Verse. 135 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَاۗ اُمَّۃً مُّسْلِمَۃً لَّكَ۝۰۠ وَاَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا۝۰ۚ اِنَّكَ اَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيْمُ۝۱۲۸
Rabbana waijAAalna muslimayni laka wamin thurriyyatina ommatan muslimatan laka waarina manasikana watub AAalayna innaka anta alttawwabu alrraheemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ربنا واجعلنا مسلمَيْن» منقادين «لك و» اجعل «من ذرِّيتنا» أولادنا «أمة» جماعة «مسلمة لك» ومن للتبعيض وأتى به لتقدم قوله لا ينال عهدي الظالمين «وأرنا» علِّمنا «مناسكنا» شرائع عبادتنا أو حجنا «وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم» سألاه التوبة مع عصمتهما تواضعا وتعليما لذريتهما.

128

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} أي صيّرنا، و «مسلمين» مفعول ثان؛ سألا التثبيت والدوام. والإسلام في هذا الموضع: الإيمان والأعمال جميعاً؛ ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} تفسير : [آل عمران: 19] ففي هذا دليل لمن قال: إن الإيمان والإسلام شيء واحد؛ وعَضَدُوا هذا بقوله تعالى في الآية الأخرى: {أية : فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [الذاريات: 35-36]. وقرأ ٱبن عباس وعَوْف الأعرابي «مسلِمِين» على الجمع. قوله تعالى: {وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} أي ومن ذريّتنا فٱجعل؛ فيقال: إنه لم يدع نبيّ إلا لنفسه ولأمته إلا إبراهيم فإنه دعا مع دعائه لنفسه ولأمته ولهذه الأمة. و «مِن» في قوله: {وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ} للتبعيض؛ لأن الله تعالى قد كان أعلمه أن منهم ظالمين. وحكى الطبري: أنه أراد بقوله: {وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ} العرب خاصة. قال السهيلي: وذريتهما العرب؛ لأنهم بنو نَبِت بن إسماعيل، أو بنو تيمن بن إسماعيل. ويقال: قَيْدَر بن نبت بن إسماعيل. أما العدنانية فمن نبت، وأما القَحْطانية فمن قيدر بن نبت بن إسماعيل، أو تيمن على أحد القولين. قال ٱبن عطية: وهذا ضعيف؛ لأن دعوته ظهرت في العرب وفيمن آمن من غيرهم. والأمّة: الجماعة هنا، وتكون واحداً إذا كان يُقْتدى به في الخير؛ ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ} تفسير : [النحل: 120]، حديث : وقال صلى الله عليه وسلم في زيد بن عمرو بن نُفَيل: «يُبعث أمّةً وحده» تفسير : لأنه لم يشرك في دينه غيره، والله أعلم. وقد يطلق لفظ الأمّة على غير هذا المعنى؛ ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ}تفسير : [الزخرف: 22] أي على دين ومِلة؛ ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} تفسير : [الأنبياء: 92]. وقد تكون بمعنى الحين والزمان؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ}تفسير : [يوسف: 45] أي بعد حين وزمان. ويقال: هذه أُمّة زيد؛ أي أُمّ زيد. والأمّة أيضاً: القامة؛ يقال: فلان حسن الأمّة؛ أي حسن القامة؛ قال:شعر : وإنّ معاويةَ الأكْرَمِيـ ـن حسانُ الوجوه طِوالُ الأُمَمْ تفسير : وقيل: الأمّة الشجة التي تبلغ أمّ الدماغ؛ يقال: رجل مأموم وأمِيم. قوله تعالى: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} «أرِنَا» من رؤية البصر، فتتعدّى إلى مفعولين، وقيل: من رؤية القلب؛ ويلزم قائله أن يتعدّى الفعل منه إلى ثلاثة مفاعيل. قال ٱبن عطية: وينفصل بأنه يوجد معدّى بالهمزة من رؤية القلب إلى مفعولين (كغير المعدّى)، قال حُطائط ٱبن يعفُر أخو الأسود بن يَعْفُر:شعر : أرِيني جواداً مات هزْلاً لأَننِي أَرى ما تَرَيْنَ أو بخيلاً مُخَلَّداً تفسير : وقرأ عمر بن عبد العزيز وقتادة وٱبن كثير وٱبن مُحَيْصِن والسُّدّي ورَوْح عن يعقوب ورُوَيْس والسُّوسي «أرْنَا» بسكون الراء في القرآن؛ وٱختاره أبو حاتم. وقرأ أبو عمرو بٱختلاس كسرة الراء، والباقون بكسرها؛ وٱختاره أبو عبيد. وأصله أَرْئِنَا بالهمز؛ فمن قرأ بالسكون قال: ذهبت الهمزة وذهبت حركتها وبقيت الراء ساكنة على حالها؛ وٱستدلّ بقول الشاعر:شعر : أَرْنا إداوة عبد اللَّه نملؤها من ماء زمزم إن القوم قد ظَمِئوا تفسير : ومن كسر فإنه نقل حركة الهمزة المحذوفة إلى الراء؛ وأبو عمرو طلب الخفّة. وعن شُجاع بن أبي نصر وكان أميناً صادقاً أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فذاكره أشياء من حروف أبي عمرو فلم يرد عليه إلا حرفين: هذا، والآخر {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا}تفسير : [البقرة: 106] مهموزاً. قوله تعالى: {مَنَاسِكَنَا} يقال: إن أصل النُّسك في اللغة الغسل؛ يقال منه: نسك ثوبه إذا غسله. وهو في الشرع ٱسم للعبادة؛ يقال: رجل ناسك إذا كان عابداً. وٱختلف العلماء في المراد بالمناسك هنا؛ فقيل: مناسك الحج ومعالمه؛ قاله قتادة والسُّدي. وقال مجاهد وعطاء وٱبن جُريج: المناسك المذابح؛ أي مواضع الذبح. وقيل: جميع المتعبَّدات. وكل ما يُتعبَّد به إلى الله تعالى يقال له مَنْسَك ومَنْسِك. والناسك: العابد. قال النحاس: يقال نَسَك يَنْسُك، فكان يجب أن يقال على هذا: مَنْسُك، إلا أنه ليس في كلام العرب مَفْعُل. وعن زهير بن محمد قال: لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت الحرام قال: أيْ رَبّ، قد فرغتُ فأرنا مناسكناً؛ فبعث الله تعالى إليه جبريل فحجّ به، حتى إذا رجع من عَرَفة وجاء يوم النَّحر عَرَض له إبليس، فقال له: أحصبه، فحَصَبه بسبع حَصَيات، ثم الغد ثم اليوم الثالث، ثم علا ثَبَيراً فقال: يا عباد الله، أجيبوا؛ فسمع دعوته مَنْ بين الأبحر ممن في قلبه مثقال ذَرّة من إيمان، فقال: لَبيْكَ، اللَّهُمّ لَبّيكَ؛ قال: ولم يزل على وجه الأرض سبعة مسلمون فصاعداً، لولا ذلك لأهلكت الأرض ومن عليها. وأوّل من أجابه أهل اليمن. وعن أبي مِجْلَز قال: لما فرغ إبراهيم من البيت جاءه جبريل عليه السلام فأراه الطواف بالبيت ـ قال: وأحسبه قال: والصَّفَا والمرْوَة ـ ثم ٱنطلقا إلى العقبة فعَرَض لهما الشيطان؛ فأخذ جبريل سبع حَصَيات وأعطى إبراهيم سبع حَصَيات، فَرَمَى وكَبّر، وقال لإبراهيم: اِرم وكَبر؛ فَرَميَا وكبّرا مع كل رمية حتى أفَل الشيطان. ثم ٱنطلقا إلى الجَمْرة الوسطى، فَعَرض لهما الشيطان؛ فأخذ جبريل سبع حَصَيات وأعطى إبراهيم سبع حَصَيات، وقال: اِرم وكَبّر؛ فرميَا وكبرَا مع كل رمية حتى أفَل الشيطان. ثم أتيا الجمرة القُصْوَى فعَرَض لهما الشيطان؛ فأخذ جبريل سبع حَصَيات وأعطى إبراهيم سبع حصيات وقال: اِرم وكَبّر؛ فرميَا وكَبرا مع كل رمية حتى أفَل الشيطان. ثم أتى به جَمْعاً فقال: ها هنا يجمع الناس الصلوات. ثم أتى به عَرَفات فقال: عَرَفْت؟ فقال نعم؛ فمن ثَمَّ سُمِّي عرفات. وروي أنه قال له: عَرَفْتَ، عرفتَ، عرفتَ؟ أي مِنًى والجَمْع وهذا؛ فقال نعم؛ فسُمّيَ ذلك المكان عرفات. وعن خُصَيْف بن عبد الرحمن أن مجاهداً حدّثه قال: لما قال إبراهيم عليه السلام: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} أي الصَّفَا والمَرْوَة، وهما من شعائر الله بنصّ القرآن؛ ثم خرج به جبريل، فلما مَرّ بجَمْرة العَقَبة إذا إبليس عليها، فقال له جبريل: كَبّر وٱرمِه؛ فٱرتفع إبليس إلى الوسطى، فقال جبريل: كَبّر وٱرْمِهِ؛ ثم في الجمرة القُصْوَى كذلك. ثم ٱنطلق به إلى المَشْعر الحرام، ثم أتى به عَرفة فقال له: هل عَرفتَ ما أريتك؟ قال نعم؛ فسُمِّيتْ عرفات لذلك فيما قيل؛ قال: فأذِّنْ في الناس بالحج؛ قال: كيف أقول؟ قال قل: يأيها الناس، أجيبوا رَبّكم، ثلاث مرار، ففعل؛ فقالوا: لَبّيكَ، اللَّهُمّ لَبيْكَ. قال: فمن أجاب يومئذ فهو حاج. وفي رواية أخرى: أنه حين نادى ٱستدار فدعا في كل وجه، فَلبى الناس من كل مشرق ومغرب، وتطأطأت الجبال حتى بَعُد صوته. وقال محمد بن إسحٰق: لما فرغ إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه من بناء البيت الحرام جاءه جبريل عليه السلام فقال له: طُفْ به سبعاً؛ فطاف به سبعاً هو وإسماعيل عليهما السلام، يستلمان الأركان كلها في كل طواف؛ فلما أكملا سبعاً صلّيَا خلف المقام ركعتين. قال: فقام جبريل فأراه المناسك كلها: الصَّفَا والمَرْوَة ومِنىً والمُزْدَلِفة. قال: فلما دخل مِنىً وهبط من العَقَبة تمثّل له إبليس...؛ فذكر نحو ما تقدّم. قال ٱبن إسحٰق: وبلغني أن آدم عليه السلام كان يستلم الأركان كلها قبل إبراهيم عليه السلام. وقال: حجّ إسحاق وسارة من الشام، وكان إبراهيم عليه السلام يحجّه كل سنة على البراق؛ وحَجّته بعد ذلك الأنبياء والأمم. وروى محمد بن سابط عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : كان النبيّ من الأنبياء إذا هلكت أُمَّته لحق مكة فتعبّد بها هو ومن آمن معه حتى يموتوا فمات بها نوح وهود وصالح وقبورهم بين زمزم والحِجر»تفسير : . وذكر ٱبن وهب أن شُعَيْباً مات بمكة هو ومن معه من المؤمنين، فقبورهم في غربي مكة بين دار النَّدْوَة وبين بني سَهْم. وقال ٱبن عباس: في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما، قبر إسماعيل وقبر شعيب عليهما السلام؛ فقبر إسماعيل في الحِجْر، وقبر شعيب مقابل الحَجَر الأسود. وقال عبد اللَّه بن ضمرة السلوي: ما بين الركن والمقام إلى زمزم قبور تسعة وتسعين نبيًّا جاؤوا حجاجاً فقُبِروا هنالك، صلوات الله عليهم أجمعين. قوله تعالى: {وَتُبْ عَلَيْنَآ} ٱختلف في معنى قول إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام؛ «وَتُبْ عَلَيْنَا» وهم أنبياء معصومون؛ فقالت طائفة: طلبا التثبيت والدوام، لا أنهما كان لهما ذنب. قلت: وهذا حسن، وأحسن منه أنهما لما عرفا المناسك وبنيا البيت أرادا أن يبنيا للناس ويعرّفاهم أن ذلك الموقف وتلك المواضع مكان التنصّل من الذنوب وطلب التوبة. وقيل: المعنى وَتُبْ على الظلمة منّا. وقد مضى الكلام في عصمة الأنبياء عليهم السلام في قصة آدم عليه السلام، وتقدّم القول في معنى قوله: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} فأغنى عن إعادته.

البيضاوي

تفسير : {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} مخلصين لك، من أسلم وجهه، أو مستسلمين من أسلم إذا استسلم وانقاد، والمراد طلب الزيادة في الإخلاص والإذعان، أو الثبات عليه. وقرىء {مُسْلِمِينَ} على أن المراد أنفسهما وهاجر. أو أن التثنية من مراتب الجمع. {وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} أي واجعل بعض ذريتنا، وإنما خصا الذرية بالدعاء لأنهم أحق بالشفقة، ولأنهم إذا صلحوا صلح بهم الأتباع، وخصا بعضهم لما أعلما أن في ذريتهما ظلمة، وعلما أن الحكمة الإلهية لا تقتضي الاتفاق على الإخلاص والإقبال الكلي على الله تعالى، فإنه مما يشوش المعاش، ولذلك قيل: لولا الحمقى لخربت الدنيا، وقيل: أراد بالأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن تكون من للتبيين كقوله تعالى: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ }تفسير : [المائدة: 9] قدم على المبين وفصل به بين العاطف والمعطوف كما في قوله تعالى: {خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ}. {وَأَرِنَا} من رأى بمعنى أبصر، أو عرف، ولذلك لم يتجاوز مفعولين {مَنَاسِكَنَا} متعبداتنا في الحج، أو مذابحنا. والنسك في الأصل غاية العبادة، وشاع في الحج لما فيه من الكلفة والبعد عن العادة. وقرأ ابن كثير والسوسي عن أبي عمرو ويعقوب {أَرِنَا}.، قياساً على فخذ في فخذ، وفيه إجحاف لأن الكسرة منقولة من الهمزة الساقطة دليل عليها. وقرأ الدوري عن أبي عمرو بالاختلاس {وَتُبْ عَلَيْنَا } استتابة لذريتهما، أو عما فرط منهما سهواً. ولعلهما قالا هضما لأنفسهما وإرشادً لذريتهما {إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ } لمن تاب. {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ } في الأمة المسلمة {رَسُولاًمِّنْهُمْ} ولم يبعث من ذريتهما غير محمد صلى الله عليه وسلم، فهو المجاب به دعوتهما كما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أنا دعوة إبراهيم، وبشرى عيسى، ورؤيا أمي» تفسير : {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَـٰتِكَ} يقرأ عليهم ويبلغهم ما توحي إليه من دلائل التوحيد والنبوة. {وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} القرآن. {وَٱلْحِكْــمَةِ} ما تكمل به نفوسهم من المعارف والأحكام. {وَيُزَكّيهِمْ} عن الشرك والمعاصي {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ} الذي لا يقهر ولا يغلب على ما يريد {ٱلْحَكِيمُ} المحكم له.

المحلي و السيوطي

تفسير : {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ } منقادين {لَكَ } اجعل{مِنْ ذُرِّيَّتِنَا } أولادنا {أُمَّةً } جماعة {مُّسْلِمَةً لَّكَ } (ومن) للتبعيض وأتى به لتقدُّم قوله ( لا ينال عهدي الظالمين) {وَأَرِنَا } علّمنا {مَنَاسِكَنَا } شرائع عبادتنا أو حجنا {وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ } سألاه التوبة مع عصمتهما تواضعاً وتعليماً لذرّيتهما.

ابن عبد السلام

تفسير : {أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} المسلم: الذي استسلم لأمر الله وخضع له. {وَأَرِنَا} عرفنا {مَنَاسِكَنَا} مناسك الحج، أو الذبائح والنسك: العبادة، والناسك: العابد، أو من قولهم لفلان منسك أي مكان يعتاد التردد إليه بخير أو شر، فسميت مناسك، لأنه يتردد إليها في الحج والعمرة.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ربنا واجعلنا مسلمين لك} يعني موحدين مخلصين مطيعين خاضعين لك. فإن قلت: الإسلام إما أن يكون المراد منه الدين والاعتقاد أو الاستسلام والانقياد وقد كانا كذلك حالة هذا الدعاء فيما فائدة هذا الطلب؟ قلت فيه وجهان أحدهما أن الإسلام عرض قائم بالقلب وقد لا يبقى، فقوله: واجعلنا مسلمين لك يعني في المستقبل وذلك لا ينافي حصوله في الحال. الوجه الثاني يحتمل أن يكون المراد منه طلب الزيادة في الإيمان فكأنهما طلبا زيادة اليقين والتصديق وذلك لا ينافي حصوله في الحال {ومن ذريتنا} أي من أولادنا {أمة} أي جماعة {مسلمة} أي خاضعة منقادة {لك} وإنما أدخل من التي هي للتبعيض لأن الله تعالى أعلمهما بقوله: {أية : لا ينال عهدي الظالمين} تفسير : [البقرة: 124] إن في ذريتهما الظالم فلهذا خص بعض الذرية بالدعاء. فإن قلت: لم خص ذريتهما بالدعاء. قلت: لأنهم أحق بالشفقة والنصيحة، قال الله تعالى: {أية : قوا أنفسكم وأهليكم ناراً} تفسير : [التحريم: 6] ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم ألا ترى أن المتقدمين من العلماء والكبراء: إذا كانوا على السداد كيف يتسببون لسداد من وراءهم. وقيل: أراد بالأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى: {أية : وابعث فيهم رسولاً منهم} تفسير : [البقرة: 129] {وأرنا} أي علمنا وبصرنا {مناسكنا} أي شرائع ديننا وأعلام حجنا، وقيل: مناسكنا يعني مذابحنا والنسك الذبيحة، وقيل متعبداتنا وأصل النسك العبادة والناسك العابد فأجاب الله دعاءهما وبعث جبريل فأراهما المناسك في يوم عرفة فلما بلغ عرفات قال: عرفت يا إبراهيم. قال إبراهيم: نعم فسمي ذلك الوقت عرفة والموضع عرفات {وتب علينا} أي تجاوز عنا {إنك أنت التواب} أي المتجاوز عن عباده {الرحيم} بهم واحتج بقوله "وتب علينا" من جوز الذنوب على الأنبياء. ووجهه أن التوبة لا تطلب من الله إلاّ بعد تقدم الذنب فلو لا تقدم الذنب لم يكن لطلب التوبة وجه. وأجيب عنه بأن العبد وإن اجتهد في طاعة ربه عز وجل فإنه لا ينفك عن تقصير في بعض الأوقات. أما على سبيل السهو أو ترك الأولى والأفضل، وكان هذا الدعاء لأجل ذلك، وقيل: يحتمل أن الله تعالى لما أعلم إبراهيم أن في ذريته من ظالم فلا جرم سأل ربه التوبة لأولئك الظلمة، والمعنى وتب على الظلمة من أولادنا حتى يرجعوا إلى طاعتك فيكون ظاهر الكلام الدعاء لأنفسهما والمراد به ذريتهما. وقيل: يحتمل أنهما لما رفعا قواعد البيت وكان ذلك المكان أحرى الأماكن بالإجابة دعوا الله بذلك الدعاء ليجعلا ذلك سنة وليقتدى من بعدهما في ذلك الدعاء لأن ذلك المكان هو موضع التنصل من الذنوب وسؤال التوبة والمغفرة من الله تعالى. قوله عز وجل: {ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم} يعني وابعث في الأمة المسلمة أو الذرية وهم العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. وقوله: رسولاً منهم يعني ليدعوهم إلى الإسلام ويكمل الدين والشرع، وإذا كان الرسول منهم يعرفون نسبه ومولده ومنشأه كان أقرب لقبول قوله ويكون هو أشفق عليهم من غيره، وأجمع المفسرون على أن المراد به بقوله "رسولاً منهم" هو محمد صلى الله عليه وسلم لأن إبراهيم عليه السلام إنما دعا لذريته وهو بمكة ولم يبعث من ذريته بمكة غير محمد صلى الله عليه وسلم فدل على أن المراد به محمد صلى الله عليه وسلم وروى البغوي بإسناده عن العرباض بن سارية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إني عند الله مكتوب خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته وسأخبركم بأول أمري أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني، وقد خرج لها نور ساطع أضاءت لها منه قصور الشام" تفسير : وقوله: لمنجدل في طينته معناه أنه مطروح على وجه الأرض صورة من طين لم تجر فيه الروح وأراد بدعوة إبراهيم قوله: {ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم}، فاستجاب الله دعاء إبراهيم وبعث محمداً صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان وأنقذهم به من الكفر والظلم وأراد ببشارة عيسى عليه السلام قوله في سورة الصف: {أية : ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} تفسير : [الصف: 6] {يتلو عليهم} أي يقرأ عليهم {آياتك} يعني ما توحيه إليه وهو القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لأن الذي كان يتلوه عليهم هو القرآن فوجب حمله عليه {ويعلمهم الكتاب} يعني معاني الكتاب وحقائقه لأن المقصود الأعظم تعليم ما في القرآن من دلائل التوحيد والنبوة والأحكام الشرعية فلما ذكر الله تعالى أولاً أمر التلاوة، وهي حفظ القرآن ودراسته ليبقى مصوناً عن التحريف، والتبديل ذكر بعده تعليم حقائقه وأسراره {والحكمة} أي ويعلمهم الحكمة وهي الإصابة في القول والعمل ولا يسمى الرجل حكيماً إلاّ إذا اجتمع فيه الأمران. وقيل: الحكمة هي التي ترد عن الجهل والخطأ وذلك إنما يكون بما ذكرناه من الإصابة في القول والعمل ووضع كل شيء موضعه، وقيل الحكمة معرفة الأشياء بحقائقها. واختلف المفسرون في المراد بالحكمة ها هنا فروى ابن وهب قال: قلت لمالك ما الحكمة. قال: المعرفة بالدين والفقة فيه والاتباع له. وقال قتادة: الحكمة هي السنة وذلك لأن الله تعالى ذكر تلاوة الكتاب وتعليمه ثم عطف عليه الحكمة فوجب أن يكون المراد بها شيئاً آخر وليس ذلك إلاّ السنة. وقيل الحكمة: هي العلم بأحكام الله تعالى التي لا يدرك علمها إلاّ ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم والمعرفة بها منه. وقيل الحكمة: هي الفصل بين الحق والباطل. وقيل: هي معرفة الأحكام والقضاء وقيل: هي فهم القرآن، والمعنى ويعلمهم ما في القرآن من الأحكام والحكمة وهي ما فيه من المصالح الدينية والأحكام الشرعية. وقيل: كل كلمة وعظتك أودعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة {ويزكيهم} أي ويطهرهم من الشرك وعبادة الأوثان، وسائر الأرجاس والرذائل والنقائص، وقيل: يزكيهم من التزكية أي يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة، إذا شهدوا للأنبياء بالبلاغ ثم ختم إبراهيم الدعاء بالثناء على الله تعالى فقال {إنك أنت العزيز} قال ابن عباس: العزيز الذي لا يوجد مثله. وقيل: هو الذي يقهر ولا يقهر وقيل هو المنيع الذي لا تناله الأيدي، وقيل العزيز القوي والعزة القوة من قولهم أرض عزاز أي صلبة قوية {الحكيم} أي العالم الذي لا تخفى عليه خافية، وقيل هو العالم بالأشياء وإيجادها على غاية الإحكام.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً...} تقدم أن الواحد يطلق عليه "أُمَّة" وفيه تناقض كلام ابن الخطيب في المحصول. قوله تعالى: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا...} المراد به موضع الهدى، وأما النسك فيذبحه حيث شاء من البلاد. قوله تعالى: {وَتُبْ عَلَيْنَآ...} الصواب فيه أنه باعتبار الانتقال من مقام إلى مقام أعلى منه (فيرى) في ذلك نقصا (يقتضي) التوبة لأن الكبائر (تستحيل) على الأنبياء، وكذلك صغائر الخسة بإجماع، ويحتمل أن (يريد) (أعطنا ثواب التائبين. فإن قلت: الرحمة سبب في التوبة فلَِم أخرها عنها؟ قلت: لأن الرحمة) وسيلة والتوبة مقصد والمقصد أشرف من الوسيلة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن عبد الكريم في قوله تعالى ‏ {‏ربنا واجعلنا مسلمين‏}‏ قال‏:‏ مخلصين‏.‏ أخرج ابن أبي حاتم عن سلام بن أبي مطيع في هذه الآية قال‏:‏ كانا مسلمين ولكن سألاه الثبات‏.‏ أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏ومن ذريتنا أمة مسلمة لك‏} ‏ يعنيان العرب‏.‏ وأما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏وأرنا مناسكنا‏}‏ . أخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والأزرقي عن مجاهد قال‏:‏ قال إبراهيم عليه السلام‏:‏ رب أرنا مناسكنا‏.‏ فاتاه جبريل فأتى به البيت فقال‏:‏ ارفع القواعد‏.‏ فرفع القواعد وأتم البنيان، ثم أخذ بيده فأخرجه، فانطلق به إلى الصفا قال‏:‏ هذا من شعائر الله، ثم انطلق به إلى المروة فقال‏:‏ وهذا من شعائر الله، ثم انطلق به نحو منى، فلما كان من العقبة إذا إبليس قائم عند الشجرة فقال‏:‏ كبر وارمه‏.‏ فكبر ورماه، ثم انطلق إبليس فقام عند الجمرة الوسطى، فلما حاذى به جبريل وإبراهيم قال له‏:‏ كبر وارمه‏.‏ فكبر ورمى، فذهب إبليس حتى أتى الجمرة القصوى، فقال له جبريل‏:‏ كبر وارمه‏.‏ فكبر ورمى، فذهب إبليس وكان الخبيث أراد أن يدخل في الحج شيئاً فلم يستطع، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام، فقال‏:‏ هذا المشعر الحرام، ثم ذهب حتى أتى به عرفات قال‏:‏ قد عرفت ما أريتك‏؟‏ قالها ثلاث مرات‏.‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فأذن في الناس بالحج‏.‏ قال‏:‏ وكيف أؤذن‏؟‏ قال‏:‏ قل يا أيها الناس أجيبوا ربكم ثلاث مرات، فأجاب العباد لبيك اللهم ربنا لبيك، فمن أجاب إبراهيم يومئذ من الخلق فهو حاج‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق ابن المسيب عن علي قال‏:‏ لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال‏:‏ قد فعلت أي رب فأرنا مناسكنا، أبرزها لنا، علمناها، فبعث الله جبريل فحج به‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور الأزرقي عن مجاهد قال‏:‏ حج إبراهيم وإسمعيل وهما ماشيان‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ كان المقام في أصل الكعبة، فقام عليه إبراهيم فتفرجت عنه هذه الجبال أبو قبيس وصاحبه إلى ما بينه وبين عرفات، فأراه مناسكه حتى انتهى إليه، فقال‏:‏ عرفت‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ فسميت عرفات‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي مجلز في قوله ‏{‏أية : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل‏}تفسير : ‏[‏البقرة: 127‏]‏ قال‏:‏ لما فرغ إبراهيم من البيت جاءه جبريل أراه الطواف بالبيت والصفا والمروة، ثم انطلقا إلى العقبة فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبع حصيات، فرمى وكبَّر وقال لإِبراهيم‏:‏ ارم وكبر مع كل رمية حتى أمَلَّ الشيطان، ثم انطلقا إلى الجمرة الوسطى فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات فرميا وكبرا مع كل رمية حتى املَّ الشيطان، ثم أتيا الجمرة القصوى فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبع حصيات، وقال‏:‏ ارم وكبر‏.‏ فرميا وكبرا مع كل رمية حتى أقل، ثم أتى به إلى منى فقال‏:‏ ههنا يحلق الناس رؤوسهم، ثم أتى به جمعاً فقال‏:‏ ههنا يجمع الناس الصلاة، ثم أتى به عرفات فقال‏:‏ عرفت‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ فمن ثم سميت عرفات‏.‏ واخرج الأزرقي عن زهير بن محمد قال‏:‏ لما فرغ إبراهيم من البيت الحرام قال‏:‏ أي رب قد فعلت فأرنا مناسكنا، فبعث الله إليه جبريل فحج به، حتى إذا جاء يوم النحر عرض له إبليس فقال‏:‏ احصب‏.‏ فحصب سبع حصيات، ثم الغد ثم اليوم الثالث فملأ ما بين الجبلين، ثم علا على منبر فقال‏:‏ يا عباد الله أجيبوا ربكم، فسمع دعوته من بين الأبحر ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، قالوا‏:‏ لبيك اللهم لبيك‏.‏ قال‏:‏ ولم يزل على وجه الأرض سبعة مسلمون فصاعداً، ولولا ذلك لأهلكت الأرض ومن عليها‏.‏ قال‏:‏ وأول من أجاب حين أذن بالحج أهل اليمن‏.‏ وأخرج الأزرقي عن مجاهد في قوله ‏ {‏وأرنا مناسكنا‏} ‏ قال‏:‏ مذابحنا‏.‏ وأخرج الجندي عن مجاهد قال‏:‏ قال الله لإِبراهيم عليه السلام‏ "‏قم فابن لي بيتاً‏.‏ قال‏:‏ أي رب أين‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏ قال‏:‏ سأخبرك‏" ‏فبعث الله إليه سحابة لها رأس فقالت‏:‏ يا إبراهيم إن ربك يأمرك أن تخط قدر هذه السحابة‏.‏ قال‏:‏ فجعل إبراهيم ينظر إلى السحابة ويخط‏.‏ فقالت‏:‏ قد فعلت‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ فارتفعت السحابة فحفر إبراهيم فأبرز عن أساس نابت من الأرض فبنى إبراهيم، فلما فرغ قال‏:‏ أي رب قد فعلت فأرنا مناسكنا‏.‏ فبعث الله إليه جبريل يحج به، حتى إذا جاء يوم النحر عرض له إبليس فقال له جبريل‏:‏ احصب‏.‏ فحصب بسبع حصيات، ثم الغد، ثم اليوم الثالث فالرابع، ثم قال‏:‏ أعل ثبيرا‏ً.‏ فعلا ثبيراً فقال‏:‏ أي عباد الله أجيبوا، أي عباد الله أطيعوا الله. فسمع دعوته ما بين الأبحر ممن في قلبه مثقال ذرة من الإِيمان، قالوا: لبيك أطعناك اللهم أطعناك، وهي التي أتى الله إبراهيم في المناسك‏:‏ لبيك اللهم لبيك، ولم يزل على الأرض سبعة مسلمون فصاعداً، لولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها‏.‏ وأخرج ابن خزيمة والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رفعه قال ‏"حديث : ‏لما أتى إبراهيم خليل الله المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثالثة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض"تفسير : ، قال ابن عباس‏:‏ الشيطان ترجمون، وملة أبيكم إبراهيم تتبعون‏.‏ وأخرج الطيالسي وأحمد وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال‏:‏ إن إبراهيم لما رأى المناسك عرض له الشيطان عند المسعى، فسابق إبراهيم فسبقه إبراهيم، ثم انطلق به جبريل حتى أراه مِنى فقال‏:‏ هذا مناخ الناس‏.‏ فلما انتهى إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أتى به جمرة الوسطى فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أتى به جمرة القصوى فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، فأتى به جمعاً فقال‏:‏ هذا المشعر‏.‏ ثم أتى به عرفة فقال‏:‏ هذه عرفة‏.‏ فقال له جبريل‏:‏ أعرفت‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ ولذلك سميت عرفة‏.‏ أتدري كيف كانت التلبية‏؟‏‏:‏ أن إبراهيم لما أمر أن يؤذن في الناس بالحج، أمرت الجبال فخفضت رؤوسها ورفعت له القرى، فأذن في الناس بالحج‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ‏ {‏وأرنا مناسكنا‏} ‏ قال‏:‏ أراهما الله مناسكهما‏.‏ الموقف بعرفات، والإِفاضة من جمع، ورمي الجمار والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة‏.‏

ابو السعود

تفسير : {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} مخلِصين لك أو مستسلمين من أَسلم إذا استسلم وانقادَ وأياً ما كان فالمطلوبُ الزيادةُ والثباتُ على ما كانا عليه من الإخلاصِ والإذعانِ وقرىء مسلِمين على صيغة الجمع بإدخال هاجَرَ معهما في الدعاء أو لأن التثنية من مراتب الجمع. {وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} أي واجعل بعضَ ذريتنا وإنما خصهم بالدعاء لأنهم أحقُّ بالشفقة ولأنهم إذا صلَحوا صلَح الأتباع وإنما خَصّا به بعضَهم لمّا علما أن منهم ظلمةً وأن الحكمة الإلٰهية لا تقتضي اتفاقَ الكل على الإخلاص والإقبالَ الكلي على الله عز وجل فإن ذلك مما يُخلُّ بأمر المعاش ولذلك قيل: لولا الحمقى لخَرِبَتِ الدنيا وقيل: أراد بالأمة المسلمة أمةَ محمد صلى الله عليه وسلم، وقد جوّز أن يكونَ (من) مبـينة قدّمت على المبـين وفُصل بها بـين العاطف والمعطوف كما في قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلأرْضِ مِثْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق، الآية 12] والأصلُ وأمةً مسلمةً لك من ذريتنا {وَأَرِنَا} من الرؤية بمعنى الإبصارِ أو بمعنى التعريفِ أي بصِّرنا أو عرِّفنا {مَنَاسِكَنَا} أي متعبداتِنا في الحج أو مذابحَنا، والنُسُك في الأصل غايةُ العبادة وشاعَ في الحج لما فيه من الكُلفة والبعد عن العادة وقرىء أرنا قياساً على فخذ في فخذ وفيه إجحاف لأن الكسرة المنقولة من الهمزة الساقطةِ دليل عليها وقرىء بالاختلاس {وَتُبْ عَلَيْنَا} استتابة لذريتهما، وحكايتُها عنهما لترغيب الكفرةِ في التوبة والإيمانِ أو توبةٌ لهما عما فرط منهما سهواً ولعلهما قالاه هضماً لأنفسهما وإرشاداً لذريتهما {إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} وهو تعليلٌ للدعاء ومزيدُ استدعاء للإجابة قيل: إذا أراد العبد أن يُستجاب له فليدع الله عز وجل بما يناسبه من أسمائه وصفاتِه {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ} أي في الأمة المسلمة {رَسُولاً مّنْهُمْ} أي من أنفسهم فإن البعث فيهم لا يستلزم البعثَ منهم ولم يُبعث من ذريتهما غيرُ النبـي صلى الله عليه وسلم فهو الذي أُجيب به دعوتُهما عليهما السلام رُوي أنه قيل له: قد استُجيب لك وهو في آخر الزمان قال عليه السلام: «حديث : أنا دعوةُ أبـي إبراهيمَ وبُشرى عيسى ورُؤيا أمي» تفسير : وتخصيصُ إبراهيمَ عليه السلام بالاستجابة له أنه الأصل في الدعاء وإسماعيلُ تبعٌ له عليه السلام {يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِكَ} يقرأ ويبلغهم ما يوحىٰ إليه من البـينات {وَيُعَلّمُهُمُ} بحسب قوتِهم النظرية {ٱلْكِتَـٰبِ} أي القرآن {وَٱلْحِكْــمَةِ} وما يُكمل به نفوسَهم من أحكام الشريعة والمعارف الحقة {وَيُزَكّيهِمْ} بحسب قوتهم العملية أي يطهِّرهم عن دنس الشرك وفنون المعاصي {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ} الذي لا يُقهر ولا يغلب على ما يريد {ٱلْحَكِيمُ} الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمةُ والمصلحةُ، والجملة تعليلٌ للدعاء وإجابةِ المسؤول فإن وصفَ الحكمةِ مقتضٍ لإفاضة ما تقتضيه الحِكمةُ من الأمور التي من جملتها بعثُ الرسول، ووصفُ العزة مستدعٍ لامتناع وجود المانِع بالمرة.

التستري

تفسير : قوله: {وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ}[128] قال: "الأمة": الجماعة، و "مسلمة لك"، أي: مسلمة لأمرك ونهيك، بالرضا والقبول منك.

القشيري

تفسير : "مسلمين": منقادين لحكمك حتى لا يتحرك مِنّا عرْق بغير رضاك، واجعل من ذريتنا أمة مسلمة لك لتقوم بعدنا مقامنا في القيام بحقوقك، وشتان بين من يطلب وارثاً لماله، وبين من يطلب نائباً بعده يقوم بطاعته في أحواله. {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} إذ لا سبيل إلى معرفة الموافقات إلا بطريق التوفيق والإعلام. {وَتُبْ عَلَيْنَآ}: بعد قيامنا بجميع ما أَمَرْتَنَا حتى لا نلاحظ حركاتِنا وسكناتِنا، ونرجع إليه عن شهود أفعالنا لئلا يكونَ خطرُ الشِّرْك الخفيِّ في توهُّمِ شيءِ مِنّا بِنَا.

البقلي

تفسير : {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} اى افتنا لبقائلك في جمال صفاتك وقال الجنيد ظاهر علم الاستسلام سقوط المسافات والمدة من البعد وليس يجدون في اشارتهم كلفة ولا فى ذكرهم الذى به يتقربون مونه استَولى عليهم من قربه واكتنافه لهم التخن عليهم والبر بهم لانه قد ازاح عنهم اسباب الطالب وقال فارس في قوله واجعلنا مسلمين لك اخرجنا عن اسباب الطلب بالحيل ومطالعة الخير بالعرض.

اسماعيل حقي

تفسير : {ربنا واجعلنا مسلمين لك} اى مخلصين لك فالمراد بالمسلم من يجعل نفسه وذاته خالصا لله تعالى بان يجعل التذلل والتعظيم الواقع منه للسان والاركان والجنان خالصا له تعالى ولا يعظم معه تعالى غيره ويعتقد بأن ذاته وصفاته وافعاله خالصة له تعالى خلقا وملكا لا مدخل فى شئ منها لاحد سواه او المعنى واجعلنا مستسلمين لك منقادين بالرضى بكل ما قدرت وبترك المنازعة فى احكامك فان الاسلام اذا وصل باللام الجارة يكون بمعنى الاستسلام والانقياد والرضى بالقضاء. فان قلت لا شك انهما كانا مخلصين ومستسلمين فى زمان صدور هذا الدعاء منهما. قلت المراد طلب الزيادة فى الاخلاص والاذعان او الثبات عليه فهذا تعليم منهما الناس الدعاء للتثبيت على الايمان فانهما لما سألا ذلك مع امنهما من زواله عنهما فكيف غيرهما مع خوفه وسألا ايضا الثبات على الانقياد فاجيبا الى ذلك حتى اسلم ابراهيم للالقاء فى النار واسماعيل للامر بالذبح {ومن ذريتنا امة مسلمة لك} اى واجعل بعض ذريتنا جماعة مخلصة لك بالعبادة والطاعة. وانما خص الذرية بالدعاء مع ان الانسب بحال اصحاب الهمم لا سيما الانبياء ان لا يخصوا ذريتهم بالدعاء لكنهما خصاهم لوجهين الاول كونهم احق بالشفقة كما فى قوله تعالى {أية : قوا أنفسكم وأهليكم نارا} تفسير : [التحريم: 6]. فدعوا لاولادهما ليكثر ثوابهما بهم وفى الحديث "حديث : ما من رجل من المسلمين يخلف من بعده ذرية يعبدون الله تعالى الا جعل الله له مثل اجورهم ما عبد الله منهم عابد حتى تقوم الساعة ". تفسير : والثانى انه وان كان تخصيصا صورة الا انه تعميم معنى لان صلاح اولاد الانبياء سبب وطريق لصلاح العامة فكأنهما قالا واصلح عامة عبادك باصلاح بعض ذريتنا وخصا البعض من ذريتهما لما علما ان من ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين وطريق علمها بذلك امر ان تنصيص الله تعالى بذلك بقوله {أية : لا ينال عهدى الظالمين}تفسير : [البقرة: 124]. والاستدلال بان حكمة الله تعالى تقتضى ان لا يخلو العالم عن افاضل واوساط وارذال فالافاضل هم اهل الله الذين هم اخلصوا انفسهم لله بالاقبال الكلى عليه والاوساط هم اهل الآخرة الذين يجتنبون المنكرات ويواظبون على الطاعات رغبة فى نيل المثوبات والارذال هم اهل الدنيا الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون جل همتهم عمارة الدنيا وتهيئة اسبابها. وقد قيل عمارة الدنيا بثلاثة اشياء احدها الزراعة والغرس والثانى الحماية والحرب والثالث جلب الاشياء من مصر الى مصر ومن اكب على هذه الاشياء ونسى الموت والبعث والحساب وسعى لعمارة الدنيا سعيا بليغا ودقق فى اعمال فكره تدقيقا عجيبا فهو متوغل فى الجهل والحماقة ولهذا قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا: وفى المثنوى شعر : اين جهان ويران شدى اندرزمان حرصها بيرون شدى ازمردمان استن اين عالم اى جان غفلتست هو شيارى اين جهان را آفتست هو شيارى زان جهانست وجو آن غالب آيدبست كردد اين جهان هو شيارى آفتاب وحرص يخ هو شيارى آب واين عالم وسخ تفسير : {وأَرنا مناسكنا} جمع منسك بفتح السين وكسرها اى بصرنا مواضع نسكنا او عرفنا مقتدراتنا اى المواضع التى يتعلق بها النسك اى افعال الحج نحو المواقيت التى يحرم منها والموضع الذى يوقف فيه بعرفة وموضع الطواف والصفا والمروة وما بينهما من المسعى وموضع رمى الجمار ويحتمل ان يراد بالمناسك ههنا افعال الحج نفسها لا مواضعها على ان يكون المنسك مصدرا لا اسم مكان ويكون جمعه لاختلاف انواعه ويكون ارنا بمعنى عرفنا لان نفس الافعال لا تدرك بالبصر بل ترى بعين القلب والنسك كل ما يتعبد به الى الله وشاع فى اعمال الحج لكونها اشق الاعمال بحيث لا تتأتى الا بمزيد سعى واجتهاد {وتب علينا} عما فرط منا سهوا من الصغائر ومن ترك الاولى وتجاوز عن ذنوب ذريتنا من الكبائر ولعلهما قالاه هضما لانفسهما وارشادا لذريتهما فانهما لما بنيا البيت ارادا ان يسنا للناس ويعرفاهم ان ذلك البيت وما يتبعه من المناسك والمواقف امكنة التفصى من الذنوب وطلب التوبة من علام الغيوب {إنك أنت التواب الرحيم} لمن تاب اصل التوبة الرجوع وتوبة الله على العبد قبوله توبته وان يخلق الانابة والرجوع فى قلب المسئ ويزين جوارحه الظاهرة بالطاعات بعد ما لوثها بالمعاصى والخطيآت وتواب من صيغ المبالغة اطلق عليه تعالى للمبالغة فى صدور الفعل منه وكثرة قبوله توبة المذنبين لكثرة من يتوب اليه.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: قال ابن عباس رضي الله عنه: لما فرغ إبراهيم وإسماعيل من بناء البيت، دَعَوَا بهذا الدعاء، فقال: {ربنا واجعلنا مسلمين لك} أي: منقادين لأوامرك الظاهرة ولأحكامك القهرية. واجعل {من ذريتنا أمة} أي: جماعة {مسلمة لك}؟ عَلِمَا - بوحي أو إلهام - أنه يكون من ذريتهما من يكفر بالله، {وأرنا} أي: عرفنا وعلمنا {مناسكنا} في الحج. والنُّسُك في الأصل: غاية العبادة، وشاع في الحج لما فيه من المشاق والكلفة، والبعد عن العادة. {وتب علينا} مما لا يليق بحالنا، فسحناتُ الأبرار سيئات المقربين، فلكل مقام ما ينقصه وإن كان كاملاً. ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يستغفر في الملجس سبعين مرة.إذ ما من مقام إلا وقبله ما فيه نقص، فإذا ترقى عنه استغفر منه {إنك أنت التواب الرحيم} أي: كثير القبول والإقبال على التائبين. {ربنا وابعث فيهم} أي: في الذرية {رسولاً منهم} وهو مولانا محمد صلى الله عليه وسلم قال - عليه الصلاة والسلام -:"حديث : أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى"تفسير : ، حال كونه {يتلو عليهم} أي: يبلغهم {آياتك} الدالة على توحيدك وصدق رسالتك، {ويعلمهم الكتاب} أي: القرآن {والحكمة} أي: الشريعة أو السنة. وقال مالك: هي الفقه في الدين والفهم فيه، أو نور يضعه في قلب من شاء من عباده، {ويزكيهم} أي: يطهرهم من لوث المعاصي وكدر الحس، {إنك أنت العزيز} الغالب في حكمه وسلطانه، {الحكيم} في صنعه وإتقانه، والله تعالى أعلم. الإشارة: تضمن دعاؤهما عليهما السلام ثلاثة أمور يُطلب التماسها والتحقق بها من كل أحد؛ أولها: الانقياد لله في الظاهر والباطن، بامتثال أمره والاستسلام لقهره، حتى يسري ذلك في الأصل إلى فرعه، وهي غاية المنّة، قال في الحكم: "متى جعلك في الظاهر ممتثلاً لأمره، وفي الباطن مستسلماً لقهره، فقد أعظم منته عليك". الثاني: معرفته الطريق، والسلوك على جادتها، كارتكاب مشاق الطاعات، ومعانقة مخالفة الهوى والشهوات، ورؤية التقصير في ذلك، وطلب التوبة مما هنالك، وهذه هي مناسك حج القلوب، والطريق الموصل إلى عَرَفَةِ حَضْرَةِ الغيوب، والثالث: الظفر بالداعي إلى الله والدال عليه، وهو المعلم الأكبر، صحبته تطهر من العيوب، ورؤيته تغني القلوب، وتدخلها إلى حضرة الغيوب، ظاهره قائم بوظائف الحكمة، وباطنه مشاهد لتصاريف القدرة، وهذا هو القائم بالتربية النبوية. وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : روي في الشواذ عن عوف بن الاعرابي انه قرأ {مسلمين} على الجمع. وانما سألا الله تعالى أن يجعلهما مسلمين بمعنى: ان يفعل لهما من الالطاف ما يتمسكان معه بالاسلام في مستقبل عمرهما لان الاسلام كان حاصلا في وقت دعائهما ويجري ذلك مجرى احدنا، اذا أدب ولده وعرّضه لذلك حتى صار أديباً جاز أن يقال: جعل ولده أديباً وعكس ذلك اذا عرضه للبلاء، والفساد، وجاز ان يقال: جعله ظالماً محتالاً فاسداً ويجوز ان يكونا قالا ذلك تعبداً كما قال تعالى: {ربّ احكم بالحق}. اللغة: والاسلام: هو الانقياد لامر الله تعالى بالخضوع، والاقرار بجميع ما أوجب عليه. وهو والايمان واحد عندنا، وعند اكثر المرجئة والمعتزلة. وفي الناس من قال: بينهما فرق، وليس ذلك بصحيح، لقوله {إن الدين عند الله الإسلام}. وقوله: {أية : ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه}تفسير : وانما خصّا بالدعوة بعض الذرية في قوله: {ومن ذريتنا}، لان (من) للتبعيض من حيث أن الله تعالى: كان أعلمه أن في ذريتهما من لا ينال العهد، لكونه ظالماً. وقال السدي: إنما عنيا بذلك العرب. والاول هو الصحيح. وهو قول اكثر المفسرين. وقوله: {وأرنا مناسكنا} فالمناسك ها هنا المتعبدات قال الزجاج: كل متعبد منسك. وقال الجبائي: المناسك هي ما يتقرب به إلى الله من الهدى، والذبح، وغير ذلك من اعمال الحج والعمرة. وقال قتادة: أراهما الله مناسكهما الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والافاضة عن عرفات والافاضة من جمع ورمي الجمار حتى أكمل الله الدين. فهذا القول أقوى لأنه العرف في معنى المناسك وقال عطا: مناسكنا مذابحنا. اللغة: والنسك في اللغة: العبادة. ورجل ناسك عابد، وقد نسك نسكا. والنسك: الذبيحة يقال: من فعل كذا فعلية نسك، اي دم يهريقه، ومنه قوله: {أو نسك} اي دم واسم تلك الذبيحة: النسيكة والموضع الذي يذبح فيه المناسك والمنسك هو النسك نفسه. قال الله (تعالى): {ولكل أمة جعلنا منسكا} ويقال: نسك ثوبه اي غسله وقال ابن دريد: النسك اصله ذبائح كانت تذبح في الجاهلية. والنسيكة: شاة كانوا يذبحونها في الحرم في الاسلام، ثم نسخ ذلك بالاضاحي قال الشاعر: شعر : وذا النصب المنصوب لا تنسكنه ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا تفسير : واصل الباب العبادة وقيل ان النسك الغسل. قال الشاعر: شعر : فلا ينبت المرعى سباخ عراعر ولو نسكت بالماء ستة اشهر تفسير : اي غسلت ذكره الحسين بن علي المغربي. قال: وليس بمعروف. وقوله: {وأرنا} يحتمل امرين: احدهما ـ ان يكون من رؤية البصر. والآخر ـ أن يكون من رؤية القلب بمعنى اعلمنا. قال حطائط بن جعفر شعر : اريني جوادا مات هزلا لعلني ارى ما ترين او بخيلا مخلدا تفسير : اي عرفني ومعنى قوله: {وتب علينا} اي ارجع علينا بالرحمة والمغفرة وليس فيه دلالة على جواز الصغيرة، او فعل القبيح عليهم. ومن ادعى ذلك، فقد ابطل. وقال قوم: معناه تب على ظلمة ذريتنا. وقيل: بل قالا: ذلك انقطاعا اليه "تعالى" تعبدا ليقتدى بهما فيه. وهو الذي نعتمده. و "التّواب" القابل للتوبة ها هنا واذا وصف به العبد، فمعناه أنه فاعل التوبة دفعة بعد اخرى، فيفيد المبالغة. فعلى مذهبنا اذا قلنا: قبل الله توبته اي تاب عليه معناه انه يستحق الثواب. واذا قلنا: تاب العبد من كبيرة مع الاقامة على كبيرة اخرى معناه عند من أجاز ذلك انه رفع العقاب بها على تلك الكبيرة التي تاب منها. وعندنا أنه يستحق بها الثواب ايضاً. وفي الآية دلالة على انه يحسن الدعاء بما يعلم الداعي أنه يكون لا محالة، لانهما كانا عالمين بأنهما لا يفارقان الاسلام. ولا ياتيان الكبيرة. القراءة: والاختيار في "أرنا" كسر الراء وهي قراءة الجمهور، لانها كسرة الهمزة حولت إلى الراء، لأن اصله كان ارئنا، فنقلت الكسرة إلى الراء وسقطت الهمزة، فلا ينبغي أن تسكن، لئلا تجحف بالكلمة وتبطل الدلالة على الهمزة. وقد سكنه ابن كثير. وفي بعض الروايات عن ابي عمر وعلى وجه التشبيه بما يسكن في مثل كبد وفخذ وقال الشاعر: شعر : لو عصر منه المسك والبان انعصر تفسير : وقال آخر: شعر : قالت سليمى اشتر لنا دقيقا واشتر وعجل خادما لبيقا

الجنابذي

تفسير : {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} من أسلم بمعنى انقاد او من أسلم بمعنى اخلص يعنى صار ذا سلامة من آفات النّفس وشرورها، وامّا أسلم بمعنى صار مسلماً وداخلاً فى ملّة الاسلام فانّه من المشتقّات الجعليّة المأخوذة بعد اشتهار ملّة الاسلام {وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ} الجسمانيّة والرّوحانيّة او الجسمانيّة فقط فانّهم أولى بالشّفقة ومن للتّبعيض وهو مع قوله تعالى {أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} عطف على مفعولى اجعل او من للبيان وامّة ومسلمة عطف على مفعولى اجعل ومن ذرّيّتنا حال عن الامّة او مسلمة صفة أمّة ولك فى مقام المفعول الثّانى ومن ذرّيّتنا حال عمّا بعده. وفى بعض الأخبار انّ المراد أهل البيت الّذين أذهب الله عنهم الرّجس وفى رواية أراد بنى هاشم خاصّة {وَأَرِنَا} أعلمنا {مَنَاسِكَنَا} محالّ اعمالنا للحجّ او محالّ عباداتنا على ان يكون جمع المنسك اسم المكان، او عباداتنا على ان يكون جمع المنسك مصدراً ميميّاً والنّسك بتثليث النّون واسكان السّين او بضمّتين العبادة او اعمال الحجّ مخصوصاً {وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} قد مضى بيان لتوبة العبد وتوبة الرّبّ عند قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ}تفسير : [البقرة: 37].

اطفيش

تفسير : {ربَّنا}: نداء ثان مؤكد للنداء فى قولهما {أية : ربنا تقبل منا}تفسير : أو نداء عائد إلى قولهما {إنك أنت} أى إنك أنت يا ربنا السميع العليم، أو إنك يا ربنا أنت السميع العليم مضاف إلى محذوف وقع العطف عليه فى قوله: {واجْعلنَا مُسْلمَين لَكَ}: أى يا ربنا أجب لنا واجعلنا مسلمين لك أى منقادين لأمرك ونهيك، أو مخلصين لك. ومن أسلم وجهه أو أخلصه، أو مؤمنين عاملين لك عملا صالحا، وذلك كله حاصل فيهما قبل هذا الدعاء، ولكن أراد الدعاء بزيادة فى ذلك أو بالثبات عليه. وقرئ مسلمين (بكسر الميم وإسكان الميم إسكانا ميتاً وفتح النون) وله أوجه: أحدها أن يكون من استعمال صيغة الجميع فى الاثنين، ونكتته أنه يخرج منهما إتباعا لهما على الخير والثانى أن يكون أراد الدعاء بالجعل مسلما أنفسهما ومن يؤمن من ذريتهما، والثالث أن يريدا نفسيهما وهاجر. وهى زوج إبراهيم أم إسماعيل عليه السلام. {ومِنْ ذُريَّتنا أمةً مُسلمةً لَكَ}: من ذريتنا معطوف على مسلمين، وأمة معطوقة على (نا) من قوله: {واجعلنا} كأنه قيل واجعل أمة مسلمة لك من ذريتنا، ومن للتبعيض كأمثاله السابقة، وخصا البعض لعلمهما أن فى ذريتهما ظلمة، كما أوحى الله عز وجل إلى إبراهيم: {أية : لا ينال عهدى الظالمين}. {أية : ومن كفر فأمتعه} تفسير : ولعلمهما أن الخدمة الإلهية لا تقتضى الاتفاق على الإيمان والإخلاص والإقبال الكلى إلى الله، فإن كثيراً من أمر المعاش أو كثيره يأتى بواسطة السفهاء حتى الدين، فإنه قد يعز بالسفهاء، روى عنه، صلى الله عليه وسم: "حديث : يؤيد الله هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم وفى أثر ذلك قوم قلت سفهاءهم" تفسير : ويقال: لولا الحمقاء لخربت الديار، وخصا الذرية بالدعاء لأنهم أحق بالشفقة، قال الله تعالى: {أية : قُوا أنفُسَكم وأهْلِيكم ناراً} تفسير : ولأنهم إذا صلحوا صلح بهم الأتباع، ألا ترى أن المقدم من العلماء والكبراء إذا كان صالحاً عادلا كيف يتسارع الصلاح والعدل إلى رعيته، فقد تشاركت الذرية وغيرها فى هذا، وزادت بحق القرابة فكان الاهتمام بها أولى، ويجوز أن تكون من للابتداء، سواء قلنا الجعل المذكور هو العامل، أو قدرنا اخلق أو اجعل بمعنى أخلق تعلق به من، أى واخلق من ذريتنا أمة مسملة لك، وكونها للابتداء لا يفوت بها التبعيض، بل هو باق هنا فإنك تقول: أعطنى الدراهم من الكيس، سواء تريد أن يعطيك بعضها فقط، أو أن يعطيك الكل. ويجوز أن تكون من للتبيين متعلقة بمحذوف حال من أمة، وأمة مفعول لا خلق أو اجعل، بمعنى اخلق محذوفاً. قال ابن هشام: قال بعض إن الظرف كان صفة لأمة، ثم قدم فانتصب على الحال، يعنى بالظرف قوله: {من ذريتنا} وهذا يلزم منه الفعل بين العاطف والمعطوف بالحال، وأبو على لا يجيزه بالظرف، فما الظن بالحال الشبيهة بالمفعول به؟ انتهى. وأقول لا مانع من ذلك ولا سيما أنهم يتوسعون فى الظروف، ومسلمة نعت لأمة، ويجوز كونه معطوفاً على مسلمَيْن، وأمة على "نا" وقد اختلفوا فى تقديم البيان على المبين، ولا يتعين أن يكون منه قوله تعالى: {أية : ومِنَ الأرْضِ مثْلهنَّ}تفسير : لجواز كونها للابتداء، كما أنها للابتداء فى قولك: صغت هذ السوار من فضة زوجى. ومرادهما بالأمة أمة ما، كائنة ما كانت من ذريتهما، فأجاب الله دعاءهما بمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته، وقيل: أراد محمداً، صلى الله عليه وسلم وأمته، بأن علما به وبها، ولم يعلما أنهم من ذريتهما فسألا الله أن يجعلهما منها. وإن قلت: كيف صح أن تكون من للبيان مع أنه ليست الأمة المسلمة التى سألاها الله كل ذريتهما، بل بعضها؟ قلت: صح على أن الإضافة فى ذريتنا للحقيقة لا للاستغراق. {وأرِنَا}: دعاء من رأى البصرية زيدت عليه همزة متعدية فتعدى لاثنين، لأن رأى البصرية متعدية لواحد، أو من الرؤية العرفانية وهى متعدية لواحد، ولما دخلت همزة التعدية تعدت لاثنين، والمفعول الثانى هو لفظ مناسك، والمعنى عرفنا مناسكنا. فليس كما قال بعض إن الرؤية القلبية لا تصح هنا، ألا ترى أنه صح معنى قولك عرفنا مناسكنا، والعرفان قلبى. وقرأ ابن كثير ويعقوب والسوسى عن أبى عمرو (أرنا) بإسكان الراء إما على التخفيف ونية الجزم، أو شبه الجزم هو حذف الياء، وإما على لغة من يعرب الأسماء المنقوصة على العين، وحذف اللام، كما قرئ {وله الجوار} بضم الراء، وكلتا اللغتين ضعيفة، ولا سيما هنا، فإن فيه إجحافاً، لأن عين الكلمة محذوفة بعد نقل حركتها للراء قبلها وهى همزة، ولام الكلمة محذوفة وهى الياء، يدل عليها الكسرة الباقية من الهمز، فإذا حذفت الكسرة ازداد الإجحاف بحذفها، ولا سميا أن فيها تلويحا للهمزة، لأنها منها، ودلالة على الياء، وفى رواية عن أبى عمرو: أنه يسكن الراء ويشملها الكسر. قال أبو عمرو الدانى: قرأ ابن كثير وأبو شعيب: وأرنا (وأرنى) بإسكان الراء، حيث وقعا، وأبو عمرو عن اليزيدى باختلاس كسرتها والباقون بإشباعها يعنى بإخلاصها. {مَنَاسِكنا}: أى مواضع نسكنا، أى مواضع عبادتنا، كموضع الوقوف من عرفات، وكالمشعر الحرام، وكمِنًى، والمرمى، والمطاف، والمسعى والمفاض، قال قتادة: المناسك معالم الحج والنسك فى الأصل، كل عبادة شاقة، وشاعت فى الحج لما فيه من مشقة السفر والاغتراب عن الأهل، ويستعمل أيصاً فى كل عبادة وإن لم تشق، واشتهر أيضاً فى الذبح لله سبحانه وتعالى، ويجوز تفسير الآية به، أى أرنا مذابحنا، كما فسر به الشيخ هود رحمه الله، ويجوز تفسيرها بكل عبادة، أى أرنا شرائع عبادتنا، أو مسائل الحج، وعلى هذين الوجهين يكون المنسك مصدراً ميمياً أجاب الله دعاءهما فأرسل جبريل وعلمهما وأراهما كيفية الحج ومواضعه، ولما بلغ عرفة قال: يا إبراهيم أعرفت؟ قال: عرفت. فسميت عرفة. وقيل: سميت (عرفة) لأن آدم تعارف فيها هو وحواء لما أهبطا إلى الأرض قال الحسن: إن جبريل أرى إبراهيم المناسك كلها، حتى إذا بلغ عرفات قال: يا إبراهيم أعرفت ما رأيت من المناسك؟ قال: نعم. فلذلك سميت عرفات، فلما كان عند الجمرة، يعنى جمرة العقبة، يوم النحر، ذهب يزور البيت فعرض له الشيطان فسد عليه الطريق، فأمره جبريل أن يرميه بسبع حصيات مثل حصى الحذف، ففعل فذهب، ثم عرض له فى اليوم الثانى فى الجمار كلها، وفى اليوم الثالث، وفى اليوم الرابع، كل ذلك يرميه بأمر جبريل بسبع حصيات. قال الحسن: إن جبريل عليه السلام أرى النبى صلى الله عليه وسلم المناسك كلها أيضاً كما أراها إبراهيم عليه السلام، لكنه أصل عن إبراهيم، وقد كان المسلمون قبل إبراهيم يؤمون نحو الكعبة فى صلاتهم، وعن ابن عباس: أنه عرض الشيطان ـ لعنه الله ـ لإبراهيم عليه السلام فى المسعى فسابقه فسبقه إبراهيم، وأنه ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان عندها فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، وكذا فى كل جمرة، وإنما لما أراد ذبح إسماعيل تله للجبين وعليه قميص أبيض، فقال: يا أبت ليس لى ثوب تكفننى فيه، فاخلعه لتكفنى فيه، فالتفت فإذا كبش أبيض أعين أقرن فذبحه، وأنه أتى به منى، فقال: هذا مناخ الناس، وأتى به جمعاً فقال: هذا المشعر الحرام ثم ذهب به إلى عرفة فقال: هل تدرى لما سميت عرفة؟ قال: ولم سميت؟ قال جبريل: هل عرفت المناسك؟ قال: عرفت، يشير جبريل إلى أن اسمها عرفة قبل ذلك، لأن إبراهيم سيقول فيها عرفت، فقرأ عبدالله ابن مسعود وأرهم مناسكهم يعنى ذريتهما. {وتُبْ}: وتجاوز. {عَليْنا}: سألاه التوبة مع أن الأنبياء معصومون من الكبائر، ولو قبل النبوة على الصحيح، ومن الصغائر ولو بعدها على الصحيح، ومن صغائر الخسة قطعا قبل وبعد تواضعاً وتعليماً لذريتهما، وإعلاماً بأن هذه المواطن الحجية مواطن التنصل من الذنوب، أو أراد طلب الدوام على التوبة أو أراد تب على ذريتنا، فحذف المضاف أو جمعا أو أنفسهما مع الذرية هضماً للنفس ورؤية لها بعين النقص، أو أراد تب علينا فيما صدر منا سهواً أو غلظاً أو نسياناً، وما كان جائزاً لا إثم فيه، لكن الأولى خلافه، وما كان من اقتصار على طاعة فعلا أو تركاً مع إمكان تناول ما هو أكبر منها وأشد، أو ما كان مكروهاً ولا رائحة إثم فيه، وما كان من فتور، ومن أجاز الصغائر أمكن عنده أن يريد التوبة من الصغائر، وقد روى عنه، صلى الله عليه وسلم، أنه يستغفر الله سبحانه وتعالى سبعين مرة أو مائة فى اليوم، وذلك أن يصعد من حالة إلى أرفع منها لتزايد علمه واطلاعه على أمر ربه. {إنَّكَ أنْتَ التَّوابُ}: المتجاوز بالعفو. {الرَّحيم}: لمن تاب.

اطفيش

تفسير : {رَبَّنَا} تأكيد للأول، أو استجب دعاءنا يا ربنا {وَاجْعَلْنَا مُسْلِمِينَ لَكَ} منقادين إليك أو مخلصين لك أعمالنا {وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً} واجعل من ذريتنا أمة {مُّسْلِمَةً لَّكَ} طلب البعضَ لعلمه من قوله "أية : وَلاَ ينالُ عهدي الظالمين" تفسير : [البقرة: 124] أى من ذريته من لا يكون مسلما لله، واختار الذرية لأنها أحق بالشفقة، وأنذر عشيرتك الأقربين، قوا أنفسكم وأهليكم ناراً. ولم يلغ غيرهم، لأن صلاح بعض الذرية صلاح لغيرهم من الأتباع، وقد أوقع الله ذلك، فأخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم إذ قال، ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين، ومن ذلك البعض أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم المجيبة المخلصة العربية التى من نسل إبراهيم، وأما غيرهم فتبع لهم {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} علمناها، وهى شرائع ديننا، أو مناسك الحج ومنها الذبح، أو بصِّنا مواضعها، ومنها مواضع الذبح، وأصل النسك العبادة الشاقة، ثم خص بالحج لمشقته، وربما خص بعده بالذبح، وموضع الكعبة قبل الأرض بألفى عام، زبدة بيضاء، وبسطت الأرض من تحتها، واستوحش آدم، وشكا إلى الله عز وجل فأنزل عليه البيت المعمور، ياقوتة من الجنة، لها بابان من زمرد أخضر، باب غربى، وباب شرقى فى موضع الكعبة، وقال: طف وصل عنده كعرشى، وأنزل عليه الحجر الأسود. فحج آدم من الهند ماشيا، معه ملك يدله، واستقبلته الملائكة أربعين فرسخاً، وقال له الملائكة بر حجك يا آدم، وقالوا، حقا لما قد تستعظم النفس من عبادتها، لقد حججناه قبلك بألفى عام، وزاد بعد ذلك تسعا وثلاثين حجة من الهند ماشياً، ورفع فى عهد آدم إلى السماء الرابعة، وبنى الكعبة فى موضعه، وقيل، رفع فى الطوفان، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ولا يعودون إليه، وأمر الله عز وجل جبريل عليه السلام أن يخبىء الحجر فى أبى قبيس صيانة من الغرق، وبقى البيت خرابا إلى أن أمر الله إبراهيم ببنائه، وبناه ورد إليه الحجر، وقد أمره الله جل جلاله الملائكة أن يتوافى كل سماء وأرض بيتاً على مست الكعبة. روى أن الأرض انشقت إلى منتهاها، وقذفت الملائكة حجارة كالإبل، أو كأسنتها، خضراء، وبنوا البيت عليها، ثم بناه آدم لطول عهده من حين بنوه، فتلك التى بنى عليه إبراهيم أظهره الله، فذلك بناءان، ثم شيث، ثم إبراهيم، ثم العمالقة، ثم الحارث بن مضاض الجرهمى، ثم قصىّ جد النبى صلى الله عليه وسلم، ثم قريش، لضعفه بالسيل، وحضره صلى الله عليه وسلم ابن خمس وثلاثين، ثم عبدالله ابن الزبير ليدخل فيه الحطيم على أصله مع ضعفه بحجارة المنجنيق، إذ حاصره الحجاج، حفر إلى حجارة الملائكة وبنى منها، وإذا ضرب المعول فيها تحركت كلها وسائر الأرض القريبة، وجعل لها بابا تحت الموجود الآن، وبابا مقابلا له من جهلة الركن اليمنى، ملتصقين بالأرض ابتداء فى جمادى الأخيرة، وختم فى رجب سنة خمس وستين، وذبح مائة بدنة للفقراء، وكساهم، وهدمه الحجاج كله وبناه، وأخرج الحطيم، وقيل، هدم الحجر القرامطة، وأخذوا الحجر، وقتلوا من وجدوا من المسلمين، ثم رد بعد مدة طويلة، وبنى ما هدموا، وبنى فيه بعض الملوك سنة ألف وتسع وثلاثين، وهو من حجارة خمسة أجبل، طور سيناء، وطور زيتاء، ولبنان بالشام، والجودى بالجزيرة، وقواعده من حراء بمكة {وَتُبْ عَلَيْنَا} فيما فرط منا من ترك ما هو أفضل إلى ما دونه، وذلك ما ليس بمعصية فى حق غير الأنبياء، كنوم أكثر الليل، وكما يكون من طبع البشر، كعجب ضرورى ينفيانه، وكالانتقام الجائر، ونحو ذلك مما ليس ذنبا فى حق الناس، وفعلاه عمداً أو سهواً أو نسياناً أو ذلك هضم، أو تعليم للتوبة، أو استتابة لذنوب ذريتهما، وأضافا لأنفسهما مبالغة، أو يقدر، وتب على ذريتنا، أو إجراء للولد مجرى النفس لعلاقة البعضية ليكون أقرب للإجابة والمعنى، أقبل توبتنا، وتوبة العامة الندم عن المعصية وإصلاح ما فسد، أو العزم على إصلاحه إن لم يمكن فى الحال، وتوبة الخواص الندم عن المكروه والتقصير والكسل فى العبادة، وتوبة خواص الخواص الترقي فى الدرجات، وهما عليهما السلام من الثالث، أو يخافان أن يكونا من الثانى، ويجوز أن يقدر، وتب على عصاتنا أو أراد المجموع، فيرجع الكلام إلى العصاة {إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ} لمن تاب {الرَّحِيمُ} به، كالحجة، لقولهما، تب علينا، وقد مر أن توبة الله التوفيق إلى التوبة، أو قبوله التوبة.

الالوسي

تفسير : {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} أي منقادين قائمين بشرائع الإسلام أو مخلصين موحدين لك ـ فمسلمين ـ إما من استسلم إذا انقاد أو من أسلم وجهه إذا أخلص نفسه أو قصده ولكل من المعنيين عرض عريض، فالمراد طلب الزيادة فيهما أو الثبات عليهما، والأول أولى نظراً إلى منصبهما وإن كان الثاني أولى بالنظر إلى أنه أتم في إظهار الانقطاع إليه جل جلاله. وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنه {مُسْلِمِينَ} بصيغة الجمع على أن المراد أنفسهما والموجود من أهلهما كهاجر وهذا أولى من جعل لفظ الجمع مراداً به التثنية، وقد قيل به هنا. {وَمِن ذُرّيَّتِنَا} عطف على الضمير المنصوب في {أَجَعَلْنَا} وهو في محل المفعول الأول و {أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} في موضع المفعول الثاني معطوف على {مُسْلِمَيْنِ لَكَ} ولو اعتبر حذف الجعل فلا بد أن يحمل على معنى التصيير لا الإيجاد لأنه وإن صح من جهة المعنى إلا أن الأول لا يدل عليه وإنما خصا ـ الذرية ـ بالدعاء لأنهم أحق بالشفقة كما قال الله تعالى: {أية : قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً }تفسير : [التحريم: 6] ولأنهم أولاد الأنبياء وبصلاحهم صلاح كل الناس فكان الاهتمام بصلاحهم أكثر، وخصا البعض لما علما من قوله سبحانه: {أية : وَمِن ذُرّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَـالِمٌ لّنَفْسِهِ } تفسير : [الصافات: 113] أو من قوله عز شأنه: {أية : لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [البقرة: 124] باعتبار السياق إن في ـ ذريتهما ـ ظلمة وأن الحكمة الإلۤهية تستدعي الانقسام إذ لولاه ما دارت أفلاك الأسماء ولا كان ما كان من أملاك السماء، والمراد من الأمة الجماعة أو الجيل، وخصها بعضهم بأمة محمد صلى الله عليه وسلم وحمل التنكير على التنويع، واستدل على ذلك بقوله تعالى: {أية : وَٱبْعَثْ} تفسير : [البقرة: 129] الخ ولا يخفى أنه صرف للفظ عن ظاهره واستدلال بما لا يدل، وجوز أبو البقاء أن يكون (أمة) المفعول الأول {وَمِن ذُرّيَّتِنَا} حال لأنه نعت نكرة تقدم عليها ـ ومسلمة ـ المفعول الثاني وكان الأصل ـ واجعل أمة من ذريتنا مسلمة لك ـ فالواو داخلة في الأصل على (أمة) وقد فصل بينهما بالجار والمجرور، و (من) عند بعضهم على هذا بيانية على حد {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ } تفسير : [النور: 55] ونظر فيه أبو حيان بأن أبا علي وغيره منعوا أن يفصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف والفصل بالحال أبعد من الفصل بالظرف، وجعلوا ما ورد من ذلك ضرورة وبأن كون (من) للتبيين مما يأباه الأصحاب ويتأولون ما فهم ذلك من ظاهره؛ ولا يخفى أن المسألة خلافية وما ذكره مذهب البعض وهو لا يقوم حجة على البعض الآخر. {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} قال قتادة: مَعالِمُ الحج، وقال عطاء و[ابن] جريج: مواضع الذبح، وقيل: أعمالنا التي نعملها إذا حججنا فالمنسك بفتح السين والكسر شاذ إما مصدر أو مكان وأصل النسك بضمتين غاية العبادة وشاع في الحج لما فيه من الكلفة غالباً والبعد عن العادة، {وَأَرِنَا} من رأى البصرية ولهمزة الأفعال تعدت إلى مفعولين أو من رأى القلبية بمعنى عرف لا علم، وإلا لتعدت إلى ثلاثة، وأنكر ابن الحاجب وتبعه أبو حيان ثبوت رأى بمعنى عرف، وذكره الزمخشري في «المفصل» والراغب/ في «مفرداته» وهما من الثقات فلا عبرة بإنكارهما، وقرأ ابن مسعود (وأرهم مناسكهم) بإعادة الضمير إلى الذرية، وقرأ ابن كثير ويعقوب ـ وأرْنا ـ بسكون الراء وقد شبه فيه المنفصل بالمتصل فعومل معاملة (فخذ) في إسكانه للتخفيف، وقد استعملته العرب كذلك ومنه قوله:شعر : أرنا إداوة عبد الله نملؤها من ماء زمزم إن القوم قد ظمئوا تفسير : وقول الزمخشري: ((إن هذه القراءة قد استرذلت لأن الكسرة منقولة من الهمزة الساقطة دليل عليها فإسقاطها إجحاف)) مما لا ينبغي لأن القراءة من المتواترات ومثلها أيضاً موجود في كلام العرب العرباء. {وَتُبْ عَلَيْنَا} أي وفقنا للتوبة أو اقبلها منا والتوبة تختلف باختلاف التائبين فتوبة سائر المسلمين الندم والعزم على عدم العود ورد المظالم إذا أمكن، ونية الرد إذا لم يمكن، وتوبة الخواص الرجوع عن المكروهات من خواطر السوء، والفتور في الأعمال، والإتيان بالعبادة على غير وجه الكمال، وتوبة خواص الخواص لرفع الدرجات، والترقي في المقامات، فإن كان إبراهيم وإسمٰعيل عليهما السلام طلبا التوبة لأنفسهما خاصة، فالمراد بها ما هو من توبة القسم الأخير، وإن كان الضمير شاملاً لهما وللذرية كان الدعاء بها منصرفاً لمن هو من أهلها ممن يصح صدور الذنب المخل بمرتبة النبوة منه، وإن قيل: إن الطلب للذرية فقط وارتكب التجوز في النسبة إجراءاً للولد مجرى النفس بعلاقة البعضية ليكون أقرب إلى الإجابة، أو في الطرف حيث عبر عن الفرع باسم الأصل، أو قيل: بحذف المضاف ـ أي على عصاتنا ـ زال الإشكال كما إذا قلنا: إن ذلك عما فرط منهما من الصغائر سهواً، والقول بأنهما لم يقصدا الطلب حقيقة، وإنما ذكرا ذلك للتشريع وتعليم الناس إن تلك المواضع مواضع التنصل، وطلب التوبة من الذنوب بعيد جداً، وجعل الطلب للتثبيت لا أراه هنا يجدي نفعاً ـ كما لا يخفى ـ وقرأ عبد الله {وَتُبْ عَلَيْهِمْ} بضمير جمع الغيبة أيضاً. {إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تعليل للدعاء ومزيد استدعاء للإجابة، وتقديم التوبة للمجاورة، وتأخير الرحمة لعمومها ولكونها أنسب بالفواصل.

ابن عاشور

تفسير : فائدة تكرير النداء بقوله: {ربنا} إظهار الضراعة إلى الله تعالى وإظهار أن كل دعوى من هاته الدعوات مقصودة بالذات، ولذلك لم يكرر النداء إلا عند الانتقال من دعوة إلى أخرى فإن الدعوة الأولى لطلب تقبل العمل والثانية لطلب الاهتداء فجملة النداء معترضة بين المعطوف هنا والمعطوف عليه في قوله الآتي: {أية : ربنا وابعث فيهم رسولاً}تفسير : [البقرة: 129]. والمراد بمسلميْن لك المنقادان إلى الله تعالى إذ الإسلام الانقياد، ولما كان الانقياد للخالق بحق يشمل الإيمان بوجوده وأن لا يشرك في عبادته غيره ومعرفة صفاته التي دل عليها فعله كانت حقيقة الإسلام ملازمة لحقيقة الإيمان والتوحيد، ووجه تسمية ذلك إسلاماً سيأتي عند قوله: {أية : فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون}تفسير : [البقرة: 132]، وأما قوله تعالى: {أية : قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا}تفسير : [الحجرات: 14] فإنه فكك بينهما لأن إسلامهم كان عن خوف لا عن اعتقاد، فالإيمان والإسلام متغايران مفهوماً وبينهما عموم وخصوص وجهي في المصداق، فالتوحيد في زمن الفترة إيمان لا يترقب منه انقياد إذ الانقياد إنما يحصل بالأعمال، وانقياد المغلوب المكره إسلام لم ينشأ عن اعتقاد إيمان، إلا أن صورتي الانفراد في الإيمان والإسلام نادرتان. ألهم الله إبراهيم اسم الإسلام ثم ادخره بعده للدين المحمدي فنُسي هذا الاسم بعد إبراهيم ولم يلقب به دين آخر لأن الله أراد أن يكون الدين المحمدي إتماماً للحنيفية دين إبراهيم وسيجيء بيان لهذا عند قوله تعالى: {أية : ما كان إبراهيم يهودياً}تفسير : في سورة آل عمران (67). ومعنى طلب أن يجعلهما مسلمين هو طلب الزيادة في ما هما عليه من الإسلام وطلب الدوام عليه، لأن الله قد جعلهما مسلمين من قبل كما دل عليه قوله: {أية : إذ قال له ربه أسلم}تفسير : [البقرة: 131] الآية. وقوله: {ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} يتعين أن يكون {من ذريتنا} و{مسلمة} معمولين لفعل {واجعلنا} بطريق العطف، وهذا دعاء ببقاء دينهما في ذريتهما، و(من) في قوله: {ومن ذريتنا} للتبعيض، وإنما سألا ذلك لبعض الذرية جمعاً بين الحرص على حصول الفضيلة للذرية وبين الأدب في الدعاء لأن نبوءة إبراهيم تقتضي علمه بأنه ستكون ذريته أمماً كثيرة وأن حكمة الله في هذا العالم جرت على أنه لا يخلو من اشتماله على الأخيار والأشرار فدعا الله بالممكن عادة، وهذا من أدب الدعاء وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: {أية : قال ومن ذريتي}تفسير : [البقرة: 124]. ومن هنا ابتدىء التعريض بالمشركين الذين أعرضوا عن التوحيد واتبعوا الشرك، والتمهيد لشرف الدين المحمدي. والأمة اسم مشترك يطلق على معان كثيرة والمراد منها هنا الجماعة العظيمة التي يجمعها جامع له بال من نسب أو دين أو زمان، ويقال أمة محمد مثلاً للمسلمين لأنهم اجتمعوا على الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهي بزنة فُعله وهذه الزنة تدل على المفعول مثل لقطة وضحكة وقدوة، فالأمة بمعنى مأمومة اشتقت من الأم بفتح الهمزة وهو القصد، لأن الأمة تقصدها الفرق العديدة التي تجمعها جامعة الأمة كلها، مثل الأمة العربية لأنها ترجع إليا قبائل العرب، والأمة الإسلامية لأنها ترجع إليها المذاهب الإسلامية، وأما قوله تعالى: {أية : وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم}تفسير : [الأنعام: 38] فهو في معنى التشبيه البليغ أي كأمم إذا تدبرتم في حكمة إتقان خلقهم ونظام أحوالهم وجدتموه كأمم أمثالكم لأن هذا الاعتبار كان الناس في غفلة عنه. وقد استجيبت دعوة إبراهيم في المسلمين من العرب الذين تلاحقوا بالإسلام قبل الهجرة وبعدها حتى أسلم كل العرب إلا قبائل قليلة لا تنخرم بهم جامعة الأمة، وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى: {أية : ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم}تفسير : [البقرة: 129]، وأما من أسلموا من بني إسرائيل مثل عبد الله بن سلام فلم يلتئم منهم عدد أمة. وقوله: {وأرنا مناسكنا} سؤال لإرشادهم لكيفية الحج الذي أمرا به من قبل أمراً مجملاً، ففعل {أرنا} هو من رأى العرفانية وهو استعمال ثابت لفعل الرؤية كما جزم به الراغب في «المفردات» والزمخشري في «المفصل» وتعدت بالهمز إلى مفعولين. وحق رأى أن يتعدى إلى مفعول واحد لأن أصله هو الرؤية البصرية ثم استعمل مجازاً في العلم بجعل العلم اليقيني شبيهاً برؤية البصر، فإذا دخل عليه همز التعدية تعدى إلى مفعولين وأما تعدية أرى إلى ثلاثة مفاعيل فهو خلاف الأصل وهو استعمال خاص وذلك إذا أراد المتكلم الإخبار عن معرفة صفة من صفات ذات فيذكر اسم الذات أولاً ويعلم أن ذلك لا يفيد مراده فيكمله بذكر حال لازمة إتماماً للفائدة فيقول رأيت الهلال طالعاً مثلاً ثم يقول: أراني فلان الهلال طالعاً، وكذلك فعل علم وأخواته من باب ظن كله ومثله باب كان وأخواتها، ألا ترى أنك لو عدلت عن المفعول الثاني في باب ظن أو عن الخبر في باب كان إلى الإتيان بمصدر في موضع الاسم في أفعال هذين البابين لاستغنيت عن الخبر والمفعول الثاني فتقول كان حضور فلان أي حصل وعلمت مجيء صاحبك وظننت طلوع الشمس وقد رُوي قولُ الفِنْد الزِّمّاني:شعر : عَسَى أن يُرجِعَ الأيّا مُ قَوْماً كالذي كانوا تفسير : وقال حَطائط بن يَعْفُر:شعر : أَرِيني جَواداً مات هُزْلاً لعلَّني أَرى ما ترين أو بخيلاً مُخَلَّدا تفسير : فإن جملة مات هزلاً ليست خبراً عن جواداً إذ المبتدأ لايكون نكرة، وبهذا يتبين أن الصواب أن يعد الخبر في باب كان والمفعول الثاني في باب ظن أحوالاً لازمة لتمام الفائدة وأن إطلاق اسم الخبر أو المفعول على ذلك المنصوب تسامح وعبارة قديمة. وقرأ ابن كثير ويعقوب {وأرْنا} بسكون الراء للتخفيف وقرأه أبو عمرو باختلاس كسرة الراء تخفيفاً أيضاً، وجملة {إنك أنت التواب الرحيم} تعليل لجمل الدعاء. والمناسك جمع منسك وهو اسم مكان من نسك نَسكاً من باب نصر أي تعبد أو من نسك بضم السين نساكة بمعنى ذبح تقرباً، والأظهر هو الأول لأنه الذي يحق طلب التوفيق له وسيأتي في قوله تعالى: {أية : فإذا قضيتم مناسككم}تفسير : [البقرة: 200].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ}. لم يبين هنا من هذه الأمة التي أجاب الله بها دعاء نبيه إبراهيم وإسماعيل، ولم يبين هنا أيضاً هذا الرسول المسؤول بعثه فيهم من هو؟ ولكنه يبين في سورة الجمعة أن تلك الأمة العرب، والرسول هو سيد الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك في قوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ} تفسير : [الجمعة: 2-3] لأن الأميين العرب بالإجماع، والرسول المذكور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إجماعاً، ولم يبعث رسول من ذرية إبراهيم وإسماعيل إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وحده. وثبت في الصحيح أنه هو الرسول الذي دعا به إبراهيم، ولا ينافي ذلك عموم رسالته صلى الله عليه وسلم إلى الأسود والأحمر.

الواحدي

تفسير : {ربنا واجعلنا مسلمين لك} مُطيعين مُنقادين لحكمك {ومن ذريتنا أمة} جماعةً {مسلمة لك} وهم المهاجرون والأنصار والتَّابعون بإحسان {وأرنا مناسكنا} عرّفنا مُتَعبَّداتنا. {ربنا وابعث فيهم} في الأمَّة المسلمة {رسولاً منهم} يريد: محمَّداً صلى الله عليه وسلم {يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة} أَي: القرآن {ويزكيهم} ويُطهِّرهم من الشِّرك {إنك أنت العزيز} الغالب القويُّ الذي لا يعجزه شيءٌ، ومضى تفسير الحكيم. {ومَنْ يرغب عن ملة إبراهيم} أَيْ: وما يرغب عنها ولا يتركها {إلاَّ مَنْ سفه نفسه} أَيْ: جهلها بأَنْ لم يعلم أنَّها مخلوقةٌ لله تعالى يجب عليها عبادة خالقها {ولقد اصطفيناه في الدُّنيا} اخترناه للرِّسالة {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} أَيْ: من الأنبياء. {إذ قال له ربه أسلم} أخلص دينك لله سبحانه بالتَّوحيد، وقيل: أسلم نفسك إلى الله {قال أسلمت} بقلبي ولساني وجوارحي {لرب العالمين}. {ووصَّى بها} أَيْ: أمر بالملَّة، وقيل: بكلمة الإِخلاص {إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنيَّ} أراد: أَنْ يا بنيَّ {إنَّ الله اصطفى لكم الدين} أَي: الإِسلام دين الحَنيِفيَّة {فلا تموتن إلاَّ وأنتم مسلمون} أَي: الزموا الإِسلام حتى إذا أدرككم الموت صادفكم عليه.

د. أسعد حومد

تفسير : (128) - رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُخْلِصَيْنِ لَكَ فِي العِبَادَةِ، مُسْتَسْلِمَيْنِ لأَِمْرِكَ وَقَضَائِكَ، خَاضِعَيْنِ لِطَاعَتِكَ، لاَ نُشْرِكُ مَعَكَ فِي العِبَادَةِ أَحَداً، وَاجْعَلْ مَنْ ذُرِّيتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ تَعْبُدُكَ، وَلاَ تُشْرِكُ بِكَ شَيْئاً، لِيَسْتَمِرَّ الإِسْلاَمُ بِقُوّةِ الأُمَّةِ، وَتَعَاوُنِ الجَمَاعَةِ، وَعَلِّمْنا مَنَاسِكَ حَجِّنَا، وَوَفِّقْنَا لِنَتُوبَ إِليكَ، وَنَرْجِعَ إِليكَ مِنَ كُلِّ عَمَلٍ يَشْغَلُنا عَنْكَ، وَأَنْتَ يَا رَبِّ الكَثِيرُ التَّوْبِ، الرَّحيمُ بِالتَّائِبينَ. (وَقَدْ صَحِبَ جِبْرِيلُ، عَلَيهِ السَّلامُ، إِبراهيمَ إِلى مِنىً وَعَرَفَاتٍ وَالمشْعَرِ الحَرَامِ، لِيُرِيَهُ المَنَاسِكَ، وَالأَعْمَالَ الوَاجِبَ إِتمَامُها فِي الحَجِّ، وَفِي الطَّرِيقِ عَرَضَ إبليسُ لإِبراهِيمَ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، فَذلِكَ سَبَبُ رَمْيِ الجمارِ). أَرِنَا مَنَاسِكَنَا - عَلِّمْنا مَنَاسِكَ حَجِّنا. المَنْسَكُ - المَكَانُ المُقَدَّسُ، وَيُقْصَدُ بِالمَنَاسِكِ هُنَا الأَفْعَالُ التِي يَقُومُ الحَاجُّ بِها. كَالطَّوافِ وَالوُقُوفِ فِي عَرَفَاتٍ وَمِنىً. التَّوَّابُ - كَثيرُ التَوْبِ والمَغْفِرةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هناك فرق بين أن تُكَلَّفَ بشيء فتفعله بحب، وأن تفعل شكلية التكليف وتخرج من عملك خروج الذي ألقى عن كاهله عبء التكليف .. في هذه الآية الكريمة دعاء إبراهيم وابنه إسماعيل، وكانا يقولان يا رب أنت أمرتنا أن نرفع القواعد من البيت وقد فعلنا ما أمرتنا .. وليس معنى ذلك أننا اكتفينا بتكليفك لنا لأننا نريد أن نذوق حلاوة التكليف منك مرات ومرات .. {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} [البقرة: 128] نسلم كل أمورنا إليك. إن الإنسان لا يمكن أن ينتهي من تكليف ليطلب تكليفاً غيره؛ إلا إذا كان قد عشق حلاوة التكليف ووجد فيه استمتاعاً .. ولا يجد الإنسان استمتاعاً في التكليف؛ إلا إذا استحضر الجزاء عليه .. كلما عمل شيئاً استحضر النعيم الذي ينتظره على هذا العمل فطلب المزيد. إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بمجرد أن فرغاً من رفع القواعد من البيت قالا: {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} [البقرة: 128] ولم يكتفيا بذلك بل أرادا امتداد حلاوة التكليف إلى ذريتهما من بعدهما .. فيقولان: {وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} [البقرة: 128] .. ليتصل أمد منهج الله في الأرض ويستمر التكليف من ذرية إلى ذرية إلى يوم القيامة .. ثم يقولان: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} [البقرة: 128] .. أي بَيِّنْ لنا يا رب ما تريده منا .. بَيِّنْ لنا كيف نعبدك وكيف نتقرب إليك .. والمناسك هي الأمور التي يريد الله سبحانه وتعالى أن نعبده بها. وقوله: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} [البقرة: 128] ترينا أن إبراهيم يرغب في فتح أبواب التكليف على نفسه، لأنه لا يرى في كل تكليف إلا تطهيراً للنفس وخيراً للذرية ونعيماً في الآخرة .. ولذلك يقول كما يروي لنا الحق: {وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} [البقرة: 128] .. وتب علينا ليس ضرورياً أن نفهمها على أنها توبة من المعصية .. وأن إبراهيم وإسماعيل وقعا في المعصية فيريدان التوبة إلى الله .. وإنما لأنهما علما أن من سيأتي بعدهما سيقع في الذنب فطلبا التوبة لذريتهما .. ومن أين عَلِما؟ عندما قال الله سبحانه وتعالى لإبراهيم: {أية : وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [البقرة: 126].. لقد طلبا من الله تبارك وتعالى التوبة والرحمة لذريتهما .. والله يحب التوبة من عباده وهو سبحانه أفرح بتوبة عبده المؤمن من أحدكم وقع على بعيره وقد أضله في فلاة .. لأن المعصية عندما تأخذ الإنسان من منهج الله لتعطيه نفعاً عاجلاً فإن حلاوة الإيمان - إن كان مؤمناً - ستجذبه مرة أخرى إلى الإيمان بعيداً عن المعاصي .. ولذلك قيل إن انتفعت بالتوبة وندمت على ما فعلت، فإن الله لا يغفر لك ذنوبك فقط، ولكن يبدل سيئاتك حسنات .. وقلنا إن تشريع التوبة كان وقاية للمجتمع كله من أذى وشر كبير .. لأنه لو كان الذنب الواحد يجعلك خالداً في النار، ولا توبة بعده لتَجَبَّرَ العصاة وازدادوا شراً .. ولأصيب المجتمع كله بشرورهم ولَيَئِسَ الناس من آخرتهم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (حديث : كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ). تفسير : لذلك فمن رحمة الله سبحانه أنه شرع لنا التوبة ليرحمنا من شراسة الأذى والمعصية.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {أَرِنَا مَنَاسِكَنَا} معناه عَلِّمنا مناسِكَنَا.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 36 : 42 - سفين عن بن جريج عن عطآء في قوله جل وعز {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} قال، ذبايحنا. [الآية 128].

همام الصنعاني

تفسير : 129- عبد الرزّاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا}: [الآية: 128]، قال: أرنا منسكنا وحجنا. 130- عبد الرزّاق، قال: حدثني الثوري، عن ابن جريج، عن عطاء: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا}: [الآية: 128]، قال: مذابحنا. 131- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا ابن التيمي، عَنْ كثير بن زياد، قال: سألتُ الحسن عن "الحَنِيفِيَّة". فقال: "هُوَ حجٌ هذا البيت"، قال ابن التيمي: وأخبرني جويبر، عن الضحاك بن مزاحم مثله. 132- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عَنْ ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمرو قال: صلَّى جبريل بإبراهيم الظهر والعصر بعرفات، ثم وقَفَ به حتَّى إذا غربَتْ الشَّمْسُ دفع به فصلَّى به المغرب والعشاء بجَمْعٍ، ثم صلَّى الفجر كأسرع ما صلّى أحد من المسلمين. 123- عبد الرزّاق، قال معمر، وقال أيوب، قال أبي مليكة: صلَّى به صلاة معجلة، ثم وقف به حتى إذا كان كأفضل ما يصلي أحد من المسلمين. قال معمر، وقال أيوب: ثم وقَفَ به حتى إذا كان كالصَّلاةِ المؤخرة دفع به، ثم رَمَى الجمرة، ثم ذبح ثم حلق، ثم أفاض به إلى البيت. وقال الله لِنَبيِّه: {ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}: [النحل: 123].