Verse. 136 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيْہِمْ رَسُوْلًا مِّنْھُمْ يَتْلُوْا عَلَيْہِمْ اٰيٰـتِكَ وَيُعَلِّمُہُمُ الْكِتٰبَ وَالْحِكْمَۃَ وَيُزَكِّيْہِمْ۝۰ۭ اِنَّكَ اَنْتَ الْعَزِيْزُ الْحَكِيْمُ۝۱۲۹ۧ
Rabbana waibAAath feehim rasoolan minhum yatloo AAalayhim ayatika wayuAAallimuhumu alkitaba waalhikmata wayuzakkeehim innaka anta alAAazeezu alhakeemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ربنا وابعث فيهم» أي أهل البيت «رسولا منهم» من أنفسهم وقد أجاب الله دعاءه بمحمد «يتلو عليهم آياتك» القرآن «ويعلمهم الكتاب» القرآن «والحكمة» أي ما فيه من الأحكام «ويزكيهم» يطهرهم من الشرك «إنك أنت العزيز» الغالب «الحكيم» في صنعه.

129

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. وفي قراءة أُبَيّ «وَٱبْعثْ فِي آخِرِهِم رَسُولاً مِنهم». وقد روى خالد بن مَعْدَان: "حديث : أنّ نفراً من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم قالوا له: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك؛ قال: نعم أنا دعوة أبي إبراهيم وبُشْرَى عيسى»تفسير : . و «رسولاً» أي مرسَلاً؛ وهو فعول من الرسالة. قال ٱبن الأنباري: يشبه أن يكون أصله من قولهم: ناقةٌ مِرْسالٌ ورَسْلَة؛ إذا كانت سهلة السير ماضية أمام النُّوق. ويقال للجماعة المهملة المرسَلة: رَسَلٌ، وجمعه أرسال. ويقال: جاء القوم أرسالاً، أي بعضهم في أثر بعض؛ ومنه يقال للبن رِسْلٌ؛ لأنه يرسل من الضرع. قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} «الكتاب»: القرآن. و «الحكمة»: المعرفة بالدِّين، والفقه في التأويل، والفهم الذي هو سجّية ونور من الله تعالى؛ قاله مالك، ورواه عنه ٱبن وهب، وقاله ٱبن زيد: وقال قتادة: «الحكمة» السُّنة وبيان الشرائع. وقيل: الحُكْم والقضاء خاصّةً؛ والمعنى متقارب. ونُسب التعليم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم من حيث هو يعطي الأمور التي ينظر فيها، ويعلم طريق النظر بما يلقيه الله إليه من وَحْيه. {وَيُزَكِّيهِمْ} أي يطهرهم من وَضَر الشرك؛ عن ٱبن جُريج وغيره. والزكاة: التطهير، وقد تقدّم. وقيل: إن الآيات تلاوة ظاهر الألفاظ. والكتاب معاني الألفاظ. والحِكمة الحُكْم؛ وهو مراد الله بالخطاب من مطلق ومقيّد، ومفسّر ومُجْمَل، وعموم وخصوص، وهو معنى ما تقدّم، والله تعالى أعلم. و {ٱلعَزِيزُ} معناه المنيع الذي لا ينال ولا يغالب. وقال ٱبن كَيْسان: معناه الذي لا يُعجزه شيء؛ دليله: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [فاطر: 44]. الكسائي: «العزيزُ» الغالب؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ} تفسير : [ص: 23]. وفي المَثل: «مَن عَزّبَزّ» أي من غَلب سَلب. وقيل: «العزيز» الذي لا مِثْل له؛ بيانه {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11]. وقد زدنا هذا المعنى بياناً في ٱسمه العزيز في كتاب «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى» وقد تقدّم معنى «الحكيم» والحمد لله.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى إخباراً عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحرم أن يبعث الله فيهم رسولاً منهم، أي: من ذرية إبراهيم، وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق في تعيين محمد صلوات الله وسلامه عليه رسولاً في الأميين إليهم وإلى سائر الأعجميين من الإنس والجن، كما قال الإمام أحمد: أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح، عن سعيد بن سويد الكلبي، عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرين»تفسير : وكذلك رواه ابن وهب، والليث، وكاتبه عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، وتابعه أبو بكر بن أبي مريم عن سعيد بن سويد به، وقال الإمام أحمد أيضاً: أخبرنا أبو النضر، أخبرنا الفرج، أخبرنا لقمان بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة قال: قلت: يا رسول الله ما كان أول بدء أمرك؟ قال: «حديث : دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بي، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام»تفسير : والمراد أن أول من نوه بذكره وشهره في الناس إبراهيم عليه السلام، ولم يزل ذكره في الناس مذكوراً مشهوراً سائراً حتى أفصح باسمه خاتم أنبياء بني إسرائيل نسباً، وهو عيسى بن مريم عليه السلام، حيث قام في بني إسرائيل خطيباً، وقال {أية : إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى ٱسْمُهُ أَحْمَدُ}تفسير : [الصف: 6] ولهذا قال في هذا الحديث: «حديث : دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بن مريم»تفسير : وقوله: «حديث : ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام»تفسير : قيل: كان مناماً رأته حين حملت به، وقصته على قومها، فشاع فيهم واشتهر بينهم، وكان ذلك توطئة، وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه ونبوته ببلاد الشام، ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلاً للإسلام وأهله، وبها ينزل عيسى بن مريم إذا نزل بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها، ولهذا جاء في الصحيحين: «حديث : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك»تفسير : وفي صحيح البخاري: «حديث : وهم بالشام»تفسير : قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله: {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ} يعني: أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقيل له: قد استجيب لك، وهو كائن في آخر الزمان، وكذا قال السدي وقتادة، وقوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} يعني: القرآن، {وَٱلْحِكْمَةَ} يعني، السنة، قاله الحسن وقتادة ومقاتل بن حيان وأبو مالك وغيرهم، وقيل: الفهم في الدين، ولا منافاة، {وَيُزَكِّيهِمْ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني: طاعة الله. وقال محمد بن إسحاق: {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ} قال: الخير، فيفعلوه، والشر، فيتقوه، ويخبرهم برضا الله عنهم إذا أطاعوه؛ ليستكثروا من طاعته، ويجتنبوا ما يسخطه من معصيته، وقوله: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ} أي: العزيز الذي لا يعجزه شيء، وهو قادر على كل شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله، فيضع الأشياء في محالها لعلمه وحكمته وعدله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ } أي أهل البيت {رَسُولاً مّنْهُمْ } من أنفسهم وقد أجاب الله دعاءه بمحمد صلى الله عليه وسلم {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِكَ } القرآن {وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ } القرآن {وَٱلْحِكْمَةَ } أي ما فيه من الأحكام {وَيُزَكّيهِمْ } يطهرهم من الشرك {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ } الغالب {ٱلْحَكِيمُ } في صنعه.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِم} يعني في هذه الأمة {رَسُولاً مِنْهُم} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، وقيل في قراءة أبيّ بن كعب {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِي آخِرِهِم رَسُولاً مِنْهُم}. وقد روى خالد بن معدان: أن نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك، قال: "حديث : نَعَم، أَنَا دَعْوَةُ إبْرَاهِيمَ وَبُشْرَى عِيسَى ". تفسير : {يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِكَ} فيه تأويلان: أحدهما: يقرأ عليهم حجتك. والثاني: يبين لهم دينك. {ويُعَلِّمُهُم الْكِتَابَ} يعني القرآن. {وَالْحِكْمَة} فيها تأويلان: أحدهما: أنها السنة، وهو قول قتادة. والثاني: أنها المعرفة بالدين، والفقه فيه، والاتباع له، وهو قول ابن زيد. {وَيُزَكِّيهِم} فيه تأويلان: أحدهما: معناه يطهرهم من الشرك بالله وعبادة الأوثان. والثاني: يزكيهم بدينه إذا اتبعوه فيكونون به عند الله أزكياء.

ابن عبد السلام

تفسير : {رَسُولاً مِّنْهُمْ} محمداً صلى الله عليه وسلم {ءَايَاتِكَ} الحجج، أو يبيّن لهم دينك. {الْكِتَابُ} القرآن. {وَالْحِكْمَةَ} السنة، أو معرفة الدين، والتفقه فيه، والعمل به. {وَيُزَكِّيهِمْ} يطهرهم من الشرك، أو يزكيهم بدينه إذا تابعوه، فيكونون عند الله ـ تعالى ـ أزكياء.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ...} إعادة النداء للاهتمام بالسبب وزيادة "مِنهُم" تنبيه على عموم رسالته صلى الله عليه وسلم في العرب لأن ضمير الذرية يعم العرب والعجم لأن بعض كفار قريش زعم أنه لم يرسل إليهم. قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ...} هذا جاء على الأصل في تقديم العلم أولا ثم (العمل) به لأن العلم شرط في العمل، ولذلك قال: كل شيء يمكن حصوله للولي الجاهل إلا العلم، لأن العلم لا يحصل له إلا بالتعلم وما يحكى في بعض المسائل عن الشيخ الصالح أبي الحسن علي الشاذلي وغيره إنما هي مسائل جزئية يمكن أن يطلعه الله على حكمها في مرآة يراها مسطورة بين يديه، فيجيب بما فيها، إنما العلم الكلي من حيث هو بحيث (يتصدى) لإقرائه وتعلمه فلم يوجد في العادة لأحد (بوجه)، كذا كان بعض الشيوخ يقول. وقدم هنا وفي الحزب الذي يليه بعده "يُعَلِّمُهُمُ" "يُزَكِّيهِمْ"، وآخره في سورة الجمعة. كان الشيخ محمد بن عبد السلام يقول: إنه بحسب المجالس فحيث تقدم التعليم تكون تلك الآية نزلت عليه بمحضر الخواص ومن هو أهل للتعليم، فيكون التعليم أَهَمّ، وحيث تقدم التزكية تكون الآية نزلت عليه في موضع أكثره عوام، فتكون التزكية في حقهم أهمّ. قوله تعالى: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ}. (لَمْ) يَقُلْ: الغفور الرحيم لأن العزيز هو الذي ينفذ مراده ولا ينفّذ فيه مراد (أحد) والحكيم هو الذي تضمنه قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : وقوله {أية : وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا}.

ابن عادل

تفسير : في ضمير"فيهم" قولان: أحدهما: أنه عائد على معنى الأمة؛ إذ لو عاد على لفظها لقال: "فيها" قاله أبو البقاء. والثاني: أنه يعود على الذّرية بالتأويل المتقدم وقيل: يعود على أهل "مكة"، ويؤيده: {أية : هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ}تفسير : [الجمعة:2]، وفي قراءة أبي: "وَابْعَثْ فيهِمْ فِي آخِرِهُمْ رَسُولاً مِنْهُمْ". قوله: "مِنْهُمْ" في محلّ نصب، لأنه صفة لـ "رسولاً"، فيتعلّق بمحذوف، أي: رسولاً كائناً منهم. قال ابن الأنباري: يشبه أن يكون أصله من قولهم: ناقة مرْسَال ورسلة، إذا كانت سهلة السير ماضية أمام النُّوق. ويقال للجماعة المهملة المرسلة: رسل، وجمعه أَرْسَال. ويقال: جاء القوم أَرْسالاً، أي بعضهم في أثر بعض، ومنه يقال للبن: رسل، لأنه يرسل من الضرع. نقله القرطبي رحمه الله تعالى. قوله: "يَتْلُوا" في محلّ هذه الجملة ثلاثة أوجه: أحدها: أنها في محلّ نصب صفة ثانية لـ "رسولاً"، وجاء هذا على الترتيب الأحسن، إذا تقدم ما هو شبيه بالمفرد، وهو المجرور على الجملة. والثاني: أنها في محل نصب على الحال من "رسولاً"؛ لأنه لما وصف تخصص. الثالث: أنها حال من الضمير في "منهم"، والعامل فيها الاستقرار الذي تعلّق به "منهم" لوقوعه صفةً. وتقدم قوله: "العزيز"؛ لأنها صفة ذات، وتأخر "الحكيم"؛ لأنها صفة فعل. ويقال: عَزَّ يَعُزُّ، ويَعَزُّ، ويعِزُّ، ولكن باختلاف معنى، فالمَضْمُوم بمعنى "غلب"، ومنه: {أية : وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ}تفسير : [ص:23]. والمفتوح بمعنى [الشدة، ومنه: عزّ لحم الناقة، أي: اشتد، وعَزّ عليّ هذا الأمر، والمكسور بمعنى] النَّفَاسة وقلّة النظير. فصل في الكلام على دعاء سيدنا إبراهيم اعلم أن هذا الدعاء يفيد كمال حال ذرّيته من وجهين: أحدهما: أن يكون فيهم رسول يكمل لهم الدين والشرع. والثاني: أن يكون المبعوث منهم لا من غيرهم، لأن الرسول والمرسل إليه إذا كانا معاً من ذريته، كان أشرف لطلبته إذا أجيب إليها، وإذا كان منهم، فإنهم يعرفون مولده ومنشأه، فيقرب الأمر عليهم في معرفة صدقه، وأمانته، وكان أحرص الناس على خيرهم، وأشفق عليهم من الأجنبي لو أرسل إليهم. أجمع المفسرون على أن الرسول هو محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: "حديث : أَنَا دَعْوَةُ إِبْرَاهِيْمَ وَبِشَارَةُ عِيْسَى ". تفسير : وأراد بالدعوة هذه الآية، وبِشَارة عيسى عليه الصلاة والسلام ما ذكره في سورة "الصف" من قوله: {أية : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ}تفسير : [الصف:6]. وثالثها: أن إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ إنما دعا بهذا الدعاء بـ "مكة" لذريته الذين يكونون بها، وبما حولها، ولم يبعث الله تعالى إلى من بـ "مكة" وما حولها إلاّ محمداً صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل الأنبياء ـ عليهم الصَّلاة والسَّلام ـ من بني إسرائيل إلا عشرة: هود ونوح وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. قوله: {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} فيه وجهان: الأول: أنها الفُرْقان الذي أنزل على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأن الذي كان يتلوه عليهم ليس إلا ذلك، فوجب حمله عليه. الثاني: يجوز أن تكون الآيات هي الأعلام الدَّالة على وجود الصَّانع وصفاته سبحانه وتعالى، ومعنى تلاوته إيّاها عليهم: أنه كان يذكرهم بها، ويدعوهم إليها، ويحملهم على الإيمان بها. قوله: "وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَاب" أي: القرآن يعلمهم ما فيه من الدَّلائل والأحكام. وأما الحكمة فهي: الإصابة في القول والعمل. وقيل: أصلها من أحكمت الشيء أي رددته، فكأن الحكمة هي التي ترد عن الجهل والخطأ، وهو راجع إلى ما ذكرنا من الإصابة في القول والعمل. اختلف المفسرون [في المراد بالحكمة] هاهنا. قال ابن وهب قلت لمالك: ما الحكمة؟ قال: معرفة الدين، والفقه فيه، والاتباع له. وقال الشافعي رضي الله عنه: الحكمة سُنّة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو قول قتادة. قال أصحاب الشافعي رضي الله عنه: والدليل عليه أنه ـ تعالى ـ ذكر تلاوة الكتاب أولاً، وتعليمه ثانياً، ثم عطف عليه الحكمة، فوجب أن يكون المراد من الحكمة شيئاً خارجاً عن الكتاب، وليس ذلك إلاَّ سُنّة الرسول عليه السلام. فإن قيل: لم لا يجوز حَمْله على تعليم الدَّلائل العقلية على التوحيد والعدل والنبوة؟ فالجواب: لأن العقول مستقبلة كذلك فحمل هذا اللفظ على ما لا يُسْتفاد من الشرع أَوْلَى. وقيل: الحكمة هي الفصل بين الحق والباطل. وقال مقاتل: هي مواعظ القرآن الكريم، وما فيه من الأحكام. وقال ابن قتيبة: هي العلم والعمل به. وقيل: حكمة تلك الشرائع، وما فيها من وجوه المصالح والمنافع. وقيل: أراد بالكتاب الآيات المحكمة، وأراد بالحكمة المتشابهات. [وقال ابن دُريد: كل كلمة وعظتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة]. وأما قوله: "وَيُزَكِّيَهِمْ". قال الحسن: يطهّرهم من شركهم. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: التزكية هي الطاعة والإخلاص. وقال ابن كيسان: يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة إذا شهدوا هم للأنبياء بالبلاغ لتزكية المزكي للشهود. وقيل: يأخذ زكاة أموالهم. ولما ذكر هذه الدعوات، فتمّمها بالثناء على الله تعالى فقال: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ}. و "العزيز": هو القادر الذي لا يغلب، و "الحكيم": هو العليم الذي لا يجهل شيئاً. [واعلم أن "العزيز" و "الحكيم" بهذين التفسيرين صفة للذات، وإذا أريد بالعزيز أفعال العزة وهو الامتناع من استيلاء الغير عليه، وأراد بالحكمة: أفعال الحكمة، لم يكن "العزيز" و "الحكيم" من صفات الذات، بل من صفات الفعل، والفرق بين هذين النوعين: أن صفات الذات أزلية، وصفات الفعل ليست كذلك، وصفات الفعل أمور سببية يعتبر في تحققها صدور الآثار عن الفعل، وصفات الذات ليست كذلك. فصل] [و] قال الكلبي: العزيز المنتقم لقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ}تفسير : [آل عمران:4]. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: العزيز الذي لا يوجد مثله. وقيل: المنيع الذي لا تناله الأيدي، ولا يصل إليه شيء. وقيل: القوي. والعزّة القوة، لقوله تعالى: {أية : فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ}تفسير : [يس:14] أي قوينا. وقيل: الغالب، لقوله: {أية : وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ}تفسير : [ص:23] أي غلبني، ويقال: من عزيز أي من غلب. واعلم أن مناسبة قوله: {أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ} لهذا الدعاء هو أن العزيز هو القادر، والحكيم هو العالم بوضع الأشياء في مواضعها، ومن كان عالماً قادراً فهو قادر على أن يبعث فيهم رسولاً يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن العرباض بن سارية قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يَرَيْن‏ ". تفسير : وأخرج أحمد وابن سعد والطبراني وابن مردويه والبيهقي عن أبي أمامة قال‏:‏ قلت‏ "حديث : ‏يا رسول الله ما كان بدء أمرك‏؟‏ قال:‏ دعوة إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت له قصور الشام ". تفسير : وأخرج ابن سعد في طبقاته وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : أنا دعوة إبراهيم‏.‏ قال وهو يرفع القواعد من البيت ‏{‏ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم‏}‏ حتى أتم الآيه ". ‏تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العاليه في قوله ‏ {‏ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم‏} ‏ يعني أمة محمد‏.‏ فقيل له‏:‏ قد استجيب لك وهو كائن في آخر الزمان‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏وابعث فيهم رسولاً منهم‏} ‏ قال‏:‏ هو محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ‏ {‏ويعلمهم الكتاب والحكمة‏} ‏ قال‏:‏ السنة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ‏ {‏ويعلمهم الكتاب والحكمة‏} ‏قال‏:‏ الحكمة السنة‏.‏ قال‏:‏ ففعل ذلك بهم، فبعث فيهم رسولاً منهم يعرفون اسمه ونسبه، يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراط مستقيم‏.‏ وأخرج أبو داود في مراسيله عن مكحول قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏آتاني الله القرآن ومن الحكمة مِثْلَيْه‏ ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله ‏ {‏ويزكيهم‏}‏ قال‏:‏ يطهرهم من الشرك ويخلصهم منه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {‏العزيز الحكيم‏}‏ قال‏:‏ عزيز في نقمته إذا انتقم حكيم في أمره‏.‏

القشيري

تفسير : إن الواجبات لمّا كانت من قِبَلِ الرسل دون مجرد المعقول سأل ألا يتركهم سُدّى، وألا يخليهم عن رسول وشرع. وطلب في ذلك الموقف أن يكون الرسول "منهم" ليكونوا أَسْكَنَ إليه وأَسْهَلَ عليهم، ويصحُّ أن يكون معناه أنه لما عَرَّفَهُ - سبحانه - حالَ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم سأل إنجاز ما وعده على الوجه الذي به (أمره).

اسماعيل حقي

تفسير : {ربنا وابعث فيهم} اى فى جماعة الامة المسلمة من اولادنا {رسولا منهم} اى من انفسهم فان البعث فيهم لا يستلزم البعث منهم ولم يبعث من ذريتهما غير النبى صلى الله عليه وسلم فهو الذى اجيب به دعوتهما ـ روى ـ انه قيل له قد استجيب لك وهو فى آخر الزمان وفى الحديث "حديث : انى عند الله مكتوب خاتم النبيين وان آدم لمجدل فى طينته وسأخبركم بأول امرى انى دعوة ابى ابراهيم وبشارة عيسى ورؤيا امى التى رأت حين وضعتنى وقد خرج منها نور أضاءت لها منه قصور الشام" تفسير : واراد بدعوة ابراهيم هذا فانه دعا الله ان يبعث فى بنى اسرائيل رسولا منهم {يتلو عليهم آياتك} يقرأ عليهم ويبلغهم ما يوحى اليه من دلائل التوحيد والنبوة {ويعلمهم} بحسب قوتهم النظرية {الكتاب} اى القرآن {والحكمة} وما يكمل به نفوسهم من المعارف الحقة والاحكام الشرعية. قال ابن دريد كل كلمة وعظتك او دعتك الى مكرمة او نهتك عن قبيح فهى حكمة {ويزكيهم} بحسب قوتهم العملية اى يطهرهم من دنس الشرك وفنون المعاصى سواء كانت بترك الواجبات او بفعل المنكرات ثم ان ابراهيم عليه السلام لما ذكر هذه الدعوات الثلاث ختمها بالثناء على الله تعالى فقال {إنك أنت العزيز} الذى يقهر ويغلب على ما يريد {الحكيم} الذى لا يفعل الا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة فهو عزيز حكيم بذاته وكل ما سواه ذليل جاهل فى نفسه. قال الامام الغزالى قدس سره فى شرح الاسماء الحسنى العزيز هو الخطير الذى يقل وجود مثله وتشتد الحاجة اليه ويصعب الوصول اليه فما لم تجتمع هذه المعانى الثلاثة لم يطلق العزيز فكم من شئ يقل وجوده ولكن اذا لم يعظم خطره ولم يكثر نفعه لم يسم عزيزا وكم من شئ يعظم خطره ويكثر نفعه ولا يوجد نظيره ولكن اذا لم يصعب الوصول اليه لم يسم عزيزا كالشمس مثلا فانها لا نظير لها والارض كذلك والنفع عظيم فى كل واحدة منهما والحاجة شديدة اليهما ولكن لا توصفان بالعزة لانه لا يصعب الوصول الى مشاهدتهما فلا بد من اجتماع المعانى الثلاثة. ثم فى كل من المعانى الثلاثة كمال ونقصان فالكمال فى قلة الوجود ان يرجع الى واحد اذ لا اقل من الواحد ويكون بحيث يستحيل وجود مثله وليس هذا الا الله تعالى فان الشمس وان كانت واحدة فى الوجود فليست واحدة فى الامكان فيمكن وجود مثلها والكمال فى النفاسة وشدة الحاجة ان يحتاج اليه كل شئ فى كل شئ حتى فى وجوده وبقائه وصفاته وليس ذلك الكمال الا لله تعالى فهو العزيز المطلق الحق الذى لا يوازيه فيه غيره والعزيز من العباد من يحتاج اليه عباد الله فى اهم امورهم وهى الحياة الاخروية والسعادة الابدية وذلك مما يقل لا محالة وجوده ويصعب ادراكه وهذه رتبة الانبياء عليهم السلام ويشاركهم فى العز من يتفرد بالقرب من درجتهم فى عصره كالخلفاء وورثتهم من العلماء وعزة كل واحد بقدر علو رتبته عن سواه فى النيل والمشاركة وبقدر عنائه فى ارشاد الخلق والحق ذو الحكمة والحكمة عبارة عن معرفة افضل الاشياء باجل العلوم واجل الاشياء هو الله تعالى ولا يعرف كنه معرفته غيره فهو الحكيم المطلق لانه يعلم اجل الاشياء باجل العلوم اذ اجل العلوم هو العلم الازلى الدائم الذى لا يتصور زواله المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرق اليها خفاء وشبهة ولا يتصف بذلك الا علم الله تعالى وقد يقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويحكمها ويتقن صنعتها حكيما وكمال ذلك ايضا ليس الا لله تعالى فهو الحكيم المطلق ومن عرف جميع الاشياء ولم يعرف الله تعالى لم يستحق ان يسمى حكيما لانه لم يعرف اجل الاشياء وافضلها والحكمة اجل العلوم وجلالة العلم بقدر جلالة المعلوم ولا اجل من الله ومن عرف الله فهو حكيم وان كان ضعيف المنة فى سائر العلوم الرسمية كليل اللسان قاصر البيان فيها الا ان نسبة حكمة العبد الى حكمة الله تعالى كنسبة معرفته الى معرفته بذاته وشتان بين المعرفتين فشتان بين الحكمتين ولكنه مع بعده عنه فهو انفس المعارف واكثرها خيرا ومن اوتى الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا وما يتذكر الا اولوا الالباب نعم من عرف الله كان كلامه مخالفا لكلام غيره فانه قلما يتعرض للجزئيات بل يكون كلامه جمليا ولا يتعرض لمصالح العاجلة بل يتعرض لما ينفع فى العاقبة ولما كانت الكلمات الكلية اظهر عند الناس من احوال الحكيم من معرفته بالله ربما اطلق الناس اسم الحكمة على مثل تلك الكلمات الكلية ويقال للناطق بها حكيم وذلك مثل قول سيد الانبياء عليه السلام. رأس الحكمة مخافة الله. الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله. ما قل وكفى خير مما كثر والهى. السعيد من وعظ بغيره. القناعة مال ينفد. الصبر نصف الايمان. اليقين الايمان كله. فهذه الكلمات وامثالها تسمى حكمة وصاحبها يسمى حكيما انتهى كلام الغزالى. ثم ان فى الآية اشارة الى ان فى ارسال الرسل حكمة اى مصلحة وعاقبة حميدة لان عمارة الظاهر وانارة الباطن ونظام العالم بهم لا بغيرهم ولورثتهم من الاولياء الكاملين حظ اوفى فى باب التزكية فلا بد للعبد من دليل ومرشد يهتدى به الى مقصوده ومن لم يكن له شيخ فشيخه الشيطان: قال الحافظ شعر : بكوى عشق منه بى دليل راه قدم كه من بخويش نمودم صد اهتمام ونشد تفسير : والمرشد الكامل يزكى نفس السالك باذن الله ويطهرها من دنس الالتفات الى ما سوى الله ويتلو عليه الآيات الانفسية والآفاقية ليكون من الموقنين ويغتنم النعيم الروحانى ويدخل فى زمرة الصديقين فقوله تعالى {ويزكيهم} يشير الى السلوك والتسليك فاحفظ هذا وليكن على ذكر منك اللهم احفظنا من الموانع فى طريق الوصول اليك فان كل رجاء فى حيز القبول لديك.

الطوسي

تفسير : الضمير في قوله فيهم راجع إلى الامة المسلمة التي سأل الله ابراهيم من ذريته. والمعنى بقوله {رسولا منهم} هو النبي (صلى الله عليه وسلم) لما روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: حديث : انا دعوة ابي ابراهيم وبشارة عيسى (ع) تفسير : يعني قوله {أية : ومبشراً برسول يأتي من بعده اسمه أحمد}تفسير : وهول قول الحسن وقتادة والسدي وغيرهم من اهل العلم. ويدل على ذلك ايضاً، وان المراد به نبينا (صلى الله عليه وسلم) دون الانبياء الذين بعثهم الله من بني اسرائيل انه دعى بذلك لذريته الذين يكونون بمكة وما حولها على ما تضمنته الآية. وفي قوله: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم} ولم يبعث الله من هذه صورته إلا محمداً "صلى الله عليه وسلم". والمراد بالكتاب القرآن ـ على قول ابن زيد واكثر المفسرين ـ ومعنى "الحكمة" ها هنا السنة. وقيل المعرفة بالدين والفقه في التأويل. وقيل العلم بالاحكام التي لا يدرك علمها إلا من قبل الرسل "ع" فالاول قول قتادة، والثاني قول انس بن مالك والثالث قول ابن زيد. وقال قوم هو كلام مثنى كأنه وصف التنزيل بانه كتاب، وبانه حكمة، وبانه آيات. وقال بعضهم: الحكمة شيء يجعله الله في القلب ينوره به كما ينور البصر فيدرك المبصر، وكل حسن. ومعنى قوله: {ويزكيهم} قال ابن عباس: هو طاعة الله والاخلاص له. وقال ابن جريج يطهرهم من الشرك ويخلصهم منه. وقال الجبائي: {ويزكيهم} معناه يستدعيهم إلى فعل ما يزكون به، من الايمان والصلاح. ويحتمل ان يراد به انه يشهد لهم بالزكاء آمنوا واصلحوا. اللغة: و {العزيز} القادر الذي لا يعجزه شيء. وقيل: القادر الذي لا يمتنع عليه شيء اراد فعله. وقيل: القدير وهو مبالغة الوصف بالقدرة. ونقيض العز الذل. ويقال: عزه يعز عزة وعزازاً. واعتز به اعتزازاً. وتعزّز تعززاً. وعازّه معازة. تقول: عز يعز عزة وعزاً: اذا صار عزيزاً. وعز يعز عزاً: اذا قهر. ومنه قولهم: من عزيز اي من غلب سلب. وكل شيء صلب، فقد اعتز. وسمي العزاز من الارض: وهو الطين الصلب الذي لا يبلغ ان يكون حجارة. وعن الشيء اذا قل لا يكاد يوجد. وفلان اعتز بفلان اذا تشرف به{أية : وعزني في الخطاب} تفسير : اي غلبني في محاوراة الكلام. والعزاء: السنة الشديدة، والمطر يعزز الارض تعريزاً اذا لبدها. واصل الباب: القوة. المعنى: وقوله: {الحكيم} يحتمل امرين: احدهما ـ المدبر الذي يحكم الصنع، يحسن التدبير. والثاني ـ بمعنى عليم، والاول بمعنى حكيم في فعله بمعنى محكم، فعدل إلى حكيم، للمبالغة. وانما ذكر الحكيم ها هنا، لأنه يتصل بالدعاء، كأنه قال: فزعنا إليك، لانك القادر على إجابتنا العالم بما في ضمائرنا وبما هو أصلح لنا مما لا يبلغه علمنا.

الجنابذي

تفسير : {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ} هذا يدلّ على انّ المراد من الذرّيّة من بعث فيهم محمّد (ص) ولذلك قال (ص) على ما نسب اليه (ص) "حديث : انا دعوة أبى ابراهيم"تفسير : {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} يقرأ عليهم آياتك التّدوينيّة {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} قد مضى بيان للكتاب والحكمة وانّ المراد بالكتاب أحكام الرّسالة والنّبوّة من العقائد الدّينيّة وعلم الاخلاق النّفسيّة وعلم الاعمال البدنيّة، وانّ الحكمة قد تستعمل فى كمال القوّة النّظريّة، وقد تستعمل فى كمال القوّة العمليّة، والمراد بها هاهنا كمال القوّة العمّالة والمعنى يعلّمهم العلوم الّتى ينبغى تعلّمها والاعمال الدّقيقة المتقنة الّتى لا تتعلّم الاّ بكثرة المواظبة والممارسة عليها {وَيُزَكِّيهِمْ} بعد تعليم المسائل وتعليم اتقان العمل لسهولة التّزكية، وهذا يدلُّ على انّ السّالك ينبغى ان يكون تحت ارادة الشّيخ بلغ ما بلغ فى العلم والعمل؛ وهو كذلك فانّ الخلاص من الرّذائل وآفات النّفس والشّيطان لا يكون الاّ بامداد الشّيخ واعانته لانّ الانسان العليل كلّما ازال علّة من نفسه ازداد علّة أخرى فى نفسه، وكلّما ظنّه مقوّياً لصحّته صار سبباً لزيادة مرضه او لحدوثه، وسيأتى عند قوله تعالى {يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ} بيان للتزكية ولتقديم التّعليم هاهنا وتأخيره هناك {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ} الّذى لا يمنعك مانع عمّا تريد {ٱلحَكِيمُ} العالم بدقائق المعلومات القادر على دقائق المصنوعات، وكأنّه اقرار بعجزه عن درك مصالح مسؤله وتعليق للسّؤال على اقتضاء حكمة كأنّه قال: {وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً} كذا ان اقتضته حكمتك؛ وهذا غاية الادب فى السّؤال.

الهواري

تفسير : قوله: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ} يعني في ذريته {رَسُولاً مِّنْهُمْ} فاستجاب الله له، فبعث محمداً عليه السلام في ذرية إبراهيم، يعرفون وجهه ونسبه. قوله: {يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيْهِمْ} أي يطهرهم. وقال بعضهم: يأخذ صدقاتهم وهي الطهارة. وقال بعضهم: القرآن: الكتاب، والحكمة: السنة [قوله: {إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} العزيز في نقمته الحكيم في أمره]. قوله: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} أي عن سنته {إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} أي عجز رأيه عن النظر لنفسه فضَلّ. قوله: {وَلَقَد اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا} أي: بالنبوة، والاصطفاء هو الاختيار {وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} وهم أهل الجنة. {إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ} أي: أخلص قال: أَسْلَمْتُ أي: أخلصت {لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}. قال الحسن: ذلك حين أفلت الشمس، فـ (أية : قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) تفسير : [الأنعام:78]. قوله: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ} أي: بهذه الكلمة، يعني التوحيد. {وَيَعْقُوبُ} أي: وأوصى بها أيضاً يعقوب بنيه بعد إبراهيم. {يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ} أي: اختار لكم الدين، وهو الإِسلام {فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} أي: إلا وأنتم مكملون فرائض الله وشرائعه. وقوله: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ} أي لم تكونوا شهداء يومئذ {إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}. ذكروا عن الحسن أنه كان يقرأها وإله أبيك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق.

اطفيش

تفسير : {ربَّنا}: عائد إلى قوله: إنك أنت، أو تأكيد لما سبق من النداء، أو عائد إلى محذوف يعطف عليه ما بعده، أى أجب لنا يا ربنا. {وابْعثْ فِيهِم}: فى ذريتنا أو فى الأمة المسلمة. {رَسُولاً مِنْهم}: طلب رسولا مطلقاً فأجيب بمحمد، صلى الله عليه وسلم. وقيل: قد عرفاه وسألاه والأولى أولى، وروى أنهما لما بلغا فى دعائهما إلى قوله: {إنَّك أنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} وفرغا، أوحى إلى إبراهيم قد استجبت لك وهو فى آخر الزمان، فبعث الله تبارك وتعالى فيهم منهم محمداً، صلى الله عليه وسلم، على الصفة التى سألاها. قال صلى الله عليه وسلم "حديث : أنا دعوة أبى إبراهيم، وبشرى أخى، عيسى، ورؤيا أمى" تفسير : يشير إلى هذه الآية وإلى قول عيسى: {أية : مبشراً برسول يأتى من بعده اسمه أحمد} تفسير : وإلى الرؤيا التى ترى قرب مبعثه، وفى رواية أو رؤيا أمتى كما يأتى قريبا وهو المجاب به قطعا، إذ لم يبعث من ذريتهما إلا محمد، صلى الله عليه وسلم، لأنه من ولد إسماعيل، ومن كان ولده فهو من ولد إبراهيم، لأن إبراهيم أبو إسماعيل بخلاف إسحاق ويعقوب ونحوهما، فمن ولد إبراهيم فقط دون إسماعيل والعرب العاربة إنما هى من إسماعيل، وإنما طلب الرسول منهم ليكون معروف النسب ذا مكانة فيهم، وليكون أشفق عليهم وأنصح، ويكونوا أقبل لكلامه، ولم يبعث بمكة غيره، وأما سائر أنبياء العرب ففى غير مكة، ومن غير ولد إسماعيل كهود وصالح، وروى البغوى بسنده عن العرباض بن سارية، عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنى عند الله مكتوب خاتم النبيين، وأن آدم لمنجدل فى طينته، وسأخبركم بأمرى ولأمرى أنا دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمى التى رأت حين وضعتنى وقد خرج لها نور ساطع أضاءت منه قصور الشام" تفسير : والمراد برؤية أمه، صلى الله عليه وسلم، رؤيتها النور فى اليقظة، ومعنى منجدل فى طينته: منطرح على الأرض لا روح فيه. وروى البيهقى أحمد بن الحسين المولود سنة أربع وثمانين وثلاثمائة والمتوفى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة وغيره، عن طلحة بن عبيد الله أنه قال: حضرت سوق بصرا فإذا راهب فى صومعة يقول: سلوا أهل هذا الموسم، أفيهم من هو من هذا الحرم؟ قال: قلت أنا، فما تشاء؟ قال: هل ظهر أحمد بعد؟ قلت: ومن أحمد؟ قال: أحمد بن عبدالله بن عبد المطلب هذا شهره الذى يخرج فيه، وهو خاتم الأنبياء، مخرجه من الحرم، ومهاجره إلى نخل وسباخ، إذا كان فلا تسبقن إليه. فوقع فى قلبى ما قال، وأسرعت اللحاق بمكة، فسألت هل ظهر بعدى أمر فقالوا: محمد الأمى قد تنبأ وتبعه أبو بكر بن أبى قحافة، فمشيت إلى أبى بكر وأدخلنى إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأسلمت. وروى العذرى وغيره عن أبى بكر، رضى الله عنه أنه قال: لقيت شيخاً باليمن، فقال لى: أنت حرمى؟ فقلت: نعم. فقال: أحسبك قريشياً. قلت: نعم. قال: بقيت لى فيك واحدة اكشف لى عن بطنك، قلت لا أفعل أو تخبرنى لم ذلك؟ قال: أجد فى العلم الصحيح أن نبيًّا يبعث فى الحرمين، يقارنه على أمره فتى وكهل، أما الفتى فخواض غمرات، ودفاع معضلات، وأما الكهل فأبيض نحيف، على بطنه شامة، وعلى فخذه اليسرى علامة، وما عليك أن ترينى ما سألتك عنه، فقد تكاملت فيك الصفة إلا ما خفى على. قال أبو بكر: فكشفت له عن بطنى فرأى شامة سوداء فوق سرتى، فقال أنت هو ورب الكعبة، إنى متقدم إليك فى أمر. قلت: ما هو؟ قال: إياك والميل عن الهدى، وعليك بالتمسك بالطريقة الوسطى، وخف الله فيما خولك وأعطى. قال أبو بكر: فلما وادعته قال أتحمل عنى إلى ذلك النبى أبياتاً؟ قلت: نعم فأنشأ الشيخ يقول: شعر : ألم تر أنى قد سئمت معاشرى ونفسى قد أصبحت فى الحى عاهنا حييت وفى الأيام للمرء عبرة ثلاث مئين بعد تسعين آمنا وقد خمدت منى شرارة قوتى وألفيت شيخاً لا أطيق الشواحنا وأنت ورب البيت تأتى محمداً لعامك هذاقد أقام البراهنا فحيى رسول الله عنى فإننى على دينه أحيا وإن كنت قاطنا تفسير : قال أبو بكر: فحفظت شعره وقدمت مكة، حديث : وقد بعث النبى، صلى الله عيه وسلم: فجانى صناديد قريش فقالوا: يا أبا بكر يتيم أبى طالب يزعم أنهُ نبى. قال: فجئت إلى منزل النبى، صلى الله عليه وسلم، فقرعت عليه فخرج إلى، فقلت: يا محمد تركت دين آبائك؟ فقال: يا أبا بكر إنى رسول الله إليك وإلى الناس كلهم، فآمن بالله. قلت: وما دليلك؟ قال: الشيخ الراهب الذى لقيته باليمن. قلت: وكم من شيخ لقيته؟ قال: ليس ذلك أريد إنما أريد الشيخ الذى أفادك الأبيات. قلت: ومن أخبرك بها؟ قال: الروح الأمين الذى كان يأتى الأنبياء قبلى. قلت: مد يمينك أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال أبو بكر: فانصرفت وما فى الأرض أشد منه، صلى الله عليه وسلم، فرحاً بإسلامى، بل قال وما بين لابتيها، يعنى ما بين أرضى مكة ذواتى حجارة سوداء . تفسير : {يتْلُو عَلَيهم آياتِك}: التى تنزل عليهِ، أجابهم الله بمحمد والقرآن فهو الآيات التى طلبا سواء علما علما بالقرآن أو لم يعلما به على حد ما مر فى الرسول وكذا الكلام فى قوله: {ويُعلِّمهم الكِتابَ}: فان الكتاب هو القرآن، وإنما ذكر الكتاب بعد ذكر الآيات، لأن الآيات ذكرهن فى التلاوة عليهم، والكتاب ذكره فى التعليم لهم، ويجوز أن تكون الآيات سائر الوحى، والكتاب القرآن علماه أو لم يعلماه، أو الآيات لفظ القرآن، والكتاب معانى القرآن، فالتلاوة صون لألفاظه عن التحريف، والتعليم بيان لمعانيه. {والحِكْمَةَ}: وضع الأشياء فى مواضعها، وقال قتادة: هى السنة، وهو قول راجح حسن، ووجهه: أن الله تعالى ذكر تلاوة القرآن وتعليمه، ثم عطف الحكمة عليه، فوجب أن يكون المراد بها شيئاً آخر وليس ذلك إلا السنة، وقيل: الحكمة الإصابة فى القول والعمل، ولا يسمى الرجل حكيما إلا إن اجتمع فهي الإصابة فى القول والإصابة فى العمل، وهذا قريب من قولنا وضع الأشياء فى مواضعها، وروى ابن وهب عن مالك أن الحكمة الفقة فى الدين، والفهم الذى هو سحية من الله ونور منه تعالى. وروى عن ابن وهب أنه قال: قلت لمالك: ما الحكمة؟ قال: المعرفة بالدين، والفقه فيه، والاتباع له، ونقل عياض فى مداركه عن مالك: أن الحكمة نور يقذفه الله فى قلب العبد. وقال أيضاً: يقع فى قلبى أن الحكمة الفقه فى دين الله، وأمر يدخله الله القلوب من رحمته وفضله، وقال أيضاً: الحكمة: التكفر فى أمر الله والاتباع له، والفقه فى دين الله والعمل به، وقيل الحكمة ما يرد عن الجهل والخطأ وذلك بالإصابة فى القول والعمل، ووضع كل شئ فى موضعه، وقيل معرفة الأشياء بحقائقها، وقيل ما تكمل به النفس من المعارف والأحكام، وقيل العلم بأحكام الله تعالى التى لا يدرك علمها إلا ببيان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والمعرفة بها، وقيل: فهم القرآن، وقيل: كل صواب من القول، وقيل: الفصل بين الحق والباطل، وقيل: معرفة الأحكام والقضاء، وقيل: كل كلمة وعظتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهى حكمة. {ويُزكِّيهم}: يطهرهم من الشرك والخبائث والمعاصى، اعتقاداً ونطقاً وفعلا، وهذا كقوله تعالى: {أية : ويحلّ لهم الطَّيِّبات ويُحرِّم عَليهمُ الخَبَائثَ} تفسير : وقيل: يأخذ زكاتهم {أية : خُذْ مِنْ أمْوالِهم صَدقةً تُطهِّرهم وتزكيهم بها}،تفسير : ويجوز أن يكون المعنى ينمى خيرهم بوعظه وإرشاده وقيل يزكيهم يشهد لهم بالوفاء يوم القيامة إن وفوا. {إنك أنت العزيز الحكيم}: العزيز الذى يكون غالباً ولا يكون مغلوباً، ويقهر ولا يكون مقهوراً عما أراد، وقيل: العزيز الذى لا يناله أحد بسوء، وعن ابن عباس: العزيز الذى لا يوجد مثله، وهذا موجود فى لغتنا البربرية، تقول شئ عزيز إذا كان مرغوبا فيه أو حسنا قليل الوجود قيل: العزيز القوى، والعزة القوة، وأرض عزاز قوية صلبة، والحكيم الذى يضع الأشياء فى مواضعها، وقيل: المراد الذى لا تخفى عنه خافية، وقيل: الفاعل لما يريد المحكم له المتقن غاية الإتقان، ولا يكون فى صنعه خلل وذلك منهما، عليهما السلام، ثناء على الله، عز وجل، بعد دعائهما.

اطفيش

تفسير : {رَبَّنَا} استجب دعاءنا، أو كرره تأكيدا وتلذذا، وهكذا يقدر محذوف، أو يجعل تأكيداً إذا كرر النداء {وَابْعَثْ فِيهِمْ} فى الأمة المسلمة لك من ذريتى أو فى ذريتى {رَسُولاً} عظيما ترسله بشرع جديد، وكتاب مجيد {مِّنْهُمْ} من أنفسهم، وقد استجاب الله دعاءهما بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأنهما لم يجتمعا إلا فيه، فإن أكثر الأنبياء من ذرية نبى الله يعقوب، ولد نبى الله إسحق ولد إبراهيم نبى الله، وقليل من ولد روم بن إبراهيم وهو أيوب وذو القرنين فى قول، قال صلى الله عليه وسلم: حديث : أنا دعوة أبى إبراهيمتفسير : ، يعنى هذه الآية، وهو أيضا دعوة إسماعيل ولم يذكره اجتزاء بالأب الأكبر، ولتقدمه، وبشرى عيسى بعنى قوله "أية : ومبشراً برسول" تفسير : [الصف: 6]... الخ، ورؤيا أمى التى رأت حين وضعتنى أنه أضاءت بى قصور الشام، وهو صلى الله عليه وسلم دعوة أبيه إسماعيل أيضا لهذه الآية، ولم يذكره النبى صلى الله عليه وسلم لأنه تبع لأبيه إبراهيم، ولأن أباه إبراهيم هو الأصل فى هذا الدعاء الذى فى الآية {يَتْلُواْ} يقرأ {عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِكَ} أى القرآن، والمراد معانية، لكن بألفاظه، وهو دلائل النبوة والتوحيد والشرع {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَٰبَ} القرآن أيضاً، والمراد لفظه، أو الآيات ألفاظه، والكتاب معانيه عكس ذلك، أى ويعلمهم معانيه {وَالْحِكْمَةَ} ما فيه من الأحكام بينهما لهم أو الحكمة العمل به، أو وضع الأشياء فى مواضعها، أو ما يزيل حب الدنيا، أو الآداب أو السنة {وَيُزَكِّيهِمْ} من الشرك والمعاصى، ومعلوم أن التخلية قبل التحلية، ولكن أخرها هنا لشرف التحلية هذه، ولتقدم التخلية هذه فى الذهن والقصد، فجىء بترتيب الذهن، ولو تقدمت التخلية فى الخارج، ولأن المقصود التحلية والخلية وسيلة {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ} الغالب لمن أراد مخالفته فالغلبة فعل أو المنتفى عنه الذل فهى صفة {الْحَكِيمُ} فى صنعه، لا يقول عبثا، ولا يفعله، ولا سفها، ولا يضع الشىء إلا فى موضعه.

الالوسي

تفسير : {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ} أي ارسل في ـ الأمة المسلمة ـ وقيل: في ـ الذرية ـ وعود الضمير إلى أهل مكة بعيد {رَسُولاً مّنْهُمْ} أي من أنفسهم، ووصفه بذلك ليكون أشفق عليهم، ويكونوا أعز به وأشرف، وأقرب للإجابة، لأنهم يعرفون منشأه وصدقه وأمانته، ولم يبعث من ذرية كليهما سوى محمد صلى الله عليه وسلم، وجميع أنبياء بني إسرائيل من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام ـ لا من ذريتهما ـ فهو المجاب به دعوتهما، كما روى الإمام أحمد وشارح السنة عن العرباض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : سأخبركم بأول أمري، أنا دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني»تفسير : وأراد صلى الله عليه وسلم إثر دعوته، أو مدعوه، أو عين دعوته ـ على المبالغة ـ ولما كان إسمٰعيل عليه السلام شريكاً في الدعوة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة إسمٰعيل أيضاً إلا أنه خص إبراهيم لشرافته وكونه أصلاً في الدعاء، ووهم من قال: إن الاقتصار في الحديث على إبراهيم يدل على أن المجاب من الدعوتين كان دعوة إبراهيم دون إسمٰعيل عليهما الصلاة والسلام. وقرأ أبـيّ {وَٱبْعَثْ فِيهِمْ فِى آخرهم رَسُولاً} وهذا يؤيد أن المراد به نبينا صلى الله عليه وسلم، وفي الأثر أنه لما دعي إبراهيم قيل له: قد استجيب لك، وهو يكون في آخر الزمان. {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءايَتُكَ} أي يقرأ عليهم ما توحى إليه من العلامات الدالة على التوحيد والنبوة وغيرهما،/ وقيل: خبر من مضى ومن يأتي إلى يوم القيامة، والجملة صفة (رسولاً) وقيل: في موضع الحال منه. {وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} بأن يفهمهم ألفاظه ويبين لهم كيفية أدائه، ويوقفهم على حقائقه وأسراره. والظاهر: أن مقصودهما من هذه الدعوة أن يكون ـ الرسول ـ صاحب كتاب يخرجهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، وقد أجاب سبحانه هذه الدعوة بالقرآن، وكونه بخصوصه كان مدعواً به غير بين ولا مبين. {وَٱلْحكْمَةَ} أي وضع الأشياء مواضعها، أو ما يزيل من القلوب وهج حب الدنيا، أو الفقه في الدين، أو السنة المبينة ـ للكتاب ـ أو ـ الكتاب ـ نفسه، وكرر للتأكيد اعتناءً بشأنه، وقد يقال: المراد بها حقائق الكتاب ودقائقه وسائر ما أودع فيه، ويكون ـ تعليم الكتاب ـ عبارة عن تفهيم ألفاظه، وبيان كيفية أدائه، وتعليم الحكمة الإيقاف على ما أودع فيه، وفسرها بعضهم بما تكمل به النفوس من المعارف والأحكام؛ فتشمل الحكمة النظرية والعملية، قالوا: وبينها وبين ما في الكتاب عموم من وجه لاشتمال القرآن على القصص والمواعيد، وكون بعض الأمور الذي يفيد كمال النفس ـ علماً وعملاً ـ غير مذكور في (الكتاب) وأنت تعلم أن هذا القول بعد سماع قوله تعالى: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْء }تفسير : [الأنعام: 38] وقوله سبحانه تعالى: {أية : تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء }تفسير : [النحل: 89] مما لا ينبغي الإقدام عليه، اللهم إلا أن تكون هذه النسبة بين ما في (الكتاب) الذي في الدعوة مع قطع النظر عما أجيبت به وبين الحكمة فتدبر. {وَيُزَكّيهِمْ} أي يطهرهم من أرجاس الشرك وأنجاس الشك وقاذورات المعاصي ـ وهو إشارة إلى التخلية كما أن التعليم إشارة إلى التحلية ـ ولعل تقديم الثاني على الأول لشرافته ـ والقول بأن المراد يأخذ منهم الزكاة التي هي سبب لطهرتهم أو يشهد لهم ـ بالتزكية والعدالة ـ بعيد {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ} أي الغالب المحكم لما يريد، فلك أن تخصص واحداً منهم بالرسالة الجامعة لهذه الصفات بإرادته من غير مخصص، وحمل (العزيز) هنا على من لا مثل له ـ كما قاله ابن عباس ـ أو المنتقم ـ كما قاله الكلبـي ـ و (الحكيم) على العالم ـ كما قيل ـ لا يخلو عن بعد.

ابن عاشور

تفسير : كرر النداء لأنه عطف غرض آخر في هذا الدعاء وهو غرض الدعاء بمجيء الرسالة في ذريته لتشريفهم وحرصاً على تمام هديهم. وإنما قال: {فيهم} ولم يقل لهم لتكون الدعوة بمجيء رسول برسالة عامة فلا يكون ذلك الرسول رسولاً إليهم فقط، ولذلك حذف متعلق {رسولاً ليعم، فالنداء في قوله: ربنا وابعث} اعتراض بين جمل الدعوات المتعاطفة، ومظهر هذه الدعوة هو محمد صلى الله عليه وسلم فإنه الرسول الذي هو من ذرية إبراهيم وإسماعيل كليهما، وأما غيره من رسل غير العرب فليسوا من ذرية إسماعيل، وشعيب من ذرية إبراهيم وليس من ذرية إسماعيل، وهود وصالح هما من العرب العاربة فليسا من ذرية إبراهيم ولا من ذرية إسماعيل. وجاء في التوراة (في الإصحاح 17 من التكوين) «ظهر الرب لإبرام أي إبراهيم» وقال له: أنا الله القدير سرْ أمامي وكن كاملاً فأجعل عهدي بيني وبينك وأكثرك كثيراً جداً وفي فقرة 20 وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيراً جداً». وذكر عبد الحق الإسلامي السبتي الذي كان يهودياً فأسلم هو وأولاده وأهله في سبتة وكان موجوداً بها سنة 736 ست وثلاثين وسبعمائة في كتاب له سماه «الحسام المحدود في الرد على اليهود»: أن كلمة كثيراً جداً أصلها في النص العبراني «مادا مادا» وأنها رمز في التوراة لاسم محمد بحساب الجمَّل لأن عدد حروف «مادا مادا» بحساب الجُمَّل عند اليهود تجمع عدد اثنين وتسعين وهو عدد حروف محمد اهـ وتبعه على هذا البقاعي في «نظم الدرر». ومعنى {يتلو عليهم آياتك} يقرؤها عليهم قراءة تذكير، وفي هذا إيماء إلى أنه يأتيهم بكتاب فيه شرع. فالآيات جمع آية وهي الجملة من جمل القرآن، سميت آية لدلالتها على صدق الرسول بمجموع ما فيها من دلالة صدور مثلها من أمي لا يقرأ ولا يكتب، وما نُسجت عليه من نظم أعجز الناس عن الإتيان بمثله، ولما اشتملت عليه من الدلالة القاطعة على توحيد الله وكمال صفاته دلالة لم تترك مسلكاً للضلال في عقائد الأمة بحيث أمنت هذه الأمة من الإشراك، حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع "إن الشيطان قد يئس أن يُعبد في بلدكم هذا"تفسير : . وجيء بالمضارع في قوله: {يتلو} للإشارة إلى أن هذا الكتاب تتكرر تلاوته. والحكمة العِلم بالله ودقائق شرائعه وهي معاني الكتاب وتفصيل مقاصده، وعن مالك: الحكمة معرفة الفقه والدين والاتباع لذلك، وعن الشافعي الحكمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلاهما ناظر إلى أن عطف الحكمة على الكتاب يقتضي شيئاً من المغايرة بزيادة معنى وسيجيء تفصيل معنى الحكمة عند قوله تعالى: {أية : يؤتي الحكمة من يشاء}تفسير : في هذه السورة (269). والتزكية التطهير من النقائص وأكبر النقائص الشرك بالله، وفي هذا تعريض بالذين أعرضوا عن متابعة القرآن وأبوا إلا البقاء على الشرك. وقد جاء ترتيب هذه الجمل في الذكر على حسب ترتيب وجودها لأن أول تبليغ الرسالة تلاوة القرآن ثم يكون تعليم معانيه قال تعالى: {أية : فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه}تفسير : [القيامة: 18، 19] العلم تحصل به التزكية وهي في العمل بإرشاد القرآن. وقوله: {إنك أنت العزيز الحكيم} تذييل لتقريب الإجابة أي لأنك لا يغلبك أمر عظيم ولا يعزب عن علمك وحكمتك شيء. والحكيم بمعنى المحكم هو فعيل بمعنى مفعل وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: {أية : ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون}تفسير : [البقرة: 10] وقوله: {أية : قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إِنك أنت العليم الحكيم}تفسير : [البقرة: 32].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 129- ربنا وابعث فى ذريتنا رسولا منهم يقرأ عليهم آياتك ويعلّمهم ما يوحى إليه به من كتاب وعلم نافع وشريعة محكمة، ويطهرهم من ذميم الأخلاق، إنك أنت الغالب القاهر الحكيم فيما تفعل وما تأمر به وما تنهى عنه. 130- ولَنِعم ما فعله إبراهيم وما دعا به ربه، وما اتبعه من ملة قويمة، وأنه لا يعرض عن ملة إبراهيم إلا من امتهن إنسانيته وعقله، ولقد اصطفاه الله فى الدنيا وإنه فى الآخرة لمن الصالحين المقربين. 131- ولقد استجاب إبراهيم لأمر ربه حينما طلب الله إليه أن يذعن، فقال: أذعنت لرب العالمين جميعاً من جن وإنس وملائكة. 132- ولم يكتف بذلك بل أوصى بنيه بأن يسيروا على هديه، وحاكاه حفيد يعقوب فأوصى هو الآخر بنيه كذلك أن يتبعوا هذه السنن، وبيّن لأبنائه أن الله اصطفى لهم دين التوحيد وأخذ عليهم العهد ألا يموتوا إلا وهم مسلمون ثابتون على هذا الدين. 133- ولقد زعمتم - أيها اليهود - أنكم تسيرون على الدين الذى مات عليه يعقوب، فهل كنتم شهداء إذ حضره الموت فعرفتم الملة التى مات عليها؟ ألا فلتعلموا أن يعقوب وأبناءه كانوا مسلمين موحدين ولم يكونوا يهوداً مثلكم ولا نصارى، وأن يعقوب حينما حضره الموت جمع بنيه وقال لهم: ما تعبدون من بعدى؟ فأجابوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له خاضعون.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَتْلُواْ} {آيَاتِكَ} {ٱلْكِتَابَ} (129) - وَأَتَمَّ إِبراهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ، عَلَيْهِما السَّلامُ، دَعْوَتَهُمَا لأَِهْلِ الحَرَمِ أَنْ يَبْعَثَ اللهُ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ (أَيْ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبراهِيمَ) يَتْلُو عَلَيهِمْ آياتِ اللهِ، وَيُعَلِّمُهُمُ القُرآنَ (الكِتَابَ) وَيُعَلّمُهُمْ أَسْرَارَ الشَّرِيعَةِ وَمَقَاصِدَهَا بِسِيرَتِهِ فِي المُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ قُدْوَةً لَهُمْ (السُّنَّةُ) وَيُفَقِّهُهُمْ فِي الدِّينِ (يُعَلِّمُهُمُ الحِكْمَةَ) (أَيْ إِنَّ الرَّسُولَ يُعَلِّمُهُمُ الخَيْرَ فَيَفْعَلُونَهُ، وَيُبَصِّرُهُمْ بِالشَّرِّ فَيَجْتَنِبُونَهُ، وَيُخْبِرُهُمْ بِرِضَا اللهِ عَنْهُمْ إِذَا أَطَاعُوهُ، لِيسْتَكْثِرُوا مِنْ طَاعَتِهِ، وَيَجْتَنِبُوا مَا يُسْخِطُهُ مِنْ مَعْصِيَتِهِ). وَخَتَمَا دَعْوَتَهُمَا بِقُوْلِهِما: إِنَّكَ يَا رَبِّ أَنْتَ العَزيزُ الذِي لاَ يُعْجِزُهُ شَيءٌ، القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، الحَكِيمُ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوالِهِ وَشَرْعِهِ فَيَضَعُ الأَشْيَاءَ فِي مَحَالِّهَا لِعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ. يُزَكِّيهم - يُطَهِّرُهُمْ مِنَ الشِّرْكِ وَالمَعَاصِي.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : دعا إبراهيم عليه السلام الله سبحانه وتعالى ليتم نعمته على ذريته ويزيد رحمته على عباده .. بأن يرسل لهم رسولاً يبلغهم منهج السماء، حتى لا تحدث فترة ظلام في الأرض تنتشر فيها المعصية والفساد والكفر، ويعبد الناس فيها الأصنام كما حدث قبل إبراهيم. كلمة {رَسُولاً مِّنْهُمْ} [البقرة: 129] ترد على اليهود الذين أحزنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب، وأن الرسالة كان يجب أن تكون فيهم .. ونحن نقول لهم إن جدنا وجدكم إبراهيم وأنتم من ذرية يعقوب بن إسحاق. ومحمد صلى الله عليه وسلم من ذرية إسماعيل بن إبراهيم وأخ لإسحاق .. ولا حجة لما تدعونه من أن الله فَضَّلَكم واختاركم على سائر الشعوب .. إنما أراد الحق سبحانه وتعالى أن يسلب منكم النبوة لأنكم ظلمتم في الأرض، وعهد الله لا ينالُ الظالمين. أراد الحق تبارك وتعالى أن يقول لهم إن هذا النبي من نسل إبراهيم وإنه ينتمي إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. وقوله تعالى: {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} [البقرة: 129] .. أي آيات القرآن الكريم. وقوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} [البقرة: 129] .. يجب أن نعرف أن هناك فرقاً بين التلاوة وبين التعليم .. فالتلاوة هي أن تقرأ القرآن، أما التعليم فهو أن تعرف معناها وما جاءت به لتطبقه وتعرف من أين جاءت .. وإذا كان الكتاب هو القرآن الكريم، فإن الحكمة هي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التي قال الحق سبحانه وتعالى فيها في خطابه لزوجات النبي: {أية : وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْـمَةِ ..} تفسير : [الأحزاب: 34]. وقوله تعالى: {وَيُزَكِّيهِمْ} [البقرة: 129] أي ويطهرهم ويقودهم إلى طريق الخير وتمام الإيمان. وقوله جل جلاله: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ} [البقرة: 129] .. أي العزيز الذي لا يغلب لجبروته ولا يسأله أحد .. "والحكيم" الذي لا يصدر منه الشيء إلا بحكمة بالغة.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَيُزَكِّيهِمْ} معناهُ يُطهرُهُمْ. وقالَ فِي سورةٍ أُخرى: {أية : نَفْساً زَكِيَّةً} تفسير : [الكهف: 74] معناهُ مُطهَّرةٌ.

الأندلسي

تفسير : {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ} أي أرسل في أهل البيت. {رَسُولاً مِّنْهُمْ} أي من أنفسهم يعرفون وجهه ونسبه ونشأته. كما قال تعالى: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ}تفسير : [التوبة: 128]. وقبل الله تعالى دعاءه بأن كان المبعوث في الأميين هو محمد صلى الله عليه وسلم ووصفه إبراهيم بقوله: {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ} أي يقرأ آيات الله وهو القرآن الذي هو أعظم المعجزات الباقي إلى آخر الدهر. {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ} أي يلقيه إليهم مفهماً لهم ومتلطفاً في إيصال معانيه إلى أفهامهم. {وَٱلْحِكْمَةَ} وهي السنة التي لم تكن في الكتاب كقوله: {أية : وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْـمَةِ} تفسير : [الأحزاب: 34]. {وَيُزَكِّيهِمْ} أي يطهرهم باطناً وظاهراً والذي جاء بهذه الأوصاف هو محمد صلى الله عليه وسلم. {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ} أي الغالب. أو: الذي لا مثل له. {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} الآية روي أن عبد الله بن سلام دعا ابنيْ أخيه سلمة ومهاجرا إلى الإِسلام فقال لهما قد علمتما أن الله قال في التوراة إني باعث من ولد إسماعيل نبياً اسمه أحمد من آمن به فقد اهتدى ورشد ومن لم يؤمن به فهو ملعون فاسلم سلمة وأبي مهاجر فانزل الله هذه الآية. ومن استفهام فيه معنى الانكار ولذلك دخلت الا بعده والمعنى لا أحد يرغب فمعناه النفي العام. و"من" بدل من الضمير الذي في يرغب وهو أجود من النصب على الاستثناء. وانتصب "نفسه" على أنه مفعول به حكى المبرد وثعلب: ان سفه بكسر الفاء يتعدى كسفّه المشدد. وحكى أبو الخطاب أنها لغة. والمعنى استخف بها وامتهنها. {وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا} أي جعلناه صافياً من الادناس واصطفاؤه بالرسالة والخلة والكلمات التي وفّى بها وبناء البيت والامامة واتخاذ مقامه مصلى وتطهير البيت والنجاة من نار نمروذ والنظر في النجوم وما ترتب على ذلك وغير ذلك مما ذكره الله في كتابه. {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} ذكر حاله في الآخرة فمن كان مصطفى في الدنيا صالحاً في الآخرة فكيف يرغب عن اتباعه وفي الآخرة متعلق بمحذوف يدل عليه من الصالحين تقديره وانه لصالح في الآخرة. والعامل في إذ قال أسلمت أي حين أمره الله بالإِسلام قال: أسلمت وأسلم أمر بالديمومة. والاسلام: الانقياد.