Verse. 141 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

تِلْكَ اُمَّۃٌ قَدْ خَلَتْ۝۰ۚ لَہَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ۝۰ۚ وَلَا تُسْـــَٔــلُوْنَ عَمَّا كَانُوْا يَعْمَلُوْنَ۝۱۳۴
Tilka ommatun qad khalat laha ma kasabat walakum ma kasabtum wala tusaloona AAamma kano yaAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«تلك» مبتدأ والإشارة إلى إبراهيم ويعقوب وبينهما وأُنِّث لتأنيث خبره «أمة قد خلت» سلفت «لها ما كسبت» من العمل أي جزاؤه استئناف «ولكم» الخطاب لليهود «ما كسبتم ولا تُسألون عما كانوا يعلمون» كما لا يسألون عن عملكم والجملة تأكيد لما قبلها.

134

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} «تلك» مبتدأ، و «أُمةٌ» خبر، «قَدْ خَلَتْ» نعت لأمة، وإن شئت كانت خبر المبتدأ، وتكون «أُمّةٌ» بدلاً من «تلك». {لَهَا مَا كَسَبَتْ} «ما» في موضع رفع بالابتداء أو بالصفة على قول الكوفيين. {وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ} مثله، يريد من خير وشرّ. وفي هذا دليل على أن العبد يضاف إليه أعمال وأكساب؛ وإن كان الله تعالى أقدره على ذلك، إن كان خيراً فبفضله وإن كان شراً فبِعَدْله؛ وهذا مذهب أهل السُّنة؛ والآي في القرآن بهذا المعنى كثيرة. فالعبد مكتسب لأفعاله، على معنى أنه خُلقت له قدرة مقارِنة للفعل، يُدرك بها الفرق بين حركة الاختيار وحركة الرعشة مثلاً؛ وذلك التمكن هو مناط التكليف. وقالت الجَبْرِيّة بنفي ٱكتساب العبد، وإنه كالنبات الذي تصرّفه الرياح. وقالت القدرية والمعتزلة خلاف هذين القولين، وإن العبد يخلق أفعاله. قوله تعالى: {وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي لا يؤاخذ أحد بذنب أحد؛ مثل قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}تفسير : [فاطر: 18] أي لا تحمل حاملة ثِقل أخرى)؛ وسيأتي.

البيضاوي

تفسير : {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} يعني إِبراهيم ويعقوب وبنيهما، والأمة في الأصل المقصود وسمي بها الجماعة، لأن الفرق تؤمها. {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم} لكل أجر عمله، والمعنى أن انتسابكم إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم، وإنما تنتفعون بموافقتهم واتباعهم، كما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم» تفسير : {وَلاَ تُسْـأََلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي لا تؤاخذون بسيئاتهم كما لا تثابون بحسناتهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {تِلْكَ } مبتدأ والإشارة إلى إبراهيم ويعقوب وبنيهما وأُنِّث لتأنيث خبره {أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ } سلفت {لَهَا مَا كَسَبَتْ } من العمل أي جزاؤه و استئناف {وَلَكُمْ } الخطاب لليهود { مَّا كَسَبْتُم وَلاَ تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} كما لا يسألون عن عملكم والجملة تأكيد لما قبلها.

الشوكاني

تفسير : قوله: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء } أم هذه قيل: هي المنقطعة. وقيل: هي المتصلة. وفي الهمزة الإنكار المفيد للتقريع، والتوبيخ، والخطاب لليهود، والنصارى الذين ينسبون إلى إبراهيم، وإلى بنيه أنهم على اليهودية، والنصرانية، فردّ الله ذلك عليهم، وقال لهم: أشهدتم يعقوب، وعلمتم بما أوصى به بنيه، فتدّعون ذلك عن علم، أم لم تشهدوا بل أنتم مفترون. والشهداء: جمع شاهد، ولم ينصرف؛ لأن فيه ألف التأنيث التي لتأنيث الجماعة، والعامل في {إذ} الأولى معنى الشهادة، و{إذ} الثانية بدل من الأولى، والمراد بحضور الموت: حضور مقدماته. وإنما جاء بما دون مَنْ في قوله: {مَا تَعْبُدُونَ } لأن المعبودات من دون الله غالبها جمادات كالأوثان، والنار، والشمس، والكواكب، ومعنى: {مِن بَعْدِى } أي من بعد موتي. وقوله: {إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ } عطف بيان لقوله: {آبَائِكَ } وإسماعيل، وإن كان عماً ليعقوب؛ لأن العرب تسمى العمّ أباً، وقوله: {إِلَـٰهاً } بدل من إلهك، وإن كان نكرة، فذلك جائز، ولا سيما بعد تخصيصه بالصفة التي هي قوله: {وٰحِداً } فإنه قد حصل المطلوب من الإبدال بهذه الصفة. وقيل إن إلهاً منصوب على الاختصاص، وقيل إنه حال. قال ابن عطية: وهو قول حسن؛ لأن الغرض الإثبات حال الوحدانية. وقرأ الحسن، ويحيى بن يعمر، وأبو رجاء العطاردي: «وإله أبيك» فقيل أراد إبراهيم وحده. ويكون قوله: {وَإِسْمَـٰعِيلَ } عطفاً على أبيك، وكذلك {إِسْحَـٰقَ } وإن كان هو أباه حقيقة، وإبراهيم جدّه، ولكن لإبراهيم مزيد خصوصية، وقيل إن قوله: «أبيك» جمع كما روى عن سيبويه أن أبين جمع سلامة، ومثله أبون، ومنه قول الشاعر:شعر : فلما تَبَيَّن أصواتنا بكيْنَ وقد بننا بالأبينا تفسير : وقوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } جملة حالية: أي: نعبده حال إسلامنا له، وجوَّز الزمخشري أن تكون اعتراضية على ما يذهب إليه من جواز وقوع الجمل الاعتراضية آخر الكلام. والإشارة بقوله: {تِلْكَ } إلى إبراهيم، وبنيه، ويعقوب، وبنيه، و{أُمَّةٌ } بدل منه، وخبره {قَدْ خَلَتْ } أو أمة خبره، وقد خلت نعت لأمة، وقوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم وَلاَ تُسْـئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } بيان لحال تلك الأمة، وحال المخاطبين بأن لكل من الفريقين كسبه، لا ينفعه كسب غيره، ولا يناله منه شيء، ولا يضرّه ذنب غيره، وفيه الردّ على من يتكل على عمل سلفه، ويُرَوِّح نفسه بالأماني الباطلة، ومنه ما ورد في الحديث: «حديث : من بطأ به عمله لم يسرع نسبه»تفسير : والمراد: أنكم لا تنتفعون بحسناتهم، ولا تؤاخَذون بسيئاتهم، ولا تُسألون عن أعمالهم، كما لا يُسْألَون عن أعمالكم، ومثله: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } تفسير : [الزمر: 7] {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ } تفسير : [النجم: 39]. ولما ادّعت اليهود، والنصارى أن الهداية بيدها، والخير مقصور عليها ردّ الله ذلك عليهم بقوله: {بَلْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ } أي: قل يا محمد هذه المقالة، ونصب {ملة} بفعل مقدر، أي: نتبع. وقيل: التقدير: نكون ملة إبراهيم، أي: أهل ملته. وقيل: بل نهتدي بملة إبراهيم، فلما حذف حرف الجر صار منصوباً. وقرأ الأعرج، وابن أبي عبلة: «ملة» بالرفع: أي: بل الهدى ملة إبراهيم. والحنيف: المائل عن الأديان الباطلة إلى دين الحق، وهو في أصل اللغة: الذي تميل قدماه كل واحدة إلى أختها. قال الزجاج، وهو منصوب على الحال، أي نتبع ملة إبراهيم حال كونه حنيفاً. وقال عليّ بن سليمان: هو منصوب بتقدير أعني، والحال خطأ كما لا يجوز جاءني غلام هند مسرعة. وقال في الكشاف: هو حال من المضاف إليه كقولك: رأيت وجه هند قائمة، وقال قوم: الحنف الاستقامة، فسمى دين إبراهيم حنيفاً لاستقامته، وسمي معوج الرجلين أحنف؛ تفاؤلاً بالاستقامة، كما قيل للدَّيغ: سليم، وللمهلكة: مفازة. وقد استدل من قال بأن الحنيف في اللغة المائل لا المستقيم بقول الشاعر:شعر : إذا حوّل الظل العشى رأيته حنيفاً ومن قَرْن الضمن يَتَضّرُ تفسير : أي: إن الحرباء تستقبل القبلة بالعشيّ، وتستقبل المشرق بالغداة، وهي قبلة النصارى، ومنه قول الشاعر:شعر : والله لولا حَنَف في رِجْلهِ مَا كَانَ في رجِالكم من مِثْلِه تفسير : وقوله: {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } فيه تعريض باليهود لقولهم: {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ }تفسير : [التوبة: 30] وبالنصارى لقولهم: {أية : ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 30] أي: أن إبراهيم ما كان على هذه الحالة التي أنتم عليها من الشرك بالله، فكيف تدّعون عليه أنه كان على اليهودية، أو النصرانية. وقوله: {قُولُواْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ } خطاب للمسلمين، وأمر لهم بأن يقولوا هذه المقالة، وقيل إنه خطاب للكفار بأن يقولوا ذلك، حتى يكونوا على الحق، والأول أظهر. والأسباط: أولاد يعقوب، وهم اثنا عشر ولداً، ولكل واحد منهم من الأولاد جماعة، والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في العرب، وسموا الأسباط من السبط، وهو: التتابع، فهم جماعة متتابعون، وقيل: أصله من السبط بالتحريك، وهو الشجر، أي: هم في الكثرة بمنزلة الشجر، وقيل: الأسباط: حفدة يعقوب: أي: أولاد أولاده لا أولاده؛ لأن الكثرة إنما كانت فيهم دون أولاد يعقوب في نفسه، فهم أفراد لا أسباط. وقوله: {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } قال الفراء: معناه لا نؤمن ببعضهم، ونكفر ببعضهم كما فعلت اليهود، والنصارى. قال في الكشاف: وأحد في معنى الجماعة، ولذلك صح دخول بين عليه. وقوله: {فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ } هذا الخطاب للمسلمين أيضاً: أي: فإن آمن أهل الكتاب، وغيرهم بمثل ما آمنتم به من جميع كتب الله ورسله، ولم يفرّقوا بين أحد منهم، فقد اهتدوا، وعلى هذا، فمثل زائدة كقوله: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء }تفسير : [الشورى: 11] وقول الشاعر:شعر : فصيروا مثل كعصف مأكول تفسير : وقيل: إن المماثلة وقعت بين الإيمانين، أي: فإن آمنوا بمثل إيمانكم. وقال في الكشاف: إنه من باب التبكيت؛ لأن دين الحق واحد لا مثل له، وهو: دين الإسلام، قال: أي: فإن حصلوا ديناً آخر مثل دينكم مساوياً له في الصحة، والسداد، فقد اهتدوا، وقيل إن الباء زائدة مؤكدة. وقيل إنها للاستعانة. والشقاق أصله من الشق، وهو: الجانب، كأنّ كل واحد من الفريقين في جانب غير الجانب الذي فيه الآخر. وقيل إنه مأخوذ من فعل ما يشقّ، ويصعب، فكل واحد من الفريقين يحرص على فعل ما يشق على صاحبه، ويصح حمل الآية على كل واحد من المعنيين، وكذلك قول الشاعر:شعر : وإلا فَاعْلَمُوا أنَّا وَأنتُمْ بُغاةٌ ما بقينا في شِقَاقِ تفسير : وقوله الآخر:شعر : إلى كَمْ تَقتُل العُلَماءَ قَسْراً وتَفخَرُ بِالشِقَاقِ وَبالِنفَاقِ تفسير : وقوله: {فسيكفيكهم الله} وعد من الله تعالى لنبيه أنه سيكفيه من عانده، وخالفه من المتولِّين، وقد أنجز له وعده بما أنزله من بأسه بقريظة، والنضير، وبني قينقاع. وقوله: {صِبْغَةَ ٱللَّهِ } قال الأخفش، وغيره أي: دين الله، قال: وهي: منتصبة على البدل من ملة. وقال الكسائي: هي: منصوبة على تقدير اتبعوا، أو على الإغراء، أي: الزموا، ورجح الزجاج الانتصاب على البدل من ملة، كما قاله الفراء. وقال في الكشاف: إنها مصدر مؤكد منتصب عن قوله: {بِٱللَّهِ آمنا } كما انتصب و{عَبْدُ ٱللَّهِ } عما تقدّمه، وهي فعلة من صبغ كالجلسة من جلس، وهي: الحالة التي يقع عليها الصبغ، والمعنى تطهير الله، لأن الإيمان تطهير النفوس. انتهى. وبه قال سيبويه، أي: كونه مصدراً موكّداً. وقد ذكر المفسرون أن أصل ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في الماء، وهو الذي يسمونه المعمودية، ويجعلون ذلك تطهيراً لهم، فإذا فعلوا ذلك قالوا: الآن صار نصرانياً حقاً، فردّ الله عليهم بقوله: {صِبْغَةَ ٱللَّهِ } أي: الإسلام، وسماه صبغة استعارة، ومنه قول بعض شعراء همدان:شعر : وكلُّ أناس لهم صبِغْةٌ وَصِبغةُ همدان خير الصِبَغْ صبغنا على ذاك أولادنا فأكرم بصبغتنا في الصبغ تفسير : وقيل: إن الصبغة: الاغتسال لمن أراد الدخول في الإسلام بدلاً من معمودية النصارى، ذكره الماوردي. وقال الجوهري: صبغة الله: دينه. وهو: يؤيد ما تقدم عن الفراء. وقيل: الصبغة: الختان. وقوله: {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِى اللَّهِ } أي: أتجادلوننا في الله: أي: في دينه، والقرب منه، والحظوة عنده، وذلك كقولهم {أية : نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ }تفسير : [المائدة: 18] وقرأ ابن محيصن: «أتحاجونا» بالإدغام لاجتماع المثلين. وقوله: {وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } أي: نشترك نحن، وأنتم في ربوبيته لنا وعبوديتنا له، فكيف تدّعون أنكم أولى به منا وتحاجوننا في ذلك. وقوله: {لَنَا أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ } أي: لنا أعمال، ولكم أعمال، فلستم بأولى بالله منا، وهو مثل قوله تعالى: {أية : فَقُل لّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تَعْمَلُونَ }تفسير : [يونس: 41]. وقوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ } أي: نحن أهل الإخلاص للعبادة دونكم، وهو: المعيار الذي يكون به التفاضل، والخصلة التي يكون صاحبها أولى بالله سبحانه من غيره، فكيف تدّعون لأنفسكم ما نحن أولى به منكم، وأحق؟ وفيه توبيخ لهم، وقطع لما جاءوا به من المجادلة، والمناظرة. وقوله: {أَمْ يَقُولُونَ } قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص: {تقولون} بالتاء الفوقية، وعلى هذه القراءة تكون "أم" هاهنا معادلة للهمزة في قوله: {أَتُحَاجُّونَنَا } أي: أتحاجوننا في الله أم تقولون إن هؤلاء الأنبياء على دينكم، وعلى قراءة الياء التحتية تكون أم منقطعة، أي: بل يقولون. وقوله: {قُلْ أَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ } فيه تقريع، وتوبيخ: أي: أن الله أخبرنا بأنهم لم يكونوا هوداً ولا نصارى، وأنتم تدّعون أنهم كانوا هوداً أو نصارى، فهل أنتم أعلم أم الله سبحانه؟ وقوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ } استفهام: أي: لا أحد أظلم: {مِمَّنْ كَتَمَ شَهَـٰدَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ } يحتمل أن يريد بذلك الذمّ لأهل الكتاب، بأنهم يعلمون أن هؤلاء الأنبياء ما كانوا هوداً، ولا نصارى، بل كانوا على الملة الإسلامية، فظلموا أنفسهم بكتمهم لهذه الشهادة بل بادّعائهم لما هو مخالف لها، وهو أشدّ في الذنب ممن اقتصر على مجرد الكتم الذي لا أحد أظلم منه، ويحتمل أن المراد أن المسلمين لو كتموا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم منهم، ويكون المراد بذلك التعريض بأهل الكتاب، وقيل المراد هنا ما كتموه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم. وفي قوله: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } وعيد شديد، وتهديد ليس عليه مزيد، وإعلام بأن الله سبحانه لا يترك عقوبتهم على هذا الظلم القبيح، والذنب الفظيع، وكرّر قوله سبحانه: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ } إلى آخر الآية لتضمنها معنى التهديد، والتخويف الذي هو المقصود في هذا المقام. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء } يعني أهل الكتاب. وأخرج أيضاً عن الحسن في قوله: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء } قال: يقول لم يشهد اليهود، ولا النصارى، ولا أحد من الناس يعقوب إذ أخذ على بنيه الميثاق إذ حضره الموت أن لا تعبدوا إلا الله، فأقرّوا بذلك، وشهد عليهم أن قد أقرّوا بعبادتهم أنهم مسلمون. وأخرج عن ابن عباس أنه كان يقول: الجدّ أب، ويتلو الآية. وأخرج أيضاً عن أبي العالية في الآية قال: سمي العمّ أباً. وأخرج أيضاً نحوه عن محمد بن كعب. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: قال عبد الله بن صوريا الأعور للنبي صلى الله عليه وسلم: ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتد، وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله فيهم: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {حَنِيفاً } قال: متبعاً. وأخرجا أيضاً، عن ابن عباس في قوله: {حَنِيفاً } قال: حاجاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب قال: الحنيف المستقيم. وأخرج أيضاً، عن خصيف قال: الحنيف المخلص. وأخرج أيضاً عن أبي قلابة قال: الحنيف الذي يؤمن بالرسل كلهم من أوّلهم إلى آخرهم. وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بعثت بالحنيفية السمحة»تفسير : . وأخرج أحمد أيضاً، والبخاري في الأدب المفرد، وابن المنذر، عن ابن عباس قال: «قيل يا رسول الله أيّ الأديان أحب إلى الله؟ قال: الحنيفية السمحة». وأخرج الحاكم في تاريخه، وابن عساكر، من حديث أسعد بن عبد الله بن مالك الخزاعي مرفوعاً مثله. وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما الآية التي في البقرة: {قُولُواْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ } كلها وفي الآخرة {أية : آمنا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } تفسير : [آل عمران: 52]. وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم،»تفسير : الآية. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال: الأسباط بنو يعقوب، كانوا اثني عشر رجلاً كل واحد منهم ولد أمة من الناس. وروى نحوه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي، وحكاه ابن كثير في تفسيره عن أبي العالية، والربيع، وقتادة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: لا تقولوا، فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به، فإن الله لا مثل له، ولكن قولوا، فإن آمنوا بالذي آمنتم به، وأخرج ابن أبي داود، في المصاحف، والخطيب في تاريخه عن أبي جمرة قال: كان ابن عباس يقرأ: "فإن آمنوا بالذي آمنتم به" وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: {فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ } قال فراق. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {صِبْغَةَ ٱللَّهِ } قال: دين الله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: فطرة الله التي فطر الناس عليها. وأخرج ابن مردويه، والضياء في المختارة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن بني إسرائيل قالوا يا موسى هل يصبغ ربك؟ فقال: اتقوا الله، فناداه ربه: يا موسى، سألوك هل يصبغ ربك؟ فقل: نعم. أنا أصبغ الألوان، الأحمر والأبيض والأسود والألوان كلها في صبغتي»تفسير : وأنزل الله على نبيه: {صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً }. وأخرجه ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس موقوفاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة؛ قال: إن اليهود تصبغ أبناءها يهوداً، والنصارى تصبغ أبناءها نصارى، وإن صبغة الله الإسلام، ولا صبغة أحسن من صبغة الإسلام، ولا أطهر، وهو دين الله الذي بعث به نوحاً، ومن كان بعده من الأنبياء. وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد عن ابن عباس في قوله: {صِبْغَةَ ٱللَّهِ } قال: البياض. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَتُحَاجُّونَنَا } قال: أتخاصموننا. وأخرج ابن جرير، عنه قال: أتجادلوننا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَـٰدَةً } الآية قال: أولئك أهل الكتاب كتموا الإسلام، وهم يعلمون أنه دين الله، واتخذوا اليهودية، والنصرانية، وكتموا محمداً، وهم يعلمون أنه رسول الله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، عن الحسن نحوه. وأخرج ابن جرير، عن قتادة، والربيع في قوله: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ } قال يعني إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ...} ابن عطية: رد على الجبرية القائلين بأن العبد لا قدرة له وأنه كالميت بين يدي الغاسل. زاد القرطبي: أن فيها ردا على المعتزلة القائلين بأن العبد يستقل (بفعله) لأن الآية دلت على الكسب لا على الخلق والاختراع. قال ابن عرفة: إن كان الكسب في اللغة هو الذي اصطلح عليه المتكلمون، فما قاله حق وإلا لم يتم له ذلك. قوله تعالى: {وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ...} قوله تعالى: {وَلاَ تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} فيه حذف، أي ولا يُسْأَلُونَ هم عما كنتم تعملون. قال أبو حيان: "لَهَا مَا كَسَبَتْ" يجوز أن يكون حالاً من الضمير في "خَلَتْ" ويضعفه عطف "وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ" عليه، لأنها تكون حالا، وعطف الحال على الحال يوجب اتحاد الزمانين وزمان استقرار (الكسبين) مختلف. وأجاب ابن عرفة بكون الثانية حالا مقدرة مثل، مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، أي قد خلت حالة كون (لها) ما كسبت وحالة كون (لمن) بعدها ما يكسب على تقدير (اكتسابه).

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ...} الآية، يعني بالأُمَّةِ الأنبياءَ المذكورينَ، والمخاطَبُ في هذه الآية اليهودُ والنصارَىٰ، وقولهم: {كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ تَهْتَدُواْ} نظير قولهم: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ}تفسير : [البقرة:111]، والحنيف في الدين: الذي مال عن الأديان المكروهة إِلى الحقِّ، ويجـــيء الحنيفُ في الدين بمعنى المستقيمِ علَىٰ جميع طاعاتِ اللَّهِ. قوله تعالى: {قُولُواْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّون مِن رَّبِّهِمْ...} الآية: هذا الخطابُ لأمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم، {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا}: يعني القُرْآن، و {الأَسْبَاطِ} هم ولَدُ يعقوبَ، وهم: رُوبِيل، وشَمْعُون، ولاَوي، ويَهُوذَا، وريالُون، ويشحر، ودنية بنته، وأمهم ليا، ثم خَلَف على أختها رَاحِيل، فولَدَتْ له يوسُفَ، وبِنْ يَامِين، ووُلِدَ له من سُرِّيَّتَيْنِ: ذان، وتفثالا، وجاد، واشر. والسِّبْطُ في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل، فسُمُّوا الأسباط؛ لأنه كان من كل واحدٍ منهم سِبْطٌ. وَ {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ}، أي: لا نؤمن ببعضٍ، ونكْفُر ببعض؛ كما تفعلون، {فَإِنْ ءامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءَامَنتُمْ بِهِ}، أيْ: فإن صَدَّقوا تصديقاً مثْلَ تصديقكم، {فَقَدِ اهْتَدَواْ، وَّإِن تَوَلَّوْاْ}، أي: أعرضوا، يعني: اليهودَ والنصارَىٰ، {فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ }، أي: في مشاقَّةٍ ومخالفةٍ لَكَ، هم في شِقٍّ، وأنت في شِقٍّ، وقيل: شَاقَّ معناه: شَقَّ كل واحدٍ وصل ما بينَه وبين صاحبه، ثم وعده تعالَىٰ أنه سيكفيه إِياهم، ويغلبه عليهم، فكان ذلك في قَتْل بني قَيْنُقَاعَ، وبني قريظة، وإِجلاء النَّضِير. وهذا الوَعْدُ وٱنتجازُهُ من أعلام نبوَّة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم. و {ٱلسَّمِيعُ } لقولِ كل قائلٍ، و {ٱلْعَلِيمُ } بما ينفذه في عبادِهِ، و {صِبْغَةَ ٱللَّهِ }: شريعتُهُ ودينُهُ وسنَّته، وفطْرته، قال كَثِيرٌ من المفسِّرين: وذلك أن النصارَىٰ لهم ماءٌ يصبغون فيه أولادهم، فهذا ينظر إلى ذلك، وقيل: سمي الدِّين صبغةً؛ استعارةً من حيث تظهر أعْمَالُهُ وسِمَتُهُ على المتدِّين؛ كما يظهر الصِّبْغ في الثَّوْب وغيره، ونصب الصِّبْغة على الإِغراء.

ابن عادل

تفسير : "تلْكَ" مُبْتَدَأٌ، و "أمَّةٌ" خبره، ويجوز أنْ تَكُونَ "أُمَّة" بدلاً من "تلك"، و "قد خلت" خبر للمبتدأ. وأصل "تلك": "تي"، فلمَّا جاء باللاَّم للبعد حُذِفَتِ الياء لالتقاء الساكنين، فإن قيل: لِمَ لَمْ تكسر اللام حتى لا تحذف الياء؟ فالجواب: أنَّهُ يثقل اللفظ بوقوع الياء بين كسرتين. وزعم الكوفيون أنَّ التاء وحدَها هي الاسم، وليس ثَمَّ شيء محذوف. وقوله: "قد خلت" جملة فعلية في محل رفع صفة لـ "أُمَّة" إنْ قيل إنها خبر "تلك" أو خبرُ "تلك" إن قيل: إن "أمة" بدل من "تلك" كما تقدم، و "خلت" أي صارت إلى الخلاء، وهي الأرض التي لا أنيس بها، والمراد به ماتت، والمشار إليه هو إبراهيم ويعقوب وأبناؤهم. والأمة: الجماعة، وقيل: الصنف. قوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ} في هذه الجملة ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون صفة لـ "أمة" أيضاً، فيكون محلها رفعاً. والثاني: أن تكون حالاً من الضمير في "خلت" فمحلها نصب، أي: خلت ثابتاً لَهَا كَسْبُها. والثالث: أن تكون استئنافاً فلا محلّ لها. وفي "ما" من قوله: "ما كسبت" ثلاثة أوجه: أظهرها: أنها بمعنى الذي. والثاني: أنها نكرة موصوفة، والعائد على كلا القولين محذوف أي: كسبته، إلا أن الجملة لا محلّ لها على الأول. والثالث: أن تكون مصدرية، فلا تحتاج إلى عائد على المشهور، ويكون المصدر واقعاً موقع المفعول أي: لها مكسوبها أو يكون ثَمَّ مضاف، أي: لها جزاء كسبها. قوله: {وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ} إن قيل: إن قوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ} مستأنف كانت هذه الجملة عطفاً عليه. وإن قيل: إنه صفة أو حال فلا. أما الصفة فلعدم الرابط فيها. وأما الحال فلاختلاف زمان استقرار كسبها لها، وزمان استقرار كسب المخاطبين، وعطف الحال على الحال يوجب اتحاد الزمان، و "ما" من قوله: "ما كسبتم" كـ "ما" المتقدمة. فصل فيمن استدل بالآية على إضافة بعض الأكساب إلى العبد دلت هذه الآية على أن العبد يضاف إليه أعمال وأكساب، وإن كان الله ـ تعالى ـ أقدره على ذلك، إن كان خيراً فبفضله وإن كان شرًّا فبعدله، فالعبد مكتسب لأفعاله، على معنى أنه خلقت له قدرة مُقَارنة للفعل يدرك بها الفرق بين حركة الاختيار وحركة الرَّعشة مثلاً، وذلك التمكن هو مَنَاط التكليف، وهذا مذهب أهل السُّنة. وقالت الجبرية بنفي اكتساب العَبْدِ، وأنه كالنبات الذي تصرفه الرياح. وقالت القدرية والمعتزلة خلاف هذين القولين، وأن العبد يخلق أفعاله، نقلهُ القرطبي. قوله: "وَلاَ تُسْأَلُونَ" هذه الجملة استئناف ليس إلاَّ، ومعناها التوكيد لما قبلها؛ لأنه لما تقدم أن أحداً لا ينفعه كسب أحد، بل هو مختص به إن خَيْراً وإن شرًّا، فلذلك لا يسأل أحد عن غيره، وذلك أن اليهود افتخروا بأسلافهم، فأُخْبروا بذلك. و "ما" يجوز فيها الأوجه الثلاثة من كونها موصولة اسمية، أو حرفية، أو نكرة، وفي الكلام حذف، أي: ولا يُسْألون عما كنتم تعملون. قال أبو البقاء: ودلّ عليه: لها ما كسبت، ولكم ما كسبتم انتهى. ولو جُعِل الدالُّ ـ قوله: {ولا تسألون عما كانوا يعملون} كان أوْلى؛ لأنه مقابلة.

البقاعي

تفسير : ولما كان في ذلك أعظم تسجيل عليهم بأنهم نابذوا وصية الأصفياء من أسلافهم ومرقوا من دينهم وتعبدوا بخلافهم وكان من المعلوم قطعاً أن الجواب أنهم ما شهدوا ذلك ولا هم مسلمون عبر عنه بقوله: {تلك أمة قد خلت} أي قبلكم بدهور لم تشهدوها، ونبه على أنهم عملوا بغير أعمالهم بقوله: {لها} أي الأمة {ما كسبت} أي من دين الإسلام خاص بها لا شركة لكم فيه {ولكم ما كسبتم} أي مما أنتم عليه من الهوى خاص بكم لا يسألون هم عن أعمالكم {ولا تسألون} أي أنتم {عما كانوا يعملون} ولما أخبر تعالى أنهم تركوا السنة في تهذيب أنفسهم بالاقتداء في الاهتداء بالأصفياء من أسلافهم وبين بطلان ما هم عليه الآن من كل وجه وأوضح أنه محض الضلال بين أنه عاقبهم على ذلك بأن صيرهم دعاة إلى الكفر، لأن سنته الماضية سبقت ولن تجد لسنته تحويلاً أن من أمات سنة أحيى على يديه بدعة عقوبة له. قال الحرالي: لأنهما متناوبان في الأديان تناوب المتقابلات في الأجسام فقال تعالى معجباً منهم عاطفاً على قوله: { أية : وقالوا لن يدخل } تفسير : [البقرة: 111] {وقالوا} أي الفريقان من أهل الكتاب لأتباع الهدى {كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا} أي لم يكفهم ارتكابهم للباطل وسلوكهم طرق الضلال حتى دعوا إلى ما هم عليه ووعدوا بالهداية الصائرة إليه فأمره تعالى بأن يجيبهم أنه مستن بسنة أبيهم لا يحول عنها كما حالوا فقال موجهاً الخطاب إلى أشرف خلقه لعلو مقام ما يخبر به وصعوبة التقيد به على النفس: {قل بل} مضرباً عن مقالهم، أي لا يكون شيئاً مما ذكرتم بل نكون أو نلابس أنا ومن لحق بي من كمل أهل الإسلام {ملة إبراهيم} ملابسة نصير بها إياها كأننا تجسدنا منها، وهو كناية عن عدم الانفكاك عنها، فهو أبلغ مما لو قيل: بل أهل ملة إبراهيم. قال الحرالي: ففيه كمال تسنن محمد صلى الله عليه وسلم في ملته بملة إبراهيم عليه السلام الذي هو الأول لمناسبة ما بين الأول والآخر، وقد ذكر أن الملة ما أظهره نور العقل من الهدى في ظلم ما التزمه الناس من عوائد أمر الدنيا، فكان أتم ما أبداه نور العقل ملة إبراهيم {حنيفاً} أي ليناً هشاً سهلاً قابلاً للاستقامة مائلاً مع داعي الحق منقاداً له مسلماً أمره إليه، لا يتوجه إليه شيء من العشاوة والكثافة والغلظة والجمود التي يلزم منها العصيان والشماخة والطغيان، وذلك لأن مادة حنف بكل ترتيب تدور على الخفة واللطافة، ويشبه أن تكون الحقيقة الأولى منها النحافة، ويلزم هذا المعنى الانتشار والضمور والميل، فيلزمه سهولة الانقياد والاستقامة، ويكشفه آية آل عمران { أية : ولكن كان حنيفاً مسلماً } تفسير : [آل عمران: 67] فبذلك حاد عن بنيات طرق الخلق في انحرافهم عن جادة طريق الإسلام. وقال الحرالي: الحنيف المائل عن متغير ما عليه الناس عادة إلى ما تقتضيه الفطرة حنان قلب إلى صدق حسه الباطن. ولما أثبت له الإسلام بالحنيفية نفى عنه غيره بقوله: {وما كان من المشركين} قال الحرالي: فيه إنباء بتبرئة كيانه من أمر الشرك في ثبت الأمور والأفعال والأحوال وفي إفهامه أنه من أمر محمد صلى الله عليه وسلم في الكمال الخاتم كما أن محمداً صلى الله عليه وسلم منه في الابتداء الفاتح، قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: { أية : قل إن صلاتي } تفسير : [الأنعام: 162] إلى قوله: { أية : وأنا أول المسلمين } تفسير : [الأنعام: 163] فهذه أولية رتبة الكمال التي هي خاصة به ومن سواه فهو منه فيها، لأن نفي الشيء يفهم البراءة واللحاق بالمتأصل في مقابله، فمن لم يكن مثلاً من الكافرين فهو من المؤمنين، لأنه لو كان هو المؤمن لذكر بالصفة المقابلة لما نفى عنه، لما في ذلك من معنيي إثبات الوصف ونفي مقابله، ومثل هذا كثير الدور في خطاب القرآن، وبين من له الوصف ومن هو منه تفاوت ما بين السابق واللاحق في جميع ما يرد من نحوه يعني ومثل هذا التفاوت ظاهر للفهم خفي عن مشاهد العلم، لأن العلم من العقل بمنزلة النفس؛ والفهم من العقل بمنزلة الروح، فللفهم مدرك لا يناله العلم، كما أن للروح معتلى لا تصل إليه النفس، لتوجه النفس إلى ظاهر الشهود ووجهة الروح إلى على الوجود - انتهى. ولما قيل ذلك توجهت النفس إلى ما به يوصل إلى ملة إبراهيم. فصرف الخطاب الذي كان عند الحجاج للأكل على وجه يشمل من قاربه إلى من دونه بما يشمله، لأن المراد العموم، وساقه تعالى في جواب من كأنهم قالوا: ما نقول: حتى نكون إياها فقال: {قولوا} أي يا أيها الذين آمنوا {آمنا بالله} الذي له جميع صفات الكمال. ولما كان المأمور المؤمنين وكانت تعدية الإنزال بإلى تقتضي الانتهاء وكان ذلك يقتضي واسطة قبل الانتهاء وكان الانتهاء إلى الاتباع إنما هو بالقصد الثاني كان الأنسب في هذه الآية لتوجيه الأمر إليهم التعبير بإلى بخلاف آية آل عمران كما سيأتي إن شاء الله تعالى فقال: {وما أنزل إلينا} أي من الكتاب الذي تقدم أنه الهدى على أي وجه كان من الأحكام والنسخ والنسيء وغير ذلك وقيل {وما أنزل إلى إبراهيم} ليكون المهيع واحداً {وإسماعيل وإسحاق} ابنيه. قال الحرالي: فلقن العرب الأميين المحسودين على ما آتاهم الله من فضله نسق ما أجرى من لفظ بني إسرائيل في عهده لهم، فكان فيه وصل العرب الذين هم أبناء إسماعيل بإبراهيم وبنيه وقطع بني إسرائيل عنهم، وفيه إظهار لمزية فضل الله على العرب حين يلقنهم ولا يستنطقهم فيقصروا في مقالهم فأغناهم بما لقنهم فتلوه عما كانوا يقولونه لو وكلوا إلى أنفسهم فسكّنهم ربهم فأقرأهم ما يصلح من القول لهم وقال: {ويعقوب والأسباط} تكملة لما تقدم في العهد السابق - انتهى. {وما أوتي موسى وعيسى} أي من ربهم من المنزل من التوراة والإنجيل وغير المنزل، وغيّر الأسلوب تفضيلاً لما لهما من الكتابين والمعجزات وغير ذلك من المكنة؛ ثم أسند الإيتاء إلى الجميع لكون أهل الكتب العظيمة فيهم على سبيل التغليب فقال مؤكداً الكلام لأنه على لسان الأتباع وهم بالتأكيد أحق: {وما أوتي النبيون} أي قاطبة من تقدم وغيرهم من المنزل من كتاب وغيره {من ربهم} المحسن إليهم بذلك {لا نفرق بين أحد منهم} في أمر الإيمان باصطفائهم مع توجيه الأوامر إليهم {ونحن له} أي لربهم المحسن إلينا بإحسانه إليهم وحده {مسلمون} أي منقادون في الظاهر بعد انقياد الباطن، لا آمر لنا معه أصلاً، قال الحرالي: فأجرى على ألسنة الذين آمنوا من هذه الأمة تلقيناً لهم ما أجراه على ألسنة الأسباط قولاً منهم، فكانت العرب أحق بهم من أبناء إسرائيل بما استووا في الدين وإن افترقوا في نسب الإسرائيلية - انتهى. والأسباط جمع سبط، قال في القاموس: والسبط - بالكسر - ولد الولد والقبيلة من اليهود وجمعه أسباط. وقال البيضاوي: والأسباط جمع سبط وهو الحافد، يريد به حفدة يعقوب وأبناءه وذراريهم فإنهم حفدة لإبراهيم وإسحاق. وقال الأصبهاني: قيل أصل السبط في اللغة شجرة ملتفة كثير الأغصان من شجرة واحدة، وقال البغوي: والأسباط يعني أولاد يعقوب، واحدهم سبط، وهم اثنا عشر سبطاً، وسبط الرجل حافده، ومنه قيل للحسن والحسين: سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من العرب من بني إسماعيل، والشعوب من العجم، وكان في الأسباط أنبياء فلذلك قال: { أية : وما أنزل إليهم } تفسير : [آل عمران: 199] وقيل: هم بنو يعقوب من صلبه صاروا كلهم أنبياء - انتهى. قلت: وهذا هو الذي يظهر إذا تأملت هذه الآية مع التي بعدها وآية النساء، فإن الأسباط - أعني القبائل - كانت منهم الضلال، وقد أنكر الله على من قال: إنهم كانوا هوداً أو نصارى، وأخبر في آية النساء أنه أوحى إليهم، وقد عد الأسباط - أعني أولاد يعقوب - جماعة، فاختلفت عباراتهم عنهم، والذي حررته أنا من التوراة من عدة نسخ أصح، عدّهم في آخر السفر الأول منها ثم قال في أول السفر ثاني: وهذه أسماء بني إسرائيل الذين دخلوا مصر مع يعقوب أبيهم، دخل كل أمرىء منهم وأهل بيته، روبيل وشمعون ولاوى ويهودا وايساخار وزبلون وبنيامين ودان ونفتالي وجاد وأشير، ويوسف كان بمصر - انتهى. قلت: وبنيامين شقيق يوسف عليهما السلام وربما قيل فيه: بنمن، وفي روبيل: روبال، وفي شمعون: شمعان، وفي ايساخار: ايساخر، وفي زبلون: زبلون وزبولون - والله أعلم. ولما قدم تعالى ما أمرهم به وكان عين الهدى تسبب عنه قوله معبراً بأداة الشك إشارة إلى أن إيمانهم لما لهم من الكثافة والغلظة والجلافة في غاية البعد: {فإن آمنوا} أي أهل الكتاب الذين أرادوا أن يستتبعوكم {بمثل} أي بنفس وحقيقة {ما آمنتم به} كما يأتي بيانه في { أية : ليس كمثله شيء } تفسير : [الشورى: 11] من الشورى، فكانوا تبعاً لكم {فقد اهتدوا} عكس ما قالوا مثلنا تهتدوا، وعبر بفعل المطاوعة لكون الإيمان مع ظهوره بظهور دلائله موافقاً للفطرة الأولى، وأما الكفر فإنه لما كان لأجل ظهور الإيمان وانطباعه في الجنان بعيداً عن المزاج لا يكون إلا بنوع من العلاج بين الهوى والعقل وكان لا يكون إلا بعد الإعراض عن الإيمان وغيبته عن العيان عبر عن ارتكابه بما يشعر بذلك بصيغة التفعل فقال: {وإن تولوا} قال الحرالي: فيه إشعار بإيمان مؤمن منهم وتولي متول منهم، لأن الله تعالى إذا صنف الخطاب كان نبأ عن تصنيف الكيان، فهو تعالى لا يخرج نبأه على غير كائن فيكون نبأ لا كون له، إنما ذلك أدنى أوصاف بعض الخلق {فإنما هم في شقاق} أي يريدون أن يكونوا في شق غير شقكم، لأنهم يعلمون أن الهدى ليس في شيء غيره كما اقتضته "إنما". ولما كان اللازم لمشاقّتهم على هذا الحال المكايدة والمحاربة وكان ذلك على وجه العناد لم يكل سبحانه كفاية أوليائه إلى غيره فسبب ذلك قوله: {فسيكفيكهم الله}؛ أي بوعد لا خلف فيه أصلاً وإن تأخر شيئاً من تأخر بما له من قدرة وغيرها من صفات الكمال التي أفهمها الاسم الشريف، والكفاية إغناء المقاوم عن مقاومة عدوه بما لا يحوجه إلى دفع له - قاله الحرالي. ولما كان المناوىء لشخص إما أن يكيده بقوله أو بفعله وكان الفعل مسبوقاً بالارتسام في الضمير وكان الكافي لشخص إنما يتوقف كفايته على العلم بما يصلحه قال: {وهو السميع} أي لما يقول أعداؤكم {العليم} بما يضمرون فهو يسبب لكل قول وضمير منهم ما يرد ضرره عليه، فحظكم منهم مقصور على أذى في القول وسوء في وُدّ في الضمير، وحظهم منكم قهرهم وسبيهم والاستيلاء على ديارهم وأموالهم. وجعل الحرالي {صبغة الله} أي هيئة صبغ الملك الأعلى التي هي حلية المسلم وفطرته كما أن الصبغة حلية المصبوغ حالاً تقاضاها معنى الكلام، وعاب على النحاة كونهم لا يعرفون الحال إلا من الكلم المفردة ولا يكادون يتفهمون الأحوال من جملة الكلام، وقال: الصيغة تطوير معاجل بسرعة وحيه، وقال: فلما كان هذا التلقين تلقيناً وحياً سريع التصيير من حال الضلال المبين الذي كانت فيه العرب في جاهليتها إلى حال الهدى المبين الذي كانت فيه الأنبياء في هدايتها من غير مدة جعله تعالى صبغة كما يصبغ الثوب في الوقت فيستحيل من لون إلى لون في مقابلة ما يصبغه أهل الكتاب بأتباعهم المتبعين لهم في أهوائهم في نحو الذي يسمونه الغِطاس {ومن أحسن من الله} أي الذي له الكمال كله {صبغة} لأنها صبغة قلب لا تزول لثباتها بما تولاها الحفيظ العليم، وتلك صبغة جسم لا تنفع، وفيه إفهام بما يختص به الذين آمنوا من انقلاب جوهرهم نوراً، كما قال عليه الصلاة والسلام: اللهم اجعلني نوراً! فكان ما انقلب إليه جوهر الأئمة انصبغت به قلوب الأمة {ونحن له} أي خاصة {عابدون} تكملة لرد الخطاب على خطاب عهد إسرائيل حيث قال: { أية : ما تعبدون من بعدي } تفسير : [البقرة: 133] إلا أن العبادة في عهد إسرائيل سابقة والإسلام حتم، والإسلام في هذا التلقين بدء لتقع العبادة شكراً - يختص برحمته من يشاء، وجاء به بالوصف الثابت الدائم ففيه إشعار بأن أحداً منهم لا يرتد عن دينه سخطة له بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه، وهو حظ عام من العصمة الثابت خاصها للنبي صلى الله عليه وسلم في عليِّ أمره - انتهى. ولما أمر تعالى بقوله: {قل بل ملة إبراهيم} [البقرة: 135] وما بعده بإعلام الخصم بالمخالفة وأن لا موافقة إلا بترك الهوى واتباع الهدى أمر بمجادلتهم بما يوهي أقوالهم ويزيح شبههم فقال معرضاً بالخطاب عن الجمع موجهاً له إلى رسوله صلى الله عليه وسلم رفعاً لمقامه وتعريفاً بعلي منصبه إعلاماً بأنه لا ينهض بذلك غيره لما لهم من العلم مع ما عندهم من الجدل واللدد: {قل} منكراً لمحاجتهم وموبخاً لهم عليها {أتحاجوننا} ولما كان الأنسب في المقارعة إعلام الخصم بالمخالفة لأنه أقطع لطمعه وأمكن لغيظه مع أنه هنا أقرب إلى رضى الخالق قدم على المجادلة، ومعنى قوله: {في الله} في اختصاصكم بالملك الذي لا ملك سواه، لأن له الكمال كله المشار إلى إبطاله فيما سبق بقوله: { أية : قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة } تفسير : [البقرة: 94] أي أتحاجوننا في ذلك ولا وجه لاختصاصكم به {وهو} أي والحال أنه {ربنا وربكم} نحن وأنتم في العبودية له سواء {ولنا أعمالنا} نختص به دونكم {ولكم أعمالكم} تختصون بها دوننا، لا نخاف منه أن يخصكم بأعمالنا ولا بشيء منها لتختصوا بها عنده ولا أن يخصنا بأعمالكم ولا بشيء منها لنبعد بها عنه ظلماً ولا غلطاً، لأنه السميع العليم الغني الحميد {ونحن} أحسن أعمالاً منكم لأنا دونكم {له} وحده {مخلصون} لا نشرك به شيئاً وأنتم تشركون به عزيراً والمسيح والأحبار والرهبان، وأنتم تعلمون ذلك في باطن الأمر وإن أظهرتم خلافه، فلزم قطعاً أنا أخص به منكم؛ والإخلاص عزل النفس جملة، فلا يبلغ عبد حقيقته حتى لا يحب أن يحمد على عمل. ولما كان قد بقي من مباهتاتهم أنهم يدعون أن أسلافهم كانوا على دينهم فيكون دعواهم الاختصاص بالجنة صحيحة أبطلها سبحانه بقوله: {أم} أي أرجعوا عن قولهم: {كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا} [البقرة: 135] لما ثبت من مخالفة ذلك لملة إبراهيم وآله أم {تقولون} ولا يخفى أن التقدير على قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف وحفص ورويس بالخطاب: أرجعتم عن قولكم: {إن إبراهيم} خليل الله {وإسماعيل وإسحاق} ابنيه {ويعقوب} ابن إسحاق {والأسباط} أولاد يعقوب {كانوا هوداً أو نصارى} لتصح دعواهم في أن الجنة خالصة لأهل ملتهم، فكأنه قيل: فما يقال لهم إن قالوا ذلك؟ فقيل: {قل أنتم أعلم} بذلك وبغيره {أم الله} الذي له الإحاطة كلها أعلم، فلا يمكنهم أن يقولوا: نحن، وإن قالوا: الله، فقد برّأ إبراهيم من ذلك فبطل ما ادعوا. ولما كان العلم عندهم عن الله بأن الخليل ومن ذكر معه عليهم السلام على دين الإسلام وكانوا يكتمون ما عندهم من ذلك مع تقرير الله لهم واستخبارهم عنه ونهيه لهم عن كتمانه وما يقاربه بقوله: { أية : ولا تلبسوا الحق بالباطل } تفسير : [البقرة: 42] وكان التقدير: فمن أظلم ممن ادعى أنه أعلم من الله بدعواه ذلك صريحاً أو لزومه له بإخباره بخلاف ما ثبت في القرآن المعلوم صدقه بإعجازه! قال تعالى عطفاً على هذا المقدور: {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده} أي موجودة ومودعة عنده {من الله} أي كتمها من الملك الأعظم، أو هي عنده منه وهو يستخبره عنها مع علمه بأنه فاضحه لأنه العالم بالسرائر. ولما كان التقدير: فإنه يعلم ما عمله من كتمانه عطف عليه ما هو أعم منه فقال: {وما الله} المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {بغافل عما تعملون} إشعاراً بصيغة المضارع بتماديهم بعد هذا كله على سوء أعمالهم وتحذيراً من مثل ذلك. ولما لم يدع لهم متمسكاً من جهة إبراهيم عليه السلام أتبع ذلك الإشارة على تقدير صحة دعواهم إلى أن الدين دائر مع أمره في كل زمان لا مع ما قرره لأحد من خلقه فإنه لا حجر عليه ولا اعتراض بل له أن يأمر اليوم بأمر وغداً مثلاً بضده وأن يفعل ما يشاء من إحكام ونسخ ونسيء وإنساء فقال: {تلك أمة} أي إبراهيم وآله {قد خلت} أي فهب أنهم على ما زعمتم فقد مضوا وقدم زمانهم فلا ينفعكم إلا ما تستجدونه في وقتكم هذا بحكم ما تجدد من المنزل المعجز لكافة أهل الأرض أحمرهم وأسودهم، ويجوز أن يقال: لما كان مضمون ما سبق من إثبات الأعلمية لله وكتمانهم الشهادة بما عندهم ثبوت ما أخبر به سبحانه على لسان هذا النبي الكريم من كون أصفيائه على دينه الإسلام فهم برآء منهم كان المعنى: إن ادعيتم بهتاً أن العلم جاءكم عن الله بما ادعيتموه قيل: إن من تدعون عليه ذلك من الأنبياء قد انقضت معجزته بموته، وكتابكم غير مأمون عليه التحريف والتبديل لكونه غير معجز، وهذا النبي الآتي بالقرآن قائم بين أظهركم وهو يخبركم عن الله بكذب دعواكم، ويؤيد قوله بالمعجزات التي منها هذا القرآن الذي عجزت العرب كلها عن الإتيان بسورة من مثله وأنتم كذلك مع مشاركتكم لهم في الفصاحة نظماً ونثراً واختصاصكم عنهم بالعلم فلزمكم قبوله، لأنكم لا تستندون في ترويج كذبكم بعد الجهد إلا إلى من ثبت صدقه بثبوت رسالته، وثبتت رسالته بظهور معجزته، فوجب عليكم قبول أمره، وذلك ينتج قطعاً أنه يجب عليكم قبول هذا الداعي بهذا القرآن لمثل ذلك سواء، وإلا كان قبول بعض من ثبت له هذا الوصف دون البعض تحكماً واتباعاً للهوى المذموم في كل شرعة المنعي عليكم بقوله تعالى: { أية : أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم } تفسير : [البقرة: 87] هذا مع أن رد قولكم هذا فيهم أظهر ظاهر من حيث إنه لا يعقل أن يكون السابق على نسبة اللاحق ما حدثت به إلا بعده بمُدد متطاولة، وسيأتي النص الصريح بإبطال ذلك في آل عمران إن شاء الله تعالى والإشارة إلى منابذته للعقل بقوله: { أية : أفلا تعقلون } تفسير : [آل عمران: 65] ليتطابق على إبطاله صادق النقل وحاكم العقل، وإلى هذا كله الإشارة بقوله: {تلك أمة قد خلت} أي من قبلكم بدهور ولا يقبل الإخبار عنهم بعدها إلا بقاطع، ولا سبيل لكم إليه وقد قام القاطع على مخالفتكم لهم بهذا القرآن المقطوع بصدقه بإعجازه بما تقدم وبما أشار إليه قوله تعالى: {لها ما كسبت} أي من أعمالها {ولكم ما كسبتم} أي من أعمالكم، فلا يسألون هم عن أعمالكم {ولا تسألون} أي أنتم {عما كانوا يعملون} .

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله ‏ {‏تلك أمة قد خلت‏} ‏ قال‏:‏ يعني إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط‏.‏

ابو السعود

تفسير : {تِلْكَ أُمَّةٌ} مبتدأٌ وخبرٌ، والإشارةُ إلى إبراهيمَ ويعقوبَ وبَنِيهما الموحِّدين، والأمةُ هي الجماعة التي تؤمّها فِرقُ الناس أي يقصِدونها ويقتدون بها {قَدْ خَلَتْ} صفة للخبر أي مضت بالموت وانفردت عمن عداها، وأصلُه صارت إلى الخلاء وهي الأرضُ التي لا أنيس بها {لَهَا مَا كَسَبَتْ} جملةٌ مستأنفةٌ لا محل لها من الإعراب أو صفةٌ أخرى لأمة، أو حال من الضمير في خلت وما موصولةٌ أو موصوفةٌ والعائدُ إليها محذوف أي لها ما كسبَتْه من الأعمال الصالحةِ المحكيةِ لا تتخطاها إلى غيرها فإن تقديمَ المُسندِ يوجب قصْرَ المُسند إليه عليه كما هو المشهور {وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم} عطف على نظيرتها على الوجه الأول، وجملةٌ مبتدأة على الوجهين الأخيرين إذ لا رابطَ فيها ولا بد منه في الصفة، ولا مقارنة في الزمان ولا بد منها في الحال أي لكم ما كسبتموه لا ما كسبه غيرُكم فإن تقديمَ المسند قد يُقصد به قصرُه على المسند إليه كما قيل في قوله تعالى: {أية : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ } تفسير : [الكافرون، الآية 6] أي ولي ديني لا دينُكم وحملُ الجملة الأولى على هذا القصر على معنى أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا كما قيل مما لا يساعده المقامُ إذ لا يَتوهم متوهِّم انتفاعَهم بكسب هؤلاء حتى يُحتاج إلى بـيان امتناعِه وإنما الذي يُتوهم انتفاعُ هؤلاء بكسبهم فبـين امتناعَه بأن أعمالَهم الصالحة مخصوصةٌ بهم لا تتخطاهم إلى غيرهم وليس لهؤلاء إلا ما كسبوا فلا ينفعُهم انتسابُهم إليهم وإنما ينفعهم اتباعُهم لهم في الأعمال كما قال عليه السلام: «حديث : يا بني هاشم لا يأتيني الناسُ بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم» تفسير : {وَلاَ تُسْـئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} إن أجريَ السؤالُ على ظاهره فالجملةُ مقرِّرة لمضمون ما مرَّ من الجملتين تقريراً ظاهراً وأن أريد به سببُه أعني الجزاءَ فهو تتميمٌ لما سبق جارٍ مَجرى النتيجةِ له وأياً ما كان فالمرادُ تخيـيبُ المخاطَبـين وقطعُ أطماعِهم الفارغةِ عن الانتفاع بحسناتِ الأمةِ الخاليةِ وإنما أُطلق العملُ لإثبات الحكم بالطريقِ البرهاني في ضمن قاعدة كليةٍ، هذا وقد جعل السؤال عبارةً عن المؤاخذة والموصول عن السيئات فقيل: أي لا تؤاخَذون بسيئاتهم كما لا تثابون بحسناتهم، ولا ريب في أنه مما لا يليق بشأن التنزيلِ كيف لا وهم منزّهون من كسب السيئاتِ فمن أين يُتصوَّر تحميلُها على غيرهم حتى يُتصَدَّى لبـيان انتفاعِه {وَقَالُواْ} شروع في بـيان فنٍ آخرَ من فنون كفرِهم وهو إضلالُهم لغيرهم إثرَ بـيانِ ضلالِهم في أنفسهم والضمير لأهل الكتابـين على طريقة الالتفاتِ المُؤْذن باستيجاب حالِهم لإبعادهم من مقام المخاطبةِ والإعراضِ عنهم وتعديدِ جناياتهم عند غيرهم أي قالوا للمؤمنين: {كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ} ليس هذا القولُ مقولاً لكلّهم أو لأيّ طائفةٍ كانت من الطائفتين بل هو موزَّعٌ عليهما على وجه خاصَ يقتضيه حالُهما اقتضاءً مُغنياً عن التصريح به أي قالت اليهودُ: كونوا هوداً، والنصارى: كونوا نصارى ففَعل بالنظم الكريم ما فَعل بقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ } تفسير : [البقرة، الآية 111] اعتماداً على ظهور المراد {تَهْتَدُواْ} جواب الأمر أن تكونوا كذلك تهتدوا {قُلْ} خطابٌ للنبـي صلى الله عليه وسلم أي قل لهم على سبـيل الردِّ عليهم وبـيانِ ما هو الحقُّ لديهم وإرشادِهم إليه {بَلْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ} أي لا نكون كما تقولون بل نكون أهلَ ملتِه عليه السلام وقيل: بل نتبعُ مِلّته عليه السلام، وقد جُوِّز أن يكون المعنىٰ بل اتَّبعوا أنتم ملَّتَه عليه السلام أو كونوا أهلَ ملّته، وقرىء بالرفع أي بل ملتُنا أو أمرُنا مِلّتَه أو نحن مِلَّتُه أي أهلُ ملتِه {حَنِيفاً} أي مائلاً عن الباطل إلى الحق وهو حالٌ من المضاف إليه كما في رأيت وجهَ هندٍ قائمةً أو المضافِ كما في قوله تعالى: {أية : وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا } تفسير : [الحجر، الآية 47] الخ {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تعريضٌ بهم وإيذانٌ ببُطلان دعواهم اتباعَه عليه السلام مع إشراكهم بقولهم عزيرٌ ابنُ الله والمسيحُ ابن الله.

التستري

تفسير : قيل له: ما معنى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ}[134] قال: أي تلك جماعة مضت لسابق علم الله فيهم.

القشيري

تفسير : أنزل الحقُّ - سبحانه - كُلاًّ بمحلِّه، وأفرد لكل واحدٍ قَدْراً بموجِبِ حكمه، فلا لهؤلاء عن أشكالهم خبر، ولا بما خَصَّ به كل طائفة إلى آخرين أثر، وكلُّ في إقليمه مَلِك، ولكلٍ يدور بالسعادة فَلَك.

اسماعيل حقي

تفسير : {تلك} اشارة الى الامة المذكورة التى هى ابراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون {امة} هى فى الاصل المقصود كالعهدة بمعنى المعهود وسمى بها الجماعة لان فرق الناس تؤمها اى يقصدونها ويقتدون بها وهى خبر تلك {قد خلت} اى مضت بالموت وانفردت عمن عداها واصله صارت الى الخلاء وهى الارض التى لا انيس بها والجملة نعت لامة {لها ما كسبت} تقديم المسند لقصره على المسند اليه اى لها كسبها لا كسب غيرها {ولكم ما كسبتم} لا كسب غيركم {ولا تسئلون عما كانوا يعملون} اى لا تؤاخذون بسيآت الامة الماضية كما فى قوله ولا تسألون عما اجرمنا كما لا تثابون بحسناتهم فلكل اجر عمله وذلك لما ادعى اليهود ان يعقوب عليه السلام مات على اليهودية وانه عليه السلام وصى بها بنيه يوم مات وردوا بقوله تعالى {أية : أم كنتم شهداء} تفسير : [البقرة: 133] الآية. قالوا هب ان الامر كذلك أليسوا آباءنا واليهم ينتمى نسبنا فلا جرم ننتفع بصلاحهم ومنزلتهم عند الله تعالى قالوا ذلك مفتخرين باوآئلهم فردوا بانهم لا ينفعهم انتسابهم اليهم وانما ينفعهم اتباعهم فى الاعمال فان احدا لا ينفعه كسب غيره كما قال عليه السلام "حديث : يا بنى هاشم لا يأتينى الناس باعمالهم وتأتونى بانسابكمbr>". تفسير : وقال عليه السلام "حديث : من ابطأ به عمله لم يسرع به نسبهbr>". تفسير : يعنى من اخره فى الآخرة عمله السيئ او تفريطه فى العمل الصالح لم ينفعه شرف نسبه ولم تنجبر نقيصته به قال الشاعر شعر : أتفخر باتصالك من على واصل البؤسة الماء القراح وليس بنافع نسب زكى يدنسه صنائعك القباح تفسير : والابناء وان كانوا يتشرفون بشرف آبائهم الا انه اذا نفخ فى الصور فلا أنساب والافتخار بمثل هذا كالافتخار بمتاع غيره وانه من الجنون فلا بد من كسب العمل والاخلاص فيه فانه المنجى بفضل الله تعالى وجاء فى حديث طويل وهو ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : انى رأيت البارحة عجبا رأيت رجلا من امتى جاءه ملك الموت ليقبض روحه فجاء بره لوالديه فرده عنه ورأيت رجلا من امتى قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك ورأيت رجلا من امتى قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله فخلصه من بينهم ورأيت رجلا من امتى قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من ايديهم ورأيت رجلا من امتى يلهث عطشا كلما ورد حوضا منع منه فجاءه صيامه فسقاه وأرواه ورأيت رجلا من امتى والنبيون قعود حلقا حلقا كلما دنا لحلقة طرد فجاءه اغتساله من الجنابة فاخذ بيده واقعده الى جنبى ورأيت رجلا من امتى بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن شماله ظلمة ومن فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة فهو متحير فجاءته حجته وعمرته فاستخرجتاه من الظلمة وادخلتاه فى النورورأيت رجلا من امتى يكلم المؤمنين فلا يكلمونه فجاءته صلة الرحم فقالت يا معشر المؤمنين كلموه كلموه ورأيت رجلا من امتى يتقى وهج النار وشررها بيده عن وجهه فجاءته صدقته فصارت سترا على وجهه وظلا على رأسه ورأيت رجلا من امتى قد اخذته الزبانية من كل مكان فجاءه امره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذاه من ايديهم وادخلاه مع ملائكة الرحمة ورأيت رجلا من امتى جاثيا على ركبتيه بينه وبين الله حجاب فجاءه حسن خلقه فاخذ بيده فادخله على الله ورأيت رجلا من امتى قد هوت صحيفته من قبل شماله فجاءه خوفه من الله فاخذ صحيفته فجعلها فى يمينه ورأيت رجلا من امتى قد خف ميزانه فجاءته افراطه فثقلوا ميزانه ورأيت رجلا من امتى قائما على شفير جهنم فجاءه وجله من الله فاستنقذه من ذلك ومضى ورأيت رجلا من امتى اهوى فى النار فجاءته دموعه التى بكى بها من خشية الله فاستخرجته من النار ورأيت رجلا من امتى قائما على الصراط يرعد كما ترعد السعفة فجاءه حسن ظنه بالله فسكن رعدته ومضى ورأيت رجلا من امتى على الصراط يزحف احيانا ويحبو احيانا ويتعلق احيانا فجاءته صلاته على فاخذت بيده واقامته ومضى على الصراط ورأيت رجلا من امتى انتهى الى ابواب الجنة فغلقت الابواب دونه فجاءته شهادة ان لا اله الا الله ففتحت له الابواب وادخلته الجنةbr>". تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من قال لا اله الا الله مخلصا دخل الجنة" قيل يا رسول الله وما اخلاصها قال "ان تحجزه عن محارم اللهbr>". تفسير : فعلم من هذا التفصيل ان الخلاص وان كان بفضل الله تعالى لكنه منوط بالاعمال الصالحة فالقرابة لا تغنى شيأ اذا فسد العمل واما قول من قال اذا طاب اصل المرء طابت فروعه فباعتبار الغالب فان من عادته تعالى ان يخرج الحى من الميت والميت من الحى ونعم ما قيل شعر : اصل را اعتبار جندان نيست روى تر كل زخار خندان نيست مى زغوره شود شكر ازنى عسل ازنحل حاصلست بقى تفسير : والعود الذى تفوح رائحته وان كان فى الاصل شجرة كسائر الاشجار الا انه لما كان له استعداد لتلك المرتبة وحصل ذلك بالتربية فاق على الاقران وخرج من جنس الاصل وكذا المسك فان اصله دم وكم من نسيب يعود على اصله بالعكس فيظهر فيه اثر الصلاح الباطن فى ابيه ان كان اى ابوه فاسقا او الفساد الباطن فيه ان كان صالحا وكم من فرع يميل الى اصله على وجه فانظر حال آدم عليه السلام وولديه هابيل وقابيل ومن بعدهم الى قيام الساعة.

الطوسي

تفسير : اللغة: قوله:{تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم} فالامة المراد بها هنا الجماعة والامة على ستة اقسام الجماعة والامة: الحين لقوله: {أية : وادكر بعد أمة}تفسير : أي بعد حين، والامة القدوة والامام. لقوله: {أية : إن إبراهيم كان أمة قانتا} تفسير : والامة العامة وجمعها امم. قال الاعشى: شعر : وان معاوية الاكرمين حسان الوجوه طوال الامم تفسير : والامة: الاستقامة في الدين والدنيا. قال النابغة: شعر : وهل يأثمن ذوامة وهو طائع تفسير : والامة: أهل الملة الواحدة. كقولهم: أمة موسى، وامة عيسى، وامة محمد (صلى الله عليه وسلم) واصل الباب: القصد من أمه يؤمه. اذا قصده. ومعنى خلت. مضت كما تقول: لثلاث خلون من الشهر، أي مضين. وأصله: الانفراد ومنه خلا الرجل بنفسه: اذا انفرد. وخلا المكان من أهله أي انفرد منهم. وحد الخلو: حصول الشيء وحده. والفرق بين الخلو والفراغ، أن الخلو اذا لم يكن مع الشيء غيره، وقد يفرغ منه وهو معه. فاذا قلت خلا منه فليس معه. والكسب: العمل الذي يجلب به نفع، ويدفع به ضرر عن النفس. وكسب لاهله: اذا اجتلب، ذلك لهم بعلاج ومراس. ولذلك لا يجوز في صفة الله. وقوله {ولا تسألون عما كانوا يعملون} معناه انه لا يقال لكم اعملوا كذا وكذا. وعلى جهة المطالبة بما يلزمهم من أجل عملهم. كما لا يقال لهم لم عملتم انتم كذا وكذا. وانما يطالب كل انسان بعمله دون عمل غيره كما قال: {أية : ولا تزر وازرة وزر أخرى}تفسير : وفي الآية دلالة على بطلان قول المجبرة: إن الابناء يؤخذون بذنوب الآباء. ويؤخذ الطفل بذنب ابيه، لان الله تعالى نفى ذلك ومثله قوله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} وقوله: {أية : اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم}.تفسير : والاشارة بقوله: {تلك أمة} إلى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب ولدهم. يقول الله تعالى لليهود والنصارى: يا معشر اليهود والنصارى دعوا ذكر ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والمسلمين من اولادهم بغير ما هم اهله، ولا تنسبوا اليهم الكفر، واليهودية والنصرانية، ولا تضيفوها اليهم وإنها امة قد خلت ولا تسألون انتم عما كانوا يعملون. الاعراب: وقوله {لها ما كسبت} يحتمل ان يكون موضعه نصب بأنه حال كأنه قال: قد يلزمها ما تستحقه بعملها. ويجوز أن لا يكون لها موضع لانها مستأنفة. ولا يكون جزء من الجزء الاول، لكن تكون متصلة به في المعنى وان لم تكن جزء منه، لانهما خبران في المعنى عن شيء واحد. كأنه قيل للجماعة. قد خلت. والجماعة لها ما كسبت.

الجنابذي

تفسير : {تِلْكَ أُمَّةٌ} جماعة قاصدون لمقصودٍ واحدٍ {قَدْ خَلَتْ} والمراد ابراهيم (ع) ويعقوب وبنوهما {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} يعنى انّ انتسابكم اليهم لا ينفعكم به حسناتهم ولا يضرّكم به سيّئاتهم فانظروا الى اعمال أنفسكم لا الى انسابكم وآبائكم.

الهواري

تفسير : قوله: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}؛ يعني بذلك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب. قوله: {وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} قالت اليهود: كونوا يهوداً تهتدوا، وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا. قال الله: {قُلْ} يا محمد {بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ}. أي إن اليهود والنصارى مشركون. قال الحسن: حنيفاً مخلصاً. وقال الكلبي: الحنيف المسلم. قال الحسن: ثم أمر الله المؤمنين أن يقولوا: {ءَامَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ}. والأسباط: يوسف وإخوته الاثنا عشر {وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}. قال: {فَإِنْ ءَامَنُوا} أي أهل الكتاب {بِمِثْلِ مَا ءَامَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} أي في فراق الإِيمان. قال الحسن، فجعل الله ذلك، يعني هذه الآية، محنة فيما بين المسلمين واليهود والنصارى. وسئل بعض السلف فقيل له: إن قوماً يجالسوننا فيقولون لنا: أمؤمنون أنتم؟ فقال: إذا قالوا لكم ذلك فقولوا: {آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل...} إلى آخر الآية. وقال الحسن في قوله: {وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ}، قال: الشقاق هو التعادي إلى يوم القيامة. وقال بعضهم: الشِقاق هو الفراق، والفراق هو العداوة. وقوله: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ} أي حتى يظهرك عليهم وينصرك، فيكونوا من تحت يديك {وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ}.

اطفيش

تفسير : {تِلْكَ أمةٌ قدْ خَلَتْ}: قد مضت لسبيها وانقطعت عنكم يا معاشر اليهود والنصارى، فلا تذكورهم بشىء تكذبوا فى ذكرهم، وقد ذكروا قبحهم الله إبراهيم ويعقوب وإسحاق وبنيهم باليهودية والنصرانية، ذكر اليهود باليهودية والنصارى بالنصرانية، وهم كاذبون. {لَها ما كَسَبَت}: أى لها جزاء ما كسبت من العمل. {ولكُم ما كَسَبتُم}: جزاء ما كسبتم من الخير إن كسبتم منه شيئاً، والخطاب لليهود والنصارى، فلستم تنتفعون بأعمالنا، ولو انتسبتم إليها وإنما تنتفعون بموافقتهم فى الشريعة، فاخرت اليهود والنصارى فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبراهيم ومن ذكرناه معه، كما فاخروا أيضاً قبله، وقالوا إنهم أجدادنا وهم يشفعون فينا، فرد الله عز وجل عليهم بالآية، وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : با بنى هاشم لا يأتينى الناس بأعمالهم، ويأتونى بأنسابكم"تفسير : ولا نافية فى معنى النهى، ويأتونى منصوب بأن مضمرة بعد الواو التى بمعنى مع الواقعةفى سياق النهى، ويجوز أن يكون ما كسبت وما كسبتم على العموم فى عمل الخير، وعمل الشر، لكن الشر إنما يتصور فى قوله: {لها ما كسبت} من طريق الحكم على المجموع، فعمل السوء قد يصدر من المؤمنين الذين هم ذرية إبراهيم، ومن ذكرنا معه لا من إبراهيم أو نعد ما يسمى فى حق الأنبياء باسم الذنب شرا أو سوءا كأن يسمى معصية أو ذنبا، ويجوز أن تكون الإشارة بقوله: (تلك) إلى بنى هؤلاء الأنبياء، فلا يشكل نسبة الذنب إليهم: {ولا تُسألونَ عمَّا كانُوا يعْمَلُون}: أخير أو شر لتجاوزوا به، كما لا يسألون عما كنتم يعملون أخير أو شر ليجازوا به، بل تجازون بأعمالكم ويجازون بأعمالهم، أو لا تسألون عما عملوا من سوء لتجازوا به، بل تجازون بما عملتم من سوء، كما لا تنتفعون بحسناتهم، وإذا عملنا فى قوله: (ما كَسَبَت) (وما كَسَبتم) خير أو شر، أو عممنا كذلك فى قوله: {ولا تسألون عما كانُوا يعْملُون} كان قوله (لا تسألون.. إلخ) تقريراً لقوله: {لها ما كسبت ولكم ما كسبتم}، وكذا إن عممنا فى هذا وخصصنا قوله: {ولا تسْألون عمَّا كانُوا يعْملُون} بأعمال السوء، وإن خصصناه بخير، وخصصنا قوله: {ولا تُسألُونَ عمَّا كانُوا يعْمَلُون}، بسوء كان قوله: {ولا تسألُونَ عمَّا كانُوا يعملون}، تأسيساً مفيداً لحكم لم يفده ما قبله.

اطفيش

تفسير : {تِلْكَ} أى هؤلاء إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وبنوهم، وقال: تلك، لمعنى الجماعة، أو للخبر، وهو قوله {أُمَّةٌ} جماعة، سميت لأنها تؤم، أى تقصد، ويؤم بعضا بعضاً، ويجمعهم أمر واحد، دين أو زمان أو مكان، هذا أصل الأمة، وقد يطلق على الملة، أو على الزمان، أو على المنفرد بشىء فى زمانه، وحمل بعضهم الآية عليه بمعنى، أن كل واحد من إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب أمة فى زمانه، فالإشارة إلى الأربعة على هذا، ولا يراد عما يعمل الأربعة من خير أو شر، إذ لا يعملون شرّاً اللهم إلا على سبيل الفرض للبرهان {قَدْ خَلَتْ} مضت {لَهَا} لا لغيرها {مَا كَسَبَتْ} أجر عملها {وَلَكُمْ} لا لغيركم {مَّا كَسَبْتُمْ} ولهم أو لكم ما كسب لهم أو لكم، وحذف ذلك مثل أن يتصدق أحد ويصلى النفل، أو يصومه وينوى بثوابه غيره من الأحياء أو الأموات، وأما العلم المنتفع به والصدقة الجارية فمن كسب الإنسان، ومنفذ ذلك كوكيله وولد الرجل من كسبه، وقيل: يختص ذلك بهذه الأمة، والخطاب لليهود، أو المراد الجزاء بخير أو شر كما فى قوله {وَلاَ تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} عن خير أو شر ولا يسألون عما كنتم تعملون، والسؤال عبارة عن لازمه، وهو المؤاخذة، ولو كان حقيقا فكيف، وهو توبيخ. قال ابن أبى حاتم مرسلا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يا معشر قريش، إن أولى الناس بالنبى المتقون، فكونوا بسبيل من ذلك، فانظروا ألا يلقانى الناس، يحملون الأعمال، وتلقونى بالدنيا تجمعونها فأصد عنكم بوجهى"تفسير : ، وفى معناه ما روى: يا بنى هاشم، لا يأتينى الناس بأعمالهم، وتأتونى بأنسابكم، أو لا تسألون عما يعلم هؤلاء الأنبياء قبلكم من الشرائع، بل عما يعمل نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم.

الالوسي

تفسير : {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} الإشارة إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأولاده، و ـ الأمة ـ أتت بمعان، والمراد بها هنا الجماعة من أمّ بمعنى قصد، وسميت كل جماعة يجمعهم أمر ما إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان بذلك لأنهم يؤم بعضهم بعضاً ويقصده، و ـ الخلو ـ المضي وأصله الانفراد. {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم} استئناف أو بدل من قوله تعالى: {خَلَتِ} لأنها بمعنى لا تشاركونهم وهي كغير الوافية وهذه وافية بتمام المراد، أو الأولى صفة أخرى ـ لأمة ـ أو حال من ضمير {خَلَتِ} والثانية جملة مبتدأة، إذ لا رابط فيها ولا مقارنة في الزمان، وفي الكلام مضاف محذوف بقرينة المقام، أي لكل أجر عمله، وتقديم المسند لقصر المسند إليه على المسند، والمعنى أن انتسابكم إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم، وإنما تنتفعون بموافقتهم واتباعهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا معشر قريش، إن أولى الناس بالنبـي المتقون، فكونوا بسبيل من ذلك، فانظروا أن لا يلقاني الناس يحملون الأعمال، وتلقوني بالدنيا فأصد عنكم بوجهي»تفسير : ولك أن تحمل الجملة الأولى: على معنى ـ لها ما كسبته ـ لا يتخطاها إلى غيرها، والثانية: على معنى/ ولكم ما كسبتموه ـ لا ما كسبه غيرهم ـ فيختلف القصران لاقتضاء المقام ذلك. {وَلاَ تُسْـئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} إن أجرِيَ ـ السؤال ـ على ظاهره فالجملة مقررة لمضمون ما قبلها وإن أريد به مسببه ـ أعني الجزاء ـ فهو تذييل لتتميم ما قبله، والجملة مستأنفة أو معترضة، والمراد تخييب المخاطبين وقطع أطماعهم من الانتفاع بحسنات من مضى منهم، وإنما أطلق ـ العمل ـ لإثبات الحكم بالطريق البرهاني في ضمن قضية كلية، وحمل الزمخشري الآية على معنى ـ لا تؤاخذون بسيئاتهم كما لا تثابون بحسناتهم ـ واعترض بأنه مما لا يليق بشأن التنزيل، كيف لا وهم منزعون عن كسب السيئات فمن أين يتصور تحميلها على غيرهم حتى يتصدى لبيان انتفائه، وأنت تعلم أنه إذا كان المقصود سوق ذلك بطريق كلي برهاني لا يتوهم ما ذكر. هذا ومن الغريب حمل الإشارة على كل من إبراهيم وإسمٰعيل وإسحٰق وأن المعنى كل واحد منهم أمة أي بمنزلتها في الشرف والبهاء قد خلت أي مضت، ولستم مأمورين بمتابعتهم لها ما كسبت وهو ما أمرها الله تعالى به ولكم ما كسبتم مما يأمركم به سبحانه وتعالى، ولا ينفعكم مكتسبهم لأنه ليس مقبولاً منكم لأنه ليس في حقكم، إنما ينفعكم ما يجب عليكم كسبه ولا تسألون عما كانوا يعملون هل عملتم به؟ وإنما تسألون عما كان يعمل نبيكم الذي أمرتم بمتابعته، فإن أعماله ما هو كسبكم المسؤول عنه، فدعوا أن هذا ما أمر به إبراهيم أو غيره، وتمسكوا بما أمر به نبيكم، واعتبروا إضافة العمل إليه دونهم، ولا يخفى أنه لو كانت هذه الآيات كلام هذا المفسر لأمكن حملها على هذا التفسير الذي لا فرع ولا أصل له، لكنها كلام رب العالمين الذي يجل عن الحمل على مثل ذلك. ومن باب الإشارة والتأويل في الآيات السابقة إلى هنا: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} أي بمراتب الروحانيات كالقلب والسر والروح والخفاء والوحدة والأحوال والمقامات التي يعبر بها على تلك المراتب كالتسليم والتوكل والرضا وعلومها {فَأَتَمَّهُنَّ} بالسلوك إلى الله تعالى وفي الله تعالى حتى الفناء فيه {قَالَ إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} بالبقاء بعد الفناء، والرجوع إلى الخلق من الحق، تؤمهم وتهديهم سلوك سبيلي، ويقتدون بك فيهتدون {أية : قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِى قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [البقرة: 124] فلا يكونون خلفائي مع ظلمهم وظلمتهم برؤية الأغيار ومجاوزة الحدود {وَإِذْ جَعَلْنَا } بيت القلب مرجعاً للناس، ومحل أمن وسلامة لهم إذا وصلوا إليه وسكنوا فيه من شر غوائل صفات النفس، وفتك قتال القوى الطبيعية وإفسادها، وتخييل شياطين الوهم والخيال وإغوائهم. {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ} الذي هو مقام الروح والخلة موطناً للصلاة الحقيقية التي هي المشاهدة والخلة الذوقية {أية : وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ } تفسير : [البقرة: 125] أمرناهما بتطهير بيت القلب من قاذورات أحاديث النفس، ونجاسات وساوس الشيطان، وأرجاس دواعي الهوى، وأدناس صفات القوى للسالكين المشتاقين الذين يدورون حول القلب في سيرهم، والواصلين إلى مقامه بالتوكل الذي هو توحيد الأفعال، والخاضعين الذين بلغوا إلى مقام تجلي الصفات وكمال مرتبة الرضا، الغائبين في الوحدة، الفانين فيها {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا} الصدر الذي هو حريم القلب {بَلَدًا آمِنًا} من استيلاء صفات النفس، واغتيال العدو اللعين، وتخطف جن القوى البدنية {وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ} من ثمرات معارف الروح من وحد الله تعالى منهم وعلم المعاد إليه، قال: ومن احتجب أيضاً من الذين يسكنون الصدر ولا يجاوزون حده بالترقي إلى مقام/ العين لاحتجابهم بالعلم الذي وعاؤه الصدر {فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً} من المعاني العقلية والمعلومات الكلية النازلة إليهم من عالم الروح على حسب استعدادهم {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ} نار الحرمان والحجاب {أية : وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } تفسير : [البقرة: 126] مصيرهم لتعذيبهم بنقصانهم وعدم تكميل نشأتهم {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ} على الكيفية التي ذكرناها قبل {وَإِسْمَـٰعِيلَ } كذلك قائلين {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} مجاهداتنا ومساعينا في السلوك إليك بأمداد التوفيق {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ} لهواجس خواطرنا فيه {أية : ٱلْعَلِيمُ }تفسير : [البقرة: 127] بنياتنا وأسرارنا {رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} لا تكلنا إلى أن أنفسنا {وَمِن ذُرّيَّتِنَا} المنتمين إلينا {أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا} طرق الوصول إلى نفي ما سواك {وَتُبْ عَلَيْنَا} فيك عن أنفسنا وفنائنا {إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ} الموفق للرجوع إليك {أية : ٱلرَّحِيمِ }تفسير : [البقرة: 128] بمن عوّل دون السوى عليك {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ} وهو الحقيقة المحمدية {يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِكَ} الدالة عليك {وَيُعَلّمُهُمُ} كتاب العقل الجامع لصفاتك {وَٱلْحِكْــمَةِ} الدالة على نفي غيرك {وَيُزَكّيهِمْ} ويطهرهم عن دنس الشرك {أية : إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ } تفسير : [البقرة: 129] الغالب، فأنى يظهر سواك المحكم لما ظهرت فيه فلا يرى إلا إياك {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرٰهِيمَ } وهي التوحيد الصرف، إلا من احتجب عن نور العقل بالكلية، وبقي في ظلمة نفسه {أية : وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ }تفسير : [البقرة: 130] فكان من المحبوبين المرادين بالسابقة الأزلية في عالم الملك، وأنه في عالم الملكوت من أهل الاستقامة، الصالح لتدبير النظام وتكميل النوع {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ } أي وحّد وأسلم لله تعالى ذاتك {أية : قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [البقرة: 131] وفنيت فيه {وَوَصَّىٰ} بكلمة التوحيد {إِبْرٰهِيمُ بَنِيهِ} السالكين على يده {وَ} كذلك يعقوب {يَعْقُوبُ يَـٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ} دينه الذي لا دين غيره عنده {أية : فَلاَ تَمُوتُنَّ } تفسير : [البقرة: 132] بالموت الطبيعي وموت الجهل، بل كونوا ميتين بأنفسكم، أحياء بالله أبداً، فيدرككم موت البدن على هذه الحالة {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} فلا تكونوا مقيدين بالتقليد البحت لهم، فليس لأحد إلا ما كسب من العلم والعمل والاعتقاد والسيرة، فكونوا على بصيرة في أمركم، واطلبوا ما طلبوا لتنالوا ما نالوا {أية : وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } تفسير : [العنكبوت: 69] ومن دق باب الكريم ولجّ ولج.

ابن عاشور

تفسير : عقبت الآيات المتقدمة من قوله: {أية : وإذ ابتلى إبراهيم ربه}تفسير : [البقرة: 124] بهذه الآية لأن تلك الآيات تضمنت الثناء على إبراهيم وبنيه والتنويه بشأنهم والتعريض بمن لم يقتف آثارهم من ذريتهم وكأن ذلك قد ينتحل منه المغرورون عذراً لأنفسهم فيقولون نحن وإن قصرنا فإن لنا من فضل آبائنا مسلكاً لنجاتنا، فذكرت هذه الآية لإفادة أن الجزاء بالأعمال لا بالاتكال. والإشارة بتلك عائدة إلى إبراهيم وبنيه باعتبار أنهم جماعة وباعتبار الإخبار عنهم باسم مؤنث لفظه وهو أمة. والأمة تقدم بيانها آنفاً عند قوله تعالى: {أية : ومن ذريتنا أمة مسلمة لك}تفسير : [البقرة: 128]. وقوله: {قد خلت} صفة لأمة ومعنى خلت مضت، وأصل الخلاء الفراغ فأصل معنى خلت خلا منها المكان فأسند الخلو إلى أصحاب المكان على طريقة المجاز العقلي لنكتة المبالغة، والخبر هنا كناية عن عدم انتفاع غيرهم بأعمالهم الصالحة وإلا فإن كونها خلت مما لا يحتاج إلى الإخبار به، ولذا فقوله: {لها ما كسبت} الآية بدل من جملة {قد خلت} بدل مفصل من مجمل. والخطاب موجه إلى اليهود أي لا ينفعكم صلاح آبائكم إذا كنتم غير متبعين طريقتهم، فقوله: {لها ما كسبت} تمهيد لقوله: {ولكم ما كسبتم} إذ هو المقصود من الكلام، والمراد بما كسبت وبما كسبتم ثواب الأعمال بدليل التعبير فيه بلها ولكم، ولك أن تجعل الكلام من نوع الاحتباك والتقرير لها ما كسبت وعليكم ما كسبتم أي إثمه. ومن هذه الآية ونظائرها انتزع الأشعري التعبير عن فعل العبد بالكسب. وتقديم المسندين على المسند إليهما في {لها ما كسبت ولكم ما كسبتم} لقصر المسند إليه على المسند أي ما كسبت الأمة لا يتجاوزها إلى غيرها وما كسبتم لا يتحاوزكم، وهو قصر إضافي لقلب اعتقاد المخاطبين فإنهم لغرورهم يزعمون أن ما كان لأسلافهم من الفضائل يزيل ما ارتكبوه هم من المعاصي أو يحمله عنهم أسلافهم. وقوله: {ولا تسألون عما كانوا يعملون} معطوف على قوله: {لها ما كسبت} وهو من تمام التفصيل لمعنى خلت، فإن جعلت {لها ما كسبت ولكم ما كسبتم} خاصاً بالأعمال الصالحة فقوله: {ولا تسألون} إلخ تكميل للأقسام أي وعلى كل ما عمل من الإثم ولذا عبر هنالك بالكسب المتعارف في الادخار والتنافس وعبر هنا بالعمل. وإنما نفى السؤال عن العمل لأنه أقل أنواع المؤاخذة بالجريمة فإن المرء يؤخذ بجريمته فيسأل عنها ويعاقب وقد يسأل المرء عن جريمة غيره ولا يعاقب كما يلام على القوم فعل بعضهم ما لا يليق وهو شائع عند العرب قال زهير:شعر : لعمري لنِعْمَ الحيُّ جَرَّ عليهم بما لا يُواتيهم حُصَين بن ضَمْضمِ تفسير : فنفي أصل السؤال أبلغ وأشمل للأمرين، وإن جعلت قوله: {ولكم ما كسبتم} مراداً به الأعمال الذميمة المحيطة بهم كان قوله: {ولا تسألون} إلخ احتراساً واستيفاء لتحقيق معنى الاختصاص أي كل فريق مختص به عمله أو تبعته ولا يلحق الآخر من ذلك شيء ولا السؤال عنه، أي لا تحاسبون بأعمال سلفكم وإنما تحاسبون بأعمالكم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 134- ثم ما لكم - أيها اليهود - والجدل فى هؤلاء! فأولئك قوم قد مضوا لسبيلهم، ثم لهم - وحدهم - ما كسبوا فى حياتهم، فلن تسألوا عن أعمالهم، ولن يفيدكم شئ منها، ولن يكون لكم إلا ما كسبتم أنتم من أعمال. 135- ولكنهم لا ينفكون يمعنون فى لجاجهم، ويزعم كل فريق منهم أن ملته هى الملة المثلى، فيقول لكم اليهود: كونوا يهوداً تهتدوا إلى الطريق القويم، ويقول النصارى: كونوا نصارى تهتدوا إلى الحق المستقيم، فلتردوا عليهم بأننا لا نتبع هذه الملة ولا تلك، لأن كلتيهما قد حُرِّفَتْ وخرجت عن أصولها الصحيحة، ومازجها الشرك، وبعدت عن ملة إبراهيم، وإنما نتبع الإسلام الذى أحيا ملة إبراهيم نقية طاهرة. 136- قولوا لهم: آمنا بالله وما أنزل إلينا فى القرآن، وآمنا كذلك بما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وبنيه الأسباط، وبالتوراة التى أنزلها الله على موسى غير محرَّفة، والإنجيل الذى أنزله الله على عيسى غير محرَّف، وبما أوتى جميع النبيين من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم - فنكفر ببعضهم ونؤمن ببعض - ونحن فى هذا كله مذعنون لأمر الله. 137- فإن آمنوا إيماناً مطابقاً لإيمانكم فقد اهتدوا، وإن تمادوا فى عنادهم وإعراضهم فإنما هم فى نزاع مستمر وخلاف معكم، وسيكفيك الله أمرهم - يا أيها النبى - ويريحك من لجاجهم وشقاقهم، فهو السميع لما يقولون، العليم بما عليه صدورهم. 138- قولوا لهم: إن الله قد هدانا بهدايته، وأرشدنا إلى حجته، ومن أحسن من الله هداية وحُجة، وأننا لا نخضع إلا لله، ولا نتبع إلا ما هدانا وأرشدنا إليه.

د. أسعد حومد

تفسير : {لاَ تُسْأَلُونَ} (134) - فَتِلْكَ الأَجْيَالُ السَّالِفَةِ كَانُوا أَمَّةً مُؤْمِنَةً، فَلا يَنْفَعُكُمُ الانتِسَابُ إِلَيهِمْ، إَذَا لَمْ تَفْعَلوا أَنْتُم خَيْراً تَنْتَفِعُونَ بِهِ، فَقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللهِ فِي خَلْقِهِ عَلَى أَنْ لا يُجْزَى أَحَدٌ إِلاَّ بِكَسْبِهِ وَعَمَلِهِ، وَلا يُسْأَلُ أَحَدٌ إِلاَّ عَنْ كَسْبِهِ وَعَمَلِهِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ يُحَاسَبُ عَلَى عَمَلِهِ، وَلاَ تُسْأَلُونَ أَنْتُمْ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ هُمْ. خَلَتْ - مَضَتْ وَسَلَفَتْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقوله تعالى: "خلت" أي انفردت. وخلا فلان بفلان أي انفرد به .. وخلا المكان من نزيله أي أصبح المكان منفرداً، والنزيل منفرداً ولا علاقة لأحدهما بالآخر .. الله تبارك وتعالى يقول: {أية : وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} تفسير : [البقرة: 14]. أي انفردوا هم وشياطينهم ولم يعد في المكان غيرهم؛ ولقد قلنا إن كل حدث لابد أن يكون له مُحْدِثٌ، ولا حدث يوجد بذاته، وكل حدث يحتاج إلى زمان ويحتاج إلى مكان .. فإذا قال الحق تبارك وتعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} فمعناه إنه انقضى زمانها وانفرد عن زمانكم. والمقصود بقوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} [البقرة: 134] أي انتهى زمانها .. وتلك اسم إشارة لمؤنث مخاطب وأمة هي المشار إليه، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولعامة المسلمين .. والله سبحانه وتعالى حين يقول: {تِلْكَ أُمَّةٌ} [البقرة: 134] فكأنها مميزة بوحدة عقيدتها ووحدة إيمانها حتى أصبحت شيئاً واحداً .. ولذلك لابد أن يخاطبها بالوحدة .. واقرأ قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [الأنبياء: 92]. وتلك هنا إشارة لأمة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب .. هم جماعة كثيرة لهم عقيدة واحدة. وقوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 134] .. أي تلك جماعة على دين واحد تُحاسب عما فعلته كما ستحاسبون أنتم على ما فعلتم .. ولكن الله سبحانه وتعالى يقول: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ..} تفسير : [النحل: 120]. وإبراهيم فرد وليس جماعة؟ نقول: نعم إن إبراهيم فرد، ولكن اجتمعت فيه من خصال الخير ومواهب الكمال ما لا يجتمع إلا في أمة. وقوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ} [البقرة: 134] يراد بها إفهام اليهود ألا ينسبوا أنفسهم إلى إبراهيم نسباً كاذباً؛ لأن نسب الأنبياء ليس نسباً دموياً أو جنسياً أو انتماء .. وإنما نسب منهج واتباع .. فكأن الحق يقول لليهود لن ينفعكم أن تكونوا من سلالة إبراهيم ولا إسحاق ولا يعقوب .. لأن نسب النبوة هو نسب إيماني فيه اتباع للمنهج والعقيدة .. ولا يشفع هذا النسب يوم القيامة لأن لكل واحد عمله. قوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 134] .. الكسب يؤخذ على الخير والاكتساب يؤخذ في الشر لأن الشر فيه افتعال. إننا لابد أن نلتفت ونتنبه إلى آيات القرآن الكريم، حتى نستطيع أن نرد على أولئك الذين يحاولون الطعن في القرآن .. فلا يوجد معنى لآية تهدمها آية أخرى ولكن يوجد عدم فَهْم. يأتي بعض المستشرقين ليقول هناك آية في القرآن تؤكد أن الله سبحانه وتعالى يعطي بالأنساب وذلك في قوله جل جلاله: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ..} تفسير : [الطور: 21]. الأبناء مؤمنون، وقوله تعالى: "ألحقنا بهم ذريتهم" كلمة ألحقنا تأتي عندما تلحق ناقصاً بكامل .. فإذا كان الاثنان مؤمنين فكأنك تزيد درجة الأبناء إكراماً لآبائهم المؤمنين .. نقول إن الإيمان شيء والعمل بمقتضى الإيمان شيء آخر .. الأب والذرية مؤمنون ولكن الآباء تفانوا في العمل والأبناء ربما قصروا قليلاً .. ولكن هنا رفع درجة بالنسبة للمؤمنين، أي لابد أن يكون الأب والذرية مؤمنين .. ولكن غير المؤمنين مبعدون ليس لهم علاقة بآبائهم انقطعت الصلة بينهم بسبب الإيمان والكفر .. فالآباء لهم أعمال حسنة كثيرة .. والأبناء لهم أعمال حسنة أقل .. ينزل الله الأبناء في الجنة مع آبائهم لأن الإيمان واحد. وقوله تعالى: "وما ألتناهم" أي أنقصناهم من عملهم من شيء .. إذن فالآباء والذرية مأخوذون بإيمانهم، والله بفضله يلحق الأبناء بالآباء. قوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 134] .. هذه عملية الإيمان في العقيدة .. قد يقول البعض إن الله تبارك وتعالى يقول: {أية : كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ} تفسير : [الطور: 21]. ويقول سبحانه: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} تفسير : [النجم: 39]. فكيف يأخذ الأبناء جزاء بدون سعي؟ نقول افهموا النصوص جيداً. قوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} [النجم: 39] تحدد العدل ولكنها لا تحدد الفضل الذي يعطيه الله سبحانه لمن شاء من عباده، وهذا يعطي بلا حساب .. ثم مَنْ الذي قال إن هذا ليس من سعيهم؟ إن إلحاق الأبناء المؤمنين بالمنزلة العالية لآبائهم تكريم لعمل الآباء وليس زيادة لعمل الأبناء. ولقد روى لنا العلماء أن ولداً كان مؤمناً طائعاً عابداً وأبوه كان مسرفاً على نفسه .. فلما مات الأب حزن عليه ابنه، ولكنه رأى أن أباه جالس فوق رأسه ومعه واحدة من الحور العين تؤنسه .. فتعجب الابن كيف ينال أبوه هذه المكافأة وقد كان مسرفاً على نفسه فسأله: كيف وصلت لهذه المنزلة؟ فقال الأب أي منزلة .. قال الابن أن تكون معك واحدة من الحور العين .. فقال الأب وهل فهمت أنها نعيم لي .. قال الابن نعم .. فقال الأب: لا، أنا عقوبة لها .. الله سبحانه وتعالى يقول: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} تفسير : [يونس: 58]. إذن أنت في الآخرة ستفرح بفضل الله ورحمته أكثر من فرحك بعملك الصالح .. مصداقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حديث : سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لن يُدْخِلَ الجنة أحداً عَمَلُه، قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمته ). تفسير : ربما يأتي أحد ويقول الصلاة على الميت ما هو القصد الشرعي منها .. إن كانت تفيده فستكون الفائدة زيادة على عمله .. وإن لم تكن تعطيه أكثر من عمله فما فائدتها؟. نقول ما دام الشرع كلفنا بها فلها فائدة. وهل تظن أن الصلاة على الميت ليست من عمله؟ هي داخلة في عمله لأنه مؤمن وإيمانه هو الذي دفعك للصلاة عليه .. والذي تدعو له بالخير وبالرحمة وبالمغفرة ويتقبلها الله .. أيقال إنه أخذ غير عمله؟ لا إنك لم تدع له إلا بعد أن أصابك الخير منه .. ولكنك لا تدعو مثلاً لإنسان أخذ بيدك إلى خمارة أو إلى فاحشة أو إلى منكر .. بل تدعو لمن أعطاك خيراً فإن استجاب الله لك فهو من عمله. الله سبحانه وتعالى يقول إن ما كان يعمله من سبقكم من الأمم لا تُسْأَلون عنه .. وإن كنتم تَدَّعون إن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً نقول لكم أنتم لن تُسْألوا عما كان يعمل إبراهيم ولكن عليكم أنفسكم .. السؤال يكون عن عملكم.

الأندلسي

تفسير : {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} أي انقضت وصارت إلى الخلاء وهي الأرض التي لا أنيس بها. تلك: إشارة إلى إبراهيم ويعقوب وما بينهما. {لَهَا مَا كَسَبَتْ} أي تختص بجزائه. {وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ} خطاب لليهود والنصارى والجملة من قوله لها ما كسبت استئناف أو حال من ضمير خلت ولكم ما كسبتم: عطف على لها ما كسبت على تقدير الاستئناف لا الحال. {وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} جملة توكيدية لما قبلها. {وَقَالُواْ} أي رؤساء اليهود ونصارى نجران لفهم معاً والضمير والمأمورون من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم واو للتفصيل فاليهود قالوا: كونوا هوداً والنصارى قالوا كونوا نصارى فالمجموع قالوا للمجموع وقال كل من الفريقين ما ناسبه. {بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} قرىء بالنصب أي نتبع لأن الأمر بكينونة اليهودية والنصرانية معناه اتبعوا. وقرىء بالرفع أي الهدى أو أمرنا ملة وانتصب. {حَنِيفاً} على الحال من ملة لأن معناه دين إبراهيم وهي حال لازمة وأجازوا فيه الحال من إبراهيم والنصب على القطع والحنيف المائل عن الأديان كلها إلى دين الحق. {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي من اليهود القائلين بنبوة عزير ولا من النصارى القائلين بنبوة المسيح ولا من الذين اتخذوا الأوثان والملائكة وقالوا هم بنات الله. و{قُولُوۤاْ} أمر للمؤمنين. {وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا} لما ألزموا تكاليف القرآن قيل فيه أنزل إليهم. {وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} هي عشر الصحف. {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ} عطفوا على إبراهيم لما كلفوا العمل بشريعته صارت الصحف كأنها منزلة إليهم، والاسباط: أولاد يعقوب وأكبرهم روبيل وشمعون ولاوي ويهودا ورفالون. وقال الجواني: النسابة فيه وزيولون ونساقا. وقال ابن عطية فيه وتشجر وذينة بنته، وامهم ليا. ثم خلف يعقوب على اختها راحيل فولدت له يوسف وبنيامين. وولد له من سريتين ذان وتفتالي وياشير. وقال ابن عطية فيه آشر. وكان. وقال فيه ابن عطية: جاد. {وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ} من التوراة والآيات. {وَعِيسَىٰ} من الإِنجيل والآيات وكرر الموصول في وما أنزل لأن القرآن غير صحف إبراهيم ولم يكرر ما أوتي لأن شريعة عيسى هي شريعة موسى إلا في النزر. {وَمَا أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ} تعميم بعد تخصيص. {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ} أي بين الجميع واحد هو المستعمل في النفي للعموم أو أحد بمعنى واحد فحذف ما عطف عليه أي بين أحد منهم والآخر. {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} داخل في القول.

الجيلاني

تفسير : {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} مضت {لَهَا مَا كَسَبَتْ} من العزائم الدينية، وعليها ما اكتسبت من الجرائم المتعلقة به بحسب ذلك الزمان {وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ} من فوائد الإيمان والإسلام، و عليكم ما اكتسبتم من غوائل الكفر والطغيان بحسب زمانكم هذا؛ إذ لك منكم ومنهم لم يجز إلا بما عمل وكسب {وَلاَ تُسْأَلُونَ} وتؤاخذون أنتم {عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134] من السيئات، كما لا تثابون من حسناتهم بل كل امرئ بما كسب رهين. {وَ} إن {قَالُواْ} أي: كل من الفريقين لكم {كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} لكي {تَهْتَدُواْ} إلى طريق الحق {قُلْ} لهم لا نتبع آراءكم الفاسدة وأهواءكم الباطلة {بَلْ} نتبع {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} مائلاً عن الآراء الباطلة مهذباً منها {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [البقرة: 135] بالله باعتقاد الوجود لغير الله. {قُولُوۤاْ} لهم في مقابلة قولهم أيها المؤمنون المتبعون لملة إبراهيم، إرشاداً لهم وإسماعاً إياهم طريق الحق: {آمَنَّا بِٱللَّهِ} الواحد المتجلي في الآفاق بالاستحقاق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا {وَ} آمنا أيضاً {مَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا} بوسيلة رسولنا من الكتاب المبين لمصلحتنا، المتعلق بمبدئنا ومعادنا في زماننا {وَ} آمنا آيضاً {مَآ أُنزِلَ} إلى المتبوعين الماضين {إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ} المورثين وديننا {وَ} كذلك آمنا {مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ} من الكتب والآيات الدالة على توحيد الذات وتصديق من جاء به من عند ربه {وَ} الحاصل أنا آمنا بجميع {مَا أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ} لإهداء المضلين من عباده إلى توحيده {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} بالإيمان والإنكار، بل نؤمن بجميعهم ونصدقهم؛ لكونهم هادين إلى توحيد الله وإن تفاوتت طرقهم {وَنَحْنُ لَهُ} لتوحيد الله {مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136] منقادون متوجهون؛ وإن بين بطرقٍ متعددةٍ وكتبٍ مختلفةٍ بحسب الأعصار والأزمان المتوهمة من تجليات الذات بالأسماء والصفات.