يعملوا بعمل الآباء قال صلى الله عليه وسلم "حديث : يا صفية عمة محمد يا فاطمة بنت محمد ائتوني يوم القيامة بأعمالكم لا بأنسابكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً" "حديث : من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه"تفسير : ثم الآية تدل على أن للعبد كسباً ولكن الأئمة اختلفوا في تفسيره، فالأشعري على أنه لا تأثير لقدرة العبد في مقدور أصلاً، لأنه لو كان موحداً لأفعاله لكان عالماً بتفاصيل فعله وليس كذلك، ولما وقع إلا ما أراده العبد وليس كذلك، بل المقدور والقدرة كلاهما واقع بقدرة الله تعالى، لكن الشيء الذي حصل بخلق الله وهو متعلق القدرة الحادثة هو الكسب، واعترض عليه بأن مقدور العبد إذا كان واقعاً بخلق الله تعالى، فإذا خلقه فيه استحال من العبد أن لا يتصف حينئذ به، وإذا لم يخلقه فيه استحال أن يتصف به، فأي معنى لكون العبد قادراً عليه؟ وأيضاً الذي هو مكتسب العبد إما أن يكون واقعاً بقدرة الله فلا أثر للعبد فلا يكون مكتسباً له وإن وقع بالقدرتين معاً فلا تكون قدرة الله تعالى مستقلة، والمفروض بالخلاف، فبقي أن يكون بقدرة العبد، وعن القاضي: أن ذات الفعل واقعة بقدرة الله تعالى ثم يحصل لذلك الفعل صفة طاعة أو صفة معصية، فهذه الصفة تقع بقدرة العبد. وضعف بأن المحرم من الجلوس في الدار المغصوبة ليس إلا شغل تلك الأحياز، فهذا الشغل إن حصل بفعل الله تعالى فعين المنهي عنه قد خلقه الله فيه وهذا تكليف ما لا يطاق، وإن حصل بقدرة العبد فهو المطلوب. وزعم الأستاذ أبو إسحق الإسفرايني أن ذات الفعل تقع بالقدرتين، وزيف بأن قدرة الله مستقلة بالتأثير. ومنهم من زعم أن القدرة الحادثة مع الداعي توجب الفعل، فالله تعالى هو الخالق للكل بمعنى أنه سبحانه هو الذي وضع الأسباب المؤدية إلى دخول هذه الأفعال في الوجود، والعبد هو المكتسب بمعنى أن المؤثر في وقوع فعله هو القدرة والداعية القائمتان به، وإلى هذا ذهب إمام الحرمين وهو مناسب لقول الفلاسفة. وزعم جمهور المعتزلة أن القدرة مع الداعي لا توجب الفعل بل العبد قادر على الفعل والترك متمكن منهما إن شاء فعل وإن شاء ترك وهذا هو الفعل والكسب. فهذا تقرير المذاهب، وقول الأشعري أقرب إلى الأدب، وقول إمام الحرمين أقرب إلى التحقيق لأن نسبة الأثر إلى المؤثر القريب لا تنافي كون ذلك المؤثر منسوباً إلى أثر آخر بعيد، ثم إلى أبعد إلى أن ينتهي إلى مسبب الأسباب وفاعل الكل ومبدأ المبادئ وإليك الاختيار بعقلك دون هواك. التأويل: من قوله {وإذ ابتلى} البلاء للولاء كاللهب للذهب فأصدقهم ولاء أشدهم بلاء {وإذ ابتلى} الخليل بكلمات هي أحكام النبوة الخصال العشر في جسده ولوازم الرسالة الصبر عند صدمات المكروهات وفقدان المألوفات. وموجبات الخلة التبري عما سوى الخليل {أية : إني بريء مما تشركون}تفسير : [الأنعام: 78] وعداوة غير الخليل {أية : فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} تفسير : [الشعراء: 77] ورفع الوسائط حيث قال له جبريل في الهواء هل لك من حاجة؟ فقال: أما إليك فلا والتسليم أسلمت لرب العالمين، والرضا بما أمر به عند ذبح الولد {أية : فلما أسلما وتله للجبين} تفسير : [الصافات: 103] بخلاف ما قال نوح {أية : إن ابني من أهلي} تفسير : [هود: 45] فلا جرم زيد له في الاصطفاء وشرف بكرامة الإمامة والاقتداء به {أية : وإذ جعلنا البيت}تفسير : [البقرة: 125] بيت القلب كما جاء "أن الله تعالى أوحى إلى داود فرغ لي بيتاً أسكن فيه فقال: وكيف يا رب؟ فقال: فرغ لي قلبك" أي جعلنا القلب الإنساني مثابة للناس ترجعون إليه يا طلابي وزواري كما ترجعون إلى الكعبة في الصورة، ومأمناً للسالك من تصرفات الشيطان ومكايده حين بلغ منزل القلب، لأن القلب خزانة الحق محروسة من دخول الشيطان. وإنما جولان لص الشيطان في ميادين الصدور كقوله {أية : يوسوس في صدور الناس} تفسير : [الناس: 5] {أية : واتخذوا} تفسير : [البقرة: 125] عند الوصول إلى كعبة القلب {أية : من مقام إبراهيم} تفسير : [البقرة: 125] وهو الخلة قبلة توجهكم ليكون قصدكم إلي لا إلى غيري كما قال إبراهيم {أية : إني ذاهب إلى ربي سيهدين} تفسير : [الصافات: 99] {أية : وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل} تفسير : [البقرة: 125] في الميثاق {أن طهرا} القلب من أدناس تعلقات الكونين وأوضار ملاحظة الأغيار {أية : للطائفين} تفسير : [البقرة: 125] وهي واردات الأحوال {أية : والعاكفين} تفسير : [البقرة: 125] وهي الملكات والمقامات {أية : والركع السجود} تفسير : [البقرة: 125] وهي صفات القلب المطهرة من الإرادة والصدق والإخلاص والتواضع والخوف والرجاء والتسليم والرضا والتوكل. وجملة هذه الصفات العبودية {أية : وإذ قال إبراهيم}تفسير : [البقرة: 126] الآية لما أهبط آدم الروح إلى الأرض الجسد وفقد ما كان يجد من روائح ألطاف الحق في جنة حظيرة القدس استوحش، فأنزل الله تعالى ياقوتة القلب من جنة حظيرة القدس له بابان شرقي إلى حظيرة رب العالمين تطلع منها شوارق الألطاف، وباب غربي إلى عالم الجسد وفيه قناديل العقل، وأنزل حجر الذرة المخاطبة بخطاب {أية : ألست بربكم} تفسير : [الأعراف: 172] منوراً بنور جواب {بلى} قد ألقم كتاب العهد يوم الميثاق وهو يمين الله في أرضه، فلما كان طوفان آفات الصفات البشرية من الطفولية إلى البلوغ، وفار تنور الشهوات رفع بيت معمور القلب إلى السماء الرابعة يعني حجب أستار خواص العناصر الأربع، وخبئ حجر الذرة في أبي قبيس صفات النفس، فلما أمر إبراهيم الروح بعد البلوغ ببناء بيت القلب وعمارته من خمس أجبل أركان الإسلام وقد اهتدى إلى موضع بيت القلب بدلالة بيت السكينة {أية : هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين}تفسير : [الفتح: 4] فجعل إسماعيل النفس المطمئنة يجيء بأحجار أعمال الشريعة من جبال أركان الإسلام ويناولها إبراهيم الروح وهو يبني إلى أن بلغ موضع الحجر فنودي من أبي قبيس الهوى إن لك عندي وديعة فخذها. فخلص حجر الذرة من أستار صفات النفس والهوى فوضعه مكانه، وكان أبيض فلما لمسته حيض اللذات الدنيوية ومشركو الشهوات النفسانية في جاهلية الطفولية اسودَّ، فلما فرغا من رفع قواعد بيت القلب سألا ربهما الاستسلام لأحكامه الظاهرة الشرعية والباطنة التي جف القلم بها في الأزل، وكذا لذريتهما المتولدات من الصفات الروحانية والنفسانية وأن يبعث فيهم رسولاً منهم لا من الخارج، فمن لم يكن له في القلب رسول وارد من الحق وهو السر لم يسمع كلام الرسول لخارجي. ثم إن إبراهيم الروح يوصي لمتولداته من القلب وصفاته والسر وصفاته والنفس وصفاتها والقوى البشرية والحواس الخمس والأعضاء والجوارح كله ملته. وفي الآيات إشارة إلى أنه تعالى إذا تجلى لروح عبد مخلص متضرع إليه محب له، ظهرت آثار أنوار تجليه على قلبه وسره ونفسه وقواه وحواسه وجميع أعضائه ويخضعون له بكليتهم فيعبدون إلهاً أحداً لا متفرقاً من الهوى والدنيا والآخرة والله ولي التوفيق.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ...} الآية: القواعدُ: جمع قاعدةٍ، وهي الأساس. * ص *: القواعدُ، قال الكسائيُّ والفَرَّاء: هي الجُدُر، وقال أبو عُبَيْدة: هي الأساس. انتهى. واختلفوا في قصص البَيْت، فقيل: إِن آدم أمر بِبِنَائِهِ، ثم دثر، ودرس حتى دلَّ عليه إبراهيم، فرفع قواعده، وقيل: إِن إبراهيم ابتدأ بناءه بأمر اللَّه، وقيل غير هذا. * ع *: والذي يصحُّ من هذا كلِّه أن اللَّه سبحانه أمر إبراهيمَ برَفْعِ قواعدِ البيتِ، وجَائِزٌ قِدَمُهُ، وجَائز أن يكون ذلك ابتداءً، ولا يرجح شيء من ذلك إِلا بسند يقطع العُذْر. {وَإِسْمَـٰعِيلُ}: عطْفٌ على {إِبْرَاهِيمُ}، والتقديرُ: يقولاَنِ: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}، أي: السميع لدعائنا، العليمُ بنيَّاتنا، وخصَّا هاتين الصفتين؛ لتناسبهما مع حالهما، وقولهما: {اجْعَلْنَا } بمعنى: صيِّرنا مُسْلِمَيْن، وكذلك كانا، وإنما أرادا التثبيتَ والدوامَ، والإِسلام في هذا الموضعِ. الإِيمانُ والأعمالُ جميعاً، «ومِنْ» في قوله: {وَمِن ذُرِّيَّتِنَا} للتبعيض؛ لأن اللَّه تعالَىٰ قد كان أعلمه أنَّ منهم ظالمين، والأُمَّة: الجماعةُ، {وَأَرِنَا } قالتْ طائفةٌ: من رؤية البصَرِ، وقالت طائفةٌ: من رؤية القلبِ، وهذا لا يصحُّ، قال قتادة: المناسكُ معالم الحجِّ، واختلف في معنَىٰ طلبهم التوبةَ، وهم أنبياء معصومُونَ، فقالتْ طائفةٌ: طلبا التثْبيتَ والدوامَ، وقيل: أرادا من بعدهما مِنَ الذُّرِّيَّة، وقيل، وهو الأحسن؛ إِنهما لما عرفا المناسكَ، وبنيا البيتَ، أرادا أن يسنا للناس؛ أنَّ تلك المواطنَ مكانُ التنصُّل من الذنوبِ، وطلبِ التوبة. وقال الطبريُّ: إِنه ليس أحد من خلق اللَّه إِلا بينه وبين اللَّه معانٍ يحب أنْ تكون أحسن ممَّا هي، وأجمعت الأمة على عصْمة الأنبياء في معنى التبليغ، ومن الكبائر ومن الصغائر الَّتي فيها رذيلةٌ، واختلف في غير ذلك من الصغائر، والذي أقول به أنهم معصومُونَ من الجميع، وأنَّ قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنِّي لأَتُوبُ فِي اليَوْمِ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ سَبْعِينَ مَرَّةً»تفسير : ، إِنَّما هُوَ رُجُوعُهُ مِنْ حَالَةٍ إِلَىٰ أَرْفَعَ مِنْهَا؛ لِتَزَيُّدِ علومه، وإطلاعه على أمر ربه، فهو يتوب من منزلة إلى أعْلَىٰ، والتوبةُ هنا لُغَوِيَّةٌ، وقوله: {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ..} الآية: هذا هو الذي أراد النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَىٰ عيسَىٰ»تفسير : ، ومعنَىٰ {مِّنْهُمْ }، أي: يعرفُوهُ، ويتحقَّقوا فضلَه، ويشفق عليهم، ويحرص. * ت *: وقد تواتَرَتْ أخبار نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم وبعثته في الكتب السالفة، وعَلِمَ بذلك الأحْبارُ، وأخبروا به، وبتعيين الزَّمَن الذي يبعث فيه. وقد روى البيهقيُّ أحمد بن الحُسَيْن وغيره عن طلحة بن عُبَيْد اللَّه - رضي اللَّه عنه - قَالَ: «حَضَرْتُ سُوقَ بصرى، فَإِذَا رَاهِبٌ في صومعة، يقول: سَلُوا أَهْلَ هَذَا المَوْسِمِ، أفيهِمْ مَنْ هو مِنْ هذا الحَرَمِ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنَا، فما تَشَاءُ؟ قَالَ: هَلْ ظَهَرَ أَحْمَدُ بَعْدُ؟ قُلْتُ: ومَنْ أَحْمَدُ؟ قَالَ: أحمدُ بْنُ عبدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، هَذَا شَهْرُهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ، وَهُوَ خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، مَخْرَجُهُ مِنَ الحَرَمِ، وَمُهَاجَرُهُ إِلَىٰ نَخْلٍ وَسِبَاخٍ، إِذَا كَانَ، فَلاَ تُسْبَقَنَّ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ فِي قَلْبِي مَا قَالَ، وَأَسْرَعْتُ اللَّحَاق بِمَكَّةَ، فَسَأَلْتَ، هَلْ ظَهَرَ بَعْدِي أَمْرٌ؟ فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ الأُمِّيُّ قَدْ تَنَبَّأَ، وَتَبِعَهُ أبو بَكْرِ بْنُ أبِي قُحَافَةَ، فَمَشَيْتُ إِلَىٰ أَبِي بَكْرٍ، وَأَدْخَلَنِي إلَىٰ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَسْلَمْتُ»، وقد روى العُذْرِيُّ وغيره عن أبي بكر - رضي اللَّه عنه - أنَّه قَالَ: «لقيتُ شيخاً باليمن، فقال لي: أنْتَ حَرَمِيٌّ، فقلت: نعم، فقال: وأحسبكَ قُرَشِيًّا، قلت: نعم، قال: بَقِيَتْ لِي فيكَ واحدةٌ، ٱكْشِفْ لي عن بَطْنك، قُلْتُ: لا أفعل، أو تخبرني لِمَ ذلك، قال: أجدُ في العلْمِ الصحيحِ أن نبيًّا يبعثُ في الحرمين يقارنه علَىٰ أمره فتًى وكَهْل، أمَّا الفتَىٰ، فخوَّاض غمراتٍ، ودفَّاع مُعْضِلاَتٍ، وأما الكَهْل، فأبيضُ نحيفٌ علَىٰ بطنه شَامَةٌ، وعلى فَخِذِهِ اليسرَىٰ علامةٌ، وما عليك أنْ تريني ما سألتُكَ عَنْه، فقد تكامَلَتْ فيك الصِّفَةُ، إِلا ما خَفِيَ علَيَّ؟ قال أبو بكر: فكَشَفْتُ له عَنْ بطني، فرأَىٰ شامَةً سوداء فوق سُرَّتي، فقالَ: أَنْتَ هو وربِّ الكعبة، إِني متقدِّم إِليك في أمْرٍ، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قال: إِيَّاكَ، والمَيْلَ عن الهُدَىٰ، وعليك بالتمسُّك بالطريقةِ الوسْطَىٰ، وخَفِ اللَّه فيما خَوَّلَكَ، وأَعْطَىٰ، قال أبو بكر: فلمَّا ودعتُهُ، قال: أَتَحْمِلُ عنِّي إِلى ذلك النبيِّ أبياتاً، قلت: نعم، فأنشأ الشيخ يَقُولُ: [الطويل]شعر : أَلَمْ تَرَ أَنِّي قَدْ سَئِمْتُ مُعَاشِرِي وَنَفْسِي وَقَدْ أَصْبَحْتُ فِي الحَيِّ عَاهِنَا حَيِيتُ وَفِي الأَيَّامِ لِلْمَرْءِ عِبْرَةٌ ثَلاَثَ مِئينَ بَعْدَ تِسْعِيـــنَ آمِنَــا وَقَدْ خَمَدَتْ مِنِّي شَرَارَةُ قُوَّتِي وَأُلْفِيتُ شَيْخاً لاَ أُطِيقُ الشِّوَاحِنَا وَأَنْتَ وَرَبِّ الَبْيتِ تَأْتِي مُحَمَّداً لِعَامِكَ هَذَا قَدْ أَقَــامَ البَرَاهِنَـــا فَحَيِّ رَسُولَ اللَّهِ عَنِّي فَإِنَّنِـي عَلَىٰ دِينِهِ أَحْيَا وَإِنْ كُنْتُ قَاطِنَـا تفسير : قال أبو بكر: فحفظْتُ شعره، وقَدِمْتُ مكَّة، وقد بعث النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فجاءني صناديد قُرَيْشٍ، وقالوا: يا أبا بكْرٍ، يتيمُ أَبِي طالِبٍ، يَزْعُم أنه نبيٌّ، قال: فجئْتُ إِلَىٰ منزلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقرعْتُ علَيْه، فخرَجَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا مُحَمَّدُ، فُقِدْتَ مِنْ مَنَازِلِ قَوْمِكَ، وَتَرَكْتَ دِينَ آبَائِكَ؟ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ، وَإِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ، فَآمِنْ بِاللَّهِ، فَقُلْتُ؛ وَمَا دَلِيلُكَ؟ قَالَ: الشَّيْخُ الَّراهِبُ الَّذِي لَقِيتَهُ بِاليَمَنِ، قُلْتُ: وَكَمْ مِنْ شَيْخٍ لَقِيتُ! قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ أُرِيدُ، إِنَّمَا أُرِيدُ الشَّيْخَ الَّذِي أَفَادَكَ الأَبْيَاتَ، قُلْتُ: وَمَنْ أَخْبَرَكَ بِهَا؟ قَالَ: الرُّوحُ الأمِينُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي الأَنْبِيَاءَ قَبْلِي، قُلْتُ: مُدَّ يَمِينَكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَٱنْصَرَفْتُ وَمَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا أَشَدُّ مِنْ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم فَرَحاً بِإِسْلاَمِي». انتهى من تأليف ابن القَطَّان في «الآياتِ والمعجزاتِ». و {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَـٰتِكَ}، أي: آيات القُرآن، و {ٱلْكِتَـٰبَ}: القرآن، قال قتادة: {وَٱلْحِكْــمَةَ} السنة، وروى ابن وهْب عن مالكٍ؛ أن {ٱلْحِكْمَةَ}: الفقْهُ في الدين، والفهم الذي هو سجيَّة ونور من اللَّه تعالى. * ت *: ونقل عِيَاضٌ في «مداركه» عن مالك؛ أن {ٱلْحِكْمَةَ } نورٌ يقذفه اللَّه في قلب العبد، وقال أيضاً: يقع في قلبي؛ أنَّ {ٱلْحِكْمَةَ} الفقْهُ في دين اللَّه، وأمر يدخلُه اللَّه القلُوبَ من رحمته وفَضْله، وقال أيضاً: {ٱلْحِكْمَةَ } التفكُّر في أمر اللَّه، والاتِّباعُ له، والفقْه في الدِّين، والعمل به. انتهى. وقد أشار * ع *: إلى هذا عند قوله تعالى: {أية : يُؤْتِي الْحِكْمَة مَن يَشَآءُ}تفسير : [البقرة:269]. * ت *: والظاهر أن المراد بـــ {ٱلْحِكْمَةَ } هنا: ما قاله قتادة، فتأمَّله. {وَيُزَكِّيهِمْ }: معناه يطَهِّرهم، وينمِّيهم بالخَيْر، و {ٱلْعَزِيزُ }: الَّذي يغلب، ويتم مراده، و {ٱلْحَكِيمُ }: المصيبُ مواقعَ الفعْلِ، المُحْكِمُ لها.
ابن عادل
تفسير : "إذ" عطف على "إذ" قبلها، فالكلام فيهما واحد. و "يرفع" في معنى ماضياً؛ لأنها من الأدوات المخلصة المضارع للمضي. وقال الزمخشري: "هي حكاية حال ماضية" قال أبو حيان: وفيه نظر. و "القواعد" جمع قاعدة، وهي الأساس والأصل لما فوق، وهي صفة غالبة، ومعناها الثابتة، ومنه "قَعَّدَك الله" أي: أسأل الله تثبيتك، ومعنى رَفْعِها البناءُ عليها؛ لأنه إذا بني عليها نقلت من هيئة الانخفاض إلى الارتفاع. وأما القواعد من النِّسَاء فمفردها "قاعد" من غير تاء؛ لأن المذكر لا حظَّ له فيها إذ هي من: قَعَدَتْ عن الزوج. ولم يقل "قواعد البيت"، بالإضافة لما في البيان بعد الإبهام من تفخيم شأن المبين. [فصل في مشاركة إسماعيل في رفع القواعد الأكثرون على أن البيت كان موجوداً قبل إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ واختلفوا هل كان إسماعيل شريكاً له في رفع القواعد؟ فالأكثرون على أنه كان شريكاً له؛ للعطف عليه. وروي عن علي ـ رضي الله عنه ـ أنه لما بنى البيت خرج وخلف إسماعيل وهاجر. فقالا: إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله تعالى، فعطش إسماعيل ولم ير الماء، فناداه جبريل أن اضرب الأرض بأصبعك، فضربها بأصبعه، فنبع زمزم. وهذا ضعيف؛ وذلك لقوله تعالى: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ} وهذا يوجب صرفه إلى المذكور السابق: وهو رفع القواعد]. فصل في الكلام على رفع القواعد يروى أن الله ـ تبارك وتعالى ـ خلق موضع البيت قبل الأرض بألفي عام، وكانت زبدة بيضاء على الماء، وأنزل الله البيت المعمور من ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زُمُرّد أخضر، وأنزل الله الحجر، كان أبيض فاسود من لمس الحيض في الجاهلية، وأمر الله ـ تعالى ـ آدم ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن يحج إليه، ويطوف به. قال ابن عباس رضي الله عنهما: حج آدم صلوات الله وسلامه عليه أربعين حجّة من "الهند" إلى "مكة" ماشياً، وكان ذلك إلى أيام الطوفان، فرفعه الله ـ تعالى ـ إلى السماء الرابعة، وبعث جبريل ـ عليه الصلاة والسلام ـ حتى خبأ الحجر الأسود في جبل أبي قبيس، وكان موضع البيت خالياً إلى زمن إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ ثم أمر الله ـ تعالى ـ ابراهيم عليه الصلاة والسلام ـ بعد ما ولد إسماعيل ـ عليه الصلاة والسلام ـ ببناء البيت، فسأل الله ـ تعالى ـ أن يبين له موضعه، فبعث الله السّكينة ليدله على موضع البيت، فتبعها حتى أتيا "مكة"، هذا قول علي رضي الله تعالى عنه. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بعث الله سحابة على قدر الكَعْبة، وذهب إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ في ظلها إلى أن وافت "مكة" فوقعت على موضع البيت، فنودي منها يا إبراهيم ابْنِ على ظلها ولا تزد ولا تنقص. [وقيل: أرسل الله جبريل ـ عليه الصلاة والسلام ـ ليدله على موضع البيت قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: بُنِي البيت من خمسة أجبل: طور سيناء، وطور زيتا، ولبنان جبال بالشام، والجودي: جبل بالجزيرة وقواعده من حراء جبل بمكة المشرفة، فلما انتهى لموضع الحجر قال لإسماعيل ـ عليه الصلاة والسلام ـ يطلبه فصاح أو قُبيس: يا إبراهيم إنّ لك عندي وديعة فخذها، فأخذ الحجر الأسود، فوضعه مكانه. وقيل: إن الله تبارك وتعالى بنى البيت المعمور في السماء، وسمي "صراح"، وأمر الملائكة أن يبنوا الكعبة في الأرض بحياله على قدره وبقية الكلام على البيت يأتي في سورة "الحج" إن شاء الله ـ تعالى ـ والله أعلم]. قوله: "من البيت" فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلّق بـ "يرفع" ومعناها ابتداء الغاية. والثاني: أنها في محل نصب على الحال من "القواعد"، فيتعلّق بمحذوف تقديره: كائنة في البيت، ويكون معنى "من" التبعيض [روى ابن كثير ـ رحمه الله ـ عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما، "أن القواعد حجارة كأسنمة البخت بعضها من بعض، وحكى عن رجل من قريش ممن كان يهدمها أدخل عتلة بين حجرين منها؛ ليخرج بها أحدهما، فتحركا تحرك الرجل، فانتفضت مكة بأسرها، فانتهوا عن ذلك الأساس". وقيل: أبصر القوم برقة، كادت تخطف بصر الرجل فبرأ الرجل من يده، فوقع في موضعه، فتركوه ورجعوا إلى بنيانهم]. قوله: "وَإٍسْمَاعِيلُ" فيه قولان: أحدهما: وهو الظاهر ـ أنه عطف على "إبراهيم"، فيكون فاعلاً مشاركاً له في الرفع، ويكون قوله: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ} في محلّ نصب بإضمار القول، ذلك القول في محل نصب على الحال منهما، أي: يرفعان يقولان: ربنا تقبل، ويؤيد هذا قراءة عبد الله بإظهار فعل القول، قرأ: "يَقُولاَنِ: رَبَّنَا تَقَبَّلْ" أي: قائلين ذلك، ويجوز ألا يكون هذا القول حالاً، بل هو جملة معطوفة على ما قبلها، ويكون هو العامل في "إذ" قبله، والتقدير: يقولان: ربنا تقبل إذ يرفعان، أي: وقت رفعهما. والثَّاني: الواو [واو الحال]، و "إسماعيل" مبتدأ وخبره قول محذوف هو العامل في قوله: "رَبَّنَا تَقَبَّلْ" فيكون إبراهيم هو الرَّافع، وإسماعيل هو الدَّاعي فقط، قالوا: لأن إسماعيل كان حينئذ طفلاً صغيراً، ورَوَوْه عن علي ـ رضي الله عنه ـ والتقدير إذ يرفع إبراهيم حال كون إسماعيل يقول: ربنا تقبل منّا. وفي المجيء بلفظ "الرب" جل وعز تنبيه بذكر هذه الصفة على التربية والإصلاح. و "تقبّل" بمعنى "اقبل"، فـ "تَفَعَّلْ" هنا بمعنى المجرد. وتقدم الكلام على نحو "إنك أنت السميع" من كون "أنت" يجوز فيه التأكيد والابتداء والفَصْل. وتقدمت صفة السَّمع، وإن كان سؤال التقبل متأخراً عن العمل للمجاورة، كقوله تعالى {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ}تفسير : [آل عمران:106] وتأخرت صفة العلم، لأنها فاصلة، ولأنها تشمل المسموعات وغيرها. [فإن قيل: قوله: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} يفيد الحصر، وليس الأمر كذلك، فإن غيره قد يكون سميعاً. فالجواب أنه تعالى لكماله في هذه الصفة كأنه هو المختص بها دون غيره]. قوله: "مسلمين" مفعول ثاني للجعل؛ لأنه بمعنى [التصيير، والمفعول الأول هو] "نا". وقرأ ابن عباس "مُسْلِمِيْنَ" بصيغة الجمع وفي ذلك تأويلان: أحدهما: أنهما أجريا التثنية مجرى الجمع، وبه استدل من يجعل التثنية جمعاً. والثاني: أنهما أرادا أنفسهما وأهلهما كـ "هاجر". قوله: "لك" فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلق بـ "مسلمين" لأنه بمعنى نُخْلص لك أوجهنا نحو: {أية : أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ}تفسير : [آل عمران:20] فيكون المفعول محذوفاً لفهم المعنى. والثاني: أنه نعت لمسلمين أي: مسلمين مستقرين لك أي مستسلمين. والأول أقوى معنى. فصل فيمن استدل بهذه الآية على القول بخلق الأعمال استدلوا بهذه الآية على خلق الأعمال بقوله: {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ}، فإن الإسلام إما أن يكون المراد منه الدين والاعتقاد، أو الاستسلام والانقياد، وكيف كان فقد رغبا في أن يجعلهما بهذه الصفة لا معنى له إلاّ خَلْق ذلك فيهما، فإن [الجعل] عبارة عن الخلق. قال الله تعالى: {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ}تفسير : [الأنعام:1] فدلّ هذا على أن الإسلام مخلوق لله تعالى. فإن قيل: هذه الآية الكريمة متروكة الظاهر؛ لأنها تقتضي أنهما وقت السُّؤال [كانا] غير مسلمين إذ لو كانا مسلمين لكان طلب أن يجعلهما مسلمين طلباً لتحصيل الحاصل، وإنه باطل، لكن المسلمين أجمعوا على أنهما كانا في ذلك الوقت مسلمين؛ ولأن صدور هذا الدُّعَاء منهما لا يصلح إلاَّ بعد أن كانا مسلمين، وإذا ثبت أن الآية متروكة الظاهر لم يجز التمسّك بها، سلمنا أنها ليست متروكة الظاهر، لكن لا نسلم أن الجَعْل عبارة عن الخَلْق والإيجاد بل له معانٍ أخر سوى الخلق: أحدها: "جعل" بمعنى "صيّر"، قال [الله] تعالى: {أية : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِبَاساً وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً}تفسير : [الفرقان:47]. وثانيها: "جعل" بمعنى "وهب"، تقول: جعلت لك هذه الضيعة وهذا العبد وهذا الغرس. وثالثها: [جعل] بمعنى الوصف للشيء والحكم به كقوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً}تفسير : [الزخرف:19]. وقال: {أية : وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ}تفسير : [الأنعام:10]. ورابعها: "جعل" كذلك بمعنى الأمر كقوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً}تفسير : [السجدة:24] يعنى أمرناهم بالاقتداء بهم، وقال: {أية : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً}تفسير : [البقرة:124] فهو الأمر. وخامسها: أن يجعله بمعنى التعليم كقوله: جعلته كاتباً [وشاعراً] إذا علمته ذلك. وسادسها: البيان والدّلالة تقول: جعلت كلام فلان باطلاً إذا أوردت [من الحجة] ما بين بطلان ذلك. إذ ثبت ذلك فنقول: لم لا يجوز أن يكن المراد وصفهما بالإسلام، والحكم لهما بذلك كما يقال: جعلني فلان لصّاً، وجعلني فاضلاً أديباً إذا وصفه بذلك سلّمنا أن المراد من الجَعْل الخَلْق، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد منه خلق الألطاف الداعية لهما إلى الإسلام، وتوفيقهما لذلك؟ فمن وفّقه الله لهذه الأمور حتى يفعلها، فقد جعله الله مسلماً له، ومثاله من يؤدّب ابنه حتى يصير أديباً، فيجوز أن يقال: صيّرتك أديباً، وجعلتك أديباً، وفي خلاف ذلك يقال: جعل ابنه لصّاً محتالاً. سلمنا أن ظاهر الآية الكريمة يقتضي كونه ـ تعالى ـ خالقاً للإسلام، لكنه على خلاف الدَّلاَئل العقلية، فوجب ترك القول به. وإنما قلنا [إنه] على خلاف الدَّلائل العقلية؛ لأنه لو كان فعل العَبْد خلقاً لله ـ تعالى ـ لما استحق العبد به مدحاً ولا ذمّاً، ولا ثواباً ولا عقاباً، ولوجب أن يكون الله ـ تعالى ـ هو المسلم المطيع لا العبد. والجواب: قوله: الآية متروكة الظاهر. [قلنا]: لا نسلّم وبيانه من وجوه: الأول: أن الإسلام عرض قائم بالقلب، وأنه لا يبقى زمانين فقوله: "واجعلنا مسلمين لك" أي: اخلق هذا العرض، فينافي الزمان المستقبل دائماً، وطلب تحصيله في الزمان المستقبل لا ينافي حصوله في الحال. الثاني: أن يكون المراد منه الزِّيَادة في الإسلام كقوله: {أية : لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ}تفسير : [الفتح:4] {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى}تفسير : [محمد:17] ويؤيد هذا قوله تعالى {أية : وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}تفسير : [البقرة:260] فكأنهما دعواه بزيادة اليقين والتصديق، وطلب الزيادة لا ينافي حصول الأصل في الحال. الثالث: أن "الإسلاَم" إذا أطلق يفيد الإيمان والاعتقاد أما إذا أضيف بحرف "اللام" كقوله: "مُسْلِمَيْنِ لَكَ"، فالمراد الاستسلام له والانقياد والرِّضا بكل ما مقدر [وترك المنازعة في أحكام الله ـ تعالى ـ وأقضيته، فلقد كانا عارفين مسلمين لكن لعله بقي في قلوبهما نوع من المنازعة الحاصلة بسبب البشرية، فأراد أن يزيل الله ذلك عنهما بالكلية ليحصل لهما مقام الرضا بالقضاء على سبيل الكمال] فثبت بهذه الوجوه أن الآية ليست متروكة الظاهر. قوله: يحمل الجعل على الحكم بذلك فلا نسلم أن الموصوف إذا حصلت الصفة له فلا فائدة في الصفة، وإذا لم يكن المطلوب بالدعاء هو مجرد الوصف، وجب حمله على تحصيل الصفة، ولا يقال: وصفه تعالى بذلك ثناء ومدح، وهو مرغوب له فيه. قلنا: نعم! لكن الرغبة في تحصيل نفس الشيء أكثر من تحصيل الرغبة في تحصيل الوَصْف به والحكم به، فكان حمله على الأول أولى. وأيضاً أنه متى حصل الإسلام فيهما فقد استحقا التسمية بذلك والله ـ تعالى ـ لا يجوز عليه الكذب، فكان ذلك الوصف حاصلاً، وأي فائدة في طلبه بالدعاء. وأيضاً أنه لو كان المراد به التسمية لوجب أن كلّ من سمى إبراهيم مسلماً جاز أن يقال: جعله مسلماً. أما قوله: يحمل ذلك على فعل الألطاف. فالجواب: هذا مدفوع من وجوه: أحدها: أن لفظ الجَعْل مضاف إلى "الإسلام"، فصرفه عنه إلى غيره ترك للظاهر. وثانيها: أن تلك الألْطَاف قد فعلها الله ـ تعالى ـ وأوجدها، وأخرجها إلى الوجود على مذهب المعتزلة، فطلبها يكون طلباً لتحصيل الحاصل، وإنه غير جائز. وثالثها: أن تلك الألطاف إما أن يكون لها أثر في تَرْجيح جانب الفعل على الترك أو لا. فإن لم يكن لها أثر في هذا الترجيح لم يكن ذلك لطفاً. وإن كان لها أثر في الترجيح، فنقول: متى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب، وذلك أن مع حصول ذلك القدر من الترجيح، إما أن يجب الفعل، أو يمتنع، أو لا يجب أصلا ولا يمتنع. فإن وجب فهو المطلوب. وإن امتنع فهو مانع لا مرجح، وإن لم يجب ولا يمتنع فحينئذ يمكن وقوع الفعل معه تارة ولا وقوعه أخرى فاختصاص وقت الوقوع بالوقوع: إما أن يكون لانظمام أمر إليه لأجله تميز ذلك الوقت بالوقوع أو ليس كذلك فإن كان الأول كان المرجح مجموع اللطف مع هذه الضميمة الزائدة فلم يكن لهذا اللطف أثر في الترجيح أصلاً، وقد فرضناه كذلك هذا خلف. وإن كان الثاني لزم رجحان أحد طرفي الممكن المساوي على الآخر من غير مرجّح وهو محال، فثبت أن القول بهذا اللطف غير معقول. قوله: الدلائل العقلية دلت على امتناع وقوع فعل العبد بخلق الله ـ تعالى ـ وهو فصل المدح والذم. قلنا: إنه معارض بسؤال العلم وسؤال الداعي على ما تقدم. قال القرطبي: سألاه التثبت والدوام و "الإسلام" في هذا الموضع: الإيمان والأعمال جميعاً، منه قوله تعالى: {أية : إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ}تفسير : [آل عمران:19]، وكفى هذا دليلاً لمن قال إن الإيمان والإسلام هما شيء واحد، ويؤيده قوله تعالى: {أية : فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}تفسير : [الذاريات:35، 36] والله أعلم. قوله: {وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً} فيه قولان: أحدهما ـ وهو الظاهر ـ أن "من ذرّيتنا" صفة لموصوف محذوف وهو مفعول أول، و "أمة مسلمة" مفعول ثاني تقديره: واجعل فريقاً من ذرّيتنا أمة مسلمة. وفي "من" حينئذ ثلاثة أقوال: أحدها: أنها للتبعيض. والثاني: أجازه الزمخشري ـ أن تكون للتبيين، قال تبارك وتعالى: {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ}تفسير : [النور:55]. الثالث: أن تكون لابتداء غاية الجعل، قاله أبو البقاء. والثاني: من القولين: أن يكون "أمة" هو المفعول الأول، و "من ذرّيتنا" حال منها؛ لأنه في الأصل صفة نكرة، فلما قدم عليها انتصب حالاً، و "مسملة" هو المفعول الثاني، والأصل: واجعل الأمة من ذريتنا مسلمة، فـ "الواو" داخلة في الأصل على "أمة"، وإنما فصل بينهما بقوله: "مِنْ ذُرِّيَّتِنَا" وهو جائز؛ لأنه من جملة الكلام المعطوف، وفي إجازته ذلك نظر، فإن النحويين كأبي عليٍّ وغيره منعوا الفصل بالظَّرف [بين حرف العطف] إذا كان على حرف واحد وبين المعطوف وجعلوا منه قوله: [المنسرح] شعر : 786ـ يَوْماً تَرَاهَا كَشِبْهِ أَرْدِيةِ الْـ ـعَصْبِ وَيَوْماً أَدِيمُها نَغِلاَ تفسير : ضرورة، فالفصل في الحال أبعد، وصار ما أجازه نظير قولك: "ضرب الرجل ومتجردة المرأة زيد" وهذا غير فصيح، ولا يجوز أن يكون أجعل المقدرة بمعنى أخلْقُ وأُوْجِد، فيتعدى لواحد، ويتعلق "من ذرّيتنا" به، ويكون "أمة" مفعولاً به، لأنه إن كان من عطف المفردات لزم التشريك في العامل الأول، والعامل الأول ليس معناه "اخلق" إنما معناه "صَيِّرْ". وإن كان من عطف الجمل، فلا يحذف إلا ما دلّ عليه المنطوق، والمنطوق ليس بمعنى الخلق، فكذلك المحذوف ألا تراهم منعوا في قوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ}تفسير : [الأحزاب:43] أن يكون التقدير: وملائكته يصلون لاختلاف مدلول الصَّلاتين، وتأولوا ذلك على قدر مشترك بينهما، وقوله: "لك" فيه الوجهان المتقدمان بعد "مسلمين". فصل إنما خص بعضهم؛ لأنه ـ تعالى ـ أعلمهما [أن] في ذريتهما الظالم بقوله {أية : لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [البقرة:124]. وقيل: أراد به العرب؛ لأنهم من ذريتهما. وقيل: هم أمّة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لقوله تعالى: {أية : وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ}تفسير : [البقرة:129]. فإن قيل: قوله: {أية : لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [البقرة:124] كما يدلّ على أن في ذرّيته من يكون ظالماً فكذلك [يوجب فيهم من لا يكون ظالماً]، فإذن كون بعض ذريته أمة مسلمة صار معلوماً بتلك الآية، فما الفائدة في طلبه بالدعاء مرة أخرى؟ فالجواب: تلك الدلالة ما كانت قاطعة، والشفيق بسوء الظن مولع. فإن قيل: لم خص ذريتهما بالدعاء أليس أن هذا يجرى مجرى البُخْل في الدعاء؟ فالجواب: الذرية أحق بالشفقة والمصلحة قال الله تعالى: {أية : قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً}تفسير : [التحريم:6] ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم. والأمة هنا: الجماعة، وتكون واحداً إذا كان يقتدى به في الخير، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِّلَّهِ}تفسير : [النحل:120]. وقد يطلق لفظ الأمّة على غير هذا المعنى [كقوله تعالى: {إنا وجدنا آباءنا على أمة} أي دين وملة]. ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}تفسير : [الأنبياء:92]. وقد تكون بمعنى الحِيْن والزمان، ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ}تفسير : [يوسف:45] أي: بعد حين وزمان. ويقال هذا أمة زيد، أي أُمُّ زيدٍ، والأمة أيضاً: القامة، يقال: فلان حسن الأُمَّة، أي: حسن القامة؛ قال: [المتقارب] شعر : 787ـ وَإِنَّ مُعَاوِيَة الأَكْرمِيـ ـنَ حِسَانُ الْوُجُوهِ طِوَالُ الأُمَمْ تفسير : وقيل: الأمة الشَّجَّة التي تبلغ أم الدماغ، يقال: رجل مأموم وأميم نقله القرطبي. قوله: "وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا" الظّاهر أن الرؤية هنا بصرية، فرأى في الأصل يتعدّى لواحد، فلما دخلت همزة النقل أكسبتها مفعولاً ثانياً، فـ "نا" مفعول أول، و "مناسكنا" مفعول ثان. وأجاز الزمخشري أن تكون منقولة من "رأى" بمعنى عرف، فتتعدى أيضاً لاثنين كما تقدم، وأجاز قوم فيما حكاه ابن عطية أنها هنا قلبية، والقلبية تقبل [النَّقْل] لاثنين كقول القائل: [الطويل] شعر : 788ـ وَإِنَّا لَقَوْمٌ مَا نَرَى الْقَتْل سُبَّةً إِذَا مَا رَأَتْهُ عَامِرٌ وَسَلُولُ تفسير : وقال الكُمَيْت: [الطويل] شعر : 789ـ بِأَيِّ كِتَابٍ أَمْ بِأَيَّةِ سُنَّةٍ تَرَى حُبَّهُمْ عَاراً عَليَّ وَتَحْسِبُ تفسير : وقال ابن عطية: ويلزم قائله يتعدّى الفعل منه إلى ثلاثة، وينفصل عنه بأنه يوجد معدى بالهمزة من رؤية القلب كغير المعدى؛ وأنشد قول حُطَائِطَ بْنِ يَعْفُرَ: [الطويل] شعر : 790ـ أَرِينِي جَوَاداً مَاتَ هُزْلاً لأَنِنَّي أََرَى ما تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلاً مُخَلَّدَا تفسير : يعني: أنه قد تعدت "علم" القلبية إلى اثنين، سواء كانت مجردة من الهمزة أم لا، وحينئذ يشبه أن يكون ما جاء فيه "فَعِلَ وأَفْعَل" بمعنى وهو غريب، ولكن جَعْلَه بيت حطَائط من رؤية القلب ممنوع، بل معناه من رؤية البَصَرِ، ألا ترى أن قوله: "جواداً مات" من متعلقات البصر، فيحتاج في إثبات تعدي "أعلم" القلبية إلى اثنين إلى دليل. وقال بعضهم: هي هنا بصرية قلبية معاً؛ لأن الحج لا يتم إلاّ بأمور منها ما هو معلوم ومنها ما هو مبصر. ويلزمه على هذا الجمع بين الحقيقة والمجاز، أو استعمال المشترك في معنييه معاً. وقرأ الجمهور: {أَرِنَا} بإشباع كسر "الراء" هنا، وفي [النساء:153] وفي [الأعراف:143] {أَرِنِيۤ أَنظُرْ}، وفي [فصلت:29] {أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ}. وقرأ ابن كثير بالإسْكَان في الجميع، ووافقه في "فصلت" ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، واختلف عن أبي عمرو، فروي عن السوسي موافقة ابن كثير بالإسكان في الجميع، وروى عنه الدَّوري اختلاس الكَسْر فيها. أما الكسر فهو الأصل. وأما الاختلاس فحسن مشهور. وأما الإسكان فللتخفيف، شبهوا المتصل بالمنفصل فسكنوا كسره، كما قالوا في فَخِذ: فَخْذ، وكَتِف: كَتْف. وقد غلط قوم راوي هذه القراءة. وقالوا: صار كسر الراء دليلاً على الهمزة المحذوفة، فإن أصله: "أرئنا" ثم نقل. قال الزمخشري تابعاً لغيره: قال الفارسي: التغليط ليس بشيء لأنها قراءة متواترة، وأما كسرة الراء فصارت كالأصل؛ لأن الهمزة مرفوضة الاستعمال. وقال أيضاً: ألا تراهم أدغموا في {أية : لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي}تفسير : [الكهف:38]، والأصل "لكن أنا" نقلوا الحركة، وحذفوا، ثم أدغموا، فذهاب الحركة في "أرنا" ليس بدون ذهابها في الإدغام، وأيضاً فقد سمع الإسكان في هذا الحرف نصّاً عن العرب؛ قال القائل: [البسيط] شعر : 791ـ أَرْنَا إِدَاوَةَ عَبْدِ اللهِ نَمْلَؤُهَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ ظَمِئُوا تفسير : وأصل أرنا: أَرئنَا، فنقلت حركة "الهمزة" إلى "الراء" وحذفت هي، وقد تقدم الكلام بأشبع من هذا عند قوله: {أية : حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً}تفسير : [البقرة:55]. و "المناسك" واحدها: "مَنْسِك" بفتح العين وكسرها، وقد قرىء بهما والمفتوح هو المقيس لانضمام عين مضارعه. ويقال: المنسك بفتح السين بمعنى الفعل وبكسر السين بمعنى الموضع، كالمسجد والمشرق والمغرب. قال الله تعالى: {أية : لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ}تفسير : [الحج:67] قرىء بالفتح والكسر، وظاهر الكلام يدلّ على الفعل، وكذلك قوله عليه السلام "حديث : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ"تفسير : أمرهم بأن يتعلّموا أفعاله في الحجّ، لا أنه أراد: خذوا عنِّي مواضع نسككم، وبعض المفسرين حمل المَنَاسك على الذبيحة فقط. قال ابن الخطيب: وهو خطأ، لأن الذبيحة إنما تسمى نسكاً لدخولها تحت التعبُّد، [لا لكونها مذبوحة] ولذلك لا يسمون ما يذبح للأكل بذلك. قال القرطبي: [قوله تعالى: "مَنَاسِكَنَا" يقال]: إن أصل النُّسك في اللغة الغَسْل، يقال منه نسك ثوبه إذا غسله. وهو في الشرع اسم للعبادة، يقال: رجل ناسك إذا كان عابداً. فصل في تسمية عرفات وقال الحَسَن: إن جبريل ـ عليه السلام ـ أرى إبراهيم المناسك كلّها حتى بلغ "عرفات"، فقال: يا إبراهيم أعرفت ما رأيتك من المناسك؟ قال: نعم [فسميت "عرفات"] فلما كان يوم النحر أراد أن يزور البيت فعرض له إبليس فسد عليه الطريق، فأمره جبريل ـ عليه السلام ـ بأن يرميه بسبع حَصَيات، ففعل فذهب الشيطان، ثم عرض له في اليوم الثاني والثالث والرابع كلّ ذلك يأمره جبريل ـ عليه السلام ـ برمي سَبْعِ حصيات. فبعضهم حمل المناسك هنا على [شعائر] الحج، وأعماله كالطواف والسعي والوقوف. وبعضهم حمله على المواقف والمواضع التي يقام فيها شرائع الحج، مثل "منى" و "عرفات" و "المزدلفة" ونحوها. وبعضهم حمله على المجموع. فصل في استلام الأركان قال ابن إسحاق: وبلغني أن آدم ـ عليه السلام ـ كان يَسْتَلِمُ الأركان كلها قبل إبراهيم عليه السلام. وقال: حج إسحاق وسارة من "الشَّام"، وكان إبراهيم ـ عليه السلام ـ يحجه كل سَنَةٍ على البُرَاق، وحجّه بعد ذلك الأنبياء والأمم. وروى محمد بن سابط عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: "حديث : كَانَ النَّبِيُّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ إذَا هَلَكَتْ أُمَّتُهُ لَحِقَ مَكَّةَ فَتَعَبَّدَ بِهَا هُوَ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ حَتَّى يَمُوتُوا، فَمَاتَ بِهَا نُوحٌ وَهُودٌ وَصَالِحٌ وَقُبورُهُمْ بَيْنَ زَمْزَمَ وَالحَجرِ ". تفسير : وذكر ابن وهب أن شعيباً مات بـ "مكة" هو ومن معه من المؤمنين، فقبورهم في غربيّ "مكة" بين دار الندوة وبين بني سهم. وقال ابن عباس: في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما، قبر إسماعيل وقبر شعيب عليهما السلام، فقبر إسماعيل في الحجر، وقبر شعيب مقابل الحجر الأسود. وقال عبد الله بن ضمرة السلولي: ما بين الرُّكن والمقام إلى زمزم قبور تسعة وتسعين نبيّاً جاءوا حجاجاً فقبروا هنالك، صلوات الله عليهم أجمعين. قوله: "وتب علينا" احتج به من جوز الذنب على الأنبياء قال: لأن التوبة مشروطة بتقدم الذنب، فلولا تقدم الذنب، وإلاَّ لكان طلب التوبة طلباً للمحال. قالت المعتزلة: الصغيرة تجوز على الأنبياء. ولقائل أن يقول: إن الصَّغائر قد صارت مكفّرة بثواب فاعلها، وإذا صارت مكفرة فالتوبة عنها مُحَال؛ لأن تأثير التوبة في إزالتها وإزالة الزائل محال. قال ابن الخطيب: وهاهنا أجوبة تصلح لمن جوز الصغيرة، ولمن لم يجوزها، وهي من وجوه: أولها: يجوز أن يأتي بصورة التوبة تشدُّداً في الانصراف عن المعصية؛ لأن من تصور نفسه بصورة النَّادم العازم على التحرز الشديد، كان أقرب إلى ترك المعاصي. وثانيها: أن العبد وإن اجتهد في طاعة ربه، فإنه لا ينفكّ عن التَّقْصِير من بعض الوجوه: إما على سبيل السهو أو على سبيل ترك الأولى، فكان هذا الدعاء لأجل ذلك. وثالثها: أنه ـ تعالى ـ لما أعلم إبراهيم ـ عليه السلام ـ أن في ذريته من يكون ظالماً عاصياً، لا جرم سأل هاهنا أن يجعل بعض ذرّيته أمة مسلمة، ثم طلب منه أن يوفق أولئك العُصَاة للتوبة فقال: "وَتُبْ علَيْنَا" أي على المُذْنبين من ذرّيتنا، والأب المشفق على ولده إذا أذنب ولده، فاعتذر الوالد عنه، فقد يقول: أجرمت وعصيت فاقبل عُذْري، ويكون مراده: أن ولدي أذنب فاقبل عُذْره؛ لأن ولد الإنسان يجري مجرى نفسه، والذي يقوي هذا التأويل وجوه: الأول: ما حكى الله ـ تعالى ـ في سورة "إبراهيم" أنه قال: {أية : وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [إبراهيم:35ـ36]. فيحتمل أن يكون المعنى: ومن عصاني فإنك قادر على أن تتوب عليه إن تاب، وتغفر له ما سلف من ذنوبه. الثاني: ذكر أن في قراءة عبد الله: {وَأَرِهِمْ مَنَاسِكَهُمْ وَتُبْ عَلَيْهم}. الثالث: أنه قال عطفاً على هذا: {أية : رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ}تفسير : [البقرة:129]. الرابع: تأولوا قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ}تفسير : [الأعراف:11] بجعل خلقه إياه خلقه لهم إذ كانوا فيه، فكذلك لا يبعد أن يكون قوله: "أَرِنَا مَنَاسِكَنَا" أي "ذُرّيتنا". قال القرطبي رحمه الله تعالى: أجاب بعضهم عن هذا الإشكال فقال: إنهما لما قالا "وَتُبْ علينا" وهم أنبياء معصومون إنما طلبا التثبيت والدوام؛ لأنهما كان لهما ذنب. قال القرطبي: وهذا حسن، وأحسن منه أن يقال: إنهما لما عرفا المَنَاسك وبنيا البيت أراد أن يبيّنا للناس، ويعرفاهم أن ذلك الموقف وتلك المواضع مكان التنصُّل من الذنوب وطلب التوبة. فصل فيمن استدل بالآية على خلق الأفعال لله تعالى دلّت الآية الكريمة على أن فعل العبد خلق الله ـ تعالى ـ لأنه عليه الصلاة والسلام طلب من الله ـ تعالى ـ أن يتوب عليه، فلو كانت التوبة مخلوقة للعبد، لكان طلبها من الله ـ تعالى ـ [مُحَالاً وجهلاً. قالت المعتزلة: هذا معارض بما أن الله ـ تعالى ـ] طلب التوبة منا. [فقال] {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً}تفسير : [التحريم:8] {يا أيها.. توبة نصوحا} ولو كانت فعلاً لله تعالى، لكان طلبها من العبد محالاً وجهلاً، وإذا ثبت ذلك حمل قوله: "وَتُبْ عَلَيْنَا" على التوفيق، وفعل الألطاف، أو على قبول التوبة من العبد. والجواب: [قال ابن الخَطِيْب] متى لم يخلق الله ـ تعالى ـ داعيةً موجبة للتوبة استحال حصول التوبة، فكانت التوبة من الله ـ تعالى ـ لا من العَبْدِ، وتقرير دليل الداعي قد تقدم غير مرّة. فصل في معنى التوبة اعلم أن التوبة هي الرجوع، فمعنى توبة الله ـ تعالى ـ أن يرجع برضاه وتوحيده عليهم، ومعنى توبة العبد أن يرجع عما ارتكبه من المَعَاصي، فمتعلّق التوبة مختلف، وإذا اختلفت التعلّقات ضعفت دلالة الآية الكريمة على مذهب أهل السّنة. فصل في الدعاء قال بعضهم: إذا أراد الله من العبد أن يجيب دعاءه، فليدع بأسماء الله المناسبة لذلك الدعاء، فإن كان الدعاء للرحمة والمغفرة، فليدع باسم الغفار والتواب والرحيم وما أشبهه، وإن كان دعاؤه لشر، فليدع بالعزيز والمنتقم، وبما يناسبه. وتقدم الكلام على قوله: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ}.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: القواعد أساس البيت. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن أبي حاتم والجندي وابن مردويه والحاكم والبيهقي في الدلائل عن سعيد بن جبير أنه قال: سلوني يا معشر الشباب فإني قد أوشكت أن أذهب من بين أظهركم، فأكثر الناس مسألته فقال له رجل: أصلحك الله أرأيت المقام أهو كما نتحدث؟ قال: وماذا كنت تتحدث؟ قال: كنا نقول أن إبراهيم حين جاء عرضت عليه امرأة اسماعيل النزول فأبى أن ينزل، فجاءت بهذا الحجر فقال: ليس كذلك فقال سعيد بن جبير: قال ابن عباس: إن أوّل من اتخذ المناطق من النساء أم اسماعيل، اتخذت منطقاً لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها اسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء، فوضعهما هنالك ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقاً فتبعته أم اسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنس ولا شيء؟ قالت له ذلك مراراً وجعل لا يلتفت إليهما. قالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً لا يضيعنا، ثم رجعت. فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه قال {أية : ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون} تفسير : [إبراهيم: 37] وجعلت أم اسماعيل ترضع اسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال: يتلبط. فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإِنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم"حديث : فلذلك سعى الناس بينهما ". تفسير : فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه، تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت صوتاً أيضاً فقالت: قد اسمعت ان كان عندك غواث، فإذا هي بالملك موضع زمزم، فَنَحَت بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت تخوضه بيدها وتغرف من الماء في سقائها وهي تفور بعدما تغرف. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : يرحم الله أم اسماعيل لو تركت زمزم - أو قال - لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً معيناً فشربت وأرضعت ولدها ". تفسير : فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن ههنا بيتاً لله عز وجل يبنيه هذا الغلام وأبوه، وأن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كذا، فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائراً عائفاً فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على الماء لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء...! فأرسلوا جرياً أو جريين فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا قال: وأم اسماعيل عند الماء. فقالوا به: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم. قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم"حديث : فألفى ذلك أم اسماعيل وهي تحب الأنس ". تفسير : فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلمّا أدرك زوجوه امرأة منهم وماتت أم اسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج اسماعيل يطالع تركته فلم يجد اسماعيل، فسأل زوجته عنه...! فقالت: خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحن بشر نحن في ضيق وشدة وشكت إليه قال: إذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئاً فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم. جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألني عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا في جهد وشدة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرىء عليك السلام، ويقول: غير عتبة بابك. قال: ذاك أبي وأمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك، فطلقها وتزوّج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد ذلك فلم يجده؟ فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على الله. فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. فقال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان لهم حب لدعا لهم فيه. قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه"تفسير : قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه يثبت عتبة بابه. فلما جاء اسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا بخير. قال: أما أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، وهو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي وأنت العتبة فأمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك واسماعيل يبري نبلاً تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الولد بالوالد والوالد بالولد، ثم قال: يا اسماعيل إن الله أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك. قال: وتعينني...؟ قال: وأعينك... قال: فإن الله أمرني أن أبني ههنا بيتاً، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها قال: فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل اسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني واسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. قال معمر: وسمعت رجلاً يقول: كان إبراهيم يأتيهم على البراق قال معمر: وسمعت رجلاً يذكر أنهما حين التقيا بكيا حتى أجابتهما الطير. وأخرج ابن سعد في الطبقات عن أبي جهم بن حذيفة بن غانم قال: أوحى الله عز وجل إلى إبراهيم يأمره بالمسير إلى بلده الحرام، فركب إبراهيم البراق وجعل اسماعيل أمامه وهو ابن سنتين وهاجر خلفه، ومعه جبريل عليه السلام يدله على موضع البيت حتى قدم به مكة، فأنزل اسماعيل وأمه إلى جانب البيت، ثم انصرف إبراهيم إلى الشام، ثم أوحى الله إلى إبراهيم أن يبني البيت، وهو يومئذ ابن مائة سنة واسماعيل يومئذ ابن ثلاثين فبناه معه، وتوفي اسماعيل بعد أبيه فدفن داخل الحجر مما يلي الكعبة مع أمه هاجر، وولي ثابت بن اسماعيل البيت بعد أبيه مع أخواله جرهم. وأخرج الديلمي عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت...} الآية. قال "حديث : جاءت سحابة على تربيع البيت لها رأس تتكلم، ارتفاع البيت على تربيعي فرفعاه على تربيعها ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة واسحق بن راهويه في مسنده وعبد بن حميد والحرث بن أبي أسامة وابن جرير وابن أبي حاتم والأزرقي والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل من طريق خالد بن عرعرة عن علي بن أبي طالب. أن رجلاً قال له: ألا تخبرني عن البيت أهو أول بيت وضع في الأرض؟ قال: لا، ولكنه أول بيت وضع للناس فيه البركة والهدى، ومقام إبراهيم، ومن دخله كان آمناً، ثم حدث أن إبراهيم لما أمر ببناء البيت ضاق به ذرعاً فلم يدر كيف يبنيه، فأرسل الله إليه السكينة - وهي ريح خجوج ولها رأسان - فتطوّقت له على موضع البيت، وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة فبنى إبراهيم، فلمّا بلغ موضع الحجر قال لاسماعيل: اذهب فالتمس لي حجراً أضعه ههنا. فذهب اسماعيل يطوف في الجبال، فنزل جبريل بالحجر فوضعه، فجاء اسماعيل فقال: من أين هذا الحجر؟! قال: جاء به من لم يتكل على بنائي ولا بنائك، فلبث ما شاء الله أن يلبث ثم انهدم فبنته العمالقة، ثم انهدم فبنته جرهم، ثم انهدم فبنته قريش، فلما أرادوا أن يضعوا الحجر تشاحنوا في وضعه فقالوا: أول من يخرج من هذا الباب فهو يضعه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل باب بني شيبة، فأمر بثوب فبسط، فأخذ الحجر فوضعه في وسطه، وأمر من كل فخذ من أفخاذ قريش رجلاً يأخذ بناحية الثوب فرفعوه، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فوضعه في موضعه. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والأزرقي والحاكم من طريق سعيد بن المسيب عن علي قال: أقبل إبراهيم على أرمينية ومعه السكينة تدله على موضع البيت كما تبني العنكبوت بيتها، فحفر من تحت السكينة فأبدى عن قواعد البيت، ما يحرك القاعدة منها دون ثلاثين رجلاً. قلت: يا أبا محمد فان الله يقول {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت} قال: كان ذلك بعد. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله {يرفع إبراهيم القواعد} قال: القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر والجندي عن عطاء قال: قال آدم: أي رب ما لي لا أسمع أصوات الملائكة؟ قال: لخطيئتك، ولكن اهبط إلى الأرض فابن لي بيتاً ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء، فزعم الناس أنه بناه من خمسة جبال. من حراء، ولبنان، وطورزيتا، وطورسينا، والجودي، فكان هذا بناء آدم حتى بناه إبراهيم بعده. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: لما أهبط الله آدم من الجنة قال: إني مهبط معك بيتاً يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، ويصلى عنده كما يصلى عند عرشي، فلما كان زمن الطوفان رفعه الله إليه، فكانت الأنبياء يحجونه ولا يعلمون مكانه حتى بوّأه الله بعد لإِبراهيم وأعلمه مكانه فبناه من خمسة جبال: حراء، ولبنان، وثيبر، وجبل الطور، وجبل الحمر، وهو جبل بيت المقدس. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: وضع البيت على أركان الماء على أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت. وأخرج عبد الرزاق والأزرقي في تاريخ مكة والجندي عن مجاهد قال: خلق الله موضع البيت الحرام من قبل أن يخلق شيئاً من الأرض بألفي سنة، وأركانه في الأرض السابعة. وأخرج ابن أبي حاتم عن علياء بن أحمر أن ذا القرنين قدم مكة فوجد إبراهيم واسماعيل يبنيان قواعد البيت من خمسة جبال فقال: ما لكما ولأرضي؟! فقالا: نحن عبدان مأموران أمرنا ببناء هذه الكعبة. قال: فهاتا بالبينة على ما تدعيان. فقام خمسة أكبش فقلن: نحن نشهد أن إسمعيل وإبراهيم عبدان مأموران أمرا ببناء هذه الكعبة. فقال: قد رضيت وسلمت ثم مضى. وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن الحرم حرم بحياله إلى العرش، وذكر لنا أن البيت هبط مع آدم حين هبط قال الله له: اهبط معك بيتي يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، فطاف آدم حوله ومن كان بعده من المؤمنين، حتى إذا كان زمن الطوفان حين أغرق الله قوم نوح رفعه وطهره فلم تصبه عقوبة أهل الأرض، فتتبع منه آدم أثراً، فبناه على أساس قديم كان قبله. وأخرج ابن عساكر عن مجاهد قال: بني البيت من أربعة جبال. من حراء، وطورزيتا، وطورسينا، ولبنان. وأخرج البيهقي في الدلائل عن السدي قال: خرج آدم من الجنة ومعه حجر في يده وورق في الكف الآخر، فبث الورق في الهند فمنه ما ترون من الطيب، وأما الحجر فكان ياقوتة بيضاء يستضاء بها، فلما بنى إبراهيم البيت فبلغ موضع الحجر قال لاسماعيل: ائتني بحجر أضعه ههنا، فأتاه بحجر من الجبل، فقال: غير هذا. فرده مراراً لا يرضى ما يأتيه به، فذهب مرة وجاء جبريل عليه السلام بحجر من الهند الذي خرج به آدم من الجنة فوضعه، فلما جاء إسمعيل قال: من جاءك بهذا؟! قال: من هو أنشط منك. وأخرج الثعلبي قال: سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر محمد بن محمد بن أحمد القطان البلخي وكان عالماً بالقرآن يقول: كان إبراهيم عليه السلام يتكلم بالسريانية، وإسماعيل عليه السلام يتكلم بالعربية، وكل واحد منهما يعرف ما يقول صاحبه ولا يمكنه التفوّه به، فكان إبراهيم يقول لإِسماعيل: هل لي كثيباً - يعني ناولني حجراً - ويقول له إسماعيل: هاك الحجر فخذه. قال: فبقي موضع حجر فذهب إسماعيل يبغيه، فجاء جبريل عليه السلام بحجر من السماء، فأتى إسماعيل وقد ركب إبراهيم الحجر في موضعه فقال: يا أبت من أتاك بهذا؟! قال: أتاني به من لم يتكل على بنائك، فأتما البيت. فذلك قوله عز وجل {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} . وأخرج البيهقي عن ابن شهاب قال "لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلم أجمرت امرأة الكعبة، فطارت شرارة من مجمرتها في ثياب الكعبة فاحترقت فهدموها، حتى إذا بنوها فبلغوا موضع الركن اختصمت قريش في الركن أي القبائل تلي رفعه، فقالوا: تعالوا نحكم أول من يطلع علينا. فطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلام عليه وشاح نمرة، فحكموه فأمر بالركن فوضع في ثوب، ثم أخرج سيد كل قبيلة فأعطاه ناحية من الثوب، ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن فكان هو يضعه، ثم طفق لا يزداد على الألسن إلا رضي حتى دعوه الأمين قبل أن ينزل عليه الوحي، فطفقوا لا ينحرون جزوراً إلا التمسوه فيدعو لهم فيها". وأخرج أبو الوليد الأزرقي في تاريخ مكة عن سعيد بن المسيب قال: قال كعب الأحبار: كانت الكعبة غثاء على الماء قبل أن يخلق الله السموات والأرض بأربعين سنة، ومنها دحيت الأرض. وأخرج الأزرقي عن مجاهد قال: خلق الله هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرضين. وأخرج الأزرقي عن ابن عباس قال: لما كان العرش على الماء قبل أن يخلق الله السموات والأرض، بعث الله تعالى ريحاً هفافة فصفقت الريح الماء، فأبرزت عن حشفة في موضع البيت كأنها قبة، فدحا الله تعالى الأرض من تحتها، فمادت ثم مادت فأوتدها الله بالجبال، فكان أول جبل وضع فيه أبو قبيس، فلذلك سميت أم القرى. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: كان البيت على أربعة أركان في الماء قبل أن يخلق السموات والأرض، فدحيت الأرض من تحته. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: دحيت الأرض من تحت الكعبة. وأخرج الأرزقي عن علي بن الحسين. أن رجلاً سأله ما بدء هذا الطواف بهذا البيت؟ لم كان، وأنى كان، وحيث كان، فقال: اما بدء هذا الطواف بهذا البيت فإن الله تعالى قال للملائكة {أية : إني جاعل في الأرض خليفة}تفسير : [البقرة: 30] فقالت: رب أي خليفة من غيرنا ممن يفسد فيها ويسفك الدماء ويتحاسدون ويتباغضون؟! أي رب اجعل ذلك الخليفه منا فنحن لا نفسد فيها ولا نسفك الدماء ولا نتباغض ولا نتحاسد ولا نتباغى، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ونطيعك ولا نعصيك. قال الله تعالى {أية : إني أعلم ما لا تعلمون}تفسير : [البقرة: 30] قال: فظنت الملائكة أن ما قالوا رد على ربهم عز وجل، وإنه قد: غضب عليهم من قولهم فلاذوا بالعرش ورفعوا رؤوسهم وأشاروا بالأصابع يتضرعون ويبكون اشفاقاً لغضبه، فطافوا بالعرش ثلاث ساعات، فنظر الله إليهم فنزلت الرحمة عليهم، فوضع الله سبحانه تحت العرش بيتاً على أربع أساطين من زبرجد وغشاهن بياقوتة حمراء وسمي البيت الضراح، ثم قال الله للملائكة: طوفوا بهذا البيت ودعوا العرش، فطافت الملائكة بالبيت وتركوا العرش فصار أهون عليهم، وهو البيت المعمور الذي ذكره الله يدخله كل يوم وليلة سبعون ألف ملك لا يعودون فيه أبداً، ثم أن الله تعالى بعث ملائكته فقال: ابنوا لي بيتاً في الأرض بمثاله وقدره، فأمر الله سبحانه من في الأرض من خلقه أن يطوفوا بهذا البيت كما تطوف أهل السماء بالبيت المعمور. وأخرج الأزرقي عن ليث بن معاذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : هذا البيت خامس خمسة عشر بيتاً، سبعة منها في السماء وسبعة منها إلى تخوم الأرض السفلى، واعلاها الذي يلي العرش البيت المعمور، لكل بيت منها حرم كحرم هذا البيت، لو سقط منها بيت لسقط بعضها على بعض إلى تخوم الأرض السفلى، ولكل بيت من أهل السماء ومن أهل الأرض من يعمر كما يعمر هذا البيت ". تفسير : وأخرج الأزرقي عن عمرو بن يسار المكي قال: بلغني أن الله إذا أراد أن يبعث ملكاً من الملائكة لبعض أموره في الأرض استأذنه ذلك الملك في الطواف ببيته، فهبط الملك مهلاً. وأخرج ابن المنذر والأزرقي عن وهب بن منبه قال: لما تاب الله على آدم أمره أن يسير إلى مكة فطوى له المفاوز والأرض، فصار كل مفازة يمر بها خطوة وقبض له ما كان فيها من مخاض أو بحر فجعله له خطوة، فلم يضع قدمه في شيء من الأرض إلا صار عمراناً وبركة، حتى انتهى إلى مكة فكان قبل ذلك قد اشتد بكاؤه وحزنه لما كان به من عظم المصيبة، حتى أن كانت الملائكة لتبكي لبكائه وتحزن لحزنه، فعزاه الله بخيمة من خيام الجنة، وضعها له بمكة في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة. وتلك الخيمة ياقوتة حمراء من يواقيت الجنة، فيها ثلاث قناديل من ذهب، فيها نور يلتهب من نور الجنة، ونزل معها يومئذ الركن، وهو يومئذ ياقوتة بيضاء من ربض الجنة، وكان كرسياً لآدم يجلس عليه، فلما صار آدم بمكة حرسه الله وحرس له تلك الخيمة بالملائكة، كانوا يحرسونها ويذودون عنها سكان الأرض وساكنها يومئذ الجن والشياطين، ولا ينبغي لهم أن ينظروا إلى شيء من الجنة لأنه من نظر إلى شيء من الجنة وجبت له، والأرض يومئذ طاهرة نقية طيبة لم تنجس، ولم يسفك فيها الدم، ولم يعمل فيها بالخطايا، فلذلك جعلها الله مسكن الملائكة، وجعلهم فيها كما كانوا في السماء يسبحون الليل والنهار لا يفترون. وكان وقوفهم على أعلام الحرم صفاً واحداً مستدبرين بالحرم كله من خلفهم والحرم كله من أمامهم، ولا يجوزهم جني ولا شيطان من أجل مقام الملائكة حرم الحرم حتى اليوم، ووضعت أعلامه حيث كان مقام الملائكة، وحرم الله على حوّاء دخول الحرم والنظر إلى خيمة آدم من أجل خطيئتها التي أخطأت في الجنة، فلم تنظر إلى شيء من ذلك حتى قبضت، وأن آدم إذا أراد لقاءها ليلة ليلم بها للولد خرج من الحرم كله حتى يلقاها، فلم تزل خيمة آدم مكانها حتى قبض الله آدم ورفعها الله إليه، وبنى بنو آدم بها من بعدها مكانها بيتاً بالطين والحجارة، فلم يزل معموراً يعمرونه ومن بعدهم حتى كان زمن نوح، فنسفه الغرق وخفي مكانه، فلما بعث الله إبراهيم خليله طلب الأساس الأول الذي وضع بنو آدم في موضع الخيمة، فلم يزل يحفر حتى وصل إلى القواعد التي وضع بنو آدم في موضع الخيمة، فلما وصل إليها ظلل الله له مكان البيت بغمامة، فكانت حفاف البيت الأول، فلم تزل راكدة على حفافه تظل إبراهيم وتهديه مكان القواعد حتى رفع القواعد قامة، ثم انكشفت الغمامة فذلك قوله عز وجل{أية : وإذ بوأنا لإِبراهيم مكان البيت} تفسير : [الحج: 26] للغمامة التي ركدت على الحفاف لتهديه مكان القواعد، فلم يزل يحمد الله مذ رفعه الله معموراً. قال وهب بن منبه: وقرأت في كتاب من كتب الأول ذكر فيه أمر الكعبة، فوجد فيه أن ليس من ملك بعثه الله إلى الأرض إلا أمره بزيارة البيت، فينقض من عند العرش محرماً ملبياً حتى يستلم الحجر، ثم يطوف سبعاً بالبيت ويصلي في جوفه ركعتين، ثم يصعد. وأخرج الجندي في فضائل مكة عن وهب بن منبه قال: ما بعث الله ملكاً قط ولا سحابة، فيمر حيث بعث حتى يطوف بالبيت ثم يمضي حيث أمر. وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : بعث الله جبريل إلى آدم وحواء فقال لهما: ابنيا بيتاً. فخط لهما جبريل، فجعل آدم يحفر وحواء تنقل حتى أجابه الماء نودي من تحته: حسبك يا آدم. فلما بنياه أوحى الله إليه: أن يطوف به، وقيل له: أنت أول الناس وهذا أول بيت، ثم تناسخت القرون حتى حجة نوح، ثم تناسخت القرون حتى رفع إبراهيم القواعد منه ". تفسير : وأخرج ابن إسحاق والأزرقي والبيهقي في الدلائل عن عروة قال: ما من نبي إلا وقد حج البيت إلا ما كان من هود وصالح، ولقد حجه نوح فلما كان في الأرض ما كان من الغرق أصاب البيت ما أصاب الأرض، وكان البيت ربوة حمراء فبعث الله عز وجل هوداً، فتشاغل بأمر قومه حتى قبضه الله إليه، فلم يحجه حتى مات، فلما بوأه الله لإِبراهيم عليه السلام حجه، ثم لم يبق نبي بعده إلا حجه. وأخرج أحمد في الزهد عن مجاهد قال: حج البيت سبعون نبياً، منهم موسى بن عمران عليه عباءتان قطوانيتان، ومنهم يونس يقول: لبيك كاشف الكرب. وأخرج الأزرقي وأبو الشيخ في العظمة وابن عساكر عن ابن عباس قال: لما أهبط الله آدم إلى الأرض من الجنة كان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، وهو مثل الفلك من رعدته، فطأطأ الله منه إلى ستين ذراعاً فقال: يا رب ما لي لا أسمع أصوات الملائكة ولا حسهم؟ قال: خطيئتك يا آدم ولكن اذهب فابن لي بيتاً فطف به، واذكرني حوله كنحو ما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي، فأقبل آدم يتخطى فطويت له الأرض، وقبض الله له المفاوز فصارت كل مفازة يمر بها خطوة، وقبض الله ما كان فيها من مخاض أو بحر، فجعله له خطوة ولم يقع قدمه في شيء من الأرض إلا صار عمراناً وبركة، حتى انتهى إلى مكة فبنى البيت الحرام، وأن جبريل عليه السلام ضرب بجناحه الأرض، فأبرز عن أس ثابت على الأرض السابعة، فقذفت فيه الملائكة الصخر، ما يطيق الصخرة منها ثلاثون رجلاً، وأنه بناه من خمسة أجبل: من لبنان، وطورزيتا، وطورسينا، والجودي، وحراء، حتى استوى على وجه الأرض، فكان أول من أسس البيت وصلى فيه وطاف به آدم عليه السلام، حتى بعث الله الطوفان فكان غضباً ورجساً، فحيثما انتهى الطوفان ذهب ريح آدم عليه السلام، ولم يقرب الطوفان أرض السند والهند، فدرس موضعه الطوفان حتى بعث الله إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، فرفعا قواعده وأعلامه، ثم بنته قريش بعد ذلك وهو بحذاء البيت المعمور، لو سقط ما سقط إلا عليه. وأخرج الأزرقي عن ابن عباس قال: لما أهبط الله آدم إلى الأرض أهبطه إلى موضع البيت الحرام وهو مثل الفلك من رعدته، ثم أنزل عليه الحجر الأسود وهو يتلألأ من شدة بياضه، فأخذه آدم فضمه إليه آنساً به، ثم نزل عليه القضاء فقيل له: تخط يا آدم، فتخطى فإذا هو بأرض الهند أو السند فمكث بذلك ما شاء الله، ثم استوحش إلى الركن فقيل له: احجج. فحج فلقيته الملائكة فقالوا: برّ حجك يا آدم، ولقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. وأخرج الأزرقي عن أبان. أن البيت أهبط ياقوتة واحدة، أو ذرة واحدة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان البيت من ياقوتة حمراء، ويقولون: من زمردة خضراء. وأخرج الأزرقي عن عطاء بن أبي رباح قال: لما بنى ابن الزبير الكعبة أمر العمال أن يبلغوا في الأرض، فبلغوا صخراً أمثال الإِبل الخلف قال زيد: فاحفروا فلما زادوا بلغوا هواء من نار يلقاهم فقال: مالكم؟! قالوا: لسنا نستطيع أن نزيد رأينا أمراً عظيماً، فقال لهم: ابنوا عليه. قال عطاء: يروون أن ذلك الصخر مما بنى آدم عليه السلام. وأخرج الأزرقي عن عبيد الله بن أبي زياد قال: لما أهبط الله آدم من الجنة قال: يا آدم ابن لي بيتاً بحذاء بيتي الذي في السماء، تتعبد فيه أنت وولدك كما يتعبد ملائكتي حول عرشي، فهبطت عليه الملائكة فحفر حتى بلغ الأرض السابعة، فقذف فيه الملائكة الصخر حتى أشرف على وجه الأرض، وهبط آدم بياقوتة حمراء مجوفة لها أربعة أركان بيض فوضعها على الأساس، فلم تزل الياقوتة كذلك حتى كان زمن الغرق فرفعها الله. وأخرج الأزرقي عن عثمان بن ساج قال: أخبرني سعيد أن آدم عليه السلام حج على رجليه سبعين حجة ماشياً، وأن الملائكة لقيته بالمأزمين فقالوا: برَّ حجك يا آدم، أما أنا قد حججنا قبلك بألفي عام. وأخرج الأزرقي عن مقاتل يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم. أن آدم عليه السلام قال: أي رب أني أعرف شقوتي لا أرى شيئاً من نورك بعد، فأنزل الله عليه البيت الحرام على عرض البيت الذي في السماء وموضعه من ياقوت الجنة، ولكن طوله ما بين السّماء والأرض، وأمره أن يطوف به فأذهب عنه الهم الذي كان قبل ذلك، ثم رفع على عهد نوح عليه السلام. وأخرج الأزرقي من طريق ابن جريج عن مجاهد قال: بلغني أنه لما خلق الله السموات والأرض كان أوّل شيء وضعه فيها البيت الحرام، وهو يومئذ ياقوتة حمراء جوفاء لها بابان أحدهما شرقي والآخر غربي، فجعله مستقبل البيت المعمور، فلما كان زمن الغرق رفع في ديباجتين فهو فيهما إلى يوم القيامة، واستودع الله الركن أبا قبيس قال ابن عباس: كان ذهباً فرفع في زمان الغرق. قال ابن جريج: قال جويبر: كان بمكة البيت المعمور، فرفع زمن الغرق فهو في السماء. وأخرج الأزرقي عن عروة بن الزبير قال: بلغني أن البيت وضع لآدم عليه السّلام يطوف به ويعبد الله عنده، وأن نوحاً قد حجه وجاءه وعظمه قبل الغرق، فلما أصاب الأرض من الغرق حين أهلك الله قوم نوح أصاب البيت ما أصاب الأرض، فكان ربوة حمراء معروف مكانه، فبعث الله هوداً إلى عاد فتشاغل بأمر قومه حتى هلك ولم يحجه، ثم بعث الله صالحاً إلى ثمود فتشاغل حتى هلك ولم يحجه، ثم بوّأه الله لإِبراهيم عليه السلام فحجه وعلم مناسكه ودعا إلى زيارته، ثم لم يبعث الله نبياً بعد إبراهيم إلا حجه. وأخرج الأزرقي عن أبي قلابة قال: قال الله لآدم: إني مهبط معك بيتي يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، ويصلى عنده كما يصلى عند عرشي، فلم يزل حتى كان زمن الطوفان، فرفع حتى بوّئ لإِبراهيم مكانه فبناه من خمسة جبال. من حراء، وثبير، ولبنان، والطور، والجبل الأحمر. وأخرج الجندي عن معمر قال: إن سفينة نوح طافت بالبيت سبعاً حتى إذا غرق قوم نوح رفعه وبقي أساسه، فبوّأه الله لإِبراهيم فبناه بعد ذلك. وذلك قوله تعالى {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} واستودع الركن أبا قبيس حتى إذا كان بناء إبراهيم نادى أبو قبيس إبراهيم فقال يا إبراهيم: هذا الركن فجاء فحفر عنه فجعله في البيت حين بناه إبراهيم عليه السلام. وأخرج الأصبهاني في ترغيبه وابن عساكر عن أنس. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أوحى الله إلى آدم حج هذا البيت قبل أن يحدث بك حدث. قال: وما يحدث علي يا رب؟ قال: ما لا تدري وهو الموت. قال: وما الموت؟ قال: سوف تذوق. قال: ومن أستخلف في أهلي؟ قال: أعرض ذلك على السموات والأرض والجبال، فعرض على السموات فأبت، وعرض على الأرض فأبت، وعرض على الجبال فأبت، وقبله ابنه قاتل أخيه، فخرج آدم من أرض الهند حاجاً، فما نزل منزلاً أكل فيه وشرب إلا صار عمراناً بعده، وقرى حتى قدم مكة فاستقبلته الملائكة بالبطحاء، فقالوا: السلام عليك يا آدم، برّ حجك. أما إنا قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "والبيت يومئذ ياقوتة حمراء جوفاء لها بابان، من يطوف يرى من جوف البيت، ومن في جوف البيت يرى من يطوف" فقضى آدم نسكه، فأوحى الله إليه: يا آدم قضيت نسكك؟ قال: نعم، يا رب قال: فسل حاجتك تعط. قال: حاجتي أن تغفر لي ذنبي وذنب ولدي. قال: أما ذنبك يا آدم فقد غفرناه حين وقعت بذنبك، وأما ذنب ولدك فمن عرفني وآمن بي وصدق رسلي وكتابي غفرنا له ذنبه ". تفسير : وأخرج ابن خزيمة وأبو الشيخ في العظمة والديلمي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن آدم أتى هذا البيت ألف أتية، لم يركب قط فيهن من الهند على رجليه، من ذلك ثلثمائة حجة وسبعمائة عمرة، وأول حجة حجها آدم وهو واقف بعرفات أتاه جبريل فقال: يا آدم برّ نسكك، أما إنا قد طفنا بهذا البيت قبل أن تخلق بخمسين ألف سنة ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: أول من طاف بالبيت الملائكة، وأن ما بين الحجر إلى الركن اليماني لقبور من قبور الأنبياء، كان النبي منهم عليهم السلام، إذا آذاه قومه خرج من بين أظهرهم فعبد الله فيها حتى يموت. وأخرج الأزرقي والبيهقي في شعب الإِيمان عن وهب بن منبه "أن آدم لما أهبط إلى الأرض استوحش فيها لما رأى من سعتها، ولم ير فيها أحداً غيره فقال: يا رب أما لأرضك هذه عامر يسبحك فيها ويقدس لك غيري؟! قال الله: إني سأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدي ويقدس لي، وسأجعل فيها بيوتاً ترفع لذكري فيسبح فيها خلقي، وسأبوّئك فيها بيتاً أختاره لنفسي، وأخصه بكرامتي، وأوثره على بيوت الأرض كلها باسمي، واسميه بيتي، أنطقه بعظمتي، وأحوزه بحرمتي، واجعله أحق البيوت كلها، وأولاها بذكري، وأضعه في البقعة المباركة التي اخترت لنفسي، فإني اخترت مكانه يوم خلقت السموات والأرض، وقبل ذلك قد كان بغيتي فهو صفوتي من البيوت ولست أسكنه، وليس ينبغي أن أسكن البيوت، ولا ينبغي لها أن تحملني، اجعل ذلك البيت لك ومن بعدك حرماً وأمنا، احرم بحرمته ما فوقه وما تحته وما حوله، حرمه بحرمتي فقد عظم حرمتي، ومن أجله فقد أباح حرمتي، من أمن أهله استوجب بذلك أماني، ومن أخافهم فقد أخفرني في ذمتي، ومن عظم شأنه فقد عظم في عيني، ومن تهاون به صغر عندي. ولكل ملك حيازة، وبطن مكة حوزتي التي اخترت لنفسي دون خلقي، فأنا الله ذو بكة، أهلها خفرتي وجيران بيتي، وعمارها وزوّارها وفدي وأضيافي وضماني وذمتي وجواري، أجعله أول بيت وضع للناس، وأعمره بأهل السماء وأهل الأرض يأتونه أفواجاً شعثاً غبراً على كل ضامر يأتين من كل فج عميق، يعجون بالتكبير عجيجاً، يرجون بالتلبية رجيجاً، فمن اعتمره وحق الكريم أن يكرم وفده وأضيافه وزوّاره، وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته تعمره يا آدم ما كنت حياً، ثم يعمره من بعدك الأمم والقرون والأنبياء من ولدك، أمة بعد أمة، وقرناً بعد قرن، ونبياً بعد نبي، حتى ينتهي ذلك إلى نبي من ولدك يقال له محمد وهو خاتم النبيين، فاجعله من عماره وسكانه وحماته وولاته وحجابه وسقاته، يكون أميني عليه ما كان حياً، فإذا انقلب إليّ وجدني قد ادخرت له من أجره ونصيبه ما يتمكن به من القربة إلي والوسيلة عندي، وأفضل المنازل في دار المقامة. وأجعل اسم ذلك البيت وذكره وشرفه ومجده وسناه مكرمة لنبي من ولدك يكون قبيل هذا النبي وهو أبوه يقال له إبراهيم، أرفع له قواعده، وأقضي على يديه عمارته، وأنيط له سقايته، وأريه حله وحرمه ومواقفه، وأعلمه مشاعره ومناسكه، واجعله أمة واحدة قانتاً بأمري داعياً إلى سبيلي، واجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم. أبتليه فيصبر، وأعافيه فيشكر، وآمره فيفعل، وينذر لي فيفي، ويعدني فينجز، أستجيب دعوته في ولده وذريته من بعده، وأشفعه فيهم وأجعلهم أهل ذلك البيت وحماته وسقاته وخدمه وخزنته وحجابه، حتى يبتدعوا ويغيروا ويبدلوا. فإذا فعلوا ذلك فأنا أقدر القادرين على أن أستبدل من أشاء بمن أشاء، وأجعل إبراهيم إما ذلك وأهل تلك الشريعة، يأتمُّ به من حضر تلك المواطن من جميع الإِنس والجن، يطأون فيها آثاره، ويتبعون فيها سنته، ويقتدون فيها بهديه، فمن فعل ذلك منهم أوفى بنذره، واستكمل نسكه، وأصاب بغيته، ومن لم يفعل ذلك منهم ضيع نسكه، وأخطأ بغيته، ولم يوف بنذره. فمن سأل عني يومئذ في تلك المواطن أين أنا؟ فأنا مع الشعث الغبر الموبقين الموفين بنذرهم، المستكملين مناسكهم، المتبتلين إلى ربهم الذي يعلم ما يبدون وما يكتمون. وأخرجه الجندي عن عكرمة ووهب بن منبه رفعاه إلى ابن عباس بمثله سواء". وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كان موضع البيت في زمن آدم عليه السلام شبراً أو أكثر علماً، فكانت الملائكة تحج إليه قبل آدم، ثم حج فاستقبلته الملائكة قالوا: يا آدم من أين جئت؟ قال: حججت البيت. فقالوا: قد حجته الملائكة قبلك بألفي عام ". تفسير : وأخرج البيهقي عن عطاء قال: أهبط آدم بالهند فقال: يا رب ما لي لا أسمع صوت الملائكة كما كنت أسمعها في الجنة؟! فقال له: لخطيئتك يا آدم، فانطلق فابن لي بيتاً فتطوّف به كما رأيتهم يتطوّفون. فانطلق حتى أتى مكة فبنى البيت، فكان موضع قدمي آدم قرى وأنهاراً وعمارة وما بين خطاه مفاوز، فحج آدم البيت من الهند أربعين سنة. وأخرج البيهقي عن وهب بن منبه قال: لما تاب الله على آدم وأمره أن يسير إلى مكة فطوى له الأرض حتى انتهى إلى مكّة، فلقيته الملائكة بالأبطح فرحبت به وقالت له: يا آدم إنا لننظرك برّ حجك، أما إنَّا قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام، وأمر الله جبريل فعلمه المناسك والمشاعر كلها، وانطلق به حتى أوقفه في عرفات والمزدلفة وبمنى وعلى الجمار، وأنزل عليه الصلاة والزكاة والصوم والاغتسال من الجنابة. قال: وكان البيت على عهد آدم ياقوتة حمراء يلتهب نوراً من ياقوت الجنة، لها بابان شرقي وغربي من ذهب من تبر الجنة، وكان فيها ثلاث قناديل من تبر الجنة، فيها نور يلتهب بابها بنجوم من ياقوت أبيض، والركن يومئذ نجم من نجومها ياقوتة بيضاء، فلم يزل على ذلك حتى كان في زمان نوح وكان الغرق، فرفع من الغرق فوضع تحت العرش ومكثت الأرض خراباً ألفي سنة. فلم يزل على ذلك حتى كان إبراهيم فأمره أن يبني بيتي، فجاءت السكينة كأنها سحابة فيها رأس تتكلم، لها وجه كوجه الإِنسان، فقالت: يا إبراهيم خذ قدر ظلي فابن عليه لا تزد شيئاً ولا تنقص. فأخذ إبراهيم قدر ظلها ثم بنى هو وإسمعيل البيت، ولم يجعل له سقفاً فكان الناس يلقون فيه الحلي والمتاع، حتى إذا كاد أن يمتلئ أنفذ له خمس نفر ليسرقوا ما فيه، فقام كل واحد على زاوية واقتحم الخامس فسقط على رأسه فهلك، وبعث الله عند ذلك حية بيضاء سوداء الرأس والذنب، فحرست البيت خمسمائة عام لا يقربه أحد إلا أهلكته، فلم يزل كذلك حتى بنته قريش. وأخرج الأزرقي والبيهقي عن عطاء. أن عمر بن الخطاب سأل كعباً فقال أخبرني عن هذا البيت ما كان أمره؟ فقال: إن هذا البيت أنزله الله من السماء ياقوتة حمراء مجوّفة مع آدم، فقال: يا آدم إن هذا بيتي فطف حوله وصلِّ حوله كما رأيت ملائكتي تطوف حول عرشي وتصلي، ونزلت معه الملائكة فرفعوا قواعده من حجارة، ثم وضع البيت على القواعد، فلما أغرق الله قوم نوح رفعه الله إلى السماء وبقيت قواعده. وأخرج البيهقي من طريق عطاء بن أبي رباح عن كعب الأحبار قال: شكت الكعبة إلى ربها وبكت إليه، فقالت: أي رب قلَّ زوّاري وجفاني الناس...! فقال الله لها: "إني محدث لك انجيلاً، وجاعل لك زوّاراً يحنون إليك حنين الحمامة إلى بيضاتها". وأخرج الأزرقي والبيهقي من طريق عبد الرحمن بن سابط عن عبدالله بن ضمرة السلولي قال: ما بين المقام إلى الركن إلى بئر زمزم إلى الحجر قبر سبعة وسبعين نبياً، جاؤوا حاجين فماتوا فقبروا هنالك. وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: أقبل تبَّع يريد الكعبة، حتى إذا كان بكراع الغميم بعث الله عليه ريحاً لا يكاد القائم يقوم إلا عصفته، وذهب القائم ليقعد فيصرع وقامت عليهم، ولقوا منها عناء، ودعا تبع حبريه فسألهما ما هذا الذي بعث عليَّ؟ قالا: أو تؤمننا؟ قال: أنتم آمنون. قالا: فإنك تريد بيتاً يمنعه الله ممن أراده. قال: فما يذهب هذا عني؟ قالا: تجرد في ثوبين، ثم تقول لبيك لبيك، ثم تدخل فتطوف بذلك البيت ولا تبيح أحداً من أهله. قال: فإن اجمعت على هذا ذهبت هذه الريح عني؟ قالا: نعم. فتجرد ثم لبى. قال ابن عباس: فأدبرت الريح كقطع الليل المظلم. وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: لما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة فقال "حديث : مرحباً بك من بيت، ما أعظمك وأعظم حرمتك، وللمؤمن أعظم عند الله حرمة منك ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أنه نظر إلى الكعبة فقال: لقد شرفك الله وكرمك، والمؤمن أعظم حرمة منك ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر قال "حديث : لما افتتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة استقبلها بوجهه، وقال: أنت حرام ما أعظم حرمتك، وأطيب ريحك، وأعظم حرمة عند الله منك المؤمن ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والأزرقي عن مكحول "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى البيت حين دخل مكة رفع يديه، وقال: اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه واعتمره تشريفاً وتعظيماً وتكريماً وبراً ". تفسير : وأخرج الشافعي في الأم عن ابن جريج "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت رفع يديه، وقال: اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتكريماً وتعظيماً ومهابة، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفاً وتكريماً وتعظيماً وبراً ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن للكعبة لساناً وشفتين، وقد اشتكت فقالت: يا رب قل عوّادي وقل زوّاري. فأوحى الله: أني خالق بشراً خشعاً سجداً، يحنون إليك كما تحن الحمامة إلى بيضها ". تفسير : وأخرج الأزرقي عن جابر الجزري قال: جلس كعب الأحبار أو سلمان الفارسي بفناء البيت فقال: شكت الكعبة إلى ربها ما نصب حولها من الأصنام وما استقسم به من الأزلام، فأوحى الله إليها: أني منزل نوراً، وخالق بشراً يحنون إليك حنين الحمام إلى بيضه، ويدفون إليك دفيف النسور. فقال له قائل: وهل لها لسان؟ قال: نعم، وأذنان وشفتان. وأخرج الأزرقي عن ابن عباس. أن جبريل وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه عصابة خضراء قد علاها الغبار، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما هذا الغبار الذي أرى على عصابتك؟ قال: إني زرت البيت فازدحمت الملائكة على الركن، فهذا الغبار الذي ترى مما تثير بأجنحتها ". تفسير : وأخرج الأزرقي عن أبي هريرة قال: حج آدم عليه السلام فقضى المناسك، فلما حج قال: يا رب إن لكل عامل أجراً قال الله تعالى: أما أنت يا آدم فقد غفرت لك، وأما ذريتك فمن جاء منهم هذا البيت فباء بذنبه غفرت له. فحج آدم عليه السلام فاستقبلته الملائكة بالردم، فقالت: بر حجك يا آدم، قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. قال: فما كنتم تقولون حوله؟ قالوا: كنا نقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. قال: فكان آدم إذا طاف يقول هؤلاء الكلمات، فكان طواف آدم سبع أسابيع بالليل وخمسة أسابيع بالنهار. وأخرج الأزرقي والجندي وابن عساكر عن ابن عباس قال: حج آدم فطاف بالبيت سبعاً، فلقيته الملائكة في الطواف فقالوا: بر حجك يا آدم، أما إنا قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. قال: فماذا كنتم تقولون في الطواف؟ قالوا: كنا نقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. قال آدم: فزيدوا فيها ولا حول ولا قوة إلا بالله، فزادت الملائكة فيها ذلك، ثم حج إبراهيم بعد بنائه البيت، فلقيته الملائكة في الطواف فسلموا عليه فقال لهم: ماذا كنتم تقولون في طوافكم؟ قالوا: كنا نقول قبل أبيك آدم سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فاعلمناه ذلك، فقال: زيدوا ولا حول ولا قوّة إلا بالله. فقال إبراهيم: زيدوا فيها العلي العظيم. فقالت الملائكة ذلك. وأخرج الجندي والديلمي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كان البيت قبل هبوط آدم ياقوتة من يواقيت الجنة، وكان له بابان من زمرد أخضر، باب شرقي وباب غربي، وفيه قناديل من الجنة، والبيت المعمور الذي في السماء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه إلى يوم القيامة حذاء الكعبة الحرام، وأن الله عز وجل لما أهبط آدم إلى موضع الكعبة وهو مثل الفلك من شدة رعدته، وأنزل عليه الحجر الأسود وهو يتلألأ كأنه بيضاء فأخذه آدم فضمه إليه استئناساً، ثم أخذ الله من بني آدم ميثاقهم فجعله في الحجر الأسود، ثم أنزل على آدم العصا، ثم قال: يا آدم تخط. فتخطى فإذا هو بأرض الهند، فمكث هناك ما شاء الله ثم استوحش إلى البيت، فقيل له: احجج يا آدم. فأقبل يتخطى، فصار كل موضع قدم قرية وما بين ذلك مفازة حتى قدم مكة، فلقيته الملائكة فقالوا: بر حجك يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. قال: فما كنتم تقولون حوله؟ قالوا: كنا نقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وكان آدم إذا طاف بالبيت قال هؤلاء الكلمات، وكان آدم يطوف سبعة أسابيع بالنهار ". تفسير : قال آدم: يا رب اجعل لهذا البيت عماراً يعمرونه من ذريتي، فأوحى الله تعالى أني معمره نبياً من ذريتك اسمه إبراهيم، اتخذه خليلاً أقضي على يديه عمارته، وأنيط له سقايته، وأريه حله وحرمه ومواقفه، واعلمه مشاعره ومناسكه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن آدم سأل ربه فقال: يا رب أسألك من حج هذا البيت من ذريتي لا يشرك بك شيئاً أن تلحقه بي في الجنة. فقال الله تعالى: يا آدم من مات في الحرم لا يشرك بي شيئاً بعثته آمنا يوم القيامة ". تفسير : وأخرج الجندي عن مجاهد. أن آدم طاف بالبيت، فلقيته الملائكة فصافحته وسلمت عليه، وقالت: بر حجك يا آدم، طف بهذا البيت فإنَّا قد طفناه قبلك بألفي عام. قال لهم آدم: فما كنتم تقولون في طوافكم؟ قالوا: كنا نقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. قال آدم: وأنا أزيد فيها ولا حول ولا قوّة إلا بالله. وأخرج الأزرقي عن مجاهد قال: كان موضع الكعبة قد خفي ودرس زمان الغرق فيما بين نوح وإبراهيم عليهما السلام، وكان موضعه أكمة حمراء مدرة لا تعلوها السيول، غير أن الناس يعلمون أن موضع البيت فيما هنالك ولا يثبت موضعه، وكان يأتيه المظلوم والمتعوذ من أقطار الأرض ويدعو عنده المكروب، فقل من دعا هنالك إلا استجيب له، فكان الناس يحجون إلى موضع البيت حتى بوأ الله مكانه لإِبراهيم عليه السلام، لما أراد من عمارة بيته واظهار دينه وشعائره، فلم يزل منذ اهبط الله آدم إلى الأرض معظماً محرماً بيته تتناسخه الأمم والملل أمة بعد أمة وملة بعد ملة. قال: وقد كانت الملائكة تحجه قبل ذلك. وأخرج الأزرقي عن عثمان بن ساج قال: بلغنا - والله أعلم - أن إبراهيم خليل الله عرج به إلى السماء، فنظر إلى الأرض مشارقها ومغاربها فاختار موضع الكعبة، فقالت له الملائكة: يا خليل الله اخترت حرم الله في الأرض، فبناه من حجارة سبعة أجبل ويقولون خمسة، فكانت الملائكة تأتي بالحجارة إلى إبراهيم عليه السلام من تلك الجبال. وأخرج الأزرقي عن مجاهد قال: أقبل إبراهيم عليه السلام والسكينه والصرد والملك من الشام، فقالت السكينة: يا أبراهيم ربض على البيت، فلذلك لا يطوف بالبيت ملك من جبابرة الملوك، ولا اعرابي نافر إلا وعليه السكينة والوقار. وأخرج الأزرقي عن بشر بن عاصم قال: أقبل إبراهيم من أرمينية معه السكينة والملك والصرد دليلاً، به يتبوّأ إبراهيم كما تتبوّأ العنكبوت بيتها، فرفع صخرة فما رفعها عنه إلا ثلاثون رجلاً، فقالت السكينة: ابن عليّ. فلذلك لا يدخله أعرابي نافر ولا جبار إلا رأيت عليه السكينة. وأخرج الأزرقي عن علي بن أبي طالب قال: اقبل إبراهيم والملك والسكينة والصرد دليلاً، حتى تبوّأ البيت كما تبوّأت العنكبوت بيتها، فحفر ما برز عن أسها أمثال خلف الإِبل لا يحرك الصخرة إلا ثلاثون رجلاً، ثم قال الله لإِبراهيم: قم فابن لي بيتاً. قال: يا رب وأين؟ قال: سنريك. فبعث الله سحابة فيها رأس يكلم إبراهيم، فقال: يا إبراهيم إن ربك يأمرك أن تخط قدر هذه السحابة، فجعل ينظر إليها ويأخذ قدرها. فقال له الرأس: أقد فعلت؟ قال: نعم. فارتفعت السحابة، فأبرز عن أس نابت من الأرض، فبناه إبراهيم عليه السلام. وأخرج الأزرقي عن قتادة في قوله {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت} قال: ذكر لنا أنه بناه من خمسة أجبل: من طور سينا، وطور زيتا، ولبنان، والجودي، وحراء، وذكر لنا أن قواعده من حراء. وأخرج الأزرقي عن الشعبي قال: لما أمر إبراهيم أن يبني البيت وانتهى إلى موضع الحجر قال لإِسماعيل: ائتني بحجر ليكون علماً للناس يبتدئون منه الطواف، فأتاه بحجر فلم يرضه، فأتى إبراهيم بهذا الحجر ثم قال: أتاني به من لم يكلني إلى حجرك. وأخرج الأزرقي عن عبد الله بن عمرو أن جبريل عليه السلام هو الذي نزل عليه بالحجر من الجنة، وأنه وصعه حيث رأيتم، وأنكم لن تزالوا بخير ما دام بين ظهرانيكم، فتمسكوا به ما استطعتم فإنه يوشك أن يجيء فيرجع به إلى حيث جاء به. وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن خزيمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضاً من اللبن، فسوّدته خطايا بني آدم ". تفسير : وأخرج البزار عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الحجر الأسود من حجارة الجنة ". تفسير : وأخرج الأزرقي والجندي عن مجاهد قال: الركن من الجنة، ولو لم يكن من الجنة لفني. وأخرج الأزرقي والجندي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لولا ما طبع من الركن من أنجاس الجاهلية وأرجاسها وأيدي الظلمة والأثمة لاستشفي به من كل عاهة، ولألقاه اليوم كهيئته يوم خلقه الله، وإنما غيره الله بالسواد لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة، وأنه لياقوتة بيضاء من ياقوت الجنة، فوضعه الله يومئذ لآدم حين أنزله في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة، والأرض يومئذ طاهرة لم يعمل فيها بشيء من المعاصي وليس لها أهل ينجسونها، ووضع لها صفاً من الملائكة على أطراف الحرم يحرسونه من جان الأرض، وسكانها يومئذ الجن وليس ينبغي لهم أن ينظروا إليه لأنه من الجنة، ومن نظر إلى الجنة دخلها، فهم على أطراف الحرم حيث أعلامه اليوم محدقون به من كل جانب بينه وبين الحرم ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن البيت الذي بوأه الله لآدم كان من ياقوتة حمراء لها بابان أحدهما شرقي والآخر غربي، فكان فيها قناديل من نور الجنة، آنيتها الذهب منظومة بنجوم من ياقوت أبيض، والركن يومئذ نجم من نجومه، ووضع لها صفاً من الملائكة على أطراف الحرم، فهم اليوم يذبون عنه لأنه شيء من الجنة، لا ينبغي أن ينظر إليه إلا من وجبت له الجنة ومن نظر إليها دخلها، وإنما سمي الحرم لأنهم لا يجاوزونه، وأن الله وضع البيت لآدم حيث وضعه والأرض يومئذ طاهرة لم يعمل عليها شيء من المعاصي، وليس لها أهل بنجسونها، وكان سكانها الجن ". تفسير : وأخرج الجندي عن ابن عباس قال: الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن لم يدرك بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستلم الحجر فقد بايع الله ورسوله. وأخرج الأزرقي والجندي عن ابن عباس قال: إن هذا الركن الأسود يمين الله في الأرض يصافح به عباده. وأخرج الأزرقي عن ابن عباس قال: ليس في الأرض من الجنة إلا الركن الأسود والمقام، فإنهما جوهرتان من جوهر الجنة، ولولا ما مسهما من أهل الشرك ما مسهما ذو عاهة إلا شفاه الله تعالى. وأخرج الأزرقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: نزل الركن وأنه لأشد بياضاً من الفضة، ولولا ما مسه من أنجاس الجاهلية وأرجاسهم ما مسه ذو عاهة إلا برىء. وأخرج الأزرقي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أكثروا استلام هذا الحجر فإنكم توشكون أن تفقدوه، بينما الناس يطوفون به ذات ليلة إذ أصبحوا وقد فقدوه، إن الله لا ينزل شيئاً من الجنة إلا أعاده فيها قبل يوم القيامة ". تفسير : وأخرج الأزرقي عن يوسف بن ماهك قال: إن الله جعل الركن عيد أهل هذه القبلة كما كانت المائدة عيداً لبني إسرائيل، وإنكم لن تزالوا بخير ما دام بين ظهرانيكم، وإن جبريل عليه السلام وضعه في مكانه. وأخرج الأزرقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إن الله يرفع القرآن من صدور الرجال والحجر الأسود قبل يوم القيامة. وأخرج الأزرقي عن مجاهد قال: كيف بكم إذا أسري بالقرآن فرفع من صدوركم، ونسخ من قلوبكم، ورفع الركن؟ وأخرج الأزرقي عن عثمان بن ساج قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أوّل ما يرفع الركن والقرآن ورؤيا النبي في المنام ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن عبد الله بن عمرو قال: حجوا هذا البيت واستلموا هذا الحجر، فوالله ليرفعن أو ليصيبنه أمر من السماء، إن كانا لحجرين أهبطا من الجنة فرفع أحدهما وسيرفع الآخر، وإن لم يكن كما قلت فمن مر على قبري فليقل هذا قبر عبد الله بن عمرو الكذاب". وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر قال: "حديث : استقبل النبي صلى الله عليه وسلم الحجر فاستلمه، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلاً، فالتفت فإذا بعمر يبكي فقال: يا عمر ههنا تسكب العبرات ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الحجر الأسود من حجارة الجنة، وما في الأرض من الجنة غيره وكان أبيض كالمهاة، ولولا ما مسه من رجس الجاهلية ما مسه ذو عاهة إلا برىء ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عمر قال: نزل الركن الأسود من السماء فوضع على أبي قبيس كأنه مهاة بيضاء، فمكث أربعين سنة ثم وضع على قواعد إبراهيم. وأخرج الأزرقي عن عكرمة قال: الركن ياقوتة من يواقيت الجنة وإلى الجنة مصيره. قال: وقال ابن عباس: لولا ما مسه من أيدي الجاهلية لأبرأ الأكمه والأبرص. وأخرج الأزرقي عن ابن عباس قال: أنزل الله الركن والمقام مع آدم عليه السلام ليلة نزل بين الركن والمقام، فلما أصبح رأى الركن والمقام فعرفهما فضمهما وأنس بهما. وأخرج الأزرقي عن أبيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الحجر الأسود نزل به ملك من السماء ". تفسير : وأخرج الأزرقي عن ابن عباس قال: أنزل الله الركن الأسود من الجنة وهو يتلألأ تلألؤاً من شدة بياضه، فأخذه آدم فضمه إليه آنساً به. وأخرج الأزرقي عن ابن عباس قال: نزل آدم من الجنة ومعه الحجر الأسود متأبطه، وهو ياقوتة من ياقوت الجنة، ولولا أن الله طمس ضوءه ما استطاع أحد أن ينظر إليه، ونزل بالباسة ونخلة العجوة. قال أبو محمد الخزاعي: الباسة آلات الصناع. وأخرج الأزرقي عن ابن عباس. أن عمر بن الخطاب سأل كعباً عن الحجر فقال: مروة من مرو الجنة. وأخرج الأزرقي عن ابن عباس قال: لولا أن الحجر تمسه الحائض وهي لا تشعر والجنب وهو لا يشعر، ما مسه أجذم ولا أبرص إلا برىء. وأخرج الأزرقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان الحجر الأسود أبيض كاللبن، وكان طوله كعظم الذراع وما اسود إلا من المشركين كانوا يمسحونه، ولولا ذلك ما مسه ذو عاهة إلا برىء. وأخرج الأزرقي عن عثمان بن ساج قال: أخبرني ابن نبيه الحجبي عن أمه أنها حدثته، أن أباها حدثها: أنه رأى الحجر قبل الحريق وهو أبيض يتراءى الإِنسان فيه وجهه. قال عثمان: وأخبرني زهير: أنه بلغه أن الحجر من رضراض ياقوت الجنة، وكان أبيض يتلألأ فسوّده ارجاس المشركين وسيعود إلى ما كان عليه، وهو يوم القيامة مثل أبي قبيس في العظم، له عينان ولسان وشفتان يشهد لمن استلمه بحق، ويشهد على من استلمه بغير حق. وأخرج ابن خزيمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الحجر الأسود ياقوتة بيضاء من يواقيت الجنة وإنما سوّدته خطايا المشركين، يبعث يوم القيامة مثل أحد يشهد لمن استلمه وقبله من أهل الدنيا ". تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الله يبعث الركن الأسود له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، ويشهد لمن استلمه بحق ". تفسير : وأخرج الأزرقي عن سلمان الفارسي قال: الركن من حجارة الجنة، أما والذي نفس سلمان بيده ليجيئن يوم القيامة له عينان ولسان وشفتان، يشهد لمن استلمه بالحق. وأخرج الأزرقي عن ابن عباس قال: الركن يمين الله في الأرض يصافح بها خلقه، والذي نفسي بيده ما من امرىء مسلم يسأل الله عنده شيئاً إلا أعطاه إياه. وأخرج ابن ماجة عن عطاء بن أبي رباح. أنه سئل عن الركن الأسود فقال: حدثني أبو هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"حديث : من فاوضه فإنما يفاوض يد الرحمن ". تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : إن لهذا الحجر لساناً وشفتين، يشهد لمن استلمه يوم القيامة بحق ". تفسير : وأخرج ابن خزيمة والطبراني في الأوسط والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يأتي الركن يوم القيامة أعظم من أبي قبيس له لسان وشفتان، يتكلم عمن استلمه بالنية، وهو يمين الله التي يصافح بها خلقه ". تفسير : واخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اشهدوا هذا الحجر خيراً فانه يأتي يوم القيامة، شافع مشفع، له لسان وشفتان يشهد لمن استلمه ". تفسير : وأخرج الجندي من طريق عطاء بن السائب عن محمد بن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : كان النبي من الأنبياء إذ هلكت أمته لحق بمكة فيتعبد فيها النبي ومن معه حتى يموت، فمات بها نوح وهود وصالح وشعيب عليهم السلام، وقبورهم بين زمزم والحجر ". تفسير : وأخرج الأزرقي والجندي من طريق عطاء بن السائب عن محمد بن سابط قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : مكة لا يسكنها سافك دم ولا تاجر بربا ولا مشاء بنميمة. قال: ودحيت الأرض من مكة وكانت الملائكة تطوف بالبيت وهي أول من طاف به، وهي الأرض من مكة وكانت الملائكة تطوف بالبيت وهي أول من طاف به، وهي الأرض التي قال الله {إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة: 30] وكان النبي من الأنبياء إذا هلك قومه فنجا هو والصالحون معه أتاها بمن معه فيعبدون الله حتى يموتوا فيها، وإن قبر نوح وهود وشعيب وصالح بين زمزم والركن والمقام ". تفسير : وأخرج الأزرقي عن مجاهد قال: حج موسى عليه السلام على جمل أحمر، فمر بالروحاء عليه عباءتان قطوانيتان، متزر باحداهما مرتد بالأخرى، فطاف بالبيت ثم طاف بين الصفا والمروة، فبينما هو يطوف ويلبي بين الصفا والمروة إذ سمع صوتاً من السماء، وهو يقول: لبيك عبدي أنا معك، فخر موسى عليه السلام ساجداً. وأخرج الأزرقي عن مقاتل قال: في المسجد الحرام بين زمزم والركن قبر سبعين نبياً، منهم هود وصالح وإسمعيل، وقبر آدم وإبراهيم وإسحق ويعقوب ويوسف في بيت المقدس. وأخرج الأزرقي والجندي عن ابن عباس قال: النظر إلى الكعبة مخض الإِيمان. وأخرج الأزرقي والجندي عن ابن المسيب قال: من نظر إلى الكعبة إيماناً وتصديقاً خرج من الخطايا كيوم ولدته أمه. وأخرج الأزرقي والجندي من طريق زهير بن محمد عن أبي السائب المدني قال: من نظر إلى الكعبة إيماناً وتصديقاً تحاتت ذنوبه كما يتحات الورق من الشجر. قال: والجالس في المسجد ينظر إلى البيت لا يطوف به ولا يصلي أفضل من المصلي في بيته لا ينظر إلى البيت. وأخرج ابن أبي شيبة والأزرقي والجندي والبيهقي في شعب الإِيمان عن عطاء قال: النظر إلى البيت عبادة، والناظر إلى البيت بمنزلة القائم الصائم المخبت المجاهد في سبيل الله. وأخرج الجندي عن عطاء قال: إن نظرة إلى هذا البيت في غير طواف ولا صلاة تعدل عبادة سنة، قيامها وركوعها وسجودها. وأخرج ابن أبي شيبة والجندي عن طاوس قال: النظر إلى هذا البيت أفضل من عبادة الصائم القائم الدائم المجاهد في سبيل الله. وأخرج الأزرقي عن إبراهيم النخعي قال: الناظر إلى الكعبة كالمجتهد في العبادة في غيرها من البلاد. وأخرج ابن أبي شيبة والأزرقي عن مجاهد قال: النظر إلى الكعبة عبادة. وأخرج الأزرقي والجندي وابن عدي والبيهقي في شعب الإِيمان وضعفه والأصبهاني في الترغيب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن لله في كل يوم وليلة عشرين ومائة رحمة، تنزل على هذا البيت ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين ". تفسير : وأخرج الجندي عن ابن مسعود قال: أكثروا بالبيت قبل أن يرفع وينسى الناس مكانه. وأخرج البزار في مسنده وابن خزيمة وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : استمتعوا بهذا البيت فقد هدم مرتين، ويرفع في الثالثة ". تفسير : وأخرج الجندي عن الزهري قال: "حديث : إذا كان يوم القيامة رفع الله الكعبة البيت الحرام إلى بيت المقدس، فمر بقبر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فيقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. فيقول صلى الله عليه وسلم: وعليك السلام يا كعبة الله، ما حال أمتي؟ فتقول: يا محمد أما من وفد إليّ من أمتك فأنا القائم بشأنه، وأما من لم يفد من أمتك فأنت القائم بشأنه "تفسير : . وأخرج أبو بكر الواسطي في فضائل بيت المقدس عن خالد بن معدان قال: لا تقوم الساعة حتى تزف الكعبة إلى الصخرة زف العروس، فيتعلق بها جميع من حج واعتمر، فإذا رأتها الصخرة قالت لها: مرحباً بالزائرة والمزورة إليها. وأخرج الواسطي عن كعب قال: لا تقوم الساعة حتى يزف البيت الحرام إلى بيت المقدس فينقادان إلى الجنة وفيهما أهلهما، والعرض والحساب ببيت المقدس. وأخرج ابن مردويه والأصبهاني في الترغيب والديلمي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا كان يوم القيامة زفت الكعبة البيت الحرام إلى قبري فتقول: السلام عليك يا محمد، فأقول: وعليك السلام يا بيت الله ما صنع بك أمتي بعدي؟ فتقول: يا محمد من أتاني فأنا أكفيه وأكون له شفيعاً، ومن لم يأتني فأنت تكفيه وتكون له شفيعاً ". تفسير : وأخرج الأزرقي عن أبي إسحق قال: بنى إبراهيم عليه السلام البيت وجعل طوله في السماء تسعة أذرع، وعرضه في الأرض اثنين وثلاثين ذراعاً، من الركن الأسود إلى الركن الشامي الذي عند الحجر من وجهه، وجعل عرض ما بين الركن الشامي إلى الركن الغربي الذي فيه الحجر اثنين وعشرين ذراعاً، وجعل طول ظهرها من الركن الغربي إلى الركن اليماني أحداً وثلاثين ذراعاً، وجعل عرض شقها اليماني من الركن الأسود إلى الركن اليماني عشرين ذراعاً. قال: فلذلك سميت الكعبة لأنها على خلقة الكعب. قال: وكذلك سنن أساس آدم، وجعل لها غلقاً فارسياً، وكساها كسوة تامة، ونحر عندها، وجعل إبراهيم عليه السلام الحجر إلى جنب البيت عريشاً من أراك تقتحمه العنز، فكان زرباً لغنم إسمعيل، وحفر إبراهيم جباً في بطن البيت على يمين، من دخله يكون خزانة للبيت يلقي فيه ما يهدى للكعبة، وكان الله استودع الركن أبا قبيس حين أغرق الله الأرض زمن نوح، وقال: إذا رأيت خليلي يبني بيتي، فأخرجه له فجاء به جبريل فوضعه في مكانه وبنى عليه إبراهيم، وهو حينئذ يتلألأ نوراً من شدة بياضه، وكان نوره يضيء إلى منتهى أنصاف الحرم من كل ناحية. قال: وإنما شدة سواده لأنه أصابه الحريق مرة بعد مرة في الجاهلية والإِسلام. وأخرج مالك والشافعي والبخاري ومسلم والنسائي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ألم تر إلى قومك حين بنوا الكعبة أقصروا عن قواعد إبراهيم؟فقلت: يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: لولا حدثان قومك بالكفر. فقال ابن عمر: ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم ". تفسير : وأخرج الأزرقي عن ابن جرير قال: كان ابن الزبير بنى الكعبة من الذرع على ما بناها إبراهيم عليه السلام. قال: وهي مكعبة على خلقة الكعب ولذلك سميت الكعبة. قال: ولم يكن إبراهيم سقف الكعبة ولا بناها بمدر، وإنما رضمها رضماً. وأخرج الأزرقي عن أبي المرتفع قال: كنا مع ابن الزبير في الحجر، فأول حجر من المنجنيق وقع في الكعبة سمعنا لها أنيناً كأنين المريض: آه آه. وأخرج الجندي عن مجاهد قال: رأيت الكعبة في النوم وهي تكلم النبي صلى الله عليه وسلم، وهي تقول: لئن لم تنته أمتك يا محمد عن المعاصي لأنتفضن حتى يصير كل حجر مني في مكان. وأخرج الجندي عن وهيب بن الورد قال: كنت أطوف أنا وسفيان بن سعيد الثوري ليلاً، فانقلب سفيان وبقيت في الطواف، فدخلت الحجر فصليت تحت الميزاب، فبينا أنا ساجد إذ سمعت كلاماً بين أستار الكعبة والحجارة، وهي تقول: يا جبريل أشكو إلى الله ثم إليك ما يفعل هؤلاء الطائفون حولي، تفكههم في الحديث ولغطهم وشؤمهم. قال وهيب: فأولت أن البيت يشكو إلى جبريل عليه السلام. وأما قوله تعالى: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} . أخرج الدارقطني عن ابن عباس قال: "حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: اللهم لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبل منا أنك أنت السميع العليم ". تفسير : وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش. أنه قرأ {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل يقولان ربنا تقبل منا} .
ابو السعود
تفسير : {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ} عطفٌ على ما قبله من قوله عز وعلا: {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ} على أحد الطريقين المذكورين في (وإذ جعلنا) وصيغةُ الاستقبال لحكايةِ الحالِ الماضيةِ لاستحضار صورتها العجيبةِ المنبثقة عن المعجزةِ الباهرةِ، والقواعدُ جمع قاعدة وهي الأساسُ صفةٌ غالبة من القعود بمعنى الثبات، ولعله مجازٌ من مقابل القيام ومنه قعدك الله، ورفعِه البناءَ عليها لأنه ينقُلها من هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاعِ، والمرتفعُ حقيقة وإن كان هو الذي بُني عليها لكنهما لمّا التأما صارا شيئاً واحداً فكأنها نمت وارتفعت، وقيل: المراد بها ساقاتُ البناء فإن كل ساقٍ قاعدةٌ لما يبنىٰ عليها ويرفعها بناءَ بعضِها على بعض، وقيل: المرادُ برفعها رفعُ مكانةِ البـيت وإظهارُ شرفِه ودعاءُ الناس إلى حجِّه، وفي إبهامها أولاً ثم تبـيـينِها من تفخيم شأنها ما لا يخفىٰ وقيل: المعنى وإذ يرفع إبراهيمُ ما قعد من البـيت واستوطأ، يعني يجعل هيئةَ القاعدةِ المستَوطَأةِ مرتفعةً عالية بالبناء، رُوي أن الله عز وجل أنزل البـيتَ ياقوتةً من يواقيت الجنة له بابانِ من زُمُرُّذ شرقي وغربـي وقال لآدمَ: أهبطتُ لك ما يُطاف به كما يطاف حول عرشي فتوجه آدمُ من أرضِ الهندِ إلى مكةَ ماشياً وتلقَتْه الملائكةُ فقالوا: بَرَّ حجَّك يا آدمُ لقد حجَجْنا هذا البـيتَ قبلك بألفي عام، وحج آدمُ عليه السلام أربعينَ حجةً من أرض الهند إلى مكةَ على رجليه فكان على ذلك إلى أن رفعه الله أيامَ الطوفان إلى السماءِ الرابعةِ فهو البـيتُ المعمور وكان موضعُه خالياً إلى زمن إبراهيمَ عليه السلام فأمره سبحانه ببنائه وعرَّفه جبريلُ عليه السلام بمكانه وقيل: بعث الله السكينةَ لتدلَّه عليه فتبعها إبراهيم عليه السلام حتى أتى مكة المعظّمة. وقيل: بعث الله سَحابةً على قدْرِ البـيت وسار إبراهيمُ في ظلها إلى أن وافت مكةَ المعظمةَ فوقفت على موضع البـيت فنُودي أنِ ابْنِ علىٰ ظلّها ولا تزدْ ولا تنقُصْ. وقيل: بناه من خمسة أجبُل: طورِ سَيْناء، وطورِ زيتا، ولبنانَ، والجُوديِّ وأسّسه من حِراءَ. وجاء جبريلُ عليه السلام بالحجر الأسود من السماء. وقيل: تمخّض أبو قُبَـيْس فانشقَّ عنه وقد خُبِىءَ فيه في أيام الطوفان وكان ياقوتةً بـيضاءَ من يواقيتِ الجنة فلما لمستْه الحُيَّضُ في الجاهلية اسودّ. وقال الفاسيّ في مثير الغرام في تاريخ البلد الحرام والذي يتحصل من جملة ما قيل في عدد بناء الكعبة أنها بنيت عشرَ مرات منها بناءُ الملائكة عليهم السلام ذكره النووي في تهذيب الأسماءِ واللغات والأزرقيُّ في تاريخه وذكر أنه كان قبل خلقِ آدمَ عليه السلام ومنها بناءُ آدمَ عليه السلام ذكره البـيهقي في دلائل النبوة وروىٰ فيه عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بعث الله عز وجل جبريلَ إلى آدمَ عليهما السلام فقال له ولحواءَ: ابنِيا لي بَـيْتاً فحطَّ جبريلُ وجعل آدمُ يحفِرُ وحواءُ تنقُل الترابَ حتى إذا أصاب الماء نودي من تحته حسبُك آدمُ فلما بنياه أوحىٰ إليه أن يطوفَ به فقيل له: أنت أولُ الناس وهذا أولُ بـيتٍ"تفسير : وهكذا ذكره الأزرقي في تاريخه وعبدُ الرزاق في مصنفه. ومنها بناءُ بني آدم عندما رُفعت الخيمة التي عزّى الله تعالى بها آدم عليه السلام وكانت ضُربت في موضع البـيت فبنى بنوه مكانَها بـيتاً من الطين والحجارة فلم يزل معموراً يعمرُونه هم ومن بعدهم إلى أن مسَّه الغرق في عهد نوح عليه السلام ذكره الأزرقيُّ بسنده إلى وهْب بن منبه ومنها بناءُ الخليل عليه السلام وهو منصوصٌ عليه في القرآن مشهور فيما بـين قاصٍ ودان ومنها بناءُ العمالقة ومنها بناء جُرْهُم ذكرهما الأزرقيُّ بسنده إلى علي بن أبـي طالب رضي الله عنه ومنها بناءُ قصيِّ بنِ كلاب ذكره الزبـيرُ بن بكار في كتاب النَّسَب. ومنها بناءُ قريشٍ وهو مشهور ومنها بناءُ عبد اللَّه بن الزبـير رضي الله عنهما ومنها بناءُ الحجاج بنِ يوسُفَ وما كان ذلك بناءً لكلِّها بل لجدار من جدرانها. وقال الحافظ السهيلي: إن بناءها لم يكن في الدهر إلا خمسَ مرات الأولى حين بناها شيْثُ عليه السلام انتهى والله سبحانه أعلم {وَإِسْمَـٰعِيلُ} عطف على إبراهيمَ ولعل تأخيرَه عن المفعول للإيذان بأن الأصلَ في الرفع هو إبراهيمُ وإسماعيلُ تبعٌ له قيل: إنه كان يناوله الحجارةَ وهو يبنيها وقيل: كانا يبنيانِه من طرَفيه {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} على إرادة القولِ أي يقولان وقد قرىء به على أنه حالٌ منهما عليهما السلام وقيل: على أنه هو العاملُ في إذْ والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها والتقديرُ ويقولان ربنا تقبلْ منا إذ يرفعان أيْ وقتَ رفعِهما، وقيل: وإسماعيلُ مبتدأٌ خبرُه قولٌ محذوفٌ وهو العامل في (ربنا تقبل منا) فيكون إبراهيمُ هو الرافعَ وإسماعيلُ هو الداعيَ، والجملةُ في محل النصبِ على الحالية أي وإذ يرفع إبراهيمُ القواعدَ والحالُ أن إسماعيلَ يقولُ: ربنا تقبل منا. والتعرضُ لوصف الربوبـية المنبئة عن إفاضة ما فيه صلاحُ المربوبِ مع الإضافة إلى ضميرهما عليهما السلام لتحريك سلسلةِ الإجابةِ، وتركُ مفعول تقبّل مع ذكره في قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء} تفسير : [إبراهيم، الآية 40] ليعُم الدعاءُ وغيره من القُرَب والطاعات التي من جملتها ما هما بصدده من الثناء كما يُعرب عنه جعلُ الجملة الدعائية حالية {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ} لجميع المسموعات التي من جملتها دعاؤُنا {ٱلْعَلِيمُ} بكل المعلومات التي من زُمرتها نياتُنا في جميع أعمالِنا، والجملة تعليلٌ لاستدعاء التقبّل لا من حيث إن كونَه تعالى سميعاً لدعائهما عليماً بنياتهما مصححٌ للتقبل في الجملة بل من حيث إن علمَه تعالى بصحة نياتهما وإخلاصِهما في أعمالهما مستدعٍ له بموجَب الوعدِ تفضُّلاً، وتأكيدُ الجملة لغرض كمالِ قوةِ يقينِهما بمضمونها، وقصرُ نعتي السمع والعلمِ عليه تعالى لإظهار اختصاصِ دعائهما به تعالى وانقطاعِ رجائهما عما سواه بالكلية. واعلم أن الظاهر أن أولَ ما جرى من الأمور المحكية هو الابتلاءُ وما يتبعه، ثم دعاءُ البلديةِ والأمنِ وما يتعلق به ثم رفعُ قواعدِ البـيت وما يتلوه ثم جعلُه مثابةً للناس والأمرُ بتطهيره، ولعل تغيـير الترتيب الوقوعيِّ في الحكاية لنظم الشؤون الصادرةِ عن جنابه تعالى في سلك مستقلٍ ونظمِ الأمور الواقعةِ من جهة إبراهيمَ وإسماعيلَ عليهما السلام من الأفعال والأقوال في سلك آخرَ. وأما قوله تعالى: ومن كفر الخ فإنما وقع في تضاعيف الأحوال المتعلقةِ بإبراهيم لاقتضاءِ المقام، واستيجابِ ما سبق من الكلام ذلك بحيث لم يكن بدٌّ منه أصلاً كما أن وقوعَ قوله عليه السلام: (ومن ذريتي) في خلال كلامِه سبحانه لذلك.
القشيري
تفسير : نجْحُ السؤال في صدق الابتهال؛ فلما فزعا إلى الخضوع في الدعاء أتاهما المدد، وتحقيق السؤال. {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ} لأقوالنا {ٱلْعَلِيمُ} بأحوالنا.
اسماعيل حقي
تفسير : {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت} حكاية حال ماضية حيث عبر بلفظ المضارع عن الرفع الواقع فى الزمان المتقدم على زمان نزول الوحى بان يقدر ذلك الرفع السابق واقعا فى الحال كأنك تصوره للمخاطب وتريه على وجه المشاهدة والعيان. والقواعد جمع قاعدة وهى فى الاصل صفة بمعنى الثابتة ثم صارت بالغلبة من قبيل الاسماء بحيث لا يذكر لها موصوف ولا يقدر ولعل لفظ القعود حقيقة فى الهيئة المقابلة للقيام ومستعار للثبات والاستقرار تشبيها له بها فى ان كلا منهما حالة مباينة للانتقال والنزول. وقوله من البيت حال من القواعد وكلمة من ابتدائية لا بيانية لعدم صحة ان يقال التى هى البيت. فان قلت رفع الشئ ان يفصل عن الارض ويجعل عاليا مرتفعا والاساس ابدا ثابت على الارض فما معنى رفعه. قلت المراد برفع الاساس البناء عليه وعبر عن البناء على الاساس برفعه لان البناء ينقله من هيئة الانخفاض الى هيئة الارتفاع فيوجد الرفع حقيقة الا ان اساس البيت واحد وعبر عنه بلفظ القواعد باعتبار اجزائه كأن كل جزء من الاساس اساس لما فوقه والمعنى واذكر يا محمد وقت رفع ابراهيم اساس البيت اى الكبعة {واسمعيل} ولده وكان له اربعة بنين اسماعيل واسحق ومدين ومداين وهو عطف على ابراهيم وتأخيره عن المفعول مع ان حق ما عطف على الفاعل ان يقدم على المفعول للايذان بان الاصل فى الرفع هو ابراهيم واسماعيل تبع له قيل انه كان يناوله الحجارة وهو يبنيها. واعلم ان رفع الاساس الذي هو البناء عليه يدل على ان البيت كان مؤسسا قبل ابراهيم وانه انما بنى على الاساس. واختلف الناس فيمن بنى البيت اولا وأسسه. فقيل هو الملائكة وذلك ان الله تعالى لما قال {أية : إنى جاعل فى الأارض خليفة} تفسير : [البقرة: 30] قالت الملائكة {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} تفسير : [البقرة: 30]. فغضب عليهم فعاذوا بعرشه وطافوا حوله سبعة اطواف يسترضون ربهم حتى رضى عنهم وقال لهم ابنوا لى بيتا فى الارض يتعوذ به من صخطت عليه من بنى آدم ويطوف حوله كما طفتم حول عرشى فأرضى عنهم فبنوا هذا البيت. وقيل ان الله بنى فى السماء بيتا وهو البيت المعمور ويسمى ضراحا وامر الملائكة ان يبنوا الكعبة فى الارض بحياله على قدره ومثاله. وقيل اول من بنى الكعبة آدم واندرست زمن الطوفان ثم اظهرها الله لابراهيم عليه السلام. روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما انه قال لما اهبط الله تعالى آدم من الجنة الى الارض قال له يا آدم اذهب فابن لى بيتا وطف به واذكرنى عنده كما رأيت الملائكة تصنع حول عرشى فاقبل آدم يتخطى وطويت له الارض وقبضت له المفاوز فلا يقع قدمه على شئ من الارض الا صار عامرا حتى انتهى الى موضع البيت الحرام وان جبرائيل ضرب بجناحه الارض فأبرز عن الاس الثابت على الارض السابعة السفلى وقدمت اليه الملائكة بالصخر فما يطيق حمل الصخرة منها ثلاثون رجلا وانه بناه من خمسة اجبل طور سيناء وطور زيتاء ولبنان وهو جبل بالشام والجودى وهو جبل بالجزيرة وحراء وهو جبل بمكة وكان ربضه من حراء اى الاساس المستدير بالبيت من الصخر فهذا بناء آدم. وروى ان الله خلق موضع البيت قبل الارض بالفى عام وكانت زبدة بيضاء على الماء فدحيت الارض من تحته فلما اهبط الله تعالى آدم الى الارض استوحش فشكا الى الله فانزل الله البيت المعمور من ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمرد اخضر باب شرقى وباب غربى فوضعه على موضع البيت وقال يا آدم انى اهبطت لك بيتا فطف به كما يطاف حول عرشى وصل عنده كما يصلى عند عرشى وانزل الحجر وكانت ابيض فاسود من لمس الحيض فى الجاهلية فتوجه آدم من ارض الهند الى مكة ماشيا وقيض الله له ملكا يدله على البيت. قيل لمجاهد لم لم يركب آدم من ارض الهند الى مكة قال وأى شئ كان يحمله ان خطوته مسيرة ثلاثة ايام فاتى مكة وحج البيت واقام المناسك فلما فرغ تلقته الملائكة فقالوا برّ حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بالفى عام قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما حج آدم اربعين حجة من الهند الى مكة على رجليه فبقى البيت يطوف به هو المؤمنون من ولده الى ايام الطوفان فرفعه الله فى تلك الايام الى السماء الرابعة يدخل كل يوم سبعون الف ملك ثم لا يعودون اليه وبعث الله جبرائيل حتى خبأ الحجر الاسود فى جبل ابى قبيس صيانة له من الغرق وكان موضع البيت خاليا الى زمن ابراهيم عليه السلام ثم ان الله امر ابراهيم ببناء بيت يذكر فيه فسأل الله تعالى ان يبين له موضعه فبعث الله السكينة لتدله على موضع البيت وهى ريح جوج لها رأسان شبه الحية وامر ابراهيم ان يبنى حيث استقر السكينة فتبعها ابراهيم حتى اتيا مكة فتطوت السكينة على موضع البيت اى تحوت وتجمعت واستدارت كتطوى الحجفة ودورانها فقالت لابراهيم ابن على موضعى الاساس فرفع البيت هو واسماعيل حتى انتهى الى موضع الحجر الاسود فقال لابنه يا بنى ائتنى بحجر ابيض حسن يكون للناس علما فاتاه بحجر فقال ائتنى باحسن من هذا فمضى اسماعيل يطلبه فصاح ابو قبيس يا ابراهيم ان لك عندى وديعة فخذها فاذا هو بحجر ابيض من ياقوت الجنة كان آدم قد نزل به من الجنة كما وجد فى بعض الروايات وانزله الله تعالى حين انزل البيت المعمور كما مر فاخذ ابراهيم ذلك الحجر فوضعه مكانه فلما رفع ابراهيم واسماعيل القواعد من البيت جاءت سحابة مربعة فيها رأس فنادت ان ارفعا على تربيعى فهذا بناء ابراهيم عليه السلام. وروى ان ابراهيم واسماعيل لما فرغا من بناء البيت اعطاهما الله تعالى الخيل جزاء معجلا على رفع قواعد البيت وكانت الخيل وحشية كسائر الوحوش فلما اذن الله لابراهيم واسماعيل برفع القواعد قال الله انى معطيكما كنزا ادخرته لكما ثم اوحى الى اسماعيل ان اخرج الى اجياد فادع يأتك الكنز فخرج الى اجياد ولا يدرى ما الدعاء ولا الكنز فالهمه الله فدعا فلم يبق على وجه الارض فرس بارض العرب الا جاءته فامكنه من ناصيتها وذللها له فاركبوها واعلفوها فانها ميامين وهى ميراث ابيكم اسماعيل وانما سمى الفرس عربيا لان اسماعيل هو الذى امر بدعائه وهو اتى اليه والعربى نسبة الى عربة بفتحتين وهى باحة العرب لان اباهم اسماعيل نشأ بها قيل كان ابراهيم يتكلم بالسريانية واسماعيل بالعربية وكل واحد منهما يفهم ما يقوله صاحبه ولا يمكنه التفوه به. واما بنيان قريش اياه فمشهور وخبر الحية فى ذلك مذكور وكانت تمنعهم من هدمه الى ان اجتمعت قريش فعجوا الى الله تعالى اى رفعوا اصواتهم وقالوا لم نراع وقد اردنا تشريف بيتك وتزيينه فان كنت ترضى بذلك وإلا فما بدا لك فافعل فاسمعوا خواتا فى السماء والخوات دوى جناح الطير الضخم اى صوته فاذا هم بطائر اعظم من النسر اسود الظهر ابيض البطن والرجلين فغمز مخالبه فى قفا الحية ثم انطلق بها تجر ذنبها اعظم من كذا وكذا حتى انطلق بها الى اجياد فهدمتها قريش وجعلوا يبنونها بحجارة الوادى تحملها قريش على رقابها فرفعوها فى السماء عشرين ذراعا. وذكر عن الزهرى انهم بنوها حتى اذا بلغوا موضع الركن اختصمت قريش فى الركن أى القبائل تلى رفعه حتى شجر بينهم فقالوا حتى نحكم اول من يطلع علينا من هذه السكة فاصطلحوا على ذلك فاطلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكموه فامر بالركن فوضع فى ثوب ثم امر سيد كل قبيلة فاعطاه ناحية من الثوب ثم ارتقى هو على البناء فرفعوا اليه الركن فاخذه من الثوب فوضعه فى مكانه قيل ان قريشا وجدوا فى الركن كتابا بالسريانية فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من اليهود فاذا فيه انا الله ذو مكة خلقتها يوم خلقت السموات والارض وصورت الشمس والقمر وحففتها بسبعة املاك احتفاء لا تزول حتى يزول اخشباها مبارك لاهلها فى الماء واللبن. وعن ابى جعفر كان باب الكعبة على عهد العماليق وجرهم وابراهيم بالارض حتى بنته قريش. وعن عائشة رضى الله تعالى عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجدار أمن البيت هو قال نعم قلت فلم لم يدخلوه قال ان قومك قصرت بهم النفقة قلت فما شأن بابه مرتفعا قال فعل ذلك قومك ولولا حدثانهم بالجاهلية لهدمت الكعبة فألزق بابها بالارض وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا وزدت فيها ستة اذرع من الحجر فان قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة فهذا بناء قريش ثم لما غزا اهل الشام عبد الله بن الزبير ووهت الكعبة من حريقهم هدمها ابن الزبير وبناها على ما اخبرته عائشة فجعل لها بابين بابا يدخلون منه وبابا يخرجون منه وزاد فيه مما يلى الحجر ست اذرع وكان طولها قبل ذلك ثمانى عشرة ذراعا ولما زاد فى البناء مما يلى الحجر استقصر ما كان من طولها تسع اذرع فلما قتل ابن الزبير امر الحجاج ان يقرر ما زاده ابن الزبير فى طولها وان ينقص ما زاده من الحجر ويردها الى ما بناها قريش وان يسد الباب الذى فتحه الى جانب الغرب. وروى ان هارون الرشيد ذكر لمالك بن انس انه يريد هدم ما بنى الحجاج من الكعبة وان يردها الى بناء ابن الزبير لما جاء عن النبى وامتثله ابن الزبير فقال له مالك ناشدتك الله يا امير المؤمنين ان لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك لا يشاء احد منهم الا نقض البيت وبناءه فتذهب الهيبة من صدور الناس. قالوا بنيت الكعبة عشر مرات بناء الملائكة وكان قبل خلق آدم عليه السلام وبناء آدم وبناء بنى آدم وبناء الخليل وبناء العمالقة وبناء جرهم وبناء قصى بن كلاب وبناء قريش وبناء عبد الله بن الزبير وبناء الحجاج بن يوسف وما كان ذلك بناء لكلها بل لجدار من جدرانها. وقال الحافظ السهيلى ان بناءها لم يكن فى الدهر الا خمس مرات الاولى حين بناها شيث عليه الصلاة والسلام وروى فى الخبر النبوى هذا البيت خامس خمسة عشر سبعة منها فى السماء الى العرش وسبعة منها الى تخوم الارض السفلى واعلى الذى يلى العرش البيت المعمور لكل بيت منها حرم كحرم هذا البيت لو سقط منها بيت سقط بعضها على بعض الى تخوم الارض السابعة ولكل بيت من اهل السماء ومن اهل الارض من يعمره كما يعمر هذا البيت ذكره المحدث الكازروتى فى مناسكه. وعن ابن عباس رضى الله عنهما لما كان العرش على الماء قبل خلق السموات والارض بعث الله ريحا فصفقت الماء فابرزت خشبة فى موضع البيت كأنها قبة على قدر البيت اليوم فدحا الله سبحانه من تحتها الارض فمادت ثم مادت فأوتدها بالجبال فكان اول جبل وضع فيها ابو قبيس ولذلك سميت مكة بام القرى. قال كعب بنى سليمان عليه السلام بيت المقدس على اساس قديم كما بنى ابراهيم الكعبة على اساس قديم وهو اساس الملائكة فى وجه الماء الى ان علا {ربنا} اى يرفعانها قائلين ربنا {تقبل منا} الدعاء وغيره من القرب والطاعات التى من جملتها ما هما بصدده من البناء وفرق بين القبول والتقبل بان التقبل لكونه على بناء التكلف انما يطلق حيث يكون العمل ناقصا لا يستحق ان يقبل الا على طريق التفضل والكرم ولفظ القبول لا دلالة فيه على هذا المعنى فاختيار لفظ التقبل اعتراف منهما بالعجز والانكسار والقصور فى العمل {إنك أنت السميع} لجميع المسموعات التى من جملتها دعاؤنا وتضرعنا {العليم} بكل المعلومات التى من زمرتها نياتنا فى جميع اعمالنا ودل هذا القول على انه لم يقع منهما تقصير بوجه ما فى اتيان المأمور به بل بذلا فى ذلك غاية ما فى وسعهما فان المقصر المتساهل كيف يتجاسر على ان يقول بأطلق لسان وارق جنان انك انت السميع العليم * ودلت الآية ايضا على ان الواجب على كل مأمور بعبادة وقربة اذا فرغ منها واداها كما امر بها وبذل فى ذلك ما فى وسعه ان يتضرع الى الله ويبتهل ليتقبل منه وان لا يرد عليه فيضيع سعيه وان لا يقطع القول بأن من ادى عبادة وطاعة تقبل منه لا محالة اذ لو كان هكذا لما كان لدعائهما بطريق التضرع ليقبل منهما معنى فالقبول والرد اليه تعالى ولا يجب عليه شئ.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {القواعد} جمع قاعدة، وهي الأساس، وكأنه مأخوذ من العقود بمعنى الثبات، وأما القواعد من النساء، فجمع قاعد، بلا تاء، لأنه وصف خاص بالنساء، فلا يحتاج إلى تمييز التاء، و {ربنا} منصوب على النداء محكي بحال محذوفة، أي: حال كونهم قائلين ربنا... الخ. يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكر وقت رفع {إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل}، وبنائهما له، بعد أن درس بالطوفان، وكان بناء آدم عليه السلام لما أُهبط إلى الأرض بإعلام الملائكة، كان إبراهيم عليه السلام يبني، وإسماعيلُ يُناوله الحجارة، فنسب البناء لهما لتعانهما، وقيل: كانا يبنيان كُلٍّ في ناحية، حال كونهما قَائِلَيْنِ: {ربنا تقبل منا} علمنا هذا، {إنك أنت السميع} لدعائنا، {العليم} بنياتنا وسرائرنا. الإشارة: ينبغي للعبد أن يرفع قواعد إسلامه، ويشيد دعائمه بتحقيق أركانه، كإتقان الشهادتين بتحقيق معانيها، وإتقان الصلاة بإتقان أركانها الظاهرة والباطنة، وإتقان الزكاة بإخلاص أدائها، وإتقان الصيام بتحصيل آدابه، وإتقان الحج بتحصيل مناسكه بعد وجوبه، ويرفع أيضاً قواعد إيمانه بتحقيق أركانه، وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، حُلْوِه ومُره، اعتقاداً وذوقاً، ويرفع أيضاً قواعد إحسانه، بتحصيل مراتبه، كتحقيق المشاهدة، وهو أن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يستطع فليعبده كأن الله يراه، وإن شئت قلت: رفعُ قواعد الإسلام يكون بتحقيق التوبة والتقوى والاستقامة، ورفع قواعد الإيمان يكون بتحقيق الإخلاص والصدق والطمأنينة، ورفع قواعد الإحسان يكون بالمراقبة والمشاهدة والمعرفة، كما قال الساحلي - رحمه الله -.
الطوسي
تفسير : تقديره واذ يرفع ابراهيم القواعد. اللغة: والرفع والاعلاء، والاصعاد نظائر. ونقيض الرفع الوضع. ونقيض العلو: السفل. ونقيض الاصعاد الانزال تقول: رفع يرفع رفعا. وارتفع الشيء بنفسه. وبرق رافع: ساطع. والمرفوع: من سير الفرس. والبرذون دون الحضر، وفوق الموضوع. ويقال: إنه لحسن الموضوع. ويقال ارفع من دابتك. وقد رفع الرجل يرفع رفاعة، فهو رفيع والمرأة رفيعة. والحمار يرفع في عدوه ترفيعاً: اذا كان عدو بعضه ارفع من بعض. وكذلك لو احدث شيئاً فرفعته: الاول فالاول، قلت رفعة ترفيعا. فالرفع نقيض الخفض في كل شيء. والرفعة نقفض الذلة، ورفعته إلى السلطان رفعاً اي قربته اليه. وفي التنزيل {أية : وفرش مرفوعة } تفسير : اي مقربة. والمرفع كل شيء رفعت به شيئاً، فجعلته عليه. واصل الباب الرفع: نقيض الخفض. تقول رفع رفعاً وارتفع ارتفاعاً، ورفع ترفيعاً، وترافعوا ترافعاً، وترفع ترفعاً، ورافعه مرافعة. والقواعد: واحدها قاعدة. قال الزجاج: اصله في اللغة الثبوت والاستقرار، فمن ذلك القاعدة من الجبل، وهي اصله. وقواعد البناء أساسه الذي بني عليه. واحدتها قاعدة. وامراة قاعدة اذا اتت عليها سنون لا تزوج. ومنه قوله: {أية : والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً} تفسير : واذا لم تحمل المرأة، ولا النخلة. يقال: قد قعدت وهي قاعدة، وجمعها قواعد ايضاً. وتأويلها انها قد ثبتت على ترك الحمل. واذا قعدت المرأة عن الحيض، فهي قاعد ايضاً بغير هاء ـ لانه لا فعل لها في قعودها عن الحيض وقد قعدت المرأة اذا كانت باولاد لئام فهي قاعدة. والاقعاد ان يقعد الرجل عن الشيء البتة يقال: اقعد فهو مقعد اي اقعدته الزمانة. وللجارية ثدي مقعد اذا كان متمكنا لا ينكس. وشهر ذي العقدة كانت العرب تقعد فيه عن القتال. والقعود ما يقتعد الراعي ويحمل عليه متاعه، وجمعه قعدان. وقعيد الانسان جليسه. ومنه قوله: {أية : عن اليمين وعن الشمال قعيد}تفسير : يعني الملكين. والقعيد كلما اتي من طائر أو ظبي. ويقال للئيم: قعد، والجبان: قاعد، لانه قعد عن الحرب. وقعد الئيم عن الكرم قال الحطيئة: شعر : دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فانك انت الطاعم الكاسي تفسير : والقعدة في النسب أقرب القرابة إلى الأب أو الجد. والمقاعد مواضع العقود في الحرب، وغيرها. ومنه قوله: {أية : مقاعد للقتال } تفسير : وقعيدة الرجل امرأته القاعدة في بيته. وأصل الباب القعود. نقيض القيام. والقواعد والاساس والاركان نظائر. وقيل: انما قيل في واحدة القواعد من النساء قاعد لشيئين: أحدهما ـ أن ذلك كالطالق والحائض وما اشبه ذلك من الصفافات التي تختص بالمؤنث دون المذكر فلم يحتج إلى علامة التأنيث. وإن أردت الجلوس قلت: قاعدة لا غير لانها تشارك في ذلك الرجال. والوجه الاخر ـ إن ذلك على وجه التشبيه اي ذات قعود كما يقال نابل ودارع أي ذو نبل ودرع. لا تريد به تثبيت الفعل. الاعراب: وموضع الجملة من قوله: {رّبنا تقبل منا} نصب بقول محذوف، فكأنه قال: يقولان ربنا تقبل منا. واتصل بما قبله، لأنه من تمام الحال لان (يقولان) في موضع الحال. المعنى: قال ابن عباس معناه يقولان: ربنا، ومثله {أية : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم} تفسير : أي يقولون ومثله {أية : والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم}تفسير : أي يقولون. وقال بعضهم: هو شاذ تقديره يقول: ربنا. يرده إلى اسماعيل وحده. ولا يعمل على ذلك لشذوذه. وقال أكثر المفسرين كالسدي وعبد بن عمير الليثي، واختاره الجبائي، وغيرهم: إن ابراهيم واسماعيل معاً رفعا القواعد. وقال ابن عباس: كان ابراهيم يبني وإسماعيل يناوله. وقال بعض الشذاذ أن ابراهيم وحده رفعها وكان اسماعيل صغيراً ـ وهو ضعيف لانه خلاف ظاهر اللفظ وخلاف اقوال المفسرين. وقال أكثر أهل العلم أنهما رفعا البيت للعبادة لا للسكنى، بدلالة قوله: {ربنا تقبل منا}. وهل كانت للبيت قواعد قبل ابراهيم؟ فيه خلاف. فقال ابن عباس وعطا: قد كان آدم عليه السلام بناه ثم عفي أثره، فجدده ابراهيم. وهو المروي عن ابي جعفر وابي عبد الله (ع). وقال مجاهد، وعمرو بن دينار: بل انشأه ابراهيم بامر الله عز وجل إياه. وكان الحسن يقول: أول من حج البيت ابراهيم (ع). وقد روي في اخبارنا ان أول من حج البيت آدم وذلك يدل على انه قد كان قبل ابراهيم. وانما قال: {إنك أنت السميع العليم} لانه لما ذكر الدعاء، اقتضى حينئذ ذكر ذلك، كأنه قال: انك أنت السميع العليم بنا، وبما يصلحنا. ومعنى قوله {تقبل منا} اي اثبنا على عمله، وهو مشبه بتقبل الهدية في أصل اللغة. وروي عن محمد بن علي الباقر (ع) انه قال: ان الله تعالى وضع تحت العرش اربع اساطين وسماه الصراح وهو البيت المعمور وقال للملائكة طوفوا به ثم بعث ملائكة، فقال ابنو في الارض بيتاً بمثاله، وقدره وامر من في الارض ان يطوفوا بالبيت. وقال ابو جعفر: اسماعيل أول من شق لسانه بالعربية، وكان ابوه يقول: وهما يبنيا البيت: ـ يا اسماعيل هابي ابن. اي اعطني حجراً، فيقول له اسماعيل بالعربية: يا أبي هاك حجراً ـ وابراهيم يبني واسماعيل يناوله الحجارة. وروى فلا عن عبد الله بن عمر قال: لما أهبط الله آدم من الجنه قال: اني منزل معك او مهبط معك بيتاً تطوف حوله كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يصلي عند عرشي، ولما كان زمن الطوفان رفع وكانت الانبياء يحجونه ولا يعملون مكانه حتى بوأه الله لابراهيم فاعلمه مكانه فبناه من خمسة اجبل: من حرا، وثبير، ولبنان، وجبل الطور، وجبل الخمر. قال الطبري وهو جبل بدمشق.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} قائلين {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ} بناء البيت بأمرك طلباً لرضاك {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ} لدعائنا {ٱلْعَلِيمُ} بأعمالنا ونيّاتنا، عن الصّادق (ع) انّ اسماعيل (ع) لمّا بلغ مبلغ الرّجال أمر الله ابراهيم (ع) ان يبنى البيت فقال: يا ربّ فى أىّ بقعةٍ؟ - قال: فى البقعة الّتى أنزلت بها على آدم، القبّة، فأضاء لها الحرم فلم يدر ابراهيم (ع) فى اىّ موضع يبنيه فانّ القبّة الّتى أنزلها الله على آدم كانت قائمة الى ايّام الطّوفان فلمّا غرقت الدّنيا رفع الله تلك القبّة وبقى موضعها لم يغرق ولهذا سمّى البيت العتيق لأنّه أعتق عن الغرق، فبعث الله جبرئيل (ع) فخطّ له موضع البيت فأنزل الله عليه القواعد من الجنّة وكان الحجر لمّا أنزله الله على آدم (ع) أشدّ بياضاً من الثّلج فلمّا مَسَّتْهُ أيدى الكفّار اسودّ، فبنى ابراهيم (ع) البيت ونقل اسماعيل الحجر من ذى طوى فرفعه فى السّماء تسعة أذرع ثمّ دلّه على موضع الحجر فاستخرجه ابراهيم (ع) ووضعه فى الموضع الّذى هو فيه الآن فلمّا بنى جعل له بابين، باباً الى المشرق وباباً الى المغرب يسمّى المستجار ثمّ القى عليه الشجر والاذخر وعلّقت هاجر على بابه كساء كان معها، وكانوا يكتسون تحته. وفى خبرٍ انّه قال (ع): يا بنىّ قد أمرنا الله ببناء الكعبة وكشفا عنها فاذا هو حجر واحد أحمر فأوحى الله اليه ضع بنائها عليه وأنزل الله اربعة املاك يجمعون اليه الحجارة فكان ابراهيم (ع) واسماعيل (ع) يضعان الحجارة والملائكة تناولهما حتّى تمّت اثنى عشر ذراعاً وهيّئا له بابين. وفى حديث فنادى ابو قبيس ابراهيم (ع) انّ لك عندى وديعة فأعطاه الحجر فوضعه موضعه. وفى خبرٍ آخر: كان البيت درّة بيضاء فرفعه الله الى السّماء وبقى أساسه فهو بحيال هذا البيت يدخله كلّ يوم سبعون الف ملك لا يرجعون اليه أبداً، وفى خبرٍ انّ اسماعيل (ع) اوّل من شقّ لسانه بالعربيّة.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} يعني بنيانه. ودفعهما إياه بالبناء: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}. قال بعضهم: ذكر لنا أن قواعدهما من حراء. قال: وذكر لنا أن البيت بني من خمسة أجبل: من حراء ولبنان وطور سيناء وطور زيتاء والجودى. قوله: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً} أي: عصبة وهي الجماعة {مُّسْلِمَةً لَّكَ} ففعل الله ذلك، فبعث الله محمداً عليه السلام. قوله: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} أي: مذابحنا. قال بعضهم: أراهم مناسكهم وهي الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفات، والإِفاضة منها، والوقوف بجمع، والإِفاضة منها، [ورمي الجمرات]. وذكروا عن ابن عباس أن إبراهيم لما أصّل المناسك عرض له الشيطان عند المسعى، فسابقه فسبقه إبراهيم، ثم ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان عندها، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب... قال وثمَّ تلَّه للجبين. وعلى إسماعيل قميص أبيض. قال إسماعيل لأبيه: يا أبت: ليس لي ثوب تكفنني فيه غير هذا. فاخلعه حتى تكفّنني فيه. فالتفت فإذا هو بكبش أبيض أقرن فذبحه. ثم ذهب به إلى الجمرة القصوى، فعرض له الشيطان عندها، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب. ثم أتى به منى فقال: هذا مناخ الناس. ثم أتى به جمعاً فقال: هذا المشعر الحرام. ثم ذهب به إلى عرفات. قال: فقال: ولم سمّيت عرفة. قال: قال له: هل عرفت. قال نعم. وقال الحسن: إن جبريل أرى إبراهيم المناسك كلها، حتى إذا بلغ عرفات قال: يا إبراهيم: أعرفت ما رأيت من المناسك؟ قال نعم! فلذلك سميت عرفات. فلما كان عند الشجرة، يعني جمرة العقبة يوم النحر، ذهب يزور البيت، فعرض له الشيطان فسدّ عليه الطريق، فأمره جبريل أن يرميه بسبع حصيات مثل حصى الخذف، ففعل. فذهب. ثم عرض له في اليوم الثاني في الجمار كلها، وفي اليوم الثالث، وفي اليوم الرابع، كل ذلك يرميه بأمر جبريل بسبع حصيات. وقال الحسن: إن جبريل أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم المناسك كلها، ولكنه أصل عن إبراهيم. وقد كان المسلمون قبل إبراهيم يؤمون نحو الكعبة في صلاتهم.
اطفيش
تفسير : {وإذْ يَرفَعُ إبراهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ}: مقتضى الظاهر أن يقال: وإذ رفع لكن أتى بالمضارع حكاية للحال الماضية إحضاراً لصورتها العجيبة المستحسنة، حتى كأنه يرفع إبراهيم القواعد حال نزول الآية رفعاً مشاهداً. أو المعنى: واذكر إذا كان يرفع، والقواعد جمع قاعدة، اسم فاعل من القعود بمعنى الثبوت، أى قطعة قاعدة أو بقعة قاعدة أو أرض قاعدة، والمراد الأساس والأصل، ثم تغلبت عليه الاسمية فصار لا يحتمل الضمير ولا يقدر لهُ موصوف، ويجوز أن يكون مجازاً من المقابل للقيام، شبه أصول البيت بمن قعد بجامع عدم الارتفاع، ويقال قعدك الله بكسر القال وفتحها، وإسكان العين وفتح الدال، ورفع اسم الجلالة، وقعيدك الله وذلك دعاء أو يمين، ومعناه الدعاء أو القسم بأن يثبتك الله، ونصب قعد أو قعيداً على المصدرية، ورفع اسم الجلالة على الفاعلية. ومعنى رفع الأساس رفع البناء عليه إن كان لهُ أساس قديم، وبنى عليه، وإلا فرفعه هو بناؤه على الأرض على وجهها، أو من داخلها، لأنه إذا بناه من داخل فقد رفعه من داخل، فلما وقع الرفع عليه بالنباءِ سمى مرفوعاً. أو شبه الهيئة الحاصلة بالبناء بإقامة ما قعد وتمديد ما تداخل، كما يمد الشئ القصير فيطول، وينشر المطوى فيطول، ويجوز أن يكون المعنى وإذ يجعل إبراهيم صفوفاً من حجارة وطين فوق صفوف، حتى كان بناء مرتفعاً، فكل صف قاعدة وأساس للصف الذى فوقه، وجميع الصفوف فوقه، وقد فسر الكسائى والفراء القواعد بالجدر، وأبو عبيدة بالأساس، وقيل المراد برفع القواعد من البيت إظهار شرف البيت، ودعاء الناس إلى حجه، وفى إبهام القواعد، إذ قال القواعد ولم يقل قواعد البيت وتبيينها بعد ذلك بقوله: {مِنَ البَيْت} تفخيم لشأنها، قيل: إن أول من بناه إبراهيم. وقيل: إنه بناه الملائكة قبل خلق آدم، وقيل: بناه آدم ورفع البناء وأنفد الأساس، فأظهره الله تعالى لإبراهيم بالريح، أمرها الله فكشفت عنه التراب فبنى عليه. {وإسمَاعِيلَ}: عطف على إبراهيم، وإنما بنى البيت إبراهيم، وأما إسماعيل فإنما كان ينقل الحجارة إليه ويناوله، لكن لما كان له مدخل فى البناء عطف على إبراهيم، إذ البناء كان بنقله الحجارة ومناولته إياها لإبراهيم، وقيل كان يبنى فى طرف وإبراهيم فى طرف، أو تارة يبنى إبراهيم وتارة يبنى إسماعيل. قال ابن عباس: بنى البيت من خمسة أجبل: طور سيناء وطور زيتا، ولبنان بالشام، والجودى بالجزيرة، وقواعده من حراء بمكة. ولما انتهى إبراهيم إلى موضع الحجر الأسود قال لإسماعيل ائتنى بحجر حسن يكون للناس علماً، فأتاه بحجر. فقال ائتنى بأحسن منه، فصاح أبو قبيس يا إبراهيم إن لك عندى وديعة فخدها، فقذف بالحجر الأسود. قيل تمخض أبو قبيس فانشق عنه، وقيل أتاه به جبريل من السماء، وقد خزن فيه من الطوفان، فأخذه إبراهيم فوضعه مكانه. وقيل إن الله تعالى أمد إبراهيم وإسماعيل بسبعة أملاك يعينونهما فى بناء البيت. قال سماك بن حرب، عن خالد، عن عروة: أن رجلا قام إلى على فقال: ألا تخبرنى عن هذا البيت؟ قال: إن شئت أنبأتك كيف بنى؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال على: إن الله تعالى أوحتى إلى إبراهيم أن ابن لى بيتا فى الأرض، فضاق إبراهيم بذلك ذرعاً، فبعث الله عز وجل إليه السكينة لتدله على موضع البيت، وهى ريح عجوج لها رأسان تشبه الحية، فتبعها إبراهيم عليه السلام حتى أتى مكة، فانطوت السكينة على موضع البيت كما تنطوى الحية، وأمر أن يبنى حيث تستقر فبنى، قيل كان إبراهيم عبرانياً وإسماعيل عربياً، فألهم الله تعالى كل واحد منهما لغة صاحبه يعرفه ما يقول ولا ينطق به، فكان إبراهيم مسمى الحجر كبيا ويسميه إسماعيل حجرا. وذكر بعض أنه لما بنى قواعدة من حراء بقى حرا فذهب إسماعيل يبتغيه ثم رجع فوجده قد ركب الحجر فى مكانه، فقال: يا أبت من أتاك بهذا الحجر؟ فقال: أتانى به من لم يكلنى إليك. وروى أن البيت بنى سبع مرات، بنته الملائكة، ثم آدم، ثم إبراهيم، ثم تبع، ثم قريش على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو طفل ينقل معهم الحجارة، ثم ابن الزبير، ثم الحجاج. وقيل بنتهُ قريش على عهد رسول الله، صلى الله عليهِ وسلم، وهو بالغ شاب، ووضع الحجر مكانهُ. قيل لم يزل البيت على بناء إبراهيم عليه السلام إلى سنة خمس وثلاثين من مولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه بخمس سنين، فهدمت قريش الكعبة ثم بنتها. وكان السبب فى ذلك على ما ذكر ابن اسحاق وغيره من أهل الأخبار أن الكعبة كانت رصا فوق القامة فأرادوا رفعها وتسقيفها، وكان البحر قد رمى سفينة إلى جدة لرجل من التجار، فتهيأ لهم بعض ما يصلحها، وكان على جدارها حية تخرج كل يوم فتشرف على جدار الكعبة، فكانوا يهابونها، وكانت لا يدنو منها أحد إلا نزلت إليه وكشت وفتحت فاها، فبينما هى ذات يوم تشرف من جدار الكعبة كما كانت تصنع، إذ بعث الله إليها طائراً فاختطفها، فذهب بها، فقال قريش: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضى ما أردنا، وقد كفانا الله الحية، فلما أجمع أمرهم على هدمها وبنائها تناول أبو وهب بن عمر بن عمير بن عابد بن عمر، وابن مخزوم منها حجراً فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش، لا تدخلوا فى بنائها من كسبكم إلا طيباً، ولا تدخلوا فيها من مهر بغى، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد. ثم إن الناس هابوا هدمها فقال الوليد بن المغيرة: أنا أهدمها لكم، فأتوا بالمعول ثم قام فيها وهو يقول: اللهم لا نريد إلا خيرا، ثم هدم ناحية الركنين فتربص الناس من تلك الليلة، وقالوا ننتظر فإن أصيب لم نهدم منها شيئاً ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شئ فقد رضى الله ما صنعنا، فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله، فهدم وهدم الناس معه حتى انتهى الهدم إلى حجارة خضر كأنه أسنمة الإبل، قد دخل بعضها فى بعض، فأدخل رجل من قريش معوله بين حجرين منها ليقلع أحدهما، فلما ترك الحجر تحركت مكة كلها، فعلموا أنهم قد انتهوا إلى الأساس، وكانت كل قبيلة تخرج على حدة فتبنى، ولما بلغوا موضع الحجر الأسود من الركن أرادت كل قبيلة أن تضعه حتى تواعدوا القتال وتحالفوا، فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما، ثم تعاقدوا هم وبنو عدى بن كعب على الموت وأدخلوا أيديهم فى ذلك الدم فسموا لعقة الدم بذلك، فأقاموا أربع ليال أو خمساً على ذلك، ثم اجتمعوا فى المسجد فتشاوروا وتناصفوا، فذكر بعض الرواة أن أبا أمية بن المغيرة، وكان يومئذ سيد قريش، قال: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل عليكم من باب هذا المسجد يقضى بينكم، فرضوا بذلك وتوافقوا عليه، فكان أول من دخل عليهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبروه الخبر، فقال لهم: هلموا إلى ثوباً، فأتى به فبسطه ثم أخذ الحجر الأسود فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه، جميعا ففعلوا ذلك حتى إذا بلغوا موضعه. وضعه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بيده، ثم بنى عليه، فكانت الكعبة كذلك على ما بنتها قريش إلى سنة أربع وستين من الهجرة، حاصر الحصين بن نمير السلولى عبدالله بن الزبير، فقدحوا البيت بالمجانيق حتى مالت حيطانه، وإنه مع ذلك احترق، كانوا يوقدون حولها، فهبت الريح بشرارة فوقعت بباب الكعبة فأحرقت خشبها. قال عروة بن أدية: قدمت مع أبى يوم احترقت الكعبة، ورأيت الركن قد اسود وانصدعت منه ثلاثة أمكنة، وقالوا ما احترقت الكعبة إلا بسبب هذا، وأشاروا إلى رجل من أصحاب ابن الزبير، أخذ قباسا برأس رمح، فطارت الريح فضربت به أستار الكعبة ما بين الركن اليمانى والحجر الأسود. وقيل كان السبب فى ذلك أن امرأة كانت تبخر الكعبة فطارت شرارة من النار فأحرقت البيت، فكان أول ما تنازع الناس فى القدر يومئذ فقال ناس: هذا بقدر الله تعالى وهو الحق، وقال ناس: ليس هذا من قدر الله فهدمها عبدالله بن الزبير حتى سواها بالأرض، فتحير الناس فى الطواف، فطاف جابر بن زيد رحمه الله من وراء الأساس فتبعه الناس، فكانوا يصلون إليه، وجعل الركن الأسود عنده فى تابوت فى خرقة من حرير، وجعل ما كان من حلى البيت وما يوجد فيه من ثياب وطيب عند الحجر، ثم أعاد بناءه، وقال: حديث : إن أمى بنت أبى بكر حدثتنى أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال لعائشة: "لولا حداثة عهد قومك بالكفر لرددت الكعبة على أساس إبراهيم فأزيد فى الكعبة من الحجر" تفسير : وأن قريشا أعوزتهم النفقة فأخرجوا الحجر من البيت، وجعلت لها بابين شرقيا وغربيا، فأمر ابن الزبير فحفروا فوجدوا حجارة كأسنمة الإبل، فحركوا صخرة فأبرقت بارقة، فقال: اتركوها على أساسها، فبناها ابن الزبير وأدخل فيها الحجر، وجعل لها بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر، وكانت الكعبة على ما بناها ابن الزبير سنة أربع وسبعين، حتى قتل الحجاج عبدالله بن الزبير، وكان الحجاج ولى الحجاز من قبل عبدالله بن مروان، وأعادها إلى بنائها الذى كانت عليه على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بحضرة مشايخ قريش وهى اليوم على بناء الحجاج، إلى ما كان من قلع القرمطى صاحب البحرين، لعنه الله، أخذ الحجر الأسود عام أربعمائة والحجيج بمكة، فذهب به من الحجاز إلى البحرين، ثم أخذ منه ورد إلى موضعه. وعن ابن عباس: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: كان البيت قبل هبوط آدم ياقوتة من يواقيت الجنة وكان له بابان من زمرد أخضر، باب شرقى وباب غربى، وفيه قناديل من الجنة وأنزل الله الحجر الأسود يتلألأ كلؤلؤة بيضاء، فأخذه آدم استئناساً به، ثم أنزل الله تعالى على آدم العصى، ثم قال يا آدم تخطى فتخطى فإذا هو بأرض الهند، أنزله الله بمكة فتخطى خطوة واحدة إلى الهند، والمشهور أنه نزل بالهند. وعلى الأول مكث ما شاء الله، ثم استوحش من البيت، فقيل له أتحج يا آدم؟ قال: نعم. فجعل يتخطى فكان كل موضع قدم قرية، وما بين ذلك مفاوز، وعلى أن بين مكة والهند خطوات بمشى آدم لا خطوة واحدة، ولما قالت له الملائكة بعد حجه: لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفى عام، قال: فما كنتم تقولون حوله؟ قالوا: كنا نقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. فكان يقول ذلك فى طوافه، وكان يطوف سبعة أسابع فى الليل وخمسة أسابع بالنهار، وقال: يارب اجعل هذا البيت عُمّاراً يعمرونه من ذريتى. فأوحى الله تعالى إليه: أن سوف يعمر بيتى من ذريتك رجل اسمه إبراهيم، أتخذه خليلا وأقضى على يده عمارته، وأبسط له سقايته، وأرزقه خلة وخدمة وموافقة، وأعلمه مشاعره ومناسكه، ولما فرغ إبراهيم من بنائه نادى: يا أيها الناس إن الله بنى بيتاً فحجوه، فأسمع ما بين الخافقين فأجابه كل من يحج: لبيك لبيك. وذكروا عن النبى، صلى الله عليه وسلم: أن آدم سأل ربه أسألك يا رب أن تبعث من مات فى هذا البيت من ذريتى، لا يشرك بك شيئا آمنا، وروى أن آدم لما أهبط إلى الأرض كانت رجلاه فى الأرض ورأسه فى السماء فكان يسمع كلام أهل السماء فيأنس إليهم، فهابتهُ الملائكة واشتكت نفسه، حتى شكت ذلك إلى الله عز وجل فنقصه الله إلى ستين ذراعا بذراع آدم، فلما فقد ما كان يسمع من أصوات الملائكة وتسبيحهم استوحش وشكى ذلك إلى الله تعالى، فأنزل الله تعالى ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت، لأن تطوف به الملائكة، فأوحى الله عز وجل إليه: يا آدم إنى أهبطت بيتاً يطاف به، فكان يطاف به كما يطاف حول عرشى، ويصلى عنده كما يصلى عند عرشى، فتوجه آدم إلى مكة ورأى البيت يطاف به، فكان يطوف. وروى أبو صالح عن ابن عباس أن الله تعالى أوحى إلى آدم أن لى حرما بحيال عرشى، فانطلق فابن لى بيتاً فيه فحف به كما رأيت الملائكة يحفون بعرشى، فنالك أستجيب لك ولمن أطاعنى من ذريتك، قال آدم: يا رب كيف لى بذلك ولا أقوى عليه ولا أهتدى إليه، فقيض الله تعالى إليه ملكاً فانطلق معه نحو بيت مكة، وكان آدم إذا مرَّ بروضة ومكان يعجبه قال للملك: انزل بى هنا. فيقول له الملك: مكانك حتى قدم مكة، فكان كل مكان نزله عمرانا، وكل مكان تعداه مفاوز، فلما فرغ منه خرج الملك به إلى عرفات فأراه المناسك التى يفعلها الناس اليوم، ثم قدم به إلى مكة فطاف بالبيت سبعاً، ثم رجع إلى الهند ومات على جبل ثور، وقيل بسرنديب. قال أبو يحيى: قال مجاهد، قال ابن عباس: إن آدم نزل بالهند، ولقد حج منها أربعين حجة، فقلت يا أبا الحجاج أكان يركب، قال وأى شئ كان يحمله فوالله إن خطوته مسيرة ثلاثة أيام. قال وهب: لما أهبط آدم إلى الأرض ورأى سعتها ولم ير فيها أحداً غيره، قال يا رب: أما لأرضك هذه عمار يسبحون بحمدك ويقدسونك غيرى؟ قال الله تعالى: سأجعل فيها من ولدك من يسبح بحمدى، وسأجعل فيها بيوتا يرفع فيها ذكرى ويسبح لى فيها، وسأجعل فى تلك البيوت بيتا أخصه بكرامتى وأوثره باسمى، أسميه بيتى وأنطقه بعظمتى، وعليه وضعت جلالى، ثم أنا مع ذلك أجعل ذلك البيت حرما آمنا، يحرم بحرمته من حوله ومن تحته ومن فوقه، فمن حرمه لحرمتى استوجب بذلك كرامتى، ومن أخاف أهله فقد حفر ذمتى، وأباح حرمتى، وأجعله أول بيت وضع للناس يأتونهُ شُعثا غُبراً، وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، يرجون بالتلبية رجيجاً، ويعجون بالتكبير عجيجاً، فمن اعتمره لا يريد غيرى فقد وفد إلىّ وزارنى واستضافنى، وحق على الكريم أن يكرم ضيفه. {ربَّنا تَقبَّل منَّا}: بناءنا. والجملة مفعول لحال محذوفة، صاحبها إبراهيم وإسماعيل، أى يقولان أو قائلين: ربنا تقبل منا بناءنا، وتقدير يقولان أولى لأنه أظهر فى استمرار قولهما ذلك حال البناء من لفظ قائلين، ولأن عبد الله بن مسعود قرأ: يقولان ربنا تقبل منا، ولأن الأصل فى عمل النصب والرفع الفعل، وهذه ثلاثة أشياء ترجح يقولان. وأما تقدير قائلين فمرجحه وجه واحد هو كون الأصل فى الحال الإفراد، وقد علمت أن مفعول تقبل محذوف تقديره بناءنا، ويجوز تقديره علمنا أو عبادتنا أو طاعتنا. {إنكَ أنتَ السَّميعَ}: لدعائنا أو بكل قول فتسمع دعاءنا، وعندى أن سمعه تعالى هو علمه بصوت الصائتين حال وقوعه على وفق علمه الأزلى. {العَليمُ}: بفعلنا أو بنائنا أو كل فعل أو بنيتنا أو بكل نية فتعلم نياتنا، وخص السميع العليم لأنهما الصفتان المناسبتان لحالهما، ومن كتب: {وإذ يرفع} إلى قوله: {العليم} بزعفران وماء ورد ومحاها بماء عنب أسود وجعل فيه يسير سكر ويسير عصارة كرنب وشربه، قطع عنه نزف الدم، إن شاء اله.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ يَرْفَعُ} المضارع لحكاية الحال الماضية كأن المخاطب حضر حين رفع {إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ} الأساس، أى ينشئها، أو الجدر؛ لأن كل جزء فيها قاعدة لما فوقه، أو رفعها تعظيمها بالحد إليها من القعود، وهو الثبوت {مِنَ الْبَيْتِ} وليس المراد أنها كانت قصيرة وأطالها، أوقع الإطالة على القاعدة للجوار أو الحلول، لأن الجدار المجاور لها، أو الحال فيها غير مرفوع أيضا، بل يحدث سافة ثم سافة، ولا مانع من أن يراد برفع الن جعل آخرها عاليا بإكثار السافات {وَإِسْمَٰعِيلُ} أخره، لأنه غلام تابع له، معين له بمناولة الحجر والطين، ومع ذلك سماه رافعا، لأن الرفع بواسطة المناولة، وذلك من عموم المجاز، وهو هنا مطلق ما به حصول الرفع، أو جمع بين الحقيقة والمجاز، أو يقدر، وإسماعيل يناوله كقوله: وزججن الحواجب والعيونا، ويضعف أن يقال، تارة بيتى إبراهيم، وتارة إسماعيل، أو بينى أحدهما موضعاً منه، والآخر موضعاً، ولو فى وقت واحد، قائلين {رَبَّنَا تَقَبَّلْ} التفعل للمبالغة بمعنى أقبل قبولا عظيما، بأن يزيد له ثوابا على القبول {مِنَّا} بناءنا وسعينا فيه {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ} لدعائنا، أى العليم به، واختار لفظ السمع، لأنه فى الجملة للأصوات {الْعَلِيمُ} بنياتنا.
الالوسي
تفسير : {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰهِيمُ} عطف على {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ } تفسير : [البقرة: 126] وإذ للمضي وآثر صيغة المضارع مع أن القصة ماضية استحضاراً لهذا الأمر ليقتدي الناس به في إتيان الطاعات الشاقة مع الابتهال في قبولها وليعلموا عظمة البيت المبني فيعظموه {ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ} القواعد جمع قاعدة وهي الأساس كما قاله أبو عبيدة صفة صارت بالغلبة من قبيل الأسماء الجامدة بحيث لا يذكر لها موصوف ولا يقدر من القعود بمعنى الثبات، ولعله مجاز من المقابل للقيام، ومنه قعدك الله تعالى في الدعاء بمعنى أدامك الله تعالى وثبتك، ورفع القواعد على هذا المعنى مجاز عن البناء عليها إذ الظاهر من رفع الشيء جعله عالياً مرتفعاً، والأساس لا يرتفع بل يبقى بحاله لكن لما كانت هيأته قبل البناء عليه الانخفاض ولما بني عليه انتقل إلى هيأة الارتفاع بمعنى أنه حصل له مع ما بني عليه تلك الهيأة صار البناء عليه سبباً للحصول كالرفع فاستعمل الرفع في البناء عليه واشتق من ذلك {يَرْفَعُ} بمعنى يبني عليها، وقيل: القواعد ساقات البناء وكل ساق قاعدة لما فوقه، فالمراد برفعها على هذا بناؤها نفسها، ووجه الجمع عليه ظاهر وعلى الأول لأنها مربعة ولكل حائط أساس، وضعف هذا القول بأن فيه صرف لفظ القواعد عن معناه المتبادر وليس هو كصرف الرفع في الأول، وقيل: الرفع بمعنى الرفعة والشرف، والقواعد بمعناه الحقيقي السابق فهو استعارة تمثيلية ـ وفيه بعد ـ إذ لا يظهر حينئذٍ فائدة لذكر القواعد. و {مِنَ} ابتدائية متعلقة بـ {يَرْفَعُ} أو حال من {ٱلْقَوَاعِدِ} ولم يقل قواعد البيت لما في الإبهام والتبيين من الاعتناء الدال على التفخيم ما لا يخفى. {وَإِسْمَـٰعِيلَ} عطف على {إِبْرَاهِيمَ}، وفي تأخيره عن المفعول المتأخر عنه رتبة إشارة إلى أن مدخليته في رفع البناء، والعمل دون مدخلية إبراهيم عليه السلام، وقد ورد أنه كان يناوله الحجارة، وقيل: كانا يبنيان في طرفين أو على التناوب، وأبعد بعضهم فزعم أن إسمٰعيل مبتدأ وخبره محذوف أي يقول: ربنا، وهذا ميل/ إلى القول بأن إبراهيم عليه السلام هو المتفرد بالبناء ولا مدخلية لإسمٰعيل فيه أصلاً بناءً على ما روي عن عليّ كرم الله تعالى وجهه أنه كان إذ ذاك طفلاً صغيراً، والصحيح أن الأثر غير صحيح. هذا وقد ذكر أهل الأخبار في ماهية هذا البيت وقدمه وحدوثه، ومن أي شيء كان باباه، وكم مرة حجه آدم، ومن أي شيء بناه إبراهيم، ومن ساعده على بنائه، ومن أين أتى بالحجر الأسود؟؟؟ أشياء لم يتضمنها القرآن العظيم، ولا الحديث الصحيح، وبعضها يناقض بعضاً، وذلك على عادتهم في نقل ما دب ودرج، ومن مشهور ذلك أن الكعبة أنزلت من السماء في زمان آدم، ولها بابان إلى المشرق والمغرب فحج آدم من أرض الهند واستقبلته الملائكة أربعين فرسخاً فطاف بالبيت ودخله ثم رفعت في زمن طوفان نوح عليه السلام إلى السماء ثم أنزلت مرة أخرى في زمن إبراهيم فزارها ورفع قواعدها وجعل بابيها باباً واحداً ثم تمخض أبو قبيس فانشق عن الحجر الأسود، وكان ياقوتة بيضاء من يواقيت الجنة نزل بها جبريل فخبئت في زمان الطوفان إلى زمن إبراهيم فوضعه إبراهيم مكانه ثم اسود بملامسة النساء الحيض. وهذا الخبر وأمثاله إن صح ـ عند أهل الله تعالى ـ إشارات ورموز لمن ألقى السمع وهو شهيد فنزولها في زمن آدم عليه السلام إشارة إلى ظهور عالم المبدأ والمعاد ومعرفة عالم النور وعالم الظلمة في زمانه دون عالم التوحيد، وقصده زيارتها من أرض الهند إشارة إلى توجهه بالتكوين، والاعتدال من عالم الطبيعة الجسمانية المظلمة إلى مقام القلب، واستقبال الملائكة إشارة إلى تعلق القوى النباتية والحيوانية بالبدن وظهور آثارها فيه قبل آثار القلب في الأربعين التي تكونت فيها بنيته وتخمرت طينته أو توجهه بالسير والسلوك من عالم النفس الظلماني إلى مقام القلب، واستقبال الملائكة تلقى القوى النفسانية والبدنية إياه بقبول الآداب والأخلاق الجميلة، والملكات الفاضلة، والتمرن والتنقل في المقامات قبل وصوله إلى مقام القلب، وطوافه بالبيت إشارة إلى وصوله إلى مقام القلب وسلوكه فيه مع التلوين، ودخوله إشارة إلى تمكينه واستقامته فيه، ورفعه في زمن الطوفان إلى السماء إشارة إلى احتجاب الناس بغلبة الهوى وطوفان الجهل في زمن نوح عن مقام القلب، وبقاؤه في السماء إشارة إلى البيت المعمور الذي هو قلب العالم ونزوله مرة أخرى في زمان إبراهيم إشارة إلى اهتداء الناس في زمانه إلى مقام القلب بهدايته، ورفع إبراهيم قواعده وجعله ذا باب واحد إشارة إلى ترقي القلب إلى مقام التوحيد إذ هو أول من أظهر التوحيد الذاتي المشار إليه بقوله تعالى حكاية عنه: {أية : وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 79] والحجر الأسود إشارة إلى الروح التي هي أمر الله عز شأنه ويمينه، وموضع سره، وتمخض أبـي قبيس وانشقاقه عنه إشارة إلى ظهوره بالرياضة وتحرك آلات البدن باستعمالها في التفكر والتعبد في طلب ظهوره، ولهذا قيل: خبئت أي احتجبت بالبدن، واسوداده بملامسة الحيض إشارة إلى تكدره بغلبة القوى النفسانية على القلب، واستيلائها عليه، وتسويدها الوجه النوراني الذي يلي الروح منه:شعر : ولو ترك القطا ليلاً لناما تفسير : {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} أي: يقولان ربنا وبه قرأ أبـيّ والجملة حال من فاعل {يَرْفَعُ} وقيل: معطوفة على ما قبله بجعل القول متعلقاً لـ {إِذْ} والتقبل مجاز عن الإثابة والرضا لأن كل عمل يقبله الله تعالى فهو يثيب صاحبه ويرضاه منه، وفي سؤال الثواب على العمل دليل على أن ترتبه عليه ليس واجباً، وإلا لم يطلب، وفي اختيار صيغة التفعل اعتراف بالقصور لما فيه من الإشعار بالتكلف في القبول، وإن كان التقبل والقبول بالنسبة إليه تعالى على السواء إذ لا يمكن تعقل التكلف في شأنه عز شأنه، ويمكن أن يكون المراد من التقبل الرضا فقط دون الإثابة لأن غاية ما يقصده المخلصون من الخدم/ لوقوع أفعالهم موضع القبول والرضا عند المخدوم، وليس الثواب مما يخطر لهم ببال، ولعل هذا هو الأنسب بحال الخليل وابنه إسمٰعيل عليهما السلام. {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} تعليل لاستدعاء التقبل، والمراد السميع لدعائنا، والعليم بنياتنا، وبذلك يصح الحصر المستفاد من تعريف المسندين ويفيد نفي السمعة والرياء في الدعاء والعمل الذي هو شرط القبول، وتأكيد الجملة لإظهار كمال قوة يقينهما بمضمونها وتقديم صفة السمع، وإن كان سؤال التقبل متأخراً عن العمل للمجاورة ولأنها ليست مثل العلم شمولاً.
ابن عاشور
تفسير : هذه منقبة ثالثة لإبراهيم عليه السلام، وتذكيرٌ بشرف الكعبة، ووسيلة ثالثة إلى التعريض بالمشركين بعد قوله: {أية : ربنا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لك ومن ذريتنا أُمَّةً مُسلمة}تفسير : [البقرة: 128] إلخ، وتمهيد للرد على اليهود إنكارهم استقبال الكعبة الذي يجيء عند قوله تعالى: {أية : سيقول السفهاء}تفسير : [البقرة: 142] ولأجل استقلالها بهاته المقاصد الثلاثة التي تضمنتها الآيات قبلها عطفت على سوابقها مع الاقتران بإذْ تنبيهاً على الاستقلال. وخولف الأسلوب الذي يقتضيه الظاهر في حكاية الماضي أن يكون بالفعل الماضي بأن يقول وإذ رفع إلى كونه بالمضارع لاستحضارِ الحالة وحكايتها كأنها مشاهدة لأن المضارع دال على زمن الحال فاستعماله هنا استعارة تبعية، شبه الماضي بالحال لشهرته ولتكرر الحديث عنه بينهم فإنهم لحبهم إبراهيم وإجلالهم إياه لا يزالون يذكرون مناقبه وأعظمها بناء الكعبة فشبه الماضي لذلك بالحال ولأن ما مضى من الآيات في ذكر إبراهيم من قوله: {أية : وإذ ابتلى إبراهيم ربه}تفسير : [البقرة: 124] إلى هنا مما يوجب امتلاء أذهان السامعين بإبراهيم وشؤونه حتى كأنه حاضر بينهم وكأن أحواله حاضرة مشاهدة، وكلمة (إذ) قرينة على هذا التنزيل لأن غالب الاستعمال أن يكون للزمن الماضي وهذا معنى قول النحاة أن إذ تخلص المضارع إلى الماضي. والقواعد جمع قاعدة وهي أساس البناء الموالي للأرض الذي به ثبات البناء أطلق عليها هذا اللفظ لأنها أشبهت القاعد في اللصوق بالأرض فأصل تسمية القاعدة مجاز عن اللصوق بالأرض ثم عن إرادة الثبات في الأرض وهاء التأنيث فيها للمبالغة مثل هاء علاَّمة. ورفع القواعد إبرازها من الأرض والاعتلاء بها لتصير جداراً لأن البناء يتصل بعضه ببعض ويصير كالشيء الواحد فالجدار إذا اتصل بالأساس صار الأساس مرتفعاً، ويجوز جعل القواعد بمعنى جدران البيت كما سموها بالأركان ورفعها إطالتها، وقد جعل ارتفاع جدران البيت تسعة أذرع. ويجوز أن يفاد من اختيار مادة الرفع دون مادة الإطالة ونحوها معنى التشريف، وفي إثبات ذلك للقواعد كناية عن ثبوته للبيت، وفي إسناد الرفع بهذا المعنى إلى إبراهيم مجاز عقلي لأن إبراهيم سبب الرفع المذكور أي بدعائه المقارن له. وعطف إسماعيل على إبراهيم تنويه به إذ كان معاونه ومناوله. وللإشارة إلى التفاوت بين عمل إبراهيم وعمل إسماعيل أوقع العطف على الفاعل بعد ذكر المفعول والمتعلقات، وهذا من خصوصيات العربية في أسلوب العطف فيما ظهر لي ولا يحضرني الآن مثله في كلام العرب، وذلك أنك إذا أردت أن تدل على التفاوت بين الفاعلين في صدور الفعل تجعل عطف أحدهما بعد انتهاء ما يتعلق بالفاعل الأول، وإذا أردت أن تجعل المعطوف والمعطوف عليه سواء في صدور الفعل تجعل المعطوف موالياً للمعطوف عليه. وإسماعيل اسم الابن البكر لإبراهيم عليه السلام وهو ولده من جاريته هاجر القبطية، ولد في أرض الكنعانيين بين قادش وبارد سنة 1910 عشر وتسعمائة وألف قبل ميلاد المسيح. ومعنى إسماعيل بالعبرية سمع الله أي إجابة الله لأن الله استجاب دعاء أمه هاجر إذ خرجت حاملاً بإسماعيل مفارقة الموضع الذي فيه سارة مولاتها حين حدث لسارة من الغيرة من هاجر لما حملت هاجر ولم يكن لسارة أبناء يومئذ، وقيل هو معرب عن يشمعيل بالعبرانية ومعناه الذي يسمع له الله، ولما كبر إسماعيل رأى إبراهيم رؤيا وحي أن يذبحه فعزم على ذبحه ففداه الله، وإسماعيل يومئذ الابن الوحيد لإبراهيم قبل ولادة إسحاق، وكان إسماعيل مقيماً بمكة حول الكعبة، وتوفي بمكة سنة 1773 ثلاث وسبعين وسبعمائة وألف قبل ميلاد المسيح تقريباً، ودفن بالحجر الذي حول الكعبة. وجملة {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} مقول قول محذوف يقدر حالاً من {يرفع إبراهيم} وهذا القول من كلام إبراهيم لأنه الذي يناسبه الدعاء لذريته لأن إسماعيل كان حينئذ صغيراً. والعدول عن ذكر القول إلى نطق المتكلم بما قاله المحكي عنه هو ضرب من استحضار الحالة قد مهد له الإخبار بالفعل المضارع في قوله: {وإذ يرفع} حتى كأن المتكلم هو صاحب القول وهذا ضرب من الإيغال. وجملة {إنك أنت السميع العليم} تعليل لطلب التقبل منهما، وتعريف جزءي هذه الجملة والإتيان بضمير الفصل يفيد قصرين للمبالغة في كمال الوصفين له تعالى بتنزيل سمع غيره وعلم غيره منزلة العدم. ويجوز أن يكون قصراً حقيقياً باعتبار متعلق خاص أي السميع العليم لدعائنا لا يعلمه غيرك وهذا قصر حقيقي مقيد وهو نوع مغاير للقصر الإضافي لم ينبه عليه علماء المعاني.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ}. ذكر في هذه الآية رفع إبراهيم وإسماعيل لقواعد البيت. وبين في سورة الحج أنه أراه موضعه بقوله: {أية : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} تفسير : [الحج: 26] أي: عيناً له محله وعرفناه به. قيل: دله عليه بمزنة كان ظلها قدر مساحته، وقيل: دله عليه بريح تسمى الخجوج كنست عنه حتى ظهر أسّه القديم فبنى عليه إبراهيم وإسماعيل عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وإذ: ظرف لما مضى من الزمان ويعلق بمحذوف تقديره أذكر وقت كذا وكذا. القواعد: جمع قاعدة ما يبنى عَلَيْه الجدار من أساس ونحوه. البيت: الكعبة حماها الله وطهرها. إنك أنت السميع العليم: هذه الجملة وسيلة توسل بها إبراهيم وولده لقبول دعائهما. مسلمين: منقادين لك خاضعين لأمرك ونهيك راضين بحكمك عابدين لك. أرنا مناسكنا: علمنا كيف نحج بيتك، تنسكاً وتعبداً لك. تب علينا: وفقنا للتوبة إذا زََلَلْنا واقْبَلْها منا. وابعث فيهم رسولاً: هذا الدعاء استجابةُ الله تعالى، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو ما طلباه. الكتاب: القرآن. الحكمة: السنة وأسرار الشرع والإِصابة في الأمور كلها. يزكيهم: يطهر أرواحهم ويكمل عقولهم، ويهذب أخلاقهم بما يعلمهم من الكتاب والحكمة، وما بينه لهم من ضروب الطاعات. العزيز الحكيم: العزيز الغالب الذي لا يغلب. الحكيم في صنعه وتدبيره بوضع كل شيء في موضعه. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر مآثر إبراهيم عليه السلام المنبئة عن مكانته السامية في كمال الإِيمان والطاعة، وعظيم الرغبة في الخير والرحمة فقد تضمنت الآيات الثلاث ذكر إبراهيم وإسماعيل وهما يبنيان البيت برفع قواعده وهما يدعوان الله تعالى بأن يتقبل منهما عملهما متوسلين إليه بأسمائه وصفاته {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}. كما يسألانه عز وجل أن يجعلهما مسلمين له وأن يجعل من ذريتهما أمة مسلمة له مؤمنة به موحدة له ومنقادة لأمره ونهيه مطيعة، وأن يعلمهما مناسك حج بيته العتيق ليحجاه على علم ويتوب عليهما، كما سألاه عز وجل أن يبعث في ذريتهما رسولاً منهم يتلو عليهم آيات الله ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم بالإِيمان وصالح الأعمال، وجميل الخلال وطيب الخصال. وقد استجاب الله تعالى دعاءهما فبعث في ذريتهما من أولاد إسماعيل إمام المسلمين وقائد الغر المجحلين نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم وقد قرر هذا صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى... عليهم جميعاً السلام ". تفسير : هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- فضل الإسهام بالنفس في بناء المساجد. 2- المؤمن البصير في دينه يفعل الخير وهو خائف أن لا يقبل منه فيسأل الله تعالى ويتوسل إليه بأسمائه وصفاته أن يتقبله منه. 3- مشروعية سؤال الله للنفس وللذرية الثبات على الإِسلام حتى الموت عليه. 4- وجوب تعلم مناسك الحج والعمرة على من أراد أن يحج أو يعتمر. 5- وجوب طلب تزكية النفس بالإِيمان والعمل الصالح، وتهذيب الأخلاق بالعلم والحكمة. 6- مشروعية التوسل إلى الله تعالى في قبول الدعاء وذلك بأسمائه تعالى وصفاته لا بحق فلان وجاه فلان كما هو شأن المبتدعة والضلال في هذه الآيات الثلاث توسل إبراهيم وإسماعيل بالجمل التالية: 1- {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}. 2- {إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ}. 3- {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ}.
القطان
تفسير : القاعدة: ما يقوم عليه البناء من أساس. الأمة: الجماعة. والمناسك: جمع منسك العبادة، وأصبحت شائعة في عبادة الحج. الكتاب: القرآن. الحكمة: كلمة عامة تجمع معاني العلم والعدل والحلم وكل أنواع المعرفة التي تجعل المرء حكيما يسلك طريق السداد: ويزكيهم: يطهر نفوسهم من دنس الشرك والمعاصي. بعد ما مر من الآيات التي نوهت بالحرم والبيت، وان الله جعله بلدا آمناً تجبى اليه الثمرات ـ انتقل التنويه الى ان الذي بنى ذلك البيت هو ابراهيم بمعونة ولده اسماعيل. وكانا يدعوان بقولهما: ربنا تقبّل منا هذا العمل الخالص لوجهك الكريم، إنك انت السميع لدعائنا؛ العليم بنيّاتنا في جميع اعمالنا. وفي الآية اشارة الىأن كل من عمل عملاً صالحاً أو أدى فريضة مقررة وابتهل الى الله بالدعاء طالبا القبول فإنَّه لا يرده خائبا. ربنا واجعلنا مخلصين لك بأن لا نتوجه بقلبنا الا اليك، ولا نستعين بأحد الا بك، و لا نقصد بعملنا الا مرضاتك. واجعل من ذريتنا جماعة مخلصة لك، وعلّمنا طريقة عبادتنا الصحيحة لك في بيتك المحرم وما حوله، في الحج وغيره، ووفّقنا للتوبة انك تقبل توبة عبادك وتغفر لهم بفضل من رحمتك. ربنا وابعث في ذريتنا رسولاً منهم، يقرأ آياتك، ويعلّمهم ما تُنزل من الوحي، ويبصّرهم بكل علم نافع وشريعة قويمة، ويطهرهم من ذميم الأخلاق، إنك انت القوي الذي لا يُغلب، ولا يناله ضيم، والعزيز الحكيم الذي يفعل ما تقتضيه الحكمة والعدل والصلاح. وقد أجاب الله دعاءهما وأرسل فيهم محمداً عليه الصلاة والسلام من ذرّية اسماعيل، فكوّن من العرب بفضل الاسلام أُمة كانت خير الأمم. واذا كانت هناك الآن وحدة اسلامية عامة أو شيء يشبه هذه الوحدة، فإنما هي بفضل القرآن وُجدت وبفضل القرآن ستبقى، مهما تختلف الظروف وتدلهمّ الخطوب. فالقرآن هو أساس هذه الوحدة الجديدة كما كان أساسا للوحدة القديمة. والعرب أجدر ان يفهموه وينفذوه، فقد نزل فيهم، وأنزل بلغتهم، واتّجه اليهم أول ما أُنزل.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِبْرَاهِيمُ} {إِسْمَاعِيلُ} (127) - وَاذْكُرْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ حِينَما كَانَ يَرْفَعُ إِبراهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ القَوَاعِدَ وَالآسَاسَ مِنَ الكَعْبَةِ، وَيَدْعُوَانِ رَبَّهُمَا أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْهُمَا عَمَلَهُمَا، لأَنَّهُمَا يَقُومَانِ بِعَمَلٍ صَالِحٍ، فَهُو تَعَالَى الذِي يَسْمَعُ الدُّعَاءَ، وَهُوَ الذِي يَعْلَمُ النِّيَاتِ. فَمَصْدَرُ شَرَفِ الكَعْبَةِ أَنَّها بُنِيَتْ عَلَى اسْمِ اللهِ، وَلِعبَادَةِ اللهِ فِي تِلْكَ الأَرْضِ، التِي تَطْغَى عَلَيهَا الوَثَنِيَّةُ، لاَ لأَحْجَارِهَا وَلاَ لِمَوْقِِعِهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يقول الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم اذكر عندما كان إبراهيم يرفع القواعد من البيت .. وجاءت {يَرْفَعُ} [البقرة: 127] هنا فعلاً مضارعاً لتصويرِ الحدث الآن وفي المستقبل. ولكن هل يرفع إبراهيم القواعد من البيت الآن؟ أم أنه رفع وانتهى؟ طبعاً هو رفع وانتهى، ولكن الله سبحانه وتعالى يريد أن يستحضر حالة إبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت .. والله يريد من المؤمنين أن يتصوروا عملية الرفع، فلم يكن إبراهيم يملك سلماً حتى يرفعه ويقف فوقه، ولم يكن يملك "سقالة" .. ولكن غياب هذه النعم لم يمنع إبراهيم من أن يتحايل ويأتي بالحجر. إن الله يريد منا ألا ننسى هذه العملية، وإبراهيم وابنه إسماعيل يذهبان للبحث عن حجر، ولابد أن يكون الحجر خفيف الوزن ليستطيعا أن يحملاه إلى مكان البناء .. ثم يقف إبراهيم على الحجر وإسماعيل يناوله الأحجار الأخرى التي سيتم بها رفع القواعد من البيت. ورغم المشقة التي يتحملها الاثنان .. هما سعيدان .. وكل ما يطلبانه من الله هو أن يتقبل منهما .. والقبول والمقابلة والاستقبال كلها من مادة مواجهة .. أي أنهما يسألان الله في موقف المعرض عن عمله، إنهما لا يريدان إلا الثواب: {تَقَبَّلْ مِنَّآ} [البقرة: 127] أي أعطنا الثواب عما نعمله لأجلك وتنفيذاً لأمرك. وقوله تعالى: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} [البقرة: 127] .. أي أنت يا رب السميع الذي تسمع دعاءنا وتسمع ما نقول .. "والعليم" .. العليم بنيتنا ومدى إخلاصنا لك .. وإننا نفعل هذا العمل ابتغاء لوجهك ولا نقصد غيرك .. ذلك أن الأعمال بالنيات، وقد يعمل رجلان عملاً واحداً. أحدهما يثاب لأنه يعمله إرضاء لله وتقرباً منه والآخر لا يثاب لأنه يفعله من أجل الدنيا. والله سبحانه وتعالى عليم بالنية. فإن كان العمل خالصاً لله تقبله، وإذا لم يكن خالصاً لوجهه لا يتقبله .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (حديث : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه). تفسير : إذن فالعمل إن لم يكن خالصاً لله فلا ثواب عليه.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ} فالقَواعدُ: الأَسَاسُ. والوحدةُ قَاعِدةٌ.
الأندلسي
تفسير : {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ} ذكروا قصصاً كثيرة في حال البيت من ماهيته وقدمه وحدوثه ومن أي شيء كان باباه ومن أي شيء بناه. "إبراهيم" ومن ساعده على البناء واستطردوا إلى أشياء يناقض بعضها بعضاً على قاعدتهم وعادتهم في ذلك. و{ٱلْقَوَاعِدَ} الجدر. وقيل: الأسس. {مِنَ ٱلْبَيْتِ} متعلق بيرفع. أو في موضع الحال من القواعد. {وَإِسْمَٰعِيلُ} عطف على إبراهيم فهما مشتركان في الرفع. {رَبَّنَا تَقَبَّلْ} أي يقولان ربنا تقبل. {مِنَّآ} أي هذا العمل الذي قصدنا به رضاك. {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ} لسؤالنا وضراعتنا في التقبل. {ٱلْعَلِيمُ} بنياتنا في إخلاص عملنا. {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ} أي مناقدين. {لَكَ} وهو سؤال بالديمومية. {وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} أي منقادة مطيعة. ولما تقدم لا ينال عهدي الظالمين أتى هنا بالتبعيض في وفي ذريتنا أمة. {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} أي معالم الحج وهي من رؤية العين أي بصرنا. ويقال: منسِّك ومنسِك والكسر شاذ. والناسك: المتعبّد. وقرىء: وأرنا بإِشباع حركة الراء وباختلاسها وباسكانها. وقد جعل الزمخشري أرنا من رؤية القلب وشرحها بقوله: عرف فهي عنده تأتي رأى بمعنى عَرَف أي تكون قلبية وتتعدى إلى واحد ثم أدخلت همزة النقل فتعدت إلى اثنين ويحتاج ذلك إلى سماع من كلام العرب. (وحكى) ابن عطية عن طائفة انها من رؤية البصر وعن طائفة انها من رؤية القلب. قال ابن عطية وهو الأصح: ويلزم قائله أن يتعدى الفعل منه إلى ثلاثة مفعولين وينفصل بأنه يوجد معدى بالهمزة من رؤية القلب كغير المعدي قال حطائط ابن يعفر أخو الأسود: شعر : أريني جواداً مات هزلاً لأنني أرى ما ترين أو بخيلاً مخلدا تفسير : إنتهى كلامه وقوله. ويلزم قائله أن يتعدى إلى ثلاثة مفعولين إنما يلزم لما ذكرناه من أن المحفوظ إن رأي إذا كانت قلبية تعدت إلى اثنين وبهمزة النقل تصير تتعدى إلى ثلاثة. وقوله: وينفصل بأنه يوجد معدي بالهمزة من رؤية القلب كغير المعدي، يعني: أنه قد استعمل في اللسان متعدياً إلى اثنين ومعه همزة النقل، كما استعمل متعدياً إلى اثنين بغير الهمزة وإذا كان كذلك ثبت أن لرأي إذا كانت قلبية استعمالين أحدهما: أن تكون بمعنى علم المتعدية لواحد بمعنى عرف، والثاني: أن تكون بمعنى علم المتعدية إلى اثنين. واستدلال ابن عطية ببيت ابن يعفر على أن أريني: قلبية، لا دليل فيه بل الظاهر أنها بصرية. والمعنى على أبصريني جواداً. ألا ترى إلى قوله: مات هزلاً فإِن هذا هو من متعلقات البصر فيحتاج في إثبات رأي القلبية متعدية لواحد إلى سماع. وقد قال ابن ملك وهو حاشد لغة وحافظ نوادر حين عدّ ما يتعدى إلى اثنين، فقال في التسهيل: ورأى لا لإِبصار ولا رأي ولا ضرب، فلو كانت رأى بمعنى عرف لنفي ذلك كما نفى عن رأي المتعدية إلى اثنين كونها لا تكون لا بصار ولا رأي ولا ضرب. {وَتُبْ عَلَيْنَآ} أي ادم توبتنا. {إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ} هي صفة مبالغة. و{ٱلرَّحِيمُ} كذلك.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: واذكر إبراهيم وإسماعيل، في حالة رفعهما القواعد من البيت الأساس، واستمرارهما على هذا العمل العظيم، وكيف كانت حالهما من الخوف والرجاء، حتى إنهما مع هذا العمل دعوا الله أن يتقبل منهما عملهما، حتى يحصل (1) فيه النفع العميم. ودعوا لأنفسهما، وذريتهما بالإسلام، الذي حقيقته، خضوع القلب، وانقياده لربه المتضمن لانقياد الجوارح. { وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا } أي: علمناها على وجه الإراءة والمشاهدة، ليكون أبلغ. يحتمل أن يكون المراد بالمناسك: أعمال الحج كلها، كما يدل عليه السياق والمقام، ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعم من ذلك وهو الدين كله، والعبادات كلها، كما يدل عليه عموم اللفظ، لأن النسك: التعبد، ولكن غلب على متعبدات الحج، تغليبا عرفيا، فيكون حاصل دعائهما، يرجع إلى التوفيق للعلم النافع، والعمل الصالح، ولما كان العبد - مهما كان - لا بد أن يعتريه التقصير، ويحتاج إلى التوبة قالا { وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } . { رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ } أي: في ذريتنا { رَسُولا مِنْهُمْ } ليكون أرفع لدرجتهما، ولينقادوا له، وليعرفوه حقيقة المعرفة. { يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ } لفظا، وحفظا، وتحفيظا { وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } معنى. { وَيُزَكِّيهِمْ } بالتربية على الأعمال الصالحة والتبري من الأعمال الردية، التي لا تزكي النفوس معها { إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ } أي: القاهر لكل شيء، الذي لا يمتنع على قوته شيء. { الْحَكِيمُ } الذي يضع الأشياء مواضعها، فبعزتك وحكمتك، ابعث فيهم هذا الرسول. فاستجاب الله لهما، فبعث الله هذا الرسول الكريم، الذي رحم الله به ذريتهما خاصة، وسائر الخلق عامة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : أنا دعوة أبي إبراهيم " . تفسير : ولما عظم الله إبراهيم هذا التعظيم، وأخبر عن صفاته الكاملة قال تعالى: { وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ...}.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ} [127] 19- أنا محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر، أخبر عبد الله بن عمر، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ألم ترَي إلى قومِك حيث بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم" فقلت: يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال: /"لولا حدثان قومك بالكفر"تفسير : ، فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك استلام الرُّكنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم .
همام الصنعاني
تفسير : 125- عبد الرزّاق، قال معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ}: [الآية: 127]، قال: القواعِدُ التي كانت قواعد البيت قبْلَ ذلِكَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):