Verse. 140 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

اَمْ كُنْتُمْ شُہَدَاۗءَ اِذْ حَضَرَ يَعْقُوْبَ الْمَوْتُ۝۰ۙ اِذْ قَالَ لِبَنِيْہِ مَا تَعْبُدُوْنَ مِنْۢ بَعْدِيْ۝۰ۭ قَالُوْا نَعْبُدُ اِلٰہَكَ وَاِلٰہَ اٰبَاۗىِٕكَ اِبْرٰھٖمَ وَاِسْمٰعِيْلَ وَاِسْحٰقَ اِلٰــہًا وَّاحِدًا۝۰ۚۖ وَّنَحْنُ لَہٗ مُسْلِمُوْنَ۝۱۳۳
Am kuntum shuhadaa ith hadara yaAAqooba almawtu ith qala libaneehi ma taAAbudoona min baAAdee qaloo naAAbudu ilahaka wailaha abaika ibraheema waismaAAeela waishaqa ilahan wahidan wanahnu lahu muslimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ولما قال اليهود للنبي ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية نزل: «أم كنتم شهداء» حضورا «إذ حضر يعقوب الموتُ إذ» بدل من إذ قبله «قال لبنيه ما تعبدون من بعدي» بعد موتي «قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق» جد إسماعيل من الآباء تغليب ولأن العم بمنزلة الأب «إلها واحدا» بدل من إلهك «ونحن له مسلمون» وأم بمعنى همزة الإنكار أي لم تحضروه وقت موته فكيف تنسبون إليه ما لا يليق به.

133

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه بالغ في وصية بنيه في الدين والإسلام، ذكر عقيبه أن يعقوب وصى بنيه بمثل ذلك تأكيداً للحجة على اليهود والنصارى، ومبالغة في البيان وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن {أم} معناها حرف الاستفهام، أو حرف العطف، وهي تشبه من حروف العطف «أو» وهي تأتي على وجهين: متصلة بما قبلها ومنقطعة منه، أما المتصلة فاعلم أنك إذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فأنت لا تعلم كون أحدهماعنده فتسأل هل أحد هذين عندك فلا جرم كان جوابه لا أو نعم، أما إذا علمت كون أحد هذين الرجلين عنده لكنك لا تعلم أن الكائن عنده زيد أو عمرو فسألته عن التعيين قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ أي اعلم أن أحدهما عندك لكن أهو هذا أو ذاك؟ وأما المنقطعة فقالوا: إنها بمعنى «بل» مع همزة الاستفهام، مثاله: إذا قال إنها لا بل أم شاء، فكأن قائل هذا الكلام سبق بصره إلى الأشخاص فقدر أنها إبل فأخبر على مقتضى ظنه أنها الإبل، ثم جاءه الشك وأراد أن يضرب عن ذلك الخبر وأن يستفهم أنها هل هي شاء أم لا، فالإضراب عن الأول هو معنى «بل» والاستفهام عن أنها شاء هو المراد بهمزة الاستفهام، فقولك: إنها لا بل أم شاء جار مجرى قولك: إنها لا بل أهي شاء فقولك: أهي شاء كلام مستأنف غير متصل بقوله: إنها لا بل، وكيف وذلك قد وقع الإضراب عنه بخلاف المتصلة فإن قولك: أزيد عندك أم عمرو؟ بمعنى أيهما عندك ولم يكن «ما» بعد «أم» منقطعاً عما قبله بدليل أن عمراً قرين زيد وكفى دليلاً على ذلك أنك تعبر عن ذلك باسم مفرد فتقول: أيهما عندك؟ وقد جاء في كتاب الله تعالى من النوعين كثير، أما المتصلة فقوله تعالى: {أية : أأنتم أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَاء بَنَـٰهَا رَفَعَ سَمْكَهَا } تفسير : [النازعات: 27، 28] أي أيكما أشد، وأما المنقطعة فقوله تعالى: {أية : الم تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِ ٱلْعَـٰلَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } تفسير : [السجدة: 1 ـ 3] والله أعلم بل يقولون افتراه، فدل على الإضراب عن الأول والاستفهام عما بعده، إذ ليس في الكلام معنى، أي كما كان في قولك: أزيد عندك أم عمرو؟ ومن لا يحقق من المفسرين يقولون إن «أم» ههنا بمنزلة الهمزة وذلك غير صحيح لما ذكرنا أن «أم» هذه المنقطعة: تتضمن معنى بل، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول «أم» في هذه الآية منفصلة أم متصلة؟ فيه قولان الأول: أنها منقطعة عما قبلها، ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي: بل ما كنتم شهداء، «والشهداء» جمع شهيد بمعنى الحاضر أي ما كنتم حاضرين عندما حضر يعقوب الموت، والخطاب مع أهل الكتاب، كأنه تعالى قال لهم فيما كانوا يزعمون من أن الدين الذي هم عليه دين الرسل: كيف تقولون ذلك وأنتم تشهدون وصايا الأنبياء بالدين ولو شهدتم ذلك لتركتم ما أنتم عليه من الدين ولرغبتم في دين محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو نفس ما كان عليه إبراهيم عليه السلام ويعقوب وسائر الأنبياء عليهم السلام بعده. فإن قيل: الاستفهام على سبيل الإنكار إنما يتوجه على كلام باطل، والمحكى عن يعقوب في هذه الآية ليس كلاًما باطلاً بل حقاً، فكيف يمكن صرف الاستفهام على سبيل الإنكار إليه؟ قلنا: الاستفهام على سبيل الإنكار متعلق بمجرد ادعائهم الحضور عند وفاته هذا هو الذي أنكره الله تعالى. فأما ذكره بعد ذلك من قول يعقوب عليه السلام: {مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى } فهو كلام مفصل بل كأنه تعالى لما أنكر حضورهم في ذلك الوقت شرح بعد ذلك كيفية تلك الوصية. القول الثاني: في أن {أم} في هذه الآية متصلة، وطريق ذلك أن يقدر قبلها محذوف كأنه قيل: أتدعون على الأنبياء اليهودية، أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت؛ يعني إن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له إذ دعا بنيه إلى ملة الإسلام والتوحيد، وقد علمتم ذلك فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه برآء. أما قوله: {إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قال القفال قوله: {إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ } أن {إذ} الأولى وقت الشهداء، والثانية وقت الحضور. المسألة الثانية: الآية دالة على أن شفقة الأنبياء عليهم السلام على أولادهم كانت في باب الدين وهمتهم مصروفة إليه دون غيره. أما قوله: {مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: لفظة {ما} لغير العقلاء فكيف أطلقه في المعبود الحق؟ وجوابه من وجهين: الأول: أن {ما} عام في كل شيء والمعنى أي شيء تعبدون. والثاني: قوله: {مَا تَعْبُدُونَ } كقولك عند طلب الحد والرسم: ما الإنسان؟ المسألة الثانية؛ قوله: {مِن بَعْدِى } أما قوله: {قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: هذه الآية تمسك بها فريقان من أهل الجهل. الأول: المقلدة قالوا: إن أبناء يعقوب اكتفوا بالتقليد، وهو عليه السلام ما أنكره عليهم فدل على أن التقليد كاف. الثاني: التعليمية. قالوا: لا طريق إلى معرفة الله إلا بتعليم الرسول والإمام والدليل عليه هذه الآية، فإنهم لم يقولوا: نعبد الإله الذي دل عليه العقل، بل قالوا: نعبد الإله الذي أنت تعبده وآباءك يعبدونه وهذا يدل على أن طريق المعرفة هو التعلم. والجواب: كما أنه ليس في الآية دلالة على أنهم عرفوا الإله بالدليل العقلي، فليس فيها أيضاً دلالة على أنهم ما أقروا بالإله إلا على طريقة التقليد والتعليم، ثم إن القول بالتقليد والتعليم لما بطل بالدليل علمنا أن إيمان القوم ما كان على هذه الطريقة بل كان حاصلاً على سبيل الاستدلال، أقصى ما في الباب أن يقال: فلم لم يذكروا طريقة الاستدلال. والجواب عنه من وجوه، أولها: أن ذلك أخصر في القول من شرح صفات الله تعالى بتوحيده وعلمه وقدرته وعدله. وثانيها: أنه أقرب إلى سكون نفس يعقوب عليه السلام فكأنهم قالوا: لسنا نجري إلا على مثل طريقتك فلا خلاف منا عليك فيما نعبده ونخلص العبادة له. وثالثها: لعل هذا إشارة إلى ذكر الدليل على وجود الصانع على ما ذكره الله تعالى في أول هذه السورة في قوله: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } تفسير : [البقرة: 21] وههنا مرادهم بقولهم: {نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ } أي: نعبد الإله الذي دل عليه وجودك ووجود آبائك وعلى هذا الطريق يكون ذلك إشارة إلى الاستدلال لا إلى التقليد. المسألة الثانية: قال القفال: وفي بعض التفاسير أن يعقوب عليه السلام لما دخل مصر رأى أهلها يعبدون النيران والأوثان فخاف على بنيه بعد وفاته، فقال لهم هذا القول تحريضاً لهم على التمسك بعبادة الله تعالى. وحكى القاضي عن ابن عباس: أن يعقوب عليه السلام جمعهم إليه عند الوفاة، وهم كانوا يعبدون الأوثان والنيران، فقال: يا بني ما تعبدون من بعدي؟ قالوا: نعبد إهلك وإله آبائك ثم قال القاضي: هذا بعيد لوجهين. الأول: أنهم بادروا إلى الاعتراف بالتوحيد مبادرة من تقدم منه العلم واليقين. الثاني: أنه تعالى ذكر في الكتاب حال الأسباط من أولاد يعقوب وأنهم كانوا قوماً صالحين وذلك لا يليق بحالهم. المسألة الثالثة: قوله: {إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ } عطف بيان لآبائك. قال القفال: وقيل أنه قدم ذكر إسماعيل على إسحاق لأن إسماعيل كان أسن من إسحاق. المسألة الرابعة: قال الشافعي رضي الله عنه: الأخوة والأخوات للأب والأم أو للأب لا يسقطون بالجد وهو قول عمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وزيد رضي الله عنهم وهو قول مالك وأبي يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: إنهم يسقطون بالجد وهو قول أبو بكر الصديق وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم، ومن التابعين قول الحسن وطاوس وعطاء، أما الأولون وهم الذين يقولون: إنهم لا يسقطون بالجد فلهم قولان. أحدهما: أن الجد خير الأمرين: إما المقاسمة معهم أو ثلث جميع المال، ثم الباقي بين الأخوة والأخوات للذكر مثل حظ الأنثيين وهذا مذهب زيد بن ثابت وقول الشافعي رضي الله عنه. والثاني: أنه بمنزلة أحد الأخوة ما لم تنقصه المقاسمة من السدس فإن نقصته المقاسمة من السدس أعطى السدس ولم ينقص منه شيء واحتج أبو حنيفة على قوله بأن الجد أب والأب يحجب الأخوات والأخوة فيلزم أن يحجبهم الجد، وإنما قلنا: إن الجد أب للآية والأثر. أما الآية فاثنان هذه الآية وهي قوله تعالى: {نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ } فأطلق لفظ الأب على الجد. فإن قيل: فقد أطلقه في العم وهو إسماعيل مع أنه بالاتفاق ليس بأب. قلنا: الاستعمال دليل الحقيقة ظاهراً ترك العمل به في حق العم لدليل قام فيه فيبقى في الباقي حجة الآية الثانية قوله تعالى مخبراً عن يوسف عليه السلام: {أية : وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءابَاءِىَ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ } تفسير : [يوسف: 38]. وأما الأثر فما روى عطاء عن ابن عباس أنه قال: من شاء لاعنته عند الحجر الأسود، إن الجد أب، وقال أيضاً: ألا لا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابناً ولا يجعل أب الأب أباً، وإذا ثبت أن الجد أب وجب أن يدخل تحت قوله تعالى: {أية : وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمّهِ ٱلثُّلُثُ } تفسير : [النساء: 11] في استحقاق الجد الثلثين دون الأخوة كما استحقه الأب دونهم إذا كان باقياً، قال الشافعي رضي الله عنه: لا نسلم أن الجد أب، والدليل عليه وجوه. أحدها: أنكم كما استدللتم بهذه الآيات على أن الجد أب، فنحن نستدل على أنه ليس بأب بقوله تعالى: {أية : وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرٰهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ } تفسير : [البقرة: 123] فإن الله تعالى ما أدخل يعقوب في بنيه لأنه ميزه عنهم، فلو كان الصاعد في الأبوة أباً لكان النازل في البنوة ابناً في الحقيقة، فلما لم يكن كذلك ثبت أن الجد ليس بأب. وثانيها: لو كان الجد أباً على الحقيقة لما صح لمن مات أبوه وجده حي أن ينفي أن له أباً، كما لا يصح في الأب القريب ولما صح ذلك علمنا أنه ليس بأب في الحقيقة. فإن قيل: اسم الأبوة وإن حصل في الكل إلا أن رتبة الأدنى أقرب من رتبة الأبعد فلذلك صح فيه النفي. قلنا: لو كان الاسم حقيقة فيهما جميعاً لم يكن الترتيب في الوجود سبباً لنفي اسم الأب عنه، وثالثها: لو كان الجد أباً على الحقيقة لصح القول بأنه مات وخلف أماً وآباء كثيرين وذلك مما لم يطلقه أحد من الفقهاء وأرباب اللغة والتفسير. ورابعها: لو كان الجد أباً ولا شك أن الصحابة عارفون باللغة لما كانوا يختلفون في ميراث الجد، ولو كان الجد أباً لكانت الجدة أماً، ولو كان كذلك لما وقعت الشبهة في ميراث الجدة حتى يحتاج أبو بكر رضي الله عنه إلى السؤال عنه، فهذه الدلائل دلت على أن الجد ليس بأب. وخامسها: قوله تعالى: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِى أَوْلَـٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ } تفسير : [النساء: 11] فلو كان الجد أباً لكان ابن الابن ابناً لا محالة فكان يلزم بمقتضى هذه الآية حصول الميراث لابن الابن مع قيام الابن، ولما لم يكن كذلك علمنا أن الجد ليس بأب، فأما الآيات التي تمسكتم بها في بيان أن الجد أب فالجواب عن وجه التمسك بها من وجوه. أولها: أنه قرأ أبي: {وَإِلَـٰهَ إِبْرَاهِيمَ } بطرح آبائك إلا أن هذا لا يقدح في الغرض لأن القراءة الشاذة لا ترفع القراءة المتواترة، بل الجواب أن يقال: إنه أطلق لفظ الأب على الجد وعلى العم وقال عليه الصلاة والسلام في العباس: «حديث : هذا بقية آبائي» تفسير : وقال: «حديث : ردوا على أبي»تفسير : فدلنا ذلك على أنه ذكره على سبيل المجاز، والدليل عليه ما قدمناه أنه يصح نفي اسم الأب عن الجد، ولو كان حقيقة لما كان كذلك، وأما قول ابن عباس فإنما أطلق الاسم عليه نظراً إلى الحكم الشرعي لا إلى الاسم اللغوي لأن اللغات لا يقع الخلاف فيها بين أرباب اللسان والله أعلم. أما قوله تعالى: {إِلَـٰهاً وٰحِداً } فهو بدل {إِلَـهٍ آبَائِكَ } كقوله: {أية : بِٱلنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَـٰذِبَةٍ } تفسير : [العلق: 15، 16] أو على الاختصاص، أي تريد بإله آبائك إلهاً واحداً، أما قوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } ففيه وجوه. أحدها: أنه حال من فاعل نعبد أو من مفعوله لرجوع الهاء إليه في {له}. وثانيها: يجوز أن تكون جملة معطوفة على نعبد. وثالثها: أن تكون جملة اعتراضية مؤكدة، أي ومن حالنا أنا له مسلمون مخلصون للتوحيد أو مذعنون. أما قوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ } فهو إشارة إلى من ذكرهم الله تعالى في الآية المتقدمة، وهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وبنوه الموحدون. و {الأمة} الصنف. {خلت} سلفت ومضت وانقرضت، والمعنى أني اقتصصت عليكم أخبارهم وما كانوا عليه من الإسلام والدعوة إلى الإسلام فليس لكم نفع في سيرتهم دون أن تفعلوا ما فعلوه، فإن أنتم فعلتم ذلك انتفعتم وإن أبيتم لم تنتفعوا بأفعالهم، والآية دالة على مسائل: المسألة الأولى: الآية دالة على بطلان التقليد، لأن قوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ } يدل على أن كسب كل أحد يختص به ولا ينتفع به غيره، ولو كان التقليد جائزاً لكان كسب المتبوع نافعاً للتابع، فكأنه قال: إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلباً منكم أن تقلدوهم، ولكن لتنبهوا على ما يلزمكم فتستدلوا وتعلموا أن ما كانوا عليه من الملة هو الحق. المسألة الثانية: الآية دالة على ترغيبهم في الإيمان، واتباع محمد عليه الصلاة والسلام، وتحذيرهم من مخالفته. المسألة الثالثة: الآية دالة على أن الأبناء لا يثابون على طاعة الآباء بخلاف قول اليهود من أن صلاح آبائهم ينفعهم، وتحقيقه ما روي عنه عليه السلام أنه قال: «حديث : يا صفية عمة محمد، يا فاطمة بنت محمد، ائتوني يوم القيامة بأعمالكم لا بأنسابكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً». تفسير : وقال: «حديث : ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه». تفسير : وقال الله تعالى: {أية : فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ } تفسير : [المؤمنون: 101] وقال تعالى: {أية : لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيّكُمْ وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } تفسير : [النساء: 123] وكذلك قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } تفسير : [الأنعام: 164] وقال: {أية : فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ } تفسير : [النور: 54]. المسألة الرابعة: الآية تدل على بطلان قول من يقول: الأبناء يعذبون بكفر آبائهم، وكان اليهود يقولون: إنهم يعذبون في النار لكفر آبائهم باتخاذ العجل. وهو قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً }تفسير : [البقرة: 80] وهي أيام عبادة العجل فبين الله تعالى بطلان ذلك. المسألة الخامسة: الآية دالة على أن العبد مكتسب وقد اختلف أهل السنة والمعتزلة في تفسير الكسب. أما أهل السنة فقد اتفقوا على أنه ليس معنى كون العبد مكتسباً دخول شيء من الأعراض بقدرته من العدم إلى الوجود، ثم بعد اتفاقهم على هذا الأصل ذكروا لهذا الكسب ثلاث تفسيرات. أحدها: وهو قول الأشعري رضي الله عنه أن القدرة صفة متعلقة بالمقدور من غير تأثير القدرة في المقدور، بل القدرة والمقدور حصلا بخلق الله تعالى، كما أن العلم والمعلوم حصلا بخلق الله تعالى، لكن الشيء الذي حصل بخلق الله تعالى وهو متعلق القدرة الحادثة هو الكسب. وثانيها: أن ذات الفعل توجد بقدرة الله تعالى، ثم يحصل لذلك الفعل وصف كونه طاعة أو معصية وهذه الصفة حاصلة بالقدرة الحادثة. وهو قول أبي بكر الباقلاني. وثالثها: أن القدرة الحادثة والقدرة القديمة، إذا تعلقتا بمقدور واحد وقع المقدور بهما، وكأنه فعل العبد وقع بإعانة الله، فهذا هو الكسب وهذا يعزى إلى أبي إسحاق الأسفرايني لأنه يروى عنه أنه قال الكسب والفعل الواقع بالمعين. أما القائلون بأن القدرة الحادثة مؤثرة، فهم فريقان. الأول: الذين يقولون بأن القدرة مع الداعي توجب الفعل، فالله تعالى هو الخالق للكل بمعنى أنه سبحانه وتعالى هو الذي وضع الأسباب المؤدية إلى دخول هذه الأفعال في الوجود والعبد هو المكتسب بمعنى أن المؤثر في وقوع فعله هو القدرة، والداعية القائمتان به، وهذا مذهب إمام الحرمين رحمه الله تعالى اختاره في الكتاب الذي سماه بالنظامية ويقرب قول أبي الحسين البصري منه وإن كان لا يصرح به. الفريق الثاني من المعتزلة: وهم الذين يقولون: القدرة مع الداعي لا توجب الفعل، بل العبد قادر على الفعل والترك متمكن منهما، إن شاء فعل وإن شاء ترك، وهذا الفعل والكسب، قالت المعتزلة للأشعري: إذا كان مقدور العبد واقعاً بخلق الله تعالى، فإذا خلقه فيه: استحال من العبد أن لا يتصف في ذلك الوقت بذلك الفعل، وإذا لم يخلقه فيه: استحال منه في ذلك الوقت أن يتصف به. وإذا كان كذلك لم يكن ألبتة متمكناً من الفعل والترك، ولا معنى للقادر إلا ذلك، فالعبد ألبتة غير قادر، وأيضاً فهذا الذي هو مكتسب العبد. إما أن يكون واقعاً بقدرة الله، أو لم يقع ألبتة بقدرة الله، أو وقع بالقدرتين معاً، فإن وقع بقدرة الله تعالى لم يكن العبد فيه مؤثراً فكيف يكون مكتسباً له؟ وإن وقع بقدرة العبد فهذا هو المطلوب. وإن وقع بالقدرتين معاً فهذا محال، لأن قدرة الله تعالى مستقلة بالإيقاع، فعند تعلق قدرة الله تعالى به، فكيف يبقى لقدرة العبد فيه أثر، وأما قول الباقلاني فضعيف، لأن المحرم من الجلوس في الدار المغصوبة ليس إلا شغل تلك الأحياز، فهذا الشغل إن حصل بفعل الله تعالى فنفس المنهي عنه قد خلقه الله تعالى فيه، وهذا هو عين تكليف ما لا يطاق، وإن حصل بقدرة العبد فهو المطلوب، وأما قول الأسفرايني فضعيف لما بينا أن قدرة الله تعالى مستقلة بالتأثير، فلا يبقى لقدرة العبد معها أثر ألبتة، قال أهل السنة: كون العبد مستقلاً بالإيجاد والخلق محال لوجوه. أولها: أن العبد لو كان موجداً لأفعاله، لكان عالماً بتفاصيل فعله، وهو غير عالم بتلك التفاصيل، فهو غير موجد لها. وثانيها: لو كان العبد موجداً لفعل نفسه؛ لما وقع إلا ما أراده العبد، وليس كذلك، لأن الكافر يقصد تحصيل العلم فلا يحصل إلا الجهل. وثانيها: لو كان العبد موجداً لفعل نفسه لكان كونه موجداً لذلك الفعل زائداً على ذات ذلك الفعل، وذات القدرة لأنه يمكننا أن نعقل ذات الفعل وذات القدرة مع الذهول عن كون العبد موجداً له، والمعقول غير المغفول عنه، ثم تلك الموجدية حادثة، فإن كان حدوثها بالعبد لزم افتقارها إلى موجدية أخرى، ولزم التسلسل وهو محال، وإن كان الله تعالى والأثر واجب الحصول عند حصول الموجدية فيلزم استناد الفعل إلى الله تعالى، ولا يلزمنا ذلك في موجدية الله تعالى لأنه قديم، فكانت موجديته قديمة، فلا يلزم افتقار تلك الموجودية إلى موجودية أخرى. هذا ملخص الكلام من الجانبين والمنازعات بين الفريقين في الألفاظ والمعاني كثيرة والله الهادي.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ} «شهداء» خبر كان، ولم يُصرف لأن فيه ألف التأنيث؛ ودخلت لتأنيث الجماعة كما تدخل الهاء. والخطاب لليهود والنصارى الذين ينسبون إلى إبراهيم ما لم يُوصِ به بَنِيه، وأنهم على اليهودية والنصرانية؛ فردّ الله عليهم قولهم وكذبهم، وقال لهم على جهة التوبيخ: أشهدتم يعقوب وعلمتم بما أوصى فتدّعون عن علم؛ أي لم تشهدوا، بل أنتم تفترون! و «أم» بمعنى بل؛ أي بل أشهِد أسلافكم يعقوب. والعامل في «إذ» الأولى معنى الشهادة، و «إذ» الثانية بدل من الأولى. و «شهداء» جمع شاهد أي حاضر. ومعنى «حَضَرَ يعقوبَ الموتُ» أي مقدّماته وأسبابه؛ وإلا فلو حضر الموت لما أمكن أن يقول شيئاً. وعبّر عن المعبود بـ «ـما»: ولم يقل مَن؛ لأنه أراد أن يختبرهم؛ ولو قال «مَن» لكان مقصوده أن ينظرَ مَن لهم الاهتداء منهم؛ وإنما أراد تجربتهم فقال «ما». وأيضاً فالمعبودات المتعارفة من دون الله جمادات كالأوثان والنار والشمس والحجارة؛ فٱستفهم عما يعبدون من هذه. ومعنى «مِنْ بَعْدِي» أي من بعد موتي. وحُكي أن يعقوب حين خُيّر كما تُخيَّر الأنبياء ٱختار الموت وقال: أمهلوني حتى أوصي بنيّ وأهلي؛ فجمعهم وقال لهم هذا؛ فٱهتدوا وقالوا: «نَعْبُدُ إلٰهك» الآية. فأروه ثبوتهم على الدِّين ومعرفتهم بالله تعالى. قوله تعالى: {قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} «إبراهيم وإسماعيل وإسحٰق» في موضع خفض على البدل، ولم تنصرف لأنها أعجمية. قال الكسائيّ: وإن شئت صرفت «إسحٰق» وجعلته من السَّحْق، وصرفت «يعقوب» وجعلته من الطير. وسمّى الله كلّ واحد من العمّ والجَدّ أباً، وبدأ بذكر الجَدّ ثم إسماعيل العَمّ لأنه أكبر من إسحٰق. و «إلٰهاً» بدل من «إلهك» بدل النكرة من المعرفة؛ وكرره لفائدة الصّفة بالوحدانية. وقيل: «إلٰهاً» حال. قال ٱبن عطية: وهو قول حسن؛ لأن الغرض إثبات حال الوحدانية. وقرأ الحسن ويحيى بن يعْمُر والجَحْدَريّ وأبو رجاء العُطارِديّ «وإلٰه أبيك» وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون أفرد وأراد إبراهيم وحده، وكره أن يجعل إسماعيل أباً لأنه عمّ. قال النحاس: وهذا لا يجب؛ لأن العرب تسمِّي العمّ أباً. الثاني: على مذهب سيبويه أن يكون «أبيك» جمع سلامة؛ حكى سيبويه أبٌ وأبُونَ وأبين؛ كما قال الشاعر:شعر : فقلنا أسلموا إنّا أخوكم تفسير : وقال آخر:شعر : فلما تَبيّن أصواتنا بكيْنَ وفدّيننا بالأبِينا تفسير : قوله تعالى: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} ابتداء وخبر؛ ويحتمل أن يكون في موضع الحال، والعامل «نعبد».

البيضاوي

تفسير : {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ} أم منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار، أي ما كنتم حاضرين إذ حضر يعقوب الموت وقال لبنيه ما قال فلم تدعون اليهودية عليه، أو متصلة بمحذوف تقديره أكنتم غائبين أم كنتم شاهدين. وقيل: الخطاب للمؤمنين والمعنى ما شاهدتم ذلك وإنما علمتموه بالوحي وقرىء {حَضِرَ} بالكسر. {إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ} بدل من {إِذْ حَضَرَ}. {مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي} أي: شيء تعبدونه، أراد به تقريرهم على التوحيد والإسلام، وأخذ ميثاقهم على الثبات عليهما، وما يسأل به عن كل شيء ما لم يعرف، فإذا عرف خص العقلاء بمن إذا سئل عن تعيينه، وإن سئل عن وصفه قيل: ما زيد أفقيه أم طبيب؟. {قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ} المتفق على وجوده وألوهيته ووجوب عبادته، وعد إسماعيل من آبائه تغليباً للأب والجد، أو لأنه كالأب لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : عمُّ الرجل صِنْوُ أبيه»تفسير : كما قال عليه الصلاة والسلام في العباس رضي الله عنه «حديث : هذا بقية آبائي»تفسير : وقرىء «إله أبيك»، على أنه جمع بالواو والنون كما قال:شعر : وَلَما تَبَيَّنَّ أَصوَاتَنا بَكَيْنَ وَفَدينَنا بالأَبينا تفسير : أو مفرد وإبراهيم وحده عطف بيان. {إِلَـٰهاً وٰحِداً} بدل من إله آبائك كقوله تعالى: {أية : بِٱلنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَـٰذِبَةٍ }تفسير : [العلق: 15-16] وفائدته التصريح بالتوحيد، ونفي التوهم الناشىء من تكرير المضاف لتعذر العطف على المجرور والتأكيد، أو نصب على الاختصاص {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} حال من فاعل نعبد، أو مفعوله، أو منهما، ويحتمل أن يكون اعتراضاً.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى محتجاً على المشركين من العرب أبناء إسماعيل، وعلى الكفار من بني إسرائيل ـ وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام ـ بأن يعقوب لما حضرته الوفاة، وصى بنيه بعبادة الله وحده لا شريك له، فقال لهم: {مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَآئِكَ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ} وهذا من باب التغليب، لأن إسماعيل عمه، قال النحاس: والعرب تسمي العم أباً، نقله القرطبي، وقد استدل بهذه الآية الكريمة من جعل الجد أباً، وحجب به الإخوة، كما هو قول الصديق، حكاه البخاري عنه من طريق ابن عباس وابن الزبير، ثم قال البخاري: ولم يختلف عليه، وإليه ذهبت عائشة أم المؤمنين، وبه يقول الحسن البصري وطاوس وعطاء، وهو مذهب أبي حنيفة وغير واحد من السلف والخلف، وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه: إنه يقاسم الإخوة، وحكي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وجماعة من السلف والخلف، واختاره صاحبا أبي حنيفة القاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن، ولتقريرها موضع آخر، وقوله: {إِلَـٰهًا وَاحِدًا} أي: نوحده بالألوهية، ولا نشرك به شيئاً غيره، {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} أي: مطيعون خاضعون، كما قال تعالى: {أية : وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}تفسير : [آل عمران: 83] والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة وإن تنوعت شرائعهم واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِىۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ}تفسير : [الأنبياء: 25]، والآيات في هذا كثيرة والأحاديث، فمنها قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نحن معشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد»تفسير : وقوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} أي: مضت، {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم} أي: إن السلف الماضين من آبائكم من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إذا لم تفعلوا خيراً يعود نفعه عليكم، فإن لهم أعمالهم التي عملوها، ولكم أعمالكم {وَلاَ تُسْـأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وقال أبو العالية والربيع وقتادة: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} يعني: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، ولهذا جاء في الأثر: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه».

المحلي و السيوطي

تفسير : ولما قال اليهود للنبي ألست تعلم أنّ يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية نزل: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء } حضوراً {إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ } بدل من (إذ) قبله {قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى } بعد موتي؟{قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ } عَدَّ إسماعيل من الآباء تغليبٌ ولأن العم بمنزلة الأب {إِلَٰهاً وٰحِداً } بدل من (إلهك) {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } و(أم) بمعنى همزة الإنكار أي لم تحضروه وقت موته فكيف تنسبون إليه ما لا يليق به.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُوا: كُونُوا هُوداً أوْ نَصَارى تَهْتَدُوا} يعني أن اليهودَ قالوا: كونوا هوداً تهتدوا، وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا، فرد الله تعالى ذلك عليهم، فقال: {قُلْ: بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} وفي الكلام حذف، يحتمل وجهين: أحدهما: أن المحذوف بل نتبع ملة إبراهيم، ولذلك جاء به منصوباً. والثاني: أن المحذوف بل نهتدي بملة إبراهيم، فلما حذف حرف الجر، صار منصوباً، والملة: الدين، مأخوذ من الإملاء، أي ما يُمْلُون من كتبهم. وأما الحنيف، ففيه أربعة تأويلات: أحدها: أنه المخلص، وهو قول السدي. والثاني: أنه المتَّبع، وهو قول مجاهد. والثالث: الحاج، وهو قول ابن عباس، والحسن. والرابع: المستقيم. وفي أصل الحنيف في اللغة وجهان: أحدهما: الميل، والمعنى أن إبراهيم حَنَفَ إلى دين الله، وهو الإسلام فسمي حنيفاً، وقيل للرجل أحْنَف لميل كل واحدة من قدميه إلى أختها. والوجه الثاني: أن أصله الاستقامة، فَسُمِّي دين إبراهيم "الحنيفية" لاستقامته وقيل للرجل أحنف، تطيّراً من الميل وتفاؤلاً بالاستقامة، كما قيل لِلًّدِيغ سليم، وللمُهْلِكةِ من الأرض مفازة.

ابن عطية

تفسير : هذا الخطاب لليهود والنصارى الذين انتحلوا الأنبياء صلوات الله عليهم ونسبوهم إلى اليهودية والنصرانية، فرد الله تعالى عليهم وكذبهم، وأعلمهم أنهم كانوا على الحنيفية والإسلام، وقال لهم على جهة التقريع والتوبيخ: أشهدتم يعقوب وعلمتم بما أوصى فتدعون عن علم؟، أي لم تشهدوا بل أنتم تفترون، و {أم} تكون بمعنى ألف الاستفهام في صدر الكلام لغة يمانية، وحكى الطبري أن {أم} يستفهم بها في وسط كلام قد تقدم صدره، وهذا منه، ومنه {أية : أم يقولون افتراه} تفسير : [يونس: 38، هود: 13، 35، السجدة: 3، الأحقاف: 8]، وقال قوم: {أم} بمعنى بل، والتقدير بل شهد أسلافكم يعقوب وعلمتم منهم ما أوصى به، ولكنكم كفرتم جحداً ونسبتموهم إلى غير الحنيفية عناداً، والأظهر أنها التي بمعنى بل وألف الاستفهام معاً، و"شهداء" جمع شاهد أي حاضر، ومعنى الآية حضر يعقوب مقدمات الموت، وإلا فلو حضر الموت لما أمكن أن يقول شيئاً، وقدم يعقوب على جهة تقديم الأهم، والعامل في {إذ}: {شهداء}، و {إذ قال} بدل من {إذ} الأولى، وعبر عن المعبود بما تجربة لهم، ولم يقل من لئلا يطرق لهم الاهتداء، وإنما أراد أن يختبرهم، وأيضاً فالمعبودات المتعارفة من دون الله تعالى جمادات كالأوثان والنار والشمس والحجارة فاستفهمهم عما يعبدون من هذه، و {من بعدي} أي من بعد موتي، وحكي أن يعقوب عليه السلام حين خير كما يخير الأنبياء اختار الموت، وقال أمهلوني حتى أوصي بنيَّ وأهلي، فجمعهم وقال لهم هذا فاهتدوا وقالوا: {نعبد إلهك} الآية، فأروه ثبوتهم على الدين ومعرفتهم بالله تعالى، ودخل إسماعيل في الآباء لأنه عمٌّ. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في العباس: "ردوا علي أبي، إني أخاف أن تفعل به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود". وقال عنه في موطن آخر: "هذا بقية آبائي"، ومنه قوله عليه السلام: "أنا ابن الذبيحين" على القول الشهير في إن إسحاق هو الذبيح. وقرأ الحسن وابن يعمر والجحدري وأبو رجاء "وإله أبيك"، واختلف بعد فقيل هو اسم مفرد أرادوا به إبراهيم وحده، وقال بعضهم: هو جمع سلامة، وحكى سيبويه أب وأبون وأبين. قال الشاعر: [زياد بن واصل السلمي]: [المتقارب]: شعر : فلمّا تبيَّنَّ أصواتنا بكينَ وَفَدَّيْنَنَا بالأبينا تفسير : وقال ابن زيد: يقال قدم إسماعيل لأنه أسن من إسحاق و {إلهاً} بدل من {إلهك}، وكرره لفائدة الصفة بالوحدانية، وقيل {إلهاً} حال، وهذا قول حسن، لأن الغرض إثبات حال الوحدانية، {نحن له مسلمون} ابتداء وخبر، أي كذلك كنا نحن ونكون، ويحتمل أن يكون في موضع الحال والعامل {نعبد}، والتأويل الأول أمدح. وقوله تعالى: {قد خلت} في موضع رفع نعت لأمة، ومعناه ماتت وصارت إلى الخلاء من الأرض، ويعنى بالأمة الأنبياء المذكورون، والمخاطب في هذه الآية اليهود والنصارى، أي أنتم أيها الناحلوهم اليهودية والنصرانية، ذلك لا ينفعكم، لأن كل نفس {لها ما كسبت} من خير وشر، فخيرهم لا ينفعكم إن كسبتم شراً، وفي هذه الآية رد على الجبرية القائلين لا اكتساب للعبد، {ولا تسألون عما كانوا يعملون} فتنحلوهم ديناً. وقولهم: {كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا} نظير قولهم {أية : لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى} تفسير : [البقرة: 111]، ونصب {ملة} بإضمار فعل، أي بل نتبع ملة، وقيل نصبت على الإغراء، وقرأ الأعرج وابن أبي عبلة "بل ملةُ" بالرفع والتقدير بل الهدى ملة، و {حنيفاً} حال، وقيل نصب بإضمار فعل، لأن الحال تعلق من المضاف إليه، والحنف الميل، ومنه الأحنف لمن مالت إحدى قدميه إلى الأخرى، والحنيف في الدين الذي مال عن الأديان المكروهة إلى الحق، وقال قوم: الحنف الاستقامة، وسمي المعوج القدمين أحنف تفاؤلاً كما قيل سليم ومفازة، ويجيء الحنيف في الدين المستقيم على جميع طاعات الله عز وجل، وقد خصص بعض المفسرين، فقال قوم: الحنيف الحاج، وقال آخرون: المختتن، وهذه أجزاء الحنف. ونفى عنه الإشراك فانتفت عبادة الأوثان واليهودية لقولهم عزير ابن الله، والنصرانية لقولهم المسيح ابن الله.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ...} ولم يقل: أم كنتم حضورا، لأن لفظ الشهادة تفيد الضبط والإحاطة بعلم الشيء. فإن قلت: مفهوم الآية أنهم لو حضروا لذلك لصح لهم الاحتجاج به مع أنه حجة عليهم لأن يعقوب إنما أوصى بنيه بعبادة الله سبحانه وتعالى وتوحيده؟ فالجواب: أن المعنى: أم كنتم شهداء إذ قال ذلك، أم تقولون هذه المقالة وتدعون أنه أوصاهم (بغير ذلك). قال ابن عرفة: لأن هذا الاستدلال على سبيل التقسيم عليهم والتنزل معهم على عادة المستدل، فأبطل قولهم بالدليل العقلي ثم احتج عليهم بالدليل السّمعي النّقلي فقيل لهم: أحضرتم لوصية يعقوب لبنيه، وتزعمون أنها كانت موافقة (لدعواكم)، أي ما لكم دليل عقلي ولا نقلي. وتقديم يعقوب وهو مفعول على الموت للاهتمام لأنّ الآية (نزلت) في معرض إقامة الحجة على الكفار وإقامة الحجة إنما هي بإسناد الأمر إلى يعقوب لا للموت. قال ابن عطية: والمعنى إذا حضر يعقوب مقدمات الموت، وإلا فلو حضره الموت لما قال شيئا. قال ابن عرفة: لا يحتاج إلى هذا إلا لو قيل إِذْ نَزَلَ (بيعقوب) الموت. وأما حضور الموت فهو أعم من (نزولها) و(مقاربة) نزولها. قوله تعالى: {مَا تَعْبُدُونَ...} قال الزمخشري: "مَا" علم في كل شيء فإذا (علم) فرّق بـ "ما" و"من" وكفاك دليلا قول العلماء "مَنْ" لما يعقل ولو قيل: من تعبدون، لم يعم إلا أولي العلم وحدهم. قال ابن عرفة: إن قلت: جعل "مَا" عامة تقع على "مَا" وعلى "مَنْ" فتقسم الشيء إلى نفسه وإلى غيره؟ (قلتُ):جعلها مشتركة بين الأعم والأخص، فتارة وضعت لأن تدل على كل شيء وتارة وضعت للاختصاص بمن يعقل. فإن قلت: كيف قال "من" لما يعقل فأطلق "ما" على العاقل وهي لا تصدق عليه إلا مع غيره؟ قلنا: عادة الطلبة يجيبون بأنّها إنّما أطلقت عليه مقيدا بالعقل وإنما تخص غير العاقل عند عدم القرينة كقولك: رأيت ما عندك. الزمخشري: ويجوز أن يقال "مَا تَعْبُدُونَ" سؤال عن صفة المعبود. وضعفه ابن عرفة لقولهم "نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ" فلم يجيبوا بالصفة وإنما يصح ذلك لو قالوا: نعبد القادر السميع البصير. فإن قلت: لم قال: "من بعد" فأتى بـ "من" المقتضية لأول الأزمنة البعدية مع أنه لا يتوهم مخالفتهم ورجوعهم عن دينهم إلا بعد طوال الزمان (وأما) بالقرب من موته فلا يزالون متَّبعين له ومقتفين (لآثاره)؟ قال: عادتهم يجيبون بأن الآية أتت في معرض الرّد على اليهود، وهم يدعون أنهم متبعون لآبائهم فذكر لهم الوجه الذي يصدق على أولاد يعقوب أنهم متبعون له وذلك لا يصدق إلا بأول أزمنة البعدية، وأما (ما) بعد ذلك فقد يقال: إنّهم لم يتبعوا، بل تناسوا الأمر واتبعوا غيره والزمن القريب من موته يقوى فيه وجه الاتباع. قوله تعالى: {وَإِلَـٰهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ...} قال ابن عرفة: إن أجزنا استعمال اللّفظ في حقيقته ومجازه (فالعم) يطلق عليه أب مجازا. وجعله الزمخشري حقيقة واستشهد بحديث: "حديث : عم الرجل صنو أبيه"تفسير : . وبقوله في العباس رضي الله عنه "حديث : هذا بقية آبائي ". تفسير : ابن عطية وقال: "حديث : أنا ابن الذبيحين" تفسير : قال: وعلى القول المشهور في أنه إسحاق. وهو قول مالك في العتبية، وإن كان اختيار ابن عطية في غير ما موضع أنّه إسماعيل وجعله أصح من القول الآخر، والوصف بقوله "وَاحِداً" دليل على أن لفظ الإلاه كلي ولذلك كان دليل الوحدانية نظريا وإلاّ (كان يكون) ضروريا.

ابن عادل

تفسير : "أم" في أم هذه ثلاثة أقوال: أحدها ـ وهو المشهورـ: أنها منقطعة والمنقطعة تقدر بـ "بل"، وهمزة الاستفهام. وبعضهم يقدرها بـ "بل" وحدها، ومعنى الإضراب انتقال من شيء إلى شيء لا إبطال. ومعنى الاستفهام الإنكار والتوبيخ فيؤول معناه إلى النفي، أي: بل أكنتم شهداء يعني لم تكونوا. الثاني: أنها بمعنى همزة الاستفهام، وهو قول ابن عطية والطبري، إلا أنهما اختلفا في محلها. فإن ابن عطية قال: و "أم" تكون بمعنى ألف الاستفهام في صدر الكلام، لغة يمانية. وقال الطبري: إن أم يستفهم بها وسط كلام قد تقدم صدره. قال أبو حيان في قول ابن عطية: "ولم أقف لأحد من النحويين على ما قال". وقال في قول الطبري: وهذا أيضاً قول غريب. الثالث: أنها متصلة، وهو قول الزمخشري. قال الزمخشري بعد أن جعلها منقطعة، وجعل الخطاب للمؤمنين قال بعد ذلك: وقيل: الخطاب لليهود؛ لأنهم كانوا يقولون: ما مات نبي إلا على اليَهُودية، إلا أنهم لو شهدوه، وسمعوا ما قاله لبنيه، وما قاله لظهر لهم حرصُه على ملّة الإسلام، وَلَمَا ادَّعوا عليه اليهودية، فالآية الكريمة مُنَافية لقولهم، فكيف يقال لهم: أم كنتم شهداء؟ ولكن الوجه أن تكون "أم" متصلة على أن يقدر قبلها محذوف كأنه قيل: أَتَدَّعُون على الأنبياء اليهودية أم كنتم شهداء، يعني أن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له إذْ أراد بنيه على التوحيد وملّة الإسلام، فما لكم تَدَّعُونَ على الأنبياء ما هم منه براء؟ قال أبو حيان: ولا أعلم أحداً أجاز حذف هذه الجملة، لا يحفظ ذلك في شعر ولا غيره، لو قلت "أم زيد" تريد: "أقام عمرو أم زيد" لم يجز، وإنما يجوز حذف المعطوف عليه مع الواو والفاء إذا دلّ عليه دليل كقولك: "بلى وعمراً" لمن قال: لم يضرب زيداً، وقوله تعالى: {أية : فَٱنفَجَرَتْ}تفسير : [البقرة:60] أي فضرب فانفجرت، وندر حذفه مع "أو"؛ كقوله: [الطويل] شعر : 799ـ فَهَلْ لَكَ أَوْ مِنْ وَالِدٍ لَكَ قَبْلَنَا ..................... تفسير : أي: من أخ أو والد، ومع حتى كقوله: [الطويل] شعر : 800ـ فَوَاعَجَبَا حَتَّى كُلَيْبٌ تَسُبُّنِي كَأَنَّ أَبَاهَا نَهْشَلٌ أَوْ مُجَاشِعُ تفسير : أي: يسبني الناسُ حتى كليبٌ، على نظر فيه، وإنما الجائز حذف "أم" مع ما عطفت كقوله: [الطويل] شعر : 801ـ دَعَانِي إِلَيْهَا الْقَلْبُ إِنِّي لأَمْرِهِ سَمِيعٌ فَمَا أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلاَبُهَا تفسير : أي: أم غَيٌّ، وإنما جاز ذلك؛ لإن المستفهم على الإثبات يتضمّن نقيضه، ويجوز حذف الثواني المقابلات إذا دلّ عليها المعنى، ألا ترى إلى قوله: {أية : تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ}تفسير : [النحل:81] كيف حذف و "الْبَرْدَ" انتهى. و "شهداء" خبر كان، وهو جمع شاهد أو شهيد، وقد تقدم أول السورة. قوله: "إذ حضر" إذ منصوب بشهداء على أنه ظرف لا مفعول به أي: شهداء وقت حضور الموت إياه، وحضور الموت كناية عن حضور أسبابه ومقدماته؛ قال الشَّاعر: [البسيط] شعر : 802ـ وَقُلْ لَهُمْ بَادِرُوا بِالعُذْرِ وَالْتَمِسُوا قَوْلاً يُبَرِّئُكُمْ إِنِّي أَنَا الْمَوْتُ تفسير : أي: أنا سببه، والمشهور نصب "يعقوب"، ورفع "الموت"، قدم المفعول اهتماماً وقرأ بعضهم بالعكس. وقرىء: "حَضِر" بكسر الضاد، قالوا: والمضارع يَحْضُر بالضم شاذ، وكأنه من التداخل وقد تقدم. قوله: "إذْ قَالَ"، "إذ" هذه فيها قولان: أحدهما: بدل من الأولى، والعامل فيها، إما العامل في "إذ" الأولى إن قلنا: إن البدل لا على نية تكرار العامل، أو عامل مضمر إن قلنا بذلك. الثاني: أنها ظرف لـ "حضر". قوله: "مَا تَعْبُدُونَ"، ما اسم استفهام في محلّ نصب؛ لأنه مفعول مقدم بتعبدون، وهو واجب التقديم؛ لأن له صدر الكلام، وأتى بـ "ما" دون "من" لأحد أربعة معانٍ. أحدها: أن "ما" للمبهم أمره، فإذا عُلِم فُرّق بـ "ما" و "مَنْ". [قال الزمخشري: وكفاك دليلاً قول العلماء: "مَن" لما يعقل. الثاني: أنها سؤال عن صفة المعبود]. قال الزمخشري: كما تقول: ما زيد؟ تريد: أفقيه أم طبيب، أم غير ذلك من الصفات؟ الثالث: أن المعبودات في ذلك الوقت كانت غير عقلاء، كالأوثان والأصنام والشمس والقمر، فاستفهم بـ "ما" التي لغير العاقل، فعرف بَنُوه ما أراد، فأجابوه عنه بالحق. الرابع: أنه اختبرهم وامتحنهم فسألهم بـ "ما" دون "من"، لئلا يَطْرُق لهم الاهتداء، فيكون كالتلقين لهم، ومقصوده الاختبار. وأجاب ابن الخطيب بوجهين: الأول: أن "ما" عام في كل شيء، والمعنى: أي شيء تعبدون. والثاني: قوله: "مَا تَعْبُدُونَ" كقولك عند طلب الحد والرسم ما الإنسان؟ وقوله: "مِنْ بَعْدي" أي: بعد موتي. قوله: {قَالُواْ: نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ ءَابَائِكَ}. تمسّك المُقَلِّدة بهذه الآية الكريمة قالوا: إن أبناء يعقوب اكتفوا بالتقليد، ولم ينكره عليهم. والجواب: أن هذا ليس تقليداً، وإنما هو إشارة إلى ذكر الدليل على وجود الصَّانع كقوله: {أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}تفسير : [البقرة:21] فهاهنا المراد من قوله: {نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ ءَابَائِكَ} أي: نعبد الإله الذي دلّ عليه وجودك، ووجود آبائك. فصل في نزول هذه الآية قال القَفّال: وفي بعض التفاسير أن يعقوب ـ عليه السلام ـ لما دخل "مصر" رأى أهلها يعبدون النيران والأوثان، فخاف على بنيه بعد وفاته، فقال لهم هذا القول تحريضاً لهم على التمسّك بعبادة الله تعالى. وحكى القاضي عن ابن عباس: أن يعقوب ـ عليه السَّلام ـ جمعهم إليه عند الوفاة، وهم كانوا يعبدون الأوثان والنيران، فقال: يا بني ما تبعدون من بعدي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك. ثم قال القاضي: هذا بعيد لوجهين: الأول: أنهم بادروا إلى الاعتراف بالتوحيد مبادرة من تقدم منه العلم واليقين. الثاني: أنه ـ تعالى ـ ذكر في الكتاب حال الأَسْبَاط من أولاد يعقوب، وأنهم كانوا قوماً صالحين، وذلك لا يليق بحالهم. [وقال عطاء: إن الله لم يقبض نبياً حتى يخيره بين الموت والحياة، فلما خير يعقوب قال: أنظرني حتى أسأل ولدي وأوصيهم؛ ففعل ذلك به، فجمع ولده وولد ولده، وقال لهم: قد حضر أجلي فما تعبدون من بعدي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون، والعرب تسمي العم أباً كما تسمي الخالة أماً، وسيأتي الكلام على ذلك قريباً إن شاء الله تعالى]. وقال القَفَّال: وقيل: إنما قدّم ذكر إسماعيل على إسحاق؛ لأن إسماعيل [كان أسنّ من إسحاق]. قوله: "وَإِلَهَ آبَائِكَ" أعاد ذكر الإله، لئلا يَعْطِفَ على الضمير المجرور دون إعادة الجار، والجمهور على "آبائك". وقرأ الحسن ويحيى وأبو رجاء: "أبيك". وقرأ أُبّي: "وَإلهَ إِبْرَاهِيمَ" فأسقط "آبائك". فأما قراءة الجمهور فواضحة. وفي "إبراهيم" وما بعده حينئذ ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بدل. والثاني: أنه عطف بيان، ومعنى البدلية فيه التفصيل. الثالث: أنه منصوب بإضمار "أعني" فالفتحة على هذا علامة للنصب، وعلى القولين قبله علامة للجر لعدم الصَّرْف، وفيه دليل على تسمية الجَدِّ والعم أباً، فإن إبراهيم جده وإسماعيل عمه، كما يطلق على الخالة أمّ، ومنه: {أية : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ}تفسير : [يوسف:100] في أحد القولين. قال بعضهم: وهذا من باب التَّغليب، يعني: أنه غلب الأب على غيره، وفيه نظر، فإنه قد جاء هذا الإطلاق حيث لا تثنية ولا جمع، فيغلب فيهما. وأما قراءة "أبيك" فتحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مفرداً غير جمع، وحينئذ فإما أن يكون واقعاً موقع الجمعِ أو لا، فإنْ كان واقعاً موقع الجمع، فالكلام في "إبراهيم" وما بعده كالكلام فيه على القراءة المشهورة. وإن لم يكن واقعاً موقعَهُ، بل أريد به الإفراد لفظاً ومعنى، فيكون "إبراهيم" وحده على الأوجه الثلاثة المتقدمة، ويكون إسماعيل وما بعده عطفاً على "أبيك"، أي: وإله إسماعيل. الثاني: يكون جمع سلامة بالياء والنون، وإنما حذفت النون للإضافة، وقد جاء جمع آب على "أبُونَ" رفعاً، و "أبين" جراً ونصباً، حكاها سيبويه؛ قال الشاعر: [المتقارب] شعر : 803ـ فَلَمَّا تَبَيَّنَّ أصْوَاتَنَا بَكَيْنَ وَفَدَّيْنَنَا بِالأَبِينَا تفسير : ومثله: [الوافر] شعر : 804ـ فَقُلْنَا أَسْلِمُوا إنَّا أَخُوكُمْ ..................... تفسير : والكلام في إبراهيم وما بعده كالكلام فيه بعد جمع التكسير، وإسحاق: علمٌ أعجميٌّ، ويكون مصدر أسحق، فلو سُمِّي به مذكرٌ لانصرف، والجمع: أساحقةٌ وأساحيق. قال القرطبي: ولم ينصرف إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق؛ لأنَّها أعجميةٌ. قال الكسائيُّ: وإن شِئْتَ صرفت "إسحاق"، وجعلته من السّحق، وصرفت "يعقوب" وجعلته من الطَّير. وسمى الله تعالى كل واحد من العم والجد أباً، وبدأ بذكر الجد، ثم إسماعيل العم؛ لأنَّهُ أكبر من إسحاق. فصل في تحرير اختلاف الفقهاء في كون الجد أباً ذهب أبو حنيفة ـ رضي الله عنه ـ إلى أن الجد أب، وأسقط به الإخوة، والأخوات، وهو قول أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ وابن عباس وعائشة، وجماعة من الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ ومن التابعين، والحسن، وطاوس وعطاء. وذهب الشافعي إلى أن الجد لا يسقط الإخوة والأخوات للأب، وهو قول عمر، وعثمان، وعلي ـ رضي الله عنهم ـ وهو قول مالك، وأبي يوسف ومحمد. واحتج أبو حنيفة ـ رضي الله عنه ـ بأدلة منها هذه الآية الكريمة، وأنه أطلق لفظ الأب على الجد. فإن قيل: قد أطلقَهُ على العمِّ، وهو إسماعيل مع أنه ليس بأب اتفاقاً. فالجواب: الأصل في الاسْتِعْمَال الحقيقة وترك العمل به في العم لدليل قام به، فيبقى في الثاني حجة. والثاني: منها قوله ـ تبارك وتعالى ـ مخبراً عن يوسف: {أية : وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَٰقَ}تفسير : [يوسف:38]. ومنها: ما روى عطاء عن ابن عباس أنَّهُ قال: من شاء لاَعَنْتُهُ عند الحجر الأسود أنّ الجدَّ أب. وقال أيضاً: ألا لا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابناً، ولا يجعل أب الأب أباً. واحتجَّ الإمام الشافعي ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ بأدلّة. منها: {أية : وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ}تفسير : [البقرة:132] فلم يدخل يعقوب في بنيه، بل ميَّزه عنهم، فلو كان الصاعد في الأبوَّة أباً لكان النازل في البنوَّة ابناً في الحقيقة، فلما لم يكن كذلك ثبت أن الجدَّ ليس بأب [ومنها أن الأب لا يصح نفي اسم الأبوة عنه بخلاف الجد، فعلمنا أنه حقيقة من الأب مجاز الجد]. ولو كان الجد أباً على الحقيقة لما صح لِمَنْ مات أبُوه وجدُّه حَيٌّ أن ينفي أنَّ له أباً، كما لا يصح في الأب القريب، ولما صح ذلك علمنا أنه ليس بأب في الحقيقة. فإن قيل: اسم الأبوة وإن حصل في الكل إلا أنَّ رُتْبَةَ الأدنى أقْرَبُ من رتبةِ الأبعد، فلذلك صح فيه النفي. فالجواب: لو كان الاسم حقيقة فيهما جميعاً لم يكن الترتيب في الوجود سبباً لنفي اسم الأب عنه. ومنها: لو كان الجد أباً على الحقيقة لصحَّ القول بأنَّهُ مات، وخلف أُمًّا وآباء كثيرين، وذلك مما لم يطلقه أحدٌ من الفقهاء، وأرباب اللغة، والتفسير. ومنها: [لو كان الجدُّ أباً ـ ولا شكَّ] أنَّ الصحابة عارفون باللغة ـ لما كانوا يختلفون في ميراث الجد، ولو كان الجد أباً لكانت الجدة أُمًّا، ولو كان كذلك لما وقعت الشُّبهة في ميراث الجدة حتى يحتاج أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ إلى السؤال عنه، [فهذه الدلائل دلت على أنَّ الجدَّ ليس بأب]. ومنها: قوله تعالى: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنثَيَيْنِ}تفسير : [النساء:11] فلو كان الجدُّ أباً لكان ابن الابن ابناً لا محالة، فكان يلزم بمقتضى هذه الآية حصول الميراث لابن الابن مع قيام الابن، ولما لم يكن كذلك علمنا أن الجد ليس بأب. وأما الجواب عن الآية الكريمة فمن وجهين: الأول: أنه قرأ أُبيّ: "وإلهَ إبْرَاهِيمَ" بطرح "آبائك" إلاَّ أنَّ هذا لا يقدح في الغرض؛ لأن القراءة الشاذَّة لا تدفع القراءة المتواترة. بل الجواب أن يقال: إنَّه أطلق لفظ الأب على الجدِّ وعلى العمِّ. "حديث : وقال عليه الصلاة والسلام في العبَّاس: هَذَا بَقِيَّةُ آبَائِي ". تفسير : وقال: "حديث : رُدُّوا عَلَيَّ أبي، فإنِّي أخْشَى أنْ تَفْعَلَ بِهِ قُرَيْشٌ مَا فَعَلَتْ ثَقِيفٌ بِعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودِ"تفسير : ، فدلنا ذلك على أنَّهُ ذكره على سبيل المجاز، ولو كان حقيقة لما كان كذلك. وأمَّا قول ابن عباس فإنما أطلق الاسم عليه نظراً إلى الحكم الشرعي، لا إلى الاسم اللغوي؛ لأن اللغات لا يقع الخلاف فيها بين أهل اللِّسَان. قوله: "إلهاً واحداً" فيه ثلاثة أَوْجُهٍ: أحدها: أَنَّهُ بَدَلٌ من "إلهك" بدل نكرة موصوفة من معرفة كقوله: {أية : بِٱلنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ}تفسير : [العلق:15ـ16]. والبصريون لا يشترطون الوصف مستدلين بقوله: [الوافر] شعر : 805ـ فَلاَ وَأَبِيكِ خَيْرٍ مِنْكِ إِنِّي لَيُؤْذِينِي التَّحَمْحُمُ والصَّهِيلُ تفسير : فـ "خير" بدلٌ من "أبيك"، وهو نكرةٌ غيرُ موصوفةٍ. والثاني: أنَّهُ حال من "إلهك" والعامل فيه "نعبد"، وفائدة البدل والحال التنصيص على أنَّ معبودهم فَرْدٌ إذْ إضافة الشيء إلى كثير تُوهِم تَعْدَادَ المضاف، فنصَّ بها على نفي ذلك الإبهام. وهذه الحال تسمى "حالاً مُوَطِّئة"، وهي أن تذكرها ذاتاً موصوفة، نحو: جاء زيد رجلاً صالحاً. الثالث: وإليه نَحَا الزَّمَخْسَرِيُّ: أن يكون منصوباً على الاختصاص، أي: نريد بإلهك إلهاً واحداً. قالوا: أبو حيَّان رحمه الله: وقد نصّ النحويون على أن المنصوب على الاختصاص لا يكون نكرةً ولا مبهماً. قوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} في هذه الجملة ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنَّها معطوفةٌ على قوله: "نعبد" يعني: أنها تتمّةُ جوابهم له، فأجابوه بزيادة. والثاني: أنهَّا حال من فاعل "نعبد"، والعامل "نعبد". والثالث: وَإليه نَحَا الزَّمخشري: ألاَّ يكون لها محل، بل هي جملة اعتراضيّة مؤكدة، أي: ومن حالنا أنَّا له مخلصون. قال أبو حيّان: ونصّ النحويون على أنَّ جملة الاعتراض هي التي تفيد تقويةً في الحكم، إمّا بين جزئَيْ صلة وموصول؛ كقوله: [البسيط] شعر : 806ـ مَاذَا وَلاَ عَتْبَ في المَقْدُورِ ـ رُمْتَ أَمَا يَكْفِيكَ بِالنُّجْحِ أمْ خُسْرٌ وتَظْلِيلُ تفسير : وقوله: [الكامل] شعر : 807ـ ذَاكَ الَّذِي ـ وَأَبِيكَ ـ يَعْرِفُ مالِكاً وَالحَقُّ يَدْفَعُ تُرَّهَاتِ البَاطِلِ تفسير : أو من مُسْنَد ومُسْنَد إليه كقوله: [الطويل] شعر : 808ـ وَقَدْ أَدْرَكَتْنِي ـ والحَوَادِثُ جَمَّةٌ ـ أَسِنَّةُ قَوْمٍ ضِعَافٍ وَلاَ عُزْلِ تفسير : أو بين شرط وجزاء، أو قسم وجوابه، مما بينهما تلازم. وهذه الجملة قبلها كلامٌ مستقل عمّا بعدها، لا يُقَال: إنَّ بين المشار إلَيْهِ وبين الإخبار عنه تلازماً؛ لأنَّ ما قبلها من مقول بني يعقوب، وما بعدها من كلام الله تعالى، أخبر بها عنهم، والجملة الاعتراضية إنما تكون من الناطق بالمتلازمين لتوكيد كلامه. انتهى ملخصاً. وقال ابن عطية: {ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} ابتداء وخبر، أي: كذلك كنا، ونحن نكون. قال أبو حيان: يظهر منه أنَّهُ جعل هذه الجملة عطفاً على جملةٍ محذوفة، ولا حاجة إليه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {أم كنتم شهداء} يعني أهل مكة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ‏ {‏أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت‏} الآية‏.‏ قال‏:‏ يقول لم تشهد اليهود ولا النصارى ولا أحد من الناس يعقوب إذ أخذ على بنيه الميثاق إذ حضره الموت ألا تعبدوا إلا إياه، فأقروا بذلك وشهد عليهم أن قد أقروا بعبادتهم، وأنهم مسلمون‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس‏.‏ أنه كان يقول‏:‏ الجد أب، ويتلو ‏ {‏قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي زيد في الآية قال‏:‏ يقال بدأ بإسمعيل لأنه أكبر‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في الآية قال‏:‏ سمى العم أبا‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب قال‏:‏ الخال والد والعم والد، وتلا ‏ {‏قالوا نعبد إلهك وإله آبائك‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه كان يقرأ ‏{‏نعبد إلهك وإله أبيك‏}‏ على معنى الواحد‏.‏

ابو السعود

تفسير : فنزلت {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ} أم منقطعةٌ مقدّرة ببل والهمزة، والخطابُ لأهل الكتاب الراغبـين عن ملة إبراهيمَ وشهداءَ جمع شهيد أو شاهد بمعنى الحاضِر و(إذ) ظرفٌ لشهداءَ والمرادُ بحضور الموت حضورُ أسبابه وتقديمُ يعقوبَ عليه السلام للاهتمام به إذ المرادُ بـيانُ كيفية وصيته لبنيه بعد ما بـين ذلك إجمالاً ومعنى بل الإضرابُ والانتقال عن توبـيخهم على رغبتهم عن ملة إبراهيم عليه السلام إلى توبـيخهم على افترائهم على يعقوبَ عليه السلام باليهودية حسبما حُكي عنهم وأما تعميمُ الافتراء ههنا لسائر الأنبـياءِ عليهم السلام كما قيل فيأباه تخصيصُ يعقوبَ بالذكر، وما سيأتي من قوله عز وجل: {أية : أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرٰهِيمَ} تفسير : [البقرة، الآية 140] الخ ومعنى الهمزة إنكارُ وقوعِ الشهود عند احتضارِه عليه السلام وتبكيتُهم، وقولُه تعالى: {إِذْ قَالَ} بدلٌ من إذ حَضَر أي ما كنتم حاضرين عند احتضارِه عليه السلام وقولِه: {لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى} أي أيَّ شيءٍ تعبدُونه بعد موتي فمن أين لكم أن تدّعوا عليه عليه السلام ما تدّعون رجماً بالغيب وعند هذا تم التوبـيخُ والإنكار والتبكيتُ، ثم بَـيّن أن الأمر قد جُرِّبَ حينئذ على خلاف ما زعموا وأنه عليه السلام أراد بسؤاله ذلك تقريرَ بنيه على التوحيد والإسلامِ وأخذَ ميثاقِهم على الثبات عليهما إذ به يتِمُّ وصيّتُه بقوله: فلا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمونَ. و(ما) يُسأل به عن كل شيء ما لم يُعرَّفْ فإذا عُرِّف خَصَّ العقلاء بمَنْ إذا سئل عن شيء بعينه وإنْ سُئل عن وصفِه قيل: ما زيدٌ؟ أفقيهٌ أم طبـيبٌ؟ فقوله تعالى: {قَالُواْ} استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ عن حكاية سؤال يعقوبَ عليه السلام كأنه قيل: فماذا قالوا عند ذلك فقيل قالوا: {نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ} حسبما كان مرادُ أبـيهم بالسؤال أي نعبدُ الإلٰهَ المتفَّقَ على وجوده وإلٰهيتِه ووجوبِ عبادته، وعَدُّ إسماعيلَ من آبائه تغليباً للأب والجد لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : عمُ الرجل صِنْوُ أبـيه» تفسير : وقولِه عليه السلام في العباس: «حديث : هذا بقيةُ آبائي»تفسير : وقرىء أبـيك على أنه جمع بالواو والنون كما في قوله: [المتقارب] شعر : فلما تَبَـيَّنَّ أصواتَنا بكَيْنَ وفَدَّيْننا بالأبـينا تفسير : وقد سقطت النون بالإضافة، أو مفردٌ وإبراهيمُ عطفُ بـيانٍ له وإسماعيلَ وإسحاقَ معطوفان على أبـيك {إِلَـٰهاً وٰحِداً} بدل من إلٰه آبائك كقوله تعالى: {أية : بِٱلنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَـٰذِبَةٍ} تفسير : [العلق، الآية 15، 16] وفائدته التصريحُ بالتوحيد ودفعُ التوهم الناشىءِ من تكرير المضافِ لتعذر العطفِ على المجرور أو نُصب على الاختصاص {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} حال من فاعل نعبدُ أو من مفعوله أو منهما معاً، ويُحتمل أن يكون اعتراضاً محقّقاً لمضمون ما سبق.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ}. جروا كلهم - صلوات الله عليهم - على منهاج واحد في التوحيد والإسلام، وتوارثوا ذلك خَلَفًا عن سَلَف، فهم أهل بيت الزلفة، ومستحقو القربة، والمُطَهَّرون من قِبَل الله - على الحقيقة. قوله جلّ ذكره: {إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}. لم يقولوا إلهنا مراعاة لخصوصية قَدْره، حيث سلموا له المزية، ورأوا أنفسهم ملحقين بمقامه، ثم أخبروا عن أنفسهم أنهم طُيَّع له بقولهم {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}.

اسماعيل حقي

تفسير : {ام كنتم شهداء} لاهل الكتاب الراغبين عن ملة ابراهيم عليه السلام وام منقطعة مقدرة ببل والهمزة. قال فى التيسير ام اذا لم يتقدمها الف الاستفهام كانت بمنزلة مجرد الاستفهام ومعنى الهمزة فيها الانكار يعنى أكنتم شهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر يريد ما كنتم حاضرين {إذ حضر يعقوب الموت} اى اماراته واسبابه وقرب خروجه من الدنيا نزلت حين قالت اليهود للنبى عليه السلام ألست تعلم ان يعقوب اوصى بنيه باليهودية يوم مات فقال تعالى ما كنتم حاضرين حين احتضر يعقوب وقال لبنيه ما قال والا لما ادعيتم عليه اليهودية ولكان حرضكم على ملة الاسلام {إذ قال لبنيه} بدل من اذ حضر والعامل فيها شهداء {ما تعبدون من بعدى} اى أى شىء تعبدونه بعد موتى اراد به تقريرهم على التوحيد والاسلام واخذ ميثاقهم على الثبات عليهما. قال الراغب لم يعن بقوله ما تعبدون من بعدى العبادة المشروعة فقط وانما عنى ان يكون مقصودهم فى جميع الاعمال وجه الله تعالى ومرضاته وان يتباعدوا عما لا يتوسل به اليها وكأنه دعاهم الى ان لا يتحروا فى اعمالهم غير وجه الله تعالى ولم يخف عليهم الاشتغال بعبادة الاصنام وانما خاف ان تشغلهم دنياهم ولهذا قيل ما قطعك عن الله فهو طاغوت ولهذا قال واجنبنى وبنى ان نعبد الاصنام اى ان نخدم ما دون الله قال فى المثنوى شعر : جيست دنيا از خدا غافل شدن نى قماش ونقره وفرزند و وزن تفسير : قال النحرير التفتازائى وما عام اى يصح اطلاقه على ذى العقل وغيره عند الابهام سواء كان للاستفهام ام غيره واذا علم ان الشى من ذى العقل والعلم فرق بمن وما فيخص من بذى العلم وما بغيره وبهذا الاعتبار يقال ان ما لغير العقلاء انتهى كلامه وتم الانكار عليهم عند قوله ما تعبدون من بعدى ثم استأنف وبين ان الامر قد جرى على خلاف ما زعموا فقال {قالوا} كأنه قيل فماذا قالوا عند ذلك فقيل قالوا {نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} اى نعبد الآله المتفق على وجوده وآلهيته ووجوب عبادته وجعل اسماعيل وهو عمه من جملة الآباء تغليبا للاب والجد لان العم أب والخالة أم لانخراطهما فى سلك واحد وهو الاخوة لا تفاوت بينهما ومنه قوله عليه السلام "حديث : عم الرجل صنو أبيهbr>". تفسير : اى لا تفاوت بينهما كما لا تفاوت بين صنوى النخلة {إلها واحدا} بدل من اله آبائك وفائدته التصريح بالتوحيد ودفع التوهم الناشئ من تكرر المضاف او نصب على الاختصاص كأنه قيل نريد ونعنى بآله آبائك آلها واحدا {ونحن له مسلمون} حال من فاعل نعبد.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {أم}: منقطعة، والاستفهام فيها للإنكار، أي: ما كنتم حاضرين حين حضر يعقوب الموت، وقال لبنيه ما قال، فكيف تدعون اليهودية عليه، و {إلهاً واحداً} بدل من {إله آبائك}، وفائدته التصريح بالتوحيد، ونفي التوهم الناشىء عن تكرير المضاف، لتعذر العطف على المجرور، والتأكيد، أو نصب على الاختصاص أو الحال، وعد إسماعيل من الآباء تغليباً، أو لأنه كالأب؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام-:"حديث : عَمُّ الرُجلِ صِنْوُ أبيه"تفسير : وقال في العباس:"حديث : هذا بقية آبائي"تفسير : . قاله البيضاوي. يقوله الحق جلّ جلاله: في توبيخ اليهود على زعمهم أن اليهودية كانت ملة إبراهيم، وأن يعقوب عليه السلام أوصى بها عند موته، فقال: هل كنتم حاضرين عند يعقوب حين حضرته الوفاة حتى أوصى بما زعمتهم؟ وإنما كانت وصيته أن قال لبنيه: {ما تعبدون من بعدي} أيْ: أيّ شيء تعبدونه؟ أراد به تقريرهم على التوحيد وأخذ ميثاقهم على الثبات عليه، {قالوا} في جوابه: {نعبد إلهك} المتفق على وجوب وجوده وثبوت ألوهيته الذي هو {إلهك وإله آبائك} قبلك {إبراهيم} وولده {إسماعيل وإسحاق} الذي هو إلهٌ واحدٌ. ونحون منقادون لأحكامه، مستسلمون لأمره إلى مماتنا، فلم يوص يعقوب إلا بما سمعتم، فانتسابكم يا معشر اليهود إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم، وإنما تنتفعون بموافقتهم واتباعهم. فتلك {أمة} أي: جماعة {قد خلت لها ما كسبت} من الخير، {ولكم ما كسبتم} أنتم، {ولا تسألون عما كانوا يعملون} فلا تؤاخذون بسيئاتهم، كما لا تثابون بحسناتهم. وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم لقريش:"حديث : لا يأتيني الناسُ بأعمَالهِم وتَأتُوني بأنْسَابِكُم ". تفسير : الإشارة: يقال لمن حصرَ الخصوصية في أسلافه، ونفاها عن غيرهم: هل حضرتم معهم حين أوصوا بذلك؟ بل ما كانوا يوصون إلا بإخلاص العبودية، وتوحيد الألوهية، ومشاهدة عظمة الربوبية، فمن حصّل هذه الخصال كانت الخصوصية معه أينما كان، ومَن حاد عنها ومال إلى متابعة الهوى انتقلت إلى غيره، ويقال له: إن أسلافه قد جَدُّوا ووجَدُوا، وأنت لا تنتفع بأعمالهم في طريق الخصوصية، {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم...} الآية. وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : {أم} ها هنا منقطعة وليست بمتصلة كقوله {أية : الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه} تفسير : ومثله قول الشاعر: شعر : كذبتك عينُك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا تفسير : ولا تجيء منقطعة الألف وقد تقدمها كلام، لانها بمعنى بل، وألف الاستفهام. كأنه قيل: بل كنتم شهداء، ومعناها ـ هنا ـ الجحد: اي ما كنتم شهداء. واللفظ لفظ الاستفهام. والمعنى على خلافه، لأن إخراجه مخرج الاستفهام أبلغ في الكلام، وأشد مظاهرة في الحجاج: أن يخرج الكلام مخرج التقرير بالحق فتلزم الحجة، والانكار له فتظهر الفضيحة، فلذلك اخرج الجحد في الاخبار مخرج الاستفهام. والمخاطب بـ {أم كنتم شهداء} أهل الكتاب في قول الربيع. والمعنى: انكم لم تحضروا ذلك، فلا تدّعوا على انبيائي ورسلي الأباطيل بنحلكم اياهم خلاف الاسلام من اليهودية والنصرانية، فاني ما بعثتهم إلا بالحنفية. والشهداء جمع شهيد. و {إذ} ها هنا بدل من {إذ} الاولى، والعامل فيها معنى الشهادة. وقيل بل العامل فيها حضر، وكلاهما حسن. اللغة: والحاضر والشاهد من النظائر. ونقيض الحاضر الغائب. ويقال: حضر حضوراً، واحضره إحضاراً، واستحضره استحضاراً، واحتضره احتضاراً، وحاضره محاضرة. والحضر خلاف البدو. وحضرت القوم أحضرهم حضوراً: اذا شهدتم. والحاضر خلاف الغائب. واحضر الفرس إحضاراً: اذا عدا عدواً شديداً واستحضرته استحضاراً. والحضرة الجماعة من الناس ما بين الخمسة إلى العشرة. وحاضرت الرجل محاضرة وحضاراً: اذا عدوت معه. وحاضرته: اذا جانيته عند السلطان، أو في خصومة، ومحضر القوم مرجعهم إلى المياه بعد النجعة، وفرس محضر. ولا يقال: محضاراً. وألقت الشاة حضيرتها يعني المشيمة وغيرها. والابل الحضار البيض. لا واحد لها من لفظها مثل الهجان سواء. وحضرة الرجل فناؤه وأصل الباب الحضور: خلاف الغيبة. الاعراب: وقوله {إلهاً واحداً} يحتمل انتصابه أحد أمرين: احدهما ـ أن يكون حالا من قوله: {إلهك}: والآخر ـ أن يكون بدلا من إلهك. وتكون الفائدة فيه التوحيد، وانما قدم اسماعيل على اسحاق، لأنه كان اكبرهم. وبه قال ابن زيد. وقوله: {ونحن له مسلمون} الجملة في موضع نصب على الحال. وقيل لا موضع لها، لانها على الاستئناف و {إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} في موضع خفض. والعامل فيها ما عمل في ابائك، لانه مبين له. كما تقول: مررت بالقوم: اخيك، وغلامك وصاحبك. وانما قال: {آبائك} واسماعيل عم يعقوب، لما قاله الفراء وابو عبيدة: من أن العرب تسمي العم أباً فالآية دالة على ان العمومة يسمون آباء. وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: حديث : ردّوا علي ابي تفسير : يعني العباس عمه فسمي العم أباً كما سمي الجد أباً من حيث يجب له التعظيم، نحو ما يجب للأب، وقد قرىء في الشواذ واله أبيك، فعلى هذا ينجر اسماعيل واسحاق على العطف، وهو غير المعنى الاول، لانه مترجم عن الآباء وفي الثاني عطف غير ترجمة كما تقول رأيت غلام زيد وعمر، أي غلامهما فكانه قال: لهم ولم يذكر بالابوة إلا ابراهيم وحده والقراءة الاولى هي المشهورة وعليها القراء.

الجنابذي

تفسير : {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ} ام منقطعة متضمّنة للهمزة والمقصود اظهار انّ بنى يعقوب أقرّوا بعبادة الله وتوحيده تعريضاً باليهود والنّصارى فى عبادة العزير والمسيح، وأقرّوا بالاسلام تعريضاً بنفى التهوّد والتنصّر {إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ} بدل من اذ حضر {لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي} سأل (ع) عمّا يعبدونه تذكيراً بالتّوحيد وتقريراً لهم عليه وعلى الاسلام {قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} عدّوه من الاباء لانّ العمّ كالأب ويسمّيه العرب اباً {وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً} صرّح بالتّوحيد تعريضاً باليهود والنّصارى فى القول بأنّ عزيراً ابن الله والمسيح ابن الله او ثالث ثلاثةٍ {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} لا يهوديّون ولا نصرانيّون.

الأعقم

تفسير : {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت} روي ان اليهود قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ان يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهوديَّة فنزلت الآية {تلك أمة} اشارة الى الأم المذكورة التي هي ابراهيم ويعقوب وبنوهما الموجودون والمعنى ان احداً لا ينفعه كسب غيره متقدماً كان أو متأخراً فكما أن أولئك لا ينفعهم الا ما كسبوا كذلك انتم لا ينفعكم الا ما كسبتم. {ولكم ما كسبتم} وذلك انهم افتخروا باوائلهم، ونحوه قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : يا بني هاشم لا يأتوني الناس باعمالهم وتأتوني بأنسابكم"تفسير : . {ولا تسألون عما كانوا يعملون} ولا تؤاخذون بسيئاتهم كما لا ينفعكم حسناتهم. {قل بل ملة إبراهيم حنيفاً} والحنيف المائل عن كل دين باطل الا دين الحق {وما كان من المشركين} تعريض بأهل الكتاب وغيرهم. {قولوا آمنا بالله} الآية، خطاب للمؤمنين ويجوز ان يكون خطاباً للكافرين والأسباط السبط الحافد وكان الحسن والحسين (عليهما السلام) سبطي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والاسباط حفدة يعقوب ابناؤه الاثني عشر {لا نفرق بين أحد منهم} أي لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى {فان آمنوا بمثل ما آمنتم به} أي ان آمنوا بالله والنبي والقرآن {فقد اهتدوا وإن تولوا} عما يقولون لهم ولم ينصفوا فما هم الا {في شقاق} اي معاندة لا غير وليسوا من طلب الحق في شيء، أو فإن تولوا عن الشهادة والدخول في الايمان {فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} ضمان من الله لاظهار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد انجز له ما وعده بقتل بني قريظة وسبيهم واجلاء بني النضير بوعده {صبغة الله} الاصل فيه ان النصارى كانوا يغمسون اولادهم في ماء يسمونه العموديَّة ويقولون: هو تطهير لهم فاذا فعل الواحد منهم ذلك قال: الآن صار نصرانياً حقاً، وصبغة الله هي الايمان {ومن أحسن من الله صبغةً} يعني أنه يصبَغُ عباده بالايمان ويطهرهم {ونحن له مخلصون} قيل: ان يخلص العبد عمله ودينه ولا يرائي، ولا يشرك به في دينه ولا يرائي بعمله، وقيل: ان يستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن، وفي الحديث: "حديث : لكل حق حقيقة وما بلغ احد حقيقة الإخلاص حتى لا يحب ان يحمد على شيء مما عمله لله تعالى"تفسير : ، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: "حديث : سألت جبريل عن الإخلاص ما هو؟ قال: سر من أسراري أستودعه قلب من احب من عبادي" تفسير : {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} يعني التي شهد بها لإبراهيم في قوله: {أية : ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين} تفسير : [آل عمران: 67] وقيل: ما احد أظلم من اليهود حيث كتموا شهادة الله تعالى لمحمد (عليه السلام) بالنبوة في كتبهم فكتموها.

اطفيش

تفسير : {أم كُنتم}: يا يهود. {شُهداء إذْ حَضَر يَعْقوبَ الموتُ}: أم هذه للاستفهام التوبيخى والإضراب الانتقالى، وهى حرف ابتداء لا عاطفة، وذلك من التوبيخ الذى لم يقع ما وبخ عليه، ويجوز أن يكون ذلك الاستفهام للإنكار، أى ما كنتم حاضرين يا يهود إذ حضر يعقوب الموت، وقال لبينه ما قال، فيم تدعون عليه اليهودية، والإيصاء بها ويجوز أن تكون أم متصلة عاطفة على محذوف، أى أتدعون على الأنبياء اليهودية فيكون يعقوب منها ويأمر بها، أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت، وسمعتم منه الوصية بها فى جملة ما أوصى به، أو أكنتم غائبين أم كنتم شهداء، ويجوز أن يكون الخطاب لليهود والنصارى، فإن النصارى أيضاً يدعون أن الأنبياء على النصرانية، وكانت اليهود يقولون ما مات نبى إلا على اليهودية، وقيل الخطاب للمؤمنين، والمعنى: ما شهدتم إذ حضر يعقوب الموت، وإنما حصل لكم العلم بما قال لأولاده من الإيصاء بالإيمان من طريق الوحى، وعلى هذا تكون أم للاستفهام الإنكارى والإضراب الانتقالى، وهى حرف ابتداء، والاستفهام بأم فى صدر الكلام لغة يمانية فيما قال بعض، يعنى فى صدر كلام تقدمه كلام آخر بينهما اتصال كما قال الطبرى: إن أم يستفهم بها فى وسط الكلام قد تقدم صدره، وإن هذه منها.. وشهداء بمعنى حاضرين جمع شهيد بمعنى حاضر، أو جمع شاهد بمعنى حاضر، كعاقل وعقلاء، وعالم وعلماء، وشاعر وشعراء وقرئ إذ حضر (بكسر الضاد) وهو لغة. {إذْ}: بدل من إذ. {قالَ لِبنِيهِ ما تعْبدونَ مِنْ بَعْدِى}: ما استفهامية مفعول مقدم لتعبدون، والمعنى أى شئ تعبدون بعد موتى؟ قال لهم ذلك ليقولوا لهُ نعبد إلهك وإله آبائك، فيكون قد أخذ الميثاق عنهم على الثبات على الإسلام، وهذا رد عظيم على اليهود، وذلك أنهم ادعوا على يعقوب الإيصاء باليهودية، فقال لهم الله عز وجل: هل حضرتم حين شارف وأوصى بنيه بما يخالف اليهودية ويبطلها، وهو رد واستشهاد كقولك لزيد: أم أجالسك فى المسجد من الظهر إلى العصر، تريد الرد على من قال إنك كنت فى السوق بين الظهر والعصر. وإن قلت لم قال: {ما تعبدون} ولم يقل من تعبدون، مع أن ما لغير من يتصف بالعلم، ومن لم يتصف به، ومعبودهم هو الله تعالى وهو أعلم العالمين؟ قلت: لأنه أراد أن يخرج الكلام إليهم عاما كل العموم، فيجيبوه بأخص خاص كأنه لم يعرف ما يعبدون، أهو متصف بالعلم أم لا، وما يسأل بها عن كل شئ ما لم يعرف، وإذا عرف متصفا بالعلم سئل عنه بمن إذا أريد تعيينه، ويجوز السؤال بها فيمن يتصف بالعلم إذا أريد السؤال عن صفته، لأن الصفة لا توصف بالعلم، تقول: ما زيد أفقية أم طبيب؟ تريد السؤال هل صفته فقه أو طب، ويجوز تفسير الآية بهذا فيكون المعنى صاحب أى صفة تعبدون، فأجابوه بأنا نعبد من صفته الألوهية لك ولآبائك والوحدانية، ويروى أن الله ـ جل وعلا ـ لم يقبض نبيّاً حتى يخيره بين الموت والحياة، ولما خير يعقوب وقد رأى أهل مصر يعبدون الأوثان والنيران، قال لله جل وعلا: أنظرنى حتى أوصى ولدى فأمهله فجمع ولده وولد ولده كلهم فقال لهم: قد حضر أجلى ما تعبدون من بعدى؟ فأجابوه بما حكى الله عنهم بقوله: {قالُوا نعْبدُ إلهكَ وإله آبائِكَ إبْراهِيم وإسماعِيلَ وإسحاقَ}: إله هؤلاء هو الله سبحانه وتعالى الواجب الوجود، الذى تجب عبادته، وعد إسماعيل أبا تغليباً للأب والجد، فإن إسماعيل عم يعقوب لا أبوه ولا جده ولأن العم كالأب، ويسمى أبا، كما قيل فى آزر إنه عم إبراهيم، وقد سماه الله أباه، وفى صحيح البخارى ومسلم قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "حديث : عُّم الرجل صنو أبيه" تفسير : أى مثله فى أن أصلهما واحد، كنخلتين أصلهما واحد. وقال فى العباس رضى الله عنه: "حديث : هذا بقية آبائى"تفسير : رواه الطبرانى، وقال صلى الله عليه وسلم فيه رضى الله عنه: "حديث : ردوا على أبى فإنى أخشى أن تفعل به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود"، تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا ابن الذبيحين" تفسير : فإن أحدهما أبوه عبدالله إذ وقع السهم عليه أن يذبحه أبوه تقرباً، ففدى بمائة من الإبل، والآخر إسحاق فإنه أخو أبيه إسماعيل، فليس يجده، فسمى نفسه أنه ابنه مع ذلك، لكن الراجح أن أحدهما إسماعيل وهو المشهور، لا ما قيل إن المشهور أنه إسحاق، والعرب تسمى العم أباً والخالة أما، وقدم إسماعيل على إسحاق لأنه أكبر منه، ولأنه جد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى ينتهى إليه أمر الإسلام الذى فيه الكلام، وسواء قدموه حين قالوا أو قدمه الله، فإن كانوا قدموه كما هو ظاهر الآية فالعلة أنه أكبر، أو علموا من الوحى أنه جد رسول الله، صلى الله عليه وسلم الذى هو صفوة الرسل كلهم وسر الوجود، ثم ظهر لى وجه محتمل هو أن يعطف إسماعيل على آبائك لا على إبراهيم، فلا يدخل فى جملة الآباء، وعلى هذا الاحتمال يكون المراد بالآباء: إبراهيم وإسحاق أطلق عليهما لفظ الجمع. وقرأ أبى: {وإله إبراهيم} بطرح آبائك وقرأ: {وإله أبيك} إما على أنه جمع بالياء والنون حذفت النون للإضافة والياء الموجودة ياء الجمع ولام الكلمة محذوفة، تقول جاء أبوك الكرام، أى الأبون لك الكرام. قال زياد ابن واصف السلمى فى نسوة أسرن: شعر : ولما تبيَّن أصواتنا بكين وفَّديننا بالأبينا تفسير : أى لما عقلن أصواتنا، وروى أشياخنا بكين، وقلن جعل الله فداءكم الأبين، أى آباءنا، والألف بعد نون الأبينا للاطلاق، وإما على أنهُ مفرد والياء بدل من لام الكلمة، وعلى هذا يكون إبراهيم عطف بيان أو بدلا وحده، فيعطف إسماعيل وإسحاق على أبيك، وإن قلت إلهك وإله آبائك وإله واحد، قلت إله واحد لكن أعاد ذكر إله لأنه لا يعطف فى الغالب على الضمير المخفوض المتصل إلا بإعادة الخافض، والخافض هنا هو المضاف وهو إله، وأفاد ذلك توكيداً، وأيضاً كرر بالعطف باعتبار الصفة المتكررة، فإنه بمنزلة قولك: نعبد الذى ثبتت ألوهيته لك وألوهيته لآبائك، كقولك جاء زيد العالم العاقل، بمعنى جاء زيد المتصف بالعلم والعقل، ونفى ما يوهم ذكر الإله فى الموضعين من تعدد المعبود بقوله: {إلهاً واحداً}: فإنه توحيد صريح، والنصب فى الهاء على البدلية من إلهك، أو على الحالية منه اللازمة وهى موطئه، لأنها جامدة موصوفة بمشتق وهو قوله واحد، أو على الاختصاص، أى نريد إلهاً واحداً، أو نعنى إلهاً واحداً، أو تخص إلهاً واحداً، لكن نصب النكرة على الاختصاص قليل، وسهله هنا وصفها فكانت كالمعرفة. {ونحنُ لهُ مسْلمونَ}: مخلصون فى العبادة أو العبودية أو التوحيد، أو مذعنون. والجملة حال من الضمير فى (نعبد) أو (من إلهك) أو منهما والبيانيون يجيزون الاعتراض آخر الكلام، فيجوز على طريقهم كونها معترضة للتأكيد، أى ومن حالنا إنا له مسلمون، ويجوز عطف تلك الجملة الاسمية على الجملة الفعلية، وهى نعبد تلك الأمة أو الجماعة وهى إبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيلن أو هم وبنوهم المؤمنون، فالإشارة إليهم، وإنما أنت اسم الإشارة وهم ذكور لتأنيث الخبرن أو لتأويلهم بالأمة أو الجماعة، بدليل الإخبار عليهم بالأمة، وإنما تسمى الجماعة أو الفرقة من الناس أمة، لأن الفرق تؤمها أى تقصدها، والأمة فى الأصل المقصود.

اطفيش

تفسير : {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ} جمع شاهد كعالم وعلماء، أو شهيد ككريم وكرماء {إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ} قالت اليهود، لعنهم الله، للنبى صلى الله عليه وسلم: ألم تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية، وما مات نبى إلا عليها، فنزل {أم كنتم شهداء} وعنوا باليهودية ملة موسى، وعنوا ألا تخالف فيما خالفها القرآن والإنجيل فيه، أو عنوا اليهودية المحدثة الباطلة، فكذبهم الله بأن يعقوب أوصاهم بدين الحق ولم تحضروا، ولو حضرتم فى زمانه لسمعتموه فى ذلك، وإنما اليهودية بعد موسى {إِذْ} بدل من إذ {قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِىَ} من بعد موتى، أراد بما العموم، من يعلم ومن لا يعلم، ويبعد أن يكون المراد ما لا يعلم فقط، وأنه كمختبر لهم، وكانت المعبودات فى زمانه أصناماً ونجوماً وغير ذلك مما لا يعلم، فيقول لهم: أيها تعبدون، فأجابوا أن لا نعبدها، بل نعبدالله، كما قال {قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَائِكَ} أى الله الذى هو معبودك، ومعبود آبائك {إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَٰعِيلَ} عده أباً ليعقوب تغليباً للأكثر، ولأنه عمه، والعم أب، كما فى الحديث، وأن العم صنو الأب، وأن العباس بقية آبائى، وقال: ردوا علىّ، أى، وهو العباس حين بعثه لمكة ليدعوهم، لئلا يقتلوه، واحفظونى فى العباس فإنه بقية آبائى، وقدمه على إسحاق الأب الحقيقى تغليباً، ولكبر سنه، إذ زاد على أخيه إسحاق بأربع عشر سنة، ولأنه جد نبينا صلى الله عليه وسلم، ولو جعلنا إبراهيم بدلاً من إله على حذف مضاف، أى إله إبراهيم لم نحتج لتأويل فى ذكر إسماعيل إلا أن فيه سوء أدب {وَإِسْحَٰقَ إِلَٰهاً وَٰحِداً} بدل من إلهك، أو نعنى إلهاً واحداً، تصريح بالتوحيد نفياً للتعدد المتوهم من قوله {إلهك وإله آبائك} فإن أغلبية كون العرفة المكررة عين الأولى لا تكون نصا، ولأنها فى غير العطف، أما فيه فكما هنا، فقد عارضها أغلبية أخرى، هى أن الأصل فى العطف التغاير، وقد تستفاد الوحدة من الهاء، فيكون قوله واحداً نقياً للتركيب والمشاركة فى الصفات {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} مخلصون التوحيد، أو منقادون لأمره ونهيه.

الالوسي

تفسير : {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ} الخطاب لجنس اليهود أو الموجودين في زمانه صلى الله عليه وسلم على ما يشير إليه سبب النزول فقد ذكر الواحدي أن الآية نزلت في اليهودي حين قالوا للنبـي صلى الله عليه وسلم: ألست تعلم أن يعقوب لما مات أوصى بنيه باليهودية؟ و {أَمْ} إما منقطعة بمعنى بل، وهمزة الإنكار، ومعنى بل الإضراب عن الكلام الأول وهو بيان التوصية إلى توبيخ اليهود على ادعائهم اليهودية على يعقوب وأبنائه، وفائدته الانتقال من جملة إلى أخرى أهمّ منها أي ما كنتم حاضرين حين احتضاره عليه الصلاة والسلام وسؤاله بنيه عن الدين فلم تدعون ما تدعون؟! ولك أن تجعل الاستفهام للتقرير أي كانت أوائلكم حاضرين حين وصى بنيه عليه الصلاة والسلام بالإسلام والتوحيد وأنتم عالمون بذلك فما لكم تدعون عليه خلاف ما تعلمون؟! فيكون قد نزل علمهم بشهادة أوائلهم منزلة الشهادة فخوطبوا بما خوطبوا، وإما متصلة وفي الكلام حذف ـ والتقدير أكنتم غائبين أم كنتم شاهدين ـ وليس الاستفهام على هذا على حقيقته للعلم بتحقق الأول وانتفاء الثاني بل هو للإلزام والتبكيت أيْ أيّ الأمرين كان فمدعاكم باطل، أما على الأول: فلأنه رجم بالغيب، وأما على الثاني: فلأنه خلاف المشهور. واعترض أبو حيان على هذا الوجه بأنا لا نعلم أحداً أجاز حذف الجملة المعطوف عليها في (أم) المتصلة وإنما سمع حذف (أم) مع المعطوف لأن الثواني تحتمل ما لا تحتمل الأوائل، وقيل: الخطاب للمؤمنين ومعنى بل الإضراب عن الكلام الأول والأخذ فيما هو الأهم وهو التحريض على اتباعه صلى الله عليه وسلم بإثبات بعض معجزاته وهو الإخبار عن أحوال الأنبياء السابقين من غير سماع من أحد ولا قراءة من كتاب كأنه تعالى بعد ذكر ما تقدم التفت إلى مؤمني الأمة أما شهدتم ما جرى وأما علمتم ذلك بالوحي وإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم فعليكم باتباعه إلا أنه اكتفى بذكر مقاولة يعقوب وبنيه ليعلم عدم حضورهم حين توصية إبراهيم عليه الصلاة والسلام بطريق الأولى، ولا يخفى أن هذا القائل لم يعتبر سبب النزول ولعله لما فيه من الضعف حتى قال الإمام السيوطي: لم أقف عليه، و ـ الشهداء ـ جمع شهيد أو شاهد بمعنى حاضر، وحضر من باب قعد، وقرىء {حَضَرَ} بالكسر ومضارعه أيضاً ـ يحضر ـ بالضم وهي لغة شاذة، وقيل: إنها على التداخل. {إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ} بدل من {إِذْ حَضَرَ} بدل اشتمال وكلاهما مقصودان كما هو المقرر في إبدال الجمل إلا أن في البدل زيادة بيان ليست في المبدل منه ولو تعلقت إذ هنا بـ {قَالُواْ} لم ينتظم الكلام./ {مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى} أيْ أيّ شيء تعبدونه بعد موتي فـ {مَا} في محل رفع والعائد محذوف وكونه في محل نصب على المفعولية مفوت للتقوى المناسب للمقام؛ ويسأل بها عن كل شيء فإذا عرف خص العقلاء بـ (من) إذا سئل عن تعينه فيجاب بما يفيده، وإذا سأل عن وصفه قيل (ما) زيد أكاتب أم شاعر، وفي السؤال عن حالهم بعد موته دليل على أن الغرض حثهم على ما كانوا عليه حال حياته من التوحيد والإسلام، وأخذ الميثاق منهم عليه فليس الاستفهام حقيقياً وكان هذا بعد أن دخل عليه السلام مصر ورأى فيها من يعبد النار فخاف على ولده فحثهم على ما حثهم. {قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ} استئناف وقع جواباً لسؤال نشأ عن حكاية السؤال وفي إضافة الإله إلى المتعدد إشارة إلى الاتفاق على وجوده وألوهيته وقدم إسمٰعيل في الذكر على إسحٰق لكونه أسَنّ منه وعده من آباء يعقوب مع أنه عمه تغليباً للأكثر على الأقل، أو لأنه شبه العم بالأب لانخراطهما في سلك واحد وهو الأخوة فأطلق عليه لفظه، ويؤيده ما أخرجه الشيخان «حديث : عم الرجل صنو أبيه»تفسير : وحينئذٍ يكون المراد ـ بآبائك ـ ما يطلق عليه اللفظ كيلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، والآية على حد ما أخرجه ابن أبـي شيبة وغيره من قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : احفظوني في العباس فإنه بقية آبائي»تفسير : وقرأ الحسن (أبيك) وهو إما مفرد وإسمٰعيل وإسحٰق عطف نسق عليه وإبراهيم وحده عطف بيان، أو جمع وسقطت نونه للإضافة كما في قوله:شعر : فلما (تبين) أصواتنا بكين وفديننا بالأبينا تفسير : {إِلَـٰهاً وٰحِداً} بدل من {إِلَـهٍ آبَائِكَ} والنكرة تبدل من المعرفة بشرط أن توصف كما في قوله تعالى: {أية : بِٱلنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَـٰذِبَةٍ } تفسير : [العلق: 15ـ16] والبصريون لا يشترطون فيها ذلك، وفائدة الإبدال دفع توهم التعدد الناشىء من ذكر الإله مرتين، أو نصب على المدح أو الحال الموطئة كما في «البحر». {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} أي مذعنون مقرون بالعبودية، وقيل: خاضعون منقادون مستسلمون لنهيه وأمره قولا وعقداً، وقيل: داخلون في الإسلام ثابتون عليه، والجملة حال من الفاعل، أو المفعول، أو منهما لوجود ضميريهما، أو اعتراضية محققة لمضمون ما سبق في آخر الكلام ـ بلا كلام ـ وقال أبو حيان: الأبلغ أن تكون معطوفة على {نَعْبُدُ} فيكونوا قد أجابوا بشيئين وهو من باب الجواب المربـي عن السؤال.

ابن عاشور

تفسير : تفصيل لوصية يعقوب بأنه أمر أبناءه أن يكونوا على ملة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وهي نظير ما وصى به إبراهيم بنيه فأجمل هنا اعتماداً على ما صرح به في قوله سابقاً: {أية : يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون}تفسير : [البقرة: 132] وهذا تنويه بالحنيفية التي هي أساس الإسلام، وتمهيد لإبطال قولهم: {أية : كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا}تفسير : [البقرة: 135] وإبطال لزعمهم أن يعقوب كان على اليهودية وأنه أوصى بها بنيه فلزمت ذريته فلا يحولون عنها. وقد ذكر أن اليهود قالوا ذلك قاله الواحدي والبغوي بدون سند، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : أم يقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى}تفسير : [البقرة: 140] الآية فلذلك جيء هنا بتفصيل وصية يعقوب إبطالاً لدعاوى اليهود ونقضاً لمعتقدهم الذي لا دليل عليه كما أنبأ به الإنكار في قوله: {أم كنتم شهداء} إلخ. و {أم} عاطفة جملة {كنتم شهداء} على جملة {أية : وأوصى بها إبراهيم بنيه}تفسير : [البقرة: 132] فإن أم من حروف العطف كيفما وقعت، وهي هنا منقطعة للانتقال من الخبر عن إبراهيم ويعقوب إلى مجادلة من اعتقدوا خلاف ذلك الخبر، ولما كانت أم يلازمها الاستفهام كما مضى عند قوله تعالى: {أية : أم تريدون أن تسألوا رسولكم}تفسير : [البقرة: 108] إلخ فالاستفهام هنا غير حقيقي لظهور أن عدم شهودهم احتضار يعقوب محقق، فتعين أن الاستفهام مجاز، ومحمله على الإنكار لأنه أشهر محامل الاستفهام المجازي، ولأن مثل هذا المستفهم عنه مألوف في الاستفهام الإنكاري. ثم إن كون الاستفهام إنكارياً يمنع أن يكون الخطاب الواقع فيه خطاباً للمسلمين لأنهم ليسوا بمظنة حال من يدعي خلاف الواقع حتى ينكر عليهم، خلافاً لمن جوز كون الخطاب للمسلمين من المفسرين، توهموا أن الإنكار يساوي النفي مساواة تامة وغفلوا عن الفرق بين الاستفهام الإنكاري وبين النفي المجرد فإن الاستفهام الإنكاري مستعمل في الإنكار مجازاً بدلالة المطابقة وهو يستلزم النفي بدلالة الالتزام، ومن العجيب وقوع الزمخشري في هذه الغفلة، فتعين أن المخاطب اليهود وأن الإنكار متوجه إلى اعتقاد اعتقدوه يعلم من سياق الكلام وسوابقه وهو ادعاؤهم أن يعقوب مات على اليهودية وأوصى بها فلزمت ذريته، فكان موقع الإنكار على اليهود واضحاً وهو أنهم ادعوا ما لا قبل لهم بعلمه إِذ لم يشهدوا كما سيأتي، فالمعنى ما كنتم شهداء احتضار يعقوب. ثم أكمل الله القصة تعليماً وتفصيلاً واستقصاء في الحجة بأن ذكر ما قاله يعقوب حين اختصاره وما أجابه أبناؤه وليس ذلك بداخل في حيز الإنكار، فالإنكار ينتهي عند قوله: (الموت) والبقية تكملة للقصة، والقرينة على الأمرين ظاهرة اعتماداً على مألوف الاستعمال في مثله فإنه لا يُطال فيه المستفهم عنه بالإنكار ألا ترى إِلى قوله تعالى: {أية : أَشهدوا خلقهم}تفسير : [الزخرف: 19]، فلما قال هنا: {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت}، علم السامع موقع الإنكار، ثم يعلم أن قول أبناء يعقوب {نعبد إِلٰهك} لم يكن من دعوى اليهود حتى يدخل في حيز الإنكار لأنهم لو ادعوا ذلك لم ينكر عليهم إِذ هو عين المقصود من الخبر، وبذلك يستقر كلا الكلامين في قراره، ولم يكن داععٍ لجعل (أم) متصلة بتقدير محذوف قبلها تكون هي معادلة له، كأن يقدر أكنتم غائبين إِذ حضر يعقوب الموت أم شهداء وأن الخطاب لليهود أو للمسلمين والاستفهام للتقرير، ولا لجعل الخطاب في قوله: {كنتم} للمسلمين على معنى جعل الاستفهام للنفي المحض أي ما شهدتم احتضار يعقوب أي على حد {أية : وما كنت بجانب الغربي}تفسير : [القصص: 44] وحد {أية : وما كنت لديهم إِذ يلقون أقلامهم}تفسير : [آل عمران: 44] كما حاوله الزمخشري ومتابعوه، وإنماحداه إلى ذلك قياسه على غالب مواقع استعمال أمثال هذا التركيب مع أن موقعه هنا موقع غير معهود وهو من الإيجاز والإكمال إذ جمع الإنكار عليهم في التقول على من لم يشهدوه، وتعليمهم ما جهلوه، ولأجل التنبيه على هذا الجمع البديع أعيدت إذ في قوله: {إذ قال لبنيه} ليكون كالبدل من {إذ حضر يعقوب الموت} فيكون مقصوداً بالحكم أيضاً. والشهداء جمع شهيد بمعنى الشاهد أي الحاضر للأمر والشأن، ووجه دلالة نفي المشاهدة على نفي ما نسبوه إلى يعقوب هو أن تنبيههم إلى أنهم لم يشهدوا ذلك يثير في نفوسهم الشك في معتقدهم. وقوله تعالى: {قالوا نعبد إلهك} هو من بقية القصة المنفي شهود المخاطبين محضرها فهذا من مجيء القول في المحاورات كما قدمنا، فقوله: {أية : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها}تفسير : [البقرة: 30] فيكون الكلام نفياً لشهودهم مع إفادة تلك الوصية، أي ولو شاهدتم ما اعتقدتم خلافها فلما اعتقدوا اعتقاداً كالضروري وبخهم وأنكر عليهم حتى يرجعوا إلى النظر في الطرق التي استندوا إليها فيعلموا أنها طرق غير موصلة، وبهذا تعلمون وجهة الاقتصار على نفي الحضور مع أن نفي الحضور لا يدل على كذب المدَعى لأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، فالمقصود هنا الاستدراج في إبطال الدعوى بإدخال الشك على مدعيها. وقوله تعالى: {إذ قال لبنيه} بدل من {إذ حضر يعقوب الموت} وفائدة المجيء بالخبر على هذه الطريقة دون أن يقال أم كنتم شهداء إذ قال يعقوب لبنيه عند الموت، هي قصد استقلال الخبر وأهمية القصة وقصد حكايتها على ترتيب حصولها، وقصد الإجمال ثم التفصيل لأن حالة حضور الموت لا تخلو من حدث هام سيحكى بعدها فيترقبه السامع. وهذه الوصية جاءت عند الموت وهو وقت التعجيل بالحرص على إبلاغ النصيحة في آخر ما يبقى من كلام الموصى فيكون له رسوخ في نفوس الموصين، أخرج أبو داوود والترمذي عن العرباض بن سارية قال: «وعظنا رسول الله موعظة وجِلَتْ منها القلوب وذَرَفت منها العيون فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودِّع فأوصنا» الحديث. وجاء يعقوب في وصيته بأسلوب الاستفهام لينظر مقدار ثباتهم على الدين حتى يطّلع على خالص طويتهم ليلقي إليهم ما سيوصيهم به من التذكير وجيء في السؤال بما الاستفهامية دون من لأن ما هي الأصل عند قصد العموم لأنه سألهم عما يمكن أن يعبده العابدون. واقترن ظرف {بعدي} بحرف (من) لقصد التوكيد فإن (من) هذه في الأصل ابتدائية فقولك: جئت من بعد الزوال يفيد أنك جئت في أول الأزمنة بعد الزوال ثم عوملت معاملة حرف تأكيد. وبنو يعقوب هم الأسباط أي أسباط إسحاق ومنهم تشعبت قبائل بني إسرائيل وهم اثنا عشر ابناً: رأوبين، وشمعون، ولاوى، ويهوذا، ويساكر، وزبولون، (وهؤلاء أمهم ليئة) ويوسف وبنيامين (أمهما راحيل) ودان ونفتالي (أمهما بلهة) وجاد وأشير (أمهما زلفة). وقد أخبر القرآن بأن جميعهم صاروا أنبياء وأن يوسف كان رسولاً. وواحد الأسباط سبط ـــ بكسر السين وسكون الباء ـــ وهو ابن الابن أي الحفيد، وقد اختلف في اشتقاق سبط قال ابن عطية في تفسير قوله تعالى: {أية : وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً}تفسير : في سورة الأعراف (160) عن الزجاج: الأظهر أن السبط عبراني عرب اه. قلت: وفي العبرانية سيبط بتحتية بعد السين ساكنة. وجملة: {قالوا نعبد إِلهك} جواب عن قوله: {ما تبعدون} جاءت على طريقة المحاورات بدون واو وليست استئنافاً لأن الاستئناف إنما يكون بعد تمام الكلام ولا تمام له قبل حصول الجواب. وجيء في قوله: {نعبد إلهك} معرفاً بالإضافة دون الاسم العلم بأن يقول نعبد الله لأن إضافة إله إلى ضمير يعقوب وإلى آبائه تفيد جميع الصفات التي كان يعقوب وآباؤه يصفون الله بها فيما لقنه لأبنائه منذ نشأتهم، ولأنهم كانوا سكنوا أرض كنعان وفلسطين مختلطين ومصاهرين لأمم تعبد الأصنام من كنعانيين وفلسطينيين وحثيين وأراميين ثم كان موت يعقوب في أرض الفراعنة وكانوا يعبدون آلهة أخرى. وأيضاً فمن فوائد تعريف الذي يعبدونه بطريق الإضافة إلى ضمير أبيهم وإلى لفظ آبائه أن فيها إيماء إلى أنهم مقتدون بسلفهم. وفي الإتيان بعطف البيان من قولهم {إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} ضرب من محسن الاطراد تنويهاً بأسماء هؤلاء الأسلاف كقول ربيعة بن نصر بن قعين:شعر : إنْ يقتلوك فقد ثَللت عُروشهم بعُتَيْبَةَ بن الحارث بن شهاب تفسير : وإنما أعيد المضاف في قوله: {وإلهك آبائك} لأن إعادة المضاف مع المعطوف على المضاف إِليه أفصح في الكلام وليست بواجبة، وإطلاق الآباء على ما شمل إسماعيل وهو عم ليعقوب إطلاق من باب التغليب ولأن العم بمنزلة الأب. وقد مضى التعريف بإبراهيم وإسماعيل. وأما إسحاق فهو ابن إبراهيم وهو أصغر من إسماعيل بأربع عشرة سنة وأمه سارة. ولد سنة 1896 ست وتسعين وثمانمائة وألف قبل ميلاد المسيح وهو جد بني إسرائيل وغيرهم من أمم تقرب لهم. واليهود يقولون: إن الابن الذي أمر الله إبراهيم بذبحه وفداه الله هو إسحاق، والحق أن الذي أمر بذبحه هو إسماعيل في صغره حين لم يكن لإبراهيم ولد غيره ليظهر كمال الامتثال ومن الغريب أن التوراة لما ذكرت قصة الذبيح وصفته بالابن الوحيد لإبراهيم ولم يكن إسحاق وحيداً قط، وتوفي إسحاق سنة ثمان وسبعمائة وألف قبل الميلاد ودفن مع أبيه وأمه في مغارة المكفيلة في حبرون (بلد الخليل). وقوله: {إلٰهاً واحداً} توضيح لصفة الإله الذي يعبدونه فقوله: {إلهاً} حال من {إلٰهك} ووقوع (إلٰهاً) حالاً من (إلٰهك) مع أنه مرادف له في لفظه ومعناه إنما هو باعتبار إجراء الوصف عليه بواحداً فالحال في الحقيقة هو ذلك الوصف، وإنما أعيد لفظ إلٰهاً ولم يقتصر على وصف واحداً لزيادة الإيضاح لأن المقام مقام إطناب ففي الإعادة تنويه بالمعاد وتوكيد لما قبله، وهذا أسلوب من الفصاحة إذ يعاد اللفظ ليبنى عليه وصف أو متعلق ويحصل مع ذلك توكيد اللفظ السابق تبعاً، وليس المقصود من ذلك مجرد التوكيد ومنه قوله تعالى: {أية : وإذا مروا باللغو مروا كراماً}تفسير : [الفرقان: 72] وقوله: {أية : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم}تفسير : [الإسراء: 7] وقوله: {أية : واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين}تفسير : [الشعراء: 132، 133] إذ أعاد فعل أمدكم وقول الأحوص الأنصاري:شعر : فإذَا تَزُول تَزولُ عن مُتَخَمِّطٍ تُخْشَى بَوادِرُه علَى الأَقْران تفسير : قال ابن جني في «شرح الحماسة» محال أن تقول: إذا قمت قُمت لأنه ليس في الثاني غير ما في الأول وإنما جاز أن يقول: فإذا تزول تزول لما اتصل بالفعل الثاني من حرف الجر المفاد منه الفائدة، ومثله قول الله تعالى: {أية : هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا}تفسير : [القصص: 63] وقد كان أبوعلي امتنع في هذه الآية مما أخذناه غير أن الأمر فيها عندي على ما عرفتك. وجوز صاحب «الكشاف» أن يكون قوله: {إلهاً واحداً} بدلاً من {إلٰهك} بناء على جواز إبدال النكرة الموصوفة من المعرفة مثل {أية : لنسفعن بالناصية ناصية كاذبة}تفسير : [العلق: 63]، أو أن يكون منصوباً على الاختصاص بتقدير امدَح فإن الاختصاص يجيء من الاسم الظاهر ومن ضمير الغائب. وقوله: {ونحن له مسلمون} جملة في موضع الحال من ضمير {نعبد}، أومعطوفة على جملة {نعبد}، جيء بها اسمية لإفادة ثبات الوصف لهم ودوامه بعد أن أفيد بالجملة الفعلية المعطوف عليها معنى التجدد والاستمرار.

الواحدي

تفسير : {أم كنتم شهداء} ترك الكلام الأوَّل، وعاد إلى مُخاطبة اليهود. المعنى: بل أكنتم شهداء، أَيْ: حضوراً {إذ حضر يعقوب الموت} وذلك أنَّ اليهود قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ألستَ تعلم أنَّ يعقوب يوم مات ما أوصى بنيه باليهوديَّة؟ فأكذبهم الله تعالى، وقال: أكنتم حاضرين وصيته {إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي}. {تلك أمة} يعني: إبراهيم وبنيه، ويعقوب وبنيه {قد خلت} قد مضت {لها ما كسبت} من العمل {ولكم} يا معشر اليهود {ما كسبتم} أَيْ: حسابهم عليهم، وإنَّما تُسألون عن أعمالكم. {وقالوا كونوا هوداً أو نصارى} نزلت في يهود المدينة ونصارى نجران، قال كلُّ واحدٍ من الفريقين للمؤمنين: كونوا على ديننا فلا دين إلاَّ ذلك، فقال الله تعالى: {قل بل ملَّة إبراهيم حنيفاً} يعني: بل نتبع ملَّة إبراهيم حنيفاً مائلاً عن الأديان كلِّها إلى دين الإسلام، ثمَّ أمر المؤمنين أن يقولوا: {آمنا بالله وما أنزل إلينا} يعني: القرآن {وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط} وهم أولاد يعقوب، وكان فيهم أنبياء لذلك قال: وما أنزل إليهم. وقوله تعالى: {لا نفرِّق بين أحدٍ منهم} أَيْ: لا نكفر ببعضٍ ونؤمن ببعضٍ، كما فعلت اليهود والنَّصارى. {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به} أَيْ: إِنْ أتوا بتصديقٍ مثلِ تصديقكم، وكان إيمانُهم كإيمانكم {فقد اهتدوا} فقد صاروا مسلمين {وإن تولوا} أعرضوا {فإنما هم في شقاق} في خلافٍ وعداوةٍ {فَسَيَكْفِيْكَهُمُ الله} ثمَّ فعل ذلك، فكفاه أمر اليهود بالقتل والسَّبي في قريظة، والجلاء والنَّفي في بني النَّضير، الجِزية والذَّلَّة في نصارى نجران. {صبغة الله} أَي: الزموا دين الله {ومَنْ أحسن من الله صبغة} أي: ومَنْ أحسنُ من الله ديناُ؟. {قل} يا محمَّدُ لليهود والنَّصارى: {أتحاجوننا في الله} أَتُخاصموننا في دين الله؟ وذلك أنَّهم قالوا: إنَّ ديننا هو الأقدم، وكتابنا هو الأسبق، ولو كنتَ نبيّاً لكنتَ منَّا {ولنا أعمالنا} نُجازى بحسنها وسيِّئها، وأنتم في أعمالكم على مثل سبيلنا {ونحن له مخلصون} مُوحِّدون.

القطان

تفسير : شهداء: جمع شهيد بمعنى حاضر. وهو المقصود. روي ان اليهود قالوا للنبي الكريم: ألست تعلم ان يعقوب أوصى بنيه باليهودية؟ فجاءت هذه الآية رداً عليهم. أكنتم هناك يوم حضرته الوفاة وعرفتم الملة التي مات عليها! اعلموا ان يعقوب مات على دين ابراهيم، وكذلك ابناؤه بعده. فلقد سألهم: ماذا تعبدون من بعدي؟ فأجابوا: نعبد إلَهك وإله آبائك ابراهيم واسماعيل واسحاق، لا نشرك به شيئا ونحن له منقادون مسلمون. وقد ارشدت الآية الكريمة الى ان دين الله واحد في كل أمة، وعلى لسان كل نبي، وروحُه التوحيد والاستسلام لله والاذعان لِهَدْي الأنبياء. تلك أمة ابراهيم ويعقوب والصالحين من بنيهما، وهي جماعة قد خلت، لها ما كسبت في اسلامها من الاعتقادات والأعمال والأخلاق، ولكم ما كسبتم من الهدى أو الضلال. انهم لا يُسألون عن أعمالكم ولا تسألون عما كانوا يعملون. اولئك لا ينفعهم الا ما اكتسبوا، وأنتم لا ينفعكم الا ما اكتسبتم.

د. أسعد حومد

تفسير : {آبَائِكَ} {إِبْرَاهِيمَ} {إِسْمَاعِيلَ} {إِسْحَاقَ} {وَاحِداً} (133) - يَقُولُ تَعَالَى إِنَّ اليَهُودَ الذِينَ كَانُوا فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُجَادِلُونَهُ، وَيَجْحَدُونَ نُبُوَّتَهُ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ إِنَّما يَسِيرُونَ عَلَى الدِّينِ الذِي مَاتَ عَلَيهِ يَعْقُوبُ، مَعَ أَنَّهُم لَمْ يَكُونُوا حَاضِرِينَ (شُهَدَاءَ) حِينَمَا حَانَتْ مَنِيَّةُ يَعْقُوبَ، وَجَاءَهُ المَوْتُ، وَلَكِنَّ اللهَ كَانَ شَاهِداً عَلَى ذلِكَ. وَيُقَرِّرُ سُبْحَانَهُ: إِنَّ يَعقُوبَ سَأَلَ بَنِيهِ عَمَّا يَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِهِ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُمْ يَعْبُدُونَ إِلهَهُ وَإِلهَ آبَائِهِ، الوَاحِدَ الأَحَدَ، الذِي لا شَرِيكَ لَهُ، وَسَيُسَلِّمُونَ أَمْرَهُمْ إِليهِ. (هذِهِ الآيَةُ تُرشِدُ إلى أَنَّ دِينَ اللهِ وَاحدٌ فِي كُلِّ أُمَّةٍ، وَعَلَى لِسَانِ كُلِّ نَبِيٍّ، وَرُوحُهُ التَّوحِيدُ وَالاسْتِسْلاَمُ للهِ، وَالإِذْعَانُ لِهَدْيِ الأَنْبِيَاءِ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا خطاب من يعقوب ينطبق ويمس اليهود المعاصرين لنزول القرآن الكريم .. يعقوب قال لأبنائه ماذا تعبدون من بعدي: {قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 133].. هذا إقرار من الأسباط أبناء يعقوب بأنهم مسلمون وأن آباءهم مسلمون .. وتأمل دقة الأداء القرآني في قوله تعالى: {نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ ..} [البقرة: 133] .. فكأنه لم يحدث بعد موت إبراهيم وحين كان يعقوب يموت لم يحدث أن تغير المعبود وهو الله سبحانه وتعالى الواحد .. ولذلك قالوا كما يروي لنا القرآن الكريم: {إِلَـٰهاً وَاحِداً} [البقرة: 133] .. وسنأخذ من هذه الآية لقطة تفيدنا في أشياء كثيرة لأن القرآن سيتعرض في قصة إبراهيم أنه تحدث مع أبيه في شئون العقيدة .. فقال كما يروي لنا القرآن الكريم: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأنعام: 74]. ونحن نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلالة إسماعيل ابن إبراهيم .. والرسول عليه الصلاة والسلام قال: (حديث : أنا سيد ولد آدم ). تفسير : فإذا كان آزرُ أبو إبراهيم كافراً وعابداً للأصنام .. فكيف تصح سلسلة النسب الشريف؟ نقول إنه لو أن القرآن قال "وإذ قال إبراهيم لأبيه" وسكت لكان المعنى أن المخاطب هو أبو إبراهيم .. ولكن قول الله: "لأبيه آزر" .. جاءت لحكمة. لأنه ساعة يذكر اسم الأب يكون ليس الأب ولكن العم .. فأنت إذا دخلت منزلاً وقابلك أحد الأطفال تقول له هل أبوك موجود ولا تقول أبوك فلان لأنه معروف بحيث لن يخطئ الطفل فيه .. ولكن إذا كنت تقصد العم فإنك تسأل الطفل هل أبوك فلان موجود؟ فأنت في هذه الحالة تقصد العم ولا تقصد الأب .. لأن العم في منزلة الأب خصوصاً إذا كان الأب متوفياً. إذن قول الحق سبحانه وتعالى: "لأبيه آزر" بذكر الاسم فمعناه لعمه آزر .. فإذا قال إنسان هل هناك دليل على ذلك؟ نقول نعم هناك دليل من القرآن في هذه الآية الكريمة: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ ..} [البقرة: 133] .. والآباء جمع أب، ثم حدد الله تبارك وتعالى الآباء، إبراهيم وهو الجد يطلق عليه أب .. وإسماعيل وهو العم يطلق عليه أب وإسحاق وهو أبو يعقوب وجاء إسماعيل قبل إسحاق. إذن ففي هذه الآية جمع أب من ثلاثة هم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق .. ويعقوب الذي حضره الموت وهو ابن إسحاق، ولكن أولاد يعقوب لما خاطبوا أباهم قالوا آباءك ثم جاءوا بأسمائهم بالتحديد .. وهم إبراهيم الجد وإسماعيل العم وإسحاق أبو يعقوب، وأطلقوا عليهم جميعاً لقب الأب .. فكأن إسماعيل أطلق عليه الأب وهو العم وإبراهيم أُطلق عليه الأب وهو الجَد وإسحاق أُطلق عليه الأب وهو الأب .. فإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حديث : أنا أشرف الناس حسباً ولا فخر ). تفسير : يقول بعض الناس كيف ذلك ووالد إبراهيم كان غير مسلم .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (حديث : أنا سيد ولد آدم ). تفسير : فإذا قال أحدهم كيف هذا وأبو إبراهيم عليه السلام كان مشركاً عابداً للأصنام .. نقول له لم يكن آزر أبا لإبراهيم وإنما كان عمه، ولذلك قال القرآن الكريم "لأبيه آزر" وجاء بالاسم يريد به الأبوة غير الحقيقية .. فأبوة إبراهيم وأبوة إسحاق معلومة لأولاد يعقوب .. ولكن إسماعيل كان مقيماً في مكة بعيداً عنهم، فلماذا جاء اسمه بين إبراهيم وإسحاق؟ نقول جاء بالترتيب الزمني لأن إسماعيل أكبر من إسحاق بأربعة عشر عاماً .. وكونه وصف الثلاثة بأنهم آباء .. إشارة لنا من الله سبحانه وتعالى أن لفظ الأب يطلق على العم .. والله تبارك وتعالى يريدنا أن نتنبه لمعنى كلمة آزر .. ويريد أن يلفتنا أيضاً إلى أن تعدد البلاغ عن الله لا يعني تعدد الآلهة .. لذلك قال سبحانه: {إِلَـٰهاً وَاحِداً} [البقرة: 133] ..