٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
130
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الله تعالى بعد أن ذكر أمر إبراهيم عليه السلام وما أجراه على يده من شرائف شرائعه التي ابتلاه بها، ومن بناء بيته وأمره بحج عباد الله إليه وما جبله الله تعالى عليه من الحرص على مصالح عباده ودعائه بالخير لهم، وغير ذلك من الأمور التي سلف في هذه الآية السالفة عجب الناس فقال: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرٰهِيمَ } والإيمان بما أتى من شرائعه فكان في ذلك توبيخ اليهود والنصارى ومشركي العرب لأن اليهود إنما يفتخرون به ويوصلون بالوصلة التي بينهم وبينه من نسب إسرائيل، والنصارى فافتخارهم ليس بعيسى وهو منتسب من جانب الأم إلى إسرائيل، وأما قريش فإنهم إنما نالوا كل خير في الجاهلية بالبيت الذي بناه فصاروا لذلك يدعون إلى كتاب الله، وسائر العرب وهم العدنانيون فمرجعهم إلى إسماعيل وهم يفتخرون على القحطانيين بإسماعيل بما أعطاه الله تعالى من النبوة، فرجع عند التحقيق افتخار الكل بإبراهيم عليه السلام، ولما ثبت أن إبراهيم عليه السلام هو الذي طلب من الله تعالى بعثة هذا الرسول في آخر الزمان وهو الذي تضرع إلى الله تعالى في تحصيل هذا المقصود، فالعجب ممن أعظم مفاخره وفضائله الانتساب إلى إبراهيم عليه السلام، ثم إنه لا يؤمن بالرسول الذي هو دعوة إبراهيم عليه السلام ومطلوبه بالتضرع لا شك أن هذا مما يستحق أن يتعجب منه. أما قوله: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرٰهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: يقال: رغبت من الأمر إذا كرهته، ورغبت فيه إذا أردته. (ومن) الأول استفهام بمعنى الإنكار، والثانية بمعنى الذي، قال صاحب الكشاف: (من سفه) في محل الرفع على البدل من الضمير في يرغب وإنما صح البدل لأن من يرغب غير موجب كقولك: هل جاءك أحد إلا زيد. المسألة الثانية: لقائل أن يقول ههنا سؤال وهو أن المراد بملة إبراهيم هو الملة التي جاء بها محمد عليه السلام لأن المقصود من الكلام ترغيب الناس في قبول هذا الدين فلا يخلو إما أن يقال: إن هذه الملة عين ملة إبراهيم في الأصول والفروع، أو يقال: هذه الملة هي تلك الملة في الأصول أعني التوحيد والنبوة ورعاية مكارم الأخلاق، ولكنهما يختلفان في فروع الشرائع وكيفية الأعمال. أما الأول: فباطل لأنه عليه السلام كان يدعي أن شرعه نسخ كل الشرائع، فكيف يقال هذا الشرع هو عين ذلك الشرع. وأما الثاني: فهو لا يفيد المطلوب لأن الاعتراف بالأصول أعني التوحيد والعدل ومكارم الأخلاق والمعاد لا يقتضي الاعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف يتمسك بهذا الكلام في هذا المطلوب. وسؤال آخر وهو أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما اعترف بأن شرع إبراهيم منسوخ، ولفظ الملة يتناول الأصول والفروع، فيلزم أن يكون محمد عليه الصلاة والسلام راغباً أيضاً عن ملة إبراهيم فيلزم ما ألزم عليهم. وجوابه: أنه تعالى لما حكي عن إبراهيم عليه السلام أنه تضرع إلى الله تعالى وطلب منه بعثه هذا الرسول ونصرته وتأييده ونشر شريعته، عبر عن هذا المعنى بأنه ملة إبراهيم فلما سلم اليهود والنصارى والعرب كون إبراهيم عليه السلام محقاً في مقاله، وجب عليهم الاعتراف بنبوة هذا الشخص الذي هو مطلوب إبراهيم عليه السلام. قال السائل: إن القول ما سلموا أن إبراهيم طلب مثل هذا الرسول من الله تعالى، وإنما محمد عليه الصلاة والسلام روى هذا الخبر عن إبراهيم عليه السلام ليبني على هذه الرواية إلزام أنه يجب عليهم الاعتراف بنبوة محمد عليه السلام، فإذن لا تثبت نبوته ما لم تثبت هذه الرواية، ولا تثبت هذه الرواية ما لم تثبت نبوته، فيفضي إلى الدور وهو ساقط، سلمنا أن القوم سلموا صحة هذه الرواية لكن ليس في هذه الرواية إلا أن إبراهيم طلب من الله تعالى أن يبعث رسولاً من ذريته وذرية إسماعيل، فكيف القطع بأن ذلك الرسول هو هذا الشخص؟ فلعله شخص آخر سيجيء بعد ذلك، وإذا جاز أن تتأخر إجابة هذا الدعاء بمقدار ألفي سنة، وهو الزمان الذي بين إبراهيم وبين محمد عليهما السلام، فلم لا يجوز أن تتأخر بمقدار ثلاثة آلاف سنة حتى يكون المطلوب بهذا الدعاء شخصاً آخر سوى هذا الشخص المعين؟ والجواب عن السؤال الأول: لعل التوراة والإنجيل شاهدان بصحة هذه الرواية، ولولا ذلك لكان اليهود والنصارى من أشد الناس مسارعة إلى تكذيبه في هذه الدعوى. وعن الثاني: أن المعتمد في إثبات نبوته عليه السلام: ظهور المعجز على يده، وهو القرآن وإخباره عن الغيوب التي لا يعلمها إلا نبي مثل هذه الحكايات، ثم إن هذه الحجة تجري مجرى المؤكد للمقصود والمطلوب والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في انتصاب (نفسه) قولان. الأول: لأنه مفعول، قال المبرد: سفه لازم، وسفه متعد، وعلى هذا القول وجوه. الأول: امتهنها واستخف بها، وأصل السفه الخفة، ومنه زمام سفيه، والدليل عليه ما جاء في الحديث: «حديث : الكبر أن تسفه الحق وتغمص الناس»تفسير : وذلك أنه إذا رغب عما لا يرغب عنه عاقل قط فقد بالغ في إزالة نفسه وتعجيزها، حيث خالف بها كل نفس عاقلة. والثاني: قال الحسن: إلا من جهل نفسه وخسر نفسه، وحقيقته أنه لا يرغب عن ملة إبراهيم إلا من جهل فلم يفكر فيها، فيستدل بما يجده فيها من آثار الصنعة على وحدانية الله تعالى وعلى حكمته، فيستدل بذلك على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. والثالث: أهلك نفسه وأوبقها عن أبي عبيدة. والرابع: أضل نفسه. القول الثاني: أن نفسه ليست مفعولاً وذكروا على هذا القول وجوهاً. الأول: أن نفسه نصب بنزع الخافض تقديره سفه في نفسه. والثاني: أنه نصب على التفسير عن الفراء ومعناه سفه نفساً ثم أضاف وتقديره إلا السفيه، وذكر النفس تأكيد كما يقال: هذا الأمر نفسه والمقصود منه المبالغة في سفهه. الثالث: قرىء: {إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } بتشديد الفاء ثم إنه تعالى لما حكم بسفاهة من رغب عن ملة إبراهيم عليه السلام بين السبب فقال: {وَلَقَدْ اصطفيناه فِى ٱلدُّنْيَا } والمراد به أنا إذا اخترناه للرسالة من دون سائر الخليقة، وعرفناه الملة التي هي جامعة للتوحيد والعدل والشرائع والإمامة الباقية إلى قيام الساعة ثم أضيف إليه حكم الله تعالى فشرفه الله بهذا اللقب الذي فيه نهاية الجلالة لمن نالها من ملك من ملوك البشر فكيف من نالها من ملك الملوك والشرائع فليحقق كل ذي لب وعقل أن الراغب عن ملته فهو سفيه، ثم بين أنه في الآخرة عظيم المنزلة ليرغب في مثل طريقته لينال مثل تلك المنزلة، وقيل في الآية تقديم وتأخير وتقديره: ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين، وإذا صح الكلام من غير تقديم وتأخير كان أولى، قال الحسن: من الذين يستوجبون الكرامة وحسن الثواب على كرم الله تعالى.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} «مَن» ٱستفهام في موضع رفع بالابتداء، و {يَرْغَبُ} صلة «مَن». {إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} في موضع الخبر. وهو تقريع وتوبيخ وقع فيه معنى النفي؛ أي وما يرغب، قاله النحاس. والمعنى: يزهد فيها وينأى بنفسه عنها؛ أي عن الملّة وهي الدّين والشّرع. «إلاّ مَن سَفِه نَفْسَه» قال قتادة: هم اليهود والنصارى، رَغِبُوا عن مِلّة إبراهيم وٱتخذوا اليهودية والنصرانية بِدْعةً ليست من الله تعالى. قال الزجاج: {سَفِهَ} بمعنى جهل؛ أي جَهِل أمر نفسه فلم يفكّر فيها. وقال أبو عبيدة: المعنى أهلك نفسه. وحكى ثعلب والمبرد أن «سفِه» بكسر الفاء يتعدّى كسَفَّه بفتح الفاء وشدّها. وحكي عن أبي الخطاب ويونس أنها لغة. وقال الأخفش: {سَفِهَ نَفْسَهُ} أي فعل بها من السّفه ما صار به سفيهاً. وعنه أيضاً هي لغة بمعنى سفّه؛ حكاه المهدوِيّ، والأوّل ذكره الماوَرْدِي. فأمّا سَفُه بضم الفاء فلا يتعدّى؛ قاله المبرد وثعلب. وحكى الكسائي عن الأخفش أن المعنى جَهِل في نفسه، فحذفت «في» فٱنتصب. قال الأخفش: ومثله {أية : عُقْدَة النِّكاحِ} تفسير : [البقرة: 235]، أي على عقدة النكاح. وهذا يجري على مذهب سيبويه فيما حكاه من قولهم: ضَرب فلان الظّهرَ والبطنَ؛ أي في الظهر والبطن. الفَرّاء: هو تمييز. قال ٱبن بحر: معناه جهل نفسه وما فيها من الدلالات والآيات الدالة على أن لها صانعاً ليس كمثله شيء؛ فيعلم به توحيد الله وقدرته. قلت: وهذا هو معنى قول الزجاج؛ فيفكر في نفسه مِن يَدَيْن يبطش بهما، ورجلين يمشي عليهما، وعين يبصر بها، وأذن يسمع بها، ولسان ينطق به، وأضراس تنبت له عند غناه عن الرضاع وحاجته إلى الغذاء ليطحن بها الطعام، ومعِدة أعدّت لطبخ الغذاء، وكبد يصعد إليها صَفْوه، وعروق ومعابر ينفذ فيها إلى الأطراف، وأمعاء يَرْسُب إليها ثُفل الغذاء ويبرز من أسفل البدن؛ فيستدلّ بهذا على أن له خالقاً قادراً عليماً حكيماً؛ وهذا معنى قوله تعالى: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}تفسير : [الذاريات:21]. أشار إلى هذا الخطّابي رحمه الله تعالى. وسيأتي له مزيد بيان في سورة «والذّرايات» إن شاء الله تعالى. وقد ٱستدلّ بهذه الآية من قال: إن شريعة إبراهيم شريعةٌ لنا إلا ما نُسخ منها؛ وهذا كقوله: {أية : مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [الحج: 78]، {أية : أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [النحل: 123]. وسيأتي بيانه. قوله تعالى: {وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا} أي ٱخترناه للرسالة فجعلناه صافياً من الأدناس. والأصل في {ٱصْطَفَيْنَاهُ} ٱصتفيناه، أُبدلت التاء طاء لتناسبها مع الصاد في الإطباق. واللفظ مشتق من الصَّفوة؛ ومعناه تخيّر الأصفى. قوله تعالى: {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} الصالح في الآخرة هو الفائز. ثم قيل: كيف جاز تقديم «في ٱلآخِرةِ» وهو داخل في الصّلة؛ قال النحاس: فالجواب أنه ليس التقدير إنه لمن الصالحين في الآخرة، فتكون الصلة قد تقدّمت؛ ولأهل العربية فيه ثلاثة أقوال: منها أن يكون المعنى وإنه صالح في الآخرة، ثم حذف. وقيل: «في الآخرة» متعلّق بمصدر محذوف؛ أي صلاحه في الآخرة. والقول الثالث: أن «الصالحين» ليس بمعنى الذين صلحوا، ولكنه ٱسم قائم بنفسه؛ كما يقال الرجل والغلام. قلت: وقول رابع أن المعنى وإنه في عمل الآخرة لمن الصالحين؛ فالكلام على حذف مضاف. وقال الحسين بن الفضل: في الكلام تقديم وتأخير، مجازه ولقد ٱصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين. وروى حَجّاج بن حجاج ـ وهو حجاج الأسود، وهو أيضاً حجاج الأحول المعروف بزِقّ العَسَل ـ قال: سمعت معاوية بن قُرّة يقول: اللّهُم إن الصالحين أنت أصلحتهم ورزقتهم أن عملوا بطاعتك فرضيت عنهم، اللَّهُمّ كما أصلحتهم فأصلحنا، وكما رزقتهم أن عملوا بطاعتك فرضيت عنهم فٱرزقنا أن نعمل بطاعتك، وٱرض عنا.
البيضاوي
تفسير : {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرٰهِيمَ} استبعاد وإِنكار لأن يكون أحد يرغب عن ملته الواضحة الغراء، أي لا يرغب أحد من ملته. {إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} إلا من استمهنها وأذلها واستخف بها. قال المبرد وثعلب سفه بالكسر متعد وبالضم لازم، ويشهد له ما جاء في الحديث «حديث : الكبر أن تسفه الحق، وتغمص الناس». تفسير : وقيل: أصله سفه نفسه على الرفع، فنصب على التمييز نحو غبن رأيه وألم رأسه، وقول النابغة الذبياني:شعر : وَنأْخُذُ بَعْدَهُ بِذنَابِ عَيْش أَجَب الظَّهْرِ ليسَ لَهُ سِنَامُ تفسير : أو سفه في نفسه، فنصب بنزع الخافض. والمستثنى في محل الرفع على المختار بدلاً من الضمير في يرغب لأنه في معنى النفي. {وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } حجة وبيان لذلك، فإن من كان صفوة العباد في الدنيا مشهوداً له بالاستقامة والصلاح يوم القيامة، كان حقيقاً بالاتباع له لا يرغب عنه إلا سفيه، أو متسفه أذل نفسه بالجهل والإعراض عن النظر.
ابن كثير
تفسير : يقول تبارك وتعالى رداً على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله، المخالف لملة إبراهيم الخليل إمام الحنفاء؛ فإنه جرد توحيد ربه تبارك وتعالى، فلم يدعُ معه غيره، ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه، خالف في ذلك سائر قومه حتىٰ تبرأ من أبيه، فقال: {أية : يٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [الأنعام: 78 ـ 79] وقال تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لأَِبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱلَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ }تفسير : [الزخرف: 26 ـ 27] وقال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لأَِبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}تفسير : [التوبة: 114] وقال تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَـٰنِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لأَنْعُمِهِ ٱجْتَبَـٰهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَءاتَيْنَـٰهُ فِى ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِى ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ }تفسير : [النحل: 120 ـ 122] ولهذا وأمثاله قال تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ}: أي: ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره؛ بتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق من اصطفي في الدنيا للهداية والرشاد من حداثة سنه إلى أن اتخذه الله خليلاً، وهو في الآخرة من الصالحين السعداء، فمن ترك طريقه هذا، ومسلكه وملته، واتبع طريق الضلالة والغيّ، فأي سفه أعظم من هذا؟ أم أي ظلم أكبر من هذا؟ كما قال تعالى: {إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}، قال أبو العالية وقتادة: نزلت هذه الآية في اليهود، أحدثوا طريقاً ليست من عند الله، وخالفوا ملة إبراهيم فيما أحدثوه، ويشهد لصحة هذا القول قول الله تعالى: {أية : مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ }تفسير : [آل عمران: 67 ـ 68]. وقوله تعالى: { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي: أمره الله بالإخلاص والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك شرعاً وقدراً، وقوله: {وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} أي: وصى بهذه الملة، وهي الاسلام لله، أو يعود الضمير على الكلمة، وهي قوله: {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} لحرصهم عليها، ومحبتهم لها، حافظوا عليها إلى حين الوفاة، ووصوا أبناءهم بها من بعدهم كقوله تعالى: {أية : وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَـٰقِيَةً فِى عَقِبِهِ}تفسير : [الزخرف: 28] وقد قرأ بعض السلف: ويعقوب، بالنصب، عطفاً على بنيه، كأن إبراهيم وصى بنيه، وابن ابنه يعقوب بن إسحاق، وكان حاضراً ذلك، وقد ادعى القشيري فيما حكاه القرطبي عنه أن يعقوب إنما ولد بعد وفاة إبراهيم، ويحتاج مثل هذا إلى دليل صحيح، والظاهر، والله أعلم، أن إسحاق ولد له يعقوب في حياة الخليل وسارة، لأن البشارة وقعت بهما في قوله: {أية : فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ}تفسير : [هود: 71] وقد قرىء بنصب يعقوب ههنا على نزع الخافض، فلو لم يوجد يعقوب في حياتهما، لما كان لذكره من بين ذرية إسحاق كبير فائدة، وأيضاً فقد قال الله تعالى في سورة العنكبوت: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ}تفسير : [العنكبوت: 27] الآية، وقال في الآية الأخرى: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً}تفسير : [الأنبياء: 72] وهذا يقضي أنه وجد في حياته، وأيضاً فإنه باني بيت المقدس، كما نطقت بذلك الكتب المتقدمة، وثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: «حديث : المسجد الحرام»تفسير : قلت: ثم أي؟ قال: «حديث : بيت المقدس»تفسير : ، قلت: كم بينهما؟ قال: «حديث : أربعون سنة»تفسير : الحديث، فزعم ابن حبان أن بين سليمان الذي اعتقد أنه باني بيت المقدس ـ وإنما كان جدّده بعد خرابه وزخرفه ـ وبين إبراهيم أربعين سنة، وهذا مما أنكر على ابن حبان، فإن المدة بينهما تزيد على ألوف السنين، والله أعلم، وأيضاً فإن وصية يعقوب لبنيه سيأتي ذكرها قريباً، وهذا يدل على أنه ههنا من جملة الموصين. وقوله: {يَـٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} أي: أحسنوا في حال الحياة، والزموا هذا؛ ليرزقكم الله الوفاة عليه، فإن المرء يموت غالباً على ما كان عليه، ويبعث على ما مات عليه، وقد أجرى الله الكريم عادته بأنه من قصد الخير، وفق له ويسر عليه، ومن نوى صالحاً، ثبت عليه. وهذا لا يعارض ما جاء في الحديث الصحيح: «حديث : إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها»تفسير : لأنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث: «حديث : ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وبعمل أهل النار فيما يبدو للناس»تفسير : وقد قال الله تعالى: {أية : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ}تفسير : [الليل: 5 ـ 10].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَنْ } أي لا {يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرٰهِيمَ } فيتركها {إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } جهل نفسه أنها مخلوقة لله يجب عليها عبادته أو استخف بها وامتهنها {وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَٰهُ } اخترناه {فِى ٱلدُّنْيَا } بالرسالة والخُلَّة {وَإِنَّهُ فِى ٱلأَخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ } الذين لهم الدرجات العلى.
الشوكاني
تفسير : الضمير في قوله: {وَٱبْعَثْ فِيهِمْ } راجع إلى الأمة المسلمة المذكورة سابقاً. وقرأ أبيّ: «وابعث في آخرهم» ويحتمل أن يكون الضمير راجعاً إلى الذرية. وقد أجاب الله لإبراهيم عليه السلام هذه الدعوة، فبعث في ذريته {رَسُولاً مّنْهُمْ } وهو محمد صلى الله عليه وسلم. وقد أخبر عن نفسه بأنه دعوة إبراهيم كما سيأتي تخريج ذلك إن شاء الله، ومراده هذه الدعوة. والرسول هو: المرسل. قال ابن الأنباري: يشبه أن يكون أصله ناقة مرسال، ورسلة إذا كانت سهلة السير ماضية أمام النوق. ويقال جاء القوم أرسالاً، أي: بعضهم في أثر بعض، والمراد بالكتاب: القرآن. والمراد بالحكمة: المعرفة بالدين، والفقه في التأويل، والفهم للشريعة، وقوله: {يُزَكّيهِمْ } أي: يطهرهم من الشرك، وسائر المعاصي. وقيل: إن المراد بالآيات ظاهر الألفاظ، والكتاب معانيها، والحكمة: الحكم، وهو: مراد الله بالخطاب، والعزيز: الذي لا يعجزه شيء قاله ابن كيسان. وقال الكسائي: ٱلْعَزِيزُ الغالب. {وَمَن يَرْغَبُ } في موضع رفع على الابتداء، والاستفهام للإنكار. وقوله: {إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } في موضع الخبر. وقيل: هو: بدل من فاعل يرغب، والتقدير: وما يرغب عن ملة إبراهيم أحد إلا من سفه نفسه. قال الزجاج: سفه بمعنى جهل، أي: جهل أمر نفسه، فلم يفكر فيها. وقال أبو عبيدة: المعنى أهلك نفسه. وحكى ثعلب، والمبرد أن سفه بكسر الفاء يتعدى كسفَّه بفتح الفاء مشدّدة. قال الأخفش: {سَفِهَ نَفْسَهُ } أي: فعل بها من السفه ما صار به سفيهاً، وقيل: إن نفسه منتصب بنزع الخافض. وقيل: هو: تمييز، وهذان ضعيفان جداً، وأما سفُه بضم الفاء، فلا يتعدى قاله المبرد، وثعلب. والاصطفاء: الاختيار، أي: اخترناه في الدنيا، وجعلناه في الآخرة من الصالحين، فكيف يرغب عن ملته راغب؟ وقوله: {إِذْ قَالَ لَهُ } يحتمل أن يكون متعلقاً بقوله: {اصطفيناه} أي: اخترناه وقت أمرنا له بالإسلام، ويحتمل أن يتعلق بمحذوف هو: اذكر. قال في الكشاف: كأنه قيل اذكر ذلك الوقت ليعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله، والضمير في قوله: {وَوَصَّىٰ بِهَا } راجع إلى الملة أو إلى الكلمة: أي: أسلمت لربّ العالمين. قال القرطبي: وهو أصوب؛ لأنه أقرب مذكور، أي: قولوا أسلمنا. انتهى. والأوّل أرجح؛ لأن المطلوب ممن بعده هو: إتباع ملته لا مجرد التكلم بكلمة الإسلام، فالتوصية بذلك أليق بإبراهيم، وأولى بهم. ووصى وأوصى بمعنى، وقرىء بهما، وفي مصحف عثمان: {وأوصى} وهي قراءة أهل الشام، والمدينة، وفي مصحف عبد الله بن مسعود {وَوَصَّىٰ } وهي قراءة الباقين. {وَيَعْقُوبَ} معطوف على إبراهيم أي: وأوصى يعقوب بنيه كما أوصى إبراهيم بنيه. وقرأ عمر بن فايد الأسواري، وإسماعيل ابن عبد الله المكي، بنصب يعقوب، فيكون داخلاً فيمن أوصاه إبراهيم. قال القشيري: وهو بعيد، لأن يعقوب لم يدرك جدّه إبراهيم، وإنما ولد بعد موته. وقوله: {يا بني} هو بتقدير "أن". وقد قرأ أبيّ، وابن مسعود، والضحاك بإثباتها. قال الفراء: ألغيت "أن"، لأن التوصية كالقول، وكل كلام رجع إلى القول جاز فيه دخول "أن" وجاز فيه إلغاؤها. وقيل: إنه على تقدير القول أي قائلاً: يا بنيّ. روى ذلك عن البصريين. وقوله: {ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدّينَ } أي: اختاره لكم، والمراد: ملته التي لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه، وهي الملة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله: {فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } فيه إيجاز بليغ. والمراد: الزموا الإسلام، ولا تفارقوه حتى تموتوا. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرٰهِيمَ } قال: رغبت اليهود والنصارى عن ملته، واتخذوا اليهودية، والنصرانية بدعة ليست من الله؛ تركوا ملة إبراهيم الإسلام، وبذلك بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بملة إبراهيم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك في قوله: {وَلَقَدِ اصطفياه} قال: اخترناه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرٰهِيمُ بَنِيهِ } قال: وصاهم بالإسلام، ووصى يعقوب بنيه بمثل ذلك. وأخرج الثعلبي، عن فضيل بن عياض في قوله: {فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } أي: محسنون بربكم الظنّ.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن ذلك سفّه نفسه، أي فَعَلَ بها من السفه ما صار به سفيهاً، وهذا قول الأخفش. والثاني: أنها بمعنى سفه في نفسه، فحذف حرف الجر كما حذف من قوله تعالى: {وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ} أي عَلَى عقدة النكاح، وهذا قول الزجَّاج. والثالث: أنها بمعنى أهلك نفسه وأوْبَقَهَا، وهذا قول أبي عبيدة. قال المبرِّد وثعلب: سَفِه بكسر الفاء يتعدى، وسفُه بضم الفاء لا يتعدى. {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا} أي اخترناه، ولفظه مشتق من الصفوة، فيكون المعنى: اخترناه في الدنيا للرسالة. {وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} لنفسه في إنجائها من الهلكة. قوله تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ} الهاء كناية ترجع إلى الملة لتَقَدُّم قولهِ: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهيمَ} ووصّى أبلغ من أوصى، لأن أوصى يجوز أن يكون قاله مرة واحدة، وَوَصَّى لا يكون إلا مراراً. {وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ} والمعنى أن إبراهيم وَصَّى، ثم وَصَّى بعده يعقوبُ بَنِيهِ، فقالا جميعاً: {يَا بَنِيَّ إنَّ الله اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ} يعني اختار لكم الدين، أي الإسلام، {فَلاَ تَمُوتُنَّ إلاَّ وأَنتُمْ مُسْلِمُونَ} فإن قيل: كيف يُنْهَونَ عن الموت وليس من فعلهم، وإنما يُمَاتُون؟ قيل: هذا في سعة اللغة مفهوم المعنى، لأن النهي تَوَجَّهَ إلى مفارقة الإسلام، لا إلى الموت، ومعناه: الزموا الإسلام ولا تفارقوه إلى الموت.
ابن عطية
تفسير : {من} استفهام في موضع رفع بالابتداء، و {يرغب} خبره، والمعنى يزهد ويربأ بنفسه عنها، والملة الشريعة والطريقة، و {سفه} من السفه الذي معناه الرقة والخفة، واختلف في نصب {نفسه}، فقال الزجاج: {سفه} بمعنى جهل وعداه بالمعنى، وقال غيره: {سفه} بمعنى أهلك، وحكى ثعلب والمبرد أن سفه بكسر الفاء يتعدى كسفه بفتح الفاء وشدها، وحكي عن أبي الخطاب أنها لغة، وقال الفراء نصبها على التمييز. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: لأن السفه يتعلق بالنفس والرأي والخلق، فكأنه ميزها بين هذه ورأوا أن هذا التعريف ليس بمحض لأن الضمير فيه الإبهام الذي في {من}، فكأن الكلام: إلا من سفه نفساً، وقال البصريون: لا يجوز التمييز مع هذا التعريف، وإنما النصب على تقدير حذف "في"، فلما انحذف حرف الجر قوي الفعل، وهذا يجري على مذهب سيبويه فيما حكاه من قولهم ضرب فلان الظهر والبطن أي في الظهر والبطن، وحكى مكي أن التقدير {إلا من سفه} قوله {نفسه} على أن نفسه تأكيد حذف المؤكد وأقيم التوكيد مقامه قياساً على النعت والمنعوت. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول متحامل، و"اصطفى" "افتعل" من الصفوة معناه تخير الأصفى، وأبدلت التاء طاء لتناسبها مع الصاد في الإطباق، ومعنى هذا الاصطفاء أنه نبأه واتخذه خليلاً، و {في الآخرة} متعلق باسم فاعل مقدر من الصلاح، ولا يصلح تعلقه بــ {الصالحين} لأن الصلة لا تتقدم الموصول، هذا على أن تكون الألف واللام بمعنى الذي، وقال بعضهم: الألف واللام هنا للتعريف ويستقيم الكلام، وقيل: المعنى أنه من عمل الآخرة {لمن الصالحين}، فالكلام على حذف مضاف. وقوله تعالى: {إذ قال له ربه أسلم}، العامل في {إذ} {اصطفيناه}، وكان هذا القول من الله حين ابتلاه بالكوكب والقمر والشمس. والإسلام هنا على أتم وجوهه، وقرأ نافع وابن عامر "وأوصى"، وقرأ الباقون {ووصى}، والمعنى واحد، إلا أن وصى يقتضي التكثير، والضمير في {بها} عائد على كلمته التي هي {أسلمت لرب العالمين}، وقيل: على الملة المتقدمة، والأول أصوب لأنه أقرب مذكور، وقرأ عمرو بن فائد الأسواري "ويعقوبَ" بالنصب على أن يعقوب داخل فيمن أوصى، واختلف في إعراب رفعه، فقال قوم من النحاة: التقدير ويعقوب أوصى بنيه أيضاً، فهو عطف على {إبراهيم}، وقال بعضهم: هو مقطوع منفرد بقوله {يا بني}، فتقدير الكلام ويعقوب قال يا بني، و{اصطفى} هنا معناه تخير صفة الأديان، والألف واللام في {الدين} للعهد، لأنهم قد كانوا عرفوه، وكسرت {إنّ} بعد {أوصى} لأنها بمعنى القول، ولذلك سقطت "إن" التي تقتضيها "أوصى" في قوله "أن يا بني"، وقرأ ابن مسعود والضحاك "أن يا بني" بثبوت أن. وقوله تعالى: {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} إيجاز بليغ، وذلك أن المقصود منه أمرهم بالإسلام والدوام عليه، فأتى ذلك بلفظ موجز يقتضي المقصود ويتضمن وعظاً وتذكيراً بالموت، وذلك أن المرء يتحقق أنه يموت ولا يدري متى؟ فإذا أمر بأمر لا يأتيه الموت إلا وهو عليه، فقد توجه من وقت الأمر دائباً لازماً، وحكى سيبويه فيما يشبه هذا المعنى قوله: لا أرينك ها هنا، وليس إلى المأمور أن يحجب إدراك الأمر عنه، فإنما المقصود، اذهب وزل عن هاهنا، فجاء بالمقصود بلفظ يزيد معنى الغضب والكراهية، و {أنتم مسلمون} ابتداء وخبر في موضع الحال.
ابن عبد السلام
تفسير : {سَفِهَ نَفْسَهُ} فعل بها ما صار به سفيهاً، أو سفه في نفسه فحذف الجار كقوله تعالى {أية : وَلا تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ}تفسير : [البقرة: 235] أو أهلك نفسه وأوبقها، قال المبرد وثعلب: سفه بالكسر يتعدى وبالضم لا يتعدى. {اصْطَفَيْنَاهُ} من الصفوة، اخترناه للرسالة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلاّ من سفه نفسه} سبب نزول هذه الآية أن عبدالله بن سلام دعا ابني أخيه إلى الإسلام مهاجراً وسلمة، وقال لهما: قد علمتما أن الله تعالى قال في التوراة إني باعث من ولد إسماعيل نبياً اسمه أحمد فمن آمن به فقد اهتدى، ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم فأنزل الله تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم} أي يترك دينه وشريعته، وفيه تعريض باليهود والنصارى ومشركي العرب لأن اليهود والنصارى يفتخرون بالانتساب إلى إبراهيم والوصلة إليه، لأنهم من بني إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، والعرب يفتخرون به لأنهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم وإذا كان كذلك كان إبراهيم هو الذي طلب بعثة هذا الرسول في آخر الزمان فمن رغب عن الإيمان بهذا الرسول الذي هو دعوة إبراهيم فقد رغب عن ملة إبراهيم ومعنى يرغب عن ملة إبراهيم أي يترك دينه وشريعته يقال: رغب في الشيء إذا أراده ورغب عنه إذا تركه إلاّ من سفه نفسه قال ابن عباس: خسر نفسه وقيل: أهلك نفسه وقيل: امتهنها واستخف بها وأصل السفه الخفة. وقيل: الجهل وضعف الرأي فكل سفيه جاهل لأن من عبد غير الله فقد جهل نفسه لأنه لم يعترف بأن الله خالقها وقد جاء "من عرف نفسه فقد عرف ربه" ومعناه: أن يعرف نفسه بالذل والعجز والضعف والفناء، ويعرف ربه بالعز والقدرة والقوة والبقاء ويدل على هذا أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام اعرف نفسك واعرفني قال: يا رب وكيف أعرف نفسي وكيف أعرفك؟ قال: اعرف نفسك بالعجز والضعف والفناء واعرفني بالقوة والقدرة والبقاء {ولقد اصطفيناه} أي اخترناه {في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} يعني الفائزين وقيل: مع الأنبياء في الجنة {إذ قال له ربه أسلم} أي استقم على الإسلام واثبت عليه لأنه كان مسلماً لأن الأنبياء إنما نشؤوا على الإسلام والتوحيد، قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال له ذلك حين خرج من السرب وذلك عند استدلاله بالكواكب والشمس والقمر واطلاعه على أمارات الحدوث فيها، وافتقارها إلى محدث مدبر فلما عرف ذلك قال له ربه: أسلم {قال أسلمت لرب العالمين}اي قال إبراهيم: خضعت بالطاعة وأخلصت العبادة لمالك الخلائق ومدبرها ومحدثها. وقيل: معنى أسلم أخلص دينك وعبادتك لله واجعلها سليمة. وقيل: الإيمان من صفات القلب والإسلام من صفات الجوارح وإن إبراهيم كان مؤمناً بقلبه عارفاً بالله فأمره الله أن يعمل بجوارحه وقيل: معناه أسلم نفسك إلى الله تعالى وفوض أمرك إليه. قال: أسلمت أي فوضت أمري لرب العالمين. قال ابن عباس رضي الله عنهما: وقد حقق ذلك حيث لم يستعن بأحد من الملائكة حين ألقي في النار.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ...} الاستفهام في معنى النفي، أي لا يرغب إلا السفهاء، وهذا إن كان المراد عقائد التوحيد فالملل كلّها متفقة على ذلك وخصص منها ملة إبراهيم لشرفها واجتماع جميع الملل على اتباعها، وإن كان المراد به شريعته والأحكام الفرعية فلا شك أنها منسوخة (فالمراد) من يرغب عنها قبل (تقرر نسخها). قوله تعالى: {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} الآخرة هي التي يظهر فيها فائدة الصلاح في الدنيا. انتهى.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِيمَ..} الآية" «مَن»: ٱستفهامٌ، والمعنَىٰ: ومَنْ يزهد فيها، ويربأ بنفسه عنها إِلا مَنْ سفه نفسه، والملَّة: الشريعة والطريقَةُ، وسَفِهَ من السَّفَه الَّذي معناه الرِّقَّة والْخِفَّة، وٱصطَفَىٰ من الصَّفْوَة، معناه: تخيَّر الأصْفَىٰ، ومعنى هذا الاِصطفاءِ؛ أنه نبأه، واتَّخذه خليلاً. {وَإِنَّهُ فِى ٱلأَخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ}: قيل: المعنى أنه في عمل الآخرة لمن الصالحين، فالكلام علَىٰ حذف مضافٍ، {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ } كان هذا القول من اللَّه تعالَىٰ حين ابتلاه بالكوكبِ والقمرِ والشمس؛ والإِسلامُ هنا على أتمِّ وجوهِهِ، والضميرُ في «بِهَا» عائدٌ على كلمته التي هي {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }، وقيلَ: على الملة، والأول أصوبُ؛ لأنه أقرب مذكور. {وَيَعْقُوبُ}: قيل: عطْفٌ على {إِبْرَاهِيمَ }، وقيل: مقطوعٌ منفردٌ بقوله: {يَا بَنِيَّ }، والتقدير: ويعقوب قال: يا بَنِيَّ. و {ٱصْطَفَى} هنا: معناه: تخيَّر صفوةَ الأديان. وقوله: {فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}: إِيجاز بليغ، وذلك أنَّ المقصود من أمرهم بالإِسلام الدوامُ علَيْه، فأتَىٰ بلفظ موجَزٍ يقتضي المقصودَ، ويتضمَّن وعظاً وتذكيراً بالموت، وذلك أن المرء يتحقَّق أنه يموت، ولا يدري متَىٰ، فإِذا أمر بأمر لا يأتيه الموت إِلاَّ وهو عليه، فقد توجَّه من وقت الأمر دائباً لازماً. وقوله تعالى: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ } هذا الخطابُ لليهودِ والنصارَى الذين ٱنْتَحَلُوا الأنبياءَ - صلوات اللَّه عليهم - ونَسَبوهم إِلَى اليهوديَّة والنصرانية، فردَّ اللَّه عليهم وكذَّبهم، وأعلمهم أنهم كانُوا على الحنيفيَّة الإِسلامِ، وقال لهم على جهة التقريرِ والتوبيخ: أَشهدتُّمْ يعقوبَ بما أوصَىٰ، فتدَّعُونَ عنْ علْمٍ أَم لم تشهدوا، بل أنتم تفترُونَ، «وأم»: للاستفهامِ في صدرِ الكلامِ، لغةٌ يمانيَةٌ، وحكى الطبريُّ أنَّ «أَمْ» يستفهم بها في وسط كلامٍ قد تقدَّمَ صدره، وهذا منه، و {شُهَدَاءَ}: جمع شاهدٍ، أي: حاضر، ومعنى الآية؛ حضر يعقوبَ مقدِّماتُ الموت. و {مِن بَعْدِي}، أي: من بَعْدِ مَوْتِي، ودخل إِسماعيل في الآباء لأنه عَمَّ. "حديث : وقد أطلق النبيُّ صلى الله عليه وسلم على العَبَّاس ٱسْمَ الأب، فقال: «هذا بقية آبائي»، وقال: «رُدُّوا عَلَيَّ أَبِي»"تفسير : الحَدِيثَ، وقال: «حديث : أَنَا ٱبْنُ الذِّبِيحَيْنِ»تفسير : ، على القول الشهيرِ في أنَّ إِسحاق هو الذبيحُ. * ت *: وفي تشهيره نظَرٌ، بل الراجحُ أنه إِسماعيل علَىٰ ما هو معلومٌ في موضعه، وسيأتي إِنْ شاء اللَّه تعالى.
ابن عادل
تفسير : "من" اسم استفهام بمعنى الإنكار، فهو نفي في المعنى، لذلك جاءت بعده "إلاَّ" التي للإيجاب، ومحلّه رفع بالابتداء. و "يرغب" خبره، وفيه ضمير يعود عليه. والرغبة أصلها الطلب، فإن تعدت بـ "في" كانت بمعنى الإيْثَار له، والاختيار نحو: رغبت في كذا، وإن تعدت بـ "عن" كانت بمعنى الزّهَادة نحو: رغبت عنك. قوله: {إِلاَّ مَن سَفِهَ} في "مَنْ" وجهان. أحدهما: أنها في محلّ رفع البدل من الضمير في "يرغب"، وهو المختار؛ لأن الكلام غير موجب، والكوفيون يجعلون هذا من باب العطف. فإذا قلت: ما قام القوم إلاَّ زيد، فـ "إلاَّ" عندهم حرف عطف، وزيد معطوف على القوم، وتحقيق هذا مذكور في كتب النحو. الثاني: أنها في محلّ نصب على الاستثناء، و "من" يحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون نكرة موصوفة، فالجملة بعدها لا محلّ لها على الأول، ومحلها الرفع، أو النصب على الثاني. قوله: "نَفْسَهُ" في نصبه سبعة أوجه: أحدها: وهو المختار أن يكون مفعولاً به؛ لأنه حكي أن "سَفِهَ" بكسر الفاء يتعدّى بنفسه كما يتعدى "سَفَّه" بفتح الفاء والتشديد، وحكى عن أبي الخَطّاب أنها لغة، وهو اختيار الزّمخشري [فإنه قال]: "سفه نفسه: امتهنها، واستخف بها"، ثم ذكر أوجهاً أخرى. ثم قال والوجه الأول، وكفى شاهداً له بما جاء في الحديث: "حديث : الكِبْرُ أَنْ تَسْفَهَ الحَقَّ وَتُغْمِضَ النَّاسَ ". تفسير : الثاني: أنه مفعول به ولكن على تضمين "سفه" معنى فعل يتعدى، فقدره الزجاج وابن جني بمعنى "جهل"، وقدره أبو عبيدة بمعنى "أهلك". قال القرطبي: وأما سَفُهَ بالضم فلا يتعدى قاله ثعلب والمبرد]. الثالث: أنه منصوب على إسقاط حرف الجَرّ تقديره: سَفِهَ في نَفْسه. الرابع: توكيد لمؤكد محذوف تقديره: سفه في نفسه، فحذف المؤكد قياساً على النعت والمنعوت، حكاه مكّي. الخامس: أنه تمييز، وهو قول الكوفيين. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون في شذوذ تعريف المميِّز؛ نحو قوله: [الوافر] شعر : 792ـ................... وَلاَ بِفزَارَةَ الشُّعْرِ الرِّقَابَا تفسير : [الوافر] شعر : 793ـ.................. أَجَبَّ الظَّهْرَ لَيْسَ لَهُ سَنَامُ تفسير : فجعل "الرِّقَاب" و "الظَّهر" تمييزين، وليس كذلك، بل هما مُشَبَّهان بالمفعول به؛ لأنهما معمولا صفة مشهبة، وهي "الشُّعْر" جمع أَشْعَر، و "أَجَبّ" وهو اسم. السادس: أنه مشبه بالمفعول وهو قول بعض الكوفيين. السابع: أنه توكيد لمن سفه؛ لأنه في محل نصب على الاستثناء في أحد القولين، وهو تخريج غريب نقله صاحب "العَجَائب والغَرَائب". والمختار الأول؛ لأن التضمين لا ينقاس، وكذلك حرف الجر. وأما حذف المؤكد وإبقاء التوكيد، فالصحيح لا يجوز. وأما التمييز فلا يقع معرفة، ما ورد نادر أو متأول. وأما النصب على التشبيه بالمفعول، فلا يكون في الأفعال إنما يكون في الصّفات المشبهة خاصة. فصل في مناسبة الآية لما قبلها من الآيات لما ذكر أمر إبراهيم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ وشرائعه التي ابتلاه الله بها، وبناء بيته، والحرص على مصالح عباده، ودعائه [بالخير لهم]، وغير ذلك عجب الناس فقال: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ}. قال النحاس: وهو تقريع وتوبيخ وقع فيه معنى النفي، أي وما يرغب والمعنى: يزهد فيها، وينأى بنفسه عنها، أي: الملّة وهي الدين والشرع؛ إلاّ من سَفِهَ نَفْسَهُ. قال قتادة: وكل ذلك توبيخ اليهود، والنصارى، ومشركي العرب؛ لأن اليهود إنما يفتخرون بالوَصْلَة إلى إسرائيل وقريش، فإنهم إنما نالوا كلّ خير بالبيت الذي بناه، [فصاروا لذلك يدعون إلى كتاب الله]، وسائر العرب، [وهم العدنانيون] مرجعهم إلى إسماعيل، وهم يفتخرون على [القَحْطَانيين] بما أعطاه الله ـ تعالى ـ من النبوة، فرجع عند التحقيق افتخار الكل بإبراهيم عليه السلام، ولما ثبت أنّ إبراهيم ـ عليه السلام ـ هو الذي طلب من الله ـ تعالى ـ بعثة هذا الرسول في آخر الزمان ثبت أنه هو الذي تضرع إلى الله ـ تعالى ـ في تحصيل هذا المقصود، والعجب ممن [أعظم مفاخره وفضائله الانتساب إلى إبراهيم عليه السلام] ثم إنه لا يؤمن بالرسول الذي هو دعوة إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ ومطلوبه بالتضرّع لا شك أن مما يستحق أن يتعجب منه. [فإن قيل: لعل الرسول عليه الصلاة والسلام الذي طلب إبراهيم عليه الصلاة والسلام بعثه غير هذا الشخص. فالجواب أن التوراة والإنجيل شاهدة بصحة هذه الرواية، والمعتمد في إثبات نبوته صلى الله عليه وسلم وظهور المعجزة على يده، وهو القرآن الكريم وإخباره عن الغيوب منسوخ، ولفظ "الملة" يتناول الفروع والأصول؛ فيكون محمداً عليه ـ الصلاة والسلام ـ. والجواب لمّا أنه طلب من الله بعثة هذا الرسول وتأييده ونشر شريعته، عبر عن هذا المعنى بأنه ملة إبراهيم]. فصل روي أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجراً إلى الإسلام فقال لهما: إن الله ـ تعالى ـ قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبيّاً اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى، ومن لم يؤمن به فهو ملعون، وأَسْلم سَلَمَةُ، ومهاجر أَبَى أن يسلم، فنزلت هذه الآية الكريمة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: {إلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} خَسر نفسه. وقال الكلبي: "ضلّ من قتل نفسه". وقال أبو البقاء، وأبو عبيدة: "أهلك نفسه". وقال ابن كيسان والزجاج: "جهل نفسه"؛ لأنه لم يعرف الله ـ تعالى ـ خالقها، وقد جاء "مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ". وقال ابن بحر: معناه جهل نفسه، وما فيها من الدلالات والآيات الدالة على أن لها صانعاً ليس كمثله شيء، فيعلم به توحيد الله وقدرته. وهذا معنى قول الزجاج رحمه الله تعالى: لا يفكّر في نفسه من بيدين يبطش بهما، ورجلين يمشي عليهما، وعينين يبصر بهما، وأذنين يسمع بهما، ولسان ينطق به، وأضراس نبتت له عند غناه عن الرضاع، وحاجته إلى الغذاء ليطحن بها الطعام، ومَعِدَة أعدّت لطبخ الغذاء، وكبد يصعد إليها صَفْوه، وعروق ينفذ بها إلى الأطراف، وأمعاء يرتكز إليها نقل الغذاء، فيبرز من أسفل البدن، فيستدل بها على أن له خالقاً قادراً عليماً حكيماً وهذا معنى قوله تعالى: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}تفسير : {الذاريات:21]. قوله: {وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا} اخترناه من سائر الخلق في الدنيا، وإنّه في الآخرة عظيم المنزلة. [قال الحسين بن فضيل: فيه تقديم وتأخير تقديره ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين، وإذا صح الكلام من غير تقديم وتأخير كان أولى. وقال الحسن: من الذين يستحقون الكرامة وحسن الثواب]. قوله: "فِي الآخِرَةِ" فيه خمسة أوجه: أحدها: أنه متعلّق بالصالحين على أن الألف واللام للتعريف، وليست موصولة. الثاني: أنه متعلّقة بمحذوف تقديره أعني في الآخرة كقولك: بعد سقياه. الثالث: يتعلق بمحذوف أيضاً، لكن من جنس الملفوظ به أي: وإنه لصالح في الآخرة لمن الصالحين. الرابع: أن يتعلق بقوله الصالحين، وإن كانت "أل" موصولة؛ لأنه يُغْتفر في الظروف وشبهها ما لا يغتفر في غيرها اتساعاً، ونظيره قول الشاعر: [الرجز] شعر : 794ـ رَبَّيْتُهُ حَتَّى إِذَا تَمَعْدَدَا كَانَ جَزَائِي بِالْعَصَا أَنْ أُجْلَدَا تفسير : الخامس: أن يتعلّق بـ "اصطفيناه". قال الحسين بن الفضل: في الكلام تقديم وتأخير مجازه: ولقد اصطفيناه في الدنيا وفي الآخرة. وهذا ينبغي ألا يجوز مثله في القرآن لنُبُوِّ السمع عنه. والاصطفاه: الاختيار، "افتعال" من صفوة الشيء، وهي خياره، وأصله: اصتفى، وإنما قلبت تاء الافتعال "طاء" مناسبة للصاد لكونها حرف إطْبَاق، وتقدم ذلك عند قوله: {أية : أَضْطَرُّهُ}تفسير : [البقرة:126]. وأكد جملة الاصطفاء باللام، والثانية بـ "أن" و "اللام"؛ لأن الثانية محتاجة لمزيد تأكيد، وذلك أن كونه في الآخرة من الصالحين أمر مُغَيَّب، فاحتاج الإخبار به إلى فَضْل توكيد. وأما اصطفاء الله فقد شاهدوه منه، ونقله جيل بعد جيل.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {ومن يرغب عن ملة إبراهيم} قال: رغبت اليهود والنصارى عن ملته، واتخذوا اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله، وتركوا ملة إبراهيم الإِسلام، وبذلك بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بملة إبراهيم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله {إلا من سفه نفسه} قال: إلا من أخطأ حظه. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله {ولقد اصطفيناه} قال: اخترناه.
ابو السعود
تفسير : {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرٰهِيمَ} إنكارٌ واستبعاد لأن يكون في العقلاء من يرغبُ عن ملته التي هي الحقُّ الصريحُ والدين الصحيحُ أي لا يرغب عن ملته الواضحةِ الغراء {إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} أي أذلّها واستمهَنها واستخَفّ بها، وقيل: خسِر نفسه وقيل: أوبقَ أو أهلكَ أو جهَّلَ نفسَه. قال المبرِّدُ وثعلبٌ: سفِه بالكسر متعدٍّ وبالضم لازم، ويشهد له ما ورد في الخبر: «أنْ تَسْفَه الحَقَّ وتَغْمِصَ النَّاسَ» وقيل: معناه ضل من قِبَل نفسِه وقيل: أصلُه سفِه نفسُه بالرفع فنصب على التميـيز نحو غَبِن رأيُه وألِمَ رأسُه ونحو قوله: [الوافر] شعر : ونأخُذُ بعده بذِناب عيشٍ أجبِّ الظهرِ ليس له سَنامُ تفسير : وقـولـه: [الوافر] شعر : وما قومي بثعلبةَ بن سعدٍ ولا بفزارةَ الشُّعْرِ الرقابا تفسير : ذلك لأنه إذا رغب عما لا يرغب عنه أحدٌ من العقلاء فقد بالغ في إذلالِ نفسه وذلتها وإهانتِها حيث خالف بها كلَّ نفس عاقلة. روي أن عبد اللَّه بن سلام دعا ابني أخيه سلمةَ ومُهاجِراً إلى الإسلام فقال لهما: قد علمنا أن الله تعالى قال في التوراة: إني باعثٌ من ولد إسماعيل نبـياً اسمُه أحمدُ فمن آمن به فقد اهتدى ورشَد ومن لم يؤمن فهو ملعون فأسلم سلمةُ وأبـي مهاجر فنزلت {وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِي ٱلدُّنْيَا} أي اخترناه بالنبوة والحكمة من بـين سائر الخلق وأصله اتخاذُ صفوة الشيء كما أن أصلَ الاختيارِ اتخاذُ خيرِه واللامُ جواب قسم محذوف والواو اعتراضية والجملة مقررة لمضمون ما قبلها أي وبالله لقد اصطفيناه وقوله تعالى: {وَإِنَّهُ فِى ٱلأخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} أي من المشهود لهم بالثبات على الاستقامة والخير والصلاح، معطوفٌ عليها داخلٌ في حيز القسم مؤكدٌ لمضمونها مقرِّرة لما تقرِّره ولا حاجة إلى جعله اعتراضاً آخرَ أو حالاً مقدرة فإن مَنْ كان صفوةً للعباد في الدنيا مشهوداً له بالصلاح في الآخرة كان حقيقاً بالاتباع لا يَرغبُ عن ملته إلا سفيهٌ أو متسفّهٌ أذل نفسَه بالجهل والإعراض عن النظر والتأمل، وإيثارُ الاسمية لما أن انتظامه في زُمرة صالحي أهلِ الآخرة أمرٌ مستمرٌ في الدارين لا أنه يحدُث في الآخرة، والتأكيدُ (بإن) واللام لما أن الأمورَ الأخروية خفية عند المخاطبـين فحاجتُها إلى التأكيد أشدُّ من الأمور التي تُشاهد آثارُها، وكلمة (في) متعلقةٌ بالصالحين على أن اللام للتعريف وليست بموصولة حتى يلزم تقديمُ بعض الصلة عليها على أنه قد يُغتفر في الظرف ما لا يغتفر في غيره كما في قوله: [الراجز] شعر : ربـيتُه حتى إذا تَمْعَددا كان جزائي بالعصا أن أُجلَدا تفسير : أو بمحذوف من لفظه أي وأنه لصالحٌ في الآخرة لمن الصالحين أو من غير لفظه أي أعني في الآخرة نحو لك بعدَ رَعْياً وقيل: هي متعلقةٌ باصطفيناه على أن في النظم الكريم تقديماً وتأخيراً تقديرُه ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين.
القشيري
تفسير : أخبر أنه آثر الخليل صلوات الله عليه على البرية، فجعل الدينَ دينَه، والتوحيدَ شِعارَه والمعرفةَ صِفته؛ فمن رَغِبَ عن دينه أو حاد عن سُنَّتِه فالباطل مطرحه، والكفر مهواه؛ إذ ليست الأنوار بجملتها إلا مقتبسة من نوره.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن يرغب عن ملة إبراهيم} من استفهامية قصد بها الانكار والتقريع ورغب فى الشىء اذا اراده ورغب عنه اذا تركه اى لا يترك دين ابراهيم احد ولا يعرض عن شريعته وطريقته {إلا من سفه نفسه} اى اذلها وجعلها مهينا حقيرا فانتصاب نفسه على انه مفعول به ـ روى ـ ان عبد الله ابن سلام دعا ابنى اخيه سلمة ومهاجرا الى الاسلام فقال لهما قد علمتما ان الله تعالى قال فى التوراة انى باعث من ولد اسماعيل نبيا اسمه احمد فمن آمن به فقد اهتدى ومن لم يؤمن به فهو ملعون فاسلم سلمة وابى مهاجر فانزل الله هذه الآية {ولقد اصطفيناه فى الدنيا} اى وبالله لقد اخترنا ابراهيم فى الدنيا من بين سائر الخلق بالنبوة والحكمة {وإنه فى الآخرة} متعلق بقوله {لمن الصالحين} اى من المشهود لهم بالثبات على الاستقامة والخير والصلاح فمن كان صفوة العباد فى الدنيا مشهودا له فى الآخرة بالصلاح كان حقيقا بالاتباع لا يرغب عن ملته الا سفيه اى فى اصل خلقته او متسفه يتكلف السفاهة بمباشرة افعال السفهاء باختياره فيذل نفسه بالجهل والاعراض عن النظر والتأمل فقوله {وإنه فى الآخرة لمن الصالحين} بشارة له فى الدنيا بصلاح الخاتمة ووعد له بذلك وكم من صالح فى اول حاله ذهب صلاحه فى مآله وكان فى الآخرة لعذابه ونكاله كبلعم وبرصيصا وقارون وثعلبة.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {من}: استفهامية إنكارية، فيها معنى النفي، مبتدأ، و {يرغب} وما بعده خبر، و {إلا} إبطال لنفيها الذي تضمنته، و {مَن سَفِه} بدل من ضمير {يرغب} على المختار، و {نفسه} مفعول {سَفِه}؛ لتضمنه معنى جهل أو أهلك، قاله الزجاج، أو على التمييز؛ قاله الفراء؛ لأن الضمير فيه معنى الشيوع الذي في {مَن} فلم يكسب التعريف، أو على إسقاط الجارّ وإيصال الفعل إليه، كقولهم: ضرب فلان الظهر والبطن. و {إذ} معمول لاصطفيناه، وأوصى ووصى: لغتان، إلا أن وصى فيه معنى التكثير. وضمير {بها} يعود على كلمة {أسلمت}، أو الملة، و {يعقوب} معطوف على {إبراهيم}، و {بني} محكي بحال محذوفة، أي: قائلين يا بني، أو مبتدأ، والخبر محذوف، أي: قال يا بني... الخ، فيوقف على {بينه}. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ومَن} هذا الذي {يرغب عن ملة إبراهيم} الواضحة {إلا} من جهل قدر {نفسه} وبسخها حقها؟ أو إلا من خف رأيه وسفهت نفسه؟ وكيف يرغب عاقل عنها وقد اخترناه أماماً {في الدنيا} يقتدي به أهل الظاهر والباطن؟ {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} لحضرتنا، والساكنين في جوارنا. وإنما اخترناه لذلك لأنه حين {قال له ربه}: استسلم لحكمنا، وانقد لأمرنا، قال سريعاً: {أسلمت} وجهي {لرب العالمين}، وانقدْتُ بكُلّيتي إليه. {ووصى} بهذه الكلمة أو الملة {إبراهيم}، عند موته، {بنيه}، وكانوا أربعة: إسماعيل وإسحاق ومدين ومدان. وكذلك حفيده {يعقوب} أوصى بهذه الكلمة بنيه. وكانوا اثني عشر، على ما يأتي في الأسباط، قائلين في تلك الوصية: {يا بني إن الله} اختار لكم {الدين} الحنيف الواضح المنيف، فتمسكوا به ما عِشْتُّم ولا تموتُن {إلا وأنتم مسلمون} متمسكون به. الإشارة: ملة أبينا إبراهيم عليه السلام هي رفع الهمة عن الخلق، وإفراد الوجهة للملك الحق، ورفض الوسائط والأسباب، والتعلق بربّ الأرباب، وفي ذلك يقول الشاعر، وهو الششتري: شعر : فَرَفْضُ السّويَ فَرْضٌ علينا لأنَّنا بملةِ محْوِ الشّركِ والشَّكِّ قدْ دِنَّا تفسير : ومِنْ ملته أيضاً: تركُ التدبير والاختيار، والاستسلام لأحكام الواحد القهار، فمن تمسك بهذه الخصال على التمام. ووصى بها نم لقيه من الأنام، جعله الله في الدنيا إماماً يقتدي بأقواله ويهتدي بأنواره، وإنه في الآخرة لمن الصالحين المقربين مع النبيين والمرسلين، وأما من رَغِبَ عن هذه الملة الحنيفة فقد خسر الدنيا والآخرة. نسأل الله الحفظ بمنّه وكرمه.
الطوسي
تفسير : اللغة: قوله: {ومن يرغب} فالرغبة: المحبة لما فيه للنفس منفعة. ورغب فيه ضد رغب عنه. والرغبة: المحبة. والرغبة والمحبة والارادة نظائر. وبينهما فرق. نقيض الرغبة الرهبة ونقيض المحبة: البغضة. ونقيض الارادة الكراهية. تقول: رغب رغبة وأرغبه إرغاباً. ورّغبة ترغيباً. وتقول: رغب رغبة، ورغباً، ورغبى ورغباً إذا ملت لمحبك، ورغبت عنه إذا صددت عنه، وأنا راغب به فيهما جميعاً، والشيء مرغوب فيه، ومرغوب عنه. ولي عن فلان مرغب. وهو رجل رغيب: نهم شديد الاكل وفرس رغيب الشحوة كثير الأخذ بقوائمه من الارض. وموضع رغيب واسع والرغبة العطاء الكثير الذي يرغب في مثله. وقال صاحب العين: اللهم اليك الرغباء ومن لدنك النعماء، ورغبت عن الشيء إذا تركته. الاعراب: ومعنى {ومن يرغب عن ملة إبراهيم} لفظه الاستفهام، ومعناه الجحد، كأنه قال: ما يرغب عن ملة ابراهيم ولا يزهد فيها إلا من سفه نفسه وكأنه قال: واي الناس يزهد فيها {إلا من سفه نفسه} والاولى على الاستفهام، ومعناه الجحد. والثانية ـ بمعنى الذي كأنه قال: إلا الذي سفه نفسه. وفي نصب (نفسه) خلاف. قال الاخفش: معناه سّفه نفسه. وقال يونس: اراها لغة. قال الزجاج: اراد أن فعل لغة في المبالغة. كما أن فعل كذلك. فعلى هذا يجوز سفهت زيداً: بمعنى سفهت. وقال ابو عبيدة: معناه اهلك نفسه، وأوبق نفسه. وقال ابن زيد: إلا من اخطأ حظه. وقال ابن تغلب والمبرد: سفه ـ بكسر الفاء ـ يتعدى، وسفه ـ بضم الفاء ـ لا يعتدى. فهذا كله وجه واحد. والثاني ـ أن يكون على التفسير، كقوله {أية : فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً} تفسير : وهو قول الفراء: قال: العرب توقع سفه على نفسه. وهي معرفة، وكذلك {أية : بطرت معيشتها}. تفسير : وانكر الزجاج هذا الوجه. وقال: معنى التمييز لا يحتمل التعريف، لأن التمييز انما هو واحد يدل على جنس، فاذا عرفته صار مقصوداً بعينه. والوجه الثالث ـ ان يكون على التمييز، والمضاف على الانفصال، كما تقول: مررت برجل مثله أي مثل له. والوجه الرابع ـ على حذف الجار، كما قال: {أية : أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم}تفسير : اي لأولادكم. ومثله {أية : ولا تعزموا عقدة النكاح} تفسير : اي على عقدة النكاح. قال الشاعر: شعر : نغالي اللحم للأضياف نيئاً ونرخصه إذا نضج القدير تفسير : والمعنى نغالي باللحم. وقال الزجاج: وهذا مذهب صحيح. واختار هو أن سفه بمعنى جهل. وهو موافق لمعنى ما قال ابن السراج في {بطرت معيشتها} لان البطر مستقل النعمة غير راض بها. وقال ابو مسلم: معناه جهل نفسه، وما فيها من الآيات الدالة على ان لها صانعا ليس كمثله شيء فيعلم به توحيد الله وصفاته. اللغة: ومعنى قوله: {ولقد اصطفيناه في الدنيا} اخترناه للرسالة والصفو: التميز من سائر الكدر. واصطفيناه على وزن افتعلناه من الصفوة. وانما قلبت التاء طاء، لانها اشبه بالصاد بالاستعلاء والاطباق، وهي من مخرج التاء فاتى بحرف وسط بين الحرفين. والاصطفاء والاختيار والاجتباء نظائر. والصفاء والنقاء والخالص نظائر والصفاء نقيض الكدر. وصفوة كل شيء خالصه من صفوة الدنيا، وصفوة الماء وصفوة الاخاء تقول: صفا صفاء، واصفاه اصفاء، واصطفاه، اصطفاء. وتصفى تصفيا وتصافوا تصافيا. وصفاه تصفية وصافاه مصافاة. وأستصفاه استصفاء. والصفا مصافاة المودة والاخاء. والصفاء مصدر الشيء الصافي وإذا اخذت صفوة ماء من غدير، قلت استصفيت صفوة. وصفي الانسان: الذي يصافيه المودة. وناقة صفي كثيرة اللبن. ونخلة صفية: كثيرة الحمل. والجمع الصفايا والصفا: الحجر الضخم الأملس الصلب. فاذا انثوا الصخرة قالوا صفاة صفواء. واذا ذكروا قالوا صفا صفوان والصفوان واحدته صفوانة. ومن الحجارة: الملس لا تنبت شيئاً. قال تعالى: {أية : كمثل صفوان عليه تراب}.تفسير : واصل الباب: الصفا: الخلوص. قوله: {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} انما خص الآخرة بالذكر وان كان في الدنيا كذلك لان المعنى من الذين يستوجبون على الله الكرامة وحسن الثواب، فلما كان خلوص الثواب في الآخرة دون الدنيا، وصفه بما ينبىء عن ذلك. ففي قوله: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} دلالة على ان ملة ابراهيم هي ملة نبينا محمد "صلى الله عليه وسلم"، لان ملة ابراهيم داخلة في ملة محمد "صلى الله عليه وسلم" مع زيادات في ملة محمد "صلى الله عليه وسلم" فبين أن الذين يرغبون من الكفار عن ملة محمد التي هي ملة ابراهيم، قد سفهوا أنفسهم وهو معنى قول قتادة والربيع.
الجنابذي
تفسير : {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} استبعاد وانكار {إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} سفه نفسه بالحركات الثّلاث فى عين سفه يعنى حملها على السّفاهة ونصب نفسه على ضمّ الفاء وفتحه للتّشبيه بالمفعول كما فى الحسن الوجه وعلى الكسر قيل: انّه متعدّ، وقيل: انّه كذلك {وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ} حال فى موضع التّعليل {فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} فلا ينبغى الرّغبة عنه وعن ملّته.
اطفيش
تفسير : {ومَنْ يَرغَبُ}: هذا استفهام نفى وإنكار واستبعاد، أى ولا يرغب {عَنْ مِلة إبراهيمَ إلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسهُ}: أى أهانها بتعرضها للعذاب حين عصى الله، عز وجل، وسفه لازم، وإنما تعدى لتضمن معنى أهان كما علمت أو أذل أو أهلك أو خسر، كما فسره ابن عباس به، أو جهل فإن من عصى الله، جل وعلا، كأنه جهل نفسه مخلوقة الله واجباً عليها عبادته، وقد جاء من عرف نفسه فقد عرف ربه، أوحى الله سبحانه وتعالى إلى داود عليه السلام: اعرف نفسك واعرفنى. قال: يا رب كيف أعرف نفسى وكيف أعرفك؟ قال: اعرف نفسك بالعجز والضعف والفناء. واعرفنى بالقوة والقدرة والبقاء. قال المبرد وثعلب: (سفه) بالكسر متعد، و (سفه) بالضم لازم، ويدل له، قيل: ما فى الحديث الكبر أن تسفه الحق وتقمص الخلق. وروى الناس وذلك رواية التخفيف ولا دليل فيه لا حتمال التأويل بنحو أهان، وببعض أوج التأويل فى الآية والقمص الاستصغار، والغمط (بالطاء) التحقير. وقيل الأصل سفه بالرفع فنصب على التمييز المحول عن الفاعل على قول الكوفيين على جواز تعريف التمييز، كما قيل غين رأيه وألم رأسه وقول جرير: شعر : ونأخذ بعده بذناب عيش أجب الظهر ليس له سنام تفسير : بنصب الظهر على التمييز، مدح النعمان بأنهم يبقون بعده فى عيش لا خير فيهٍ وذناب الشئ عقبه، والجمل الأجب الظهر هو الذى قل لحم ظهره حتى كان لا سنام له، والسنام الذروة شبه العيش الضعيف بذلك، والأوضح إذا صبر إلى هذا التأويل أن يذكر بدله أن النصب على التشبيه بالمفعول به فى قوله: (سفه نفسه) ونحوه، كالبيت يجوز كون أل فيه زائدة، وقيل النصب على نزع الخافض، أى سفه نفسه أو فى نفسه، والملة الشريعة والطريقة، والسفة الخفة وعدم الرشد فى العقل والقول، والمستثنى بدل بعض من الضمير فى يرغب، أو نصب على الاستثناء، والبدل أولى لتقدم النفى بمن، كأنه قيل: لا يرغب أحد عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه، وسبب نزول الآية: أن عبد الله بن سلام دعا ابنى أخيه إلى الإسلام مهاجرا وسلمة، وقال لهما: قد علمت أن الله تعالى قال فى التوراة: إنى باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى، ومن لم يؤمن به فهو ملعون. فأسلم سلمة وأبى مهاجر، فنزلت. وفيها تعريض لليهود والنصارى ومشركى العرب، لأن اليهود والنصارى يفتخرون بالنسبة إلى إبراهيم، لأنهم من ولد إسرائيل، والعرب يفتخرون به لأنهم من ولد ابنه إسماعيل، فأخبر الله أن من رغب عن ملة محمد فقد رغب عن ملة إبراهيم، لأنها واحدة فقد كذب فى افتخاره. وقرأ هاشم أبراهام بالألف فى جميع هذه الصورة، وفى السناء ثلاثة أحرف وهى الأخيرة، وفى الأنعام الحرف الأخير، وفى التوبة الحرفين الأخيرين، وفى إبراهيم حرفاً وفى النحل حرفين وفى مريم ثلاثة أحرف، وفى العنكبوت الحرف الأخير، وفى حمعسق حرفا. وفى الذاريات حرفا، وفى النجم حرفاً وفى الحديد حرفاً، وفى الممتحنة الحرف الأول، فذلك ثلاث وثلاثون حرفا ذكرها أبو عمرو الدانى. قال: وقرأت لابن ذكوان فى البقرة خاصة بالوجهين، والباقون بالياء فى الجميع، والذى فى البقرة ستة عشر، وقرر كون اتباع إبراهيم حقا ومخالفته سفهاً بقوله: {وَلَقَد اصْطفيناهُ فى الدُّنيا}: اخترناه فهيا بالرسالة والخلة. {وإنّه فى الآخِرة لَمِنَ الصَّالحين}: أى ثابت أو معدود من الصالحين الذين لهم الدرجات العلى، وهم الأنبياء والفائزون، ويجوز أن تكون من بمعنى فى وللمصاحبة، وذلك يوم القيامة، فيكون قد ذكر ماله فى الدنيا وما له فى الآخرة، ويجوز أن يكون المعنى، وأنه فى عمل الآخرة محذوف المضاف، وتعلق فى على الوجهين بمحذوف حال من اسم إن، أو بالمحذوف الذى تعلق به من الصالحين شذوذاً من وجه واحد، وهو تقديم معمول ما بعد لام الابتداء عليها، وهذا إن قلنا إن اللام فى خبر إن لام الابتداء تأخرت، وإن تعلق بمجموع قوله: {من الصالحين}، لقيامه مقام الخبر، فالشذوذ من هذا الوجه، ومن وجه آخر هو تقديم معمول ما ليس فيه حروف الفعل، وهو قوله: {من الصالحين}، فإنه قائم قمام ثابت وليس فيه حروف.
اطفيش
تفسير : {وَمَن يَرْغَبُ} توبيخ ونفى لأن يصح عقلا أو شرعاً، تصويب أن يرغب راغب {عَنْ مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} وبتركها {إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} حملها على الخسة والحقارة وهو متعد، لقوله صلى الله عليه وسلم، حديث : الكبر أن تسقه الحقتفسير : ... إلخ بفتح الفاء، فى رواية التخفيف، واللازم سفه بضمها، أو تعدى فى الآية، لتضمن معنى جهل، أو أهلكها، أو أذلها بالإعراض عن النظر، وأن أصله اللزوم، أى جهلها لخفة عقله، أو جهل أنها مخلوقة لله، أو يقدر سفه فى نفسه {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَـٰهُُ} اخترناه للرسالة والخلة والإمامة والحكمة {فِي الدُّنْيَا} وشهر بذلك فى الأزمنة بعده عند مسلميها وكافريها {وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ} حال من اسم إن على قول سيبويه، بجواز الحال من المبتدأ، أو متعلق بنسبة الكلام، أى وأنه محكوم عليه فى الآخرة بأنه من الصالحين، وإن علقناه بقوله {لَمِنَ الصَّٰلِحِينَ} أو بمتعلقه المحذوف، أى لمعدود أو ثابت من الصالحين فى الآخرة، ففيه خروج الللام فى إن عن المصدر، كما هو ظاهر، وأنه على ذلك لشهيد، وإنه لحب الخير الشديد، ولا يتعلق بصالحين لأنه ليس المراد، أنه يصلح فى الآخرة، بل المراد أن يتبين فى الآخرة، ويشاهد أنه من جملة الصالحين والذين لهم الدرجات العلا.
الالوسي
تفسير : {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرٰهِيمَ} إنكار واستبعاد لأن يكون في العقلاء من يرغب عن ملته وهي الحق الواضح غاية الوضوح، أي لا يرغب عن ذلك أحد {إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} أي جعلها مهانة ذليلة. وأصل ـ السفه ـ الخفة، ومنه زمام سفيه ـ أي خفيف ـ وسفه ـ بالكسر ـ كما قال المبرد وثعلب: متعد بنفسه، و {نَفْسَهُ} مفعول به، وأما (سفه) بالضم فلازم، ويشهد له ما جاء في الحديث: «حديث : الكبر أن تسفه الحق وتغمط الناس»تفسير : وقيل: إنه لازم أيضاً، وتعدى إلى المفعول لتضمنه معنى ما يتعدى إليه، أي جهل نفسه لخفة عقله وعدم تفكره، وهو قول الزجاج، أو أهلكها، وهو قول أبـي عبيدة؛ وقيل: إن النصب بنزع الخافض ـ أي في نفسه ـ فلا ينافي اللزوم ـ وهو قول لبعض البصريين ـ وقيل: على التمييز كما في قول نابغة الذبياني:شعر : ونأخذ بعده بذناب عيش أجب الظهر ليس له سنام تفسير : وقيل: على التشبيه بالمفعول به، واعترض الجميع أبو حيان قائلاً: إن التضمين والنصب بنزع الخافض لا ينقاسان، وإن التشبيه بالمفعول به مخصوص عند الجمهور بالصفة ـ كما قيل به في البيت ـ وأن البصريين منعوا مجىء التمييز معرفة، فالحق الذي لا ينبغي أن يتعدى القول بالتعدي. و (من) إما موصولة أو موصوفة في محل الرفع على المختار بدلاً من الضمير في {يَرْغَبُ} لأنه استثناء من غير موجب، وسبب نزول الآية ما روي أن عبد الله / بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجراً إلى الإسلام؛ فقال لهما: قد علمتما أن الله تعالى قال في التوراة: إني باعث من ولد إسمٰعيل نبياً اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى ورشد، ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة وأبـي مهاجر، فنزلت. {وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِي ٱلدُّنْيَا} أي اخترناه بالرسالة بتلك الملة، واجتبيناه من بين سائر الخلق، وأصله اتخاذ صفوة الشيء أي خالصه. {وَإِنَّهُ فِى ٱلأَخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} أي المشهود لهم بالثبات على الاستقامة والخير والصلاح، والجملة معطوفة على ما قبلها، وذلك من حيث المعنى دليل مبين لكون ـ الراغب عن ملة إبراهيم سفيهاً ـ إذ الاصطفاء والعز في الدنيا غاية المطالب الدنيوية ـ والصلاح ـ جامع للكمالات الأخروية ولا مقصد للإنسان الغير ـ السفيه ـ سوى خير الدارين، وأما من حيث اللفظ فيحتمل أن يكون حالاً مقررة لجهة الإنكار ـ واللام لام الابتداء ـ أي أيرغب عن ملته ومعه ما يوجب عكس ذلك، وهو الظاهر لفظاً لعدم الاحتياج إلى تقدير القسم ـ وارتضاه الرضي ـ ويحتمل أن يكون عطفاً على ما قبله، أو اعتراضاً بين المعطوفين ـ واللام ـ جواب القسم المقدر وهو الظاهر معنى لأن الأصل في الجمل الاستقلال ولإفادة زيادة التأكيد المطلوب في المقام والإشعار بأن المدعي لا يحتاج إلى البيان، والمقصود مدحه عليه السلام وإيراد الجملة الأولى: ماضوية لمضيها من وقت الإخبار، والثانية: اسمية لعدم تقييدها بالزمان لأن انتظامه في زمرة صالحي أهل الآخرة أمر مستمر في الدارين لا أنه يحدث في الآخرة، والتأكيد بأن واللام لما أن الأمور الأخروية خفية عند المخاطبين فحاجتها إلى التأكيد أشد من الأمور التي تشاهد آثارها، وكلمة (في) متعلقة بـ (الصالحين) على أن ـ أل ـ فيه للتعريف لا موصولة ليلزم تقديم بعض الصلة عليها على أنه قد يغتفر في الظرف ما لا يغتفر في غيره، أو بمحذوف أي صالح أو أعني، وجعله متعلقاً بـ (اصطفيناه) وفي الآية تقديم وتأخير، أو بمحذوف حالاً من المستكن في الوصف بعيد.
ابن عاشور
تفسير : موقع هاته الآيات من سوابقها موقع النتيجة بعد الدليل، فإنه لما بين فضائل إبراهيم من قوله: {أية : وإذ ابتلى}تفسير : [البقرة: 124] إلى هنا علم أن صاحب هاته الفضائل لا يعدل عن دينه والاقتداء به إلا سفيه العقل أفن الرأي، فمقتضى الظاهر أن تعطف على سوابقها بالفاء وإنما عدل من الفاء إلى الواو ليكون مدلول هذه الجملة مستقلاً بنفسه في تكميل التنويه بشأن إبراهيم وفي أن هذا الحكم حقيق بملة إبراهيم من كل جهة لا من خصوص ما حكي عنه في الآيات السالفة وفي التعريض بالذين حادوا عن الدين الذي جاء متضمناً لملة إبراهيم، والدلالة عن التفريع لا تفوت لأن وقوع الجملة بعد سوابقها متضمنة هذا المعنى دليل على أنها نتيجة لما تقدم كما تقول أحسن فلان تدبير المهم وهو رجل حكيم ولا تحتاج إلى أن تقول فهو رجل حكيم. والاستفهام للإنكار والاستبعاد، واستعماله في الإنكار قد يكون مع جواز إرادة قصد الاستفهام فيكون كناية، وقد يكون مع عدم جواز إرادة معنى الاستفهام فيكون مجازاً في الإنكار ويكون معناه معنى النفي، والأظهر أنه هنا من قبيل الكناية فإن الإعراض عن ملة إبراهيم مع العلم بفضلها ووضوحها أمر منكر مستبعد. ولما كان شأن المنكر المستبعد أن يسأل عن فاعله استعمل الاستفهام في ملزومه وهو الإنكار والاستبعاد على وجه الكناية مع أنه لو سئل عن هذا المعرض لكان السؤال وجيهاً، والاستثناء قرينة عن إرادة النفي واستعمال اللفظ في معنيين كنائيين، أو ترشيح للمعنى الكنائي وهما الإنكار. والاستفهام لا يجيء فيه ما قالوا في استعمال اللفظ المشترك في معنييه واستعمال اللفظ في حقيقته ومجازه أو في مجازيه لأن الدلالة على المعنى الكنائي بطريق العقل بخلاف الدلالة على المعنيين الموضوع لهما الحقيقي وعلى المعنى الحقيقي والمجازي إذ الذين رأوا ذلك منعوا بعلة أن قصد الدلالة باللفظ على أحد المعنيين يقتضي عدم الدلالة به على الآخر لأنه لفظ واحد فإذا دل على معنى تمت دلالته وأن الدلالة على المعنيين المجازيين دلالة باللفظ على أحد المعنيين فتقضى أنه نقل من مدلوله الحقيقي إلى مدلول مجازي وذلك يقتضي عدم الدلالة به على غيره لأنه لفظ واحد، وقد أبطلنا ذلك في المقدمة التاسعة، أما المعنى الكنائي فالدلالة عليه عقلية سواء بقي اللفظ دالاً على معناه الحقيقي أم تعطلت دلالته عليه. ولك أن تجعل استعمال الاستفهام في معنى الإنكار مجازاً بعلاقة اللزوم كما تكرر في كل كناية لم يرد فيها المعنى الأصلي وهو أظهر لأنه مجاز مشهور حتى صار حقيقة عرفية فقال النحاة: الاستفهام الإنكاري نفي ولذا يجيء بعده الاستثناء، والتحقيق أنه لايطرد أن يكون بمعنى النفي ولكنه يكثر فيه ذلك لأن شأن الشيء المنكر بأن يكون معدوماً ولهذا فالاستثناء هنا يصح أن يكون استثناء من كلام دل عليه الاستفهام كأنَّ مجيباً أجاب السائل بقوله: «لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه. والرغبة طلب أمر محبوب، فحق فعلها أن يتعدى بفي وقد يعدى بعن إذا ضمن معنى العدول عن أمر وكثر هذا التضمين في الكلام حتى صار منسياً. والملة الدين وتقدم بيانها عند قوله تعالى: {أية : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتي تتبع ملتهم}تفسير : [البقرة: 120]. وسفه بمعنى استخف لأن السفاهة خفة العقل واضطرابه يقال تسفهه استخفه قال ذو الرمة:شعر : مَشَيْن كما اهتزت رماحٌ تسفَّهَتْ أَعاليَها مَرُّ الرياح النَّوَاسم تفسير : ومنه السفاهة في الفعل وهو ارتكاب أفعال لا يرضى بها أهل المروءة. والسفه في المال وهو إضاعته وقلة المبالاة به وسوء تنميته. وسفهه بمعنى استخفه وأهانه لأن الاستخفاف ينشأ عنه الإهانة وسفه صار سفيهاً وقد تضم الفاء في هذا. وانتصاب {نفسه} إما على المفعول به أي أهملها واستخفها ولم يبال بإضاعتها دنيا وأخرى ويجوز انتصابه على التمييز المحول عن الفاعل وأصله سَفِهَتْ نفسُه أي خفت وطاشت فحُوِّل الإسنادُ إلى صاحب النفس على طريقة المجاز العقلي للملابسة قصداً للمبالغة وهي أن السفاهة سرت من النفس إلى صاحبها من شدة تمكنها بنفسه حتى صارت صفة لجثمانه، ثم انتصب الفاعل على التمييز تفسيراً لذلك الإبهام في الإسناد المجازي، ولا يعكر عليه مجيء التمييز معرفةً بالإضافة لأن تنكير التمييز أغلبي. والمقصود من قوله: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} تسفيه المشركين في إعراضهم عن دعوة الإسلام بعد أن بين لهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإسلام مُقام على أساس الحنيفية وهي معروفة عندهم بأنها ملة إبراهيم قال تعالى: {أية : ثم أوحينا إليك أَنِ اتَّبع ملةَ إبراهيم حنيفاً}تفسير : [النحل: 123] وقال في الآية السابقة {أية : ربنا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لك ومن ذريتنا أُمَّةً مُسْلِمةً لك}تفسير : [البقرة: 128] وقال: {أية : وأوْصَى بها إبراهيم بنيه ويعقوبُ}تفسير : [البقرة: 132] إلى قوله: {أية : فلا تَمُوتُنَّ إلا وأنتم مسلمون}تفسير : [البقرة: 132]. وجملة {ولقد اصطفيناه} معطوفة على الجمل التي قبلها الدالة على رفعة درجة إبراهيم عند الله تعالى إذ جعله للناس إماماً وضمن له النبوءة في ذريته وأَمَرَهُ ببناء مسجد لتوحيده واستجاب له دعواته. وقد دلت تلك الجمل على اختيار الله إياه فلا جرم أعقبت بعطف هذه الجملة عليها لأنها جامعة لفذلكتها وزائدة بذكر أنه سيكون في الآخرة من الصالحين. واللام جواب قسم محذوف وفي ذلك اهتمام بتقرير اصطفائه وصلاحه في الآخرة. ولأجل الاهتمام بهذا الخبر الأخير أكد بقوله: {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} فقوله: {وإنه في الآخرة إلى آخره اعتراض بين جملة اصطفيناه} وبين الظرف وهو قوله: {إذْ قال له ربه أَسلم}، إذ هو ظرف لاصطفيناه وما عطف عليه، قصد من هذه الظرفية التخلُّص إلى منقبة أخرى، لأن ذلك الوقت هو دليل اصطفائه حيث خاطبه الله بوحي وأمره بما تضمنه قوله {أسْلِم} من معانٍ جماعها التوحيدُ والبراءةُ من الحول والقوة وإخلاصُ الطاعة، وهو أيضاً وقتُ ظهور أن الله أراد إصلاح حاله في الآخرة إذ كلٌّ مُيسَّر لما خلق له. وقد فهم أن مفعول {أسلم} ومتعلقه محذوفان يعلمان من المقام أي أسلم نفسك لي كما دل عليه الجواب بقوله: {أسلمت لرب العالمين} وشاع الاستغناء عن مفعول أَسْلَمَ فنُزل الفعل منزلة اللازم يقال أَسلم أي دَان بالإسلام كما أنبأ به قوله تعالى: {أية : ولكن كان حنيفاً مُسلماً}تفسير : [آل عمران: 67]. وقوله: {قال أسلمت} فصلت الجملة على طريقة حكاية المحاورات كما قدمناه في {أية : وإذْ قال ربك للملائكة إِني جاعل في الأرض خليفة}تفسير : [البقرة: 30]. وقوله: {قال أسلمت} مشعر بأنه بادر بالفور دون تريث كما اقتضاه وقوعه جواباً، قال ابن عرفة: إنما قال لرب العالمين دون أن يقول أسلمت لك ليكون قد أتى بالإسلام وبدليله اهـ. يعني أن إبراهيم كان قد علم أن لهذا العالم خالقاً عالماً حصل له بإلهام من الله فلما أوحى الله إليه بالإيمان صادف ذلك عقلاً رشداً.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} الآية. لم يبين هنا ما ملة إبراهيم وبينها بقوله: {أية : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 161]، فصرح في هذه الآية بأنها دين الإسلام الذي بعث الله به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم. وكذا في قوله: {أية : ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [النحل: 123] الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ومن يرغب عن ملة إبراهيم: الرغبة عن الشيء عدم حبه وترك طلبه وملة إبراهيم هي عبادة الله وحده بما شرع لعباده. إلا من سفه نفسه: لا يرغب عن ملة إبراهيم التي هي دين الإِسلام إلا عبد جهل قدر نفسه فأذلها وأهانها بترك سبيل عزها وكمالها وإسعادها وهي الإِسلام. اصطفيناه: اخترناه لرسالتنا والبلاغ عنا، ومن ثم رفعنا شأنه وأعلينا مقامه. أسلم: انقد لأمرنا ونهينا فاعبُدْنا وحدنا ولا تلتفتْ إلى غيرنا. اصطفى لكم الدين: اختار لكم الدين الإِسلامي ورضيه لكم فلا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون. يعقوب: هو إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم وبنوه هم يوسف وإخوته. أمة خلت: جماعة أمرها واحد. خلت: مضت إلى الدار الآخرة. لها ما كسبت: أجر ما كسبته من الخير. ولكم ما كسبتم: من خير أو غيره. معنى الآيات: لما ذكر تعالى في الآيات السابقة مواقف إبراهيم السليمة الصحيحة عقيدة وإخلاصاً وعملاً صالحاً وصدقاً ووفاءً فوضح بذلك ما كان عليه إبراهيم من الدين الصحيح قال تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} تلك الملة الحنيفية الواضحة السهلة. اللهم لا أحد يرغب عنها إلا عبد جهل قدر نفسه، ولم يعرف لها حقها في الطهارة والصفاء والإِكمال والإِسعاد وضمن هذا الخبر ذكر تعالى إنعامه على إبراهيم وما تفضل به عليه من الإِصطفاء في الدنيا والإِسعاد في الآخرة في جملة الصالحين. وفي الآية الثانية [131] يذكر تعالى أن ذاك إلا اصطفاء تم لإِبراهيم عند استجابته لأمر ربه بالإِسلام حيث أسلم ولم يتردد. وفي الآية الثالثة [132] يذكر تعالى إقامة الحجة على المشركين وأهل الكتاب معاً إذ ملة الإِسلام القائمة على التوحيد وصى بها إبراهيم بنيه، كما وصى بها يعقوب بنيه وقال لهم: لا تموتن إلا على الإِسلام فأين الوثنية العربية واليهودية والنصرانية من ملة إبراهيم، ألا فليثب العقلاء إلى رشدهم. وفي الآية الرابعة [133] يوبخ تعالى اليهود القائلين كذباً وزوراً للنبي صلى الله عليه وسلم: ألست تعلم أن يعقوب وصى بَنيه باليهودية فقال تعالى: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ} أي أكنتم حاضرين لما حضر يعقوب الموت فقال لبنيه مستفهماً إياهم: ما تعبدون من بعدي؟ فأجابوه بلسان واحد: {نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} فإن قالوا كنا حاضرين فقد كذبوا وبهتوا ولعنوا وإن قالوا لم نحضر بطلت دعواهم أن يعقوب وصى بنيه باليهودية، وثبت أنه وصاهم بالإِسلام لا باليهودية. وفي الآية الأخيرة [134] ينهي تعالى جدل اليهود الفارغ فيقول لهم: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} - يعني إبراهيم وأولاده - لها ما كسبت من الإِيمان وصالح الأعمال، ولكم أنتم معشر يهود ما اكتسبتم من الكفر والمعاصي وسوف لا تسألون يوم القيامة عن أعمال غيركم وإنما تسألون عن أعمالكم وتجزون بها، فاتركوا الجدل وأقبلوا على ما ينفعكم في آخرتكم وهو الإِيمان الصحيح والعمل الصالح، ولا يتم لكم هذا إلا بالإِسلام فأسلموا. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- لا يرغب عن الإِسلام بتركه أو طلب غيره من الأديان إلا سفيه لا يعرف قدر نفسه. 2- الإِسلام دين البشرية جمعاء، وما عداه فهي أديان مبتدعة باطلة. 3- استحباب الوصية للمريض يوصي فيها بنيه وسائر أفراد أسرته بالإِسلام حتى الموت عليه. 4- كذب اليهود وبهتانهم وصدق من قال: اليهود قوم بهت. 5- يحسن بالمرء ترك الإِعتزاز بشرف وصلاح الماضيين، والإِقبال على نفسه بتزكيتها وتطهيرها. 6- سنة الله في الخلق أن المرء يجزى بعمله، ولا يسأل عن عمل غيره. 7- يطلق لفظ الأب على العم تغليباً وتعظيماً.
القطان
تفسير : رغب في الشيء: أحبه، ورغب عنه: لم يردّه وزهد فيه. سفِه نفسه: أذلها واحتقرها. اصطفيناه: اخترناه. أسلم: أخلص العبادة لله. هذه هي ملة ابراهيم: الاسلام الخالص. ولَنعم ما فعله ابراهيم وما دعا اليه ربه، فكيف تعرضون عنها، وتدعون أولياء من دون الله لا يملكون لكم ضراً ولا نفعا! انه لا يعرض عن ملة ابراهيم الا من امتهن نفسه واحتقرها. ولقد اصطفينا ابراهيم من بين خلقنا في الدنيا، وجعلناه في الآخرة من المشهود لهم بالخير والصلاح. اذ قال له ربه حين دعاه: أسلِم، فلبى دعوته حالاً وقال: أسلمت واخلصت ديني لله. اني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا وما نا من المشركين. وبعد ذلك وصى ابراهيم بنيه بهذه الدعوة كما وصى يعقوب أولاده من بعده أن اتبعوا ملة أبيكم ابراهيم فالله قد اختار لكم هذا الدين الحنيف، فحافظوا على هذه النعمة، ولا تموتن الا وأنتم مسلمون. القراءات: "وصى بها ابراهيم" قرأ نافع وابن عامر "وأوصى بها".
د. أسعد حومد
تفسير : {إِبْرَاهِيمَ} {ٱصْطَفَيْنَاهُ} {ٱلصَّالِحِينَ} (130) - لَقَدْ تَجَرَّدَ إِبراهِيمُ فِي عِبَادَةِ اللهِ فَلَمْ يَدْعُ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَلَمْ يُشْرِكْ بِهِ شَيْئاً، وَتَبَرَّأَ مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ حَتَّى تَبَرَّأَ مِنْ أَبِيهِ، وَخَالفَ قَوْمَهُ. فَمَنْ يَتْرُكَ طَرِيقَ إِبْراهيمَ هذا وَمَسْلَكَهُ وَمِلَّتَهُ، وَيَتَّبِعْ طَرِيقَ الغَيِّ وَالضَّلاَلِ، فَهُوَ سَفِيهٌ، وَلاَ يَرْتَكِبُ الضَّلاَلَةَ إِلاَّ السَّفيهُ. وَلَقَدِ اصْطَفَى اللهُ إِبراهِيمَ وَاخْتَارَهُ في الدُّنيَا، وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ الصَّالِحِينَ المُقَرَّبينَ عِنْدَ اللهِ. يَرْغَبُ عَنْ - يَزْهَدُ وَيَنْصَرِفُ عَنِ الشَّيءِ. سَفِهَ نَفْسَهُ - امْتَهَنَهَا وَاسْتَخَفَّ بِهَا.
الثعلبي
تفسير : {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} أي يترك دينه وشريعته. يقال: رغب في الشيء إذا أردته ورغبت عنه إذا تركته. وأصل الرّغبة: رفع الهمّة عن الشيء وإليه يقال: رغب فلان في فلان وإليه إذا همّت نفسه إليه، والأصل فيه الكرة فمعنى قوله تعالى {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} أي يرفع همّته عنها {إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ}. قال ابن عبّاس: حيّر نفسه. حيّان عن الكلبي: ظلّ من [جهة] نفسه. أبو روق: عجَّز رأيه عن نفسه. يمان: حمق رأيه، ونفسه منصوب في هذه الأقاويل بنزع حرف الصّفة. وقال الفرّاء: نصب على التفسير، والأصل: سفهت نفسه فلمّا أضاف الفعل إلى صاحبها خرجت النفس مفسَّرة ليعلم موضع السفه كما يقال: ضقت به ذرعاً معناه: ضاق ذرعي به، ويقال: ألم زيدُ رأسه ووجع بطنه. وقال أبو عبيدة: سفه نفسه: أي أوبق نفسه وأهلكها. هشام وابن كيسان: جهل نفسه. وحكى المفضّل بن سلمة عن بعضهم سفه. حقّر نفسه. والنفس على هذه الأقوال نصب لوقوع الفعل عليه وهذا كما جاء في الخبر: "من عرف نفسه فقد عرف ربّه". وأصل السفه والسفاهة: الخفّة والجهل وضعف الرأي يقال سفه يسفه وسفه يسفه. {وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ} اخترناه {فِي ٱلدُّنْيَا} وأصل الطاء فيه تاء حوّلت طاء لقرب مخرجيها ولتطوع اللسان به. {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} الفائزين. قال الزجّاج وقال ابن عبّاس: يعني مع آبائه الأنبياء في الجنّة بيانه قوله: خطابه عن يوسف {أية : تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [يوسف: 101]. وقال الحسين بن الفضل: في الآية تقديم وتأخير تقديرها لقد إصطفيناه في الدنياّ والأخرة بأنّه لمن الصالحين نظيرها في سورة النحل. {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ} أي استقم على الإسلام أو اثبت عليه لأنّه كان مُسلماً كقوله تعالى {أية : فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [محمد: 19] أي أثبت على علمك. وقال ابن عبّاس: إنّما قال له ذلك حين ألُقي في النّار، وعن ابن كيسان: أخلص دينك لله بالتوحيد. عطاء: أسلم نفسك إلى الله، وفوّض أمورك لله، وقيل: إخضع وإخشع. {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} {وَوَصَّىٰ} في مصحف عبد الله: فوّصى، وقال أهل المدينة والشام: وأوصى بالألف، وكذلك هو في مصاحفهم. قال أبو عبيد: وكذلك رأيت في مصحف عثمان، وقرأ الباقون "ووصّى" مشدداً، وهما لغتان، يُقال: أوصيته قد وصيته به إذا أمرته به مثل: أنزل ونزّل. قال الله {أية : فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} تفسير : [الطارق: 17]، وتصديق الأيصاء قوله {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [النساء: 11]، وقوله {أية : يُوصِينَ} تفسير : [النساء: 12]، ودليل التوصية قوله {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً} تفسير : [العنكبوت: 8]، وقوله {أية : فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً} تفسير : [يس: 50]. الكلبي ومقاتل: يعني كلمة الأحاد لا إله إلاّ الله، وقال أبو عبيدة: إن شئت رددت الكناية إلى الملّة لأنّه ذكر ملّة إبراهيم وأن شئت رددتها إلى الوصية. وقال المفضل: بالطاعة كناية عن غير مذكور، كقوله {أية : حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ} تفسير : [ص: 32]، وقال طرفة: شعر : على مثلها الحواء إذا قال صاحبي ألا ليتني أفديك عنها وافتدي تفسير : أي من الفلاة. {بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ} التمنية: إسماعيل وأمّه هاجر القبطية، وإسحاق وأمّه سارة، ومدين و [... سراين] ونقشان، وآتون، ويشبق، وشوخ، وأمّهم جميعاً قطورا بنت يقطن الكنعانية تزوّجها إبراهيم بعد وفاة سارة. وقوله تعالى {وَيَعْقُوبُ} وسُمي بذلك لأنه والعيص كانا توأمين فتقدّم عيص في الخروج من بطن أمّه وخرج يعقوب على أثره فأخذ يعقبه. قاله ابن عبّاس وقد مضت القصّة. وقيل: سُمّي يعقوب لكثرة عقبه، وعن صفوان بن سليم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : بُعثت على أثر ثمانية الآف نبيّ أربعة آلاف من بني إسرائيل ". تفسير : ومعنى الآية: ووصى بها أيضاً، ويعقوب: بنيه الأثني عشر وهم روفيل أكبر ولده وشمعون ولاوي وهودا وفريالون وسجر ودان ومفتالي وجاد واشرب ويوسف وابن يافين. {يَابَنِيَّ} معناه أن يا بنيّ، وكذلك في قراءة أُبي وابن مسعود، وقال الفراء: إنّما قال ذلك لأنّ الوصية قول وكان تقديره وقال: يا بنيّ كقوله {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} تفسير : [المائدة: 9] أي وقال لهم لأنّ العبرة بالقول وقال {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ} تفسير : [النساء: 11] معناه ويقول للذكر مثل حظ الأنثيين. وقال الشاعر: شعر : إنّي سأبدي لك فيما أُبدي من شجنان شجن نجد وشجن لي ببلاد الهند تفسير : أي وأقول لأنّ الابداء في المعنى كالقول باللسان. وحكى ابن مجاهد عن بعضهم ويعقوب أيضاً نسقاً على بنيه لأنه في جملة الموصّين. {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ} اختار لكم الإسلام. {فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ} مؤمنون وقيل: مخلصون وقيل: مفوضون وعن الفضيل ابن عياض في قوله: {فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ} أي محسنون بربّكم الظن. {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ} حضوراً. {إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ} الآية نزلت في اليهود حين قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم ألست تعلم إنّ يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية؟ وعلى هذا القول [......] بن الخطاب لليهود. وقال الكلبي: لمّا دخل يعقوب مصر رآهم يعبدون الأوثان والنيّران فجمع ولده وخاف عليهم ذلك. {إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي} قال عطاء: إنّ الله لم يقبض نبيّاً حتّى يخيّره بين الموت والحياة فلمّا خيّر يعقوب قال: أنظرني حتّى أسأل ولدي وأوصيهم ففعل الله ذلك به، فجمع ولده وولد ولده وقال لهم: قد حضر أجلي فما تعبدون من بعدي؟ أي من بعد موتي. {قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ} الآية، وقرأ أُبي: إلهك وإله إبراهيم وإسماعيل. وقرأ يحيى بن يعمر الجحدري: وإله أبيك على الواحد، قالوا: لأنّ إسماعيل عم يعقوب لا أبوه. وقرأ العامّة: آبائك على الجمع وقالوا: عم الرّجل صنو أبيه. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : هذا بقية آبائي"تفسير : ، وقال أيضاً: "حديث : ردّوا عليّ أبي فإني أخشى أن يفعل به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود"تفسير : . يعني العبّاس. والعرب تسمّي العمّ أباً وتسمّي الخالة أمّاً قال الله تعالى {أية : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ} تفسير : [يوسف: 100] يعني يعقوب وليّا وهي خالة يوسف. {إِلَـٰهاً وَاحِداً} أي نعرفه ونعبده إلهاً واحداً. {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} {تِلْكَ أُمَّةٌ} جماعة {قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ} من الدين والعمل. {وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ} منها. {وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وإنّما تسألون عمّا تعملون أنتم.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ما هي ملة إبراهيم؟ إنها عبادة الله وحده لا شريك له وعشق التكاليف؛ فإبراهيم وَفَّى كل ما كلفه به الله وزاد عليه .. وقابل الابتلاء بالطاعة والصبر .. فعندما ابتلاه الله بذبح ابنه الوحيد لم يتردد، وكان يؤدي التكاليف بعشق، ويحاول أن يستبقي المنهج السليم في ذريته. قوله تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ} [البقرة: 130] يعني يعرض ويرفض. ويقال رغب في كذا أي أحبه وأراده. ورغب عن كذا أي صَدَّ عنه وأعرض .. والذين يصدُّون عن ملة إبراهيم ويرفضونها هؤلاء هم السفهاء الجهلة، لذلك قال عنهم الله سبحانه وتعالى: {إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130] .. دليل على ضعف الرأي وعدم التفرقة بين النافع والضار .. فعندما يكون هناك من ورثوا مالاً وهم غير ناضجي العقل لا يتفق عقلهم مع سنهم نسميهم السفهاء .. والسفيه هو من لم ينضج رأيه ولذلك تنقل قوامته على ماله إلى وَلِيٍّ أو وَصِيٍّ؛ لأنه بِسَفَهِهِ غيرُ قادر على أن ينفق المال فيما ينفع.. والقرآن الكريم يعالج هذه المسألة علاجاً دقيقا فيقول: {أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} تفسير : [النساء: 5]. نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى سمى أموال السفهاء بأموالي الولي ولم يعتبرها مال السفيه لأنه ليس أهلاً للقيام عليها .. وجعل هذه الأموال تحت إشراف شخص آخر أكثر نضجاً وحكمة. وقوله تعالى: "أموالكم" ليكون الولي أو الوصي حريصاً عليها كَمَالِهِ أو أكثر ولكن هو قَيِّم فقط .. فإذا بلغ الإنسان سن الرشد أو شُفِي السفيه من سفاهته يُرَد إليه ماله ليتصرف فيه. ونحن نرى عدداً من الأبناء يرفعون قضايا على آبائهم وأمهاتهم يتهمونهم فيها بالسفه؛ لأنهم لا يحسنون التصرف في أموالهم .. ثم يأخذون هذه الأموال ويبعثرونها هم .. والذي يجب أن يعلمه كل مَنْ يقوم بهذه العملية أنه لا حق له في إنفاق المال وتبذيره لحسابه الخاص، ولكنّ هناك حكمين: إما أن يكون الشخص فقيراً فله أن يأكل بالمعروف .. وإما أن يكون غنياً فيجعل عمله في الولاية لله لا يتقاضى عنه شيئاً .. أما أن يأخذ المال ويبعثره على نفسه وشهواته وعلى زوجته وأولاده فهذا مرفوض ويُحاسَبُ عليه .. والله سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ..} تفسير : [النساء: 6]. إذن: الذي يعرض عن ملة إبراهيم هو سفيه، لا يملك عقلاً يميز بين الضار والنافع. ويقول الله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [البقرة: 130] .. اصطفاه في الدنيا بالمنهج، وبأن جعله إماماً وبالابتلاء .. وكثير من الناس يظن أن ارتفاع مقامات بعضهم في أمور الدنيا هو اصطفاء من الله لهم بأن أعطاهم زخرف الحياة الدنيا، ويكون هذا مبرراً لأن يعتقدوا أن لهم منزلةً عالية في الآخرة .. نقول لا، فمنازل الدنيا لا علاقة لها بالآخرة. ولذلك قال الله تبارك وتعالى: {وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا} [البقرة: 130] .. وأضاف: {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [البقرة: 130] .. لنعلم أن إبراهيم عليه السلام له منزلة عالية في الدنيا ونعيم في الآخرة أي الاثنين معاً.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى مآثر الخليل إِبراهيم عليه السلام، وقصة بنائه للبيت العتيق منار التوحيد، أعقبه بالتوبيخ الشديد للمخالفين لملة الخليل من اليهود والنصارى والمشركين، وأكّد أنه لا يرغب عن ملته إِلا كل شقي سفيه الرأي، خفيف العقل، متبع لخطوات الشيطان. اللغَة: {سَفِهَ نَفْسَهُ} امتهنها واستخفّ بها وأصل السفه: الخفة ومنه زمام سفيه أي خفيف {ٱصْطَفَيْنَاهُ} أي جعلناه صافياً من الأدناس مشتق من الصفوة ومعناه تخير الأصفى والمراد اصطفاؤه بالرسالة والخلَّة والإِمامة العظمى {وَصَّىٰ} التوصية: إِرشاد الغير إِلى ما فيه صلاح وقربة {شُهَدَآءَ} جمع شاهد أي حاضر {خَلَتْ} مضت وانقرضت. التفسِير: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} أي لا يرغب عن دين إِبراهيم وملته الواضحة الغراء إِلا من استخفّ نفسه وامتهنها {وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا} أي اخترناه من بين سائر الخلق بالرسالة والنبوة والإِمامة {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} أي من المقربين الذين لهم الدرجات العلى {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ} أي استسلم لأمر ربك وأخلصْ نفسك له {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي استسلمت لأمر الله وخضعتُ لحكمه {وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} أي وصّى الخليل أبناءه باتباع ملته وكذلك يعقوب أوصى بملة إِبراهيم {يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ} أي اختار لكم دين الإِسلام ديناً وهذا حكاية لما قال إبراهيم ويعقوب لأبنائهما {فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ} أي اثبتوا على الإِسلام حتى يدرككم الموت وأنتم متمسكون به {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ} أي بل أكنتم شهداء حين احتضر يعقوب وأشرف على الموت وأوصى بنيه باتباع ملة إبراهيم {إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي}؟ أي أيَّ شيء تعبدونه بعدي؟ {قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً} أي لا نعبد إِلا إِلهاً واحداً هو الله رب العالمين إِله آبائك وأجدادك السابقين {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} أي نحن له وحده مطيعون خاضعون، والغرض تحقيق البراءة من الشرك، قال تعالى مشيراً إِلى تلك الذرية الطيبة {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} والإِشارة إِلى إِبراهيم وبنيه أي تلك جماعة وجيل قد سلف ومضى {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ} أي لها ثواب ما كسبت ولكم ثواب ما كسبتم {وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي لا تسألون يوم القيامة عما كانوا يعملون في الدنيا بل كل نفسٍ تتحمل وحدها تبعة ما اكتسبت من سوء. البَلاَغَة: 1- {وَمَن يَرْغَبُ} استفهام يراد به الإِنكار والتقريع، وقع فيه معنى النفي أي لا يرغب عن ملة إبراهيم إِلا السفيه والجملة واردة مورد التوبيخ للكافرين. 2- التأكيد بـ "إِنَّ" و "اللام" {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} لأنه لما كان إِخباراً عن حالة مغيبة في الآخرة احتاجت إِلى تأكيد بخلاف حال الدنيا فإِنه معلوم ومشاهد. 3- {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ} هو من باب الالتفات إِذ السياق {إِذْ قَالَ} والالتفات من محاسن البيان، والتعرض بعنوان الربوبية {رَبُّهُ} لإِظهار مزيد اللطف والإِعتناء بتربيته كما أن جواب إِبراهيم جاء على هذا المنوال {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِين} ولم يقل: أسلمتُ لك للإِيذان بكمال قوة إِسلامه وللإِشارة إِلى أن من كان رباً للعالمين لا يليق إِلا أن يُتلقّى أمرُه بالخضوع وحسن الطاعة. 4- قوله {آبَائِكَ} شمل العم والأب والجد، فالجد إبراهيم والعم إِسماعيل والأب إِسحاق وهو من باب "التغليب" وهو من المجازات المعهودة في فصيح الكلام. فَائِدَة: قال أبو حيان: "كنّى بالموت عن مقدماته لأنه إِذا حضر الموت نفسُه لا يقول المحتضر شيئاً، وفي قوله {حَضَرَ الموتُ} كناية غريبة وهو أنه غائب ولا بدّ أن يقدم ولذلك يقال في الدعاء: واجعل الموت خير غائب ننتظره". تنبيه: ظاهر قوله تعالى {فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ} النهي عن الموت إِلا على هذه الحالة من الإِسلام، والمقصود الأمر بالثبات على الإِسلام إِلى حين الموت، أي فاثبتوا على الإِسلام ولا تفارقوه أبداً واستقيموا على محجته البيضاء حتى يدرككم الموت وأنتم على الإِسلام الكامل كقولك لا تصلّ إِلا وأنت خاشع.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} معناهُ أَهْلَكها.
الجيلاني
تفسير : {وَ} بعدما جعلنا الخليل إماماً مقتدى للأنام، هادياً لهم إلى دار السلام {مَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} أي: من يعرض عن ملته الحنيفية، الطاهرة عن الميل إلى الآراء والآثام، البيضاء المنورة لقلوب أهل التفويض والإسلام، المبينة على محض الوحي والإلهام {إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} أي: لا يعرض عن ملته الغراء إلا من ترك نفسه في ظلمة الإمكان من غير رجوع إلى الفضاء الوجوب، ليتبع الطريق الموصل إليه {وَ} الله {لَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ} واجتبيناه من بين الأنام {فِي ٱلدُّنْيَا} للرسالة والنبوة لإرشاد العباد إلى طريق التوحيد {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [البقرة: 130] للتحقق والوصول، لا لطريق الاتحاد والحلول بل لطريق التوحيد الذاتي. واذكر يا أكمل الرسل {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ} اختباراً له {أَسْلِمْ} توجه إلي بمقتضى علمك وكشفك مني {قَالَ} على مقتضى علمه بربه {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [البقرة: 131] إذ كشف له ربه عن ذرائر الكائنات لذلك لم يخصصه ولم يقيده بمظهر دون مظهر. {وَوَصَّىٰ بِهَآ} أي: بالتوحيد الذاتي {إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ} إرشاداً إلى طريق الحق ووصى أيضاً بنوه بنيه {وَ} وصى أيضاً {يَعْقُوبُ} بنيه بما وصى أبوه وجده، وقالوا: {يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ} دين الإسلام المشتمل، على توحيد الذات والصفات والأفعال {فَلاَ تَمُوتُنَّ} فلا تكونن في حال من الأحوال عند الموت {إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ} [البقرة: 132] موحدون بالتوحيد الذاتي. ثم لما اعتقد اليهود أن يعقوب وبنيه كانوا هوداً، والنصارى اعتقدوهم نصارى، أراد سبحانه أن يظهر فساد عقائدهم، فقال: أتسمعون أيها اليهود والنصارى يهودية يعقوب وبنفيه ونصرانيتهم لمن أنزل عليكم {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ} حضراء {إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ} ولولا هذا ولولا ذاك كنتم مفتشرين عليهم جاهلين بحالهم، اذكر لهم يا أكمل الرسل {إِذْ قَالَ} حين أشرف على الموت {لِبَنِيهِ} إرشاداً لهم: {مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي} با بني؟ {قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً} أحداً صمداً، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً {وَنَحْنُ لَهُ} لا لغيره من الآلهة الباطلة {مُسْلِمُونَ} [البقرة: 133] منقادون متوجهون، خالياً عن المكابرات والعناد، قالعاً عرف التقليدات الراسخة في قلوب العباد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ما يرغب { عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ } بعد ما عرف من فضله { إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ } أي: جهلها وامتهنها، ورضي لها بالدون، وباعها بصفقة المغبون، كما أنه لا أرشد وأكمل، ممن رغب في ملة إبراهيم، ثم أخبر عن حالته في الدنيا والآخرة فقال: { وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا } أي: اخترناه ووفقناه للأعمال، التي صار بها من [ ص 67 ] المصطفين الأخيار. { وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } الذين لهم أعلى الدرجات. { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ } امتثالا لربه { أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } إخلاصا وتوحيدا، ومحبة، وإنابة فكان التوحيد لله نعته. ثم ورثه في ذريته، ووصاهم به، وجعلها كلمة باقية في عقبه، وتوارثت فيهم، حتى وصلت ليعقوب فوصى بها بنيه. فأنتم - يا بني يعقوب - قد وصاكم أبوكم بالخصوص، فيجب عليكم كمال الانقياد، واتباع خاتم الأنبياء قال: { يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ } أي: اختاره وتخيره لكم، رحمة بكم، وإحسانا إليكم، فقوموا به، واتصفوا بشرائعه، وانصبغوا بأخلاقه، حتى تستمروا على ذلك فلا يأتيكم الموت إلا وأنتم عليه، لأن من عاش على شيء، مات عليه، ومن مات على شيء، بعث عليه. ولما كان اليهود يزعمون أنهم على ملة إبراهيم، ومن بعده يعقوب، قال تعالى منكرا عليهم: { أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ } أي: حضورا { إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ } أي: مقدماته وأسبابه، فقال لبنيه على وجه الاختبار، ولتقر عينه في حياته بامتثالهم ما وصاهم به: { مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي } ؟ فأجابوه بما قرت به عينه فقالوا: { نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا } فلا نشرك به شيئا، ولا نعدل به أحدا، { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } فجمعوا بين التوحيد والعمل. ومن المعلوم أنهم لم يحضروا يعقوب، لأنهم لم يوجدوا بعد، فإذا لم يحضروا، فقد أخبر الله عنه أنه وصى بنيه بالحنيفية، لا باليهودية. ثم قال تعالى: { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ } أي: مضت { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ } أي: كل له عمله، وكل سيجازى بما فعله، لا يؤخذ (1) أحد بذنب أحد ولا ينفع أحدا إلا إيمانه وتقواه فاشتغالكم بهم وادعاؤكم، أنكم على ملتهم، والرضا بمجرد القول، أمر فارغ لا حقيقة له، بل الواجب عليكم، أن تنظروا حالتكم التي أنتم عليها، هل تصلح للنجاة أم لا؟
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):