Verse. 139 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَوَصّٰى بِہَاۗ اِبْرٰھٖمُ بَنِيْہِ وَيَعْقُوْبُ۝۰ۭ يٰبَنِىَّ اِنَّ اللہَ اصْطَفٰى لَكُمُ الدِّيْنَ فَلَا تَمُوْتُنَّ اِلَّا وَاَنْتُمْ مُّسْلِمُوْنَ۝۱۳۲ۭ
Wawassa biha ibraheemu baneehi wayaAAqoobu ya baniyya inna Allaha istafa lakumu alddeena fala tamootunna illa waantum muslimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ووصَّى» وفي قراءة أوصى «بها» بالملة «إبراهيم بنيه ويعقوب» بنيه قال: «يا بني إن الله اصطفى لكم الدين» دين الإسلام «فلا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون» نهى عن ترك الإسلام وأمر بالثبات عليه إلى مصادفة الموت.

132

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو النوع السادس من الأمور المستحسنة التي حكاها الله عن إبراهيم وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن عامر (وأوصى) بالألف وكذلك هو في مصاحف المدينة والشام والباقون بغير ألف بالتشديد وكذلك هو في مصاحفهم والمعنى واحد إلا أن في (وصى) دليل مبالغة وتكثير. المسألة الثانية: الضمير في (بها) إلى أي شيء يعود؟ فيه قولان: الأول: أنه عائد إلى قوله:{أية : أَسْلَمْتُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [البقرة: 131] على تأويل الكلمة والجملة، ونحوه رجوع الضمير في قوله: {أية : وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَـٰقِيَةً } تفسير : [الزخرف: 28] إلى قوله: {أية : إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِى فَطَرَنِى } تفسير : [الزخرف: 26، 27] وقوله: {كَلِمَةً بَـٰقِيَةً } دليل على أن التأنيث على تأويل الكلمة. القول الثاني: أنه عائد إلى الملة في قوله: {أية : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [البقرة: 130] قال القاضي وهذا القول أولى من الأول من وجهين. الأول: أن ذلك غير مصرح به ورد الإضمار إلى المصرح بذكره إذا أمكن أولى من رده إلى المدلول والمفهوم. الثاني: أن الملة أجمع من تلك الكلمة ومعلوم أنه ما وصى ولده إلا بما يجمع فيهم الفلاح والفوز بالآخرة، والشهادة وحدها لا تقتضي ذلك. المسألة الثالثة: اعلم أن هذه الحكاية اشتملت على دقائق مرغبة في قبول الدين. أحدها: أنه تعالى لم يقل وأمر إبراهيم بنيه بل قال: وصاهم ولفظ الوصية أوكد من الأمر، لأن الوصية عند الخوف من الموت، وفي ذلك الوقت يكون احتياط الإنسان لدينه أشد وأتم، فإذا عرف أنه عليه السلام في ذلك الوقت كان مهتماً بهذا الأمر متشدداً فيه، كان القول إلى قبوله أقرب. وثانيها: أنه عليه السلام خصص بنيه بذلك، وذلك لأن شفقة الرجل على أبنائه أكثر من شفقته على غيرهم، فلما خصهم بذلك في آخر عمره، علمنا أن اهتمامه بذلك كان أشد من اهتمامه بغيره. وثالثها: أنه عمم بهذه الوصية جميع بنيه ولم يخص أحداً منهم بهذه الوصية، وذلك أيضاً يدل على شدة الاهتمام. ورابعها: أنه عليه السلام أطلق هذه الوصية غير مقيدة بزمان معين ومكان معين، ثم زجرهم أبلغ الزجر عن أن يموتوا غير مسلمين، وذلك يدل أيضاً على شدة الاهتمام بهذا الأمر. وخامسها: أنه عليه السلام ما مزج بهذه الوصية وصية أخرى، وهذا يدل أيضاً على شدة الاهتمال بهذا الأمر، ولما كان إبراهيم عليه السلام هو الرجل المشهود له بالفضل وحسن الطريقة وكمال السيرة، ثم عرف أنه كان في نهاية الاهتمام بهذا الأمر، عرف حينئذ أن هذا الأمر أولى الأمور بالاهتمام، وأجراها بالرعاية، فهذا هو السبب في أنه خص أهله وأبناءه بهذه الوصية، وإلا فمعلوم من حال إبراهيم عليه السلام أنه كان يدعو الكل أبداً إلى الإسلام والدين. أما قوله: {وَيَعْقُوبَ } ففيه قولان: الأول: وهو الأشهر أنه معطوف على إبراهيم، والمعنى أنه وصى كوصية إبراهيم. والثاني: قرىء {وَيَعْقُوبَ } بالنصب عطفاً على بنيه، ومعناه: وصى إبراهيم بنيه، ونافلته يعقوب، أما قوله: {يا بُنى } فهو على إضمار القول عند البصريين، وعند الكوفيين يتعلق بوصى لأنه في معنى القول، وفي قراءة أبي وابن مسعود، أن يا بني. أما قوله: {ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدّينَ } فالمراد أنه تعالى استخلصه بأن أقام عليه الدلائل الظاهرة الجلية ودعاكم إليه ومنعكم عن غيره. أما قوله: {فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } فالمراد بعثهم على الإسلام، وذلك لأن الرجل إذا لم يأمن الموت في كل طرفة عين، ثم إنه أمر بأن يأتي بالشيء قبل الموت صار مأموراً به في كل حال، لأنه يخشى إن لم يبادر إليه أن تعاجله المنية فيفوته الظفر بالنجاة ويخاف الهلاك فيصير مدخلاً نفسه في الخطر والغرور.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ} أي بالمِلّة؛ وقيل: بالكلمة التي هي قوله: {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} وهو أصوب؛ لأنه أقرب مذكور، أي قولوا أسلمنا. ووَصّى وأَوْصى لغتان لقريش وغيرهم بمعنىً؛ مثل كَرّمنا وأكرمنا؛ وقرىء بهما. وفي مصحف عبد اللَّه «ووَصّى»، وفي مصحف عثمان «وأَوْصَى» وهي قراءة أهل المدينة والشام. الباقون «ووَصّى» وفيه معنى التكثير. «وإبراهيمُ» رفع بفعله، «ويعقوبُ» عطف عليه؛ وقيل: هو مقطوع مستأنف، والمعنى: وأوصى يعقوب وقال يا بنيّ إن الله ٱصطفى لكم الدين؛ فيكون إبراهيم قد وَصّى بنيه، ثم وَصّى بعده يعقوبُ بنيه. وبنو إبراهيم: إسماعيل، وأمّه هاجَر القبطية، وهو أكبر ولده؛ نقله إبراهيم إلى مكّة وهو رضيع. وقيل: كان له سنتان؛ وقيل: كان له أربع عشرة سنة؛ والأوّل أصح؛ على ما يأتي في سورة «إبراهيم» بيانه إن شاء الله تعالى. ووُلد قبل أخيه إسحٰق بأربع عشرة سنة، ومات وله مائة وسبع وثلاثون سنة. وقيل: مائة وثلاثون. وكان سِنّه لما مات أبوه إبراهيم عليهما السلام تسعاً وثمانين سنة؛ وهو الذَّبيح في قولٍ. وإسحٰق أمُّه سارة، وهو الذَّبيح في قول آخر، وهو الأصح، على ما يأتي بيانه في سورة «والصافات» إن شاء الله. ومن ولده الروم واليونان والأرمن ومن يجري مجراهم وبنو إسرائيل. وعاش إسحٰق مائة وثمانين سنة، ومات بالأرض المقدسة ودُفن عند أبيه إبراهيم الخليل عليهما السلام. ثم لما تُوفِّيت سارة تزوّج إبراهيم عليه السلام قنطورا بنت يقطن الكنعانيّة، فولدت له مدين ومداين ونهشان وزمران ونشيق وشيوخ؛ ثم توفيّ عليه السلام. وكان بين وفاته وبين مولد النبيّ صلى الله عليه وسلم نحو من ألفي سنة وستمائة سنة؛ واليهود ينقصون من ذلك نحواً من أربعمائة سنة. وسيأتي ذكر أولاد يعقوب في سورة «يوسف» إن شاء الله تعالى. وقرأ عمرو بن فائد الأسواري وإسماعيل بن عبد اللَّه المكي: «ويعقوبَ» بالنصب عطفاً على «بنيه»؛ فيكون يعقوب داخلاً فيمن أوْصَى. قال القُشَيْرِيّ: وقُرىء «يعقوب» بالنصب عطفاً على «بنيه» وهو بعيد؛ لأن يعقوب لم يكن فيما بين أولاد إبراهيم لمّا وصّاهم، ولم ينقل أن يعقوب أدرك جدّه إبراهيم، وإنما وُلد بعد موت إبراهيم، وأن يعقوب أوصى بنيه أيضاً كما فعل إبراهيم. وسيأتي تسمية أولاد يعقوب إن شاء الله تعالى. قال الكلبي: لما دخل يعقوب إلى مصر رآهم يعبدون الأوثان والنيران والبقر، فجمع ولده وخاف عليهم وقال: ما تعبدون من بعدي؟ ويقال: إنّما سُمِّيَ يعقوب لأنه كان هو والعِيص تَوْأَمَين، فخرج من بطن أمه آخذاً بعقب أخيه العِيص. وفي ذلك نظر؛ لأن هذا ٱشتقاق عربيّ، ويعقوب ٱسم أعجمي، وإن كان قد وافق العربية في التسمية به كذَكَر الحَجَلِ. عاش عليه السلام مائة وسبعاً وأربعين سنة ومات بمصر، وأوصى أن يُحمل إلى الأرض المقدّسة، ويُدفن عند أبيه إسحٰق، فحمله يوسف ودفنه عنده. قوله تعالى: {يَابَنِيَّ} معناه أنْ يا بنيّ؛ وكذلك هو في قراءة أَبيّ وٱبن مسعود والضّحاك. قال الفَرّاء: أُلغيتْ أنْ لأنّ التوصية كالقول، وكل كلام يرجع إلى القول جاز فيه دخول أنّ وجاز فيه إلغاؤها. قال: وقول النحويين إنما أراد «أن» فألغيت ليس بشيء. النحاس: «يا بَنِيّ» نداء مضاف، وهذه ياء النفْس لا يجوز هنا إلا فتحها؛ لأنها لو سكنتْ لالتقى ساكنان، ومثله «أية : بِمُصْرِخِيّ»تفسير : [إبراهيم: 22]. {إِنَّ ٱللَّهَ} كُسرت «إنّ» لأن أوصى وقال واحد. وقيل: على إضمار القول. {ٱصْطَفَىٰ} ٱختار. قال الراجز:شعر : يا بن ملوك ورّثوا الأملاكا خلافة الله التي أعطاكا لك ٱصطفاها ولها ٱصطفاكا تفسير : {لَكُمُ ٱلدِّينَ} أي الإسلام؛ والألف واللام في «الدِّين» للعهد؛ لأنهم قد كانوا عرفوه. {فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ } إيجاز بليغ. والمعنى: الزموا الإسلام ودُوموا عليه ولا تفارقوه حتى تموتوا. فأتى بلفظ موجز يتضمّن المقصود، ويتضمّن وعظاً وتذكيراً بالموت؛ وذلك أن المرء يتحقق أنه يموت ولا يدري متى؛ فإذا أُمِر بأمر لا يأتيه الموت إلا وهو عليه، فقد توجّه الخطاب من وقت الأمر دائباً لازماً. و «لا» نَهْي «تَمُوتُنّ» في موضع جزم بالنهي، أُكَّد بالنون الثقيلة، وحُذفت الواو لالتقاء الساكنين. «إلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» ٱبتداء وخبر في موضع الحال؛ أي محسنون بربكم الظنّ، وقيل مخلصون، وقيل مفّوضون، وقيل مؤمنون.

البيضاوي

تفسير : {وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرٰهِيمُ بَنِيهِ } التوصية هي التقدم إلى الغير بفعل فيه صلاح وقربة، وأصلها الوصل يقال: وصاه إذا وصله، وفصاه: إذا فصله، كأن الموصي يصل فعله بفعل الموصى، والضمير في بها للملة، أو لقوله أسلمت على تأويل الكلمة، أو الجملة وقرأ نافع وابن عامر وأوصى والأول أبلغ {وَيَعْقُوبَ} عطف على إبراهيم، أي ووصى هو أيضاً بها بنيه. وقرىء بالنصب على أنه ممن وصاه إبراهيم {يَا بَنِيَّ}. على إضمار القول عند البصريين، متعلق بوصى عند الكوفيين لأنه نوع منه ونظيره:شعر : رَجُلاَنِ مِنْ ضَبَّةَ أخْبَرَانا أَنَّا رأَيْنَا رَجُلاً عريَانا تفسير : بالكسر، وبنو إبراهيم كانوا أربعة: إسماعيل وإسحاق ومدين ومدان. وقيل: ثمانية. وقيل: أربعة عشر: وبنو يعقوب إثنا عشر: روبيل وشمعون ولاوي ويهوذا ويشسوخور وبولون وتفتوني ودون وكودا وأوشير وبنيامين ويوسف {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدّينَ} دين الإسلام الذي هو صفوة الأديان لقوله تعالى: {فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } ظاهره النهي عن الموت على خلاف حال الإِسلام، والمقصود هو النهي عن أن يكونوا على خلاف تلك الحال إذا ماتوا، والأمر بالثبات على الإسلام كقولك: لا تصلِّ إلا وأنت خاشع، وتغيير العبارة للدلالة على أن موتهم لا على الإسلام موت لا خير فيه، وأن من حقه أن لا يحل بهم، ونظيره في الأمر مت وأنت شهيد. وروي أن اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألست تعلم أن يعقوب أوصى بنيه باليهودية يوم مات فنزلت.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَوَصَّىٰ } وفي قراءة (أوصى) {بِهَا } بالملة {إِبْرٰهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ } بنيه قال { يَٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدّينَ } دين الإسلام {فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } نَهيٌ عن ترك الإسلام وأمْرٌ بالثبات عليه إلى مصادفة الموت.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَوَصَّى بِهَآ} بالملة لتقدم ذكرها. {إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} أي لا تفارقوا الإسلام عند الموت.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ووصى بها إبراهيم بنيه} يعني بكلمة الإخلاص، وهي لا إله الاّ الله. وقيل هي الملة الحنيفية وكان لإبراهيم ثمانية أولاد إسماعيل وأمه هاجر القبطية وإسحاق وأمه سارة ومدين ومدان ويقنان وزمران وشيق وشوخ وأمهم قطورا بنت يقطن الكنعانية تزوجها إبراهيم حين وفاة سارة، فإن قلت، لم قال: وصى بها إبراهيم بنيه ولم يقل أمرهم؟. قلت: لأن لفظ الوصية أوكد من لفظ الأمر لأن الوصية إنما تكون عند الخوف من الموت وفي ذلك الوقت يكون احتياط الإنسان لولده أشد وأعظم، وكانوا هم إلى قبول وصيته أقرب وإنما خص بنيه بهذه الوصية لأن شفقة الرجل على بنيه أكثر من شفقته على غيرهم. وقيل: لأنهم كانوا أئمة يقتدى بهم فكان صلاحهم صلاحاً لغيرهم {ويعقوب} أي ووصى يعقوب بمثل ما وصي به إبراهيم، وسمي يعقوب لأنه هو والعيص كانا توأمين في بطن واحد فتقدم العيص وقت الولادة في الخروج من بطن أمه وخرج يعقوب على أثره آخذاً بعقبه قال ابن عباس: وقيل سمي لكثرة عقبه وكان له من الولد اثنا عشر وهم: روبيل وشمعون ولاوى ويهوذا وربالون ويشجرودان ونفتالى وجاد وآشر ويوسف وبنيامين، ثم خاطب يعقوب بنيه فقال {يا بني إن الله اصطفى لكم الدين} أي اختار لكم دين الإسلام {فلا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون} أي مؤمنون مخلصون فالمعنى دوموا على إسلامكم حتى يأتيكم الموت وأنتم مسلمون لأنه لا يعلم في أي وقت يأتي الموت على الإنسان. وقيل: في معنى وأنتم مسلمون أي محسنون الظن بالله عز وجل يدل عليه ما روي عن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: "حديث : لا يموتن أحدكم إلاّ وهو يحسن الظن بربه" تفسير : أخرجاه في الصحيحين. قوله عز وجل: {أم كنتم شهداء} جمع شهيد بمعنى الحاضر أي ما كنتم حاضرين {إذ حضر يعقوب الموت} أي حين احتضر وقرب من الموت نزلت في اليهود، وذلك لأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية فأنزل الله تعالى هذه الاية تكذيباً لهم، والمعنى أم كنتم يا معشر اليهود شهوداً على يعقوب إذ حضره الموت، أي إنكم لم تحضروا ذلك فلا تدّعوا على أنبيائي ورسلي الأباطيل وتنسبوهم إلى اليهودية فإني ما ابتعثت خليلي إبراهيم، وولده وأولادهم إلاّ بدين الإسلام، وبذلك وصوا أولادهم وبه عهدوا إليهم ثم بين ما قال يعقوب لبنيه فقال تعالى: {إذ قال} يعني يعقوب {لبنيه} يعني لأولاده الاثني عشر {ما تعبدون} أي أي شيء تعبدون {من بعدي} قيل إن الله تعالى لم يقبض نبياً حتى يخيره: بين الحياة والموت، فلما خير يعقوب وكان قد رأى أهل مصر يعبدون الأوثان والنيران فقال انظرني حتى أسأل ولدي وأوصيهم فأمهله فجمع ولده وولد ولده قال لهم قد حضر أجلي ما تعبدون من بعدي؟ {قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} إنما قدم إسماعيل لأنه كان أكبر من إسحاق وأدخله في جملة الآباء وإن كان عماً لهم لأن العرب تسمي العم أباً والخالة أمّاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : عم الرجل صنو أبيه" تفسير : وقال في عمه العباس "حديث : ردوا عليّ أبي"تفسير : {إلهاً واحداً ونحن له مسلمون} أي مخلصون العبودية {تلك} إشارة إلى الأمة المذكورة، يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وولدهم {أمة قد خلت} أي مضت لسبيلها والمعنى يا معشر اليهود والنصارى دعوا ذكر إبراهيم وإسماعيل وإسحاق والمسلمين من أولادهم، ولا تقولوا عليهم ما ليس فيهم {لها ما كسبت} يعني من العمل {ولكم} يعني يا معشر اليهود والنصارى {ما كسبتم} أي من العمل {ولا تسألون عما كانوا يعملون} يعني كل فريق يسأل عن عمله لا عن عمل غيره. قوله عز وجل: {وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا} قال ابن عباس: نزلت في رؤساء اليهود: كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وأبي ياسر بن أخطب وفي نصارى نجران السيد، والعاقب وأصحابهما، وذلك أنهم خاصموا المؤمنين في الدين، فكل فريق منهم يزعم أنه أحق بدين الله فقالت اليهود: نبينا موسى أفضل الأنبياء وكتابنا التوراة أفضل الكتب وديننا أفضل الأديان وكفروا بعيسى والإنجيل ومحمد والقرآن وقالت النصارى كذلك، وقال كل واحد من الفريقين للمؤمنين: كونوا على ديننا فلا دين إلاّ ذلك فأنزل الله عز وجل: {قل} يعني يا محمد {بل ملة إبراهيم} يعني إذا كان لا بد من الاتباع فنتبع ملة إبراهيم لأنه مجمع على فضله {حنيفاً} أصله من الحنف وهو ميل واعوجاج يكون في القدم، قال ابن عباس: الحنيف المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، قال الشاعر: شعر : ولكنا خلقنا إذ خلقنا حنيفاً ديننا عن كل دين تفسير : والعرب تسمي كل من حج أو اختتن حنيفاً تنبيهاً على أنه على دين إبراهيم، وقيل: الحنيفية الختان وإقامة المناسك مسلماً، يعني أن الحنيفية هي دين الإسلام وهو دين إبراهيم عليه السلام {وما كان من المشركين} يعني إبراهيم وفيه تعريض لليهود والنصارى وغيرهم ممن يدعي اتباع ملة إبراهيم وهو على الشرك، ثم علم المؤمنين طرائق الإيمان.

ابن عادل

تفسير : قرىء: "وَصَّى"، وفيه معنى التكثير باعتبار المفعول الموصَّى، وأوصى رباعياً، وهي قراءة نافع، وابن عامر، وكذلك هي في مصاحف "المدينة" و "الشام". وقيل: أوصى ووصى بمعنى. والضمير في "بها" فيه ستّة أقوال: أحدها: أنه يعود على الملّة في قوله: {أية : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [البقرة:130]. قال أبو حيان: "وبه ابتدأ الزمخشري، ولم يذكر المهدوي غيره". والزمخشري ـ رحمه الله ـ لم يذكر هذا، وإنما ذكر عوده على قوله "أسلمت" لتأويله بالكلمة. قال الزمخشري: والضمير في "بها" لقوله: {أسلمت لرب العالمين} على تأويل الكلمة والجملة، ونحوه رجوع الضمير في قوله: {أية : وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً}تفسير : [الزخرف:28] إلى قوله: {أية : إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي}تفسير : [الزخرف:26ـ 27] وقوله: "كَلِمَةً بَاقِيَةً" دليل على أن التأنيث على معنى الكلمة. انتهى. الثاني: أنه يعود على الكلمة المفهومة من قوله: "أسلمت" كما تقدم تقريره عن الزمخشري. قال ابن عطية: "وهو أصوب لأنه أقرب مذكور". الثالث: أنه يعود على متأخر، وهو الكلمة المفهومة من قوله: {فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}. الرابع: أنه يعود على كلمة الإخلاص، وإن لم يَبْدُ لها ذكر قاله الكلبي ومقاتل. الخامس: أنه يعود على الطَّاعة للعلم بها أيضاً. السادس: أنه يعود على الوصيّة المدلول عليها بقوله: "ووصّى"، و "بها" يتعلّق بـ "وَصَّى" و "بينه" مفعول به. روي أنهم ثمانية: إسماعيل، واسم أمه هاجر القبطية، وإسحاق، وأسم أمه سارة وستة، واسم أمهم قنطورا بنت قطن الكنعانية تزوجها إبراهيم بعد وفاة سارة، فولدت له مدين ومداين ونهشان وزمران وتشيق وشيوخ، ثم توفي عليه الصلاة والسلام. وكان بين وفاته وبين مولد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نحو من ألفي سنةٍ وستمائة سنة، واليهود ينقصون ذلك نحواً من أربعمائة سنة. قوله: "وَيَعْقُوب" والجمهور على رفعة وفيه قولان: أظهرهما: أنه عطف على "إبراهيم"، ويكون مفعوله محذوفاً، أي: ووصى يعقوب بنيه أيضاً. والثاني: أن يكون مرفوعاً بالابتداء، وخبره محذوف تقديره: ويعقوب قال: يا بني إن الله اصطفى. وقرأ أسماعيل بن عبد الله، وعمرو بن فائد بنصبه عطفاً على "بنيه"، أي: ووصّى إبراهيم يعقوب أيضاً. [ولم ينقل أنّ يعقوب جده إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وإنما ولد بعد موته قاله الزمخشري، وعاش يعقوب مائة وسبعة وأربعين سنة، ومات بمصر، وأوصى أن يحمل إلى الأرض المقدسة ويدفن عند ابنه إسحاق، فحمله يوسف، ودفنه عنده]. قوله: "يَا بَنِي" فيه وجهان: أحدهما: أنه مقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وذلك على القول بعطف يعقوب على إبراهيم، أو على قراءته منصوباً. والثَّاني: أنه من مقول يعقوب إن قلنا رفعه بالابتداء، ويكون قد حذف مقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام للدلالة عليه تقديره: "ووصّى إبراهيم بنيه يا بني". وعلى كل تقدير فالجملة من قوله: "يا بني" وما بعدها منصوبة بقول محذوف على رأي البصريين، أي: فقال يا بني، وبفعل الوصية؛ لأنها في معنى القول على رأي الكوفيين، [قال النحاس: يا بنِي نداء مضاف، وهذه ياء النفس لا يجوز هنا إلا فتحها؛ لأنها لو سكنت لالتقى ساكنان، وبمعناه {أية : بِمُصْرِخِيَّ}تفسير : [إبراهيم:22] ونحوه]. وقال الراجز: [الرجز] شعر : 797ـ رَجْلاَنِ مِنْ ضَبَّةَ أَخْبَرَانَا إِنَّا رَأَيْنَا رَجُلاً عُرْيَانَا تفسير : بكسر الهمزة على إضمار القول، أو لإجراء الخبر مجرى القول، ويؤيد تعلّقها بالوصية قراءة ابن مسعود: "أن يا بني" بـ "أن" المفسرة ولا يجوز أن تكون هنا مصدرية لعدم ما يَنْسبك منه مصدر. قال الفراء: ألغيت "أن" لأن التوصية كالقول، وكل كلام رجع إلى القول جاز فيه دخول "أن" وجاز إلغائها، وقال النحويون: إنما أراد "أن" وألغيت ليس بشيء. ومَنْ أبَى جعلها مفسرة ـ وهم الكوفيون ـ يجعلونها زائدة. و "يعقوب" علم أعجمي ولذلك لا ينصرف، ومن زعم أنه سُمِّي يعقوب؛ لأنه وُلِد عقب العيص أخيه، وكانا توأمين، أو لأنه كثر عَقبهُ ونَسْلُه فقد وهم؛ لأنه كان ينبغي أن ينصرف، لأنه عربي مشتق. ويعقوب أيضاً ذَكَرُ الْحَجَل، إذا سمي به المذكر انصرف؛ والجمع يَعَاقِبَة وَيَعَاقِيب، و "اصْطَفَى" ألفه عن ياء تلك الياء منقلبة عن "واو"؛ لأنها من الصَّفْوة، ولما صارت الكلمة أربعة فصاعداً، قلبت ياء، ثم انقلبت ألفاً. اصْطَفَى: اختار. قال الراجز: [الرجز] شعر : 798ـ يا ابْنَ مُلُوكٍ وَرَّثُوا الأمْلاَكَا خِلآفةَ اللهِ الَّتِي أَعْطَاكَا لَكَ اصْطَفَاهَا وَلَهَا اصْطَفَاكَا تفسير : والدين: الإسلام. و "لكم" أي لأجلكم، والألف واللام في "الدين" للعهد؛ لأنهم كانوا عرفوه. قوله: {فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ} هذا في الصورة عن الموت، وهو في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإسلام إذا ماتوا كقولك: "لا تصلّ إلا وأنت خاشع"، فنهيك له ليس عن الصلاة، إنما هو عن ترك الخشوع في حال صلاته، والنُّكْتة في إدخال حرف النهي على الصلاة، وهي غير مَنْهِي عنها هي إظهارُ أَنَّ الصلاة التي لا خشوع فيها كَلاَ صلاة، كأنه قال: أنهاك عنها إذا لم تُصَلِّها على هذه الحالة، وكذلك المعنى في الآية الكريمة إظهار أن موتهم لا على حال الثبات على الإسلام موت لا خير فيه، وأن حقّ هذا الموت ألا يجعل فيهم. [وعن الفضيل بن عياض أنه قال: "إلا وأنتم مسلمون"، أي: مسلمون الظن، أي محسنون الظن بربكم، وروي عن جابر قال: "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: لا يموتن أحد إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى"تفسير : ]. وأصل تموتُن: تَمُوتُوننَّ: النون الأولى علامة الرفع، والثانية المشددة للتوكيد، فاجتمع ثلاثة أمثال فحذفت نون الرفع؛ لأن نون التوكيد أولى بالبقاء لدلالتها على معنى مستقلّ، فالتقى ساكنان: الواو والنون الأولى المدغمة، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة تدلّ عليها، وهكذا كل ما جاء في نظائره. قوله: {إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} هذا استثناء مفرغ من الأحوال العامة، و "أنتم مسلمون" مبتدأ وخبر في محلّ نصب على الحال، كأنه قال تعالى: "لا تموتنّ على كل حال إلا على هذه الحال"، والعامل فيها ما قبل إلا.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي داود في المصاحف عن أسد بن يزيد قال‏:‏ في مصحف عثمان ‏ {‏ووصَّى‏}‏ بغير ألف‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ووصى بها إبراهيم بنيه‏}‏ قال‏:‏ وصاهم بالإِسلام، ووصى يعقوب بنيه مثل ذلك‏.‏ وأخرج الثعلبي عن فضيل بن عياض في قوله ‏ {‏فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون‏} ‏ أي محسنون بربكم الظن‏.‏ وأخرج ابن سعد عن الكلبي قال‏:‏ ولد لإِبراهيم اسمعيل وهو أكبر ولده وأمه هاجر وهي قبطية، وإسحق وأمه سارة، ومدن ومدين، وبيشان وزمران، وأشبق وشوح وأمهم قنطوراء من العرب العاربة، فأما بيشان فلحق بنوه بمكة وأقام مدين بأرض مدين فسميت به، ومضى سائرهم في البلاد وقالوا لإِبراهيم‏:‏ يا أبانا أنزلت إسمعيل وإسحق معك وأمرتنا أن ننزل أرض الغربة والوحشة‏؟‏ قال‏:‏ بذلك أمرت‏.‏ فعلمهم اسماً من أسماء الله، فكانوا يستسقون به ويستنصرون‏.‏

التستري

تفسير : {يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}[132]. وإنما تعبد الله الخلق على حسب طاقاتهن، والذين قيل لهم: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}تفسير : [آل عمران:102] طولبوا بالتقوى على حسب معرفتهم بالله، فكان معنى ذلك، أي اتقوا الله حق تقاته ما قدرتم عليه، لا أنه رخص في ترك التقوى بتلك الآية: {أية : وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}تفسير : [آل عمران:102] أي مسلمون لأمر الله بكل حال مفوضون إليه، والآخرون ردوا إلى الاجتهاد، فافهم الفرق بين الاثنين في الخطاب، إذا كان اللفظ متفقاً والمعنى مختلفاً خاص وعام. قال أبو بكر: ثم قال سهل: لو دعا المتقون على المسرفين لهلك الأولون والآخرون منهم، ولكن الله جعل المتقين رحمة للظالمين ليستنقذهم بهم، فإنّ أكرم الخلق على الله عزَّ وجلَّ المتقون كما قال الله: {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ}تفسير : [الحجرات:13] فمن أراد كرامة الله عزَّ وجلَّ فليتَّقِه، فإنه ينال بالتقوى كرامته، والدخول إلى جنته، ويسكن في جواره، ويفوز فوزاً عظيماً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أصلح سريرته أصلح الله علانيته ومن اتقى الله في سره قربه وأدناه ".

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} [الآية: 132]. قيل أوصاهم بالمجاوبة إلى الاستسلام الذى أمر به فصح من إبراهيم صلى الله عليه وسلم فكما ابتلى بذبح ابنه لم ينظر إليه، لأنه كان أسلم وصحَّ له التسليم فمضى فيه من غير نظر إلى الولد حتى فُدِىَ، ولما لم يصحَّ ليعقوب عليه السلام ما صح للخليل رجع إلى جِدّ الجزع حين فقد ابنه وقال يا أسفى على يوسف.

القشيري

تفسير : أخبر أن إبراهيم عليه السلام وصَّى بنيه، وكذلك يعقوب عليه السلام قال لبنيه لا يصيبنكم الموت إلا وأنتم بوصف الإسلام. فشرائعهم - وإن اختلفت في الأفعال - فالأصل واحد، ومشرب التوحيد لا ثاني - له في التقسيم - وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ} بِشارة بما تقوي به دواعيهم على الرغبة فيما يكلفهم من الإسلام، لأنهم إذا تحققوا أن الله سبحانه اصطفى لهم ذلك علموا أنه لا محالة يعينهم فيسهل عليهم القيام بحق الإسلام.

البقلي

تفسير : {وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} وصاهم بقطع العلائق ولعوائق والتعرض لنفخات الصفات والعذوبة في المناجاة والانقايد لمراد الحق والشفقة على الخلق ومقامه النفس والمصادقة لله مع الاخوان فيه والانصاف معهم وترك معارضتهما احدا واخذ الانصاف منهم وقيل اوصاهم بالمحاربة الى الاستسلام الذي امر به فصح من ابراهيم التسيلم فلما ابتلى بذبح ابنه لم ينظر اليه لانه كان اسْلم وصح له التسلم فمضوفيه من غير نظر الى الولد حتى فدى والما لم يصح ليقعوب من التسليم ما صحّ للخليل رجع الى حد الجزع حين فقد ابنه فقال يا اسفى على يوسف لكنى اعتذر ليعقوب صلوت الله عليه في هذه المسئلة وهوانه يرى في حسن يوسف جمال الحق وقد عشق ومع ذاك في اوّل العشق وقد بقى في محل الالتباس والخليل صلوات الله عليه قد انفرد بحب الحق للحق وهذا نهاية مقام العشق لانه في محل التمكن وابنه يعقوب في محل التلوين فَلاَجُلِ ذلك قال يا اسفى على يوسف قوله {صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً} صبغة الخاصية التي خلق أدم على تلك الصفة وذلك قوله تعالى وخلقت بيدى وقال صدر لاصوفية ورئيس البرية صلى الله عليه وسلم خلق أدم على صورته وهذا صنع الظاهر التي البَسَها صورة أدم وامّا صبغ الباطن هو الذى كسا الله تعالى قلب أدم لهذا سجدت الملائكة بين يديه ووارث الله تلك الصفتين اللتين خص بها أم ارواح ذريته من الانبياء والاولياء وذلك اذ خلق الله تعالى الارواح فحشرها في سرادق حضرته وكشف لها عن وجهه حجِابَ العزّ واراها جماله وكماله والُهَهَا خصائص علوم الربويّة ونوّرها بانوار الوصيلة وكساها الباسَ الفردانية وجلّلها برداء الكبرياء وسَقَاها من شراب الزلفة بكاس المنة وطابت بوجه وطارت في ملكوته وعشقت بجمال جبروته فاكتسب سناء المحبّة واستَنارَتْ بنور المعرفة وخاضت في بحر الربوبية وخرجت منها على اسرار الوحدانية وتلونت بصبغ الصفات وانصبغت بصبغ نور الذات فهذا حقيقة صبغ الله تعالى الذى ذكر في كتابه ولذلك قال ولقد كرمنا ابنى أدم قوله {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ} صرّفهم بمكر القدم في رؤية حيل الفعل مقرونة بالارادة عن مشاهدة الامر في الامر وانقيادهم بخط التسليم عند كون الامتحان تظهر اسباب علما لقدم وما سبق من علمه في تماديهم بنعت الكفر في ميادين الصلال وقيل بين الخطاب على مقادير العقول الا ترى كيف بين علته في اخر الاية ما انت بتابع قبلتهم احكاما منه في صنعه وما جرى من ضبطه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ووصى} لما كمل ابراهيم عليه السلام فى نفسه كمل غيره بالتوصية وهو تقديم ما فيه خير وصلاح من قول او فعل الى الغير على وجه التفضل والاحسان سواء كان امرا دينيا او دنيويا {بها} اى بالملة المذكورة فى قوله تعالى {أية : ومن يرغب عن ملة إبراهيم} تفسير : [البقرة: 130]. {إبراهيم بنيه} اى اولاده الذكور الثمانية عند البعض اسماعيل وامه هاجر القبطية واسحق وامه سارة وستة امهم قنطورا بنت يقطن الكنعانية تزوجها ابراهيم بعد وفاة سارة وهم مدين ومداين وزمران ويقشان ويشبق ونوح {ويعقوب} رفع عطف على ابراهيم اى وصى يعقوب ايضا وهو ابن اسحق بن ابراهيم بنيه الاثنى عشر روميل وشمعون ولاوى ويهودا ويستسوخور وزبولون وزوانا ونفتونا وكوزا واوشير وبنيامين ويوسف. وسمى يعقوب لانه مع اخيه عيصو كانا توأمين فتقدم عيصو فى الخروج من بطن امه وخرج يعقوب على اثره آخذا بعقبه وذلك ان ام يعقوب حملت فى بطن واحد بولدين توأمين فلما تكامل عدة اشهر الحمل وجاء وقت الوضع تكلما فى بطنها وهى تسمع فقال احدهما للآخر طرق لى حتى اخرج قبلك وقال الآخر لئن خرجت قبلى لاشقن بطنها حتى اخرج من خصرها فقال الآخر اخرج قبلى ولا تقتل امى قال فخرج الاول فسمته عيصو لانه عصاها فى بطنها وخرج الثانى وقد امسك بعقبه فسمته يعقوب فنشأ عيصو بالغلظة والفظاظة صاحب صيد وقنص ويعقوب بالرحمة اللين صاحب زرع وماشية. وروى انهما ماتا فى يوم واحد ودفنا فى قبر واحد قيل عاش يعقوب مائة وسبعا واربعين سنة ومات بمصر واوصى ان يحمل الى الارض المقدسة ويدفن عند ابيه اسحق فحمله يوسف فدفنه عنده {يا بنى} على اضمار القول عند البصريين تقديره وصى وقال يا بنى وذلك لان يا بنى جملة والجملة لا تقع مفعولا الا لافعال القلوب او فعل القول عندهم {إن الله اصطفى لكم الدين} اى دين الاسلام الذى هو صفوة الاديان ولا دين عنده غيره {فلا تموتن} اى لا يصادفكم الموت {إلا وأنتم مسلمون} اى مخلصون بالتوحيد محسنون بربكم الظن وهذا نهى عن الموت فى الظاهر وفى الحقيقة عن ترك الاسلام لان الموت ليس فى ايديهم وذلك حين دخل يعقوب مصر فرأى اهلها يعبدون الاصنام فاوصى بنيه بان يثبتوا على الاسلام فان موتهم لا على حال الثبات على الاسلام موت لا خير فيه وانه ليس بموت السعداء وان من حق هذا الموت ان لا يحل فيهم وتخصيص الابناء بهذه الوصية مع انه معلوم من حال ابراهيم انه كان يدعو الكل ابدا الى الاسلام والدين وللدلالة على ان امر الاسلام اولى الامور بالاهتمام حيث وصى به اقرب الناس اليه واحراهم بالشفقة والمحبة وارادة الخير مع ان صلاح ابنائه سبب لصلاح العامة لان المتبوع اذا صلح فى جميع احواله صلح التابع. روى انه لما نزل قوله تعالى {أية : وأنذر عشيرتك الأقربين} تفسير : [الشعراء: 214]. جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم اقاربه وانذرهم فقال "حديث : يا بنى كعب بن لوى انقذوا انفسكم من النار يا بنى مرة بن كعب انقذوا انفسكم من النار يا بنى عبد شمس انقذوا انفسكم من النار يا بنى هاشم انقذوا انفسكم من النار يا بنى عبد المطلب انقذوا انفسكم من النار يا فاطمة انقذى نفسك من النار فانى لا املك لكم من الله شيأbr>". تفسير : يعنى لا اقدر على دفع مكروه عنكم فى الآخرة ان اراد الله ان يعذبكم وانما اشفع لمن اذن الله لى فيه وانما يأذن لى اذا لم يرد تعذيبه انما قال عليه السلام فى حقهم هكذا لترغيبهم فى الايمان والعمل لئلا يعتمدوا على قرابته ويتهاونوا ولا بد من الوصية والتحذير فىباب الدين لان الانسان اذا انس باهل الشر يخاف ان يتخلق باخلاقهم ويعمل عملهم فيجره ذلك الهوى الى الهاوية كما قيل شعر : نفس از همنفس بكيرد خوى بر حذر باش از لقاى خبيث باد جون برفضاى بد كذرد بوى بد كيرد از هواى خبيث تفسير : وكتب ابو عبيد الصورى الى بعض اخوانه اما بعد فانك قد اصبحت تأمل الدنيا بطول عمرك وتتمنى على الله الامانى بسوء فعلك وانما تضرب حديدا باردا والسلام وحسن الظن بالله تعالى انما يعتبر بعد اصلاح الحال بالاخلاق والاعمال. قال الحسن ان قوما ألهتهم الامانى حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة يقول احدهم انى احسن الظن بربى وكذب لو احسن الظن لاحسن العمل وتلا قوله تعالى {أية : وذلكم ظنكم} تفسير : [فصلت: 23] الآية. اللهم وفقنا للعلم والعمل قبل الاجل.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ أهل المدينة، وابن عامر "واوصى" بهمزة مفتوحة بين الواوين، وتخفيف الصاد. الباقون ووصى مشددة الصاد. ومن قرأ وصى ذهب إلى قوله: {أية : فلا يستطيعون توصية}تفسير : ومصدر وصى مثل قطع تقطعة ولم يجيئوا به على تفعيل كراهية اجتماع الياءات مع الكسرة. ومن قرأ أوصى فلقوله: {أية : من بعد وصية يوصي بها} تفسير : وكلاهما جيدان. اللغة: والوصية مأخوذة من قولهم: اوصى النبت: اذا اتصل بعضه ببعض فلما أوصل الموصي جل أمره إلى الموصى إليه، قيل: وصية. ووصى وأوصى وأمر وعهد نظائر في اللغة. وضد أوصى أهمل. والوصاة كالوصية، والوصاية مصدر التوصي. والفعل أوصيت إيصاء ووصيت توصية، في المبالغة، والكثرة وتقول: قد قبل الوصاية. وإذا انطاع المرعى للسائمة فاصابته رواعد، قبل وصى لها الرعي يصي وصيا. ووصيا. وأصل الباب: الوصية وهي الدعاء إلى الطاعة. المعنى: والهاء في قوله: {ووصى بها} يحتمل ان تعود إلى احد شيئين: احدهما إلى الملة. وقد تقدم ذكرها في قوله: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم}. والثاني ـ ان يعود إلى الكلمة في قوله: {أسلمت لرب العالمين}. والاول أقوى، لانه مذكور في اللفظ. وهو قول الزجاج. واكثر المفسرين. والثاني حكاه البلخي وبعض اهل اللغة. وارتفع يعقوب، لانه معطوف على ابراهيم. والمعنى ووصى بها يعقوب. وبه قال ابن عباس وقتادة. وقال بعضهم: إنه على الاستئناف كأنه قال: ووصى يعقوب أن {يا بني إن الله اصطفى لكم الدين} والاول اظهر لأن عليه اكثر المفسرين. "والألف واللام". في الدين للعهد دون الاستغراق، لانه إنما اراد بذلك دين الاسلام دون غيره من الأديان. وانما أسقطت (أن) في {وصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب} أن {يا بني} واثبت في {أية : إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه أن أنذر}،تفسير : لأن اوصى في الآية بمعنى القول، فجعل بمنزلة قولك الا تقديره تقدير القول، فيجوز حينئذ إلحاق أن. كما قال: {إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه أن أنذر} ومثله {أية : وآخر دعواهم أن الحمد لله}تفسير : وقوله: {أية : فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله}تفسير : وكل هذا الباب يجوز فيه الوجهان: بان تقدّره تقدير القول، ليكمل به تقدير الفعل الذي ليس بقول. واما قوله: {أية : أن كان ذا مال وبنين} تفسير : فلا يجوز إسقاطها في مثله من الكلام، لانه ليس فيه معنى الحكاية، والقول كما في الدعوى، والارسال. واما قوله: {أية : والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم}تفسير : فلا يجوز في مثله إثبات، لانه يضمر معه القول، ولا يجوز معه التصريح بالقول، ولا مع اضمار أن لأنه حكاية كما تقول: قلت له: زيد في الدار، ولا يجوز قلت له: أن زيداً في الدار وانشد الكسائي: شعر : إني سأبدى لك فيما ابدي لي شجنان: شجن بنجد وشجن لي ببلاد الهند تفسير : لأن الابداء قول. ومنه قوله: {أية : وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة}،تفسير : لأن العدة قول. فان قيل: كيف قال: "لا تموتن" على وجه النهي لهم عن الموت، والموت ليس في مقدورهم، فيصح أن ينهوا عنه؟ قلنا: اللفظ وإن كان على لفظ النهي. فما نهوا عن الموت، وانما نهوا في الحقيقة عن ترك الاسلام: لئلا يصاد فهم الموت عليه، وتقديره لا تتعرضوا للموت على ترك الاسلام بفعل الكفر، ومثله من كلام العرب لا رأيتكّ ها هنا، فالنهي في اللفظ للمتكلم، وإنما هو في الحقيقة للمخاطب، فكأنه قال: لا تتعرض لأن اراك بكونك ها هنا. ومثله لا يصادفنك الامام على ما يكره، وتقديره: لا تتعرض لأن يصادفك على ما يكره. ومثله لا يكوننّ زيد إلا عندك تقديره: لا تتعرض لأن يكون زيد ليس عندك: بالتفريط في ذلك، والاهمال له والأصل في هذا أن التعريض لوقوع الشيء بمنزلة ايقاع الشيء. وقوله: {وأنتم مسلمون} جملة في موضع الحال. وتقديره: لا تموتن إلا مسلمين.

اطفيش

تفسير : {وأوْصَى}: بالهمزة بعدها واو ساكنة عند نافع وابن عامر، وكذا هى فى مصاحف الحجاز، والشام، وقرأ الباقون (وصى) بدون الهمزة وبفتح الواو وتشديد الصاد، والمعنى واحد، لأنهُ إن قلنا ثلاثى هذه المادة لازم فالتشديد للتعدية لا للمبالغة والتأكيد، كما أن الهمزة للتعدية، وإن قلنا إنهُ متعد فالهمزة للتأكيد والمبالغة، والتشديد كذلك، فليس كما قيل إنّ أوصى بالهمزة لا يصدق إلا بمرة ووصى بالتشديد يصدق بمرار كثيرة. {بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ}: الضمير فى قوله: {بها} عائد إلى الملة فى قوله جل وعلا: {أية : ومَنْ يَرْغبُ عَنْ ملَّة إِبراهِيم}،تفسير : أو إلى الكلمة هى قوله: {أية : أسلمت لرب العالَمِينَ}،تفسير : أو إلى الجملة وهى أيضاً قوله: {أية : أسْلمتُ لربِّ العالمين}،تفسير : ويرجح هذا بقربه ويكون (وصَّى) معطوف على قال، أى قال ذلك فى حق نفسه، وأوصى بنيه أن يذكروها حكاية عن أنفسهم، ويرجح الأول بكونه ظاهر التأنيث، خاليا على التأويل، وتفسير بعضهم الضمير بلا إله إلا الله، وبعضهم بالسنة الحنفية تفسير معنى لا صناعة، ويجوز عود الضمير إلى الآخرة من قوله: {أية : وإنه فى الآخرة لَمِنَ الصالحين}، تفسير : ويجوز عوده إلى الحكمة من قوله: {أية : ويعلمهم الكِتَابَ والحكمة}تفسير : ، ويجوز عوده إلى الآيات من قوله: {أية : يتْلُوا عَلَيهم آياتِك}تفسير : ، إما على طريق الاستخدام على أن الآيات أو الحكمة التى أوصى بها بنيه غير التى فى قوله: {يتْلُوا عليهم..} إلخ وإما بدون استخدام، على معنى أنه أوصى بنيه بالمحافظة على آيات ذلك الرسول أو حكمته إن أدركوه ويوصون بها إن لم يدركوه، على أنه علم أن الله أجاب له دعاءه. ويجوز عود الضمير للمناسك فى قوله: {أية : وأرنَا مَنَاسِكنا}، تفسير : ويجوز عوده إلى الأمة المسلمة من قوله: {أية : ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} تفسير : وبنو إبراهيم ثمانية: إسماعيل من هاجر القبطية، وإسحاق من سارة، ومدين ومدان، ويقنان وزمران، وياشق وشوخ من قطور بنت بقطن الكنعانية، تزوجها بعد وفاة سارة، ولم يذكر بعضهم إلا مدين ومدان وإسماعيل وإسحاق أربعة، وقيل هم أربعة عشر، الثمانية المذكورة، ومادى وشرجح ونافس ويكشان وأميم ولوط، وإنما قال: {أوْصَى بها إبْراهِيم بنيه} ولم يقل أمر بها بنيه، لأن لفظ الوصية أوكد، لأن الوصية تكون عند خوف الموت، وهو أحوط ما يكون الإنسان على نفسه فى شأن ولده، وعند الأمر الشديد، ولأن الإيصاء هو التقدم إلى الغير بفعل فيه صلاح وقربة، ولأن أصله الوصل، يقال وصاه إذا وصله وقصاه إذا فصله، كأن الموصى (بكسر الصاد) يصل فعله بفعل الموصى (بفتحها) فيكون قبول الوصية أقرب من قبول الأمر، وخص بنيه لاجتماع حق الإسلام وحق القرابة فيهم، ولأنهم أئمة يقتدى بهم، والشفقة على الولد أكثر. {ويَعْقُوبُ}: عطف على إبراهيم والمعطوف على بنيه محذوف، أى وأوصى بها إبراهيم بنيه، ويعقوب بنيه، أو يعقوب مبتدأ وخبره محذوف أى ويعقوب كذلك، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف تقديره ويعقوب، قال: {يا بنى إن الله اصطفى..} إلخ وقرئ يعقوب بالنصب على بنيه، فيكون ممن أوصاه إبراهيم وعلى الوجهين الأولين، يكون يعقوب موصياً كما أوصى إبراهيم أولاده، وعلى الوجه الثالث يكون قائلا لهم: {يا بنى إن الله اصطفى لكم..} إلخ وهذا فى معنى الوصية، وبنو يعقوب اثنى عشر: روبيل ويقال روبين بالنون، وشمعون ولاوى ويهودا وزبالون ويشحر ودان وتفتال وجاد وأشر ويوسف وبنيامين، وتأتى إن شاء الله فى سورة يوسف، والألفاظ العجمية تختلف فيها الروايات، ولكثرة ولده سمى يعقوب إذ الولد يسمى عقبا، لأنه يعقب أباه، وحفظت أنهُ سمى يعقوب أنه اجتمع هو وأخوه العيص فى بطن واحد فلما كان وقت الخروج قال له العيص: تأخر أخرج قبلك وإلا خرقت بطن أمى وخرجت، وسمى العيص بمعنى التعصب أو مقلوب من العصيان، وخرج يعقوب بعده، وسمى يعقوب لأنه خرج عقبه، وقيل لأنهُ أخذ بعقب العيص. {يا بَنىَّ إنَّ الله اصْطفى لكُم الدِّين فَلا تَموتُنَّ إلا وأنتُم مسْلمُونَ}: هذا كلام يعقوب كما مر أن الأصل ويعقوب قال: {يا بنى إن الله اصطفى..} إلخ فهو مقول لقول محذوف، وإذا عطفنا يعقوب على إبراهيم، أو قدرنا ويعقوب كذلك، كان هذا من كلامهما وكان محكيا بقوله: {أوصى} لتضمنه معنى قال وزيادة أعنى أن معناه قول، وكون المقول مما يهتم به، فإذا كان فيه معنى القول جازت الحكاية به، هذا قول الكوفيين كما حكى بأخبر فى قوله: شعر : رجلان من مكة أخبرانا إنا رأينا رجلا عريانا تفسير : بكسر همزة إن فى الحكاية بأخبر كما تكسر بعد: شعر : رجلان من مكة قالا إنا رأينا رجلا عريانا تفسير : وروى بالفتح، على تقدير أخبرانا بإنا رأينا، ويروى من ضبة ورجلان مخفف رجلان بضم الجيم، وقال البصريون ذلك مقول لقول محذوف دل عليهِ أوصى أى (قالا يا بنى.. إلخ) وذلك أن كل واحد (قال لبنيه يا بنى... إلخ) وهكذا كما وردت جملة مقولة بعد ما فيه معنى القول دون حروفه، البصريون يقدرون قولا، والكوفيون يحكونها بما فيه معنى القول. قال ابن هشام: تحكى الجملة بالقول أو مرادفه، والمرادف نوعان ما فيه حرف تفسير كقوله: شعر : وترمينى بالطرف أى أنت مذنب تفسير : وقولك كتبت إليه أن أفعل إذا لم تقدر الباء، والجملة فى هذا النوع مفسرة للفعل فلا موضع لها، وما ليس معه حرف تفسير نحو: {وأوصى بها إبْراهِيمُ بَنِيه ويعقُوب يا بنى إنَّ الله اصطَفى لَكُم الدين}، ونحو: {أية : ونادَى نُوحٌ ابنَهُ وكانَ فى مَعْزلٍ يا بُنىَّ ارْكَب مَعَنا}،تفسير : وقراءة بعضهم: {أية : فدعا ربه إنّى مغْلوبٌ} تفسير : بكسر الهمزة وقوله: شعر : رجلان من مكة أخبرانا إنا رأينا رجلا عريانا تفسير : روى بكسر إن، فهذه الجملة فى محل نصب اتفاقا، ثم قال البصريون النصب بقول مقدر، وقال الكوفيون: بالفعل المذكور، ويشهد البصريين التصريح بالقول فى نحو: {أية : ونادَى نُوحٌ ربَّه فقالَ ربِّ إنَّ ابْنِى من أَهلِى}، {أية : إذْ نَادى ربّه نداءً خفيا قال ربِّ إنِّى وَهَن العَظْم منِّى} تفسير : انتهى كلام ابن هشام بتصرف، وإذا نصب يعقوب عطفا على بنيه كان هذا من كلام إبراهيم محكيا بأوصى، أو يقول محذوف، والمراد بالدين دين الإسلام، أى اختاره لكم، ويجوز أن يراد الجنس أى اختاروا لكم صفوة الأديان، وتلك الصفوة غير مذكورة، وهى دين الإسلام، لكن أشار إليها بقوله: {فَلا تموتُنَّ إلا وأنتم مسْلمونَ} وظاهره النهى أن يموتوا غير مسلمين، وليس ذلك بمراد، لأن الموت ليس باختيارهم، بل المراد النهى عن أن يكونوا حال الموت غير مسلمين، والأمر بالثبات على الإسلام حتى يموتوا، وهذا كقولك: لا تصلّ إلا وأنت خاشع، لست تريد ظاهره من أنه إذا لم يكن خاشعاً فليترك الصلاة، بل تريد نهيه عن ترك الخشوع فى الصلاة، وكقولك لا أريتك ها هنا، فإن ظاهره نهى المتكلم نفسه أن يرى مخاطبه هناك، وليس مراد بل المراد نهيه عن الحضور هناك المستلزم، لأن يراه، ونكتة العدول عن مثل قولك دوموا على الإسلام ولا تكونوا حال الموت إلا عليه إلى قوله: {ولا تموتُنَّ إلاَّ وأنتم مُسْلِمونَ} إظهار أن موتهم على غير الإسلام موت غير محدود، إذ كان موت شقاوة، وأن من حق هذا الموت ألا يحل فيهم، ونظير ذلك فى الأمر: مت وأنت شهيد. لست تريد أمره بالموت، بل أمره بأن يكون على صفة الشهداء إذا مات، ومعنى قوله: {مسلمون} مؤمنون عاملون الفرائض مخلصون فيها، فالإسلام هنا بمعنى القول والعمل، وقيل معناه محسنون فى الظن بالله، كما روى البخارى ومسلم عن جابر بن عبدالله حديث : سمعت رسول اله، صلى الله عليه وسلم، قبل موته بثلاثة أيام يقول: "لا يموتَنَّ أحدكم إلا وهو محسن الظن بالله"،تفسير : والآية تتضمن التذكير بالموت بأن المرء يتحقق أنه يموت، ولا يدرى متى يموت، فلزمته المبادرة إلى ما أمر به لئلا يأتيه الموت، وهو على خلافه. وجملة أنتم مسلمون حال، والواو قبلها للحال، وروى أن اليهود ـ قبحهم الله ـ قالوا لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، ألست تعلم أن يعقوب أوصى بنيه باليهودية يوم مات، فنزل قوله تعالى: {أم كُنتم..}

اطفيش

تفسير : {وَوَصَّى بِهَآ} بالملة، أى باتباعها لصراحة ذكرها، وأصل الإيصاء التقدم إلى أحد بخير، والوصل، يقال وصاه إذا وصله، وقصاه إذا قطعه وإظهار إبراهيم، مع أن عطف أوصى على ما قال له ربه يقتضى الضمير، أو بكلمة، أسلمت لرب العالمين، لقوله، وجعلها كلمة باقية، فإنه أنسب، ولا سيما إن رجعنا الضمير إلى قوله إنا برءاء منكم، بتأويل الكلمة، ولقربه، ولو كان فيه تأويل، وفيه، أنه لو رجع الضمير لكلمة أسلمت لقال أسلمت لرب العالمين، وأوصى بها بنيه ويعقوب {إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ} ثمانية أو أربعة عشر، إسماعيل، وهو أولهم، وأمه هاجر، بفتح الجيم القبطية، وإسحق، وأمه سارة، وأم الباقين قنطوراء بنت يقطن الكنعانية، تزوجها بعد وفاة سارة: مدين ومدائن، وزمران، ولنشان، ولبشق، وشوخ، زاد بعض روم {وَيَعْقُوبُ} بنيه، كما أوصيا غير بينهما، أو خصهم للشفقة، ولأن صلاحهم صلاح لغيرهم، قال كل منهما لبنيه {يَٰبَنِيَّ} الخ، أو قال إبراهيم، لأنه أشد عمدة، ولذكر بنيه، أو يحكى بأوصى، لأنه بمعنى قال، أو المقدر، ويعقوب، قال: يا بنيَّ {إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَّكُمُ الدِّينَ} الكامل المعهود، دين الإسلام الذى جاء به إبراهيم {فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ} راسخون فيه، أى دوموا عليه حتى إذا جاءكم الموت وافاكم عليه متصفين به، وأما الموت نفسه فليس بأيديهم، وأولاد يعقوب: روبين، بضم الراء وكسر الباء الموحدة، بعدها مثناة فنون، ويروى باللام بدل النون. وشمعون بكسر الشين. وبشوخور، ولاوى، ويروى ليوى. ويهوذا، وزبولون بفتح الزاى. وزوانى بفتح الزاى والنون، ويروى تقتالى بفتح التاء واللام، ويروى نفتلى بفتح النون والتاء وكسر الللام، ويروى بتيون بدله. وإساخر بكسر الهمزة وشد السين وفتح الخاء، ويروى بالياء المثناة بدل الهمزة بذلك الضبط، وكاد، ويروى كوذى، ويروى بإهمال الدال. وأشر كناصر، ويروى أوشير. وبنيامين بكسر الباء، ويوسف، وأكبرهم سنا وربين، وأصغرهم سنّاً يوسف، وأكبرهم رأياً شمعون. وقيل يهوذا، أو النبوة فى أولاد لاوى، والملك فى أولاد يهوذا.

الالوسي

تفسير : / {وَوَصَّىٰ إِبْرٰهِيمُ بَنِيهِ} مدح له عليه السلام بتكميله غيره إثر مدحه بكماله في نفسه، وفيه توكيد لوجود الرغبة في ملته، والتوصية التقدم إلى الغير بفعل فيه صلاح وقربة سواء كان حالة الاحتضار أو لا وسواء كان ذلك التقدم بالقول أو الدلالة وإن كان الشائع في العرف استعمالها في القول المخصوص حالة الاحتضار وأصلها الوصل من قولهم أرض واصية أي متصلة النبات، ويقال: وصاه إذا وصله، وفصاه إذا فصله كأن الموصي يصل فعله بفعل الوصي، والضمير في {بِهَا} إما للملة أو لقوله {أية : أَسْلَمْتُ } تفسير : [البقرة: 131] على تأويل الكلمة أو الجملة، ويرجح الأول كون المرجع مذكوراً صريحاً وكذا ترك المضمر إلى المظهر، وعطف (يعقوب) عليه فإن ذلك يدل على أنه شروع في كلام آخر لبيان تواصي الأنبياء باستمساك الدين الحق الجامع لجميع أحكام الأصول والفروع ليتوارثوا الملة القويمة والشرع المستقيم نسلاً بعد نسل، وذكر يعقوبُ الدينَ في توصيته لبنيه ـ وهو والملة ـ أخوان ولو كان الضمير للثاني لكان الإسلام بدله، ويؤيد الثاني كون الموصى به مطابقاً في اللفظ لـ {أية : أَسْلَمْتُ }تفسير : [البقرة: 131] وقرب المعطوف عليه لأنه حينئذٍ يكون معطوفاً على {قَالَ أَسْلَمْتُ} أي ما اكتفى بالامتثال بل ضم توصية بنيه بالإسلام بخلاف التقدير الأول فإنه معطوف على ـ {أية : مِنْ يَرْغَبُ } تفسير : ـ [البقرة: 130] لأنه كما أشرنا إليه في معنى النفي، وخص البنين لأنه عليهم أشفق وهم بقبول وصيته أجدر ولأن النفع بهم أكثر، وقرأ نافع وابن عامر (أوصى) ولا دلالة فيها على التكثير كالأولى الدالة عليه لصيغة التفعيل. {وَيَعْقُوبَ} عطف على (إبراهيم)، ورفعه على الابتداء وحذف الخبر أي ـ يعقوب ـ كذلك، والجملة معطوفة على الجملة الفعلية، وجعله فاعلاً ـ لوصى ـ مضمراً بعيد، وقرىء بالنصب فيكون عطفاً على {بَنِيهِ} والمراد بهم أبناء الصلب وهو عليه الصلاة والسلام كان نافلة، وإنما سمي يعقوب لأنه وعيصا ـ كانا توأمين ـ فتقدم عيص، وخرج يعقوب على أثره آخذاً بعقبه كذا روي عن ابن عباس ولا أظن صحته. {يٰبَنِى} على إضمار القول عند البصريين، ويقدر بصيغة الإفراد على تقدير نصب يعقوب أي قال، أو قائلاً. وبصيغة التثنية على تقدير الرفع؛ ووقوع الجملة بعد القول مشروط بأن يكون المقصود مجرد الحكاية، والكلام المحكي مشترك بين إبراهيم ويعقوب، وإن كان المخاطبون في الحالين متغايرين، وذهب الكوفيون إلى عدم الإضمار لأن التوصية لاشتمالها على معنى القول بل هي القول المخصوص كان حكمها حكمه. فيجوز وقوع الجملة في حيز مفعولها، وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: (أن يا بني) ولا حاجة حينئذٍ إلى تقدير القول عند البصريين بل لا يجوز ذلك عندهم على ما يشير إليه كلام بعض المحققين، وبنو إبراهيم على ما في «الإتقان» اثنا عشر وهم: إسمٰعيل وإسحٰق ومدين وزمزان وسرح ونقش ونقشان وأميم وكيسان وسورج ولوطان ونافس وبنو يعقوب أيضاً كذلك وهم: يوسف وروبيل وشمعون ولاوى ويهوذا وداني وتفتاني وكاد واسبر وإيساجر ورايكون وبنيامين. {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدّينَ} أي جعل لكم الدين الذي هو صفوة الأديان بأن شرعه لكم ووفقكم للأخذ به، والمراد به دين الإسلام الذي به الإخلاص لله تعالى والانقياد له، وليس المراد ما يتراءى من أن الله تعالى جعله صفوة الأديان لكم لأن هذا الدين صفوة في نفسه لا اختصاص له بأحد، وليس عند الله تعالى غيره، ومن هنا يعلم أن الإسلام يطلق على غير ديننا لكن العرف خصصه به، وزعم بعضهم عدم الإطلاق وألف في ذلك رسالة تكلف بها غاية التكلف. {فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} نهي عن الاتصاف بخلاف حال الإسلام وقت الموت، والمفهوم/ من الآية ظاهراً النهي عن الموت على خلاف تلك الحال، وليس بمقصود لأنه غير مقدور وإنما المقدور قيده فيعود النهي إليه كما سمعت لما أن الامتناع عن الاتصاف بتلك الحال يستتبع الامتناع عن الموت في تلك الحال فأما أن يقال استعمل اللفظ الموضوع للأول في الثاني فيكون مجازاً، أو يقال استعمل اللفظ في معناه لينتقل منه إلى ملزومه فيكون كناية، وقال الفاضل اليمني: إن هذا كناية بنفي الذات عن نفي الحال على عكس ما قيل في قوله تعالى: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ }تفسير : [البقرة: 28] من أنه كناية بنفي الحال عن نفي الذات، وفيه أن نفي الذات إنما يصير كناية عن نفي جميع الصفات لا عن صفة معينة فافهم. والمراد من الأمر الذي يشير إليه ذلك النهي الثبات على الإسلام لأنه اللازم له، والمقصود من التوصية، ولأن أصل الإسلام كان حاصلاً لهم، وإنما أدخل حرف النفي على الفعل مع أنه ليس منهياً عنه للدلالة على أن موتهم لا على الإسلام موت لا خير فيه، وأن حقه أن لا يحل بهم وأنه يجب أن يحذروه غاية الحذر، وذكر بعضهم أن الإسلام المأمور به هنا ما يكون بالقلب دون العمل بالجوارح لأن ذلك مما لا يكاد يمكن عند الموت ولهذا ورد في الحديث: «حديث : اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان»تفسير : ولا يخفى ما فيه.

ابن عاشور

تفسير : لما كان من شأن أهل الحق والحكمةِ أن يكونوا حريصين على صلاح أنفسهم وصلاح أمتهم كان من مكملات ذلك أن يحرِصوا على دوام الحق في الناس متَّبَعاً مشهوراً فكان من سننهم التوصية لمن يظنونهم خلفاً عنهم في الناس بأن لا يحيدوا عن طريق الحق ولا يفرطوا فيما حصل لهم منه، فإن حصوله بمجاهدة نفوس ومرور أزمان فكان لذلك أمراً نفيساً يجدر أن يحتفظ به. والإيصاء أمر أو نهي يتعلق بصلاح المخاطب خصوصاً أو عموماً، وفي فوته ضر، فالوصية أبلغ من مطلق أمر ونهي فلا تطلق إلا في حيث يخاف الفوات إِما بالنسبة للموصى ولذلك كثر الإيصاء عند توقع الموت كما سيأتي عند قوله تعالى: {أية : أم كنتم شهداء إِذ حضر يعقوب الموت إِذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي}تفسير : [البقرة: 133]، وفي حديث العرباض: «وعظنا رسول الله موعظة وَجِلَتْ منها القلوبُ وذَرَفَتْ منها العيون فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مُوَدِّعٍ فأَوْصنا» الحديث، وإِما بالنسبة إلى الموصَى كالوصية عند السفر في «حديث : حديث معاذ حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم لليَمن: كان آخر ما أوصاني رسول الله حين وضعتُ رِجلي في الغَرْز أن قال حَسِّنْ خُلُقَك للناس، وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أوصني قال: لا تغضب»تفسير : . فوصية إبراهيم ويعقوب إِما عند الموت كما تشعر به الآية الآتية: {أية : إِذ حضر يعقوب الموت}تفسير : [البقرة: 133] وإِما في مظان خشية الفوات. والضمير المجرور بالباء عائد على الملة أو على الكلمة أي قوله: {أية : أسلمت لرب العالمين}تفسير : [البقرة: 131] فإن كان بالملة فالمعنى أنه أوصى أن يلازموا ما كانوا عليه معه في حياته، وإن كان الثاني فالمعنى أنه أوصى بهذا الكلام الذي هو شعار جامع لمعاني ما في الملة. وبنو إبراهيم ثمانية: إسماعيل وهو أكبر بنيه وأمه هاجر، وإسحاق وأمه سارة وهو ثاني بنيه، ومديان، ومدان، وزمران، ويقشان، وبشباق، وشوح، وهؤلاء أمهم قطورة التي تزوجها إبراهيم بعد موت سارة، وليس لغير إسماعيل وإسحاق خبر مفصل في التوراة سوى أن ظاهر التوراة أن مديان هو جد أمة مدين أصحاب الأيكة وأن موسى عليه السلام لما خرج خائفاً من مصر نزل أرض مديان وأن يثرون أو رعوئيل (هو شعيب) كان كاهن أهل مدين. وأما يعقوب فهو ابن إسحاق من زوجه رفقة الأرامية تزوجها سنة ست وثلاثين وثمانمائة وألف قبل المسيح في حياة جده إبراهيم فكان في زمن إبراهيم رجلاً ولقب بإسرائيل وهو جد جميع بني إسرائيل ومات يعقوب بأرض مصر سنة تسع وثمانين وتسعمائة وألف قبل المسيح ودفن بمغارة المكفلية بأرض كنعان (بلد الخليل) حيث دفن جده وأبوه عليهم السلام. وعطف يعقوب على إبراهيم هنا إدماج مقصود به تذكير بني إسرائيل (الذي هو يعقوب) بوصية جدهم فكما عرض بالمشركين في إعراضهم عن دين أوصى به أبوهم عرض باليهود كذلك لأنهم لما انتسبوا إلى إسرائيل وهو يعقوب الذي هو جامع نسبهم بعد إبراهيم لتقام الحجة عليهم بحق اتباعهم الإسلام. وقوله: {يا بني} إلخ حكاية صيغة وصية إبراهيم وسيجيء ذكر وصية يعقوب. ولماكان فعل (أوصى) متضمناً للقول صح مجيء جملة بعده من شأنها أن تصلح لحكاية الوصية لتفسر جملة (أوصى)، وإنما لم يؤت بأن التفسيرية التي كثر مجيئها بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه، لأن أن التفسيرية تحتمل أن يكون ما بعدها محكياً بلفظه أو بمعناه والأكثر أن يحكى بالمعنى، فلما أريد هنا التنصيص على أن هذه الجملة حكاية لقول إبراهيم بنصه (ما عدا مخالفة المفردات العربية) عوملت معاملة فعل القول نفسه فإنه لا تجيء بعده أن التفسيرية بحال، ولهذا يقول البصريون في هذه الآية إنه مقدر قول محذوف خلافاً للكوفيين القائلين بأن وصى ونحوه ناصب للجملة المقولة، ويشبه أن يكون الخلاف بينهم لفظياً. و{اصطفى لكم} اختار لكم الدين أي الدين الكامل، وفيه إشارة إلى أنه اختاره لهم من بين الأديان وأنه فضلهم به لأن اصطفى لك يدل على أنه ادخره لأجله، وأراد به دين الحنيفية المسمى بالإسلام فلذلك قال: {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون}. ومعنى {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} النهي عن مفارقة الإسلام أعني ملة إبراهيم في جميع أوقات حياتهم، وذلك كناية عن ملازمته مدة الحياة لأن الحي لا يدري متى يأتيه الموت فَنَهْيُ أحدٍ عن أن يموت غير مسلم أمر بالاتصاف بالإسلام في جميع أوقات الحياة فالمراد من مثل هذا النهي شدة الحرص على تلك المنهي. وللعرب في النهي المراد منه النهي عن لازمه طرق ثلاثة: الأول: أن يجعلوا المنهي عنه مما لا قدرة للمخاطب على اجتنابه فيدلوا بذلك على أن المراد نفي لازمه مثل قولهم لا تنس كذا أي لا ترتكب أسباب النسيان، ومثل قولهم: لا أعرفنك تفعل كذا أي لا تفعل فأعرفك لأن معرفة المتكلم لا ينهى عنها المخاطب، وفي الحديث: «حديث : فلا يذادن أقوام عن حوضي»تفسير : ، الثاني: أن يكون المنهي عنه مقدوراً للمخاطب ولا يريد المتكلم النهي عنه ولكن عما يتصل به أو يقارنه فيجعل النهي في اللفظ عن شيء ويقيده بمقارنه للعلم بأن المنهي عنه مضطر لإيقاعه فإذا أوقعه اضطر لإيقاع مقارنه نحو قولك لا أراك بثياب مشوهة، ومنه قوله تعالى: {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون}، الثالث: أن يكون المنهي عنه ممكن الحصول ويجعله مفيداً مع احتمال المقام لأن يكون النهي عن الأمرين إذا اجتمعا ولو لم يفعل أحدهما نحو لا تجئني سائلاً وأنت تريد أن لا يسألك فإما أن يجيء ولا يسأل وإما أن لا يجيء بالمرة، وفي الثانية إثبات أن بني إبراهيم ويعقوب كانوا على ملة الإسلام وأن الإسلام جاء بما كان عليه إبراهيم وبنوه حين لم يكن لأحد سلطان عليهم، وفيه إيماء إلى أن ما طرأ على بنيه بعد ذاك من الشرائع إنما اقتضته أحوال عرضت وهي دون الكمال الذي كان عليه إبراهيم ولهذا قال تعالى: {أية : إن الدين عند الله الإسلام}تفسير : [آل عمران: 19] وقال: {أية : وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل}تفسير : [الحج: 78].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ} الآية. أشار إلى أنه دين الإسلام هنا بقوله: {فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ}، وصرح بذلك في قوله: {أية : إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} تفسير : [آل عمران: 19]، وقوله: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 85].

د. أسعد حومد

تفسير : {إِبْرَاهِيمُ} {يَابَنِيَّ} (132) - وَكَانَتْ كَلِمَةُ الإِسْلامِ للهِ مُحَبَّبَةً إِلَى نَفْسِ إِبْراهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فَأَوصَوْا بِهَا أَبْنَاءَهُمْ حِينَ حَضَرَتْهُمُ الوَفَاةُ وَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّ الله اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَأَحْسِنُوا فِي حَيَاتِكُمْ، وَالْزَمُوا ذلِكَ لِيَرزُقَكُمُ اللهُ الوَفَاةَ عَلَيهِ، لأَِنَّ المَرْءَ يَمُوتُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيهِ، وَيُبْعَثُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : عندما تقرأ كلمة "وَصَّى" فاعلم أن الوصية تأتي لحمل الإنسان على شيء نافع في آخر وقت لك في الدنيا؛ لأن آخر ساعات الإنسان في الدنيا إن كان قد عاش فيها يغش الناس جميعاً فساعة يحتضر لا يغش نفسه أبداً ولا يغش أحداً من الناس لماذا؟ لأنه يحس أنه مقبل على الله سبحانه فيقول كلمة الحق. النصح أو الوصية هي عظة تحب أن يستمسك بها من تنصحه، وتقولها له مخلصاً في آخر لحظة من لحظات حياته .. ولذلك سيأتي الله سبحانه وتعالى ليبين لنا ذلك في قوله: {أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي} تفسير : [البقرة: 133]. وهكذا يريد الله سبحانه أن يبين لنا أن الوصية دائماً تكون لمن تحب .. وأن حب الإنسان لأولاده أكيد سواء أكان هذا الإنسان مؤمناً أم كافراً .. ونحن لا نتمنى أن يكون في الدنيا من هو أحسن منا إلا أبناؤنا ونعمل على ذلك ليكون لهم الخير كله. وصّى إبراهيم بنيه، ويعقوب وصى بنيه .. وكانت الوصية {يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ} [البقرة: 132] إذن: فالوصية لم تكن أمراً من عند إبراهيم ولا أمرا من عند يعقوب. ولكن كانت أمراً اختاره الله للناس فلم يجد إبراهيم ولا يعقوب أن يوصيا أولادهما إلا بما اختاره الله .. فكأن إبراهيم ائتمن الله على نفسه فنفذ التكاليف وائتمنه على أولاده فأراد منهم أن يتمسكوا بما اختاره لهم الله. قوله تعالى: {وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ..} [البقرة: 132] .. إبراهيم هو الأب الكبير وابنه إسحاق وابن إسحاق يعقوب .. ويعقوب هو الأب المباشر لليهود .. ويعقوب وصاهم كما يروي لنا القرآن الكريم: {يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ} [البقرة: 132]. أنت لا تنهى إنساناً عن أمر إلا إذا كان في إمكانه أن يتجنبه، ولا تأمره به إلا إذا كان في إمكانه أن ينفذه .. فهل يملك أولاد يعقوب أن يموتوا وهم مسلمون؟ والموت لا يملكه أحد .. إنه يأتي في أي وقت فجأة .. ولكن ما دام يعقوب قد وصى بنيه: {لاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ} [البقرة: 132] فالمعنى لا تفارقوا الإسلام لحظة حتى لا يفاجئكم الموت إلا وأنتم مسلمون. والله سبحانه وتعالى أخفى موعد الموت ومكانه وسببه .. ليكون هذا إعلاماً به ويتوقعه الناس في أي سن وفي أي مكان وفي أي زمان .. ولذلك قد نلتمس العافية في أشياء يكون الموت فيها .. والشاعر يقول: شعر : إن نـام عنـك فـكـل طـب نـافـع أو لم يـنـم فالـطـب مـن أسبـابـه تفسير : أي إن لم يكن قد جاء الأجل، فالطب ينفعك ويكون من أسباب الشفاء .. أما إذا جاء الأجل فيكون الطب سبباً في الموت، كأن تذهب لإجراء عملية جراحية فتكون سبب موتك .. فالإنسان لابد أن يتمسك بالإسلام وبالمنهج ولا يغفل عنه أبداً .. حتى لا يأتيه الموت في غفلته فيموت غير مسلم .. والعياذ بالله.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ} معناهُ أَخلَصَهُ لَكُمْ.

الأندلسي

تفسير : وقرىء ووصى وأوصى أي عهد والضمير في بها عائد على الملة في قوله: عن ملة إبراهيم. وبنوا إبراهيم اسماعيل وهو ابن هاجر. القبطية، واسحاق، وأمه سارة، ومدين ومديان، ونقشان، ورمزان، تشناق وشواح وأم هؤلاء الستة فطوراً بنت يفطن الكنعانية، والعقب الباقي فيهم لإِسماعيل وإسحاق فقط. ويعقوب: هو اسم أعجمي منع من الصرف للعلمية والعجمة ويعقوب عربي وهو ذكر القبيح فلو سمي به انصرف وارتفع عطفاً على إبراهيم أي ووصى يعقوب بنيه أو على الابتداء أي ويعقوب وصى بنيه. وقرىء ويعقوب بالنصب عطفاً على بنيه، أي: ووصى إبراهيم ويعقوب ابن ابنه اسحاق. "يا بني" أي قال وفي ندائه بلفظ بني تلطف غريب وترجية للقبول وهَزُ لما يلقى إليهم من الموافاة على الاسلام. ولذلك صدر كلامه بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ} وما اصطفاه الله لا يعدل عنه العاقل وان عند البصريين كسرت على إضمار القول وعند الكوفيين لإِجراء الوصية مجرى القول. واصطفى: استخلصه وتخيره لكم. {فَلاَ تَمُوتُنَّ} نهي عن الموت إلا على هذه الحالة من الاسلام. والنهي في الحقيقة إنما هو عن كونهم على خلاف الاسلام لا إن ذلك نهي عن الموت ونظيره في الأمر مُتْ وأنت شهيد ليس أمراً بالموت بل أمر بالشهادة نهوا عن تعاطي الأشياء التي تكون سبباً للموافاة على غير الاسلام. لما دخل يعقوب عليه السلام مصر وجدهم يعبدون الأوثان والنبيين فجمع بنيه وسألهم ما ذكر الله تعالى. وقالت اليهود: ألست تعلم أن يعقوب أوصى باليهودية فأنزل الله تعالى: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ} أي بل كنتم شهداء، وهو استفهام إنكار، أي: لم تشهدوا وقت حضور أجل يعقوب فكيف تنسبون إليه ما لا يليق به. ودعوى الطبري ان أم يستفهم بها في وسط كلام تقدم صدره وهذا منه قول غريب (وقول) ابن عطية انها بمعنى همزة الاستفهام وانها لغة يمانية يحتاج إلى نقل صحيح والظاهر أن الخطاب لأهل الكتاب ولذلك جاء بعد وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا. "وإذ" بدل من إذ. وقال الزمخشري: أم متصلة قبلها محذوف كأنه قال أتدعون على الأنبياء اليهودية أم كنتم شهداء يعني أن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له إذ أراد بنيه على التوحيد وملة الاسلام فما لكم تدّعون على الأنبياء ما هم منه برآء "انتهى". ولا نعلم أن أحداً أجاز حذف هذه الجملة ولا نحفظ ذلك لا في شعر ولا غيره لكن جاء في شعر حذف أم مع المعطوف المعادل للهمزة نحو قوله: شعر : فما أدرى أرشد طلابها يريــد أم غـــي تفسير : {مَا تَعْبُدُونَ} استفهام بما وهي مبهمة تقع على ذوي العلم وغيرهم. {مِن بَعْدِي} أي من بعد موتي خاف أن يتغيروا من بعد موته وكانوا حال حياته لا يعبدون إلا الله وشمل قوله آبائك: الجد، والعم، والأب، فالجد: إبراهيم. والعم: إسماعيل. والأب: إسحاق. والثلاثة بدل تفصيلي من آبائك وقدم إبراهيم لأنه الأصل ثم العم لأنه أسن ومن ذريّته خير العالم محمد صلى الله عليه وسلم. وانتصب. {إِلَـٰهاً وَاحِداً} على أنه بدل من الهك أو على الحال والها توطئة. (وجوّز) الزمخشري أن ينتصب على الاختصاص أي يريد بآلهك آلهاً واحداً ونص النحاة على أن المنصوب على الاختصاص لا يكون نكرة ولا شبهها وفائدة هذه الحال أو البدل هو التنصيص على أن معبودهم واحد فرد إذ يوهم إضافة الشيء إلى معدودين تعداد ذلك المضاف. {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} أحد جملتي الجواب أجابوه عن الذي سألهم عنه والثاني مؤكدة لما أجابوا به. وأجاز الزمخشري أن تكون جملة اعتراض مؤكدة أي ومن حالنا أناله مسلمون مخلصون التوحيد ومذعنون. والذي ذكره النحاة: إن جملة الاعتراض تأتي مقوية بين شيئين وقد بينا ذلك في كتابنا الكبير وفي كتب النحو. ونحن له مسلمون ليست من هذا الباب وعطفها على جملة الجواب منتظمة تحت قالوا أولى مما جوزوه ابن عطية أن تكون في موضع الحال.