٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
131
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا النوع الخامس من الأمور التي حكاها الله عن إبراهيم عليه السلام، وفيه مسائل: المسألة الأولى: موضع (إذ) نصب وفي عامله وجهان. الوجه الأول: أنه نصب باصطفيناه، أي اصطفيناه في الوقت الذي قال له ربه أسلم، فكأنه تعالى ذكر الاصطفاء ثم عقبه بذكر سبب الاصطفاء، فكأنه لما أسلم نفسه لعبادة الله تعالى وخضع لها وانقاد علم تعالى من حاله أنه لا يتغير على الأوقات وأنه مستمر على هذه الطريقة، وهو مع ذلك مطهر من كل الذنوب، فعند ذلك اختاره للرسالة واختصه بها لأنه تعالى لا يختار للرسالة إلا من هذا حاله في البدء والعاقبة، فإسلامه لله تعالى وحسن إجابته منطوق به، فإن قيل قوله: {وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ } إخبار عن النفس وقوله: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ } إخبار عن المغايبة فكيف يعقل أن يكون هذا النظم واحداً؟ قلنا: هذا من باب الالتفات الذي ذكرناه مراراً. الثاني: أنه نصب باضمار أذكر كأنه قيل: اذكر ذلك الوقت ليعلم أنه المصطفي الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله. المسألة الثانية: اختلفوا في أن الله تعالى متى قال له أسلم؟ ومنشأ الإشكال أنه إنما يقال له: أسلم في زمان لا يكون مسلماً فيه، فهل كان إبراهيم عليه السلام غير مسلم في بعض الأزمنة ليقال له في ذلك الزمان أسلم؟ فالأكثرون على أن الله تعالى إنما قال ذلك قبل النبوة وقبل البلوغ، وذلك عند استدلاله بالكوكب والقمر والشمس، واطلاعه على أمارات الحدوث فيها، وإحاطته بافتقارها إلى مدبر يخالفها في الجسمية وأمارات الحدوث، فلما عرف ربه قال له تعالى: {أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } لأنه لا يجوز أن يقول له ذلك قبل أن عرف ربه ويحتمل أيضاً أن يكون قوله: {أَسْلَمَ } كان قبل الاستدلال، فيكون المراد من هذا القول لا نفس القول بل دلالة الدليل عليه على حسب مذاهب العرب في هذا كقول الشاعر:شعر : امتلأ الحوض وقال قطني مهلاً رويداً قد ملأت بطني تفسير : وأصدق دلالة منه قوله تعالى: {أية : أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ } تفسير : [الروم: 35] فجعل دلالة البرهان كلاماً، ومن الناس من قال: هذا الأمر كان بعد النبوة، وقوله: {أَسْلَمَ } ليس المراد منه الإسلام والإيمان بل أمور أخر. أحدها: الانقياد لأوامر الله تعالى، والمسارعة إلى تلقيها بالقبول، وترك الإعراض بالقلب واللسان، وهو المراد من قوله: {أية : رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } تفسير : [البقرة: 128]. وثانيها: قال الأصم: (أسلم) أي أخلص عبادتك واجعلها سليمة من الشرك وملاحظة الأغيار. وثالثها: استقم على الإسلام واثبت على التوحيد كقوله تعالى: {أية : فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلا ٱللَّهِ } تفسير : [محمد: 19]. ورابعها: أن الإيمان صفة القلب والإسلام صفة الجوارح، وأن إبراهيم عليه السلام كان عارفاً بالله تعالى بقلبه وكلفه الله تعالى بعد ذلك بعمل الجوارح والأعضاء بقوله: (أسلم).
القرطبي
تفسير : العامل في «إذ» قوله: «ٱصْطَفَيْنَاهُ» أي اصطفيناه إذ قال له ربُّه أسلم. وكان هذا القول من الله تعالى حين ٱبتلاه بالكوكب والقمر والشمس. قال ٱبن كَيْسان والكلبي: أي أخلص دينك لله بالتَّوْحيد. وقيل: ٱخضع وٱخشع. وقال ٱبن عباس: إنما قال له ذلك حين خرج من السَّرَب، على ما يأتي ذكره في «الأنعام». والإسلام هنا على أتم وجوهه. والإسلام في كلام العرب: الخضوع والانقياد للمستسلم. وليس كل إسلام إيماناً، وكل إيمان إسلام؛ لأن من آمن بالله فقد ٱستسلم وٱنقاد لله. وليس كل من أسلم آمن بالله؛ لأنه قد يتكلّم فَزَعاً من السيف، ولا يكون ذلك إيماناً؛ خلافاً للقدرية والخوارج حيث قالوا: إن الإسلام هو الإيمان؛ فكل مؤمن مسلم، وكل مسلم مؤمن؛ لقوله: {أية : إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} تفسير : [آل عمران: 19] فدلّ على أن الإسلام هو الدّين، وأن من ليس بمسلم فليس بمؤمن. ودليلنا قوله تعالى: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} تفسير : [الحجرات: 14] الآية. فأخبر الله تعالى أنه ليس كل من أسلم مؤمناً؛ فدلّ على أنه ليس كل مسلم مؤمناً؛ حديث : وقال صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقّاص لمّا قال له: أعْطِ فلاناً فإنه مؤمن؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أوَ مسلم» تفسير : الحديث خرّجه مسلم؛ فدل على أن الإيمان ليس الإسلام، فإن الإيمان باطن، والإسلام ظاهر، وهذا بَيِّن. وقد يطلق الإيمان بمعنى الإسلام، والإسلام ويراد به الإيمان؛ للزوم أحدهما الآخر وصدوره عنه؛ كالإسلام الذي هو ثمرة الإيمان ودلالة على صحته، فٱعلمه. وبالله التوفيق.
البيضاوي
تفسير : {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} ظرف لـ {ٱصْطَفَيْنَـٰهُ}، أو تعليل له، أو منصوب بإضمار اذكر. كأنه قيل: اذكر ذلك الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح المستحق للإمامة والتقدم، وأنه نال ما نال بالمبادرة إلى الإذعان وإخلاص السر حين، دعاه ربه وأخطر بباله دلائله المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام. روي أنها نزلت لما دعا عبد الله بن سلام ابني أخيه: سلمة ومهاجراً إلى الإسلام، فأسلم سلمة وأبى مهاجر.
المحلي و السيوطي
تفسير : واذكر {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ } انقد لله وأخلص له دينك {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ }.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ...} قال: هذا إما قول حقيقة بعد رؤية الكوكب والقمر والشمس وإما بمعنى الإلهام إلى/ ذلك وخلقه في قلبه بنصب الدلائل العقلية عليه. قوله تعالى: {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} إقرار بالحكم ودليله فلذلك لم يقل: أَسْلَمْتُ لَكَ.
ابن عادل
تفسير : في "إذ" خمسة أوجه: أصحها: أنه منصوب بـ "قال أسلمت"، أي: قال: أسلمت وقت قول الله له أسلم. الثاني: أنه بدل من قوله: "في الدنيا". الثالث: أنه منصوب بـ "اصطفيناه". الرابع: أنه منصوب بـ "اذكر" مقدراً، ذكر أبو اليقاء، والزمخشري، وعلى تقدير كونه معمولاً لـ "اصطفيناه" أو لـ "اذكر" مقدراً يبقى قوله: "قَالَ: أَسْلَمْتُ" غير منتظم مع ما قبله، إلاّ أن يقدر حذف حرف عطف أي: فقال، أو يجعل جواباً بسؤالٍ مقدر، أي ما كان جوابه؟ فقيل: قال أسلمت. الخامس: أبعد بعضهم، فجعله مع ما بعده في محلّ نصب على الحال، والعامل في "اصْطَفَيْنَاه". وفي قوله: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ} التفات، إذ لو جاء على نسقه لقيل: إذ قلنا؛ لأنه بعد "ولقد اصطفيناه"، وعكسه في الخروج من الغيبة إلى الخطاب قوله: [البسيط] شعر : 795ـ بَاتَتْ تَشَكَّى إِلَيَّ النَّفْسُ مُجْهِشَةً وَقَدْ حَمَلْتُكِ سَبْعاً بَعْدَ سَبْعِينا تفسير : وقوله: "لرَبِّ الْعَالَمِينَ" فيه من الفخامة ما ليس في قوله "لك" أو "لربي"، لأنه إذا اعترف بأنه ربّ جميع العالمين اعترف بأنه ربه وزيادة، بخلاف الأول، فلذلك عدل عن العبارتين. وفي قوله: "أسلم" حَذْفُ مفعول تقديره: أسلم لربك. فصل في تحرير وقت قول الله تعالى لإبراهيم: أسلم الأكثرون على أن الله تعالى إنما قال ذلك قبل النبوة وقبل البلوغ، وذلك عند استدلاله بالكوكب والقمر والشمس، واطّلاعه على أمَارَات الحدوث فيها، فلما عرف ربه قال له تعالى: {أَسْلِمْ قَالَ: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}؛ لأنه لا يجوز أن يقول له ذلك قبل أن يعرف ربه، ويحتمل أيضاً أن يكون قوله: "أسلم" كان قبل الاستدلال، فيكون المراد من هذا القول دلالة الدليل عليه [لا نفس القول] على حسب مذاهب العرب في هذا، كقول الشاعر: [الرجز] شعر : 796ـ إِمْتَلأَ الْحَوْضُ وَقَالَ: قَطْنِي مَهْلاً رُوَيْداً قَدْ مَلأْتِ بَطْنِي تفسير : ويدل على ذلك قوله تعالى: {أية : أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ}تفسير : [الروم:35] فجعل دلالة البُرْهان كلاماً. وذهب بعضهم إلى أن هذا الأمر بعد النبوة، واختلفوا في المراد منه. فقال الكلبي والأصمّ: أخلص دينك، وعبادتك لله تعالى. وقال عطاء: أسلم نفسك إلى الله، وفوّض أمورك إليه. قال: أسلمت، أي: فوضت. قال ابن عباس رضي الله عنهما: وقد تحقّق ذلك حيث لم يأخذ من الملائكة من ألقي في النار. قال القرطبي: والإسلام هنا على أتم وجوهه، فالإسلام في كلام العرب الخضوع والانقياد للمستسلم والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : {إِذْ قَالَ لَهُ} ظرفٌ لاصطفيناه لما أن المتوسِّط ليس بأجنبـي بل هو مقرِّر له لأن اصطفاءه في الدنيا إنما هو بالنبوة وما يتعلق بصلاح الآخرة أو تعليلٌ له منصوب باذكُرْ كأنه قيل: اذكر ذلك الوقتَ لتقف على أنه المصطفىٰ الصالحُ المستحِقُّ للإمامة والتقدم، وأنه ما نال ما نال إلا بالمبادرة إلى الإذعان والانقياد لما أُمر به وإخلاصِ سرِّه على أحسنِ ما يكون حين قال له {رَبُّهُ أَسْلِمْ} أي لربك {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} وليس الأمرُ على حقيقته بل هو تمثيلٌ والمعنى أخطر بباله دلائلَ التوحيد المؤديةَ إلى المعرفة الداعيةَ إلى الإسلام من الكوكب والقمر والشمسِ وقيل: أسلم أي أذعِنْ وأطع وقيل: اثبُتْ على ما أنت عليه من الإسلام والإخلاصِ أو استقمْ وفوِّضْ أمورك إلى الله تعالى فالأمرُ على حقيقته، والالتفاتُ مع التعرض لعنوان الربوبـيةِ والإضافةِ إليه عليه السلام لإظهارِ مزيدِ اللطفِ به والاعتناءِ بتربـيته، وإضافةُ الرب في جوابه عليه الصلاة والسلام إلى (العالمين) للإيذان بكمال قوةِ إسلامِه حيث أيقنَ حين النظر بشمولِ ربوبـيتِه للعالمين قاطبةً لا لنفسِه وحده كما هو المأمور به {وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرٰهِيمُ بَنِيهِ} شروعٌ في بـيان تكميلِه عليه السلام لغيره إثرَ بـيانِ كماله في نفسه وفيه توكيدٌ لوجوب الرغبة في مِلته عليه السلام، والتوصيةُ التقدمُ إلى الغير بما فيه خيرٌ وصلاح للمسلمين من فعلٍ أو قولٍ، وأصلُها الوَصْلة يقال: وصّاه إذا وصَله وفصّاه إذا فَصَله كأن الموصِيَ يصِلُ فعلُه بفعل الوصيّ، والضمير في بها للمِلّة أو قولِه أسلمتُ لرب العالمين بتأويل الكلمة كما عبر بها عن قوله تعالى: {أية : إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِى فَطَرَنِى}تفسير : [الزخرف، الآية 25، 26] في قوله عز وجل: {أية : وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَـٰقِيَةً فِى عَقِبِهِ } تفسير : [الزخرف، الآية 28] وقرىء أَوْصىٰ والأول أبلغُ {وَيَعْقُوبَ} عطفٌ على إبراهيمُ أي وصَّى بها هو أيضاً بنيه وقرىء بالنصب عطفاً على بنيه {أَوْ بَنِىَّ} على إضمار القولِ عند البصريـين ومتعلق بوصَّى عند الكوفيـين لأنه في معنى القول كما في قوله: [الراجز] شعر : رَجْلانِ من ضَبَّةَ أخبرانا إنا رأَيْنا رَجُلاً عُريانا تفسير : فهو عند الأولين بتقدير القول وعند الآخرين متعلق بالإخبار الذي هو في معنى القول وقرىء أن يا بني، وبنو إبراهيمَ عليه السلام كانوا أربعةً: إسماعيلُ وإسحاقُ ومدينُ ومدان وقيل: ثمانيةٌ وقيل: أربعةً وعشرين وكان بنو يعقوبَ اثني عشرَ: روبـين وشمعون ولاوي ويهوذا ويشسوخور وزبولون وزوانا وتفتونا وكوذا وأوشير وبنيامين ويوسف عليه السلام {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدّينَ} دين الإسلام الذي هو صفوةُ الأديان ولا دينَ غيرُه عنده تعالى: {فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} ظاهرُه النهيُ عن الموت على خلاف حال الإسلام والمقصودُ الأمرُ بالثبات على الإسلام إلى حين الموتِ أي فاثبُتوا عليه ولا تفارقوه أبداً كقولك: لا تصلِّ إلا وأنت خاشِعٌ، وتغيـيرُ العبارة للدلالة على أن موتهم لا على الإسلام موتٌ لا خيرَ فيه وأن حقه أن لا يِحلَّ بهم وأنه يجب أن يحذَروه غايةَ الحذَر، ونظيرُه مُتْ وأنت شهيدٌ رُوي أن اليهودَ قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألستَ تعلم أن يعقوبَ أوصى باليهودية يوم مات؟
السلمي
تفسير : أى: أخلص سرّك فإنه موضع الاطلاع منك. {قَالَ أَسْلَمْتُ} أى: أسلمت إليك سِرى فأخلصه لى فإنك أولى به منى. وقيل: أسلم: أى أظهر شرائط موافقة الخلة فى حالى سرائك وضرّائك ليعلم الحقُّ منك ما تعلمه. {قَالَ أَسْلَمْتُ} أى: ها أنا ذاك واقفٌ أنتظر موارد اختلاف الأحوال لأقابلها بمعونتك مقابلة الخليل ما يردُّ عليه من خليله. وقيل: إن العرب تقول: أسلم أى: استأنس، وكأن الله يقول: استانس فإن مثلك لا يحملُ الطوارق بمحن الحوادث بل يحدث إلى الاستغراق فى بلايا القدم فيقول: أسلمت أى: استأسرت وما زلت مُذ كنت فى أسر جبروتك وقهر عزّك. سمعت النصرآباذى يقول: سمعت الروذبارى يقول: سلامةُ النفسِ فى التسليم وبلاؤها فى التدبير. قوله تعالى: {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} [الآية: 128]. قال الجنيد: ظاهرُ علم الاستسلام سقوط المسافة والمدَّة من البعد، فليس يجدون فى إشارتهم كلفة ولا فى ذكرهم الذى به يقربون مؤونةً، لأنه استولى من قُربه واكتنافه لهم والتحنن عليهم والبرّ بهم، لأنه قد راح عنهم أسباب الطلب. قال الواسطى رحمه الله: فى قوله: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ} [الآية: 143] الآية. قال ثم بين أن الخطاب على مقادير العقول ألا ترى كيف بين علمه فى آخر الآية [143] {وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} [الآية: 145] إحكامًا منه فى صُنعه وما جرى من ضبطه. قال فارس: قوله اجعلنا مُسلمين قال: أرحنا عن أسباب الطلب بالحيل ومطالعة الجزاء بالعوض. وقال جعفرٌ فى قوله {ٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} قال: احفظنى وأهل بيتى كى نسلم أنفسنا وقلوبنا إليك، ولا نختار إلا ما تختاره لنا وقال أيضًا: اجعلنا مقيمين معك لك.
القشيري
تفسير : الإسلام هو الإخلاص وهوا الاستسلام، وحقيقته الخروج عن أحوال البشرية بالكلية من منازعات الاختيار ومعارضات النفس، قال: {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}: قابلت الأمر بالسمع والطاعة، واعتنقت الحكم على حسب الاستطاعة. ولم يدخل شيئاً من ماله وبدنه وولده، وحين أُمِرَ بذبح الولد قصد الذبح، وحين قال له خلِّه من الأسر (عمل) ما أُمِرَ به، فلم يكن له في الحالين "اختيار" ولا تدبير. ويقال إن قوله: {أَسْلَمْتُ}: ليس بدعوى من قِبَلِه لأن حقيقة الإسلام إنما هو التَّبري من الحوْل والقوة، فإذا قال: {أَسْلَمْتُ} فكأنه قال أَقِمْني فيما كلفتني، وحَقِّق مني ما بِه أمرتني. فهو أحال الأمر عليه، لا لإظهار معنى أو ضمان شيء من قِبَلِ نفسه. ويقال أَمَرَه بأن يستأثر بمطالبات القدرة؛ فإن من حلَّ في الخلَّة محلَّه يحل به - لا محالة - ما حَلَّ به. ويُسأَلُ ها هنا سؤال فيقال: كيف قال إبراهيم صلوات الله عليه: {أَسْلَمْتُ} ولم يَقُلْ نَبيُّنا صلى الله عليه وسلم حينما قيل له اعْلم "علمت"؟. والجواب عن ذلك من وجوه: منها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أنا أعلمكم بالله"تفسير : ولكن لم يَرِد بعده شرع فكان يخبر عنه بأنه قال علمت. ويقال إن الله سبحانه أخبر عن الرسول عليه السلام بقوله: {ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ} لأن الإيمان هو العلم بالله سبحانه وتعالى، وقول الحق وإخباره عنه أتمُّ من إخباره - عليه السلام - عن نفسه. والآخر أن إبراهيم لما أخبر بقوله: {أَسْلَمْتُ} اقترنت به البلوى، ونبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - يتحرز عما عو صورة الدعوى فَحُفِظَ وكُفِيَ. والآخر أن إبراهيم عليه السلام أُمِرَ بما يجرى مجرى الأفعال، فإن الاستسلامَ به إليه يشير. ونبينا صلى الله عليه وسلم أُمِر بالعلم، (ولطائف العلم أقسام).
اسماعيل حقي
تفسير : {إذ قال له} ظرف لاصطفيناه وتعليل له اى اخترناه فى وقت قال له {ربه أسلم} اى اخلص دينك لربك واستقم على الاسلام واثبت عليه وذلك حين خرج من الغار ونظر الى الكوكب والقمر والشمس فألهمه الله الاخلاص {قال اسلمت لرب العالمين} اى اخلصت دينى له كقوله {أية : إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض} تفسير : [الأَنعام: 79] الآية. وقد امتثل ما امر به من الاخلاص والاستسلام واقام على ما قال فسلم القلب والنفس والولد والمال ولما قال له جبريل حين القى فى النار هل لك من حاجة فقال أما اليك فلا فقال ألا تسأل ربك فقال حبسى بسؤالى علمه بحالى. قال اهل التفسير ان ابراهيم ولد فى زمن النمرود بن كنعان وكان النمرود اول من وضع التاج على رأسه ودعا الناس الى عبادته وكان له كهان ومنجمون فقالوا له انه يولد فى بلدك فى هذه السنة غلام يغير دين اهل الارض ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه قالوا فامر بذبح كل غلام يولد فى ناحيته فى تلك السنة فلما دنت ولادة ام ابراهيم واخذها المخاض خرجت هاربة مخافة ان يطلع عليها فيقتل ولدها فولدته فى نهر يابس ثم لفته فى خرقة ووضعته فى حلفاء وهو نبت فى الماء يقال له بالتركى "حصير قمشى" ثم رجعت فأخبرت زوجها بانها ولدت وان الولد فى موضع كذا فانطلق ابوه فاخذه من ذلك المكان وحفر له سربا اى بيتا فى الارض كالمغارة فواراه فيه وسد عليه بابه بصخرة مخافة السباع وكانت امه تختلف اليه فترضعه وكان اليوم على ابراهيم فى الشباب والقوة كالشهر فى حق سائر الصبيان والشهر كالسنة فلم يمكث فى المغارة الا خمسة عشر شهرا او سبع سنين او اكثر من ذلك فلما شب ابراهيم فى السرب قال لامه من ربى قالت انا قال فمن ربك قالت ابوك قال فمن رب ابى قالت اسكت ثم رجعت الى زوجها فقالت أرأيت الغلام الذى كنا نحدث انه يغير دين اهل الارض فانه ابنك ثم اخبرته بما قال فاتى ابوه آزر وقال له ابراهيم يا أبتاه من ربى قال امك قال فمن رب امى قال انا قال فمن ربك قال النمرود قال فمن رب النمرود فلطمه لطمة وقال له اسكت فلما جن عليه الليل دنا من باب السرب فنظر من خلال الصخرة فرأى السماء وما فيها من الكواكب فتفكر فى خلق السموات والارض فقال ان الذين خلقنى ورزقنى واطعمنى وسقانى رب الذى مالى اله غيره ثم نظر فى السماء فرأى كوكبا قال هذا ربى ثم اتبعه بصره ينظر اليه حتى غاب فلما افل قال لا احب الآفلين ثم رأى القمر ثم الشمس فقال فيهما كما قال فى حق الكواكب. ثم انهم اختلفوا فى قوله ذلك فارجاه بعضهم على الظاهر وقالوا كان ابراهيم فى ذلك الوقت مسترشدا طالبا للتوحيد حتى وفقه الله اليه وارشده فلم يضره ذلك فى الاستدلال وايضا كان ذلك فى حال طفوليته قبل ان يجرى عليه القلم فلم يكن كفرا وانكر الآخرون هذا القول وقالوا كيف يتصور من مثله ان يرى كوكبا ويقول هذا ربى معتقدا فهذا لا يكون ابدا ثم اولوا قوله ذلك بوجوه مذكورة فى سورة الانعام للامام محيى السنة. والحاصل ان ابراهيم مستسلم للرب الكريم وانه على الصراط المستقيم لا يرغب عن طريقته الا من سفه نفسه اى لم يتفكر فيها كما تفكر ابراهيم فى الانفس والآفاق قال تعالى {أية : وفى أنفسكم أفلا تبصرون} تفسير : [الذاريات: 21]. والسفاهة الجهل وضعف الرأى وكل سفيه جاهل وذلك ان من عبد غير الله فقد جهل نفسه لانه لم يعرف الله خالقها وقد جاء فى الحديث "حديث : من عرف نفسه فقد عرف ربهbr>". تفسير : وفى الاخبار "حديث : ان الله تعالى اوحى الى داود اعرف نفسك بالضعف والعجز والفناء واعرفنى بالقوة والقدرة والبقاء"تفسير : : وفى المثنوى شعر : جيست تعظيم خدا افراشتن خويشتن را خاك وخوارى داشتن جيست توحيد خدا آموختن خويشتن را بيش واحد سوختن هستيت درهست آن هستى نواز همجو مس در كيميا اندر كداز جملة معشوقست وعاشق برده زنده معشوقست وعاشق مرده
الطوسي
تفسير : قوله: {إذ قال له ربه} متعلق بقوله: {ولقد اصطفيناه} وموضعه نصب وتقديره: ولقد اصطفيناه حين قال له ربه اسلم. وقال الحسن: انما قال ذلك، حين أفلت الشمس، {أية : فقال يا قوم إني برىء مما تشركون إني وجهت وجهي}تفسير : وانه اسلم حينئذ. وهذا يدل على أنه كان ذلك قبل النبوة. وأنه قال له ذلك: إلهاً ما استدعاه به إلى الاسلام، فاسلم حينئذ. لما وضح له طريق الاستدلال بما رأى من الآيات، والعبر الدالة على توحيده. ولا يصح أن يوحي الله تعالى اليه قبل اسلامه بانه نبي الله، لان النبوة حال اعظام واجلال. ولا يكون ذلك قبل الاسلام. وانما قال: {اصطفيناه} على لفظ المتكلم مع قوله: {إذ قال له ربه} على لفظ الغائب للتصرف في الكلام كما قال الشاعر: شعر : باتت تشكي الي النفس مجهشة وقد حملتك سبعا بعد سبعينا تفسير : والاسلام واجب على كل مكلف، وان اختلفت شرائع الانبياء فيما يتعبدون: من الحلال، والحرام. لقوله "تعالى": ان { أية : إن الدين عند الله الإسلام}تفسير : وان الاسلام انما هو الاخلاص لله بالعمل بطاعته، واجتناب معصيته وذلك واجب على كل متعبد. وكله اسلام.
الجنابذي
تفسير : {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ} تعليل لاصطفائه وصلاحه {أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ وَوَصَّىٰ بِهَآ} اى بالملّة او بكلمة الاسلام {إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ} يعنى ينبغى ان يكون اسلامكم ثابتاً راسخاً حتّى لا يزول عند الموت؛ والآية تعريضٌ بانكار التهوّد والتّنصّر وانّ ابراهيم ما أمر باليهوديّة ولا بالنّصرانيّة بل أمر بالاسلام ووصّى هو ويعقوب بنيهما بالاسلام لا بالتهوّد والتنصّر.
اطفيش
تفسير : {إذْ قالَ لَه ربُّه}: إذ ظرف متعلق باصطفيناه لكن على معنى قولك: أظهر لنا أو للملائكة أو للكل اصطفاه، وإنما قلت هذا لأن كونه رسولا خليلا صفيا أزليا، ويجوز أن تكون حرف تعليل معللة للاصطفاء بناءً على جواز كونها للتعليل، والمانع يقول إنها ظرف والتعليل مستفاد من المقام والسياق، وهذا معنى قول القاضى ظرف لاصطفيناه، وتعليل له فلا حاجة إلى ما قيل من أن الواو فى قوله: وتعليل له بمعنى أو. قال ابن هشام وهل إذ التعليلية حرف بمنزلة لام العلة؟ وهذا لا يقول به الجمهور، أو ظرف، والتعليل مستفاد من قوة الكلام لا من اللفظ، وهذا قول الجمهور، ويجوز أن تكون مفعولا لا ذكر محذوفاً أو ظرفا لمعموله، أى اذكر إذ قال له ربه، أو اذكر الواقع إذ قال له ربهُ، لتعلم سبب اصطفائهِ، والحكم بصلاحه وإمامته، وهو المبادرة للإسلام المذكور فى قوله تعالى: {أسلم} كما حكى الله مبادرته بقوله: {قال أسلمت لرب العالمين}، ومَن كان بهذه الصفة لا يرغب عن ملته عاقل، فهذا من تتمة قولهِ عز وجل: {أية : ومن يرغَب عَنْ مِلَّة إبراهيم}،تفسير : ولذا لم يعطف بالواو، ويجوز تعليقه، يقال من قوله: {أسْلَمت} لكن هذا وجه مرجوح، إذ لو كان كذلك لكان بالواو، لأنهُ حينئذ من طريق قوله تعالى: {أية : وإذا ابتَلَى إبراهيم رَبُّه}تفسير : واختلفوا فى الوقت الذى قال له ربهُ فيهِ أسلم، فقيل: هو وقت طفولته، واستدلاله بالكواكب والشمس والقمر، واطلاعه على أمارات الحدوث حين خرج من الغار أو بعده، وهذا قول الجمهور وابن عباس، وقيل: بعد النبوة، وعلى كلا القولين ليس مشركا قبل ذلك، فإن كان كل مولود يولد على الفطرة، فكيف برسول خليل؟ قال الحسن: ذلك حين أفلت الشمس فقال: {أية : يا قوم إنى برئ مما تشركون}،تفسير : وإذ علقنا إذ باصطفيناه أو جعلناها تعليلا له فقوله: (ربه) على طريق الالتفات من التكلم للغيبة. {أسْلِم}: أدم على الإسلام أو استزد من جزئيات الإسلام، فإن الإسلام ولو قلنا إنه كلى لكن له أمداد يمد بها كما وصفهُ الله تعالى بالزيادة، ويجوز أن يكون المعنى: اعمل الأعمال الصالحات بالجوارح، فإن السابق فى قلبه الإيمان ثم يكلفه الله بتكاليف تعمل بالجوارح، فأمره الله بالعمل بها، ولو قيل إن النطق بالإيمان عمل جارحة داخل فى ذلك لكان صحيحاً، ويجوز أن يكون الإسلام بمعنى الإيمان وهو مؤمن قبل ذلك، لكن على أن معنى قوله: {قال له ربه أسلم} أحضر له ربه فى قلبه دلائل الإيمان، أو بمعنى الأعمال بالجوارح كذلك سواء، لكن على أن معنى قوله ربه أسلم أحضر لهُ ربهُ فى قلبه دلائل وجواب الأعمال بالجارحة، وأسلم على ذلك كله لازم غير متعد، ويجوز أن يكون متعدياً فحذف المفعول، أى أسلم دينك أو عبادتك لله، أى صيرها سالمة من المفسدات، أو أسلم نفسك أى أخلصها لله، وفوض أمرك إليه، وقد قال له جبريل حين دُفع إلى نار النمرود: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، ولكن إلى الله. {قالَ أسْلَمتُ لربِّ العَالَمين}: أى قبلت الأمر بالدوام على الإسلام، وخضعت له أو قبلت الأمر بالأعمال الجوارح، وأذ عنت به أو قبلت ما خطرت لى فى قلبى، وأذعنت فيه لك أو أخلصت دينى أو عبادتى أو نفسى لك.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ} اذكر إذ قال، أو متعلق باصطفيناه، والتعليل مستفاد من المقام، فإنه إذا قيل اصطفيناه وقت قال له... الخ علم أن الإصطفاء لقوهل، أسلمت... الخ بعد قوله الله جل وعلا أسلم، أو حرف تعليل، كما تكون على وعن حرفا واسما، بل كما قال سيبويه فى إذ ما أن إذ حرف، وفى غير الشرط اسم، أى نال الاصطفاء بالمبادرة إلى الإذعان والإخلاص، ومعنى أسلم أذعن وأخلص وجهك، وجاء على المعنيين، {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَٰلَمِينَ} أو أسلم، لفظه أمر، ومعناه إخطار دلائل التوحيد بباله، كالقمر والشمس والنجم، فيكون قوله، أسلمت مجازاً عن النظر والمعرفة على حد، كن فيكون، والمراد بالآية على كل حال ما بعد النبوة أو قبلها حين كبر، فالمراد ازدياد ذلك، أو ما فى حال الصغر، إذ كان فى الغار، فيكون المراد إنشاء ذلك "أية : ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل" تفسير : [الأنبياء: 51] وتقدم على هذا أيضاً أن كل مولود يولد على الفطرة، قال ابن عيينة، دعا عبدالله بن سلام ابنى أخيه سلمة، ومهاجر إلى الإسلام، وقال، قد علمتهما، أن الله قال فى التوراة، إنى باعث من ولد إسماعيل نبيّاً اسمه أحمد، من آمن به فقد هدى ورشد، ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فنزل، ومن يرغب، الآية. قال السيوطى: لم نجذ هذا فى شىء من كتب الحديث.
الالوسي
تفسير : ظرف ـ لاصطفيناه ـ والمتوسط المعطوف ليس بأجنبـي لأنه لتقدير المتعلق المعطوف تأكيده لأن اصطفاءه في الدنيا إنما هو للرسالة وما يتعلق بصلاح الآخرة فلا حاجة إلى أن يجعل اعتراضاً أو حالاً مقدرة كما قيل به، أو تعليل له، أو منصوب بـ (اذكر) كأنه قيل: اذكر ذلك الوقت لتقف على أنه المصطفى الصالح وأنه ما نال ما نال إلا بالمبادرة والانقياد إلى ما أمر به وإخلاص سره حين دعاه ربه، وجوز جعله ظرفاً لـ {قَالَ} وليس الأمر وما في جوابه على حقيقتهما بل هو تمثيل، والمعنى أخطر بباله الدلائل المؤيدة إلى المعرفة، واستدل بها وأذعن بمدلولاتها إلا أنه سبحانه وتعالى عبر عن ذلك بالقولين تصويراً لسرعة الانتقال بسرعة الإجابة فهو إشارة إلى استدلاله عليه السلام بالكوكب والشمس والقمر واطلاعه على أمارات الحدوث على ما يشير إليه كلام الحسن وابن عباس من أن ذلك قبل النبوة وقبل البلوغ، ومن ذهب إلى أنه بعد النبوة قال: المراد الأمر بالطاعة والإذعان لجزئيات الأحكام والاستقامة والثبات على التوحيد على حد {أية : فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلا ٱللَّهِ }تفسير : [محمد: 19] ولا يمكن الحمل على الحقيقة أعني إحداث الإسلام والإيمان لأن الأنبياء معصومون عن الكفر قبل النبوة وبعدها ولأنه لا يتصور الوحي والاستنباء قبل الإسلام نعم إذا حمل الإسلام على العمل بالجوارح لا على معنى الإيمان أمكن الحمل على الحقيقة ـ كما قيل به ـ وفي الالتفات مع التعرض لعنوان الربوبية والإضافة إليه عليه السلام إظهار لمزيد اللطف به والاعتناء بتربيته، وإضافة الرب في الجواب إلى {ٱلْعَـٰلَمِينَ} للإيذان بكمال قوة إسلامه حيث أيقن حين النظر شمول ربوبيته تعالى للعالمين قاطبة لا لنفسه فقط كما هو المأمور به ظاهراً.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْعَالَمِينَ} (131) - أَمَرَ اللهُ إِبراهيمَ بِالإِخلاَصِ لَهُ، وَالاسْتِسْلامِ لِحُكْمِهِ، فَامْتَثَلَ لأَِمْرِ رَبِّهِ، وَقَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ جَمِيعاً. أَسْلِمْ - انْقَدْ وَأَخْلِصِ العِبَادَةَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أنه قال لإبراهيم أسلم فقال أسلمت .. إذن: فمطلوب الحق سبحانه وتعالى من عبده أن يسلم إليه .. ولم يقل الحق أسلم إِليّ، لأنها مفهومة .. ولم يقل أسلم لربك؛ لأن الإسلام لا يكون إلا لله. لأنه هو سبحانه المأمون علينا .. على أن إبراهيم عليه السلام قال في رده: {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [البقرة: 131]. ومعنى ذلك أنه لن يكون وحده في الكون. لأنه إذا أسلم لله الذي سخر له ما في السماوات والأرض .. يكون قد انسجم مع الكون المخلوق من الله للإنسان .. ومَنْ أكثرُ نضجاً في العقل ممن يُسلم وجهه لله سبحانه .. لأنه يكون بذلك قد أسلمه إلى عزيز حكيم قوي لا يُقْهر، قادر لا تنتهي قدرته .. غالب لا يُغْلب، رزاق لا يأتي الرزق إلا منه. فكأنه أسلم وجهه للخير كله. والدين - عند الله سبحانه وتعالى منذ عهد آدم إلى يوم القيامة - هو إسلام الوجه لله، ولماذا الوجه؟ لأن الوجه أشرف شيء في الإنسان يعتز به ويعتبره سمة من سمات كرامته وعزته .. ولذلك فنحن حين نريد منتهى الخضوع لله في الصلاة نضع جباهنا ووجوهنا على الأرض .. وهذا منتهى الخشوع والخضوع أن تضع أشرف ما فيك وهو وجهك على الأرض إعلاناً لخضوعك لله سبحانه وتعالى. والله جل جلاله يريد من الإنسان أن يسلم قيادته لله .. بأن يجعل اختياراته في الدنيا لما يريده الله تبارك وتعالى .. فإذا تحدث لا يكذب، لأن الله يحب الصدق، وإذا كُلِّفَ بشيء يفعله؛ لأن التكليف في صالحنا ولا يستفيد الله منه شيئاً .. وإذا قال الله تعالى تَصَدَّقْ بمالك أسرع يتصدق بماله لِيُرَدَّ له أضعافاً مضاعفة في الآخرة وبقدرة الله. وهكذا نرى أن الخير كله للإنسان هو أن يجعل مراداته في الحياة الدنيا طبقاً لما أراده الله .. وفي هذه الحالة يكون قد انسجم مع الكون كله وتجد أن الكون يخدمه ويعطيه وهو سعيد. أما من يُسْلِمُ وجهه لغير الله فقد اعتمد على قوِيّ يمكن أن يَضْعُفَ، وعلى غني يمكن أن يفتقر .. وعلى موجود يمكن أن يموت ويصبح لا وجود له .. ولذلك فهو في هذه الحالة يتصف بالسفاهة لأنه اعتمد على الضار وترك النافع.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر تعالى عن كمال تسليمه وحسن استعداده بقوله: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [البقرة: 131]، الإشارة فيها أن الروح الإنساني مخصوص من العالمين بالاستسلام لقبول أنوار فيض رب العالمين بلا واسطة والاستعداد والاستحقاق لخطاب ربه: أسلم لنور فيضي وفيض نوري، فيستسلم لقوله ويقول: {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [البقرة: 131] أي: لنور رب العالمين وبيانه قوله تعالى: {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ}تفسير : [الزمر: 22]، وليس لغير الإنسان كرامة أن يكون على نور من ربه إلا بواسطة، هذا سر عظيم وشرحه يطول وأنت ملول. ثم أخبر عن وصيته لبنيه أن يدينوا بدينه لقوله تعالى: {وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} [البقرة: 132]، والإشارة فيها أن إبراهيم الروح يوصي أبناء ذريته من القلب وصفاته والنفس وصفاتها والقوى البشرية والحواس الخمس والأعضاء والجوارح، فإنها متولدات بعضها من بعض على الحقيقة لملته وهي الخلة عن التبرؤ عن غير الخليل في العبودية والخلة {يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ} [البقرة: 132]، فيه إشارة شريفة وإشارة لطيفة، يعني لولا فضل الله عليكم ورحمته اصطفاؤه لكم الدين فلقوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}تفسير : [فاطر: 32]، فقال لولا أورثنا واصطفينا وإلا ما للتراب ورب الأرباب. {فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ} [البقرة: 132]، فيه إشارة إلى أنكم للفناء فلا تفنوا إلا في استسلام وجوهكم لنار نور نور الله وهي نار وقودها الناس والحجارة فإن اشتعال نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنما هي تكون بعد استسلام حطب الوجود لها فيه، إنها عليهم موصدة في عمد ممدة، فمن لم يستسلم اليوم لنار الخلة والمحبة بالاختيار فلا بد غداً يلقى في نار الغضب. ثم أخبر عن تأثير الوصية في أولاده وأولاد أولاده بقوله تعالى: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي} [البقرة: 133]، والإشارة فيها أن الله تعالى استجاب دعاء إبراهيم في أولاده وأولاد أولاده إذ قال: {أية : رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ}تفسير : [البقرة: 128]، وأظهر استجابته بإيصاء يعقوب وإقرار ولد وولده لإبراهيم عليه السلام وأولاده، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم"تفسير : فجروا كلهم صلوات الله عليهم على منهاج واحد في التوحيد والاستسلام توارثوا ذلك خلفاً على سلف، فهم أهل بيت الزلفة ومستحقوا القربة، والمطهرون من قبل الله. وفيه إشارة أن الله تعالى إذا تجلى لروح عبد مخلص متضرع إليه محب له يظهر آثار تجليه على قلبه وسره ونفسه وقواه وحواسه وجوارحه وجميع أعضائه فيستسلمون له بكليتهم وخضعوا له فيعبدون كلهم إلهاً واحداً، وإن كان كل واحد منهم يعبد إلهاً آخر من قبل من الهوى والدنيا والآخرة كقوله تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}تفسير : [الجاثية: 23]، وليستسلم كل واحد في العبودية لما يناسب حاله. ثم أخبر أن كسب كل واحد يفيده وينفعه بقوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ} [البقرة: 134]، والإشارة فيها أن معاملة كل إنسان تنفعه ولا تضره، لا ينفع عمل نبي وسعيه لأولاده ولا لغيرهم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يا فاطمة يا بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أغني عنك من الله شيئاً ". تفسير : وكقوله تعالى: {أية : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ}تفسير : [الإسراء: 13]، قال تعالى: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ}تفسير : [النجم: 39]، فمن لم يساعده التوفيق لأعمال العبادة لا تنفعه أعمال الآباء والأجداد {وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ} [البقرة: 135]، إلى قوله: {أية : وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}تفسير : [البقرة: 137] والإشارة في تحقيق الآيات أن يهود الشيطان الإنساني، فإن لكل إنسان شيطان كما جاء في الحديث، ونصارى الهوى والنفسانية، ويدعو كل واحد منهم الأمة المسلمة من طينة الإنسان إلى دينه ويقول: كونوا على ديني فلا دين إلا ديني فيناديهم منادي ألطاف الحق {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} [البقرة: 135]، الروح {حَنِيفاً} [البقرة: 135]، مائلاً إلى الحق: {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [البقرة: 135]، الملتفتين إلى غير الحق {قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا} [البقرة: 136]، من أنوار الواردات وإلهامات {وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} [البقرة: 136]، الروح من تجلي صفات الحق {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ} [البقرة: 136]، المتولدات من الروح {وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ} [البقرة: 136]، القلب: {وَعِيسَىٰ} [البقرة: 136]، السر. {وَمَا أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ} [البقرة: 136]، وهم المدركات الروحانية والعقلية {مِن رَّبِّهِمْ} [البقرة: 136]، من مكاشفات الأسرار الربانية ومشاهدات الأنوار الإليهة {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ} [البقرة: 136]، في الإيمان بما أنزل إليهم وما أوتي كل واحد {مِّنْهُمْ} [البقرة: 136]، إذ هو من أصناف ألطاف الحق {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):